لقد كثرت الدراسات والبرامج التي تُعنى بتربية الإنسان على اكتساب مجموعة من القيم والمهارات الحياتيّة التي تساهم في صناعة البنية الإيجابيّة للشخصيّة من النواحي النفسيّة والاجتماعيّة، بهدف إيجاد القدرة على اتّخاذ قراراتٍ مدروسةٍ وإيجابيّة في مواجهة التحدّيات العامّة، والتعامل بفعالية مع متطلّبات الحياة اليوميّة، والتواصل الإيجابي بفعاليّة مع الآخرين، وتنمية مهارات التأقلم مع الظروف المحيطةِ، وتشمل هذه المهارات حلّ المشكلات، والتواصل، واتخاذ القرارات، والتفكير النقدي، والإبداع، والتعاون، والمسؤوليّة الشخصيّة والاجتماعيّة.
ويختلف تصنيف المهارات اعتمادًا على المعايير الاجتماعيّة وتوقّعات المجتمع والصفات الشخصيّة للمتعلّمين من حيث العمر والجنس ومستوى التعليم والمهارات التي يتقنها الفرد عن غيره، ومستوى الاستيعاب لكلّ منهم.
وتكمن أهميّة وجود المهارات الحياتيّة في حياة الفرد في قدرته على التكيّف مع كافّة الظروف، والنجاح في نهضة المجتمعات وازدهارها، ومُنطلق ذلك من الدين الحنيف الذي بيّن أنّ الغاية من خلق الإنسان هي إعمار الأرض وخلافتها، وقد حثّ النبي محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم على إتقان العمل والقيام
(7)به على أفضل صورة؛ إلّا أنّ نقص المهارات الحياتيّة لدى الأجيال الحالية يُعتبر من أهمّ المشكلات التي يجب البحث عن حلول سريعة لها، ذلك أنّ مخرجات المؤسّسات التربويّة تفتقر إلى المهارات الحياتيّة، وبالتالي يفشل الكثير في حياتهم الوظيفيّة والشخصيّة؛ بسبب غياب هذه المهارات لديهم.
هذا الكتاب «مهارات الحياة» نشر بعنوان (مهارت هاي زندگي) باللغة الفارسيّة من قبل دار الحديث في مدينة قم المقدّسة، وتمّت ترجمته من قبل فريق المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة.
وهو يسلّط الضوء على مفهوم مهارات الحياة وأساليبها والغاية منها، وهي تنمية القدرات النفسيّة والاجتماعيّة، بما يسهم في الوقاية من السلوكيّات الضارّة بالصحّة النفسيّة وتعزيز مستوى الرفاه النفسي لدى الأفراد.
وقد عالج الكتاب العديد من المهارات، منها مهارات التواصل بين الأفراد، مهارات اتّخاذ القرار، مهارة الاستفادة من مرحلة الشباب، مهارة السعادة، مهارة مواجهة الفشل والغضب، مهارة التعامل مع المصاب،...
ختامًا نشكر كل من ساهم في إخراج هذا الكتاب إلى اللغة العربية، ولا سيّما فريق الترجمة، والمحرّر والمدّقق والمخرج.
المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة
(8)لقد بات من الواضح أنّ ظروف العيش وشؤون الحياة ومتطلّباتها أصبحت أكثر يسرًا وسهولةً في ظل التقدّم العلمي والتكنولوجي والاتّساع المتسارع في تدفّق المعلومات ووسائل الاتّصال، ولكن رغم هذه التطوّرات الشاملة، لا يزال العديد من الأفراد يفتقرون إلى المهارات الأساسيّة والقدرات اللازمة لمواجهة تحدّيات الحياة، ما يجعلهم أكثر عرضة للتأثّر بالصعوبات والمشكلات اليوميّة. وهو ما يهدّد الصحّة النفسيّة للإنسان.
لذلك، يحتاج الإنسان إلى آليات فعّالة تمكّنه من التكيّف مع القلق والصراعات الحياتيّة بطريقة بنّاءة، بحيث تعزّز قدرته على مواجهة التحديات بمرونة. وتُعدّ هذه الآليات أساسيّة وجوهريّة، إذ تتشكّل عبر مسار النمو والتطوّر، وتشمل عمليات معرفيّة وانفعاليّة وسلوكيّة تتجسّد في بنيات مثل تقدير الذات، الكفاءة الذاتيّة، القدرة على حلّ المشكلات، أساليب المواجهة، إدراك الذات، المهارات الاجتماعيّة، وأنماط الإسناد.
هذه البُنى، التي تُدرَّس اليوم تحت مسمّى «مهارات الحياة»، هي «مزيج من المعارف والسلوكيّات والمواقف والقيم التي تُستخدم لاكتساب مهارات معيّنة أو تطبيق المعرفة عمليًّا لتحقيق الأهداف». وبعبارة أخرى، تُعرَّف مهارات الحياة بأنها
(9)«القدرة على تبنّي سلوك متكيّف وإيجابي، بما يمكّن الأفراد من التعامل بفعالية مع تحديات الحياة اليومية ومتطلباتها».
ووفقًا لتصنيف منظمة الصحّة العالميّة، تشمل مهارات الحياة مجموعة من المهارات الأساسيّة والرئيسيّة، من بينها: اتّخاذ القرار، حلّ المشكلات، التفكير الإبداعي، التفكير النقدي، التواصل الفعّال، بناء العلاقات الاجتماعيّة، الوعي الذاتي، التعاطف، التعامل مع الانفعالات، والتكيّف مع الضغوط.
وقد جرى التأكيد على أهميّة استثمار القدرات والفرص المتاحة بأفضل شكل ممكن في التعاليم الدينيّة، بحيث يتمكّن الإنسان من تحويلها إلى مهارات تساعده على تمهيد الطريق نحو تحقيق أهدافه. فامتلاك المهارات في جوهره يمثّل وسيلة للتزوّد بمعرفة أعمق للذات واكتشافها، ممّا يدفع الإنسان للسير نحو الغايات السامية التي تحظى بمكانة محوريّة في التعاليم الدينيّة. ومن الضروري أن يحافظ الفرد، بعزيمته الجسدية والنفسيّة، على ما منحه الله تعالى من إمكانات كامنة وواقعيّة،
(10)وأن يسعى باستمرار إلى تنميتها والارتقاء بها.
كما يوضّح النموذج أدناه، تعمل مهارات الحياة كحلقة وصل بين العوامل الدافعة، مثل المعارف، والمواقف، والقيم، وبين السلوك الإيجابي والصحي (انظر: الرسم البياني أدناه). في هذا السياق، تسهم مهارات الحياة، جنبًا إلى جنب مع العوامل الدافعة وتعزيز أو تعديل السلوك، في تكوين سلوك إيجابي وصحّي، ممّا يساعد على الوقاية من المشكلات النفسيّة.
تمكّن مهارات الحياة الأفراد من تحويل المعارف والمواقف والقيم إلى قدرات فعلية، أي أنها تساعدهم على معرفة ما يجب فعله وكيفيّة القيام به. فهي مهارات تتيح للفرد، عند توفر الرغبة والحرية والفرصة، التصرف بطريقة صحية وسليمة. وقد أظهرت الأبحاث أن تعليم مهارات الحياة يسهم في تعزيز كلٍّ من الصحة الجسدية والنفسيّة، من خلال تحسين الثقة بالنفس، وتنمية القدرة على مواجهة الضغوط البيئيّة والنفسيّة، والحدّ
(11)من القلق والاكتئاب والأفكار الانتحاريّة، وتقليل التراجع الأكاديمي، وتعزيز العلاقات الاجتماعيّة والسلوكيات الإيجابيّة والمفيدة، إضافةً إلى تقليل تعاطي المواد المخدرة والوقاية من المشكلات النفسيّة والسلوكيّة والاجتماعيّة.
من ناحية أخرى، فإن مواجهة المشكلات النفسيّة والاجتماعيّة تتخذ أبعادًا متعدّدة، ويُعدّ البعد الديني اليوم أحد أهم هذه الأبعاد. فالمواجهة الدينيّة هي عمليّة مستمرّة ومعقّدة تتيح للأفراد التكيّف مع الضغوط النفسيّة والتغلب عليها. ويمكن تصنيف أساليب المواجهة الدينيّة ضمن فئتين رئيسيتين: المواجهة الدينيّة الإيجابيّة والمواجهة الدينيّة السلبيّة.
المواجهة الدينيّة الإيجابيّة تعكس علاقة آمنة مع الله وشعورًا بالترابط الروحي مع الآخرين. وتشمل استراتيجيّاتها التوجّه الروحي، وإعادة التقييم الإيجابي من منظور ديني، والمواجهة الدينيّة المشتركة، وطلب الدعم الروحي، والاستعانة برجل دين أوالمؤسسات الدينيّة. وترتبط هذه الاستراتيجيات بنتائج إيجابيّة مثل النموالناتج عن التوتر، والتطوّر الروحي، وارتفاع مستوى الرضا عن الحياة، في حين أنّ علاقتها بالاكتئاب، والقلق، والاضطراب، واليأس، والشعور بالذنب تكون سلبيّة. في المقابل، تعكس المواجهة الدينيّة السلبيّة علاقة غير مستقرة
(12)مع الله وتوترًا بين أعضاء الجماعة الدينيّة. وتشمل استراتيجيّاتها الاستياء الروحي، وإعادة تقييم الله ككيان معاقِب، وإعادة النظر في قدرته، ورؤيته كإله قاسٍ، إضافةً إلى النزاعات الدينيّة بين الأفراد. وترتبط هذه الاستراتيجيات بنتائج سلبيّة مثل الاكتئاب، والقلق، واللامبالاة العاطفيّة، وأعراض اضطراب ما بعد الصدمة والتأثيرات النفسيّة المترتّبة عليها.
إضافةً إلى هذا التصنيف العام، يمكن أن تشمل أساليب المواجهة استراتيجياتٍ فعّالة، وسلبيّة، وتفاعلية، كما يمكن أن تتبع نهجًا انفعاليًّا أو حلّ المشكلات، وتندرج ضمن مجالات رفية، وسلوكية، واجتماعيّة، وروحيّة. إن تبنّي أساليب المواجهة الدينيّة الإيجابيّة يمكن أن يساعدنا في التغلّب على التحديات والمشكلات اليوميّة بفعاليّة.
يهدف هذا الكتاب إلى تعليم مهارات الحياة من منظور التعاليم الدينيّة بأسلوب عملي وبطرح جديد، موجَّه لمن يسعون إلى إحداث تغيير حقيقي في حياتهم.
يساعد هذا الكتاب أيضًا المدربين والمستشارين على فهم وجهة نظر الدين فيما يتعلق بالحلول للتغلّب على مشكلات الحياة، وكيفيّة تطبيقها عمليًّا في ممارساتهم.
تم تدوين هذا الكتاب في أحد عشر فصلًا، حيث يتناول كل فصل مهارة من مهارات الحياة. في الفصل الأوّل، يتم التركيز على مهارات التواصل بين الأفراد. أما الفصل الثاني، فيتناول مهارة اتخاذ القرار. الفصل
(13)الثالث يختص بتعليم مهارة الاستفادة من مرحلة الشباب. تتناول الفصول الرابع والخامس والسادس مهارات السعادة، وضبط النفس في ما يتعلق بالجنس، وكيفيّة التعامل مع الغضب. أمّا الفصول من السابع إلى الحادي عشر، فتتناول مهارات التعامل مع الخلافات الزوجيّة، وكيفيّة التعامل مع الفشل، ومهارات التأقلم مع الفقدان والحزن، والتغلّب على الخوف من الموت، وأخيرًا مهارة الصلاة.
هناك العديد من الأشخاص الذين ساهموا في إنجاز هذا العمل، وأجد من واجبي أن أعرب عن امتناني لمساعدتهم وتعاونهم، خاصةً للسيِّد حجّة الإسلام الدكتور عباس پسنديده، رئيس مركز البحث في الأخلاق وعلم النفس الإسلامي في معهد القرآن والحديث، الذي كان له إشراف دقيق على هذا العمل.
السيِّد مهدي الخطيب
(14)تُعدّ حياة البشر معًا وإقامة التواصل أمرًا لا مفرّ منه. ومع ذلك، فعلى الرغم من أنّ لكلٍّ منا إمكانية التواصل مع أكثر من سبعة مليارات شخص على هذا الكوكب، إلا أنّنا في الواقع نتفاعل مع عدد محدود جدًّا منهم. ومن بين هؤلاء، لا نكوّن علاقات صداقة إلّا مع قلة منهم، بينما يبقى الآخرون غرباء عنّا. يعتمد سبب تواصلنا مع جزء صغير فقط من الناس على عوامل مختلفة، مثل طبيعة نظرتنا ودوافعنا، ومدى قربنا الجغرافي، وتقييمنا للموقف، وحالتنا العاطفيّة والانفعاليّة عند بدء التواصل، وغيرها من العوامل.
على الرغم من أنّ التواصل بين الأفراد يُعدّ من أهمّ احتياجات الإنسان، إلا أنّ معظم الناس لا يستطيعون تحقيق تواصل جيّد وفعّال. ومن أبرز ملامح الحضارة الحديثة أنّه، رغم التطور الهائل في وسائل الاتصال الميكانيكيّة، مثل الأقمار الصناعية والهواتف المحمولة والدردشة الإلكترونية، والتي تجاوزت حتى حدود الخيال، لا يزال الكثيرون يجدون صعوبة في إقامة علاقات تواصليّة ناجحة. في هذا العصر، أصبح بإمكاننا إرسال
(15)رسائل إلى سطح القمر، لكنّنا في المقابل نجد صعوبة في إجراء حوار بسيط مع من نحب!
يؤدّي التواصل غير الفعّال إلى خلق فجوة عميقة بين الأفراد، وغالبًا ما تكون عواقب انهيار العلاقات هي الشعور بالوحدة، والمشكلات الأسريّة، والضغوط النفسيّة، والأمراض الجسديّة، وانعدام الرضا، وضعف الكفاءة المهنيّة. تهدف هذه المهارة إلى تقديم استراتيجيّات تمكّن الأفراد من تعزيز قدرتهم على إقامة علاقات بين شخصيّة فعّالة، وذلك على مختلف مستويات التفاعل الاجتماعي.
وجودنا ونمونا يعتمدان على التواصل، فنحن مضطرون طوال حياتنا إلى التفاعل والارتباط المتبادل مع الآخرين. فإلى جانب دوره في الحفاظ على الحياة والاستفادة من دعم الآخرين، يُعدّ التواصل أساسًا للنشاط الاجتماعي وبدايةً للحياة المجتمعيّة. إنّ التواصل الفعّال قيمةٌ لطالما أكّدت عليها التعاليم الدينيّة. وفي هذا السياق، يقول الإمام الصادق عليهالسلام: «تَوَاصَلُوا وَتَبَارُّوا وَتَرَاحَمُوا وَكُونُوا إِخْوَةً بَرَرَةً كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ عز وجل».
إضافة إلى ذلك، يُعَدُّ التواصل ضرورةً حتميّةً في حياة الإنسان، وهو، وفقًا للتعاليم الدينيّة، أحد الاحتياجات الأساسيّة للمجتمعات البشريّة. يقول الإمام الصادق عليهالسلام: «إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكمْ
مِنَ النَّاسِ؛ إِنَّ أَحَدًا لَا یَسْتَغْنِي عَنِ النَّاسِ حَیاتَهُ والنَّاسُ لَا بُدَّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ».
يُعَدّ الارتباطُ أحدَ العناصرِ الجوهريّةِ في نمطِ الحياةِ الدينيّة، وهو من أهمِّ جوانبِ الحياةِ اليوميّةِ للمسلم. وقد قال الإمامُ الكاظمُ عليهالسلام: «اجتَهِدُوا في أن يَكونَ زَمانُكُم أربَعَ ساعاتٍ: ساعَةٌ لمُناجاةِ الله، وساعَةٌ لأمرِ المَعاش، وساعَةٌ لمُعاشَرَةِ الإخوانِ والثِّقاتِ الذينَ يُعرِّفونَكُم عُيوبَكُم ويُخلِصونَ لَكُم في الباطِن، وساعَةٌ تَخلُونَ فيها لِلذّاتِكُم في غيرِ مُحرَّمٍ».
يُعتبَرُ الهدفُ من إنشاءِ العلاقاتِ في التعاليمِ الدينيّةِ أمورًا مثلَ التعرّفِ على الصفاتِ الداخليّةِ والشخصيّةِ للأفرادِ واختبارِهم. وقد قالَ النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنَّ مِن أخلاقِ المُؤمِنِ: ... يُخالِطُ النّاسَ كَي يَعلَمَ، ويُناطِقُ النّاسَ كَي يَفهَمَ»[3].
اكتشاف الصفات والخصائص الخفية لدى الآخرين لا يتحقّق بسهولة، غير أنّ التواصل والتعامل يمكن أن يؤدّيا هذا الدور. وقد قال الإمام علي عليهالسلام: «خوافي الاخلاق تكشفها المعاشرة»[4].
لإنشاء وإقامة تواصل فعّال، لا بدّ من مراعاة مجموعة من الأصول والقواعد التي تمهّد لعلاقة ناجحة وتقلّل من العوائق التواصلية إلى أدنى حدّ. إنّ كثرة الروايات وغناها بالمضامين المتعلّقة بأصول وقواعد التواصل الفعّال، تقودنا إلى خمسة مبادئ أساسية، وهي: الاحترام، المداراة، حسن الظنّ، حسن الخلق، والتغافل. والآن، نستعرض هذه الأصول والقواعد بشيء من التفصيل.
الحاجة إلى الاحترام هي الضالة النفسيّة للإنسان، وهي حاجة أساسية يتطلّع إليها كل فرد. ومن البديهي أنّ تجاهل مبدأ الاحترام عند إقامة العلاقات يُلحِق ضررًا بالغًا بجوهرها. فكثير من العلاقات تنهار بسبب افتقارها إلى الاحترام وإغفال كرامة الإنسان. إنّ العلاقات بين الأزواج، والأبناء، والأصدقاء، وسائر الأفراد تقوم على أساس الاحترام. وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «المؤمنُ حرامٌ كلّه: عِرضُهُ ومالُهُ ودمُهُ».
وفي كلام الإمام الباقرعليهالسلام، عُدَّت الكرامة والاحترام للإنسان
من خصائص الشيعة وأتباعه الحقيقيّين. فقد قال عليهالسلام:
«شيعتُنا... إن لَقِيَ مُؤمنًا أكرَمَهُ».
إنّ من لا يراعِي كرامة الإنسان ولا يحترم الآخرين سيدفع ثمنًا باهظًا. وقد قال الإمام جعفر الصادق عليهالسلام: «مَنْ رَوَى عَلَى أَخِيهِ رِوَايَةً يُرِيدُ بِهَا شَيْنَهُ وَهَدْمَ مُرُوءَتِهِ، أَوْقَفَهُ اللَّهُ فِي طِينَةِ خَبَالٍ حَتَّى يَبْتَعِدَ مِمَّا قَالَ».
ب- مبدأ المداراة
تُعدّ المداراة عنصرًا ضروريًّا في التفاعل والتواصل بين الأفراد، وتمتدّ إلى نطاق واسع يشمل مختلف مستويات العلاقات، بدءًا من المعاشرات البسيطة والتعايش اليومي، وصولًا إلى الروابط المعقّدة في المجالات الأسريّة، والمهنيّة، والتعليميّة، بل وحتى السياسية. وتُعدّ هذه السمة مهارةً تواصليةً، وأصلًا ديناميكيًّا في العلاقات، يُعبّر عن ذروة الحكمة لدى الفرد. وقد قال
رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «رَأسُ العَقلِ بَعدَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ مُدَارَاةُ النَّاسِ فِي غَيرِ تَركِ حَقٍّ».
وقد اعتبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ مداراة الناس تشكّل نصف الإيمان ونصف الحياة. وبعبارة أخرى، فإنّ الإنسان يُحرز بنهج المداراة
نصفَ حياته في الدنيا والآخرة، وعليه أن يسعى لاكتساب النصف الآخر. وقد قال صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مُدَارَاةُ النَّاسِ نِصْفُ الإِيمَانِ، وَالرِّفْقُ بِهِمْ نِصْفُ العَيْشِ».
ولهذا السبب، عُدَّت المداراة خُلقًا حسنًا يعزّز قدرة الإنسان على التواصل مع الآخرين. وقد قال الإمام علي عليهالسلام: «نِعْمَ الْخَلِيقَةُ اسْتِعْمَالُ الرِّفْقِ».
إنّ المداراة مع الأشخاص الذين لا خيار سوى المداراة معهم تُعدّ من أوجه الحكمة. وإذا لم يُظهر الفرد المداراة في مثل هذه الظروف، فإنه لم يتحلَّ بالحكمة. وقد قال الإمام علي عليهالسلام:
«لَيْسَ الحَكِيمُ مَنْ لَمْ يُدَارِ مَنْ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ مُدَارَاتِهِ».
إنّ استخدام آليات المداراة الفعّالة، لا السلبيّة، يُعتبر مبدأً أساسيًّا في التواصل ويساهم في تحسين العلاقات بين الأفراد ومواءمتهم مع المجتمع. تخيّل شخصًا يختار بدلًا من المداراة مع زوجته أو أولاده أو أقاربه أساليب سلبيّة مثل الانعزال والابتعاد وعدم حلّ المشاكل. مثل هذا الشخص يبدو أنّه لن يكون قادرًا أبدًا على أداء دور فعّال في علاقاته.
ج- مبدأ حسن الظن
حسن الظنّ بالنفس، بالآخرين، وبالمستقبل من التعاليم التي تدعمها العديد من المصادر الدينيّة، والتي تُذمّ بشدّة ضدّها سوء الظن والتشاؤم. وقد جاء في القرآن الكريم:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) (الحجرات: 12).
وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم:«إِيَّاكُم وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا».
وقد أوصى الإمام علي عليهالسلام بتفسير أفعال وأقوال الآخرين تفسيرًا إيجابيًّا ما دامت هناك إمكانيّة لحسن الظن، محذّرًا من إساءة الظنّ: «ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مِنْهُ مَا يَغْلِبُكَ، وَلَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءًا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمِلًا».
إنّ التفاؤل يختلف بوضوح عن السذاجة، إذ إنّ حسن الظنّ
يرتبط بالصحّة الجسديّة والنفسيّة، فضلًا عن التطوّر الفردي والاجتماعي، بينما قد تكون السذاجة سببًا في تعرّض الإنسان للمخاطر. ومن المؤكّد أنّ الظروف البيئيّة والاجتماعيّة تؤثّر في النظرة المتفائلة، ولا بدّ من أخذها بعين الاعتبار. وقد بيّن الإمام علي عليهالسلام الفرق بين حسن الظنّ المفيد والضارّ في حالتي صلاح الزمن وفساده، فقال: «إِذَا اسْتَوْلَى الصَّلَاحُ عَلَى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ، ثُمَّ أَسَاءَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ حُوبَةٌ، فَقَدْ ظَلَمَ، وَإِذَا اسْتَوْلَى الفَسَادُ عَلَى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ، فَأَحْسَنَ رَجُلٌ الظَّنَّ بِرَجُلٍ، فَقَدْ غَرَّرَ».
وبهذا البيان، فإنّ حسن الظنّ يرتبط بالظروف المحيطة، وفي حال استقرار الأوضاع وهدوء الظروف، يكون التفاؤل والاعتقاد الإيجابي هو الخيار الأمثل.
الأشخاص المتفائلون يبذلون جهدهم دائمًا لتحقيق أهدافهم حتى في مواجهة الصعوبات والمحن، وهم يفكّرون في النجاح. في المقابل، فإنّ الأشخاص المتشائمين يكونون، في الغالب، أكثر عرضة للاستسلام.
د- مبدأ حسن الخلق
استنادًا إلى الروايات، يُعدّ حُسن الخُلق من المبادئ
الأساسية في العلاقات بين الأفراد، ويتجلّى معناه الحقيقي في سياق التفاعلات الاجتماعيّة. ويرتبط حُسن الخُلق في هذا الإطار ارتباطًا وثيقًا وعميقًا بمفهوم «التقبّل». وقد أوصى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أميرَ المؤمنين عليهالسلام قائلًا: «يا عَلِيّ! أَحْسِنْ خُلُقَكَ مَعَ أَهْلِكَ وَجِيرَانِكَ وَمَنْ تُعَاشِرُ وَتُصَاحِبُ مِنَ النَّاسِ، تُكْتَبْ عِندَ اللَّهِ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى».
يرى نبيّ الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ أفضلَ جزاءٍ غير مادي في سياق التواصل الفعّال، الذي يستطيع الجميع الانتفاع به وإفادة الآخرين منه، هو حُسن الخُلق. وقد قال: «إنَّكُم لَن تَسَعُوا النّاسَ بِأموالِكُم، فَالْقَوْهُم بِطَلاقةِ الوَجهِ وحُسْنِ البِشرِ».
قال لقمان عليهالسلام في وصيّته لابنه: «يا بُنَيَّ! صاحِبْ مِئةً ولا تُعادِ واحِدًا. يا بُنَيَّ! إنَّما خَلاقُكَ وخُلُقُكَ؛ فَخَلاقُكَ دِينُكَ، وخُلُقُكَ بَينَكَ وبَينَ النّاسِ، فلا تُبغِضَنَّ إلَيهِم وتَعَلَّمْ مَحاسِنَ الأخلاقِ».
إنّ حُسن الخُلق، الذي يُهيّئ أرضيّةً أوسع لتقبُّل الآخرين، يدلّنا على سبيل العيش الأفضل بين الناس. وقد قال النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم : «مَن أُعْطِيَ أَربعَ خِصالٍ فِي الدُّنيا فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَفازَ بِحَظِّهِ مِنهُما: وَرَعٌ يَعصِمُهُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، وَحُسْنُ
خُلُقٍ يَعيشُ بِهِ فِي النّاسِ، وَحِلْمٌ يَدفَعُ بِهِ جَهلَ الجاهِلِ، وَزَوجَةٌ صالِحَةٌ تُعِينُهُ عَلَى أَمرِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ».
يُعدّ حُسن الخُلق خطوةً هادفة نحو إقامة تواصل فعّال، وهو ما يُسهّل العلاقات في مختلف المجالات، سواء العائليّة أو المهنيّة أو الدراسيّة أو الزوجيّة. وقد تناولت التعاليم الروائيّة مصاديق حُسن الخُلق على نحو تفصيلي، ويتّضح من مجموع روايات باب «حُسن الخُلق» أنّ له ثمانية عناصر ومصاديق عمليّة: الأُلفة والميل إلى الآخرين وقبولهم؛ اللين وسهولة التعامل؛ طِيب الكلام؛ البشاشة؛ روح الدعابة؛ الرضا في حالات السرور، وعدم الغضب عند المكروه؛ كظم
لغيظ، والتوسعة على الأسرة.
ويمثّل كلّ واحدٍ من هذه المصاديق بُعدًا من أبعاد العلاقات الاجتماعيّة التي يشملها حُسن الخُلق.
إنّ التمعّن المستمرّ في أخطاء الآخرين يُفضي إلى اضطراب النفس وقلقها، وقد يُمهّد لاتّخاذ قرارات متسرّعة وخاطئة. أمّا التغافل عنها، فإنّه يُسهم في رفع مستوى السعادة لدى الأفراد، ويُفضي إلى مزيدٍ من الرضا عن الحياة. والتغافل، الذي يعني التظاهر بعدم العلم أو الجهل بخطأ الآخرين، يُستخدم بغرض تقويم السلوك، وإذا كان مبنيًّا على ظروف ومواقف مناسبة، فإنّه يؤدّي إلى نتائج تربويّة مثمرة.
وعلى هذا الأساس، فإنّ التسامح والتغافل يمكن أن يُسهما بسهولة في تنظيم جزءٍ كبيرٍ من علاقاتنا الاجتماعيّة ومعاشرتنا، ويشكّلان، إلى جانب عنصر «الاهتمام»، عاملًا مؤثّرًا في إرساء علاقات مستديمة. وقد قال الإمام الصادق عليهالسلام: «صَلاحُ حالِ التَّعايُشِ وَالتَّعاشُرِ مِلْءُ مِكيالٍ: ثُلُثاهُ فِطنَةٌ، وَثُلُثُهُ تَغافُلٌ».
بعبارةٍ أُخرى، فإنّ راحة هذا العالم مرهونة بعنصري «التغافل» و«الانتباه»، مع العلم أنّ نصيب الانتباه يعادل ضِعفَ نصيب التغافل. والتغافل ينطوي في جوهره على عنصر «الوعي»، فالشخص المتغافل يتجاهل عن وعيٍ وإدراكٍ ما قد يكون مؤذيًا أو مؤثّرًا سلبيًّا عليه. وقد قال الإمام زين العابدين عليهالسلام في وصيّته لابنه الإمام الباقرعليهالسلام: «اِعلَمْ يا بُنَيَّ! أنَّ صَلاحَ شَأنِ الدُّنيا بِحَذافيرِها في كَلِمَتَينِ: إصلاحُ شَأنِ المَعاشِ مِلءُ مِكيالٍ ثُلُثاهُ فِطنَةٌ، وثُلُثُهُ تَغافُلٌ؛ لِأَنَّ الإِنسانَ لا يَتَغافَلُ عَن شَيءٍ قَد عَرَفَهُ فَفَطِنَ لَهُ».
يُعدّ التواصل ظاهرةً متعدّدة الأبعاد، وإذا ما حدثَ تضاربٌ أو تداخلٌ بين هذه الأبعاد والعناصر، فإنّه يؤدّي إلى تشكّل أساليب
تواصليّة مختلفة. وتُعدّ أساليب التواصل أساسًا ترتكز عليه علاقة الفرد بالآخرين. والرواية الآتية تمثّل نموذجًا بيّنًا من جملة الروايات التي تشير إلى أنماط وأساليب متنوّعة في التواصل، حيث تتناول كلّ فقرةٍ من فقراتها جانبًا من هذه الأساليب. فقد قال لقمان عليهالسلام في وصيّته لابنه: «يا بُنَيَّ! لا تُكالِبِ الناسَ فَيَمقُتُوكَ، ولا تَكُنْ مَهينًا فَيُذِلُّوكَ، ولا تَكُنْ حُلوًا فَيَأكُلُوكَ، ولا تَكُنْ مُرًّا فَيَلفِظُوكَ. ويُروى: ولا تَكُنْ حُلوًا فتُبلَعَ، ولا مُرًّا فتُرمى».
تشير الفقرة الأولى من هذه الرواية إلى الأسلوب العدواني في التواصل: «لَا تُكالِبِ الناسَ فَيمقتُوكَ». في هذا النمط من التواصل، يُعبّر الفرد عن نفسه بطريقة مباشرة وصريحة، إلّا أنّه يفتقر إلى السيطرة على سلوكه، ولا يمتلك المهارة اللازمة لتنظيمه. وتكون نتيجة هذا النوع من التواصل هي نفور الآخرين منه وعداوتهم له. ثمّ تشير الرواية إلى نمطٍ آخر، وهو الأسلوب الاجتنابي: «وَلَا تَكُنْ مَهينًا فَيُذِلُّوكَ». ففي هذا الأسلوب، ينسحب الفرد من دائرة التواصل ويتهرّب منها، ممّا يجلب له المهانة وفقدان الاحترام. ثمّ تُعرض الرواية نمطًا ثالثًا، يُمكن تسميته بالأسلوب المختلط أو المتداخل: «وَلَا تَكُنْ حُلوًا فَيَأكُلُوكَ». ففي هذا النمط، تتداخل المشاعر في العلاقة إلى حدٍّ يُفقدها التوازن، وتغدوإدارتها صعبة، وغالبًا ما تؤدّي إلى التبعيّة وسوء الاستغلال من قِبَل الآخرين.
وتتضمّن الروايات التالية أيضًا إشارات إلى أساليب ونماذج أخرى من التواصل يمكن أن يتّبعها الأفراد في علاقاتهم. قال الإمام عليّ عليهالسلام لشيعته: «كونوا في الناسِ كالنحلةِ في الطير؛ ليس شيءٌ من الطيرِ إلّا وهو يستخفها، ولو يعلمونَ ما في أجوافِها من البركةِ لم يفعلوا ذلك بها. خالِطوا الناسَ بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهُم بقلوبكم وأعمالكم».
كتب الإمام الصادق عليهالسلام في رسالةٍ إلى النجاشي، والي الأهواز: «وَاعلَمْ أنَّ خَلاصَكَ وَنَجاتَكَ في حَقنِ الدِّماءِ، وَكَفِّ الأذى عن أولياءِ الله، وَالرِّفقِ بالرعيّة، وَالتأنّي، وَحُسنِ المُعاشَرة، مَعَ لِينٍ في غيرِ ضَعفٍ، وَشِدّةٍ في غيرِ عُنفٍ، وَمُداراةِ صاحبِكَ وَمَن يَرِدُ عَلَيكَ مِن رُسُلِه. وَارْتَقِ فَتقَ رَعِيّتِكَ بأن تُوقِفَهُم على ما وافَقَ الحقَّ وَالعَدلَ، إن شاءَ الله».
تؤثّر عناصر متعدّدة في تشكّل أساليب التواصل، منها: مقدار التواصل (قليل أو كثير)، شدّته (بعيد أو قريب)، نوعيّته (مُرضٍ أو غير مُرضٍ)، ومدى توفّر المهارات التواصلية (أسلوب حازم وصريح أو غير حازم وغير مباشر). إنّ التداخل بين هذه العناصر يؤدّي إلى ظهور أساليب تواصليّة مختلفة، تشمل: الأسلوب الاجتنابي، والأسلوب العدواني، والأسلوب المختلط، والأسلوب البنّاء أو المفيد.
الأشخاص الذين يتّبعون أسلوب التواصل الاجتنابي يتميّزون بضعف في النشاط، ويُعدّون غير فاعلين في علاقاتهم مع الآخرين. فهم، بسبب خصائصهم الشخصيّة وافتقارهم إلى المهارات التواصلية، يُفضّلون الانعزال على التفاعل الاجتماعي. ويتجنّبون الانخراط مع الأصدقاء أو المجتمع خشية الفشل، وغالبًا ما يكونون أفرادًا انطوائيّين، وفي معظم الأحيان غير ناجحين في حياتهم.
يُبنى الأسلوب العدواني في التواصل على التعبير المباشر، لكن من دون احترامٍ متبادل. فالشخص العدواني صادق في سلوكه، إذ يُظهر ما في داخله بلا تردّد، إلّا أنّه في هذا التصرّف المباشر لا يُبدي احترامًا لا لنفسه ولا للطرف الآخر. وغالبًا ما تكون أقواله غير واضحة ولا شفّافة. ويكفي أن يتأمّل الإنسان في ما يقوله حين يكون في قمّة الغضب؛ فالشخص الغاضب عادةً ما يعمّم في كلامه، وتكون الرسائل التي يوجّهها للآخرين مشوّشة وغير دقيقة، ممّا يُفقدها قيمتها الإخباريّة والتواصليّة.
في الأسلوب المختلط، لا يُبدي الفرد تواصلًا صريحًا
(29)ومباشرًا، كما أنّه بسبب سماته الشخصيّة وافتقاره إلى المهارات التواصلية، يُقيم علاقاتٍ عاطفيّة وانفعاليّة غير متّزنة ومشوّشة. وغالبًا ما يكون مفرِطًا في الانخراط العاطفي، ويُظهر درجةً عالية من القرب والانفتاح مع الآخرين. هذا النوع من التواصل يفتح المجال أمام الآخرين لاستغلاله، كما يترك في نفسه شعورًا بعدم الراحة والانزعاج. وغالبًا ما يعجز هؤلاء الأفراد عن إدارة علاقاتهم، ويشكون باستمرار من أنّ علاقاتهم تتجاوز الحدّ المعقول.
الشخص الذي يتّبع الأسلوب البنّاء في التواصل يستفيد من مهاراته التواصلية ليؤدّي دوره في المجتمع بشكلٍ فعّال. فهو لا يَفرّ من المواقف التواصلية، ولا يُقحم العدوانيّة في تفاعلاته مع الآخرين. يتمتّع هذا الفرد بقدرة جيّدة على تنظيم علاقاته، ويُبدي اهتمامًا واضحًا بالتواصل مع الأسرة، والأصدقاء، وزملاء العمل، والمجتمع عمومًا. الفرد الذي يتّبع الأسلوب البنّاء يتعاون مع الآخرين، ويواجه المشكلات ضمن إطارٍ ناضجٍ ومتكامل. ومن خلال هذا النمط من التواصل، يُحقّق تفاعلات مثمرة تعود بالنفع عليه وعلى من حوله.
إنّ أصحاب الأساليب العدواني، السلبي، والاجتنابي لا يمتلكون الاستعداد الكافي لمواجهة التحدّيات اليوميّة في
(30)الحياة، ويُعانون من صعوبات في بناء العلاقات والحفاظ عليها. أمّا في المقابل، فإنّ من يتّبع الأسلوب البنّاء يستفيد من أنماطٍ تفاعليّة مناسبة في التعامل مع السلوكيّات الإيجابيّة والسلبيّة للآخرين، ويعمل على تطوير مستوى تواصله وتحسين جودة علاقاته.
تغطّي الأنماط التفاعليّة في الأسلوب البنّاء مستويين من العلاقات المتبادلة: المستوى الأوّل: التفاعل مع السلوك الإيجابي من الآخرين. المستوى الثاني: التفاعل مع السلوك السلبي منهم. وفي كلٍّ من هذين المستويين، يُحتمل أن تصدر واحدة من ثلاث ردود فعل: المماثلة، أو الأعلى، أو الأدنى. فعلى سبيل المثال، في التعاليم الدينيّة، إذا واجه الإنسان سلوكًا إيجابيًّا من الآخرين، فإنّ ردّ الفعل المماثل يكون بردّ الجميل بنفس المستوى، أمّا ردّ الفعل الأعلى فيتمثّل في إظهار الامتنان والتقدير. وفيما يلي جدول يتضمّن نماذج من ردود الفعل المحتملة في إطار الأسلوب البنّاء.
(31)
الأنماط التفاعليّة في الأسلوب البنّاء
|
ردّ الفعل |
في مقابل السلوك الإيجابي من الآخرين |
في مقابل السلوك السلبي من الآخرين |
|
المماثل |
الردّ المماثل |
إحقاق الحق |
|
الأعلى |
الشكر والتقدير، وردّ التحية بأحسن منها |
الحِلم، المُداراة، الصبر، العفو |
|
الأدنى |
الشكر والتقدير (في حال كان سلوك الآخر) الإيجابي ذا قيمة عالية) |
|
إذا أردنا تقديمَ تفسيرٍ دقيقٍ لطبيعة المهارات التواصليّة، فلا بدّ لنا من أن نتناولَ المهارات اللفظيّة وغير اللفظيّة معًا، لا أن نقتصر على الجانب الكلامي فحسب؛ وهو ما لم يُولِهِ الاهتمام الكافي في السابق. ولذا، ينبغي في مختلف المواقف التواصلية، وفي التفاعلات الاجتماعيّة سواء في المنزل أو الشارع أو مكان العمل أو قاعة الدرس، الالتفاتُ إلى القنوات الكلامية وغير الكلامية على حدٍّ سواء.
السلوك اللفظي يقتصر على استخدام الكلمات أو اللغة، في حين يشمل السلوك غير اللفظي كلًّا من السلوكيات الصوتيّة
(32)وغير الصوتيّة. فالسلوك الصوتي يتضمّن جميع جوانب الكلام، أي اللغة وأدواتها النطقيّة، مثل نبرة الصوت، وسرعته، والتأكيد الصوتي، وما إلى ذلك. أمّا السلوكيات غير الصوتيّة، فهي تشير إلى سائر الأفعال التي تؤدّي وظيفة تواصليّة، مثل تعابير الوجه، والإيماءات، وحركات الجسد.
قبل الدخول في صلب الموضوع، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المهارات التواصلية تتأثّر إلى حدٍّ كبير بعوامل ظرفيّة مثل السنّ، والجنس، والقيم الفرديّة والاجتماعيّة. فالقيم الدينيّة والثقافيّة التي نعتنقها تُحدّد دائرة العلاقات وكيفيّة التواصل مع الآخرين. ومن الضروري أن يُؤخذ السياق الثقافي الذي يتمّ فيه التواصل بعين الاعتبار، لأنّه شرطٌ أساس لأيّ علاقة تواصليّة ناجحة.
في هذا القسم، سنتناول المهارات التواصلية اللفظية وغير اللفظية معًا، ضمن تصنيفَين رئيسيَّين: «المهارات الابتدائيّة» و«المهارات التقدّميّة» (أو الدافعة).
يتّفق أغلب علماء السلوك على أنّ الوجه يُعدّ أهمّ مصدر للمعلومات المرتبطة بالعواطف، وأنّ فهم مشاعر المتحدّث
يتطلّب الانتباه إلى تعابير وجهه المتغيّرة. ويُعدّ إظهار التعابير الإيجابيّة من خلال البشاشة أحد أبرز العناصر تأثيرًا في التواصل الفعّال. فهذا السلوك البسيط، الذي كثيرًا ما يُغفل عنه في التفاعلات، يؤدّي دورًا محوريًّا في بناء علاقات تواصليّة ناجحة ومؤثّرة. البشاشة، التي ترتبط غالبًا بمظاهر الوجه وتعابيره الظاهرة، تُعدّ بحسب التعاليم الروائيّة من أبسط المهارات التواصليّة وأوّلها، لما تؤدّيه من دورٍ فعّال في تسهيل التواصل بين الفرد والآخرين. وقد كانت سيرة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ناطقةً بتطبيق هذا الأسلوب في علاقاته وتفاعلاته مع الناس. وقد روى الإمام الباقرعليهالسلام أنّ رجلًا جاء إلى النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وقال: يا رسول الله! أوصِني، فقال له النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم: «اِلقَ أخاكَ بِوَجهٍ مُنبَسِطٍ».
ورُوي عن الإمام عليّ عليهالسلام أنّه قال: «إذا لَقِيتُم إخوانَكُم فَتَصافَحُوا، وأظهِروا لَهُمُ البَشاشَةَ وَالبِشرَ».
إلى جانب البشاشة المرتبطة بتعابير الوجه الظاهرة، يُعدّ الابتسام من الوسائل المؤثّرة في تعزيز التواصل الفعّال. فالابتسامة سلوك غير لفظي يُقوّي بشكلٍ إيجابي سلوك الطرف المقابل في العلاقة التواصلية.
ومن خلال هذا الأسلوب، نُكافئ الآخر معنويًّا، ونُشجّعه على مواصلة التواصل؛ وهو سلوكٌ دأب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم على ممارسته باستمرار. رُوي عن أبي الدرداء أنّه قال:
«كانَ رسولُ اللهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم إذا حَدَّثَ بِحديثٍ تَبَسَّمَ في حديثِهِ».
كان رسولُ اللهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم أكثرَ الناسِ إدراكًا لأثر الابتسامة في التواصل، وكان يوظّف هذه المهارة في علاقاته مع الآخرين لتحقيق أهدافه التربويّة والروحيّة. وقد قال عبدُ الله بن حارث:
«ما رَأَيتُ أَحَدًا أَكثَرَ تَبَسُّمًا مِن رَسولِ اللهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم».
ورُوي عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال: «مَن تَبَسَّمَ في وَجهِ أَخيهِ، كانَت لَهُ حَسَنةٌ».
يُعدّ إلقاء السلام من المهارات الابتدائية في بناء تواصل فعّال ومُرضٍ، إذ يُثير في الطرف المقابل مشاعر إيجابيّة، ويُمهّد لتواصل وديّ ومُطمئن. قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «ألا أَدُلُّكم على شيءٍ إذا فعلتُموه تحابَبتُم؟ أفشُوا السلامَ بينكم». وبالإضافة إلى ذلك، يُسهم السلام في تسهيل بدء العلاقة، ويُوفّر جوًّا من الطمأنينة خاليًا من التوتّر والانزعاج. وقد قال الإمام عليّ عليهالسلام: «لِكُلِّ داخِلٍ دَهْشَةٌ، فَابدَؤوا بالسَّلامِ».
وهكذا، فإنّ مَن يبدأ التواصل ويقرنه بالسلام يكون قد تخلّى عن التكبّر والتعالي. وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «البادِئُ بالسَّلامِ بَريءٌ مِنَ الكِبرِ».
في التعاليم الدينيّة، يُعدّ إلقاء السلام على الأخ المسلم عند اللقاء من حقوق المسلم على أخيه، وقد جُعل لمن يبدأ بالسلام قبل غيره أجرٌ أعظم ومكانةٌ أعلى. وقد قال الإمام الصادق عليهالسلام:
«لِلْمُسلِمِ عَلى أَخيهِ المُسلِمِ مِنَ الحَقِّ أَن يُسلِّمَ عَلَيهِ إذا لَقِيَهُ».
من جملة حقوق المسلم على أخيه أن يُسلِّم عليه إذا لَقِيَه.
وقد قال الإمام عليّ عليهالسلام: «لِلسَّلامِ سَبعونَ حَسَنةً، تِسعٌ وَسِتُّونَ لِلمُبتَدِئِ، وَواحِدَةٌ لِلرّادِّ».
إلقاء السلام على الجميع يُعدّ سببًا في جلب الخير والبركة إلى البيت، وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «أفشِ السَّلامَ يَكثُرْ خَيرُ بَيتِكَ».
قال الإمام الباقرعليهالسلام في تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) (النور: 61)، قال بأنّ المقصودُ من الآية هو أن يُسلِّمَ الرجلُ على أهلِ بيته عند دخولِه، وأن يَردّواعليهالسلام؛ فذلك هو سلامُكم على أنفسكم.
تُعدّ المصافحة من المهارات غير اللفظيّة في التواصل، وهي تَبعث في الطرف الآخر رغبةً في الحوار والتفاعل.
فهذا الأسلوب يُشجّع الجانبين على بدء الحديث بمزيد من الاهتمام، ويدفعهما إلى التعبير عن آرائهما. ومن الطبيعي أنّ مثل هذا الدعم الانفعالي السلوكي يُسهم في تعزيز الفهم المتبادل، ويُفضي إلى علاقة مريحة ومجزية للطرفين. وقد أكّد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم على هذه الطريقة في التواصل، فقال:
«إذا التقيتُم فتلاقَوا بالتَّسليمِ والتصافح، وإذا تفرّقتُم فتفرّقوا بالاستغفار».
وقد أُكِّد على هذا الأسلوب من التواصل، لا في التعامل مع الأصدقاء فحسب، بل حتّى مع الأعداء الذين يكرهون التواصل. قال الإمام عليّ عليهالسلام: «صافِحْ عَدُوَّكَ وإن كَرِهَ؛ فإنَّهُ مِمّا أمَرَ اللهُعز وجل بِهِ عِبادَهُ، يقولُ: (ادْفَعْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ).
المصافحة في العلاقات اليوميّة العاديّة، ولا سيّما مع الأشخاص الذين نلتقيهم بشكل متكرّر وفي فترات زمنيّة قصيرة، تُعدّ أسلوبًا شائعًا ومرغوبًا وذو تأثير فعّال. وقد اعتبر الإمام الصادق عليهالسلام المصافحة جزءًا من كمال التحية في مثل هذه اللقاءات، فقال: «إنَّ مِن تَمامِ التَّحِيَّةِ لِلمُقيمِ المُصافَحةَ».
المصافحة، بالإضافة إلى دورها في تمهيد علاقة ودّية ومريحة، تُسهم أيضًا في إزالة ما قد يعلَق في النفوس من كدوراتٍ وضغائن نشأت في سياق العلاقات السابقة. وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «تصافَحوا؛ فإنَّ التَّصافُحَ يُذهِبُ السَّخيمَةَ».
وفي روايةٍ أُخرى، قال رسولُ اللهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم : «تَصافَحوا؛ فإنَّهُ يَذهَبُ
بالغِلِّ».
كانت سيرةُ رسولِ اللهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا النمط من التواصل مثالًا راقيًا، نظرًا لما في التواصل الجسدي من أثرٍ عاطفيٍّ عميق وما رُتّب عليه من ثوابٍ جزيل. فقد كان إذا صافح رجلًا، لا يسحب يده أبدًا حتى يكون الآخر هو من يسحبها أوّلًا. وقد رُوي عن الإمام الصادق عليهالسلام في ذلك قوله: «ما صافَحَ رسولُ اللهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم رجلًا قَطُّ، فَنَزَعَ يَدَهُ حتى يَكونَ هو الذي يَنزِعُ يَدَهُ منهُ».
وثوابُ هذا الأسلوب من التواصل أن تُغفَر الذنوب الناتجة عن الكَدَرِ والقطيعة في العلاقات بين الأفراد.
وقد قال الإمام عليّ عليهالسلام: «إذا لَقِيتُم إخوانَكُم فَتَصافَحُوا، وأظهِروا لهُمُ البَشاشَةَ والبِشرَ؛ تَتَفَرَّقُوا وما عَلَيكُم مِنَ الأوزارِ قد ذَهَبَ».
وقال الإمام الباقرعليهالسلام أيضًا: «إِذَا صَافَحَ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ، فَالَّذِي يَلْزَمُ التَّصَافُحَ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يَدَعُ، أَلَا وَإِنَّ الذُّنُوبَ لَتَتَحَاتُّ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَتَّى لَا يَبْقَى ذَنْبٌ».
إنّ المعانقة تنقل إلى الطرف المقابل شعورًا أعمق بالدفء والمودّة، وتُولّد انطباعًا إيجابيًّا لديه. كما أنّ اعتماد هذا الأسلوب يُتيح قدرًا أكبر من المرونة في العلاقة لكلا الطرفين. وتزداد فعاليّة هذا السلوك عندما تكون اللقاءات متباعدة زمنيًّا، إذ يُضفي على التواصل أثرًا أبلغ. وقد اعتبر الإمام الصادق عليهالسلام المعانقة تحيّةً كاملةً لمن عاد من السفر، فقال: «إنَّ مِن تَمامِ التَّحِيَّةِ لِلمُقيمِ المُصافَحَةَ، وَتَمامُ التَّسليمِ عَلَى المُسافِرِ المُعانَقَةُ».
يَعتبر الإمام الصادق عليهالسلام أنّ نتيجة هذا السلوك -أي المعانقة- هي زيادةُ مرونة المؤمنين في التعامل مع بعضهم البعض، وغفرانُ ما مضى من الزلّات والخطايا بينهم. قال عليهالسلام:
«إنَّ المُؤمِنَينِ إذا اعتَنَقا غَمَرَتهُما الرَّحمةُ، فإذا التَزَما لا يُريدانِ بذلك إلّا وجهَ الله، ولا يُريدانِ غَرَضًا من أغراضِ الدنيا، قيلَ لهما: مغفورًا لكُما، فاستأنِفا».
إنّ «الرَّحمة» المذكورة في هذه الرواية تُشير إلى المودّة واللّين في التعامل، إذ إنّ الرحمة، حين تصدُر عن الله سبحانه وتعالى، فهي تعني الإنعام والإحسان الإلهي، وأمّا إذا كانت بين
الناس، فإنّها تُعبّر عن المحبّة والتراحم والمرونة في السلوك. وهذه الحالةُ من التواصل لا تقتصر على كونها مشمولةً برحمة الله أي بفضله وإحسانه بل بإمكانها أيضًا أن تُعزّز من مشاعر التراحم والليونة بين الناس، فتُمهّد لعلاقات أكثر إنسانيّة ودفئًا.
وجاء في روايةٍ أُخرى عن الإمام الصادق عليهالسلام: «أيَّما مُؤمِنٍ خَرَجَ إلى أَخيهِ يَزورُهُ عارِفًا بِحَقِّهِ، كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خُطوَةٍ حَسَنَةً، وَمُحِيَتْ عَنهُ سَيِّئَةٌ، وَرُفِعَتْ لَهُ دَرَجَةٌ، وَإذا طَرَقَ البابَ فُتِحَتْ لَهُ أبوابُ السَّماءِ، فَإذا التَقَيا وَتَصافَحا وَتَعانَقا أَقبَلَ اللهُ عَلَيهِما بِوَجهِهِ».
تُعدّ أشكال التواصل الجسدي مثل المصافحة والمعانقة مؤشّراتٍ على مدى المودّة والاهتمام الذي نكنّه للطرف الآخر، ويأتي التقبيل كإحدى هذه الوسائل التي تُعزّز عمق العلاقة وتُسهِم في تفعيل التواصل العاطفي. وقد أشارت التعاليم الروائيّة إلى أنّ تقبيل الجبين أو الخدّ للأخ المؤمن يُعدّ من مظاهر العلاقة المؤثّرة والدافئة، ويُستخدم هذا الأسلوب للتعبير عن الدعم المعنوي، والتحفيز على الحوار، والتقارب بين القلوب. ورُوي عن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام أنّه قال مخاطبًا
شيعته: «إنَّ لَكُم لَنُورًا تُعرَفونَ بِهِ في الدُّنيا، حتّى إنَّ أحدَكُم إذا لَقِيَ أَخاهُ، قَبَّلَهُ في مَوضِعِ النُّورِ مِن جَبهَتِهِ».
ورُوي عن الإمام موسى الكاظم عليهالسلام أيضًا أنّه قال: «مَنْ قَبَّلَ لِلرَّحِمِ ذَا قَرَابَةٍ، فَلَيسَ عَلَيهِ شَيءٌ، وَقُبْلَةُ الأَخِ عَلَى الْخَدِّ، وَقُبْلَةُ الإِمَامِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ».
يؤدّي التقبيل في سياقات التواصل المختلفة إلى نتائج متنوّعة. ووفقًا للتعاليم الروائيّة، فإنّ تقبيل الولد يجلب الرحمة والمحبّة، وتقبيل الزوجة يزيد من الرغبات الجنسيّة، كما يُعدّ تقبيل الوالدين عبادة، أمّا تقبيل الأخ المؤمن فهو من الدين. وقد قال الإمام عليّ عليهالسلام: «قُبلَةُ الوَلَدِ رَحمَةٌ، وقُبلَةُ المَرأةِ شَهوَةٌ، وقُبلَةُ الوالِدَينِ عِبادَةٌ، وقُبلَةُ الرجُلِ أخاهُ دِينٌ».
تُعدّ العينان وما يحيط بهما من أكثر المؤشّرات التعبيريّة بلاغةً في التواصل. فهي تعبّر عن الحالات الباطنيّة التي يعيشها الإنسان، ولذلك وُصفت بأنّها طليعة القلب، ووُصفت النظرة بأنّها رسول المشاعر. وبما أنّ العينين تعبّران عن الحال
الباطني، فإنّهما تتلألآن في أوقات السرور، وتحمرّان وتغمرهما الدموع في أوقات الحزن، وتحدّقان بغضب في لحظات الغضب والانفعال. تنقل العينان معلومات شديدة الأهميّة بشأن علاقاتنا بالآخرين؛ فهي تُظهر الحبّ والثقة تجاه شخص، أو تنقل مشاعر البعد والبرود وانقطاع الصلة عن شخص آخر. ومن خلال العينين يمكن فهم مدى اهتمام الفرد ومحبّته. وقد قال الإمام عليّ عليهالسلام في هذا السياق: «إنَّ المَوَدَّةَ يُعَبِّرُ عَنهَا اللِّسانُ وعَنِ المَحَبَّةِ العَينانِ».
في العديد من الثقافات، يُعتبر الاتصال البصري الحميم والدافئ أخلص أشكال العلاقة المتبادلة. فالاتصال البصري يعكس شدة مشاعرنا تجاه الآخرين. من الناحية الظاهرية، نطيل النظر إلى أولئك الذين نحبهم أكثر، حيث نخصص لهم نظرات أطول وأكثر. أولئك الذين يحملون مشاعر حبّ لبعضهم البعض يقضون وقتًا أطول في التواصل البصري. وكذلك، الأشخاص الذين تجمعهم العداوة يحدّقون في بعضهم البعض بنظرات حاقدة. ومع ذلك، يمكن التمييز بسهولة بين هذين النوعين من النظرات الثابتة؛ إذ يصاحب كلّ منهما تعابير وجهية مختلفة مثل الابتسامة والغضب.
كما أن الوجه يُعطي معلومات كثيرة عن المشاعر الداخلية للآخرين، فإنّ وضعية الجلوس تُعدّ من أهم مصادر المعلومات في التواصل. فإنّ كيفيّة وقوف الفرد أثناء الحديث أو وضعية جلوسه تُعتبر أمرًا مهمًّا في بناء العلاقات. كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يختار أساليب متنوعة في الجلوس بحسب المواقف المختلفة. وقد روى السيد عبد العظيم عليهالسلام: «كَانَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم يَجْلِسُ ثَلاثًا: الْقُرْفُصَا وَهُو أَنْ يُقِيمَ سَاقَيْهِ ويَسْتَقْبِلَهُمَا بِيدَيْهِ وَيَشُدَّ يَدَهُ فِي ذِرَاعِهِ؛ وَكَانَ يَجْثُوعَلَى رُكْبَتَيْهِ؛ وَكَانَ يَثْنِي رِجْلًا وَاحِدَةً وَيَبْسُطُ عَلَيْهَا الْأُخْرَى وَلَمْ يَرَصلىاللهعليهوآلهوسلم مُتَرَبِّعًا قَطُّ».
إنّ اختيار أيّ من هذه الأوضاع، بغض النظر عن كونها توفر الراحة الجسديّة للفرد في حالات مختلفة، يمكن أن يكون دلالة على استعداد الشخص أو عزوفه عن التواصل، وهذا يختلف من ثقافة إلى أخرى. يروي أبو حمزة الثمالي أنّه رأى الإمام السجادعليهالسلام جالسًا ووضع إحدى ساقيه على فخذيه. فقال: «إنّ الناس لا يرون هذه الجلسة لائقة، ويقولون إنّ هذه الجلسة هي جلسة الربّ». فأجاب الإمام عليهالسلام: «إِنِّي إِنَّمَا جَلَسْتُ هَذِهِ الْجِلْسَةَ لِلْمَلَالَةِ وَالرَّبُّ لَا يَمَلُّ وَلَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ».
بعد المرحلة الأولى من التواصل، تتفاوت درجات استمراريّته واستقراره. فقد يُفضي إلى صداقة متينة، أو ينتهي في لحظته من دون أن يُستأنف مجددًا. عندما تنشأ علاقة عاطفية بين شخصين وتتجاوز مرحلة التواصل البسيط والمبدئي، فإنه من المناسب أن يُعلم أحدُهما الآخرَ بمقدار المودّة التي يكنّها له، مما يُسهم في تدعيم الرابطة بينهما. وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إذا أحَبَّ أحَدُكم أخاهُ فَليّعلِمهُ؛ فَإِنَّهُ أصلَحُ لِذاتِ البَينِ».
الإفصاح عن محبة الشخص للآخر يُسهم إسهامًا كبيرًا في تعزيز استقرار العلاقات واستمراريتها.
المرحلة الأخيرة من العلاقة هي حين يعتزم الطرفان الانفصال وإنهاء التواصل. وفي هذه المرحلة، فإن «تمنّي الخير للطرف الآخر» يُعدّ ختامًا نافعًا وفعّالًا. وفي التعاليم الدينيّة، يُعدّ الإحسان والنصح آخر ما يُوصى به عند إنهاء العلاقة، ويُشدَّد على طلب المغفرة في هذا السياق. وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إذَا التَقَيتُمْ فَتَلاقَوا بِالتَّسليمِ وَالتَّصافُحِ، وإذا تَفَرَّقتُم فَتَفَرَّقُوا بِالاستِغفارِ».
في هذا القسم، يُشار إلى المهارات التي من شأنها دفع العلاقة إلى الأمام وتسهيل عمليّة التواصل. ومن أبرز هذه المهارات: فنّ الإنصات وفنّ الحديث.
الإنصات يملأ وقتنا الواعي أكثر من أي نشاط آخر، ومع ذلك قلّما يُلتفت إليه كما ينبغي. غير أنّ التعاليم الدينيّة تُولي اهتمامًا كبيرًا بالاستماع الفعّال، وتستنكر التدخّل غير المبرَّر في حديث الآخرين. وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مِن أخلاقِ المُؤمِنِ حُسنُ الحَديثِ إذا حَدَّثَ، وحُسنُ الاِستِماعِ إذا حُدِّثَ، وحُسنُ البِشرِ إذا لَقِي».
هذه الطريقة في التواصل كانت جزءًا من النموذج الاتصالي لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم. يمكن استنتاج الاستماع التعاطفي، الذي كان أسلوبًا لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في تعامله مع الآخرين، من الآية 61 من سورة التوبة. في هذه الآية، وصف المنافقون رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بـ «أُذُن» (الأذن)، معتبرين إياه شخصًا «ساذجًا» يقبل كل ما يُقال له ويستمع إلى حديث كل شخص. بينما يُعرّف الله سبحانه
وتعالى نبيَّه بـ «أُذُنُ خَيْرٍ»، ويُعدّ استماع النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم «استماعًا للخير»، بمعنى أن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يستمع إلى بعض الكلمات التي لم تكن مفيدة للمسلمين أيضًا، ولكن هذا الاستماع كان فقط من باب الاحترام للمتحدث، حيث كان يحمل كلامه على الصواب احترامًا له، وليس بالضرورة أن يعتقد أن ما قيل هو الحقيقة ويترتب عليه أي تأثير. لذلك، إذا كان هناك تنقّص من شخص ما، لم يكن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يعاتبه. نتيجة هذا التواصل هي أنه استمع إلى كلمات المتحدث واحترمه، وفي نفس الوقت حفظ احترام المؤمن الذي تم التنقّص منه.
وعن امير المؤمنين عليهالسلام انّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كان إذا تحدث أحدٌ في المجلس، يستمع الجميع له حتى ينتهي من حديثه. وكان يضحك مع أهل المجلس إذا ضحكوا، ويتعجب إذا تعجبوا. وكان يتحلى بالصبر على سوء أدب الغرباء في طلباتهم وكلامهم، حتى أن أصحابه، وليس هو، كانوا يتخذون خطوات للتصدي للأشخاص المزعجين. كما أنه لم يقبل مدحًا إلا من شخص كان يريد أن يُصلح الأمور. ولم يكن يقاطع أحدًا في حديثه إلّا إذا تجاوز الحد، وعندها كان يوقفه إمّا بتوجيه نهي أو بالقيام وترك المجلس.
كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يعتبر الاستماع من المروءة والرجولة، وكان يقول: «مِنَ المُروءَةِ أن يَنصِتَ الأخُ لِأخيهِ إذا حَدَّثَهُ».
وفي المقابل، من يقاطع حديث أخيه، فإنه يضرّ بالعلاقة ويُشبه شخصًا يمسك بوجه الآخر ويخدشه. وقد قال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مَن عَرَضَ لأِخيهِ المُسلِمِ (المُتَكَلِّمِ) في حَديثِهِ فَكَأَنَّما خَدَشَ وَجهَهُ».
لكي نتمكن من ممارسة فن الإصغاء بشكل أكثر فعاليّة في إطار العلاقة الزوجيّة، لا بدّ من إتقان مجموعة من الآليات التواصليّة الخاصّة. يوضح الجدول التالي أهم الاستراتيجيّات العمليّة لتحسين جودة الاستماع بين الزوجين:
لكي نتمكّن من تحسين أدائنا في مهارة الإنصات، لا بدّ من تعلّم استراتيجيات فعّالة تساعدنا في ذلك. يقدّم الجدول الآتي مجموعة من الاستراتيجيات التي تُسهم في تعزيز مهارة الإنصات في سياق التواصل الزواجي.
الاستراتيجيّات الخاصّة والعامّة لمهارة الإنصات
|
الاستراتيجيّات الخاصّة |
الاستراتيجيّات العامّة |
|
مهارات الإنصات: • استمع إلى زوجتك دون أن تقاطع حديثها. المهارات الاتصاليّة: • اتّخذ قراراتك بناءً على النقاط الجوهريّة. هيّئ مجالًا لإعطاء الطرف الآخر فرصة للردّ. |
• خصّصوا وقتًا ومكانًا مناسبَين لإجراء تواصلٍ شفاف. أجرِ التغييرات في نفسك بإنصاف وعدالة.
|
(49)
إن للحوار قدرة فريدة على تقريب القلوب أو إبعادها، وتلعب مهارة إدارة الحديث دورًا محوريًّا في تطوير العلاقات الإنسانيّة. لا يعني هذا بالضرورة أن يتقمص المرء دور الخطيب البليغ، بل المطلوب امتلاك القدرة على نقل مشاعر الأُنس والمصاحبة عبر الكلام. وهذا النهج يُعد من أخلاق المؤمن الحق، كما جاء في حديث رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مِن أخلاقِ المُؤمِنِ حُسنُ الحَديثِ إذا حَدَّثَ وحُسنُ الاِستِماعِ إذا حُدِّثَ وحُسنُ البِشرِ إذا لَقِي».
وقد تجسدت هذه الآداب في سيرة النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم. فقد روى الإمام الحسين عليهالسلام عن أبيه أمير المؤمنين عليهالسلام وصفًا دقيقًا لطريقة النبي في مخاطبة أصحابه:
«وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِيمَا رَجَا ثَوَابَهُ، إِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ، فَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا وَلَا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ، مَنْ تَكَلَّمَ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ. حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ، يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ... وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَ فَيَقْطَعَهُ بِنَهْيٍ أَو قِيَامٍ».
وفي حديث آخر، يروي الإمام الحسن عليهالسلام أنّه طلب من هند
بن أبي هالة التميمي -وكان رجلًا بارعًا في الوصف- أن يصف له كلام رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، فقال: «كانَ رَسولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم... لا يتَكلَّمُ في غَيرِ حاجَةٍ، طَويلَ السَّكتَةِ، يفتَتِحُ الكلامَ ويختِمُهُ بِأَشداقِهِ، ويتَكلَّمُ بِجَوامِعِ الكلِمِ،... إذا أشارَ أشارَ بِكفِّهِ كلِّها، وإذا تَعَجَّبَ قَلَبَها، وإذا تَحَدَّثَ اتَّصَلَ بِها، يضرِبُ بِراحَتِهِ اليّمنى باطِنَ إبهامِهِ اليّسرى، وإذا غَضِبَ أعرَضَ وأشاحَ، وإذا فَرِحَ غَضَّ طَرفَهُ».
لإقامة حوار فعّال، لا بدّ من تذليل العقبات الشائعة وتعزيز بعض الجوانب. المبدأ الأوّل في الحوار الفعّال هو التغلُّب على كل الهواجس والمخاوف غير المبررة. إنها قاعدة بسيطة من التخيُّل الخلّاق والحيوي: أي شيء تتخيله في ذهنك سيكون له احتمال أكبر للظهور في الواقع. لذا، انتبه إلى الإيحاءات السلبيّة (لا أستطيع أن أكون محاورًا جيّدًا)، وتقيّم الأحداث بتقدير واقعي (دون تهويل الأمور). يجب التغلُّب على الصور الذهنية السلبيّة لتحقيق تواصل مُرضٍ وممتع.
بالإضافة إلى ذلك، عليكم أن تُنَمُّوا ثقتكم بأنفسكم. والمقصود بالثقة بالنفس ليس الاعتقاد الباطل أو التباهي أو العُجب أو ما شابه ذلك. إذا كنتم تؤمنون بأنفسكم وتُقَدِّرون قدراتكم تقديرًا واقعيًّا، فإنكم تستطيعون إنجاز الأمور دون الاعتماد على الآخرين، مع التوكل على الله تعالى.
هل سبق لك أن واجهت موقفًا اضطررت فيه إلى اتّخاذ قرار صعب؟ إذا كان الأمر كذلك، فما الذي تفعله عادةً في لحظة اتخاذ القرار؟ هل تتصرّف بنفسك أم تلجأ إلى الآخرين طلبًا للمساعدة؟ هل تتّخذ القرار على الفور أم تتحلى بالصبر في عمليّة اتخاذ القرار؟ هل تبني قرارك على أسس وقواعد أخلاقيّة أم لا تولي هذا الجانب اهتمامًا كبيرًا؟ هل تُفضّل اتخاذ القرارات بناءً على المنطق والعقلانيّة أم تميل إلى القرارات العاطفيّة والانفعاليّة؟ وما الإجراءات والخطوات التي تتّبعها لتنظيم عمليّة اتخاذ القرار بشكل مثالي؟ هذه أسئلة نطرحها ونُجيب عنها في «مهارة اتّخاذ القرار».
اتخاذ القرار هو عمليّة يتم من خلالها اختيار حل لمشكلة محدَّدة. إنه عمليّة اختيار أفضل بديل من بين بدائل متعددة، وذلك لحل مشكلة أو تذليل عقبة أو الاستفادة المثلى من فرصة في سبيل تحقيق الهدف أو الغاية المنشودة. يتكون اتخاذ القرار من جزأين: الجزء الأوّل هو عمليّة تشمل تشخيص المشكلة، واستخراج البدائل وتقييمها. وتُسمّى العمليّة التي تتم في هذا
الجزء «صنع القرار». الجزء الثاني هو الاختيار النهائي وتنفيذ البديل، وتُسمى العمليّة التي تتم في هذا الجزء «اتخاذ القرار».
يُعتبر اتخاذ القرار جزءًا أساسيًّا من عمليّة حل المشكلات، بل يمكن اعتباره أحد أهم عناصرها. في سياق هذه العمليّة، يبرز تعريف المشكلة بدقّة واقتراح الحلول المناسبة كأمر بالغ الأهميّة؛ إذ أن الخطأ في تشخيص المشكلة أو اختيار حل غير ملائم -نظرًا لاعتبارات التكلفة والإمكانيات والمتطلبات والنتائج المتوقّعة- قد يؤدي إلى انحراف جوهري في المسار العام للعمليّة.
إن عمليّة اتخاذ القرار -بوصفها آلية معقّدة تشمل أنواعًا متعددة من القدرات الفكرية وضرورة توفر المعلومات الكافية- تتّسم بتنوّع أساليبها، حيث يعتمد الأفراد طرقًا مختلفة وثابتة في بعض الأحيان لاتّخاذ قراراتهم الحياتيّة. وترتبط أنماط اتخاذ القرار بشكل متزايد بالسمات الشخصيّة للأفراد، حيث تُسهم هذه الخصائص في تشكيل منهجيّة شبه مستقرة في عمليّة صنع القرار. وسنستعرض هنا هذه الأنماط مع تسليط الضوء على النمط القادر على إنتاج أكثر القرارات والاختيارات فاعليّةً ونجاعةً.
الفرد الذي يتّبع النمط العاطفي في اتخاذ القرار، يبني اختياره وقراره على ما يراه صائبًا بناءً على شعوره. مثل هذا الشخص يتخذ قراراته استنادًا إلى انفعالاته، ويعتقد أنّه إذا كان لديه شعور جيّد تجاه أمر ما، فلا بدّ أن يكون القرار صائبًا، وإذا كان يشعر بشعور سيّئ، فإنّ القرار يكون خاطئًا. إنّ تدخّل المشاعر والانفعالات بشكل مفرط في عمليّة اتخاذ القرار، وغياب نظام عقلاني متماسك، يُوقِع الفرد في مشاكل كثيرة عند اتخاذ القرارات.
