فهرس المحتويات

المساجد بيوت الله 

 

تأليف:

عبد الله عمار الحموي

(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

(2)

العتبة العباسية المقدسة

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

 

سلسلة نمط الحياة 

 

المساجد بيوت الله

 

تأليف:

عبد الله عمار الحموي

(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)

 

 

مقدّمة المركز

الحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين، وبعد...

الحياة الطيِّبة هي الوضعيّة المنشودة لحياة البشر؛ في الأبعاد الإيمانيّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، والجهاديّة، والجسميّة، والبيئيّة، والجماليّة، والعلميّة، والإداريّة. ووفقًا لرؤيتنا الإسلاميّة لا مجال لفصل الحياة الطيِّبة بأبعادها ومراتبها كافة عن الإيمان والعمل الصالح الوارد في عدّة آيات في القرآن الكريم على نحو التلازم، قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97). فالإحياء هنا بمعنى إلقاء الحياة في الشيء وإفاضتها عليه، وفيها دلالة على أنّ الله سبحانه يكرّم المؤمن الذي يعمل صالحًا بحياة جديدة غير ما يشاركه سائر الناس من الحياة العامّة، وما في الآية من طيب الحياة يلازم طيب أثرها وهو القدرة والشعور المتفرّع عليهما الأعمال الصالحة.

إذًا «الحياة الطيِّبة» في هذه الدنيا هي النتاج الطبيعي

(9)

للعمل الصالح النابع من الإِيمان، أيْ أنّ المجتمع البشري سيعيش حينها حياةً هادئةً مطمئنةً ملؤها الرفاه والسلم والمحبّة والتعاون، وفي أمان من الآلام الناتجة عن الإِستكبار والظلم والطغيان وعبادة الأهواء والأنانيّة التي تملأ الدنيا ظلامًا وظلامات[1].

وتتأكّد أهمية التربية على نمط الحياة الإسلاميّة بسعة التشريعات والقيم الإسلاميّة، لهذا فهي إضافة للتربية على البعد الإيماني التربوي، حيث العمل على تربية شخصيّة الإنسان وبناؤه في الجوانب العقائديّة والإيمانيّة والعباديّة والروحيّة، تبرز الأهميّة للتربية في البعدَيْن السلوكي الفردي والاجتماعي، حيث التربية على الحياة الأسريّة والاجتماعيّة الإسلاميّة، ويتحمّل المسؤلية المجتمعيّة في ضوئها. وفي التربية على ثقافة التدبير المعيشي، واتقان العمل، والسعي للكسب الحلال...، وأصول وقيم التعامل مع سائر النعم والمخلوقات. بل والتصرّف في الأرض وخيراتها وفق إرادة الله تعالى، باعتبارها أمانة إلهية لخدمة الإنسان ورقيّه ورفاهيّته وتحقيق كماله على ضوء الإرادة الإلهيّة.

ختامًا لا شك بأنّ التزام الإنسان نمط الحياة الإسلاميّة، ومراعاته لقواعد وأصول الحياة الطيبة يكفلان له أعلى درجات السعادة والإطمئنان في حياته الدنيوية، والفوز برضا الله وجزاءه الحسن في حياته الأخروية.

(10)

هذا الكتاب «المساجد بيوت الله» يسلّط الضوء على مكانة المسجد وقداسته في الإسلام، ودوره منذ عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مختلف مراحل الدعوة، وأنّها بيوت الله في الأرض، وتدعوه لتحويل حُسن تعامله معها إلى نمط حياة من أنماط الحياة الإسلاميّة الطيّبة، وقد استندنا في تأليفه وكتابة مضامينه على الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبويّة الشريفة وروايات أئمة أهل البيت عليهم‌السلام، وفتاوى الفقهاء، ليكون الكتاب أصيلًا في مضامينه ومفيدًا للقرّاء الكرّام.

والحمد للّه رب العالمين

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة

 

(11)

مقدِّمة المؤلِّف

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيّدنا ومولانا رسول الله محمّد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد...

إنّ المساجد بيوت الله ومهابط رحمته، فيها يُعبد الله ويُوحّد، وفيها يُذكر اسمه، وزوارهُ فيها عُمَّارُها، وهي ملتقى المؤمنين من عبادهِ وصفوتهِ، وأحبُّ البقاع إليهِ، أساسها على التقوى، وهي منارات الهدى وأعلام الدين، ومنطلق إعلان التوحيد لله سبحانه، وقلاع الإيمان كما أنها بيوت للطاعة ومجالس للذكر، ومحاريب للعبادة، ومواضع تسبيح، وابتهال وتذلّل بين يدي الله سبحانه، ورغبة فيما عنده من الأجر الكبير، وهي مرتاد لكل رائد للعلم أريب، ومقام تهجّد وترتيل لكتاب الله تعالى وحفظ له، وغوص وراء معانيه، والناس يتعلَّمون فيها مبادئ دينهم وتعاليمه. كما أنّها أوّل المؤسّسات التي انطلق منها شعاع العلم والمعرفة في الإسلام، وهي ميدان الشورى والتعارف والتآلف؛ لأنّ المسجد هو ذلك الموئل الإيمانيّ الّذي تطمئنّ القلوب المؤمنة لارتياده، وتسكن النفوس النقيّة في كنفه، وهو بعد معينٌ لا ينضب، ومنهل ينهل منه أفراد المجتمع ما يروي نهمهم، ويعطيهم قوّة علميّة، وشحنة إيمانيّة تدفع عنهم الشكوك والأوهام، وتجنّبهم سموم الأعداء، ونفثاتهم المحمومة المسعورة.

(12)

وأنَّ ممّا يؤسف له اليوم أن نرى الكثير من المسلمين يبتعدون عن بيوت الله، وهم يعلمون أنَّه لن يقوم لهم مجد ولا عز، ولن تسترجع لهم كرامة وهيبة إلّا بعودتهم للمساجد وإعادتهم للنسخة الصحيحة منها، ومن ثمّ ارتشافهم من معينها الصافي، وتعلّق قلوبهم بعلوم الله التي تبث من خلالها، والعمل على عمرانها بالإيمان وإقام الصلاة ليتحقق فيهم قول الله عَزَّتْ آلاَؤُه: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة: 18).

لأجل ما تقدّم كانت هذه الرسالة التي تبيّن مكانة المسجد في الإسلام، وقسطًا وافرًا من آدابه، ووظيفة مرتاديه وجيرانه، وفضل الصلاة فيه في جماعة أو غيرها؟ وسنتولى بتوفيق الله سبحانه استقصاء ما في الوسع ممّا جاء في كتاب الله وسنّة مولانا رسول الله  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  وآثار الأئمّة من أهل بيته عليهم‌السلام الواردة في حقّ المساجد وزوّارها، ونسأله تعالى أن يوفقنا جميعًا لمراضيه، ويجعلنا من عمّار بيوته بذكره إنّه سميع مجيب.

والحمد لله رب العالمين

(13)

غاية الشريعة، واتخاذ المساجد

إنَّ الله تبارك وتعالى لم يخلق الخلق إلّا ليعرفوه بأسمائه وصفاته ويتجرّدوا له وحده بلا شريك، ويُعبدوه[1]، فالباري عَزَّتْ آلاَؤُه، وإن كان هو المحمود لذاته، والذي لا يحيط أحد علمًا به إلا هو، ولا يثني أحد عليه كما أثنى هو على نفسه، فإنه مع ذلك خلق الخلق ليعرفوه ويوحدوه ويعبدوه، ونعني بالخلق كل مخلوق سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من الإنس أو غير ذلك، وقد قال عَزَّتْ آلاَؤه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات: 56).

ولنستمع إلى قول الله سبحانه، وهو يوحي إلى نَبِيِّهِ الكليم موسى عليه‌السلام خلاصة رسالته وأساس مهمته: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (طه: 13-14)، هذا وخاطب الباري عَزَّ وَجَلَّ خاتم أنَّبِيِّاءَه ورسله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فقال له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (الأنبياء: 25)، وقال عَزَّ من قائِل: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (الزخرف: 45).

ووصف الله لنا حال ملائكته الكرام، فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ

(14)

بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (الأنبياء: 26-28).

ووجَّه الباري عَزَّتْ آلاَؤُه خطابه للناس كافة، فقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (الأنبياء: 92)، فالملائكة والإنس والجن ما خلقوا جميعًا إلّا لعبادة الإله الواحد الأحد سبحانه وتعالى، والسماوات والأرض ما خلقت ولا نصبت إلّا لتحقيق هذه الغاية، وقد بيَّن الرب تبارك وتعالى ذلك في محكم كتابه، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (لقمان: 20)، فكان تسخير الله للسموات والأرض من أجل أن يقوم الإنسان بعبادة بارئه وربه ومولاه سبحانه وتعالى، وقد روي عن خَاتَم النَّبِيِّين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: «أفضل النَّاس مَنْ عشق العبادة»[1].

ولا يخفى أن الله سبحانه ليس بحاجة إلى هذه العبادة لأنه المحمود بذاته الذي حمد نفسه وأثنى عليها ولا يستطيع أحد أن يُقدر قدره ويعلم مقدار عظمته وسلطانه وعلو شأنه إلا هو سبحانه وتعالى. وهو عَزَّتْ آلاَؤُه غني عن كل خلقه؛ لا تنفعه عبادتهم، ولا تضره معصيتهم، والأمر كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (فاطر: 15).

(15)

وفي هذا المورد قال أمير المؤمنين علي عليه‌السلام: «أمّا بعد، فإنّ الله جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه، خلق خلقه فألزمهم عبادته، وكلّفهم طاعته، وقسّم بينهم معايشهم، ووضعهم في الدنيا بحيث وضعهم، وهو في ذلك غنيّ عنهم، لا تنفعه طاعةُ من أطاعه، ولا تضرّه معصيةُ من عصاه منهم ...»[1].

ولكنه سبحانه وتعالى يُحب أن يُعبد وأن يُقدّس وأن يُمدح ويثيب على ذلك، وهو يكره الكفر ويمقت الكافرين، ولذلك أرسل أنبياءه الكرام بكتبه القيمة وشرائعه الضامنة لاستنقاذ البشر من براثن الشرك والشيطان ولنصيحة أقوامهم لما فيه خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، فانتظم الخلق في السير والسلوك إلى الله ولم تنقطع مسيرة عباد الله حتى أنه مرّ زمان بعد نوح عليه‌السلام كانت فيه الدّنيا، وما فيها إلاّ وَاحِدٌ يَعْبُدُ اللَّهَ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ لَأَضَافَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ[2] حَيْثُ يَقُول‏: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (النحل: 120).

ونحن إذ أردنا البحث عن مقاصد الشريعة الإلهيّة، فستكون «عبادة الله سبحانه» هي المقصد الأوّل من مقاصد التشريع؛ بل المقصد الأسمى التي من أجلها خلق الله الملائكة والجن والإنس، وقد قال إمام المسلمين موسى بن جعفر الكاظم عليه‌السلام: «إنّ الله عَزَّ وَجَلَّ خلق الجنّ والإنس ليعبدوه ولم يخلقهم

(16)

ليعصوه، وذلك قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، فيسّر كلًا لما خُلق له، فالويل لمن استحبّ العمى على الهدى»[1].

وسُئل الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام عن حكمة تشريع الله سبحانه للعبادة، فقال: «لئلّا يكونوا ناسين لذكره، ولا تاركين لأدبه، ولا لاهين عن أمرهِ ونهيهِ، إذا كان فيه صلاحهم  وقوامهم، فلو تُركوا بغير تعبُّدٍ لطال عليهم الأمد، فقست قلوبهم»[2].

والحق أنّ الإنسانُ لا يمكنه الإنفكاك عن وصفِ العبوديّة، فهو إمّا أن يكون عبدًا لله، وإلا فهو عبدٌ لغيره، عبدٌ ذليل لذلك المرادِ المعبود؛ كالمال أو الجاه، أو الهوى، أو ...، وبالمحصلة إنْ لم يرض الإنسان أن يكون عبدًا لله عَزَّتْ آلاَؤُه، فسوف تستعبده حاجاتُه، ومطامعُه وأهواؤه، وشهواتُه وطواغيتُ الجنّ والإنس، وما يزيّنون لبني آدم من معبودات، ومن هذا يتّضحُ أنّ العبوديّة لله تحرِّر الناسَ من كلّ عبوديّة أخرى شعروا بها أو لم يشعروا بها رضوا أو سخطوا، فالقلبُ لا يصلح ولا يفلح، ولا ينعَم ولا يُسَرّ، ولا يلتذّ ولا يطيبُ، ولا يسكن ولا يطمئنّ إلا بعبادة الله وحدَه والإنابةِ إليه، ولو حصَّل على كلَّ ما يلتذّ به لم يسكن ولم يطمئنَّ إذ بفطرته فقر ذاتيّ إلى بارئه من حيث هو معبودُه ومطلوبه ومحبوبه، وبذلك يحصل له الفرحُ والسرور،

(17)

والنعمة، وهذا لا يحصل له إلا بإعانة الله له، فإنّه لا يقدِر على تحقيق ذلك السرورِ والسكون إلا الله وحده، فالإنسان دائمًا مفتقر إلى حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، ومن خلال معرفة هذه الحقيقة يمكننا القول أن أهم أسرار العبادات وحكمة تشريعها أنها تصل العبد ببارئه وتوثق صلته به مما يرسخ أصل الإيمان في نفسه ويجدده ويقويه فيها حتى يصير من أحباب الله تعالى، وفي ذلك يقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فيما يرويه عن الله عَزَّتْ آلاَؤُه: «وما تقرب إلي عبدي بشيء بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتنفل لي حتى أحبه، ومتى أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا، ويَدًا ومُؤَيِّدًا إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُه‏»[1].

أشرف العبادات

قد سهّل الله سبحانه وتعالى العبادةَ ويسَّرها غايةَ التيسير، وجعلَ للطريق إليه أبوابًا ليلجَها مَن للخير يقصِد ويسير، وصحيح إن مفهوم العبادة أعم وأشمل من أن يقتصر على الشعائر الخاصة كالصلاة والصوم والزكاة والحج -ويتعدّاه حتى يتناول حياة الإنسان كلها، بما فيها من حركات وسكنات، ومتى استطاع الإنسان أن يجعل حياته كلها خالصة لله، كان عبدًا ربانيًّا- إلا أن الصلاة تُعتبر أوضح مظهر من مظاهر الارتباط بالله تعالى ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ولذلك عُدّت أشرف العبادات وأفضل

(18)

الطاعات، وقد جمع الله فيها لبني آدم أعمال الملائكة كلهم من قيام وركوع وقنوت وسجود، وذكر وقراءة واستغفار ودعاء، وصلاة على النَّبِيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وأصنافًا مهمة من الأعمال. ولهذا كانت الصلاة أعظم أهدافًا وأرفع منزلة، وقد جعلها الله تعالى نهجًا لأنبياءه، ومقترن وجودها بوجودهم صلوات الله عليهم، وبنائًا على ذلك يمكن اعتبارها أقدم العبادات تاريخًا حيث «لم تنفك شريعة منها، وإن اختلف صورها بحسب شرع، فشرع»[1]، ولمّا كان السجود أشرف أجزاء الصلاة، وموضع القرب، وبه يتجلّى التواضع والخضوع، والتذلّل لله جلَّ وعلا. اشتُقّ اسم مكان أدائها منه، فقيل: مسجد، ولم يقل مركع أو غير ذلك، ولبيان عظيم مكانة المساجد عند الله تعالى فإنه لا أدلّ من جعلها مكانًا لإقامة «الصلاة» تلك العبادة التي عندما أراد الله سبحانه فرضها على آخر أمم الأنبياءعليهم‌السلام لم يُرسل الأمر مع جبريل عليه‌السلام ككلّ الفرائض الأخرى، ولكنّه أسرى بنَبِيِّهِ الأكرم ورسوله الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مسجد إلى مسجد، وقال عَزَّتْ آلاَؤُه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (الإسراء: 1)، ثم عرج به إلى السموات العلى وخاطبه الباري سبحانه في ذاك المقام الشريف، وفرض عليه وعلى أمّته هذه الشعيرة العظيمة التي اختصّها الله من بين سائر شرائع الإسلام بذلك، وجعل

(19)

المساجد بيوتًا لإقامتها، واعتبر تلك البيوت مهابط رحمته، وأحبُّ البقاع إليهِ عَزَّتْ آلاَؤُه.

والمسجد بحسب العربيّة هو الموضع الّذي يُسجد فيه، وقال صاحب الصحاح: والمسجد بالفتح جبهة الرجل حيث يصيبه ندب السجود[1]، وفي كتاب «تهذيب اللغة»: المَسْجِدُ : اسمٌ جامعٌ حيثُ يُسجَدُ عليه، وفيه، فأمّا المَسْجَدُ منَ الأرض، فموضعُ السُّجْودِ نفسُه، وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: مَسْجَدٌ بفتح الجيم: مِحْرَابُ البيوت، ومُصَلّى الجماعاتِ: مَسْجِدٌ بكسر الجيمِ، والمَسَاجِدُ: جَمعُهُما»[2]، وأمّا الجامع فهو الّذي تجمع فيه الجمعة في كلّ مصر، والمسجد الجامع نعت له، لأنّه يجمع أهله[3].

وأمّا المسجد بحسب الاصطلاح الشرعيّ، فهو المكان الموقوف على كافّة المسلمين للصلاة[4].

المساجد وشرف النسبة

يكفي المساجد شرفًا ومنزلة أنّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أضافها إلى ذاته العليّة، ونسبها إليه، فقال في فرقانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلهِ

(20)

فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا (الجن: 18)[1]، وقد أتت هذه الإضافة إلى ذاته بلام الاختصاص ثم أكد سبحانه وتعالى ذلك الاختصاص بقوله: ﴿فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَدًا، فتعلّقت قلوب المحبّين لله عَزَّ وَجَلَّ بها، لنسبتها إِلَى محبوبهم، وارتاحوا إِلَى ملازمتها لإظهارِ ذكره فيها هذا مع أنّ جميع البقاع وما فيها ملك لله تعالى، ولكن المساجد لها زيادة مزيّة وشرف حيث تختصّ بالعبادات والطاعات والقربات، فإضافتها إلى الله تعالى تقتضي احترامها، واعتراف المسلمين بفضلها، فهي من خصائصهم، وفي فضلها وعظيم منزلتها ورد الكثير من النصوص الشريفة، فقد أولى القرآن الكريم للمساجد عناية كبيرة، ومن وجوه شتّى حيث تكرّر ذكر المسجد أو المساجد، والمسجد الحرام، ولفظ البيوت التي أذن الله أن تُرفع في ثمان وعشرين آية من آيات كتاب الله المجيد.

وقد روى أهل البيت النبوي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «قال الله تبارك وتعالى: ألا إنّ بيوتي في الأرض المساجد، تُضيء لأهل السماء كما تُضيء النجوم لأهل الأرض..»[2].

أفضل الأماكن وأفضل الناس

لا شكّ أنّ الأزمنة والأمكنة متفاوتة من حيث الأجر والتقرّب

(21)

إلى الله تعالى، ومن حيث الأهمّيّة، فبعضها محبوب أكثر إلى الله تعالى من بعض، وبعضها يُستجاب فيه الدعاء أكثر من البعض الآخر، ومن هنا كان للمسجد حظّ من ناحية المحبوبيّة لله تعالى أكثر من غيره من البقاع، ولو تدبرنا في أفعال العباد الذين كانوا يقتدون بفعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فسنجد أن المساجد كانت آخر الأماكن التي ينطلقون منها إلى أسفارهم، وأول الأماكن التي إليها يرجعون، فالمسافر أول ما يصل إلى بلده كان يغدوا مستفتحًا أعماله بالصلاة في المسجد إشعارًا بأهمّيته وتقديمه على المنزل، وتذكيرًا بنعمة الله سبحانه، وتوثيقًا للرابطة القوية للمسجد، وهكذا كان دأب خَاتَم النَّبِيِّين، فإنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم«كان إذا قدِم من سفَر بدأ بالمسجد، فَصلّى فيه ركعتين، ثم يُثَنّي بفاطمةعليها‌السلام، ثم يأتي أزواجه، وفي لفظ آخر: ثم بدأ ببيت فاطمةعليها‌السلام، ثم أتى بيوت نسائه»[1].