الفرد الاندفاعي يتّخذ قراراته بسرعة ومن دون تقييم منطقي للوقائع. كلّ شيء يحدث في لحظة واحدة، ويُتّخذ القرار المطلوب؛ غير أنّ هذا القرار لا يتمتّع بالضرورة بالنضج والحكمة اللازمَين، وليس من المستغرَب أن نعلم أنّ مثل هذا الفرد يندهش من قراره بعد الإقدام عليه.
الفرد الانفعالي، بسبب سماته الشخصيّة أو لافتقاره إلى المهارة، يفتقر إلى الجرأة اللازمة، ويتّخذ قراراته استنادًا إلى «توقّعات» الآخرين. من يكون في حالة انفعال لحظة اتّخاذ
(54)القرار، يسمح للآخرين بفرض آرائهم عليه واتّخاذ القرار بالنيابة عنه. التردّدات الطويلة تدفع الفرد بشكل مفرط نحو الانفعال، وغالبًا ما يستخدم عبارة «لا أدري، كما ترون أنتم».
الفرد التجنّبي، بدلًا من مواجهة المسائل وحلّها وإظهار مهارة الجرأة، يُنكر ضرورة اتّخاذ القرار، ويأمل أن تنصلح الأمور من تلقاء نفسها. يؤجّل المواجهة مع المشكلة من خلال التسويف، ويؤخّر اتخاذ القرار حفاظًا على راحته النفسيّة القصيرة الأمد.
إنّ اتّخاذ القرار بعقلانيّة يتكوّن على أساس تفكير منطقي وسليم (انظر: الرسم البياني أدناه)، وهو تفكير يمكن من خلاله الوصول إلى شعور إيجابي وسلوك منطقي ومدار. يتّخذ الفرد قراره باستخدام العقل والمعرفة، مع أخذ الأهداف والقيم بعين الاعتبار، والانتباه إلى النتائج والمخاطر المحتملة. كما أنّ الوعي بالذات والإدراك الزمني يساعدان الفرد على بلوغ هذا النمط من اتخاذ القرار. وقد رُوي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال:
«إِذَا هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَتَدَبَّرْ عَاقِبَتَهُ؛ فَإِنْ يَكُ رُشْدًا فَامْضِهِ، وَإِنْ يَكُ غَيًّا فَانْتَهِ عَنْهُ».
لكي نتمكّن من الوصول إلى قرار عقلاني ومنطقي، لا بدّ لنا من الالتزام بشروط مسبقة تتيح لنا بلوغ النتيجة المنشودة. وهذه الشروط، في التعاليم الدينيّة، هي: النيّة، والإرادة، وبُعد النظر، والمشاورة، والتوكّل. ويتناول هذا القسم من مهارة اتخاذ القرار الإشارة إلى هذه الشروط المسبقة.
القصد والنيّة على فعل الشيء، هما أوّل شرط لازم لاتخاذ القرار في مختلف مجالات الحياة. وعلى هذا الأساس، تعتبر النية أساس العمل. قال الإمام علي عليهالسلام: «النِّيَّةُ أَسَاسُ الْعَمَلِ».
إنّ القصد والإرادة، وهما بمثابة الجانب المعنوي (البرنامج)
في عمليّة اتخاذ القرار، يمكنهما أن يقدّما أكبر العون للبدن، الذي يمثّل الجانب المادي (الجهاز) لتنفيذ العمل، إلى درجة أنه إذا كانت النيّة قويّة وراسخة، فإنّ بدن الإنسان وجسمه سيكون قادرًا وفعّالًا تمامًا في إنجاز العمل. يقول الإمام الصادق عليهالسلام في هذا الصدد:
«ما ضَعُفَ بَدَنٌ عَمّا قَوِيَتْ عَلَيْهِ النِّيَّةُ».
النيّة، التي تُعَدّ أساس العمل، تؤثّر في عمليّة اتّخاذ القرار إلى حدٍّ أنّها اعتُبرت أفضل من العمل نفسه، بل وبمثابة أداء العمل ذاته. يقول الإمام الصادق عليهالسلام في تفسير معنى: (شَاكِلَتِهِ) في الآية 84 من سورة الإسراء:
«النِّيَّةُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ، أَلَا وَإِنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْعَمَلُ». ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ) يَعْنِي عَلَى نِيَّتِهِ.
لكي نصل إلى نتيجة واضحة في مسار اتّخاذ القرار، لا تكفي مجرّد نيّة القيام بالعمل، بل لا بدّ أن تتعلق به إرادةٌ لتنفيذه أيضًا. فبواسطة إرادة الإنسان وهمّته يُعرَف قدر الأفراد ومنزلتهم. يقول الإمام علي عليهالسلام: «قَدْرُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ».
ونظرًا لأهميّة العزم والإرادة في مسار اتّخاذ القرار، يجب تحديد الآفات التي تضعف إرادة الإنسان؛ إذ لا تجتمع العزيمة والإرادة القوية مع طلب الراحة (الركون إلى الدعة). يقول الإمام علي عليهالسلام في هذا الشأن: «لَا تَجْتَمِعُ عَزِيمَةٌ وَوَلِيمَةٌ، مَا أَنْقَضَ النَّوْمَ لِعَزَائِمِ الْيَوْمِ، وَأَمْحَى الظُّلَمَ لِتَذَاكِيرِ الْهِمَمِ».
فيلزم أن يُداوي داء الكسل والإهمال بالعزم والإرادة القويّة، حتى لا يصبح هذا الوضع سلوكًا نمطيًّا مترسخًا. يقول الإمام علي عليهالسلام: «فَتَدَاو مِنْ دَاءِ الْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ، وَمِنْ كَرَى الْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ».
في التعاليم الدينيّة، تمّ التأكيد مرارًا وتكرارًا على موضوع النظر في العواقب، وبُعد النظر، والتأمّل في مآل الأمور. ويمكن إدراك أهميّة هذا الموضوع من خلال دراسة مفاهيم مثل: الحزم، والتدبير، والتدبّر، والتفكّر، والنظر في العواقب. وعلى الرغم من أن كل هذه المفاهيم تقع ضمن مجال دلالي واحد، إلّا أنّنا سندرسها كلٌّ على حدة بسبب الاختلافات الطفيفة الموجودة بينها.
الحزمُ لغةً هو الثبات والتبصّر وبُعد النظر والنظر في العواقب والتأمل في مآل الأمور. إنّ لكل سلوكٍ يصدر عنا آثارًا وعواقبَ، فإذا أدركناها في الوقت المناسب وقبل الشروع في العمل، اتّخذنا قرارًا أكثر حكمةً ورشدًا. يقول الإمام علي عليهالسلام:
«اتَّقِ العَوَاقِبَ عَالِمًا بِأَنَّ لِلأَعمَالِ جَزَاءً وَأَجرًا، وَاحذَر تَبِعَاتِ الأُمُورِ بِتَقدِيمِ الحَزمِ فِيهَا».
واستنادًا إلى الروايات، فإنّ إحدى علامات المتّقين هي اتّصافهم بلين الطبع وبُعد النظر. يصفهم الإمام علي عليهالسلام قائلًا: «وحَزْمًا فِى لِينٍ».
وهذا يعني أنّ المتّقين، كلّما أرادوا الإقدام على عملٍ ما، فإنهم يدرسون أوّلًا جميع جوانبه وأبعاده بدقة، وعندما يطمئنون إلى أنّ العقل يؤيّد سلوكهم وأنّه يندرج في إطار الأخلاق الإلهيّة، يُقدمون عليه.
وعلى النقيض من ذلك، فإن الأفراد الذين يفتقرون إلى الإيمان والتقوى الراسخين، يفعلون ما تمليه عليهم أهواؤهم دون التفكير في عواقبه. ومثل هؤلاء سرعان ما يدركون خطأهم
(59)بعد مضي وقت قصير، فتظهر آثار الندم على وجوههم. إن مفهوم الحزم في الروايات يؤكد بوضوح على هذا الأمر ذاته؛ أي ضرورة الالتفات إلى جميع جوانب وأبعاد أي عملٍ قبل الشروع فيه. وإلا، فلن نتمكّن من توجيه سلوكنا في المسار الصحيح نحو الهدف الذي نتوخّاه يقول الإمام علي عليهالسلام: «مَن خَالَفَ الحَزمَ هَلَك».
وفي روايات أخرى أيضًا، تمت الإشارة إلى هذا الموضوع والتوصية بضرورة التفكير مليًّا أوّلًا في عواقب سلوكيّاتنا. يقول الإمام علي عليهالسلام:«رَوِّ تَحْزِمْ، فإذَا اسْتَوْضَحْتَ فَاجْزِمْ».
مفهومٌ آخر يمكن أن يكون له دورٌ في عمليّة اتخاذ القرار، وهو «التدبير». وقد عرّف اللغويّون كلمة «تدبير» على النحو الآتي: التدبير في العمل يعني أن تنظر إلى عاقبته. واستنادًا إلى هذا التعريف، يرتبط التدبير بمفهوم الحزم. والمعنى المستفاد من الحزم والتدبير هو أنّ على كلّ إنسان أن يقيّم، قبل الإقدام على أيّ فعل، مصالحه ومفاسده وعواقبه، فإن وُجدت فيه مصلحة أقدم عليه، وإلّا تركه.
وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «خُذِ الأَمرَ بِالتَّدبِيرِ، فَإِن رَأَيتَ فِى عَاقِبَتِهِ خَيرًا فَامضِ، وَإِن خِفتَ غَيا فَأمسِك».
یقول الإمام علي عليهالسلام: «لَا عَقْلَ كالتَّدْبِيرِ».
أي إنّ أرقى مظاهر النضج العقلي أن يفكّر الإنسان في كلّ مرّة يُقدِم فيها على فعلٍ ما، في عواقبه وجوانبه المختلفة؛ لأنّ التدبير والتفكّر في العاقبة قبل الإقدام على الأعمال، يصون الإنسان من الخطأ والزلل. ويقول الإمام علي عليهالسلام: «التَّدْبِيرُ قَبْلَ الْعَمَلِ يؤْمِنُك مِنَ النَّدَمِ».
وتوجد روايات أخرى في هذا الباب بالمعنى نفسه. فعلى سبيل المثال، يقول الإمام علي عليهالسلام: «رَوِّ قَبلَ العَمَلِ تَنجُ مِنَ الزَّلَلِ».
كلمة «تدبّر» مأخوذة من الجذر «دَبْر» (على وزن أَبَر) الذي يعني ما وراء الشيء أو عاقبته. وقد جاء في تعريف التدبّر: «فَكَّرَ فِیهِ وَنَظَرَ فِي عَوَاقِبِهِ».
وقد رُوي عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّ رجلًا جاء إلى النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وقال: يا رسول الله! أوصِني. فقال النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إن أوصيتُك، هل تعمل بها؟» وكرّر هذه الجملة ثلاث مرّات، وكان الرجل في كلّ مرّة يقول: نعم، يا رسول الله! فقال له النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم: «فإنّي إِذًا اُوصِيك إذا أنتَ هَمَمتَ بأمرٍ فتَدَبَّرْ عاقِبَتَهُ، فإن يك رُشدًا فأمضِهْ، وإن يك غَيا فانْتَهِ عَنهُ».
وفي رواية أخرى عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «إذا هَممتَ بأمرٍ فتدبّر عاقبتَه، فإن يَكُ خيرًا ورُشدًا فاتّبعه، وإن يَكُ غَيًّا فَدَعْه».
في تعريف التدبّر الذي تمّت مناقشته سابقًا، استُخدمت كلمة «تفكّر»، غير أنّ هذين المصطلحين لا يحملان المعنى ذاته تمامًا. فبعضهم يرى أنّ الفرق بين التدبّر والتفكّر هو أنّ التفكّر يتعلّق بدراسة الأسباب والخصائص السابقة للحدث، أمّا التدبّر فيتعلّق بالنظر في عواقب الحدث ونتائجه. وعلى هذا الأساس، فإنّ تعقّل الفرد يُعدّ معيارًا لتقييم أحواله. يقول نبيّ الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إذا بَلَغَكم عَن رَجُلٍ حُسنُ حالٍ فَانظُروا في حُسنِ عَقلِهِ، فَإِنَّما يّجازى بِعَقلِهِ».
ويقول الإمام علي عليهالسلام: «إذا قَدَّمتَ الفِكرَ في جَميعِ أفعالِك حَسُنَت عَواقِبُك في كلِّ أمرٍ».
وفي رواية أخرى له عليهالسلام يقول: «أصلُ السَّلامَةِ مِن الزَّلَلِ، الفِكرُ قَبلَ الفِعلِ، والرَّوِيةُ قَبلَ الكلامِ».
في بعض الروايات، استُخدم مفهوم «العاقبة» للإشارة إلى نتائج السلوك. فقد ورد في رواية أنّ النبيّ آدم عليهالسلام أوصى ابنه شيئًا وأمره بالعمل بتلك الوصيّة، وأن يوصي بها أيضًا ذريّته من بعده، فقال: «إِذَا عَزَمْتُمْ عَلَى أَمْرٍ فَانْظُرُوا إِلَى عَوَاقِبِهِ».
وكذلك يقول الإمام علي عليهالسلام: «إِذَا هَمَمتَ بِأَمرٍ فَاجتَنِب ذَمِيمَ العَوَاقِبِ فِيهِ».
وتكمن أهميّة التفكّر في العواقب في كونه يقي الإنسان من التعرّض لخسارة القيم المعنويّة. وتفيد الروايات أنّ الناس كلّما سعَوا أكثر لمعرفة نتائج أقوالهم وأفعالهم، قلّ ما يصيبهم من القلق والاكتئاب والندم في حياتهم.
ويقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مَنْ نَظَرَ فِى الْعَوَاقِبِ سَلِمَ فِى النَّوَائِبِ».
ويقول الإمام علي عليهالسلام: «بِالنَّظَرِ فِى العَوَاقِبِ تُؤمَنُ المَعَاطِبِ».
من الشروط المسبقة المؤثرة في اتّخاذ القرار الصحيح والمنطقي، الاستشارة مع الآخرين. فالله سبحانه وتعالى، بعد أن يدعوالنبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الرفق واللين في تعامله مع الناس، يأمره أيضًا بأن يستشيرهم في الأمور، ثم يتّجه بعد ذلك نحو اتخاذ القرار النهائي. وقد ورد في الآية ١٥٩ من سورة آل عمران:
(فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوكُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).
یَرى الإمام علي عليهالسلام أنَّ المشورة قبل اتخاذ القرار، والتفكر قبل الإقدام على العمل، مقدَّمان على كلّ أمر آخر: «شاوِر قَبلَ أن تَعزِمَ وفَكِّر قَبلَ أن تُقدِمَ».
وفي بعض الروایات عُدَّت المشورة مع الآخرین نوعًا من
التأنّي وبُعد النظر. فقد سُئِل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «ما التَّأنِّي؟» فقال:
«مُشَاوَرَةُ ذَوِي الرَّأْي وَاتِّبَاعُهُم».
وكلّما ازداد الإنسان علمًا وخبرة، فإنه لا یستغني عن مشورة الآخرین. وقد قال الإمام علي عليهالسلام: «لَا يستَغنِي العَاقِلُ عَنِ المُشَاوَرَةِ».
وبناءً على ذلك، ذُكرت فوائد كثيرة للاستشارة في الروايات. فقد ورد عن الإمام علي عليهالسلام أنَّ الرأي الفردي، الذي هو ضدّ المشاركة والتشاور، يؤدّي إلى اتّخاذ قرارات خاطئة ويُسبّب هلاك الفرد، بينما الاستشارة مع أهل الاختصاص تُعَدُّ سببًا للتعاون مع أصحاب العقول والحكمة. فقال: «مَنِ استَبَدَّ برأيهِ هَلَكَ، ومَن شاوَرَ الرجالَ شارَكَها في عقولها».
ووفقًا للروايات، فإنَّ الاستشارة من خلال إطلاع الشخص على السلوكيات المناسبة في مواقف مختلفة، تُسهّل تنظيم السلوك وتُحْدِث وقاية من الندم. فقال الإمام علي عليهالسلام: «لَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ».
المشورة تُمكِّن الإنسان من أن يكتسب فهمًا أفضل حول
موضوع الاستشارة ويختار الخيار الأنسب. لذلك، تُعَدُّ المشورة في تنظيم السلوك مفيدة وقيّمة للغاية. بالإضافة إلى الحالات التي تؤدي فيها المشورة إلى اختيار صحيح وناجح، والتي لا يُخفى على أحد قيمتها وأهميّتها، فإنَّ المشورة تبقى قيمة حتى إذا أدت إلى الخطأ؛ لأنَّ الشخص قد أدَّى واجبه الشرعي والعقلي في الاستشارة مع الآخرين، ولهذا السبب يكون معذورًا عند الله والخلق. كما قال الإمام الكاظم عليهالسلام: «مَنِ اسْتَشَارَ لَمْ يَعْدَمْ عِندَ الصَّوَابِ مَادِحًا، وَعِندَ الْخَطَإِ عَاذِرًا».
يعني أنَّ الشخص الذي يقوم بشيء بعد الاستشارة، إذا كانت له نتائج مفيدة، يمدحه الآخرون، وإذا واجه الفشل، على الأقل لا يلومه الآخرون؛ لأنَّ هذا الفعل لم يكن قرارًا فرديًا، بل كان الآخرون قد شاركوا فيه بطريقة ما. لذلك، في اتخاذ القرارات، تُعدُّ المشورة مع الآخرين، خاصة مع الأشخاص المتخصّصين وذوي الخبرة والحكمة، أمرًا مفيدًا للغاية.
بعد أن يتمّ تحقيق جميع الشروط المبدئيّة اللازمة لاتّخاذ قرار صحيح ومنطقي، من الضروري أن نتوكّل على الله تعالى ونضع ثقتنا فيه. بمعنى آخر، يجب أن نتوقّف عن الاعتماد على الآخرين ونسلّم أمرنا إلى الله. إذا كانت جميع الأمور التي تم
الحديث عنها سابقًا قد تمت، فإنّ التوكّل على الله سيكون آخر مرحلة في عمليّة اتّخاذ القرار. يمكن استنباط هذه النقطة من الآية 159 من سورة آل عمران التي توجّه خطابًا إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).
نُقِلَ عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال لرجلٍ سَأَلَهُ: «أربطُ رُكبةَ الجملِ وأتوكل على الله، أم أتركها وأتوكل؟» فقال: «اعقلها وتوكل».
تُظهر التجربة أن قدرتنا على حلّ المشكلات والتحديات، وتحقيق الأهداف، والتسلّط على أحداث الحياة، محدودة للغاية وقليلة. في مثل هذه الحالات، إذا لم يكن اعتمادنا وتوكلنا على الله، فلا يمكننا بمفردنا التغلب على العقبات وتحقيق أهدافنا. يذكر العلامة الطباطبائي حول أهميّة التوكّل على الله بأننا في مواجهة مسائل الحياة والوصول إلى النجاح نحتاج إلى عاملين: الأوّل، توفير الأسباب الطبيعيّة؛ الثاني، توفير الحالة النفسيّة الخاصّة التي تمكننا من مواجهة المسائل بشكل أفضل. أحيانًا يتسبّب القلق والخوف وضعف الإرادة في عدم قدرتنا على استخدام الحلول الممكنة بشكل مثالي. في مثل هذه الحالات، يمكن أن يكون التوكّل وتفويض الأمور إلى الله له دور مؤثّر في
تقليل القلق وتقوية الإرادة. من هذا القول، يتبين أنّ التوكّل على الله يُعتبر عاملًا نفسيًّا مقويًا وأحد أوجه المواجهة الدينيّة الأكثر تأثيرًا.
حلّ المشكلة هو طريقة يمكنكم استخدامها عند التخطيط لمواجهة مشاكل الحياة. إن حلّ المشكلة هو مهارة تكيّفية عمليّة تؤثّر نفسيًّا وتكون مفيدة. إن استخدام أساليب حلّ المشكلة يعزز من الثقة بالنفس. عندما تعلمون أنّكم تمتلكون مهارات حلّ المشكلة بشكل جيد، يعزز ذلك شعوركم بالكفاءة والسيطرة. ترتبط المهارات الفعّالة لحلّ المشكلة بعلاقة جيدة مع التكيف الشخصي. لقد اكتشف الباحثون أنّ الأفراد الذين يمتلكون مهارات حلّ المشكلة يدركون أنّ التغلّب على مشاكل الحياة يتطلّب جهدًا.
قبل مناقشة الخطوط الرئيسيّة لعمليّة حلّ المشكلة، من الضروري أن نولي اهتمامًا لثلاث نقاط هامّة:
1. غالبًا ما يصبح الأشخاص الذين يعانون من العجز
والضعف في حياتهم بسبب استخدامهم لطريقة واحدة فقط لحلّ المشاكل بشكل غير مرن. وبما أن هذه الطريقة لا تؤدّي إلى نتائج، فإنهم لا يختارون طرقًا أخرى لحلّ المشكلة. من الواضح أنه إذا لم نتمكن من تثبيت شيء بمطرقة، فإن استخدام المِطرَقة لن يكون حلًّا أفضل. ومع ذلك، عندما نواجه مشكلات في حياتنا اليوميّة، غالبًا ما ننسي هذه الحقيقة.
2. في بعض الأحيان، يكون استخدام حلّ جديد ومختلف تمامًا في مواجهة المشكلات مفيدًا وفعّالًا للغاية. وهذا ينطبق بشكل خاص على التعامل مع الآخرين. لذا، كلما شعرتم بالعجز في محاولاتكم لأداء مهمّة مرتبطة بالآخرين، جربوا شيئًا غير متوقّع. لا أقول أنكم يجب أن تتصرّفوا بطريقة خطرة أو ضارّة، ولكن من الجيد أن تتذكروا أن أفضل حُلالي المشكلات هم أولئك الذين يتمتّعون بالإبداع وينظرون إلى المشكلة من زوايا متعدّدة.
3. حلّ المشكلة يتطلّب نهجًا فعّالًا وليس سلبيًّا. هناك نوعان من أساليب المواجهة التي لا تكون مفيدة جدًّا، وهما: الاستجابة القمعيّة والاستجابة الاندفاعيّة للمشكلات.
الاستجابة القمعيّة (التهرّب) من المشكلات تتميّز بالآراء التالية:
بدلًا من قضاء وقتي في حلّ المشكلة، أخصّصه للقيام
بأنشطة أخرى لا تتعلّق بالمشكلة؛ أتجنب حتى التفكير في مشكلتي.
- الاستجابة الاندفاعيّة للمشكلات تتميّز بالآراء التالية:
- أتصرّف بسرعة قبل أن تزداد المشكلة تعقيدًا؛
- أستخدم تجاربي السابقة لحلّ المشكلات الجديدة؛
- أفكر كثيرًا في مشكلتي وأركّز على جوانب معينة منها.
أوّل خطوة يمكن اتّخاذها عند مواجهة تهديد أو مشكلة هي التعرّف الدقيق على المشكلة. يجب تحديد المشكلات والصراعات الأساسيّة، ثمّ إعداد قائمة بالأهداف الخاصّة بك. في هذه المرحلة من حلّ المشكلة، يمكن أن يكون الدعم من الأشخاص المساندين مفيدًا وفعّالًا من خلال تشجيعك على تبنّي نظرة موضوعيّة وأخذ جميع جوانب المشكلة في الاعتبار. في هذه الخطوة، من الضروري تحديد المشكلة في جزئين: جزء يتعلّق بالهدف والنقطة النهائيّة، وجزء آخر يتعلّق بالمشكلة نفسها. قد نواجه عدّة عوائق أو مشاكل، ولذلك قد
يكون من الضروري أن نمرّ بعدّة دورات لحلّ المشكلة قبل أن نقترّب من هدفنا المنشود.
تُعدّ هذه المرحلة، التي تمثّل الخطوة الثانية في حلّ المشكلة، من أصعب مراحل هذه العمليّة. فكثير من الأشخاص الذين ينحصر تفكيرهم في حلّ واحد دون تعدّد في البدائل، يواجهون صعوبات كبيرة في ابتكار وتوليد حلول بديلة. وهناك وسيلتان رئيسيّتان يمكن من خلالهما توليد حلول بديلة:
الطريقة الأولى، استخدام قواعد «العصف الذهني»:
«لا تُقيّم أو تنتقد أيّ فكرة قبل أن تجمع كلّ أفكارك دفعة واحدة»؛
«دع أيّ فكرة تخطر ببالك، فليس هناك اقتراح أحمق»؛
«خذ بعين الاعتبار كلّ الآراء، حتى المبالغ فيها أو التي تبدو مكرّرة».
الطريقة الثانية، إشراك الآخرين. فإنّ لدى الآخرين أفكارًا قد لا يتنبّه إليها من يواجه المشكلة، لأنه غالبًا ما يحصر نفسه في رؤية المشكلة من زاوية واحدة، ويقتصر على حلّ واحد فقط.
الخطوة التالية هي تحديد مزايا وعيوب كلّ واحد من الحلول التي تمّ ذكرها في الخطوة السابقة. عيّن بعضًا من منافع ومضار كلّ حلّ، ثمّ قم بتقييم كلّ واحد منها من خلال وضع فوائده وأضراره جنبًا إلى جنب.
بعد تخصيص وقت كافٍ لتعريف المشكلة ودراسة الحلول المختلفة، تكون الآن مستعدًّا لاتّخاذ قرار بشأن طريقة العمل. فإذا كنت على دراية تامّة بالمشكلات المطروحة، وقد أعددت قائمة بالحلول المختلفة، فإنّ عمليّة اتخاذ القرار واختيار الحلّ ستكون سهلة وأكثر يُسرًا. ألقِ نظرة شاملة على الإجابات المحتملة: أيّها أكثر عمليّة وقابليّة للتنفيذ؟ بعد اختيارك للإجابة الأنسب، توقّع النتائج المحتملة المترتّبة عليها. تذكّر أنّه في أغلب الحالات، لا يوجد حلّ واحد صحيح فقط. فاستجاباتنا لمشكلات الحياة تحتوي على نقاط قوّة وضعف. فإذا لم يكن خيارك الأوّل فعّالًا، فينبغي أن تتحلّى بالمرونة وتجرّب خططًا أخرى.
(72)
لا يوجد في المجتمعات والثقافات المختلفة وقت محدَّد ومتّفق عليه يُمثّل بداية ونهاية مرحلة المراهقة والشباب، كما لا يتّفق أهل الرأي على تحديد بدايتها ونهايتها، إلا أنّ وجود مرحلة من الحياة تُعرف باسم «الشباب» وتمتاز بخصائص معيّنة، يدفعنا إلى التعرّف عليها. فهذه المرحلة لا تتميّز بالعمر الزمني قدر ما تُعرف بخصائصها النوعيّة. مرحلة الشباب هي مرحلة تَشكُّل الخصائص المعرفيّة والتحوّلات العاطفيّة والاجتماعيّة؛ وهي فترة تتزامن فيها التغيّرات الفسيولوجيّة والبيولوجيّة مع تحوّلات نفسيّة، حيث يبدأ الشابّ تدريجيًّا بالاتّجاه نحو المزيد من الاستقرار الانفعالي. في هذه المهارة، سنُعني بدراسة خصائص مرحلة الشباب انطلاقًا من التعاليم الدينيّة، تمهيدًا لتهيئة الأرضيّة المناسبة للاستفادة من هذه المرحلة، كما سنستعرض في ما يلي سبل الاستفادة منها.
في المجتمع المعاصر، لا توجد طقوس أو شعائر اجتماعيّة واضحة تُحدّد الانتقال من مرحلة الشباب إلى مرحلة الرشد. ومن جهة أخرى، وبسبب تداخل نهاية مرحلة المراهقة مع أُطر اجتماعيّة وثقافيّة مختلفة، فإنّ تحديد بداية الرشد غالبًا ما يُعدّ
(73)أمرًا اختياريًّا أو نوعًا من التوافق العرفي. أي أنّ الحدّ الفاصل بين هاتين المرحلتين ليس واضحًا في الواقع العملي، وهو يتأرجح تبعًا للفهم الذي يحمله المجتمع عن مفاهيم المراهقة، والشباب، والرشد.
في تعبير غير تقويمي وباعتباره معيارًا نفسيًّا، يمكن اعتبار مرحلة الشباب فترةً من الحياة تقع بين مرحلتي المراهقة وأواسط العمر. فالعمر الزمني للفرد لا يزوّدنا بمعلومات عن تحوّلات شخصيّته. إذ إنّ معظم الأفراد يواصلون حياتهم وفق إيقاع خاصّ بهم. فمرورهم بتجارب الحياة مثل الزواج، والعمل، وما شابه ذلك، سواءً بشكل متأخّر أو مبكّر أو في الوقت المناسب، يصنّفهم ضمن فئات «متأخّرين»، «مبكّرين» أو «في الوقت المناسب». وهذا هو ما أشار إليه نيوگارتن، إذ يرى أنّ «الساعة الاجتماعيّة» لدينا، أي توقيت حدوث الأحداث وفقًا للمألوف، تتأثّر بالبيئة المحيطة، ويبدو ذلك واضحًا تبعًا للطبقة الاجتماعيّة.
في بعض التعاليم الروائيّة، اعتُبر سنّ الثامنة عشرة بداية مرحلة الشباب. فقد ورد عن الإمام الصادق عليهالسلام في تفسير قول الله(عزّ وجلّ): (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ) (فاطر:
37) أنّه قال: «تَوبيخٌ لاِبنِ ثَماني عَشرَةَ سَنَةً».
في رواية أخرى، اعتُبر سنّ الثامنة عشرة سنًّا تُختَتم فيه المعركة بين العقل والجهل، بحيث يغلب أحدهما الآخر ويستقرّ في الإنسان. ففي هذه المرحلة تخبو الانفعالات العنيفة التي تميّز مرحلة المراهقة، ويبلغ الفتى عند دخوله مرحلة الشباب درجة من الهدوء النسبي، وبعد مرحلة من «الاستكشاف»، يبدأ في «الالتزام» بالقيم والمعتقدات والأهداف، متّجهًا بذلك نحو «اكتساب الهويّة».
يقول الإمام علي عليهالسلام: «لَا يَزَالُ الْعَقْلُ وَالْحُمْقُ يَتَغَالَبَانِ عَلَى الرَّجُلِ إِلَى ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَإِذَا بَلَغَهَا غَلَبَ عَلَيْهِ أَكْثَرُهُمَا فِيهِ».
مع كلّ هذه الصفات، تبقى مرحلة الشباب عالمًا مجهول الأبعاد غالبًا، ولا يحسن الناس الاستفادة منها كما ينبغي. وقد قدّم الإمام علي عليهالسلام الشباب في طليعة الأمور التي لا يدرك الناس قيمتها إلّا بعد فقدانها، حيث قال: «أربَعَةُ أشياءَ لا يعرِفُ قَدرَها إلَّا أربَعَةٌ: الشَّبابُ لايعرفُ قَدرَهُ إلَّا الشُّيوخُ، وَالعافِيةُ لايعرِفُ قَدرَها إلَّا أهلُ البَلاءِ، والصِّحَةُ لا يعرِفُ قَدرَها إلَّا المَرضى، والحَياةُ لا يعرِفُ قَدرَها إلَّا المَوتى».
لو كان الشابّ يعلم أيّ جوهرة يمتلك، لاستفاد من مرحلة الشباب إلى أقصى حدّ، ولو كان الشيخ قادرًا، لما ندم على ضياع فرصة الشباب. لكن للأسف، يبقى هذا الأمر في الغالب في حدود أمنيّة حكيمة تقول: «ليت الشباب يعلم، وليت الشيخ يقدر». ومن ثمّ، لا يدرك الإنسان أهميّة هذه المرحلة وقيمتها إلّا بعد أن تفوته.
يقول أمير المؤمنين علي عليهالسلام: «شَيئانِ لَا يعرِفُ فَضلَهُما إِلَّا مَن فَقَدَهُما: الشَّبابُ وَالعافِيةُ».
بعد أن يكون الشابّ قد اكتسب هويّته في مرحلة المراهقة، يصبح الآن مستعدًّا لأن يمزج هذه الهويّة بميزة أخرى، وهي توجيه كلّ جهوده نحو بناء علاقة وثيقة وحميمة. فإذا لم يكن لدى الفرد هذه الجرأة، ولم ينجح في إقامة العلاقات، فسيُصاب بالعزلة والانطواء.
إنّ الأصدقاء يُضفون على الحياة طابعًا أكثر إثارة من خلال توسيع الفرص الاجتماعيّة، وإتاحة الوصول إلى معارف وآراء متنوّعة. وتبقى عناصر الثقة، والحميميّة، والوفاء، كما كانت في مرحلتي الطفولة والمراهقة، ذات أهمّيّة في علاقات الصداقة
في سنّ الرشد أيضًا. وأحيانًا، قد تتجاوز المشاركة في الأفكار والمشاعر ضمن علاقات الصداقة ما يحصل في العلاقات الزوجيّة، وإن كانت درجة الالتزام فيها أقلّ، لأنّ الأصدقاء يأتون ويذهبون خلال مسيرة الحياة.
في العلاقات الصداقيّة، تُعدّ الحميميّة العاطفيّة أكثر شيوعًا بين الفتيات. فغالبًا ما يجتمعن لمجرّد التحدّث وتبادل الكلام، وتتّسم تفاعلاتهنّ بالإفصاح الذاتي (أي مشاركة أعمق المشاعر والأفكار) والتصريحات الداعمة. في المقابل، يجتمع الفتيان غالبًا من أجل القيام بنشاط معيّن، وغالبًا ما تكون هذه الأنشطة رياضيّة أو ألعابًا تنافسيّة. كما تتركّز أحاديثهم في العادة حول الإنجازات، وتكون المنافسة والنزاع أكثر حضورًا.
من الخصائص الأخرى التي يتميّز بها الشابّ عن الشيخ هي المرونة. فقبول الحقّ وعدم الإصرار على الباطل، من السمات البارزة للشباب. ولهذا، فإنّ الذين بايعوا النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم
كانوا في الغالب من الشباب، بينما عارضه الشيوخ بسبب جمودهم وافتقارهم إلى اللين. قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «أُوصِيكُم بِالشُّبّانِ خَيْرًا، فَإِنَّهُم أَرَقُّ أَفْئِدَةً، إِنَّ اللّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَحَالَفَنِي الشُّبّانُ
وَخَالَفَنِي الشُّيُوخُ»، ثمّ قرأ: (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) (الحديد: 16).
يمكن ملاحظة مرونة الشابّ في سرعة عفوه وتسامحه مقارنةً بالشيخ. وهذه الفروقات تظهر بوضوح في سلوك النبيّ يعقوب عليهالسلام مع أبنائه المخطئين، بالمقارنة مع سلوك النبيّ يوسف عليهالسلام تجاه إخوته المخطئين. وقد أشارت الرواية إلى الفرق في مدّة الزمن الذي استغرقه كلّ منهما في المسامحة. يقول إسماعيل بن الفضل الهاشمي: قلتُ لأبي عبد الله عليهالسلام: أخبرني عن حال يعقوب عليهالسلام حين قال له بنوه: يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنّا كنّا خاطئين، فقال: سوف أستغفر لكم ربي. فقد أخّر الاستغفار، وأخبرني عن حال يوسف عليهالسلام حين قال له إخوته: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنّا لخاطئين، فقال لهم: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فقال الإمام الصادق عليهالسلام في بيان الفرق بين سلوك يعقوب ويوسف:
«لأَنَّ قَلبَ الشّابِّ أَرَقُّ مِن قَلبِ الشَّيخِ، وَكانَتْ جِنَايَةُ وُلْدِ يَعْقُوبَ عَلَى يُوسُفَ عليهالسلام، وَجِنَايَتُهُمْ عَلَى يَعْقُوبَ عليهالسلام إِنَّما كانَتْ بِجِنَايَتِهِمْ عَلَى يُوسُفَ، فَبَادَرَ يُوسُفُ إِلَى الْعَفْو عَنْ حَقِّهِ، وَأَخَّرَ
يَعْقُوبُ الْعَفْوَ؛ لِأَنَّ عَفْوَهُ إِنَّما كانَ عَنْ حَقِّ غَيْرِهِ، فَأَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ».
وفي رواية أخرى، يشجّع الإمام الصادق عليهالسلام أبا جعفر الأحول على مصاحبة الشباب؛ لأنّهم أسرع إلى قبول الخير ولديهم المرونة اللازمة لذلك. ينقل إسماعيل بن عبد الخالق قائلًا: سمعتُ الإمام الصادق عليهالسلام يسأل أبا جعفر الأحول: «هل ذهبت إلى البصرة؟» قال: نعم. فقال: «كيف وجدتَ إقبال الناس على الإمامة ودخولهم في هذا النهج؟» قال: والله إنّ الشيعة هناك قليلون، وقد بذلوا جهدًا، لكنّه قليل أيضًا. فقال له الإمام عليهالسلام: «عَلَيك بِالأَحداثِ فَإِنَّهُم أَسْرَعُ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ».
يبدأ الشابّ في اكتشاف ذاته من خلال انفصاله عن أسرته الأصلية وتأسيسه لعائلة خاصّة به. ويساهم العمل في تعزيز هذا الوضع، مانحًا إيّاه استقلالًا أكبر. وتتحقّق هذه الحالة عند الشابّ أكثر ممّا تتحقّق عند الشابّة؛ إذ إنّ الرجال عادةً ما ينالون استقلالهم عند مغادرتهم بيت الأسرة وتكوينهم لعائلة، بينما تحافظ الفتيات، رغم تقدّمهنّ في السنّ، على صلتهنّ بالعائلة، بل ويتحمّلن مسؤوليات إضافيّة ناتجة عن تعلّقهنّ بها. لذا، إنْ كان العمل في حياة الرجال عاملًا للاستقلال والانفصال، فإنّ
الحال ليس كذلك تمامًا في حياة النساء، حيث يرتبط نموذج النجاح المهنيّ لديهنّ بتعزيز التبعيّة المتبادلة في العلاقات.
في المجتمعات التي تتوفّر فيها فرص العمل بشكل واسع، يكون اختيار المهنة عمليّة تدريجيّة تبدأ منذ ما قبل مرحلة المراهقة بوقت طويل. ويعتقد المنظّرون أنّ الشباب يمرّون بعدّة مراحل مهنيّة، هي:
في أوائل وأواسط الطفولة، يكتسب الأطفال وعيًا حول المهن من خلال التخيّل بشأن الخيارات المهنيّة المختلفة. وتكون تفضيلاتهم في هذه المرحلة غالبًا متأثّرة بالمقرّبين منهم، أو ببريق بعض المهن وإثارتها، ولا يكون لها ارتباط كبير بالقرارات التي سيتّخذونها لاحقًا.
تقريبًا بين سنّ الحادية عشرة والسادسة عشرة، يبدأ المراهقون في التفكير بالمهن بشكل أكثر تعقيدًا؛ بدايةً وفقًا لميولهم، ثمّ مع اطّلاعهم على المتطلّبات الشخصيّة والدراسيّة للمهن المختلفة، يُصبح تفكيرهم مبنيًّا على قدراتهم وقيمهم الذاتيّة.
في أواخر المراهقة وأوائل العشرينات وحتى سنّ الثلاثين،
(80)تبدأ الحقائق الماليّة والعمليّة في عالم الرشد بالظهور. في هذه المرحلة، قد يشعر الشباب بالتردّد في خياراتهم المهنيّة. وتبدأ الخطوة الأولى غالبًا بمرحلة «الاستكشاف»، أي بجمع مزيد من المعلومات عن الفرص المهنيّة التي تتناسب مع خصائصهم الشخصيّة. وفي المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة «التبلور»، يركّزون على فئة مهنيّة عامّة ويقومون بتجريبها قبل أن يستقرّوا في مهنة محدّدة.
تتشكّل مرحلة الشباب متداخلةً مع مرحلة المراهقة، وحين يجتاز الشابّ أزماته الهويّاتيّة ويُدرِك أنّ الحياة ملكٌ له، يبدأ تدريجيًّا في وضع المبادئ والأهداف لحياته، ويُخطّط لهذه الأهداف ويقدّر زمن الوصول إليها بصورة تقريبيّة.
وتتّسم مرحلة الشباب، بما فيها من انفصال عن الوالدين، وتحقيق الاستقلال، واختيار الشريك، وإقامة وتعميق الصداقات، بأنّها تدفع الشابّ نحو مرحلة من الاستقرار النسبي في المهامّ الحياتيّة، مثل: الزواج، والعمل، والعلاقات الاجتماعيّة، والعناية بالذات والعائلة. ويَسعى الشابّ من خلال ترسيخ موقعه المهني، واختيار الزوج المناسب، وإقامة علاقات أكثر استقرارًا، ومتابعة أهدافه، واكتشاف فلسفة متماسكة
للحياة، إلى بلوغ حالة من الاستقرار والثبات الذاتي. وفي هذه المرحلة، يستقرّ نمط حياة الفرد، ويزداد تعلّقه بالعمل والأسرة وسائر جوانب الحياة.
الكفاءة تعني اكتساب معرفة واسعة في مجال معيّن أو في مهنة محدّدة، وهي ترتبط بالتخصّص الذي يبدأ باختيار تخصّص جامعي أو عمل معيّن؛ إذ إنّ اكتساب المهارة في أيّ مجال معقّد يستغرق عدّة سنوات. ويتميّز الأفراد الكفء، بالمقارنة مع المبتدئين، بسرعة الاسترجاع والاستدلال بكفاءة أعلى. فالشخص الكفء يمتلك معرفة أعمق في مجاله، ويعبّر عنها بشكل أكثر ثراءً. وبالتالي، فإنّ الأفراد الكفء، بخلاف المبتدئين الذين يملكون معرفة سطحيّة، يواجهون المشكلات بناءً على المبادئ الأساسيّة الراسخة في أذهانهم. فعلى سبيل المثال، فإنّ فيزيائيًّا تلقّى تعليمًا عاليًا يُدرك أنّ عدّة مسائل قد ترتبط بمبدأ بقاء الطاقة، فيعمد إلى حلّها بطريقة متماثلة. في المقابل، يركّز طالب الفيزياء المبتدئ فقط على الخصائص السطحيّة للمسائل. ويستطيع الأفراد الكفء استخدام معارفهم بشكل تلقائي لاستحضار عدّة حلول ممكنة من خلال تذكّر سريع وسهل. فضلًا عن ذلك، فإنّهم في حال واجهوا مسألة صعبة، يُخطّطون مسبقًا، ويُحلّلون العناصر بطريقة منظّمة
(82)ومصنّفة، ويختارون أفضل الحلول الممكنة، في حين أنّ المبتدئين يتقدّمون غالبًا عبر أسلوب المحاولة والخطأ.
الكفاءة ضروريّة للإبداع وحلّ المشكلات. وتتميّز الإبداعات التي ينتجها الكبار عن تلك التي يُنتجها الأطفال، لا من جهة أصالتها فحسب، بل أيضًا من حيث توجّهها نحو الحاجات الاجتماعيّة أو الجماليّة. فالإبداع الناضج يتطلّب قدرة معرفيّة فريدة. وتدعم دراسات الحالة قاعدة «العشر سنوات» في نموالإبداع على مستوى الإتقان؛ أي أنّ إنتاج عمل إبداعيّ يتطلّب مواجهة تمهيديّة مع مجال معيّن، وكفاءة كافية تمتدّ لعشر سنوات. وفوق ذلك، فإنّ قرنًا من الأبحاث يُظهر أنّ مستوى الإنجاز الإبداعي يرتفع في بدايات مرحلة الرشد، ويبلغ ذروته بين أواخر الثلاثينيات إلى الأربعينيات، أو بين أوائل الأربعينيات إلى الخمسينيات، ثمّ ينخفض تدريجيًّا؛ وإنْ كان هذا الانخفاض نادرًا ما يكون كبيرًا لدرجة أن يتحوّل شخص مبدع إلى إنسان غير مبدع.
على الرغم من أنّ الإبداع متجذّر في الكفاءة، فإنّ ليس كلّ من يمتلك الكفاءة يكون مبدعًا. فالإبداع يحتاج إلى خصائص أخرى، مثل أسلوب تفكير مبتكر، وتحمل الغموض، ودافع
خاصّ نحو النجاح، والرغبة في التجريب، وإعادة المحاولة بعد الفشل. كما أنّ الإبداع يتطلّب وقتًا وجهدًا. وبوجه خاصّ، قد يتأخّر الإبداع لدى النساء أو يتعرّض للاضطراب بسبب مسؤوليّات تربية الأطفال، أو الطلاق، أو الزوج غير الداعم.
يتغيّر النموالمعرفي مع الانتقال إلى مرحلة الرشد، التي تُعدّ مرحلة الشباب بوّابتها الأساسيّة، ويأخذ هذا النموبنيةً مختلفة. فالمراهقون يتصرّفون في «عالم الاحتمالات»، بينما يتقدّم الكبار من «التفكير الافتراضي» إلى «التفكير العملي البراغماتي»؛ وهو نوع من التقدّم البنيوي الذي يُصبح فيه المنطق أداةً لحلّ مشكلات الحياة الواقعيّة. ويُصبح الشباب أكثر مهارةً في دمج المعرفة مع العاطفة، ويمنحون من جديد معنىً للتناقضات التي يواجهونها. ومن المراهقة إلى أواسط العمر، يتطوّر الأفراد من حيث التعقيد المعرفي العاطفي؛ أي الوعي بالمشاعر الإيجابيّة والسلبيّة، والتنسيق بينها ضمن بنية مُعقّدة ومنظّمة. فعلى سبيل المثال، عبّر أحد الأشخاص في سن الرابعة والثلاثين عن صورته الذاتيّة بهذه الطريقة المتكاملة من الأدوار والصفات والمشاعر المتنوّعة، قائلًا: «عند ولادة طفلنا الأوّل، شعرتُ بفرحٍ يفوق ما كنتُ أشعر به من قبل؛ ومع ذلك، كان عليّ أن أُصارع بعض
الصعوبات. فقد اعتدلت فرحتي بشيءٍ من القلق حول قدرتي على أداء كلّ مسؤوليّاتي، وفي الوقت نفسه، أرى نفسي إنسانًا لديه احتياجات ورغبات».
التعقيدات المعرفيّة العاطفيّة ترفع من وعي الفرد بوجهات نظره ودوافعه، وكذلك بوجهات نظر ودوافع الآخرين. وكما يلاحظ لابوفي-فيف، فإنّ هذا النوع من التعقيد يُعدّ جانبًا مهمًّا من جوانب الذكاء العاطفي لدى البالغين. فالأشخاص الذين يتمتّعون بمستوى عالٍ من التعقيد المعرفي العاطفي ينظرون إلى الأحداث والناس بروح متفتّحة وخالية من التعصّب. وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ هذا التعقيد الذي يتضمّن تقبّل المشاعر الإيجابيّة والسلبيّة وإضفاء معنى عليها، يساعد الأفراد على تنظيم الانفعالات الشديدة. ولهذا، يكونون قادرين على التفكير بشكل منطقي بشأن قضايا الحياة العمليّة، حتّى تلك التي تتضمّن كمّيّات كبيرة من المعلومات السلبيّة.
أوّل خطوة يخطوها الشابّ هي السير في طريق معرفة الذات. فبلوغ الهويّة، والتعرّف على الصفات الداخليّة، شرطٌ
(85)ضروريّ لتحقيق هذه المعرفة. ولهذا، إذا عرف الشابّ نفسه، فإنّه سيبلغ أرقى درجات المعرفة والعلم. يقول الإمام عليّ عليهالسلام في هذا الصدد: «مَن عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدِ انْتَهَى إِلَى غَايَةِ كُلِّ مَعْرِفَةٍ وَعِلْمٍ».
ومعرفة الذات طريقٌ إلى معرفة الله، وهي أسمى مراتب الإدراك. وقد قال الإمام عليّ عليهالسلام: «مَن عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ».
تؤكّد التعاليم الدينيّة على ضرورة الاستفادة من الفرص واغتنام كلّ لحظة من لحظات الحياة. وتُعدّ مرحلة الشباب أثمن ما يمتلكه الإنسان في حياته، ويجب أن يُقدّرها حقّ قدرها، وأن ينتفع منها إلى أقصى حدّ. يقول الإمام عليّ عليهالسلام في تفسيره لقول الله تعالى في سورة القصص: (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: 77): «لَا تَنسَ صِحَّتَكَ وَقُوَّتَكَ وَفَرَاغَكَ وَشَبَابَكَ وَنَشَاطَكَ أَنْ تَطْلُبَ بِهَا الْآخِرَةَ»...
تشبه مرحلة الشباب الزراعةَ أو الحقل المزروع، الذي قد لا يُؤتي ثماره ولا يُحصَد إذا لم يُحسن الشابّ استثمار الفرصة، فيُترك هذا الحقل المثمر سدى. وعندئذٍ، تُخفى كلّ خصائص
الشابّ وقدراته وكفاءاته واستعداداته. ومن اللافت تأمّل كلام نبيّ الله عيسى عليهالسلام حينما كان يلتقي بالشباب والشيوخ. فكان، إذا رأى الشباب، يقول لهم: «كَم مِن زَرعٍ لَمْ يُدْرِكِ الحَصَادَ».
وإذا رأى الشيوخ، كان يقول لهم: «ما يُنْتَظَرُ بِالزَّرْعِ إِذَا أَدْرَكَ إِلَّا أَنْ يُحْصَدَ».
وما بين الشباب والشيخوخة ليس مسافة طويلة بعيدة، بل هو انتقال سريع وقريب. يقول الإمام عليّ عليهالسلام: «ما أَقْرَبَ الدُّنْيَا مِنَ الذَّهَابِ، وَالشَّيْبَ مِنَ الشَّبَابِ»!
طلب العلم وزيادة المعرفة مسؤوليّة ملقاة على عاتق الشابّ. كما أنّ الآخرين يتحمّلون مسؤوليّة توجيه الشباب نحو التفكير النقدي، وهو التفكير القائم على عمليات ذهنيّة تشمل التمييز والتحليل وتقييم المعلومات، من أجل الوصول إلى رؤية أكثر وضوحًا ودقّة ورسوخًا. يقول الإمام عليّ عليهالسلام:
«مُرُوا الأَحْدَاثَ بِالمِرَاءِ وَالجِدَالِ، وَالكُهُولَ بِالفِكْرِ، وَالشُّيُوخَ بِالصَّمْتِ».
وثمرة طلب العلم في هذه المرحلة من العمر هي الثبات والديمومة. فقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مَنْ تَعَلَّمَ فِي شَبَابِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْوَشْمِ فِي الْحَجَرِ، وَمَنْ تَعَلَّمَ وَهُو كَبِيرٌ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابِ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ».
إنّ الشباب الذين يسعون إلى طلب العلم هم مفخرة المجتمع الديني، وهم دائمًا موضع عناية واهتمام أولياء الدين. وقد ورد عن الإمام الباقرعليهالسلام في وصفه لأبيه الإمام زين العابدين عليهالسلام :
«كانَ أَبِي زَيْنُ العَابِدِينَ عليهالسلام إِذَا نَظَرَ إِلَى الشَّبَابِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ العِلْمَ أَدْنَاهُمْ إِلَيْهِ، وَقَالَ: مَرْحَبًا بِكُمْ، أَنْتُمْ وَدَائِعُ العِلْمِ، وَيُوشِكُ إِذْ أَنْتُمْ صِغَارُ قَوْمٍ أَنْ تَكُونُوا كِبَارَ آخَرِينَ».
تُعدّ مرحلة الشباب مرحلة الوفاء للأصدقاء، أولئك الذين تمّ اختيارهم في فترة المراهقة وما زالوا يرافقون الشابّ في حياته. واختيار الصديق وتكوين الصداقات مسألة أساسيّة كانت دائمًا في صلب المهارات المطلوبة للمراهقين والشباب، لأنّ الصديق
قادر على أن يغيّر نمط حياة الإنسان ويحدّده. يقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ».
ويُعدّ أصدقاء الشابّ مقياسًا لتقييمه والحكم عليه، وقد يُستدلّ من خلالهم على مدى تعقّله أو حُسن تدبيره. قال النبيّ سليمان عليهالسلام: «لَا تَحْكُمُوا عَلَى رَجُلٍ بِشَيْءٍ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ يُصَاحِبُ؛ فَإِنَّمَا يُعْرَفُ الرَّجُلُ بِأَشْكَالِهِ وَأَقْرَانِهِ، وَيُنْسَبُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَأَخْدَانِهِ».
من خلال مراقبة أصدقاء الشابّ، يمكن تقييم مدى بُعد نظره. يقول الإمام عليّ عليهالسلام: «الحازِمُ مَن تَخَيَّرَ لِخُلَّتِهِ؛ فَإِنَّ المَرْءَ يُوزَنُ بِخَلِيلِهِ».
بالإضافة إلى بُعد النظر، يمكن تقييم مقدار عقل الشاب من خلال رؤية أصدقائه. يقول الإمام عليّ عليهالسلام:
«خَلِيلُ المَرْءِ دَلِيلٌ عَلَى عَقْلِهِ».
ومن هنا، فإنّ الأصدقاء قد يكونون سببًا في الندم، ما لم يكونوا من ذوي السلامة النفسيّة والروحيّة، ويعيشون حياةً مستقيمة. يقول الإمام عليّ عليهالسلام: «لِلْأَخِلَّاءِ نَدَامَةٌ إِلَّا الْمُتَّقِينَ».
عند سؤال المراهقين عن معنى الصداقة، يُركّزون على صفتين رئيسيّتين؛ أوّلهما وأهمّهما: «الحميميّة». فالمراهقون يتوقّعون من أصدقائهم قربًا نفسيًّا، وثقةً متبادلة، وتفهّمًا مشتركًا. ولهذا السبب، يزداد الإفصاح الذاتي (أي مشاركة الأفكار والمشاعر الشخصيّة) بين الأصدقاء خلال سنوات المراهقة. علاوة على ذلك، فإنّ المراهقين أكثر من الشباب أو البالغين حرصًا على أن يكون أصدقاؤهم «أوفياء»، أي أن يدعموهم، وألّا يفضّلوا أحدًا عليهم.
يُعدّ حُسن الخُلق، الذي تُشير إليه الروايات بهذا التعبير، من المفاهيم التي تتجلّى في نطاق العلاقات بين الأفراد، وله دور بالغ الأهميّة في علاقة الشابّ بأسرته وأصدقائه. فهذه السمة تُسهم في تعزيز فاعليّته الاجتماعيّة، وتُساعد على تحسين سُبل التواصل والتفاهم. يقول الإمام الصادق عليهالسلام: كان ورقة بن نوفل إذا زار ابنة عمّه خديجة بنت خُويلدعليهاالسلام، أوصاها قائلًا: «اِعلَمِي، أَنَّ الشَّابَّ الحَسَنَ الخُلُقِ مِفْتَاحٌ لِلْخَيْرِ، مُغْلَاقٌ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ الشَّابَّ السَّيِّئَ الخُلُقِ مُغْلَاقٌ لِلْخَيْرِ، مِفْتَاحٌ لِلشَّرِّ».
العفّة هي أساس كلّ خير وفضيلة، لأنّها تقي النفس وتحفظها من السقوط في الدنايا. وقد وعدت التعاليم الدينيّة الشابّ العفيف، الذي يصون نفسه من الشهوات، بالجنّة. قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «يا مَعْشَرَ شَبَابِ قُرَيْشٍ، احْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، أَلَا مَنْ حَفِظَ فَرْجَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ».
العفّة من الأعمال المهمّة التي يُنتظر من الشابّ أن يُوليها عناية خاصّة في هذه المرحلة من عمره، أكثر من أيّ وقت آخر. وقد أدّى سلوك أحد شباب الأنصار، الذي لم يلتفت بما فيه الكفاية إلى هذه المسؤوليّة، إلى نزول آيات من سورة النور تدعو جميع المؤمنين إلى العفّة. ينقل الإمام الباقرعليهالسلام: أنّ شابًّا من الأنصار كان في المدينة، فصادف امرأة مقبلة نحوه، وكانت النساء آنذاك يغطّين رؤوسهنّ من خلف الآذان. نظر الشابّ إلى المرأة، ولمّا مرّت من جانبه، تابعها بنظره وهو يسير، حتى دخل زقاقًا وكان ينظر إليها من خلفها، فاصطدم رأسه بعظم أو بزجاجة كانت في الجدار، فانشقّ رأسه. وبعد أن مضت المرأة، شعر الشابّ بأنّ الدم يسيل على صدره وثيابه، فقال في نفسه: واللهِ لأذهبنَّ إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وأُخبره بما حدث. فلمّا دخل على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ورآه النبيّ، قال له: «ما هذا الذي أصابك؟»
(91)فأخبره الشابّ بالقصّة. عندئذٍ، نزل جبرئيل عليهالسلام بهذه الآية: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (النور: 30).
أولى الإسلام أهميّة كبيرة لموضوع الزواج، الذي يُعدّ السبيل إلى تأسيس «أحبّ المؤسّسات» إلى الله تعالى، وهي الأسرة. ومن خلال الزواج، وهو من السنن المؤكَّدة لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، يستطيع الشابّ أن يصون جزءًا كبيرًا من دينه. قال نبيّ الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «ما مِن شَابٍّ تَزَوَّجَ فِي حَدَاثَةِ سِنِّهِ إِلَّا عَجَّ شَيْطَانُهُ: «يَا وَيْلَهُ، يَا وَيْلَهُ! عَصَمَ مِنِّي ثُلُثَي دِينِهِ. فَلْيَتَّقِ اللهَ العَبْدُ فِي الثُّلُثِ البَاقِي».
في بعض الروايات الأخرى، ورد التصريح بأنّ أبواب رحمة الله تعالى تُفتَح عند الزواج، وأنّ من يُقدِم على الزواج يُصبح مشمولًا بلطف الله وعنايته. وفوق ذلك، تؤكّد أحاديث أخرى على أنّ عبادة المتزوّج تزداد قيمةً وأجرًا بدرجة كبيرة. قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «لَرَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا مُتَزَوِّجٌ أَفْضَلُ مِنْ رَجُلٍ عَزَبٍ يَقُومُ لَيْلَهُ وَيَصُومُ نَهَارَهُ».
إنّ الزواج، بالإضافة إلى كونه وسيلةً للوقاية من المشكلات
السلوكيّة، يُمكن أن يكون سببًا في انفراج الأوضاع المعيشيّة للفرد. ينقل الإمام الصادق عليهالسلام: جاء شابٌّ من الأنصار إلى النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم يشتكي إليه الفقر والحاجة، فقال له النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم: «تزوّج». فقال الشابّ: أستحيي أن أعود إلى رسول الله وأقول له: كيف أتزوّج ولا أملك شيئًا؟ فصادف أن التقى به رجل من الأنصار، فقال له: عندي فتاة جميلة، فزوّجه إيّاها. ثمّ إنّ الله سبحانه فتح عليه أبواب الرزق، وجعل له فرجًا وسعةً في حياته. فجاء الشابّ إلى النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وأخبره بما حدث، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! تَزَوَّجُوا».
وتُبيّن هذه المجموعة من الأحاديث المنزلة الرفيعة للزواج، وتُظهر مسؤوليّة الشباب في هذا الشأن.
يتمتّع الشابّ بأقصى درجات الاستعداد لغرس شجرة المعنويّة في قلبه؛ إذ إنّ قلبه مهيّأ لتلقّيها من جهة، ولم يتصلّب بعدُ أو يتلوّث بما يُعيق قابليّته من جهة أخرى. وقد أشار الإمام عليّ عليهالسلام، في وصيّته لابنه الإمام الحسن عليهالسلام، إلى دور الأب
في تربية ولده، كما بيّن بصورة ضمنيّة مسؤوليّة الشابّ في الاستفادة من هذه القابليّة الفطريّة لديه. قال عليهالسلام: «إِنَّمَا قَلْبُ الحَدَثِ كَالأَرْضِ الخَالِيَةِ، مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ، فَبَادَرْتُكَ بِالأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُو قَلْبُكَ وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ».
وقد بيّن عليهالسلام أنّ سبب الاهتمام بالتربية وغرس القيم المعنويّة في مرحلة الشباب إنّما هو صفاء نيّة الشابّ ونقاء نفسه. ثمّ قال:
«وأجمَعتُ عَلَيهِ مِن أدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَأَنْتَ مُقْبِلُ العُمُرِ وَمُقْتَبَلُ الدَّهْرِ، ذُونِيَّةٍ سَلِيمَةٍ وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ».
ويظهر من الروايات الشريفة أنّ لتربية الروح وتنمية المعنويّة مصاديق متعدّدة، نُشير فيما يلي إلى بعضٍ منها:
1. العبادة وطاعة الله تعالى
للعبادة منزلة رفيعة عند الله سبحانه، ولكنّ للشابّ العابد مكانة أسمى وأجلّ، إذ إنّ عبادته في ريعان شبابه مدعاةٌ لمباهات اللهعز وجل به أمام ملائكته. ومن هنا، فإنّ تفوّق
الشابّ الذي يُقبل على العبادة في أوّل عمره على الشيخ الذي يعبد الله في كِبَره، يشبه تفوّق الأنبياء على سائر الناس. إنّ ثمرة العبادة في مرحلة الشباب عظيمة؛ إذ يُجازى العابد بحكمة تُمنح له في شيخوخته، وتُوزَن أعماله بأعمال اثنين وسبعين صدّيقًا (أي من المؤمنين الحقيقيّين). وقد أشار رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى هذا المعنى مستندًا إلى الآية 14 من سورة القصص، حيث قال: «مَن أَحْسَنَ عِبَادَةَ اللهِ فِي شبيبته، لَقَّاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ عِندَ شَيْبَتِهِ»، قال الله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا)، ثم قال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (القصص: 14).
وفي رواية أخرى، جُعل ثواب هذا الجهاد والمجاهدة في سبيل الطاعة، معادلًا لثواب اثنين وسبعين صدّيقًا.
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «يا أبا ذرّ، ما مِن شَابٍّ يَدَعُ لِلّٰهِ الدُّنْيَا وَلَهْوَهَا، وأهرم شَبَابَهُ فِي طَاعَةِ اللّٰهِ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللّٰهُ أَجْرَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ صِدِّيقًا».
ولكنّ هذا الشابّ، الذي وُعِد بثواب عظيم على عبادته وطاعته، قد أُمر أيضًا بالتوازن والاعتدال، ونُهي عن طلب الرهبانيّة المفرطة أو الممارسات غير العقلانيّة في العبادة. فقد
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لأمير المؤمنين عليهالسلام: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ لَمَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللّٰهِ؛ فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى، فَاحْرُثْ حَرْثَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ إِلَّا هَرَمًا، وَاعْمَلْ عَمَلَ مَنْ يَخَافُ أَنْ يَمُوتَ غَدًا».
يروي الإمام جعفر الصادق عليهالسلام أنّه كان في شبابه يُجهد نفسه كثيرًا في العبادة، فقال له والده الإمام محمّد الباقرعليهالسلام:
«يا بُنَيَّ! دُونَ مَا أَرَاكَ تَصْنَعُ؛ فَإِنَّ اللّٰهَ(عزّ وجلّ) إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا رَضِيَ عَنْهُ بِالْيَسِيرِ».
التوبة هي إحداث تحوّلات إيجابيّة في الجوانب المعرفية والعاطفية والسلوكيّة. ونظرًا إلى أنّ الغاية النهائية للإنسان هي السعادة والنجاة، وأنّ السير في هذا الطريق مصحوبٌ دائمًا باختبارات متنوعة ومنعطفات صعبة، مع احتمال الفشل والإخفاق، فلا بدّ من البحث عن وسيلة لاستعادة الفرد نفسه عند الوقوع في الفشل أو الإخفاق. وفي مسيرة السعي نحو السعادة والنجاة، من المهم ألّا يخرج الفرد في المقام الأول عن هذا الطريق، وأن يمتلك، في حال الانحراف، القدرة على إعادة البناء الذاتي واسترجاع نفسه. ويتحقق ذلك في ظلّ «التوبة
والرجوع إلى الله». ولهذه السمة بالذات تُعدّ التوبة من الأعمال المحبوبة والمرغوبة عند الله سبحانه وتعالى، وهي حين تصدر من شاب، تُعدّ أحبّ الأعمال إليه. ويقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم:
«ما مِن شَيءٍ أحَبَّ إلَى اللّهِ تَعالى مِن شابٍّ تائِبٍ، وما مِن شَيءٍ أبغَضَ إلَى اللّهِ تَعالى مِن شَيخٍ مُقيمٍ عَلى مَعاصيهِ».
يعدّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم التوبة والرجوع إلى الله عملًا جميلًا، ويعدّه من الشابّ أجمل: «التَّوبَةُ حَسَنٌ ولكن فِي الشَّبابِ أحسَنُ».
وبسبب الخصائص المتميّزة التي تنطوي عليها التوبة، وبالنظر إلى مكانة الشباب، فإنّ الله تعالى يحبّ الشابّ الذي يتوب. يقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنَّ اللّهَ تَعالى يّحِبُّ الشّابَّ التّائِبَ».
في عصرنا الراهن، وعلى الرغم من جميع التقدّمات التي أحرزها الإنسان في ميدان التكنولوجيا، لم يستطع أن يملأ الفراغات النفسيّة من خلال هذه الوسائل. إنّ التصوّر القائل بأنّ التقدّم التكنولوجي سيمنح الإنسان لحظات من السكينة المقرونة بالفرح والسعادة، لم يتحقّق واقعًا، ولا يزال الإنسان يسعى باستمرار لإعادة السعادة والطمأنينة إلى حياته. فما الذي يمكن أن يغمُر الحياة بالسعادة؟ هل يمكن للمستوى العالي من التعليم أن يسهم في ذلك؟ وهل للثروة قدرة على حلّ هذا الإشكال المستعصي؟ وهل للمكانة الاجتماعيّة وما شابهها من الأمور أن توفّر أسباب السعادة في المجتمعات المختلفة وفي محيط الأسرة؟ وبالأساس، هل كلّ ما يُفضي إلى السعادة يمكن أن تكون له عواقب طيّبة، أم أنّ هناك أحيانًا أنواعًا من السعادة العابرة التي لا تؤدّي إلى نتائج حسنة، بل تخلّف آثارًا سلبيّة وشذوذات سلوكيّة؟
السعادة هي إحدى أكثر الوسائل شيوعًا التي يعبّر الناس من خلالها عن مفهوم السعادة والهناء. وتعدّ الدراسات النفسيّة السعادة واحدة من المكوّنات الثلاثة الأساسية لـ«الهناء»، إلى جانب «الرضا عن الحياة» و«غياب المشاعر السلبيّة». فالسعادة
(98)تمثّل البعد الانفعالي للهناء، في حين أنّ الرضا يشكّل بعده المعرفي.
تُظهر دراسة المصادر الإسلامية أنّ الهناء في الإسلام تتكوّن من عنصرين: أحدهما «النشاط» والآخر «الرضا». ولتوضيح هذين العنصرين، ينبغي القول إنّ بنية الهناء يجب، من جهة، أن تنسجم مع تعريف السعادة، ومن جهة أخرى، أن تتلاءم مع وقائع الحياة. وتُعرَّف السعادة، بحسب المفهوم، بأنّ لها ثلاثة مكوّنات أساسية: الخير، والسرور، والاستمرار. فالخير يتعلّق بجوهر ما يواجهه الإنسان في الحياة، وأما السرور فيشير إلى البعد الانفعالي للحياة، وأما الاستمرار فيتعلّق بالبعد الزمني لهذين العنصرين. وعليه، فإنّ السعادة تُدرَك حينما يكون مجرى الحياة، من جهة، قائمًا على الخير، ومن جهة أخرى، مصحوبًا بالسرور والرضا، مع كون هذين العنصرين مستمرّين لا عارضين أو مؤقتين. فالسعادة إذًا هي حالة مستديمة من حياةٍ مفعمة بالسرور (الفرح) والخير.
إذا أردنا أن نرى بوضوح واقع الحياة الخيّرة وخيرية الحياة في تجلّياتها العينية، فعلينا أن نُمعن النظر في أبعاد الحياة المختلفة. تُقسَّم الحياة، من منظورٍ ما، إلى قسمين: «الوقائع» و«التكاليف». والمقصود بالوقائع، هي الأحداث السارّة والمؤلمة في الحياة، وأما المقصود بالتكاليف، فهي القوانين
(99)والواجبات من الأوامر والنواهي. وعليه، فإنّ الحياة الخيّرة هي تلك التي تكون فيها جميع هذه الأبعاد الأربعة قائمة على الخير؛ سواء كانت نعمةً ينبغي الانتفاع بها (الوقائع السارّة)، أو نقمةً يجب الصبر عليها (الوقائع المؤلمة)، أو أمرًا لذيذًا يُفترض تركه (النواهي)، أو عملًا شاقًا يجب أداؤه (الأوامر). ويُشار إلى مجموع هذه الحالات الأربع في الأدبيات الدينيّة بمصطلح «القضاء».
استنادًا إلى النصوص الدينيّة، فإنّ ردّ الفعل الذي يُنتظر من الإنسان تجاه القضاء الإلهي هو الرضا، وكما سنبيّن لاحقًا، فإنّ ذلك مردّه إلى كون القضاء الإلهي قائمًا على الخير. ومن ثمّ، فإنّ الحالات الأربع المذكورة من الحياة تُعدّ جميعها من الخير، ولذا ينبغي للإنسان أن يكون راضيًا بها. وما ذُكر حتى الآن يشرح مكوّن الرضا في الهناء، لكن مكوّن النشاط أيضًا ينسجم مع السرور في التعريف، وهذان العنصران معًا لا بدّ أن يكونا مستديمَين، وهو ما يتحقّق ضمن شروط خاصة سيتمّ بيانها لاحقًا.
في تفسير ماهيّة السعادة، وُجدت آراءٌ متعدّدة، حيث يُسهم كلّ رأي في توضيح جانب من هذا المفهوم. ويرى الحكماء
أنّ الأحاسيس تمثّل أدنى وأوضح مراتب النفس؛ أي إنّه إذا ما انطلقنا من أعمق نقطة في الروح والنفس الإنسانيّة صعودًا نحو الظواهر السطحية للنفس، سنمرّ بمراحل متعددة حتى نبلغ المرتبة السطحية الظاهرة، وهي مرتبة الأحاسيس والانفعالات. فعلى سبيل المثال، عندما يلتقي الإنسان بصديق له، أو يقضي وقتًا في السباحة، تنشأ لديه حالة انفعالية وشعورية في المستوى السطحي من النفس تُعرف بـ«النشاط». وعندما يحبّ الإنسان شيئًا ويسعى لبلوغه ولا يتمكّن من تحقيقه، تظهر فيه حالة شعورية وانفعالية تُسمّى «الحزن والأسى». أمّا إذا تمكّن من بلوغ ما يبتغيه، فإنّ شعورًا وحالةً أخرى تنتابه تُدعى «السعادة». لكن إذا لم يكن لدى الإنسان أصلًا رغبة أو هدف يسعى إليه، فإنّ نفسه وروحه تكونان خاليتين من حالتي الحزن والفرح.
يرى بعض علماء النفس أنّ السعادة تُعدّ من جملة الانفعالات الإيجابيّة المرتبطة بالزمن الحاضر. ويقوم «سليگمن»، الذي يُعدّ من روّاد علم النفس الإيجابي، في كتابه الموسوم بـ«السعادة الداخليّة»، بتصنيف الانفعالات الإيجابيّة إلى ثلاث فئات مرتبطة بالماضي، والحاضر، والمستقبل. فالانفعالات الإيجابيّة المرتبطة بالمستقبل تشمل التفاؤل، والأمل،
(101)والإيمان، والثقة. أمّا المشاعر الإيجابيّة المرتبطة بالحاضر فتشمل: السعادة، والحماسَ، والسكينة، والحيويّة، والنشوةَ، والمتعةَ، و(الأهم من ذلك) حالة الغرق الكلّي. وهذه الانفعالات هي ما يقصده معظم الناس حينما يتحدّثون بشكل عرضي، ولكن غير دقيق، عن «الهناء». أما الانفعالات الإيجابيّة المرتبطة بالماضي فتتضمّن الرضا، والارتياح، والاطمئنان، والفخر، والسكينة.
تُظهر دراسةُ المصادر الدينيّة أنّ «الفرح» هو نقيض «الحزن»، وأنه يعني خفْة النّفس وانشراح الصدر، وينشأ بفعل اللذائذ الدائمة أو الزائلة. فعندما يكون للإنسان
(102)مطلوب ما، فإذا تحقّق له مطلوبه، تنتابه حالة تُسمّى «الفرح»، وإذا لم يتحقّق مطلوبه، أو فَقَد ما كان يملكه، تغشاه حالة أخرى تُدعى «الحزن». وبناءً على هذا التفسير، يبدو أنّ المضمون الأساسي لجميع الآيات والروايات التي تناولت موضوع الفرح، هو «الامتلاك». إنّ ما يملكه الإنسان، بغضّ النظر عن القيم التي تحيط به أو كيفيّة تحصيله، قد يكون سببًا للفرح. فقد تشتري سيارة أو منزلًا فتفرح بامتلاكك له، أو تنصرف إلى تحصيل العلم فتفرح بـ«امتلاك» المعرفة والشهادة، أو تفرح فرحًا شديدًا حين تُرزق بولد، فبأيّ شكل من الأشكال، قد يكون مجرّد «الامتلاك» مدعاة للفرح. غير أنّ السؤال المطروح هنا، والذي سنُفصّل فيه لاحقًا، هو: «هل هذه الممتلكات المُفرِحة تُفضي إلى تبعات سلبيّة أم لا؟»
ليس من السهل التعرّف على العوامل التي تُسهم في تحقيق الهناء. فاللذائذ، وملاحقتها، قد تؤدّي أحيانًا إلى الهناء، ولكن ليس الأمر كذلك دائمًا. فعلى سبيل المثال، قد يصاحب التدخين أو تعاطي المخدّرات أو أمثالها لذّة آنية قصيرة الأمد، غير أنّها تؤدّي في النهاية إلى شقاء طويل الأمد مصحوب بأمراض جسديّة.
العقدية الكبرى» التي تؤدّي إلى «إضفاء المعنى على الحياة»، وبهذا الإطار، تغدو ديمومة الفرح ذات دلالة دقيقة.
يقول الله تعالى في الآية ٥٨ من سورة يونس:
(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِك فَلْيَفْرَحُوا هُو خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون).
يعدّ الإمام علي عليهالسلام الإعراض عن زينة الدنيا سببًا للفرح العظيم، حيث يقول:
«ظَفِرَ بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى مَنْ أَعْرَضَ عَنْ زَخَارِفِ الدُّنْيا».
في رواية عن المعصومين عليهمالسلام، أنّ الله تعالى أوحى إلى عيسى عليهالسلام قائلًا: «يا عِيسَى! إفْرَحْ بِالْحَسَنَةِ، فَإِنَّهَا لِي رِضًا».
ومن خلال سياق هذه الآيات والروايات، يمكن إدراك أنّ تركيز الدين واهتمامه إنّما هو منصبّ على هذا النوع من الفرح، ويعدّه نافعًا في حياة الإنسان الدنيا والآخرة؛ وإن كانت هناك أنواع أخرى من الفرح لم يرد التأكيد عليها دينيًّا، إلا أنّها قد تكون مسبّبة للسعادة أيضًا.
تُظهر مجموعة أخرى من الآيات والروايات الوجهَ الآخر
من المسألة، وهي تلك الأفراح التي، وإنْ بدا في الوهلة الأولى أنّها لا تختلف في ظاهرها وجوهرها عن الأفراح الدائمة، إلا أنّ الأمر سرعان ما يتغيّر مع مرور الزمن. فهذه الأنواع من الفرح ليست سوى حالات انفعالية عابرة وغير مستقرّة، وقد تخلّف أحيانًا آثارًا سلبيّة.
يقول الإمام علي عليهالسلام: «لا تَندِمَنَّ عَلي عَفو ولا تَبهَجَنَّ بِعُقوبَةٍ».
وإنْ كان الفرح واللذّة الناتجة عن العقوبة والانتقام يبدوان في البداية لذيذين ومحبّبين، إلا أنّ هذا النوع من الفرح لا يدوم، ولا يمكن اعتباره نموذجًا للفرح الدائم.
وإنّ اقتران الفرح في روايات المعصومين عليهمالسلام بحالات انفعالية سلبيّة أخرى، كاليأس، والريبة، والغرور، والنرجسية، التي تُبعد الإنسان عن الشعور بالفرح الحقيقي، إنّما هو مؤشّر على البعد الزائل للفرح.
يقول الإمام الصادق عليهالسلام: «اللَّهُمَّ! مَا كَانَ فِي قَلْبِي مِنْ شَك أَو رِيبَةٍ أَو جُحُودٍ أَو قُنُوطٍ أَو فَرَحٍ أَوْ... فَأَسْأَلُك يا رَبِّ أَنْ تُبَدِّلَنِي مَكانَهُ إِيمَانًا بِوَعْدِك».
تخيّلْ لحظةً تكون فيها مفعمًا بالحركة والنشاط والحيوية، ناشئة من انشراح صدرك وارتياحك النفسي. تشعر بالفرح إزاء هذه الحالة، ولكن فجأة تعتريك حالة من الخمول والوهن! فما هو المصدر الذي يُولّد حالة الفرح والنشاط من جهة، والخمول والكسل من جهة أخرى؟ بعض الروايات تناولت هذا الموضوع، وأرشدتنا إلى مصادر الفرح ومَنابعه.
يَرى الفارابي، مؤسّس الفلسفة السياسيّة الإسلاميّة، أنّ الإنسان اجتماعيٌّ بطبعه، وأنّ هذه الصفة ضرورية لبقائه. فبحسب رأيه، إنّ ما يدفع الإنسان إلى السعي والنشاط ويقرّبه من الحياة الجماعية، هو حاجاته الطبيعية. فلا يستطيع الناس تلبية حاجاتهم من دون التعاون فيما بينهم، ولا يكون ذلك ممكنًا إلّا عبر العلاقات الاجتماعيّة. وقد أشارت النصوص الدينيّة إلى زيارة الأصدقاء والتحاور مع الآخرين في سياق الحديث عن العلاقات الاجتماعيّة. يقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «ثَلَاثٌ فَرَحَاتٌ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيا: لِقَاءُ الْإِخْوَانِ، وَتَفْطِيرُ الصَّائِمِ، وَالتَّهَجُّدُ مِنْ آخِرِ اللَّيلِ».
إنّ لقاء الأصدقاء، ولو كان يسيرًا، يهيّئ الأرضية للنشاط والانشراح. يقول الإمام الباقرعليهالسلام: «مُلَاقَاةُ الْإِخْوَانِ نُشْرَةٌ وَتَلْقِيحٌ لِلْعَقْلِ وَإِنْ كانَ نَزْرًا قَلِيلًا».
في بعض التعاليم الدينيّة، ارتبطت العلاقات الاجتماعيّة ولقاء الأصدقاء بروح الإيثار وقضاء حوائج الآخرين، واعتُبرت سببًا في تحقيق السعادة الدائمة. ومن منظور الدين، تُعدّ العلاقات التي تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وتبعث النشاط والفرح في المجتمع منبعةً للسعادة. يقول الإمام أبو الحسن عليهالسلام: «إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا فِي الْأَرْضِ يسْعَوْنَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ، هُمُ الآمِنُونَ يوْمَ الْقِيامَةِ، وَمَنْ أَدْخَلَ عَلَى مُؤْمِنٍ سُرُورًا فَرَّحَ اللَّهُ قَلْبَهُ يوْمَ الْقِيامَةِ».
في رواية أخرى، عُدّ الحديث والمحادثة من العوامل المؤدّية إلى الانشراح والنشاط. يقول الإمام الصادق عليهالسلام: «النُّشْرَةُ فِي عَشَرَةِ أَشْياءَ... وَمُحَادَثَةِ الرِّجَالِ».
في الروايات المتقدّمة، عُدّ لقاء الأصدقاء والتحادث معهم من مصادر الانشراح وبواعث السعادة؛ وذلك لأنّ هذه العلاقات تنطوي على تبادل ردود فعل إيجابيّة وملائمة بين الطرفين، ما يُعدّ نوعًا من المكافأة، ويؤدّي إلى تقوية العلاقة، وفي
نهاية المطاف إلى توليد مزاج إيجابي. ويُعدّ عامل العلاقات الاجتماعيّة، على الأرجح، السبب الأكبر في تحقيق الهناء وسائر أبعاد الصحة النفسيّة. إنّ التواجد مع الأصدقاء ومع من نحبّ يُفضي إلى خلق إيجابي. وهذا العامل، الذي يُمثّل المصدر الرئيس للأحداث الإيجابيّة في الحياة، يُختار غالبًا ليكون وسيلة فعّالة في العلاج النفسي الممتع. لكن، هل كلّ علاقة اجتماعيّة تُفضي إلى النشاط والانشراح؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال تتطلّب إدراك ظاهرة تُسمّى «المجاورة بلا مودة». ففي هذه الظاهرة، يكون الناس متجاورين جسديًّا، لكن دون أن تسود بينهم المودّة أو الألفة. والحال أنّ الأنس بالآخرين يُعدّ من الحاجات الإنسانيّة الجادّة. فالإنسان لا يحتاج إلى الآخرين فقط لتلبية حاجاته المادّيّة، بل لتلبية احتياجاته العاطفيّة أيضًا، فهو بحاجة إلى الأنس بهم. وعليه، فإنّ الألفة والمودّة تُعدّ من أهمّ العوامل في تحقّق الرضا والهناء.
لقد أظهرت الشواهد أن إقامة بعض العلاقات المحدودة والوثيقة مع الآخرين يرتبط بالسعادة والصحّة النفسيّة. على سبيل المثال، اكتشف دينر وسليجمان (2002)، من خلال دراسة حول 10% من أسعد الأفراد في مجموعة مكونة من 222 طالبًا، أن أبرز سماتهم هي امتلاك حياة اجتماعيّة غنيّة
ومُرضية. كان هؤلاء الطلاب يقضون جزءًا مهمًا من وقتهم في المعاشرة مع الأصدقاء، وقد تم تصنيفهم من قِبَل أنفسهم وأصدقائهم بمستوى ممتاز من حيث إقامة الصداقات الوثيقة والحفاظ عليها. من المحتمل أن ترتبط العلاقات والصداقات المحدودة بالسعادة لثلاثة أسباب: أوّلًا، أنَّ الأشخاص السعداء يُختارون كأصدقاء وأفراد جديرين بالثقة أكثر من غيرهم، لأنهم أكثر جاذبيّة ويقدمون مساعدة أكبر للآخرين؛ ثانيًا، أنَّ العلاقات والصداقات المحدودة تُلَبّي الحاجة إلى المودة، وبالتالي تصبح مصدرًا للشعور بالسعادة والرضا؛ ثالثًا، أنَّ الصداقات الوثيقة تُوفِّر الدعم الاجتماعي.
من المسائل التي أكّد عليها الإسلام وأولاها اهتمامًا بالغًا: الرياضة. فالحركة والنشاط الجسدي يؤدّيان إلى نشوء حالة من البهجة والنشاط. والتمارين الرياضيّة تُعدّ أسهل وأقوى وسيلة لإحداث المزاج الإيجابي ضمن الشروط التجريبيّة. وتبلغ آثارها من الوضوح حدًّا يجعل من التمارين الرياضية عاملًا «مضادًا للاكتئاب» في بعض الأحيان، وتُستخدم في معالجة حالات الاكتئاب. ويرتبط هذا الأثر إلى حدٍّ ما بالتأثير الفيزيولوجي للرياضة على إفراز الإندورفينات وإيجاد شعور بالقوة والسيطرة؛ ذلك في الوقت الذي يبدو فيه أنّ الجسد يؤدي
وظيفته الطبيعية. وللرياضة بُعد اجتماعي أيضًا، إذ تُمارس عادةً بمرافقة الآخرين. كما تحافظ الرياضة على العزّة الذاتية، لا فقط عند الفوز في المسابقات، بل من خلال أداء التمارين بمستوى معقول من الكفاءة.
تشير الروايات المتعلقة بالأنشطة الرياضية إلى أمور مثل المشي، والسباحة، وركوب الخيل. وقد أشار الإمام الصادق عليهالسلام في مقدّمة العوامل التي تُحدث النشاط إلى المشي ورياضة المشي، فقال: «النُّشْرَةُ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ الْمَشْي و...».
توپر (1989) تبيّن له أنّ عشر دقائق من المشي السريع تؤدّي إلى تقليل التعب، وزيادة الطاقة، وتخفيف التوتّر خلال الساعتين التاليتين. وقد توصّلت دراسات أخرى إلى أنّه بعد ساعة من التمرين البدني، يشعر الأفراد بانخفاض في التوتّر، والاكتئاب، والغضب، والتعب، والاضطراب، ويشعرون ببروز طاقة أكبر خلال بقيّة اليوم، بل وفي بعض الحالات حتى في اليوم التالي.
ركوب الخيل أيضًا من الأمور التي اعتُبرت في التعاليم الدينيّة من الرياضات الباعثة على البهجة، وله ميزتان بارزتان:
الترفية وإثارة النشاط. ويعدّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ركوب الخيل أحبّ أنواع الترفية والتسلية، إذ قال:
«أَحَبُّ اللَّهو إِلَى اللّهِ تَعَالَى إِجْرَاءُ الْخَيْلِ وَالرَّمْيِ».
وقد أشار الإمام علي عليهالسلام في رواية إلى العوامل التي تخلق الانبساط والانشراح، وذكر من بينها الركوب وركوب الخيل، فقال: «الرُّكُوبُ نُشْرَةٌ».
أمّا ملامسة الجسم للماء والسباحة فتُحدث شعورًا سارًّا يبعث على البهجة. وقد اعتبر الإمام الصادق عليهالسلام الغطس في الماء والسباحة من العوامل المثيرة للنشاط، فقال: «النُّشْرَةُ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ... وَالِارْتِمَاسِ فِي الْمَاءِ».
الانغماس في الماء وملامسة الجسم كلّه للماء يُعدّ في حدّ ذاته باعثًا على البهجة ومصدرًا للسرور، وإذا تمّ ذلك في إطار رياضة السباحة، فإنّه يُحدث نشاطًا مضاعفًا. فالمشي، وركوب الخيل، والسباحة هي جملة من الأنشطة الرياضية الباعثة على النشاط، وقد تناولتها الروايات. وفي الأساس، يؤكّد الإسلام على أنواع الرياضات التي تُسهم في تعزيز الثقة بالنفس والقدرة الجسديّة.
الإمام الصادق عليهالسلام ذُكر تهذيب الشارب، فقال عليهالسلام: «نُشْرَةٌ وَهُو مِنَ السُّنَّةِ».
في هذا الحديث، تمّ بيان البُعد المعنوي في تهذيب الشارب. والتعابير الواردة في الروايات بشأن تهذيب الشارب وآثاره، وردت أيضًا في ما يتعلّق بإزالة الشعر الزائد من الجسم. فقد قال الإمام علي: «النُّورَةُ نُشْرَةٌ وَطَهُورٌ لِلْجَسَدِ».
وفي المقابل، فإنّ ترك الشعر ينمو على الجسد يؤدّي إلى الكسل والفتور. يقول الإمام الكاظم عليهالسلام: «شَعْرُ الْجَسَدِ إِذَا طَالَ قَطَعَ مَاءَ الصُّلْبِ وَأَرْخَى الْمَفَاصِلَ وَوَرَّثَ الضَّعْفَ وَالسِّلِّ».
وفي الروايات التي تناولت عوامل النشاط المرتبطة بمجال الصحّة، أُشير أيضًا إلى غسل الرأس بالخِطمي. قال الإمام الصادق عليهالسلام: «النُّشْرَةُ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ... وَالسِّوَاكِ وَغَسْلِ الرَّأْسِ بِالْخِطْمِي فِي الحَمّامِ وَغَيْرِه»ِ.
يُعدّ الأكل والشرب من أكثر مصادر اللذّة والفرح شيوعًا، وهما قائمَان على الحاجات البيولوجيّة للإنسان. فكلّ كائن
حيّ، بما في ذلك الإنسان، يشعر بالجوع والعطش حين يحتاج إلى الطعام أو الماء. وهذا الشعور يدفع الكائن الحيّ إلى القيام بنشاط من أجل تلبية هذا الاحتياج. وبهذا الشكل، فإنّ التحفيز المناسب لهذا الشعور يُحدث ميلًا وجذبًا داخليًّا، فيدفعه إلى سلوك هادف يهدف إلى سدّ النقص وتحقيق التوازن.
الأكل والشرب يرتبطان بدافعَي اللذّة والبقاء على السواء. وقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدّث عن الأكل والشرب، وكلّها تُذكّر الإنسان بنِعَم الله عليه، وتُشير إلى اللذّة التي ينالها الإنسان منهما. فإذا أردنا اعتبار الأكل والشرب من مصادر النشاط، فعلينا الرجوع إلى التعاليم الدينيّة في كيفيّة تحصيل الطعام، وطريقة تناوله، ومقداره. وعلى أيّ حال، وبالالتفات إلى النقاط المتقدّمة، ومع مراعاة مبدأ الاعتدال، فإنّ الأكل والشرب يؤدّيان إلى إدخال البهجة والنشاط على الإنسان. وقد ورد عن الإمام الصادق عليهالسلام قوله: «النُّشْرَةُ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ... الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ».
ومن المؤكّد أنّ الأكل والشرب إذا أدّيا إلى الإفراط والنهم، فلن يبقى فيهما أيّ معنًى لإحداث النشاط، بل يتحوّلان إلى سببٍ للفتور والكسل البدني. يقول أمير المؤمنين علي عليهالسلام:
«مَنْ شَبِعَ عُوقِبَ فِي الْحَالِ ثَلَاثَ عُقُوبَاتٍ: يُلْقَى الْغِطَاءُ عَلَى قَلْبِهِ، وَالنُّعَاسُ عَلَى عَيْنِهِ، وَالْكَسَلُ عَلَى بَدَنِهِ».
لذلك فإنّ مبدأ الاعتدال يُعدّ شرطًا أساسيًّا لاكتساب النشاط من خلال التغذية. وقد قال الإمام الكاظم عليهالسلام: «لَو أَنَّ النَّاسَ قَصَدُوا فِي الطُّعْمِ لَاعْتَدَلَتْ أَبْدَانُهُمْ».
للتغذية الباعثة على النشاط مصاديق وردت في الروايات، ونُشير إلى بعضها فيما يلي.
العسل: العسل غذاء مقوّ جعله الله تعالى سببًا للشفاء. وهو كذلك من نماذج التغذية الصحيّة التي تؤدّي إلى الانشراح والنشاط النفسي للإنسان. وقد اعتبره الإمام علي عليهالسلام من الأمور التي تبعث على النشاط، فقال: «الْعَسَلُ نُشْرَةٌ».
لا يخفى ما يتميّز به هذا الغذاء من خصائص فريدة، وقد جاءت أبحاث متعدّدة لعدد من الباحثين في العقود الأخيرة مؤيِّدةً لهذا الأمر.
الهَريسة: وهي مثال آخر من الأغذية التي تبعث على النشاط، وقد ورد التأكيد على تناولها في وصايا أمير المؤمنين عليهالسلام، لما
لها من أثر في بعث النشاط على العبادة لمدة أربعين يومًا. يقول الإمام علي عليهالسلام: «عَلَيْكُمْ بِالْهَرِيسَةِ فَإِنَّهَا تُنْشِطُ لِلْعِبَادَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَهِيَ مِنَ الْمَائِدَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم».
الحَرْمَل: إنّ نبتة الحَرْمَل (الإسبند) تحتوي على فوائد كثيرة في جذورها وفروعها، ومن أبرز هذه الفوائد: إحداث النشاط. وقد قال الإمام علي عليهالسلام في ذلك: «مَا مِنْ شَجَرَةِ حَرْمَلٍ إِلَّا وَمَعَهَا مَلَائِكَةٌ يَحْرُسُونَهَا حَتَّى تَصِلَ إِلَى مَنْ وَصَلَتْ، وَفِي أَصْلِ الْحَرْمَلِ نُشْرَةٌ، وَفِي فَرْعِهَا شِفَاءٌ مِنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ دَاءً».
استنادًا إلى بعض الروايات، فإنّ التغذية قد تقترن أحيانًا بالموقعيّة المعنويّة فتُسهِم في صناعة لحظات من الفرح، ومن ذلك لحظة الإفطار عند الصائم. ففي هذه الروايات، وإن كانت الحالة المعنويّة هي المحور والأساس في هذا الفرح، إلا أنّ الفرح والبهجة الناتجَين عن الجانب الفيزيولوجي لا يمكن إغفالهما. قال الإمام الصادق عليهالسلام: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ».
وفي رواية أخرى، عدّد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في وصيّته للإمام علي عليهالسلام ثلاث فرحات للمؤمن في الدنيا، فقال: «يَا عَلِيُّ!
ثَلَاثٌ فَرَحَاتٌ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا: لُقِيُّ الْإِخْوَانِ، وَالْإِفْطَارُ مِنَ الصِّيَامِ، وَالتَّهَجُّدُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ».
يرى الاقتصاديّون أنّ تحقق الفرح والسعادة في الحياة مرهون بمستوى ثروة الإنسان. وقد تبنّى كثير من الناس هذا الرأي الذي يطرحه الاقتصاديّون. لكن، هل الثروة تُفضي إلى السعادة حقًّا؟ وكم من المال والثروة يمكن أن يكون سببًا في الفرح؟ إنّ اندفاع الناس للتسجيل في المصارف من أجل الفوز بجوائز مثل السيارات الفاخرة والذهب في اللحظات الأخيرة من مهلة السحب، ومشاركتهم في الاستثمارات المبنيّة على المضاربة، وشراؤهم للسلع المعلَن عنها والتي تحتوي على جوائز ثمينة، إنّما كلّ ذلك يتمّ بهدف تحسين جودة الحياة وتعزيز الفرح والسعادة.
على أيّ حال، لا تؤيّد الدراسات هذه الانشغالات الذهنية بشأن المال تأييدًا كاملًا. فقد توصّل كامبل وزملاؤه، في دراستهم حول جودة الحياة في الولايات المتّحدة الأمريكية، إلى أنّ الوضع الاقتصادي يأتي في المرتبة الحادية عشرة من بين اثنتي عشرة مصدرًا محتملًا للرضا عن الحياة. كما توصّل كينغ ونابا إلى أنّ المشاركين في دراساتهم قدّروا تأثير الثروة
على السعادة بما يعادل خُمسًا، واعتبروه يشكّل سُدُس مكوّنات الحياة الجيّدة. إنّ تأثير الثروة مسألة شديدة الأهميّة، ولكنها أيضًا محلّ شكّ كبير. فقد أفادت بعض الدراسات الأولية بوجود ترابط ضعيف بين الدخل والسعادة، بينما لم ترَ بعض الدراسات الأخرى أيّ ارتباط بينهما على الإطلاق. والواقع أنّه لم يُسجَّل أيّ تحسّن في الصحّة الفرديّة خلال فترة شهدت ازديادًا ملحوظًا في الثروة، وذلك في العديد من الدول.
في التعاليم الدينيّة، تمّ تحديد الأُطر الأوّليّة لاقتصاد الأسرة والمجتمع، وإن لم يكن هذا هو محلّ بحثنا، إلا أنّ الإشارة الموجزة إليها تُسهم كثيرًا في توضيح مفهوم «الثروة». فقد اعتبر الإمام الصادق عليهالسلام ثلاثة أمور من الحاجات العامّة للناس جميعًا:«ثَلَاثَةُ أَشْياءَ يحْتَاجُ النَّاسُ طُرًّا إِلَيهَا: الْأَمْنُ وَالْعَدْلُ وَالْخِصْبُ».
وفي رواية أخرى قال عليهالسلام للمفضّل:«واعْلَمْ يا مُفَضَّلُ، أَنَّ رَأْسَ مَعَاشِ الْإِنْسَانِ وَحَياتِهِ الْخُبْزُ وَالْمَاء».
وانطلاقًا من هذه الروايات، يمكن إدراج المسكن أيضًا ضمن الحاجات العامّة للإنسان، إذ يُعدّ من الضرورات التي يحتاجها جميع الناس. وقد كان لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مسكن خاص
كغيره من الناس، وإن كانت بيوته صلىاللهعليهوآلهوسلم بسيطة جدًّا. وتدلّ بعض الروايات على اهتمام الأئمّة عليهمالسلام بأمر المسكن إلى درجة أنّهم نهوا عن بيع الأرض أو البيت إلّا في حالة شراء ما يماثله بثمنه.
وعليه، فإنّ النظر إلى الثروة من زاويتين يُنتج تحليلًا أكثر دقّة؛ كما نظر الإسلام إلى هذه المسألة من منظورين: الأوّل يتعلّق بالحاجات الأوّليّة والضروريّة والعموميّة لحياة الإنسان، والتي يُعبّر عنها بالثروة، والثاني يتعلّق بتكديس الأموال بما يتجاوز تلك الحاجات، وهو ما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالثروة أيضًا. وكلا الجانبين له تأثيره على السعادة والرضا. يقول الإمام الصادق عليهالسلام: أوحى الله تعالى إلى موسى عليهالسلام: «يا مُوسَى! لَا تَفْرَحْ بِكثْرَةِ الْمَالِ وَلَا تَدَعْ ذِكرِي عَلَى كلِّ حَالٍ فَإِنَّ كثْرَةَ الْمَالِ تُنْسِي الذُّنُوبَ وَإِنَّ تَرْك ذِكرِي يّقْسِي الْقُلُوبَ».
وفي الآية 76 من سورة القصص، يُعزى سبب طغيان قارون إلى كثرة أمواله وثرواته، ممّا أدّى إلى انحرافه عن الهدف والمسار الصحيح للحياة:(إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيهِمْ وَآتَيناهُ مِنَ الْكنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يحِبُّ الْفَرِحينَ).
وفي الآية 44 من سورة الأنعام، كانت النِّعَم والثروات سببًا في الشقاء والعذاب للكفّار، بعد أن نسوا أوامر الله، فغرقوا في
النعم، فحُرِموا من الفرح الحقيقي: (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيهِمْ أَبْوابَ كلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ) (الأنعام: 44).
درس دينر وأوشي تأثير الدخل في الرضا والسعادة لدى عيّنة مكوّنة من 150 ألف فرد في تسع عشرة دولة، فكانت متوسّط علاقة الارتباط بين الدخل والرضا عن الدخل 25%، في حين بلغت نسبة الارتباط بين الدخل والرضا عن الحياة 13%. وغالبًا ما تكون علاقة الارتباط بين مؤشّر موضوعيّ ما وبين الرضا عنه، أقوى من علاقته بالرضا العام. كما أنّ تأثير الدخل في السعادة يكون أشدّ عند المستويات الدنيا من سلّم الدخل. فضلًا عن أنّ العلاقة بين الرضا عن الحياة والدخل تكون أقوى بكثير في الدول الأفقر، ويُحتمل أن يعود ذلك إلى دور المال في تأمين الحاجات الأساسية كالغذاء والمسكن.
ومع ذلك، فإنّ متوسّط الدخل العام، وتوقّعات الأفراد، والوضع العام للبلد من حيث التعليم، والصحة، والأمن، والتفاوت الطبقي، جميعها عوامل قد تؤثّر في نتائج الأبحاث.
والنتيجة المستخلصة أنّ سكان الدول ذات الاقتصاد المتقدّم، الذين يضعون كسب المال فوق سائر الأهداف، يكونون أقلّ رضا عن مستوى معيشتهم وعن حياتهم عمومًا.
ولعلّ ذلك بسبب أنّ عمليّة تراكم المال، بعد أن تُلبّي الحاجات الجسديّة، لا تمتدّ إلى إشباع الحاجات الاجتماعيّة والنفسيّة التي تُفضي إلى السعادة.
في الروايات الواردة حول اللذّات البصريّة، نجد نوعين من النصوص، يرتبط القسم الأوّل منها ارتباطًا وثيقًا بعلم نفس الألوان. فالألوان تؤثّر تأثيرًا بالغًا في مزاج الإنسان وحالته النفسيّة، بل قد تطال تأثيراتها الجهاز العصبي. وتختلف تأثيرات الألوان؛ فبعضها يبعث على البهجة والانتعاش، كاللون الأخضر. يقول الإمام علي عليهالسلام: «النَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ نُشْرَة».
فالنظر إلى الخُضرة يبعث في النفس نشاطًا وانتعاشًا. ومن الألوان الباعثة على النشاط أيضًا: اللون الأصفر. يذهب «لوشر» إلى أنّ اللون الأصفر الفاقع يرمز إلى الأفعال التلقائيّة غير الإراديّة، وهو مظهر للأفعال التي لا تحتاج إلى محرّكات خارجيّة، وتتّصف بخصائص مثل: النشاط، الغرابة، التعلّق، الإسقاط، التوق، الفضول. وله من الجوانب النفسيّة والروحيّة المؤثّرة ما يرتبط بالتقلّب، والأمل، والأصالة، والبهجة، والتنشيط.
وقد ورد في رواية عن الإمام الباقرعليهالسلام أنّ لبس النعل الأصفر يُدخل السرور إلى القلب. حيث قال عليهالسلام:
«مَنْ لَبِسَ نَعْلًا صَفْرَاءَ لَمْ يزَلْ ينْظُرُ فِي سُرُورٍ مَا دَامَتْ عَلَيهِ لِأَنَّ اللَّهَ(عزّ وجلّ) يقُولُ: (صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ )».والألوان لها آثار فيزيولوجيّة خاصّة، فلا يمكن أن يتساوى تأثير اللون الأصفر مع الأسود، ولا الأحمر مع الأزرق في شدّة التنبيه. وقد أظهرت التجارب الطويلة للإنسان حول تأثير اللون الأحمر أنّه يُحدث تحفيزًا للجهاز العصبي، وخصوصًا للأعصاب السمبثاويّة، في حين يتمتّع اللون الأزرق بتأثير مهدّئ للجهاز العصبي؛ إذ يُخفض ضغط الدم، ويُبطئ التنفّس، ويُقلّل من سرعة ضربات القلب، كما أنّ اللون الأزرق الداكن يُحدث تهدئة واضحة في الجهاز العصبي الباراسمبثاوي.
وتشير مجموعة أخرى من الروايات إلى أنّ اللذّة البصريّة قد تتحقّق من النظر إلى المرأة الجميلة، ولكن لا بدّ من الإشارة إلى ضرورة أن تكون هذه النظرة ضمن الإطار المشروع الذي حدّده الإسلام، وإلّا فإنّها، كما سائر اللذّات العارضة والأهواء العاجلة، قد تجرّ إلى الغفلة عن ذكر الله وتؤدّي إلى آثار سلبيّة.
وقد عدّ الإمام الصادق عليهالسلام، في سياق بيانه لعوامل النشاط، النظر إلى المرأة الحسناء من ضمنها، حيث قال:
«النُّشْرَةُ فِي عَشَرَةِ أَشْياءَ... وَالنَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الْحَسْنَاءِ».
إنّ إشباع الحاجات الفسيولوجيّة للجسد شرطٌ أساسيّ للوصول إلى تحقيق الذات. ومن هذه الحاجات حاجة الإنسان الجنسيّة، وهي حاجة لا بدّ من إرضائها بطريقة لا تُفضي إلى آثار سلبيّة. وعندما تتمّ تلبية هذه الحاجة ضمن مسارها الصحيح وفي إطار العلاقة الزوجيّة، فإنّها تُفضي إلى الشعور بالنشاط، وتدفع الإنسان إلى مزيد من الحركة والانبعاث. وقد قال الإمام الصادق عليهالسلام: «النُّشْرَةُ فِي عَشَرَةِ أَشْياءَ... وَالْجِمَاعِ».
ومن الطبيعي أن تُثمر العلاقة الجنسيّة النشاطَ عندما تُمارَس ضمن إطارها الطبيعي، وإلّا فإنّ نتائجها السلبيّة قد تعود بالإنسان إلى الخمول والركود.
الراحة، والسكينة، والنشاطات المرتبطة بأوقات الفراغ كلّها ذات تأثيرات إيجابيّة قصيرة المدى على السعادة. فالناس عادة ما يكونون أكثر إيجابيّة وأقلّ استثارة في أيام العطل. كما أنّ برامج الترفيه تُخفّف من حدّة التوتّرات، وتُعزّز قدرة الإنسان على
تحمّل الضغط النفسي، وتُسهم في تحسين الحالة المزاجيّة[1].
وقد أشار القرآن الكريم إلى لحظات الفرح التي تنشأ من خلال السفر والاستجمام والترويح عن النفس، فقال تعالى: (هُو الَّذي يُسَيِّرُكمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كنْتُمْ فِي الْفُلْك وَجَرَينَ بِهِمْ بِريحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها ريحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكونَنَّ مِنَ الشَّاكرينَ)(يونس: 22).
أي إنّ القرآن يعتبر الفرح من آثار التمتّع بالنعم الإلهيّة. فالذين يتحلّون بخصلة الشكر والامتنان قادرون على تحويل مثل هذه اللحظات إلى سعادة مستدامة، وإلّا فإنّها ستؤول إلى الخسارة والضياع.
تُعدّ المصادر الدينيّة التي تتناول أثر المستوى المعرفي على السعادة قليلة نسبيًّا، غير أنّه لا شكّ في أنّ العلم إن لم يكن في خدمة الأهداف الإلهيّة وخدمة البشر، فإنّ السعادة الناتجة عنه لا تتعدّى كونها مؤقّتة وزائلة. وقد أشار الله تعالى في بيانه لحال أولئك الذين أعرضوا عن الحقائق والوقائع رغم امتلاكهم للعلم، إلى فرحهم بما لديهم، فقال سبحانه: (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ
رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (غافر: 83).
وهذه السعادة تمثّل نوعًا من الفرح السلبي، إذ نتجت عن معرفة ظاهريّة محدودة، وأُقحِمَت في سياق العناد وإنكار البيّنات. أمّا إذا كان الهدف من اكتساب العلم محدّدًا، وكان توظيفه في سبيل الحقّ، فإنّه سيُفضي حتمًا إلى سعادة حقيقيّة. وقد أضحت علاقة التعليم بالسعادة اليوم موضوعًا بحثيًّا قائمًا بذاته، حيث أظهرت الدراسات وجود علاقة إيجابيّة بين مستوى التحصيل العلمي ومقدار السعادة.
يُعدّ إدخال السرور على الآخرين من مصادر السعادة الواضحة في الروايات. فبثّ المشاعر الإيجابيّة كالفرح في المجتمع قد يعود بالسعادة على الفاعل نفسه. كما أنّ تهيئة بيئة أسريّة مفعمة بالفرح، وإدخال السرور على أفراد العائلة، يُفضي إلى شعور الفرد بالسعادة. ويمكن استنباط هذه الحقيقة من خلال وصايا المعصومين عليهمالسلام. فقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مَن قَبَّلَ وَلَدَهُ كتَبَ اللّهُ(عزّ وجلّ) لَهُ حَسَنَةً، ومَن فَرَّحَهُ فَرَّحَهُ اللّهُ يومَ القِيامَةِ».
وقد ورد هذا المعنى في نصّ آخر لطيف عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم، حيث قال:«إنَّ اللّهَ تَبارك وتَعالى عَلَى الإناثِ أرأفُ مِنهُ عَلَى الذُّكورِ، وما مِن رَجُلٍ يّدخِلُ فَرحَةً عَلَى امرأةٍ بَينَهُ وبَينَها حُرمَةٌ، إلّا فَرَّحَهُ اللّهُ تعالى يومَ القِيامَةِ».
ويُستفاد من مجموع الروايات أنّ للفرح مكانة تربويّة مهمّة في محيط الأسرة. وقد ورد عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَاشْتَرَى تُحْفَةً فَحَمَلَهَا إِلَى عِيالِهِ كانَ كحَامِلِ صَدَقَةٍ إِلَى قَوْمٍ مَحَاوِيجَ وَلْيبْدَأْ بِالْإِنَاثِ قَبْلَ الذُّكورِ؛ فَإِنَّ مَنْ فَرَّحَ ابْنَتَهُ فَكأَنَّمَا أَعْتَقَ رَقَبَةً مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ».
وقسم آخر من الروايات يشير إلى مسؤولية المواطنين في إدخال السرور على الأيتام، ويجعل من ذلك طريقًا إلى السعادة الأبديّة، كما ورد في قول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنَّ فِى الجَنَّةِ دارًا یُقالُ لَها دارُ الفَرَحِ، لا یَدخُلُها إلّا مَن فَرَّحَ یَتامَی المُؤمنینَ».
لا شكّ في أنّ المعنوية تُعدّ من العوامل المهمّة التي تُسهم في سعادة الإنسان وتعزيز مشاعر السعادة لديه. فالدين يمنح الحياة معنًى، ويضع أمام الفرد أهدافًا سامية. وتُعدّ العبادات والاعتقادات الدينيّة من العناصر المؤثّرة في رفع مستوى
السعادة. كما تؤدّي المعتقدات دورًا محوريًّا في توجيه السلوك والانفعالات. وقد توصّل أليسون وزملاؤه إلى أنّ المعتقدات تُعدّ المصدر الأهمّ للسعادة، وأنّ العلاقة مع الله تتجلّى من خلال تأثيرها في منظومة المعتقدات. وقد دعا القرآن الكريم المؤمنين إلى الفرح بفضل الله ورحمته، فقال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِك فَلْيَفْرَحُوا هُو خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس: 58).
إلى جانب المعتقدات، فإنّ الأمل بمصدر ثابت ومستقرّ يُثمر انفعالات إيجابيّة مستدامة. بَيد أنّ الأمل لا يكون فعّالًا إلّا حين يرتبط بأهداف ذات قيمة، وتكون تلك الأهداف محفوفة بعوائق مهمّة لكن قابلة للتجاوز، مع إمكانيّة واقعيّة لبلوغها في المدى المتوسّط. أمّا إذا تبيّن للمرء أنّ الهدف لا يُمكن تحقيقه، فإنّ الإحباط واليأس سيكونان النتيجة الحتميّة. وقد أشار الإمام علي عليهالسلام إلى هذا المعنى في وصفه للمتقين، فقال: «يبِيتُ حَذِرًا وَيّصْبِحُ فَرِحًا حَذِرًا لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ وَفَرِحًا بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَة».
فهو يمضي ليله حذرًا، ويبدأ نهاره مملوءًا بالفرح؛ حذرًا من الغفلة، وفرحًا بما ناله من الفضل والرحمة.
يُعدّ قيام الليل، والتقرّب إلى الله، والقيام بالأعمال الصالحة من الموارد المعنويّة التي تُثمر فرحًا حقيقيًّا في حياة الإنسان.
وقد خاطب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أمير المؤمنين عليًّاعليهالسلام قائلًا: «يا عَلِي! ثَلَاثٌ فَرَحَاتٌ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيا: لُقِيّ الْإِخْوَانِ وَالْإِفْطَارُ مِنَ الصِّيامِ وَالتَّهَجُّدُ مِنْ آخِرِ اللَّيلِ».
وقال الإمام الصادق عليهالسلام: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ إِفْطَارِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ».
وفي رواية أُخرى عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّ الله تعالى أوحى إلى عيسى بن مريم عليهالسلام:«يا عِيسَى! افْرَحْ بِالْحَسَنَةِ فَإِنَّهَا لِي رِضًا».
يُعدّ القرآن الكريم من أوضح مصاديق الفرح الروحي. وقد ورد في دعاء لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: «اللَّهُمَّ! نَوِّرْ بِكتَابِك بَصَرِي وَاشْرَحْ بِهِ صَدْرِي وَفَرِّحْ بِهِ قَلْبِي».
ثمّة روايات كثيرة تحثّ المؤمنين على الفرح في سياق الولاء لأهل البيت عليهمالسلام والسرور لسرورهم، باعتباره نوعًا من الارتباط العاطفي والمعنوي مع نهجهم. فقد ورد عن الإمام الرضاعليهالسلام أنّه قال لابن شبيب: «يا ابْنَ شَبِيبٍ! إِنْ سَرَّك أَنْ تَكونَ مَعَنَا فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الْجِنَانِ فَاحْزَنْ لِحُزْنِنَا وَافْرَحْ لِفَرَحِنَا وَعَلَيك بِوَلَايتِنَا فَلَو أَنَّ رَجُلًا أَحَبَّ حَجَرًا لَحَشَرَهُ اللَّهُ مَعَهُ يوْمَ الْقِيامَةِ».
قال الإمام علي عليهالسلام: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَك وَتَعَالَى اطَّلَعَ إِلَى الْأَرْضِ فَاخْتَارَنَا وَاخْتَارَ لَنَا شِيعَةً ينْصُرُونَنَا وَيفْرَحُونَ لِفَرَحِنَا وَيحْزَنُونَ لِحُزْنِنَا».
تُعَدّ الدعاء والاستعانة بالله تعالى، ومحبّة أهل البيت عليهمالسلام، وذكر الله، والوضوء، والصلاة، والعفوالإلهي من أبرز الجوانب الروحيّة التي تترك أثرًا بالغًا في نشوء البهجة والسرور. يرى سِليگمَن أنّ الدِّين يشكّل منظومة اعتقاديّة متماسكة تُمكِّن الإنسان من إيجاد معنًى للحياة وتبعث فيه الأمل بالمستقبل. وتُتيح هذه المنظومات الدينيّة لبعض الأفراد أن يُضفوا معنًى على المصاعب، والضغوط النفسيّة، والخسارات الحتميّة التي تعترض مسيرة الحياة، وتمنحهم التفاؤل بحياة أُخرى لا مكان فيها لهذه الشدائد.
وتُبيّن السيرة المأثورة عن المعصومين عليهمالسلام أنّهم كانوا يستعينون بالله سبحانه ويسألونه الدعاء من أجل التمتّع بروح مليئة بالنشاط والحيويّة. ويقول أمير المؤمنين علي عليهالسلام:
«اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُك أَي عَمَلٍ كانَ أَحَبَّ إِلَيك وَأَقْرَبَ لَدَيك أَنْ تَسْتَعْمِلَنِي فِيهِ أَبَدًا ثُمَّ لَقِّنِي أَشْرَفَ الْأَعْمَالِ عِنْدَك وَآتِنِي فِيهِ قُوَّةً وَصِدْقًا وَجِدًّا وَعَزْمًا مِنْك وَنَشَاطًا».
ومن الجذور الأساسيّة لنشوء النشاط، عفوالله ومغفرته؛
فكما أنّ الذنوب تسوق الإنسان إلى الكسل والخمول، فإنّ قبول الإنسان في حضرة الله تعالى يُبعث فيه الحيويّة. وقد أشارت مناجاة النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى هذه الحقيقة:
«إلهي! إلهي! إلهي! أسئَلُك راغِبًا وَأقصَدُك سائِلًا واقِفًا بَينَ يدَيك مُتَضَرِّعًا إلَيك؛ إن أقنَطَتني ذُنوبي نَشَطَني عَفوَك».
يُعدّ ضبط النفس وتنظيم السلوكيّات والأفكار والانفعالات من الأركان الأساسيّة لنجاح الإنسان، سواء على الصعيد الشخصي أم الاجتماعي؛ إذ إنّه لا يمكن تحقيق الأهداف السامية للإنسان من دون هذا الضبط. ويمكن تقسيم عمليّتي الضبط والتنظيم من زاوية معيّنة إلى قسمين: خارجي وداخلي، ويُعدّ التنظيم الداخلي أفضل أنواع التنظيم وأكثرها تأثيرًا، وهو في الحقيقة المجال الذي يتحقّق فيه مفهوم «تنظيم الذات». فـالإنسان بحاجة إلى قوّة داخلية تقوم بضبط أفكاره ومشاعره وسلوكيّاته وتنظيمها.
ومن المفاهيم الأساسيّة في ميدان الدين وعلم النفس، مفهوم «العفّة». والعفّة تعني ضبط النفس والسيطرة عليها في نطاق الشهوات الجنسيّة. ولكي تتّضح هذه الفكرة، لا بدّ من الإشارة إلى مفهومين مركزيين في وجود الإنسان، وهما «التقوى» و«الشهوة». فالتقوى من جهة، هي ضبط النفس وإدارتها والسيطرة عليها بالمعنى العام للكلمة، وهي تتّخذ أسماء مختلفة بحسب اختلاف الظروف. ومن جهة أخرى، فإنّ علماء الأخلاق يرون في الإنسان قوّتين أساسيتين هما قوّة الغضب وقوّة الشهوة، وبناءً عليه يتّضح موضع مفهوم الشهوة.
(132)فإذا جمعنا بين مفهومي التقوى والشهوة، يتبيّن لنا أنّ العفّة تعني ضبط النفس في ميدان الشهوة. ومن الجدير بالذكر أنّ الشهوة تُستخدم أيضًا بمعناها العام الذي يشمل الشهوة المالية، وشهوة الطعام، والشهوة الجنسيّة.
والموضوع المطروح في هذه المهارة يتمحور حول «التحكّم الذاتي وضبط النفس في المجال الجنسي» أو بتعبير آخر: «ضبط الرغبة الجنسيّة».
يجب على الإنسان أن يجتذب ما فيه نفع له، ويصدّ ما فيه ضرر عليه؛ ولهذا السبب، أودعت في وجود الإنسان قوّتان: قوّة «الجذب» التي تمكّنه من اجتذاب ما هو لصالحه، وقوّة «الدفع» التي تمكّنه من دفع ما هو ضارّ به. وتُعدّ قوّتا الجذب والدفع من الروابط الأساسية بين الإنسان والخلق، ومن عجائب التكوين الإلهي. فقوّة الجذب هي ما يُعبَّر عنه في الثقافة الدينيّة بـ«الشهوة»، أمّا قوّة الدفع فهي ما نُطلق عليه اسم «الغضب».
والمهم في هذا السياق، أنّه لا توجد علاقة جبريّة أو حتميّة بين قوّة الجذب وما هو في الواقع نافع للإنسان، كما لا توجد علاقة من هذا القبيل بين قوّة الدفع وما هو مضرّ بالواقع؛ أي
إنّ قوّة الجذب الداخلي للإنسان لا تجتذب بالضرورة الأمور النافعة له فعلًا، وقوّة الدفع لا تطرد بالضرورة الأمور الضارّة به فعلًا. بل إنّ هاتين القوّتين تتمتّعان بشيء من الحريّة، وقد تقعان في الخطأ. بعبارة أخرى، هاتان القوّتان ليستا عاقلتين تميّزان بين النفع والضرر الحقيقيّين، ثمّ تتصرّفان على أساس ذلك. إنّ التمييز بين ما ينفع الإنسان وما يضرّه، موكول إلى تشخيصه الفردي. فقوّة الجذب لدى كلّ فرد تجتذب ما يراه نافعًا، وقوّة الدفع لديه تدفع ما يراه مضرًّا. وهنا يكمن الإشكال، إذ إنّ هذا التشخيص الفردي معرّض للخطأ.
إحدى شعب قوّة الجذب الداخلية هي «الغريزة الجنسيّة» أو «الشهوة الجنسيّة» أو بتعبير العوام «الشهوة»، وهي كسائر الغرائز الإنسانيّة، ذات وجهين في الأداء: أحدهما إيجابي والآخر سلبي. هذه الغريزة تقوم بانتقاء وطلب ما في الخلق من أمور قادرة على إشباع الرغبة الجنسيّة. ولكن النقطة الجوهريّة هنا أنّ بعض هذه الأمور القادرة على الإشباع قد لا تكون نافعة للإنسان. فليس كلّ ما يقدر على إرضاء الشهوة الجنسيّة يكون في مصلحة الإنسان. إذ إنّ كثيرًا من اللذّات مدمّرة، ولذلك تُعدّ «اللذائذيّة» من أخطر آفات الإنسانيّة، وكلّما كانت هذه النزعة أشدّ وأسرع، كانت هجمات الآفات أعنف وأسرع
كذلك. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مهارة دقيقة، هي مهارة التمييز بين ما هو مشبع نافع، وما هو مشبع ضار.
فالذي يتحلّى بمهارة الإنسانيّة ويهتمّ بمصيره، لا يسمح لغريزته الجنسيّة أن تحطّ رحالها عند كلّ موضع فيه لذّة، إذ قد يكون هناك فخّ مهلك. فالشهوة من مصائد الشيطان، والإهمال والتسرّع في اختيار وسائل الإشباع قد يوقع الإنسان في شَرك الشيطان الأسود، وهو شرك لا يُمكن الخلاص منه، أو يكون الخلاص منه في غاية الصعوبة. وبعبارة أخرى، على الرغم من أنّ جوهر الشهوة هو جذب المنفعة، إلا أنّ حركة قوّة الشهوة نحو المنفعة ليست حركة قهريّة أو تلقائيّة، بل تحتاج إلى تشخيص ذكي. غير أنّ خطأ الإنسان في هذا التشخيص قد يؤدّي إلى جذب الضرر، وهو أمر يثير العجب ويستدعي الانتباه؛ إذ قد تتحوّل قوّة الجذب التي وُجدت لجلب النفع في واقع الأمر إلى أداة لجلب الضرر. هذا هو حال الشهوة المنفلتة التي لم تُدار من قبل الإنسان، فكلّ شهوة لا تُضبط ولا تُقيّد قد تكون وسيلة للهلاك. والأعمال تنقسم إلى نوعين: عملٌ تذهب لذّته وتبقى تبعاته السلبيّة، وعملٌ تنقضي مشقّته وتبقى مكافأته.
اللذّة المنشودة تتميّز بخصلتين أساسيتين، أوّلهما «الدوام». فاللذّة التي لا تدوم لا خير فيها، بل أكثر من ذلك، فـفي الشهوة التي لا تدوم، لا وجود للذّة الدائمة أو الحقيقيّة. ومن أعرض عن شهوات الدنيا فقد اشترى لنفسه الجنّة. لذا، فإنّ أسعد الناس هو من اتّخذ العفّة مسلكًا، وترك لذائذ الدنيا الزائلة طلبًا للذّات الآخرة الدائمة.
وأمّا الخصيصة الثانية فهي «الخلو من العواقب السيّئة». فالشهوة التي تعقبها المعاناة والألم لا خير فيها، ومهما كانت بدايتها فرحًا وسرورًا، فإنّ نهايتها شقاء وتعاسة. فمن يصاحب الشهوة، يقع أسيرًا لعواقبها المرّة، إذ إنّ «حلاوة اللذّة» لا تُقارن بـ«مرارة عواقبها». فهل يصحّ والحال هذه عدُّ هذه الشهوة لذّة؟
لا شكّ أنّ اللذّة الممزوجة بالألم ليست لذّة أصلًا. فكيف
يُمكن التمتّع بالشهوة وهي محفوفة بشتى أنواع الآفات؟، وكيف تُنتظر منها مكاسب، وهي في الواقع تُهدر كثيرًا من الخيرات؟! إنّ حرمان الإنسان من نِعَم كثيرة هو إحدى سمات الشهوة غير المضبوطة التي تجاوزت «الخطوط الحمراء». وقد لا يدرك الإنسان أحيانًا عِظَم ما يفقده في مقابل لذّة لحظية، لكنّ الحساب المنطقي للربح والخسارة ينذر العاقل بأنّ اللذّة العابرة لا تستحقّ كلّ هذا الثمن من الحرمان. فلا بأس بأن نعيد النظر، ولو مرّة، في ما تجرّه علينا الشهوة الجامحة أو «اللذائذية المنفلتة» من حرمانات.
إنّ فقدان ضبط النفس الجنسي وغياب التحكّم الذاتي يؤدّيان إلى مشكلات جمّة للفرد، نذكر منها ما يلي:
الشهوة المنفلتة ألمٌ خفيّ، وسمّ قاتل، ومرضٌ مهلك. ومن استسلم للشهوة، لا يتمتّع بصحّة نفسيّة. فإنّ إشباع
الرغبات الشهوانية والانقياد لها هو أقسى أنواع الألم، ولذلك فإنّ من يلازم الشهوة الجنسيّة يعاني من اضطراب نفسي.
فالتحفيز الجنسي المستمرّ يزعزع راحة النفس، ويُبقي الإنسان في حال من الإثارة والانفعال الدائم. وهذا التقلّب المستمرّ في الإثارة والشهوة يُنهك النفس ويستنزف قواها. وإذا اشتعلت نار الشهوة، فإنّها لا تأتي إلا على روح الإنسان ونفسيّته.
الشابّ الذي يواجه بشكل واسع النساء والفتيات غير العفيفات، ورفقاء السوء، والأفلام، والأقراص، والصور الإباحية، إنّما هو في الواقع كمن يتعرّض لقصفٍ متواصل. فالقصف المستمرّ بوساوس الشهوة والتحفيز الجنسيّ الدائم يسلب الشابّ سكينته وراحته، ولما كانت السكينة هي الأساس في الصحّة النفسيّة، فإنّ الحرمان منها يؤدّي إلى زوالها. ومن ثمّ، فمَن لا يتحلّى بالعفّة ولا يضبط شهوته، سيظلّ مريضًا أبدًا.
إنّ اتّباع الشهوة هو أصل كلّ الشدائد والآلام، وتلبية جميع رغباتها يجرّ الإنسان إلى وادي العذاب والمعاناة. وكم
من شهوة قصيرة أورثت حسرةً طويلة، ومن لا يضبط شهوته، يغرق في الحسرة والأسى، وكلّما ازداد انغماسه في اللذائذ، ازدادت آلامه وأحزانه.
فضبط الشهوة أنسب للنفس البشرية، في حين أنّ إشباعها المستمرّ لا يزيدها إلا شدّة وصعوبة. وعليه، فالعجب ممّن يعلم خاتمة الشهوة المحزنة ولا يعفّ، لأنّ العفّة سببٌ في طمأنينة الروح وراحة النفس. ومن هنا، ورد في الروايات: «اكظم شهوتك تسلم من آفات النفس».
إنّ الأهواء الشهوانية مناقضةٌ للعقل، وهي آفة من آفاته. فاندفاع الشهوة يُذهِب العقل ويقضي عليه. ومن يسير خلف الشهوة لا يُبصر على وجهٍ صحيح، ولا يسمع كما ينبغي،
لأنّ العين والأذن وهما منفذا العقل وأداتا المعرفة لا تعملان بشكلٍ سليم عند هيجان الشهوة، فيصبح العقل الذي يُفترض أن يحلّل ويميّز مشلولًا، وعندئذ يُدمَّر دين الإنسان ودنياه.
كذلك، فإنّ التحفيز الجنسي يُربك التركيز الذهني، ويقضي على الطمأنينة المطلوبة للتفكير واتّخاذ القرار، ويُفقد الإنسان الفراغ الضروري للانشغال بالعلم والفن. ولهذا السبب، يعاني الشابّ من تراجع دراسي، وتُصاب الأمّة بضعفٍ علميّ وثقافي. ولدى أهل العقل، تُعدّ الشهوة أمرًا دنيئًا تافهًا، ومن هنا فإنّ العقلاء لا يدورون في فلك الشهوة، بل يسلكون سبيل العفّة. ونتيجة لذلك، فإنّ من يضبط شهوته، ينموعقله ويترقّى.
من يسير وفق شهواته إنما يسلك طريقًا معاكسًا لنموّه وتكامله. وإنّ عبد الشهوة يواجه صعوبة بالغة في طريق الترقيّ والتقدّم. فكثيرًا ما تمنع اللذائذ الدنيئة والشهوات المحرّمة الإنسان من بلوغ المراتب الرفيعة؛ ذلك لأنّ الشهوة
في حقيقتها طفولة وسفه. وإنّ الشهوانيّ، كالأطفال، مشغول بلعب التراب، والمسافة بين لعب التراب وبلوغ مدارج الكمال الإنسانيّ وارتقاء الأفلاك مسافة شاسعة بعيدة.
ثمّة أشياء لا تُدرك إلّا ببصر العين، وأخرى لا تُدرك إلا ببصيرة القلب. والإنسان بحاجة إلى كلٍّ من «البصر» و«البصيرة». فالبصر يدرك الأمور المادّية، والبصيرة تدرك الأمور المعنويّة. وما يُمكّن البصر من الرؤية هو الأشعة الضوئيّة، وأمّا ما يُمكّن البصيرة فهو نور الباطن.
وكذلك، فإنّ بعض الأصوات تُسمع بأذن الرأس، وبعضها لا تُسمع إلّا بأذن القلب. فمن كان عبدًا لشهواته، أصبحت أذن قلبه صمّاء، وعين قلبه عمياء، فيُحرم من لذّة سماع ورؤية كثير من الأمور التي لا تُدرك إلا بأذن القلب وبصره.
وفي طريق السعادة، ثمّة حاجّة ماسّة إلى التمييز بين الطريق والهاوية. إنّ القدرة على التفريق بين الحق والباطل، وبين الصواب والخطأ، هي عنصر حاسم في تحقيق السعادة، وغياب هذه القدرة سبب في الفشل والتعاسة. وهذه القوّة التمييزيّة
تُسمّى «التقوى»؛ وعدو التقوى هو الشهوة. فالشهوة والتقوى لا يجتمعان في قلب واحد. القلب الذي يكون مأوى للشهوة لا يكون مقرًا للتقوى. وإنّ الشره الجنسيّ يدمر قوّة التقوى. وغياب التقوى يعني غياب البصيرة، وحدة الرؤية، والاستشراف الصحيح. أفلا يُعدّ هذا حرمانًا؟ أيمكن التقليل من شأن هذه المحروميّات؟
لِمَ تُحرم أرواحنا من سماع نغمة الملَكوت العذبة، وقلوبنا من رؤية ملكوت السماوات والأرض؟ لِمَ يُحرم الإنسان من قوّة البصيرة والتقوى؟ ألهذه الدرجة تستحقّ الشهوة كلّ هذا الحرمان؟ أليس هذا الثمن باهظًا في مقابل الانغماس في الشهوة؟ أليس ذلك صفقةً خاسرة؟! العاقل هو من يملك زمام شهوته، ولا يبيع آخرته بدُنياه.
هـ- الحرمان من الحریّة
أعظم النعم هي حرّية الروح، وأشدّ أنواع الأسر هو أسر الروح. والسؤال المطروح: هل يجب أن نكون في قبضة الشهوة، أم تكون الشهوة تحت سيطرتنا؟ هل ينبغي أن ندير شهواتنا، أم
تديرنا هي؟ هل ينبغي أن يكون زمام الإنسان بيد عقله، أم بيد شهوته؟
من يُصغي لأمر شيء ويطيعه، فإنّما يصيّر نفسه عبدًا له. وأهل الشهوة هم عبيد لها؛ فعبد الشهوة لا يملك إرادته، إنما يفعل ما تأمره به الشهوة، ويرى ما ترغب فيه، ويسمع ما تمليه، وينطق بما تشتهيه.
وقد يُؤسَر بدن الإنسان، ولكن تبقى روحه حرّة. أسرى الإسلام الأحرار، رغم كونهم في قبضة العدو، فإنّ أرواحهم كانت طليقة، ولهذا سُمّوا «أحرارًا». أمّا حين يكون الجسد حرًّا، والروح أسيرة، فإنّ هذا النوع من الأسر أسوأ من أسر الجسد. ولذلك نقول: إنّ عبد الشهوة أذلّ من عبد الجسد؛ لأنّ بداية هذا الطريق هي العبودية، ونهايته الهلاك. وإنّ عبد الشهوة قد أهان نفسه، فلنحذر من أن نكون عبيدًا للهوى، فإنّ عبودية الشهوة أسرٌ لا نهاية له.
طوبى لمن يملك نفسه، ولا يكون عبدًا لها. من يسيطر
على نفسه، تزدهر أعماله، وامتلاك النفس علامة على قوّة الإنسان؛ فأقوى الناس من استطاع أن يُخضع نفسه ويديرها بإرادته. ومن بلغ هذا المقام، فقد بلغ مقام الرضا والعزّة. فلماذا نُقصي أنفسنا عن هذه النعمة بالشهوات؟
يرى العلماء أنّ من أهمّ عوامل النجاح امتلاك القدرة على «انتظار الإشباع»، ويعتقدون أنّه لا يمكن للإنسان أن ينجح في حياته دون هذه القدرة. فالذين لا يستطيعون الانتظار ولا يملكون صبرًا، هم أولئك الذين يسعون وراء اللذائذ الفوريّة والعاجلة، ولا يفكّرون في المستقبل، بل يريدون إشباع رغباتهم فورًا. بينما تتطلّب الحياة الناجحة صبرًا وتحمّلًا، وتجاوزًا للذّات العاجلة من أجل بلوغ لذّةٍ باقية ومستقرّة في المستقبل.
فالذين يفتقدون هذه القدرة، وإن كانوا ينالون اللذائذ العاجلة، فإنّهم يخسرون المستقبل ولذّاته الدائمة. ولهذا يعتبر العلماء أنّ «القدرة على الانتظار» من العوامل الأساسيّة للنجاح، ويتحدّثون في هذا السياق عن مفاهيم مثل القدرة على الكبح والكفّ، وتأخير الإشباع، والمقاومة أمام الإغراء.
(144)وقد أجرى بعض هؤلاء المنظّرين تجربةً بيّنوا من خلالها أنّ الأطفال الذين تعلّموا القدرة على الانتظار وتأخير إشباع الرغبات، قد حقّقوا نجاحًا في حياتهم عندما كبروا، بينما الذين لم يمتلكوا هذه القدرة أصبحوا في مستقبلهم من المنحرفين والمجرمين.
والنقطة اللافتة التي كشفتها هذه التجربة هي وجود أساليب وطرائق عمد إليها الأطفال لتعزيز قدرتهم على الانتظار وتأجيل الرغبات. فقد لجأوا جميعًا إلى وسائل إلهاء وتشتيت الانتباه (كالرسم، واللعب، والحديث مع الأصدقاء، والنوم...) من أجل صرف نظرهم عن الموضوع الذي يُنتظر حصوله (كأكل طعام لذيذ بعد جوع طويل).
وهذه القدرة على الانتظار، والتمكّن من كفّ النفس عن الرغبات، تُعرف في الأدبيّات الدينيّة باسم «التقوى»؛ لكن بمستوى أسمى وأعلى. وما طرحه العلماء في هذا المجال إنما هو قاعدة شاملة تشمل جميع جوانب الحياة، ومن بينها «الغريزة الجنسيّة». وما يهمّ في هذا المقام هو بيان الأساليب الفعّالة لرفع القدرة على الانتظار وتحقيق كظم الشهوة الجنسيّة. فإنّ كظم النفس، في أيّ مجال، ومنها مجال الغريزة الجنسيّة، يتطلّب «اكتساب مهارات». وبدون هذه المهارات لا يمكن بلوغ كظم الشهوة. وفيما يلي نشير إلى بعض هذه المهارات:
(145)المعرفة هي منطلق السلوك والمشاعر الإنسانيّة. فكظم النفس وكفّها، في أي مجال، ومنها المجال الجنسيّ، يتطلّب وجود المعارف والمعتقدات اللازمة. وهنا تبرز أهميّة مفاهيم مثل المعرفة، والإيمان، والاعتقاد بالله تعالى. فإنّ الإيمان بالله يُعدّ من أبرز العوامل التي تُقوّي كظم الشهوة الجنسيّة، وإن كان لم يحظَ بالاهتمام الكافي في الدراسات. إنّ الحديث عن دور الإيمان في كظم الشهوة الجنسيّة حديثٌ واسع لا يمكن التوسّع فيه ضمن هذا السياق، وتندرج تحته مفاهيم فرعيّة مثل محبّة الله، والشكر، والحياء، والرجاء بالجنّة، والخوف من النار. وسنكتفي هنا بمثال واحد يتمثّل في الحياء.
إنّ مثل العفّة والقدوة في كظم الشهوة الجنسيّة هو نبيّ الله يوسف عليهالسلام. فما أنقذه من السقوط هو تذكّره لله أوّلًا، ثمّ إحساسه بالحياء. فالقرآن الكريم، عند حديثه عن واقعة خلوت زليخا بيوسف، يُبيّن علّة امتناع يوسف عليهالسلام فيقول:
(وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ) (يوسف: 24).
في هذه الآية الكريمة، «برهان ربّه» قُدِّم بوصفه العامل الرادع عن المعصية. وقد فسّر الإمام زين العابدين عليهالسلام هذا «البرهان» بقوله:
«قامت امرأة العزيز إلى الصنم، فألقت عليه ثوبًا، فقال لها يوسف: ما هذا؟ فقالت: أستحيي من الصنم أن يرانا. فقال لها يوسف: أتستحيين ممّن لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه ولا يأكل ولا يشرب، ولا أستحيي أنا ممّن خلق الإنسان وعلّمه فذلك قول الله (عزّ وجلّ): (لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ)».
فزوجة العزيز، حين أرادت الاقتراب من يوسف عليهالسلام، توجّهت إلى الصنم وغطّته بثوب. فسألها يوسف عليهالسلام عن سبب فعلها، فأجابت: «أستحيي أن يرانا الصنم». فقال لها: «أتستحيين من شيء لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل ولا يأكل ولا يشرب، ولا أستحيي أنا من الخالق الذي خلق الإنسان وعلّمه؟!». وهذا هو المقصود من قوله تعالى: (لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ)، أي لولا أنّه رأى برهان الله، لهمّ بها.
فالذي أثار حياء زليخا هو ظنّها بأنّ الصنم يراها، وإن كان هذا الوهم باطلًا، لأنّ الأصنام لا تملك إدراكًا. أما ما أثار حياء يوسف عليهالسلام فكان يقينه بأنّ الله تعالى بصير، عليم، ناظر إلى أفعال عباده.
الهدف من إيجاد بيئة آمنة هو تقليص عوامل الخطر الجنسي. ولتحقيق فضيلة ضبط النفس، لا بدّ من تقليل مواطن
الخطر. وتنقسم هذه الاستراتيجية إلى شقّين: «إدارة العلاقات» و«تقليل الإثارة».
المقصود بإدارة العلاقات هو تقليل العلاقات والاتصالات غير المبرّرة إلى أدنى حدّ ممكن، لما قد يترتب عليها من تمهيد لوقوع الفساد الجنسي. فإنّ كثرة الاتصال غير الضروري بين الرجل والمرأة الأجنبيين تعرّض كليهما للتهديد، وتزيد من احتمالية اختراق حدود الأمان بينهما. ولتحقيق ذلك، هناك عدة آليات عمليّة:
في الثقافة الدينيّة، يُعدّ المنزل حصنًا حصينًا وقلعة منيعة للمرأة. ومن البديهي أنّ الخروج «المتكرّر» و«غير المبرّر» من هذا الحصن الآمن، والذي يتجلّى أحيانًا في ظاهرة «التيه في الشوارع»، يعرّض المرأة بشكل أكبر للخطر، ويضعف قدرة الرجال وكذلك قدرة المرأة نفسها على المقاومة. كما يعزّز من احتمال ميلها إلى إقامة علاقة غير مشروعة. لذا فإنّ خروج النساء برفقة محرم، وتقليل الخروج من المنزل، يُعدّ من المهارات الأساسية في حفظ وتعزيز القدرة على ضبط النفس. ولهذا، يخاطب الله تعالى نساء النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله: (وَقَرْنَ فِي
بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب 33).
وقد أوصى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم المسلمين بعدم منع نسائهم إذا أردن الذهاب إلى المسجد. كما أوصى النساء بأنّ صلاتهن في البيت أفضل من صلاتهن في المسجد، وذلك لأنّهنّ يكنّ بذلك أقلّ عرضة لرؤية الأجانب. ولهذا، رُغِّب في الصلاة في أماكن تقلّ فيها الرؤية. وجاء في الروايات أنّ صلاة المرأة في غرفتها خير من صلاتها في الرواق، وصلاة المرأة في الرواق خير من صلاتها في وسط ساحة الدار، وصلاة المرأة في وسط ساحة الدار خير من صلاتها في المسجد.
لكن لا يُراد من ذلك تقييد أو إلغاء النشاط الاجتماعي المفيد للمرأة، وإنما الغاية منه تحذيرها من الانخراط في علاقات وحركات اجتماعيّة لا طائل منها.
مهارة أخرى تكمن في تقليل الاختلاط قدر المستطاع لمنع المشاهد غير المرغوب فيها، سواء وقعت عن قصد أو عن غير قصد. ويمكن تخصيص أماكن معيّنة للنساء لتفادي هذا الاختلاط. وقد تمّ تطبيق هذا النهج اليوم في بعض الدول المتقدّمة، حيث فُصلت أماكن جلوس الرجال عن النساء في
وسائل النقل كالحافلات والمترو، واللافت أنّ هذا الفصل جاء بناءً على طلب النساء وضغطهنّ الاجتماعي.
حينما بنى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مسجد المدينة، خصّص بابًا للنساء ومنع الرجال من الدخول والخروج عبره. ويمكن تطبيق هذا النموذج في سائر الأماكن. ومن مصاديق تقليل الاختلاط كذلك «المشي بمحاذاة الجدار»، إذ قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «لَيسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ سَرَوَاتِ الطَّرِيقِ شَيءٌ، وَلَكِنَّهَا تَمْشِي فِي جَانِبِ الْحَائِطِ وَالطَّرِيقِ».