وكما أنّ هناك أزمنة وأمكنة محبوبة لله كذلك هناك أيضًا أناسٌ محبوبون عند الله أكثر، -فإنّ لله خواصًا في الأزمنة والأمكنة والأشخاص-، وقد قضى الله تعالى أن يكون من هؤلاء الأشخاص روّاد المساجد وعُمّارها ـ أوّل الداخلين إليها وآخر الخارجين منها ـ وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للأمين جبريل عليه‌السلام: «يا جبرائيل أيّ البقاع أحبّ إلى الله عزّ وجلّ؟ قال: المساجد،

(22)

وأحبّ أهلها إلى الله أوّلهم دخولًا وآخرهم خروجًا منها»[1].

ومما تختصّ به المساجد أيضًا أنّ كلّها بيوت لله حيثما وجدت طالما أنّه يُذكر اسم الله فيها، وتُقام الصلوات خالصة لوجه الله الواحد القهّار دون سواه، فهي بقعة مقدّسة من بقاع الله الطاهرة، وقد وري عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنه قال: «ما من مسجد بُني إلّا على قبر نبيّ، أو وصيّ نبيّ قتل، فأصاب تلك البقعة رشّة من دمه، فأحبّ الله أن يُذكر فيها، فأدِّ فيها الفريضة والنوافل، واقضِ فيها ما فاتك»[2].

المسجد وعناية آدم والخليل عليهما‌السلام 

قال الله العظيم في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (آل عمران: 96)، وفي التراث المرويّ عن أهل بيت النبوّةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ أبا البشر آدم عليه‌السلام هو الذي بنى بيت الله الحرام، ومن ذلك ما ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال: «إنّ آدم عليه‌السلام هو الذي بنى البيت، ووضع أساسه، وأوّل من كساه الشعر، وأوّل من حجّ إليه،..»[3].

وبعد أن وهب الله تعالى لخليله إبراهيم ولديه إسماعيل وإسحاق عليه‌السلام حمد الله تعالى، وتوجّه إليه مبتهلًا بابتهالاتٍ عديدةٍ

(23)

خلدها الله له في كتابه الكريم، وكان من أمره عليه‌السلام أن أنزل أمّنا هاجر وولدها إسماعيل عليه‌السلام في جوار أسس البيت الحرام، وابتهل إلى الله قائلًا: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ... (إبراهيم: 37)، وفيما بعد ذلك رفع خليل الرحمن إبراهيم وولده إسماعيل عليه‌السلام قواعد بيت الله الحرام، وقال الباري عَزَّتْ آلاَؤُه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (البقرة: 127).

وبذلك جعل الله سبحانه وتعالى بيته الحرام أفضل المساجد وأقدمها في الأرض، قِبلةً لأفضل الأمم وخير الأديان، فالمسلمون في كلّ المساجد وكل بقاع الأرض، يتّجهون بصلاتهم إلى ذلك المسجد، فهو بالنسبة للمساجد، كالإمام بالنسبة للمصلّين، والمسلم عندما يتوجّه إلى البيت الحرام لأداء الصلاة، فإنه يلبّي قول الله جلّ وعلا: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن ربِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (البقرة: 144).

ولعلّ في هذا التوجيه دلالة على الأهميّة الّتي يُريد الله أن يزرعها في قلب كلّ مسلم للمسجد: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (الأعراف: 29).

(24)

المسجد أوّل ثمار التمكين

كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في فترة الدعوة المكّية يُعلّم أهل بيته ومواليه في دار أمّ المؤمنين خديجة الكبرى عليها‌السلام، ويُعلّم أصحابه في منازلهم أيضًا، ولما صار بيت السيدة خديجةعليها‌السلام لا يتّسع لكثرة الأتباع وقع اختيار النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على دار الأرقم بن أبي الأرقم، فاتخذها مركزًا لبث الدعوة الحقّة بعيدًا عن أنظار مشركي قريش، فكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلتقي بالمؤمنين سرًّا في تلك الدار، أو في شعاب مكّة أثناء الليل أو في الهاجرة، فيحفظهم القرآن الكريم، ويثير فيهم آليات التفكّر في آيات الله والتدبّر في قراءة كتابه، وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعوّدهم الصبر على الأذى، ويروّضهم على الانقياد لأوامر الله حتى يَخلُصوا لله سبحانه، وفي الفترة المكية لم يكن المسجد الحرام ينال حظّه من الصلاة والتْعليم والتزكية، لصدّ المشركين فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإيذائهم المتكرّر له، وعلى الرغم من كل مضايقات المشركين للنبي المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا أنه كان يُصلّي في المسجد الحرام رغمًا عنهم، ويدعو الله تعالى فيه منفردًا، ويصبر على أذى عتاة قريش الذين كان في مقدمتهم أبو لهب حيث كان يسكن في نفس المحلة في بيت له» قبالة بيت خديجة زوج النَّبِيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمورضي الله عنها، وكان يسكن مع زوجته «حمّالة الحطب» أم جميل بنت حرب بن أمية، وكان ذلك الزقاق طريق النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المسجد الحرام»[1].

(25)

وقد تزعّم هذين الشريرين كتيبة قريشٍ التي لا شغل لها إلا أذية النَّبِيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإساءة له، ولمّا هاجرصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المدينة المنوّرة تغيّر الحال عمّا كان عليه في مكة المكرمة، وإنّ ممّا ينبغي لفت النظر له أنّ مولانا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو معلّم الناس الخير بقوله وفعله وهدايته للناس فيما يهمّهم في أمر دينهم ودنياهم ومعاشهم ومعادهم -وهو الرؤوف بأمّته الرحيم بها-، كان أوّل عمل قام به بعد وصوله إلى المدينة المنوّرة تأسيس المسجد لما له من رسالة سامية وغاية عظيمة، وهدف نبيل وعاقبة حميدة في الدنيا والآخرة، فقد انطلقت من رحابه قوافل الإيمان لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ملتزمة بدين خاتم النبيّين مُحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تتخلق بأخلاقه، وتتأدّب بآدابه، وتسير على نهجه القويم، وسيرته الفذّة المباركة الميمونة، وقد وجه القرآن الكريم المسلمين إلى الأسس التي عليها تقوم الحضارة الإسلاميّة، فجاء في آيهِ الحكيم قول الله جلّ وعلا: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج: 41)، وبذلك جعل الله تعالى إقامة الصلاة وتحقيق أهدافها أول تطبيق متى تمّ التمكُّن، وكان المسجد النبويّ الشريف أول ثمار تمكين الله تعالى للمسلمين في الأرض، ومنه بدأ تاريخهم الحضاري المحمود، وصار الشريان المغذّي للإسلام وأهله.

(26)

عُمّار المساجد صفوة خلق الله

وممّا يدلّ على على عظيم مكانة المسجد عند الله تعالى أنّه جلّ شأنه جعل عمّاره مادّيًا ومعنويًّا هم صفوة خلقه من الأنبياء والمرسلين، وأتباعهم من عباده المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ*رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (البقرة: 127-129).

وقد جعل الله سبحانه بنّاءها وعُمّارها يكتسبون عظيم ثنائه عليهم، ويوصف ـ من وجه آخر ـ .

خرّابها وهدّامها بأقبح الصفات وأشنعها

قال الله جلّ شأنه ممتدحًا بُنّاءها وعُمّارها: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (التوبة: 18).

وقال سبحانه ذامًا خُرّابها وهُدّامها: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (البقرة: 114).

 

(27)

وممّا تقدّم يتوضّح لنا تمامًا أنّ مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي مكانة عظمى تجعله مصدر التوجيه الفكري والروحي، فهو جامعة للعلم، ومدرسة للرشد وندوة للأدب، وهو ساحة للعبادة التي تنصهر فيها النفوس، وتتجرّد من علائق الدنيا وفوارق الرتب والمناصب، وحواجز العُجب والكبر، وسكرة الأهواء والشهوات لتتلاقى في ساحة العبودية والإخلاص للباري جلّ شأنه، ولذلك يتوجّب علينا جميعًا أن نحرص كل الحرص على أن نجعل المسجد مكانًا للوحدة لا للفرقة، ومركزًا للعبادة الخالصة لله، ويكون بنيانه من الأساس على التقوى، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (التوبة: 108).

عمارة المسجد في القرآن الكريم

العمارة لغةً: ما يُعمر به المكان، وعمارة المساجد بمعناها العام تشمل العمارة بنوعيها الحسية والمعنوية، وقد بَيّن الله تعالى في فرقانه العظيم أن عمارة المساجد هي دأب الأنبياءعليهم‌السلام، والصالحين من أتباعهم، فقال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* رَبَّنَا وَابْعَثْ

(28)

فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (البقرة: 127-129).

في هذه الآيات المباركة يشيد الله تعالى بخليله إبراهيم، ونبيّهِ إسماعيل عليه‌السلام لبنائهم ورفعهم لقواعد بيته الحرام، وتوجهنا هذه الآيات الكريمة إلى أن بناء المساجد من الأعمال الخيرة التي يثاب عليها الإنسان مع القبول حيث جاء في آخر الآية ما يرشد إلى أن بناء بيوت الله من أشهر الأعمال التي قام بها خليل الرحمن إبراهيم وولده إسماعيل عليه‌السلام، وقد سألا ربهما أن يتقبل منهما عملهما إنه هو السميع العليم.

وقد رتّب الله سبحانه فضلًا عظيمًا لمن بنى المساجد أو شارك في بنائها، فقال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (التوبة: 18).

والشاهد هو: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، ووجه الدلالة أن قوله (يَعْمُرُ): دال على العمارة بالبناء، كما دل على العمارة بالعبادة، لأن باني المسجد يتقرب إلى الله تعالى ببنائه، فمُسلم أنه يَعْمُرُ المسجد طاعة لله جلَّ شأنه، وهذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على حصر الإيمان في عُمار المساجد، لأن كلمة «إِنَّمَا» تفيد الحصر.

ومن مفهوم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ

(29)

يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (البقرة: 114)، يتبيّن لنا أنّ الساعي في تخريب المساجد أسوأ حالًا من المشرك لأن قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ يتناول المشرك، وقد قال عَزَّتْ آلاَؤُه: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (لقمان: 13)، فإذا كان الساعي في تخريب مساجد الله في أعظم درجات الفسق وجب أن يكون الساعي في عمارتها في أعظم درجات الإيمان، وهو مأجور عند الله تعالى، وقد عمل عملًا صالحًا، يُعزه الله عليه بعزه الأبهج في دار الدنيا، ويحمد على هذا العمل في الآخرة، بعكس الذي يمنع أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُ الله وَيسَعَى فِي خَرَابِهَا، فهذا جزائه الخزي والعذاب.

وقد جاء الحثّ على عمارة مساجد الله في الفرقان الحكيم في عموم الأدلة التي تنبّئ على مشروعيّة الإنفاق في سبيل الخير وتحثّ عليه، كقول الله سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (آل عمران: 92)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (آل عمران: 115)، ولا ريب أنَّ الإنفاق على بناء المساجد وصيانتها من أعظم وجوه الخير.

بناء المساجد وإقامة شعائر الله

يحثّ اللّه تعالى عباده في كتابه المجيد على بناء المساجد

 

(30)

وإعمارها وإعطائها الحيويّة المطلوبة بالعبادة والذكر، والاهتمام بشؤون الجماعة، ولعلّ العنصر الأهم الذي ينبغي توفره لبناء المسجد الرسالي يتلخص في التقوى والإخلاص التي تعتبر من أسمى مراتب السعادة، وقد قال اللّه تعالى في محكم كتابه: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين (الأعراف: 29)، ومتى ما توفر الإخلاص في قلوب عُمار بيوت الله صار بناء المساجد حسيًّا ومعنويًّا، والعناية بها من أسباب الوقاية من الانحراف الفكري -إذا أقيمت رسالة المسجد على الوجه الذي يرضاه الله تعالى-، فإن الأفكار الإيجابية التي تُبث من خلال خطبة الجمعة، ودروس العلم في المسجد، والكلمات التي تُلقى أدبار الصلوات لها أبلغ الأثر بإذن الله في حفظ المجتمع ووقايته من الفكر السلبي المنحرف، واجلى صورة للمثال القدوة في هذا الشأن هو حال المسجد في عهد النَّبِيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وعهد أمير المؤمنين علي، وولده
الإمام الحسن عليه‌السلام، وكيف كان مصدر الاعتقاد الصحيح والفكر السليم، وقلعة للتحصين تجاه الاعتقادات الباطلة والأفكار المنحرفة، ففيه كانت تتلى آيات الله، وتفسر كما نزلت لتبين زيف شبهات اليهود وإخوانهم من المشركين، وتدحض أفكار المنافقين وشكوكهم وأطماعهم، ولا يزال باستطاعة من يسيرون على هدي النبوة أن يجعلوا من المسجد المكان المناسب حقًا للتصدي للفكر الشيطاني المنحرف، وكشف زيفه وإزهاق باطله، ولذا كان واجبًا على المسلمين، سيّما أهل العلم

(31)

وأصحاب الفكر المستقيم العناية برسالة المسجد، وتفعيل دوره بالدروس، والدورات الفكرية، والكلمات الصادقة المخلصة والبرامج النافعة، كل ذلك باستمرار وتجديد دائم.

بناء المسجد النبوي الشريف

مرّ سابقاً أنّ المسجد الحرام لم يكن ينال حظّه من التْعليم والتزكية، لصدّ المشركين فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإيذائهم له، وأن النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يصلّي ويدعوا الله فيه منفردًا، ويصبر على أذى أئمة الشرك، وبقي الحال على ما هو عليه إلى أن أمر الله تعالى حبيبه المصطفى بالهجرة إلى طيبة الغراء، وفي هذا الشأن روي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام عن النَّبِيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «إنّ اللّه عَزَّ وَجَلَّ أوحى إلى أخي موسى عليه‌السلام أن اتّخذ مسجدًا طهورًا، واسكنه أنت وهارون وابنا هارون، وأوحى إليّ أن اتّخذ مسجدًا طهورًا، واسكنه أنت وعلي وابنا علي»[1].

وفي اتّخاذ خَاتَم النَّبِيِّين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسجده الطاهر روى سعيد بن المسيّب عن الإمام السجّاد علي بن الحسين عليه‌السلام قال: كان النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلّي مدّة عشر سنين ركعتين حتّى هاجر إلى المدينة، وخلّف عليًاعليه‌السلام في أمور لم يكن يقوم بها أحد غيره، وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خروجه من مكّة في أوّل يوم من ربيع الأوّل، وذلك يوم الخميس من سنة ثلاث عشرة من المبعث، وقدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة

(32)

خلت من شهر ربيع الأول، مع زوال الشمس، فنزل بقبا فصلّى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، ثمّ لم يزل مقيمًا ينتظر عليًّاعليه‌السلام يصلّي الصلوات الخمس ركعتين ركعتين، وكان نازلًا على عمرو بن عوف، فأقام عندهم بضعة عشر يومًا يقولون له: أتقيم عندنا فنتخذ لك منزلًا ومسجدًا ؟ فيقول: لا، إنّي أنتظر علي بن أبي طالب، وقد أمرته أن يلحقني، ولست مستوطنًا منزلًا حتّى يقدم عليّ، وما أسرعه إن شاء اللّه، فقدم علي عليه‌السلام، والنَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيت عمرو بن عوف، فنزل معه، ثمّ تحوّل النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى بني سالم بن عوف، وعليّ عليه‌السلام معه يوم الجمعة مع طلوع الشمس، فخطّ لهم مسجدًا ونصب قبلته، فصلّى بهم فيه الجمعة ركعتين، وخطب خطبتين، ثمّ راح من يومه إلى المدينة على ناقته التي كان قدم عليها، وعليّ عليه‌السلام معه لا يفارقه يمشي بمشيه، وليس يمر النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببطن من بطون الأنصار إلاّ قاموا إليه يسألونه أن ينزل عليهم، فيقول لهم: خلّوا سبيل الناقة، فانّها مأمورة، فانطلقت به، وهو واضع لها زمامها حتّى انتهت إلى الموضع الذي ترى، وأشار (زين العابدين) بيده إلى باب مسجد النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي يصلّى عنده بالجنائز، فوقفت عنده وبركت، ووضعت جرانها على الأرض، فنزل، وأقبل أبو أيّوب مبادرًا حتّى احتمل رحله، فأدخله منزله، ونزل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وعليّ عليه‌السلام معه حتّى بُني له مسجده، وبُنيت له مساكنه ومنزل علي عليه‌السلام فتحولا إلى منازلهما»[1].

(33)

لقد كان أوّل عمل قام به رسول الله مُحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد هجرته إلى المدينة المنوّرة تأسيس المسجد لما له من رسالة سامية وغاية عظيمة، وهدف نبيل وعاقبة حميدة في الدنيا والآخرة، ومنه انطلقت جحافل الإيمان لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ملتزمة بملة إبراهيم عليه‌السلام ودين مُحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تتأدب بآدابه، وتسير على نهجه القويم، وسيرته المباركة الميمونة التي تنبئنا بأن المسجد النبوي الشريف كان مركزًا للعبادة، والتعليم، والحكم، وإدارة المجتمع وشؤون الناس، فلم يكن لحكومة النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مقرًا خاصًا بها بل كان المقرّ العامّ الوحيد في الدولة، هو ذلك المسجد الذي نقلت حجارته من الحرّة[1]، وقد عمل النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بنائه بيديه الشريفتين إلى جانب المسلمين ممّا دفع أصحابه إلى الدأب في العمل، وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحمل الحجارة وينقل اللبن على صدره وكتفيه، ويحفر الأرض بيديه كأي واحد منهم، فكان مثال الحاكم العادل الذي لا يفرق بين رئيس ومرؤوس، أو بين قائد ومقود، أو بين سيد ومسود، وكان أمير المؤمنين علي عليه‌السلام يردد، وهو يعمل:

لا يستوى من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائمًا وقاعدا

ومن يرى عن التراب حائدًا[2].

وشاركت النساء في بناء المسجد، فكن يحملن الحجارة

(34)

ليلًا، بينما يقوم الرجال نهارًا بالبناء، حتّى أتموا بناءه، ثمّ بنيت مساكن النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبيوته ملاصقة للمسجد[1].

انطلاقًا ممّا مرّ معنا من الآيات القرآنيّة الكريمة، والروايات الواردة عن النَّبِيّ المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والعترة النبويّة الطاهرة تبين لنا عِظم المكانة التي يحظى بها المسجد في القرآن الكريم ومجتمع الموحدين، كما أن سيرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  تُظهر ذلك بجلاء حيث أن المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما إن استقرّ به المقام عندما وصل إلى حي بني عمرو بن عوف من بني النجار حتى بدأ ببناء مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في المدينة المنورة، وكذلك عندما واصل النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سيره إلى قلب المدينة المنورة كان أوّل ما قام به تخصيص أرض لبناء مسجده الشريف، ثم الشروع في بنائه، فشّد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قلوب المسلمين في ظله، بنياط الأخوة في الله، وعاش فيه معلمًا يفتح البصائر على العبر، ويحرر العقول من الأوضار، ويسكن القلوب بمعين الحكمة والهداية، وفي حال تعرض أهل الإسلام لأي اعتداء كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن ذلك المسجد الطاهر يرسل كتائب الإيمان، وينظم جيوش الحق، لتنسف ركام الباطل.

والمحفوظ من السيرة النبويّة العطرة أنَّ النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يصلّي لذوي الأعذار في بيوتهم في مكان منها ليتّخذوه مسجدًا، كما

(35)

جاء في قصة عتبان بن مالك الأنصاري[1] ـ وتحدّثنا السيرة النبويّة أيضًا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا نزل منزلًا في سفر أو حرب، وبقي فيه مدّة اتّخذ فيه مسجدًا يصلّي فيه أصحابه، ومن مَرَ بعدهم في تلك الأماكن، كما فعل صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خيبر، وفي غزوة الخندق[2].

صفة المسجد النبوي الشريف

روى عبد الله بن سنان عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام قال سمعته يقول: «إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بنى مسجده بالسميط[3]، ثم إنّ المسلمين كثروا، فقالوا: يارسول الله لو أمرت بالمسجد فزيد فيه، فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه، وبناه بالسعيدة[4]، ثم إنّ المسلمين كثروا، فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فزيد فيه، فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه، وبنا جداره بالأنثى والذكر[5]، ثم اشتدّ عليهم الحر، فقالوا: يارسول الله لو أمرت بالمسجد فظُلّل، فقال: نعم فأمر به، فاقيمت فيه سواري من جذوع النخل، ثم طرحت عليه العوارض والخصف والاذخر[6]، فعاشوا فيه

(36)

حتى أصابتهم الأمطار، فجعل المسجد يكف عليهم، فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فطُيّن، فقال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «لا، عريش كعريش موسى عليه‌السلام»، فلم يزل كذلك حتى قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فكان جداره قبل أن يُظلّل قامة، ...»[1].

وسَئَلَ عبد الأعلى آل سام الإمام الصادق عليه‌السلام فقال: كم كان مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟ قال: «كان ثلاثة آلاف وستمائة ذراع تكسيرًا»[2].

في هذا المسجد النبوي المبارك تجلّت أروع صور ترابط الرسالة الإلهيّة مع المسجد وتعليمها فيه،

واجتماع المؤمنين في ساحته، والقيام بصلواتهم بفنائه، ولقاءاتهم يوميًا في أرجائه شكل رابطة وثيقة، وصلة عميقة، وتوافق رسمه العزيز الحكيم، ونفذه القدوة المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مبشرًا بالسعادة في الدارين لمن اتبع هداه، وفي ذلك المسجد الشريف تنوع النشاط المبارك حتى صار المسجد النبوي منارًا ومرشدًا ومعلمًا بارزًا في حياة أهل الإسلام، وكان نواة المساجد في جميع الأقطار، وتابعته المساجد الأخرى التي بنيت في المدن والأمصار الإسلاميّة على مر العصور إلا أنه تفرد بفضائل ثابتة لا يشترك فيها مع غيره من المساجد، ومن تلك الفضائل

(37)

وجود الروضة التي بين قبر النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنبره حيث قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة»[1]، وفيه علامة من علامات النبوة جليلة المقدار لأنّ الله -عَزَّ وَجَلَّ- قد أخفى على كل نفس سواه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأرض التي يموت بها لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ (لقمان: 34)، فأعلمه الموضع الذي يموت فيه، والموضع الذي فيه قبره حتى علم بذلك في حياته، وحتى أعلمه من أعلمه من أمته، فهذه منزلة لا منزلة فوقها زادها الله شرفًا وخيرًا»[2].

العمارة الحسية للمساجد

تشمل بناء وإنشاء المساجد، وترميمها وخدمتها وطهارتها، والصلاة فيها ولزومها وعبادة الله فيها، وتعيين الأئمة والمؤذنين لها، وفتح حلق الذكر فيها من تعليم القرآن والفقه، والتفسير والسيرة العطرة للنبي الأكرم وأهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم، وغير ذلك من العلوم النافعة، كما تشمل إجراء الأرزاق على العاملين في المساجد، وإنارتها وفرشها والوقف عليها، ممّا فيه مصلحة لها، كوقف مساكن للإمام والمؤذن وعمل المياضئ، وغير ذلك من مصالحها.

(38)

وقد أثبت الله تعالى الإيمان لمن بنى المساجد وعَمَّرها بالصلاة فيها، وتولى تنظيفها وإصلاح ما وهي منها، فقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (التوبة: 18)، فعمارة المسجد من خاصّيات أهل الإيمان، فلا يصح أن تمسّه الأيدي الملوّثة بالشرك، وفي ذلك يقول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ (التوبة: 17).

لذا يجب على المسلمين أفرادًا وجماعات أن يعطوا المسجد العناية التامة ونتاج التعاون المثمر، وذلك بعمارته الحسية بالبناء، وتلمس الأماكن المحتاجة إلى ذلك ليعمّ الخير، خصوصًا مع التوسع العمراني الحاصل في المدن والبلدات، وهذا من أهم الدواعي في الإكثار من بناء المساجد وتشييدها، فينبغي حث أهل الغنى والجِدَة على بناء المساجد خصوصًا في المناطق النائية، أو المجمعات السكنيّة التي يقطنها أعداد كبيرة من المسلمين، ومن المؤسف حقًّا أن ترى ملايين طائلة قد بذلت وأنفقت وصرفت في بناء مسجد واحد، وما زالت هناك مناطق أخرى يصلي الناس فيها تحت البناء البدائي من الحجر والسقف المخشب ونحو ذلك كمساجد المسقوفة بالصفيح، فلو أن من قام ببناء مسجدٍ أنفق عليه هذه الملايين الطائلة قسم هذه المبالغ لكي يبني بها عددًا أكبر من المساجد لنال بذلك أجرًا كبيرًا وخيرًا عظيمًا، ويكون قد ساهم بزيادة عدد بيوت

(39)

الله تعالى، وأعداد عُمارها أيضًا، ومن الروايات الجليلة الّتي حثّت على عمران المساجد ما رواه رجال العترة النبويّة الطاهرة عن أمير المؤمنين علي عليه‌السلام قال: «إنّ الله إذا أراد أن يُصيب أهل الأرض بعذاب، قال: لولا الّذين يتحابّون فيَّ، ويعمرون مساجدي، ويستغفرون بالأسحار، لولاهم لأنزلت عذابي»[1].

على خطى النَّبِيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

على خطى النَّبِيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم درج المسلمون الأوائل، ومن خَلفهم من أهل الخير باهتمامهم بالمسجد، فإذا أرادوا الإقامة في بلد من البلدان كان أول ما يشتغلون به بناء المسجد، لِما سمعوه وبلغهم من قول المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «ومن بنى لله مسجدًا ولو -كمفحص قطاة[2]- بنى الله له بيتًا في الجنة»[3].

إن المتدبّر في عبارات هذا الحديث النبوي يعلم أنه ما كان هذا الفضل من الله إلا لعظمة هذه المساجد وأهمية وجودها في الأرض، وقد جاءت جملة من الأحاديث النبويّة توضح أن النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رغب في بناء المساجد، وعدَّ ذلك من أبر الأعمال، واشترط أن يُراد بالبناء وجه الله والدار الآخرة لا يراد به رياء ولا

                                                                  

(40)

سمعة، ولا يتمدح به، ولا يُمن به على المصلين، وإنما يُقصد الأجر من الله تعالى، وقد أخبر أنَّ ثوابه على ذلك أن يبني الله له بيتًا في الجنة.

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحديث الذي أوردناه: «ولو كمفحص قطاة» أراد المبالغة في الصغر، حتى لا يحتقر أحد ما بناه من المساجد، ولو كان ذلك المسجد في غاية الصغر، وقد يدخل في ذلك من ساهم في بنائه ولو باللبن أو الطين، أو عمل فيه بيده، أو دفع أجرة العاملين ونحو ذلك من العمل الذي ينسب إلى صاحبه أنه ساعد في بناء المسجد بنفسه أو ماله، احتسابًا عند الله تعالى، وطلبًا للأجر المترتب على هذه الأعمال.

هذا من ذلك

قال الله عَزَّ وَجَلَّ في مُحكم كتابه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (النحل: 97)، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (النساء: 112).

في هذه الآيات المباركة بيان واضح في أن بيوت الجنة وقصورها تبنى بالإيمان والصالحات من الأعمال، ومن أعظم تلك الأعمال: أن يبني الإنسان لله جل وعلا بيتًا يُعبدُ فيه،

(41)

ويُذكر اسمه سبحانه، ومن الروايات اللطيفة الّتي حثّت على عمران المساجد ما رواه أبي عبيدة الحذاء، وهو أحد أصحاب إمامنا الصادق عليه‌السلام، وقد سمعه في إحدى المرات ينقل عن جَدّه النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله: «من بنى مسجدًا بنى اللَّه له بيتًا في الجنة»

قال أبو عبيدة، فمر بي أبو عبد اللَّه عليه‌السلام في طريق مكة، وقد سويت بأحجار مسجدًا، فقلت له: جعلت فداك نرجو أن يكون هذا من ذلك، فقال: نعم»[1].

بناء المسجد أجرًا جاريًا

إذا بُني المسجد أقيمت فيه الصلاة، وتُلي فيه القرآن، وذُكِر الله فيه، ونُشر فيه العلم، واجتمع فيه أهل الإسلام إلى غير ذلك من المصالح الجليلة، ولباني المسجد والمشترك في تشييده أجرٌ في ذلك كلِّه، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «من بنى بنيانًا في غير ظلم ولا اعتداء، أو غرس غرسًا في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجرًا جاريًا ما انتفع به من خلق الرحمن تبارك وتعالى»[2].

وهذا الحديث الشريف يدفع من وسع الله عليه إلى المسارعة في الخيرات، واغتنام الفرصة في هذه الحياة الدنيا، فيقدم لآخرته ما يجد ثوابه مضاعفًا عند ربه أضعافًا كثيرة، وقد قال خَاتَم النَّبِيِّين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «سبع يجري للعبد أجرهن، وهو في قبره،

(42)

وبعد موته: من علم علمًا، أو كرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلًا، أو بنى مسجدًا، أو ورث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته»[1].

إنَّ من تدبّر هذه الأعمال التي ذُكرت في هذا الحديث النبوي المبارك يجد أنها أعمالًا مختلفة المظهر والجهد، وبعضها يمكن عده من الأعمال الدنيوية، ولكن شرف الغرض سلكها جميعًا فى نظام واحد، ومثوبة سواء، فما أعظم هذا الأجر وما أبقاه لصاحبه، فمن أحسن الصدقات الجارية التي يجعلها المسلم لنفسه ولوالديه أن يبني لله بيتًا يُذكرُ فيهِ ويُطاع، فإن ذلك من الأعمال التي يدوم للمنفق ثوابها ويستمر له أجرها، ويتسلسل له خيرها ونفعها، فإنه مادامت آثار النفقة موجودة فالثواب دائم، وما استمرت آثاره فالأجر ثابت قائم، وكثير من أهل الخير يبحث عن أفضل عمل يبذل فيه نفقة في حياته، أو وصية يوصي بها بعد مماته، فلا يجد أفضل من أن يبني مسجدًا لله تعالى، فإنّ المنفق فيه يشارك المصلين في صلاتهم، والمتعبدين في عباداتهم، فإن الله يكتب ما قدمه العباد وباشروه وآثار أعمالهم، وذلك من تعظيم الله وتعظيم شعائره الذي هو غاية المطلوب، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، وإذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: منها الصدقة الجارية التي يدوم الانتفاع بها، ويتم الاغتباط بثوابها: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ

(43)

َيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المزمل: 20).

العمارة المعنويّة لبيوت الله تعالى

إذا كانت العمارة الحسية للمساجد «بنائها» يطالب بها طائفة من المسلمين، وهم الذين مَنّ الله عليهم بنعمته فملكهم الأموال، فإن العمارة المعنوية لبيوت الله يطالب بها كل مسلم قادر على القيام بها والمبادرة إليها، ولذلك يقول الباري سبحانه وتعالى عن هذا النوع من العمارة: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (النور: 36-37).

ويعلم كل من له أدنى اطلاع على السيرة النبوية الشريفة أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اعتبر المساجد أمارات تدل على إسلام أهل البلد وتدينهم، وهذا دليل على ما للمساجد من أثر بالغ في الإسلام، حيث يعتبر وجودها وعمارتها بالأذان والصلاة والذكر والعبادات صورة حية للمجتمع الإسلامي، كما يعني فقدها أو فقد عمارتها بعبادة الله تعالى ابتعاد المجتمع عن الإسلام، وتلاشي مظاهره من واقع المجتمع.

لذلك تُعدّ عمارة المساجد من الركائز المهمة في بناء المجتمع الإسلامي، ذلك أن المجتمع المسلم إنما يكتسب

(44)

صفة الرسوخ والتماسك، بالتزام نظام الإسلام وعقيدته وآدابه، وإنما ينبع ذلك من روح المساجد وعبقه، وقد قال خاتم النبيّين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «ألا أدلّكم على شيء يكفر الله به الخطايا، ويزيد في الحسنات؟ قيل: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى هذه المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وما من أحد يخرج من بيته متطهرًا، فيصلّي الصلاة في الجماعة مع المسلمين، ثمّ يقعد ينتظر الصلاة الأخرى، إلّا والملائكة تقول: اللهم أغفر له، اللهم ارحمه»[1].

وقال إمامنا الصادق عليه‌السلام: «عليكم بإتيان المساجد فإنها بيوت اللَّه في الأرض، فمن أتاها متطهّرًا طهّره الله من ذنوبه، وكُتب من زوّاره، فأكثروا فيها من الصلاة والدعاء»[2].

صلاة الجماعة أوضح مصاديق العمارة المعنويّة للمساجد

شرع الله لهذه الأمّة الاجتماع في بيوته في أوقات معلومة لأداء صلاة الجماعة، فأداء الصلوات الخمس في المساجد من شعائر الإسلام، ولقد أثنى الله تعالى على الذين يُعمّرون مساجد الله وشهد لهم بالإيمان، وعمارتها تكون بالعمارة الحسّية وهي بناؤها، وبالعمارة المعنوية وهي عمارتها بالذكر والطاعة

(45)

والعبادة، ومن ذلك إقامة الصلاة فيها، ولقد كان مولانا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخرج إلى المسجد في أيام مرضه الشديد، وهو بين أمير المؤمنين عليه‌السلام والعبّاس بن عبد المطلب، وقدماه تخطّان في الأرض، لا يمنعه ذلك من أن يُقيم للمسلمين الصلاة جماعة، فيجب على المسلم أن يُحافظ عليها إلا من عذر، وإنّ التخلّف عن صلاة الجماعة ليس من شأن أهل الإيمان وعاداتهم، بل إنّه مناف لأحوالهم، ومطابق لأحوال غيرهم، قال صاحب رسول الله عبد الله بن مسعود: «لقد رأيتُنا وما يتخلَّف عن الصلاة إلا منافق قد عُلِم نفاقه، أو مريض، وإن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة؛ إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علّمنا سُنن الهُدى، وإنّ من سُنن الهُدى الصلاة في المسجد الذي يؤذّن فيه»[1].

هناك قسم من المسلمين يستثقل الذهاب إلى صلاة الجماعة، لأنّها تأخذ جزءًا من وقته، وتصرف شيئًا من جهده، فيرى صلاته منفردًا في البيت أسهل وأيسر، مع أنّ الوقت والجهد اللذين تستلزمهما صلاة الجماعة محدود ضئيل، وهو يصرف أضعاف ذلك الوقت والجهد على سائر شؤون حياته من الكماليّات والرفاهيّات. كم تأخذ صلاة الجماعة من أوقاتنا، في مقابل ما نُضيّعه في الأكل والشرب والنوم والمرح، إنّها دقائق معدودة، ألا يستحقّ صرفها لمناجاة الله تعالى، والوقوف

(46)

بين يديه والاتصال به جلّ شأنه، فهل استغنيت عن الله يوم أن قطعت الصِلة بينك وبينه؟

واعلم أيّها القارئ الكريم: أنّ الله أمر نبيّه المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وأمّته بصلاة الخوف جماعة في حال الحرب، وهو وقت عصيب، يواجه المسلمون فيه عدوّهم، فقال عزّت آلاؤه: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ (النساء: 102)، فهل تظنّ يا أخي الحبيب أنَّ صلاة الجماعة تجب على هؤلاء في هذه الظروف الحالكة، ولا تجب على رجل يتقلّب في فراشه الناعم آمنًا مطمئنًا معافى؟!

ولصلاة الجماعة فوائد كثيرة، ومن هذه الفوائد والحكم ما رواه الفضل بن شاذان عن الإمام الرضاعليه‌السلام قال: «إنّما جُعلت الجماعة لئلّا يكون الإخلاص والتوحيد والإسلام والعبادة لله إلا ظاهرًا مكشوفًا مشهورًا، لأنّ في إظهاره حجّة على أهل الشرق والغرب لله وحده، وليكون المنافق والمستخفّ مؤدّيًا لما أقرّ به، يُظهر الإسلام والمراقبة، وليكون شهادات الناس بالإسلام بعضهم لبعض جائزة ممكنة، مع ما فيه من المساعدة على البرّ والتقوى، والزجر عن كثير من معاصي الله عزّ وجلّ»[1].

فضل المشي إلى صلاة الجماعة

ويعتبر المشي لأداء الصلاة جماعةً من الأعمال الصالحة

(47)

ومن أعظم الطاعات والقربات، وقد ثبت في ذلك فضائل عظيمة وكثيرة، منها: ما رواه الإمام الباقرعليه‌السلام أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لجبرئيل عليه‌السلام: «يا جبرئيل أيّ البقاع أحبّ إلى الله تعالى؟ قال: المساجد، وأحبّ أهلها إلى الله أوّلهم دخولًا وآخرهم خروجًا منها»[1].

وتزداد عظمة صلاة الجماعة في المسجد ويزداد ثوابها، لذا ورد الحثّ الكبير عليها في الأحاديث النبوية، ومن ذلك قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «ألا أدلكم على شيء يكفر الله به الخطايا، ويزيد في الحسنات؟ قيل: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى هذه المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وما من أحد يخرج من بيته متطهرًا، فيصلي الصلاة في الجماعة مع المسلمين، ثم يقعد ينتظر الصلاة الأخرى، إلا والملائكة تقول: اللهم أغفر له، اللهم ارحمه»[2].

وخلاصة القول إنَّ من أعظم شعائر الإسلام، وأظهر معاني العمارة المعنوية لبيوت الله سبحانه صلاة الجماعة في المساجد، فقد شرع الله لهذه الأمة الاجتماع في بيوته في أوقات معلومة لأداء هذه الشعيرة المباركة، فالمسلمون يجتمعون في اليوم والليلة خمس مرات لأداء هذه الصلاة، وقد اتفق علماء الإسلام على أن أداء الصلوات الخمس في المساجد من أوكد الطاعات وأعظم القربات.

(48)

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام: «مَنْ لم يصلِّ جماعة، فلا صلاة له بين المسلمين، لأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «لا صلاة لمن لم يصلِّ في المسجد مع المسلمين إلا من علة»[1].

وروى زُريق الخاقاني أنه سمع الإمام الصادق عليه‌السلام يقول: «ومن صلى في بيته جماعة رغبة عن المساجد، فلا صلاة له، ولا لمن صلى معه، إلا من علة تمنع من المسجد»[2].

وروى أبو سعيد الخدري عن النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة»[3].

وقد جاء عن الإمام الصادق عليه‌السلام: «أنَّ أمير المؤمنين عليه‌السلام بلغه أنّ قومًا لا يحضرون الصلاة في المسجد، فخطب فقال: إنّ قومًا لا يحضرون الصلاة معنا في مساجدنا فلا يؤاكلونا ولا يُشاربونا ولا يشاورونا ولا يُناكحونا ولا يأخذوا من فيئنا شيئًا، أو يحضروا معنا صلاتنا جماعة، وإنّي لأوشك أن آمر لهم بنار تشعل في دورهم فأحرق عليهم أو ينتهون، قال: فامتنع المسلمون عن مؤاكلتهم ومشاربتهم ومناكحتهم حتّى حضروا الجماعة مع المسلمين»[4].

وجاء في الرواية الواردة عن الإمام الباقرعليه‌السلام قال: «قال

(49)

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: من صلّى الخمس في جماعة فظنّوا به خيرًا»[1].

وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه‌السلام: «من صلّى الغداة والعشاء الآخرة في جماعة فهو في ذمّة الله عزّ وجلّ، ومن ظلمه فإنّما يظلم الله، ومن حقّره فإنّما يحقّر الله عزّ وجلّ»[2].

هذا من مضمون ما روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «إنّ الله يستحيي من عبده إذا صلّى في جماعة ثمّ سأله حاجته أن ينصرف حتّى يقضيها»[3].