فوسط الطريق يتميّز غالبًا بأمرين: الازدحام وكثرة الأنظار. فالازدحام قد يؤدي إلى مواجهة المرأة للرجل الأجنبي، ولذا فإنّ المشي على حافة الطريق حيث تقلّ الحركة يُعدّ وسيلة فعّالة لتفادي هذه المواجهات.
كما أنّ مرور المرأة في وسط الطريق قد يجعلها أكثر عرضة لأنظار الرجال، وإن كان الطريق خاليًا، فإنّ الحياء يقتضي منها اختيار حافة الطريق تقليلًا للظهور.
مهارة أخرى هي الاستفادة من «الفاصل الزمني». ففي الأماكن العامة كالجامع، حيث يجتمع الرجال والنساء، يمكن
تقليل الاختلاط من خلال التأخير الزمني. كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، بعد أن يُنهي صلاته، يبقى في مكانه لبعض الوقت ولا ينهض مباشرة، وذلك كي تخرج النساء من المسجد قبله، إذ كان من عادة الرجال ألا يغادروا المسجد قبل قيام النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم. وبهذا التأخير، كانت النساء يخرجن من المسجد دون أن يُبصرهنّ الرجال، ويعدن إلى بيوتهنّ بسلام. وهذه أيضًا طريقة تساعد في تقليص مدّة بقاء المرأة في مرأى الأجانب.
من المهارات الأخرى ما يُسمّى بـ «التقدّم والتأخّر المكاني»، ويُقصد به اتخاذ النساء مواقع خلف الرجال بما يحول دون وقوعهن في مرأى الرجال. وهذه الوسيلة يمكن أن تَحول دون اختلاط النساء بالرجال في الأماكن العامة، وفي الوقت نفسه تُبعد النساء عن أنظار الرجال. ومن الأفضل أيضًا، أثناء السير في الطريق، ألّا تمشي النساء أمام الرجال. فحين بلغ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أن النساء والرجال كانوا يسيرون سويًا في الطرقات، أوصى بأن تسير النساء خلف الرجال. والرجال الذين يتمتعون بالحياء يعلمون أن من الأدب ألا يسيروا خلف النساء. وقد أوصى النبيّ داوودعليهالسلام ابنه قائلًا: «لا تمشِ خلف النساء»، وهذا يدلّ على
ما ينطوي عليه ذلك من خطر على كلا الطرفين. وكذلك، لما أراد النبيّ موسى عليهالسلام أن يرافق إحدى ابنتي النبي شعيب عليهالسلام إلى بيت والدها، قال لها:«امْشِي مِنْ خَلْفِي فَإِنْ ضَلَلْتُ فَأَرْشِدِينِي إِلَى الطَّرِيقِ فَإِنَّا قَوْمٌ لَا نَنْظُرُ فِي أَدْبَارِ النِّسَاءِ».
في الأصل الأول، جرى تناول المهارات المتعلّقة بـ«تقليل الاتصال»، لكن ثمة مهارات واستراتيجيات ينبغي مراعاتها عند تحقق الاتصال، وهي قائمة على «تقليل الإثارة». فالعفاف لا يعني الحبس داخل البيت وعدم التواصل مع الآخرين، بل هو بمعنى «الطهارة الجنسيّة» التي قد تتحقّق في بعض الأحيان عبر تقليل الاتصال (كما مرّ سابقًا)، وقد تتحقّق أحيانًا عبر «خروج طاهر» و«تواصل طاهر». فالشخص العفيف ليس من لا يخرج من بيته أو لا يتواصل مع أيّ أحد من الجنس الآخر، بل هو الذي إذا خرج فإن خروجه يكون طاهرًا، وإذا تواصل فإن تواصله يكون طاهرًا.
وتقليل الإثارة يستند إلى مبدأ عقلاني، يتمثّل في نظرية «ضبط المدخلات بدلًا من ضبط المخرجات». ففي الثقافة الغربية لضبط النفس، يُركَّز بشكل كبير على ضبط المخرجات، ويُعدّ هذا من أسباب ضعف فاعليتها. إذ بعد دخول المعلومات
المثيرة إلى النظام النفسي، يصبح من الصعب ضبط المخرجات وكبح الغريزة الجنسيّة؛ أما إذا تمّ منذ البداية ضبط المدخلات، ومنع العوامل المثيرة من النفاذ إلى الجهاز النفسي، فإنّ ضبط الغريزة وتحقيق فضيلة ضبط النفس يكون أسهل.
والخروج أو الاتصال الطاهر، يعني خروجًا واتصالًا خاليًا من المثيرات. ولهذا، ينبغي التعرّف على ما يثير الشهوة الجنسيّة ويُحتمل أن يُفضي إلى الخطر، ثم إعداد الوسائل المناسبة للوقاية منه.
وتتمثل دوافع الإثارة الجنسيّة في: البصر (رؤية المشاهد المثيرة)، والكلام (النطق بالكلمات المثيرة)، والسمع (سماع العبارات المثيرة)، والشم (استنشاق الروائح والعطور المثيرة). وقد قال الإمام الباقرعليهالسلام والإمام الصادق عليهالسلام: «مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُو يّصِيبُ حَظًّا مِنَ الزِّنَى؛ فَزِنَى الْعَينَينِ النَّظَرُ، وَزِنَى الْفَمِ الْقُبْلَةُ، وَزِنَى الْيدَينِ اللَّمْسُ، صَدَّقَ الْفَرْجُ ذَلِك أَمْ كذَّبَ».
كما قال النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم: «كُلُّ ابنِ آدَمَ لَهُ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا؛ فَزِنَا العَينَينِ النَّظَرُ، وَزِنَا اليدَينِ البَطشُ، وَزِنَا الرِّجلَينِ المَشِي، وَزِنَا الفَمِ القُبْلُ، وَالقَلبُ يهوِي وَيتَمَنَّي، وَيّصَدِّقُ ذَلِك أَو يّكذِّبُهُ الفَرجُ».
لذا، فإنّ تحقّق ضبط النفس الجنسي يتوقّف على كبح دوافع
الإثارة الجنسيّة. وفي هذا السياق، يُشار إلى جملة من المهارات المرتبطة بهذا الأصل، أي «تقليل الإثارة»:
من المهارات الجوهريّة والمؤثّرة في هذا السياق، مهارة «ضبط النظر». فإنّ نظر الرجل أو المرأة إلى الأجنبي، أو مشاهدة الصور والأفلام الإباحية، يُفضي إلى إثارة الغريزة الجنسيّة وتحفيز الشهوة، وهو بداية الاضطراب واللااستقرار الجنسي. فقد رُوي أنّ الإمام عليّ عليهالسلام كان جالسًا يومًا مع جماعة من الناس، فمرّت امرأة أمامهم، فراح بعضهم ينظرون إليها. فلمّا رأى الإمام عليهالسلام ما يحدث، قال: «إِنَّ أَبْصَارَ هَذِهِ الْفُحُولِ طَوَامِحُ، وَإِنَّ ذَلِكَ سَبَبُ هِبَابِهَا».
وعلى هذا الأساس، ورد عن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ النظر إلى الأجنبي يُعدّ سهمًا مسمومًا من سهام إبليس.
ويقول الإمام الرضاعليهالسلام في بيان أثر النظر في إضعاف القدرة على ضبط النفس: إنّ النظر إلى شعر النساء المتزوّجات وسائر النساء حرام، لأنّه يثير الرجال، والإثارة تؤدّي إلى الفساد وإلى الدخول في أمور ليست حلالًا ولا جميلة.
ولا يختصّ ضبط النظر بالرجال فحسب، بل النساء أيضًا يمكنهنّ من خلال ضبط أبصارهنّ أن يُنمّين القدرة على ضبط النفس. ومن هنا، يقول القرآن الكريم: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ) (النور: 30).
ويقول أيضًا: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) (النور: 31).
وفي هذا السياق، تروي أمّ سلمة، زوج النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه بعد نزول آية الحجاب، كانت هي وميمونة عند النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم، فدخل عبد الله بن أمّ مكتوم وكان أعمى ـ، فقال لهما النبيّ: «احتجبا».
فقلنا: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يرانا؟
فأجاب النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم: «أفعمياوان أنتما؟! ألستما تريانه؟»!.
ومن هذا النصّ، يمكن إدراك عمق كلام السيدة فاطمة الزهراءعليهاالسلام حين قالت: «خير للمرأة ألّا ترى رجلًا وألّا يراها رجل». وهذا القول لا يُفهم إلاّ في إطار نظرية «ضبط النفس الجنسي».
من المهارات الأخرى المهمّة: استخدام «اللباس
زوجاتهم وبناتهم ونساء عشيرتهم، فخرجن في اليوم التالي وهنّ مرتديات الحجاب الكامل. ثم، ومع تزايد الوعي بالحاجة إلى تغطية أكبر، أُضيف إلى اللباس قطعة جديدة هي «السروال» (البنطال). ويروي الإمام عليّ عليهالسلام، أنه في يوم ممطر، كان جالسًا مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في بقيع الغرقد، فمرّت امرأة راكبة على دابة، فانزلقت قدم الدابة وسقطت المرأة على الأرض. فأدار النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وجهه بسرعة. فقال له بعض الحاضرين: إنّها تلبس السروال. فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ثلاث مرات: «اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُستَروِلات... يا أَيُّهَا النَّاسُ! اتَّخِذُوا السَّراوِيلات؛ فَإِنَّها مِن أستَرِ ثِيابِكُم، وَحَصِّنوا بِها نِساءَكُم إِذا خَرَجنَ».
نُورد هنا أنواع اللباس غير المناسب الذي يؤدي إلى زيادة الإثارة:
إنّ الجاذبية والإثارة قد تتجلّى في تزيين الرأس والوجه، أو استخدام أنواع الحليّ، أو اتباع آخر صيحات الموضة، أو ارتداء الأقمشة والألوان المثيرة والمغوية. كلّ هذه المظاهر تندرج
ضمن مفهوم «التبرّج» الذي يُعدّ من خصائص نساء الجاهلية. إنّ الخروج من المنزل بكامل الزينة كان سمةً لعصر الجاهلية، ولم يختصّ بهذا العصر وحده. قد تكون أساليب التبرّج وتفنّناته قد تطوّرت، إلا أنّ أصل التبرّج يبقى من سمات الجاهلية، وهو أمرٌ يتجاوز حدود الزمان والمكان والعرق.
ورد عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ان كلّ امرأة تخرج من بيتها متزيّنة، بُني لها بكلّ خطوة بيت في جهنم.
وجاء في القرآن الكريم: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (النور: 31).
فالمرأة لا يجوز لها أن تُظهر زينتها إلا للمَحارم؛ لأنّ الزينة تُثير الرجل، ونتيجة ذلك هي تعرّض أمن المرأة نفسها للخطر. فهل من عاقل يُثير عدوعفافه وطهارته؟!
ثمّة نوع من اللباس نواجهه أحيانًا يُعيد إحياء العري باسم اللباس! فالثياب الرقيقة الكاشفة للجسد، في الحقيقة، تُعيد إنتاج العري، لأنّ الهدف من اللباس –وهو ضبط النفس ومنع الانفلات الجنسي– لا يتحقّق عبر هذا النوع من اللباس. بل إنّه لا يُخفّف الإثارة الجنسيّة، بل قد يُفاقمها. في ثقافة الروايات،
تُطلق على هذه الفئة من النساء تسمية «الكاسيات العاريات». وقد ذكر النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ضمن أهل النار، نساءً يلبسن ثيابًا وكأنهنّ عاريات، ويمشين بين الناس بطريقة مثيرة. واللافت أنّ هؤلاء النسوة يُصلّين ويرتدن المساجد أيضًا. قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم:
«في آخر أمّتي رجال يتشبّهون بالنساء، يركبون مركباتهم ويُنزِلون نساءهم أمام المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، شعورهنّ مرتفعة، أولئك النسوة ملعونات». وذات يوم دخلت أسماء بنت أبي بكر بيت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، وعليها ثوب رقيق يُظهر الجسد، فأعرض عنها النبيّ وقال لها: «يا أسماءُ! إنَّ المرأةَ إذا بَلَغَت، لَم يَحِلَّ أن يُرى مِنها إلا الوَجهُ والكَفّانِ». إنّ للّباس الرقيق الكاشف مفاسد كثيرة لا تُحصى. وقد قال أيضًا:
«هلاك نساء أمّتي في الأحمرين: الذهب والثياب الرقاق».
وقال الإمام الصادق عليهالسلام: «لَا يَصْلُحُ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ أَنْ تَلْبَسَ مِنَ الْخُمُرِ وَالدُّرُوعِ مَا لَا يُوَارِي شَيْئًا».
3. اللباس المُلتصق بالجسد
إنّ الألبسة الضيّقة والملتصقة بالجسد لا تتمتّع بخصائص
اللباس الرادع. فقد أُهدي إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يومًا ثوبٌ ثمين، ناعم وجميل من اليمن، فأعطاه لأحد أصحابه. وبعد بضعة أيام، لم يره يرتدي ذلك الثوب، فسأله عن السبب، فأجابه بأنه أعطاه لزوجته. فقال له النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم: «قُل لها أن تلبس تحته ثوبًا آخر، فإني أخاف أن يُظهر حجم بدنها». وكانت السيّدة الزهراء؟عها؟، كذلك، قبل وفاتها، تخشى أن يُرى حجم جسدها بعد الوفاة من قِبَل غير المحارم أثناء التشييع. ولذا، وبإرشاد من أسماء، تقرّر أن يُوضَع جسدها داخل تابوت ليبقى مستورًا عن أعين الأجانب أثناء التشييع.
من المهارات الأخرى «الوقار في السلوك». فلكلٍّ من الرجل والمرأة سلوكٌ قد يكون باعثًا على الإثارة، مما يفضي إلى إضعاف القدرة على الكفّ، لا سيّما سلوك النساء الذي قد يُثير شهوة الرجال، وخصوصًا من في قلوبهم مرض، ويؤدّي إلى تقليل القدرة على الضبط الذاتي، ويعرّض العفّة والأمن الاجتماعي للخطر. ففي الأزمنة الماضية، كانت النساء يضعن الخلخال في أرجلهن، وكان بعضهنّ يضربن الأرض بأرجلهنّ بطريقة تُظهر أنّ بأرجلهنّ خلخالًا. وهذا بحدّ ذاته نوعٌ من إبداء الزينة، فيكون مثيرًا. ولذا، جاء في القرآن الكريم النهي عن ذلك:
(ولا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفينَ مِنْ زينَتِهِن) (النور: 31).
أمّا إذا كان سلوك كلٍّ من الرجل والمرأة في الأماكن العامّة سلوكًا مشوبًا بـ«الوقار»، فإنّه لن يكون مثيرًا، بل قد يحمل رسالة عفّةٍ ورزانة، ومن ثمّ يعزّز منسوب الأمن الاجتماعي. ويشكّل مشي ابنتي شعيب نموذجًا يُحتذى به في هذا المضمار؛ إذ يقول الله تعالى: (فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشي عَلَى استحياء) (القصص: 25).
الخيال غير العفيف، وإن لم يكن فعلًا جنسيًّا ظاهرًا، إلّا أنّه يُعدّ نوعًا من الجموح الذهني الذي يُفضي إلى آثار نفسيّة عميقة، ويُمهّد أرضيّة التوجّه نحو الشهوة، ويُضعف قدرة الإنسان على الكفّ الجنسي؛ لأنّ الإنسان ينجذب بطبعه إلى ما يُفكّر فيه. وعليه، فإنّ من المهارات المؤثّرة في تنمية القدرة على الكفّ، «ضبط الخيال» والسيطرة على الأفكار المثيرة للشهوة.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليهالسلام: اجْتَمَعَ الْحَوَارِيونَ إِلَى عِيسَى عليهالسلام فَقَالُوا لَهُ: يا مُعَلِّمَ الْخَيرِ! أَرْشِدْنَا. فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ مُوسَى كلِيمَ اللَّهِ عليهالسلام أَمَرَكمْ أَنْ لَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ تَبَارَك وَتَعَالَى كاذِبِينَ وَأَنَا آمُرُكمْ أَنْ لَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ كاذِبِينَ وَلَا صَادِقِينَ. قَالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ! زِدْنَا. فَقَالَ: إِنَّ مُوسَى نَبِي اللَّهِ عليهالسلام أَمَرَكمْ أَنْ لَاتَزْنُوا
وَأَنَا آمُرُكمْ أَنْ لَا تُحَدِّثُوا أَنْفُسَكمْ بِالزِّنَا فَضْلًا عَنْ أَنْ تَزْنُوا؛ فَإِنَّ مَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالزِّنَا كانَ كمَنْ أَوْقَدَ فِي بَيتٍ مُزَوَّقٍ فَأَفْسَدَ التَّزَاوِيقَ الدُّخَانُ وَإِنْ لَمْ يحْتَرِقِ الْبَيتُ.
الكلام یتألّف من عنصرین أساسیین: الأوّل هو الألفاظ المنتجة ذات المضامین، والثاني هو هيئة التلفّظ بها، بما تحمله من تعبير عن السرور أو الحزن أو الانزعاج أو الميل وغير ذلك. وكلا الجزأين المذكورين جديران بالبحث ضمن المهارات المطلوبة. فالموضوع الكلامي قد یكون مثيرًا، كما أن لحن الصوت وطريقة التعبیر قد تكون مثیرةً بدورها. إن استخدام الألفاظ والعبارات المثیرة، أو التلفّظ بها بنغمةٍ تنمّ عن دلعٍ أو تدلّلٍ أو ميوعة، یحرّك الغریزة الجنسیة ويهدّد حدود العفّة. ولأجل ذلك، یوصي القرآن الكریم، وخصوصًا النساء، بألّا یتكلّمن مع غیر المحارم بلحنٍ ناعمٍ أو مثیر: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) (الأحزاب: 32).
ونظرًا إلى الآثار السلبيّة المترتبة على التحادث مع غیر المحارم، یقول الإمام الصادق عليهالسلام: حَدِيثُ النِّسَاءِ مِنْ مَصَائِدِ الشَّيطَانِ.
ومن المواضیع ذات الصلة: المزاح مع غیر المحارم. فالإسلام لا یعارض روح الدعابة، بل یُوصي بها، إلا إذا أصبحت المزاحمة بابًا للفساد وضعف الكفّ. ولهذا یقول الإمام علي عليهالسلام: إِنَّ خَمْسَةَ أَشْياءَ تَقَعُ بِخَمْسَةِ أَشْياءَ وَلَا بُدَّ لِتِلْك الْخَمْسَةِ مِنَ النَّارِ إِلَى أَنْ قَالَ وَمَنْ مَازَحَ الْجَوَارِي وَالْغِلْمَانَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ الزِّنَى وَلَابُدَّ لِلزَّانِي مِنَ النَّار.
بعضُ ما يُسمع قد یكون باعثًا على إثارة الغریزة الجنسیة. فالأغاني ذات المضامین غیر الأخلاقیّة والمثیرة محرّمة من هذا المنطلق، إذ تُضعف من قدرة الإنسان على الكفّ والمقاومة الجنسیة. فصوت النساء المغنّیات، بل حتى الصوت العادي لبعض النساء إذا كان ناعمًا، قد یحرّك غریزة الرجل. وكذلك، قد یُثیر صوتُ رجلٍ مغنٍّ أو موسیقى مثیرةٌ غریزةَ المرأة.
وعلیه، فإنّ من المهارات الأخرى في تقلیل الإثارة حفظُ العفّة السمعیّة، واجتنابُ الاستماع إلى الأصوات المثیرة، والابتعاد عن المجالس المشحونة بالإثارات والانفعالات الضارة والعبثیة. وقد ورد عن الإمام الصادق عليهالسلام إنّ الله فرض على السمع أن يتنزّه عن الاستماع إلى ما حرّمه الله، وأن یعرض عن كلّ ما لا یحلّ له، وأن یتجنّب الاستماع إلى ما یُغضب الله عز وجل.
وقد نهى الأئمة المعصومون عليهمالسلام مرارًا أصحابهم عن الحضور في أماكن یُعزف فیها الغناء والموسیقى المحرّمة، بل وعن مجاورة تلك المحافل.
وكانوا یُكذّبون من زعم أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كان یسمع لبعض الأغاني ویُجيزها، ویلعنون من یختلق مثل هذه الأكاذيب.
كما نُقل عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يُسلّم على النساء، فیرددن عليه، بینما الإمام علي عليهالسلام كان لا یُسلّم على النساء الشابات: كانَ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم يّسَلِّمُ عَلَى النِّسَاءِ وَيرْدُدْنَ عَلَيهِ وَكانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليهالسلام يّسَلِّمُ عَلَى النِّسَاءِ وَكانَ يكرَهُ أَنْ يّسَلِّمَ عَلَى الشَّابَّةِ مِنْهُنَّ وَيقُولُ: أَتَخَوَّفُ أَنْ يّعْجِبَنِي صَوْتُهَا فَيدْخُلَ عَلَي أَكثَرُ مِمَّا طَلَبْتُ مِنَ الْأَجْرِ.
وفي هذا النصّ، یُلاحظ أنّ الإمام علي عليهالسلام كان یُحافظ على سمعه من أي صوت قد یكون ولو احتمالًا مثیرًا.
إنّ الرائحة الطيّبة مُنعشة للنفس وجاذبة للقلب، وهذه الخاصّية تدفع الإنسان إلى توجيه انتباهه نحو مصدر هذه الرائحة والانجذاب إليه والارتباط به. فإن كان مصدر الرائحة الطيّبة امرأة أو رجلًا أجنبيًّا، فما الذي سيحدث؟ لا شكّ في أنّ
ذلك سيجذب انتباه الطرف الآخر، ويُثير ميله، ويُحرّك غريزته الجنسيّة. ومن هنا، فإنّ الرائحة العطرة قد تُضعف القدرة على الكفّ وضبط النفس. وتتأكّد أهميّة هذا الأمر في ما يتعلّق بالنساء، نظرًا لقوّة الدافع الجنسيّ عند الرجال وسرعة استجابتهم للمثيرات. ولهذا، وردت روايات كثيرة تُشدّد على النهي عن تطيّب النساء قبل الخروج من المنزل. يقول النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم: «أيّمَا امرَأةٍ استَعطَرَتْ فَمَرَّت عَلى قَومٍ لِيجِدُوا مِن رِيحِها فَهي زَانِيةٌ».
والمقصود من الزنا هنا، زنا الشمّ؛ فلكلّ حاسّةٍ زناها الخاصّ. وقد ورد أنّ السيّدة الزهراء؟عها؟ كانت تتحفّظ حتى من الكفيف، وتتجنّب قربه كي لا يشعر بوجودها عبر حاسّة الشمّ. يقول الإمام علي عليهالسلام: اسْتَأْذَنَ أَعْمَى عَلَى فَاطِمَةَ؟عها؟ فَحَجَبَتْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم لَهَا لِمَ حَجَبْتِيهِ وَهُو لَايراك؟ فَقَالَتْ ؟عها؟: إِنْ لَمْ يكنْ يرانِي فَإِنِّي أَرَاهُ وَهُو يشَمُّ الرِّيحَ.
يُوصى بعدم خلوة المرأة مع رجلٍ أجنبيّ بدون وجود مَحرم. وقد عدّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أربعة أمورٍ مفسدة للقلب والنفس، من جملتها الخلوة بالنساء الأجنبيّات. فمن يخلو بامرأةٍ أجنبيّة، يكون الشيطان ثالثهما، وعندها تكون العواقب معروفة. قال
رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: لا يخلُوَنَّ رَجُلٌ بِامرَأَةٍ فَإِنَّ ثالِثَهُمَا الشَّيطانُ.
وفي هذا الموضع، يكون الشيطان أقرب ما يكون إلى الإنسان. وقد صرّح الشيطان نفسه بذلك للنبيّ نوح عليهالسلام، حيث قال إنّه في حال خلوة الرجل بالمرأة، يكون أقرب الناس إليه.
وجاء عن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: إنّ من توصيات الشيطان إلى النبيّ موسى عليهالسلام كانت:
يا موسى! لا تَخلُ بِامرَأَةٍ ولا تَخلُ بِك، فِإِنَّهُ لا يخلو رَجُلٌ بِامرَأَةٍ ولا تَخلو بِهِ إلّا كنتُ صاحِبَهُ دونَ أصحابي.
وقد ورد أيضًا عن الإمام الباقرعليهالسلام ، أنّ إبليس قال لموسى عليهالسلام:
ولا تَخلُوَنَّ بِامرَأَةٍ غَيرِ مَحرَمٍ فَإِنّي لَستُ أجعَلُ بَینَكما رَسولًا غَیري.
وتظهر دقّة التعبير في الروايتين باستخدام صفتَي «مصاحب» و«رسول» لوصف موقع الشيطان في مثل هذا الظرف؛ فـ«المصاحب» تدلّ على مرافقة الشيطان الشديدة للإنسان، و«الرسول» تدلّ على دوره في تمرير الرسائل والإيحاءات غير المرئيّة من أحد الطرفين إلى الآخر. وقد يشعر كلّ من الرجل
والمرأة في الخلوة، وكأنّ هناك قناةً اتصاليّةً ثنائيّةً قد فُتحت، تُنقل عبرها رسائلُ مكنونة من ميلٍ أو رغبة، في حين أنّ هذه الرسائل إنّما هي وساوس وإيحاءات من الشيطان.
قد تحصل الخلوة لغرضٍ علاجيّ أو استشارةٍ ونحوها، إلا أنّ وجود رجلٍ من المحارم، أو إجراء المحادثة في فضاءٍ عامّ وغير مغلق، يُقلّل من المخاطر المحتملة. كما أوصت الروايات بعدم سفر المرأة وحدها دون وجود محرم، وقد وردت في ذلك نصوص كثيرة. حتى أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أعفى أحد المسلمين من المشاركة في الحرب بعد أن كان قد تهيّأ لها، وذلك لأنّ زوجته خرجت للحجّ وحدها، وهذا يُظهر خطورة سفر المرأة وحدها، وأهميّة وجود محرم يرافقها.
الغضب من الانفعالات المعقّدة لدى الإنسان، ويُعدّ استجابة شائعة في مواجهة الفشل وسوء المعاملة. وجميعنا مررنا في حياتنا بمواقف مثيرة للغضب. وتكمن الإشكاليّة في الغضب في كونه، رغم كونه جزءًا من الحياة، قد يُعيقنا عن بلوغ أهدافنا، وهذا ما يجعل الناس في صراع داخلي حياله؛ فمن جهة هو ردّ فعل طبيعي، ومن جهة أخرى قد يُعطّل العلاقات البَيْنَ-شخصيّة ويحول دون تحقيق المقاصد.
الغضب انفعال يجب تمييزه عن السلوك العدواني؛ إذ يمكن أن يحدث تفاعل بين الغضب والعدوان، ولكنّ الناس في الغالب يشعرون بالغضب من دون أن يُمارسوا سلوكًا عدوانيًّا. فمثلًا، قد يشعر الإنسان بالغضب عندما يُحبط في سعيه لتحقيق هدف ما. وقد يُفضي هذا الغضب لاحقًا إلى سلوك عدواني. لذا، تتناول هذه الدراسة سُبل مواجهة كلٍّ من الغضب والسلوك العدواني معًا.
تعريف الغضب من المسائل الصعبة؛ لأنّ الأفراد يختلفون
كثيرًا من حيث توقيت الغضب، وأسبابه، وكيفيّة الاستجابة له. فعندما يُستثار الإنسان، تتغيّر حالاته ومزاجه، وقد ترتعش ركبتاه، ويتغيّر لونه. وتحمرّ عيناه وتنتفخ عروق رقبته، ويُصاحب ذلك عواقب من قبيل الصراخ، الجدال، وسبّ الآخرين، وهذه المجموعة من الظواهر تُسمّى «الغضب».
ويرى علماء النفس أنّ الغضب هو أشدّ الانفعالات حرارةً وحدّة، ويمكن استثارته بطرائق متعدّدة، غير أنّ محرّكه الأساسي سواء أكان جسديًّا أم نفسيًّا هو «القيود»؛ فالغضب يُثار نتيجة الفشل أو الإحباط في الوصول إلى الهدف. وعلى المستوى العصبيّ، يُعدّ الغضب انفعالًا عالي الكثافة، ويتّسم بإطلاق عصبيّ متواصل وسريع. كما أنّ الغضب يُعدّ من أخطر الانفعالات؛ لأنّه يستهدف إزالة العوائق في البيئة من طريق الهجوم.
الغضب نقيضٌ للسكينة النفسيّة والثبات الانفعالي، وفي
(169)هذه الحالة لا يظهر من الفرد مرونة أو رحمة. وعندما يُصبح الغضب خُلقًا ثابتًا عند الإنسان، فإنّ الإمام علي عليهالسلام يعتبره من طبائع أصحاب المزاج الحادّ. وفي مثل هذه الحال، يتسبّب الانفعال الجارف الناتج عن الغضب في إرباك الفرد على صعيد الأفكار، وصعوبة في ضبط المشاعر، وتعقيد في تنظيم السلوك.
إنّ للغضب عواقب سلبيّة متعددة وكامنة في طبيعته. فالغضب لا يقتصر ضرره على الآخرين فحسب، بل يعود بالضرر الجسيم على الشخص الغاضب نفسه، ويمكن أن يؤثّر على كفاءته الفرديّة والاجتماعيّة.
وتعبّر التعاليم الدينيّة بدقّة عن تبعات الغضب، وتصفه بمفتاح كلّ شرّ. ومن هذا المنظور، فإنّ الغضب والسلوك
العدوانيّ يتركان آثارًا وخيمة، مثل: الحزن العميق، والملل، وفقدان الثبات الانفعالي، وخمود العواطف، وإثارة الأحقاد، وفقدان التعقّل، وتراجع الجاذبيّة الاجتماعيّة، بل وقد يُفضي إلى انهيار الحياة الروحيّة والدينيّة للفرد.
ومن تبعات الغضب أيضًا: الخوف، واستثارة العنف المضادّ، وفقدان السيطرة، والشعور بالذنب، والانفصال عن القيم الإنسانيّة، والنفور من الناس، وتدهور الصحة العامة، وتشكّل بيئة اجتماعيّة خطيرة قد تهدّد حتى أمن وراحة الشخص العدواني نفسه. ويرافق الغضب عادةً طيف من الانفعالات
الأخرى مثل: العنف، العداء، الحقد، الكراهية، الغيرة، التوجّع، الإهانة والانزعاج.
ينقسم الغضب البشري إلى نوعين: سليم وغير سليم. فانخراط الإنسان في انفعال الغضب والاندفاع العدواني لأجل القضايا الدنيويّة، لا يُعدّ مقبولًا في التعاليم الدينيّة والنصوص الروائية، بل يُذمّ ويُرفض.
غير أنّ ثمّة حالة واحدة يُعدّ فيها الغضب محمودًا ومشروعًا، وهي حينما يكون في سبيل إحقاق الحقّ ونُصرة رضا الله تعالى؛ ففي هذه الحالة يكون الغضب مطلوبًا، ويُشبَّه المؤمن بالغاضب لحقّه بالنمر الجريح الذي لا يخاف قلّة الأعوان أو كثرتهم.
بالنسبة إلى الغضب السليم، فإنّه يرتكز على منظومة من المعتقدات الإيجابيّة مثل: المرونة في المطالب، وحسن الظنّ، وتحمّل الفشل، وتقبّل الآخر، وتقبّل الذات. وأما الغضب غير السليم، فيقوم على منظومة من المعتقدات السلبيّة مثل:
المطالب غير المرنة، وسوء الظنّ، وانعدام الصبر عند الفشل، ولوم الآخرين، ولوم الذات. وبما أن الغضب السليم ينطوي على معتقدات عقلانيّة، فإنّه بطبيعة الحال لا يفضي إلى النتائج والمضار التي يُحدثها الغضب غير السليم. ويمكن تلخيص المبادئ الثلاثة الأساسية في الغضب السليم بما يلي:
١. كونه عقلانيًّا قائمًا على البرهان،
٢. كونه مفيدًا ومرتبطًا بهدفٍ إيجابيّ في الحياة،
٣. توافقه مع الواقع.
وقد وردت روايات كثيرة في النصوص الدينيّة حول الغضب السليم، نذكر منها ما يلي: كان من السمات البارزة في سيرة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه لم يكن يغضب إلّا لرضا الله سبحانه. وقد ورد عن الإمام الحسن عليهالسلام: كانَ النَّبِي صلىاللهعليهوآلهوسلم يغْضَبُ لِرَبِّهِ وَلَا يغْضَبُ لِنَفْسِهِ.
ويُشير الإمام علي عليهالسلام إلى هذا المعنى في بيان سيرته صلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث يقول:كانَ النَّبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم لا يغضَبُ لِلدُنيا، فإذا أغضَبَهُ الحَقُّ لَم يعْرِفْهُ أحَدٌ ولم يقُمْ لِغَضَبِهِ شَيء حَتّىٰ ينْتَصِرَ لَهُ....
وفي ما يلي، نُشير إلى بعض نماذج الغضب السليم والعقلاني كما ورد في سيرة الأئمة المعصومين عليهمالسلام.
لقد أولى القرآن الكريم أهميّة بالغة لهذا النمط من الغضب، ولذلك صوّر نهاية الغضب غير السليم بصورةٍ غامضةٍ ومبهمة. فالنبي يونس عليهالسلام، لم يكن فراره من أداء مهمّته، ولا غضبه من زوال العذاب، ولكنّه قام بفعلٍ احتمل فيه الغضب، فكان ذلك سببًا في ما نزل به من البلاء، وقد أشار القرآن إلى ذلك في قوله:
(وذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَك إِنِّي كنْتُ مِنَ الظَّالِمينَ) (الأنبياء: 87).
وفي آية أخرى: (فَاصْبِرْ لِحُكمِ رَبِّك وَلا تَكنْ كصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُو مَكظُومٌ) (القلم: 48).
كما تُبرز النصوص الروائية الأخرى الدور المميّز الذي يلعبه الغضب سليمًا كان أم غير سليم في توجيه السلوك الإنساني. فحين نُفي الصحابي الجليل أبوذرّ الغفاري إلى الربذة، خاطبه الإمام علي عليهالسلام قائلًا: يا أَبَا ذَرٍّ! إِنَّك إِنَّمَا غَضِبْتَ لِلَّهِ عز وجل فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوك عَلَى دُنْياهُمْ وَخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِك فَأَرْحَلُوك عَنِ الْفِنَاءِ وَامْتَحَنُوك بِالْبَلَاءِ....
ويقول الإمام علي عليهالسلام في موضع آخر، في ما ورد أنّه نقله من التوراة إلى العربية: الثَّامِنَةُ: يا بْنَ آدَمَ أَتَغْضَبُ عَلَي مِنْ أَجْلِ نَفْسِك وَلا تَغْضَبُ عَلَي نَفْسِك لِأَجْلِي؟.
يمكن الاستفادة من أساليب متعدّدة في مواجهة الغضب غير الصحي والسلبي. وهذه الأساليب قد تكون معرفيّة، سلوكيّة، انفعاليّة، تواصليّة، بيولوجيّة أو روحيّة. ومن جملة الحلول المتعدّدة الأبعاد معرفيّة انفعاليّة التي يمكن توظيفها، التسامح والصبر. في هذا المقال، يُشار أوّلًا إلى الأساليب المتبعة في مواجهة غضب النفس، ثم يُشار إلى أساليب مواجهة غضب الآخرين.
حينما نشعر بالغضب، نلجأ إلى وسائل مختلفة لتهدئة أنفسنا، وقد ثبتت فاعليّة بعض هذه الوسائل لدينا، فيما تسببت أخرى في تعقيد الموقف. ولتجنّب أسلوب المحاولة والخطأ، يمكن استخدام الأساليب الآتية في لحظات الغضب.
حين نمرّ بحدث ما، نقوم بتفسيره. على سبيل المثال: «فزت
في المسابقة، وأشعر بالفرح» أو «فشلت في الامتحان، وأنا مكتئب». تُسمّى هذه التفسيرات «التقييم المعرفي». إنّ معنى وتفسير الحدث يختلف عن ذات الحدث. ومن الواضح أن تقييمنا للموقف يمكن أن يؤثّر على شدّة تجربتنا الانفعالية. فإن قال صديق لنا إنه لا يحتمل رؤيتنا، فإننا سنغضب أو ننزعج بشدة، أما إذا صدر هذا القول من شخص غريب، فقد لا نشعر بأي انزعاج. في مثل هذه الحالات، فإنّ تقييمنا المعرفي للموقف هو الذي يحدّد شدة تجربتنا الانفعاليّة.
ونظرًا لوجود أخطاء معرفية، فقد تكون هذه المعاني والتفسيرات خاطئة. فالشخص العدواني يُقيّم المواقف وكأنها موجّهة ضده. وهذه النظرة تؤدي إلى نشوء الغضب أو استمراره. وقد أكّدت التعاليم الدينيّة أيضًا على أثر المعرفة والعلم في ضبط العواطف. يقول الإمام علي في بيان أثر المعرفة والوعي في كبح الغضب: «ردُّ الغَضَبِ بِالحِلْمِ ثَمَرةُ العِلْمِ».
ومن الطبيعي أنّه متى ما ازدادت معرفة الإنسان، وكانت هذه الزيادة سببًا في ظهور الحِلم، فإنّ ذلك لا شكّ سيساهم في ضبط العواطف والمشاعر. فالمعرفة والوعي تمثّلان في الواقع إحاطة بجميع الاحتمالات والنتائج، وهي معرفة مقرونة
بالتجربة، قادرة على التنبّؤ والتبصّر بالعواقب. والواقع أنّ الإنسان حينما يغضب، لا يرى نفسه من فرط الغضب، ولا يُدرك قدره وقيمته؛ ولكن حينما يتحلّى بضبط النفس ويعرف قدر نفسه، ويهدأ غضبه، تكون عاقبة غضبه كالقمة الشهية التي يُمكنه أن يهضمها بسهولة. وفي وصية أمير المؤمنين علي عليهالسلام لمالك الأشتر بشأن كبح الغضب، تم التركيز أيضًا على أهميّة الفكر والمعرفة. قال عليهالسلام: «امْلِك حَمِيةَ أَنْفِك وَسَوْرَةَ حَدِّك وَسَطْوَةَ يدِك وَغَرْبَ لِسَانِك وَاحْتَرِسْ مِنْ كلِّ ذَلِك بِكفِّ الْبَادِرَةِ وَتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ وارفَعْ بَصَرَك إلَى السماءِ عندَ ما يحضُرُك مِنهُ حَتَّى يسْكنَ غَضَبُك فَتَمْلِك الِاخْتِيار».
في مثل هذا الموقف، يخلق الشخص من خلال التوقف المؤقت والنظر إلى السماء والتفكّر في قدرة الله اللامحدودة وضعف قدرته هو فرصةً لاسترجاع قدرته المعرفية، ممّا يُهيّئ لتهدئة انفعال الغضب الطاغي. بعبارة أخرى، يُنشئ بذلك فجوةً بين الانفعال السريع والتحوّل إلى الفعل، ويستعيد تفكيره المنطقي.
وقد يعاني الأشخاص الغاضبون من أخطاء معرفية، ويُقيّمون المواقف وكأنها موجهة ضدهم. وفي هذه الحال، ينبغي تشخيص هذه الأخطاء وتصحيحها، ليحل التفكير المنطقي
محلها. وهذه الأخطاء تشمل: التفكير الثنائي (كل شيء أو لا شيء)، التعميم المبالغ فيه، التصفية الذهنية، تجاهل الجوانب الإيجابيّة، الاستنتاج المتسرّع، التضخيم، الاستدلال العاطفي، الأحكام القسرية (يجب)، التوصيف السلبي، التخصيص، واللوم.
بسبب وجود هذا النوع من المعارف، فإذا كانت نظرتكم إلى الغضب هي أنّ «التصرّف بغضب أمرٌ حسن»، فإنّكم واقعون في خطأٍ معرفي، ويُستحسن أن تستبدلوا هذه الفكرة اللامنطقيّة بفكرةٍ منطقيّةٍ مفادها أنّ الغضب يزيد من حدّة السلوك العدواني أو أنّ التصرّف الغاضب يَحول دون تلبية احتياجاتٍ أخرى لكم. أو إذا كنتم تظنّون أنّ «الغضب أمرٌ غريزيّ وطبيعيّ»، فعليكم أن تُقنعوا أنفسكم بهذه الحقيقة المؤكّدة أنّ تفسيرنا وفهمنا للأحداث هما من العوامل المؤثرة في نشوء الغضب، وأنّنا غالبًا ما نتعلّم الغضب من خلال التجربة. وإذا كنتم تظنّون أنّه «بما أنّكم منزعجون بشدّة، فلا بدّ أن تُلبّى مطالبكم»، فعليكم أن توجّهوا أنفسكم إلى هذه الحقيقة وهي أنّ احتياجاتكم لا يمكن أن تكون أهمّ من احتياجات الآخرين، بل إنّ اعتبارها كذلك يُعدّ ضربًا من الأنانية.
لقد توصّلنا حتى الآن إلى هذه النتيجة، وهي أنّ الأحداث والوقائع بحدّ ذاتها ليست هي التي تُفسد مزاجنا وتُثير غضبنا،
بل إنّ الحكم والتقدير الذي نصدره تجاه الموقف هو الذي يدفعنا إلى الغضب. ولهذا السبب، فإنّ طريقة حديثنا ستتغيّر من الآن فصاعدًا؛ أي إنّنا بدلًا من أن نقول: «لقد غضبتُ لأنّ أمّي تعاملت معي بتلك الطريقة»، نقول: «أمّي تعاملت معي بتلك الطريقة، وأنا قرّرت أن أغضب».
ومن أجل أن نتمكّن من السيطرة على غضبنا عمليًّا من خلال التفكير المنطقي، لا بدّ لنا أن نُدرك أفكارنا ومشاعرنا وسلوكيّاتنا. ونتحقّق من ذلك عبر تدوين تواريخ وأوقات حالات الغضب، مع الأفكار والمشاعر التي كانت لدينا حينها، كي نتمكّن من تتبّع نماذج تلك السلوكيّات وتصحيحها. وفي هذا السياق، يساعدنا النموذج الثلاثي الأعمدة المستمدّ من نموذج ABC لـ«إليس». ففي هذا النموذج، يُمثّل «نتيجة السلوك» «الغضبَ نفسه». وغالبًا ما يعزو الأفراد غضبهم إلى «حدث مُفعّل»، في حين أنّ الحدث بحدّ ذاته ليس هو المسبّب للمزاج السيّئ، بل إنّ «الاعتقاد والفكرة» هما اللذان يؤدّيان إلى نشوء الغضب. وبهذا تكتمل أركان نموذج ABC.
ينبغي أن تقوموا على مدى الأسبوع، في كلّ مرّة تشعرون فيها بالغضب، بتدوين تاريخ وزمن شعوركم بالغضب، وتكتبوا الحدث الذي أدّى إلى ذلك الغضب (A)، ثمّ تعرِضوا الاعتقاد الذي كان لديكم حيال هذا الحدث أثناء الغضب (B)، وفي النهاية تدوِّنوا مشاعركم تجاه ما حصل (C). وواصلوا هذا العمل حتّى تكتشفوا من خلال جمع هذه الاعتقادات معًا، الأخطاء المعرفيّة المرتبطة بغضبكم.
من الوسائل الفاعلة في كظم الغضب تقويم المكاسب والخسائر وتجنّب الوقوع في الأضرار المحتملة. ومن الطبيعي أن الإنسان العاقل، في مثل هذا التقييم، يميل إلى اختيار الضرر الأقل. ومن هنا فإنّ من الطرق العمليّة للتحكم في الغضب، التأمّل في المنافع والمضارّ، وهو ما تُطلق عليه التعاليم الدينيّة مصطلح «عاقبة الأمور». فالإنسان الذي يتّصف بالحكمة والنظر في العواقب، يتّخذ قراراته بالنظر إلى مآلات الأمور ونتائجها. وإنّ عقل الإنسان، إذا لم تعترضه موانع معرفية، سيحكم بنفسه بأنّ الانخراط في الانفعالات العاطفية لا يجلب سوى الضرر، وغالبًا ما يؤدي إلى نشوء مشاعر الانزعاج والانقباض.
إنّ الانتباه إلى النتائج المحتملة لأيّ تصرّف، يمكن أن يعيننا على اتخاذ القرار الأفضل بشأنه. فإذا سلّمنا بأنّ الغضب
والانفعال ترافقهما مشاعر مثل الخوف، القلق، الضغط النفسي، الإحساس بالذنب، الاكتئاب، الانزعاج، الأذى، الإحباط، اليأس، وسواها من الانفعالات المشابهة، وأنّ لها تبعات ضارّة على الصحة النفسيّة والعلاقات الاجتماعيّة، فسوف نُعيد النظر في الاستسلام للغضب. ومن أبرز الأضرار التي تخلّفها السلوكيات العدوانية ما يلحق بالإنسان من ذلّ وهوان في المستقبل، إذ إنّ ما يُخيّل للمرء من عزّة ورضا يعقب سلوكًا عدوانيًّا، لا يعوّض أبدًا عن المهانة والندم الذي يأتي بعده. وقد قال الإمام عليّ عليهالسلام: «لا يقُومُ عِزُّ الغَضَبِ بِذُلِّ الاعتِذارِ»
وعلى هذا الأساس، فإنّ ذوي النظر البعيد يكظمون غيظهم ولا يبدونه. يقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «أَحْزَمُ النَّاسِ أَكظَمُهُمْ لِلْغَيظ».
وفي رواية أخرى، يبيّن الإمام عليّ عليهالسلام خطر عواقب الغضب، ويدعوكلّ عاقل إلى الاتعاظ بها: «كمْ مِنْ غِيظٍ تَجَرَّع مَخافةَ ما هُو أشَدٌّ مِنه».
ومن الطبيعي أنّ الغضب إذا لم يُضبَط في أيّ درجة من درجاته، فمن المحتمل أن يتحوّل إلى سلوك عدواني. ولهذا
يمكن اختبار بُعد النظر والثبات الانفعالي عند الإنسان من خلال ردّة فعله في حالات الغضب. وقد قال الإمام عليّ عليهالسلام:
«لَا يعْرَفُ الرَّأْي إِلَّا عِنْدَ الْغَضَب»
إنّ إدراك ما يترتب على كظم الغيظ من فوائد يُعدّ عاملًا مهمًّا في التحفيز على ضبط النفس، خاصّة إذا تذكّرنا أنّ لذلك فوائد دنيوية ومادية، فضلًا عن منافعه المعنويّة والأخرويّة. والرويات الآتية تبيّن بشكل مباشر منافع كظم الغضب. فقد قال أمير المؤمنين عليهالسلام: «طُوبى لِمَن كظُمَ غِيظَهُ ولَم يطلِقهُ، وعَصى أمرَ نَفسِهِ فَلَم يهلِكهُ»
وفي حديثٍ آخر عن الإمام الصادق عليهالسلام، حول كظم الغيظ مع القدرة على إنفاذه، ورد ما يلي: «مَنْ كظَمَ غَيظًا وَهُو يقْدِرُ عَلَى أَنْ ينْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ تَعَالَى يوْمَ الْقِيامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يّخَيرَ مِنْ أَي الْحُورِ شَاءَ»
كذلك يقول الإمام عليّ عليهالسلام: «إِنَّ الْمُجَاهِدَ نَفْسَهُ وَالْمُغَالِبَ غَضَبَهُ وَالْمُحَافِظَ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ يرْفَعُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ ثَوَابَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ وَينِيلُهُ دَرَجَةَ الْمُرَابِطِ الصَّابِر»
من جهةٍ أخرى، فإنّ إدراك خطورة عدم كظم الغضب يُعدّ عاملًا معرفيًّا مهمًّا في ضبط النفس، إذ إنّ الأفراد الغضوبين والعدوانيين يتعرّضون لأضرارٍ جسيمةٍ، من قبيل الاكتئاب، وفقدان الجاذبية في العلاقات بين الأفراد، وضعف التذكّر، واضطراب التوازن الانفعالي، وانعدام التعقّل والرشد، بل قد يُؤدّي ذلك إلى تدمير الحياة الروحية. فإذا كان الانفعال النفسي كالغضب لا يُنتج فائدة، بل يجرّ إلى أضرارٍ كتلك المشار إليها، وجب على الأقلّ تأمّل هذه المكاسب والمخاطر، لأنّ تقييمها هو السبيل الأقلّ كلفةً لمواجهة الغضب والانفعال.
ولتعزيز فاعليّة الاستراتيجية المعرفية في تقييم المكاسب والخسائر، يمكن اعتماد أسلوب «الإيحاء بالمكاسب والخسائر». ويُعدّ هذا الأسلوب نافعًا لدى أولئك الذين لديهم
قدرة تحمّل منخفضة للإحباط. وتُوصى الخطوة الأولى بكتابة قائمة تحتوي على فوائد الغضب وأضراره. ولا بدّ في عمليّة التقييم من وضع جميع الفوائد معًا وجميع الأضرار معًا، ثم تقييمها مجتمعة، إذ إنّ هذا التقدير أكثر دقّة من مقارنة كلّ فائدة بكلّ ضرر على حدة. بعد ذلك، يجب أن تُفكّر مليًّا يوميًّا، بين عشر إلى عشرين مرّة، في هذه المنافع والمضار. وهذه الممارسة تُعدّ من الأساليب المجدية للسيطرة على الغضب.
«حلّ المشكلات» هو عمليّة معرفيّة سلوكيّة، يتولّاها الفرد بنفسه ويسعى من خلالها إلى العثور على حلول فعّالة أو تكيفيّة للمشاكل التي تعترضه في حياته اليوميّة. وتُعدّ هذه المهارة وعيًا سلوكيًّا وإدراكيًّا، يتميّز بالعقلانيّة والهدفيّة والجدّية في البحث عن الحلول. كما أنّها تُعدّ «استجابةً مواجهة»؛ لأنّ الفرد حينما يُعالج المشكلة، يكون في مواجهة مباشرة معها. وقد تكون المواجهة فاعلة أو غير فاعلة؛ وتكون فاعلة حينما يُحلّ الإشكال بطريقةٍ تُحقّق أفضل النتائج وأقلّ الخسائر.
ويمكن تلخيص المراحل الرئيسة لحلّ المشكلات كما يلي:
1. الإدراك بوجود موقف إشكالي يستوجب الحلّ (التشخيص)؛
2. اقتراح جميع الحلول الممكنة دون الالتفات إلى ملاءمتها (الطرح).
3. تقييم الكلفة والفائدة النسبيّة على المدى القريب والبعيد لكلّ حلّ (التقييم).
4. تحديد مدى قابليّة الحلول للتطبيق العملي (التحقّق من الإمكان).
5. اختيار أنسب الحلول (الاختيار).
وحلّ المشكلات هو نهج عقلاني ومنطقي لتجاوز التحديات، وتُسهم مجموعةٌ من المفاهيم الدينيّة مثل الحِزم، والتدبير، والتفكّر، والتدبّر، والنظر في العواقب، في بيان موقع هذه المهارة في المنظومة الأخلاقية الدينيّة.
إنّ القيام بسلوك بسيط كأن يجلس الإنسان أو ينهض أو يتمدّد، قد يكون من أبسط الحلول لمواجهة الانفعالات العاطفية كالغضب؛ ذلك أنّ قدرة الإنسان على التحكم بأفكاره أثناء الغضب تكون ضعيفة جدًّا. وتُعدّ أسهل الحركات في هذا المجال هي الجلوس أو الوقوف. ويُراعى أن يتناسب تغيير الوضعية الجسدية تدريجيًّا مع درجة شدّة الغضب.
ويُعدّ تغيير الوضع الجسدي من بين الأساليب التي أوصى بها النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم
والأئمّة المعصومون عليهمالسلام، وكانوا يُكرّرونها في وصاياهم لأصحابهم. قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم
: «إذا غَضِبْتَ فَاجلِس».
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم لعليّ عليهالسلام: «يا عَلِي! لَا تَغْضَبْ؛ فَإِذَا غَضِبْتَ فَاقْعُدْ».
وفي العديد من النصوص الحديثيّة، وردت توصيات مشابهة للتعامل مع الغضب. يقول الإمام الباقرعليهالسلام: «أَيمَا رَجُلٍ غَضِبَ وَهُو قَائِمٌ فَلْيجْلِسْ فَإِنَّهُ سَيذْهَبُ عَنْهُ رِجْزُ الشَّيطَانِ وَإِنْ كانَ جَالِسًا فَلْيقُم».
بعد تغيير الوضعيّة من الوقوف إلى الجلوس، تزداد احتماليّة ابتعاد الشخص عن انفعال الغضب مقارنةً بحالته عندما يكون في موقعٍ سلبيٍّ ساكن، ولكن إذا بقي منغمسًا في مشاعر الغضب، فعليه أن يُغيّر وضعيّته مرّةً أخرى، وهذه المرّة بالاضطجاع ليستعيد هدوءه. وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «الغَضَبُ
مِنَ الشَّيطانِ، فَاذا وَجَدَ اَحَدُكم قائِمًا فَليجْلِسْ، وإنْ وَجَدَهُ جالِسًا فَليضْطَجِعْ».
وقد كان الصحابي أبوذر يعمل بهذه الطريقة في مواجهة الغضب بتوصيةٍ من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم. فعندما سُئل عن سبب جلوسه بعد أن كان واقفًا، ثمّ اضطجاعه بعد ذلك، أجاب: إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال لنا: «إذا غَضِبَ أَحَدُكم وَهُو قائمٌ فَليجْلِسْ، فَإنْ ذَهَبَ عَنهُ الغَضَبُ وإلّا فَليضْطَجِعْ» .
كما قال الإمام الباقرعليهالسلام:«فَإِذَا خَافَ أَحَدُكمْ ذَلِك [الغضب] مِنْ نَفْسِهِ، فَلْيلْزَمِ الْأَرْضَ، فَإِنَّ رِجْزَ الشَّيطَانِ لَيذْهَبُ عَنْهُ عِنْدَ ذَلِك»
ويُحتمل أنّ هذا التغيير الفيزيائي للجسد يُحدث نوعًا من التوقّف في مسار الانفعال السلبيّ الناتج عن الغضب. إذ إنّ تحليل السبب المؤذي على نحو منطقيّ لا يكون ممكنًا عادةً إلا بعد التحرّر من تركيز الغضب الانفعالي، وهو ما يُصبح أسهل بفضل تغيير الوضعيّة الجسديّة.
بعد أن يُغيّر الشخص وضعيّته أثناء الغضب، فإنّ «تغيير
الموقعيّة» يُعدّ من الوسائل الأخرى النافعة في السيطرة على الغضب. وتتمثّل هذه الوسيلة في مغادرة المكان الذي تسبّب في توليد الغضب، والانتقال مؤقّتًا إلى مكانٍ آخر، وتُعرف هذه العمليّة باسم «التوقّف»، وهي تُمثّل فصلًا بين الانفعال وتحويله إلى سلوك.
وقد ورد في النصوص الروائية التأكيد على هذا النوع من تغيير الموقعيّة، وذلك بمغادرة المكان أو القيام بسلوكٍ معاكسٍ للحالة الغاضبة، للتقليل من حدّة الغضب. فقد أوصى النبيّ داودعليهالسلام ولده النبيّ سليمان عليهالسلام حينما عيّنه خليفة له قائلًا:
«إذا غَضِبتَ فَأَلْصِقْ نَفْسَك بِالأرضِ وَتَحَوَّلْ مِن مَكانِك».
ومن أدوات تغيير الموقعيّة أيضًا: إطفاء الغضب بالوضوء والاغتسال. فالابتعاد عن موقع الغضب والاشتغال بسلوك آخر، مثل التوجّه إلى الوضوء أو الاغتسال، يُساعد كثيرًا في إدارة الغضب. وإن كان للوضوء والغُسل أثرٌ معنويٌّ إضافيّ، فإنّنا نركّز هنا فقط على أثرهما السلوكي، ونتناول البُعد الروحيّ منهما في قسمٍ لاحقٍ مخصّصٍ للجانب المعنوي. قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم:
«إِذَا غَضِبَ أَحَدُكمْ، فَلْيتَوَضَّأْ»
وفي روايةٍ أخرى قال صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكمْ فَلْيتَوَضَّأْ وَلْيغْتَسِلْ»[1].
وبالإضافة إلى ما تقدّم، فإنّ هناك وسائل أخرى يُمكن أن تُسهم في التخفيف من حدّة الغضب، مثل: الخروج من ساحة التوتّر إلى مكانٍ آخر، أخذ دوش بارد، العدّ إلى الرقم عشرة، المشي في الهواء الطلق، شرب كأس من الماء، تشتيت الانتباه عبر الانشغال بنشاطٍ آخر، أو أداء بعض الأنفاس العميقة. هذه الوسائل البسيطة لكن الفاعلة تُمكِّنكم من التحكّم في مشاعركم، والحصول على منظورٍ أفضل للوضع، ما يساعدكم على تنظيم أفكاركم وسلوكيّاتكم بطريقةٍ متّزنة.
ليس من الضروري دائمًا أن نُجيب على الغضب فورًا، بل يمكننا أن ندرّب أنفسنا تدريجيًّا على أن تكون استجابتنا له خاضعة لضبط النفس؛ وخصوصًا في مواقفٍ قد تؤدّي حرارة الغضب فيها إلى إشعال نيرانٍ تلتهم استقرارنا وحياة الآخرين من حولنا. فالاستجابة المؤجّلة في حالة الغضب وسيلةٌ تساعد على تبريد ناره وإطفاء جذوته. ولهذا السبب، فقد جاءت الشريعة الإسلاميّة بذمّ التعجيل بالغضب، إذ إنّه قد يتحوّل إلى عادةٍ مألوفة، ويصعب بعد ذلك التحكّم بالسلوك عند اشتداده. وقد
قال الإمام عليّ عليهالسلام: «لا تُسرِعَنَّ إلَى الغَضَبِ فيتَسَلَّطَ عَلَيك بِالعادَةِ».
لا تُسرع إلى الغضب، فإنّه يتمكّن منك ويغلبك إذا صار عادةً لك.
إضافة إلى ذلك، فإنّ التعجّل في الغضب صفةٌ تُنسب إلى من قلّ عقلهم وخاب رشدهم، ويبدو أنّ السبب في ذلك هو اختلال المعالجة المعرفيّة للانفعالات. يقول الإمام عليّ عليهالسلام:
«مِن طَبائعِ الجُهّالِ التَّسَرُّعُ إلَى الغَضَبِ في كلِّ حالٍ»
وفي جميع الأحوال، حينما يغضب الإنسان، فإنّه لا يرى نفسه ولا يُدرك قيمته، ولكن متى ما كظم غيظه، وأدرك قدره، وسكنت نفسه، أصبح ختام غضبه أشبه بلقمةٍ سائغةٍ يمكنه أن يبتلعها دون عناء. وبذلك، فإنّ الاستجابة المؤجّلة للغضب يمكن اكتسابها بالتدريب على إدارة الأفكار والمشاعر وضبط النفس.
من الوسائل الفاعلة لضبط الغضب «الصمت». فالصمت يمثّل حالة توقّفٍ ذهنيّ تساعد الفرد على تنمية قدراته المعرفية،
وتمنحه فرصةً لإدارة الموقف الانفعالي عبر توجيه أفكاره وكشف الأخطاء المعرفيّة لديه. وقد ورد عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: «إِذَا غَضِبْتَ فَاسْكتْ».
ويُعدّ تشبيه الصمت في الروايات بـ«دواء الغضب» تشبيهًا بليغًا في تصوير أثر هذه الوسيلة في تهدئة الانفعال. إذ يُستخدم الصمت هنا كدواءٍ له مفعول مباشر. قال الإمام عليّ عليهالسلام: «داوُوا الغَضَبَ بالصَّمتِ»
والواقع أنّ الصمت يُعدّ وسيلةً ناجعة في كظم الغيظ، ولا سيّما في العلاقات بين الأشخاص. فهو استجابةٌ «ضبابيّة» بامتياز. فكما أنّك أثناء القيادة لا تستطيع إزالة الضباب أو تخطّيه، بل لا تملك إلا أن تمرّ من خلاله بهدوء، كذلك الحال مع الانتقادات المُستفزّة من الزوج أوالصديق أو الزميل؛ حينها يكون الصمت هو ذلك الضباب الذي تمرّ فيه العاصفة دون أن تؤذيك. لذا يُمكن اعتبار الصمت استجابةً ضبابيّةً تمتصّ حرارة الغضب وتجنّبك انفجاره.
يقدّم علماء النفس السلوكيّون في العصر الحاضر طُرُقًا عديدةً ومهمّةً من أجل إحداث السلوكيّات المرغوبة وزيادتها،
وكذلك للحدّ من السلوكيّات غير المرغوبة وتقليلها. ومن أبرز تلك الأساليب المعتمدة في تعزيز السلوك الإيجابي: نظام المكافأة، والتعزيز التفريقي، وتشكيل السلوك، بينما يُستخدم أسلوب التعزيز التفريقي للسلوك الآخر، وكذلك العقاب (بالحرمان أو الجزاء) بهدف تقليل السلوك السلبي أو القضاء عليه.
وتتضمّن النصوص الدينيّة إشاراتٍ مهمّةً في ما يتعلّق بمسألة الغضب، حيث تُعدّ هذه الإشارات بمثابة آلياتٍ ترغيبيّةٍ وترهيبيّةٍ لمواجهة الغضب والتقليل منه. وتُقدِّم هذه التعاليم في بعض الموارد وعيًا ومعرفةً حول الثواب والعقاب، ومن خلال تذكير الفرد بالثواب والحرمان، تُمهِّد لظهور السلوك الإيجابي وتقلّل من السلوك السلبي. ويقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في الحديث عن الثواب الذي يُمنح للذين يكظمون غيظهم ويضبطون أنفسهم:
«رَأيتُ لَيلَةَ أُسرِي بِي قُصُورًا مُستَوِيةً مُشْرِفَةً عَلَى الجَنَّة. فقُلتُ: يا جِبريلُ! لِمَن هذا؟ فَقال: لِلكاظِمينَ الغَيظَ والعافينَ عَن النّاسِ وَاللّهِ يّحِبُّ المُحسِنينَ».
إنّ كظم الغيظ وضبط النفس مع التمكُّن من التفريغ والانفعال، ولو بمقدار «جرعة» واحدة، يلفت نظر الله تعالى ويُوجب محبّته، كما ورد عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم:«مَا مِنْ جُرْعَةٍ أَحَبَّ
إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جُرْعَةِ غَيظٍ كظَمَهَا رَجُل».
كلّ إنسانٍ توّاقٍ إلى الكمال يسعى إلى نيل رضا معبوده، ويطمح إلى الارتقاء الروحي. وهذا النمط من التعامل مع الغضب يُشجّع الفرد الغاضب على ضبط النفس ويقوّي في ذاته ملكة التحكم والانضباط. إنّ نظام الثواب يسهم في نشوء السلوك الإيجابي، ويُضعف السلوك العدواني. وتُشكّل الروايات الترغيبيّة في هذا الباب منظومةً غنيّةً وملهمة. غير أنّ طائفةً أخرى من الروايات تشير إلى نظام العقاب في مواجهة أولئك الذين يعجزون عن ضبط انفعالاتهم؛ فأسلوب الحرمان يعمل على كبح بروز الغضب وتفادي الوقوع فيه.
«طُوبى لِمَن كظُمَ غِيظَهُ ولَم يطلِقهُ وعَصى أمرَ نَفْسِهِ فَلَم يهلِكهُ».
وانطلاقًا من هذه الروايات، فإذا كنتَ تسعى لمواجهة الغضب أو العدوانية في ذاتك، فيُمكنك في حال حصول الغضب أن تلجأ إلى أسلوب «معاقبة الذات» للتقليل من حِدّته. أمّا إن استطعتَ السيطرة على انفعالك والغلبة عليه في لحظة الغضب، فيُمكنك من خلال طريقة «مكافأة الذات» أن تُنمّي مهارة ضبط النفس لديك، وتعزّز السلوك الإيجابي والمرغوب. ولكي تلتزم عمليًّا بهذه المكافآت والعقوبات، يمكنك الاستعانة
بصديقٍ أو قريبٍ لتسجيل الثوابات والعقوبات التي قرّرتها لنفسك. إنّ نظامي الثواب والعقاب فعّالان أيضًا في ما يتعلّق بالأفراد العدوانيين، ويمكن أن يُسهما بشكل كبير في ضبط الغضب والسيطرة عليه.
تُعَدّ الغضب أحد أساليب التعبير عن القلق، وغالبًا ما يؤدّي القلق الشديد إلى عدم الاستقرار الانفعالي لدى الفرد. ومن الأساليب المتّبعة حاليًّا في التغلّب على القلق والتوتّر والإجهاد، أسلوب «إزالة التوتّر». وتتضمّن معظم تقنيّات إزالة التوتّر تمارين التنفّس العميق، والانقباض والاسترخاء العضلي، والتركيز الذهني، بهدف إحداث حالة من الهدوء الجسدي والنفسي.
ومن أبرز استخدامات إزالة التوتّر، توظيفها في تقليل القلق والرهاب، وتخفيف آثار التوتّرات الناتجة عن الغضب. إذ إنّ إزالة التوتّر تقطع الحلقة المفرغة للقلق والتوتّر، وتعيد التدفّقات الفيزيولوجيّة إلى حالتها الطبيعيّة. وبالإضافة إلى ذلك، فقد أثبتت الدراسات الواسعة في هذا المجال أنّ التدريب على إزالة التوتّر التدريجي يُفضي إلى خفض درجة الإثارة والتوتّرات الذهنيّة.
(194)وتُعدّ إزالة التوتّر أسلوبًا فعّالًا في الضبط الذاتي النشط للتحكّم في التوتّر في المواقف المختلفة، وهو أكثر نفعًا من ترك الأمور لتفاعلات تلقائيّة قد تنشأ من الفرد عند مواجهته للشدائد. وقد طُوّرت أساليب عدّة لإزالة التوتّر، تتركّز عمومًا على تهدئة الجسد وتعزيز التركيز الذهني.
ولإدراك أثر إزالة التوتّر، لا يلزم سوى ممارسة تمارين التنفّس العميق والمنظّم لبضع مرّات في حالات التوتّر، لتُدرَك الفوارق بين حالتي ما قبل التمرين وما بعده من حيث الشعور بالهدوء. ومن المؤكّد أنّ الأساليب المنهجيّة لإزالة التوتّر ستكون أكثر فاعليّة من هذا التمرين البسيط.
ورغم أنّ النصوص الدينيّة لا تتحدّث صراحةً عن إزالة التوتّر كأسلوب ممنهج ومحدّد للتغلّب على الضغوطات الناتجة عن الغضب، فإنّ المبادئ العامّة الحاكمة لهذا الأسلوب، والتي تقوم على تهدئة الجسد وتعزيز التركيز الذهني، لا تتعارض مع تعاليم الدين، بل تُعدّ نهجًا عقلائيًّا. ومع ثبوت فعاليّة إزالة التوتّر في الدراسات العلميّة، تتّضح ضرورة اعتماد هذا الأسلوب.
تُظهر العودة إلى النصوص الدينيّة أنّ مجال الحِلم مرتبط بالغضب والحنق، والحليم هو من يملك السيطرة على غضبه.
فبعض هذه النصوص يتناول كظم الغيظ بشكل صريح، وبعضها الآخر يتناول مصاديقه. وقد سأل الإمام علي عليهالسلام الإمام الحسن عليهالسلام عن معنى الحِلم، فأجابه: «إِنَّما الْحِلْمُ كظْمُ الْغَيظِ وَمِلْك النَّفْسِ».
ويُعَدّ الحِلم من خصائص العقلاء الذين يتصرّفون برصانة وهدوء دون أن يتأثّروا بالانفعالات. ويتجلّى الحِلم في العلاقات البين-شخصيّة، كأن يُواجَه الفرد بإهانة تثير غضبه، فيتصرّف بحكمة وهدوء دون تسرّع. ووفقًا للتعاليم الدينيّة، فإنّ الحِلم لا يبعث الطمأنينة فقط، بل يُسهم أيضًا في تعزيز القبول الاجتماعي، وكسب الصداقات، واستقطاب الاهتمام الإيجابي، وتحقيق المزيد من المحبوبيّة.
ويُعَدّ الحِلم من أنجع الأساليب في التعامل مع الغضب، وهو من أكثر أساليب المواجهة فعاليّة في معالجة التوتّرات. وقد عدّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الحِلم أسلوبًا مناسبًا في التغلّب على
الغضب: «الحِلمُ يغلِبُ الغَضَبَ والرَّحمَةُ تَغلِبُ السُّخطَ».
ويشرح الإمام علي عليهالسلام هذا الأسلوب من خلال التركيز على عواقبه الحميدة، قائلًا: «ضَادّوا الغَضَبَ بِالحِلمِ تَحْمِدُوا عَواقِبَكم فِي كلِّ أمرٍ».
كما ورد عنه عليهالسلام ، في جوابه على سؤال أحد أصحابه عن أحلم الناس، أنّه قال: «الذي لایغضب»، أي: الذي لا يغضب. وعُدّ أيضًا الجهاد ضد الغضب بواسطة الحِلم دليلًا على نُبل الشخص وكرامته: «جِهادُ الغَضَبِ بِالحِلمِ بُرهانُ النُّبلِ».
يمكن تنظيم جملةٍ من الخطوات العمليّة من أجل ترسيخ خلق الحِلم وتحويله إلى سجيّة ثابتة في النفس الإنسانيّة. ونُشير هنا إلى طريقتين بارزتين هما: «تمثيل الدور» و«التغافل».
إحدى الطرق السلوكيّة لتغيير السلوك والتي وردت في الروايات، هي طريقة «تمثيل الدور». فقد لا يكون الإنسان متّصفًا بصفة الحِلم، غير أنّه من أجل تيسير تحصيلها، يُوصى
بأن يتقمّص دور من يمتلك هذه الصفة. فالشخص الذي لا يمتلك الحِلم، عليه أن يُظهر سلوك الحُلم، حتى يتحوّل هذا التمثيل شيئًا فشيئًا إلى واقع، ويشعر بأنّ بإمكانه ترسيخ هذه الصفة في ذاته.
وقد وردت إشارات عدّة إلى هذا الأسلوب في الروايات، ومن ذلك ما رُوي عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال: «إذا لَم تَكن حَليما فَتَحلَّم».
وكذلك ورد في رواية عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: «إنَّمَا العِلمُ بِالتَّعَلُّمِ، وإنَّمَا الحِلمُ بِالتَّحَلُّمِ؛ مَن يتَحَرَّ الخَيرَ يعطَهُ، ومَن يتَّقِ الشَّرَّ يوقَهُ».