وروي في الخبر أنّ ضريرًا جاء إلى النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فقال له: «يا رسول الله أنا ضرير البصر وربما أسمع النداء، ولا أجد من يقودني إلى الجماعة والصلاة معك، فقال له النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «شدَّ من منزلك إلى المسجد حبلًا واحضر الجماعة»[4].

التعلّق بالمسجد

لقد نسج الإسلام بين الإنسان والمسجد رابطة من أجمل ما يُمكن أن ينشأ بين الإنسان والموجودات، وليس ذلك إلّا تأكيدًا منه سبحانه على أهمّيّة المسجد وما يحتلّه من المكانة العظيمة عند الله حتّى أنّه عَزَّتْ آلاَؤُه يُظلّه بظلّه يوم القيامة،

(50)

فعن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «سبعة يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عزّ وجلّ، ورجل قلبه متعلّق بالمسجد إذا خرج منه حتّى يعود إليه،...»[1].

روّاد المساجد وشهادة الإيمان

ظلّ المسجد على امتداد تاريخ الإسلام مؤسسة تعليميّة للصغار والكبار، وأوّل الأمكنة التي تُحقّق الأهداف العملية لتربية الناس عامّة والناشئة والشباب خاصّة، فالمساجد متعدّدة الأغراض متشعّبة المهام، ولا يخفى أن الرجال الأوائل الذين حملوا الأخلاق المحمدية، ورفعوا لواء الإيمان، ولبّوا نداء الديان إلى عزّ الأبد هم أشبال المساجد، وعمّار بيوت الله تعالى، كذلك كان العلماء والفقهاء، والأدباء والبلغاء، والأتقياء والصلحاء من أفضل خرّيجيها، فكم نَوّرتْ المساجد قلوبًا وعَمّرتْ أفئدة وأزالتْ عنها حميّة الجاهلية وغبش المعاصي، وانتزعتْ منها جذور الزيغ والضلال، وجعل منها بحول الله تعالى وقوّته أجيالًا مؤمنة تقية نقية فائزة في الآخرة بضمان الملك الديّان[2]، فنعم البيوت المساجد، فهي مجالس الأنبياءعليهم‌السلام، وبيوت الله في الأرض، فمن أتاها متطهّرًا طهّره الله من ذنوبه،

(51)

ومن كان المسجد بيته بنى الله له بيتًا في الجنّة[1]، وإنّ نقل الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة تغسل الخطايا غسلًا[2]، وتزيد من الحسنات، لذلك قد وجّهنا بتوجيه إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان[3]، لأنّ الله سبحانه يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَن بِالله (التوبة: 18)، وقد جعل الله سبحانه الجماعة في الصلاة لكي يُعرف من يُصلّي ممّن لا يُصلّي، ومن يُحافظ على مواقيت الصلاة ممّن يُضيّعها، ولولا ذلك لم يمكن لأحد أن يشهد على أحد بصلاح أو خير، لأنّ من لم يُصلّ في جماعة، فلا صلاة له بين المسلمين، وقد روي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «لا صلاة لمن لم يُصلّ في المسجد مع المسلمين إلّا من علّة»[4].

من وصية النَّبِيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي ذر الغفاري

تكتسِب أيّ وصيّةٍ أهميتّها الخاصّة -غالبًا- من سببَيْن: الشَّخص المُوصي، ومضمون الوصيّة، وقد يُسهِم سببٌ ثالث في هذه الأهميَّة، هو الشخص المُوصَى، وفي هذه الوصيّة المباركة كان الشخص المُوصي، خاتم النبيين وقائد المرسلين

(52)

رسول الله مُحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وكان الشخص المُوصَى هو العبد الذي قال فيه المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «ما أقلّت الغبراء، ولا أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر»[1]، وعنه رضي الله عنه نُقلت هذه الوصيّة المباركة إلينا:

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «يا أبا ذرّ، من أجاب داعي الله، وأحسن عمارة مساجد الله، كان ثوابه من الله الجنّة، فقلتُ: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله، كيف تُعمّر مساجد الله؟

قال: لا تُرفع فيها الأصوات، ولا يُخاض فيها بالباطل، ولا يُشترى فيها ولا يُباع، واترك اللّغو ما دمتُ فيها، فإنْ لم تفعل فلا تلومنّ يوم القيامة إلاّ نفسك.

يا أبا ذرّ، إنّ الله تعالى يُعطيك ما دمتَ جالسًا في المسجد بكلّ نفس تنفّس فيه درجة في الجنّة، وتُصلّي عليك الملائكة، وتُكتب لك بكلّ نفس تنفّستَ فيه عشر حسنات، وتُمحى عنك عشر سيّئات.

يا أبا ذرّ، أتعلم في أيّ شيء أُنزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا (آل عمران: 200)؟ قلت: لا فداك أبي وأُمّي؛ قال: في انتظار الصلاة خلف الصلاة.

يا أبا ذرّ، إسباغ الوضوء في المكاره من الكفّارات، وكثرة

(53)

الاختلاف إلى المساجد، فذلكم الرباط»[1].

إنَّ الرباط هو الملازمة في سبيل الله تعالى - وأصلها من ربط الخيل، ثم سمى كل ملازم لثغر من ثغور المسلمين مرابطًا فارسًا كان أو راجلًا -واللفظ مأخوذ من الربط- وقول النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «فذلكم الرباط» إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، وهذا الرباط قد تستثقله قلوب بعض أهل الإسلام، ولكن الأمر في النهاية كما روى أمير المؤمنين عليه‌السلام عن النَّبِيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «إنَّ الجَنَّة حُفَّتِ بِالْمَكَارِهِ»[2].

أي أنَّ الطريق إلى الجنة فيه تعب وفيه نَصَب يحتاج إلى صبر، فالإنسان يحتاج إلى صبر على طاعة الله وصبر عن معاصي الله، فيجب الصبر على الطاعة ولو شقت على النفوس، ويحرص على أن يذهب إلى المساجد ولو في الظلام، ولو في شدّة الحر، ولو في شدة البرد؛ لأن حصول المشقة وحصول النَصَب فيه زيادة في الأجر وفيه الثواب العظيم من الله سبحانه، ومن هنا كان الجزاء من جنس العمل، فكما أنك خطوت ترجو فضل الله وجوده؛ فإنه -تعالى- يجعل خطواتك كفارة لذنوبك لتنال بمغفرتها رجاءك، وتُسجل في ديوان عُمار بيوت الله، فإنما يعمِّر المسجد من كان متعلِّق القلب بالله، فهو إن صلَّى، فالانسجام يقود حركة جسده وتسبيح قلبه، وإن ركع

(54)

فهو يركع بجسمه، وبروحه، وإن سجد فقد أيقن أنه يسجد على أعتاب الرحمن، فلا شرود ولا استغراق في وساوس النفس، وإن خرج من المسجد ليمارس حياته العمليَّة لازمته خشية الله؛ فلا ظلم ولا تظالم، بل قلب رحيم يصبو إلى إسعاد مخلوقات الله، ومن توافرت فيه هذه الأخلاق ممَّن يعمرون مساجد الله، فلن يضنَّ الله عليه بالهدى والرضا، وسيُدرج اسمه في قائمة الأبرار المهتدين، وهذا الإمام الصادق عليه‌السلام يحدث عن آبائه عن
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كيف شهد بالنجابة للمتعبد بخطواته إلى المسجد، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «لا يأتي المسجد من كلّ قبيلة إلاّ وافدها، ومن كلّ أهل بيت إلاّ نجيبها».

ثم يقول حفيد الرسالةعليه‌السلام لصاحبه فضيل: يا فضل، لا يرجع صاحب المسجد بأقلّ من إحدى ثلاث: إمّا دعاء يدعو به، يدخل الله به الجنّة؛ وإمّا دعاء يدعو به، فيصرف الله عنه بلاء الدنيا; وإمّا أخ يستفيده في الله عزّ وجلّ»[1].

المسجد والتربية الإيمانيّة

من خلال التدبر في السيرة النبوية المباركة، وتتبع مظاهر حياة المسلمين على مرِّ العصور يتبين لنا أن للمسجد في الإسلام أدوارٌ واسعةٌ لا تقتصر على الجوانب العبادية بل تتعدّاها إلى أمور أخرى سنتعرض لذكر بعضها في هذا الفصل الذي يتحدث

(55)

عن بعض من الأدوار والوظائف التي كان منوط بالمسجد القيام بها، ومن هذه الأدوار الجليلة غرس التربية الإيمانيّة في العقول والقلوب المسلمة، وهذا ما كان يقوم به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مسجده الطاهر حيث كان روح القدس ينزل بالآيات عليه، فيسمعها المسلمون من فمه الشريف غضة طرية، وقد كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يثير فيهم آليات التفكر في آيات الله والتدبر في قراءة كتابه، ويعوّدهم الصبر على الأذى، ويروّضهم على الانقياد لأوامر الله حتى يَخلُصوا لله سبحانه، فيتحول كل واحد منهم إلى إنسان جديد بفكره وقيمه ومشاعره وسلوكه، وهذا الصور من السيرة النبوية تُبين لنا أنّ وجود المسجد على الهيئة التي أراد الله تعالى له أن يكون عليها سيصير من أهم أعماله صنع المسلم المتكامل البناء، الصحيح الاعتقاد، النقي السلوك، وهذا المكسب العظيم سيضاف إليه انتشار العلم بين المصلين وغيرهم ممن يتلقى عنهم، وتقوية عروة الأخوة الإيمانية كذلك، فإن صلاة الجماعة التي يؤديها المسلمون في بيت من بيوت الله، جنبًا إلى جنب، تغرس في نفوسهم من حقائق المساواة الإنسانيّة وموجبات الود والأخوة، ما لا تفعله عشرات من الكتب التي تدعو إلى المساواة، وتتحدث عن فلسفة الإنسان المثالي.

ونحن حينما نسوق هذه الكلمات ليس مقصدنا التزهيد في الجامعات والمداس والمعاهد، بل هي والنوادي الثقافيّة والأدبيّة والرياضيّة التي تلتزم الأخلاق الحميدة ذات فائدة لا

(56)

تنكر، وتخصّصاتها الكثيرة تحتاجه الأمة، وإنما المقصود ربط المسلمين بمساجدهم التي يجمعون فيها بين العلم والإيمان والعمل الصالح، لما في المساجد من روحانيّة، لا توجد في سواها من المؤسّسات، مع تنبيهنا إلى أن الكثير من الشباب الصالحين قد تخرجوا من تلك الجامعات والمؤسّسات، وجُلهم من ذوي التخصصات العلمية غير الشرعية كالطب والكيمياء والهندسة والفيزياء وعلوم الفلك والجغرافيا والبحار، وغيرها، ولكن أثر المسجد -(بنسخته المطابقة للمسجد النبوي)- في التفقه وغرس الإيمان وتقويته، والتزكية العبادية والسلوكية، لا تبلغه في الغالب أي مؤسسة أخرى. وهو القادر على صنع الإنسان المسلم الرسالي، والمحافظة عليه في مواجهة تحديات الشيطان والنفس الأمَّارة والدنيا الغَرور، وهو الأرض الخصبة الطيبة التي إن زرعنا فيها الإنسان اهتزت شجرته وربت؛ شجرة تتمسك جذورها بتربة المسجد تستقي منها، وترتفع أغصانها لتلامس السماء؛ أصلها ثابت وفرعها في السماء.

المساجد ودورها التعليمي

للعلم شأن جلل، وفضل عظيم، ومكانة عالية، وقد بات معروفًا أنَّ الأوطان ترفع رأسها، وتبرز في مظاهر عزتها بهمم أولئك الذين يقبلون على العلم بجد وثبات، ولا ينقطعون عنه إلا أن ينقطعوا عن الحياة، لا تحول بينهم وبين نفائس العلوم

(57)

وعورةُ المسلك، ولا طول مسافة الطريق، والعلم النافع الذي دل عليه القرآن الكريم والسيرة النبوية العطرة هو كل علم أثمر الثمار النافعة، وأوصل إلى المطالب العالية، فكل ما زكى الأعمال، ورقى الأرواح وهدى إلى السبيل، فهو من العلم النافع، لا فرق في ذلك بين ما تعلق بالدنيا أو بالآخرة؛ فشرف الدين لازم لشرف الدنيا، وسعادة المعاش مقترنة بسعادة المعاد.

والشريعة الإسلاميّة أمرت بتعلم جميع العلوم النافعة كالعلوم الدينيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والسياسيّة، والحربيّة، والكيميائيّة، والطبيّة، وعلوم الألسن إلى غير ذلك من العلوم التي يكون بها قوام الأمة، وصلاح الأفراد والمجتمعات.

أيّها الأعزاء: إنّ التعليم في المساجد يمكن له أن يكون أشمل من التعليم في غيرها، حيث باستطاعة من يشاء من العلماء المؤهلين أن يدخل المسجد وينسق مع القائمين عليه ويُعلم الناس، كما أن المسجد يدخله من شاء من المتعلمين أو المستمعين، فيستفيد في المسجد جمع غفير: العالم والمتعلم والمستمع على حسب ما عنده من الاستعداد والوقت.

ومعلوم أنَّ باستطاعة كل الناس دخول المسجد بخلاف المدارس والجامعات، فلا يدخلها إلا عدد محدود من المعلمين والمتعلمين، ولا تفي بحاجة عامة الناس، فالمساجد إذا تلقت العناية المطلوبة من أهل العلم، وبادروا للإهتمام

(58)

برسالة المسجد، عبر تفعيل دوره بالدروس، والدورات الفكريّة، والبرامج النافعة باستمرار وتجديد دائم ستصير بيوت الله عندئذٍ جامعات شعبية صالحة للمتعلمين على جميع المستويات، لأن علماء المساجد وطلابها والمثقفين من روادها، أقرب إلى عامة الشعوب من طلاب المدارس والجامعات، حيث تجد أنَّ عالم المسجد وطلابه ورواده يهتمون بعامة الناس أكثر من غيرهم، ولا شك أن الارتباط بين طلاب العلم وجمهور الشعب، له مزاياه الكثيرة في التعليم والدعوة والتوجيه، ومحاربة الرؤية السلبية التي انتشرت في بلادنا العربية تجاه بيوت الله، فيتوجب على الذين يريدون وجه الله تعالى من أئمة المساجد والقائمين عليها أن يسعوا لإطلاق سراح المساجد المعتقلة، ومجابهة الأفكار السيئة التي تسببت بذلك كي يتم القضاء على تلك النظرة الضارة! وعندها ستتحول مساجدنا إلى مراكز تفيض بإصناف الخيرات على أبناء هذه الأمة، وبالطبع لن تتحقق هذه المسألة بين عشية وضحاها، وإنما تتطلب المزيد من علو الهمة والبذل والصبر.

أيها الأعزاء إنَّ التعليم في المسجد يكتنفه جوٌ عبادي، يشعر المُعلم فيه والمُتعلم والسامع، أنهم بين يدي الله تعالى وفي مكان تتفرَّغ فيها القلوب للصلة بالله، وتتطلَّع إليه وتذكره وتخشاه، وتُخلص له وتؤْثِره على كلِّ ما سواه -حيث أنهم في بيت من بيوت الله-، فيكونون أقرب إلى الإخلاص والتجرد

(59)

والنيّة الحسنة، ولا يقصدون -في الغالب- من التعلم والتعليم إلا وجه الله سبحانه، وفي فضلهم روى صفوان بن عسال المرادي، فقال: أتيت النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو في المسجد متكئ على بُرد له، فقلت له: يا رسول الله! إني جئت أطلب العلم، فقال: «مرحبًا بطالب العلم،  طالب العلم لتحفّه الملائكة، وتُظله بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضًا حتى يبلغوا السماء الدنيا، من حبهم لما يطلُب»[1].

وقد تضافرت الروايات عن النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآله الأطهارعليهم‌السلام الّتي تحثّ على العلم والتعليم، وبيّنت المنزلة الرفيعة والمقام الخاصّ للّذين يتصدّون لهذا الواجب، ومن ذلك ما قاله الإمام زين العابدين علي بن الحُسين عليه‌السلام: «لو يعلم الناس ما في العلم لطلبوه ولو بسَفْك المُهَج، وخوض اللجج؛ إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال أن أمقت عبيدي إلي الجاهل المستخف بحق أهل العلم، التارك للاقتداء بهم، وأن أحب عبيدي إلي التقي الطالب للثواب الجزيل، اللازم للعلماء، التابع للحلماء، القابل عن الحكماء»[2].

لذلك يحسن بأصحاب الكلمة المسموعة من العلماء، وأئمّة المساجد أن يجتهدوا في إيجاد الأسباب المؤدية لأستعادة المساجد لدورها التعليمي كي تتحقق بعض أهدافهم في الدعوة

(60)

إلى الله، وبث مكارم الأخلاق، والحث على التفكر في الخلق والدين، وأداء الأعمال على وجهها الصحيح، ...، وأن لا يرجون من وراء ذلك مغنمًا ولا منصبًا.

كيف نحيي المسجد

لعلّ من الأساليب الحديثة في إعداد مسؤولي المساجد، عقد الدورات التدريبيّة لتذكيرهم بالأحكام التي تخصّ المسجد وتنمي معارفهم، وهذا التثقيف والتحصيل من متطلبات الولاية التي تقلدوها، وإلّا فإنّ فاقد الشيء لا يُعطيه؛ إذ كيف نرجو قيام المسجد برسالته، وبدوره الفعال، والقائمون على المسجد لا يحسنون القيام بما هو منوط بهم؟

فالمسجد له دور بارز في مجال الدعوة إلى الله، بل إن البداية الحقيقية تكون من هذا البيت العظيم، فمن أفكار الدعوة التي من ممكن أن تساهم في إحياء دور المساجد:

إقامة حلقات تحفيظ القرآن الكريم للناشئة، فما زالت مساجد المسلمين عامرة منذ القديم بمثل تلك الحلقات التي يتخرج فيها حفظة كتاب الله تعالى، فالفرقان الحكيم هو الذي جلا العقول على النور الإلهي فأصبحت كشافة عن الحقائق العليا، وطهر النفوس من أدران السقوط والإسفاف إلى الدنايا، فأصبحت نزاعة إلى المعالي، مُقْدِمَةً على العظائم.

 

(61)

ويلحق بالفقرة الأولى حثُّ إمام المسجد المصلّين على الاجتماع في المساجد لتلاوة القرآن وتدارسه، ويكون ذلك بقراءة أحد المجتمعين والباقون يسمعون، وبقراءتهم بالتناوب ليقوِّم بعضُهم بعضًا في القراءة، ويستفيد كلُّ واحد منهم من غيره ما يحصِّل به إجادة القراءة وتدارك الخطأ إن وُجد، وإذا كان فيهم عالم بتفسيره علَّمهم، وتدارسوا معانيه، ورجعوا في ذلك إلى كتب التفسير في الرواية والدراية الواردة عن النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الطاهرين، فالقرآن المجيد هو الذي ربى الأمة وأدبها، فزكى منها النفوس، وصفى القرائح، وأذكى الفِطَن، وجلا المواهب، وأرهف العزائم، وأعلى الهمم، وصقل الملكات، وقوَّى الإرادات، ومكَّن للخير في النفوس، وغرس الإيمان في الأفئدة، وملأ القلوب بالرحمة، وحفز الأيدي للعمل النافع، والأرجل للسعي المثمر، فما أحسن أن نقبل على كتاب ربنا -جل وعلا - قراءةً، وتدبرًا، وفهمًا، وعقلًا، واهتداءً بهديه، وتخلّقًا بأخلاقه؛ لنحظى بأجلِّ الخيرة، ونظفر بحميد العاقبة.

قراءة يوميّة في أحد الكتب المختارة، يراعى فيها عدم الإطالة، ويكون بعد إحدى الصلوات مباشرة وقبل خروج المصلين.

إقامة درس يومي أو اسبوعي في المسجد، يقوم عليه إمام المسجد، ويتم فيه تبادل الحوار، لتقوية العلاقة بين إمام المسجد وجماعة المصلين.

(62)

العمل على تأسيس برنامج استضافات أسبوعي، أو نصف شهري أو شهري، وحث المصلين على الحضور والمشاركة فيه، مع مراعاة التنوع والتجديد فيها، كاستضافة طبيب متخصص، أو مرشد صحي، أو موجه من شعبة مكافحة المخدرات، ... وغيرهم.

توزيع مطويات شهرية خلال العام، وخاصة فيما يتصل بالمناسبات الإسلاميّة (رمضان - عاشوراء - الحج - مولد النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة المعصومين) - أو المناسبات العادية (نهاية العام - الامتحانات... وغيرها).

تشجيع من عنده اختصاص علمي من المصلين على المشاركة في إلقاء الكلمات في المسجد، وذلك بالتنسيق مع إمام المسجد.

عمل برنامج لزيارة جيران المسجد من المسلمين وغيرهم، وترغيب المسلمين في صلاة الجماعة.

عمل لوحات خاصّة بالفتاوى والفوائد والإعلانات مثل المحاضرات والدروس العلميّة، والمساهمة في برامج المسجد.

إنشاء صفحات تبليغيّة على مواقع التواصل الإجتماعي يشرف على المواد التي تنشر عبرها إمام المسجد.

 

(63)

إحياء مكتبة المسجد

لا شكّ أنّ طلبة العلم الذين يفترض حضورهم للمسجد، من أجل الدروس والمحاضرات، سيحتاج أكثرهم لشيء من الكتب والمراجع، ولذلك يُعد إنشاء مكتبة للاستعارة والمطالعة بداخل المسجد، وكذلك الإعلان عن كل مادة جديدة في المكتبة من كتب وأقراص حاسوبية ونحوها من مستلزمات الطلبة في هذا العصر، ويُستحسن من إمام المسجد أن يقوم بتشجيع أهل المسجد ورواده على زيارة المكتبة، وحثهم على القراءة إذ هي الغاية من وجود المكتبة.

اللقاءات مع أهل الحي

عقد لقاء دوري يجمع أهل الحي بإمام المسجد والقائمين على خدمته بغية مراجعة أحوال المسجد وشؤونه، ومن فوائد مثل هذا اللقاء يُـسد أي خلل أو نقص فيما يتعلق بشؤون وحاجيات المسجد، والاستفادة من مقترحات أهل الحي وآرائهم بعد إطلاعهم على أنشطة وبرامج المسجد يضمن تشجيعهم للمبادرات المتميزة الرامية لتحسين أوضاعه.

ومع كل ما سبق نجد أن أهم نقطتين يجب مراعاتهما لأحياء المساجد هما:

الاهتمام بدعوة الشباب المسلم للعودة إلى بيوت الله، وتعويد الصبيان على ارتياد المسجد.

(64)

المساجد وشباب الإسلام

يظهر لمن تتبع أخبار السيرة النبوية العطرة إنّ أحبّ الخلائق إلى الله عزّ وجلّ الشاب حدث السنّ الذي جعل شبابه وجماله لله وفي طاعته، وأنه ذلك الّذي يُباهي الله به ملائكته الكرام، والشابّ المتعبّد هو من السبعة الذين ذكرهم الله في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه... وشابّ نشأ في عبادة الله[1]. وإنّ أهل الجنّة شباب كلّهم[2]، وإنّ أصحاب الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه شباب[3] أيضًا.

من هنا يمكننا أن ننطلق جميعًا لدعوة الشباب المسلم إلى بيوت الله تعالى، فَهُم باكورة الحياة، وصدى العيش، وسنام المجد، ومصدر الحركة والعمل، لم تُلوّث قلوبهم حبائلُ الشياطين، ولم تفتنهمُ الدنيا بغرورها، ولم تُعمِ أبصارهم بزخارفها. وشيئان لا يُعرف قدرهما إلّا من بعد فقدهما: الشباب والعافية[4].

وبما أنّ الحديث عن شباب الإسلام، فيطيب لنا أن نذكر شطرًا من دعاء وارث سيّدي شباب أهل الجنة الإمام زين العابدين عليه‌السلام حيث توجّه مبتهلًا إلى الله تعالى: «اللهم .. لا

(65)

تحل بيني وبين المساجد التي يُذكر فيها اسمك، ولا تجعلني من الغافلين عن ذكرك وشكرك»[1].

ولذلك يتوجب على الشباب المسلم أن يبذلوا جهودهم كي لا يحول بينهم وبين المساجد أي حائل، كما يتوجب على الجميع مساعدتهم في هذا الشأن لأن الحؤول بين شباب الإسلام والمساجد يجعلهم من الغافلين، ويعطل بيوت الله عما بُنيت له، والمقصود بتعطيل المسجد هو حرفه عن مهامه وأدواره التي رسمها له الشارع المقدّس، أي تفريغ المسجد من محتواه الإيماني والروحي ومن دوره الاجتماعي والسياسي، والإكتفاء بجَعْلِهِ تحفة فنيّة لا دور لها ولا قيمة سوى تزيين المحيط الذي تتواجد فيه، فعلى شباب المسلمين أن ينطلقوا إلى المساجد ويملئوها، ويجعلوها القطب الأكثر أهمية في حياتهم، فهذا تكليف إلهي في حد ذاته حيث يعتبر حفظ المساجد والمثابرة على الحضور فيها من أقوى الأمور ذات الصلة الوثيقة بالإسلام، وليس المقصود من الحفظ حفظ الحجارة والجدران والأبواب، وإنما حفظ الدور الذي وجهنا له خَاتَم النَّبِيِّينَ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحرص على محورية وروحية المسجد.

وعلى أئمّة الجماعة ومجالس الأمناء والخدم الموظفين والمتبرّعين أن يستشعروا وجوب القيام بجزء من هذا العمل العظيم والمؤثّر على عاتقهم، فنحن بحاجة إلى ثورة أخلاقية،

(66)

فالإفراط التام في الجانب السياسيّ خاطئ تمامًا، وبعضٌ الخطباء يخصّص كلّ خطبته من بدايتها إلى نهايتها للأمور السياسية، ولا نجد عبارة في الأخلاق والنصيحة والتهذيب والأحكام، والشباب الملتزم يريدون أن يسمعوا من خطبائهم الذين ينصتون لخطبهم، ما يبين لهم سبل دفاعهم عن دينهم، وأعراضهم، وأموالهم، ومقدساتهم، وما يخفف آلامهم، وما يعينهم على الصبر على المحن التي أصابتهم، فيجدون خطباء بعض المساجد يسبحون في بحار غير بحارهم، ويخوضون في مشكلات غير مشكلاتهم، فلا يجد الشباب ملجًا يفرون إليه، إلا مجاراة بعض الشيبة بالنعاس الخفيف، أو النوم حتى يسمع النداء «قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة»، فعلى المعنيين أن يجتهدوا في أن لا يمكنوا من لا كفاءة عنده من إمامة مسجد أو الخطابة على منبر، وأن يعيدوا للأئمة مكانتهم لتعود للمسجد مكانته، فإن المساجد لا تُقيَّم بفخامة بنيانها، بل إن عمارة المساجد تُقَيَّم بالعلماء الصادقين الَّذين يؤمُّون الناس فيها، ويعملون على نشر العلم، وهداية البشر وخصوصًا فئة الشباب، وتذكيرهم بخالقهم وإخلاص العبادة له، وبذلك يُخَرِّجون بناة للأمَّة ودعاة للأُخوَّة، والمحبَّة والوئام بين أفراد المجتمع لكي تسود الرحمة بين الجميع.

(67)

تعويد الصبيان على ارتياد المسجد

لا سيّما المميزين منهم؛ مع تعليمهم آداب المسجد، وفي هذ الشأن يبدو أن كل ما ورد من أحاديث في منع الصبيان من دخول المسجد يردُّ متونها فعل النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فإنه «كان يسمع صوتَ الصبي يبكي، وهو في الصلاة، فيخفف الصلاة، فتصير إليه أمُه»[1].

وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهما، فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره، فقال: «من أحبني، فليحب هذين»[2].

وكذلك ما ورد في قول أمير المؤمنين عليه‌السلام: «وإن اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ليهم بعذاب أهل الارض جميعًا حتى لا يحاشي منهم أحدًا، فإذا نظر إلى الشيب ناقلي أقدامهم إلى الصلوات، والولدان يتعلّمون القرآن رحمهم الله، فأخر ذلك عنهم»[3].

وغير ذلك من الأدلة التي تبين أن الصبيان كانوا يحضرون الصلاة مع آبائهم في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأمير المؤمنين عليه‌السلام، فلا ينبغي تنفير الأولاد من بيوت الله بحجة أنهم مصدر إزعاج للمصلين، فمثل هذا الإزعاج إن صدر يمكن معالجته بأساليب

(68)

صحيحة، غير الطرد من المسجد، فإن الطرد فيه مفاسد كثيرة، أولها:

بُغض الصبي للمسجد، ونفرته منه، لا سيَّما إذا كبر، وكفى بهذه مفسدة، والشارع الحكيم حرص على ترغيبهم في الصلاة بالمسجد لا تنفيرهم منه، بالإضافة إلى أن تعويدهم الحضور للمسجد، فيه فوائد أخرى عدا أداء الصلاة، ومن ذلك رؤيتهم منظر التلاحم بين المسلمين، ولمسهم معالم التآخي بين المصلين، فينشؤون على مثل هذه المفاهيم، وإذا حضروا الجمعة تعلموا أدب الإنصات وحُسن الاستماع، والاستجابة -كما هو معلوم- في الناشئة أسرع منها في الكبار، والأمر كما قال الشاعر:

وينشأ ناشئ الفتيان منا .. على ما كان عوّده أبوهُ

من أحكام المساجد

أجمع علماء الإسلام قاطبة على تعظيم المساجد، ووجوب الحفاظ على حرمتها، ومراعاة آداب دخولها، ومما يجب أن تنزه عنه بيوت الله المطهرة اللغو والفحش واللغط واللهو والعبث وحديث الدنيا الشاغل عن الخشوع في الصلاة والتفرغ لذكر الله، وأن تتخذ كما أرادها الله بيوت علم وعبادة وتعليم، ومصادر إشعاع ومركز توجيه، فقد كرم الله عَزَّ وَجَلَّ بيوته، فجعل لها حرمة، ووضع لداخلها آدابًا وأحكامًا يُلتزم بها،

 

(69)

وينبغي لكل مسلمٍ أن يتفطن لها، وأن يتفقه فيها، وأن يدركها تمام الإدراك؛ حتى يكون من الذين يقيمون لبيوت الله قدرها وشرفها ويحفظون حرمتها، لا أن يكون من الذين لا يبالون في أي مكانٍ دخلوا، أو في أي بقعةٍ حلوا.

طهارة المسجد

يجب أن نُحافظ على المساجد طاهرة من كلّ النجاسات، لأنّها أماكن خُصّصت للعبادة ولا تليق النجاسة بالأماكن المقدّسة والمحترمة، ولهذا فإنّه لا يجوز تنجيس المساجد مطلقًا، وليس المقصود فقط أرض المساجد بل حتّى حيطانها أو سقفها حتى يكون المسجد مهيًا للمصلين بنظافته وصيانته عن كل ما يؤذيهم، وإنه ليُعاب قوم مسجدهم يشكو القذى والأذى لمن صلى فيه، ويالله ما أعظم أجر الذين يتولون تنظيف المسجد وتطييبه عند الرب الكريم، وقد روي في السيرة النبوية المباركة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حزن على المرأة السوداء التي كانت تقمّ المسجد عندما ماتت، وطلب الوصول إلى قبرها، وصلى عليها ودعا لها، وأثنى عليها خيرًا.

طهارة زوّار المسجد

يجب على المسلم أن يعتاد النظافة والطهارة دائمًا ويتأكد هذا أكثر عندما يأتي المسجد، فيكون نظيف الجسد حسن

 

(70)

المظهر، قال الله تعالى : ﴿يا بَني آدَمَ خُذوا زينَتَكُم عِندَ كُلِّ مَسجِد (الأعراف: 31).

وينبغي للداخل إلى المسجد أن يكون على طهارة من الحدث الأكبر على التفصيل التالي:

فإنّه يحرم دخول المسجد الحرام في مكّة المكرّمة، ومسجد النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المدينة من الجُنُبِ والحائض، ولو كان ذلك بنحو المرور.

أمّا المساجد الأخرى، فحكمها أيضًا كحكم المسجد الحرام، والمسجد النبوي، في حرمة دخول الجُنُب والحائض إليها، ولكن لو كان في المسجد بابان، فإنّه يجوز المرور من خلالها في داخل المسجد أي من الباب إلى الباب.

وينبغي الانتباه إلى أنّه لا يجوز وضع أيّ شيء في المسجد حال عبور المجنب والحائض فيه، أو حتّى من الخارج، كأن يرمي المجنب أغراضه من الشبّاك الخارجيّ للمسجد إلى داخل المسجد.

مراعاة حرمة المسجد

إنّ المساجد بيوت الله في الأرض، وإنّه حقّ على الله أن يكرم من زاره فيها؛ لكن الضيف ينبغي أن يراعي أدب المكان، وأدب المضيف، وهو الله عَزَّ وَجَلَّ، فنحن في بيوته، ونحن إنما

(71)

جئنا لعبادته، فكيف بنا نخدش ذلك أو لا نلتفت إلى الأمور الواجبة؟

لذلك يتوجب علينا مراعاة حرمة بيوت الله تعالى:

وذلك بتجنّب القيام فيه بالأمور المحرّمة كالغيبة والنميمة، وأيّ تصرّف آخر يُعتبر منافيًا لحرمة المسجد، وفي هذا السياق ينبغي التأكيد على الأمور التالية:

التفات أصحاب الهواتف الّتي يستخدمون فيها نغمات غنائيّة إلى أنّ للمسجد حُرمة، ولأهل المسجد أيضًا حُرمة، فالأفضل جعل الهواتف في المساجد مغلقة أو صامتة حتّى لا يشوّش على عبادته أو عبادة غيره.

أيها الأحبة: إن عُمَّار المساجد هم أهل الله تعالى وعباده، يجيبون نداءه، ويسعون إلى طاعته، ويقبلون إلى مرضاته، فكيف بهذه الصفوة إذا كانت تخل بالأحكام، ولا تراعي الآداب، ولذلك يحسن بالمصلي ترك المزاح الّذي يتنافى مع روحيّة العبادة في المسجد، وألا يتخطَّى رقاب الناس، ولا ينازع في المكان، ولا يضيِّق على أحد في الصفِّ، ولا يعبث بشيء من جسده، وأن يتفرّغ في المسجد للعبادة وطلب العلم، وعدم الانشغال بالأحاديث الدنيويّة الجانبيّة خاصّة أثناء إقامة صلاة الجماعة. وأن يُكثر فيه ذِكر الله تعالى ولا يغفل عنه، فإذا فعل هذه الخصال، فقد أطاع الله تعالى وأدَّى حقَّ المسجد.

(72)

عدم زخرفة المسجد

إنّ الصلاة والتلاوة وأيّ عبادة يُمكن أن يقوم بها الإنسان في أيّ بقعة كانت، ولو في صحراء قاحلة، تمامًا كما يقوم بها في أيّ مسجد، إلّا أنَّ فضل القيام بها في المسجد أفضل وأكثر ثوابًا، ولا بدّ في العبادة من إفراغ القلب من شوائب التعلّق والتفكير بأمور الدنيا وشؤونها، لذلك يحرم تزيين المساجد بالذهب إذا عُدَّ إسرافًا وفي غير ذلك هو مكروه.

ويحسن في المساجد الابتعاد عن كلّ ما يشعر المرء بالحالة الدنيويّة والانشداد إليها، وترك التركيز، والتشتّت والبعد عن ذكر الله تعالى، لأنَّ المسجد دار الذاكرين المتفكّرين لا الغارقين في تأمّل زخارف الدنيا وزينتها. وللأسف كم صار هذا الأمر شائعًا في أيّامنا، وقد ورد التّحذير منه على ألسنة أئمة أهل البيت النبوي عليهم‌السلام، فقد روى حمران بن أعين أحد حواريّي الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال: «ألا تعلم أنّ من انتظر أمرنا، وصبر على ما يرى من الأذى والخوف هو غدًا في زمرتنا، فإذا رأيت الحقّ قد مات وذهب أهله، ورأيت الجور قد شمل البلاد، ورأيت القرآن قد خَلِقَ وأُحدِث فيه ما ليس فيه ... إلى أن قال عليه‌السلام: ورأيت المساجد قد زُخرِفت... ورأيت المساجد محتشية ممّن لا يخاف الله، مجتمعون فيها للغيبة وأكل لحوم أهل الحقّ.. فكُن على حذر..!!»[1].

(73)

الحفاظ على أغراض المسجد

ينبغي الحفاظ على أغراض المسجد، وكلّ ما يتعلّق به من فرش وسجّاد، وحُصر وأيّ مقتنيات أخرى موقوفة فيه، وفي أي حالة تنجّس تحصل يجب المبادرة إلى تطهيرها فورًا، وبدون أيّ تأخير. إلّا إذا لم يتمكّن الشخص الّذي سيتولّى هذه المهمّة بمفرده من المبادرة إلى تطهيره.

أمّا لو رأى نجاسة في المسجد، وقد حضر وقت الصلاة تجب المبادرة إلى إزالتها مقدّمًا على الصلاة مع سِعة وقتها.

ولو اضطرّ الأمر إلى صرف مالٍ في تطهير المسجد وجب ذلك، وتلحق المسجد في هذه الأحكام كلّها.. فرشُ المسجد، والسجّاد والحُصر الّتي فيه وبقية الأدوات.

ولو كان السجّاد الّذي في المسجد يُمكن الانتفاع فيه في أوقات معيّنة من السنة كالشتاء مثلًا، فينبغي المحافظة عليه ولا يجوز بيعه.

ولو لم يحتج إليها في الافتراش مثلًا وأمكن أن يُستفاد منها في شيءٍ آخر كما لو أمكنت خياطتها كمظلّات أو برادي، فيحرم أيضًا بيعها.

ولو انعدمت الاستفادة منها في كلّ الأحوال والأوقات، وكان إبقاؤها في المسجد سيؤدّي إلى تلفها، واحتاج لها مسجد آخر تُعطى للمسجد الآخر ولا تُباع.

 

(74)

أمّا لو لم يحتج لها مسجد آخر، وانعدمت الفائدة منها في المساجد وضعت في المصالح العامّة. وإذا استغنت عنها المصالح العامّة، ولم يُمكن الاستفادة منها بأيّ حال بيعت وصُرف ثمنها في المسجد الّذي أُخذت منه إذا احتاج إلى ما يُصرف فيه، وإلّا في مسجد آخر.

أين مكانك في المسجد؟

المساجد من الأماكن العامّة الّتي يقصدها جميع الناس، فمن سبق إلى مكان في المسجد لأجل الصلاة أو سائر الأعمال الّتي جرت العادة على القيام بها في المسجد كقراءة القرآن أو الوعظ والإرشاد لم يجز للآخرين مزاحمته أو إزعاجه.

فالحقّ في المكان داخل المسجد يُحفظ بوضع ما كان متعارفًا لحجز المكان كفرش سجّادة الصلاة أو وضع شيء من ثيابه وأغراضه، ولا يكفي وضع التربة أو السواك أو المسبحة.

ولو فرضنا أنّ شخصًا وضع ما يدّل على حجزه للمكان وذهب لقضاء أمرٍ ما وأصبح الفاصل طويلًا، لم يعد الاجتناب عن ذلك المكان لازمًا بل جاز لغيره استخدام المكان.

ولو فرضنا أنّ أحدًا حجز المكان لتلاوة القرآن أو الدعاء ثمّ حضرت جماعة للصلاة جماعة في المسجد، فالأولى له تخلية المكان لمن يطلب منه إفساح المجال للالتحاق بالجماعة إذا وجد مكان آخر له، ولا يكون منّاعًا للخير عن أخيه.

(75)

من فقه المسجد

حينما يكون الواحد منّا مدعوًا إلى رجل عظيم الجاه أو ذي سلطان وشأن، فإنّ تلك الدعوة تحتلّ في حيِّز اهتماماته مكانًا واسعًا، وفي سلَّم أولويّاته درجة رفيعة، فيقوم بكلّ ما عليه من لياقات ليقدم عليه في خير مقدم، وحينما يحلّ في داره لا يقوم بما ينافي الشخصيّة المتّزنة الّتي يحرص كلّ الحرص على أن تبقى نقيّة في نظر الداعي.