وفي رواية أخرى، بيّن الإمام علي عليهالسلام علّة هذا التوجيه بقوله: «إن لَم تَكن حَليما فَتَحلَّم؛ فَإنّه قَلَّ مَن تَشَبَّهَ بِقَومٍ إلّا أوشَك أن يكوَن مِنهُم».
وبناءً على هذه المنهجيّة، يضع الفرد نفسه عمدًا في موضع صفة أخلاقيّة معيّنة، ويكرّر سلوكها، حتّى تنشأ لديه علاقة وجدانيّة معها، ويبدأ تدريجيًّا بترسيخها في نفسه.
من الوسائل المسهِّلة لممارسة الحِلم، أسلوب «التغافل». وقد ورد عن الإمام علي عليهالسلام: «لا حِلمَ كالتَّغافُلِ».
فالتغافل يُخفّف من الضغط النفسي على الحليم، إذ يمنعه من التركيز على الإهانة الصادرة من الجاهل، ويجعل الأمر كأنّه لم يسمع شيئًا.
وللتغافل أيضًا قيمة تربويّة مهمّة، إذ إنّ كثيرًا من أنواع الإهانة تُعدّ وسيلة لجلب الانتباه، فإذا تكرّرت دون أن تُواجَه بردّ فعل، انطفأت سلوكًا. وبذلك يكون التغافل مُزيلًا للضغط النفسي عن الحليم، وفي الوقت ذاته خطوة إصلاحيّة تجاه المسيء.
يُعدّ مفهوم الصبر من المفاهيم المركزيّة في الأخلاق الإسلاميّة، وله دور واسع وأساسي في حياة الإنسان، فلا تكاد تخلو لحظة من لحظات الحياة من الحاجة إليه. ومن هنا فإنّه ذو نطاقٍ شامل، حتّى إنّ مشقّة الحِلم نفسها تُعالج بالصبر.
وقد ورد التأكيد في الروايات على ضرورة الصبر في المواقف الصعبة من الحياة، وهي مواقف متعدّدة. ففي بعض الروايات جرى تصنيفها إلى ثلاثة أنواع: الصبر عند المصيبة، والصبر على
الطاعة، والصبر عن المعصية. ويتعلّق الصبر عن المعصية في بعض الروايات بكبح الدوافع العدوانيّة، أو الشهوات الجنسيّة، أو شهوة الطعام.
وعند توصيف الغضب، وصفه الإمام الصادق عليهالسلام بأنّه جرعة طيّبة المذاق لمن يصبر عليها، وأنّ من يصبر على هذه المواقف الصعبة سينال جزاءه: «نِعْمَ الْجُرْعَةُ الْغَيظُ لِمَنْ صَبَرَ عَلَيهَا فَإِنَّ عَظِيمَ الْأَجْرِ لَمِنْ عَظِيمِ الْبَلَاءِ وَمَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا إِلَّا ابْتَلَاهُمْ».
لطالما ساد الاعتقاد لسنوات طويلة أنّ إتاحة الفرصة للأشخاص الغاضبين للتعبير عن مشاعرهم تساهم في تقليل حدّة التوتر والانفعال لديهم، وتُضعف من نزعتهم إلى السلوك العنيف والعدواني. وقد شكّل هذا الاعتقاد أساس فرضيّة «التنفيس الانفعالي».
وقد درست عالمة النفس الاجتماعي «كارول تاوريس» مفهوم الغضب ضمن دراسة شاملة، وركّزت على التمييز بين
(200)التنفيس الانفعالي الفعّال وغير الفعّال. فلم يَعُد هناك من يتصوّر أنّ تنفيس الغضب بشكل عشوائي يمكن أن يكون علاجًا. ويُعدّ فرويد أوّل من استخدم مصطلح «التنفيس الانفعالي»، قاصدًا به عمليّة تطهير انفعالي، أي تفريغ الشحنات العاطفية عن طريق البكاء، أو الضحك، أو الصراخ، أو في بعض الحالات من خلال الرياضة. وقد توصّل إلى أنّ التنفيس العفوي وغير المنضبط للمشاعر لا يُعدّ وسيلة صحيّة، بل على العكس، فإنّه لا يقلّل من الميل إلى العدوان، بل يُضفي عليه شرعيّة ويعزّزه، ويُفضي إلى ازدياد الاستثارة الانفعالية وشدّتها.
وعندما يستولي الغضب على الفرد، فإنّ تفريغ طاقته من خلال الانخراط في أنشطة جسديّة واجتماعيّة خَلّاقة يُعدّ مفيدًا وفعّالًا. ويكمن نفع التنفيس الانفعالي عن الغضب في أنّه يُتيح للفرد معالجة مصدر غضبه في حالة ذهنيّة هادئة. والتنفيس الانفعالي هو مهارة للتعامل مع الغضب، ويتكوّن من مرحلتين: الأولى هي تحرير التوتر والانفعال، والثانية هي معالجة المشكلة. والتنـفيس الانفعالي لا يُزيل منشأ الغضب، بل يمنح الإنسان ضبطًا ذاتيًّا يساعده على التعامل مع مصدر غضبه. لذا لا بُدّ أن يقترن هذا الأسلوب دائمًا بالمرحلة الثانية، أي حلّ المشكلة.
ومن الأساليب التي تُفضي إلى التنفيس الانفعالي، التحدّث
مع الآخرين حول التجارب الشخصيّة. فالبوح الصادق والعميق بالآلام الذاتية ينطوي على فوائد متعدّدة، إلا أنّ كشف الذات للآخرين يواجه بعض القيود؛ إذ لا يمكننا دائمًا تعميق معرفتنا بأنفسنا عن طريق الإفصاح عن أفكارنا ومشاعرنا للآخرين، لأنّ العثور على شخص جدير بالثقة، يستمع إلينا بإنصات بنّاء، ويفهمنا ويستجيب بشكل ملائم، ليس بالأمر المتاح دومًا.
ولمعالجة هذه الإشكاليّة، يُنصَح باستخدام أسلوب «كتابة الأفكار والمشاعر». خُصِّص لنفسك مكانًا هادئًا للكتابة مدّة 15 إلى 20 دقيقة، ودوّن خلالها تجاربك الأشدّ إزعاجًا في حياتك. لا تهتمّ بدقّة التعبير أو سلامة الأسلوب اللغوي، بل اكتُب أعمق مشاعرك وأفكارك حول تجاربك المؤلمة والهامّة. ويفضّل أن تكون الكتابة حول موضوعات لم تتحدّث عنها مطوّلًا مع أحد. أطلق العنان لنفسك، ودع أفكارك ومشاعرك العميقة تعبّر عن ذاتها أثناء الكتابة. واختيار موضوع الكتابة في كلّ جلسة متروك لك تمامًا.
وبحسب الدراسات، فإنّ ممارسة هذا الأسلوب بانتظام ويوميًّا لا تُسهم فقط في الوقاية من الأمراض الجسديّة والنفسيّة، بل تُساعد الأفراد أيضًا على التكيّف بشكل أفضل مع مشاعر الغضب الشديدة، وتُفضي بالتالي إلى تحسّن في الأداء الفردي والاجتماعي.
يُعدّ ضبط الانفعالات السلبيّة من خلال إثارة الانفعالات الإيجابيّة إحدى الطرائق الفعّالة لمواجهة الغضب. ويُمكن توضيح هذا الأسلوب نفسيًّا بأنّ الانفعال الإيجابي، نظرًا لتجانسه مع الانفعال السلبي، يكون في كثير من الأحيان أقرب إلى متناول الشخص الغاضب من الأساليب السلوكيّة أو المعرفيّة الأخرى. كما أنّ مواجهة الغضب بانفعال إيجابي قد تُنتج نوعًا من الإلهاء الإرادي الذي يُبعد الذهن عن الغضب.
وتُعدّ روح الدعابة آليّة دفاعيّة مميّزة، فهي بخلاف كثير من آليّات الدفاع النفسي، تُسهم في زيادة الشعور بالرضا وتُقلّل من شدّة الألم. وقد أشار فرانكل في كتابه «الإنسان يبحث عن المعنى» إلى أنّ الضحك والفكاهة ساعدا السجناء، الذين كانوا يترقّبون الموت في كلّ لحظة، على الصمود في مواجهة الظروف القاسية في معسكرات الموت. وكتب فرانكل في هذا السياق: «كانت الفكاهة سلاحًا نفسيًّا وروحيًّا استُخدم للدفاع عن الذات».
في النصوص الإسلامية، ورد التأكيد على روح الدعابة والمزاح في المجالس العامة. وتُظهر سيرة قادة الدين أنّهم كانوا يُظهرون روح الدعابة في تعاملهم مع الأصحاب والرفقاء، وأنّ الإسلام قد أقرّ المزاح الذي لا يتضمّن تعدّيًا على حُرُمات
الآخرين أو انتقاصًا من كرامتهم. وقد قال رسول اللّٰه صلىاللهعليهوآلهوسلم:
«إنّي أمزَحُ ولا أقولُ إلاّ حَقًّا».
وقال الإمام الباقرعليهالسلام : «إنّ اللّٰهَ يُحِبُّ المُداعِبَ في الجَماعةِ بلا رَفَثٍ».
وقد ورد في بعض الروايات أنّ روح الدعابة تُعَدّ من خصائص المؤمنين ومن سماتهم النفسيّة، فعن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال: «ما مِن مؤمنٍ إلاّ وفيهِ دُعابَةٌ. قلتُ: وما الدُّعابَةُ؟ قالَ: المِزاحُ».
وعلى الرغم من أنّ العلاقة بين المزاح وروح الدعابة وبين الضغط النفسي والغضب لم تُذكر بشكل صريح في الروايات، إلاّ أنّه يمكن فهم أنّ المزاح وفقًا لما حدّدته التعاليم الدينيّة يُعَدّ من أساليب التفاعل الاجتماعي الإيجابي. ومن ثمّ، فإنّه استنادًا إلى المنهج الديني في تناول مسألة المزاح، يمكننا استخدام روح الدعابة كاستراتيجيّة تكيّفية للتقليل من التوتر والانفعال.
تُظهر بعض الروايات المرتبطة بالغضب أنّ لأنواعٍ معينةٍ من الطعام والتغذية دورًا مؤثرًا في تهدئة هذا الانفعال، بحيث تُعدّ هذه الممارسات من العوامل البيولوجيّة المحتملة، وذلك من خلال أثرها المثبط على بعض النواقل العصبيّة. ومع ذلك، لا يُستبعَد وجود آثار غير بيولوجيّة أيضًا، ما يجعل الأمر بحاجة إلى دراسات علميّة ومخبريّة معمّقة.
النواقل العصبيّة أو ما يُعرف بالرُسُل الكيميائيّة تؤدّي أدوارًا متعدّدة في الجهاز العصبي للإنسان، فبعضها ذو وظيفة مثبطة وبعضها ذو وظيفة تنشيطيّة. وبعبارة مبسطة، فإنّ بعض هذه النواقل يُمكن أن يُسهم في زيادة الغضب والسلوك العدواني، في حين أنّ بعضها الآخر يُقلّلهما. وقد تمّ اكتشاف أكثر من سبعين نوعًا من هذه المواد الكيميائيّة حتى الآن، ومن المتوقع أن يُكتشف المزيد مستقبلًا. ومن بين النواقل الأكثر تأثيرًا في الجهاز العصبي البشري: الأستيل كولين، والنورإبينفرين، والدوبامين، والسيروتونين، وحمض الغاما أمينوبوتيريك (GABA)، والغلوتامات. وبالنظر إلى ما ذُكر من النواقل
(205)العصبية، يبدو أنّ الأنظمة الكولينيّة والكاتيكولامينيّة تشارك بشكل عام في نشوء العدوانيّة الاعتياديّة وتفاقمها، في حين أنّ النظامين السيروتونيني و(GABA) يعملان على كبح هذا النوع من السلوك. أمّا العدوانية العاطفية، فيبدو أنّها تتكوّن من تفاعل كل من النظامين الكاتيكولاميني والسيروتونيني. وتشير البيانات إلى أنّ الدوبامين يُسهّل السلوك العدواني، بينما يقوم كلّ من النورإبينفرين والسيروتونين بكبحه.
نظرًا لأهميّة الطاقة للجسم، وبما أنّ الكربوهيدراتات هي المسؤولة عن تزويد الجسم بالطاقة، فإنّ هذه المادّة الغذائيّة تحظى بأهميّة خاصّة. وتنقسم الكربوهيدراتات إلى نوعين: الكربوهيدراتات المركّبة، وهي النشاء الموجود في القمح والبطاطا وكثير من الخضروات، والكربوهيدراتات البسيطة، التي تُرى في أنواع السكريات الطبيعيّة وغير الطبيعيّة. وتتمثّل وظيفة الكربوهيدراتات في تزويد الجسم بالطاقة اللازمة للأنشطة اليوميّة، وللحركات السريعة والمفاجئة، إذ تتحوّل هذه الكربوهيدراتات إلى غلوكوز يُعدّ بمنزلة الوقود الحيوي للجسم.
ويؤدّي نقص الغلوكوز في الدم أو عدم التوازن في تأمين الطاقة من خلال السكريات إلى تأثيرات في الجهاز النفسي.
ووفقًا لما رواه أحد أصحاب رسول اللّٰه صلىاللهعليهوآلهوسلم، فإنّ تناول الزبيب له أثر علاجي في كبح الغضب. فقد اعتبر النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أكل الزبيب وسيلة لتقوية النظام النفسي وتحسين القدرة الجسديّة وكبح الغضب. يروي أبو هند أنّه أُهدي إلى رسول اللّٰه صلىاللهعليهوآلهوسلم طبق مغطّى، فرفعه النبيّ وقال: «كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ نِعْمَ الطَّعَامُ الزَّبِيبُ؛ يَشُدُّ الْعَصَبَ وَيَذْهَبُ بِالْوَصَبِ وَيَطْفِئُ الْغَضَبَ».
إنّ انخفاض نسبة الغلوكوز في الدم يؤدّي إلى حالات عصبيّة شديدة وفرط في التهيّج. فإذا انخفضت نسبة الغلوكوز إلى ما بين ٥٠ إلى ٧٠ ملغ/ دل، فإنّ الجهاز العصبيّ المركزي يُصبح غالبًا أكثر استثارة، إذ يبدو أنّ هذه الدرجة من نقص السكر تُحفّز خلايا الجهاز العصبي على النشاط.
تُعدّ البروتينات المكوّنات الأساسيّة لبنية الجسم، حيث تدخل في بناء العضلات والعظام والجلد وسائر الأنسجة العضويّة، كما تشارك في تكوين الهرمونات والإنزيمات. ويتمّ تحويل البروتينات إلى أحماض أمينيّة، ثمانية منها لا يستطيع الجسم إنتاجها، ويجب الحصول عليها عبر الغذاء، ومنها اللحوم. ويُحتمل أن يؤدّي نقص البروتين إلى مشاكل متعدّدة،
ويُسهم تناول لحم السمان في تعويض هذا النقص وله تأثير مباشر في تخفيف حدّة الغضب. وقد ورد في بعض الروايات ما يدلّ على الأثر الخاصّ لهذا النوع من اللحم في تهدئة الغضب، حيث قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقِلَّ غَيْظُهُ فَلْيَأْكُلْ لَحْمَ الدُّرَّاجِ».
وتُشير الروايات إلى أنّ لهذا اللحم أثرًا في تهدئة الغضب، بل وإزالة الحزن والغمّ، وربّما ما نُطلق عليه اليوم الاكتئاب. وقد ألمحت بعض الروايات إلى هذه الحقيقة بشكل غير مباشر، فالسبب في الغضب قد يكون أحيانًا الاضطراب المزاجي وفقدان المعنويات، وهو ما يُعدّ من عوامل التهيّج والانفعال، إذ يُشبه المصاب بذلك الفرد المكتئب. وقد ورد عن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: «مَنِ اشْتَكَى فُؤَادَهُ وَكَثُرَ غَمُّهُ فَلْيَأْكُلْ لَحْمَ الدُّرَّاجِ».
ويبدو أنّ أثر لحم السمان يظهر خصوصًا عندما يكون سبب الاكتئاب فيزيولوجيًّا. ففي هذه الحالة، يكون السبب داخليًّا متعلقًا بتغيّرات هرمونيّة في الجسم، لا بعوامل بيئيّة. وقد صرّح الإمام الصادق عليهالسلام بهذه الحقيقة في حديثه:«إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ غَمًّا أَو كَرْبًا لَا يَدْرِي مَا سَبَبُهُ فَلْيَأْكُلْ لَحْمَ الدُّرَّاجِ فَإِنَّهُ يُسَكِّنُ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى».
ومن ثمّ، يُحتمل أنّ الغضب قد يكون ناتجًا عن نقص في البروتينات أو تأثيرات النواقل العصبيّة، وتناول لحم السمان يمكن أن يُعوّض هذا النقص ويُسهم في تهدئة النفس والانفعالات.
نظرًا لكون الغضب بطبيعته يشبه النار في اشتعاله، فإنّ برودة شرب الماء يُمكن أن تُطفئ حرارة الغضب، كما يُحدث تغيّرًا في الحالة البيولوجية للجسم. وقد ورد عن أبي طيفور أنّه قال: دخلت على الإمام الكاظم عليهالسلام فنهيته عن شرب ماءٍ خاص، فقال عليهالسلام: «مَا بَأْسٌ بِالْمَاءِ وَهُو يُدِيرُ الطَّعَامَ فِي الْمَعِدَةِ وَيُسَكِّنُ الْغَضَبَ وَيَزِيدُ فِي اللُّبِّ وَيُطْفِئُ الْمِرَارَ».
وعلى ضوء هذه الرواية، فإنّ أثر الماء في كبح الغضب قد تكون له تفسيرات فيزيولوجيّة وبيولوجيّة. ويُحتمل أنّ نقص الماء ورطوبة الجسم قد يُؤدّي إلى ارتفاع في حدّة الغضب ويجعل السيطرة عليه أكثر صعوبة. وقد وردت إشارات خاصّة في بعض النصوص إلى ماء مخصوص يُعرف بـ«ماء نيسان». وقد بيّن النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم فضل ماء نيسان وما فيه من منافع عظيمة، فقال على لسان جبرئيل ـ: «قال رَسولُ اللّٰه صلىاللهعليهوآلهوسلم: قَالَ
جَبْرَئِيلُ إِنَّهُ مَنْ شَرِبَ مِنْ ذَلِك الْمَاءِ [أي الماء النيسان] ثُمَّ كانَ بِهِ جَمِيعُ الْأَوْجَاعِ الَّتِي تُصِيبُ النَّاسَ فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْجَاعِ فَقُلْتُ يا جَبْرَئِيلُ هَلْ ينْفَعُ فِي غَيرِ مَا ذَكرْتَ مِنَ الْأَوْجَاعِ فَقَالَ لِي جَبْرَئِيلُ وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ نَبِيا مَنْ يقْرَأْ هَذِهِ الآياتِ عَلَى هَذَا الْمَاءِ مَلَأَ اللَّهُ تَعَالَى قَلْبَهُ نُورًا وَضِياءً وَيلْقِي الْإِلْهَامَ فِي قَلْبِهِ وَيجْرِي الحِكمَةَ عَلَى لِسَانِهِ وَيحْشُو قَلْبَهُ مِنَ الْفَهْمِ وَالتَّبْصِرَةِ مَا لَمْ يعْطِ مِثْلَهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وَيرْسِلُ عَلَيهِ أَلْفَ مَغْفِرَةٍ وَأَلْفَ رَحْمَةٍ وَيخْرِجُ الْغِشَّ وَالْخِيانَةَ وَالْغِيبَةَ وَالْحَسَدَ وَالْبَغْي وَالْكبْرَ وَالْبُخْلَ وَالْحِرْصَ وَالْغَضَبَ مِنْ قَلْبِهِ وَالْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَالنَّمِيمَةَ وَالْوَقِيعَةَ فِي النَّاسِ وَهُو الشِّفَاءُ مِنْ كلِّ دَاء».
تفيد طائفة من الروايات أنّ منشأ الغضب هو الشيطان، ومن ثمّ فإنّ استعانة الإنسان بالله وذكره، تُعدّ وسيلة فعّالة للسيطرة على الغضب وتهذيب النفس.
وحقيقة الاستعاذة أن يُلقي الإنسان نفسه في حِمى اللهعز وجل، وهي حالة روحيّة داخليّة توفّر للإنسان الحماية من الشرور التي تُحدق به. وتُعبّر عبارة «أعوذ بالله» عن هذه
الحالة النفسيّة الداخلية، التي لا تتحقّق إلّا برفع الموانع النفسيّة والمعنويّة. فكلّما تعمّق الإنسان في معرفة الله واشتدّ إحساسه بخطر الآفات المحدقة به، ازدادت حالة الالتجاء إلى الله في قلبه وتجلّت حقيقة الاستعاذة فيه.
وقد اعتبر الإمام الصادق عليهالسلام الاستعاذة وسيلة لانتصار الإنسان على الشيطان وبالتالي على الغضب، فقال: «لَو قَالَ أَحَدُكُمْ إِذَا غَضِبَ «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ» ذَهَبَ عَنْهُ غَضَبُه».
وجاء في سيرة النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه كان يتعوّذ كلّ يوم من عدّة أمور، منها الغضب. قال الإمام الصادق عليهالسلام : «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم يَتَعَوَّذُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ سِتٍّ: مِنَ الشَّكِّ وَالشِّرْكِ وَالْحَمِيةِ وَالْغَضَبِ وَالْبَغْي وَالْحَسَدِ».
الدعاء في حضرة الله تعالى هو تعبير عن رؤية الإنسان لنفسه عبدًا محتاجًا مطلقًا، يسعى من خلال العبادة إلى نيل عنايته ورحمته. إلى جانب ذلك، يُعدّ الدعاء وسيلة لمواجهة صعوبات الحياة والتغلّب عليها. وتُشير سيرة الإمام الصادق عليهالسلام إلى أنّه كان إذا أصابه الغضب، يبدأ بالصلاة على النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثمّ يتلو
قوله تعالى: (وَيذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يشَاء وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكيمٌ) (التوبة: 15)، ثمّ يقول: «اللَّهُمَّ! اغْفِرْ ذُنُوبِي وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي وَأَجِرْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ».
كما رُوي عنه عليهالسلام أيضًا أنّه كان يدعو بهذا الدعاء حين أراد تهدئة غضبه: «اللَّهُمَّ! أَذْهِبْ عَنِّي غَيْظَ قَلْبِي، وَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَأَجِرْنِي مِنْ مَضَلَّاتِ الْفِتَنِ، أَسْأَلُكَ رِضَاكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ سَخَطِكَ، أَسْأَلُكَ جَنَّتَكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ نَارِكَ، وَأَسْأَلُكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ. اللَّهُمَّ! ثَبِّتْنِي عَلَى الْهُدَى وَالصَّوَابِ، وَاجْعَلْنِي رَاضِيًا مَرْضِيًّا، غَيْرَ ضَالٍّ وَلَا مُضِلٍّ».
سُبق الحديث عن أنّ الوضوء والغسل، إلى جانب آثارهما المعنوية، يُعدّان من أساليب المواجهة السلوكية القائمة على تغيير الحالة أو الموضع. فتأثير الماء في معالجة الغضب لا يقتصر على الاغتسال المادي، بل يشمل أيضًا طقوسًا تعبديّة مثل الوضوء والغسل، والتي تتمتّع بأثر فعّال في ضبط الانفعالات. فقد ورد في الروايات عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قوله: «إِذَا
غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَغْتَسِلْ، فَإِنَّ الْغَضَبَ مِنَ النَّارِ».
وفي رواية أخرى: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ».
يُعدّ حفظ القرآن الكريم والتمسّك بعظمته من الوسائل الروحيّة الأساسية في كبح الغضب والانفعالات السلبيّة الأخرى. وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ فَنَوْلُهُ لَا يَجْهَلُ مَعَ مَنْ يَجْهَلُ عَلَيْهِ، وَلَا يَغْضَبُ فِيمَنْ يَغْضَبُ عَلَيْهِ، وَلَا يَحِدُّ فِيمَنْ يَحِدُّ، وَلَكِنَّهُ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَيَغْفِرُ وَيَحْلُمُ لِتَعْظِيمِ الْقُرْآنِ».
ومن هنا، فإنّ حفظ القرآن والعمل بتعاليمه يُسهم في تعديل الطباع النفسيّة المؤذية، ويُساعد في تحقيق التوازن والثبات الانفعالي في حياة الإنسان.
من المحتمل أنّك قد واجهتَ في بعض المواقف شخصًا غاضبًا، ووجدتَ صعوبةً في تهدئته رغم كونك أنتَ في حالة
من الهدوء. فماذا ينبغي أن يُفعل في مثل هذه المواقف للسيطرة على غضب الطرف الآخر؟ يمكن الاستعانة بالحلول التالية للإجابة عن هذا التساؤل:
إنّ سلوك النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وسيرةَ الأئمّة المعصومين عليهمالسلام مليئة بالحِلم مع أهل زمانهم؛ فكثيرًا ما كانوا يتعرّضون لأذًى أو يُؤذَون من تصرفات الناس وأقوالهم، لكنّهم كانوا يتجاوزون ذلك بعظمة نفس، إلى حدّ أنّهم كانوا يمنعون أصحابهم من الاعتراض. ولا يمتلك هذه الروحَ الكبيرةَ إلّا من كان متخلّيًا عن ذاته، ناظرًا إلى آفاق المستقبل، ومتّسمًا بسلوك يُركّز على الله تعالى. وقد ورد في هذا السياق ما رواه هشام عن الإمام الكاظم عليهالسلام: جَرَى بَينِي وَبَينَ رَجُلٍ مِنَ الْقَوْمِ كلَامٌ فَقَالَ [أبو الحسن عليهالسلام] لِي: «ارْفُقْ بِهِمْ، فَإِنَّ كفْرَ أَحَدِهِمْ فِي غَضَبِهِ، وَلَا خَيرَ فِيمَنْ كانَ كفْرُهُ فِي غَضَبِه».
فمواجهة شخصٍ معارضٍ يتصرّف بعنفٍ وليس انطلاقًا من رؤيةٍ خاصّة أو تفكيرٍ إراديّ، لا تجدي نفعًا، بل ينبغي التعاطي معه بالحِلم والتغافل. إذ إنّ هذا النوع من العنف لا يصدر عن منطق وعقل، وبالتالي يُغلق باب الردّ المنطقي في وجهه.
وتشير الرواية التالية إلى هذه الحقيقة، إذ يظهر فيها أنّ
الجهل أو ردود الأفعال الانعكاسية هي التي تُنتج العنف، فيُعبّر عنها الجاهل سريعًا بلسانه، فيما يُظهرها العاقل في سلوكه. بعبارة أخرى، إنّ معارضة العاقل تنطلق من قرارات مُسبقة وفي أثناء الفعل، ولذلك يؤدّي غضبه إلى تصرّفات منطقية ونافعة، بينما يظهر غضب الجاهل مباشرة في لسانه وبيانه. وقد ورد عن الإمام علي عليهالسلام: «غَضَبُ الجاهِلِ في قَولِهِ، وغَضَبُ العاقِلِ في فِعلِهِ».
وعليه، فإنّ التعامل مع العنف، سواءً أتى من الطرف المقابل أم كان من الإنسان نفسه، يجب أن يتمّ بالحِلم وتجنّب ما يُسهم في التصعيد. إذ عندما تتأجّج نار الغضب، فإنّ أيّ ردّ مماثل قد يؤدّي إلى زيادتها اشتعالًا.
اللِّينُ من الأساليب الناجعة في التعاطي مع الشخص الغاضب؛ إذ إنّ التعامل اللطيف له تأثير كابح على غضب الطرف المقابل، بل وقد يؤدّي إلى ردّ فعل مماثل من اللين. وقد أكّد الإمام عليّ عليهالسلام على هذا الأسلوب في مواجهة الغضب لتحقيق المطالب، حيث قال: «لِنْ لِمَنْ غَالظَكَ تَظْفَرْ بِطَلِبَتِكَ».
فاللين أسلوب مناسب لإدارة موقف الغضب في مواجهة
الشخص الغاضب؛ إذ يُسهم في إطفاء نار الغضب قبل أن تتحوّل إلى عنف، ويؤدّي إلى تأثيرٍ متبادلٍ في سلوك الطرف الآخر، فتُمحى أجواء العنف والعدوان. يقول الإمام عليّ عليهالسلام:
«لِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ».
ومع ذلك، فإنّ هذا اللين في التعامل مع الأشخاص الذين لا يتمتعون بشخصيّة سليمة يجب أن يُقرن بالحذر، كي لا يُستغلّ استغلالًا سيّئًا. فاللين في التعامل هو خاصّ بأصحاب المروءة والنبل، الذين يُقدّرون هذا السلوك ويُبادلون بالمثل. ويقول الإمام عليّ عليهالسلام: «إِذَا غَضِبَ الكَرِيمُ فَأَلِنْ لَهُ الكَلَامَ، وَإِذَا غَضِبَ اللَّئِيمُ فَخُذْ لَهُ العَصَا».
وإلى جانب اللين، فإنّ المرونة والتعامل برحمة مع من يعاني من التوتّر أو القلق أو الخوف، تُعدّ من الوسائل التي تُساهم في إطفاء لهيب الغضب. وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: (وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصّلت: 34)
وقد أكّد النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم على أثر اللين والرّحمة في مواجهة الغضب، وضرورة تجنّب المجابهة المتعنّتة، فقال: «الْحِلْمُ يَغْلِبُ الْغَضَبَ، وَالرَّحْمَةُ تَغْلِبُ السُّخْطَ».
إنّ التعامل المنطقي هو المنهج الصحيح في مواجهة غضب الآخرين. أمّا إذا استُخدم أيّ سلوك غير منطقي أو عنيد، فإنّه سيؤدّي إلى تحفيز أشدّ لغضب الطرف الآخر. وإذا فُسّر السلوك اللّجاجي على أنّه ردّ فعل مشابه لسلوك الطرف الغاضب بدافع الانتقام أو الإيذاء، فإنّ مثل هذا الأسلوب يُهيّئ الأرضيّة لتصعيد أكبر في العدوان، ويُصعّب لاحقًا إمكانيّة التراجع والإصلاح. ولهذا السبب، يُحذّر الإمام عليّ عليهالسلام من التعاطي بلجاجة مع الشخص الغاضب، فيقول: «لا تُلاجِّ الغَضْبانَ فَإِنَّكَ تُقْلِقُهُ بِاللَّجاجِ وَلا تَرُدُّهُ إِلَى الصَّوابِ».
حينما تتواصل الحيوانات فيما بينها بأسلوب غاضب، لا شكّ في أنّ لغتها تكون مباشرة وصريحة؛ أمّا نحن البشر، فقد لا يكون التعبير عن الغضب لدينا بهذا القدر من الصراحة. فقد يُعبَّر عن الغضب بأسلوب غير مباشر، أو يُضخَّم ويُبالَغ فيه، أو قد يصحبه سلوك انتقامي، وهذه كلّها أمور غير نافعة. إنّ التفريغ الانفعالي عن طريق الكلام يُثير فورًا ردّ فعل دفاعيًّا لدى الطرف الآخر، ولهذا ينبغي التعبير عن الغضب بوضوح ولكن
بشكل دبلوماسي. ويوصي علماء النفس بالتعبير المباشر عن المشاعر.
التعبير عن المشاعر يعني إبلاغ الآخرين بالشعور الذي يراودنا تجاه سلوكهم. فإذا قام أحدهم بانتهاك حقّك أو دخلتَ في نزاع مع شخص ما وشعرتَ نحوه بمشاعر سلبيّة، فعليك قبل أن تتحوّل تلك المشاعر إلى سلوك عدواني أن تضع حدًّا لها في تلك اللحظة، وتُفصح عنها للشخص المعنيّ. إنّ التعبير عن المشاعر يؤدّي إلى تنقية الشعور ويقلّل من حدّة الاستثارة، ما يُسهم في تهدئة نفسك ويحول دون تحوّل انفعالك إلى سلوك عدواني، وفي الوقت نفسه يساعد الطرف الآخر على إدراك خطئه. وقد أشار الإسلام إلى هذه المسألة في «طلب الحِلّية» أو طلب المسامحة.
ويُوصي علماء النفس بتجنّب استخدام العبارات التي تبدأ بـ«أنتَ» والتي تُحمّل الطرف الآخر مسؤوليةً مباشرةً وتُسمّى «رسائل أنتَ» مثل: «أنت غير مبالٍ» أو «أنت غير منظَّم». وبدلًا من ذلك، يُفضَّل استخدام العبارات التي تبدأ بـ«أنا» وتُسمّى «رسائل أنا» مثل: «أنا لا أشعر بالارتياح إزاء سلوكك» أو «كنتُ أفضل لو تصرّفتَ بطريقة مختلفة». فعندما تستخدم هذه الطريقة، فإنّك تتحمّل مسؤولية شعورك دون توجيه اللوم للطرف الآخر.
وللاستخدام السليم لطريقة «رسالة أنا»، يمكن اعتماد النموذج الآتي:
عندما تفعل (وصف سلوك الطرف الآخر) ....................
أشعر أنا (تعبير عن مشاعرك الشخصية) .....................
وأتمنّى (بيان حاجتك أو مطلبك) ............................
مثلًا: «عندما تعود إلى المنزل متأخرًا، أشعر بالانزعاج وأُحسّ بأنّك تتجاهلني، وأتمنّى لو تتّصل بي مسبقًا وتُخبرني بذلك». وفي الحالات التي يتعذّر فيها التواصل الشفهي، يُنصح باستخدام وسائل التواصل الكتابي كرسالة مكتوبة أو رسالة نصيّة.
من الطرائق الفعّالة للتغلّب على الغضب والانفعال أن ندرك قوّة العفو. فمعظم الناس يعلمون أنّ عليهم أن يعفوا عمّن أساؤوا إليهم، كما أنّ العقل والتعليمات الدينيّة يمدحان العفو؛ ومع ذلك، فإنّنا غالبًا ما نواجه صعوبة في هذا الأمر.
وقد أظهرت الدراسات الحديثة في «مشروع العفو» بجامعة
ستانفورد أنّ العفو يُقلِّل من الغضب والكراهية؛ إذ انخفضت مستويات الغضب والكراهية بنسبة 70٪ لدى المشاركين الذين عفوا عمّن أساؤوا إليهم، مقارنةً بأولئك الذين لم يغفروا. ويقول الدكتور فريدريك لوسكين: في ثقافتنا، لا مكان لمفهوم «العفو»، وهو من المجالات العلميّة الحديثة. ويؤكّد أنّ مهارة العفو يجب أن تُكتسب بالتعلّم، وأنّ انعدام هذه المهارة في التفاعل بين الأفراد هو ما يجعل كثيرًا من الناس على خلاف مع بعضهم البعض.
وفي ثقافتنا الدينيّة، يحتلّ العفومكانة رفيعة ومضيئة، وقد تمّ بيان حقيقته بوضوح. يقول أمير المؤمنين علي عليهالسلام:«الصَّفْحُ أَنْ يعْفُو الرَّجُلُ عَمّا يّجْني عَلَيهِ ويحْلُمُ عَمّا يغيظُهُ».
والعفو هو عمليّة، وإن بدت في ظاهرها نوعًا من التراجع أو التنازل للطرف المعتدي، إلا أنّها تُفضي إلى نيل العزّة والكرامة. ففي الواقع، يُعَدّ العفو أفضل وسيلة لحفظ كرامة الإنسان واحترامه. ويقول الإمام الباقرعليهالسلام: «ثَلاثٌ لا يزيدُ اللّهُ بِهِنَّ المَرءَ المُسلِمَ إلاّ عِزًّا: الصَّفحُ عَمَّن ظَلَمَهُ، وإعطاءُ مَن حَرَمَهُ، والصِّلَةُ لِمَن قَطَعَهُ».
وعلى هذا الأساس، فإنّ العفوفي موضع القدرة، لا العجز،
هو موضع التأكيد في النصوص الدينيّة. يقول الإمام علي عليهالسلام:
«مَتَي أَشْفي غَيظِي إذَا غَضِبْتُ: أَحِينَ أعْجِزُ عَنِ الإنتِقامِ فَيّقالُ لِي لَوصَبَرْتَ أَمْ حِينَ أقْدِرُ عَلَيهِ فَيّقالُ لِي لَوعَفَوْتَ»؟.
ويستخدم علماء النفس فنّ العفوكأداة فعّالة في تقليل الاستثارة الانفعالية. ويمكن للفرد أن يستخدم هذا الفنّ سواء في لحظة الغضب أو بعد أن يكون قد تجاوزها، بغية إنهاء هذا الانفعال السلبي. وإذا كان الشخص قد تجاوز لحظة الغضب، يُستحسن أن يُجري لنفسه «طقوس العفو». وفي هذا السياق، ينبغي له أن يختلي بنفسه، ويسترجع ظلمًا تعرّض له، ويتذكّر تفاصيل الحادثة، ثمّ يقرّر لأسباب يعرفها هو جيّدًا أن يعفوعن من انتقص حقّه. وإذا تمّ أداء طقوس العفو بنجاح، فلا ينبغي أن تبقى لدى الفرد أي مشاعر سلبيّة، ولا أن يحمل في نفسه شيئًا ضدّ الطرف الآخر. فإذا شعر بالارتياح التام حين يتذكّر الشخص الذي ظلمه، وتمكّن من التفكير فيه بلا مشاعر سلبيّة، فهذا دليل على أنّه قد عفا حقًا؛ أمّا إذا بقيت لديه مشاعر سيئة، فمن الأفضل أن يُعيد طقوس العفومرة أخرى.
إنّ الأثر النفسي للإهداء في إيجاد الميل والمودّة نحو المُهدي بالغ للغاية، حتى إنّه قد نُهي عنه في بعض الحالات، كالإهداء
إلى الظالم أو الإهداء بقصد الرشوة، لما قد يترتب عليه من آثار سلبيّة، كما ورد ذلك في النصوص الدينيّة. فإنّ الأثر القهري والطبيعي للإهداء هو التليين. وبناءً على ذلك، فقد أوصت بعض الروايات باتّخاذ الإهداء كوسيلة لمواجهة الغضب. يقول أمير المؤمنين علي عليهالسلام: «مَا اسْتُعْطِفَ السُّلْطَانُ وَلَا اسْتُسِلَّ سَخِيمَةُ الْغَضْبَانِ وَلَا اسْتُمِيلَ الْمَهْجُورُ وَلَا اسْتُنْجِحَتْ صِعَابُ الْأُمُورِ وَلَا اسْتُدْفِعَتِ الشُّرُورُ بِمِثْلِ الْهَدِية».
ويُعدّ الإهداء موقفًا فريدًا في تخفيف الغضب، إذ يُزيل الانفعالات السلبيّة الناتجة عن المواجهات والمواقف المتوترة، وله تأثير إيجابي في تعديل الانحيازات المتشائمة. يقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «تَهادَوا؛ فإنَّ الهَدِيةَ تَسِلُّ السَّخائمَ، وتُجلي ضَغائنَ العَداوةِ وَالأحقادِ».
كما أنّ الإهداء يولّد رؤية إيجابيّة ويُعزز العواطف والمشاعر الإيجابيّة والمحبة. يقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «الهَدِيةُ تُورِثُ المَوَدَّة، وتَجدُرُ الاُخُوَّةَ، وتُذهِبُ الضَّغينةَ، تَهادُوا تَحابُّوا».
ومن منظور أوسع، فإنّ الإهداء يُعين الإنسان على تجاوز
التمركز حول الذات، والتحوّل إلى التمركز حول الآخر، ممّا يجعله أكثر قبولًا لدور الآخرين وحضورهم في حياته.
عادةً ما يحدث الاتصال الجسدي بين الأقارب في سياق عاطفي إيجابي، مثل المصافحة أو التقبيل وما شابه ذلك. ويبدو أنّ استحضار العاطفة الإيجابيّة قد يكون آلية فاعلة لمواجهة الغضب تجاه الأقارب، بحيث يعمل هذا الاتصال كالسكب بالماء على نار الغضب. وتُعدّ هذه الحركة بمثابة أسلوب سلوكي إيجابي يسهم في تهدئة غضب الطرف الآخر. يقول الإمام الصادق عليهالسلام: «أَيمَا رَجُلٍ غَضِبَ عَلَى ذِي رَحِمٍ فَلْيدْنُ مِنْهُ فَلْيمَسَّهُ فَإِنَّ الرَّحِمَ إِذَا مُسَّتْ سَكنَتْ».
ومع ذلك، فإنّ أيّ شكل من أشكال الاتصال الجسدي العنيف، كأن يكون عبر الضرب أو الضغط أو الدفع الذي يُعبّر عن الغضب والانزعاج، يُؤدّي إلى تصعيد العدوانية. فالحنان والغضب كلاهما ينتميان إلى الطبيعة العاطفية والانفعالية ذاتها، لكنّ الاختلاف في الاتجاه الإيجابي أو السلبي هو ما يُميّزهما. ولعلّ هذا التشابه الجوهري هو سرّ تأثير لمس القريب، مع ملاحظة أنّ نطاق هذا الأسلوب يقتصر على الحالات التي يجيز فيها الشرع لمس القريب.
يكشف التأمّل الأعمق في الروايات أنّ تفعيل جميع الاستراتيجيات الموصى بها بصورة شاملة يجعل عمليّة المواجهة أكثر جدّية وواقعية. ونظرًا إلى أنّ السلوك العدواني تصرّف ذو أبعاد معرفيّة وعاطفيّة وسلوكيّة، فإنّه من اللائق أن تعتمد طرق ضبطه أيضًا على أُسسٍ أوسع (معرفيّة، سلوكيّة، انفعالية، روحية، وبيولوجية).
ومن أمثلة ذلك، الرواية الواردة عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، التي تتضمن توصيات سلوكيّة ومعرفيّة وعاطفيّة وروحيّة؛ إذ يقول لِلإمام علي عليهالسلام: «يا علي! لا تَغضَبْ، فإذا غَضِبتَ فَاقعُدْ وتَفَكرْ في قُدرَةِ الرَّبِّ علَى العِبادِ وحِلمِهِ عَنهُم، وإذا قيلَ لك: «اِتَّقِ اللّهِ» فَانبِذْ غَضَبَك، وراجِعْ حِلمَك».
في هذه الرواية تتكامل عدّةُ استراتيجيات للمواجهة: تبدأ بالتوصية السلوكية المتمثّلة في الجلوس وتغيير الجوّ، تليها التوصية المعرفية المتمثلة في التفكير المنطقي الذي يزيد من قدرة التحكم في السلوك والانفعال، ثم يأتي تذكّر الله ومراعاته باعتباره حلًّا روحيًّا، وأخيرًا يظهر الحِلم كآلية مواجهة معرفيّة انفعالية للغضب والسلوك العدواني. إنّ التوصيات المركبة المذكورة آنفًا تُعَدّ من أكثر الوسائل تأثيرًا ونجاحًا في ضبط
الانفعالات، ولا سيّما الغضب. وتكمن الخصوصية الرئيسة لهذه التوصيات في تغيير النظرة الكونيّة للفرد نحو السلامة النفسيّة من جهة، وتصحيح الأخطاء المعرفيّة من جهة ثانية، وفي نهاية المطاف تغيير سلوكه تغييرًا شاملًا يُبعد ذهنه عن موضوع الغضب.
وتوجد روايات كثيرة من هذا القبيل، تحتوي على الأقل على استراتيجيتين للمواجهة أو تضمّ الاستراتيجية الواحدة أبعادًا متعدّدة. ومن ذلك، على سبيل المثال، ما جاء في وصايا أمير المؤمنين عليهالسلام إلى مالك الأشتر بشأن ضبط الغضب: «اِملِك حَمِيةَ أنفِك، وسَورَةَ حَدِّك، وسَطوَةَ يدِك، وغَربَ لِسانِك، وَاحتَرِسْ مِن كلِّ ذلِك بكفِّ البادِرَةِ، وتَأخِيرِ السَّطوَةِ، [وَارفَعْ بَصَرَك إلَى السَّماءِ عِندَ ما يحضَرُك مِنهُ] حَتّى يسكنَ غَضَبُك فَتَملِك الاِختِيارَ، ولَن تَحكمَ ذلِك مِن نَفسِك حَتَّى تُكثِرَ هُمُومَك بِذِكرِ المَعادِ إلى رَبِّك».
تقدم هذه الرواية رزمةً متكاملة لضبط الغضب، حيث تجمع بين الإمساك باللسان الذي هو ترجمان الفكر وبين تأجيل السطوة البدنيّة والامتناع عن القوة والعنف، مع تغيير الفضاء برفع النظر إلى السماء، والتفكير في العاقبة والمصير، مما يشكل شبكة مترابطة من الوسائل المخصّصة لمعالجة هذا الموقف الظاهري البسيط: الغضب.
وفي العصر الراهن، تتجه معظم الأساليب العلاجية النفسيّة الفعالة نحو نموذج متعدّد الأبعاد. وكما يقول إليس، «المستقبل للعلاج متعدد الأبعاد». ويُعَدّ لازاروس الرائدَ في هذا المجال؛ إذ يرى أنّ معظم أساليب العلاج النفسي الحالية ذات اتجاه أحادي أو ثنائي أو في أفضل الأحوال ثلاثي الأبعاد، بينما تتيح المنهجية المتعددة الأبعاد تحويل طيفٍ واسعٍ من الاستراتيجيات إلى أدوات مرنة ومنطقيّة.
كما تمكّن الشخص من استخدام مجموعة من الطرائق «التشاركيّة غير التدميريّة». وهو يركز بالتوازي على سبعة أبعاد أساسيّة: السلوك، الشعور، الاستقبال الحسي، التصوير الذهني، المعرفة، العلاقات بين الأفراد، والبعد البيولوجي.
تبدأ الحياة الزوجيّة غالبًا ببداياتٍ حلوة وجذّابة، غير أنّها مع مرور الوقت تمرّ بتقلّبات ومراحل مدٍّ وجزر، وتُواجه الأزواجَ الشباب تحدّياتٌ ومشكلات. أحيانًا تكون هذه المشكلات طبيعية وعادية، وأحيانًا تتجاوز الحدّ المألوف، بحيث يُعرب الأزواج عن عجزهم عن حلّها، ويشتكون من شعورهم بأنهم «عالقون» في علاقة «باردة وغير جذّابة».
على كلّ حال، يرغب الأزواج، وخصوصًا الشباب منهم، في معالجة النزاعات إمّا بأنفسهم أو عبر اللجوء إلى معالجي الأسرة. ونحن ننصح الأزواج الشباب، وكذلك القارئ الكريم لهذا الموضوع، بأن يولوا اهتمامًا خاصًّا باكتساب مهارة «التعامل مع الخلافات الزوجيّة»؛ إذ إنّ افتقارهم إلى هذه المهارات يؤدي في كثير من الأحيان إلى تفاقم المشكلات الزوجيّة وتعقيدها. وينبغي عليهم تنمية هذه المهارة من أجل خفض الكثير من المشكلات ومواجهتها بأسلوب «الاعتماد على الذات». أمّا إذا واجهوا مشكلاتٍ تتجاوز قدراتهم الذاتية، فيُستحسن أن يستعينوا بمعالجي الأسرة، وألّا يعتمدوا على العلاج الذاتي كحلّ وحيد.
وقد صُمّمت هذه المهارة بهدف تعريف الأزواج الشباب
(227)بآليات التعامل مع المشكلات الزوجيّة، على أمل أن تسهم في رفع جودة العلاقات الأسريّة.
الأسرة، من حيث البنية، نظامٌ عاطفيّ معقّد قد يضمّ ثلاثة أو أربعة أجيال على الأقلّ. ويعمل نظام الأسرة عبر أنماط التفاعل المتكرّرة التي تحدّد كيف ومتى ومع مَن يُقيم الأفراد علاقاتهم. هذه الأنماط تُشكّل القاعدة التحتية للنظام الأسري. فعندما تطلب الأمّ من طفلها أن يتناول الطعام ويستجيب لها، فهذا التفاعل يحدّد، في تلك اللحظة وتلك الحالة، هوية الأم ودورها بالنسبة للطفل، وهويّته بالنسبة لها. وتُنتج هذه التفاعلات نمطًا تفاعليًّا يُنظّم سلوك أفراد الأسرة.
وتُستفاد من مجموعة الآيات والروايات المتعلقة بالأسرة أنّ الأسرة، في نظر الإسلام، نظامٌ موحَّد ومنسَّق، وتظهر فيه كثيرٌ من القواعد التي تحكم المؤسسات والهياكل المنظّمة. كما يؤدّي الأقارب دور نظامٍ داعمٍ ومكمّلٍ بجانب نظام الأسرة. وقبل طرح أيّ موضوع، من الضروري التعرّف على بنية الأسرة لنتسنّى لنا إدارة العلاقات الداخلية على نحو أفضل.
يؤدّي نظام الأسرة وظائفه عبر أنظمة فرعيّة متميّزة. وتُعدّ الأنظمة الفرعية وحداتٍ أصغر ضمن الكلّ الأسري، ووجودها ضروري لتحديد المهامّ الأسريّة المتعدّدة. من دون هذه الأنظمة الفرعيّة، يُصبح النظام الأسري عاجزًا عن أداء وظائفه. وتُحدَّد الأنظمة الفرعية بأفضل شكل عبر الحدود والقوانين التي تحكمها. وهي تتشكّل عندما يتّحد أفراد الأسرة لأداء أدوارٍ متعدّدة.
ويرى مینوچين وفیشمن أنّ هناك ثلاثة أنظمة فرعيّة رئيسيّة في الأسرة، هي: النظام الزوجي، والنظام الوالدي، ونظام الإخوة والأخوات. وينتمي كلّ فرد إلى نظام فرعيّ مختلف يمتلك مستوىً خاصًّا من القوّة. فقد يكون الرجل ابنًا، أو أخًا أكبر، أو أخًا أصغر، أو زوجًا، أو أبًا. ومن بين هذه الأنظمة، يُعدّ النظام الزوجي الأساس لاستقرار الأسرة. وفي داخل هذا النظام الفرعي، تؤدّي الزوجة والزوج أدوارًا متعدّدة.
يعتقد علماء النفس المتخصّصون في مجال الأسرة، ومنهم معالجو الأسرة البنيويّون، أنّ الأنظمة الفرعيّة الأسريّة تتميّز عن
بعضها البعض بفضل «الحدود». وحدود النظام الفرعي هي القواعد التي تحدّد مَن وكيف يُعدّ جزءًا من هذا النظام. بعبارة أخرى، الحدّ هو خطٌّ غير مرئيّ يفصل الأفراد أو الأنظمة الفرعية نفسيًّا عن بعضهم البعض.
وفي الأسرة المتماسكة، تهدف الحدود إلى تسهيل الأداء الأفضل لتفاعلات الأعضاء، ويُبرز النظام الأسري هذه الحدود لأداء صحيّ. وتتمثّل وظيفة الحدود في حماية عمليّة تمييز مكوّنات النظام الأسري. ويُعدّ وضوح الحدود معيارًا مفيدًا لتقييم أداء الأسرة؛ فإذا كانت الحدود قاسيةً وصلبةً للغاية، تؤدي إلى التفكك، وإذا كانت مائعةً للغاية، تؤدي إلى التداخل والاندماج المفرط. بمعنى آخر، فإنّ التفكك والاندماج هما طرفان لنفس الطيف، والنطاق السويّ يتمثل في وضوح الحدود من دون أن تكون صلبة أو غامضة.
وفي التعاليم الدينيّة، يُحترم استقلال كلّ فرد وعضو في الأسرة، بحيث تُراعى الحدود والخصوصيّات بين الأفراد، وهو ما يفضي إلى حصول الفرد على مكانته اللائقة، ويتمتّع بعزّة النفس والاحترام والثقة بالذات.
استنادًا إلى هذه التعاليم، يُرسم موضع كلّ فرد من أفراد
الأسرة بوضوح، فيتميّز موقع الأب والأم والأبناء عن بعضهم البعض، ولكلٍّ منهم حقوقٌ وامتيازاتٌ فرديّةٌ متمايزة. ولهذا السبب، نجد في الإسلام أنّ للأب مكانة تختلف عن مكانة الأم والأبناء، ولكلٍّ منهما حقوق وامتيازات تخصّه مقارنةً بالآخرين. وكذلك للأبناء وضع خاصّ وحقوق وامتيازات تختلف عن والديهم.
علاوةً على ذلك، لكلّ نظام أسري حدوده وخصوصيّاته التي يجب أن تكون واضحة بما يكفي لتحديد مجال الاستقلال العملي لكلّ فرد، ومنع تدخّل غير المعنيّين بالنظام الأسري كأقارب الأب أو الأم في شؤونه.
تُنتِج الأنماط التفاعليّة انتظامَ سلوك أفراد الأسرة. ومن العوامل التي تضمن استمرارية هذه الأنماط وجودُ «تراتبيّة السلطة» داخل نظام الأسرة، حيث يتمتّع الآباء والأبناء بمستوياتٍ متفاوتةٍ من السلطة. ولتشكيل مثل هذه التراتبيّة، غالبًا ما تكون الأدوار متكاملةً فيما بينها؛ فعلى سبيل المثال، يعمل الزوجان اللذان قبِلا بالاعتماد المتبادل كفريقٍ واحدٍ ويؤدّيان دورَ الوالدين.
يُدار نظام الأسرة في الإسلام بصورة هرميّة، يكون في قمتها ربّ الأسرة (الزوج)، الذي يسعى إلى إدارة الشؤون المالية
(231)للأسرة، وتسهيل التفاعل بين أعضائها. يقول الله تعالى في الآية 34 من سورة النساء: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ).
وتُؤدّي المرأة، في إطار الأسرة، دورًا مكمّلًا لدور الرجل، فتتولى إدارة المنزل. غير أنّ النظرة الإسلامية لإدارة المنزل لا تختزلها في الأعمال الخدمية، كما أنّ المرأة ليست ملزمةً قانونيًا بها، بل تشمل التربية والرعاية والارتقاء بأعضاء الأسرة، بوصفها من أهم وظائفها. ويأتي الأبناء بعد الوالدين في قاعدة هذا الهرم، حيث تُحدَّد التراتبية السلطوية بينهم بناءً على اختلاف السنّ والجنس.
يُحدّد نظام الأسرة، من وجهة نظر الإسلام، الأدوار وحدود السلوك لكلّ فرد من أعضائه، كما يُسهّل تبادل الآراء فيما بينهم. وفي هذا السياق، يُرسَم لكلّ عضو حقوقٌ وواجبات، بما يعزّز من كفاءة النظام الأسري.
توجد آراءٌ مختلفة في تحديد معايير المسؤوليّات والوظائف؛ فبعض علماء النفس يرون أنّ توزيع الأدوار والمسؤوليّات ينبثق عن بيئة التنشئة التي نشأ فيها الزوجان. فعلى سبيل المثال، إذا
نشأ كلا الزوجين في بيئة أبوية تقليديّة، فسيعتبران من الطبيعي أنّ «غسل الصحون مسؤوليّة المرأة». بينما يرى آخرون أنّ توزيع الأدوار هو نتيجة اتفاق لفظي وعرفي بين الزوجين، بحيث يتفقان على من يطهو الطعام أو يؤدّي عملًا ما في يومٍ معيّن.
ومن خلال النظر إلى الرؤية الإسلامية، يبدو أنّ تحديد الأدوار الزوجيّة بغرض «تحقيق الكفاءة» و«تحقيق السعادة الأسريّة» يسير في مسارٍ أكثر وضوحًا. وتتحقّق هذه الأهداف استنادًا إلى ثلاثة معايير: «الالتزام بالقيم»، «مراعاة الفروقات الجسديّة والنفسيّة»، و«التوافق المتبادل». وقد ورد في السنّة النبويّة، استنادًا إلى توجيه النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه وُزّعت المسؤوليّات المنزلية بحيث تولّى الإمام علي عليهالسلام الأعمال خارج المنزل، وتولّت السيدة فاطمةعليهاالسلام إدارة شؤون المنزل.
يمكن تصنيف الأسر، من حيث قدرتها على إدارة النزاعات والمشكلات، إلى أسرٍ كفوءة وأخرى غير كفوءة. وتمتلك الأسرة الكفوءة والناضجة خصائص تميّزها عن سائر الأنظمة الاجتماعيّة. وفي هذا القسم، نعتمد على نموذج العلاقة الذي اتبعه النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمة المعصومون عليهمالسلام مع زوجاتهم وأبنائهم، للإشارة إلى خصائص الأسرة الكفوءة:
أحد أبرز مميزات الأسرة الكفوءة هو التزام الأفراد بتوفير السكينة لبقية الأعضاء. ففي هذه الأسر، لا يكرّس الأفراد أنفسهم فقط لراحة الأسرة، بل يعملون أيضًا من أجل نمووتطوّر كلّ فردٍ فيها. وقد عبّر الإمام علي عليهالسلام عن سلوكه مع فاطمة؟عها؟ بقوله: «فَوَاللّهِ ما أَغضَبتُها ولا أَكرَههتُها عَلى أَمرٍ حتّى قَبَضَهَا اللّهُ(عزّ وجلّ) إلَيهِ، ولا أَغضَبَتني ولا عَصَت لي أَمرًا، ولَقَد كُنتُ أَنظُرُ إِلَيها فَتَنكَشِفُ عَنّي الهُمومُ وَالأَحزانُ».
ويُعدّ الالتزام تجاه الأسرة أساسًا لإنفاق الوقت والطاقة في الأنشطة التي ترتبط بالعائلة. فالالتزام يعني الوفاء للأسرة وأفرادها في أوقات السرّاء والضرّاء، وهو يقوم على كلٍّ من العاطفة والإرادة. الأزواج والأفراد الذين لم يبلغوا النضج الفكري الكافي في مسألة الالتزام تجاه الآخرين، ويتسمون بسلوكياتٍ متذبذبةٍ، يُعانون عادةً من مشكلات في الزواج والعمل، وغالبًا ما تكون النتيجة غياب الوفاء.
لا تقوم الأسرة الكفوءة، عند مواجهة المشكلات، بتعميم المشكلات العائليّة على سائر جوانب الحياة، ولا تُحوّل
المشكلة الراهنة إلى كارثةٍ عظمى أو معضلةٍ مستعصية على الحلّ، بل تُظهر قدرتها على إدارة الأزمة والتعامل معها. وتُعدّ رواية أمير المؤمنين علي عليهالسلام عن صبر السيدة الزهراء؟عها؟ في إدارة المنزل شاهدًا جليًّا على أنّ الشدائد في الحياة لا نهاية لها، ولكن ينبغي مواجهتها بطريقة مناسبة. فقد كانت ؟عها؟، رغم كثرة المصاعب، لا تتنصّل من مسؤولياتها. فقد قال أمير المؤمنين عليهالسلام لرجلٍ من بني سعد: «أَتُحبّ أن أُحدّثَك عنّي وعن فاطمةَ الزهراء؟»، ثم قال:
«إنّها كانت عندي فاستقت بالقربةِ حتى أثّر في صدرها، وطَحَنت بالرَّحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرّت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرٌّ شديد».
وعندما تُحدق الشدائد بالإنسان، يُوصي القرآن الكريم بالاستعانة بـ«الصبر» و«الصلاة»، حيث يقول الله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة: 45).
فالاستعانة تكون عندما تعجز قوى الإنسان الذاتية عن دفع أمرٍ جللٍ أو مواجهة حادثةٍ طارئة بما يحقّق مصلحته، وحينها
يكون أفضل معينٍ له هو مقاومته الداخليّة وضبط نفسه، مع الاستعانة بالله سبحانه عبر الصبر والصلاة.
وكان النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذا ألمّت بأهله ضائقة، يأمرهم بالصلاة، كما جاء في الروايات: «كان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم إذا نزل بأهله الضيقُ أمرهم بالصلاة، ثم قرأ: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ)».
وجاء كذلك في كتاب مكارم الأخلاق: «كان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله: يا أهلاه! صلّوا، صلّوا».
وهذه الشدائد لم تكن أبدًا لتصرفه عن أداء دوره كزوجٍ ووالدٍ، بل ظلّ صلىاللهعليهوآلهوسلم طوال حياته يواجه الشدائد والأزمات بثباتٍ وإصرار.
من الخصائص البارزة للأسرة السليمة والكفوءة روح التعاون بين أفرادها، مع وضوح المسؤوليّات والأدوار لكلّ فردٍ منها. إنّ التحلّي بروح التعاون وخلو النفس من التكبّر من صفات
المؤمنين الحقيقيين. وقد قال النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم : «مَن لم يأنف من ثلاثٍ فهو مؤمنٌ حقًّا: خدمة العيال، والجلوس مع الفقراء، والأكل مع خادمه. وهذه الأفعال من علامات المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى في كتابه: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)».
وقد ورد في سيرة المعصومين عليهمالسلام ما يدلّ على وجود التعاون والمشاركة بين أفراد الأسرة. «سُئِلَت عائِشَةُ: ما كانَ النَّبِي صلىاللهعليهوآلهوسلم يصنَعُ في بَيتِهِ؟ قالَت: كانَ يكونُ في مِهنَةِ أهلِهِ تَعني خِدمَةَ أهلِهِ فَإِذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ خَرَجَ إلَىالصَّلاةِ ».
كما أنّه، وبناءً على توجيهات رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أُنيطت إدارة شؤون المنزل بفاطمة الزهراءعليهاالسلام، وأُسندت المهامّ الخارجية إلى الإمام علي عليهالسلام. ومع ذلك، لم يتوانَ أمير المؤمنين علي عليهالسلام عن مساعدة زوجته الزهراء؟عها؟ في أعمال البيت، فقد رُوي عن الإمام الصادق عليهالسلام: «كانَ أميرُ المُؤمِنينَ صَلَواتُ اللّهِ عَلَيهِ يحتَطِبُ ويستَقي ويكنِسُ، وكانَت فاطِمَةُ؟عها؟ تَطحَنُ وتَعجِنُ وتَخبُزُ».
وجاء في كتاب تنبيه الخواطر «دَخَلَ النَّبِيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم عَلى فاطِمَةَ وهِي تَطحَنُ مَعَ عَليٍّ عليهالسلام، فَقالَ النَّبِيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم: لِأَيكما أعقُبُ؟ فَقالَ عَليٌّ عليهالسلام: لِفاطِمَةَ، فَإِنَّها قَد أعيت. فَقامَت فاطِمَةُ، فَطَحَنَ النَّبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم مَعَ عَليٍّ لِفاطِمَةَ».
لكلّ فردٍ من أفراد الأسرة، ضمن النظام الأسري، مسؤوليّات ووظائف محددة تعبّر عن دوره الواضح والمحدد. وبناءً عليه، تتّضح مسؤوليّات كلٍّ من الرجل والمرأة. فمثلًا، تُناط بالمكلّف الرجل مسؤوليّات توفير الحاجات الأساسيّة للأسرة من مأكلٍ وملبسٍ ومسكن، وهذه التكاليف تُعدّ من الالتزامات المادّيّة ولا تقع على عاتق الزوجة أو الأبناء. نذكر مثالين لتحديد مسؤوليّات الرجال:
قال معاذ الكيّس في رواية عن الإمام الصادق عليهالسلام: «يا معاذ!... اسعَ على عيالك، وإيّاك أن يكونوا هم السعاة عليك».
ورُوي عن مسعدة بن صدقة أنّ الإمام الصادق عليهالسلام كتب إلى أحد أصحابه: «لا تكسل عن معيشتك فتكون كلًّا على غيرك أو قال: على أهلك».
وبمقابل مسؤولية إدارة الأسرة التي تقع على الرجل، أُنيطت مسؤولية إدارة المنزل، أي تربية وتنمية أفراد الأسرة، بالمرأة. وقد قضى النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك فقال: «قضى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم على ابنته فاطمة؟عها؟ بخدمة البيت، وقضى على علي عليهالسلام بما كان خارجًا من البيت من الخدمة».
إنّ تفويض الأدوار بهذه الطريقة يُسهم بدرجة كبيرة في تمكين الأزواج من تحقيق أهداف الحياة الزوجيّة، والتغلب على العقبات والمشكلات التي قد تواجههم خلال مسيرتهم.
يُعدّ الاستثمار العاطفي أحد وظائف أعضاء الأسرة، ويُقصد به مقدار إظهار المحبة والاهتمام بأنشطة أفراد الأسرة. وقد يشمل الاستثمار العاطفي طيفًا واسعًا يتراوح بين غياب الاستثمار إلى الاستثمار المفرط. غير أنّه في الأسر الفعّالة والسليمة، تكون أفضل طريقة للاستثمار العاطفي هي «الاستثمار المتعاطف». وفي هذا النمط من الاستثمار، يتمّ تقديم الدعم العاطفي بين أعضاء الأسرة بصدق وسهولة، ويتنعّم الأفراد بالعواطف الإيجابيّة لبعضهم البعض. وقد أكّدت التعاليم الإسلامية على هذا النمط من الاستثمار. قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «يؤتى بِالرَّجُلِ مِن اُمَّتي يومَ القِيامَةِ وما لَهُ مِن حَسَنَةٍ تُرجىٰ لَهُ الجَنَّةُ، فَيقولُ الرَّبُّ
تَعالى: أدخِلوهُ الجَنَّةَ، فَإِنَّهُ كانَ يرحَمُ عِيالَهُ».
وفي رواية أخرى، يعدّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم خير النساء هنّ النساء الرؤوفات: «إنَّ خَيرَ نِسائِكمُ الوَلودُ الوَدودُ».
وقد عدّصلىاللهعليهوآلهوسلم أحد حقوق الرجل على المرأة أن تُظهر له المحبّة والشفقة: «لِلرَّجُلِ عَلَى المَرأَةِ أن تَلزَمَ بَيتَهُ، وتَوَدَّدَهُ وتُحِبَّهُ وتُشفِقَهُ».
ويكتسب هذا الأمر أهميّة خاصة بمراعاة وصايا جبرائيل الأمين، إذ قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «أخبَرَني أخي جَبرَئيلُ ولَم يزَل يوصيني بِالنِّساءِ حَتّى ظَنَنتُ ألّا يحِلَّ لِزَوجِها أن يقولَ لَها: افٍّ يا مُحَمَّدُ! اتَّقُوا الله(عزّ وجلّ) فِي النِّساءِ، فَإِنَّهُنَّ عَوانٌ بَينَ أيديكم، أخَذتُموهُنَّ عَلى أماناتِ الله(عزّ وجلّ) مَا استَحلَلتُم مِن فُروجِهِنَّ بِكلِمَةِ اللّهِ وكتابِهِ مِن فَريضَةٍ وسُنَّةٍ وشَريعَةِ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ اللّهِ، فَإِنَّ لَهُنَّ عَلَيكم حَقًّا واجِبًا لِمَا استَحلَلتُم مِن أجسامِهِنَّ، وبِما واصَلتُم مِن أبدانِهِنَّ، ويحمِلنَ أولادَكم في أحشائِهِنَّ، حَتّى أخَذَهُنَّ الطَّلقُ مِن ذلِك، فَأَشفِقوا عَلَيهِنَّ، وطَيبوا قُلوبَهُنَّ حَتّى يقِفنَ مَعَكم، ولا تَكرَهُوا النِّساءَ ولا تَسخَطوا بِهِنَّ، ولا تَأخُذوا
مِمّا آتَيتُموهُنَّ شَيئًا إلّا بِرِضاهُنَّ وإذنِهِنَّ».
وفي حديث آخر يقول صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إذا نَظَرَ العَبدُ إلى وَجهِ زَوجِهِ ونَظَرَت إلَيهِ، نَظَرَ اللّهُ إلَيهِما نَظَرَ رَحمَةٍ، فَإِذا أخَذَ بِكفِّها وأخَذَت بِكفِّهِ، تَساقَطَت ذُنوبُهُما مِن خِلالِ أصابِعِهِما».
ويشمل الدعم العاطفي نطاقًا واسعًا، فلا يقتصر على الأزواج فحسب، بل يشمل الأولاد ضمن دائرة المحبّة والرحمة. وقد ورد في الحكم المنسوبة إلى الإمام علي عليهالسلام:
«يجِبُ عَلَيك أن تُشفِقَ عَلى وَلَدِك أكثَرَ مِن إشفاقِهِ عَلَيك».
وعلى أساس هذه المحبّة والشفقة، يترحّم الله سبحانه وتعالى على عباده. قال الإمام الصادق عليهالسلام: «إنَّ اللّهَ لَيرحَمُ العَبدَ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِوَلَدِهِ»، وهذه المحبّة للأبناء ممّا يحمي الإنسان من عذاب النار. قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «حُبُّ الأَولادِ سِترٌ مِنَ النّارِ وَالأَكلُ مَعَهُم بَراءَةٌ مِنَ النّارِ وكرامَتُهُم جَوازٌ عَلَى الصِّراطِ».
تقضي الأُسر الفعّالة وقتًا ملحوظًا معًا. ويتوقف كون هذا الوقت مفيدًا على تمتعه بجودة مناسبة؛ إذ إنّ قضاء وقت طويل مصحوب بالتوتر والنزاع والمشاجرة لا ينتج عنه سوى السخط، ولن يجد فيه الأعضاء متعة أو ارتياحًا. أما قضاء الوقت بجودة عالية، فيؤدي إلى زيادة رضا أفراد الأسرة عن حياتهم.
وبهذا البيان، يتضح لماذا تتقدّم «المجالسة ذات الجودة» مع الزوجة أحيانًا على بعض الأعمال الدينيّة، مثل الاعتكاف في مسجد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، مع ما له من فوائد عظيمة لا تخفى على أحد وما رُتِّب عليه من أجر جزيل. فقد اعتبر النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم قضاء الوقت مع الأسرة أفضل من الاعتكاف في مسجده، إذ قال: «جُلوسُ المَرءِ عِندَ عِيالِهِ أحَبُّ إلَى اللّهِ تَعالى مِنِ اعتِكافٍ في مَسجدي هذا».
وفي رواية أخرى، عن أنس أنّه سأل: يا رسول الله! أالجلوس مع الأهل أحبّ أم الجلوس في المسجد؟ فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم: «الجُلوسُ ساعَةً عِندَ العِيالِ أحَبُّ إلَي مِنَ الاعتِكافِ في مَسجِدي هذا».
وقد عُدّ الرجوع إلى البيت، والمكوث مع الأسرة، وتخصيص الوقت لهم بعد أداء المهام والمسؤوليات، نوعًا من الصدقة
والعمل الصالح. فقد قال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لرجل: «هل أنت صائم؟» قال: لا. قال: «هل أطعمت مسكينًا؟» قال: لا. فقال: «فَارجِع إلى أهلِك فَإِنَّهُ مِنك عَلَيهِم صَدَقَةٌ».
وتوجد روايات كثيرة تؤكد أهميّة اجتماع أفراد الأسرة أثناء تناول الطعام، وما يترتب عليه من آثار طيبة. ونشير هنا إلى بعضٍ منها. يقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنَّ اللّهَ يحِبُّ المُؤمِنَ ويحِبُّ أهلَهُ ووُلدَهُ، وأحَبُّ شَيءٍ إلَى اللّهِ تَعالى أن يرَى الرَّجُلَ مَعَ امرَأَتِهِ ووُلدِهِ عَلى مائِدَةٍ يأكلونَ، فَإِذَا اجتَمَعوا عَلَيها نَظَرَ إلَيهِم بِالرَّحمَةِ لَهُم، فَيّغفِرُ لَهُم قَبلَ أن يتَفَرَّقوا مِن مَوضِعِهِم».
وفي موضع آخر قال صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إذا أكلَ المُؤمِنُ مَعَ أولادِهِ كتِبَ لَهُ بِكلِّ لُقمَةٍ ثَوابُ عِتقِ رَقَبَةٍ ورُفِع لَهُ مَدينَةٌ وأعطاهُ اللّهُ كتابَهُ بِيمينِهِ».
وفي حديث آخر عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم:«أيّما مُؤمِنٍ يحِبُّ الأَكلَ مَعَ الأَولادِ، ناداهُ مَلَك مِن تَحتِ العَرشِ: يا عَبدَ اللّهِ! استَأنِفِ العَمَلَ، فَقَد غَفَرَ اللّهُ لَك الذُّنوبَ كلَّها».
وفي رواية أخرى قال صلىاللهعليهوآلهوسلم: «ألا أُنَبِّئُكم بِخَمسٍ مَن كنَّ فيهِ فَلَيسَ بِمُتَكبِّرٍ: اعتِقالِ الشّاةِ، ولُبسِ الصّوفِ، ومُجالَسَةِ الفُقَراءِ، وأن يركبَ الحِمارَ، وأن يأكلَ الرَّجُلُ مَعَ عِيالِهِ».
يُعدّ التنازل عن الرغبات الشخصية ومراعاة رغبات أفراد الأسرة من وظائف الأسرة الفعّالة. ويتوجّه هذا الإيثار ابتداءً إلى الرجل، لأنّ إدارة الأسرة تقع على عاتقه، ثمّ يتوجّه إلى كلّ فرد حسب موقعه. يقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «المُؤمِنُ يأكلُ بِشَهوَةِ أهلِهِ، وَالمُنافِقُ يأكلُ أهلُهُ بِشَهوَتِهِ».
وقد فسّر الإمام الصادق عليهالسلام الآية الكريمة: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِى الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ) (النحل: 71) بقوله:
«لا يجوزُ لِلرَّجُلِ أن يخُصَّ نَفسَهُ بِشَيءٍ مِنَ المَأكولِ دونَ عِيالِهِ».
كما نُقل عنه عليهالسلام أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كان ينهى أن يشبع الرجل ويبقي عياله جائعين.
يُمهّد الدعم العاطفي بين الزوجين الأرضيّة لنمطٍ فعّال من التواصل. وفي مثل هذه الأسر، يكون التفاؤل، وحسن الخلق، والصبر، والمواءمة، والاحترام، والتعاطف، وفن الإصغاء والحديث، من أهمّ نتائج هذا التواصل الفعّال. في هذا الوضع، يتلقّى أفراد الأسرة رسائل بعضهم البعض، التي قد تتضمّن معانٍ واضحة ولكنها دقيقة. أمّا في الأسر غير الفعّالة، فالسكون غالب غالبًا، وتُرسل الرسائل ولكن نادرًا ما يتمّ تلقّيها بحماس. وللاطلاع بشكل أوسع على هذه المهارات، يُحال القارئ إلى فصل «مهارات التواصل بين الأفراد».
تُسهم الأُسر السليمة وظيفيًّا في تنمية القدرات الكامنة لدى كلّ فرد، وتُتيح لهم البحث عن ذواتهم بثقة وأمان. يرى كانستنتين أنّ ثمّة فرقًا بين النظام الأسري «القادر» والنظام الأسري «العاجز». فالأسرة القادرة تستطيع أن توازن بين احتياجاتها كوحدة أسريّة وبين المصالح الشخصيّة لجميع أفرادها، وتختار أساليب ترضي الحاجتين معًا. في حين تتسم الأسر العاجزة إمّا
[1]- دعائم الإسلام، ج2، ص193، ح699 وص254، ح961.
بالكسل أو بسيطرة بعض الأفراد على حساب آخرين، مما يؤدّي إلى تضرّر مصالح البعض. ويُلاحظ هذا النموذج أكثر في الأسر المفكّكة أو المتصلّبة أو الفوضويّة. وللخروج من المشكلات التي قد تؤدّي إلى الاضطرابات النفسيّة لأحد أفراد الأسرة أو أكثر، ينبغي اعتماد استراتيجيات لتقليل النزاعات الزوجيّة إلى أدنى حد. وفيما يلي الإشارة إلى بعض هذه الاستراتيجيّات:
دائمًا ما يُطرح السؤال: ما هدفنا من هذه العلاقة؟ وللإجابة عنه، يجب الالتفات إلى مكونات العلاقات الحميمة، والتي تتكوّن من ثلاثة عناصر: الالتزام، والألفة ، والشهوة . تحدّد درجة حضور هذه العناصر الثلاثة طبيعة العلاقة الزوجيّة؛ فالعلاقة الكاملة والصحية تجمع هذه العناصر الثلاثة، وإلاّ فإنّها قد تشهد نزاعات زوجيّة، مما يتطلب إعادة تحديد الأهداف. تشير التعاليم الدينيّة إلى أهداف واضحة من تأسيس الأسرة وبناء العلاقات الزوجيّة؛ منها: السكينة والطمأنينة، تربية جيل موحّد، تنظيم السلوك الجنسي، الضبط الاجتماعي، وتوفير الدعم العاطفي. فإذا تحققت هذه الأهداف، أصبحت العلاقة
أقرب إلى تحقيق مقومات العلاقة الحميمة. أمّا إذا قادت أهداف الأزواج إلى النزاعات المستمرّة، وجب إعادة النظر فيها.
على الزوجين أن يُقيما أهداف حياتهما منذ البداية، والحالية، والمستقبلية؛ ليروا إن كانت تسير في اتجاه واحد أم لا. فإذا كانت متوافقة، دلّ ذلك على توافقهما؛ وإلاّ وجب استمرار الحوار البنّاء للتوصل إلى أهداف مشتركة. هل أكمل لك مباشرةً بقية الفقرة (ب تهيئة الأرضيّة لإحداث التغييرات) أيضًا، بنفس هذا النمط العلمي الدقيق؟
يُعدّ التغيير من الخيارات المستخدمة في إدارة التوتر والقلق داخل الأسرة. ولا يُقصد بالتغيير في هذه المرحلة تغيير الزوج أو الزوجة؛ إذ إنّ فكرة تغيير الأزواج فكرة غير ناجحة، كما أنّ محاولة تغيير أفراد الأسرة بشكل مباشر لا تفضي إلى نتيجة محددة. ومع ذلك، توجد مجالات مناسبة للتغيير ينبغي أوّلًا التعرّف عليها ثمّ السعي إلى إحداث التغيير في الذات أو في الزوج.
ولهذا الغرض، صمّم الباحثون «استبيان مجالات التغيير» لتقييم جوانب العلاقات التي يكون إحداث التغيير فيها أكثر سهولة. وفي هذا الاستبيان، يتم قياس رغبة الأفراد في تغيير سلوك أزواجهم ضمن مجالات مثل العلاقة الجنسيّة، إظهار العاطفة، المسائل الماليّة، الأعمال المنزليّة، الأصدقاء
(247)والأقارب، العمل، وتربية الأبناء. وعندما كان الأزواج الذين يتمتعون بعلاقة جيدة نسبيًّا (أي الأسرة المتوافقة) يملؤون هذا الاستبيان، كانوا يعارضون إحداث التغيير في معظم المجالات باستثناء الرغبة الجنسيّة.
وكان الأزواج يعدّون تحسين العلاقة الجنسيّة أهم تغيير يرغبون في حدوثه لدى زوجاتهم، بينما كانت النساء يطالبن بتغيير سلوك أزواجهنّ قبل العلاقة الجنسيّة (وكان ذلك المطلب يحتل المرتبة الثالثة عشرة ضمن قائمة التغييرات المطلوبة). وليس من المستغرب أن يظهر الأزواج غير المتوافقين رغبة أكبر في تغيير سلوك أزواجهم مقارنة بالأزواج المتوافقين؛ فقد كانت أكثر من نصف هؤلاء الأزواج غير المتوافقين يتمنون أن يتغير أزواجهم في مجالات مثل إظهار المشاعر، بدء المحادثة، إبداء التقدير، العلاقة الجنسيّة، قضاء وقت أطول معًا، وعدم الإكثار من الجدال.
وقد أُولِيَتْ مسألة حاجة الرجل والمرأة اهتمامًا جادًّا في النصوص الإسلامية، حيث أُلقيت مسؤوليات على عاتق الأزواج تُبنى عليها إمكانيّة إحداث التغيير استنادًا إلى تلك الحاجات. وتُعدّ الغريزة الجنسيّة من أقوى قوى الإنسان، ولا سيما لدى الرجال الذين يُبدون ضعفًا خاصًّا أمامها. وفي تفسير الآية
الشريفة (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا)(النساء: 28)، يقول النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم:
«لا يقوَى عَلَى تَرْك الجِماعِ».
ومن ثمّ، ينبغي للمرأة ألّا تتجاهل رغبة زوجها؛ إذ إنّ ذلك قد يؤدي إلى نشوء حالة من عدم الرضا وربما إلى الخيانة. وقد أكّدت النصوص الدينيّة تأكيدًا شديدًا على هذا الأمر، وذمّت النساء «المسوِّفات» اللائي يماطلن في الاستجابة لدعوة أزواجهن، حتى ولو كان ذلك بحجج كإطالة الصلاة، بل إنهنّ تعرضن للّعن.
ويقول النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث آخر: «لَا تُطَوِّلْنَ صَلَاتَكنَّ لِتَمْنَعْنَ أَزْوَاجَكنَّ».
ومن جهة أخرى، فإنّ النساء أيضًا يحتجن إلى العلاقة الجنسيّة، وتشير التعاليم الدينيّة إلى أنّ الله تعالى قد جعل شهوة النساء أشدّ من شهوة الرجال[4]. ويُروى عن الإمام الصادق عليهالسلام
أنّه قال: «فُضِّلَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الرَّجُلِ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ مِنَ اللَّذَّةِ، وَلَكنَّ اللهَ أَلْقَى عَلَيهِنَّ الْحَيَاءَ».
في حديث آخر عن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم، ورد أنّ المرأة تمتلك القدرة الجنسيّة لاثني عشر رجلًا وصبر اثني عشر رجلًا: «إِنَّ النِّسَاءَ أُعْطِينَ بُضْعَ اثْنَي عَشَرَ وَصَبْرَ اثْنَي عَشَرَ».
كما ورد عنه عليهالسلام: «إِنَّ اللهَ جَعَلَ لِلْمَرْأَةِ صَبْرَ عَشَرَةِ رِجَالٍ، فَإِذَا هَاجَتْ كانَتْ لَهَا قُوَّةُ شَهْوَةِ عَشَرَةِ رِجَالٍ».
ويقول الإمام علي عليهالسلام: «خَلَقَ اللهُ الشَّهْوَةَ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ فِي النِّسَاءِ وَجُزْءًا وَاحِدًا فِي الرِّجَالِ، وَلَوْلَا مَا جَعَلَ اللهُ فِيهِنَّ مِنَ الْحَياءِ عَلَى قَدْرِ أَجْزَاءِ الشَّهْوَةِ، لَكانَ لِكلِّ رَجُلٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ مُتَعَلِّقَاتٍ بِهِ».
في جميع هذه الأحاديث، يوجد أمر مسلّم به، وهو تفوّق المرأة على الرجل في القدرة الجنسيّة، وكذلك في الحياء؛ إلا أن ثمّة اختلافًا في مقدار هذا التفوق. فهل يدلّ هذا الاختلاف على التناقض أم يُعزى إلى اختلاف الأفراد؟ وإذا كان بسبب اختلاف الأفراد، فهل هو اختلاف فردي أم عرقي أم جغرافي وغير ذلك؟
إنّ قضايا مثل تفوق القدرة الجنسيّة للمرأة على الرجل، وتفوق حياء المرأة وخضوعها لضوابط العفّة مقارنةً بالرجل، ونسب هذا التفوق، والفرضيات المختلفة بشأن تفاوت هذه النسب، كلها تصلح أن تكون موضوعًا لدراسات نفسيّة علميّة. والمهم هنا هو أن الحاجة الجنسيّة لدى المرأة تتفوق على نظيرها لدى الرجل.
ويُعدّ التمهيد العاطفي وجودة العلاقة قبل الجماع أمرًا ذا أهميّة خاصة لدى النساء، بينما يولي الرجال أهميّة كبرى لذات العمليّة الجنسيّة ولتقديمها على غيرها من الممارسات العاطفية الأخرى. ومع أن تقدّم العلاقة الجنسيّة لدى الرجال «الموجَّهين نحو الهدف»، وأهميّة جودة العلاقات القبلية لدى النساء «الموجَّهات نحو التواصل»، هما سمتان مميزتان لكل من الجنسين، إلّا أنّه يمكن للزوجين أن يضعا هذه الفروق نصب أعينهما ويعملا على إجراء التغييرات اللازمة بناءً عليها.
تُعدّ «المقارنة الاجتماعيّة» من أهم مصادر معرفة الذات. والمقارنة الاجتماعيّة هي عمليّة ذهنية يتم من خلالها تقييم الحالة الذاتية مقارنة بالآخرين. نحن عادةً نقارن أنفسنا بالآخرين من حيث الثروة، والجاذبيّة الشخصيّة، والصحّة،
والمكانة الاجتماعيّة، ووضع الوالدين والأبناء، والنجاح الأكاديمي والرياضي، وغير ذلك. وعلى الرغم من أنّ المقارنة الاجتماعيّة تُعدّ مصدرًا قيّمًا لفهم الذات، إلا أنّها في كثير من الأحيان، نتيجة لسوء إدارتها، تؤدي إلى العديد من المشكلات النفسيّة والاجتماعيّة. فكم من أُسر تدهورت مستويات الرضا والسعادة لديها إلى أدنى مستوياتها بسبب المقارنات الخاطئة، وعانت من توترات كبيرة بلغت أحيانًا حدّ الانفصال. إنّ الطريقة والآلية التي تتم بها المقارنة تؤدي إلى إما تحفيز أو جمود في التفاعلات الزوجيّة. وبعبارة أخرى، فإن الإنسان الذي يسعى إلى «تقييم ذاته» بالنسبة للآخرين، يستخدم «أداة المقارنة» مع الأخذ بعين الاعتبار «المجموعة المرجعيّة» التي تتم بالمقارنة معها. ونتيجة هذه العمليّة تكون إما الرضا عن الحياة أو الشعور بعدم الرضا. وتتم المقارنة الاجتماعيّة بطرق متعددة، وسنشير هنا إلى أنواعها المختلفة ونسعى لتقديم أفضل أسلوب لإدارة عمليّة المقارنة الاجتماعيّة.
مقارنة الوضع الشخصي مع وضع أشخاص يتمتّعون بمكانة أعلى تُسمّى بالمقارنة التصاعدية أو الصعودية.
في العصر الحاضر، تعرض وسائل الإعلام كالراديو والتلفاز والسينما والإنترنت والأقمار الصناعيّة نمط حياة لا يصل إليه
معظم الناس أبدًا، فيقوم كثيرون بمقارنة أوضاعهم بناءً على هذه المعايير الإعلاميّة بدلًا من المعايير الواقعيّة. وهكذا، تؤدي هذه المقارنة إلى أن يحتقر الفرد ما يملكه ويعدّه تافهًا، فيشعر وكأنه لا يمتلك شيئًا، ممّا يدخله في حزنٍ طويل الأمد ويُفضي إلى شعوره بعدم الرضا. يقول الإمام الصادق عليهالسلام: «إِياكمْ أَنْ تَمُدُّوا أَطْرَافَكمْ إِلَى مَا فِي أَيدِي أَبْنَاءِ الدُّنْيا، فَمَنْ مَدَّ طَرْفَهُ إِلَى ذَلِك طَالَ حُزْنُهُ وَلَمْ يّشْفَ غَيظُهُ وَاسْتَصْغَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عِنْدَهُ فَيقِلُّ شُكرُهُ لِلَّهِ».
ويقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ فَوْقَكمْ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ تَزدَروا نِعْمَةَ اللَّه».
إنّ لهذا النوع من المقارنة آثارًا متعدّدة كالحسرة، والحزن الشديد، والحزن طويل الأمد. وفي نهاية المطاف، تستغرق الانشغالات الذهنية الإنسان بحيث تغمره مشاعر النقص والدونية.
فضلًا عن ذلك، فإن مستوى سعادتنا يتأثر بدرجة تقييمنا لأنفسنا وأوضاعنا مقارنة بالآخرين. وعندما نعجز عن تحقيق
المعايير المثالية التي تطرحها وسائل الإعلام أو الأفراد أو الفئات العليا التي تبدو أحلامًا بعيدة المنال، تتدنى عزّتنا النفسيّة وينخفض مستوى سعادتنا، ممّا ينعكس سلبًا على الرضا الزوجي، واستقرار الأسرة، وصحّة الأبناء وحيويّتهم.
في مقابل المقارنة التصاعدية، توجد المقارنة التنازلية أو النزولية. وفي هذا النوع من المقارنة، يوجّه الإنسان بصره إلى من هم دونه مكانة عند تقييم ذاته. وقد اعتبر الإمام علي عليهالسلام هذه المقارنة مدخلًا إلى الشكر، حيث قال:
«أَكثِرْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضِّلْتَ عَلَيهِ فَإِنَّ ذَلِك مِنْ أَبْوَابِ الشُّكر».
وقد أشارت العديد من التعاليم إلى أهميّة هذا النوع من المقارنة الاجتماعيّة. فقد قال الإمام الصادق عليهالسلام لحمران بن أعين: «يا حُمْرَانُ! انْظُرْ إِلَى مَنْ هُو دُونَك فِي الْمَقْدُرَةِ وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُو فَوْقَك فِي الْمَقْدُرَةِ، فَإِنَّ ذَلِك أَقْنَعُ لَك بِمَا قُسِمَ لَك وَأَحْرَى أَنْ تَسْتَوْجِبَ الزِّيادَةَ مِنْ رَبِّك».
كما يقول عليهالسلام: «انْظُرْ إِلَى مَنْ هُو دُونَك فَتَكونَ لِأَنْعُمِ اللَّهِ
شَاكرًا وَلِمَزِيدِهِ مُسْتَوْجِبًا وَلِجُودِهِ سَاكبًا».
النقطة الجديرة بالاهتمام هنا هي أنّ المقارنة النزولية في الأمور الدنيوية تكشف عن جوانب مشرقة ومفعمة بالأمل في الحياة، كانت غائبة عن الأنظار تحت تأثير المقارنة الصعوديّة. وتُبعث من جديد النظرات والمشاعر والسلوكيات والخصائص التي كانت قد خبت تحت ظلّ المقارنات التصاعديّة.
كما أشرنا سابقًا، فإنّ النصوص الدينيّة توصي بالمقارنة التنازلية أو النزولية، وتدعوالفرد إلى تشكيل مثل هذه المقارنة. تركز هذه الروايات غالبًا على الجانب الدنيوي والمادي للمقارنة، ولا تشمل البعد المعنوي فيها. وعن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكمْ إِلَى مَنْ فَضَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْينْظُرْ إِلَى مَنْ هُو أَسْفَلُ مِنْهُ».
ولا شك أن هذه المقارنة تسهم أكثر في «معرفة الذات» مقارنة بالمقارنة الصعودية. غير أنّه يبدو أنّ المقارنة المنطقية والهادفة لا تقتصر على المقارنة التنازلية فقط. فبما أنّ النصوص الروائية تؤكد على تقليل المقارنة الصعودية دون أن ترفضها
بالمطلق، فإنّ المقارنة الصعودية تظل جزءًا مهمًّا من المقارنة المنطقية. ومن هنا، يمكن أن تؤدي المقارنة النزولية والصعودية معًا إلى تحقيق «المقارنة المتوازنة». وعلى هذا النحو، من خلال المقارنة المتوازنة، وأخذ كلٍّ من المقارنتين النزولية والصعودية بعين الاعتبار، ستؤدي المقارنة الصعودية إلى تقليل الشعور بـ«التعالي» و«الاستعلاء»، فيما ستقضي المقارنة النزولية على مشاعر «الحقارة» و«الدونية». وتسهم هاتان المقارنتان معًا في تحقيق فهمٍ أفضل للموقع الحالي للفرد وإعداده للتقدم.
وفضلًا عن ذلك، إذا قمنا بتمييز المقارنة بين الذات والآخرين في المجالين الديني والدنيوي، فإن المقارنة الصعودية في الأمور الدينيّة ستسهم في تعزيز الارتقاء الروحي، ودفع الفرد إلى السعي لبلوغ مراتب العلماء الربّانيّين وعلماء الأخلاق وأولياء الله، بينما تسهم المقارنة النزوليّة في الأمور الدنيويّة في إزالة المشاعر السلبيّة الناجمة عن الحرمان من بعض النعم الدنيوية التي يملكها الآخرون. وقد دعا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المقارنة الصعوديّة في الشؤون الدينيّة، والمقارنة النزوليّة في الشؤون الدنيويّة، فقال: «مَن نَظَرَ في دينِهِ إلى مَن هُو فَوقَهُ فَاقتَدى بِهِ، ونَظَرَ في دُنياهُ إلى مَن هُو دونَهُ فَحَمِدَ اللّهَ عَلى ما فَضَّلَهُ بِهِ عَلَيهِ، كتَبَهُ اللّهُ شاكرًا صابِرًا، ومَن نَظَرَ في دينِهِ إلى مَن هُو دونَهُ، ونَظَرَ في دُنياهُ إلى مَن هُو فَوقَهُ فَأَسِفَ عَلى ما فاتَهُ مِنهُ، لَم يكتُبهُ اللّهُ شاكرًا ولا صابِرًا».
من المجالات التي تتسبّب في إرباك العلاقات الزوجيّة فقدان النموذج المناسب في التعامل مع الآخرين. إن إدارة العلاقات وفق نموذج سليم يمكن أن يمنع نشوء التوترات المحتملة في العلاقة بين الزوجين ويقلل منها. وتُستفاد من مجموع الروايات أنّ التفاعلات الآتية تؤثر في نظام الأسرة: التفاعل مع الذات؛ التفاعل مع الزوج أو الزوجة؛ والتفاعل مع الأقارب. ولكل من هذه التفاعلات نموذج خاص مع مراعاة وجود طرف ثالث، مما يساعد الفرد على إقامة علاقة صحية وتنظيم تفاعلاته وإدارة علاقاته. وفي هذا النموذج، يكون أحد الأضلاع دائمًا هو الفرد ذاته، فيما يشكل الضلعان الآخران الزوج أو الزوجة، والأبناء أو الأقارب.
إنّ العلاقة السليمة تبدأ أولًا من طريقة تفاعل الفرد مع ذاته. فكيف يتعامل الإنسان مع نفسه في محيط الأسرة والأقارب أمرٌ بالغ الأهميّة، إذ يشكّل الأساس للعلاقات السليمة في مجالات أخرى. إنّ التمتّع بعزّة النفس، واحترام الذات، والثقة بالنفس، يتحقق في ظلّ نموذج العلاقة التي يقيمها الفرد مع نفسه. ويمكن العثور على ملامح هذا النموذج في نصوص روائية عديدة. وقد ذُكرت في الروايات نساء صالحات كنّ يحظين
بالكرامة والمكانة المرموقة بين أسرهنّ، وكنّ مع ذلك يتمتّعن بالهدوء والتواضع، فلا يرون أنفسهنّ فوق الآخرين. فقد وصف لقمان الحكيم هذا النوع من النساء بأنهنّ صالحات، حيث قال:
«يا بُنَي! النِّسَاءُ أَرْبَعَةٌ: ثِنْتَانِ صَالِحَتَانِ وَثِنْتَانِ مَلْعُونَتَانِ؛ فَأَمَّا إِحْدَى الصَّالِحَتَينِ فَهِي الشَّرِيفَةُ فِي قَوْمِهَا الذَّلِيلَةُ فِي نَفْسِهَا، الَّتي إن اُعطِيت شَكرَت، وإنِ ابتُلِيت صَبَرَت، القَليلُ في يدَيها كثيرٌ، الصّالِحَةُ في بَيتِها...».
وفي مقابل هؤلاء النساء، هناك فئة أخرى من النساء ذوات صفات مغايرة: إذ يكنّ ذليلات بين أسرهنّ، متكبرات على أنفسهنّ. وقد اعتبر النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم هؤلاء من شرار النساء، حيث قال: «شِرَارُ نِسَائِكمُ... الذَّلِيلَةُ فِي قَوْمِهَا الْعَزِيزَةُ فِي نَفْسِهَا».
إنّ النموذج الإيجابي في التعامل مع الذات يتجلى في التواضع أمام الذات والاحتفاظ بمكانة كريمة ومعتبرة بين الأقارب. وفي هذا الإطار، يُسهِم الفرد في تثبيت مكانته من خلال تقليل التعالي وزيادة احترام الذات.
بعد بيان نموذج التعامل مع الذات، يأتي الحديث عن
نموذج التعامل مع الزوج. في نموذج العلاقة الزوجيّة، تسود المرونة والليونة. فقد روى جابر بن عبد الله الأنصاري قائلًا: كنت عند رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: «إِنَّ خَيرَ نِسَائِكمُ... الْعَزِيزَةُ فِي أَهْلِهَا الذَّلِيلَةُ مَعَ بَعْلِهَا».
والمرونة المذكورة في الرواية لا تعني الذل أو الهوان، بل تمثل استراتيجية للتواصل الفعّال. وقد قال الإمام الباقرعليهالسلام في هذا الصدد: «مَنِ اتَّخَذَ امْرَأَةً فَلْيكرِمْهَا».
وعليه، فإنّ النموذج التفاعلي البنّاء في هذا السياق هو نموذج «النفوذ مع الكرامة»، بمعنى أن تكون الزوجة مرنة أمام زوجها من جهة، ومحتفظة بكرامتها ومكانتها من جهة أخرى.
في هذا النوع من العلاقات البنّاءة، الذي يُعرف أيضًا بتفاعل «الزوج العائلة»، يكون الزوجان الصالحان هم الذين، نظرًا إلى وجود حدود جديدة ضمن النظام الأسري وأدوار مستجدة، يتسمون بالنفاذ أمام أزواجهم وعدم النفاذ أمام أسرهم. فقد روى أبوحمزة الثمالي عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنا مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم نتحدث عن النساء ومزايا بعضهن على
بعض، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إِنَّ مِنْ خَيرِ نِسَائِكمُ... الْعَزِيزَةَ فِي أَهْلِهَا، الذَّلِيلَةَ مَعَ بَعْلِهَا».
ويعني هذا أنّ المرأة يجب أن تدير علاقتها بأسرتها وأسرة زوجها بطريقة تجمع بين عدم النفوذ والحفاظ على الشرف والكرامة. ذلك لأنّه قد يحدث أحيانًا أن يتفوّه الوالدان بكلمات تحريضيّة أو ينقلان تفسيرًا خاطئًا عن سلوك الزوج أو الزوجة إلى أبنائهما، أو يحاولان التدخّل في حياتهم الزوجيّة عبر الأبناء. وفي مثل هذه الحالات، إذا كان الفرد نفوذًا أمام أسرته، فإنّ التوتر والخلافات تصبح حتمية، لأنّه أيضًا سيكون أقل تأثيرًا أمام شريك حياته. وفي هذه الحالة، تنتقل مراكز القرار من داخل الأسرة إلى خارجها، مما يفسح المجال لتفسيرات مغلوطة بدلًا من الفهم السليم، ويؤدي في النهاية إلى تدهور العلاقة الأسريّة وتحولها إلى بؤرة للعداوة وسوء الظن. وعلى العكس، إذا كان الفرد محصّنًا ضد نفوذ العائلة، فلن تؤثر عليه أقوال الآخرين ولا تدخلاتهم، وسيتمكن من الحفاظ على مزيد من التفاهم والانسجام مع شريك حياته، مما يعزز بدوره إدارة الأسرة من داخلها. وباعتماد هذا النموذج، ترتفع مستويات الرضا الزواجي، مما ينعكس إيجابًا على استقرار الأسرة واستدامتها.
قد تواجه الأُسر في مسيرة حياتها مشكلاتٍ قد تعجز عن التغلب عليها؛ غير أنّه يمكن إدارة هذه المشكلات عبر تمكين الأُسر وتعزيز مهارة حلّ المشكلات. وتُعدّ مهارات التواصل وحلّ المشكلات النواة المركزية في تدريب العلاج الأسري السلوكي.
ويُطلق مصطلح «حلّ المشكلات» على قدرة الأسرة على معالجة المشكلات بما يحافظ على الأداء الفعّال للأسرة. ومشكلة الأسرة هي معضلة تهدّد كيان الأسرة وطاقة أدائها الوظيفي، وتجد الأسرة صعوبة في حلّها. وغالبًا ما تواجه الأُسر أنواعًا متشابهة من المشكلات؛ غير أنّ الأسر ذات الأداء الفعّال تنجح في حلّ مشكلاتها، بينما تعجز الأسر ذات الأداء غير الفعّال عن ذلك.
وتُقسّم مشكلات الأسرة إلى نوعين: مشكلات أداتية ومشكلات عاطفية. فالمشكلات الأداتية تتعلق بقضايا الحياة اليومية كالمسائل المالية، وتوفير الملبس والمأكل والمسكن. أما المشكلات العاطفية فتتعلق بالقضايا الوجدانيّة والانفعاليّة مثل الغضب أو الاكتئاب. والأسر التي يتأثر أداؤها بالمشكلات الأداتية نادرًا ما تتمكن من التعامل مع المشكلات العاطفية بفعالية؛ بينما قد تتمكن الأسر التي تعاني من مشكلات عاطفية
(261)من التعامل بجدارة مع المشكلات الأداتية. وتشمل العديد من المشكلات الأسريّة كِلا البعدين من حلّ المشكلات؛ غير أنّ الأسر ذات الأداء الفعّال غالبًا ما تحلّ مشكلاتها بطريقة فعّالة وبدرجة من السهولة النسبية.
الاستراتيجيّات العامة لحلّ المشكلات:
|
اختر زمانًا ومكانًا مناسبين لإجراء تواصل شفاف. |
|
أزِل العوامل المزعجة. |
|
تحدَّث فقط عن مسألة واحدة. |
|
قسّم المسألة الكبيرة إلى مسائل أصغر. |
|
تجنّب تعريف المسألة بطريقة مبهمة. |
|
عرّف المسألة بشكل موجز. |
|
بيّن أن المسألة تولّد فيك إحساسًا سلبيًّا. |
|
اعترف بدورك في تحمّل المسؤوليّة تجاه المشكلة. |
|
احتفِل بنجاحك. |
١. تشخيص المشكلة.
٢. عرض المشكلة على الأشخاص ذوي الصلاحيّة.
٣. تقديم حلول بديلة قابلة للتنفيذ.
٤. اتّخاذ القرار بشأن أحد الحلول.
٥. العمل استنادًا إلى القرار المتخذ.
٦. مراجعة العمل المنفّذ.
٧. تقييم فاعلية هذا العمل وعمليّة حلّ المشكلة.
يُعدّ امتلاك أوقات فراغ أحد الأبعاد الأساسية في الحياة، لما له من دور في تمكين سائر أبعاد الحياة. وتُطلق التعاليم الدينيّة على هذه الأوقات التي تُهيّئ الإنسان للعمل والتواصل والمعنوية مصطلح «أوقات الفراغ». وتشمل هذه الأوقات الفترات التي يخطّط فيها الفرد لنفسه ليقضي وقتًا بعيدًا عن هموم الحياة اليومية ومشاغلها، ليستريح ويستجمع قوته لمجالات الحياة الثلاثة الأخرى. وقد قال الإمام الكاظم عليهالسلام في هذا الصدد: «اجْتَهِدُوا فِي أَنْ يكونَ زَمَانُكمْ أَرْبَعَ سَاعَاتٍ: سَاعَةً لِمُنَاجَاةِ اللَّهِ وَسَاعَةً لِأَمْرِ الْمَعَاشِ وَسَاعَةً لِمُعَاشَرَةِ الْإِخْوَانِ وَالثِّقَاتِ الَّذِينَ يعَرِّفُونَكمْ عُيوبَكمْ وَيخْلُصُونَ لَكمْ فِي الْبَاطِنِ وَسَاعَةً تَخْلُونَ فِيهَا لِلَذَّاتِكمْ فِي غَيرِ مُحَرَّمٍ وَبِهَذِهِ السَّاعَة تَقْدِرُونَ عَلَى الثَّلَاثِ سَاعَاتٍ».
ولا يقصد الإمام عليهالسلام في هذه الرواية تقسيم اليوم والليلة بالتساوي إلى أربعة أقسام وإعطاء ست ساعات لكل منها، بل المراد الاعتناء بهذه الجوانب الأربعة جميعها. ومن هذه الجوانب، الجانب الذي يُعدّ ممهّدًا لحسن أداء الجوانب الأخرى، هو الترفيه السليم والانتفاع باللذات الحلال، كالنوم، والاستراحة، والنزهة، والسفر. وعندما يضع الإنسان هذا الجانب ضمن تخطيطه، فإنه يتمكن تبعًا لذلك من إدارة مجالات حياته الأخرى بكفاءة أعلى، ويُحسن التعامل مع النزاعات الزوجيّة.
تُعدّ العلاقة الجنسيّة بمثابة مقياس للضغط الانفعالي في العلاقة الزوجيّة؛ إذ تعكس غالبًا مدى رضا الزوجين عن علاقتهما ببعضهما البعض. وغالبًا ما تكون العلاقة الجنسيّة الجيدة نتيجة طبيعية لعلاقة عاطفيّة جيدة بين الزوجين[1]. وترتبط بعض المشكلات الجنسيّة بعدم امتلاك مهارات التواصل الجنسي الجيد، بينما ترجع مشكلات أخرى إلى الاضطرابات الجنسيّة. فافتقار أحد الزوجين أو كليهما إلى مهارات التواصل الجنسي، وما ينجم عنه من عدم الرضا الجنسي والخلافات الزوجيّة، لا يُعدّ ضمن تصنيف الاضطرابات الجنسيّة، ويمكن التغلب عليه باكتساب المهارات اللازمة لإقامة علاقة جنسيّة مرضية، كمهارة التواصل الفعّال، وحل المشكلات، وإدارة العلاقات، وإعادة بناء
الأدوار والمسؤوليّات، وتغيير الأنماط والتصوّرات السائدة.
أمّا في ما يتعلّق بتصنيف الاضطرابات الجنسيّة، فلا يوجد تصنيف شامل يحظى بقبول عام، إلّا أنّ التصنيف الشائع يُعتمد على المراحل الأربع لدورة الاستجابة الجنسيّة. وهذه المراحل الأربع هي: الرغبة، الإثارة، الذروة، والانحسار. ويؤدي الخلل في أي مرحلة منها إلى ظهور اضطرابات خاصّة بها.
1. الرغبة: وتشمل التخيلات المرتبطة بالنشاط الجنسي والرغبة في ممارسته.
2. الإثارة: تتضمّن الشعور الذهني بالمتعة الجنسيّة والتغيرات الفسيولوجية المصاحبة لها. ففي الرجال، تظهر تغيرات ملحوظة كالتورم وانتصاب القضيب، وفي النساء تظهر احتقان وريدي في الحوض، وترطيب واتساع المهبل، وانتفاخ الأعضاء التناسلية الخارجيّة.
3. الذروة الجنسيّة: تشمل بلوغ قمة المتعة الجنسيّة، مصحوبة بتخفيف التوتر الجنسي وحدوث تقلصات متناسقة في عضلات العجان والأعضاء التناسلية. وفي الرجال، تحدث مشاعر حتمية للقذف يتبعها إطلاق السائل المنوي. أمّا في
(265)النساء، فتحدث تقلصات في الثلث الخارجي من جدار المهبل. ويشهد كلا الجنسين تقلصات متناسقة لعضلة المصرة الشرجية.
4. الانحسار: تشمل هذه المرحلة الشعور بالاسترخاء العضلي والراحة التامة. وخلال هذه المرحلة، يصبح الرجال غير قادرين فسيولوجيًا على تحقيق انتصاب جديد أو بلوغ الذروة لفترة زمنية تختلف من شخص لآخر، في حين تبقى النساء قادرات تقريبًا على الاستجابة الفورية للتحفيز الجنسي. وعند حدوث خلل في أي من مراحل دورة الاستجابة الجنسيّة، يُنصح الزوجان بمراجعة المتخصصين في علاج المشكلات الجنسيّة.
ويختلف مسار دورة الاستجابة الجنسيّة بين النساء والرجال. ويمكن تشبيه العمليّة الجنسيّة بتسلق الجبال؛ حيث يتمكن الرجل، بما له من قدرة بدنية أكبر، من بلوغ القمة بسرعة، بينما قد لا تكون المرأة قد تجاوزت منتصف الطريق بعد، أي أن الرجل يصبح مستعدًا للعلاقة الجنسيّة أسرع من المرأة. وكذلك في النزول عن القمة، ينزل الرجل بسرعة، فيما تنزل المرأة بتدرج. ومن هنا كانت مسؤولية الرجل أن يُمسك بيد زوجته ليتسلّقا معًا ويهبطا معًا، فيستمتع كل منهما بغريزة الآخر. ويُعدّ تقريب دورة الاستجابة الجنسيّة بين الزوجين مهارةً ينبغي
(266)تعلّمها. وعند اكتسابها، يسعى الرجل في كل من مراحل الرغبة، والإثارة، والذروة (الأورغازم)، والانحسار إلى مراعاة مشاعر زوجته ومراحل دورتها الجنسيّة وعدم تجاهلها
بسبب هذا الاختلاف بين دورة الاستجابة الجنسيّة لدى الرجل والمرأة، جاءت التوصيات الكثيرة في التعاليم الدينيّة بشأن كيفيّة إقامة العلاقة الجنسيّة وفهم الخصائص الخاصة بالمرأة، وقد حُثّ الرجل على الملاعبة والملاطفة والتمهل قبل الجماع. وقد قال النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إذا جامَعَ أحَدُكم أهلَهُ فَليصدُقها، ثُمَّ إذا قَضَى حاجَتَهُ قَبل أن تَقضِي حاجَتَها فَلايعجَلها حَتّى تَقضِي حاجَتَها».
ولهذا السبب، اعتُبرت إقامة العلاقة الجنسيّة قبل إشباع الاحتياجات العاطفية والانفعالية للمرأة نوعًا من الجفاء وسوء الفهم من قبل الرجل. يقول صلىاللهعليهوآلهوسلم: «ثَلاثَةٌ مِنَ الجَفاءِ:... وأن يكونَ بَينَ الرَّجُلِ وأهلِهِ وِقاعٌ مِن غَيرِ أن يرسِلَ رَسولًا؛ المِزاحَ وَالقُبَلَ. لا يقَع أحَدُكم عَلى أهلِهِ مِثلَ البَهيمَةِ!».
وقد يحدث أن تأتي مرحلة الإثارة الجنسيّة لدى الرجل نتيجة محفّز جسدي كجمال الزوجة، أو محفّز نفسي كالمودة، بينما لا تحدث مرحلة الإثارة عند المرأة بمجرّد رؤية جمال الزوج؛
إذ إن المحفزات والدوافع الجنسيّة لدى المرأة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجوانب شخصيتها الأخرى. فإذا لم تتمكن المرأة من ربط المحفزات الجنسيّة بعناصر هويّتها من معتقدات وعواطف وشخصية، أو شعرت بأن تلك المحفزات تهدّد كيانها الشخصي أو تتعارض مع قيمها، فإن احتمال فقدانها للرغبة الجنسيّة وكبتها يكون أكبر مقارنة بالرجال.
يُعدّ تفكيك الأدوار من العوامل الأساسية والفعّالة جدًا في ترسيخ العلاقات الزوجيّة. والأدوار عبارة عن أنماط متكررة من السلوك تؤدي بها أفراد الأسرة وظائفهم داخل النظام الأسري. وللحفاظ على نظام صحي وفعّال، ينبغي للعائلات أن تقوم بتأدية بعض الوظائف الأساسيّة. كما ذُكر سابقًا، فإنّ أدوار الزوجيّة، والوالدية، والأخوة، تُعدّ من أهم الأدوار داخل الأسرة. ويسهم التفكيك الواضح لهذه الأدوار في توزيع المسؤوليات والمهام بشكل أفضل.
وتتجلّى سمة الأسرة السليمة في التوزيع الصحيح للأدوار، والقيام بالوظائف المناسبة، وتحمل المسؤوليّات كما ينبغي. أما في الأسرة غير الفعّالة، فإن عضوًا أو أكثر يتحملون عبئًا زائدًا من أعباء الأسرة، مع غموض في تحمّل المسؤوليات والقيام
بالوظائف المرتبطة بالأدوار.
يرتبط موضوعان رئيسيان بوظيفة الأدوار: تخصيص الأدوار وتحمّل الأدوار، ويمكن تعريفهما كالتالي:
1. تخصيص الأدوار: يُشير هذا المفهوم إلى نمط العائلة في توزيع الأدوار؛ أي ما إذا كانت الأدوار موزعة بشكل ملائم أم لا، وما إذا كانت تُعطى بشكل صريح أو ضمني، وهل يتم تحديد الأدوار بالتشاور أم بالفرض.
2. تحمّل الأدوار: يركّز هذا الجزء على الطرق التي تضمن بها العائلة قيام أفرادها بالأدوار الموكلة إليهم. ويتعلق بالشعور بالمسؤولية لدى أفراد الأسرة، ومتابعة التنفيذ، والتقويم التصحيحي للأداء.
وتتمثّل الوظائف الأساسيّة الخمس للأسرة فيما يلي:
1. توفير الموارد: وتشمل المهام المرتبطة بتأمين الغذاء، واللباس، والمال، والمأوى للعائلة.
2. التنشئة والدعم: وهي وظائف عاطفية تشمل توفير الراحة، والمحبة، والشعور بالأمان، والدعم لجميع أفراد الأسرة.
3. الإشباع الجنسي: حيث يُعد الرضا الجنسي قضيّة عاطفيّة مركزية لكلا الزوجين، وينبغي أن يشعر كل منهما بالقدرة على إرضاء الآخر جنسيًّا.
4. النموالشخصي: وتشمل هذه الوظائف الجوانب العاطفيّة والأدائيّة معًا، مثل دعم الطفل في بدء تعليمه المدرسي وتقدمه الأكاديمي، ومساعدة البالغين في تطوير مهنهم، وتعزيز النموالاجتماعي لكل من الأطفال والكبار.
5. إدارة الأسرة: وتشمل مهام اتخاذ القرارات، وتحديد الحدود والعضوية، وضبط السلوك، وإدارة الشؤون المالية، والمحافظة على صحة الأسرة.
تُعَدّ الإدارة المالية من الجوانب المؤثّرة في الحياة التي يفضي تجاهلها وتهميشها إلى نشوء مشكلات جمّة. وما يكتسب أهميّة في هذا السياق هو قدرة الزوجين على إدارة الشؤون المالية. ويمكن متابعة الإدارة المالية في قسمين: إدارة الدخل وإدارة الإنفاق. ومن منظور الإسلام، أُنيطت مسؤولية إدارة الدخل بالرجل، وعُدَّ تأمين نفقات المعيشة من أهم واجباته. يروي شهاب بن عبد ربه، قال: قلتُ للإمام الصادق عليهالسلام : ما حقّ المرأة على زوجها؟ فقال:«يسُدُّ جَوْعَتَهَا وَيسْتُرُ عَوْرَتَهَا وَلَا يقَبِّحُ لَهَا وَجْهًا، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِك فَقَدْ وَاللَّهِ أَدَّى حَقَّهَا. قُلْتُ: فَالدُّهْنُ؟ قَالَ: غِبًّا يوْمٌ وَيوْمٌ لَا. قُلْتُ: فَاللَّحْمُ؟ قَالَ: فِي كلِّ ثَلَاثَةٍ فَيكونُ فِي الشَّهْرِ عَشْرَ مَرَّاتٍ لَا أَكثَرَ مِنْ ذَلِك. قُلْتُ: فَالصِّبْغُ؟ قَالَ:
وَالصِّبْغُ فِي كلِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَيكسُوهَا فِي كلِّ سَنَةٍ أَرْبَعَةَ أَثْوَابٍ، ثَوْبَينِ لِلشِّتَاءِ وَثَوْبَينِ لِلصَّيفِ، وَلَا ينْبَغِي أَنْ يّفْقِرَ بَيتَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْياءَ دُهْنِ الرَّأْسِ وَالْخَلِّ وَالزَّيتِ، وَيقُوتُهُنَّ بِالْمُدِّ، فَإِنِّي أَقُوتُ بِهِ نَفْسِي وَعِيالِي وَلْيقَدِّرْ لِكلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ قُوتَهُ فَإِنْ شَاءَ أَكلَهُ وَإِنْ شَاءَ وَهَبَهُ وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ وَلَا تَكونُ فَاكهَةٌ عَامَّةٌ إِلَّا أَطْعَمَ عِيالَهُ مِنْهَا وَلَا يدَعْ أَنْ يكونَ لِلْعِيدِ عِنْدَهُمْ فَضْلٌ فِي الطَّعَامِ أَنْ يسَنِّي مِنْ ذَلِك شَيئًا لَايسَنِّي لَهُمْ فِي سَائِرِ الْأَيامِ».
تُبرز هذه الرواية، التي رسمت أمثلةً لحاجات المرأة بما يناسب الوضع الاجتماعي والثقافي السائد في ذلك العصر، القاعدة العامة القاضية بأنّ على الرجل التزامًا ماليًا تجاه زوجته يجب عليه الوفاء به.
وفي رواية أخرى عن أنس، قال: قلتُ: يا رسول الله! أيّ الإنفاق أحبّ إليك: النفقة على العيال أم الإنفاق في سبيل الله؟ فقال: «دِرهمٌ يُنفقه الرجلُ على العيال أحبّ إليّ من ألف دينارٍ يُنفقه في سبيل الله».
وإلى جانب مسألة إدارة الدخل، فإنّ إدارة الإنفاق أيضًا من المهام التي يمكن للزوجين أن يؤدياها معًا بصورة أنجع؛ ذلك أنّ النساء، بسبب خاصية الادخار لديهنّ، يعين أزواجهنّ بصورة أفضل في تحقيق الأهداف المالية قصيرة الأمد.
ولتحقيق أفضل أداء للإدارة المالية، ينبغي أن يؤدي جميع أفراد الأسرة دورًا بنّاءً ومسهّلًا في هذا الشأن؛ حيث يعمل الرجل من جهة على توفير الرزق الحلال، ومن جهة أخرى على التدبير الحسن وتنمية الموارد المالية لصالح زوجته وأبنائه، فيما تسهم المرأة، من خلال الاعتدال والقناعة، إسهامًا كبيرًا في إنجاح عمليّة الإدارة المالية.
تشكل عناصر مثل القناعة، والتوجه إلى أن الله هو الرازق، والرضا بما يُملكه الإنسان، وعدم الحرص، واجتناب البخل، والاعتدال، وطلب الرزق الحلال، وتجنب
الإسراف والتبذير، من جملة التعاليم التي أكد عليها الإسلام، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحياة الرغيدة.
يؤدّي تفاعل الزوجين مع بعضهما دورًا مهمًا في تحقق المودة والرحمة، ومن ثمّ في نجاح الحياة الزوجيّة ورضاها. ولهذا، فقد أُشير في النصوص الإسلامية بوجه شامل إلى «حُسن التواصل». وقد رسم الله تعالى هذا الأصل الجوهري في تعامل الزوجين بقوله مخاطبًا الرجال:(وَعاشِروهُنَّ بِالمَعروفِ) (النساء: 19).
وقد عدّ الإمام الصادق عليهالسلام ثلاث خصال من الحاجات الأخلاقية للرجل في تعامله مع زوجته، منها «حُسن المعاشرة»، حيث قال: «إِنَّ الْمَرْءَ يحْتَاجُ فِي مَنْزِلِهِ وَعِيالِهِ إِلَى ثَلَاثِ خِلَالٍ يتَكلَّفُهَا وَإِنْ لَمْ يكُنْ فِي طَبْعِهِ ذَلِك: مُعَاشَرَةٌ جَمِيلَةٌ، وَسَعَةٌ بِتَقْدِيرٍ، وَغَيرَةٌ بِتَحَصُّن».
وتُشير عبارة «وإِنْ لَمْ يكُنْ فِي طَبْعِهِ» في هذه الرواية إلى أنّ هذه الصفات مهارات مكتسبة يمكن للإنسان تعلمها، وليست خصائص فطرية مخصوصة بفئة معينة من الناس؛ فإن لم تكن موجودة فيه، يمكنه أن يزرعها وينميها في نفسه.
وفي طائفة من الروايات، تكرّر التأكيد على الإحسان إلى الزوجة. فقد اعتبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أفضل الناس من يحسن إلى أهله، قائلًا: «الْخَلْقُ عِيالُ اللَّهِ، فَأَحَبُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى عِيالِهِ».
ومن جهة أخرى، أوصى الإسلام النساء بـ«حُسن التبعّل» (= حسن معاشرة الزوج). ومجموع هذه التوصيات تدلّ على مدى التأكيد العميق الذي تولية الشريعة للتفاعلات الإيجابيّة والبنّاءة بين الزوجين. وأسمى مثال على ذلك يتجلى في الأسرة النموذجية، أي أسرة الإمام علي عليهالسلام والسيِّدة فاطمة؟عها؟، حيث وصف الإمام علي عليهالسلام تعامله مع فاطمة؟عها؟ قائلًا: «فَواللَّهِ مَا أَغْضَبْتُهَا وَلَا أَكْرَهْتُهَا عَلَى أَمْرٍ حَتَّى قَبَضَهَا اللَّهُ(عز وجلّ)، وَلَا أَغْضَبَتْنِي وَلَا عَصَتْ لِي أَمْرًا، وَلَقَدْ كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيهَا فَتَنْكَشِفُ عَنِّي الْهُمُومُ وَالْأَحْزَان».
إنّ التفاعل الإيجابي البنّاء عاملٌ أساسي في تحقيق المودة والرحمة، ويُعدّ من الكفاءات الأساسية. فالأسرة الناجحة هي التي يملك الزوجان فيها القدرة على إقامة تفاعل إيجابي بنّاء.
يُعدّ حُسن الخلق من المفاهيم التي تتجلّى في مجال العلاقات بين الأفراد، ويلعب دورًا مهمًا في استقرار الأسرة ورضا الزوجين. فمن خلال حُسن الخلق تصبح الحياة طاهرة ووديعة. وبناءً على الروايات، فإنّ حُسن الخلق يُعدّ من الحاجات الأساسية للحياة الزوجيّة. وقد أوصى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أمير المؤمنين عليهالسلام قائلًا: «يا عليّ! أحسن خُلُقك مع أهلك وجيرانك ومن تعاشر وتُصاحب من الناس تُكتب عند الله في الدرجات العُلى».
وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عن قيمة هذه الخصلة: «أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم خُلُقًا وخيركم خيركم لأهله».
ومع ذلك، فإنّ لحُسن الخلق مقوّمات وعناصر أُشير إليها في بعض الروايات. فقد سُئل الإمام الصادق عليهالسلام عن حدّ حُسن الخلق، فبيّن مصاديقه بثلاثة أمور: اللين، وحسن القول، وطلاقة الوجه، فقال: «تُلينُ جانبَك، وتُطيبُ كلامَك، وتلقى أخاكَ ببِشرٍ حسن».
وفي حديث آخر، يروي يونس الشيباني أنّ الإمام الصادق عليهالسلام سأله يومًا: كيف مداعبتكم لبعضكم بعضًا؟ فقلت: قليلة. فقال عليهالسلام: «فلا تفعلوا، فإن المداعبة من حُسن الخلق، وإنك لتُدخل بها السرور على أخيك، ولقد كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يُداعب الرجل يريد أن يسرّه».
ويشير الإمام علي عليهالسلام أيضًا إلى عناصر حُسن الخلق، مبيّنًا أثره في توسعة العيش على العيال بقوله: «حُسن الخلق في ثلاث: اجتناب المحارم، وطلب الحلال، والتوسّع على العيال».
إنّ حُسن الخلق خطوة هادفة نحو إقامة علاقات فاعلة، وهو يُيسّر العلاقات في المجالات المختلفة، كالأسرة والعمل والتعليم والزواج. وقد أحصيت مصاديق حُسن الخلق في النصوص الروائية، ويتبيّن من مجموع الروايات أنّ لحُسن الخلق ثمانية مصاديق عمليّة:
1. التألّف وقبول الألفة؛ 2. اللين والمرونة؛ 3. حسن
القول؛ 4. طلاقة الوجه؛ 5. المزاح البريء؛ 6. الرضا في المسرّات، وعدم الغضب في المكروهات؛ 7. كظم الغيظ والسيطرة على الغضب؛ 8. التوسعة على العيال. يغطي حُسن الخلق بأحد هذه المصاديق جانبًا من جوانب العلاقات الاجتماعيّة.
وعليه، فإنّ تفسير حُسن الخلق بمجرد امتلاك أخلاق حسنة هو تفسير قاصر، إذ إنّ حُسن الخلق يبرز أكثر في مجال العلاقات بين الأفراد، لا في السلوكيات الداخلية للفرد. لذا يشير حُسن الخلق إلى مختلف مجالات التواصل بين الفرد وغيره، ولا يقتصر معناه على امتلاك مجموعة من الصفات الأخلاقية
كما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى. وهنا يشار إلى مؤلفتين بارزتين فيه: اللين وطلاقة الوجه.
اللين، بمعنى الملاطفة والمرونة في التعامل مع الآخرين، يوفّر أرضيةً للمواءمة والمودة. وكما أنّ جسميْن صلبين لا يمكن أن يتجاورا بسهولة، كذلك لا يمكن لخلقين خشنين أن يعيشا حياةً هادئةً جنبًا إلى جنب. يقول القرآن الكريم مخاطبًا النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوكُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159).
ومن هذه الآية يمكن استنتاج أمرين: أوّلًا، إنّ اللين مستمدّ من لطف ورحمة الله تعالى؛ وثانيًا، إنّ سوء الخلق والفظاظة من العوامل المدمّرة للمودة والرحمة، بينما البشرى والملاطفة من العوامل المنشئة لهما. ومن أبرز أسباب الإخفاق في التعامل بين الزوجين، صلابة الأخلاق وعدم مرونتها. فالأخلاق اللينة، بمرونتها، تعمل كممتصّ للصدمات الناتجة عن التواصل غير الفعّال، فتلطف حدّتها وتمنع المشكلات الصغيرة والكبيرة من أن تضرّ بكيان الأسرة.
نظرًا لأنّ «لغة الجسد» غالبًا ما تتحدث بصوتٍ أعلى من
الكلمات، فإنّ تعابير الوجه تترك أثرًا بالغًا في نقل الرسائل. ويعتقد بعض علماء النفس أنّ نحو35% من معاني التواصل تنبع من الكلمات، بينما يُستمد الباقي، أي نحو65%، من لغة الجسد. ومن خلال ملاحظة مظهر الفرد، تُنقل الرسائل بأبلغ صورة إلى المخاطب، إذ تثير تعابير الوجه العواطف. فإذا كانت هذه التعابير إيجابيّة ومناسبة، فإنها تولّد عواطف إيجابيّة؛ وإذا كانت سلبيّة، أثارت عواطف سلبيّة. وطلاقة الوجه حالة إيجابيّة ومحببة تثير المشاعر الإيجابيّة وتجعل العلاقة ممتعة.
وحيث إن الإسلام يولي أهميّةً بالغة للعلاقات الصحيحة مع الآخرين، فقد أوصى بطلاقة الوجه والبشرى. وقد عُدّت طلاقة الوجه من مكارم أخلاق الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين. فبطلاقة الوجه يمكن إقامة علاقة طيبة مع الآخرين، وهي وسيلة لا تحتاج إلى مال، ويقدر عليها الفقير والغني على حدٍّ سواء. يقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فالقَوْهُم بطلاقة الوجه وحسن البشر».
وقد أولت بعض الروايات اهتمامًا خاصًا لطلاقة الوجه في العلاقات الأسريّة، مؤكدةً على دورها الكبير.
ومن اللافت أن إحدى الروايات اعتبرت عدم العبوس في وجه الزوجة من حقوقها الواجبة على الزوج. يقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «حقّ المرأة على زوجها أن يسدّ جوعتها، وأن يستر عورتها، وألّا يقبّح لها وجهًا، فإذا فعل ذلك فقد أدّى والله حقّها».
وفي موضع آخر من الروايات، تم التأكيد على ضرورة أن تكون الزوجة سببًا لسرور زوجها عبر مظهرها الطلق، وجاءت تعبيرات متنوّعة في هذا الشأن. بل إنّ بعض الروايات عدّت هذه السمة من مقومات الحياة الزوجيّة الناجحة. قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم:
«إنّ من القسم المصلح للمرء المسلم أن يكون له المرأة إذا نظر إليها سرّته...».
وفي رواية أخرى، اعتُبر سرور الرجل بمرأته أفضل نعمة بعد الإسلام. قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «ما استفاد امرؤٌ مسلمٌ فائدةً بعد الإسلام أفضل من زوجةٍ مسلمةٍ تسرّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله».
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم أيضًا: «إذا أردت أن أجمع للمسلم خير الدنيا والآخرة جعلت له قلبًا خاشعًا ولسانًا ذاكرًا وجسدًا على البلاء
صابرًا وزوجةً مؤمنةً تسرّه إذا نظر إليها وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله».
الحِلم هو تفاعل يضبط النفس في المواقف التواصلية، لا سيما عند فوران الانفعالات وتوهّج الغضب، ويساعد الأفراد على إدارة تفاعلاتهم بأفضل صورة ممكنة. وقد سُئل الإمام الحسن عليهالسلام عن الحلم، فقال: «كَظمُ الغَيظِ وَمِلك النَّفسِ».
تُبيِّن مطالعة النصوص الدينيّة أن ميدان الحلم هو الغضب، وأنّ الحليم هو مَن يستطيع كبح جماح غضبه. وبما أن الحلم يتجلّى في علاقات الأفراد بعضهم مع بعض، وله دور لا يُنكر في إدارة الغضب، فإن له أثرًا بالغًا في الوقاية من العلاقات الأسريّة المؤذية. ومن ثمّ، تزداد الحاجة إلى تفعيل هذه المهارة في التعاملات الأسريّة.
إنّ الحلم كما جاء في الروايات، هو سمة أصحاب العقول الراجحة الذين يتصرفون برزانة، دون أن يتأثروا بالانفعالات. وكما ذُكر آنفًا، فإنّ الحلم يتحقّق في العلاقات بين الأفراد؛ فمثلًا، عندما يتعرض الحليم للإهانة ويغضب تبعًا لذلك، فإنه يتصرف بتعقل ورزانة، بعيدًا عن الانفعالات والعجلة. ووفقًا
للتعاليم الدينيّة، فإن الحلم، بالإضافة إلى ما يورثه من طمأنينة للإنسان، يسهم أيضًا في توسيع نفوذه الاجتماعي، وكسب الصداقات، واستجلاب الانتباه الإيجابي، وزيادة محبته في قلوب الآخرين.
ويمكن ترسيخ هذه السمة والمهارة بوسائل شتى، منها الاقتداء بالقدوة، وتغيير القناعات النمطية، ولعب الأدوار، والتغافل، وطلب المعونة من الله تعالى، كما أشارت إلى ذلك التعاليم الدينيّة.
إنّ الحياة الزوجيّة، لما تقوم عليه من جمع بين جنسين مختلفين، تكتنفها فروق نفسيّة وبدنية كثيرة، وإنّ الجهل بهذه الفروق قد يُفضي إلى نشوب الخلافات الزوجيّة. غير أن قبول الفروق بين الرجل والمرأة يؤدي إلى تكوين «هويّة متميّزة»، و«أدوار متمايزة»، ويُسهم في الخروج من حالة «النرجسيّة» لدى كل من الجنسين. كذلك، فإن الإقرار بالتشابه الإنساني بين المرأة والرجل يؤدي إلى ترسيخ الحقوق الإنسانيّة المتساوية بينهما. إنّ الارتباط بين الرجل والمرأة، رغم الفروقات، ومع قبولها، يُسهم في الخروج من قوقعة «الأنانية». ويبدو أن عدم
الفهم المتبادل لهذه الفروقات عبر التاريخ قد أدى إلى إلحاق أضرار وخسائر جسيمة بكلا الجنسين. فلو علمت النساء أن الرجال يفكرون بطريقة مغايرة لهن، وينظمون سلوكهم بشكل مختلف، ولو علم الرجال أن حاجات النساء وعواطفهن تتكون بطريقة مغايرة، كما عرفوا أوجه التشابه بينهم، لاستطاعوا تنظيم سلوكهم على نحو أفضل، ولتهيأت الأرضية للفهم المتبادل.
غير أن هذه الفروق ينبغي أن تُوجَّه نحو قدر مشترك، وللحيلولة دون أن تكون الفروق سببًا للخلافات الزوجيّة، لا بد من التوصل إلى آلية تنفيذية مشتركة قابلة للتطبيق من كلا الطرفين، ومن ثمّ تقليص النزاعات. ويبدو أن الحلّ يكمن في التكيُّف والتسامح بين الزوجين؛ فإذا قبِل كلٌّ منهما الآخر بتكيُّف، وتخلى عن العناد النابع من الأهواء النفسيّة، أمكنهما أن ينعما بحياة طيبة. والتكيُّف من الحاجات الإنسانيّة في تفاعلات الحياة. وقد عدّ الإمام الصادق عليهالسلام ثلاث خصال من ضرورات تعامل الرجل مع زوجته، أولها التكيُّف، حيث قال: «لَا غِنَى بِالزَّوْجِ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْياءَ فِيمَا بَينَهُ وَبَينَ زَوْجَتِهِ وَهِي الْمُوَافَقَةُ لِيجْتَلِبَ بِهَا مُوَافَقَتَهَا وَمَحَبَّتَهَا وَهَوَاهَا»....
ومن اللافت أن الإمام عليهالسلام عدَّ ثمرة تكيُّف الرجل مع زوجته تحقيق تكيُّف المرأة معه، واستجلاب محبتها وعاطفتها. ومن
جهة أخرى، فقد عُدَّ التكيُّف أيضًا من صفات المرأة الصالحة، إذ اعتبر الإمام الصادق عليهالسلام المرأة المؤاتية من أسباب السعادة، حيث قال: «ثَلَاثَةٌ مِنَ السَّعَادَةِ: الزَّوْجَةُ الْمُؤَاتِيةُ وَالْأَوْلَادُ الْبَارُّونَ وَالرَّجُلُ يّرْزَقُ مَعِيشَتَهُ بِبَلَدِهِ يغْدُوإِلَى أَهْلِهِ وَيروحُ».
يعدّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الزوجة المؤاتية عونًا للرجل على دينه، إذ يقول: «اَلزَّوجَةُ المُؤاتيةُ عَونُ الرَّجُلِ عَلى دِينِهِ».
كذلك، يرى أمير المؤمنين عليهالسلام أنّ الزوجة المؤاتية مصدرٌ للأنس والألفة، فيقول: «الْأُنْسُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الزَّوْجَةِ الْمُوَافِقَةِ وَالْوَلَدِ الْبَارِّ وَالصَّدِيقِ الْمُصَافِي».
وقد أكد الإمام الصادق عليهالسلام أن عدم توافق الزوجة يُعدّ من العوامل التي تؤدي إلى مرارة العيش، واضطراب الحال، وانشغال القلب. ومن هذا المنطلق، عُدَّت الزوجة غير المؤاتية من شرّ الزوجات في نظر الإمام علي عليهالسلام، إذ يقول: «شَرُّ الزَّوجاتِ مَن لا تواتي».
وفي الثقافة الإسلامية، تُعدّ المداراة ردّ الفعل المناسب تجاه الخلافات والتباينات. والمداراة تعني اللين والمرونة عند مواجهة التضاد والاختلاف، بينما تؤدي الصلابة والتعنت إزاءها إلى النزاع وإيذاء الشريك. وعليه، فإن المداراة والتكيف قدرة مكتسبة، ويُعد الأزواج الناجحون هم الذين يتجنبون الأنانية والتعصب، ويُظهرون مرونة في مواجهة الفروق ومواطن النزاع، مما يحول دون تفاقم المشكلات في علاقاتهم. فلو أن كلّ واحد من الزوجين فكّر في الآخر، بدلًا من الإصرار على إثبات رأيه وتحقيق مطالبه، مع مراعاة حال شريكه واحتياجاته، لأمكن إيجاد حلول للخلافات وتفادي تحول الفروقات إلى أزمات. فلا بد أن يتعرف الزوجان بدقة على خصائص الطرف الآخر وتوقعاتهما، وأن يسعيا جاهدين لتحقيقها. فأيّ الحالين أفضل: أن ينشغل كلٌّ بنفسه أم أن يهتم كل منهما بالآخر؟ قد يتحقق تلبية المطالب في كلتا الحالتين، ولكن أيهما أنقى وأصدق في المحبة والمودة؟ لا ريب أن المودة والصفاء يزدادان حينما ينشغل كل طرف بالآخر.
وعندما تسود هذه الحالة داخل الأسرة، يرزقهم الله تعالى باليسر في المعاش، كما يقول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم:
«إذا أرادَ اللّهُ عز وجل بِأَهلِ بَيتٍ خَيرًا، رَزَقَهُمُ الرِّفقَ فِي المَعيشَةِ، وحُسنَ الخُلُقِ».
والمداراة، وإن كانت صفة ينبغي أن يتحلى بها كلا الزوجين لتحقيق استقامة الحياة، إلا أن الروايات أوصت بوجه خاص بالرفق مع النساء. فقد قال الإمام علي عليهالسلام: «إِنَّ المَرأَةَ رَيحانَةٌ ولَيسَت بِقَهرَمانَةٍ فَدارِها عَلي كلِّ حالٍ واحسِنِ الصُّحبَةَ لَها لِيصفُو عَيشُك».
يُعدّ الاحترام المتبادل من المبادئ الأساسيّة في إدارة الحياة الزوجيّة، ويُعدّ النساء والرجال الناجحون هم الذين يرون احترام أزواجهم واجبًا لازمًا عليهم. يقول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مَنِ اتَّخَذَ زَوجَةً فَليكرِمها».
ومن هذا المنطلق، فإن خير الناس هم الذين يُعظمون شأن زوجاتهم بعد الزواج. يقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «ألا اُخبِرُكم بِخِيارِكم؟ مَن لانَ مَنكبُهُ، وحَسُنَ خُلُقُهُ، وأكرَمَ زَوجَتَهُ إذا قَدَرَ».
ومن الطبيعي أن يكون أولئك الذين يتمتعون بخصلة الكرامة هم الأقدر على ممارسة هذا النوع من الاحترام. قال النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم: «خَيرُكم خَيرُكم لِأَهلِهِ، وأنا خَيرُكم لِأَهلي. ما أكرَمَ النِّساءَ إلّا كريمٌ، وما أهانَهُنَّ إلّا لَئيمٌ».
ويتعزز الالتزام الذي يقع على عاتق أفراد الأسرة تجاه بعضهم البعض حين يُعبّرون عن تقديرهم المتبادل أويثبتونه. ففي الأسر الفاعلة، يسعى الأزواج إلى احترام الطرف المقابل عبر إظهار الحب والمودة والاحترام المتبادل، بينما تسود النزاعات والخلافات الشخصية بين أفراد الأسر غير الفاعلة، فتكثر الهجمات اللفظية والاعتداءات الشخصية. وفي أقصى درجات ذلك، قد يتعامل أفراد الأسرة مع بعضهم البعض بأساليب عنيفة.
يُعدّ التعاطف من المفاهيم التي حظيت بتأكيد خاص في التعاليم الإسلامية. ويمكن تتبع هذا المفهوم في عناوين مثل حسن الاستماع، واحترام الآخرين، والإحسان إليهم. ويُراد بالتعاطف السعي لفهم تجارب الآخرين ومشاعرهم.
إن فهم الآخرين وإدراك مشاعرهم مهارة تخضع للفروقات الفرديّة. ففي حالة التعاطف، نحاول أن نرى العالم من منظور الطرف الآخر، وأن نسمع بأذنه، وأن نحسّ مكانه. ومن البديهي أن القدرة على التمييز الصحيح للأفكار والمشاعر الداخليّة للطرف الآخر شرط أساسي لفهمه والتعاطف معه.
ويتحقق التعاطف عندما نحمل احترامًا غير مشروط للطرف المقابل، وننصت له بانتباه، ونتفاعل مع أفكاره ومشاعره بحساسية عالية. وفي الفهم التعاطفي، نشعر بوجهة نظر الآخر ومشاعره كما لو كانت وجهة نظرنا ومشاعرنا، من دون أن نغرق فيها أو نندمج بها اندماجًا تامًا.
وقد وصف التعاطف بثلاثة عناصر أساسيّة: أوّلًا، أن يمتلك الفرد المتعاطف إدراكًا دقيقًا وحساسًا لمشاعر الآخر، مع المحافظة في الوقت ذاته على تمايزه عنه؛ أي أن يكون متعاطفًا لا متألمًا. ثانيًا، أن يدرك السياق أو الظرف الذي أدى إلى نشوء
هذه المشاعر أو استثارتها. ثالثًا، أن ينجح الفرد المتعاطف في إقامة علاقة مع الآخر تجعله يشعر بالقبول والفهم، مع الإشارة إلى أهميّة الطريقة التي يتم بها نقل هذا الفهم التعاطفي.
ومن الموانع الرئيسة لبناء علاقات تعاطفية الميل الطبيعي لدينا إلى إصدار الأحكام على أفكار ومشاعر الطرف الآخر. وهذا يدل على أن عقولنا قد شُرطت على التقييم المستمر والحكم بالخير أو الشرّ على الأمور. فعلى سبيل المثال، قد نُسرع إلى إصدار أحكام مثل: «لم تعجبني كلماته»، أو «هذه الأفكار غير صحيحة»، أو «هذا التصرّف غير مناسب»، أو «لا أظن أن هذا جيّد». إن هذه العبارات تكشف أنّ ردّ فعلنا الأوّلي في التواصل هو تقييم الشخص الآخر من خلال معاييرنا الخاصّة.
ونظرًا لأهميّة التعاطف في العلاقات بين الأفراد، خاصّة ضمن الأسرة، تبرز الحاجة إلى اتّخاذ خطوات عمليّة لتعليم هذه المهارة:
في المرحلة الأولى، ينبغي للمرء أن يكون راغبًا حقًا في معرفة أمرٍ عن الآخر؛ ثم عليه أن يتجنب معوقات الاستماع الفعّال،
مثل مقارنة الذات بالمتحدث، ومحاولة قراءة الأفكار، وإصدار الأحكام على الآخر، والانغماس في الأحلام اليقظة، وانتقاء بعض أجزاء الحديث، والسعي لتهدئة المتحدث بعبارات مثل (أنت محقّ، بالطبع، أنا أوافقك، حقًا...)، أو المصادقة التلقائيّة على كل ما يُقال بسبب هذه العوائق. فالإنسان عادةً لا يحتفظ سوى بنسبة 65٪ مما يُقال له بعد بضع دقائق فقط، وتنخفض هذه النسبة إلى 25٪ بعد شهرين. لذا، فإن الاستماع الفعّال ليس سهلًا دومًا. فتركيزنا عادةً لا يتجاوز خمس عشرة إلى عشرين دقيقة. ومن متطلبات الاستماع الفعّال أن يُطرح أسئلة توضيحيّة عند الضرورة وعند وجود لبس، وأن يتم الحفاظ على تواصل بصري مع المتحدث، وتحريك الرأس في الوقت المناسب، وميل الجسد باتجاهه، والتشجيع بابتسامة، واستخدام عبارات مثل «آه»، «همم» وما شابه.
على المستمع الفعّال أن يجيب في الوقت المناسب بطريقة يشعر المتحدث معها بأنه قد فُهم فعلًا. فالإجابة التعاطفية أكثر تعقيدًا حتى من مجرد الاستماع؛ إذ حينما نشعر بالاضطراب، نميل إلى مشاركة مشاعرنا مع شخص متفهم. ويركز الشخص
المتعاطف الجيد على مشاعر المتحدث لا على أفعاله أو بيئته.
يُخصص الإنسان عادةً جزءًا كبيرًا من نشاطه اليومي للاستماع، مع أن هذا الأمر قد لا يكون ظاهرًا، إلا أن له تأثيرًا كبيرًا على جوانب عديدة من حياته. ولعلّ السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل للاستماع هذه القدرة على التأثير في العلاقات الأسريّة، والعلاقات مع الأقارب، والعلاقات الاجتماعيّة والمهنية؟ والجواب عن هذا السؤال ليس صعبًا. فحيث اعتُبر الاستماع الجيد في التعاليم الروائية من علامات الرأي السديد، فلا شك أن جودة العلاقات والتفاعلات داخل الأسرة وفي البيئات المهنية والاجتماعيّة تعتمد على مهارة الاستماع.
قال الإمام الصادق عليهالسلام : «ثَلَاثَةٌ يسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى إِصَابَةِ الرَّأْي، حُسْنُ اللِّقَاءِ وَحُسْنُ الِاسْتِمَاعِ وَحُسْنُ الْجَوَابِ».
وتتجلى أهميّة الاستماع أكثر إذا علمنا أن الاستماع يُعدّ الخطوة الثانية في طريق اكتساب العلم. قال الإمام علي عليهالسلام :
«أَوَّلُ الْعِلْمِ الصَّمْتُ وَالثَّانِي الِاسْتِمَاعُ وَالثَّالِثُ نَشْرُهُ وَالرَّابِعُ الْعَمَلُ بِهِ».
وتتضاعف أهميّة وفائدة فن الاستماع حينما يُرسل الرسالة شخصٌ ذومكانة خاصة لدى المستمع؛ كأن يكون المرسل زوجًا، أو ابنًا، أو أختًا، أو أخًا، أو صديقًا حميمًا، أو أستاذًا، أو مربيًا. ففي هذه الحالات، يُستحسن الإصغاء التام، وإظهار الرغبة الصادقة في الاستماع، مما يفضي إلى نشوء تواصل ناجح ومؤثر، ويعزز مهارة الاستماع. يقول الإمام علي عليهالسلام :
«إِذَا جَلَسْتَ إِلَى عَالِمٍ فَكنْ عَلَى أَنْ تَسْمَعَ أَحْرَصَ مِنْك عَلَى أَنْ تَقُولَ وَتَعَلَّمْ حُسْنَ الِاسْتِمَاعِ كمَا تَعَلَّمُ حُسْنَ الْقَوْلِ وَلَا تَقْطَعْ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَه».
ويعرض الجدول الآتي استراتيجيات لتحسين مهارة الاستماع:
(292)بالتزام تام بجميع الضوابط التي ذكرتها، ها هي الترجمة إلى العربية العلمية الفصيحة، وفق أسلوب البحث الجامعي:
إنّ الحديث والكلام لهما القدرة على تقريب الأشخاص بعضهم من بعض أو إبعادهم عن بعضهم. وتمثّل هذه المهارة نصيبًا كبيرًا في تقدّم التواصل. بيد أنّ هذا لا يعني أن نلعب دور الخطيب البارع بالضرورة أثناء التواصل، بل يجب أن نمتلك هذه المهارة لننقل إلى الطرف المقابل شعور المؤانسة والمصاحبة من خلال الحديث. وقد اعتُبر هذا الأسلوب من أخلاق المؤمن. يقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مِن أخلاقِ المُؤمِنِ حُسنُ الحَدیثِ إذا حَدَّثَ وحُسنُ الاِستِماعِ إذا حُدِّثَ وحُسنُ البِشرِ إذا لَقِي»[1].
وتشهد سيرة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في تعامله مع الآخرين على هذه الحقيقة. فقد نقل الإمام الحسين عليهالسلام عن أبيه عليهالسلام أنه سأله عن طريقة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم مع جلسائه، فقال: «ولا يتَكلَّمُ إلّا فيما رَجا ثَوابَهُ إذا تَكلَّمَ أطرَقَ جُلَساؤُهُ كأَنَّما عَلى رُؤوسِهِمُ الطَّيرُ، فَإِذا سَكتَ تَكلَّموا ولا يتَنازَعونَ عِندَهُ، مَن تَكلَّمَ أنصَتوا لَهُ حَتّى
يفرُغَ. حَديثُهُم عِندَهُ حَديثُ أوَّلِهِم، يضحَك مِمّا يضحَكونَ مِنهُ، ويتَعَجَّبُ مِمّا يتَعَجَّبونَ مِنهُ... ولا يقطَعُ عَلى أحَدٍ حَديثَهُ حَتّى يجوزَ فَيقطَعَهُ بِنَهيٍ أو قِيامٍ».
وفي حديث آخر، يروي الإمام الحسن عليهالسلام أنّه قال له هند بن أبي هالة التميمي وكان وصّافًا عندما طلب منه أن يصف له حديث رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «كانَ رَسولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم... لا يتَكلَّمُ في غَيرِ حاجَةٍ، طَويلَ السَّكتَةِ، يفتَتِحُ الكلامَ ويختِمُهُ بِأَشداقِهِ، ويتَكلَّمُ بِجَوامِعِ الكلِمِ،... إذا أشارَ أشارَ بِكفِّه كلِّها، وإذا تَعَجَّبَ قَلَبَها، وإذا تَحَدَّثَ اتَّصَلَ بِها، يضرِبُ بِراحَتِهِ اليّمنى باطِنَ إبهامِهِ اليّسرى، وإذا غَضِبَ أعرَضَ وأشاحَ وإذا فَرِحَ غَضَّ طَرفَهُ».
ولأجل إيجاد حوار فعّال، ينبغي إزالة العوائق الشائعة وتعزيز بعض الجوانب. وأوّل أصل في الحوار الفعّال هو التغلّب على جميع الهواجس والمخاوف غير المبرّرة. وهذه قاعدة بسيطة في التصوّر الخلّاق والحيوي: كلّ ما تصوّره ذهنك تزداد احتمالية تحقّقه في الواقع. لذا يجب الحذر من الإيحاءات السلبيّة (مثل قول: لا أستطيع أن أكون محاورًا جيّدًا)، وينبغي إجراء تقييم واقعي للأحداث (أي عدم تضخيم الأمور). ومن الضروري
التغلب على الصور الذهنية السلبيّة من أجل إقامة علاقة طيبة وممتعة.
وعلاوةً على ذلك، يجب تنمية الثقة بالنفس. والمقصود بالثقة بالنفس ليس الاعتقاد الأجوف أو الغرور أو التعالي وما شابه ذلك، بل أن يكون لديك إيمان بنفسك، وأن تؤمن بمواهبك ضمن حدودها الواقعيّة، فتستطيع أن تنجز أعمالك دون الحاجة إلى الآخرين، مع التوكّل على الله تعالى.
(296)إنّ الفشل ليس تجربة سارة، ولذلك يسعى الإنسان دائمًا إلى التغلب عليه بسرعة. والفشل كسيف ذي حدين، فمن جهة قد يُعدّ مشكلةً خطيرة تسدّ طريق التقدم، ومن جهة أخرى يمكن أن يكون من خلال تقييم منطقي جسرًا نحو النجاحات المستقبليّة.
تلعب المعرفة دورًا حاسمًا في التغلب على المشكلات والتحكم بالانفعالات في الحياة. إذ يستطيع الأفراد عبر تقييماتهم وتفسيراتهم وأحكامهم أن يصوّروا الفشل على أنّه كارثة، أو أن يسهّلوا عمليّة التغلب عليه.
إنّ نظرة الفرد إلى مشكلات الحياة، وأساليبه الإسنادية، وتقييمه الابتدائي والثانوي، لها تأثير بالغ في كيفيّة تعامله مع مواقف الفشل. تهدف مهارة «مواجهة الفشل» إلى تنمية القدرات المعرفية للفرد ليتكيف مع إخفاقات الحياة وعقباتها، وتهيئة السبيل للنجاحات اللاحقة.
يمثّل تغيير النظرة جزءًا مهمًا من مهارة مواجهة الفشل. وقد يتعلّق تغيير النظرة بأنفسنا أو بالعالم الذي نعيش فيه أو بالآخرين. وقبل مواجهة المشكلات، من الأفضل أن نغيّر زاوية نظرنا
(297)إلى البيئة المحيطة بنا لكي نتمكن من التعامل مع المصاعب والمشكلات والفشل بفاعلية أكبر. بعبارة أخرى، ما نعدّه فشلًا إنما هو تفسير لحالة معينة. إنّ حدث الفشل في الحياة أمر عابر، ولكنّ الإنسان غالبًا ما يظلّ عالقًا في تفسيراته وذكرياته عن ذلك الحدث، فلا يتمكن من التغلب عليه. وبمراعاة هذه الحقيقة، نجد أنّ المعنى الذي تقدمه التعاليم الدينيّة عن الفشل يختلف عما رسخ في أذهاننا. ومن هذا المنظور، فإنّ الفاشل هو من يسعى إلى اعتبار نفسه منتصرًا عبر الإساءة إلى الآخرين. يقول الإمام علي عليهالسلام: «ما ظَفِرَ مَن ظَفِرَ بالإثمِ والغالِبُ بِالشَّرِّ مَغلوبٌ».
في الحقيقة، الفاشل الحقيقي هو الذي يُهزم أمام غفلته عن نفسه، حيث يقول أمير المؤمنين عليهالسلام: «مَن غَلَبَت عَلَيهِ الغَفلَةُ ماتَ قَلبُهُ».
ويقسم الإمام الصادق عليهالسلام الناس إلى أربعة أصناف، ويعتبر أعقلهم وأفضلهم من يسلك طريق الحق ويحب إقامته، حتى لو كان عاجزًا أو مغلوبًا، معتبرًا إياه من أفضل أهل زمانه: «النّاسُ على أربَعَةِ أصنافٍ: جاهِلٌ مُتَردّي مُعانِقٌ لِهَواهُ، وعابِدٌ مُتَقَوّي كلَّمَا ازدادَ عِبادَةً ازدادَ كبرًا، وعالِمٌ يّريدُ أن يوطَأَ عَقِباهُ ويّحِبُّ مَحمَدَةَ النّاسِ، وعارِفٌ على طَريقِ الحَقِّ يّحِبُّ القِيامَ بهِ فهُو
عاجِزٌ أو مَغلوبٌ، فَهذا أمثَلُ أهلِ زَمانِك وأرجَحُهُم عَقلًا».
ومن مجمل ما تقدم يتبيّن أنّ علينا أن نغيّر نظرتنا إلى الفشل. فإذا أخفقنا في حياتنا الشخصية، ينبغي أن ننتبه إلى كيفيّة تفسيرنا لهذا الإخفاق. فقد نكون ظاهريًا قد فشلنا، لكن إن كنا قد سرنا في طريق الحق، فنحن المنتصرون. يقول الإمام علي عليهالسلام: «لا تُغالِبْ مَن يسْتَظهِرُ بِالحَقِّ؛ فإنَّ مُغالِبَ الحَقِّ مَغلوبٌ».
عندما يواجه الإنسان مسألةً لا حلّ لها ويدرك أنّ إجابته عليها كانت بلا جدوى، يسأل نفسه: ما سبب فشلي؟ إنّ نسبة الفشل وإسناده إلى الذات أو إلى خارج الذات تُعدّ عاملًا مهمًّا في تحديد زمان ومكان تكرار الفشل مستقبلًا.
وبذلك، عندما يسعى الأفراد إلى تفسير أسباب أحداث حياتهم اليوميّة، فقد يعزونها إلى أسباب طبيعيّة وغير متعلّقة باللّه، أو قد ينسبونها إلى عللٍ ماورائيّة. فالذين يتوكّلون على الله ينسبون جميع الحوادث إليه، لأنّه في نظرهم لا يحدث شيء في الكون إلّا بعلم الله ومشيئته: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلّا مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُو مَوْلَانَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51).
وعليه، فإنّ نمط الإسناد لدى مَن يتوكّل على الله يكون من حيث المصدر خارجيًّا، ومن حيث التكرار غير ثابت، ومن حيث الزمان خاصًّا. ولهذا السبب، تُؤكّد التعاليم الدينيّة أنّ مَن يتوكّل على الله ويعتصم بحبله يكون منتصرًا، ولا يكون للهزيمة معنىً لديه. يقول الإمام الباقرعليهالسلام: «مَن تَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ لا يغلَبُ ومَنِ اعتَصمَ باللّهِ لا يهزَمُ».
إنّ تكرار الفشل يرتبط بثلاثة أبعاد: مصدر الإسناد، وثبات الإسناد، وزمان الإسناد، وسيجري الإشارة إليها فيما يأتي:
أوّل بُعدٍ للإسناد هو البعد الداخلي الخارجي. تصوّرْ فردًا فشل في مواجهة مسألةٍ لا حلّ لها؛ قد يظنّ أنّه غبيٌّ والمسألة قابلة للحل، أو قد يعتقد أنّ المسألة قد عُدِّلت لتكون غير قابلة للحلّ وأنّه ليس غبيًّا. التفسير الأوّل للفشل داخلي (الغباوة)، أمّا التفسير الثاني فخارجي (المسألة غير قابلة للحلّ). وتشير الشواهد إلى أنّ الأفراد عندما يفشلون في مهامّ مهمّة وينسبون فشلهم إلى علل داخليّة، تظهر عليهم علامات الجمود وتنخفض لديهم تقديرات الذات بشكلٍ واضح. أمّا عندما يعزون الفشل إلى علل خارجيّة، فقد يظهر الجمود أيضًا، لكنّ تقدير الذات يبقى مرتفعًا.
إلى جانب تحديد ما إذا كانت علّة الفشل داخليّة أو خارجيّة، فإنّ البُعد الثاني الذي يتناوله الإسناد هو مدى ثباته أو عدم ثباته. هل سبب الفشل شيء دائم أم مؤقّت؟ قد يعتقد الفرد الفاشل بأنّ سبب فشله دائمٌ وسيستمرّ مستقبلًا. من الأمثلة على العوامل الثابتة: الغباوة (داخلي ثابت)، وصعوبة المهمّة (خارجي ثابت). بالمقابل، قد يرى الفرد أنّ سبب الفشل غير ثابت. فمَن رسب في اختبار قد يعتقد أنّ السبب يعود إلى نومٍ سيّءٍ ليلة الامتحان (سبب داخلي غير ثابت)، أو قد يظنّ أنّ يوم الامتحان كان يومًا سيّئ الحظ (سبب خارجي غير ثابت). وتفترض نظريّة الإسناد إلى العجز المكتسب أنّ إسناد الفشل إلى سبب ثابت يؤدّي إلى استمرار أوجه القصور عبر الزمن، في حين أنّ الإسناد إلى أسباب غير ثابتة لا يؤدّي بالضرورة إلى فشل مستقبلي. ووفقًا لنموذج الإسناد للعجز المكتسب، فإنّ التفسيرات الثابتة تفضي إلى قصور دائم، بينما التفسيرات غير الثابتة تؤدّي إلى قصور مؤقّت.
البُعد الثالث والأخير هو البُعد العامّ الخاصّ. عندما يلاحظ الفرد فشله، عليه أن يسأل نفسه: هل هذا الفشل عامّ (أي ناتج عن عامل يؤدّي إلى الفشل في مواقف متعدّدة) أم خاصّ (أي ناتج عن عامل يؤثّر فقط في مواقف شبيهة)؟ على سبيل المثال،
قد يستنتج شخصٌ أخفق في حلّ مسألة مخبريّة أنّه غير بارع في حلّ المسائل المخبريّة بشكل عام، وهنا يكون الإسناد عامًا، ومن ثمّ يتوقّع تكرار الفشل في مواقف أخرى. أمّا إذا اعتقد أنّ تلك المسائل المخبريّة بالذات كانت صعبة للغاية، فإنّ هذا الإسناد يكون خاصًّا؛ لأنّه يتوقّع أن الفشل سيقتصر على مسائل مشابهة ولن يمتدّ إلى باقي مجالات الحياة. وهذه العلّة، بالإضافة إلى كونها خاصّة، فهي أيضًا ثابتة وخارجيّة. وبحسب نموذج الإسناد للعجز المكتسب، عندما يفسّر الأفراد فشلهم بأسباب عامّة، فإنّ مظاهر العجز تظهر في مواقف متعدّدة. أمّا عندما يعتقدون أنّ أسبابًا خاصّة أدّت إلى فشلهم، فإنّ توقّع الفشل سينحصر بمواقف محدودة فقط.
بعد كلّ فشل، تبدأ الأحاديث النفسيّة والحوار الداخلي، ولأنّ هذه الأحاديث غالبًا ما تحمل طابعًا سلبيًّا، فقد تكون مضرّةً، ومن الأفضل للإنسان أن يقوم بتقييم دقيق لظروفه وأوضاعه، وألّا يترك الميدان بسهولة. فالتقييم السليم قبل الإقدام على أيّ فعل يُعدّ أنجع الوسائل وأقلّها كلفة. يقول الإمام عليّ عليهالسلام حول الهزيمة في الحرب واستراتيجيات ما بعد الهزيمة:
إن كانَت وأعوذُ بِاللّهِ فيكم هَزيمَةٌ فَتَداعَوا، وَاذكرُوا اللّهَ وما
تَوعَّدَ بِهِ مَن فَرَّ مِنَ الزَّحفِ، وبَكتوا مَن رأَيتُموهُ وَلَّى. وَاجمَعُوا الأَلوِيةَ، وَاعتَقِدوا. وَليّسرِعِ المُخِفُّونَ في رَدِّ مَنِ انهَزَمَ إلَى الجَماعَةِ وإلَى المُعَسكرِ، فَلينفِر مَن فيهِ إلَيكم، فَإذَا اجتَمَعَ أطرافُكم، وأتَت أمدادُكم، وَانصَرَفَ فَلُّكم، فَأَلحِقُوا النّاسَ بِقُوّادِهِم، وأحكموا تَعابِيهُم، وقاتِلوا، وَاستَعينوا بِاللّهِ، وَاصبِروا؛ وفِي الثَّباتِ عِندَ الهَزيمَةِ، وحَملِ الرَّجُلِ الواحِدِ الواثِقِ بِشَجاعَتِهِ عَلَى الكتيبَةِ، فَضلٌ عَظيمٌ.
ففي هذه الكلمات، يسعى الإمام عليهالسلام من خلال توجيهات متنوّعة إلى إزالة مشاعر الإحباط والاكتئاب بعد الهزيمة أمام العدوّ. فإذا أراد الإنسان أن يتصرّف بذكاء أمام هزائم حياته، فعليه أن يُحسن التدبير والإدارة وأن يقوم بتقييم صحيح للأحداث.
عندما تواجه إحدى هزائم الحياة، ماذا تقول لنفسك؟ هل تعزوسبب الفشل إلى ضعفك الذاتي، أم إلى الحظّ والصدفة؟ أو قد تفكّر بأنّك لم تبذل الجهد الكافي أو أنّ الموقف كان بالغ الصعوبة؟
عند مواجهة الأحداث والمواقف الحياتيّة، يقوم الإنسان بإجراء تقييمٍ أوليّ لها. وقد يكون هذا التقييم بحيث لا يعتبر الحدث مشكلة، مما يؤدي إلى انخفاض مستوى التوتر
والضغط النفسي. أمّا إذا صنّف الحدث كمشكلة، فإنّ ذلك يزيد من حدة التوتر والضغط. وإذا كانت المواجهة مع مشكلة حقيقيّة، كالإخفاق في الحصول على درجة مطلوبة في الامتحان أو الفشل في الزواج، فإنّ الفرد يُجري سلسلة من الأحكام والتفسيرات، تُعرف بالتقييمات الثانويّة. والتقييم الثانوي هو الذي يحدّد سلوكنا بعد الفشل. ومن الطبيعي أنّ تقييمنا للحالة يؤثّر أيضًا في مشاعرنا. وأهمّ ما ينبغي القيام به عند الفشل هو التقييم العقلاني للموقف.
التقييمات الأوليّة هي ثمرة لنظام المعتقدات والأفكار لدى الفرد. فعلى سبيل المثال، إذا كنتَ تؤمن بأنّه يجب على الآخرين أن يكونوا كاملين، فستشعر بالإحباط حينما لا يكونون كذلك. وإذا كنتَ تتوقّع أن يُوليك الآخرون اهتمامًا غير مشروط، فستغضب حين لا يتحقّق ذلك. وقد أظهر «إيليس» أنّ بإمكان الأفراد تعلّم كيفيّة التعرّف على تقييماتهم غير العقلانيّة ومعالجتها.
وفيما يلي نماذج لبعض هذه التقييمات:
- الأشخاص الذين يهمّونني يجب أن يحبّوني دائمًا؛
(304)- لا ينبغي للناس أن يتصرّفوا معي ببرود، وإذا فعلوا فهم أشخاص سيّئون؛
- إذا لم تجرِ الأمور كما أريد، فهذا أمر كارثي؛
- يجب أن أنجح دائمًا.
هذه التقييمات غير عقلانيّة وغير واقعيّة، وتقود إلى تجارب نفسيّة سلبيّة. وهي تتميّز بطابعها المطلق وبتركيزها على مفردات مثل «يجب» و«حتمًا» والمثاليّة المطلقة، ممّا يسهل تمييزها.
وقد كُشفت سلسلة من المعتقدات غير العقلانيّة عبر دراسات علميّة متعدّدة[1]، ومن أبرزها:
- الحاجة إلى التأييد: يجب أن يؤيّدني ويحبّني جميع الأشخاص المهمّين في حياتي؛
- توقعات مفرطة من الذات: ينبغي أن أكون كفؤًا ومؤهّلًا تمامًا في جميع المجالات، وإلّا فإنني عديم القيمة؛
- الاستعداد للّوم: إذا كنتُ أو كان الآخرون أشرارًا، يجب أن نتعرّض للعقاب؛
- العجز العاطفي: أسباب كلّ آلامي ومصائبي هي الآخرون أو الظروف السيّئة، ولا قدرة لي على تغييرها.
- القلق المفرط: حتى لو كان هناك احتمال لوقوع حادثة مهدّدة أو خطرة، يجب عليّ أن أقلق بشأنها؛
- تجنّب المشكلات: تجنّب بعض المشكلات أسهل لي من مواجهتها؛
- الاتّكاليّة: أحتاج إلى شخص أقوى مني لكي أعتمد عليه؛
-العجز: ماضيّ وحده هو الذي يحدّد سلوكياتي الحالية، وإذا أثّر شيء فيّ في الماضي، فإنّ تأثيره سيبقى دائمًا.
الأشخاص الذين يتمسّكون بهذه المعتقدات والأفكار سيواجهون باستمرار مشكلات في حياتهم؛ لأنّ بلوغ الرضا الذاتي سيكون أمرًا في غاية الصعوبة بالنسبة لهم. ومع ذلك، يمكننا، من خلال تعلّم إجراء تقييمات أكثر معقولية ومنطقية، أن نخفّف من بعض انفعالاتنا وعواطفنا السلبيّة، وأن نُقلّل من الضغط النفسي الذي نعانيه.
تشبه التحريفات المعرفيّة التقييمات غير المنطقية؛ لأنها تجعلنا ننظر إلى أنفسنا كضحايا في أحداث الحياة الفرديّة بدلًا من أن نكون متصدين لها، مما يؤدي إلى زيادة المشكلات
والانزعاج وعدم الرضا والتوتر لدينا. وقد عرض آرون بِك نموذجًا من التحريفات المعرفية. وعلى الرغم من أن بعض الأفكار التلقائية قد تكون صحيحة، إلا أن كثيرًا منها غير صحيح أو يحتوي فقط على بعض جوانب الحقيقة. ويمكن تعداد الأخطاء الشائعة في التفكير على النحو التالي:
- التفكير الكلّي أو اللاشيء (التفكير بالأبيض والأسود، التفكير القطبي أو التفكير الثنائي): ترى الموقف إما من منظور قطب إيجابي أو سلبي دون أن تدرك أنه متصل ومتدرج. مثال: «إذا لم أنجح بالكامل، فأنا فاشل».
- الكارثية (التنبؤ بالمستقبل): تتنبأ بالمستقبل بشكل سلبي دون أن تضع في اعتبارك النتائج الأخرى الأكثر احتمالًا. على سبيل المثال: «سوف أضطرب كثيرًا» أو «لن أتمكن من إنجاز أي شيء».
- إبطال أو التقليل من الجوانب الإيجابيّة: تخبر نفسك
(307)بشكل غير منطقي أن تجاربك وسلوكك وصفاتك الإيجابيّة لا تُعد ذات قيمة؛ مثال: «لقد أنجزت المشروع جيّدًا، لكن هذا لا يعني أنني كفء، بل كان الحظ حليفي فقط».
- الاستدلال الانفعالي: تعتقد أن شيئًا ما صحيح فقط لأنك تشعر به بشدة (وتؤمن به)، وتتجاهل الأدلة المعارضة أو تقلل من أهميتها؛ مثال: «أعلم أنني أؤدي الكثير من مهامي العمليّة بشكل صحيح، لكنني لا أزال أشعر أنني شخص فاشل».
- إطلاق التسميات: تطلق على نفسك أو على الآخرين تسمية عامة وثابتة دون أن تأخذ في الحسبان أن الأدلة قد تشير إلى نتيجة أقل كارثية؛ مثال: «أنا خاسر» أو «هو شخص طيب».
- التضخيم/ التصغير: عندما تقوم بتقييم نفسك أو شخص آخر أو موقف، تبالغ بشكل غير طبيعي في الجوانب السلبيّة أو تقلل من أهميّة الجوانب الإيجابيّة؛ مثال: «الحصول على تقييم متوسط يعني أنني غير كفء» و«الحصول على تقييمات عالية يعني أنني عبقري».
- التصفية الذهنية (التجريد الانتقائي): تركّز بإفراط على
تفاصيل سلبيّة معينة دون رؤية الصورة الكاملة؛ مثال: «لأنني حصلت على درجة منخفضة في أحد جوانب التقييم (على الرغم من حصولي على درجات مرتفعة في كثير من الجوانب الأخرى)، فهذا يعني أنني مقصر في أداء مهامي الوظيفيّة».
- قراءة الأفكار: تظن أنك تعرف ما يفكر به الآخرون دون أن تأخذ بالاعتبار احتمالات أخرى؛ مثال: «إنه يعتقد أنني لا أعرف أبسط الأمور المتعلقة بهذا المشروع».
- التعميم المفرط: تستخلص نتيجة عامة وسلبيّة تتجاوز الموقف الحالي؛ مثال: «(لأنني شعرت بعدم الراحة في اللقاء السابق) فهذا يعني أنني غير مؤهّل لتكوين صداقات».
- التخصيص: تعتقد أنّ سلوك الآخرين السلبي تجاهك سببه استياؤهم منك، دون أن تضع في اعتبارك الأسباب الأكثر احتمالًا لسلوكهم؛ مثال: «التقني كان باردًا معي، لا بدّ أنني ارتكبت خطأً ما».
- عبارات الإلزام (الجمل الإلزامية): لديك معتقد راسخ
(309)حول كيفيّة تصرفك أو تصرف الآخرين، وترى عدم تحقق هذه التوقعات أمرًا كارثيًّا؛ مثال: «إنه أمر فظيع أن أرتكب خطأ، يجب أن أكون الأفضل دائمًا».
- الرؤية النفقية: لا ترى إلا الجوانب السلبيّة من موقف ما؛ مثال: «معلم ابني لا يستطيع أن يقوم بأي شيء بشكل صحيح. إنه مهمل ودقيق بشكل مفرط وينتقد كل شيء».
(310)
إنَّ فقد الأحبّة جزءٌ لا مفرّ منه من حياة الإنسان. ويمكن التنبّؤ بأنّ جميعنا سيختبر تجربة فقد الأعزّاء، وإنّ من لوازم الحياة أن نشهد وفاة أحبّتنا. ويمكن تصور مدى صعوبة الحياة على البشر لو لم تكن هناك ظاهرة الموت. فقد جاء في الروايات أنّ جماعةً قصدوا نبيهم فقالوا له: ادعُ ربك أن يرفع عنّا الموت. فدعا نبيّهم لهم، فرفع الله تبارك وتعالى عنهم الموت. فتكاثر عددهم حتى ضاقت بهم المنازل وازداد نسلهم، [حتی] كان الرجل إذا أصبح مضطرًا إلى أن يُطعم أباه وجدّه وأمّه وجدّ جدّه ويقوم بخدمتهم والعناية بهم [كأن يهتم بنظافتهم]، فانشغلوا بذلك عن طلب المعاش. فعادوا إلى نبيهم فقالوا له: سلْ ربك أن يعيدنا إلى أعمارنا التي كنا عليها. فدعا نبيهم ربّه، فردّهم الله إلى آجالهم المحددة.
ومع أن موضوع الموت والفقد يبدو ظاهرًا لمعظم الناس، إلا أن بعضهم، حتى بعد مرور أشهر أو سنوات، لا يستطيع بسهولة نسيان الفقيد أو التكيّف مع فقد أحبته وأصدقائه. ولعل
ذلك يعود إلى أن فقد الأصدقاء والأعزاء يُعدّ من العوامل المثيرة للقلق التي تضع الفرد أمام مشكلات نفسيّة جمّة. وقد قال الإمام علي عليهالسلام: ثَلاثٌ يهدُدنَ القُوىَّ: فَقدُ الأَحِبَّةِ وَالفَقرُ فِي الغُربَةِ ودَوامُ الشِّدَّةِ.
ويشمل الفقدُ أحداثًا متنوّعةً تمتد من انقطاع العلاقات كحالات الطلاق إلى فقد الأحبة ووفاة الأعزاء. وفي هذه المهارة سنتناول موضوع الفقد والحِداد ومراحل المرور بمشاعر الحزن، بالإضافة إلى سبل التكيّف مع الآثار السلبيّة الناجمة عن الحداد.
«الحزن» هو عمليّة عاطفيّة ويشير إلى الضيق الجسدي والنفسي الشديد الناتج عن فقد الأحبة. وبجانب مفهوم الحزن، يوجد مفهوم «الفقد» الذي لا يمكن فصله بشكل دقيق عن الحزن، وإن كان يركّز أكثر على الإحساس بالخسارة. الفقد يشير إلى الواقع العيني لفقدان شخص محبوب كالأب أو الأم أو الزوج أو الأخت أو الأخ أو الصديق. وقد تظهر هذه الاستجابة في صور متعددة مثل البكاء أو الغضب أو الشعور
(312)بالفراغ. ومفهوم آخر مرتبط هنا هو «الحداد». فالحداد يشمل جميع الاستجابات المعرفيّة والعاطفيّة والسلوكيّة التي يُبديها الفرد عند الفقد. والحداد هو كيفيّة التعبير عن أفكار الفرد ومشاعره تجاه الفقد، ويختلف التعبير عنه من ثقافة إلى أخرى. من الطقوس التي أمر بها الإسلام، والتي تتشابه مع بعض الثقافات الأخرى، اجتماع أفراد العائلة والأصدقاء، والمشاركة في تشييع الجنازة، وإقامة مراسم الدفن الخاصة، إضافة إلى تقديم الدعم العاطفي والاجتماعي.
تمثّل وفاة عزيز معنىً مختلفًا لكل إنسان، ومع ذلك، هناك قواسم مشتركة بيننا جميعًا فيما يتعلّق بتجاوز الفقد. تعلمنا معرفة الفقد أن نقبل خسائر الحياة بصورة أيسر. عندما يشهد أفراد الأسرة والأصدقاء مرض عزيز يحتضر لفترة معينة،
(313)فإنهم يستعدون ذهنيًا لفقده قبل وقوعه، وتسمى هذه الظاهرة بـ«الحزن المتوقع». ومع ذلك، في كثير من الأحيان لا تُسهم هذه الاستعدادات السابقة كثيرًا في تخفيف حدة الحزن لدى الناجين. وقد وضعت نظريات منظمة حول مراحل الحداد والحزن. وفق أحد الآراء، يمر الناجون بثلاث مراحل مع فقد شخص محبوب، وهذه المراحل تتشابه إلى حدٍّ كبير بين جميع الثكالى:
في هذه المرحلة، التي قد تمتد لعدة أسابيع، يبدو أن الفرد لا يصدق فعليًا وقوع الوفاة. لذلك يعيش في حالة من الغموض والارتباك، وقد تظهر عليه أعراض جسدية مثل ضيق التنفس، الدوار، وآلام المعدة. ومع التدرج في الوعي بحقيقة الموت، تنتابه مشاعر حزن شديدة غالبًا ما يعبر عنها بنوبات بكاء حادة.
قد تستمر هذه المرحلة حوالي ستة أشهر أو أكثر. وخلالها يحاول الناجون التكيّف مع حقيقة فقدان العزيز. وتظهر ردود أفعالهم الشائعة بالبكاء، والأرق، والإرهاق المزمن، وفقدان الشهية. وقد يشعر البعض أن المتوفى ما زال حيًّا بينهم، فيرون
(314)وجهه، أو يسمعون صوته، أو يشعرون بوجوده في أحلامهم. وهذه الحالة تتناقص تدريجيًا، وإن كانت قد تستمر أحيانًا لأشهر أو حتى لسنوات.
في هذه المرحلة، يستأنف الأفراد أنشطتهم اليوميّة، رغم أن ذكرى الفقيد تبقى مؤلمة، إلّا أنّ شدّة الانفعالات تنخفض. وفي بعض الحالات يشعر الناجون بالرضا لأنهم استطاعوا التغلب بنجاح على مشاعرهم. وغالبًا ما يتمكن الناجون من تجاوز مشكلتهم العاطفية، رغم أن بعضهم قد يحتاج إلى علاج نفسي. وتجدر الإشارة إلى أن تثقيف الناس حول الموت وعواقبه قد يخفف من وطأة الحزن عند فقد الأصدقاء والأقارب. كما أن إقامة المراسم بعد الوفاة، التي تمر عبر مراحل محددة في معظم المجتمعات، تسهم في التنفيس العاطفي.
يمرّ الأشخاص الذين يعيشون تجربة الحداد بمراحل متعدّدة، ويتميّز كل منها بمجموعة من الاستجابات المختلفة لديهم. يتنقل الحزينون بين هذه المراحل ولا يتبعون نمطًا ثابتًا. ولكي يمر الحزينون بعمليّة الحداد بأقل قدر ممكن من المشكلات، ينبغي اعتبار هذه المراحل سلسلة من المهام التي ينبغي أداؤها من أجل تحقيق الشفاء والعودة إلى حياة مُرضية.
(315)وفي هذا السياق، نشير إلى هذه المهام تحت عنوان «التعامل مع الفقد والحداد والعودة إلى الحياة».
لعودة الناجي إلى الحياة مجددًا، هناك مهام ضرورية تمر عبر ست خطوات:
تُعَدُّ مفارقة الأحبة وفقدانهم من المواقف غير السارة في الحياة. وقد عدّ الإمام عليA فقد الأصدقاء سببًا للاضطراب والمرض: الفَقدُ المُمرِضُ فَقدُ الأَحبابِ.
في قبول فقد الأحبة والمعارف، يلعب تقييمنا دورًا أساسيًّا. فأوّل ردّ فعل لنا عند الفقد هو تقييمنا الأوّلي. ولأن الفقدان غالبًا ما يكون صادمًا وغير متوقع، فإن التقييم الأولي يحدث عادة بشكل تلقائي. ونظرًا لأن معظم أنواع الفقد مؤلمة، فإن قبولها كحقائق واقعية، وخوض عمليّة الحداد بطريقة مناسبة، يُعدّ أمرًا مرغوبًا. بعد قبول الفقد كأمر يستحق الحزن، ما هو التقييم الثانوي الذي يمكن القيام به؟ إن مواجهة الفقد بنجاح لا تعني التركيز عليه أو محاولة إعادة الأمور إلى سابق عهدها. بل يتطلب التقييم الثانوي أن يخوض الفرد عمليّة الحداد؛ فالحزن
عمليّة نشطة تؤثر على مشاعر الإنسان المختلفة.
يرتبط تقييمنا المنطقي للفقد بمعرفتنا بالله، وبأنفسنا، وبالآخرين، وبالعالم. ويمكن تصنيف مجمل التعاليم الإسلامية ضمن أربعة محاور: علاقة الإنسان بالله، بنفسه، بالآخرين، وبالطبيعة. فإذا أراد الإنسان أن يتحكم بشكل أفضل بحياته، وجب عليه أن يعمّق معرفته بهذه المجالات الأربعة لكي يدير المواقف الحياتية بشكل أكثر تدبيرًا، خاصةً وأن عالمنا مصحوبٌ بالقلق والضغوط الدائمة، ومواجهٌ لمواقف غير سارة. وقد قال الإمام عليA: «الدَّهرُ یَومانِ: یَومٌ لَك ویَومٌ عَلَیك؛ فإذا كانَ لَك، فَلا تَبطَرْ وإذا كانَ عَلَیك فَاصبِر».
كلما ازداد وعي الإنسان بنفسه وبمحيطه، تمكن بشكل أفضل من إدارة الأوضاع. وكلما كان كيانه أكثر غموضًا وعجزًا عن فهم الظروف، ازداد عجزه عن قبول المواقف المثيرة للقلق. ولا يُستثنى الفقد والحزن من هذه القاعدة. ففي التقييم المنطقي للفقد، يوظف الشخص المكلوم قدراته لتقييم أكثر واقعية للوضع، محاولًا الإجابة عن أسئلة من قبيل: «هل فقدتُ كل شيء بهذا الفقد؟» و«هل انتهى كل شيء بهذا الفقد؟».
لا يتجاهل التقييم المنطقي ما فُقد، بل ينظر أيضًا إلى الجوانب
الإيجابيّة. على سبيل المثال، فإن أداء أي عمل بدون أجر يكون غير محتمل، أما إذا اقترن بالمكافأة، حتى وإن كان صعبًا وشاقًا، يصبح مقبولًا. وذلك لأن المكافأة تُعدّ محفزًا يعزز قدرة الإنسان ودافعيته. وكلما عظمت المكافأة، ازداد أثرها التحفيزي.
إن الحوادث المؤلمة ليست بلا أجر. فكثيرٌ من جزع الإنسان يعود إلى غفلته عن «مكافأة» المصائب. فإذا ما قُيّمت الشدائد بأنها بلا مكافأة، يزداد الضغط النفسي بشكل شديد؛ أما إذا جرى الانتباه إلى وجود مكافأة، فإن الضغط النفسي يتضاءل. ومن هنا، فإن الانتباه إلى الأجر يعدّ من أساليب تقليل القلق. وقد قال النبيn في هذا الشأن: لَو تَعلَمونَ ما ذُخِرَ لَكم ما حَزِنتُم عَلي ما زُوِي عَنكم.
والسبب في تركيز النصوص الدينيّة على ذكر أجر الصبر والتحمل، هو تنبيه الناس إلى مكافأة الابتلاءات، وهو موضوع يتجاوز نطاق هذا البحث. المهم هنا هو عدم نسيان أو التقليل من شأن مكافأة الشدائد. فعندما أصيب عبدالله بن أبي يعفور بمرض شديد، وشكا آلامه إلى الإمام الصادق عليهالسلام، قال له الإمام: «لَو يعلَمُ المُؤمِنُ مَا لَهُ مِنَ الأَجرِ فِي المَصائِبِ، لَتَمَنَّي أنَّهُ قُرِضَ بِالمَقاريضِ».
إنّ أجر الصبر عظيمٌ إلى درجة أنّ تمزيق الجسد بالمقاريض يصبح أمرًا سهلًا ومقبولًا. ويتجلّى في هذا الحديث الشريف بوضوح دور المعرفة. فقد قال الإمام علي عليهالسلام للأشعث، الذي كان يمرّ بتجربة فقدان أحد أحبته: «يَا أشعَثُ! إن تَحزَن عَلَي ابنِك فَقَدِ استَحَقَّت ذَلِك مِنك الرَّحِمُ، وإن تَصبِر فَفِي اللّٰهِ مِن كلِّ مُصيبَةٍ خَلَفٌ».
إنّ «النعمة البديلة» من الحقائق المسلَّم بها عند مواجهة المصائب، وقد سعى الإمام علي عليهالسلام إلى تهدئة أشعث بالتنبيه إليها. وعندما دُفن النبيn، سُمع نداءٌ من السماء يواسي أهل بيتهb، وقد ورد في أحد مقاطع هذه المواساة: «إِنَّ فِي اللّهِ خَلَفًا مِنْ كلِّ ذَاهِبٍ وَعَزَاءً مِنْ كلِّ مُصِيبَةٍ وَدَرَكًا مِنْ كلِّ مَا فَاتَ فَبِاللّهِ ثِقُوا وَعلَيهِ فَتَوَكلُوا وَإياهُ فَارْجُوا إِنَّمَا المُصابُ مَنْ حُرِّمَ الثّوابَ».
إنّ الجملة الأخيرة من هذه الرواية لافتة للنظر: فالمصيبة الحقيقية هي حين يُحرم الإنسان من ثوابها. أما إذا نال أجر المصيبة، فإنّها في الحقيقة نعمة له.
وقال الإمام علي عليهالسلام في هذا المعنى: «المِحنَةُ إذا تَلَقَّيتَ بِالرِّضا وَالصَّبرِ كانَت نِعمَةً دائِمَةً».
فالميزان الحقيقي هو كيفيّة استجابتنا للظروف، سواء كانت سارة أو مؤلمة. فالنعمة قد تتحوّل إلى نقمة مع الكفران، كما يمكن أن تتحوّل النقمة إلى نعمة مع الصبر. ولأهل الإيمان، فإنّ المصيبة فرصة قابلة لأن تتحوّل إلى نعمة. وقد قال الإمام الصادق عليهالسلام: «إنَّ اللّهَ(عزّ وجلّ) أنعَمَ عَلى قَومٍ فَلَم يشكروا فَصارَت عَلَيهِم وَبالًا، وَابتَلى قَومًا بِالمَصائِبِ فَصَبَروا فَصارَت عَلَيهِم نِعمَةٌ».
إنّ الانتباه إلى هذه الحقائق يخفف من الضغط النفسي الناتج عن الابتلاءات والمحن، ويجعل تحمّل الظروف الصعبة أكثر يسرًا. ولا ينبغي أن ننسى أن «المصائب مفاتيح الثواب».
يُعدّ قبول الفقد مواجهةً كاملةً لهذه الحقيقة، وهي أن ذلك الشخص قد مات ولن يعود. ويتطلب قبول واقع الفقدان مرور الزمن؛ لأن هذا الأمر لا يحتاج فقط إلى إدراك عقلي، بل يحتاج أيضًا إلى إدراك انفعالي. تؤثر طريقتنا في تصور الموت تأثيرًا بالغًا على مدى قبولنا لفقدان الأحبة. فكثيرًا ما نُصاب بصدمات نفسيّة لأننا لم ندرك حقيقة الموت إدراكًا صحيحًا، فنفقد السيطرة على جوانب مختلفة من الجسد والنفس. إن حتمية الموت أمر تناولته العديد من التعاليم، فقد قال النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم:
«المَوتَ المَوتَ! ألا ولا بُدَّ مِنَ المَوتِ، جاءَ المَوتُ بِما فيهِ، جاءَ بالرَّوحِ والرّاحَةِ والكرَّةِ المُبارَكةِ إلى جَنَّةٍ عالِيةٍ لِأهلِ دارِ الخُلودِ، الّذينَ كانَ لَها سَعيّهُم وفيها رَغبَتُهُم. وجاءَ المَوتُ بِما فيهِ بالشِّقوَةِ والنَّدامَةِ وبِالكرَّةِ الخاسِرَةِ إلى نارٍ حاميةٍ لأهلِ دارِ الغُرورِ، الَّذينَ كانَ لَها سَعيّهُم وفيها رَغبَتُهُم».
إن الاقتداء بسلوك الكبار من أهل الدين يعين كثيرًا على قبول حقيقة الفقد بجميع مراراتها. فقد روى يونس بن يعقوب أن جماعةً زاروا الإمام الباقرعليهالسلام، فوجدوا طفله مريضًا، ولاحظوا قلقه واضطرابه عليه. فقالوا فيما بينهم: والله، نخشى إن حدث أمر لهذا الطفل أن نرى من الإمام عليهالسلام سلوكًا لا نحب أن نراه. وما لبثوا أن سمعوا صوت النواح، وإذا بالإمام عليهالسلام يخرج إليهم بوجه منبسط، خلافًا لما كانوا عليه قبل ذلك. فقالوا له: فداك أنفسنا! كنا نخشى أن نرى منك ما يحزننا. فقال لهم الإمام عليهالسلام:
«إِنَّا لَنُحِبُّ أَنْ نُعَافَى فِيمَنْ نُحِبُّ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ سَلَّمْنَا فِيمَا أَحَبَّ».
ولكي يتمكّن الفرد من قبول الوضع، لا بدّ له، بالإضافة إلى تحسين معرفته بالموت، أن يسلك سلوك التسهيل النفسي من خلال المقارنات التصاعدية التي أكدت عليها التعاليم الدينيّة. فقد قال الإمام الصادق عليهالسلام:
«إذا اُصِبتَ بمُصيبَةٍ فَاذكرْ مُصابَك بِرَسولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم؛ فَإنَّ الناسَ لَم يّصابُوا بِمِثلِهِ أبدًا، وَلَن يّصابُوا بِمِثلِهِ أبدًا».
إن مقارنة وضعك بالظروف الأكثر صعوبة التي مر بها الآخرون تهيئ الأرضية لقبول واقع الفقد بدرجة أكبر.
في هذه المرحلة، ينبغي للناجي أن يقبل ألم الفقد وأن يُتاح له أن يحزن بحريّة، دون أن يكبت مشاعره، لكي يتمكن من اجتياز الألم الذي يعيشه. فإذا لم يتم التعبير عن هذا الألم، فسوف يظهر في شكل أعراض وسلوكيات غير سوية. إن عدم كبت المشاعر الناتجة عن الفقدان والتعبير عنها له تأثير مباشر في اجتياز المشاعر السلبيّة والانتقال إلى الحياة الطبيعية. وقد قال الإمام الصادق عليهالسلام: «مَن خافَ عَلى نَفسِهِ مِن وَجدٍ بِمُصيبَةٍ فَليّفِض مِن دُموعِهِ؛ فَإِنَّهُ يسكنُ عَنهُ».
وفي رواية أخرى، قال منصور الصيقل: شكوت إلى الإمام الصادق عليهالسلام من الحزن الشديد الذي أصابني بسبب وفاة ابني، حتى خفت أن أفقد عقلي، فقال عليهالسلام: «إذا أصابَك مِن هذا شَيءٌ فَأَفِض مِن دُموعِك؛ فَإِنَّهُ يسكنُ عَنك».
ومن أبرز المشاعر العاطفية التي ترافق الحداد:
- الحزن: وهو الشعور الأكثر شيوعًا بين الثكالى. ومع أن الحزن لا يؤدّي بالضرورة إلى البكاء، إلّا أنّه غالبًا ما يظهر عبر الدموع.
- الغضب: قد يشعر الشخص المفجوع بالغضب والانفعال بعد الفقدان، وغالبًا ما يكون هذا الغضب مصحوبًا بالقلق.
- الشعور بالذنب: يظهر شعور الذنب بشأن عدم أداء المسؤوليات تجاه المتوفى على الوجه الأكمل، أو عدم استغلال اللحظات الأخيرة معه، أو التأخر في إسعافه إلى المستشفى، وغير ذلك.
الخطوة الرابعة: التكيف مع البيئة
يُعدّ التكيف مع بيئة لم يعد المتوفى جزءًا منها أمرًا صعبًا، لكن ينبغي للناجي أن يتقبل أدوارًا جديدة، وينمّي مهاراته، ويتحرك نحو إعادة تقييم عالمه الخاص. بعبارة أخرى، يجب عليه أن يتجه إلى إعادة إدراك الوضع الجديد وإعادة تحديد أهدافه في الحياة؛ فالمتوفى، برحيله، إما أن يكون قد استراح هو، أو استراح منه الآخرون.
وقد قال النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم عن وفاة الإنسان: «مُستَريحٌ ومُستَراحٌ مِنهُ؛ العَبدُ المؤمنُ يستَريحُ مِن نَصَبِ الدُّنيا وأذاها
(323)إلى رحمَةِ اللّهِ تَعالى وَالعَبدُ الفاجِرُ يّستَريحُ مِنهُ العِبادُ وَالبِلادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوابُّ».
إنّ رحيل المتوفى قد بيّن حالته ومصيره، والآن يبقى أن نحدّد نحن وضعنا: هل نرغب في العيش في عالم خياليّ نتوهم فيه بقاء المتوفى، ممّا يؤدّي إلى تدهور حالتنا يومًا بعد يوم؟ أم نخطوخطوة نحو التكيّف مع البيئة الجديدة؟
عادةً ما ينشغل الفرد المفجوع في الأيام الأولى من الحزن بمراسم الدفن والشعائر المرتبطة به. وبعد انتهاء هذه المراسم، ينصرف المشاركون شيئًا فشيئًا، ويجد المفجوع نفسه وحيدًا، فيشعر بفراغ فقدان العزيز الراحل أكثر من أي وقت مضى. في هذه المرحلة، يسعد أفراد الأسرة المفجوعة بوجود من يتحدث إليهم، خاصة شخص كان قد التقى بالمتوفى حديثًا؛ شخص يجلس معهم ويتبادل معهم الذكريات واللحظات الجميلة في أواخر حياة الفقيد. إن إيجاد مثل هذه العلاقة يجعل أقارب المتوفى يتحدثون فيما بينهم، ويتجاوزون صدمة الموت والفقدان الأولية، ويتهيأون تدريجيًا لقبول واقع الموت.
وكثير من الناجين ينشغل ذهنهم بالذكريات، ويتنقلون بين
عوالم الوهم والخيال؛ بل قد يتحدثون إلى الفقيد كما لو كان حيًا بينهم. وهؤلاء لا يكتفون بعزل أنفسهم عن عالم الأحياء، بل يصعّبون على أنفسهم أيضًا مهمة مواجهة حقيقة فقدان المتوفى. ومن الأجدى أن ندرك حاجتهم هذه، وأن نساعدهم تدريجيًا على الخروج من عزلتهم حتى يتمكنوا من الانفصال الوجداني عن المتوفى.
في مثل هذه الحالة، ينبغي أن نتيح لهم فرصة الحديث، والبكاء، وبوح المشاعر، وإظهار أحاسيسهم، وأن نكون دائمًا في متناولهم. فعندما تنتهي قضايا المتوفين، يبدأ حينئذٍ واقع مشكلات الناجين الذين أمامهم دورة كاملة من الحداد والحزن. إن المفجوعين بحاجة إلى المساعدة، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة حاجتهم إلى مستشارين متخصصين؛ فالكثير منهم لا يحتاج إلى مثل هذه الاستشارات، ولا يملك القدرة المالية عليها.
بل إن حاجتهم قد يكفي أن يلبيها إنسان، أو صديق، أو أي شخص آخر، بغض النظر عن صفته.
وقد أكّد الإسلام على أهميّة الدعم العاطفي والاجتماعي، من خلال الحضور بجانب المفجوعين، والمشاركة في مراسم
التشييع والدفن. ومن أبرز صور هذا الدعم: إعداد الطعام وإرساله إلى أسرة الفقيد. وقد ورد في السيرة أن رسول اللهn، حين استُشهد جعفر بن أبي طالب عليهالسلام، أمر فاطمة ؟عها؟ بأن تعدّ الطعام لأسرة أسماء بنت عميس لمدة ثلاثة أيام. ومنذ ذلك الحين، أصبحت عادة إعداد الطعام لأهل المصيبة لمدة ثلاثة أيام سُنّةً جارية. وقال الإمام الصادق عليهالسلام: «الأَكلُ عِندَ أهلِ المُصيبَةِ مِن عَمَلِ أهلِ الجاهِليةِ والسُّنَّةُ البَعثُ إلَيهِم بِالطَّعامِ كما أمَرَ بِهِ النَّبِيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم في آلِ جَعفَرِ بنِ أبيطالِبٍ لَمّا جاءَ نَعيّهُ».
وفي رواية أخرى عنه عليهالسلام: «ينْبَغِي لِجِيرَانِ صَاحِبِ الْمُصِيبَةِ أَنْ يّطْعِمُوا الطَّعَامَ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَيامٍ».
الخطوة السادسة: المضي نحو الحياة
يمثّل إعادة التموقع العاطفي والمضي نحو الحياة الخطوة الأخيرة في التعامل مع فقدان الأحبة.
في هذه الحالة، يكون الناجي قادرًا على مواصلة حياته بصورة فعّالة، وتعزيز أدائه الفردي والاجتماعي.
كما يقبل بوفاة المتوفى دون أن يكون هدفه نسيان الفقيد، بل يواصل حياته دون حزن دائم أو حداد مستمر. ومن أبرز علامات
الوصول إلى هذه المرحلة، أن يتمكّن الشخص من التفكير بالفقيد دون أن يرافق ذلك أي شعور بالألم. وفي هذه الحالة، تكون الروابط العاطفية الشديدة قد تحلّلت، وتمّت إعادة تنظيم الرغبات. وعلى هذا الأساس، اعتبر رسول اللهn أن «تنظيم الرغبات» و«فقدان التعلّق» سرّ تيسير المصائب، حيث قال:
«مَن زَهِدَ فِي الدُّنيا هانَت عَلَيهِ المُصيباتُ».
(327)
من الموضوعات التي طالما كانت محور اهتمام علماء النفس الديني منذ القدم وحتى اليوم، موضوع الموت والمسائل المرتبطة به. فنحن البشر لا نقبل فكرة الموت بسهولة. يمكن الحديث عن «جماليات الموت» أو الادعاء بأنّه «لا حدث أجمل من الموت»، ولكنّ الواقع المباشر له يبقى مرعبًا ومخيفًا بالنسبة لغالبية البشر تقريبًا. نحن نحزن على الذين يموتون، ونصاب بالذعر والهلع حين نعلم أنّنا نحن أيضًا سنموت. الهلع يعني الخوف غير المبرَّر من بعض الأشياء أو بعض المواقف؛ أشياء أو مواقف يظنّها الفرد مفزعة، ومواجهتها تؤدي إلى إثارة قلق شديد فيه وإلى توليد حالة من الاجتناب والهروب. ومع أنّ الفرد يدرك جيدًا أنّ هذه الأشياء أو المواقف ليست خطيرة فعلًا، إلّا أنّه لا يستطيع التغلب على خوفه ولا إحداث شعور بالأمان في داخله.
الأشخاص الذين يشعرون بالهلع من الموت يواجهون مشكلات كثيرة على المستويين الفردي والاجتماعي. فالفرد المصاب بالهلع يمتلك خوفًا غير مبرر وغير عقلاني، ويظهر ردود أفعال انفعالية قلقة، ويسيطر عليه التفكير الكارثي. الأشخاص الذين يعانون من الهلع من الموت ينبغي لهم
معالجة هذه المشكلة من خلال تغيير نظرتهم إلى الموت، وتصحيح أخطائهم المعرفية، وإجراء تغييرات سلوكية؛ وهي خطوات سيتم تناولها واحدةً تلو الأخرى في هذا الكتاب ضمن إطار «مهارات مواجهة الهلع من الموت».
في السنوات الأخيرة، قدّمت أبحاث السيدة إليزابيث كوبلر روس إسهامًا كبيرًا في الدراسات المتعلقة بعمليّة مواجهة الموت. ترى كوبلر روس أنّ الأشخاص عند سماعهم خبر موتهم المبكر يمرّون بخمس مراحل: الإنكار، الغضب، التوسّل، الاكتئاب، والقبول.
في هذه المرحلة، ينكر الفرد خبر موته المبكر رغم علمه به. وقد يقتصر هذا الإنكار على مجرّد قول «لا» وعدم تقبّل عدم قابليّة مرضه للعلاج، وقد يتّخذ أيضًا طابعًا معرفيًّا وعاطفيًّا أكثر رسوخًا.
(329)بعد تأكده من صحة خبر الموت، يُصاب الفرد بالغضب والانفعال. وقد يوجَّه هذا الغضب نحو الآخرين بل وحتى نحو الله. وإذا تحمّلنا غضبه، فإننا نكون قد ساعدناه مساعدة كبيرة على اتّخاذ خطوة مهمّة نحو القبول.
مرحلة أخرى تلي الإحساس بالموت هي مرحلة المساومة والتوسل، حيث يحاول المريض بكل وسيلة أن يطيل عمره. يسعى إلى إبرام صفقة مع الله أوالمساومة من أجل بقائه.
مرحلة أخرى يمرّ بها الفرد تتسم بانخفاض شديد في الأداء النفسي، مما يؤدي بدوره إلى تراجع أدائه الفردي والاجتماعي. في هذه المرحلة، يعاني الشخص من اليأس والاكتئاب، وقد يلجأ إلى البكاء والنحيب لتخفيف آلامه. ومن المحتمل أن يفقد المصاب رغبته في تناول الطعام، ويقلّ تواصله الاجتماعي، ويعاني من اضطرابات النوم، ويصبح أكثر تهيّجًا وحساسيّة، وتحاصره الأفكار غير المنطقيّة.
إذا استطاع الفرد تجاوز حالاته الاكتئابيّة، يكون قد بلغ
مرحلة قبول الوضع القائم، ومن ثمّ تعود حياته إلى مجراها الطبيعي ويصل إلى التكيف. أمّا إذا لم يستطع التغلب على هذه الحالة، فإنّ المظاهر الاكتئابيّة سترافقه لفترة أطول وسيتأخر في دخول مرحلة القبول.
إنّ الموت بالنسبة لغالبية الناس ذوطبيعة مجهولة، ولهذا السبب يفرّون منه ويخشونه. إنّ معرفة حقيقة الموت ستؤدي إلى أن لا يروا فيه شيئًا مكروهًا ولا يخافوا منه، بل سيجدونه محبوبًا. وقد قال الإمام الهادي عليهالسلام في هذا الشأن، إذ سُئل الإمام الجوادعليهالسلام: لماذا يكره المسلمون الموت؟ فقال:
«لأنّهُم جَهِلوهُ فكرِهوهُ ولَوعَرَفوهُ وكانوا مِن أولياءِ الله(عزّ وجلّ) لأحَبُّوهُ ولَعلِموا أنَّ الآخِرَةَ خَيرٌ لَهُم مِنَ الدُّنيا. ثُمّ قالَ عليهالسلام: يا أبا عبد ِاللّهِ! ما بالُ الصَّبيِّ والمَجنونِ يمتَنِعُ مِنَ الدَّواءِ المُنَقّي لبَدَنِهِ وَالنّافي للألَمِ عنهُ؟ قالَ: لِجَهلِهِم بنَفعِ الدَّواءِ. قالَ: والَّذي بَعَثَ محمّدًا بِالحَقِّ نَبيا إنَّ مَنِ استَعدَّ لِلمَوتِ حَقَّ الاِستِعدادِ فهُو أنفَعُ لَهُ مِن هذا الدَّواءِ لِهذَا المُتَعالِجِ. أما إنَّهُم لَوعَرَفوا ما يّؤَدّي إلَيهِ المَوتُ مِنَ النَّعيمِ لَاستَدعَوهُ وأحَبُّوهُ أشَدَّ ما يستَدعِي العاقِلُ الحازِمُ الدَّواءَ لِدَفعِ الآفاتِ وَاجتِلابِ السَّلاماتِ».
إنّ تغيير النظرة إلى الموت وتنظيم السلوك يمكن أن يجعل الموت الذي يبدو مفزعًا محبوبًا لدى الجميع؛ إذ إنّ الموت من هذا المنظور، كدواء نافع وشفّاء يطهّر جسد المريض، غير أنّ الإنسان، بسبب جهله، يفرّ منه كطفل صغير. إنّ الجهل بحقيقة الموت مسألة أُشير إليها مرارًا في النصوص الروائية، وقد تمّ توضيح علاقته بهلع الإنسان من الموت. فقد رأى الإمام الهادي عليهالسلام، عند عيادته لأحد أصحابه، أنّه يبكي ويتململ من الموت. فنسب خوفه هذا إلى جهله بحقيقة الموت، ولكي يسهّل لنا معرفة الموت، شبّهه بالحمام الذي يُطهّر الإنسان من ذنوبه. وقد قال له عليهالسلام:«يا عَبدَ اللَّهِ! تَخافُ مِنَ المَوتِ لِأَنَّك لاتَعرِفُهُ. أرَأَيتَك إذَا اتَّسَختَ وتَقَذَّرتَ وتَأَذَّيتَ مِن كثرَةِ القَذَرِ وَالوَسَخِ عَلَيك وأصابَك قُروحٌ وجَرَبٌ وعَلِمتَ أنَّ الغَسلَ في حَمّامٍ يّزيلُ ذلِك كلَّهُ، أما تُريدُ أن تَدخُلَهُ فَتَغسِلَ ذلِك عَنك أو ما تَكرَهُ أن لاتَدخُلَهُ فَيبقى ذلِك عَلَيك؟ قالَ: بَلى، يا ابنَ رَسولِ اللَّهِ. قالَ: فَذاك المَوتُ هُو ذلِك الحَمّامُ وهُو آخِرُ ما بَقِي عَلَيك مِن تَمحيصِ ذُنوبِك وتَنقِيتِك مِن سَيئاتِك، فَإِذا أنتَ وَرَدتَ عَلَيهِ وجاوَزتَهُ فَقَد نَجَوتَ مِن كلِّ غَمٍّ وهَمٍّ وأذًى ووَصَلتَ إلى كلِّ سُرورٍ وفَرَحٍ».
بفضل التغيير المعرفي الذي أحدثه الإمام عليهالسلام في ذلك الصحابي، هدأت روحه بعد أن كان في غاية الفزع، واستسلم للموت وأغمض عينيه وفارق الحياة.
الشخص المصاب بالهلع، على الأرجح، يحمل نظرة غير مناسبة إلى الموت، ويعاني من أخطاء معرفية متعدّدة مثل التضخيم الكارثي، والتوقّع السلبي غير المبرر، والاستدلال العاطفي. وفي مثل هذه الحالة، يقيم الفرد المواقف وكأنّها تعمل ضده. ومن هنا، فإنّ تغيير النظرة إلى الموت والتعرّف على الأخطاء المعرفية وتصحيحها يُعدّ خطوةً كبيرة نحو التغلب على الهلع. وسنشير فيما يلي إلى بعض مظاهر تغيير النظرة إلى الموت، وهي مظاهر تخرج بحقيقة الموت عن صورته المخيفة.
قد يبدو تصوّر أنّ الموت يبعث على السرور أمرًا غريبًا، غير أنّ الصورة التي عرضها أولياء الله عن الموت بوصفه انتقالًا من دار الشقاء والعناء إلى دار النعيم الأبدي، ليست فقط صورة محببة بل ومُفرِحة كذلك. فقد قال الإمام الحسن عليهالسلام في تفسيره للموت: أعظَمُ سُرورٍ يرِدُ عَلَى المُؤمِنينَ إذ نُقِلوا عَن دارِ النَّكدِ إلى نَعيمِ الأبَدِ وأعظَمُ ثُبورٍ يرِدُ علَى الكافِرينَ إذ نُقِلوا عَن جَنّتِهِم إلى نارٍ لا تَبيدُ ولا تَنفَدُ.
تصوير الموت كزهرة عطرة وأطيب رائحة هو نظرة متميزة إلى حقيقة الموت. إنّ تغيير الرؤية إلى الموت يمكن أن يقودنا إلى هذا الفهم. وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم:
المَوتُ رَيحانَةُ المُؤمنِ.
إنّ الموت للمرء المستقيم رائحةٌ مهدئةٌ مشفيةٌ مزيلةٌ للتوتر، بينما هو للمسيء مؤلمٌ وموجعٌ. وللإنسان الذي يحمل أملًا في حياته، فإنّ التفكير في الجانب الإيجابي للموت، واستحضار نتائجه الطيبة، والسعي للوصول إلى هذه المنزلة، هو طريق أكثر فاعلية للتغلّب على الهلع من الموت، بدلًا من أن يضع نفسه منذ الآن ضمن زمرة المسيئين، ويغلق أمامه طريق العودة بالتوقّعات السلبيّة والخاطئة؛ إذ بذلك يزيد من خوفه من الموت.
وقد قال الإمام الصادق عليهالسلام في بيان حقيقة الموت: «لِلمُؤمنِ كأطيبِ رِيحٍ يشُمُّهُ فَينعَسُ لِطيبِهِ وينقَطِعُ التَّعَبُ وَالألَمُ كلُّهُ عَنهُ ولِلكافِرِ كلَسعِ الأفاعيِ ولَدغِ العَقارِبِ وأشَدَّ».
إنّ الدنيا التي نعيش فيها محفوفةٌ بالألم والعناء؛ وهذه حال
حياتنا في هذا العالم، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في القرآن الكريم بقوله:
(لَقَد خَلَقنَا الإِنسانَ فِي كبَدٍ) (البلد: 4).
فالمشقّة والآلام تحيط بالإنسان من كل جانب وفي جميع شؤون حياته، ولا ينال نعمةً إلا ممزوجةً بما ينغص عليه عيشه. وهذا الوضع يستمر مع المؤمن حتى يحتضن الموت، حيث تكون نهاية حياته الدنيوية خلاصًا من الآلام والأوجاع. وقد ورد عن الإمام الكاظم عليهالسلام حينما زار رجلًا في سكرات الموت، أنّه قال: «المَوتُ هُو المَصْفاةُ يّصَفِّي المُؤمِنينَ مِن ذُنوبِهِم فَيكونُ آخِرُ ألَمٍ يّصيبُهُم كفّارَةَ آخِرِ وِزرٍ بَقِي عَلَيهِم ويّصَفِّي الكافِرينَ مِن حَسَناتِهِم فيكونُ آخِرَ لَذّةٍ أوراحَةٍ تَلحَقُهُم وهُو آخِرُ ثَوابِ حَسَنَةٍ تَكونُ لَهُم».
الموت تحوّلٌ وتغيير؛ تغييرٌ يكون لبعض الناس أسهل من خلع لباسٍ وسخٍ واستبداله بثوبٍ فاخرٍ طيب الرائحة، وللبعض الآخر، كمن يخلع ثوبًا فاخرًا ليرتدي لباسًا قذرًا خشنًا. وهذا التغيير ناتجٌ عمّا قدّمه الإنسان في دنياه. وقد ورد عن الإمام زين العابدين عليهالسلام، في جوابه عن سؤال: «ما الموت؟» أنّه قال: «لِلمُؤمِنِ كنَزعِ ثِيابٍ وَسِخَةٍ قَمِلَةٍ وفَك قُيودٍ وأغلالٍ ثَقيلَةٍ
وَالاِستِبدالِ بأفخَرِ الثِّيابِ وأطيبِها رَوائِحَ وأوطَأَ المَراكبِ وآنَسِ المَنازِلِ؛ ولِلكافِرِ كخَلعِ ثِيابٍ فاخِرَةٍ والنَّقلِ عَن مَنازِلَ أنيسَةٍ وَالاِستِبدالِ بأوسَخِ الثِّيابِ وأخشَنِها وأوحَشِ المَنازِلِ وأعظَمِ العَذابِ».
إنّ كثيرًا منّا لا يستطيعون تقبّل حقيقة الموت، وعند الإمكان ينكرون كلّ ما يذكّرهم به ويتجنّبونه، والأهم من ذلك أنّهم يسعون جاهدين إلى تأخير وقوعه. ويبدو أنّ تحنيط الأجساد عند بعض الأقوام كان تعبيرًا عن محاولة لتحقيق نوعٍ من «عدم الموت». وقد ذُكرت حتمية الموت ولزوميته مرارًا في القرآن الكريم، وأشارت إليه نصوص روائية كثيرة. وتركيز هذه التعاليم يتمثل في الدعوة إلى قبول الموت بصدقٍ وبكامل الوعي، والاستعداد لهذه المرحلة من الحياة وللمراحل التالية التي لا شكّ في وقوعها. وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «المَوتَ، المَوتَ! ألا ولا بُدَّ مِن المَوتِ، جاءَ المَوتُ بِما فيهِ، جاءَ بالرَّوحِ والرّاحَةِ والكرَّةِ المُبارَكةِ إلى جَنَّةٍ عالِيةٍ لأهلِ دارِ الخُلودِ، الّذينَ كانَ لَها سَعيّهُم وفيها رَغبَتُهُم. وجاءَ المَوتُ بما فيهِ بالشِّقوَةِ والنَّدامَةِ وبِالكرَّةِ الخاسِرَةِ إلى نارٍ حاميةٍ لأهلِ دارِ الغُرورِ؛ الّذينَ كانَ لَها سَعيّهُم وفيها رَغبَتُهُم».
وقال الإمام الصادق عليهالسلام في تفسيره لقوله تعالى: (قُلْ إنّ المَوتَ الّذي تَفِرّونَ مِنهُ فإنّهُ مُلاقِيكم)(الجمعة: 8): تَعُدُّ السِّنينَ، ثُمّ تَعُدُّ الشُّهورَ، ثُمّ تَعُدُّ الأيامَ، ثُمّ تَعُدُّ السّاعاتِ، ثُمّ تَعُدُّ النّفَسَ (فإذا جاءَ أجَلُهُمْ لا يَسْتَأخِرونَ ساعَةً ولا يَسْتَقدِمونَ)
والموت بهذه الخصائص يقترب منا كل يوم أكثر فأكثر، ولا خيار أمامنا سوى أن نعدّه واقعًا من حقائق حياتنا.
وقد أشار الإمام علي عليهالسلام إلى هذه الحقيقة بعبارةٍ بليغة حيث قال: «لَو أنَّ أحَدًا يجِدُ إلَى البَقاءِ سُلَّمًا، أو لِدَفعِ المَوتِ سَبيلًا، لَكانَ ذلِك سُلَيمانُ بنُ داوُدَعليهالسلام؛ الَّذي سُخِّرَ لَهُ مُلك الجِنِّ وَالإِنسِ مَعَ النُّبُوِّةِ وعَظيمِ الزُّلفَةِ، فَلَمَّا استَوفى طُعمَتَهُ وَاستَكمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتهُ قِسِيّ الفَناءِ بِنِبالِ المَوتِ وأصبَحَتِ الدِّيارُ مِنهُ خالِيةً والمَساكنُ مُعَطَّلَةً ووَرِثَها قَومٌ آخَرونَ».
إنّ من الوظائف الأساسية للدين هو «إحساس السيطرة». ومفهوم السيطرة أمرٌ ذهني، وعدم الشعور بالسيطرة قد يؤدي إلى الشك واليأس. غير أنّ بعض الأشخاص، بدلًا من أن يمتلكوا شعورًا حقيقيًّا بالسيطرة، يعيشون في «وهم السيطرة»،
فيظنّون أنّهم سيبقون أحياء إلى الأبد، وأنّهم متحكّمون في كل شيء، مهيمنون على الزمان والمكان.
ولهذا، فإن هؤلاء، رغم مشاهدتهم لفقدان أعزّ الناس إليهم وأقربهم، فإنّهم يستمرون في نهجهم السابق، وكأنّ الموت وحده هو الذي ينهي وهمهم في السيطرة والاستعلاء. وقد قال الإمام علي عليهالسلام في هذا الصدد:«ما رَأيتُ إيمانًا مَعَ يقينٍ أشبَهَ مِنهُ بشَك عَلى هذَا الإنسانِ؛ إنّهُ كلَّ يومٍ يوَدِّعُ إلَى القُبورِ ويشَيعُ وإلى غُرورِ الدُّنيا يرجِعُ وعَنِ الشَّهوَةِ والذُّنوبِ لا يقلِعُ، فلَو لَم يكن لِابنِ آدمَ المِسكينِ ذَنبٌ يتَوَكفُهُ ولا حِسابٌ يقِفُ عَلَيهِ إلّا مَوتٌ يّبَدِّدُ شَملَهُ ويّفَرِّقُ جَمعَهُ ويّوتِمُ وُلدَهُ، لَكانَ ينبَغي لَهُ أن يّحاذِرَ ما هُو فيهِ بِأشَدِّ النَّصَبِ وَالتّعَبِ».
إنّنا نعدّ الموت أعظم خطر يهدّد شعورنا بالسيطرة؛ فالموت هو العدو النهائي لهذا الإحساس أو بتعبير آخر، لوهم السيطرة. إنّ الحقيقة التي تؤكد أنّنا لم نُخلق للدنيا بل للآخرة، وأنّ الدنيا مجرّد ممرّ لا مقرّ، وأنّها للسفر لا للبقاء، وللموت لا للحياة، كلّها تدعونا إلى أن نتخلّى عن أوهام السيطرة والهيمنة على أحوال الزمان، وندرك حقيقة الموت كما هي. وقد قال الإمام علي عليهالسلام، في وصيّته لابنه الإمام الحسن عليهالسلام: «اعلَمْ يا بُنَي! أنَّك إنّما خُلِقتَ لِلآخِرَةِ لا لِلدُّنيا ولِلفَناءِ لا لِلبَقاءِ ولِلمَوتِ لا
لِلحَياةِ وأنَّك في قُلعَةٍ ودارِ بُلغَةٍ وطَريقٍ إلَى الآخِرَةِ وأنّك طَريدُ المَوتِ الّذي لاينجومِنهُ هارِبُهُ ولا يفوتُهُ طالِبُهُ ولا بُدَّ أنّهُ مُدرِكهُ، فكن مِنهُ عَلى حَذَرٍ أن يّدرِكك وأنتَ عَلى حالٍ سَيئةٍ، قَد كنتَ تُحَدِّثُ نَفسَك مِنها بِالتَّوبَةِ فَيحولُ بَينَك وبَينَ ذلِك، فإذا أنتَ قَد أهلَكتَ نَفسَك».
إنّ فائدة الشعور بالسيطرة ليست خفيةً، إذ من خلاله يستطيع الفرد تحسين أدائه الشخصي والاجتماعي، وحتى الإيحاء بوجود هذا الشعور يساعد الناس. لكن يبدو أنّ الأوهام البعيدة عن الواقع، التي تخلق وهم السيطرة والتحكم، قد تبتعد بالإنسان عن الواقعية وتُضعف حياته العقلانيّة.
إنّ فكرة الفناء المطلق تُعدّ مروّعةً لغالبية البشر؛ ولهذا السبب، هناك حاجة ملحّة في جميع المجالات لأن نقنع أنفسنا بأنّ الحياة لا تنتهي أبدًا. وقد تحدّث ليفتون عن الحاجة العامة لدى البشر إلى التواصل المستمر مع الحياة وتجاوز الموت، مستخدمًا تعبير «الخلود الرمزي»، وطرح خمس طرق لتحقيق هذا الهدف: الخلود البيولوجي، الخلود الديني، الخلود الإبداعي، الخلود في الطبيعة، والخلود العرفاني. وقد توصّل
جوكمن وفانتازيا إلى أنّ الشكل الديني للخلود هو الأقوى لدى الأفراد المؤمنين.
إنّ الإيمان بالحياة بعد الموت يمكن أن يلبّي حاجة الإنسان إلى الخلود بصورة رمزية، ويكون الموت حينئذٍ بمثابة معبرٍ نحو الحياة الأُخرى، فلا يكون فناءً أو عدمًا، بل يصبح نوعًا من التغيير والتحوّل. وقد قال الإمام الحسين عليهالسلام لأصحابه في شأن الموت: «فَمَا المَوتُ إلّا قَنطَرَةٌ تَعبُرُ بِكم عَنِ البُؤسِ وَالضَّرّاءِ إلَى الجِنانِ الواسِعَةِ وَالنَّعيمِ الدّائِمَةِ، فَأَيكم يكرَهُ أن ينتَقِلَ مِن سِجنٍ إلى قَصرٍ؟ وما هُو لِأَعدائِكم إلّا كمَن ينتَقِلُ مِن قَصرٍ إلى سِجنٍ وعَذابٍ. إنَّ أبي حَدَّثَني عَن رَسولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم: أنَّ الدُّنيا سِجنُ المُؤمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ والمَوتُ جِسرُ هؤُلاءِ إلى جَنّاتِهِم وجِسرُ هؤُلاءِ إلى جَحيمِهِم، ما كذَبتُ ولا كذِبتُ».
كيف ينبغي أن نواجه الهجوم الفكري والهموم الذهنيّة بشأن الموت: بالفرار أم بالمواجهة؟ هذه المسألة تواجه كثيرين؛ فالهروب من فكرة الموت أو الغرق فيها حتى حدود الوسواس المزمن لا يزيد الأمر إلا صعوبة، ولن يحلّ المشكلة. أمّا مواجهة ما نخافه بدقة، والتفكير في الموت، وإبقاء ذكره حيًا، فإنّه يجعل حقيقة الموت أكثر وضوحًا ويخفّف من الهواجس
الذهنية، ويؤدي إلى تنظيم السلوك. وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم:
«أفضَلُ الزُّهدِ فِي الدُّنيا ذِكرُ المَوتِ وأفضَلُ العِبادَةِ ذِكرُ المَوتِ وأفضَلُ التَّفكرِ ذِكرُ المَوتِ، فمَن أثقَلَهُ ذِكرُ المَوتِ وَجَدَ قَبرَهُ رَوضَةً مِن رِياضِ الجَنّةِ».
إنّ تذكر الموت يجعلنا أكثر واقعية من ذي قبل، ويزيل الخوف الزائف المرتبط به. وقد قال الإمام الصادق عليهالسلام:
«ذِكرُ المَوتِ يّميتُ الشَّهَواتِ فِي النَّفسِ ويقلَعُ مَنابِتَ الغَفلَةِ ويّقَوِّي القَلبَ بِمَواعِدِ اللّهِ ويّرِقُّ الطَّبعَ ويكسِرُ أعلامَ الهَوى ويّطفِئُ نارَ الحِرصِ ويّحَقِّرُ الدُّنيا».
من الوظائف الأساسية للعقائد الدينيّة تقليل خوف الأفراد من الموت. فكلّما زاد الالتزام الديني، قلّ قلق الموت. وقد تبين أنّ الاعتقاد بالحياة بعد الموت يرتبط سلبًا بتوتر الموت أكثر مما يرتبط به مجرد التدين. ويؤكد بعض الباحثين أن الإيمان بالحياة بعد الموت يشكل محور المقاومة ضد الحزن على الموت والاكتئاب الناتج عنه[5]. وفي دراسة شملت قرابة 1200 مسلم
إيراني، تبيّن أن قلق الموت والاكتئاب كان أعلى بين ضحايا الحرب والمهجرين الأقل تدينًا، مما يشير إلى أنّ الدين كان يعمل كوسادة صدماتٍ عبر تعزيز الإيمان بالحياة بعد الموت. ويواجه الإنسان، ولا سيّما في مراحل التقدم في السن، تساؤلًا أساسيًّا: ما هو معنى الحياة أساسًا؟ وهذه من أبرز أهداف الدين؛ إذ يمنح الموت معنًى ويضفي تفسيرًا على المجهول. فنحن بالكاد نتحمل الغموض، ولدينا أسئلة والدين يزوّدنا بالإجابات. ويبدو أن الإيمان يحمي كبار السن من هواجس الموت المبكر، ليس فقط عبر ضمان حياة ما بعد الموت، بل أيضًا عبر إضفاء القيمة والاحترام لشخص الإنسان في هذه الدنيا. ويعتقد كونك أن الدين يعمل كوسادة صدمات ضدّ قلق الموت، لأنّه يمنح الفرد الأمل بأنّ الموت ليس نهاية الحياة.
يعتقد بعض الباحثين أن الأفراد مع تقدمهم في العمر يبدأون تدريجيًا بالاستعداد للموت. وبحسب هذه الرؤية المعروفة باسم «نظرية الانفصال»، فإنّ الأشخاص مع الشيخوخة يبتعدون تدريجيًا عن التعلقات الدنيوية، فيتجهون نحو الموت. وعادةً ما ترتبط هذه الظاهرة بمشكلات صحية. غير أنّ انتشار المراكز التي تقدم برامج رياضية ودورات تقوية الفكر والذاكرة ساهم بشكل متزايد في الحد من انسحاب كبار السن.
بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يشارك المسنون في الأنشطة الدينيّة. ويتّضح الأثر الإيجابي لهذا السلوك: فالمسنّون المتدينون يُظهرون قلقًا أقل تجاه الموت.
إنّ تعويض المشاغل الدينيّة محل المسؤوليات الاجتماعيّة المفقودة يعدّ من الأمور التي تثبت فعالية الفرد وكفاءته. وقد قال الإمام علي عليهالسلام: «بَقِيةُ عُمرِ المُؤمِنِ لا قيمَةَ لَها؛ يّدرِك بِها ما قَد فاتَ ويّحيي ما ماتَ».
وقد اعتبرعليهالسلام أن بقايا عمر المؤمن هي أغلى من الكبريت الأحمر: «لَيسَ شَيءٌ أعَزَّ مِنَ الكبريتِ الأحمَرِ إلّا ما بَقِي مِن عُمرِ المُؤمِنِ».
في أسلوب الغمر، بدلًا من تعويد الفرد تدريجيًا على الموقف المخيف، يُعرَّض مباشرةً وبشكل مفاجئ للموقف المرعب. وقد أرشدنا الإمام علي عليهالسلام إلى هذا الأسلوب لمواجهة المخاوف غير المبررة، إذ إنّ الهروب منها يزيد من تعقيد المشكلات. قال عليهالسلام: «إذا هِبْتَ أمْرًا فقَعْ فيهِ، فإنّ شِدَّةَ تَوقّيهِ أعْظَمُ مِمّا تَخافُ مِنهُ».
إنّ مواجهة المواقف المرعبة تؤدي إلى تعويد النفس عليها. وفيما يتعلق بالخوف من الموت، يمكن استخدام طريقة «الغمر التخييلي»، حيث يقوم المعالج أو شخص يؤدي دوره بتصوير الموقف المخيف ويطلب من الفرد وصفه بدقّة كما لو كان يحدث في الواقع. إنّ مواجهة المنبه المخيف ضمن بيئة آمنة تؤدي إلى تكييف الفرد مع مواجهة الخوف من دون هلعٍ أو قلق مفرط.
وسواء تم تخفيف حساسية الموقف القلق عبر التدرج المنظم أو الغمر المباشر، فإنّ النتيجة واحدة: التغلب على المشكلة، إذ تؤدي المواجهة إلى تقليل الأفكار والسلوكيّات الهلعية. وقد قال الإمام علي عليهالسلام:
«إذا خِفتَ صُعوبَةَ أمرٍ فَاصعُب لَهُ، يذِلَّ لَك وخادِعِ الزَّمانَ عَن أحداثِهِ تَهُن عَلَيك».
من الأساليب المستخدمة في علاج مشكلات الهلع أسلوب «الاقتداء». في هذا الأسلوب، يواجه المعالج أو شخص آخر لا يعاني من مشكلة الهلع ويتمتع بسلوك طبيعي المواقف المثيرة للخوف أمام الشخص المصاب، ليُظهر له أن خوفه لا معنى له وغير متناسب. ويُتوقع أن يتمكن الأفراد بعد تكرار مشاهدة هذا النموذج السلوكي الطبيعي عدة مرات من التغلب تدريجيًّا على
خوفهم. وقد يتم الاقتداء بشكل مباشر كما ذكر، وقد يتمّ أحيانًا بشكل غير مباشر، حيث يدرس المصاب سير حياة الأشخاص الأسوياء وردود أفعالهم تجاه المواقف التي يخشاها، فيستبدل سلوكه الهلعي بسلوك طبيعي.
في هذا السياق، يمكن الاقتداء بأولياء الدين عليهمالسلام في مواجهتهم لموضوع الموت، وفهمهم لطبيعته، وتفسيرهم له، وطريقتهم في التعامل مع فقد الأحبة. فعلى سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى كلام الإمام الحسين عليهالسلام عن الموت، حيث شبّهه بتشبيه جميل وأكد حتميّته، واستقبله بنفس مطمئنة. قال عليهالسلام: «خُطَّ المَوتُ عَلى وُلدِ آدَمَ مَخَطَّ القِلادَةِ عَلى جيدِ الفَتاةِ وما أولَهَني إلى أسلافِي؛ اشتِياقَ يعقوبَ إلى يوسُفَ».
إنّ سلوك المعصومينb تجاه الموت يشكل نموذجًا مناسبًا للواقعيّة وللتغلّب على سلوكيّات الهلع.
أسلوب آخر للتغلّب على الهلع هو مواجهة الموقف المخيف. وفيما يتعلق بهلع الموت، على الرغم من استحالة المواجهة الواقعيّة، إلا أنّه يمكن القيام بمواجهات مرتبطة بالموضوع مثل حضور مراسم التشييع والدفن، أو من خلال التصوير الذهني. بعد ذلك، يتم تحليل الانطباعات والتفسيرات الناتجة عن هذه المواجهات واكتشاف التحريفات المعرفية الكامنة فيها.
إنّ المشاركة في مراسم الدفن تقرّبنا أكثر إلى الواقع، وهو من النتائج الإيجابيّة لهذه الطقوس. وقد أوصى الإمام الصادق عليهالسلام أصحاب المصيبة بإخبار الآخرين بوفاة الميت: «ينبَغي لأولياءِ المَيتِ أن يؤْذِنوا إخوانَ المَيتِ بمَوتهِ، فيشهَدونَ جَنازَتَهُ ويّصَلُّونَ علَيهِ، فَيكسِبُ لَهُمُ الأجرَ ويكسِبُ لِمَيتهِ الاِستِغفارَ».
إنّ المشاركة في هذه المراسم، إضافة إلى إحيائها لذكرى الميعاد ونيل الثواب، تسهم في زيادة الوعي بالواقع.
والإنسان، بدلًا من الخوف من الموت بحد ذاته، ينبغي له أن يخاف من أفعاله وما قدّمه من عمل، وأن يعيد تقييمها بعناية ويسعى إلى إصلاحها.
يعدّ تعليم الاسترخاء الجسدي من التقنيات السلوكيّة المستخدمة في علاج الهلع. في هذا الأسلوب، يتعلم الفرد كيف يشد عضلاته ثم يرخّيها بشكل متناوب، مما يساعده على السيطرة على الأعراض الجسدية المصاحبة للهلع. ويمكن أن يقترن الاسترخاء الجسدي بتنظيم التنفس لاستهداف التركيز الذهني أيضًا.
وتوجد أساليب متعددة في مجال الاسترخاء الجسدي، مما يتطلب الرجوع إلى المراجع المتخصصة.
إنّ الدعاءَ مخّ العبادة، ولا يرتبط بظرف أو مكانٍ خاصّ، كما أنّه نافعٌ لكلّ حاجةٍ، حتّى أبسطها. والدعاء هو الشكل الأكثر شيوعًا وشعبيّةً من أشكال التدين العملي، ولعلّ سرّ هذه الشعبيّة الواسعة أنّه يؤمّن علاقةً مباشرةً لا وسيط فيها، وهو أحبّ الأعمال إلى الله. وفوق ذلك، يُعين الأفراد على تجاوز مشكلاتهم. والدعاء أمرٌ يسيرُ الوقوع، وله فوائد نفسيّة جمّة.
ومن منظور التعاليم الدينيّة، ليس الدعاءُ مجرّدَ ساحة للطلب، بل هو أيضًا ميدانٌ للمعرفة، وفي هذا الصراع، يتشكّل تواصلٌ تبادلي، لا حوارٌ أحاديّ الاتّجاه. تُعدّ الأنشطة الدينيّة، ولا سيّما الدعاء، أدوات تكيّف إيجابيّة غالبًا، تُستخدم لحلّ
المشكلات وتسهيل النمو الشخصيّ. غير أنّ بعض علماء النفس يرون الطقوس الدينيّة، بما فيها الدعاء، وسائلَ لضبط الانفعالات. بينما يعتبرها آخرون آليّة فعّالةً لمواجهة الأزمات، حيث قد يكون الدعاء الوسيلة العمليّة الوحيدة للتعامل مع كثير من المصائب، مثل فقدان أحد الأحبّة.
البداية بالترجمة وفق الضوابط التي حدّدتَها:
قسّم علماء النفس الدينيّ الدعاء إلى أربع إلى تسع أنواع. وأبرز هذه الأنواع هي: الدعاء الحاجيّ، الدعاء الطقوسيّ، الدعاء التأمّليّ، الدعاء الاعترافيّ، الدعاء الشفاعيّ، الدعاء الشاكر، دعاء إصلاح النفس، والدعاء العاديّ.
يمارس الناس انتقائيّةً في أدعيتهم، وقد يستخدمون أنواعًا
(348)مختلفةً حسب المواقف. فعلى سبيل المثال، قد يركّز المرضى الذين بقوا على قيد الحياة أكثر من خمس سنوات بعد التشخيص الأوّلي بالسرطان، على الدعاء الشاكر. وتُستَخدم الأدعية الحاجيّة -التي تعدّ أقدم أنواع الدعاء وأكثرها شيوعًا- لمواجهة الإحباط والمخاطر، في حين يبدو أن الأدعية التأمّليّة (محاولة للتواصل العميق مع الله) تُسهم في تعزيز الانسجام الداخلي لـ«الذات».
ويُظهر أن الأدعية التأمّليّة -التي تركّز على التواصل مع الله- تساهم في تقليل الغضب، والتخفيف من القلق، وزيادة الشعور بالراحة. كما ثبت أنّ الأدعية التأمّليّة تُساعد على العلاج النفسي من خلال تقليل المعاناة وبعض الشكاوى. وعلى العكس من ذلك، يرى بعض الباحثين أن الأدعية الآلية والطقوسيّة قد تكون مرتبطة سلبيًّا بالرفاه النفسيّ.
يناجي العابدون ربّهم بدافع الحاجة، وقد تكون هذه الحاجة روحيّةً، نفسيّةً، أو ناتجةً عن مشكلات شخصيّة. ويعمّق الداعون علاقتهم بالله تعالى من خلال حوارٍ قد يكون أحاديّ الاتّجاه أو تبادليًّا.
وتكمن نتيجة الدعاء في كلّ وقت (ليلًا أو نهارًا)، وفي أيّ مكان (البيت، المسجد، أو غيرهما)، وبأيّ أسلوب (فرديًّا أو جماعيًّا، بصوتٍ خافت أو مرتفع)، وهي تحقيق الطمأنينة وزوال الألم.
ينبغي للداعي قبل الشروع في الدعاء أن يقوم بأعمالٍ، منها: الوضوء، التوجّه إلى القبلة، وأداء ركعتين من الصلاة، وهو ما سنبيّنه فيما يلي.
يُستحسن أن يتوضّأ الداعي قبل الشروع بالدعاء، ويُهيّئ نفسه للمناجاة، ثمّ يطلب حاجته من الله تعالى. وقد قال الإمام الحسن عليهالسلام في ذلك: «يا بنَ آدَمَ! مَن مِثلُك وقَد خَلّى رَبُّك بَينَهُ وبَينَك، مَتى شِئتَ أن تَدخُلَ إلَيهِ تَوَضَّأتَ وقُمتَ بَينَ يدَيهِ ولَم يجعَل بَينَك وبَينَهُ حِجابًا ولا بَوّابًا، تَشكوإلَيهِ هُمومَك وفاقَتَك وتَطلُبُ مِنهُ حَوائِجَك وتَستَعينُهُ عَلى اُمورِك».
وينبغي للإنسان بعد الوضوء أن يتوجّه إلى ربّه ويبدأ بالدعاء وهو مستقبل القبلة، كما تظهر هذه السيرة في فعل النبيّ الأكرمn؛ حيث جاء في الحديث: «إنَّ النَّبِي صلىاللهعليهوآلهوسلم كانَ إذا جاءَ
مَكانًا في دارِ يعلَى استَقبَلَ القِبلَةَ ودَعا».
ثمّ أخيرًا، يُستحبّ أن يصلّي الداعي ركعتين قبل الدعاء، ثمّ يسأل الله حاجته. قال الإمام الصادق عليهالسلام: «إذا كانَت لَك حاجَةٌ فَتَوَضَّأ وصَلِّ رَكعَتَينِ، ثُمَّ احمَدِ اللّهَ وأثنِ عَلَيهِ واذكر مِن آلائِهِ، ثُمَّ ادعُ تُجَب».
عند الشروع في الدعاء، يُستحبّ القيام بأمورٍ عدّة أكّدت عليها التعاليم الدينيّة، منها: ذكر اسم الله تعالى، وحمده وثناؤه، والاعتراف بالذنوب، والصلاة على النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، والتوسّل بالمعصومين عليهمالسلام، وسنشير إليها في هذا الموضع.
في بداية الدعاء، أنسب عملٍ هو «ذكر اسم الله تعالى»، ومثل هذا الدعاء لا يُردّ. قال النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم:
«لا يّرَدُّ دُعاءٌ أوَّلُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
وبعد أن يجري اسم الله على لسان الداعي في مطلع دعائه،
فإنّ «حمد الله وثناءه» يُرسّخ تحقيق المطلوب؛ وإلّا فإنّ الدعاء يظلّ ناقصًا. وقد قال النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إنَّ كلَّ دُعاءٍ لا يكونُ قَبلَهُ تَمجيدٌ فَهُو أبتَرُ، إنَّمَا التَّمجيدُ ثُمَّ الدُّعاءُ.» فقُلتُ: ما أدنى ما يّجزِئُ مِنَ التَّمجيدِ؟ قالَ صلىاللهعليهوآلهوسلم: «قُل: اللّهُمَّ أنتَ الأَوَّلُ فَلَيسَ قَبلَك شَيءٌ، وأنتَ الآخِرُ فَلَيسَ بَعدَك شَيءٌ، وأنتَ الظّاهِرُ فَلَيسَ فَوقَك شَيءٌ، وأنتَ الباطِنُ فَلَيسَ دونَك شَيءٌ، وأنتَ العَزيزُ الحَكيمُ».
وبعد الحمد والثناء على الله تعالى، يأتي «الاعتراف بالذنب» في حضرة الحقّ كخطوةٍ أخرى قبل طلب المسألة والدعاء. فقد قال الإمام الصادق عليهالسلام: «إنَّما هِي المِدحَةُ، ثُمَّ الثَّناءُ، ثُمَّ الإِقرارُ بِالذَّنبِ، ثُمَّ المَسأَلَةُ؛ إنَّهُ وَاللّهِ ما خَرَجَ عَبدٌ مِن ذَنبٍ إلّا بِالإِقرارِ».
ومن الآداب الرفيعة أيضًا «الصلاة على النبيّ محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته الطاهرين». قال الإمام الصادق عليهالسلام: «لا يزالُ الدُّعاءُ
مَحجوبًا حَتّى يّصَلّىَ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ».
وأخيرًا، تأتي «التوسّل بالنبيّ وأهل بيته صلوات الله عليهم» كخطوةٍ نهائيّة عند بدء الدعاء. وقد نقل داود الرقي عن الإمام الصادق عليهالسلام قوله: «إنّي كنتُ أسمَعُ أبا عَبدِ اللّهِ عليهالسلام أكثَرَ ما يلِحُّ بِهِ فِي الدُّعاءِ عَلَى اللّهِ بِحَقِّ الخَمسَةِ، يعني رَسولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم وأميرَ المُؤمِنينَ وفاطِمَةَ والحَسَنَ والحُسَينَ صَلَواتُ اللّهِ عَلَيهِم».
يمكن استخلاص الإجابة عن سؤال: «كيف ينبغي أن يكون حال الداعي أثناء الدعاء كي ينال أفضل الحالات الروحيّة؟» من مجموعة من التعاليم الدينيّة. ومن جملة هذه الحالات والآداب: التذلّل والخضوع بين يدي الحقّ تعالى، إظهار حالة البكاء والإنابة، الدعاء في الخفاء وبصوت منخفض، رفع اليدين أثناء الدعاء، الدعاء للآخرين، الإكثار من الطلب من الله تعالى، الإصرار والمداومة في الدعاء، والسجود أثناء الدعاء.
إنّ «التذلّل والخضوع» أمام حضرة الحقّ من جملة الآداب الواجبة الاتباع أثناء الدعاء. يروي محمّد بن مسلم، من أصحاب الإمام الباقرعليهالسلام، قائلًا: سألتُه عن قول الله(عزّ وجلّ): (فَمَا اسْتَكانُواْ لِرَبِّهِمْ ومَا يتَضَرَّعُونَ) (المؤمنون: 76).
فقال عليهالسلام في تفسير الآية: «الاِستِكانَةُ هِي الخُضوعُ والتَّضَرُّعُ رَفعُ اليدَينِ والتَّضَرُّعُ بِهِما».
ومن الآداب الأخرى للدعاء «حالة البكاء والإنابة». ففي هذه الحالة يشعر الإنسان برقّة قلبه ويجد نفسه وجدانيًّا أقرب إلى معبوده. قال الإمام الصادق عليهالسلام: «إذَا اقشَعَرَّ جِلدُك ودَمَعَت عَيناك، فَدونَك دونَك، فَقَد قُصِدَ قَصدُك».
فكلّما اقشعرّ جلدك ودمعت عيناك، فاغتنم ذلك الوقت، فإنّه وقت استجابة.
وحين نريد أن نبدأ بالدعاء، يطرح سؤال: «بأيّ طريقة يكون الدعاء أقرب إلى القبول: سرًّا أم علنًا؟» وقد أجاب الله تعالى عن هذا السؤال في سورة الأعراف، معدّدًا «الدعاء سرًّا» ضمن آداب الدعاء: (ادْعُواْ رَبَّكمْ تَضَرُّعًا وخُفْيةً إِنَّهُ لاَ يحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعراف: 55).
وقد قسّم لقمان عليهالسلام الأعمال العبادية إلى ثلاث فئات، وبيّن أن لكلّ عبادة زمانًا ومكانًا مناسبين. وروي عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّ لقمان عليهالسلام قال لابنه: «عَلَيك بِقِراءَةِ كتابِ الله(عزّ وجلّ) ما دُمتَ راكبًا وعَلَيك بِالتَّسبيحِ ما دُمتَ عامِلًا وعَلَيك بِالدُّعاءِ ما دُمتَ خالِيا».
ومن الآداب الأخرى أثناء الدعاء: «الدعاء بصوت منخفض». فقد أوصى الله تعالى في القرآن الكريم نبيّه الأكرمn بهذه الطريقة في الدعاء، فقال: (وَاذْكر رَّبَّك فِى نَفْسِك تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُووالاْصَالِ ولاَ تَكن مِّنَ الْغَفِلِينَ) (الأعراف: 205).
كما يُعدّ «رفع اليدين» أثناء الدعاء من الآداب الأخرى التي ثبتت بسيرة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم. فقد ورد عن الإمام الحسين عليهالسلام أنّ رفع اليدين كما يمدّ السائل يديه للغذاء، كان من سيرة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم
الإشارة إلى هذه الآداب بناءً على النصوص الروائية.
يُعدّ «قول آمين» من آداب ختم الدعاء، إذ به تُستجاب أدعية الداعين. وقد اعتبر النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم تأمين هارون والملائكة سببًا لاستجابة دعاء موسى عليهالسلام، حيث قال: «دَعا موسى وأمَّنَ هارونُ؟عهما؟ وأمَّنَتِ المَلائِكةُ، فَقالَ اللّهُ تَبارَك وتَعالى: (قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكمَا فَاسْتَقِيمَا) (يونس: 89)».
بالإضافة إلى قول آمين، فقد أُوصي بذكر «ما شاء الله، لا حول ولا قوّة إلّا بالله» بعد الدعاء، وقد ضمن الله تعالى قضاء حاجة الداعي عند ذلك. قال الإمام الصادق عليهالسلام: إذا دَعَا الرَّجُلُ فَقالَ بَعدَما دَعا: ما شاءَ اللّهُ، لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلاّ بِاللّهِ، قالَ اللّهُ(عزّ وجلّ): اِستَبسَلَ عَبدي واستَسلَمَ لِأَمرِي، اقضوا حاجَتَهُ.
أما «مسح اليدين على الوجه» فهو المرحلة الأخيرة من آداب إنهاء الدعاء. قال الإمام الصادق عليهالسلام: «ما أبرَزَ عَبدٌ يدَهُ إلَى اللّهِ العَزيزِ الجَبّارِ، إلَّا استَحيا اللّهُ(عزّ وجلّ) أن يرُدَّها صِفرًا حَتّى
يجعَلَ فيها مِن فَضلِ رَحمَتِهِ ما يشاءُ، فَإِذا دَعا أحَدُكم فَلا يرُدَّ يدَهُ حَتّى يمسَحَ عَلى وجهِهِ ورَأسِهِ.
بكامل الدقة والالتزام بالتعليمات الأكاديميّة التي وضعتها، إليك الترجمة الكاملة لهذه الفقرة، متناسقة مع
عندما يُؤدّى الدعاء بآدابه وشروطه ويقترب من موضع الإجابة، فإنّ أنسب ما ينبغي للإنسان أن يقوم به هو شكر الله تعالى وحمده، تقديرًا لاستجابته لدعائه. وقد جسّد إبراهيم عليهالسلام هذا المعنى عندما قال بعد أن استجاب الله دعاءه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِى عَلَى الْكبَرِ إِسْمَاعِيلَ وإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ)(إبراهيم: 39).
وقد حثّنا النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم على هذا العمل، وشجّعنا عليه بقوله: «إذا سَأَلَ أحَدُكم رَبَّهُ مَسأَلَةً فَتَعَرَّفَ الاِستِجابَةَ، فَليقُل: الحَمدُ لِلّهِ الَّذي بِعِزَّتِهِ وجَلالِهِ تَتِمُّ الصّالِحاتُ ومَن أبطَأَ عَنهُ مِن ذلِك شَيءٌ فَليقُل: الحَمدُ لِلّهِ عَلى كلِّ حالٍ».
1. القرآن الكریم.
2. الاحتجاج، أبو منصور أحمد بن على الطبرسي، قم: اُسوة، 1413ق.
3. احساس وادراك، محمود ایرواني ومحمدكریم خداپناهي، طهران: سمت، 1371.
4. إحیاء علوم الدین، محمّد بن محمّد الغزالي، بیروت: دار الهادي، 1412ق.
5. الاختصاص، محمّد بن نعمان البغدادي (الشیخ المفید)، بیروت: دار المفید، 1414ق.
6. اخلاق پژوهشي حدیثي، عباس پسندیده، طهران: سمت، 1388.
7. اخلاق در قرآن، محمد تقي مصباح یزدي، تحقیق ونگارش محمدحسین اسكندري، قم: مؤسّسة آموزشي وپژوهشي امام خمیني، 1376.
8. الاخوان، أبو بكر عبد الله بن محمد ابن أبي الدنیا، القاهرة: دار الاعتصام، 1398ق.
9. ارتباط بین ناكارآمدي شناختي وقابلیتهای مدارا در بیماران مبتلا به اسكیزوفرنیا، ماندانا صادقي، تازههای علوم شناختي، زمستان1382، شمارۀ20.
10. إرشاد القلوب، أبو محمّد حسن بن أبي الحسن الدیلمي، بيروت: مؤسسة الأعلمي، 1398ق.
11. الإرشاد في معرفة حجج اللَّه علی العباد، محمّد بن نعمان البغدادي (الشیخ المفید)، قم، مؤسسة آل البیتb، 1413ق.
12. از حال بد به حال خوب، دیوید برنز، الترجمة إلى اللغة الفارسية: مهدي قراچه داغي، طهران: آسیم، 1386.
13. اساس البلاغة، محمود بن عمر الزمخشري، القاهرة: احیاء معاجم العربیة، 1372ق.
14. اساس روانشناختي تفاوت زن ومرد، مسعود جانبزرگي، (منتشر نشده)، قم: دفتر مطالعات وتحقیقات زنان، 1387.
15. اُسد الغابة، علي بن محمّد الجزري ابن اثیر، بیروت: دار المعرفة، 1418ق.
16. اسلام وجامعهشناسي خانواده، حسین بستان، قم: پژوهشگاه حوزة ودانشگاه، 1383.
17. الأسماء والصفات، أحمد بن حسين بن عليّ البيهقي، جدّة: مكتبة السوادي، 1413ق.
18. الاصابة، ابن حجر العسقلاني، بيروت: دارالكتب العلمية، 1415ق.
19. اصول مدیریّت، علی رضائیان، طهران: دانشگاه تهران، 1371.
20. اصول ومبانی بهداشت رواني، مصطفی حمدیة وشهریار شهیدي، طهران: سمت، 1381.
21. اعلام الدین، حسن بن محمد الدیلمي، قم: آل البیت?عهم?، 1408ق.
22. إقبال الأعمال، السيّد على بن موسى الموسوي (السید ابن طاوس)، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1367ق.
23. الگوی اسلامي شادكامي با رویكرد روانشناسي مثبتگرا، عباس پسندیده، قم، دار الحدیث، 1392.
24. الگوی ساختار قدرت در خانواده براساس منابع اسلامي ومقایسه آن با الگوی ساختنگر در روانشناسي، جواد تركاشوند، پایاننامه كارشناسي ارشد، قم: موسسة آموزشي وپژوهشي امام خمیني، 1393.
25. الأمالي، محمّد بن حسن الطوسي قم: دار الثقافة، 1414ق.
26. الأمالي، محمّد بن علي بن بابویه القمّي قم: مؤسّسة البعثة، 1417ق.
27. الأمالي، محمّد بن نعمان البغدادي (الشیخ المفید)، قم: مؤسسة نشر اسلامي، 1404ق.
28. انگیزش وشخصیت، آبراهام مزلو، الترجمة إلى اللغة الفارسية: احمد رضواني، مشهد: آستان قدس رضوي، 1367.
29. انگیزش وهیجان، جان مارشال ریو، الترجمة إلى اللغة الفارسية: یحیی سیّدمحمّدي، طهران: ویرایش، 1376.
30. انگیزش وهیجان، رابرت فرانكن، الترجمة إلى اللغة الفارسية: حسن شمس اسفندآباد والآخرون، طهران: نشرنی، 1384.
31. انگیزش وهیجان، محمّدكریم خداپناهي، طهران: سمت، 1379.
32. اولین دانشگاه وآخرین پیامبر، رضا پاكنژاد، طهران، اخلاق، 1394.
33. اهداف تعلیم وتربیت از دیدگاه اسلام، درآمدي بر تعلیم وتربیت اسلامي، علیرضا اعرافي والآخرون، طهران، سمت، 1376.
34. أهل البیت في الكتاب والسنّة، محمد محمدي الري شهري، قم: دار الحدیث، 1375.
35. این نقشها واقعي است، سید مهدي خطیب، قم: مؤسسة آموزشي وپژوهشي امام خمیني، 1390.
36. آسیبشناسی رواني، ریچارد پی. هالجین وسوزان كراس ویتبورن، الترجمة إلى اللغة الفارسية: یحیی سیّد محمّدي، طهران: روان، 1391.
37. آموزش اخلاق، رفتار اجتماعي وقانونپذیري به كودكان، مسعود جانبزرگي والآخرون، طهران: ارجمند، 1387.
38. بحار الأنوار، محمّد باقر المجلسي، طهران: مكتبة الإسلامیة، 1388ق.
39. بررسي اثربخشي رواندرماني كوتاهمدت آموزش خودمهارگري با وبدون جهتگیري مذهبي بر مهار اضطراب وتنیدگي، مسعود جانبزرگي، طهران: دانشگاه تربیت مدرس، 1378.
40. بررسي مبانی عقلانیّت در تصمیمگیري، محمّد شیخ زاده ورجبعلی شیخ زاده، اندیشه مدیریّت راهبردي، بهار 1386.
41. بررسي وتحلیل روایات مكارم الاخلاق، حمزه عبدي، قم: موسسة علمي فرهنگي دار الحدیث، 1394.
42. البلد الأمین والدرع الحصین، الكفعمي، إبراهیم بن علي العاملي، بیروت: الأعلمي للمطبوعات، 1418ق.
43. بهداشت رواني، سعید شاملو، طهران: رشد، 1380.
44. پایان راه؛ پیرامون مرگ ومردن، الیزابت كوبلر راس، الترجمة إلى اللغة الفارسية: علی اصغر بهرامي، طهران: رشد، 1379.
45. تاج العروس من جواهر القاموس، سيّدمحمّدمرتضى حسيني الزَبيدي، بيروت: دار الفكر، 1414ق.
46. تاریخ بغداد، احمد بن علي الخطیب البغدادي، بیروت: دار الكتب العلمیة، 1417ق.
47. التاریخ الكبیر، محمّد بن إسماعیل البخاري، بیروت: دار الفكر، 1407ق.
48. تاریخ مدینة دمشق، علي بن حسن بن هبة اللَّه (ابن عساكر الدمشقي) بیروت: دار الفكر، 1415ق.
49. تحف العقول، حسن بن علي ابن شعبة الحراني، قم: مؤسّسة نشر اسلامي، 1404ق.
50. تحكیم خانواده از نگاه قرآن وحدیث، محمد محمدي ری شهري، قم: دار الحدیث، 1388.
51. تربیت جنسي، مباني، اصول وروشها از منظر قرآن وحدیث، علینقی فقیهي، قم: دار الحدیث، 1388.
52. ترتیب مقاییس اللّغة، أبيالحسین أحمد ابن فارس، قم: پژوهشگاه حوزة ودانشگاه، 1387.
53. تصنیف غرر الحكم ودر الكلم، عبد الواحد بن محمد الآمدي، قم، دفتر تبلیغات اسلامي، 1366.
54. الترغیب والترهیب، اسماعیل بن محمد جوزي الاصفهاني، القاهرة: دار الحدیث، 1414ق.
55. التعریفات، علي بن محمّد الجرجاني، بیروت: دار الكتب العربي، 1416ق.
56. تفسیر العیاشي، محمّد بن مسعود السمرقندي (العیاشي) طهران: مكتبة العلمیه، 1380ق.
57. تفسیر القمي، علي بن إبراهیم القمي، قم: مؤسسة دار الكتاب، 1404ق.
58. تفسیر نمونه، ناصر مكارم شیرازي، طهران، دار الكتب الاسلامیه، 1389.
59. تنبیه الخواطر، مسعود بن عیسی ورام، بیروت: مؤسّسة الأعلمي، 1376ق.
60. تنبیه الغافلین، نصر بن محمّد السمرقندي، بیروت: دار ابن كثیر، 1413ق.
61. التواضع والخمول، عبد اللّه بن محمّد بن أبي الدنيا، بيروت: دار الكتب العلمية، 1409ق.
62. توانمندسازي همسران، دیوید اچ.اولسون، وامي كی. السون، الترجمة
إلى اللغة الفارسية: كامران جعفرينژاد، ومنصوره اردشیرزاده، طهران: سازمان بهزیستي كشور، 1383.
63. التوحید، محمّد بن علي ابن بابویه القمي (الشیخ الصدوق)، قم: مؤسسة نشر اسلامي، 1398ق.
64. توحید المفضّل، المفضّل بن عمر، طهران: باقر بیدهندي، 1379.
65. توكل به خدا: راهي به سوی حرمت خود وسلامت روان، محمّد صادق شجاعي، قم، مؤسّسة آموزشي وپژوهشي امام خمیني؟ره؟، 1383.
66. تهذیب الأحكام، محمّد بن حسن الطوسي، طهران: دار الكتب الإسلامیة، 1364.
67. تهذیب الكمال في أسماء الرجال، یونس بن عبد الرحمان، بیروت: مؤسسة الرسالة، 1409ق.
68. ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، محمّد بن عليّ بن بابويه القمي (الشيخ الصدوق)، قم، صدوق، 1391ق.
69. جامع الأحادیث، جعفر بن أحمد القمّي (ابن رازي)، مشهد: آستان قدس رضوي، 1413ق.
70. جامع الأخبار، محمّد بن محمّد الشعيري السبزواري، قم: مؤسّسة آل البيتb، 1414ق.
71. الجامع الصغیر في أحادیث البشیر النذیر، عبد الرحمان ابن أبي بكر السیوطي، بیروت: دار الفكر، 1401ق.
72. جامع بيان العلم وفضله، يوسف بن عبداللّه بن محمّد، بيروت، دار الكتب العلمیة، 1398ق.
73. الجعفریات (الاشعثیات)، حسین بن محمّد ابن أشعث الكوفي، طهران: دار الكتب الإسلامیة، 1376ق.
74. جوامع الجامع، فضل بن حسن الطبرسي، طهران: دانشگاه تهران، 1377.
75. چگونه خشم خود را مهار كنیم، ویندي درایدن، الترجمة إلى اللغة الفارسية: فرحناز مرادي، طهران: همشهري، 1380.
76. چیستي حسن خلق وچگونگي تأثیر آن بر روابط اجتماعي، عباس پسندیده، مجلّة علوم حدیث، المجلد 17، العدد 66، شتاء 1391.
77. حكمت نامه پیامبر اعظم، محمد محمدي ری شهري، قم: دار الحدیث، 1394.
78. حلیة الأبرار في أحوال محمّد وآله الأطهار؟عهم؟، السیِّد هاشم بن سلیمان البحراني، قم: مؤسسة معارف اسلامیة، 1413ق.
79. حلیة الأولیاء وطبقات الأصفیاء، أحمد بن عبد اللَّه الاصفهاني (أبو نعیم)، بیروت: دار الكتاب العربي، 1387ق.
80. خانواده وخانوادهدرماني، سالوادور مینوچین، الترجمة إلى اللغة الفارسية: باقرثنایي، طهران: امیركبیر، 1373.
81. خانوادهدرماني ارزیابي ودرمان خانوادهها، رویكرد مك مستر، كریستین ای. ریان والآخرون، الترجمة إلى اللغة الفارسية: محسن دهقانی ومریم عباسي، طهران، رشد، 1390.
82. خانوادهدرماني، ایرنه گلدنبرگ وهربرت گلدنبرگ، الترجمة إلى اللغة الفارسية: حمید رضا حسین شاهي والآخرون، طهران: روان، 1386.
83. خانوادهدرماني، گلادینگ، ساموئل، الترجمة إلى اللغة الفارسية: فرشاد بهاري والآخرون، طهران: تزكیة، 1386.
84. الخصال، محمّد بن علي بن بابویه القمي (الشيخ الصدوق)، قم: مؤسسة نشر اسلامي، 1362.
85. خصائص الأئمّةعليهمالسلام (خصائص أميرالمؤمنين عليهالسلام)، السيد الرضي، مشهد: مجمع البحوث الإسلاميّة، 1406ق.
86. خلاصه روانپزشكي، هارولد كاپلان وبنیامین سادوك، الترجمة إلى اللغة الفارسية: نصرت الله پورافكاري، طهران: شهرآب، 1379.
87. دانشنامه احادیث پزشكي، محمد محمدي ریشهري، قم: دارالحدیث، 1383.
88. الدرّة الباهرة من الأصداف الطاهرة، أبي عبد اللّه محمّد بن المكيّ العاملي (الشهيد الأوّل)، مشهد: آستان قدس رضوي، 1365.
89. الدّر المنثور، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، بيروت: دار الفكر، 1414ق.
90. الدر النظیم في مناقب الأئمةعليهمالسلام، یوسف ابن حاتم الشامي، قم: جامعة المدرسین، 1385.
91. درآمدي بر پیشگیري از گرایش به خودكشي در منابع اسلامي، سیدمهدي خطیب، طهران: سازمان بهزیستي، 1389.
92. درآمدي بر روانشناسي تنظیم رفتار با رویكرد اسلامي، محمّد صادق شجاعي، قم: دار الحدیث، 1388.
93. الدعاء، سلیمان بن أحمد الطبراني، بیروت: دار الكتب العلمیة، 1413ق.
94. دعائم الإسلام، نعمان ابن تميمي المغربي، القاهرة: دار المعارف، 1389ق.
95. الدعوات الكبير، أحمد بن حسين البيهقي، كويت: مركز المحظوطات والتراث والوثائق، 1409ق.
96. الدعوات، سعید بن هبة الله قطب الراوندي، قم: مدرسة امام مهدي عليهالسلام، 1407ق.
97. دلائل النبوّة، ابونعيم احمد بن عبداللّه الاصفهاني، بيروت: 1406ق.
98. دیدگاههای روانشناختي حضرت آیتالله مصباح یزدي، محمّدصادق شجاعي، قم: مؤسّسة آموزشي وپژوهشي امام خمیني، 1386.
99. راز خوشبختي، اولریش پرامان، الترجمة إلى اللغة الفارسية: كتایون تجلي، طهران، پیدایش، 1381.
100. راهنمای تشخیصي وآماري اختلالهای رواني، انجمن روانپزشكي آمریكا، الترجمة إلى اللغة الفارسية: هامایاك آوادیس یانس والآخرون، طهران: سخن، 1381.
101. ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، محمود بن عمر الزمخشري، قم: منشورات شريف رضي، 1410ق.
102. رسالت اخلاق در تكامل انسان، سید مجتبی موسوي لاري، قم: دفتر تبلیغات اسلامي، 1376.
103. رشد انسان، فیلیپ رایس، الترجمة إلى اللغة الفارسية: مهشید فروغان، طهران: ارجمند، 1387.
104. رضایت از زندگي، عباس پسندیده، قم: دار الحدیث، 1384.
105. رضایت زناشویي، عباس پسندیده، قم، دارالحدیث، 1391.
106. روانشناسي اهمالكاري، آلبرت الیس وویلیام جیمزنال، الترجمة إلى اللغة الفارسية: محمد علي فرجاد، طهران: رشد، 1387.
107. روانشناسي رنگها، ماكس لوچر، الترجمة إلى اللغة الفارسية: منیروروانيپور، طهران: فتحي، 1368.
108. روانشناسي اجتماعي با نگرش به منابع اسلامي، مسعود آذربایجاني والآخرون، قم: پژوهشگاه حوزة ودانشگاه، 1382.
109. روانشناسي اجتماعي، لوك بدار والآخرون، الترجمة إلى اللغة الفارسية: حمزه گنجي، طهران: ساوالان،1380.
110. روانشناسي اجتماعي، هدایتالله ستوده، طهران: آوای نور، 1378.
111. روانشناسي تبلیغات، محمد كاویاني، قم: پژوهشكده حوزة ودانشگاه، 1387.
112. روانشناسي تندرستي، رابرت جی آندروبام گچل ودیوید اس گرانتس، الترجمة إلى اللغة الفارسية: غلامرضا خوینژاد،، مشهد: بهنشر، 1377.
113. روانشناسي درد، رابرت جی. گچل، ودنیس سي ترك، الترجمة إلى اللغة الفارسية: محمد علی اصغري مقدّم والآخرون، طهران: رشد، 1381.
114. روانشناسي دین: براساس رویكرد تجربي، برنارد اسپیلكا والآخرون، الترجمة إلى اللغة الفارسية: محمد دهقاني، طهران: رشد، 1390.
115. روانشناسي رشد وتحول انسان، دیان ای. پاپالیا والآخرون، الترجمة إلى اللغة الفارسية: داوود عرب قهستاني والآخرون، طهران، رشد، 1992.
116. روانشناسي رشد، حسن احدی وفرهاد جمهري، طهران: پردیس، 1384.
117. روانشناسي رشد، لورا برك، الترجمة إلى اللغة الفارسية: یحیی سید محمدي، طهران: ارسباران، 1392.
118. روانشناسي روابط انساني (مهارتهای مردمي)، رابرت بولتون، الترجمة إلى اللغة الفارسية: حمید رضا سهرابي، رشد، 1393.
119. روانشناسي ژنتیك: تحول رواني از تولّد تا پیري، محمود منصور، طهران: سمت، 1382.
120. روانشناسي ژنتیك، محمود منصور وپریرخ دادستان، طهران: رشد، 1381.
121. روانشناسي سلامت، ادوارد پ. سارافینو، الترجمة إلى اللغة الفارسية: الهه میرزایي والآخرون، طهران: رشد 1379.
122. روانشناسي سلامت، ام. رابین دیماتئو، الترجمة إلى اللغة الفارسية: محمد كاویاني والآخرون، طهران: سمت، 1378.
123. روانشناسي سلامت، آنتوني جی كرتیس، الترجمة إلى اللغة الفارسية: علي فتحي آشتیاني وهادي عظیميآشتیاني، طهران: بعثت، 1385.
124. روانشناسي شادي، مایكل آرگایل، الترجمة إلى اللغة الفارسية: مهرداد كلانتري والآخرون، اصفهان: جهاد دانشگاهي، 1382.
125. روانشناسي فیزیولوژیكي، جیمز كالات، الترجمة إلى اللغة الفارسية: یحیی سید محمدي، طهران: روان، 1392.
126. روانشناسي مثبت: علم شادماني ونیرومندي انسان، آلان كار، الترجمة إلى اللغة الفارسية: حسن پاشاشریفي والآخرون، طهران: سخن، 1385.
127. روانشناسي مرضي تحولي؛ از كودكي تا بزرگسالي، پریرخ دادستان، طهران: سمت، 1383.
128. روانشناسي نابهنجاری: آسیبشناسي رواني، دیوید ال. روزنهان، ومارتین سلیگمن، الترجمة إلى اللغة الفارسية: یحیي سید محمدي، طهران: ساوالان، 1384.
129. روش فهم حدیث، عبد الهادي مسعودي، طهران: سمت، 1384.
130. روضة الواعظین، محمّد بن حسن فتّال نیشابوري، بیروت: مؤسسة الأعلمي، 1406ق.
131. زمینه روانشناسي هیلگارد، ریتا ال اتكینسون والآخرون، الترجمة إلى اللغة الفارسية: محمّد نقي براهني والآخرون، طهران: رشد، 1384.
132. الزهد، عبد اللّه ابن مبارك، بيروت: دار الكتب العلميّة، 1386ق.
133. الزهد، أحمد بن محمّد بن حنبل الشيباني (ابن حنبل)، بيروت: دار الكتب العلمية، 1403ق.
134. الزهد، حسين بن سعيد الكوفي الاهوازي، قم: حسينيان، 1402ق.
135. ساخت مقیاس خودمهارگري براساس منابع اسلامي، حمید رفیعي هنر، پایاننامه كارشناسي ارشد، قم: مؤسسه آموزشي وپژوهشي امام خمیني قدسسره.
136. سبكها ومهارتهاي ارتباطي، نیما قرباني، طهران: تبلور، 1384.
137. سخترویی؛ ساختار وجودي شخصیت، نیما قرباني، فصلنامه پژوهشهاي روانشناختي، مجلد3، العدد 3 و4، 1374.
138. سنن ابن ماجة، أبو عبد اللّه محمّد بن يزيد بن ماجة القزويني، بيروت: دار إحياء التراث، 1395ق.
139. سنن أبي داوود، سلیمان بن أشعث السجستاني الأزدي، بیروت: دار الفكر، 1410ق.
140. سنن الترمذي (الجامع الصحيح)؛ أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي، بيروت: دار الفكر، 1403ق.
141. سنن الكبرى (سنن النسائي)، أحمد بن شُعيب النسائي، بيروت: دار الكتب العلمية، 1411ق.
142. سیر أعلام النبلاء، شمس الدین الذهبي، بیروت: مؤسسة الرسالة، 1413ق.
143. شباب قريش، عبد المتعال الصَّعيدي، القاهرة: الطبعة الاُول، 1368ق.
144. شخصیت: نظریه وپژوهش، لارنس پِروین والیور جان، الترجمة إلى اللغة الفارسية: محمد جعفر جوادي وپروین كدیور، طهران، آییژ، 1385.
145. شرح صحيح مسلم؛ النووي، یحیی بن شرف النَوَوي، بيروت: دار الكتاب العربي، 1407ق.
146. شرح نهج البلاغة، عبد الحمید بن هبة اللّه (ابن أبي الحدید)، القاهرة: دار إحیاء الكتب العربیّة، 1387ق.
147. شُعب الإیمان، أحمد بن حسین البیهقي، بیروت: دار الكتب العلمیة، 1410ق.
148. الشمائل المحمّدية، محمّد بن عيسى الترمذي، دمشق: دار الضيحاء، بيروت: دار الترمذي، 1421ق.
149. شناخت درمانگري گروهي، مایكل فري، الترجمة إلى اللغة الفارسية: مسعود جانبزرگي، قم: پژوهشگاه حوزة ودانشگاه، 1388.
150. شناختدرماني مباني وفراتر از آن، جودیت بك، الترجمة إلى اللغة الفارسية: لادن فتي وفرهاد فریدحسیني، طهران: دانژة، 1392.
151. شیوههاي تغییر رفتار، میلتن برگر، الترجمة إلى اللغة الفارسية: علي فتحي آشتیاني وهادي عظیمي، طهران: سمت، 1378.
152. شیوههای درمانگري اضطراب وتنیدگي، مسعود جانبزرگي وناهید نوري، طهران: سمت، 1382.
153. الصحاح (تاج اللغة وصحاح العربية)، اسماعيل الجوهري، بيروت: دار الكتب للملايين، 1407ق.
154. صحیح ابن حبّان، بترتیب ابن بلبان، علي بن بلبان الفارسي، بیروت: مؤسسة الرسالة، 1414ق.
155. صحیح بخاري، محمّد بن إسماعیل البخاري، بیروت: دار ابن كثیر، 1410ق.
156. صحیح مسلم، مسلم بن حجّاج القشیري النیشابوري، القاهرة: دار الحدیث، 1412ق.
157. صحیفة الإمام الرضاعليهالسلام، علي ابن موسی الرضاعليهالسلام، قم: مؤسسة امام مهدي؟عج؟، 1408ق.
158. الصحیفة السجّادیة، علي بن الحسین عليهالسلام، مشهد: مجمع البحوث الاسلامیّة، 1413 ق.
159. طبّ الأئمّة، أبو عتاب عبد اللّه بن سابور الزيّات، قم: الشريف الرضي، 1411ق.
160. طبّ النبي، جعفر بن محمّد المستغفري، النجف: الحیدریة، اوّل، 1385ق.
161. الطبقات الكبری، محمد ابن سعد، بیروت: دار إحیاء التراث العربي، 1417ق.
162. طراحي الگوی تنظیم رغبت براساس آموزه زهد اسلامي وتاثیر آن بر كاهش اضطراب در مقایسه با درمان شناختي رفتاري، حمزه عبدي، پایاننامه دكتري، قم: پژوهشگاه حوزة ودانشگاه، 1394.
163. عدّة الداعي، أحمد بن محمّد ابن فهد الحلي، قم: دارالكتب الاسلامیة، 1407ق.
164. علل الشرايع، محمّد بن عليّ بن بابويه القمّي (الشيخ الصدوق)، بيروت: دارإحياء التراث، 1408ق.
165. عوالى اللآلي، محمّد بن زین الدین ابن أبي الجمهور، قم: سید الشهداء، 1403ق.
166. العین، خلیل بن احمد الفراهیدي، طهران: سازمان حج واوقاف وامور خیریة، 1384.
167. عیون أخبار الرضا، محمّد بن علي ابن بابویه، طهران: نشر جهان، 1378ق.
168. عیون الحكم والمواعظ، علي بن محمّد اللیثي الواسطي، قم: دار الحدیث، 1376.
169. غرر الحكم، عبد الواحد بن محمّد الآمدي، طهران: دانشگاه تهران، 1373.
170. غلبه بر خشم، رنوا پیوري فوی، الترجمة إلى اللغة الفارسية: مهدي قرچه داغي، طهران: اوحدي، 1379.
171. الفردوس بمأثور الخطاب، شيروية بن شهردار الديلمي الهَمَداني، بيروت: دار الكتب العلميّة، 1406ق.
172. الفردوس، شیرویة بن شهردار الدیلمي الهمداني، بیروت: دار الكتب العلمیة، 1406ق.
173. الفروق اللغویة، حسن بن عبد اللّه العسكري، قم: مؤسسة النشر الاسلامي، 1412ق.
174. فرهنگ رائد الطلاب، جبران مسعود، طهران: یادواره كتاب، 1383.
175. فرهنگ معین، محمد معین، طهران: آدانا، 1384.
176. الفضائل، أبو الفضل سديد الدين شاذان بن جبرئيل القمّي، النجف: مطبعة الحيدريّة، 1338ق.
177. فلاح السائل، عليّ بن موسى الحلي (السید بن طاوس)، قم: مكتب الإعلام الإسلامي، 1419ق.
178. قرب الإسناد، عبد اللّه بن جعفر الحميري القمّي، قم: مؤسّسة آل البيت عليهمالسلام، 1413ق.
179. قصص الأنبیاء، سعید بن عبد اللَّه (قطب الراوندي)، مشهد: آستان قدس رضوي، 1409ق.
180. الكافي، محمد بن یعقوب الكلیني، طهران: دار الكتب الإسلامیة، 1388ق.
181. من لا یحضره الفقیة، محمّد بن علي بن بابویه القمّي (الشيخ الصدوق)، قم: مؤسّسة نشر اسلامي، 1404ق.
182. كشف الریبة عن احكام الغیبة، زین الدین علي العاملي (الشهید الثانی)، طهران: المكتبة المرتضویة، 1406ق.
183. كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، علي بن عیسی الاربلي، بیروت: دار الكتاب، 1401ق.
184. كشف الیقین في فضائل أمیر المؤمنین عليهالسلام، الحسن بن یوسف الحلّي (العلّامة الحلي)، قم: مجمع إحیاء الثقافة الإسلامیة، 1411ق.
185. كفایة الأثر في النصّ علی الأئمّة الإثنى عشر، علي بن محمّد الخزّاز القمّي، قم: بیدار، 1401ق.
186. كفایة الاصول، محمد كاظم الآخوند الخراساني، طهران: اسلامیة، 1379.
187. كنز العمال، علي بن حسام الدین المتقي الهندي، بیروت: مؤسسة الرسالة، 1409ق.
188. كنز الفوائد، محمّد بن علي الكراجكي الطرابلسي، قم: دار الذخائر، 1410ق.
189. گزارش آسیبهای اجتماعي سالهای 1380-1382، سازمان ملي جوانان، بیجا، 1381.
190. لسان العرب، محمد بن مكرم ابن منظور، بیروت: دار صادر، 1410ق.
191. لغتنامه دهخدا، علي اكبر دهخدا، طهران، دانشگاه تهران، 1377.
192. مباني فهم حدیث، عبد الهادي مسعودي، قم: بیجا، 1385.
193. المجازات النبویّة، محمّد بن الحسین الموسوي (السید الرضي)، قم: دار الحدیث، 1382.
194. مجمع البحرین، فخرالدین بن محمد الطریحي، طهران: مؤسسة البعثة، 1414ق.
195. مجمع البیان في تفسیر القرآن، الفضل بن الحسن الطبرسي، بیروت: مؤسّسة الأعلمي، 1415ق.
196. مجمع الزوائد، علي بن أبي بكر الهيثمي، بيروت: دار الفكر، 1412ق.
197. مجموعة آثار شهید مطهري، مرتضي مطهري، طهران: صدرا، 1419ق.
198. المحاسن، احمد بن محمّد بن خالد البرقي، قم: دار الكتب الاسلامیة، 1371.
199. المحجّة البيضاء فى تهذيب الإحياء، محمّد محسن بن شاه مرتضى (الفيض الكاشاني)، قم: مؤسسة نشر اسلامى، 1415ق.
200. مدیریت استرس، برایان لوك سیوارد، الترجمة إلى اللغة الفارسية: مهدي قراچهداغي، طهران: پیكان، 1381.
201. مدیریت عصبانیت برای خانوادهها، گري مكي واستیون میبل، الترجمة إلى اللغة الفارسية: مهرداد فیروزبخت، طهران: ویرایش، 1387.
202. مستدرك الوسائل، حسین بن محمد تقي النوري، قم: مؤسسة آل البیت، 1408ق.
203. المستدرك علی الصحیحین، محمّد بن عبد اللَّه الحاكم النیشابوري، بیروت: دار الكتب العلمیة، 1411ق.
204. مستطرفات السرائر، ابن إدریس الحلّي، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1411ق.
205. مسكّن الفؤاد، زین الدین بن علي الجبعي العاملي (الشهید الثاني) قم: مؤسسة آل البیت، 1412ق.
206. مسند ابن حنبل، احمد بن محمّد الشیباني (ابن حنبل)، بیروت: دار الفكر، 1414ق.
207. مسند أبي یعلي، علي بن المثنّي الموصلي، جدّة: دار القبلة، 1408ق.
208. مسند البزّار (البحر الزخّار)، أحمد بن عمرو البزّار، بیروت: مؤسسة علوم القرآن، 1409ق.
209. مسند زید، زید بن علي بن الحسین عليهماالسلام، بیروت: منشورات دار مكتبة الحیاة، 1966م.
210. مسند الشهاب، محمد بن سلامة القضاعي، تحقیق: حمدي عبد المجید السلفي، بیروت: مؤسسة الرسالة، 1405ق.
211. مشاوره سوگ، رضا ارزاقي، طهران: سازمان بهزیستي كشور، 1378.
212. مشاوره سوگ، فیل ریچ، الترجمة إلى اللغة الفارسية: بدري سادات بهرامي، طهران: دانژة، 1388.
213. مشاوره ودرمان سوگ، ویلیام جی. وردن، الترجمة إلى اللغة الفارسية: مهرداد فیروزبخت وخشایار بیگي، طهران: ابجد، 1374.
214. مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، علي بن حسن طبرسي، قم: دار الحدیث، 1418ق.
215. مصادقة الإخوان، محمّد بن علي بن بابویه القمّي (الشیخ الصدوق) (م 381ق)، مدرسة امام مهدي عليهالسلام، 1410ق.
216. مصباح المتهجد، محمد بن الحسن الطوسي، بیروت: فقه الشیعة، ط1، 1411ق.
217. مصباح المنیر، احمدبن محمد الفیومي، قم: مؤسسة دار الهجرة، 1414ق.
218. المصنّف، ابن أبي شيبة الكوفي، بيروت: دار الفكر، 1409ق.
219. المصنّف، أبو بكر عبد الرزّاق بن همّام الصنعاني، بيروت: منشورات المجلس العلمي، 1390ق.
220. مطالب السؤول في مناقب آل الرسول، بیروت: مؤسسة اُم القری،1420ق.
221. معاني الأخبار، محمّد بن علي ابن بابویه القمّي (الشیخ الصدوق)، قم: مؤسسة نشر اسلامي، 1361.
222. المعجم الأوسط، أبو القاسم سليمان بن أحمد اللخمي الطبراني، قاهرة: دار الحرمين، 1415ق.
223. معجم السفر، أحمد بن محمّد الأصفهاني، بيروت: دار الفكر، 1414ق.
224. المعجم الكبیر، سلیمان بن أحمد اللخمي الطبراني، بیروت: دار إحیاء التراث العربي، 1404ق.
225. معجم مقایيس اللغة، احمد بن فارس، قم: مكتبة الاعلمي الاعلام الاسلامي، 1404ق.
226. معرفي اجمالي یك صد طرح تحقیقاتي، پایاننامه ومقاله مرتبط با طب ودین، مجلة پژوهش وحوزة، قم، معاونت پژوهشي مركز مدیریت حوزة علمیة قم، العدد 17و18، 1383.
227. المغني عن حمل الأسفار، عبد الرحیم العراقي، ریاض: مكتبة دار طبریة، 1415ق.
228. مفردات ألفاظ القرآن، حسین بن محمّد الراغب الأصفهاني، دمشق: دارالقلم، 1412ق.
229. المقنع، محمّد بن عليّ ابن بابويه القمّي (الشيخ الصدوق)، قم: مؤسّسة امام الهادي عليهالسلام، 1415ق.
230. مكارم الأخلاق، الفضل بن الحسن الطبرسي، قم: مؤسسة نشر اسلامي، 1414ق.
231. الملهوف على قتلى الطفوف، عليّ بن موسى الحسيني الحلّي (السید ابن طاوس)، طهران: دار الاُسوة، 1414ق.
232. منابع مالي اهل بیت، نور اللّه علیدوست خراساني، طهران: دفتر نشر فرهنگ اسلامي، 1379.
233. مناقب آل أبي طالب، محمّد بن علي المازندراني (ابن شهر آشوب)، النجف: مكتبة الحیدریة، 1376ق.
234. المناقب، موفّق بن أحمد مكي الخوارزمي، قم: مؤسسة نشر اسلامي، 1414ق.
235. المنتخب من مسند عبد بن حُميد، أبومحمّد عبد بن حميد، القاهرة: مكتبة السنّة، 1408ق.
236. منتهی الأرب في لغة العرب، عبدالكريم الصفي پوري، طهران: سنائي وأمير كبير، 1377.
237. المواعظ العددية، محمد بن الحسن الحسیني العاملي، قم: طلیعة النور، 1384.
238. الموطّأ، مالك بن أنس، بیروت: دار إحیاء التراث العربي، 1406ق.
239. مهار خشم (بررسي روانشناختي خشم ومهار آن از دیدگاه اسلام)، محمدرضا كیومرثي، قم: موسسة علمي فرهنگي دار الحدیث، 1391.
240. مهارتهاي اجتماعي در ارتباطات میان فردي، اون هارجي والآخرون، الترجمة إلى اللغة الفارسية: خشایار بیگي ومهرداد فیروزبخت، طهران: انتشارات رشد، 1377.
241. مهارتهای زندگي، كریس. ال كلینكه، طهران: اسپند هنر، 1380.
242. مهارتهاي زندگي، فرهاد طارمیان، مازیار ماهجویي وطاهر فتحي، طهران: تربیت، 1378.
243. مهج الدعوات ومنهج العبادات، عليّ بن موسى الحلّي (السید بن طاوس)، قم: دار الذخائر، 1411ق.
244. مهندسي رفتار ارتباطي بین شخصي ودرون شخصي، نیما قرباني، طهران: سینه سرخ، 1380.
245. میزان الحكمة، محمد محمدي الري شهري، الترجمة إلى اللغة الفارسية: حمید رضا شیخي، قم، دار الحدیث، 1377.
246. المیزان في تفسیر القرآن، السیِّد محمّد حسین الطباطبایي، قم، جامعة المدرسین، 1417ق.
247. نثر الدرّ، المنصور بن الحسين الآبي، القاهرة: مركز تحقيق التراث، 1981م.
248. نزهة الناظر، يحيى بن سعيد الحلي، النجف: الآداب، 1386ق.
249. نظریّههای شخصیّت، چارلز كارور، الترجمة إلى اللغة الفارسية: احمد رضواني، مشهد: آستان قدس رضوي، معاونت فرهنگي، ١٣٧٥.
250. نظریههای شخصیّت، دوان شولتز، الترجمة إلى اللغة الفارسية: یوسف كریمي والآخرون، طهران: ارسباران، 1383.
251. النوادر، السيّد فضل اللّه بن علي الحسني الراوندي، قم: دار الحديث، 1377.
252. نور الثقلین، عبد علي بن جمعة العروسي الحویزي، قم: اسماعیلیان، 1412ق.
253. النهایة في غریب الحدیث والأثر، ابن مبارك الجَزَري (ابن الأثیر) (م 606 ق)، قم: إسماعیلیان، 1367.
254. نهج البلاغة، محمّد بن الحسین الشریف الرضي، قم: هجرت، 1414ق.
255. نهج الذكر، محمد محمدي الري شهري، قم، مؤسسة فرهنگي دار الحدیث، 1386.
256. وسائل الشیعة، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، قم: مؤسّسة آل البیت، 1414ق.
257. وقتي خشم باعث آسیب به روابط زناشویي میشود، كیم پلیج وماتیومك كی، الترجمة إلى اللغة الفارسية: الهام آرامنیا، وشمس الدین حسیني، طهران: درسا، 1382.
258. هنر رضایت از زندگي، عباس پسندیده، قم: دار الحدیث، 1390.
Ross amp; David Kessler, Scribner, 2001.
Research, and Practice, Kenneth I. Pargament, Gene G. Ano, and Amy B. Wachholtz In Handbook of The Psychology of Religion and Spirituality, Raymond F. Paloutzian, Crystal L. Park, New York, The Guilford Press, 2013.