والمساجد أمر الله تعالى بتعظيمها لأنّها بيوت الله، ففي الرواية عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن العلّة في تعظيم المساجد، فقال: «إنّما أمر بتعظيم المساجد لأنّها بيوت الله في الأرض»[1].

وبناء على هذا، فإنّ أولى من يستحقّ منا هذا التهيّؤ وهذه المراعاة هو الله ملك الملوك وجبّار الجبابرة والمفضل المنعم المستمرّ في إفاضته بلا انقطاع عن خلقه.

وفي الصفحات اللاحقة سنتعرّف على آداب حثَّتنا الشريعة على مراعاتها حين نُقدم زوّارًا على بيوت الله سبحانه وتعالى.

أحي مسجدًا مهجورًا

أيها الأعزاء: إنَّ القطيعة مع المسجد كارثة من أخطر الكوارث

(76)

الروحية الشائعة في هذه الأيام، فالقطيعة مع بيوت الله، وهجران المساجد، وترك التردُّد إليها بحجج مختلفة وأعذار مُخْتَلَقة هو إعلان خصومة مع الله ورسوله، وقد حثّنا النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم‌السلام على التنبُّه لهذه المشكلة الخطيرة، فقد جاء في أقوالهم الشريفة أن المساجد تشكو إلى الله هذا السلوك من القطيعة معها من قِبَل المسلمين، وقد ورد عن النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: «يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون: المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف يا رب حرفوني ومزقوني، ويقول المسجد: يا رب عطلوني وضيعوني، وتقول العترة: يا رب قتلونا وطردونا وشردونا، فأجثو للركبتين في الخصمومة، فيقول الله عَزَّ وَجَلَّ لي: أنا أولى بذلك منك»[1].

وجاء عن الإمام الصادق عليه‌السلام: «ثلاثة يشكون إلى الله عزّ وجلّ: مسجد خراب لا يُصلّي فيه أهله، وعالم بين جهَّال، ومصحفٌ معلّق قد وقع عليه الغبار لا يُقرأ فيه»[2].

أأُخي لبِ نـداءه ودع الهوى   وارتــع هنـاك بـــركنه وتفقـــــدِ

روح القلوب ينال في إعماره   ما ضاق صدر في رحاب المسجدِ

(77)

فرياضه تزهو بنور هداية       وتحف بالرحمات كل موحدِ

إنَّ بعض المساجد لا يقصدها إلّا القليل من الناس لأسباب كثيرة، وإنّ هذه المساجد هي خصم لنا يوم القيامة وستشكو إلى الله عَزَّ وَجَلَّ هجرانها، ويشير تعالى إلى هذه النقطة في كتابة العزيز فيقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلّاَ اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (التوبة: 18)، فالمقصود من العمران ليس هو تشييد البناء فحسب بل الحضور فيها وإحياؤها بالتعبد فيها، والذكر الّذي هو أهم نوع من العمران، وبالمقابل نهى سبحانه وتعالى المشركين عن عمارة المسجد معلّلًا ذلك بأنّهم شهدوا على أنفسهم بالكفر حيث قال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْركِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ (التوبة: 17). فعمارة المسجد من خاصّيات المؤمنين كما أسلفنا، فلا يصح أن تمسّه أو تناله الأيدي والألسن الملوّثة بالشرك.

لا تنسَ حقّ الجوار!

جيران المساجد هم أولى الناس بحفظ حقّ جوارهم لها، وأولى الناس بإحيائها وزيارتها، وقد شدّد الإسلام كثيرًا على صلاة المؤمنين جماعة في المسجد، واعتبر أن لا صلاة حقيقية لجار المسجد إلاّ في المسجد، وإن قبلت صلاة المصلي في بيته شرعًا، إلاّ أنها تكاد تخلو من الثواب الإلهي، فيما أثاب اللّه

(78)

تطهّر في بيتك

إذا بلغت باب المسجد فاعلم أنّك قصدت باب بيت ملِكٍ عظيم لا يطأ بساطه إلا المطهّرون، ولا يؤذن بمجالسة مجلسه إلا الصديقون، ولذلك كن على علم مُسبق أنّ الحضور إلى المسجد يستلزم التأدُّب بجملة من الآداب توضّأ في المنزل قبل أن تسير إلى المسجد لتنال بذلك البشارة من الله تعالى، فقد روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنه قال: «مكتوب في التوراة إنّ بيوتي في الأرض المساجد، فطوبى لمن تطهّر في بيته، ثمّ زارني في بيتي، وحقٌّ على المزور أن يُكرم الزائر»[1].

يا من إذا وقف الـمُـــسيء ببــابه  

                               ستر القبيح وجــاد بالإحسانِ

وأنا المُسيء وقد دعــوتكُ سيّدي  

                               تعفو وتصفــح للعُبيْدِ الجاني

تعفو الملوكُ عن الـنّٓزيلِ بساحهم  

                               كيف النُّزول بساحةِ الرّحمنِ؟

(80)

تحلّى بالوقار

إنّك بين أهل الدنيا لا تدخل على أصحاب الشأن فيها إلّا بالوقار والسكينة، والتواضع لله

تعالى أولى من التواضع للخلق، وهذه سنّةٌ أمرنا بها النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وأهل البيت عليهم‌السلام، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال: «إذا قمت إلى الصلاة إن شاء الله، فأْتِها سعيًا[1]، ولتكن عليك السكينة والوقار، فما أدركت فصلِّ وما سبقت به فأتمّه، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ (الجمعة: 9). ولا بد للمصلّي من مراعاة حق الصلاة لإن لها حقًّا عظيمًا عليه، وقد قال أمير المؤمنين علي عليه‌السلام: «من أتى الصلاة عارفًا بحقّها غُفر له»[2].

ولمعرفة حقّ الصلاة على المصلي يتوجب أن نصغي لصاحب رسالة الحقوق مولانا الإمام زين العابدين عليه‌السلام، والذي يتفضل علينا ببيان ذلك، فيقول: «وحقّ الصلاة أن تعلم أنّها وفادة إلى الله عزَّ وجلَّ، وأنّك فيها قائم بين يدي الله عزَّ وجلَّ، فإذا علمت ذلك قمت مقام الذليل الحقير الراغب الراهب الراجي الخائف المسكين المتضرّع المعظم لمن كان بين يديه بالسكون والوقار، وتقبل عليها بقلبك، وتقيمها بحدودها وحقوقها»[3].

(81)

وفي آداب القيام للصلاة أيضًا جاء عن الإمام الرضاعليه‌السلام: «فإذا أردت أن تقوم إلى الصلاة، فلا تقم إليها متكاسلًا ولا متناعسًا، ولا مستعجلًا ولا متلاهيًا، ولكن تأتيها على السكون والوقار والتؤدة، وعليك الخشوع والخضوع، متواضعا لله عزّ وجلّ متخاشعًا عليك الخشية، وسيماء الخوف راجيًا بالطمأنينة على الوجل والحذر، فقف بين يديه كالعبد الآبق المذنب بين يدي مولاه، فصف قدميك وانصب نفسك، ولا تلتفت يمينًا وشمالًا، وتحسب كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك ...»[1].

إلبس أفضل ما لديك

لقد أوصى القرآن الكريم بالتزيّن والشكل الحسن أثناء التوجُّه إلى المساجد، حيث يقول تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ  (الأعراف: 31).

هذه الوصية يمكن أن تكون إشارة إلى كلّ زينة جسمانيّة بما يشمل لبس الثياب الطاهرة والجميلة وغيرها، ويمكن أن تكون إشارة إلى كلّ زينة معنويّة بما تشمل من صفات إنسانيّة وملكات أخلاقيّة وصدق النيّة وطهارتها وإخلاصها، وقد ذكرت الرِّوايات تضاعف الأجر من الله تعالى لمن تعطّر قبل الصلاة،

(82)

فعن الإمام الصادق عليه‌السلام: «ركعتان يصلّيهما متعطِّرًا أفضلُ من سبعينَ ركعةٍ يصلّيهما غيرَ متعطِّرٍ»[1].

كما أنّ التعطّر قبل الخروج للصلاة هو من جملة السنن النبويّة المأثورة، وهذا ما كانت عليه سيرة أئمّتنا صلوات الله وسلامه عليهم، فعلينا أن نتبعهم في ذلك، لا أن نُظهر حالة البؤس على أنفسنا ونعمة الله تعالى في أيدينا ونحن قادرون على تحسين مظهرنا، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام: «إنَّ اللهَ يحبُّ الجمالَ والتجمُّلَ، ويكرهُ البؤسَ والتباؤسَ، فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ إذا أنعمَ على عبدٍ نعمةً أحبَّ أن يرى عليه أثرَها، قيل: وكيفَ ذلك؟

قال عليه‌السلام: يُنظِّفُ ثوبَهُ، ويُطَيِّبُ ريحَهُ، ويُحَسِّنُ دارَهُ، ويكنُس أفنيَتَهُ، حتّى أنَّ السراجَ قبل مغيبِ الشمسِ ينفي الفقرَ، ويزيدُ في الرِّزقِ»[2].

وقال عليه‌السلام: «إنّ عليّ بن الحسين عليه‌السلام استقبله مولىً له في ليلة باردة وعليه جبَّة خزّ ومطرف خزّ، وعمامة خزّ وهو متغلّف بالغالية[3]، فقال له: جعلت فداك في مثله هذه الساعة على هذه الهيئة إلى أين؟

(83)

فقال عليه‌السلام: إلى مسجد جدّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخطب الحور العين إلى الله عزّ وجلّ»[1].

الاستخفاف باللباس

وهو أمرٌ لا يليق بالمؤمن، ولا يليق ببيوت الله سبحانه، والمقصود بالاستخفاف لبس ما يظهر أجزاء من البدن كركبة والفخذين أو البطن والسرَّة، فقد جاء في الرواية أنّ النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «كشف السرَّة والفخذ، والركبة، في المسجد من العورة»[2].

تجنّب روائح الفم

يجب تجنّب كلّ ما يجعل رائحة الفم كريهة، فقد نهى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الدخول للمسجد بتلك الرائحة، وقال أمير المؤمنين عليه‌السلام: «من أكل شيئًا من المؤذيات ريحها، فلا يقربنّ المسجد»[3].

وسُئل الإمام الباقرعليه‌السلام عن أكل الثوم، فقال: إنّما نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنه لريحه، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من أكل هذه البقلة الخبيثة، فلا يقرب مسجدنا، فأمّا من أكله ولم يأتِ المسجد فلا بأس»[4].

(84)

وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه سُئل عن أكل الثوم، والبصل، والكراث؟ قال: «لا بأس بأكله نيًا وفي القدور، ولا بأس بأن يُتداوى بالثوم، ولكن إذا أكل ذلك، فلا يخرج إلى المسجد»[1].

الذكر حال الدخول والخروج من المسجد

كما أنّ لدخول المسجد ذكرًا خاصًا، فإنّ للخروج منه ذكرًا أيضًا، بهذا جاءت الرواية عن الصادق عليه‌السلام عن آبائه الكرام قال: «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: إذا صلّى أحدكم المكتوبة وخرج من المسجد، فليقف بباب المسجد، ثمّ ليقل: اللّهم دعوتني فأجبت دعوتك، وصلّيت مكتوبتك، وانتشرت في أرضك كما أمرتني، فأسألك من فضلك العمل بطاعتك واجتناب سخطك والكفاف من الرزق برحمتك»[2].

ومن مرّ بالمساجد، فلا ينسى الصلاة على خَاتَم النَّبِيِّين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فإنها أمحق للخطايا من الماء للنار[3]، وقد روي عن الإمام علي بن الحسين عليه‌السلام قال: «قال علي بن أبي طالب عليه‌السلام إذا مررتم بالمساجد، فصلوا على النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم»[4].

(85)

خطوات تحصد حسنات

إنّ أوّل الآداب الّتي حثّت الروايات الشريفة عليها أن يأتي الإنسان مشيًا على قدميه إلى المسجد، وجعلت في مقابل ذلك له الثواب الجزيل، فقد روي عن النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: «من مشى إلى مسجد من مساجد الله فله بكلّ خطوة خطاها حتّى يرجع إلى منزله عشر حسنات، ومُحي عنه عشر سيّئات، ورُفع له عشر درجات»[1].

وقال الإمام الصادق عليه‌السلام: «ما عُبد الله بشيءٍ مثل الصمت، والمشي إلى بيته»[2].

تعاهد الحذاء

لا تترك الحذاء حيثما وصلت وكيفما كان لكي لا تُساهم في تشكيل الصورة الفوضويّة عند باب المسجد، ضعه في المكان الّذي أُعدّ لذلك، والتزم بما جاء في الرواية عن الإمام الباقرعليه‌السلام قال: «قال النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم، ونهى أن ينتعل الرجل وهو قائم»[3].

(86)

الدخول إلى رحاب المسجد

لكلّ عمل في الإسلام أدب أفردت له الشريعة الإسلاميّة ذكرًا خاصًا به أو عملًا مستحبًا حثّت عليه، ومن هذه الآداب ما يتعلّق بالمسجد وبكيفيّة الدخول إليه، فقد روي عن النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: «إذا دخل المؤمن المسجد، فوضع رجله اليمنى، قالت الملائكة: غفر الله لك، وإذا خرج فوضع رجله اليسرى، قالت الملائكة: حفظك الله، وقضى لك الحوائج، وجعل مكافأتك الجنّة»[1].

الذكر حال الدخول

وهو ما جاء في العديد من الروايات، منها ما روي عن مولاتنا الطهر البتول فاطمةعليها‌السلام قالت قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «إذا دخلتِ المسجد، فقولي بسم الله، والسلام على رسول الله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، واغفر لنا وسهل لنا أبواب رحمتك، فإذا فرغت، فقولي مثل ذلك، غير أن تقولي: وسهل لنا أبواب فضلك»[2].

وكان مولانا الإمام الحسن عليه‌السلام إذا دخل المسجد رفع رأسه، ويقول: «إلهي ضيفك ببابك، يا محسن قد أتاك المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم»[3].

(87)

وجاء عن الإمام الباقرعليه‌السلام قال: «إذا دخلت المسجد وأنت تُريد أن تجلس فلا تدخله إلّا طاهرًا، وإذا دخلته فاستقبل القبلة ثمّ ادعُ الله وسله وسمِّ حين تدخله[1]، واحمد الله وصلِّ على النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم»[2].

وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال: «إذا دخلت المسجد، فاحمد الله، وأثنِ عليه، وصلِّ على النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم»[3].

وللمسجد تحيّة

وهي في وصيّة النَّبِيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي ذرٍّ الغفاريّ، ففي الرواية الواردة عنه قال: دخلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو في المسجد جالس، فقال لي: «يا أبا ذرّ، إنّ للمسجد تحيّة، قلت: وما تحيّته؟ قال: ركعتان تركعهما»[4].

الجلوس في المسجد عبادة

ليس الدعاء والصلاة وقراءة القرآن في المسجد فقط من الأمور العباديّة الّتي يُثيب الله عليها، بل إنّ مجرّد الجلوس فيه هو مظهر من مظاهر العبادة لله، وبالتالي فإنّ الله يُثيب الجالسين والماكثين فيه، وقد قال النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «الجلوس في

(88)

المسجد لانتظار الصلاة عبادة ما لم يُحدث، قيل: يا رسول الله وما الحدث؟ قال: الغيبة»[1].

المساجد للقرآن

إنّ للمسجد حرمة عظيمة عند الله بحيث جعلها مكانًا مخصّصًا للعبادة وقراءة القرآن وأضفى عليها طابعًا من القدسيّة لتكون مركزًا عباديًا يُقام فيه كلّ ما يُقوّي أواصر العلاقة بالله، ويُساعد الإنسان على العمل من أجل الوصول للجنة، وفي هذا الشأن العظيم روى أئمة أهل البيت عن النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «ومن كان المسجد بيته، والقرآن حديثه، بنى الله له بيتًا في الجنة»[2].

والحقّ أنّ حلقات القرآن الكريم مُدارسة وإقراء وفهمًا وتدبّرًا في بيوت الله تعالى وعلى أصعدتها مُرغب فيها، والجزاء على الاجتماع في المساجد لتلاوة القرآن وتدارسه عظيم وعظيم حيث نزول السكينة على المجتمعين، ورحمةَ الله تغشاهم، أي تشملهم وتغطِّيهم، وأنَّ الملائكة تحفُّهم أي: تحيط بهم، وأنَّ الله يذكرهم عند الملائكة كما تذكر الأخبار...ولولا خوف السأم لأطلقنا في استقصاء فضل حلقات القرآن عنان القلم، لكن الذي ذكرناه كافٍ لما أردناه، والحمد لله.

(89)

منع القصص في المسجد

حفاظًا على مكانة وهيبة المسجد وصونًا لحرمته المستمّدة من التوصيات الإلهيّة والنبويّة نجد أنّ أهل البيت عليهم‌السلام تعاملوا بشدّة مع من ينتهك قدسيّة وحرمة المسجد ويحرفها عن دورها الأساس، ليصونوا بيوت الله ويحافظوا عليها كما أرادها الله عزّ وجلّ، فقد جاء عن الإمام الصادق عليه‌السلام: «إنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام رأى قاصًا[1] في المسجد، فضربه بالدرّة وطرده»[2].

وأما جواز إنشاد الشعر الهادف في المسجد، فالأدلة عليه متظافرة، ومنها ما رواه سعيد بن المسيب قال: مر عمر بـ حسان بن ثابت، وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه، فقال حسان: «قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك»[3].

ومعنى «فلحظه»، أي: نظر إليه بعينه نظرة فيها إنكار، فقال ردًا على هذا الفعل: «قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك» يعني: رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهذا يدل على جواز إنشاد الشعر في المسجد، وذكره في المسجد إذا كان سليمًا وكان حكمًا، مثل ما كان شعر حسان دفاعًا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

(90)

الأصوات المرتفعة في المسجد

والمقصود منها الصوت المرتفع أو الصوت الناتج عن كل ما يُزعج الموجودين ويُعكّر صفاء المتعبّدين في المسجد، فعن الإمام الصادق عليه‌السلام قال: «جنّبوا مساجدكم.. رفع الصوت»[1].

ترك المسجد أثناء الصلاة

نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الخروج من المسجد عند رفع الآذان أي في وقت الصلاة ووصف من يفعل ذلك بالمنافق، ولعلّ ذلك من باب الإشارة إلى أهمّيّة الصلاة جماعة في المسجد وإشعارًا منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على قدسيّة وقت الصلاة وأدائها في وقتها، فعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «من سمع النداء في المسجد، فخرج من غير علّة، فهو منافق إلّا أن يُريد الرجوع إليه»[2].

وروى أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب عن أبي واقد الليثي: أن النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينما هو جالس في المسجد، والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وذهب واحد، فلما وقفا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سلما، فأما أحدهما فرأى فُرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا

(91)

فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه»[1].

وفي هذا الحديث: بيان فضل ملازمة حِلَقِ العلم والذكر، وجلوس العالم، والذاكر في المسجد، وفيه: الثناء على المستحيي، والجلوس حيث ينتهي به المجلس، وأما قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه»، فإنه والله أعلم أراد أن يكون المعرض عن ذلك المجلس من في قلبه نفاق ومرض لأنه لا يعرض في الأغلب عن مجلس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا من هذه حاله، ولو أنه أعرض لحاجة عرضت له ما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك القول فيه.

الحذر من استدعاء النوم بالنعاس

ينبغي للجالس في المسجد ألا يكون للنوم أو النعاس عليه سبيل، ولا سيّما مع طول المكث كيوم الجمعة، ولا ريب أن النعاس قد يكون من الأمور القهريّة إلا أنّه يمكن تفادي ذلك براحة تامة قبل الحضور إلى المسجد، ولا يليق بمسلم أن يجعل اليقظة وقوة الانتباه في الأسواق، ويجعل حظ المسجد النوم والنعاس، فإن هذا لا يُعد توقيرًا لبيت الله تعالى، ولذلك لا ينبغي استدعاء النعاس بسبب من الأسباب كالاستناد إلى جدار، أو خفض الرأس، بل يحرص على اغتنام الأوقات لا سيّما في أفضل البقاع وهي المساجد، فيشتغل الجالس فيها

(92)

بذكر الله تعالى، وقد روي عن الإمام الصّادق عليه‌السلام أنه قال: «ملعون ملعون من لم يوقّر المسجد»[1].

حافظ على نظافة المسجد

من مضامين الأحاديث النبويّة الشريفة علمنا أن مساجد الله بيوت للطاعة، ومهابط للملائكة، وأماكن لاجتماع الموحدين، ولذا كان للعناية بها فضلٌ عظيم، فقد روي عن النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: «عُرضت عليَّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد»[2]، فإن وجدت في المسجد شيئًا من ذلك مرميًا على الأرض، فالتقطه واحرص على جعل بيت الله نظيفًا، وسيُكتب لك الأجر والثواب.

خدمة المسجد وتطهيره للركع السجود

قد يستغرب الذين لا يستحضرون آيات الفرقان الحكيم إذا قلنا أن مهنة خادم المسجد هي مهنة من المهن التي كان يواظب عليها أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام!! والحق أنها ليست كذلك فقط بل هي عهد الله سبحانه الذي عهده لخليله إبراهيم، وولده إسماعيل عليه‌السلام، وفي ذلك يقول الله عَزَّتْ آلاَؤُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (البقرة: 125).

(93)

وتحدثَّنا السيرة النبويَّة العطرة أنَّ مولانا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  كان يباشر هذا العمل الشريف بيديه المباركتين، ويتبع غبار المسجد بجريدة»[1]، ويثني على الذين ينظفون المسجد وينزهونه عما يُستقذر[2]، ولقد كان للذين يعتنون ببيوت الله مزيد مكانةٍ في نفس النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي هذا الشأن يروى أن امرأة بالمدينة المنورة كانت تَقُمُّ المسجد النبوي فماتت، فمرَّ النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  على قبرها، فقال: ما هذا القبر؟ فقالوا قبر أُمِّ محجنٍ. قال: التي كانت تَقُمُّ المسجد؟ قالوا: نعم، فصفَّ الناس فصلى عليها، ثم قال: أيُّ العمل وجدتِ أفضل ؟ قالوا: يا رسول الله أتسمع؟ قال: ما أنتم بأسمع منها، فذكر أنها أجابته: قَمُّ المسجد»[3].

واعلم وفقنا الله وإياك لكل خير أنه يستحب إستحبابًا مؤكدًا كنس المسجد وتنظيفه، والأفضل التبرّع بكنسه ليحظى الإنسان بالمغفرة الموعودة، ففي الرواية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من كنس

المسجد يوم الخميس ليلة الجمعة، فأخرج منه من التراب ما يذر في العين غفر الله له»[4].

وفي المساجد التي لا يتوجد فيها خادم يخدمها يمكن

(94)

تقسيم العمل بين الراغبين بحيث يتولى هؤلاء المباركين خدمة المسجد، وبذلك يشارك الجميع في الخدمة مما يشجع على هذا العمل الذي عاقبته كفلين من رحمة الله تعالى، ففي الرواية عن أهل البيت عليهم‌السلام أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «من قمَّ (نظَّف) مسجدًا كتب الله له عتق رقبة، ومن أخرج منه ما يقذي عينًا كتب الله عزّ وجلّ له كِفلين من رحمته»[1].

إضاءة المسجد

إن إنارة المسجد مما يسبب الرغبة بقصده، وينير جنباته لمن دخله، ويعرف مرتاده الموضع الذي يقصده، وإن تتبرّع بمصباح للمسجد، فإن ذلك يُعد عمل يسير، ولكنك تُنير به ليل المصلّين في المسجد، وقد جاء في الرواية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «من أسرج في مسجد من مساجد الله سراجًا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوءٌ من ذلك السراج»[2].

ويمكن لمن يريد من أهل الإيمان أن يتكفل بكل أعمال الإنارة في المسجد أو ببعضها، فيؤجر على ذلك أجرًا عظيما، وخزائن الله لا تنفذ أبدًا، وقد يسر الباري وجود الكهرباء الذي يحصل بها تمام الإنارة والضياء، فما أجمل أن تشرق المساجد بالضياء مع الطرقات الموصلة إليها، ولعل سبب الترغيب في

(95)

هذا الحديث الشريف ما كان المسلمون فيه من شدة الظلمة في بعض الليالي، مع ضيق الطرق، والتوائها، فيصعب سلوكها والعبور معها إلى المساجد في الليالي المظلمة، مخافة الهوام والحفر والحجارة، وقد خفَّت هذه الأشياء في زماننا بسعة الطرق وإنارتها، ونظافتها وأمنها والحمد لله، فلا عذر لأحد في التأخر عن المساجد لأجل ظلمة أو نحوها.

تاجر مع الله فقط

رُويَ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّه قال: «مَن مشى إلى مسجدٍ يطلب فيه الجَّماعة كان له بكلِّ خطوةٍ سبعون ألف حسنةٍ، ويرفع له من الدَّرجات مثل ذلك، فإن مات وهو على ذلك وكَّل الله به سبعين ألف ملكٍ يعودونه في قبره ويُبشِّرونه ويؤنسونه في وحدته، ويستغفرون له حتى يُبعث»[1].

فالمسجد للعبادة وتحصيل رفعة الدرجات، وليس محلًا للتجارة إلّا مع الله تبارك وتعالى، فلا تجعله متجرًا لبيع متاع الدنيا الفانية الزائلة، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام: «جنّبوا مساجدكم البيع والشراء، ...»[2].

(96)

الأذان في المسجد

إنّ الأذان بالصلاة في مجتمعات المسلمين سمة بارزة، وله وقع خاصّ في قلوب المؤمنين، كما أنَّ الأذان للصلاة في أوّل أوقات الفرائض اليوميّة، وترديده من قِبَل السامعين يُعد من المستحبّات الشرعيَّة، وقد قال الإمام الرضاعليه‌السلام: «إنما أمر الناس بالأذان لعلل كثيرة، منها أن يكون تذكيرًا للناس، وتنبيهًا للغافل، وتعريفًا لمن جهل الوقت واشتغل عنه، ويكون المؤذن بذلك داعيًا الى عبادة الخالق، ومرغبًا فيهما، مقرًا له بالتوحيد، مجاهرًا بالإيمان، معلنًا بالإسلام، مؤذنًا لمن ينساها، وإنما يقال له: مؤذن لأنه يؤذن بالأذان بالصلاة..»[1].

وروي عن النَّبِيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: «يُحشر مؤذِّنٌ أمَّتي مع النبيِّين والصدِّيقين والشُّهداء»[2].

وخصّ الإمام زين العابدين عليه‌السلام المؤذّن بحقّ في رسالة الحقوق، فقال: «وأمّا حقّ المؤذّن أن تعلم أنّه مذكّر لك ربّك عزّ وجلّ، وداعٍ لك إلى حظّك، وعونك على قضاء فرض الله عزّ وجلّ عليك، فاشكره على ذلك شكر المحسن إليك»[3].

وممّا يتوجّب على المؤذن أن يكون أمينًا ليعلم الناس

(97)

بالوقت على يقين، وينبغي أن يكون حسن الصوت، وحُسْنُ الصوت يزيد المعنى جمالًا، ويجذب السامع إلى تدبر مفردات الآذان، وقد قال مولانا الإمام الحسين عليه‌السلام: كنا جلوسًا في المسجد إذ صعد المؤذن المنارة فقال: الله أكبر، الله أكبر، فبكى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام، وبكينا لبكائه، فلما فرغ المؤذن قال: أتدرون ما يقول المؤذن؟ قلنا: الله ورسوله ووصيه أعلم. قال: لو تعلمون ما يقول لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا!»[1]، ثم شرع عليه‌السلام ببيان المراد من الآذان للصلاة.

إنّ كلّ ما تقدّم من آداب هو آداب ظاهريّة ينبغي على المؤمن أن يُراعيها من خلال تصرّفاته الجسديّة في المساجد، إلّا أنّ للحضور في المسجد عند المعرفة والتقوى آدابًا معرفية وروحيّةً لا بُدّ من مراعاتها حتّى نحصّل العظيم من آثار وثواب الحضور في المساجد، ومن ذلك:

روحيّة الدخول إلى المسجد

جاء في الرواية الوادة عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنه قال: «إذا بلغت باب المسجد، فاعلم أنك قصدت باب بيت ملك عظيم لا يطأ بساطه إلاّ المطهرون، ولا يؤذن بمجالسة مجلسه إلاّ الصدّيقون، وهب القدوم إلى بساط خدمة الملك فإنك على خطر عظيم إن غفلت هيبة الملك، واعلم أنه قادر على ما يشاء

(98)

من العدل والفضل معك وبك... واعترف بعجزك وتقصيرك وفقرك بين يديه، فإنك قد توجهت للعبادة له والمؤانسة، واعرض أسرارك عليه، ولتعلم أنه لا تخفى عليه أسرار الخلائق أجمعين وعلانيتهم، وكن كأفقر عباده بين يديه، وأخلِ قلبكَ عن كل شاغل يحجبك عن ربك، فإنه لا يقبل إلاّ الأطهر الأخلص، وانظر من أي ديوان يخرج اسمك، فإن ذقت من حلاوة المناجاة، ولذيذ مخاطباته وشربت بكأس رحمته وكراماته من حسن إقباله عليه وإجابته، فقد صلحت لخدمته، فأدخل فلك الأمن والآمان، وإلاّ فقف وقوف مضطر قد انقطع عن الحبل، وقصر عنه الأمل، وقضى عليه الأجل، فإذا علِمَ الله عَزَّ وَجَلَّ من قلبك صدق الالتجاء إليه نظر إليك بعين الرحمة والرأفة والعطف ووفقك لما يحب ويرضى، فإنه كريم يحب الكرامة لعباده المضطرين إليه المحترقين على بابه لطب مرضاته»[1]. قال الله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ (النمل: 62).

ومحصّل قوله عليه‌السلام أنّه إذا وصلت إلى باب المسجد، فانتبه إلى أيّ باب وصلت؟ وأيّ جناب قصدت؟ فاعلم أنّك وصلت إلى جناب السلطان العظيم الشأن الّذي لا يضع أحد قدمه على بساط قويّة إلّا إذا طهر وتطهّر من جميع أرجاس عالم الطبيعة والأرجاس الشيطانيّة، ولا يصدر الإذن لمجالسته إلّا للّذين يُقدمون عليه بالصدق والصفاء والخلوص من جميع أنواع

(99)

الشرك الظاهر والباطن، فاجعل عظمة الموقف والهيبة والعزّة والجلال الإلهيّ نصب عينيك، ثمّ ضع قدمك إلى جناب القدس وبساط الأنس، فإنّك واقع في مخاطرة عظيمة... فإنّك وردت إلى جناب القادر المطلق، يُجري ما يشاء في مملكته، فإمّا أن يُعاملك بالعدالة ويُناقش في الحساب فيُطالب بالصدق والإخلاص، وتُحجب عن الجناب وتُردّ طاعتك وإن كثرت، وإمّا أن يعطف إليك طرفه ويَقبل بفضله ورحمته طاعاتك الّتي هي لا شيء ولا قيمة لها، ويُعطيك ثوابه العظيم. فإذا عرفت الآن عظمة الموقف فاعترف بعجزك وتقصيرك وفقرك، وإذا توجّهت إلى عبادته وقصدت المؤانسة معه ففرّغ قلبك عن الاشتغال بالغير الّذي يحجبك عن جمال الجميل، وهذا الاشتغال بالغير قذارة وشرك، ولا يقبل الحقّ تعالى إلّا القلب الطاهر الخالص. وإذا وجدت في نفسك حلاوة مناجاة الحقّ، وذُقت حلاوة ذكر الله، وشربت من كأس رحمته وكراماته، ورأيت حسّ إقباله وإجابته في نفسك، فاعلم أنّك صرت لائقًا لخدمته المقدّسة، فادخل فإنّك مأذون ومأمون. وإذا ما وجدت في نفسك هذه الحالات، فقف بباب رحمته كالمضطرّ الّذي انقطعت عنه جميع العلاجات، وبَعُد عن الآمال، وقرُب إلى أجله، فإذا عرضتَ ذلّتك ومسكنتك والتجأت إلى بابه ورأى سبحانه منك الصدق والصفاء، فينظر إليك بعين الرحمة والرأفة، ويؤيّدك ويوفّقك لتحصيل رضاه، فإنّه الذات المقدّسة، وإنّه الكريم ويحبّ الكرامة لعباده المضطرّين كما يقول تعالى:

(100)

﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ (النمل: 62).

المساجد بيوت عبادة وعلم ودعوة

كان المسجد في عهد النَّبِيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعهود أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام، مركزًا للعلم والمعرفة وبناء الاعتقاد الصحيح، والفكر السليم، وأوّل المؤسّسات التي انطلق منها نور التوحيد وضياء المعرفة إلى الآفاق، وكان الأساس المتين لانطلاقة الدعوة الإسلاميّة، والنبع الفياض للهداية الربّانية، فمِنْ على منبره يُعلّم الإيمان والعمل الصالح، وتتلى آيات الله، وتفسّر كما نزلت لتبيّن زيف شبهات أهل الشرك واليهود وعدائهم، وشكوك المنافقين وأطماعهم، فكان بذلك الحصن الحصين تجاه الاعتقادات الباطلة والأفكار المنحرفة، فضلًا عن أنّها كانت تؤدّى العبادات والطاعات على أرضه الطاهرة، ومن على دكّة قضائه كان يُحكم بالعدل ويُدفع الظلم، ويُصلح الفاسد، ويُحارب المنكر، وهو بعد ميدان الشورى والتعارف والتآلف، والمرتكز الذي تسير منه قوافل المجاهدين المخلصين في سبيل الله، والمحور الذي تلتفّ حوله الأفكار والعواطف، والحضن الذي يُربّي الروّاد النجباء الذين يحملون مشاعل النور والهداية، ويطوفون بها البلاد حاملين صفات المسجد، وعبقه وطهره، ولذلك قد حمل المسجد خاصيّة عظيمة بالنسبة للمجتمع المسلم.

 وقد أثبت تاريخ المسجد في الإسلام أنّ من رحابه الطاهرة

(101)

انبعثتْ أشعّة النور والهداية للمسلمين وغيرهم، وفي جنباته المباركة ترعرعت بذور الحضارة الإسلاميّة ونمت، وما كان عظماء التاريخ الإسلامي كسلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، والمقداد الكندي، وعمّار بن ياسر العبسي، وبلال الحبشي إلا تلامذة المدرسة المحمّدية التي كان مقرها المسجد النبوي الشريف، وإذا أردنا أن نختصر سيرة سابق هؤلاء العظماء، وهو علي الهاشمي القرشي، فسنجد أنه عبد لله دخل إلى هذه الدنيا من باب المسجد، وخرج منها إلى عالم الخلود من باب المسجد أيضًا، فقد ولد سلام الله عليه في جوف بيت الله الحرام[1]، ولشدّة ارتباطه بالمسجد ورسالته ختم الله تعالى له حياته، وهو ساجدٌ في صلاة الفجر في محراب مسجد الكوفة، وما بين مولده وشهادته عاش أكثر عمره مرجعًا لأهل الإسلام ومعلمًا لهم، ومفيتيًا وقاضيًا في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهكذا كانت سيرة أولاده الكرام صلوات الله عليهم. فهذا الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام كان يجلس في المسجد ويجتمع الناس حوله، ويُحدّثهم بما يحمله من علوم عن جده رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأمه وأبيه عليهما‌السلام، وقد روى أحد الوافدين إلى طيبة الغراء، فقال: «دخلت مسجد المدينة، فإذا أنا برجل يحدّث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  والناس حوله، فقلت: أخبرني عن شاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قال: نعم أمّا

(102)

الشاهد فيوم الجمعة، وأما المشهود فيوم عرفة، فجزته الى آخر يحدث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلت: أخبرني عن شاهِدٍ وَمَشْهُودٍ. قال: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر، فجزتهما إلى غلام كأنّ وجهه الدينار، وهو يحدّث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلت: أخبرني عن شاهِدٍ وَمَشْهُودٍ. قال: نعم؛ أما الشاهد فمُحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأمّا المشهود فيوم القيامة أما سمعته تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (الأحزاب: 45)، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (هود: 103)، فسألت عن الأول، فقالوا: ابن عباس، وسألت عن الثاني، فقالوا: ابن عمر، وسألت عن الثالث، فقالوا: الحسن بن علي»[1].

وكان من سيرة إمامنا الحسن عليه‌السلام أنه إذا صَلَّى الغَداةَ في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  يجلس في مصلاَّه يذكر الله تعالى حتى ترتفع الشمس، ويجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدّثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيُسلِّم عليهن، وربما أتحفنه، ثم ينصرف إلى منزله»[2].

وفي رحاب المسجد النبوي الشريف كان عليه‌السلام يتناوب هو وشقيقه الإمام أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام على قيام الليل كله،

(103)

فقد كان أرواحنا له الفداء يأخذ نصيبه من القيام في أول الليل، وكان الحسين عليه‌السلام يأخذه من آخر الليل»[1].

وقد لازم الإمام الحسن عليه‌السلام ما سمعه من جدّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  من أوراد وأذكار وأدعية، وكان عليه‌السلام يحثّ الناس على الصلوات في المساجد، ويقول: «من أدمن الاختلاف إلى المساجد لم يعدم واحدة من سبع: أخًا يستفيده في الله، أو علمًا مستطرفًا، أو رحمةً منتظرة، أو آية محكمة، أو يسمع كلمة تدل على هدى، أو رشدة تصده عن ردى، أو يترك ذنبًا حياء، أو تقوى»[2].

واتخذ الإمام الحُسين عليه‌السلام من المسجد النبوي مدرسة له، وقد رجع إليه الكثير من أهل الإسلام في علوم الدين، ومسائل الحلال والحرام، وكانوا يأخذون منه أحكام الشريعة وآدابها، وكان مجلسه مجلس علم وحلم، وقد شاع ذكر ذلك المجلس في البلدان، وتناقلت أوصافه ونعوته الركبان، حتى قال معاوية بن أبي سفيان -وهو من اشتهر بعدائه لعلي وآل علي عليهم‌السلام- قال لرجل من قريش: «إذا دخلت مسجد رسول الله، فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير، فتلك حلقة أبي عبد الله. مؤتزرًا على أنصاف ساقيه . ليس فيها من الهزيلا[3] شيء»[4].

(104)

إنَّ من تدبر سيرة الأئمّة الطاهرين عليهم‌السلام، فسيجد أن تعظيمهم وتكريمهم لبيوت الله والأماكن التي يذكر فيها اسمه قد بلغ الغاية التى لا يُدرك شأوها، ولا يبلغ مداها، ولا يطمع طامع سواهم بالاتّصاف بها، والنصوص الواردة في ذلك مستفيضةٌ بل متواترةٌ، فهم وإن كانوا أحق الخلق في ولاية هذه الأمة وإمامتها وقيادتها، وكانت تلتف حولهم القلوب المؤمنة من أهل الإسلام.

ولمّا كانت غاية الحكّام إقصاء أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام عن الإمامة والولاية ونفي إمامتهم الدينيّة، أعلن الإمام السجّادعليه‌السلام عن إمامته بكلّ وضوح وصراحة بلا لبس ولا خفاء، واهتمّ بإرشاد الناس إلى المعين الصافي للشريعة متخذًا من مسجد جده رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  مقرًا ومقامًا وموئلًا، وقال عليه‌السلام لولده زيد الشهيد: «يا بني: المساجد بيوت الله، فمن سعى إليها، فقد سعى إلى الله، وقَصَدَ إليه، والمصلّي ما دام في صلاته، فهو واقف بين يدي الله جلّ جلالـه»[1].

وفي رحاب بيت الله قام الإمام زين العابدين عليه‌السلام بتأسيس مدرسة علميّة وإيجاد حركة اجتهادية تثير دفائن العقول، وتفتح الآفاق الفكريّة للمسلمين، وذلك بما بدأه من حلقات البحث والتدريس في مسجد جدّه المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبما كان يُثيره في خطبه ودروسه، فكان عليه‌السلام يحدّث الناس بصنوف المعارف الإسلاميّة، ويفيض عليهم من علوم آبائه الطاهرين عليهم‌السلام، وقد

(105)

روى سعيد بن المسيب، فقال: «كان علي بن الحسين عليه‌السلام يعظ الناس، ويزهدهم في الدنيا، ويرغبهم في أعمال الآخرة، بهذا الكلام، في كل جمعة، في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحُفظ عنه، وكُتب،..»[1].

وقد تخرّج من الحلقة التي كان يقيمها الإمام عليه‌السلام في المسجد النبوي عدد كبير من فقهاء المسلمين الذين كانوا يحملون وعي السّجاد وروحه وعلمه، ويعود الفضل إليهم في دفع عجلة الإحياء العلميّ في ذلك العصر الرهيب، وكان على رأس أولئك النفر الكرام وفي مقدّمتهم الإمام أبي جعفر مُحمد الباقرعليه‌السلام خليفة أبيه ووارثه، ومن ثم اخوانه أبناء زين العابدين عليه‌السلام، وكذلك أبو خالد الكابليّ الّذي كان باب الإمام وموضع سرّه، ويحيى بن أم الطويل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير[2]، وأبان بن تغلب الّذي كان يقول له الإمام الباقرعليه‌السلام: «اجلس في مسجد المدينة وافتِ الناس، فإنّي أحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك»[3].

(106)

وكذلك ثابت بن أبي صفيّة (أبو حمزة الثماليّ)، وكانت الشيعة ترجع إليه في الكوفة لإحاطته بفقه أهل البيت عليهم‌السلام حتّى شُبّه بسلمان الفارسيّ، وهناك غير من ذكرناهم الكثير من أهل العلم والفضل الذين إلتصقوا بالإمام السَجادعليه‌السلام، وتخرجوا من حلقته العامرة في المسجد النبوي، وقاموا بأدوارهم بنحوٍ قد لا نجد له نظيرًا في غيره من العصور، حتّى قال سعيد بن المسيّب: «إنّ القُرّاء كانوا لا يخرجون إلى مكّة حتّى يخرج عليّ بن الحسين عليه‌السلام، فخرج وخرجنا معه ألف راكب»[1].

وقد تبعه على منهاجه العظيم ولده الإمام محمد الباقرعليه‌السلام وقام عليه‌السلام مكان أبيه في مسجد جدّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يأل جهدًا حتّى أضاء للسائلين الطريق، ونهج لهم المنهج، فأخذوا منه مناسكهم، وسائر مسائلهم، وأظهرعليه‌السلام «من مخبئات كنوز المعارف، وحقائق الْأَحْكَام، وَالْحكم واللطائف مَا لَا يخفى إِلَّا على منطمس البصيرة أَو فَاسد الطوية السريرة، وَمن ثمَّ قيل فِيهِ هُوَ باقر الْعلم وجامعه وشاهر علمه؛ وعمرت أوقاته بِطَاعَة الله، وَله من الرسوخ فِي مقامات العارفين مَا تكل عَنهُ أَلْسِنَة الواصفين»[2].

وإنّ الذين خبروا السيرة العطرة للإمام الصادق عليه‌السلام يعلمون علم اليقين أن هذا الإمام العظيم استطاع من خلال حلقته

(107)

في المسجد النبوي الشريف مقارعة جميع التيارات الفكرية والدينية السائدة في تلك الفترة، وأوضح موقف الإسلام حيالها جميعًا، وأثبت أفضلية العقيدة الإسلاميّة التي كان يعتنقها أشقاء القرآن من رجالات العترة النبوية الطاهرة[1].

ولم تقتصر حلقة الإمام القائمة في حرم جده رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  على أولاده الكرام، ولا على الطلاب من أهل المدينة المنورة بل قد زخرت بطلاب العلم من مختلف الأقطار «مثل الكوفة والبصرة وواسط، والحجاز وغيرها، ومن مختلف القبائل مثل بني أسد، المخارق، طي، سليم، غطفان، الأزد، خزاعة، خثعم، بني ضبة، وقريش لا سيما بنو الحارث بن عبد المطلب، وبنو الحسن الذين اتصلوا بتلك الجامعة»[2].

قال «الحسن بن علي بن زياد الوشّاء -من تلامذة الإمام الرضاعليه‌السلام، والمحدّثين الكبار- في سِعة جامعة الإمام الصادق ورحابتها: «أدركت في هذا المسجد (مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد»[3].

(108)

وانطلاقًا من موضع سجوده لله[1] في مسجد جدّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان»[2]، فقد كان عليه‌السلام يشجع ويعلّم ويرغب تلاميذه في العلم الذي يتناسب مع ذوقهم وطبيعتهم، وفي النهاية كان كلّ واحد منهم يتخصّص في مجال علمي واحد أو مجالين مثل الحديث، التفسير، علم الكلام، وغيرها من علوم الدين الإسلامي الحنيف، كذلك كان عليه‌السلام يرشد بعض العلماء الذين يراجعونه للبحث والمناظرة إلى المناظرة مع أحد طلابه الذين تخصصوا في ذلك العلم، وتلقوه عن الإمام في حلقته المعقودة وسط الحرم النبوي الشريف[3].

وبالنسبة لعلاقة الإمام الكاظم موسى بن جعفرعليه‌السلام بالمسجد، فقد كان واضحًا لأهل الإسلام أنه عليه‌السلام كان خليفة الماضين من آبائه الطيبين الطاهرين، فقد حمل علومهم الشريفة، وتصدّى لبثّها، وكان منذ ريعان صباه يُدعى بالعبد الصالح، وقد روي في بعض أحواله «أنه دخل مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فسجد سجدة في أول الليل، وسُمع وهو يقول في سجوده: عظم الذنب عندي، فليحسن العفو من عندك، يا أهل التقوى، ويا أهل المغفرة، فجعل

(109)

يرددها حتى أصبح»[1].

وقد جلس عليه‌السلام بعد وفاة أبيه الصادق في مسجد جدّه
رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينفي عن دين الله تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. ومن أجل إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإفشال سياسات الحكام الظلمة كان الإمام الرضاعليه‌السلام من حيث اهتمامه وارتباطه بالمسجد على سُنةٍ من آبائه الكرام، فقد جلس عليه‌السلام في المسجد النبوي لإملاء الحديث الشريف، وكان مرجعًا لعُمار الحرم النبوي وزواره، «يفتي بمسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو ابن نيف وعشرين سنة»[2].

وحدّث محمد بن إسحاق بن موسى بن جعفر، عن أبيه: أنّ الإمام الكاظم عليه‌السلام كان يقول لبنيهِ: «هذا أخوكم عليّ بن موسى عالم آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فاسألوه عن أديانكم، واحفظوا ما يقول لكم»[3].

وروى أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي، فقال سمعت عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام يقول: «كنت أجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون، فإذا أعيا الواحد منهم من مسألة أشاروا إليّ بأجمعهم، وبعثوا إليّ بالمسائل، فأجيب عنها»[4].

(110)

وبقي الإمام الرضاعليه‌السلام ملازمًا للمسجد النبوي الشريف على هذا الحال إلى أن أخرجه المأمون إلى مرو، فلما وصلها جعل من مسجدها الكبير مدرسة ومقرًا له إلى آخر حياته الشريفة.

حنين الجواد لمسجد خير العباد

روى عبد الله بن رزين، في أحوال الإمام محمد الجوادعليه‌السلام، فقال: كنت مجاورًا بالمدينة، وكان أبو جعفر الجوادعليه‌السلام يجئ في كل يوم مع الزوال إلى المسجد، فينزل في الصحن، ويصير إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويسلم عليه، ويرجع إلى بيت فاطمةعليها‌السلام، فيخلع نعليه، ويقوم فيصلّي»[1].

ولأنه عليه‌السلام كان ملتزمًا بوصية أبيه الإمام الرضاعليه‌السلام حيث أوصاه قائلًا: «أسألك بحقي عليك لا يكن مدخلك ومخرجك إلاّ من الباب الكبير، وإذا ركبت فليكن معك ذهب وفضة ثم لا يسألك أحد إلاّ وأعطيته، ..»[2]، فكان عليه‌السلام أندى الناس كفًا وأكثرهم سخاءً، وقد لُقِّب بالجواد لكثرة كرمه ومعروفه وإحسانه إلى النّاس، وقد رآى الحسين المكاريّ صورة واحدة من ذلك، وقد كانت متمثلة بطيب طعام الجواد الذي يقدمه للناس ويدعوهم إليه، فظن أن الإمام الجوادعليه‌السلام قد استمرء العيش الرغيد، فقال في ذلك: دخلت على أبي جعفر ببغداد، وهو على

(111)

ما كان من أمره، فقلت في نفسي: هذا رجل لا يرجع إلى موطنه أبدًا، وما أعرف مطعمه[1]، قال: فأطرق (الجواد) رأسه ثمّ رفعه، وقد اصفرّ لونه، فقال عليه‌السلام: «يا حسين خبز شعير، وملح جريش في حرم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحبّ إليّ ممّا تراني فيه»[2].

وكان الإمام علي بن محمد الهادي عليه‌السلام يحمل كل صفات أجداه الأئمة الطاهرين، وهم الذين كُلُّ مكارم الأخلاق مأخوذة من كريم أخلاقهم، وكُلّ صفات الخير مخلوقة في عنصرهم الشريف وأعراقهم، وهذه الصفات تصدق على الجمع والواحد، وتثبت للغائب منهم والشاهد، وتتنزَّل على الولد منهم والوالد، وقد جعل الله سبحانه حُبُّهم فريضة لازمة، ومودتهم باقية دائمة، وأسواق سُؤدَدِهم قائمة، وثغور محبيهم باسمة، ولذلك لم يتحمل حكام بني العباس بقاء الإمامين الهادي والعسكري عليه‌السلام في الحرمين الشريفين، وقد قالسبط ابن الجوزي في ترجمته للإمام علي بن محمد الهادي عليه‌السلام: «وإنما أشخصه المتوكل إلى بغداد، لأن المتوكل كان يبغض عليًا وذريته، فبلغه مقام علي الهادي عليه‌السلام بالمدينة، وميل الناس إليه فخاف منه، فدعا يحيى بن هرثمة وقال: اذهب إلى المدينة، وانظر في حاله وأشخصه إلينا!

قال يحيى: فذهبت إلى المدينة، فلما دخلتها ضج أهلها

(112)

ضجيجًا عظيمًا، ما سمع الناس بمثله خوفًا على علي، وقامت الدنيا على ساق، لأنه كان مُحسنًا إليهم مُلازمًا للمسجد، لم يكن عندهُ ميلٌ إلى الدنيا. قال يحيى: فجعلت أُسكنهم، وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه، وأنه لا بأس عليه، ثم فتشت منزله، فلم أجد فيه إلا مصاحف وأدعية وكتب العلم..»[1].

 

 

 

 

(113)

لائحة المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

  1. المدائني، ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مؤسسة اسماعيليان، قم – إيران.
  2. الكوفي، ابن الأشعث محمد بن محمد، الجعفريات، طبعة 1، مكتبة نينوى الحديثة، طهران.
  3. ابن الجوزي، أبو المظفر يوسف بن قزغلي سبط، تذكرة الخواص، طبعة 1، مكتبة الثقافة الدينية، مصر.
  4. الدمشقي، ابن عساكر، تاريخ دمشق، تحقيق: عمر بن غرامة العمروي، دار الفكر، 1415هـ/ 1995م.
  5. القزويني، ابن ماجة، سنن ابن ماجة، تحقيق وترقيم وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي، لا ط، لا ت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
  6. الأحسائي، محمّد بن زين الدين علي بن إبراهيم بن أبي جمهور الهجري، عوالي اللئالي، طبعة 1، دار سيد الشهداء للنشر، قم.
  7. الأزدي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة، المعروف بالطحاوي، شرح مشكل الآثار، طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت.
  8. الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، طبعة 1، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  9. الأسدي، العلامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر، رجال الحلي، طبعة 2، دار الذخائر، النجف الأشرف.
(114)
  1. الأصفهاني، الراغب، الحسين بن محمد بن المفضل، مفردات ألفاظ القرآن، طبعة دار القلم، دمشق.
  2. الإمام السجاد علي بن الحسين بن علي عليه‌السلام، رسالة الحقوق، حق الصلاة.
  3. الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام، مصباح الشريعة، طبعة 2، منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت.
  4. الأهوازي، الشيخ المُحدث الحسين بن سعيد الكوفي، الزهد، طبعة 2، المطبعة العلمية، قم.
  5. أيوب، الحافظ سليمان بن أحمد، أبو القاسم الطبراني، المعجم الكبير، طبعة 2، دار العلوم والحكم، الموصل، العراق.
  6. البستي، محمد بن حبان التميمي، صحيح ابن حبان، طبعة 2، مؤسسة الرسالة.
  7. البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد الخطيب، تاريخ بغداد، ترجمة: (6939)، طبعة 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت.
  8. بَكْري، الدِّيار، تاريخ الخميس، طبعة دار صادر، بيروت، وغيرهم الكثير من المؤرخين وأصحاب السيّر.
  9. بن طاووس، السيد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر، إقبال الأعمال، طبعة 2، دار الكتب الإسلامية، طهران.
  10. البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي الخرساني، شعب الإيمان، طبعة 1، مكتبة الرشد.
  11. الثعلبي، أحمد بن محمّد بن إبراهيم، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، طبعة 1، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(115)
  1. الترمذي، محمد بن عيسى، الجامع الصحيح سنن الترمذي، طبعة: دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  2. الجهضمي، إسماعيل بن إسحاق القاضي الأزدي، فضل الصلاة على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، طبعة 3، المكتب الإسلامي، بيروت.
  3. الجواهري، الشيخ محمد حسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، طبعة 7، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  4. الجوهري، إسماعيل بن حماد، تاج اللغة وصحاح العربية، طبعة 4، دار العلم للملايين، بيروت.
  5. حسام الدين، علاء الدين علي، الشهير بالمتقي الهندي، كنز العمال، طبعة 5، مؤسسة الرسالة، بيروت.
  6. الحموي، ياقوت بن عبد الله الرومي، معجم الأدباء، طبعة 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت.
  7. الحميري، عبد الله بن جعفر، قُرب الإسناد، المحقق: مؤسسة أهل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث – قم، طبعة 1، الناشر: مؤسسة أهل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث – قم.
  8. حنبل، أحمد، الزهد، طبعة 1، دار الكتب العلمية، بيروت.
  9. حنبل، أحمد، المسند، لا ط، لا ت، دار صادر.
  10. حيدر، الشيخ أسد، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، المحقق: مؤسسة نشر الفقاهة، طبعة 1، الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيت عليهم‌السلام، 1424هـ.
  11. الدمشقي، إسماعيل بن عمر بن كثير، البداية والنهاية، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
(116)
  1. الرازي، الشيخ محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، طبعة 4، دار الكتب الإسلامية، طهران.
  2. السمهودي، علي بن عبد الله بن أحمد الحسني، وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، طبعة 1، دار الكتب العلمية، بيروت.
  3. الشافعي، محمد، علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي النيسابوري، الوسيط في تفسير القرآن المجيد، طبعة 1، دار الكتب العلمية، بيروت.
  4. الشافعي، علي بن برهان الدين الحلبي، في السيرة الحلبية، طبعة 2، دار الكتب العلمية، بيروت.
  5. الشافعي، محمد بن يوسف بن محمد النوفلي الكنجي، كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب، الباب السابع في مولده عليه‌السلام، الطبعة 3، فارابي، طهران.
  6. شرح نهج البلاغة، طبعة 1، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم.
  7. الشعيري، شمس الدين، جامع الأخبار، المطبعة الحيدرية، منشورات الرضى.
  8. الشيخ الصدوق، الخصال، طبعة 1، جماعة المدرسين، قم.
  9. الشيخ الصدوق، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، طبعة 2، دار الشريف الرضي للنشر، قم.
  10. الشيخ الصدوق، علل الشرائع، طبعة 1، مكتبة داوري، قم.
  11. الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضاعليه‌السلام، طبعة 1، نشر جهان، طهران.
(117)
  1. الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، طبعة 1، جماعة المدرسين، قم.
  2. الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، طبعة 2، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم.
  3. الشيرازي، آية الله ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل..
  4. الجوهري، إسماعيل بن حمّاد، الصحاح تاج اللغة وصِحاح العربيّة، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، طبعة 2، دار العلم للملايين، 1399هـ/ 1979م.
  5. الطبرسي، الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق، طبعة 4، الشريف الرضي، قم.
  6. الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، طبعة 3، مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام، قم.
  7. الطوسي، الشيخ مُحمد بن الحسن، الأمالي، طبعة 1، دار الثقافة، قم.
  8. الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، الغيبة، طبعة 1، دار المعارف الإسلامية، قم.
  9. الطوسي، الشيخ محُمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، طبعة 4، دار الكتب الإسلامية، طهران.
  10. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، فتح الباري، طبعة دار المعرفة، بيروت.
  11. العكبري، الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، الاختصاص، طبعة 1، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، قم.
(118)
  1. العلامة المجلسي، بحار الأنوار، طبعة 3، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان.
  2. الفراهيدي، أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد، كتاب العين، طبعة  دار ومكتبة الهلال.  
  3. القمي، الشيخ الصدوق مُحمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه، التوحيد، طبعة 1، جماعة المدرسين، قم.
  4. القمي، علي بن الحسين بن موسى بن بابويه، فقه الرضاعليه‌السلام، طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام، قم.
  5. الكراجكي، الشيخ الجليل محمد بن علي أبو الفتح، كنز الفوائد، الطبعة 1، دار الذخائر، قم.
  6. الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي = اختيار معرفة الرجال، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، طبعة مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام، قم.
  7. الكوفي، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، المصنف، تقديم وضبط: كمال يوسف الحوت، طبعة 1، دار التاج، 1409هـ/ 1989م.
  8. المازندراني، الحافظ محمد بن علي‏ بن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب، طبعة 1، علامة، قم.
  9. المسعودي، علي بن الحسين بنِ علي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، طبعة دار الهجرة، قم.
  10. المغربيّ، القاضي النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيّون التميميّ، دعائم الإسلام، طبعة 2، مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام، قم.
  11. المكي، أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهي الكناني، أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، طبعة 2، دار خضر، بيروت.
(119)
  1. المكي، علي بن محمد الصفاقسي المالكي، المشهور بابن الصباغ، الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة، الطبعة 2، دار الأضواء، بيروت.
  2. المكي، محمد بن إسحاق بن العباس، أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، الطبعة 2، دار خضر، بيروت.
  3. من حِكم أمير المؤمنين عليه‌السلام، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، طبعة 1، مكتب الإعلام الإسلامي، قم.
  4. المنذري، زكي الدين، الترغيب والترهيب، طبعة 1، دار الكتب العلمية، بيروت.
  5. النجاشي، أبي العباس أحمد بن علي، رجال النجاشي، طبعة 6، جماعة المدرسين، قم.
  6. النسائي، أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، السنن الكبرى، طبعة 2، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب.
  7. النيسابوري، أبو عبد الله الحاكم، المستدرك على الصحيحين، كتاب العلم، طبعة 1، دار الكتب العلمية، بيروت.
  8. النيسابوري، محمد بن إسحاق بن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت.
  9. النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مُسلم، طبعة دار الجيل+ دار الآفاق، بيروت.
  10. الهيتمي، أحمد بن محمد بن علي بن حجر، الصواعق المحرقة، طبعة 1، مؤسسة الرسالة، بيروت.
  11. الهيثمي، نور الدين، بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، طبعة 1، مركز خدمة السنة والسيرة النبوية، المدينة المنورة.
(120)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف