الفكر المعاصر يعتبر مكوّنًا أساسيًّا في المنظومة الفكريّة الإسلاميّة، والتراث المعاصر لايختصّ بطبيعة الحال بالعالم الإسلامي فحسب، وإنّما له ارتباطٌ بجميع الثقافات والكيانات الجماعيّة التي تضرب بجذورها في تاريخ البشريّة.
يتبلور هذا الفكر على أرض الواقع حينما تشهد الساحة ظهور فكرٍ «آخر» بصفته ثقافةً وسلسلة مفاهيم دلاليّة منافسة، فالزمان والمكان إلى جانب المنافسة التي تحدث على ضوء مجموعةٍ مِن المفاهيم التي يطرحها «الآخرون»، كلّها أمورٌ تحفّز المدارس الفكريّة والثقافات الأصيلة للعمل على التأقلم مع الظروف الجديدة، وفي الحين ذاته تحفّزها على السعي للحفاظ على حيويّتها وخصوصيّاتها التي تميّزها عن «الآخر».
لو أنّ التاريخ شهد في بعض مراحله إقبال العلماء المسلمين على التراث الفلسفي الإغريقي، باعتباره نطاقًا منسجمًا مِن الناحية الدلاليّة وذا مضامين عميقة لدرجة أنّ بعض الفلاسفة مِن أمثال الفارابي وابن رشد ولجوا في فضائه الفكري وحاولوا إقامة تعريف معانيهم ورؤاهم الدينيّة متلائمًا مع هذا الآخر الدخيل، ففي العصـر الراهن باتت الثقافة والحضارة الغربيّتان الحديثتان المتقوّمتان على أسسٍ علمانيّةٍّ وتوسّعيّةٍ، تمثّلان «الآخر» بالنسبة إلينا ولسائر الثقافات غير الغربيّة.
النظام الدلالي المنبثق مِن الفكر الغربي قد أسفر عن إيجاد تحدّياتٍ كبيرةٍ لـ «ذاتنا الإسلاميّة» بفضل تفوّقه سياسيًّا واقتصاديًّا، ونطاق هذا التحدّي يتّسع أكثر يومًا
(7)بعد يومٍ؛ لذلك طرحت العديد مِن الحلول لمواجهته، وقد استسلم بعضهم لواقع الأمور بعد أنْ شعروا بالخشية مِن الغرور الغربي، فراحوا يبحثون عن الحلّ في العالم الغربي نفسه، لذا دعوا بانفعالٍ إلى ضرورة ملاءمة «ذاتنا» مع هذا «الآخر»، إلا أنَّ آخرين سلكوا نهجًا مغايرًا ودعوا إلى تفعيل تراث «ذاتنا»، وأكّدوا على أنّ الحلّ لا يتبلور في ديار منافسنا، وإنّما هو كامنٌ في ديارنا. نعم، تراثنا المعاصر هو ثمرةٌ لكلّ حلٍّ يمكن أنْ يطرح في هذا المضمار.
المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجيّة افتتح في مكتبه بمدينة قم المقدّسة فرع الفكر المعاصر بهدف تدوين دراساتٍ وبحوثٍ علميّةٍ حول الإنجازات الفكريّة التي تحقّقت على صعيد ما ذكر إلى جانب تقييمها، وفي هذا السياق بادر الباحثون فيه إلى استطلاع المشاريع الفكريّة لأبرز العلماء والمفکّرين في العالم الإسلامي مِن الذين تنصبّ نشاطاتهم الفكريّة في بوتقة نقد الفكر المعاصر، وثمرة هذا النشاط تنشر في إطار دراسات تتضمّن بحوثًا تتطرّق إلى بيان واقع مسيرة إنتاجهم الفكري وكيفيّة تبلور آرائهم بصياغتها النهائيّة.
سنتناول في هذا الكتاب نقد وتحليل آراء الباحث الايراني مصطفی ملكيان، وما طرحه مِن آراء ومعتقدات علمانيّة متأثّرة بالمناخ الغربي، ونأمل أنْ ينال رضا القارئ ويجد فيه بغيته. ولا يسعنا في الختام إلّا أنْ نتقدّم بالشكر والتقدير لكلّ مَنْ ساهم في إنجاز هذا العمل، لا سيّما الدكتور بيكي مدير ملفّ الفكر المعاصر، وكذلك السيّد محمّد رضا الطباطبائي مدير وحدة الإصدارات، وسائر الباحثين المساهمين في إنجاز هذا العمل.
السيّد محسن الموسوي
المركز الإسلامي للدراسات الإستراتتيجية، فرع قم
(8)السیّد محمّد اکبریان
هناك في مضمار الفكر الديني الجديد في المجتمع الإيراني بعض الأشخاص الذين يمتازون بدور أكبر بالقياس إلى غيرهم. ويعدّ مصطفى ملكيان واحدًا من هؤلاء. يشكّل ملكيان بالإضافة إلى الدكتور عبد الكريم سروش، والدكتور محمّد مجتهد شبستري الأضلاع الثلاثة لهذا المثلث الفكري في المجتمع الإيراني المعاصر. ولا تقتصر الأهمية الفكرية لهؤلاء في طرح واتساع رقعة الأبحاث الدينية الجديدة فحسب، بل ومن حيث التأثير على المجتمع الفكري والجامعي في إيران أيضًا. فإن اتجاهاتهم الفكرية على الرغم من الإشكالات والانتقادات الكثيرة الواردة عليها، بيد أنها قد تركت مثل هذا التأثير على المجتمع الفكري في إيران، الأمر الذي دفع مجتمع المفكرين الدينيين إلى التنازع المعرفي حول المباحث والشبهات الكلامية الجديدة والجواب عنها والدفاع العقلاني عن الدين والتعاليم الدينية، الأمر الذي
دّى إلى اتساع رقعة التفكير الديني، وبذلك ظهر التعرف والاطلاع عن الأبحاث والشبهات الجديدة، وتجاوزت المعتقدات الدينية المستوى السطحي، وبلغ الطبقات الأشدّ عمقًا.
إن أفكار ملكيان على الرغم من بعض أوجه الشبه بينها وبين المفكرين الدينيين الجُدُد؛ ولكنها في الوقت نفسه تحتوي على اختلافات كبيرة عنها؛ ولا سيّما في اتجاهاته الفكرية وآرائه الأخيرة حيث تحظى بهذه الخصوصية الحصرية بالقياس إلى الآخرين؛ إذ لم يقع في تقابل جذري مع الأفكار الدينية فقط، بل وقد عرّف عن نفسه في تقابل جوهري مع المفكرين الجدد في الشأن الديني، من أمثال: الدكتور عبد الكريم سروش، ومحمّد مجتهد شبستري.
وُلد مصطفى ملكيان سنة 1956 م في قضاء شهرضا في محافظة إصفهان في أسرة متديّنة وكان والده من علماء الدين. وقد أنهى المرحلة الابتدائية والجزء الأكبر من المرحلة الإعدادية في مسقط رأسه، وبعد حصوله على الدبلوم في الرياضيات من جامعة طهران، اتجه في بداية الأمر ـ وبنصيحة من والده ـ إلى الفرع التقني - الهندسي، وبدأ دراسته الجامعية سنة 1973 م في حقل الهندسة الميكانيكية في الكلية الفنية من جامعة تبريز. ولكن حيث كان الحقل الأثير على قلبه هو الفلسفة، فقد تخلى عن حقل الهندسة، وشارك في الاختبار مجددًا ليتم قبوله في حقل الفلسفة الإسلامية في جامعة طهران. وهناك حضر عند العديد من الأساتذة، ومن بينهم الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري. وفي تلك الفترة ألقي عليه القبض من قبل أجهزة النظام البهلوي وزُجّ به
في السجن بتهمة حيازة كتب الدكتور علي شريعتي. وبعد انتصار الثورة الإسلامية أنهى مرحلة البكلوريوس، وفي عام 1979 م انتقل إلى الحوزة العلمية في قم لدراسة العلوم الإسلامية، بيد أن رغبته الخاصة في هذه المرحلة وحضوره في الحوزة العلمية بقم، كان من أجل تعلّم الفلسفة والعرفان الإسلامي، كما كان متعلقًا بأصول الفقه أيضًا لما يحتوي عليه هذا العلم من الأبحاث العقلية. ومع مرور الزمن ازداد شغفًا بفلسفة الغرب، وحيث كان متقنًا للغة الإنجليزية فقد باشر قراءة الأعمال والآثار الإنجليزية الصادرة في هذا الحقل. وقد استوطن مدينة قم لما يقرب من عقدين من الزمن، وبالتحديد من الفترة الواقعة ما بين عام 1979 م حتى عام 1986 م. وفي الوقت نفسه باشر التدريس في كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية في جامعة طهران، وجامعة الإمام الصادق وجامعة تربية مدرّس أيضًا. كما كان على مدى سنوات مرتبطًا بمركز تربيت مدرّس في الحوزة العلمية بقم، وكان له نشاط تدريسي في مؤسسة الإمام الخميني رحمهالله، وكان لديه تعاون مع آية الله الشيخ مصباح اليزدي مدير المؤسسة أيضًا. وتعود جذور ارتباطه وتواصله مع الشيخ مصباح اليزدي إلى فترة حضوره في مؤسسة در راه حق. كما كان مستشارًا متقدمًا في كلية الفلسفة والكلام الإسلامي في (معهد دراسات العلوم والثقافة الإسلامية) أيضًا. وبسبب تعلقه الفكري بفلسفة الغرب، تغيّر اتجاهه خلال هذه السنوات من كونه باحثًا في الأفكار الفلسفية والكلامية إلى اتجاه ناقد للأفكار الفلسفية والكلامية والدينية. وكان هذا التغيّر الفكري والأسلوب النقدي قد تجلى بشكل كامل في حصص الدرس، الأمر كان يثير في المقابل ردود أفعال وانتقادات جادّة من قبل الطلاب وأساتذة الحوزة العلمية والجامعة. وفي نهاية
المطاف وبسبب هذه الأفكار الانتقادية وإظهار بعض النظريات في مواجهة الفكر الديني الغالب والشائع، أخذت علاقته تفتر مع مراكز الحوزة العلمية والمؤسسات العلمية والتحقيقية في قم وفي الجامعة، وفي عام 2001 م انقطع هذه العلاقة بشكل كامل، وانحصر نشاطه بعد هذا التاريخ بالتدريس في المؤسسات غير الحكومية وإلقاء المحاضرات وإقامة الندوات الحوارية والكتابة والتأليف.
لقد تحدّث ملكيان في صحيفة عن مراحله الفكرية الخمسة. فمنذ عام 1973 م إلى عام 1984 م كان يعتبر نفسه أصوليًا إسلاميًا غير متطرّف. ومنذ عام 1984 م بدأ يخرج من عباءة الأصولية الإسلامية، ويتلفع بلفاع النزعة التقليدية، وظل يواصل التفكير تحت هذه المظلة وهذا الحقل الفكري على مدى خمس سنوات. ومنذ عام 1989 م خرج من النزعة التقليدية الإسلامية واتجه نحو التجديد الإسلامي. وفي هذه المرحلة أخذ يُعرف بالتدريج بوصفه مفكرًا دينيًا مستنيرًا. وقد استغرقت هذه المرحلة ما يقرب من عشر سنوات؛ ولكنه لم يبق في هذه المرحلة، وأخذ ينسحب منها بالتدريج وصار مغرمًا بالوجودية الدينية. وبعد ثلاث سنوات أو أربعة تجاوز الوجودية ليصل إلى المرحلة الخامسة من مسيرته الفكرية. وبطبيعة الحال فإن الخروج عن الوجودية لم يكن يعني الانفصال التام عنها؛ بل بقيت آثارها
إلى حدّ ما موجودة حتى في المرحلة الفكرية الخامسة أيضًا. إن المرحلة الفكرية الخامسة هي المرحلة التي عبّر عنها بـ >العقلانية والمعنوية< وهي المرحلة الأطول على الإطلاق من بين المراحل الفكرية التي مرّ بها ملكيان في حياته حتى الآن، ولا يزال يواصل نشاطه الفكري ضمن إطارها، ولكنه يذهب إلى الاعتقاد بأن هذه المرحلة لا تمثل نهاية التفكير، وإنه إذا أدرك يومًا أن هذه الرؤية تفتقر إلى القيمة، فإنه سوف يتخلّى عنها قطعًا، ولا يستبعد أن تكون هناك مرحلة فكرية سادسة وسابعة في المستقبل.
إن الأصولية الإسلامية هي التسمية التي اختارها ملكيان لتكون عنوانًا على المرحلة الفكرية الأولى له. إن الأصولية من وجهة نظره تعني أن المجتمع المعاصر يجب أن يدار تمامًا بذات القواعد التي كان يتمّ تطبيقها في صدر الإسلام دون زيادة أو نقصان، وكان يعتبر هذا المعنى هو الذي يمثل المرحلة الأولى من تفكيره. وبعد مدّة تخلى عن هذه الرؤية، وحيث كان يعتبر نفسه شخصًا متدينًا فقد اتجه من هذه الرؤية قاصدًا النزعة التقليدية الدينية.
إن النزعة التقليدية من وجهة نظره تعني مواصلة التأكيد على التمسّك بالتعاليم الإسلامية والدينية، من دون أن تكون هناك حاجة إلى تطبيق ذات القواعد الإسلامية القديمة في المجتمع الديني الجديد؛ وإنما المهمّ في البين هو أن تسود روح التعاليم الدينية في المجتمع؛ وعلى هذا الأساس فإن اختلاف هذه الرؤية عن
(13)الأصولية يكمن في أن أصحاب النزعة التقليدية يقولون بعدم التلاعب بتركيبة روح التعاليم، في حين أن الأصوليين يرون أنه لا ينبغي التلاعب حتى بظواهر التعاليم أيضًا.
وبعد ذلك بمدّة ومن خلال توجيه الانتقاد إلى أسلوب واعتقاد أصحاب النزعة التقليدية، وأن الانتقادات التي يوجهها أصحاب هذه النزعة إلى الثقافة الغربية الحديثة لا تبدو واقعية من وجهة نظره، ومن خلال مطالعته وتحقيقه في الأعمال المكتوبة في الردّ على أصحاب النزعة التقليدية، عمد إلى التخلي عنها والتحق بصفوف المستنيرين الدينيين.
إن التنوير الديني كان يسعى ـ من وجهة نظره ـ إلى التوفيق بين التعاليم الدينية والعالم الجديد وأفكاره من خلال تقديم تفسيرات جديدة. إن المستنير الديني حيث يواصل اعتقاده بضرورة الحفاظ على روح التعاليم الدينية، ولكنه يسعى في الوقت نفسه إلى تفسير وتأويل تعاليمها بما ينسجم مع تعاليم الحداثة وروحها. بمعنى أن تتجاور الحداثة مع الأصالة وإحداث الوئام والانسجام بينهما؛ في حين أن الأصالة تختلف مع الحداثة. لقد كان ملكيان يؤمن بهذه المسألة، ويعتبرها أمرًا ممكنًا. ومع ذلك فإنه تخلى عن هذه الرؤية بعد فترة أيضًا؛ لاعتقاده بأن المستنير الديني على الرغم من سعيه إلى التوفيق بين الأصالة الدينية والحداثة، إلا أنه لا يبقى وفيًا لأيّ منهما. ويرى أن المستنير الديني إنما يعمل على مسخ المفاهيم الدينية والمفاهيم الحداثوية، لكي يعمل على التوفيق والتقريب بينهما. ولهذا السبب فإنه بدأ يعتبر ذلك مشروعًا فاشلًا. وقد برز ملكيان في هذا الموقف بوصفه قامة ناقدة
(14)للتنوير الديني، وأخذ ينتقد آراءهم؛ ولكن لا من منطلق الدفاع عن الدين الأصيل أو ما يقوله أصحاب الأصالة الدينية في نقد التنوير الديني؛ وإنما بوصفه شخصًا يذهب إلى الاعتقاد بضرورة التمحض في التنوير، والتنوير المحض يعني عدم التقيّد بالدين التقليدي.
بعد العبور من التنوير الديني، أقام ملكيان فترة قصيرة من الزمن ضمن نطاق التفكير الوجودي، حاملًا رؤية أن الدين حيث لم يعد بمقدوره تلبية المسائل الاجتماعية للإنسان المعاصر، ربما أمكن الاستفادة منه ـ في الحد الأدنى ـ في حلّ المشاكل والحاجات الفردية. وهنا شغلت المدرسة الوجودية اهتمامه؛ لأن المدرسة الوحيد التي كانت تهتم بـ >الفرد< من بين المدارس الغربية هي المدرسة الوجودية، وحيث كان ملكيان لا يزال يحمل نظرة إلى الدين الإسلامي، فقد اتجه نحو الوجودية الإسلامية. وفي هذه المرحلة سعى ملكيان إلى العمل على أن يستخرج من الإسلام ما كان سورين كيركيغارد ـ وإلى حدّ ما كارل ياسبرس وغابريل مارسيل ـ يسعى إلى استخراجه من الدين المسيحي. وبعد ذلك بمدّة توصّل إلى قناعة مفادها أن المسائل الفردية لا يمكن حلها حتى من خلال الالتزام بالدين التقليدي، وبذلك فقد وصل إلى المرحلة الأخيرة من تفكيره، وهي مرحلة النزعة المعنوية بتعريفه الخاص للمعنوية. وفي الحقيقة فإنه في هذه المرحلة من التفكير لم يتخلّ عن هذه الرؤية الوجودية القائلة بأن الفرد ـ وليس المجتمع ـ هو الذي ينبغي أن يتمّ الاهتمام به بوصفه الهاجس الأهم والشغل الشاغل؛ بمعنى أنه لم ينفصل عن الوجودية
(15)بشكل كامل. وهنا لم يعد ملكيان يعوّل على الدين الإسلامي في الاستجابة لهواجس الفرد، وإنما أخذ يبحث عن شيء عمل على اختلاقه وبلورته بتفكيره ورؤيته، وهو المعنوية بتعريفه الخاص لها.
لقد وصل ملكيان ـ بعد اجتياز المراحل السابقة ـ إلى محطة النزعة المعنوية، والتي تمثل المرحلة الأخيرة من مراحله الفكرية، والتي لا يزال مستقرًّا فيها منذ ما يزيد على العشرين سنة، ولا تزال شخصيته ورؤيته الراهنة تدور حول محور هذه الرؤية. وعليه فإنه يرى الآن أن جميع الأفكار السابقة ـ إذا ما استثنينا الأسس الفكرية للوجودية ـ قابلة للنقد، ولا يمكن الالتزام بأيّ واحد منها، ومن هنا فإنه قد تجاوزها وتخلى عنها بأجمعها.
والنقطة الملفتة للانتباه في هذه المرحلة هو انتقاده الجاد الذي يوجهه إلى التنوير الديني. حيث أن التنوير الديني من وجهة نظره عبارة عن تناقض؛ إذ يرى أن التنوير الفكري لا يمكن أن يجتمع مع التديّن. إذ يرى أن الالتزام بالتنوير يعني الالتزام بالعقلانية، وأن الالتزام بالتدين مشروط بالتعبّد؛ لأنه يذهب إلى الاعتقاد بأن الشخص المتديّن يجب أن يتعبّد ولو في جانب من معتقداته في الحدّ الأدنى. وعليه فإن التنوير الديني لا يمكن أن يجتمع مع التديّن. بالنظر إلى النقطة أعلاه كان موقف ملكيان من الدين في المرحلة الأخيرة من تفكيره، أكثر تطرّفًا وجرأة بالقياس إلى المستنيرين الآخرين، وذلك لأنه قد شكل تحدّيًا لأصل عقلانية الدين (التديّن)؛ بل اعتبر التديّن مفتقرًا إلى العقلانية.
وفي هذه المرحلة ـ خلافًا للمراحل السابقة التي كان ينحو فيها بشكل عام منحى انتقاديًا بالنسبة إلى النهج الفكري السابق ـ صار بصدد التأسس لتفكير وأسلوب ورؤية أو مدرسة أطلق عليها عنوان المعنوية والعقلانية، ونظر إليها بوصفها > دينًا مشخصنًا<.
لم يصدر ملكيان أي أثر ملحوظ عن مراحله الفكرية السابقة، سوى بعض الأعمال المحدودة، مثل (تاريخ فلسفة الغرب). لقد كان اتجاه ملكيان في المراحل السابقة ـ بشكل عام ـ اتجاهًا تحليليًا / توصيفيًا أو انتقاديًا، ويتم طرحها وإلقائها في إطار المحاضرات والدروس في الحصص والفصول الدراسية. وإن الآثار والأعمال الموجودة له عن تلك المراحل السابقة، هي في الغالب قد تمّ تدوينها ونشرها من قبل تلاميذه وأتباع منهجه الفكري من طريق محاضراته التدريسية، وأما في هذه المرحلة الأخيرة، فقد صدر عنه الكثير من الأعمال المكتوبة على شكل مقالات وكتب ومحاضرات وحوارات وما إلى ذلك.
المؤثرون في المراحل الفكرية السابقة
حيث رصد ملكيان لنفسه خمس مراحل فكرية، فقد أشار في بعض الموارد إلى تأثره بالأفكار الأخرى أيضًا. ففي المرحلة الفكرية الأولى التي اعتبرها المرحلة الأصولية، قد عرّف عن نفسه بوصفه متأثرًا بأفكار السيّد الخميني قدسسره، وملتزمًا بأفكار الثورة. إنه في هذه المرحلة من خلال التذكير بحضوره في دروس الشهيد مرتضى المطهري وتعاونه مع آية الله الشيخ مصباح اليزدي في مؤسسة (در راه حق)، قد أشار إلى تأثره بهؤلاء العلماء بشكل وآخر؛ على الرغم من اختلاف نمط تفكير الأستاذ المطهري والأستاذ مصباح اليزدي، حيث لا يمكن لأفكارهما أن تتطابق تمام التطابق في ضوء التعريف الرسمي للأصولية. وفي هذه المرحلة كانت أفكار الدكتور علي شريعتي
(17)تروقه أيضًا، وإن لم يكن قد تأثر بها كثيرًا. لا سيّما وأن آثار الدكتور شريعتي إنما تتناسب مع المرحلة الثانية أو حتى مع المرحلة الفكرية الثالثة له.
وفي حقل الأصالة التي اعتبرها بوصفها المرحلة الفكرية الثانية، كانت الأعمال الأهم التي حظيت باهتمامه وتأثر بها، هي آثار المسلمين الأوروبيين من أصحاب النزعة التقليدية. ففي تلك المرحلة كان يرى كتاب (هيمنة الكمية وعلامات آخر الزمان) لرينيه غينون، عملًا بالغ الأهمية. وبذلك فقد بدأ منذ تلك المرحلة (من عام 1983 م) بقراءة جميع أعمال رينيه غينون المطبوعة باللغة الإنجليزية. وبعد رينيه غينون أخذ يهتم بأعمال المفكرين الآخرين من أمثال: فريجوف شوان، وبوركهارت، ومارتن لينجز، والسيّد حسين نصر، بل وحتى أعمال الأشخاص الآخرين الذين كانوا قريبين من الأصالة والنزعة التقليدية، من أمثال: وليم تشتيك، وهنري كوربان، وتوشيهيكو إيزوتسو. وقد كان انتقاد الحضارة الغربية في هذا الأعمال بالنسبة إلى ملكيان أمرًا مثيرًا للاهتمام جدًا، ومال نحوها بفكره وقلبه، وكان ينصح تلاميذه بقراءتها.
واستنتج بعد مدّة أن الكثير من انتقادات أصحاب النزعة التقليدية على الحداثة غير واردة، أو أنها من نوع الانتقادات التي كان الفلاسفة الحداثويون ملتفتين إليها وقد أشاروا إليها وصاروا بصدد الإجابة عنها، ومن هنا فقد تخلى عن الأصالة والنزعة التقليدية والتحق بصفوف التنوير الديني أو التجديد، وقال بالبروتستانتية الإسلامية وإيجاد نهضة في الدين الإسلامي. إن التجديد بصدد تقديم تأويل وتفسير جديد للمفاهيم الدينية، وهو ـ بخلاف التقليديين والقائلين بالأصالة ـ يسعى من خلال التفسيرات الجديدة إلى الجمع بين الأصالة والحداثة. وقد ذهب ملكيان في
بعض مراحله إلى القول بإمكان ذلك. وفي هذه الفترة الزمنية كان بعض الأشخاص من أمثال الدكتور عبد الكريم سروش أكثر ظهورًا في حقل التنوير الديني، وقد صدرت له كتب مثل كتاب (القبض والبسط النظري للشريعة)؛ ولكن في ذات هذه المرحلة حيث كان ملكيان منشغلًا بمطالعة آثار ونقد تيار الأصالة في إطار اتجاه التنوير الديني، في سعي منه إلى الجمع بين الأصالة والحداثة، كان يتجنّب الإشارة له بوصفه واحدًا من أفراد حلقة الدكتور سروش. وفي هذا السياق رفض الكثير من الدعوات الموجّهة إليه للحضور والمساهمة في مجلة كيان ـ التي تعدّ المجلة الأهم في حقل التنوير الديني ـ ولم يكتب فيها شيئًا. وفي المقابل فإنه ـ من خلال تعاونه مع مجلة (نقد و نظر) وعضويته في الشورى العلمية لهذه المجلة، التي كان يعتبرها مجلة تنتهج التجديد الديني ـ كان يسعى إلى طرح الأفكار الدينية الحديثة في المجتمع الإيراني من طريق هذه المجلة.
في المرحلة الفكرية الرابعة تطالعنا أسماء عدد من المفكرين الغربيين، وقد سمّاهم ملكيان بنفسه. لقد كان سورين كيركيغارد، وكارل ياسبرس، وغابريل مارسيل وأفكارهم وآراؤهم في توجيه الفردانية وأصالة الفرد، هو ما أثار اهتمام ملكيان. إن المسألة المهمّة بالنسبة إليه في هذه المرحلة كانت عبارة عن احتياجات ومسائل الفرد، وكان هؤلاء هم الأشخاص الذين كانوا يبحثون عن مسائل واحتياجات الفرد الإنسان في الدين المسيحي، وكان ملكيان يسعى ـ من خلال التأثر بأفكارهم ـ إلى هذه الاحتياجات واستخراج الجواب عنها من صلب الدين الإسلامي. إن التفكير الوجودي واصلت الحفاظ على ذاتها حتى آخر مرحلة فكرية ومشروع المعنوية؛ ولكن لا بحيث أنه يريد استخراج المعنوية من صلب الإسلام. إن المسألة
الأساسية بالنسبة له في المرحلة الأخيرة من مساره الفكري كانت لا تزال هي مسألة الفرد، وفي هذه المرحلة كان متأثرًا بأفكار وآراء مارتن هايدغر إلى حدّ كبير، حيث سوف نشير إلى ذلك لاحقًا.
إن المرحلة الخامسة ـ المتمثلة في بيان نظرية المعنوية ـ هي المرحلة الفكرية الأخيرة لملكيان، وقد صدرت أغلب أعماله ونظرياته في هذه المرحلة. إنه لا يعتبر فكرة المعنوية منتسبة إلى مذهب أو مدرسة خاصة أو تيار فكري خاص، من قبيل: التنوير الديني أو الوجودية؛ ومن هنا فإنه في معرض التعريف بهذه المرحلة الفكرية لا يتحدّث عن مذهب بعينه، وبذلك يكون قد عرّف عن نفسه ضمنًا بأنه هو المؤسس لهذه المدرسة الفكرية. بيد أننا من خلال تضاعيف أقواله وآثاره المكتوبة في بيان المعنوية والرأي الجديد، نتعرّف على أشخاص ومدارس وأفكار وآراء خاصة؛ الأمر الذي يُثبت بوضوح تأثر ملكيان بالآخرين. وحيث أن هذه النظرية هي النظرية الأهم لملكيان وقد ثبت عليه كل هذه المدّة الطويلة إلى الآن، فإننا سوف نعمل على بحثها ونقدها بشكل مستقل.
إن الدخول في عصر الحداثة قد غيّر الكثير من الأبنية الفكرية والاجتماعية للبشر، ومن بينها التحوّل في النظرة إلى الدين. إن الازدهار والتقدم المتسارع على المستوى الكمّي والكيفي للعلوم والمعارف والتجارب البشرية وما ترتب على ذلك من النتائج التي أدّت إلى زيادة الرفاه والرخاء وتلبية الكثير من الاحتياجات المادية للإنسان، قد أدّى إلى هذا التصوّر القائل بإمكان تلبية جميع احتياجات الإنسان في
ضوء العلم والتكنولوجيا والنتائج الحاصلة منها؛ ولكن مع مرور الزمن وظهور الكثير من المشاكل الناجمة عن التكنولوجيا والحياة المادية والاحتياجات التي لم يستطع العلم والتكنولوجيا الإجابة عنها أو تلبيتها، قد دفع الناس إلى إعادة النظر والسلوك فيما يتعلق بقدرة العلم والتكنولوجيا. إن إعادة النظر هذه في العالم الغربي ـ الذي كان يشكل مهدًا ومنشأ للحضارة الجديدة ـ قد اقترنت في الكثير من الموارد بالعودة إلى الدين مجددًا، للخلاص من الآلام والمشاكل التي تسببت بها الحياة المادية للإنسان، أو لم تتمكن من الإجابة عنها، أو لم تستطع تلبية بعض الاحتياجات التي لم يكن بمقدور العلم والتكنولوجيا والرفاه المادي أن يعمل على تلبيتها. بيد أن هذه العودة الثانية للدين لم تكن تعني العودة إلى الدين التقليدي في جميع موارده؛ بل أسدل الستار في الكثير من الموارد عن الأفكار الدينية الجديدة، وعمل على إيجاد حركات وتيارات دينية متنوّعة ومتعددة، وفي الوقت نفسه تمّ اعتبار السبب الرئيس لظهورها هو «اعتراض الإنسان على التجدّد».
وفي الوقت الذي نواجه فيه ولادة الاتجاه إلى الدين في حياة الإنسان المعاصر، كان الاتجاه الجديد إلى الدين بحيث كان يحتوي في أحشائه في الغالب ـ بنحو من الأنحاء ـ على جذور المجتمع الحديث، ولم يقف إلى الضدّ منها. إن من بين مباني المجتمع الحديث والتي تمّ الحفاظ عليها في أغلب الحركات والتيارات الدينية الجديدة، الرؤية الإنسانية التي ألقت بظلالها على جميع المجالات الفكرية للإنسان الحديث ابتداء من الإلهيات وصولًا إلى الفلسفة والفن. إن الفكر الإنساني يؤكد على الفردانية وعلى
قدرة الإنسان وأصالته؛ وعلى هذا الأساس فإن أسس الأديان الجديدة قد ترسّخت على أساس الأفكار والأمزجة والرغبات التي يعبّر عنها الإنسان الحديث، وإن «التيارات الدينية المستحدثة» إنما هي إفراز عن هذه الإرادة.
إن هذا النوع من التيارات تمتاز من الأديان التقليدية على أساس الخصائص التي تتصف بها. في حين أنه تم اعتبار بدايتها من منتصف القرن التاسع عشر للميلاد بوصفها جذورًا للأديان الجديدة، بيد أننا عقد الستينات من القرن العشرين للميلاد، ولا سيما في عام 1965م، أخذنا نشهد نموًّا وانتشارًا لرقعة هذه الأديان الجديدة.
إن الأديان تتمتع في ذاتها بمعنوية ذات خصائص معيّنة، وهي واحدة في جميعها بشكل وآخر. إن هذا النوع من المعنوية جزء من الدين ويقع في صلبه، بيد أن الأديان الجديدة قد عملت على إيجاد أنواع من المعنوية والعرفان الجديد، يجعلها مختلفة عن تعريف الدين، واليوم يُعرف الدين والمعنوية في العالم الحديث بوصفهما أمران مختلفان عن بعضهما، ولو نظرنا إلى الأمر من زاوية الجذور التاريخية، سوف نجد أن القول بهذا التمايز والاختلاف بين المعنوية والدين قد بدأ منذ أن تمّ تقسيم الدين إلى دين رسمي ودين شخصي.
إن الدين الشخصي هو ذلك الشيء الذي يتم التعريف به اليوم بوصفه معنوية. إن وليم جيمس هو أول من قام بهذا التقسيم، وقد أصبح هذا أساسًا ومبنى للمعنوية بمفهومها الجديد.
(22)في حين أنه قبل توجه المجتمعات الغربية نحو العلمانية وانتشار نوع من البرود في العلاقة مع المؤسسات الدينية، لم تكن مفاهيم الدين والمعنوية تمتاز من بعضها.
إن بيان نظرية العقلانية والمعنوية من قبل ملكيان يقوم بدوره على أساس هذه الرؤية إلى الإنسان الجديد، ومن منطلق هذه السابقة. وقد اعتبر الأديان الجديدة التي يعود ظهورها إلى بداية القرن التاسع عشر للميلاد بوصفها سوابق وجذورًا لمعنويته المنشودة، وإن ذات هذه السابقة والصلة هي التي تجعل تفكيره مشتركًا مع الحركات الدينية.
إن معنوية هذه النظرية ـ مثل سائر الحركات الدينية الجديدة ـ معنوية علمانية. إن هذه الخصوصية هي التي تميّز المعنوية من الأديان التقليدية والرسمية، وتؤكد على «العقلانية» والفهم الشخصي في نظرية المعنوية، وإن أهم ما يميّزها من الدين الرسمي والتقليدي هو وفاء المعنوية للعقلانية ووفاء الدين الرسمي للتقليد. وعلى هذا الأساس فقد اعتبر الدين التقليدي عاجزًا عن تلبية الاحتياجات الأساسية للإنسان المعاصر، ولا سيّما فيما يتعلق بالتخفيف من آلام البشر، وذهب إلى الاعتقاد بوجوب استبدال المعنوية والدين الشخصي بالدين الرسمي والتقليدي.
ومن ناحية أخرى فإنه يعمد إلى نقد ابتلاء الحضارة الغربية بالعلمانية التي أدّت
(23)إلى حرمان الإنسان المعاصر من المعنوية. ومن هنا فإن يتخذ من نظرية المعنوية وسيلة لإصلاح بهذين الاتجاهين؛ وهما: الدين الرسمي والتقليدي الذي لا يراه وفيًا للعقلانية، والآخر العقلانية التجريبية للحضارة الغربية التي تحرم الإنسان من الحياة المعنوية. إن هذا الاتجاه التقابلي قد تبلور على أساس هذا الاعتقاد القائل بأن الحضارات المختلفة تقوم بالتضحية بواحد من (العقلانية والمعنوية) فداءً للآخر. وقد ذكر هنا حضارة الهند القديمة ـ على سبيل المثال ـ وقال بأن هذا النوع من الحضارات قد ضحّى بالعقلانية في سبيل المعنوية، وعلى المقلب الآخر نجد الحضارة الغربية الجديدة التي تضحي بالمعنوية في سبيل العقلانية، ولذلك لم يؤدّ أيّ واحد منهما ولن يؤدّي إلى الصواب. وعلى هذا الأساس يذهب ملكيان إلى الاعتقاد بأنه «إذا كان هناك من طريق لخلاص البشر، فهو يكمن في الجمع والتلفيق بين العقلانية والمعنوية، والوفاء بحق كل واحد من هاتين الفضيلتين».
إن ملكيان على الرغم من اعتبار اتجاهه في العمل على إصلاح الدين التقليدي والحداثة على السواء، ولكن حيث يرى نفسه في مواجهة مباشرة مع المخاطبين المتدينين، فإنه في هذه النظرية يتعرّض بالنقد للنزعة الدينية التقليدية والدين الرسمي والتقليدي، بشكل أكثر من تعرّضه لنقد العقلانية التحصيلية والعلمانية الغربية.
وانكشاف تام عن أفكارنا حول شيء ما، لندرك مدى التأثير الملحوظ الذي يمكن لذلك الشيء أن يتركه في العمل.
وقد عمد ساندرز بيرس إلى تعريف البراغماتية بأنها أسلوب علمي يكون كل تفكير على أساسه ناظرًا إلى موقعية عملية. إن العقلانية في هذه النظرية ترنو إلى الغاية أو العقلانية الآلية، ويتم تعريف المفهومية بمدى جدوائيتها في العمل، وهذا هو المعنى الذي نجد ملكيان يستعمله في كلماته مرارًا وتكرارًا أيضًا. إنه يؤكد على هذا الأمر، وهو أنه على الرغم من عدم إمكان إثبات الأمور البراغماتية بواسطة العقل، ولكنها تنطوي على نتائج وآثار عملية مفيدة ومطلوبة بالنسبة لنا؛ ولذلك فإنها سوف تحظى بالعقلانية العملية والبراغماتية. كما أقرّ بتأثره بأفكار وآراء وليم جيمس في هذا الشأن أيضًا.
إن الرؤية الوجودية بشكل عام ورؤية مارتن هايدغر بشكل خاص، من بين الموارد التي استفاد منها ملكيان في نظرية العقلانية والمعنوية. لقد تمّ إبداع هذه المفردة للمرّة الأولى عام 1940 م من قبل الفيلسوف الفرنسي غابريل مارسيل، ثم أطلق جان بول سارتر على فلسفته عنوان الوجودية رسميًا. وعلى الرغم من السابقة
(26)العريقة والطويلة لهذه الرؤية، إلا أن العرف الأكاديمي المعاصر يعتبر القرن التاسع عشر للميلاد بوصفه منطلقًا جادًا لظهور هذه المدرسة الفلسفية. ويُعتبر سورين كيركيغارد (1813 ـ 1855 م) بوصف أبًا للوجودية. وقد ذكر ملكيان بدوره أن نظرية العقلانية والمعنوية في جانبها الذي يدعي المعنوية شديدة القرب من الفلاسفة الوجوديين.
إن مبنى التفكير الوجودي يقوم على أساس تقدّم وجود الإنسان على ماهيته، وإن هذا التفكير تكمن أهميته بالنسبة إلى ملكيان في تأكيده على الفرد الإنساني. إن الإنسان في الفلسفة الوجودية كائن تمّ القذف به في الوجود، وإن حضور الإنسان الوجودي من وجهة نظر مارتن هايدغر بدوره من دون بداية ولا نهاية وإنه قد ظهر صدفة. وقد اشتهرت عنه هذه العبارة التي يقول فيها: «لقد ظهرنا على مسرح الوجود من دون مقدمات، ومن دون أن يأخذ أحد الإذن منا وجدنا أنفسنا في هذه الحياة فجأة. وكلنا يرى أنه قد تمّ القذف بنا في وسط هذا العالم». وقد أكد ملكيان بدوره على أن السؤال القائل: من أين أتيت؟ وإلى أين سوف أذهب؟ ليس هو المهم بالنسبة إلى الإنسان في نظرية المعنوية، وإنما السؤال المهم بالنسبة إلى الإنسان المعنوي هو السؤال القائل: «ما الذي يجب أن أفعله؟». إن العلمانية والكينونة في هذا المكان الراهن، وتعليق المبدأ والمعاد، أمر يتكرر في كلام ملكيان كثيرًا.
(27)إن مفهوم الإنسان الأصيل عند مارتن هايدغر هو الآخر من بين الأمور التي استفاد منها ملكيان في نظريته مرارًا وتكرارًا. إن ملكيان من خلال إشارته إلى هذه الرؤية لهايدغر يذكر في أعماله أن الإنسان المعنوي إنما يعمل على أساس من فهمه، فهو حاكم على ذاته ولا يقبل حكومة الآخر، ولا يدخل ضمن إطار أيّ مؤسسة أو منظومة. وقد اعتبر المعنوية بدورها في ضوء هذه الرؤية دينًا مشخصن في قبال الدين الرسمي؛ حيث يقوم الشخص بصياغة معتقداته المعنوية على أساس فهمه وتشخيصه.
إن بوذا والبوذية من المؤثرين الأساسيين على تفكير ملكيان في نظرية المعنوية. فقد أشار في موارد كثيرة من أعماله وفي الأبحاث المرتبطة بحالات وأفكار بوذا في إطار بيان المعنوية المنشودة له. إن الخصوصية الأهم في دين بوذا من وجهة نظر ملكيان، هي تأكيده على الألم والتحرّر من الألم. كما أنه سمّى شخص بوذا بوصفه نموذجًا ومثالًا ناجحًا للإنسان المعنوي المنشود له. وقد تحدّث في حوار أجري معه في مورد علاقة دين بوذا مع المعنوية، قائلًا: >أرى أن دين بوذا يحظى بثلاث خصال تؤهله ليصبح دينًا عالميًا؛ وذلك أولًا: إن بوذا هو المؤسس الوحيد لدين ومذهب لا يطلب منا الطاعة المطلقة والعمياء ... وثانيًا: إن دين بوذا هو الدين الذي يحتوي
على الحدّ الأدنى من الشريعة، بحيث أنه يهتم بالباطن أكثر من أي دين آخر، ولا يبدي اهتمامًا بظواهرنا ... وثالثًا: إن دين بوذا يقول منذ البداية إنه جاء من أجل آلام ومحن البشر، وإن هذا الدين هو الدين الوحيد الذي يقول ذلك ... ليس هناك أيّ دين تتحدّث جميع أجزائه عن الألم والعذاب مثل دين بوذا».
إن الهاجس الأهم الذي أدخل ملكيان ـ بزعمه ـ في المرحلة الأخيرة من مراحله الفكرية وحقل المعنوية، هو مسألة ألم الإنسان، والعثور على طريق لخلاص الإنسان من الألم. إن المسألة الأهم ـ من وجهة نظره ـ والغاية القصوى (الهدف النهائي) في حياة جميع الأشخاص، والمنشأ والهدف الأصلي لجميع الأديان، كان هو «الخلاص من الألم». يرى ملكيان أن الأديان كان بمقدورها أن تحقق هذه الغاية للإنسان في السابق، وأما الآن فقد فقدت الأديان دورها القديم في التخفيف من الآلام البشرية. ولهذا السبب فإنه يذهب إلى الاعتقاد بضرورة استبدال الدين التقليدي بشيء آخر، وليس هذا الشيء الآخر سوى المعنوية، والمعنوية فهم جديد للدين. إن المعنوية من وجهة نظره شيء فذ، وهي الطريق الوحيد للحصول على الهدوء
والسكينة والطمأنينة والخلاص من الألم.
إن معنوية هذه النظرية ـ مثل التيارات الدينية الجديدة ـ معنوية علمانية. وإن هذه الخصوصية هي التي تميّز المعنوية من الأديان الرسمية.
إن العقلانية هي إحدى المفهومين الرئيسين في هذه النظرية. إن العقلانية تعني التبعية للعقل أو اتباع حكم العقل. وقد قدّم ملكيان تعريفات متعدّدة لهذه الكلمة في نظريته. إن تعريفه الإجمالي للعقلانية، عبارة عن اتباع الإنسان للاستدلال الصحيح؛ وأما في التعاريف التفصيلية، فنجد أن تعريفاته ليست على وتيرة واحدة؛ إذ قال في مورد: «إن العقلانية هي مقدار التعلق بقضية أو معتقد ما، بما يتناسب مع قوّة شواهد تلك القضية أو المعتقد». إلا أن ذات هذا التعريف قد تمّ بيته في موضع آخر للتعريف بمجرّد قسم من العقلانية، ألا وهي العقلانية النظرية. وذات هذا الإشكال يتجلى في تعريف العقلانية العملية أيضًا. فقد قال في موضع: إن العقلانية العملية «تعني العمل على جعل الوسائل تتناسب مع الأهداف والغايات بشكل أكبر». بيد أنه قال في موضع آخر بأن هذا التعريف إنما يقتصر على
العقلانية الذرائعية، والعقلانية الذرائعية إنما هي مجرّد نوع من أنواع العقل العملي؛ في حين أن العقلانية العملية تشتمل على قسمين آخرين أيضًا.
إن فهم معنى العقلانية النظرية والعملية بالغ الأهمية في هذه النظرية؛ وعلى الرغم من أن ملكيان لا يقدّم في مقالاته المعنوية تفكيكًا بين هذين الأمرين، ويستعمل كلمة العقلانية بشكل مطلق؛ فيقول في موضع ـ على سبيل المثال ـ حيث لا يكون هناك موطئ لقدم العقل يكون الموضع خالصًا للمعنوية، بينما يؤكد في موارد أخرى بأن المعنوية على صلة بالعقلانية. إن رفع التضاد القائم بين هذين النوعين من العبارات إنما هو رهن بمعرفة مراده من كلمة العقلانية.
وبالإضافة إلى هذين القسمين المذكورين، تحدّث ملكيان عن قسم آخر أيضًا وضمّه إلى أقسام العقلانية، وأطلق عليه عنوان «العقلانية القولية»، وقال في تعريفه:
«إن العقلانية القولية بدورها تعني وجوب تناسب الوسيلة مع الغاية في القول أيضًا. وفي العقلانية القولية كلما عملنا على تشذيب الكلام من الإبهام والإيهام، نكون قد حصلنا على المزيد من العقلانية القولية».
المورد الآخر للعقلانية ـ من وجهة نظره ـ حيث لا تعمل التحقيقات الكافية على إثبات عقيدة، ولكن يمكن أن نظهر أو أن نثبت أن عقيدة ما تحظى بالأرجحية بالنسبة إلى ما يقابلها وبالنسبة إلى توقف الحكم فيها، أو أن يحظى الاستدلال
بالنسبة إلى الاستدلال الآخر المقابل له أو نقيضه، باحتمال صدق أكبر. ويمكن لنا تسمية هذا النوع من العقلانية بـ «العقلانية الترجيحية».
إن النقطة المهمّة في البين تكمن في سعيه إلى ربط المعنوية بالعقلانية ـ التي استخرجها من الحداثة ـ ليجعل المعنوية متناغمة مع الحياة المتجدّدة. وهو يرى «أن العقلانية المتجددة ليست شيئًا أكثر من وسيلة وأداة لتشكيل وصياغة العالم كما نريد وكما نحب». يمكن أن نستنتج من هذين الكلامين أن العقلانية المرتبطة بالمعنوية، إنما هي في الواقع علاقة العقلانية الذرائعية بالمعنوية. إن هذه النتيجة سوف تتضح في الأبحاث القادمة بشكل كامل.
يرى ملكيان أن الموقف الذي يتخذه كل شخص أو تيار فكري في قبال العقل، هو الذي يحدد موضعه بوصفه شخصًا أو تيارًا تقليديًا أو تجديديًا أو ما فوق التجديدي. إن أصحاب القول بالأصالة يعتبرون العقل مصدرًا ناقصًا وغير تام للمعرفة، ولذلك فإنهم يعضدون العقل بالتراث والسنة، بينما يذهب المتجددون إلى اعتبار العقل مصدرًا كاملًا وكافيًا، وأن بإمكانه أن يحكم في مورد كل شيء، ولا يؤمنون بمصدر آخر غيره، وأما ما بعد المتجددين فإنهم في الأساس لا يرون
العقل كاشفًا عن الواقع، سواء في مورد جزء من حقائق العالم على ما يراه أصحاب الأصالة، أو في مورد جميع حقائق العالم على ما يقوله المتجددون. إن تيار ما بعد التجدد أو ما بعد الحداثة تيار ظهر في الفترة الواقعة ما بين عقد الخمسينات إلى السبعينات من القرن العشرين للميلاد؛ بيد أن خلفيات ومقدمات هذا التيار الفكري كانت موجودة في القرون الماضية في الاتجاه الفكري لدى أشخاص من أمثال: ديفد هيوم وإيمانوئيل كانط أيضًا.
وعلى الرغم من أن ملكيان قد تحدّث في أعماله وآثاره الخاصة بالمرحلة المعنوية من تفكيره عن العقلانية الحديثة، إلا أن الذي يبدو من الشواهد والأدلة هو أن مراده من العقلانية في هذه النظرية ـ في ضوء التقسيم أعلاه ـ أكثر تناغمًا مع عقلانية ما بعد الحداثة؛ وذلك لأنه يرى أن العقلانية الحديثة عقلانية تحصيلية، قد حالت دون وصول الإنسان إلى الحياة المعنوية. ويرى أن العقلانية التقليدية قائمة على ما بعد الطبيعة، وهو أمر غير قابل للإثبات، وحيث أن المعتقدات الدينية إنما تقوم على تلك العقلانية، فإنها ـ من وجهة نظره ـ لا تحتوي على الدليل الكافي، ولا تكون قابلة للإثبات، ومن هنا فقد اعتبر الدين التقليدي فاقدًا للمعرفة عن الآلام الأصلية للإنسان وعاجزًا عن تقديم العلاج لهذه الآلام. وعلى هذا الأساس فإن العقلانية الوحيدة المقبولة من وجهة نظره هي العقلانية ما بعد الحداثوية؛ لأنها لا تحتاج إلى
إثبات المعتقدات المعنوية، ولا يتوقع من تلك المعتقدات سوى النتائج العملية المفيدة. وإن هذه النتيجة قابلة للتحقق بالنسبة له بواسطة العقلانية ما بعد الحداثوية.
إن المعتقدات المعنوية من وجهة نظر ملكيان، هي من الأسرار «المتعذرة على العقل»؛ بمعنى أن العقل الاستدلالي لا يمتلك القدرة على تأييدها ولا على رفضها وإنكارها. إذن لا ينبغي السعي إلى إثباتها بواسطة العقل النظري. وفي الوقت نفسه فإن هذه المعتقدات تحظى بالعقلانية العملية (الذرائعية)، بمعنى أن هذه المعتقدات تمثل وسيلة لإيصالنا إلى السكينة والطمأنينة؛ وعلى هذا الأساس لو أمكن لنا أن نثبت أن المعتقدات تضمن لنا السلامة النفسية والهدوء والسكينة ـ بمعزل عن حكايتها عن الواقع أو عدم حكايتها عن الواقع ـ فإن هذه المعتقدات سوف تكون معنوية، وبهذه الطريقة سوف ترتبط المعنوية بالعقلانية في هذه النظرية. وذلك لاعتقاده بالقول «حيث توجد مشاكل معرفية في طلب صدق وكذب مدعيات العقائد المختلفة، وعدم إثبات صدق وكذب تلك المعتقدات بالعقل النظري، يجب علينا الرجوع في نقدها وتقييمها إلى آثارها ونتائجها العملية». إنه في الواقع يرى نفسه من هذه الناحية موافقًا لرؤية وليم جيمس في القول بوجوب الذهاب إلى أبعد من الحكم المعرفي، وقياس الأمر بميزان العقل العملي، وهذا هو موضع الإيمان تمامًا. إن الإيمان من وجهة نظره يعني الاعتقاد بشيء لا نمتلك دليلًا على إثباته؛
إلا أن الإيمان به يؤدّي إلى تحقيق نتائج نفسية إيجابية لدى المؤمن، ويرى أن الإنسان المعنوي يكون من أهل الإيمان بهذا المعنى.
بالنظر إلى ما تمّ بيانه تكون العقلانية في هذه النظرية متطابقة مع عقلانية ما بعد الحداثة؛ حيث لا تعتقد بالحكاية عن الواقع، في قبال العقلانية التقليدية والعقلانية التحصيلية الحديثة التي تقوم على أساس حكاية العقل عن الواقع.
إن المعنوية تأتي بمعنى (Spirituality) في اللغة الإنجليزية، وهي مشتقة من لفظ (Spirit) بمعنى الروح. إن المعنوية تستعمل في الفهم العُرفي في قبال المادية؛ بمعنى الاعتقاد والتفكير والعمل بشيء لا يقع ضمن أطر العالم المادي ومعاييره، ولا يمكن إدراكه بالحواس الخمس. وهناك من عرّف المعنوية بأنها تعني «التعلق المشترك بالأمر المقدس ولمس وإحياء سرّ الحياة». يذهب ملكيان إلى اعتبار المعنوية « سرًّا»، ويقول: إن الاعتقاد بـ «السرّ» يدخلنا في دائرة المعنوية، ولو اعتقد شخص بعدم وجود السر، لا يمكن له أن يكون إنسانًا معنويًا.
إن تعريف المعنوية في أعمال ملكيان ـ على غرار العقلانية ـ ليس على وتيرة
واحدة. ففي البداية عمد إلى تعريف المعنوية بأنها عبارة عن «الدين المعقلن». وفي التعريف اللاحق قال بأن المعنوية لا يمكن تعريفها إلا من خلال تطبيقها. وعلى أساس التعريف العملي: «المعنوية نمط من المواجهة مع عالم الوجود، حيث يعيش الإنسان بشكل عام بالرضا الباطني ... ولا يعاني من الاضطراب والخوف والإحباط». أو التعريف القائل: «إن المعنوية ... هي المسار الذي يؤدّي إلى الحدّ الأدنى من الألم الممكن». ولاحقًا قدّم تعريفًا غير عملي، حيث قال: «إن المعنوية تعني أن يؤمن الإنسان من الناحية الوجودية والأنطولوجية بأن العالم لا ينحصر بما تقوله القوانين الفيزيائية والكيميائية والأحيائية، كما أن العالم من الناحية الأبستمولوجية لا ينحصر في كل ما تدركه عقول البشر، وإن هناك في العالم حقائق خارج طول وعرض العقول البشرية، ومن الناحية النفسية لا تكون نفس الفرد هي النفسية المنشودة، وإن على الإنسان أن يسعى من أجل الحصول على النفسية المطلوبة والمثالية. إن كل شخص يقول بهذه الأبعاد والأفكار الثلاثة، وهي البُعد الأنطولوجي، والبُعد الأبستمولوجي، والبُعد السايكولوجي، يمكن تسميته بوصفه إنسانًا معنويًا».
وباختصار فإن المعنوية من وجهة نظره عبارة عن الاعتقاد بالأسرار غير القابلة للإثبات، ولكنها ـ في الوقت نفسه ـ تنطوي على فائدة نفسية بالنسبة إلى الإنسان.
يذهب ملكيان إلى الاعتقاد بأن المعنوية لا تنطوي على أيّ التزام بدين خاص؛ بل إن المعنوية لا تقبل الجمع مع الدين التقليدي، ولكن في الوقت نفسه يمكن للدين والمعنوية أن يشتملا على عقائد مشتركة، من قبيل: الاعتقاد بوجود الله، بيد أن المتدين إنما يؤمن بوجود الله على أساس اعتبار الله مفهومًا واقعيًا، في حين أن الإنسان المعنوي إنما يؤمن بالله بوصفه سرًّا بعيد المنال ولكنه يورث السكينة والطمأنينة؛ بمعنى أنه إنما يؤمن به لما ينطوي عليه من الفائدة العملية. كما أنه في مقام العمل يعتبر الشخص المتدين والإنسان المعنوي يشتركان في بعض الأعمال والممارسات أيضًا، مع فارق أن الإنسان المعنوي إذا صلى مثل الشخص المتدين، فإنه لا يصلي هذه الصلاة بطبيعة الحال لأنه استنبطها من مصدر ديني، بل من حيث حصوله عليها من خلال التجربة الشخصية أو المعنوية. وقد لا تحصل للشخص المعنوي الآخر مثل هذه التجربة عن الصلاة، وعليه لا تكون الصلاة مفيدة بالنسبة إليه، ولا يكون له أيّ التزام بها. ومن هنا يمكن لشخصين معنوين أن يسلكا سلوكين مختلفين عن بعضهما. كما أن الإنسان المعنوي لا يمتلك أيّ سنن خاصّة قطعًا.
إن نظرية المعنوية حيث لا تشتمل على أعمال خاصّة، وإن أسرارها بدورها عبارة عن أمور غير متعيّنة، فإنها تحتوي على مرونة، ويمكن لها الانطباق مع مختلف الأديان دون أن تلتزم بأيّ واحد منها.
وفي ادعاء عن المعنوية ذهب ملكيان إلى القول بأن نسبة المعنوية إلى الدين كنسبة الدرّ إلى الصدف؛ وهو الدرّ المشترك بين جميع الأديان. مع التأكيد على هذا المعنى وهو أن المعنوية لا تنتمي إلى أيّ دين بعينه. هذا في حين يذهب المفكرون في الشأن الديني إلى الاعتقاد بأن المعنوية في مفهومها وماهيتها تابعة إلى الدين بشكل كامل؛ بحيث ترد هاتان الكلمتان في أعمال بعض المفكرين في الشأن الديني بشكل مترادف.
نواجه في العالم المعاصر نوعين من المعنوية، وقد حظي هذان النوعان باهتمام وإقبال واسع من قبل الكثير من الناس؛ أحدهما: الحركات الدينية الجديدة والمعنويات المستحدثة، والنوع الآخر: المعنوية والعرفان الديني. وإن المعنوية في هذه النظرية مورد البحث تنطوي على بعض نقاط الاختلاف والاشتراك بالنسبة إلى هذين النوعين من المعنوية.
إن المعنوية من وجهة نظر ملكيان تحتوي على نقاط اشتراك واختلاف مع الحركات الدينية الحديثة. وتسمى هذه الحركات بحركات العرفان الحديث أو المعنويات المستحدثة أيضًا. لم يأت ملكيان على ذكر وجوه الاختلاف بينه وبين هذه الحركات،
ولكن من خلال المقارنة بينها، يمكن عدّ بعض نقاط الاختلاف والاشتراك في هذا الشأن، وذلك على النحو الآتي :
ـ السعادة الدنيوية: إن الحركات الدينية الجديدة قد ابتعدت بشكل عام عن السعادة بمعناها التقليدي والديني، وبدلًا من المعايير الأخلاقية والأبدية لتقييم السعادة، تعمل على قياس تطلعاتها ومدعياتها الدينية من خلال المعطيات المادية البحتة. وإن ملكيان بدوره يعتبر معنويته علمانية؛ بمعنى أنها تنتمي إلى هذه العالم؛ أي أن هذا العالم هو مركز اهتمامه. ويؤكّد على أن هذه الخصوصية العلمانية لا تنسجم مع النزعة الأخروية للأديان والرؤية التي تحملها الأديان بالنسبة إلى الآخرة.
ـ المواجهة مع الدين التقليدي: إن من بين خصائص الحركات والتيارات العرفانية الحديثة، تجريد الدين من عناصر قوته، وخفضه إلى مستوى الإيمان، وفصل الأخلاق من باطن الدين. ويرى ملكيان بدوره أن معنويته تعني الإيمان ويحله محل الدين.
ـ ادعاء امتلاك جوهر الدين والتخلي عن المناسك: إن الشعور والإحساس
بحيازة جوهر الدين، هو الإحساس والشعور المشترك بين جميع التيارات والحركات الدينية الحديثة. وإن الاتجاه الرئيس في هذه التيارات يكمن في عدم وجود المناسك الدينية. وقد ذهب ملكيان بدوره إلى الادعاء باشتمال المعنوية المنشودة له على جوهر الدين، في الكثير من الموارد.
ـ المحورية الذاتية: إن المسؤولية تجاه الذات من المفاهيم الشائعة بين التيارات الدينية الحديثة. إن الحبور، والهدوء الباطني والسكينة الداخلية، وتحسين الحياة في هذا العالم، والسلامة الجسدية، وحتى الرفاه الاقتصادي، من جملة مدعيات هذه التيارات. وفي خصائص الإنسان المعنوي في هذه النظرية، جاء أيضًا أن المعنويين في عالمنا هم من أحبّ الناس، وعلى هذا الأساس فإن كل عمل يقومون به، إنما يكون لدفع الضرر وجلب المنفعة. وحتى حيث يروم تخفيف آلام الآخرين وأوجاعهم، فهو إنما يفعل ذلك من أجل تخفيف آلامه وأوجاعه.
إن التيارات المعنوية الحديثة تحتوي في الغالب على بنية وعلى نظام وإطار محدّد ومعيّن، وقد ظهرت في الغالب على شكل مؤسسة دينية لها قواعدها، وأما نظرية المعنوية ـ بناء على ما يصرّح به ملكيان ـ فهي مجرّد أمر شخصي وليس لها بنية محدّدة ومعيّنة. مدعيًا أن الإنسان المعنوي باحث عن البيّنة، وأن عقائده في حالة من التكامل.
الاختلاف الآخر أن التيارات الدينية غالبًا ما تعرّف عن نفسها في قبال العقلانية الحديثة. إن هذه التيارات لا تتماهى مع العقل، بل هي في أغلب الموارد تعارض العقل وتجانب المنطق، وتجنح نحو الخيال، وتقوم على أساس خلسة النفس والشهود غير المستدل.
وأما ادعاء ملكيان فهو يشير على الدوام إلى أن المعنوية المنشودة له في ارتباط مع العقلانية. رغم أننا نواجه هنا في الحقيقة والواقع مجرّد ادعاء من قبله، وهو بدوره يقرّ بأن معتقداته المعنوية لا تستند إلى دليل. إن مدّعاه الوحيد هو مجرّد ارتباط المعنوية بالعقلانية العملية والمطلوبية النفسية. إن هذا الادعاء يمكن أن يتمّ القبول به من قبل التيارات والحركات الدينية الحديثة.
إن المراد من الدين في هذه المقارنة هو الأديان السماوية، ولا سيّما منها الدين الإسلامي بشكل خاص.
ـ يرى مصطفى ملكيان أن معنوية نظريته عبارة عن لبّ وجوهر ونواة الدين. ويذهب العرفاء بدورهم إلى اعتبار الوصول إلى حقيقة وباطن الدين هدفًا وغاية لهم.
ـ إن نظرية المعنوية لا ترى القضايا الدينية قابلة للإثبات بواسطة العقل النظري. وقال العرفاء بدورهم إن الحقائق الربانية أبعد من طور العقل، حيث لا يمكن الوصول إليها إلا بالشهود القلبي فقط.
ـ حيث تشتمل هذه المعنوية على الخصوصية العلمانية، فإن نظرية المعنوية تؤكد على الزمن الحالي واللحظة الراهنة والكينونة في هذا المكان. ويدّعي أن العرفاء يذهبون إلى هذا القول أيضًا. إن من بين المصطلحات الشائعة بين الصوفية مصطلح «ابن الوقت»؛ بمعنى أن الوقت المهم بالنسبة إليهم هو الوقت الذي يحلّ فيه، ولا
يرى قيمة للماضي والمستقبل. يرى ملكيان أن هذه الخصوصية في العرفان الديني تعتبر دليلًا على العلمانية والكينونة في هذا العالم.
هناك اشتراك في بعض نقاط الاختلاف في ذات الموارد المدعاة من قبله، وهي كالآتي:
ـ الاختلاف في نقد العقل النظري: إن هذه النظرية لا ترى إمكان الوصول إلى الحقائق ما بعد الطبيعية بالنسبة إلى الإنسان. وفي الأساس فإن المعنوية لا تبحث عن الحقائق، وإنما تبحث عن ذلك الشيء الذي يكون نافعًا ومفيدًا ومؤدّيًا إلى الاطمئنان والسكينة. وأما العارف فهو يؤمن بالكشف عن الحقيقة، ويسعى من أجل الوصول إليها، ولكن لا من طريق العقلانية النظرية، بل من طريق الكشف والشهود. كما أن العارف لا ينكر العقل الاستدلالي بالمطلق، وإنما يرى العقل قادرًا على مجرّد إثبات بعض الحقائق الميتافيزيقية فقط. كما أنهم في العرفان النظري كانوا يعملون على إثبات مدّعياتهم من خلال القول باعتبار الاستدلال العقلي.
ـ إن العرفان الديني ينتمي إلى ذات ما بعد الطبيعة التي ينتمي إليها الدين
التقليدي، على الرغم من أن طريق الوصول والإيمان بحقائق ما بعد الطبيعة يكون في العرفان عبر الكشف والشهود، إلا أن ما بعد الطبيعة التي يقوم عليها الدين ـ من وجهة نظر ملكيان ـ لا تقبل الكشف والإثبات.
ـ ان اتصاف العارف بأنه «ابن الوقت» يختلف عن عولمة هذه المعنوية.
إن ابن الوقت يعني أن يقوم السالك باغتنام الفرص في كل لحظة، وأن يتعرّض أبدًا للنفحات الإلهية، حتى إذا هبّت رياح النفخة الإلهية، اتخذ منها الموقف المناسب. إن على العارف أن يكون عالمًا بالوقت، بمعنى أن عليه أن يكون عارفًا بالحالة الغيبية التي تعرض له، والوظيفة التي يجب أن يعمل بها فيما يتعلق بتلك الحالة. إن العارف الديني لا يعمل على نفي الآخرة أبدًا أو يعمل على تعليقها ولا هو غير مهتم بها. إن الجنة التي يطلبها العارف تفوق الجنة التي وُعد بها الزاهد، وأما نظرية المعنوية فهي تعمل على تعليق الآخرة، وتبحث عن الجنة الدنيوية.
ـ إن المعنوية في هذه النظرية قد عرّفت عن نفسها بوصفها الجوهر المشترك بين جميع الأديان، وأنها لا تتعلق بأيّ دين خاص، وأما العارف في كل دين فيرى عرفانه ومعنويته هي الجوهر الديني الذي يتعلق به. وكما ورد في ذلك قولهم: «لا يوجد في التعاليم الدينية شيء اسمه العرفان المجرّد الذي لا تكون هناك أيّ نسبة بينه وبين الظواهر الدينية الأخرى، وكل ما هنالك هو عرفان الأنظمة الدينية الخاصّة، مثل
العرفان اليهودي، والعرفان المسيحي، والعرفان الإسلامي، ونظائر ذلك».
ـ يقول ملكيان: إن الإنسان المعنوي منفصل عن كل ما سواه. من قبيل الإنسان الوجودي الذي تمّ القذف به في الوجود، وأما الإنسان العارف فيعتبر نفسه متصلًا بالله سبحانه وتعالى، ويرى نفسه في كل لحظة محتاجًا إلى فيض الحق تعالى، ويرى أن علمه الحقيقي إلهامًا من الحق تعالى.
ـ إن هذه المعنوية لا ترى ضرورة للالتزام بالسلوك الديني والقيام بالأحكام والتعاليم الدينية للحصول على جوهر الأديان، وترى حتى الشخص غير المعتقد بدين يمكنه أن يصل إلى جوهر الدين (المعنوية)، وتؤكّد على أن الإنسان المعنوي ليست لديه آداب خاصّة قطعًا، في حين أن الكثير من العرفاء الدينيين، يرون أن جوهر الدين حقيقة لا يمكن الحصول عليها إلا من الشريعة الدينية، في حين يذهب الكثير من العرفاء الدينيين إلى الاعتقاد بأن جوهر الدين حقيقة لا يمكن الحصول عليها إلا من الشريعة الدينية، ويرون ضرورة الالتزام بالآداب والتعاليم
الدينية الخاصة.
وقد قال سراج الدين الطوسي أن من بين أركان السلوك العرفاني القيام بجميع الواجبات الدينية. وقال الكلاباذي إن هذه هي العقيدة التي قام عليها إجماع أهل التصوّف.
ـ الاختلاف في الموضوع والغاية: إن الموضوع والغاية في العرفان الديني هو الله سبحانه وتعالى والوجود المطلق، وأما في نظرية المعنوية فالموضوع هو الإنسان. إن العارف بصدد البحث عن معرفة الحق تعالى وصفات الله وأسمائه وتجلياته. وأما في هذه النظرية فيمكن للشخص أن يكون معنويًا، وفي الوقت نفسه لا يكون مؤمنًا بالله. إن المحور الأصلي لنظرية المعنوية هو الإنسان وآلامه ومعاناته.
ـ إن المعنوية هنا إنما تقوم على القدرات الذاتية للإنسان، ولا تطلب العون والمساعدة من أيّ شيء آخر غير قواها الذاتية.
هذا في حين أن الإنسان العارف يرى نفسه ـ في اكتشاف الحقيقة، والسير والسلوك، وتحصيل الأحوال المعنوية، وفي جميع علومه ومعارفه ـ معتمدًا على
الجذبة الإلهية والفيض الإلهي.
ـ إن هدف وغاية العرفان الديني هي الوصول إلى الله والفناء في الذات الإلهية. إن العارف يطلب الله لذات الله وليس لأيّ شيء آخر. إن الغاية في العرفان الديني هي خروج الإنسان من ذاته والفناء في الوجود المطلق. وأما الغاية بالنسبة إلى الإنسان في هذه النظرية، فهي الوصول إلى الهدوء والسكينة والخلاص من المعاناة والألم.
إن هذه النظرية تسعى إلى إثبات أن الطريق الوحيد للوصول إلى السكينة والطمأنينة والتخفيف من الآلام أو الخلاص من العذابات يكمن في الربط بين العقلانية والمعنوية. ولكن كيف يمكن تحقيق الجمع بين العقلانية والمعنوية؟
للوصول إلى هذه الغاية عمد ملكيان إلى البدء أولًا بالاتجاه السلبي فيما يتعلق بقدرة العقل على إثبات المعتقدات. وهو في الاتجاه السلبي بصدد بيان أن المعتقدات الدينية والمعنوية لا تقبل الإثبات بالعقل النظري؛ ومن هنا فإنه يرى أن الدين التقليدي الذي يسعى إلى إثبات المعتقدات ما وراء الطبيعية بالعقل الطبيعي، إنما يقوم بسعي طائش. إنه يرى أن ما بعد الطبيعة الذي يقدّمه الدين وإن كان معقولًا بالنسبة إلى الإنسان التقليدي، إلا أنه أخذ اليوم يتعرّض للتشكيك شيئًا فشيئًا، ولم يعد مقبولًا.
ومن هنا فإنه يرى أن المعنويات التابعة والمستندة إلى الدين عاجزة، وأما المعنوية الخارجة عن الدين فيراها قادرة في الوفاء بهذه الغاية وتلبيتها؛ إذ أنها لا تحمل هاجس إثبات الحقيقة؛ لأن المعنوية من وجهة نظره هي التي لا تدخل في إطار الفهم العقلاني، وتكون « سرًّا» وتبقى « سرًّا».
في حين إذا كانت المعنوية والمعتقدات المعنوية المنبثقة عنها شيئًا لا يدخل ضمن نطاق فهم الإنسان وعقله، ولا تمتلك القابلية على الإثبات العقلاني؛ إذن كيف أمكن جمعها مع العقلانية، بل وتمخّضت من رحم العقلانية؟
إن الجواب عن ذلك ـ في ضوء رؤية ملكيان ـ هو أن الجمع بين المعنوية والعقلانية في هذه النظرية، إنما هو جمع بين المعنوية والعقلانية العملية الذرائعية، دون العقلانية النظرية حتى تكون هناك حاجة إلى الاستدلال بالعقل النظري؛ وذلك لأن المعتقدات المعنوية تقع خارج أحكام العقل النظري، وإن المعتقدات المعنوية تبدأ من حيث توقف العقل النظري، وبعدها لا نستطيع تقديم أيّ نوع من الأحكام المعرفية والأبستمولوجية. إذ «بسبب المشاكل المعرفية والأبستمولوجية الموجودة في البحث عن صدق وكذب المدعيات العقائدية المختلفة، وعدم إثبات صدق وكذب تلك المعتقدات بالعقل النظري، يجب الرجوع في نقدها وتقييمها إلى آثارها ونتائجها العملية». كما أن المعتقدات المعنوية وإن كان لا يمكن إثباتها بالعقل، إلا أنها ـ من وجهة نظر ملكيان ـ مفيدة من حيث النتائج والآثار العملية،
وتكون منشودة ومناسبة بالنسبة لنا؛ وعلى هذا الأساس فإنها تحظى بالعقلانية العملية والبراغماتية. وعلى هذا الأساس تكون العقلانية العملية والذرائعية هنا قد أصبحت هي المعيار، حيث يكون ارتباط المعنوية مع العقلانية العملية، دون العقل الاستدلالي. وإن التحليل الذي قدمه ملكيان بنفسه عن ذلك، كالآتي:
إن كل قضية تعرض على الذهن لن يخلو أمرها من إحدى حالات ثلاث؛ فهي إما قضية عقلانية، أو قضية مضادة للعقل أو قضية غير عقلانية. فلو عرضت قضية على ذهنك ووجدانك، وأمكن لك بعد الرجوع إلى ذاتك إثبات صدقها بكل قواك الفكرية وقدراتك المعلوماتية، فإن هذه القضية سوف تكون عقلانية. وقد تصل بعد البحث والتحقيق العقلاني حول قضية ما إلى نتيجة مفادها أنك تستطيع إثبات كذبها، وعندها ستكون أمام قضية مضادة للعقل. وقد تدرك بعد الرجوع إلى العقل أنك لا تستطيع إثبات صدق قضية ما، ولا تتمكن في الوقت نفسه من إثبات كذبها، ونحن نسمّي هذه القضية بالقضية غير العقلانية.
فيما يتعلق بالحالة الأولى والحالة الثانية يكون الأمر واضحًا. فعندما تكون القضية عقلانية، فإن وظيفتي العقائدية ـ أو وظيفتي المعرفية على حدّ تعبير وليم جيمس ـ تستوجب مني القبول بها. وفي قبال القضية المضادّة للعقل توجب عليّ ذات الوظيفة المعرفية أن لا أقبل بها. ولكن ما هي وظيفتنا تجاه القضايا غير العقلانية؟
إن الوضع في القضية غير العقلانية أكثر تعقيدًا. إذ أننا لا نستطع إثباتها، ولا
(49)يُسمح لنا بنفيها. وبعبارة أخرى: لا نستطيع إثبات القضية ذاتها ولا نستطيع إثبات نقيضها. وعلى هذا الأساس لا نمتلك كلامًا متينًا لا يقبل الخدش لصالح أيّ من الطرفين. وهنا توجد حالتان؛ فتارة تكون القضية ونقيضها متساويين، وتارة أخرى لا يوجد هناك استدلال قاطع لصالح القضية، ولا لصالح نقيضها، ومع ذلك هناك أدلة أكثر لصالح القضية، أو على العكس، وإن كانت تلك الأدلة ليست قاطعة ولا يمكن الحكم لها بضرس قاطع. إن هذه النقطة تعني أننا لا نستطيع إخراج أيّ واحدة من القضيتين من المضمار لصالح الأخرى، ولكن مع ذلك كله تكون كفّة إحدى الطرفين أرجح من الأخرى. وفي هذه الحالة فإننا في باب القضايا غير العقلانية نختار القضية التي تحظى بوزن وقيمة أكبر، ونطلق عليها عنوان القضية المعقولة. إن القضية المعقولة هي القضية التي لم يتمّ إثباتها، بيد أن شأنها المعرفي أكبر من الشأن المعرفي لنقيضها. ولكن هناك في البين حالة ثانية، وهي أن تكون كلتا القضيتين متساوية من جميع الجهات. وفي هذه الحالة فإني أذهب إلى الاعتقاد بوجوب تقديم تلك القضية التي تحتوي على آثار ونتائج تضمن لي السلامة النفسية بشكل أكبر. بمعنى آخر ومن الناحية الواقعية ـ أو بعبارة أخرى من الناحية الأبستمولوجية ـ لا يمكن إعطاء الرأي الأكبر لأيّ واحد من القضيتين، ولكننا في هذه المرة نلقي نظرة براغماتية إلى القضية، ونعمل على تقييم الآثار والنتائج المترتبة عليها فيما يتعلق بالصحّة والسلامة النفسية لنا، ونقوم باختيار تلك القضية التي تضمن سلامتنا النفسية بشكل أكبر من القضية الأخرى.
إن القضايا غير العقلانية التي لا تقبل الإثبات والتي تحمل ثقلًا نفسيًا إيجابيًا،
سوف تكون هي ذات القضايا المعنوية. وقال ملكيان في هذا الشأن: إن الطريق إنما ينفتح أمام المعنوية والإيمان، حيث تكون القضية «غير عقلانية» بالكامل؛ فلا يكون هناك دليل لصالح تلك القضية ولا يكون هناك دليل على نقضها، أو تكون الأدلة لها وعليها متساوية بشكل مطلق، وفي مثل هذه الموارد لو عملت تلك القضية على تلبية سلامتنا النفسية، سوف تكون قضية معنوية.
وبهذا التحليل يتضح أن ملكيان عندما يقول في مورد المعتقدات المعنوية «يجب علينا أن نتذكر دائمًا أننا لم نتوصّل إليها بمساعدة العقل». فإنه يعني بذلك من طريق العقل النظري، إذ أن العقل ـ من وجهة نظره ـ يحكم في هذه الموارد بالتوقف، ولا يمتلك أيّ حكم معرفي في إثباتها أو نفيها.
يرى ملكيان أن الإيمان الديني يحتوي على ذات هذه الخصوصية والنتيجة المعنوية. إن الإيمان يعني الاعتقاد بقضية لا هي عقلانية ولا هي غير عقلانية؛ ومع ذلك فهي شيء نختاره، لأنه يضمن لنا السلامة النفسية. وعلى هذا الأساس تصبح المعنوية والإيمان ـ من وجهة نظره ـ شيئًا واحدًا، أو يتمّ تأييدهما ضمن مسار واحد ويتمخضان من صلب تحليل عقلي وبحكم العقل العملي والذرائعي.
وعليه حيث نمتلك الآن عقلانية ذرائعية، فإنه يمكن العمل على قبول أو رفض كل واحد من القضايا الميتافيزيقية التي لم يتمكن العقل النظري من إثباتها أو ردّها؛ إذ أنه يذهب إلى الاعتقاد بأننا «نستطيع [من خلال العقلانية الذرائعية] أن نثبت ما
هو الإسهام الذي تقدّمه آحاد القضايا العقلية للسلامة النفسية».
قبل الخوض في الإشكالات الأساسية لهذه النظرية، لا بدّ من الإشارة إلى هذه النقطة وهي أن بعض استناداته إلى آراء الآخرين في هذه النظرية، ومن هنا لا بدّ من التدقيق في موارد استناداته، من ذلك أنه ينسب إلى علماء النفس قائلًا:
«إن جميع دراسات وأبحاث علم النفس، تقرّ بأن الغاية القصوى للإنسان هي الخلاص من الألم، وأنه يروم تخليص نفسه من الآلام والمعاناة. إن الإنسان حيثما اتجه نحو شيء أو فرّ منه؛ فلأن ذلك الشيء يحتوي على ما يقلل من الألم، أو على ما يزيد من الألم».
وفي قبال مدّعاه واستناده يمكن أن تذكر الكثير من الشواهد؛ ومن بينها أن الكثير من الفلاسفة المعاصرين المتأثرين بأدلة جوزيف باتلر، قد اقتنعوا بعدم وجود دليل متقن على هذا الادعاء: من غير الممكن لشخص أن يأتي فعلًا أو يقوم بعمل يكون فيه ضرر عليه أو يكون مؤلمًا بالنسبة إليه. وقد عمد برايور شيفر إلى الدفاع عن هذه الرؤية بوصفها رؤية أورثودوكسية إلى الفلسفة. ومن ناحية أخرى ففي مجموعة من التجارب المؤثرة أثبت عالم نفس اسمه جوردن بيترسن ومساعدوه أن أفضل بيان لمساعدة شخص متعاطف لشخص آخر في سيناريو محدد، لا يكمن في
(52)أن يكون الشخص باحثًا عن الخلاص من الألم أو عذاب الضمير أو الحصول على المكافأة أو المتعة.
إن من بين الخصائص المهمّة التي يتمتع بها ملكيان ـ ويشهد له بها (المتفقون معه والمخالفون له) ـ توصيفاته وتحليلاته الدقيقة لكل عقيدة أو نظرية أو رؤية أو منهج فكري؛ بيد أن النقطة المهمّة هي أن هذه الخصوصية قد ظهرت في مقام تحليل ونقد مدارس ومذاهب ومعتقدات الآخرين، وقد ترك ذلك تأثيرًا بالغًا في مخاطبيه؛ بيد أن هذه الخصوصية بشكل خاص لم تغب في بيان رؤية وتأسيس نظرية الارتباط بين المعنوية والعقلانية ولم نجد لها أثر فحسب، بل وإننا هنا نشاهد الكثير من عدم التناغم والانسجام أيضًا. إن الأجزاء المفهومية والداخلية لهذه النظرية إما أنها تعاني من الإبهام أو أنها تعاني من التضادّ فيما بينها. فإن مدعياته ينقض بعضها بعضًا، وقد تمّ بيان بعضها في هذا الفصل، وسيأتي بيان بعضها الآخر في الفصول الأخرى من هذه المقالة، من قبيل ما سوف يرد في بحث الأنثروبولوجيا.
يتألف هذا الفصل من قسمين، القسم الأول يتناول الإبهامات وأنواع الغموض التي تعاني منها هذه النظرية، والقسم الثاني يرصد التناقضات الداخلية لهذه النظرية.
إن قسمًا من بنية النظرية يعود إلى إيضاح وبيان مفاهيمها؛ لا سيّما إذا أردنا أن نعمل على توظيف مفاهيم جديدة، أو أن نستعمل المفاهيم الرسمية والمعروفة والمتداولة
(53)في معان جديدة. وعليه لا بدّ من القيام بتوضيح مفهومي، بيد أن هذه المسألة إما أن يتمّ تجاهلها في نظرية ملكيان، حيث ترد هذه المفاهيم بشكل ناقص، أو أنها تعاني من الغموض والتضاد. إن أهميّة هذه الخصوصية تتضاعف فيما نحن فيه؛ وذلك لأن ملكيان يسعى إلى إقامة العلاقة والارتباط بين العقلانية والمعنوية، وإن واحدًا من عناصر العقلانية ـ من وجهة نظر ملكيان ـ هي العقلانية الكلامية، بمعنى أن الكلام يجب أن يخلو مهما أمكن من الإبهام والغموض؛ في حين أن أجزاء مهمّة من هذه النظرية تفتقر إلى هذا النوع من العقلانية.
إن هذه النظرية على الرغم من مرور عقدين من الزمن عليها، وقد أنجز ملكيان الكثير من الأعمال حولها ـ ما بين حوارات أو محاضرات أو مقالات أو كتب ـ إلا أنها لا تزال كما كانت تعاني من آفة الغموض والإبهام. ولم يتضح ما إذا كان الذي ذكره بشأن هذه النظرية منذ سنوات خلت لا يزال يحظى بذات الاعتبار، أم طاله التحول والتغيير أسوة بمراحله الفكرية السابقة؟ إن المثال الذي ورد ذكره أدناه، يكشف عن جدية بيان هذا السؤال.
إن ملكيان في بداية بيان نظرية المعنوية والعقلانية، قد عرّف المعنوية المنشودة من وجهة نظره بأنها «الدين المعقلن» أو «التدين المتعقّل»، بيد أنه في السنوات اللاحقة أنكر النسبة بين الدين والمعنوية، ويرى أن الاعتقاد بـ «الدين المعقلن»
إنما كان يعود إلى الفترة التي لم يكن فيها قد ذكر بحث المعنوية بعد! في حين أنه يستعمل مصطلح «الدين المعقلن» حيث يخبر عن مضي ما لا يقل عن ستة أعوام من وقته في بيان المعنوية. إن هذه الإبهامات تتجلى في المفاهيم الأصلية لنظريته والغاية منها بشكل أكبر.
إن المفاهيم الأصلية في هذه النظرية، عبارة عن مفاهيم ثلاثة وهي: «المعنوية»، و«العقلانية»، و«الألم». وقد حظي المفهومان الأولان بالقسط الأوفر من البحث، وقد تقدّم بيان بعض الإبهامات وأنواع الغموض فيها، من قبيل عدم تناغم تعريفهما. فقد قدّم ملكيان عدّة تعاريف للمعنوية، دون أن يبيّن أيّ واحد من هذه التعاريف هو التعريف النهائي الذي يتبناه. ومن بينها تعريف المعنوية بأنها ذلك الشيء الذي تكون نتيجته وثمرته التخفيف من الألم، أو يخلّص الشخص من الاضطراب والفزع.
وهذا التعريف غير مانع. فإن الدين التقليدي يلبي هذه الغاية بالنسبة إلى المتدينين أيضًا؛ في حين أن ملكيان يصرّح بأن المعنوية ليست هي الدين التقليدي، بل تقف إلى الضدّ منه أو تحلّ محله. لقد ورد مفهوم العقلانية في كلماته وكتاباته بشكل مطلق، ولكنه في الكثير من الموارد لا يعمل على بيان مراده من العقلانية،
وما إذا كانت هي العقلانية النظرية والاستدلالية، أو العقلانية النظرية، أو العقلانية الذرائعية؟
فعندما يرى ـ على سبيل المثال ـ أن حدّ نصاب العقلانية الذي يعني المرتبة الأدنى من العقلانية، هو في كل الأحوال والأوضاع في متناول اليد، هل يريد بذلك العقلانية النظرية أم العقلانية العملية أم كلاهما؟
كما أن مفهوم الألم يعاني هو الآخر من الغموض في هذه النظرية أيضًا. فقد صرّح في موضع بقوله إنه ربما لا يوجد له أي تعريف محدّد ودقيق للألم، ولكنه يقول بعد ذلك مباشرة: إن علماء النفس قدّموا له تعريفات محدّدة. ثم يضيف بعد ذلك قائلًا: كلما كان الإنسان بعيدًا عن الحالة المطلوبة ـ من حيث الجسم والنفس ـ يمكن القول إنه يعاني من الألم.
إن هذا التعريف هو الآخر غير جامع أيضًا؛ إذ أنه يشمل نوعًا خاصًا من >الألم<، وهو الألم من شيء؛ بمعنى أن الإنسان قد وقع في حالة غير مطلوبة من ناحية شيء ما، أو أنه قد ابتعد عن الحالة المطلوبة والمنشودة، في حين أن هناك نوعًا آخر من الألم، وهو الألم من أجل شيء. وهي الحالة التي يقع فيها الشخص بإرادة منه وتكون مطلوبة له.
إن الآلام غير المطلوبة هي آلام منفعلة، وتكون قد تأثرت بشيء، في حين أن الآلام المطلوبة فعالة وليست منفعلة. إن «الآلام المتعالية» التي تعرّض لها الأنبياء
(56)والأوصياء في حياتهم، هي من نوع «الآلام الوجودية»، وكان الهدف منها هو الوصول إلى الغاية المقدسة والمتعالية.
وإن هذا النوع من الآلام هي آلام فعالة، وكانت باختيارهم وانتخابهم. إن هذا النوع من الآلام هو من نوع «الآلام» الإيجابية، التي لا يستحيل الخلاص منها فحسب، بل كانوا يقصدونها ويرحبون بها ويستقبلونها بصدورهم أيضًا.
وإن من بين الشواهد الدالة على أنه قد غفل عن «الألم الوجودي»، و«الألم الإيجابي»، أنه يتحدّث في نظريته على الدوام عن خفض الآلام وتخفيفها، وإن الغاية القصوى للإنسان تتمثل في الخلاص من «الألم». في حين أن هذه الرؤية لا يمكن أن تنسجم إلا مع «الألم» السلبي، و«الألم المنفعل» فقط.
إن القيمة الأساسية لهذه النظرية ـ من وجهة نظر ملكيان ـ لا تكمن في مكانتها أو منزلتها المعرفية، وإنما تكمن في قيمتها البراغماتية وتلبية الأهداف والغايات العملية. إن المسألة الأهم في نظرية العقلانية والمعنوية هي تلبية الغاية الأصلية (وهي الخلاص من الألم أو العمل على تخفيفه)؛ ولكن هل تعمل هذه النظرية على تلبية هذه الأهداف أو الهدف الأصلي حقًا؟
ـ هذا هو الغموض الأول فيما يتعلق بالأهداف والغايات التي تم تحديدها. لقد ذهب ملكيان إلى القول تارة بأن غاية المعنوية المنشودة له هي العمل على تخفيف آلام البشر، وقال تارة أخرى إن الهدف هو الحصول على الطمأنينة والرضا الداخلي. فما هي النسبة بين هذين القولين؟ وهل هما في طول بعضهما أم هما في عرض بعضهما؟ وهل أحدهما نتيجة للآخر أم هما مستقلان عن بعضهما؟ قد يكون هناك تضادّ بينهما في بعض الأحيان؛ كأن يعمل شخص إلى إيقاع نفسه في العناء والألم من أجل توفير السلام والطمأنينة والأمن للآخرين، ويشعر بسعادة غامرة في مكابدة الألم، وتحصل له طمأنينة داخلية أيضًا. وعلى هذا الأساس فإن الهدوء والطمأنينة الداخلية لا تتحقق من طريق تخفيف الآلام فقط، بل يمكن تحقيقها من خلال مكابدة الألم أيضًا. وفي هذه الحالة فإن نسبة تحمل الألم من أجل تسكين وتخفيف الآلام عن الآخرين، لا تنسجم مع القول بأن «تخفيف الألم عن الذات» الذي يؤكد عليه ملكيان بوصفه غاية أصلية في هذه النظرية.
ـ إن الغموض في تلبية الهدف يمثل الإشكال الأهم الذي يتمّ توجيهه إلى هذه النظرية. إن السبب الأهم الذي دفع ملكيان إلى إحلال المعنوية محل الدين، هو أن الدين ـ بزعمه ـ عاجز عن تقليل آلام الإنسان المعاصر، وإن المعنوية هي القادرة على تلبية هذه الغاية؛ بيد أن هذه النظرية لأسباب متعددة لم تتمكن من تحقيق غايتها.
يقول ملكيان بأن المعنوية أو الدين أو أيّ شيء آخر، يجب أن ينظم لنفسه شاكلة إذا أراد أن يخفف من الآلام. وإن الخطوة الأولى من أجل تنظيم هذه الشاكلة تكمن في تشخيص المعضلة والمشكلة الأساسية للإنسان، وأما الخطوة الثانية فهي تكمن في معرفة علتها. والخطوة الثالثة تمثل في تقديم الحلّ لها. والخطوة الرابعة عبارة عن الطرق العملية لتطبيقها. والمرحلة الخامسة والأخيرة هي الضامنة للنجاة والخلاص. يذهب ملكيان إلى الادعاء بأن الدين لم يتمكن من القيام بهذه المراحل. ولكن السؤال الذي يرد هنا هو: هل أمكن لهذه النظرية ـ التي يدّعيها ملكيان ـ أن تقوم بهذه المراحل؟
ـ الخطوة الأولى بحسب فرضيته، هي أن الألم يمثل المشكلة والمعضلة الأساسية للإنسان؛ حيث نفترض التسليم بها.
ـ في الخطوة الثانية، يذكر ملكيان ثمانية آراء للتعريف بعلة علل الألم البشري. ثم ذكر فرضية التلفيق بينها والوصول إلى رأي تاسع، ولكنه لم يعمل على ترجيح أيّ واحد من هذه الآراء، ولم يتخذ موقفًا محدّدًا منها، وترك الأمر على إبهامه وغموضه. وقال في موضع آخر إن علة آلام البشر تكمن في عدم الجمع بين العقلانية والمعنوية؛ بيد أن هذا الادعاء لا يعدو بدوره أن يكون مصادرة على المطلوب؛ فهو عبارة عن الجمع بين الدليل والمدعى في شيء واحد. يمكن لكل دين
أو مذهب أو رأي أن يدّعي مثل هذا الادعاء. كما يمكن حتى للشخص المتديّن أن يدعي ذلك، ويقول: إن البُعد عن الدين والانفصال عن الله هو علة العناء والألم الذي تكابده البشرية.
ـ الخطوة الثالثة هي الأخرى في غاية الغموض أيضًا. فما هي القضايا والمعتقدات التي تؤدّي إلى التخفيف من الآلام؟ وكيف يمكن لهذه المعتقدات وما هي الطرق التي تتبعها في عملية التخفيف من الآلام؟ كأن يقول ـ على سبيل المثل ـ إن صفة الإحسان إلى الآخرين، أو الكينونة في هذا المكان وفي الموضع الراهن ـ الذي يرد الحديث عنه في نظرية المعنوية ـ بوصفها من الأمور التي يمكن أن تعمل على إزالة الآلام الكذائية عن الإنسان أو تخفيفها بهذه الأساليب الخاصة، ولكنه لا يقدّم أيّ توضيح أو بيان في هذا الشأن. إنه من خلال طرح سؤال يقول: هل يمكن لعناصر المعنوية أن تعمل حقًا على التخفيف من العذاب والألم أم لا؟ يجيب بالقول: إن هذا ادعاء تجريبي يجب اللجوء إلى التجربة لاختباره. بمعنى أنه قدم في ذلك أمرًا شخصيًا لا يمكن أن يقع موردًا للاختبار أو التقييم، أو قدّم له معيارًا كليًا.
لقد سبق ملكيان أن قال في تعريف المعنوية بأنها عبارة عن «مسار تشتمل نتائجه ومعطياته على الحدّ الأدنى من العذاب والألم». ولكن ما هو هذا المسار، وكيف يؤدّي إلى التخفيف من الألم؟ هذا ما لم يقدّم له أيّ توضيح أو بيان في هذه النظرية أبدًا.
يذهب ملكيان إلى القول باعتبار المفاهيم المعنوية بوصفها أسرارًا لا قِبَل لأيّ عقل في العلم بصحتها أو خطئها. فإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن لهذه الأسرار
أن تكون مؤثرة في تخفيف الآلام؟ لا يوجد هناك توضيح لذلك. ثم إنه لو أمكن لشخص أن يصل بهذه المعتقدات ـ من قبيل: وجود الله، والملائكة، والقوى الغيبية، لا بوصفها أسرارًا، بل بوصفها أمورًا حقيقية وموجودة ـ إلى الهدوء والطمأنينة وقلة الألم، يجب أن يكون ـ في ضوء تعريف ملكيان للإنسان المعنوي ـ إنسانًا معنويًا؛ لأنه يصل من خلال مسار إلى ذات معطيات الإنسان المعنوي, ولكن مع ذلك لا يعتبره ملكيان إنسانًا معنويًا.
ـ الخطوة الرابعة لبناء شاكلة المعنوية، عبارة عن بيان الطرق العملية لحل المشكلة الأساسية للإنسان؛ لأن ملكيان قد أقرّ قائلًا: «إن الطرق العملية في الوصول إلى رفع الإشكال وحل المسألة، غير ذات حلّ الإشكال ورفع المسألة». وحتى لو اعتبرنا المعنوية في الخطوات الثلاثة الأولى من هذه النظرية ـ على الرغم من الإبهامات وأنواع الغموض والإشكالات المتعددة التي تقدّم ذكرها ـ ناجحة، إلا أننا في الخطوة الرابعة لا نرى أثرًا للمعنوية في هذه النظرية، كما لا نشاهد في أيّ واحد من آثاره في حقل المعنوية أيّ أثر لبيان الطرق العملية لحل المشكلة الأساسية للإنسان وتخفيف الآلام والمعاناة البشرية. ففي العرفان الإسلامي ـ على سبيل المثال ـ بل وحتى في أنواع العرفان الأخرى، هناك الكثير من الكلمات المنقولة عن العرفاء في مورد السلوك العملي، والرياضة وما إلى ذلك، بل وهناك في بعض الموارد بيان دقيق بشأن تأثير كل واحد من هذه الطرق في إيجاد السكينة والطمأنينة، أو حل بعض المشاكل والآفات، من قبيل: الحسد، وحبّ الجاه ونظائر ذلك. أو يتمّ الحديث في الأديان الإبراهيمية عن العبادات والأخلاق والدور العملي لهما في تزكية
النفوس والتقرّب من الله، أو الوصول إلى الجنة والنجاة من النار والجحيم. وأما في هذه النظرية فلا أثر للخطوة الرابعة التي يراها ضرورية في التقليل من العناء والألم؛ بل يصرّح قائلًا: إن الإنسان المعنوي لا يمتلك أي آداب أو تعاليم خاصة قطعًا. بمعنى أنه لا يمتلك أيّ برنامج عملي محدد. ولهذا السبب فإنه يدعم أيّ سلوك أو فعل يؤدّي إلى الهدوء والطمأنينة الروحية، ويتحدّث في هذا الشأن عن مختلف الأعمال المتنوّعة، من قبيل: اليوغا، والمدتيشن، والعشاء الرباني، وأداء الصلاة ولو في يوم واحد، للحصول على نتائج مماثلة أيضًا. ومعنى هذا الكلام هو تأكيد آخر على أن الإنسان المعنوي لا يمتلك أيّ برنامج عملي محدد، وأنه لا يوجد أيّ أثر للخطوة الرابعة في النظرية المعنوية.
ـ والخطوة الخامس الذي تمّ اعتباره ضروريًا لشاكلة المعنوية والوصول إلى الغاية والهدف (السكينة والطمأنينة والتقليل من الآلام)، هو ما يضمن النجاة، وهذه المرحلة بدورها تحتوي على أهمية كبيرة. ففي مثل هذه الموارد إذا لم يطمئن الإنسان إلى نجاته، أو حتى إذا خشي من الهلاك والضلال، فمن المعقول تمامًا أن لا يلج في مثل هذه الأمور؛ كما ورد ذلك في كلام الإمام علي عليهالسلام ، في قوله: «أمسك عن طريق، إذا خفت ضلالته».
فقد ينفق شخص عمره وثروته في طريق ينتهي به إلى الضياع، أو لا يحصل منه
على نتيجة في الحدّ الأدنى، ويكون على ما ورد في آيات القرآن الكريم قد أفنى عمره في البحث عن سراب حتى إذا وصل إليه لا يجده شيئًا، وأنه قد أنفق ثروة عمره، بل وجميع ثرواته هباء، وأنه قد استثمره في لا شيء. وعلى هذا الأساس فإن ضمان الهدف والغاية في هذه النظرية ليس مبهمًا فحسب، بل أن هذه النظرية لا تحتوي في الأساس على أيّ أثر لتلبية الهدف والغاية فيها.
يرى ملكيان أن من بين طرق معرفة نجاح دين أو رؤية، هو نجاحها التاريخي، الأمر الذي يجعل من التبعية له أمرًا عقلانيًا. بيد أن هذه النظرية لا تمتلك تاريخًا حتى يمكن لنا أن نتحدّث عن نجاحها، ولا تحتوي على ضمانة للنجاة أيضًا. إن ملكيان يسعى إلى نبذ الدين التقليدي الذي كان يحظى بنجاح تاريخي وينطوي على ضمانة تاريخية، ويُحلّ محله معنوية تفتقر إلى كلا العنصرين، وهذا أمر خارج عن حدود العقلانية بالمرّة.
بالإضافة إلى الإبهامات التي تقدّم بيانها ـ ولا سيّما الإبهام في الغاية والهدف ـ فإن هذه النظرية تفتقر إلى الانسجام الداخلي أيضًا. بمعنى أن عباراته بحيث ينقض بعضها بعضًا، أو أنها تتعارض فيما بينها. وفيما يلي نشير إلى عدد من الموارد الهامّة في هذا الشأن.
تقدّم في بيان النظرية أن جانبًا منها سلبيّ؛ بمعنى سلب عقلانية المعتقدات الدينية. بغض النظر عن الإشكالات المبنائية الواردة على هذا الاعتقاد والتي يجب بحثها في موضعها، فإن الذي يتمّ إظهاره هنا هو أن عبارات ملكيان في هذا القسم تعاني من عدم الانسجام فيما بينها، وفيما يلي نشير إلى مورد مهمّ من بينها.
إن من بين أنواع العقلانية التي تقدّم بيانها، وهي موجودة في كلمات ملكيان أيضًا، هي العقلانية الترجيحية. بمعنى أنه قد لا تحظى العقيدة بأدلة قاطعة، إلا أن كفّة الاستدلال لصالحها ترجح على كفّة الاستدلال لضدّها، أو الاستدلال على العقيدة المقابلة لها. إن مثل هذا الاعتقاد يحظى من وجهة نظر ملكيان بالعقلانية. ولكن هل القضايا الدينية لا تحظى بمثل هذه العقلانية؟ إن أجوبة ملكيان عن عقلانية المعتقدات الدينية متضادّة.
يذهب ملكيان إلى الاعتقاد قائلًا: «لا يوجد أيّ دليل عقلاني بشكل قاطع على أيّ واحد من المدعيات الدينية». ولهذا السبب فإنه يرفض عقلانية المعتقدات الدينية، ويعتبر هذا الأمر ناشئًا عن التقليد، ويُحلّ المعنوية محلها. ومن ناحية أخرى يُشير ملكيان إلى أننا لو استطعنا إثبات أن المعتقدات الدينية تحظى برجحان معرفي بالقياس إلى نقيضها أو الاعتقاد المقابل لها، فلا شك في أن هذا النوع من الدفاع عن الدين سوف يكون في صالحه، وفي ذات هذه المرحلة الفكرية الخامسة، ذهب
ملكيان إلى التصريح بهذا المعنى، حيث يمكن أن نثبت من طريق الاستدلال أن قبول القضايا الدينية يرجح على قبول نقيض تلك القضايا أو على عدم قبول تلك القضايا. بمعنى أنها تحظى بعقلانية ترجيحية. وقال ملكيان في بيان وشرح هذا النوع من العقلانية في المعتقدات الدينية: «على الرغم من عدم امتلاكي برهانًا ودليلًا على رجحان قضية دينية، إلا أن البراهين المتوفرة لصالح المدعيات الدينية أقوى من البراهين الموجودة لصالح نقائض المدعيات الدينية. ولو تحاور شخص متديّن مع شخص آخر غير متديّن، لن يكون لأيّ واحد منهما أدلة لا تقبل الخدش لصالح مدعياته، بيد أن نقاط ضعف الأدلة التي يسوقها الشخص المتديّن سوف تكون أقل من نقاط ضعف الأدلة التي يذكرها الشخص غير المتديّن».
إن العبارات أعلاه تثبت بوضوح أن المعتقدات الدينية ـ من وجهة نظر ملكيان ـ تحظى بالعقلانية، إلا أنه في نظريته المعنوية يدعي ـ خلافًا لذلك ـ أن المعتقدات الدينية، من قبيل: الإيمان بوجود الله، حيث تكون الأدلة التي تقام لصالحها أو لضدّها متساوية بالمطلق، ولا رجحان لأحدها على الأخرى، فإن الاعتقاد بها لا يحصل من طريق العقل، وإنما إذا حصل وآمنا بها، فيكون الاستناد في ذلك إلى دليل مطلوبيتها وضمانها للسلامة النفسية.
إن المورد الآخر ـ وهو مرتبط بالمورد السابق أيضًا ـ هو أن ملكيان قال بأن أحد
أسباب إعراضه عن الدين واعتناقه المعنوية اعتباره الدين غير عقلاني؛ لأنه يرى أن الدين يقوم على التعبّد، ويقع في قبال العقلانية. إن ملكيان لا يرى كلام الأنبياء مستدلًا؛ وذلك لأنه إما يرتبط بعالم الآخرة ـ وهو خارج دائرة تحقيقاتنا واختباراتنا الدنيوية ـ أو يرتبط بالميتافيزيقا حيث لا يمكن الاستدلال لصالحها بدليل لا يقبل الخدش، أو أن حجيّة كلامهم تستند إلى بضع حوادث تاريخية، وهي ـ بالنظر إلى عدم الاعتماد على التاريخ ـ تتصف بعدم القطعية التاريخية، ولذلك لا يمكن اعتبار كلامهم أمرًا قطعيًا، حتى بذلك المقدار من القطعية الموجودة في العلوم التجريبية. وعلى هذا الأساس يذهب ملكيان إلى الاعتقاد بأن كلام الأنبياءعليهمالسلام لا يكون مستدلًا على أيّ واحد من الوجوه المذكورة؛ ليكون التعبّد به عقلانيًا. إن هذا الكلام يواجه بعض الإشكالات التي لسنا بصدد بيانها في هذه الدراسة، وإنما المهم هنا هو بيان الاضطراب والتهافت الموجود بين هذا الكلام وبين كلماته الأخرى.
تأتي هذه المدعيات في الوقت الذي قال معه ـ من ناحية أخرى ـ إن واحدًا من وجوه العقلانية لمذهب ما، يكمن في التجربة الناجحة والسابقة المشرقة لمؤسس هذا المذهب في السابق ووجود التلاميذ الناجحين في مدرسته؛ الأمر الذي يجعل تقليدنا لذلك الشخص أمرًا مستدلًا وعقلانيًا. كما أقرّ في موضع آخر بوجود تلاميذ ناجحين للأنبياءعليهمالسلام أيضًا؛ الأمر الذي يعني ـ بناء على كلامه ـ عقلانية التعبّد بكلام الأنبياءعليهمالسلام . كما يمكن تأييد إقراره بالتجارب الناجحة للأنبياءعليهمالسلام
بكلام آخر له، وذلك حيث تحدّث عن التجارب التاريخية الناجحة للأنبياءعليهمالسلام. يذهب ملكيان إلى الاعتقاد بأن المتدينين على طول التاريخ كانوا يتمتعون بالصفاء والانشراح والطمأنينة، ولهذا السبب كان يعتبر الدين ـ من الناحية الأنفسية ـ ناجحًا. كما أنه قال بان أكثر الأشخاص المعنويين يعتنقون واحدًا من الأديان التاريخية. وعليه مع توفّر هذه الشواهد والتجارب التاريخية، سوف يحظى التعبّد بالدين ـ طبقًا لما يتبناه ملكيان نفسه ـ بالعقلانية.
لقد أكّد ملكيان من ناحة أخرى على هذه النقطة مرارًا وتكرارًا، وهي أن أساس وجوهر نظريته يقوم على أن المعتقدات المعنوية أسرار يكون حكم العقل بوجودها أو عدم وجودها في حدّ التساوي المطلق، ولا يكون للعقل دور في تحصيل المعتقدات المعنوية. ومن ناحية أخرى يعتبر معتقدات نظريته المعنوية على صلة وارتباط بالعقلانية، وأن المعتقدات الدينية فاقدة للعقلانية، وقال بأن مسار اعتقاد الإنسان المعنوي مسار أبستمولوجي ومعرفي، خلافًا للإنسان المتديّن الذي يكون مساره عبارة عن التعبّد والتسليم. إن المسار المعرفي الذي يرد على ذهن الإنسان تكون قابلية إثباته بواسطة العقل والاستدلال؛ في حين أنه قد أنكر إثبات المعتقدات
المعنوية بالعقلانية الاستدلالية، وأنكر المسار الأبستمولوجي والمعرفي للمعتقدات المعنوية بشكل صريح، مؤكدًا على أننا إنما نهتم في هذه المعتقدات بالرؤية البراغماتية والمطلوبية النفسية لها فقط. وعلى هذا الأساس يقع التهافت بين ادعاء معرفية وأبستمولوجية المعنوية من جهة، واعتبار عدم معرفيتها والقول بأنها معنوية براغماتية بحتة.
هل يذهب الإنسان المعنوي إلى اعتبار معتقداته واقعية وتحظى بالعقلانية حقًا؟
لقد صرّح ملكيان ـ من جهة ـ بأن المعنوية «مقام حيث لا تجدي في الواقعية». وإن حدود المعنوية تكمن حيث يتم العجز عن الوصول إلى واقعية وحقيقة القضايا؛ لأنها «أسرار» بمعنى «أننا لا نعرف شيئًا عنها، وما دمنا من البشر فلن نستطيع التعرّف عليها». وبعبارة أخرى: إن المعتقدات المعنوي عبار عن معتقدات «لا تقبل الإثبات العقلي»، بمعنى أن الأدلة القائمة لها وعليها في حدّ التساوي المطلق، ولهذا السبب فإنه يؤكد بالقول: «يجب أن نتذكر دائمًا أننا فيما يتعلق بالمعتقدات المعنوية لم نتوصل إلى شيء منها بمساعدة العقل». إن هذه الكلمات تدلّ بأجمعها على أن الإنسان المعنوي إنسان «غير واقعي»؛ ولكنه يقول من ناحية أخرى: >إن
الإنسان المعنوي يجب أن يكون بصدد الكشف عن الحقيقة». بمعنى أن عليه أن يبذل كلّ ما بوسعه من أجل الوصول إلى واقعية معتقداته. وقد ذكر لذلك دليلين في غاية الأهمية؛ وهما:
الدليل الأول: في إطار نقل كلام عن الديانه الهندوسية؛ حيث قالوا: «إن أغلب آلامنا ومعاناتنا ناجمة عن عدم تطابق معتقداتنا مع الواقع»، قال ملكيان في تأييد هذا الكلام: «عندما لا يتطابق المعتقد مع الواقع، سوف يكون هذا الأمر منشأ للمعاناة والألم، وعلى هذا الأساس فإننا إذا لجأنا إلى المعنوية للتخفيف من الآلام والمعاناة، يجب أن نكون بصدد البحث عن المعتقدات المتطابقة مع الواقع. ولذلك علينا أن نرى ما هو المعتقد المتطابق مع الواقع، وما هو المعتقد الذي لا يتطابق مع الواقع».
الدليل الثاني: يعمل في الواقع على بيان هذه المسألة بشكل أوضح؛ وهي أن الإنسان المعنوي يجب أن يعمل حتمًا على اكتشاف الحقيقة والواقعية لكي يؤمن بها. يقول ملكيان: «إن الإنسان المعنوي على الرغم من سعيه إلى التخفيف من آلامه وأوجاعه، إلا أنه يبقى إنسانًا، ولهذا السبب فإن أكثر شيء يضرّ بتوازنه الروحي، هو شعوره بالخديعة. ومن هنا فإن الإنسان المعنوي يروم الخلاص من الألم والعذاب، ولكن لا يكون ذلك على حساب اختلاق الأباطيل والتعرّض إلى الخداع. ومن هذه الناحية فإن من بين خصائص الإنسان المعنوي أنه إنسان فطن ويقظ؛ بمعنى أنه ذلك الإنسان الذي يروم أن يسير في طريق الضوء واليقظة، لا أن يسير على شاكلة
المسرنم. إنه دائم التفكير فيما بينه وبين نفسه حذرًا من أن يكون هذا الهدوه وهذه السكينة والطمأنينة الروحية والنفسية، أو أن يكون التخفيف من الألم والمعاناة الذي يشعر به، ناتجًا عن الوقوع في عدد من الأوهام، أو هي من نتاج السرنمة. بمعنى أنه يخشى أن تكون سكينته وطمأنينته ناشئة عن مجرّد الغفلة! إن الإنسان المعنوي لا يرتضي هذا النوع من الهدوء والحبور والرضا والسكينة الباطنية. وإنما يريد للتقليل والتخفيف من العناء والألم أن يكون ناشئًا من المعتقدات الواقعية والحقيقية».
إن عبارات ملكيان في هذا الشأن تعاني من التضاد والتهافت الواضح جدًا. فهو يصرّح من جهة بأن المعتقدات المعنوية هي على الدوام من الأسرار التي لا تقبل الإثبات العقلي أبدًا، ولا يمكن للإنسان أن يتعرّف عليها مطلقًا، وفي موضع آخر يقول بضرورة أن يصل الإنسان المعنوي إلى الحقيقة والواقعية حتمًا.
إن هذه النظرية تشتمل على الكثير من المباني. وبعض هذه المباني بعيد وبعضها الآخر قريب. ومن بين جميع هذه المباني هناك مبنيان جديران بالبحث في هذه النظرية بشكل أكبر. أحدهما مبنى أبستمولوجي والآخر مبنى أنثروبولوجي.
ومن الناحية الأنطولوجية يذهب الإستاذ ملكيان إلى مجرّد الاعتقاد بوجود بعض الأسرار في العالم على نحو الإجمال، وهي الأسرار التي يعود الاعتقاد بها على الإنسان بالنفع والفائدة، ولكنها غير قابلة للإثبات. إن هذا النوع من الأنطولوجيا يمكن أن يتطابق ـ من حيث المصاديق ـ مع الأنطولوجيا الدينية، كما يمكن له
أن لا يتطابق معها، وهذا يستند بدوره إلى الأدلة المعرفية والأبستمولوجية أيضًا؛ بمعنى أنه يمكن لشخص أن يكون لديه أدلة لصالحها، أو تنطوي بالنسبة إليه على مطلوبية نفسية، ويؤمن بالقضايا الدينية، بينما الشخص الآخر بسبب عدم توفر الأدلة المعرفية أو عدم مطلوبيتها النفسية، لا يكون مؤمنًا بها، ومع ذلك يكون كلا هذين الشخصين إنسانًا معنويًا. وعلى هذا الأساس فإن نوع الأنطولوجيا لا يكون ثابتًا ومتحدًا بسبب الأدلة المعرفية والأبستمولوجية. وبسبب الشخصية المعنوية وإمكان اختلاف معتقداتها بالنسبة إلى كل شخص، يمكن لنوع المعتقدات الأنطولوجية والوجودية أن يكون مختلفًا؛ وعلى هذا الأساس يكون تقييم المعتقدات الوجودية والأنطولوجية في هذه النظرية مستندًا إلى نقد وتقييم المباني المعرفية والأبستمولوجية.
إن نظرية المعنوية لمصطفى ملكيان تشتمل على عدد من المباني والفرضيات المعرفية الأساسية، حيث لم يحض بعضها إلا على الحدّ الأدنى من الظهور، ولذلك نعتبرها من المباني البعيدة. ومن بينها القول بالمبنى الكانطي في اعتبار المعتقدات الدينية المهمة ـ من قبيل: وجود الله، والرسالة، والمعاد ـ أمورًا جدلية الطرفين. إن هذا المعنى يمثّل في الواقع نوعًا من الأساس والفرضية المسبقة لهذه النظرية. إن بعض شواهد هذه الفرضية موجودة في الأبحاث السابقة وفي عبارات ملكيان، من قبيل عدم إثبات المعتقدات الدينية بالأدلة العقلية، وتساوي الأدلة لصالحها وضدها بشكل مطلق، وعدم القطعية التاريخية للنبوّة والرسالة. وقد تمّ نقد هذا المبنى
(71)ونتائجه في الكثير من الآثار والأبحاث المعرفية والأبستمولوجية أيضًا. يضاف إلى ذلك أن هناك الكثير من الأدلة على إثبات قدرة العقل في إثبات الحقائق الميتافيزيقية ووجود الأدلة لصالح المعتقدات الدينية، وترجيح هذه الأدلة على أدلة إنكارها في مختلف الآثار، ولا نحتاج إلى بيانها في هذه المقالة. ثم إن الأبحاث المذكورة في هامش النزعة اللاواقعية ترتبط بنحو ما مع مباني كانط أيضًا.
إن المباني الأصلية والقريبة لهذه النظرية عبارة عن مبنيين، وقد تقدّم بيانهما في معرض بيان نظرية العقلانية والمعنوية؛ وكان أحدهما يرتبط بالجانب السلبي المتمثل بعدم واقعيتها، والآخر الجانب الإيجابي الذي هو عبارة عن اعتبار العقلانية الذرائعية والبراغماتية لإثبات المعتقدات المعنوية.
لقد صرّح ملكيان بأن المعنوية «مقام لا تجدي فيه الواقعية». إن معنى هذا الكلام أننا لو اعتقدنا بأن العقل قادر على إثبات أو نفي جميع القضايا ـ بما في ذلك القضايا الميتافيزيقية ـ لا يمكن الحديث عن المعنوية. وعلى حدّ تعبيره: إن الإيمان والمعنوية إنما يكونان حيث يكون هناك خلأ معرفيّ في البين. ولهذا السبب فإنه يؤكد قائلًا: «إننا في المعنوية نؤمن بسلسلة من القضايا التي لا نمتلك دليلًا عليها»، وإنما الدليل الوحيد الذي نمتلكه على ذلك هو المطلوبية النفسية والفائدة التي تنطوي عليها تلك القضايا.
إن عدم الواقعية في هذه النظرية لا تكون في مورد جميع واقعيات الوجود، وإنما في مورد جانب من حقائق الوجود، أي في مورد الحقائق الميتافيزيقية فقط؛ وعلى هذا الأساس فإنها تكون من نوع اللاوقعية الموضعية، دون اللاواقعية الشاملة. كما أن هذا النوع من اللاواقعية في مقام المعرفة، وليس اللاواقعية الوجودية التي تؤدّي إلى نفي الواقعيات والحقائق الميتافيزيقية. يذهب ألفين بلانتينغا إلى الاعتقاد بأن اللاواقعية السابقة على كانط، هي من نوع اللاواقعية الوجودية؛ وذلك لأن المعتقدين بهذا النوع من اللاواقعية ـ سواء أكانت من النوع الموضعي أو الشامل ـ كانوا يقولون صراحة بأن الشيء أو الأشياء الخاصة والمنشودة، إما لا يوجد شيء منها في خارج الذهن أبدًا، وإنما تقوم على متبنيات الذهن والخيال. وأما النوع الآخر من اللاواقعية ـ التي يعتبرها باللاواقعية الخلاقة، واللاواقعية ما بعد الحداثوية ـ فينسبها إلى إيمانوئيل كانط والأفكار اللاحقة له. إنهم لا يتحدّثون عن نفي الحقائق الخارجة عن الذهن صراحة؛ وإنما يرونها ناشئة عن خلاقية الذهن وتدخله. كما أن لاواقعية هذه النظرية، تختلف ـ بطبيعة الحال ـ عن اللاواقعية الكانطية أيضًا؛ إذ في هذه النظرية لا يتحدّث عن خلاقية الذهن في صنع الحقائق الميتافيزيقية، وإنما هو في
(73)الأساس بصدد القول إن المعرفة العقلية لا تدخل في تلك الدائرة، ولا يعتبر العقل قادرًا على إثباتها أو نفيها، ولهذا السبب فإنه يقول إن المعتقدات المعنوية لم تحصل بمساعدة العقل. إن واحدًا من نقاط شبه هذا الرأي برؤية إيمانوئيل كانط يأتي من حيث أن لا شيء منهما يتحدّث عن نفي الحقائق الميتافيزيقية؛ والنقطة الأخرى من حيث أنهم يرون أن المعتقدات الميتافيزيقية جدلية الطرفين، حيث الأدلة التي هي لصالح تلك المعتقدات والتي هي بضررها متساوية مطلقًا.
إن اللاواقعية في هذه النظرية تنطوي على نقاط شبه مع النظريات اللاواقعية الدينية؛ حيث تكون كلتاهما ناظرة إلى المعتقدات الميتافيزيقية، ولا يرونها قابلة للإثبات العقلاني. وبطبيعة الحال هناك تفسيران للاواقعية الدينية، أحدهما متطرّف والآخر معتدل. ويُعد فيلبس من الممثلين البارزين للتفسير المتطرّف حيث قام ـ بتأثير من المدرسة الوضعية ـ إلى التفريق بين القيمة والواقعية. ويرى أن المعتقدات الدينية عبارة عن قيَم لا تنطوي على أيّ مكانة عينية، وإنما نحن الذين نعمل على اختلاقها. وأما التفسير المعتدل للاواقعية فلا يتحدّث عن نفي الواقعية العينية للمعتقدات الدينية. إن نظرية المعنوية بدورها لا تنفي واقعية المعتقدات المعنوية، وإنما تكتفي بمجرّد القول بانتفاء الواقعية المعرفية أو الدليل المعرفي لها؛ وعلى هذا الأساس تكون شبيهة باللاواقعية المعتدلة.
إن الإشكال الأول الذي يرد في تقييم الاعتقاد باللاواقعية في هذه النظرية، هو
(74)أن السكينة والطمأنية والخلاص من الألم، إنما يتحقق من خلال الاعتقاد بواقعية المعتقدات، وهذا هو الإشكال الذي يؤمن به ملكيان أيضًا، وقد سبق أن ذكرناه في بحث التناقض الداخلي لهذه النظرية. الإشكال الآخر هو أنه قد سبقت الإشارة إلى أنه كيف يكون الإيمان بالمعتقدات المعنوية أبستمولوجيًا، في حين أنها لم تحصل بمساعدة العقل، وإن حكم العقل قد توقف بالكامل. إن تأييدها بالعقل العملي إنما يعمل على تفسير الإيمان بها، وليس معرفيتها. الإشكال الآخر أنه يرى عقلانية نظريته منسجمة مع رؤية الفلاسفة التحليليين؛ في حين أن أغلب الفلاسفة التحليليين ينتهجون الواقعية النقدية دون اللاواقعية. وكذلك فإن نتيجة اللاواقعية هي التشكيك المعرفي، وهناك الكثير من الإشكالات المذكورة في الآثار والكتب على التشكيك.
إن الإشكال الآخر هو أنه يعتبر القضايا الميتافيزيقية ـ ومن بينها قضية «إن الله موجود» ـ من الأسرار العصيّة على العقل؛ بحيث أننا لا نجهل وجودها أو عدم وجودها فحسب، بل سوف نبقى على جهلنا بها ما دمنا من بني البشر. في حين أنه بالنظر إلى اعتباره العقلانية بمعنى التبعية للاستدلال الصحيح،كيف يمكن القول بأن تنصّل بعض القضايا واستعصائها على العقل (القضايا الميتافيزيقية)، تحظى بالقطع واليقين بحيث لا يستطيع الإنسان معه من التوصّل إليها حتى في المستقبل؟
والإشكال الأهم هو أن العقل النظري إذا لم يتمكن من إبداء أيّ حكم
بالنسبة إلى واقعية أو عدم واقعية أيّ قضية، فإن العقل العملي والذرائعي بدوره لن يتمكن أبدًا من التوصّل إلى مطلوبيته النفسانية؛ وذلك لأن العقل العملي إنما يحكم بالمطلوبية النفسانية لمعتقد ما ـ من قبيل: الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى ـ فيما لو كان الإنسان معتقدًا بواقعية ذلك الاعتقاد من طريق العقل النظري، أو أن يكون مرجّحًا من وجهة نظره في الحدّ الأدنى. لو أن العقل النظري والاستدلالي كان ساكتًا بالكامل وحكم بالتساوي المطلق، فإن العقل العملي بدوره لن يستطيع الحكم بأن ذلك المعتقد سوف يؤدّي إلى السكينة والطمأنينة؛ لأن الهدوء والسكينة إنما تتحقق فيما لو آمن الإنسان بواقعية ذلك الاعتقاد. إن عدم القبول بهذا المعنى لا يمكن أن ينشأ إلا من الخلط بين الناظر والعامل.
إن الشخص الناظر يمكنه الحكم بأن الاعتقاد حتى إذا كان جدلي الطرفين، وكانت الأدلة له وعليه على حدّ التساوي المطلق، يمكن له أن يجلب الطمأنينة والهدوء النفسي للشخص، وذلك لأن هذا الشخص لا يعلم بهذا التساوي المطلق، ويتصوّره أمرًا واقعيًا وحقيقيًا؛ بيد أن هذا الحكم لا يصحّ من قبل الشخص العامل؛ بمعنى الذي يعتقد به؛ إذ ما لم يكن هناك ترجيح لأيّ من الوجود أو عدم الوجود بالنسبة إليه، فإنه لن يكون لديه إيمان بأيّ واحد منهما أصلًا، ليكون بإمكان هذا الإيمان أن يجلب له الهدوء والطمأنينة أو المطلوبية النفسانية. إن المطلوبية النفسانية إنما تحصل بعد الاعتقاد وليس قبله، والاعتقاد بدوره لا يتحقق إلا بعد التعرّف على واقعية وصوابية ذلك الاعتقاد. وفي الحقيقة فإن ملكيان يسعى إلى إيجاد الاعتقاد بأمر لدى الشخص من طريق مطلوبيته النفسانية، وتسميته شخصًا معنويًا؛ في
(76)حين أن المطلوبية النفسانية والسكينة الروحية إنما هي نتيجة تترتب على ذلك الاعتقاد، وليست شرطًا أو علة لذلك الاعتقاد. فنحن نؤمن بالله أولًا، ثم نحصل على الطمأنينة والهدوء والسكينة، لا أننا نؤمن بالله لأن ذلك يضمن لنا الطمأنينة. فقبل الإيمان بالله لا يتمّ الحصول على أيّ نتيجة، سواء في ذلك الطمأنينة والسكينة أو أيّ شيء آخر.
وبالإضافة إلى الانتقادات المعرفية والأبستمولوجية، ترد كذلك انتقادات أخرى على فكرة اللاواقعية، ولا سيّما منها اللاواقعية الدينية المرتبطة بهذا البحث، ومن بين تلك الإشكالات ما ذكره جون هيك من أن التفسير الديني اللاواقعي يؤدّي إلى سوء ظن عميق لا يمكن اجتنابه؛ وذلك >لأن حُسن الظن الكوني للأديان الكبرى في العالم يقوم على التفسير الواقعي؛ إذ لا يمكن تفسير هذه الرحلة والمسار الكوني وتوقع نوع من الشعور بالرضا والغبطة التي تخفف من آلام هذه الرحلة ومعاناتها، إلا في ظل القول بأن هذا العالم مخلوق أو أنه يمثل تجليًا لحقيقة غائية شاملة عطوفة، وأن تكون بحيث تستمر الخطة المعنوية لحياتنا على شكل أبعد من هذه الحياة الراهنة. وبعكس ذلك لو أن المفاهيم الدينية ـ من قبيل وجود الله والحياة الخالدة ـ من صنع أوهامنا وخيالاتنا، ولا تحتوي على شيء من الحقيقة والواقعية، علينا أن نواجه هذه الحقيقة البائسة، وهي أن الاستعداد المعنوي والروحي المذهل للإنسان لا يتجاوز الحدود الناقصة جدًا من الاقتصار على الازدهار في هذا العالم المحدود. إن التفسير اللاواقعي لا يكون مادةّ للسعادة إلا من وجهة نظر النزر القليل من السعادة، وأما من وجهة نظر سواد الناس فإن ذلك يعبّر في المجموع
(77)وبشكل عميق عن أخبار غير سارّة». إن لاواقعية هذه النظرية بدورها لا ترى الاعتقاد الذي هو من قبيل الاعتقاد بوجود الله اعتقادًا ناظرًا إلى الحقائق، بل إنما نعتقد بوجوده ونتعامل معه كما لو أنه كان موجودًا لما يحتوي عليه من المطلوبية النفسية. إن الانتقاد الآخر الذي يورده جون هيك على اللاواقعية الدينية هو أن الإيمان اللاواقعي سوف يؤدي إلى التفسير الطبيعي لحياة الإنسان، وإن هذا التفسير سوف يقضي بدوره على أمل البشرية بشكل كامل.
إن هذه الانتقادات هي في الحقيقة انتقادات نفسانية، وإن أهمية هذه الإشكالات إنما تتضح عندما ندرك أن الهاجس الأهم الذي حمل ملكيان على التخلي عن الدين والإقبال على النزعة المعنوية والروحية، والوصول إلى الأمل وبلوغ السكينة والخلاص من الألم، والقول باللاواقعية الدينية، في حين أن هذه اللاواقعية هي التي تستهدف القضاء على هذه الغاية بالتحديد.
لقد تحدّث ملكيان مرارًا وتكرارًا عن أن الإنسان المعنوي لا يعتقد بقضية ميتافيزيقية استنادًا إلى حكم العقل الاستدلالي، وإنما يكون ذلك لما تنطوي عليه من المطلوبية النفسية. إنه يتحدّث عن العقل العملي، في حين لا يكون في البين دور إلا لقسم واحد من العقل العملي ونعني به العقل الذرائعي؛ بمعنى اختيار الوسيلة
والذريعة التي توصل الإنسان إلى الغاية. يذهب ملكيان إلى الاعتقاد بأن الغاية الأصلية للإنسان تكمن في الخلاص من الألم والوصول إلى الطمأنينة والسكينة، وإن الطريق إلى ذلك يكمن في الاعتقاد بالأمور التي تضمن للإنسان المطلوبية والسلامة النفسية. وفي الحقيقة فإن البراغماتية والنفعية العملية هي التي تحظى بالقيمة من وجهة نظره.
إن من بين الخصائص الأصلية والأساسية التي تمّ ذكرها للعقل الذرائعي، أنه حيث يدلّ على مجرّد اختيار الأدوات الصحيحة بالنسبة إلى هدف ما، لا تكون له صلة باختيار الأهداف، وإن هذه المسألة في حدّ ذاتها تشكّل الانتقاد الأهم الذي يتمّ توجيهه إلى العقل الذرائعي؛ إذ بناء على هذا المعنى لا يكون للعقل الذرائعي شأن بصحة أو عدم صحّة الغاية والهدف، وبذلك فإنه يقع في تعارض مع >العقلانية القيَميّة<. إن العقلانية القيَميّة تحكم بأن الإنسان يجب أن يمتلك غاية قيّمة، ليتمكن من إنفاق عمره من أجل تحقيقها. وقد اعترف ملكيان في موضع بأهميّة العقلانية القيَميّة، حيث قال: قد يختار الإنسان غاية وهدفًا في الحياة من دون الالتفات إلى صحة هذه الغاية أو عدم صحتها، وينفق جميع حياته من أجل تحقيق تلك الغاية، في حين يكون ضررها عليه أكبر من نفعها. إن مثل هذا الانتخاب في الحياة يفتقر إلى العقلانية.
(79)إن من بين الانتقادات الأخرى التي تمّ إيرادها على العقلانية الذرائعية، وترد على نظرية العقلانية والمعنوية أيضًا، تعارض العقلانية الذرائعية مع «العقلانية الوظيفية». ففي ضوء العقلانية الوظيفية «يحتاج كل شخص ـ بالنسبة إلى كل قضية يأخذها بنظر الاعتبار ـ إلى أمرين، وهما أولًا: إن عليه أن يبذل قصارى جهده كي يؤمن بالقضية فيما إذا كانت صادقة (واقعية). وثانيًا: إن عليه أن يبذل كل ما بوسعه لكي لا يؤمن بتلك القضية إذا كانت كاذبة ولم تكن واقعية». في حين أن الشخص المعنوي ـ في ضوء نظرية ملكيان ـ إنما يؤمن بأشياء هي في الواقع من الأسرار التي لن يطلع على حقيقتها أبدًا، وإن المعنوية إنما تكون حيث يتوقف العقل عن إصدار الأحكام بواقعية الأمور بشكل كامل، وهذا يتقابل بشكل تام مع العقلانية الوظيفية.
إن من بين النتائج والتبعات المترتبة على القول باعتبار وحجية العقلانية الذرائعية، تسلل الخرافات إلى المعتقدات المعنوية.
لقد أجاب ملكيان ـ في واحد من أعماله عن السؤال القائل: «ألا يمكن القول بأن للدين عقلانيّته الخاصة؟» ـ بعد رفضه لهذا الافتراض ـ قائلًا:
(80)في هذه الحالة أيّ حق سيبقى لنا في عدم السماح بأن تكون لأنواع الهذيان والأوهام والخرافات البشرية بدورها عقلانيّتها الخاصة أيضًا. إن ذات هذا الإشكال يرد ـ بجديّة أكبر ـ على الاعتقاد بقضاياه المعنوية أيضًا. عندما يكون طريق العقل النظري في تقييم المعتقدات المعنوية مغلقًا بالكامل، وتكون المطلوبية النفسية لتلك المعتقدات وحدها هي الملاك في تقييمها أو القول بمعنويتها، فإن نتيجة ذلك الشيء لن تكون سوى العثور على الوهم والخيال بالمعتقدات المعنوية؛ وعلى هذا الأساس فإن هذا الانتقاد يرد على المعتقدات المعنوية قبل أن يرد على المعتقدات الدينية؛ وذلك لأن ما ورد في سؤال السائل حول المعتقدات الدينية لم يكن سوى افتراض، ولا يقول به أيّ واحد من علماء الدين. فإن الذين يدافعون عن عقلانية المعتقدات الدينية، لا يدافعون عن نوع خاص من العقلانية والاستدلال الذي يكون خاصًا بالمعتقدات الدينية، وإنما يستدلون من طريق العقل المشترك بين الأشخاص، ويستدلون بأدلة منطقية، وإن كان من الممكن أن تكون تلك الأدلة قابلة للخدش. في حين أن اتجاه المعنوية نحو نفي جميع أنواع قابلية المعتقدات الدينية للاستدلال، واستبدالها بالمطلوبية النفسانية، إنما يعني في الواقع السماح لتسلل الخرافات إلى المعتقدات المعنوية.
إن المعتقدات المعنوية ـ في ضوء نظرية العقلانية والمعنوية ـ هي من نوع المعتقدات «النافرة من العقل» والتي لا يمكن الحكم بإثباتها أو نفيها بواسطة العقل الاستدلالي. وغاية ما يمكن إثباته هو أنها ليست «معارضة للعقل» وأن الدليل
الوحيد على الإيمان بها هو مطلوبيتها النفسانية. وفي هذه الحالة لو أن شخصًا كان يمتلك اعتقادًا وهميًا وخياليًا، ولكنه لم يدرك أن ما يعتقده هو مجرّد وهم وخيال، واعتبره نافرًا من العقل، ولكن حيث ينطوي على مطلوبية نفسانية، يمكن أن يكون اعتقادًا معنويًا.
قد يمكن لملكيان أن يضع الأوهام والخيالات في خانة المعتقدات «المعارضة للعقل»، ولا يعتبرها من المعتقدات المعنوية. ولكن يمكن القول في نقده على المقلب الآخر:
أولًا: إن اتخاذ مثل هذا الموقف لا يستلزم أن يتمكن العقل من الحكم في موردها، لكي يتم الكشف عما إذا كانت «معارضة للعقل» أو «موافقة للعقل»؛ في حين أنه يؤكد في مورد المعتقدات المعنوية أنها لم تحصل بمساعدة العقل، وإنما هي تشتمل على مجرّد مطلوبية نفسانية فقط. وعليه فإن العقل لم يستطع ولن يستطيع أن يحكم في موردها.
وثانيًا: إنه لا يستطيع أن يحدّد ما هي المعتقدات «المعارضة للعقل»، وما هي المعتقدات التي لا تكون كذلك. يمكن لمعتقد ما أن يكون «معارضًا للعقل» من وجهة نظر شخص، ويكون «موافقًا للعقل» من وجهة نظر شخص آخر؛ وذلك لأنه يقول إن الإنسان المعنوي إنما يحيا على أساس مدركات عقله. وعلى هذا الأساس فإنه يذهب إلى الاعتقاد بأن الشخصين المعنويين يمكن لهما أن يؤمنا ضمن مسار
واحد بمعتقدين متعارضين في مورد موضوع واحد (وجود الله وعدم وجود الله)، ويحظى كلاهما بالتأييد. بالنظر إلى هذه المسألة، يمكن لنا أن نذكر الكثير من الموارد عن المعتقدات التي تعتبر من وجهة نظر بعض الأفراد «معارضة للعقل» وتنطوي على نتيجة عملية مطلوبة (السكينة والرضا الداخلي)، ولكن يمكن لها ـ في الواقع بالنسبة لنا أو حتى بالنسبة إليه ـ أن تكون من الخرافات والأوهام، من قبيل أن يعتقد شخص بوجود مكان غير مرئي، لا يمتلك دليلًا عقليًا على إثباته أو نفيه فهو سرّ من الأسرار. وبالإضافة إلى ذلك السرّ يمكن افتراض سرّ آخر وهو أن يؤمن بوجود شخص يعيش هناك، وأنه يأتي إلى الأرض لمساعدته من حين لآخر. إن عدد مرّات مجيء ذلك الشخص إلى الأرض قابل للإزدياد طردًا مع أعداد حالات السكينة والطمأنينة التي يحصل عليها بسبب هذا الاعتقاد، في حين لا يوجد هناك أيّ دليل عقلاني على ذلك. إن هذا النوع من الاعتقاد والمعتقدات بالنسبة إلى هذا الفرد ليست معارضة للعقل، بل وتشتمل بالنسبة له على مطلوبية نفسانية، وعلى هذا الأساس تكون في ضوء مبنى هذه النظرية عقيدة معنوية، ويكون هذا الإنسان شخصًا معنويًا. كما يمكن ذكر هذا الافتراض في مورد أنواع السحر والاعتقاد بالارتباط مع الكائنات الأخرى والقوى اللامرئية التي لا يكون أيّ واحد منها أو أغلبها معارضة للعقل من وجهة نظر الذين يؤمنون بها، وتشتمل على مطلوبية نفسانية.
إن من بين المباني المهمّة للغاية في نظرية العقلانية والمعنوية، هو المبنى الأنثروبولوجي فيها. ويكتسب هذا السؤال هنا أهميته وهو أن هذه النظرية حيث تتحدّث عن تقليل
آلام الإنسان، فما هو التعريف الذي تقدّمه للإنسان وما هي الخصائص التي تحدّدها له؟
يتحدّث ملكيان في نظرية المعنوية على الدوام عن الإنسان الحداثوي وخصائص >الحداثة< التي لا يمكن اجتنابها؛ بمعنى الإنسان الذي يتصف بهذه الخصائص بشكل لا يمكن اجتنابه، ويعمل على بيان مشروعه المعنوي على أساس ذلك؛ من قبيل قوله: إن الإنسان المعنوي كائن مستدل وغير متعبّد، وإن الإنسان الحديث لا يمتلك رؤية تاريخية. وإن الإنسان المعنوي ينتمي إلى (هذا المكان وإلى اللحظة الراهنة). وهذه هي ذات الخصائص التي يراها ضرورية بالنسبة إلى الإنسان المعنوي. يرى ملكيان أن التديّن والحداثة لا يجتمعان؛ ومن هنا فإنه لا يجتمع مع المعنوية أيضًا. وعلى أيّ حال فإن لفظ الحداثة والحداثوية يمثل هوية الإنسان في هذه النظرية. إن الإنسان الحديث هنا هو في الواقع ذات الإنسان المعاصر الذي يتبنى العقلانية ما بعد الحداثوية؛ إذ أن العقلانية التحصلية الحديثة، من وجهة نظر ملكيان ـ كما سبق أن ذكرنا ـ قد تخلّفت عن الحياة المعنوية وتم حرمانها منها بسبب النزعة العلمانية والنزعة المادية. وعلى هذا الأساس فإن الخصائص التي يذكرها ملكيان للإنسان المعنوي، تنسجم كثيرًا مع خصائص تفكير وتعريف ما بعد الحداثة
عن الإنسان.
إن من بين خصائص إنسان ما بعد الحداثة هي التيه والحيرة وعدم تحديد «الهوية»، والتغيّر والتحوّل الدائم لـ «الهوية»، بحيث قالوا: إن مفهوم «ذات» و«هوية» الإنسان في تفكير ما بعد الحداثة يواجه حيرة واضطرابًا كثيرًا، وإن الإنسان لا يحظى بأيّ هوية ثابتة ومحدّدة.
يقول جان بودريار: إن سيطرة الدلالات والأدوار والتصوّرات الذهنية في العالم المعاصر من السعة والشمول، بحيث تطغى على الواقع، حتى لم يعد هناك من وجود خارجي لمرجع الحقيقة العينية. في ظلّ هذا الوضع تنهار الحدود بين الواقع والوهم والخيال، بحيث لا يمكن تقديم أيّ تقييم لها، وإن الإنسان في مثل هذه الحالة يتعرّض لآفة التظاهر، بحيث لا ينبغي توقع تقييمه أو تحسّن حالته.
إن التعددية هي الأخرى من خصائص إنسان ما بعد الحداثة أيضًا. فإن الإنسان ـ في نظرية المعنوية المنشودة لملكيان ـ يحظى برؤية التقاطية، حيث يمكنه أن يأخذ افكاره من أيّ مذهب أو نحلة، وعليه يمكن لهذه المعنوية أن تحتوي في أحشائها على معنويات متعددة.
إن كل فكرة لا تعارض العقل، وتنطوي على فائدة عملية، تعدّ في نظرية المعنوية ذات قيمة. ليست هناك فكرة دائمة أبدًا، بل يمكن للأفكار أن تكون عرضة للتغيير
المستمر، ولا يوجد هناك أيّ تعلق بالنسبة إلى فكرة بعينها.
إن ثقافة النرجسية أو (الأنانية) هي الأخرى واحدة من خصائص ما بعد الحداثة، حيث تطغى على إنسان ما بعد الحداثة، وأخذت تنتشر في العقود الأخيرة بين الأشخاص على نطاق واسع. وعلى أساس هذه الثقافة يتمّ تفسير كل عمل يقوم به الفرد بوصفه عملًا يصبّ في إطار إرضاء ذاته وإشباع رغبته الخاصة. إن التوجهات القيَميّة لما بعد الحداثة، لا تحتوي على أيّ ملاك أو معيار للترجيحات القيَميّة؛ وعلى هذا الأساس تكون توجهاتها القيَميّة متنوّعة ومختلفة للغاية والتقاطية (مأخوذة من مصادر متعددة)، وتكون كذلك شخصية وفردية بالكامل وتحتوي على قابلية للتغيير والاستبدال المستمر. وذات هذه الخصائص موجودة لدى الإنسان المعنوي أيضًا.
إن المجتمع ما بعد الحداثوي، يشبه صحراء لا غاية لها، وفي هذه الصحراء لا يمتلك الإنسان ما بعد الحداثوي هدفًا متعاليًا ليتحرّك نحوه. إن طلب اللذة المطلقة واحد من خصائص هذا المجتمع، والذي عبّر عنه جان بودريار بمصطلح «أخلاق الترفيه»؛ بمعنى التوظيف الكامل لجميع الإمكانات لاستثارة النفس والحصول
على المتعة والابتهاج. وهناك عنصران جوهريان يلعبان دورًا في المجتمع، وهما: طلب اللذة، والاستهلاك. وعلى هذا الأساس يتمّ النظر إلى المعنوية في هذا المجتمع بوصفها بضاعة للاستهلاك، وهي البضاعة الاستهلاكية التي يختارها الإنسان ما بعد الحداثوي من بين مختلف البضائع الأخرى، لكي تتمكن من تلبية رغبته في الحصول على المتعة واللذة أو تخرجه من حالة الرتابة والروتين المُمل في الحياة المادية، فيوفّر له ذلك مزيدًا من الاستمتاع المادي ويعمل على تجربة المزيد من المرح والسرور ممّا لا يمكن العثور عليه في أنواع اللذات المادية. من قبيل الشعار الأمريكي القائل: «اختبروا المسيح»؛ لأن الإنسان الاستهلاكي ما بعد الحداثوي يخشى من مجرّد التفكير في أن تكون هناك لذة وتفوته فرصة الحصول عليها.
إن المعنوية ما بعد الحداثوية ـ خلافًا للمعنوية والعرفان التقليدي ـ لا تفكر في الأمر المتعالي. إن من بين خصائص ما بعد الحداثة نفي التعالي، حيث لإنكار التعالي في المعايير ناحية حاسمة ومصيرية بالنسبة إلى ما بعد الحداثة؛ وهي معايير من قبيل: الحقيقة، والخير، والجمال، والعقلانية. وعلى حد تعبير دان كيوبيت: «نحن نسعى في المعنوية ما بعد الحداثوية إلى رسم مشهد، ولكنه ليس مشهدًا يمثل الدين المقدس، وإنما هو مشهد يمثل ذواتنا».
في مقام المقارنة بين الإنسان المعنوي بهذه الخصائص، ندرك أن هناك الكثير من
(87)موارد الاشتراك بينهما؛ وفي الوقت نفسه يتم بيان بعض الخصائص في نظرية المعنوية حيث تنسجم معها، ويتم بيانها على النحو الآتي:
لقد سبق أن أشرنا إلى بعض هذه الخصائص المشتركة. وعلاوة على ذلك يمكن لنا أن نذكر فيما يلي بعض الخصائص الأخرى أيضًا. إن غاية الإنسان المعنوي هي الوصول إلى السكينة والطمأنينة والحبور والفرح والأمل والخلاص من الآلام أو تخفيف المعاناة. إن الغاية المتعالية الموجودة في رؤية العرفان الديني تنعدم لدى انسان ما بعد الحداثة؛ فالغاية عنده غاية طبيعية وأرضية ودنيوية. إن الغاية التي يعمل الإنسان المعنوي على تعريفها تسمّى بالحياة المثالية، وإن الحياة المثالية تحتوي على ثلاث خصائص، وهي: السعادة، والحُسن، والقيمة.
في بيان وصف السعادة لحياة الإنسان، يُبدي ملكيان وفاء بالمطالب الأصلية للإنسان ما بعد الحداثوي من الحياة. «في الحياة السعيدة يسعى الإنسان إلى طلب المزيد من اللذة الممكنة، ويسعى إلى الحدّ الأدنى من الألم والعناء لنفسه». وهذا هو الاستمتاع بالحياة إلى حدود الإمكان، وهو ما يسعى إليه الإنسان ما بعد الحداثوي أيضًا. كما أن الإنسان المعنوي هو إنسان علماني؛ بمعنى أن هذه الدنيا الراهنة هي
محط اهتمامه؛ فهو يسعى إلى تحقيق السعادة والطمأنينة في هذه الدنيا؛ وذلك لأن الإنسان الحديث الذي هو إنسان معنوي أيضًا «لا يتعامل بالدَين والنسيء، وإنما يتعامل بالدفع نقدًا». ومن هنا فإن الإنسان المعنوي لا يسعى إلى الحصول على المكافأة في العالم الآخر، وإنما يسعى إلى الحصول على ما يستحقه من المكافأة في هذه الدنيا، على أن تكون هذه المكافأة مادية ومحدّدة ومعلومة.
وكما أن ما بعد الحداثويين يدعمون المعتقدات المتضادة ويعملون على تأييدها، فهو بدوره يعمل على تأييد معتقدين متضادّين وهما: (الاعتقاد بوجود الله، وعدم الاعتقاد بوجود الله) بواسطة الاعتقاد المعنوي. وكما يعيش إنسان ما بعد الحداثة حالة دائمة ومتواصلة من التغيير والتحوّل في التفكير، نجد الإنسان المعنوي لا يطلب الثبات في العقيدة، وإنما يطالب بعدم الاستقرار فيها، ولا يفكر أبدًا في عقيدة ثابتة وراسخة. ولهذا السبب فإنه يذهب إلى الاعتقاد بأن الشخص يستطيع أن يؤمن بعقيدة في وقت ما، ثم يعتبرها مرفوضة في وقت آخر.
إن الدين المشخصن على أساس المطلوبية النفسانية للمعتقدات في نظرية ملكيان،
(89)إنما هو في الحقيقة يُمثّل انعكاسًا عن الذاتانية ما بعد الحداثوية، والتي قيل عنها: إن الإنسان ما بعد الحداثوي لا يقيم صلته مع الموضوعات على أساس واقعيتها، وإنما على أساس الأمر «النفسي» و«الشخصي»، ويعمل على اعتناقها من هذه الناحية. إنما يتمّ فصل اعتبار المعتقدات عن القضايا بسبب اعتبارها البراغماتي فقط، كما يتم فصل عقلانية المعتقدات من خلال صدقها وكذبها.
إن ملكيان بالإضافة إلى اعتباره السعادة واللذة غاية للإنسان المعنوي، قد اشترط حسن الحياة أيضًا. إن حُسن الحياة يتمثل بأن «يمارس الشخص حياته بحيث يلحق الحدّ الأدنى من الألم بالآخرين، ويبذل السعي الأكبر من أجل التقليل من معاناة وأحزان الآخرين، دون أن يأخذ بنظر الاعتبار الحد الأدنى من متعته في هذا الشأن»، وإن هذه الصفة بالنسبة إلى الإنسان المعنوي تنبثق من شعوره بـ :«حبّ أبناء جلدته»، ويكون منشأ ذلك هو «العشق». بيد أن «حبّ الآخرين» والتفاني من أجلهم لا يمكن أن ينسجم مع «حبّ الأنا» و«نرجسية» إنسان ما بعد الحداثة، والتفكير الاستغلالي الذي يميّز ما بعد الحداثة. ثم إن العقلانية الذرائعية التي تقع
موردًا لتأييد هذه النظرية، تسوق الإنسان إلى الفردانية والمصالح الشخصية وغض الطرف عن مشتركاته العاطفية. وعلى هذا الأساس لا يكون امتلاك الإنسان المعنوي لوصف الحُسن في منهج ما بعد الحداثة أمرًا وجيهًا.
كما أن وصف الحُسن لا ينسجم في بعض الأحيان مع وصف السعادة الذي يتمّ التأكيد عليه في هذه النظرية. يعمد ملكيان إلى تقديم وصف الحُسن القائم على «حبّ الآخرين»، على السعادة القائمة على «حبّ الذات»، في حين أن الإنسان المعنوي من أشدّ الناس حبًّا لذاته، وإن حبّ الذات هذا يقوم على حبّ النفس والأنا، حيث ينشد رغبته ومرضاة نفسه في جميع الأعمال التي يقوم بها. ومن ناحية أخرى فإن المعنوية في هذه النظرية لا تنسجم مع النزعة الأخروي والأمل بالحصول على الثواب الأخروي. وعليه فإنه لا يمتلك دليلًا على تقديم الحُسن على السعادة من هذه الناحية أيضًا. وبطبيعة الحال فإن الإنسان المتديّن ـ الذي تعمل نظرية المعنوية على وضعه في قبال الإنسان المعنوي ـ يمكن له على أساس الأمل بالحصول على ثواب الآخرة وطلب «الرضا» واللذة في هذه الدنيا، أو من أجل الحصول على مرضاة الله، أن يقدّم حبّ الآخرين على حبّه لنفسه، وأن يتخلّى عن حبّه لذاته ويضحّي بحياته من أجل سعادة الآخرين؛ لاعتقاده بأن هذه الآلام سوف يتمّ
تعويضها في العالم الآخر، ولهذا السبب يشعر بالرضا الداخلي من تلك الآلام أيضًا. وأما بالنسبة إلى الإنسان المعنوي في ضوء ما تقدم ذكره من الخصائص، لا يكون تقديم حبّ الآخرين على حبّ الذات وجيهًا أو مبرّرًا. إن تقديم الآخرين على النفس من أجل الحصول على مرضاة الله، إنما لا يكون مبرّرًا من جهة أن ملكيان يرى أن ذلك مخالفًا للحياة الأصيلة بالنسبة إلى الإنسان المعنوي؛ لأن هذا الأمر يستوجب منه التخلي عن طبيعته الصرفة، ليكتسب مرضاة شخص آخر.
يقول ملكيان: إن الإنسان المعنوي راض عن الحياة، بل هو راض عن جميع عالم الوجود، بما في ذلك آلام ومتاعب وشرور هذا العالم أيضًا. في حين أن هذا الادعاء يتنافى مع الخلاص من الشرور والآلام بوصفه غاية لنظرية العقلانية والمعنوية. فعندما تكون الغاية القصوى للإنسان هي التخلص من الشرّ والألم، لا يكون هناك معنى للرضا بهما. كما أنه يرى أن الحياة من وجهة نظر الإنسان المعنوي إنما تكون ذات قيمة حيث يكون نفعها بالنسبة إليه أكثر من ضررها، ومن هنا فإن الإنسان المعنوي لا يقوم بالانتحار. إن الضرر من وجهة نظره عبارة عن تلك الأشياء التي تكون غير مطلوبة وتكون الشرور هي التي تستوجب الألم. إن معنى الرضا بالألم والشر في كلامه، يعنى الرضا بالضرر والخسارة، وهو ما لا يمكن أن نجد له أيّ توجيه عقلاني.
بالنسبة إلى الإنسان المتديّن والذي يؤمن بالله والقيامة، الذي تحظى بداية ونهاية الحياة بالأهمية بالنسبة إليه، حيث يكون جميع العالم ـ من وجهة نظره ـ بما في ذلك خلق الإنسان هو من الله وبمرضاته، أو لأنه يرى خلق الألم في الحياة من قبل الله إنما هو لهدف، فإنه يرضى بذلك، أو يكون مؤمنًا بالآخرة، أو أنه يرضى بذلك على أمل الحصول على الثواب في الآخرة، في حين أن الإنسان المعنوي كائن قد تمّ الزجّ به في الوجود، من دون أن تكون له أيّ علّة أو غاية محدّدة، وليس هناك أيّ تفسير لآلامه أو لشرور هذا العالم؛ كما ويمكن له في الأصل أن لا يكون مؤمنًا بالله ويكون ملحدًا، ناهيك عن أن يرضى بجميع العالم (بما في ذلك آلام الإنسان)، لعلمه بأنها منبثقة عنه.
لقد ذكر ملكيان في معرض تفسير الرضا الداخلي عن الآلام، النموذج الديني المتمثل بالإمام الحسين عليهالسلام وأصحابه، متجاهلًا أن الإمام الحسين عليهالسلام وأصحابه لم يكونوا علمانيين، ولم يكونوا يبحثون عن الجنة في هذه الدنيا. إن كلمات الإمام الحسين عليهالسلام وأصحابه في تأييد هذا المعنى، وهو أنهم كانوا مدركين لبداية ونهاية خلقهم، وكانوا مؤمنين بوجود الخالق وثواب الآخرة، وعلى أساس هذا الاعتقاد يأتي الرضا منهم بالآلام والصعاب والمحن.
والنتيجة هي أننا في معرفة هوية الإنسان المعنوي في نظرية ملكيان نواجه
خصائص متهافتة وغير متناغمة. فمن هذه الناحية يمكن العثور على خصائص إنسان ما بعد الحداثة الذي يبذل كل ما بوسعه من أجل الحصول على اللذة وعدم التمسّك بأي معتقد راسخ، ويؤمن بالأوهام والخيالات، ومن ناحية أخرى الخصائص التي لا يمكن العثور عليها إلا عند الإنسان المتدين والمؤمن، ولا يكون هناك إمكان لتمخضها من صلب ما بعد الحداثة. إنه يروم الحصول على نتائج من تفكيره، في حين لا يمكن لها أن تتوفر في تفكيره ومعنويته أبدًا.
لقد تحدّث ملكيان عن خمس مراحل فكرية في حياته والتحوّلات التي طرأت على تفكيره، وقال بأن المرحلة الأخيرة من تفكيره قد تمثّلت بالمعنوية. وهو يرى أن المعنوية في العالم المعاصر يمكن أن تقترن بالعقلانية، وتلبي الحاجة الأصلية للإنسان المعاصر (الحديث). وهو بصدد إثبات أن المطلب الأصلي والغاية النهائية لجميع الناس على طول التاريخ هي الخلاص من الألم، وأن الأديان كان بمقدورها أن تلبي هذه الغاية في الأزمنة الماضية، وأما اليوم فهي عاجزة عن ذلك، وعليه يجب التخلي عنها، وإحلال المعنوية مكانها. وقد رسم لكل فكرة أو مدرسة تهدف إلى التخفيف من آلام البشر خمس خطوات ضرورية، وإذا ما استثنينا الخطوة الأولى، تبقى جميع الخطوات الأربعة الأخرى مبهمة في تفكيره أو لم يُكتب لها التحقق. كما تمّ تعريف جميع المفاهيم الأصلية في رؤيته ـ والتي هي عبارة عن المعنوية والعقلانية والألم ـ بشكل مبهم وغامض. إن رؤيته تعاني من التضاد والتهافت الداخلي والضعف
البنيوي بشكل حاد، كما أن مبانيه الفكرية تواجه إشكالات أساسية. وعلى الرغم من تأكيده المستمر على ارتباط المعنوية بالعقلانية، إلا أنه لم يعمل على توظيف العقل الاستدلالي إلا من ناحيته السلبية فقط وهو نفي الاعتبار عن العقلانية الدينية؛ وأما من الناحية الإثباتية التي تتمثل بالاعتقاد بالقضايا المعنوية، فقد عمد إلى إيقاف العقل الاستدلالي بشأنها، وصار ـ بدلًا من ذلك ـ إلى توظيف العقل الذرائعي. في حين أن الاستفادة من العقل الذرائعي لإثبات المعنوية، تضع ادعاءه عقلانية تفكيره أمام تحدّ صعب. كما أن مباني ما بعد الحداثة في تعريف الإنسان بدورها تضع ملكيان أمام تضادّ داخلي أيضًا. فهو يدّعي بناء صرح السكينة والطمأنينة العميقة والثابتة للإنسان الحديث، بيد أن هذه ليست ثمرة يمكن له أن يقطفها من شجرة المعنوية التي يعمل على اصطناعها. إن أقصى ما يمكنه له أن يجنيه من هذه الشجرة مجرّد هدوء سطحي مصحوب بلذة عابرة وسريعة الزوال. إن السكينة والطمأنينة الثابتة إنما تتحقق في الاعتقاد والإيمان الثابت والراسخ والعميق والمنسجم والذي لا يقبل التغيير أو التحوّل، وكل ذلك متوفّر وموجود في الأديان السماوية، ولا وجود لها في معنويته المنشودة له. إنه يسعى إلى اقتلاع شجرة الدين، وغرس شجرة المعنوية مكانها، وفي سلوك عجيب ومتناقض منه يروم الحصول على ثمار تلك الشجرة الحقيقية ـ التي عمد إلى اقتلاعها ـ من هذه الشجرة ذات المعنوية المصطنعة والمختلقة، وهذه لعمري معادلة غريبة وباطلة.
(95)
http://malakeyan.blogfa.com/post/1
(99)
http://malakeyan.blogfa.com/post/15
السيّد محمّد أكبريان، محمّد سوري
نظرية ارتباط الأسس العقلية مع المبادئ المعنوية طرحها بعض المفكّرين بهدف بيان المبادئ التي يمكن على ضوئها التقليل من مستوى معاناة بني آدم في هذه الحياة، وقوامها الاعتقاد بأنّ الدين التقليدي في العصر الحاضر عاجز عن تحقيق هذا الهدف الهامّ الذي يسعى كلّ إنسان إلى تحقيقه، ومن هذا المنطلق اقترحوا ضرورة حلول النزعة المعنوية بديلةً عنه لكونها تتناغم مع المبادئ العقلية، ممّا يعني أنّ النزعة المعنوية المرتكزة على أسس عقلية هي المنفذ الوحيد لخلاص الإنسان من شدّة معاناته في هذا العصر والتقليل من مستوا عذابه وآلامه إلى أدنى حدّ ممكن.
هذه النظرية كما يبدو من أطروحاتها لا توضّح مسألة «المعاناة» بشكل مقبول وتعتبر ناقصة الدلالة في إثبات المطلوب، ناهيك عن أنّ المنظّرين لها اقترحوا طيّ خمس مراحل - اتّخاذ خمس خطوات - يمكن على أساسها ضمان تضاؤل مقدار معاناة البشرية إلى أدنى مستوى ممكن واعتبروا هذا الأمر ضروريًا لتحقيق الهدف المنشود إلا أنّ نظريتهم أخفقت في طيّ هذه المراحل كما ينبغي، ناهيك عن أنّ المبادئ التي طرحت فيها لا تعمّ جميع أشكال المعاناة التي يواجهها البشر في هذا العصر، لذا لا تعدّ نظريةً شاملةً يمكن الاعتماد عليها، كذلك ترد عليها إشكاليات جادّة بخصوص بيان المعنى المقصود من شتّى أنواع العذاب والآلام وكيفية حدوثها في الحياة، فضلًا عن ذلك لم يذكر منظّروها السبيل الذي يجب اتّباعه لتحقيق الهدف المنشود، لكن أهمّ إشكال في هذا المضمار يرد على بنيتها الارتكازية التي تعتبر بعيدة كلّ البعد عن الواقع ولا ترتبط بحياة الإنسان العملية على الإطلاق، لذا لا يمكن الاعتماد عليها لتحقيق هدفها المتمثّل في تقليل المعاناة أو الخلاص منها، فهي لا تمنحنا مبادئ واقعية وعملية مرتبطة بما نواجه من مشاكل ومصاعب تتسبّب بشقائنا في هذه الحياة.
«المعاناة» بطبيعة الحال واحدة من الجوانب السيّئة في حياة بني آدم، لذا باتت مسألة إرشادهم إلى السبيل القويم الذي على ضوء اتّباعه يمكن تخليصهم منها وتحريرهم من تداعياتها السيّئة، من أهمّ المسائل التي استقطبت أفكارهم على مرّ العصور، ومن هذا المنطلق نلاحظ أنّ الخلاص منها أصبح هدفًا ارتكازيًا لبعض الأديان
(106)ذات التوجّهات الإنسانية مثل البوذية، حيث أكّدت هذه الأديان على ضرورة تخليص البشر ممّا يواجهون من عذاب وآلام في هذه الحياة.
هذا الموضوع يحظى بأهمّية بالغة في الأديان الإبراهيمية أيضًا، حيث تطرح بحوث ودراسات دينية حوله في نطاق مبادئ وآراء أنثروبولوجية، كذلك يطرح على أساس مبادئ عقيدة التوحيد، ناهيك عن ارتباطه في هذا المضمار بمسألة «الشرّ» والمسائل التي تطرح في تحليل صفات الله عز وجل مثل عدله وحكمته وفضله على البشر، والجدير بالذكر هنا أنّ الباحث ملكيان أكّد على أنّ هذا الموضوع هو هدفه الأساسي من وراء طرح نظرية العقلانية والمعنوية، وذلك من منطلق اعتقاده بأنّ أهمّ مشكلة يواجهها الإنسان في حياته تتمثّل في العذاب والألم - المعاناة - لذا فالهدف الأساسي له في هذه الحياة هو تخليص نفسه من هذه المعاناة أو التقليل منها إلى أدنى مستوى ممكن، وفي هذا السياق أكّد على أنّ انتشال البشرية من المعاناة هي الغاية التي أريد تحقيقيها من وراء الأديان السماوية على مرّ التأريخ، وهذه الغاية موجودة لدى من جاء بهذه الأديان ولدى أتباعها. كذلك أكّد هذا الباحث على أنّ السبيل الوحيد لتحقيق هذا الهدف المنشود والمخرج الوحيد لتخليص بني آدم من كلّ عذاب وألم أو لتقليل من معاناتهم في العصر الحاضر هو إيجاد ارتباط وطيد
(107)بين المبادئ العقلية والنزعة المعنوية.
فضلًا عمّا ذكر فالدين التقليدي برأي هذا الباحث هدفه التقليل من معاناة البشرية، فقد شرّع لهذا الغرض، لذا كان قادرًا في العصور السالفة على تحقيقه لكنّه اليوم بات عاجزًا عن ذلك لكونه قائمًا على مبادئ ومعتقدات ميتافيزيقية لا يمكن إثبات صوابها اعتمادًا على الاستدلال العقلي.
ومن آرائه الأخرى التي تبنّاها بهذا الخصوص ادّعاؤه أنّ الدين التقليدي لا قدرة له على تحديد الآلام الأساسية المعاصرة التي يعاني منها البشر في هذه البرهة من الزمن بالتحديد، وبالتالي ظهر عجزه أمام وضع حلول ناجعة لها وفتح بوّابة جديدة للناس في شتّى أصقاع الأرض كي ينتشلوا أنفسهم منها، لذا لا بدّ لنا من البحث عن حلول جديدة لأجل تحقيق هذا الهدف الضروري في حياتنا المعاصرة والذي يعدّ في الواقع هدفًا مصيريًا، ممّا يعني ضرورة ترك الاعتماد التامّ على الدين التقليدي في هذا المجال واللجوء إلى النزعة المعنوية لأنّها ليست كالدين بداعي امتلاكها القابلية على الانسجام الكامل مع المبادئ العقلية، فهي ليست مرتبطةً ارتباطًا وثيقًا بالقضايا الميتافيزيقية كما هو حال الدين الذي تعدّ صلته بهذه القضايا جذريةً ولا تنفكّ عنها على الإطلاق، وإنّما ارتباطها بهذه القضايا ذو مستوى متدنّي جدًّا، لذا تعدّ مرنةً وغير مقيّدة إزاءها، ناهيك عن أنّها تتناغم مع شخصية الإنسان
المعاصر وخصائصه التي لم يتّسم بها أسلافه وتنسجم بالكامل مع تيار الحداثة وشتّى مخرجاته لكون العقل هو البنية الأساسية للتطوّر الذي شهدته البشرية في العصر الحديث من الناحيتين الإنسانية والحضاريةنظرًا لكون التوجّهات العقلية المعاصرة ذات طابع ذرائعي.
استنادًا إلى ما ذكر، بما أنّ جميع البشر في شتّى أرجاء المعمورة يواكبون تيار التطوّر والحداثة بنحوٍ أو بآخر فإن أرادوا تحقيق الطمأنينة الحقيقية في الحياة والتقليل من معاناتهم، يجب عليهم تحرير أنفسهم من الدين التقليدي واللجوء إلى النزعة المعنوية لكونها هي التي تحلّ لهم مشكلة المعاناة بعد أن بقي الدين التقليدي عاجزًا عن تحقيق هذا الهدف الهامّ والضروري في حياتهم، فهو غير قادر على تلبية متطلّباتهم الأساسية في هذا العصر.
الجدير بالذكر هنا أنّ التوجّهات التي يتبنّاها الإنسان المعاصر تجاه النزعات المعنوية غالبًا ما تتمحور حول مسألة «الشرّ» في الحياة ومعرفة السبل الكفيلة بالخلاص من كلّ أمر سيّئ - شرّ - يواجهه في مسيرة حياته الدنيوية إلى جانب السعي الحثيث للتقليل من شتّى أنواع المعاناة التي تعترض طريقه، وأمّا الباحث ملكيان فهو يعتبر النزعة المعنوية والعقل وسيلتين في هذا المضمار لكونهما المرتكز الأساسي لتحقيق طموح البشرية للعيش في رحاب حياة مثالية تقلّ فيها معاناتهم
إلى أدنى مستوى ممكن حسب رأيه. أحد الإشكالات الجادّة التي ترد على هذا الرأي هو أنّنا إن استطعنا أن نوجد ارتباطًا وطيدًا بينهما وفق مبادئ استدلالية مبرهنة ومعتبرة لكنّنا أخفقنا في تحقيق هدفنا المنشود والمتمثّل في التقيل من المعاناة، فهذا يعني عدم نجاعتهما في هذا السياق وزوال قيمتهما الحقيقية ومن ثمّ ينقطع ارتباطهما بكلّ مبدأ تطرح النظرية المذكورة على أساسه.
يمكننا برأي هذا الباحث تقييم الهدف المذكور بالنسبة إلى النزعة المعنوية في النظرية المشار إليها حتّى في المراحل الأولى من طرحها اعتمادًا على برهنة وجود ارتباط وطيد بين النزعة المعنوية والعقل، لذا بإمكاننا معرفة كنهها ثمّ تعريفها وبيان شتّى جوانبها ومختلف تفاصيلها وبالتالي اعتبارها - أي النزعة المعنوية - واقعًا في الحياة ثمرته تقليل معاناة البشر إلى أدنى حدّ ممكن.
يطرح على من يتبنّى الرأي المشار إليه السؤال التالي: إن ادّعى صاحب هذه النظرية المعاصرة أنّ الدين التقليدي لا يعين الإنسان المعاصر على تشخيص معاناته الحقيقية ولا يمنحه الحلول الكفيلة التي تعينه على الخلاص منها ومن ثمّ لا محيص من الإعراض عنه وعن تعاليمه التي تعدّ ناقصةً في هذا العصر، فهل استطاع هذا المدّعي في نظريته أن يحقّق الهدف الذي عجز الدين التقليدي عن تحقيقه أو أنّه أخفق في ذلك وبقيت نظريته مجرّد ادّعاء لا حقيقة له؟!
لم نسلّط الضوء في هذه المقالة على المبادئ الارتكازية لهذه النظرية والنتائج التي تطرحها، بل تطرّقنا بشكل محوري إلى تحليل الأدلة والبراهين والمبادئ التي تقوّمت عليها وكيفية طرحها لها إلى، كذلك أشرنا إلى الإشكاليات الجادّة التي ترد عليها وعلى مبادئها الارتكازية، لذا هدفنا الأساسي هو إثبات أنّنا حتّى إذا قبلناها بشكل عام وأقررنا بصواب الأدلّة والبراهين التي تتقوّم أطروحتها عليها ثمّ ادّعينا أنّ النزعة المعنوية العلمانية لها القابلية على الارتباط بالمبادئ العقلية، ففي هذه الحالة أيضًا يرد عليها إشكال جادّ لا مناص منه ألا وهو عجزها عن تحقيق الهدف الذي طرحت لأجله والذي يعدّ الهدف المنشود للبشرية جمعاء في العصر الحديث نظرًا للإشكاليات العديدة المشار إليها؛ ومن هذا المنطلق سوف نركّز بحثنا في هذه المقالة حول نقد هذه النظرية وتحليلها من حيث الهدف الذي طرحت لأجله.
نظرًا لكون نظرية العقلانية والمعنوية ذات ارتباط وطيد بمسألة «المعاناة» والتقليل من آلام البشر ومشاكلهم النفسية المعاصرة، لذا من المتوقّع ممّن طرحها أن يوضّح طبيعة المعاناة بشكل تامّ وكامل بحيث يستوفي كلّ جزئيات دلالتها ويستكشف مدلولها بدقّة متناهية، لكن حينما نمعن النظر فيها ندرك أنّ هذا الأمر لم يتحقّق على الإطلاق.
الباحث ملكيان ذكر في إحدى مقالاته إمكانية استكشاف المعنى الدقيق المقصود من المعاناة ضمن أربعة مجالات علمية هي علم النفس وعلم الأحياء والفلسفة والدين، لكنّه لم يعرّفها إلا في رحاب علم النفس وأهمل سائر جوانبها بالكامل في مختلف محاضراته ومؤلّفاته، وتعريفه السيكولوجي لها فهو كالتالي: عندما يواجه
الإنسان ظروفًا عصيبةً أو يحرم من حياة قوامها ظروف ملائمة سواء على صعيد بدنه أو روحه وحالاته النفسية، يوصف الشعور الذي يكتنفه بأنّه معاناة.
إضافةً إلى الظروف غير الملائمة، اعتبر «الشرّ» أيضًا أمرًا ضروريًا يعيننا على معرفة حقيقة المعاناة، ويقصد هنا معرفة طبيعة الارتباط بينهما، إلا أنّه لم يوضّح هذا الارتباط الذي ادّعاه ولم يتطرّق إلى بيان كيفية تحقّقه، وهنا يطرح عليه سؤال في غاية الاهمّية، وهو: هل تعتقد يا ملكيان أنّ المعاناة تنطبق على الشرّ بالكامل؟ أي هل المعاناة برأيك ذات الشرّ؟ فهل تعتبر كلّ معاناة شرًّا؟
لا شكّ في أنّ الإجابة عن هذا السؤال تتّضح على أساسها طبيعة الرأي الذي يتبنّاه إزاء أحد أشكال المعاناة التي يمكن وصفها بالمعاناة المتعالية، وهي معاناة تحمّلها الأنبياء وكلّ هداة البشرية لأجل تحقيق أهدافهم المقدّسة والمتعالية إلا أنّهم لم يعتبروها شرًّا على الإطلاق، فما يواجهه المرتاض روحيًا من مشقّة في نمط حياته والعارف المحبّ لله من عذاب وآلام، لا يمكن اعتباره شرًّا على الإطلاق وإنّما هو خير وكرامة له من وجهة نظر الإنسان المتدين. بناءً على هذا الكلام، فالإشكال الذي يطرح على ملكيان في هذا السياق محوره السؤال التالي: هل تعريفك للمعاناة يشمل هذا النوع من العذاب والألم الروحي والعرفاني؟ بالطبع كلا، لأنّ تعريفه لا يشمل سوى الظروف العصيبة وغير الملائمة في الحياة وحالات حرمان الإنسان
من العيش في رحاب ظروف ملائمة ومثالية، في حين أنّ العارف وكلّ إنسان ينعم بروح متعالية لا يعرّفها بهذا الأسلوب ولا يقيّدها بهذا القيد فحسب، بل يوسّع نطاقها لتعمّ المعاناة التي يواجهها الإنسان حين سعيه لتحقيق ظروف ملائمة في حياته، ناهيك عن أنّ المعاناة التي يواجهها العارف تعدّ بحدّ ذاتها ملائمةً بالنسبة إليه ولا يضجر منها بتاتًا.
إذن، التعريف الذي طرحه هذا الباحث ينطبق فقط على المعاناة السلبية إلا أنّ هناك أشكالًا من المعاناة توصف بأنّها «معاناة وجودية» إيجابية، لكنّ المعاناة في تعريف ملكيان وصفت بأنّها معاناة من شيء Suffernig from في حين أنّ معاناة الأنبياء على سبيل المثال تعدّ معاناةً لأجل شيء Suffering for ومن المؤكّد أنّها مطلوبة وملائمة بالنسبة إليهم بحيث اختاروها بأنفسهم ولم تفرض عليهم قهرًا.
المعاناة التي يقصدها الباحث ملكيان والتي طرح نظريته على أساسها بهدف إيجاد حلّ ناجع لخلاص البشرية من عذابهم وآلامهم ومشاكلهم النفسية أو التقليل منها إلى أدنى مستوى ممكن، تتمحور من الأساس حول تلك المعاناة المفروضة على الإنسان رغمًا عن إرادته وتتّسم بطابع سلبي؛ كذلك نستنتج من رأيه القائل بأنّ الهدف النهائي للإنسان هو الخلاص من المعاناة أنّه يقصد منه التخلّص من المعاناة السلبية فحسب، لذا يرد عليه أنّ المعاناة المتعالية بشتّى أنواعها ليست بهذا الشكل،
بل هي مؤثّرة إيجابيًا وإرادية وليست متأثّرة سلبيًا وقهرية لأنّ الذين يواجهونها قد لجؤوا إليها بإرادة حرّة دون أن يرغمهم أحد عليها، ومن هذا المنطلق يثبت لنا أنّ تعريفه لا يعدّ شاملًا لكلّ جوانب المعرّف كما هو مقتضى التعريف العلمي المنطقي ومن ثمّ لا يمكن اعتبار رؤيته بالنسبة إلى المعاناة شاملةً أيضًا وإنّما تقتصر على جانب محدود من عذاب البشر وآلامهم.
ملكيان يقرّ بوجود نوع من المعاناة يتّسم بطابع إيجابي مثل معاناة الأمّ جرّاء محبّتها الشديدة لولدها، حيث اعتبر معاناتها في الحفاظ على سلامته وصيانته من كلّ ما يطاله بأذى، إلى جانب كونها معاناة في الدرجة الأولى لكن هذه الأمّ تشعر بسببها بلذّة ورضا في الدرجة الثانية. إذن، يرد عليه الإشكال التالي ألا وهو أنّ اللذّة التي تشعر بها الأمّ في الدرجة الثانية لا تدعوها إلى السعي للخلاص من المعاناة، بل هي في الواقع معاناة ملائمة ومرغوب فيها لكن تعريف هذا الباحث لا يشملها ولا يشمل كلّ معاناة شبيهة لها.
من يتبنّى نظرية العقلانية والمعنوية لا يكترث بالمعاناة بصورتيها المتعالية والعرفانية وليس لديه القدرة على تفسيرها بواقعية وتبرير ما يتمخّض عنها، فلو كان الخلاص من المعاناة هو الهدف النهائي لبني آدم سواءً في الأديان السماوية وغيرها، لماذا سعى بعض الناس مثل الأنبياء والرسل على مرّ العصور إلى تلقّيها برحابة صدرٍ
ولم يتهرّبوا منها؟ أصحاب هذه النظرية يمكن أن يبرّروا هذا التقبّل للمعاناة بكون الهدف النهائي للبشر هو تقليل مستوى الألم الذي يعاني منه غيرهم وليس ألمهم، وعلى هذا الأساس شعروا بالرضا ممّا يواجهون من معاناة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ ملكيان ومن حذا حذوه حاولوا تبرير الشعور بالرضا والسرور من المعاناة لدى بعض رموز البشرية من أمثال الإمام الحسين بن علي عليهالسلام وأهل بيته عليهمالسلام وأنصاره كما يلي: رغم أنّهم تعذّبوا وتألّموا كثيرًا وشعروا بمعاناة كبيرة إلا أنّهم في الواقع لم يشعروا بشيء يؤلمهم، بل كانوا يشعرون برضا وسرور في باطنهم، والنزعة المعنوية بحدّ ذاتها هدفها تمكين الإنسان من تحمّل الآلام التي يواجهها ومنحه شعورًا بالرضا منها والسرور بها في باطنه.
رغم أنّ هذا الادّعاء يتقوّم على وجهة نظر صحيحة لكن لا يمكن اعتبار قوامه تلك الرؤية العلمانية التي ترتكز عليها النزعة المعنوية التي يعتقد بها أصحاب هذا الادّعاء وتستند إليها نظريتهم، ومن ثمّ ليس من الصواب مطلقًا اعتبار هذا العالم المادّي هو المحور الأساسي في حياة الإنسان المعنوية.
يعتقد هؤلاء أنّ الإنسان في مسيرته المعنوية على ضوء فكره العلماني يبذل قصارى جهده لنيل خير هذه الحياة ومواجهة مصاعبها فحسب، وهذا الأمر برأيهم يتناسب بالكامل مع طبيعته التكوينية وثابت بشكل قطعي، إلا أنّ ادّعاءهم هذا غير رصينٍ لكون المعاناة التي تحمّلها أمثال الأنبياء والرسل والأئمّةعليهمالسلام وعلى رأسهم الإمام
الحسين بن علي عليهالسلام لم تتقوّم مطلقًا على رؤية علمانية، بل على مبدأ الإيمان بالآخرة وثوابها الذي سيكرمهم الله عز وجل به في عالم الخلود، بينما ملكيان يقرّ بأنّ النزعة المعنوية العلمانية التي ترتكز عليها هذه النظرية - باعتبار أنّ الدنيا هي المحور الأساسي في حياة البشر - لا تتناغم أبدًا مع الإيمان بعالم الآخرة وفق تعاليم الأديان السماوية، وعلى هذا الأساس فالنزعة المعنوية التي هي مسلك الأنبياء والرسل والأئمّة وعلى رأسهم الإمام الحسين بن علي عليهالسلام وأهل بيته وأنصاره قد بلغت مرحلةً متعاليةً وأسفرت عن تحقّق رضا باطني وسرور حقيقي بالمعاناة التي واجهوها، لذا فهي تختلف اختلافًا شاسعًا عن النزعة المعنوية العلمانية التي حاول هذا الباحث إثباتها، وبالتالي لا يمكن مطلقًا اعتبار التوجّهات المعنوية في الحالتين من نمط واحد أو شبيهة ببعضها ثمّ ادّعاء أنّ الرضا الباطني لهؤلاء الصالحين شاهد أو دليل يثبت حقّانية وجود رضا باطني ضمن النزعة المعنوية العلمانية.
أضف إلى ذلك فملكيان يعتقد بأنّ إحدى خصائص الحداثة هي أنّها جعلت اللذّة والمعاناة أساسًا لحياة الإنسان المعاصر، وعلى أساس هذه الرؤية ادّعى أنّ
الإنسان المعنوي يسعى إلى تقليل معاناته على ضوء سعية الدؤوب إلى تقليل معاناة أقرانه البشر، لكونه في الواقع يرغب في تقليل ما يواجه بنفسه من عذاب وآلام في حياته، وهذا هو هاجسه الحقيقي من كلّ ما يفعل في هذا المضمار.
إضافةً إلى أنّ هذا الادّعاء لا يمكن أن يتّخذ كمرتكز أساسي لاعتبار اللذّة والألم معيارًا لكافّة سلوكيات الإنسان في حياته الدنيوية، كذلك لا يمكن اعتباره أفضل توضيح يطرح بهذا الخصوص، ناهيك عن أنّه لا ينسجم على الإطلاق مع الاستدلالات التي طرحها علماء النفس الذين أثبتوا امتلاك الإنسان نزعات تدعوه إلى إرادة الخير لأقرانه البشر، وحتّى لو أذعنّا به لكن مع ذلك ليس من الممكن قبول أنّ النزعة المعنوية العلمانية من شأنها أن تسري في المفاهيم المعنوية الدينية مثل الإيثار وتحمّل العذاب والألم بغية منح الآخرين سرورًا وراحةً في حياتهم أو ترجيح مصالح غيرهم على مصالحهم الشخصية، لذا فالإشكال الذي يرد على ملكيان في هذا المضمار هو اعتقاده بكون النزعة المعنوية لدى الإنسان تتقوّم على العقل الذرائعي، وهذا العقل بطبيعة الحال يحفّزه على تبنّي نزعةً فردانية ويسوقه نحو السعي إلى تحقيق مصالح شخصية وتجاهل كافّة المشتركات العاطفية مع أقرانه البشر.
النوع الآخر من المعاناة التي لا يمكن تبريرها على أساس هذه النظرية يتمثّل فيما يواجه العرفاء من عذاب وآلام في مسلكهم العرفاني على ضوء حزنهم جرّاء
ابتعادهم عن الأمر المقدّس الذي هو هدفهم النهائي، وفي هذا السياق قال البعض: أساس المذهب العرفاني هو اعتقاد أتباعه بأنّ كلّ شيء فيما خلا الله عز وجل ليس سوى محنة وبلاء، لذا فالنعمة والراحة لا يمكن نيلهما إلا في قربه، فهو النعمة الحقيقية والراحة الواقعية، ومن ثمّ كلّ إنسان لا قدرة له على سلوك هذا النهج والسير في مسالكه بخطى ثابتة، من الأفضل له أن لا يسلكه. هذا النوع من المعاناة لا يزول إلا بعد وصال الإنسان ببارئه الكريم الذي هو الأمر المقدّس في عالم الوجود، وهنا طبعًا ينبغي للسالك والعارف في بادئ الأمر أن يؤمن بحقيقة ثابتة تتجاوز نطاق كيانه الإنساني ويعتقد بأنّ عذابه وآلامه لا يزولان إلا في رحاب وصاله، وثانيًا يؤمن بأنّ هذه الحقيقة هي الأمر المقدّس الذي لا يعلو عليه ولا يضاهؤه أيّ شيء آخر، ومن المؤكّد أنّ هذين المبدأين لا يتناغمان على الإطلاق مع المبادئ المعنوية المطروحة من قبل أصحاب النزعة الإنسانية ذات الطابع المادّي العلماني، ولا مع ما يطرح في النظرية التي هي مدار بحثنا لكون أتباع الفكر المادّي والإنساني يضيّقون نطاق المعنويات في فكر الإنسان المعاصر ويعتبرون أسس العصرنة والحداثة جزءًا منها؛ ومن هذا المنطلق فالنزعة المعنوية التي تتبنّاها هذه النظرية لا تلبّي سوى مقتضيات معاناة الإنسان في نطاق الفكر الإنسانوي الحديث والعالم المادّي، ومن ثمّ كلّ من لا يتبنّى نزعةً معاصرةً - منهجيةً معرفيةً تتناغم مع تيار الحداثة - ولا يعتقد بما تتمخّض عنه، تبقى معاناته في الحياة على حالها وليس له سبيل إلى الخلاص منها أو التقليل من تداعياتها على الإطلاق.
حينما نمعن النظر بدقّة في مبادئ نظرية العقلانية والمعنوية التي طرحها الباحث ملكيان ندرك أنّ هذه النظرية قد أخفقت بالكامل في طرح حلّ ناجع وعملي لتقليل معاناة الإنسان المعاصر رغم أنّها جعلت هذا الأمر هدفًا أساسيًا لها، وفي هذا السياق قسّم المعاناة بكلّ ما فيها من عذاب وآلام إلى نوعين، النوع الأوّل معاناة محتومة لا يمكن لأيّ إنسان اجتنابها على الإطلاق والنوع الثاني معاناة غير محتومة بإمكاننا اجتنابها بإرادتنا وسعينا الدؤوب.
المعاناة المحتومة بناءً على رأيه لا يمكن الخلاص منها مطلقًا لكن بإمكان الإنسان أن يضفي إلى حياته معنى كي يقلّل من شدّة وطئها ويتحمّل ما يواجه من عذاب وآلام، بينما المعاناة غير المحتومة يمكن وضع حلّ لها بنحوٍ أو بآخر.
من المؤكّد أنّ تقسيم المعاناة إلى محتومة وغير محتومة ثمّ ادّعاء أنّ إضفاء معنى إلى الحياة يمكّن الإنسان من تحمّل العذاب والألم اللذين لا علاج لهما، لا يمكن أن يتحقّق إلا على ضوء إضفاء معنى إلى كلّ عذاب وألم نواجهه في الحياة لكون تحمّل المعاناة غير ممكن ما لم يكن لها معنى معتبر؛ والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المضمار هو: هل نظرية العقلانية والمعنوية التي طرحت من قبل هذا الباحث استطاعت أن تضفي معنى إلى المعاناة المحتومة التي لا مفرّ منها ولا علاج لها؟!
الجدير بالذكر هنا أنّ إضفاء معنى إلى شيءٍ ما مرهون بكونه أمرًا حقيقيًا وبوجود سبب وجيه يمكن على أساسه تبرير معناه، وأمّا إضفاء معنى إلى المعاناة إنّما يتقوّم على ارتباطه بأهداف خارجة عن نطاقها، وعلى هذا الأساس لا بدّ وأن تكون
المعاناة وسيلةً لتحقيق هدف معيّن كي يمكننا إضفاء معنى معتبر إليها؛ في حين أنّ نظرية العقلانية والمعنوية لا تذكر أيّ هدف لما يعاني الإنسان في حياته الدنيوية وما يواجه من عذاب وآلام على الرغم من أنّها اعتبرت الخلاص من المعاناة هدفًا نهائيًا لجميع البشر؛ لذا فالمعاناة بحدّ ذاتها مجرّدة عن المعنى وفق مبادئ هذه النظرية، لأنّنا إن اعتبرنا الخلاص منها أو التقيل من تداعياتها إلى أدنى مستوى ممكن وكلّ مساعي الإنسان وجهوده التي يبذلها في مسيرته الدنيوية، هدفًا نهائيًا للدين والنزعة المعنوية ففي هذه الحالة يتحقّق معنى لسعينا في هذا المضمار؛ لكن إن أصبحت مسألة تقليل العذاب والألم والخلاص من المعاناة بكلّ أشكالها هدفًا نهائيًا وغايةً قصوى بغضّ النظر عن الدين فهنا لا يمكن ادّعاء وجود أيّ هدف لوجود العذاب والألم في حياة البشر.
الجدير بالذكر هنا أنّ من يتبّنى هذه النظرية لا يطرح إجابةً للأسئلة التالية: ما هو السبب الحقيقي من وراء وجود المعاناة في حياة بني آدم؟ وما الهدف من كلّ هذه المعاناة التي يواجهها الإنسان في حياته الدنيوية؟ وهل هناك شيء فيما وراء المعاناة وخارج عن نطاقها؟ ثمّ ما حقيقة هذا الشيء الذي بسببه تصبح المعاناة ذات هدف معين؟
لا شكّ في أنّ بيان أسباب وجود المعاناة في الحياة يتطلّب أوّلًا بيان الهدف الأساسي من ورائها، وبيان معناها بطبيعة الحال يقتضي بيان السبب في هدفيتها؛ بينما نلاحظ نظرية العقلانية والمعنوية لا تتطرّق إلى بيان تفاصيل هذا الموضوع على الإطلاق.
(120)لا نبالغ لو اعتبرنا المعاناة غير مبرّرةً مطلقًا وفق مبادئ هذه النظرية الهشّة، والأهمّ من ذلك إن اعتقدنا بهذه المبادئ سوف نقع في تناقض على هذا الصعيد، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ أتباع هذه النظرية يعتقدون بأنّ من شرّع الدين هدفه تقليل معاناة بني آدم، ومن المؤكّد أنّ مشرّعي الأديان هم الأنبياء أو الله عز وجل، لذا إن كان الله هو المشرّع ففي هذه الحالة يصبح مشنئًا لأمرين في وجود بني آدم أحدهما العذاب والألم الذي لا مخلص منهما والآخر هو الدين، ومن ثمّ يكون المقصود كما يلي: الله عز وجل خلق المعاناة في كيان الإنسان ثمّ أقرّ الدين لهدف واحد هو التقليل من مقدار معاناته.
هاتان الفرضيتان متعارضتان مع بعضهما، إذ لا يوجد تناسب بين مسألتي إيجاد المعاناة في حياة البشر والسعي لتخليصهم منها أو التقليل من تأثيرها فيما بعد، فلو كان الهدف النهائي للدين مقتصرًا على تقليل مقدار المعاناة في الحياة، من المؤكّد أنّ الله عز وجل منذ بادئ الأمر كان قادرًا على عدم إيجاد كافّة أنواع العذاب والألم كي يقرّ أمرًا فيما بعد لأجل تخليص عباده منها، فهناك تضادّ واضح وصريح بين أن يقوم شخص بإيجاد شيء بهدف تدميره أو التقليل من تأثيره لاحقًا.
وإن اعتبرنا الأنبياء بأنّهم من أسّس الدين كذلك تواجه دعوتهم الدينية تضادًّا بشكل صريح وجلي لكونهم من جهة يدعون الناس إلى الإيمان بالله عز وجل لأجل أن يقلّلوا من معاناتهم، ومن جهة أخرى أساس دعوتهم هو الإيمان بالربّ الذي خلق هذه المعاناة دون هدف وبلا سبب وجيه، ومن ثمّ فالإيمان بربّ كهذا لا يمكن أن يقلّل من مستوى معاناتهم، بل الأهمّ من ذلك أنّه يزيد من هذه المعاناة ويفاقهما أكثر وأكثر!
هيئة البشر ولا يتّسم بكيان مادّي باعتباره وجودًا محضًا منزّهًا عن كلّ صفة مادّية، لأنّ هذا النوع من الإيمان إن اقترن مع ما ذكر فهو يتمخّض عن الاعتقاد بكون عالم الوجود ملؤه التضادّ والتنازع - الديالكتيك - ذاتيًا، فحسب، وهذا يعني أنّ كلّ شيء في عالم الوجود لا هدف له ولا غاية سوى أن يكون موجودًا عديم الإرادة الحرّة أو أنّ إرادته في مستوى متدنٍ للغاية، ممّا يعني أنّ الهدف من الوجود في هذه الحالة عبارة عن شيء لا وجود له على الإطلاق، ومن ثمّ يكون وجود الأشياء في منظومة عالم الوجود عديم المعنى والمفهوم.
إن اعتبرنا الهدف الوحيد من وجود المعاناة في الحياة هو التقليل من مقدارها أو تحمّلها بأيّ نحوٍ كان مع انعدام كلّ هدف ومعنى معتبر آخر خارج عن نطاقها، يصبح الهدف من وجودها متضادًّا مع وجودها الذي افترضناه.
ولأجل أن يتّضح هذا الإشكال بشكل أفضل نشير إلى المثال التالي الذي ذكره أصحاب هذه النظرية بغية بيان معنى الإله المجرّد عن الهيئة المادّية، حيث قالوا: الإله أو الربّ غير المادّي - المجرّد - والذي ليس على هيئة البشر حاله حال الشجرة المليئة بالبراعم والأوراق والأغصان وما إلى ذلك من المكونات ولا وجود لأيّ شيء آخر غير هذه المكونات، وعلى هذا الأساس كلّ شيء في عالم الوجود ليس سوى جزء منها ولا يمكن أن يخرج عن نطاقها على الإطلاق؛ومن ثمّ إن اعتبرنا معاناة بني آدم في الحياة جزءًا من وجود هذه الشجرة العظيمة مثل ثمارها ففي هذه الحالة يكون الهدف من وجود كلّ معاناة هو الخلاص منها أو التقليل من مقدارها، ممّا يعني أنّ الهدف من وجود كلّ شيء ليس سوى عدم مواجهته عذابًا وآلامًا أو
عدم وجود تأثير لما يواجه من هذه الأمور المؤذية.
هذا الادّعاء في الحقيقة عارٍ عن المعنى، ناهيك عن أنّه يستبطن تناقضًا صريحًا.
وفي مقابل هذا الاعتقاد بإمكاننا الاعتقاد بمنظومة عالم الوجود وفق ما يلي: معاناة الإنسان جزء من منظومة عالم الوجود، لذا فإنّ وجودها في حياته له هدف معين ذو قيمة متعالية، وبالتالي على ضوء تحمّله كلّ ما يواجه من عذاب وآلام بإمكانه تحقيق هذا الهدف السامي الذي ليس له وجود فعلي وإنّما هو موجود في الإمكان فحسب بحيث يظهر إلى حيّز الفعلية في رحاب تحمّل العذاب والآلام في الحياة، ومن هذا المنطلق يتحقّق معنى معتبر لوجود المعاناة في حياتنا الدنيوية.
الجدير بالذكر هنا أنّ هذا التفسير أو التبرير لنظام عالم الوجود يصدق باعتبار أنّ المعاناة ذات معنى وفق مبادئ الأديان التقليدية بشكل عام والإسلام بشكل خاص، وعلى أساس هذا الافتراض لا تبقى حاجة للبشر بأن يعتقدوا بوجود إله على شاكلة البشر - مادّي الهيئة - ومن ثمّ ينطبق هذا المفهوم مع أسس النظرية التي هي مدار بحثنا؛ ونتيجة ذلك هي أنّ نظام عالم الوجود ذو معنى معتبر ومتقوم على أسس ومبادئ حكيمة شريطة الاعتقاد بتعاليم الأديان التقليدية، وهذا الافتراض يجعل المعاناة ذات معنى معتبر لكونها أوجدت في حياة البشر لهدف معين، وقد أذعن ملكيان ومن حذا حذوه بأنّ اتّصاف وجود المعاناة في عالمنا بمعنى معتبر هو السبيل الوحيد الذي يعيننا على تحمّل العذاب والآلام التي لا علاج لها ومحتومة علينا بحيث لا مفرّ لنا من مواجهتها؛ وهذا التصوّر في الحقيقة بقي ضمن مضمار التصوّر المحض ولم يتحقّق على أرض الواقع في النظرية المذكورة.
الباحث ملكيان تخلّى عن مبادئ الأديان التقليدية من إحدى جهاتها ثمّ جعل النزعة المعنوية بديلةً عنها، حيث أكّد على أنّ الدين التقليدي لا قابلية له على منح البشر معرفة واقعية بخصوص ما يواجهون من عذاب وآلام في هذه الحياة، أي أنّهم في رحابه عاجزين عن معرفة كنه المعاناة الحقيقية المكنونة في ذواتهم، ممّا يعني إخفاق تعاليمه في وضع حلول ناجعة تخلّصهم منها؛ وعلى هذا الأساس فإنّنا وفق مبادئ نظرية المعنوية يجب علينا البحث والتحليل بغية معرفة السبب الأساسي من وراء وجود المعاناة في حياتنا كي نتمكّن من تشخيص العلاج الناجع لها، وضمن مقالة دوّنها تحت عنوان «من أين يأتي الألم؟ من أين تأتي المعاناة؟» تطرّق إلى استقصاء الأسباب الأساسية التي توجد العذاب والآلام - المعاناة - بشتّى أنواعها في حياة البشر ثمّ أشار إلى ثمانية آراء طرحت في هذا المضمار أربعة منها تقليدية والأربعة الأخرى آراء معاصرة قوامها الاعتقاد بالإله المادّي الذي يتّسم بخصال البشر، لكنّه في نهاية استنتاجاته لم يحدّد الرأي الذي يتبنّاه منها لأنّه ادّعى أن لا رأي منها يمكن إثباته بالاستدلال ولا مجال للدفاع عنه، أي أنّها آراء غير معتبرة برأيه، لذلك تبنّى رأيًا قوامه إمكانية التركيب بين عدّة آراء لتصبح الآراء المطروحة في هذا المضمار تسعةً، لكن مع ذلك لم يتحدّث عن هذا الرأي الجديد بحيث ترك الموضوع غامضًا.
كذلك تطرّق في مصدر آخر من تراثه الفكري إلى بيان الأسباب الأساسية لمعاناة
البشر معتبرًا السبب الرئيس عدم الجمع بين مبادئ العقل والنزعة المعنوية. هذا التبرير في واقع الحال مجرّد ادّعاء ومصادرة على المطلوب حسب القواعد المنطقية في الاستدلال، إذ يمكن لكلّ من هبّ ودبّ أن يدّعيه، فالإنسان المتدين على سبيل المثال بإمكانه ادّعاء أنّ الدين التقليدي هو السبب الأساسي لمعاناة البشر، بمعنى أنّ إعراض الناس عنه هو الذي يسفر عن معاناتهم، كما يمكن ادّعاء أنّ الإلحاد ونبذ الدين من أساسه هو السبب في ذلك؛ وعلى هذا الأساس إن حاول أصحاب نظرية العقلانية والمعنوية الاحتراز من إشكال المصادرة على المطلوب الذي أشرنا إليه فلا محيص لهم من البحث عن سبب آخر لوجود المعاناة فيما عدا سلوك الإنسان نفسه، لأنّهم يهدفون في نظريتهم إلى وضع حلّ ناجع لهذه المعاناة مثلما يرجو كلّ متديّن من دينه ويعتبر سبب معاناته شيئًا آخر غير نفسه، وحتّى إن اعتبر نفسه مسبّبًا لها فهو في الواقع لا يمتلك دليلًا يثبت هذا التصوّر.
الخطوة التالية التي اتّخذها هذا الباحث هي ضرورة تشخيص العلاج الناجع لمعاناة البشر في الحياة الدنيا، وهذه الخطوة هي الأخرى مثل أطروحة تشخيص أسباب العذاب والآلام في نظرية العقلانية والمعنوية، حيث يرد عليها إشكال جادّ.
حينما نستقصي مدوّنات هذا الباحث نجد في بعضها استنتاجات مطروحة حول ارتباط بعض الحالات المعنوية التي لخّصها مع النتائج التي تتمخّض عنها بمصطلح «الإنسان المعنوي»، فقد ذكر هذه الاستنتاجات بشكل مشتّت وغير منسجم ضمن العديد من مدوّناته حول النظرية المذكورة، فعلى سبيل المثال ما طرحه تحت عنوان
وجود النزعة المعنوية في هذا العالم وفي هذا الزمان على ضوء توجّه معنوي علماني اعتبره مرتبطًا بما طرحه تحت عنوان قبول الإنسان المعنوي نفسه وتحلّيه بخصلة العفو، لأنّ الوجود الحالي للمعنوية عبارة عن نتيجة تجعل الإنسان متفائلًا وتمنحه رضا بالماضي والمستقبل بحيث لا يستاء ممّا حدث أو يحدث فيهما ثمّ ينعم بطمأنينة نفسية، وأمّا قبوله نفسه على واقعها فهو يخلّصه من شعوره بالمعاناة ممّا واجه في ماضيه السيّئ فينال طمأنينة نفسية أيضًا؛ ثمّ استنادًا إلى هذا الاستنتاج قال: من لا يقبل نفسه على واقعها يحرم من الراحة النفسية لأنّه إمّا أن يسعى لكتمان ماضيه أو يستصغر ماضي الآخرين ويعتبره تافهًا.
فضلًا عمّا ذكر لا يستبعد أن تتضمّن آثاره الفكرية بشكل ضمني استنتاجات مشابهة لهذا الاستنتاج وكلّها بطبيعة الحال لا تعدّ ناجعة في بيان طبيعة ارتباط النزعة المعنوية مع الشعور بالطمأنينة النفسية لدى البشر والتقليل من مقدار معاناتهم، وذلك لما يلي:
أوّلًا: هذه الاستنتاجات في حقيقتها مجرّد بيان للمدّعى قبل النتيجة، لذا لا يمكن اعتبارها مطلقًا استنتاجًا محصّلًا من استدلال علمي أو منطقي معتبر، ناهيك عن أنّ المدّعى بحدّ ذاته ترد عليه إشكاليات جادّة، فعلى سبيل المثال إن قيل يجب على الإنسان قبول نفسه والرضا بما هي عليه واعتبار هذه الوجهة وازعًا يحفّزه على تجاهل ماضيه، ففي هذه الحالة يرد الإشكال التالي: إن استرجع الإنسان ماضيه ورضي بما حلّ به آنذاك من حالات سيّئة لا ترتضيها نفسه، يجب عليه إذن بذل كلّ ما بوسعه كي لا يتكرّر ما حدث من أمور سيّئة فيما مضى من عمره وتعويض
ما فات قدر المستطاع، ومن المؤكّد أنّ الطمأنينة النفسية المتحصّلة بهذا الأسلوب تكون ثابتةً لأنّه لم يتجاهل حقيقة وجوده وتصوّر شيئًا آخر لا واقع له.
ثانيًا: الاكتفاء ببيان قضايا جزئية للنزعة المعنوية وأمثلةً محدودةً، ليس من شأنه الحلول محلّ البيان الكلّي والشامل لطبيعة ارتباط هذه النزعة مع الهدف الأساسي في حياة البشر والمتمثّل في التقليل من مقدار ما يواجهون من عذاب وآلام في كافّة مناحي حياتهم.
بناءً على ذلك يجب على أصحاب نظرية العقلانية والمعنوية بيان كيفية التقليل من مقدار جميع أشكال العذاب والآلام في حياة البشر عندما يتحقّق ارتباط بين النزعة المعنوية بمفهومها العلماني مع المبادئ العقلية، وهنا بطبیعة الحال لا يكفي الخلاص من المعاناة السالفة التي اكتنفت الحياة فيما مضى أو عدم الاكتراث بالمعاناة المحتمل تحقّقها مستقبلًا، لأنّ الكثير من أشكال المعاناة الموجودة حاليًا وعلى رأسها الآلام التي يعاني منها الإنسان في حياته اليومية من مختلف النواحي مثل الآلام البدنية الناشئة من الجروح وغيرها وكذلك الأمراض النفسية والقلق النفسي والاضطراب، لا يمكن أن تزول أو تقلّل بمجرّد التفكير بالوقت الحاضر والعيش لهذه اللحظة من الحياة، بل من الممكن أن تخفّ آلامنا المعاصرة عندما نتصوّر لأنفسنا مستقبلًا أفضل وحياة زاهرة في الوقت اللاحق، لذا مجرّد تصوّر الوقت الراهن مع تجاهل المستقبل لا يمكن أن يلبّي هذه الحاجة وإنّما يعدّ سببًا لعدم التقليل من معاناتنا.
ثالثًا: هذا الادّعاء وما شاكله ربّما يمكن طرحه بشكل أفضل في رحاب مبادئ النزعة المعنوية الدينية أو ضمن التعاليم الدينية بذاتها، فعلى سبيل المثال بدل أن
(128)يدّعى ضرورة قبول الإنسان نفسه والرضا بحاله عن طريق تناسي الماضي وعدم الاكتراث بما واجه من مساوئ سابقة، يجب أن يحفيزه على قبول نفسه والرضا بحاله على ضوء الإيمان بالله الرؤوف الرحيم من خلال استذكار ماضيه السيّئ المليء بالمعاناة ومن ثمّ لا بدّ أن يشعر بالندم على ما ارتكب سابقًا كي يطهّر نفسه ويزكّيها حتّى ينال طمأنينة نفسية ويقرّ باله، لذا من المؤكّد أنّه في هذه الحالة لا يمكن أن ينكر حقيقة وجوده وفي ذات الوقت يبذل كلّ ما بوسعه لتعويض ما حدث من مساوئ في ماضيه بحيث لا يبقى بحاجة إلى استصغار شأن الآخرين، لأنّه عندما يدرك حقيقته الإنسانية ويلاحظ نفسه ذات الطابع الإنساني الواقعي والتي كان لها ماضٍ سيّئ، فهو بطبيعة الحال يسعى إلى إعادة تأهيلها بأمثل شكل في رحاب الاعتقاد بوجود لطف إلهي يعينه في مسيرته التربوية والتهذيبية هذه، وحينئذٍ لا يشعر بالغرور على الإطلاق، ناهيك عن أنّه لا يستصغر أحدًا من أقرانه البشر بحيث لا يجد في نفسه حاجة لهذا السلوك غير المقبول.
إذن، في هذه الحالة يتمكّن الإنسان من الاتّعاظ بماضيه واعتباره درسًا لحياته المستقبلية وبالتالي لا يسقط في فخّ ذات الأخطاء والذنوب التي ابتلي بها سابقًا، وعلى هذا الأساس لا صواب لادّعاء من ادّعى أنّ الدين عاجز اليوم عن منح بني آدم طمأنينة نفسية في الحياة كما هو الحال فيما مضى ولا صحّة لاعتباره متجاهلًا مشاكل الإنسان المعاصر وليس فيه حلًا ناجعًا لها، ممّا يعني بطلان ادّعاء أنّ النزعة المعنوية هي السبيل الوحيد لتحقيق هذا الهدف - أي تقليل آلام البشر وعذابهم -
ولا سبيل غيرها مطلقًا. هذه الادّعاءات كلّها تفنّد حينما نتأمّل بدقّة وإمعان نظر في دور الدين وتأثيره البالغ على صعيد تقليل معاناة البشر ومنحهم الراحة النفسية والطمأنينة في هذا المضمار.
هناك إشكال جادّ آخر يطرح في هذا الصعيد على عبارة «التقليل من المعاناة» المذكورة في تعريف النزعة المعنوية من قبل ملكيان، حيث عرّفها قائلًا: النزعة المعنوية عبارة عن حالة ثمرتها حدوث أقلّ مقدار ممكن من العذاب والألم. الجدير بالذكر هنا أنّ نتيجة هذا التعريف استخرجت منه، فعندما تطرّق إلى بيان طبيعة الارتباط بين النزعة المعنوية والعقل العملي - الذرائعي - ادّعى أنّ السلوك المعنوي يتجلّى في الحالات التي تكون فيها المفاهيم والمعتقدات في منأى عن العقل، لذا إن استطاعت أن تمنح الإنسان راحة وطمأنينة نفسية، ففي هذه الحالة يصبح الاعتقاد بها معنويةً بحدّ ذاته.
هذا الكلام يشير إلى أنّ الشعور بالطمأنينة النفسية جزء من تعريف النزعة المعنوية أو أنّه معيار لتحديد العقيدة المعنوية، ومن ثمّ يصبح السلوك المعنوي من أساسه متعينًا على ضوء هذا الشعور، ممّا يعني أنّ معيار الحكم على كون إحدى الحالات التي تكتنف النفس الإنسانية تندرج ضمن المبادئ المعنوية أو لا تندرج فيها، يتمثّل في النتيجة العملية التي تترتّب عليها.
نقول في نقد هذا الرأي: هنا أيضًا توجد مصادرة على المطلوب لأنّ الهدف الذي يمكن لصاحب هذه النظرية طرحه بعد تعريفه لها وبيان تفاصيلها وذكر السبل الكفيلة بتحقّقه، مقتبس في الواقع من العبارات الأولى لهذا التعريف، لذا يمكن لكلّ إنسان أن يطرح هذا الادّعاء للهدف الذي يروم تحقيقه بغضّ النظر عن كلّ اعتبار آخر، فعلى سبيل المثال بإمكاننا تعريف الدين حسب ذوقنا كما يلي: الدين عبارة عن حالة ثمرتها حصول أقلّ قدر ممكن من المعاناة في حياة البشر. ثمّ على هذا الأساس يمكن أن ندّعي أنّ الدين التقليدي أو سائر المعتقدات الدينية تمتاز بهذه الخصوصية مهما كانت تعاليمها.
إن أراد هذا الباحث الحذر من إشكالية المصادرة على المطلوب في التعريف المشار إليه، يجب عليه بعد بيان المقصود من النزعة المعنوية أن يوضّح تفاصيلها من حيث ماهيتها وعناصرها الإبستيمولوجية والأنطولوجية ثمّ يذكر كيفية تحقّق الطمأنينة النفسية لدى الإنسان والأسلوب الناجع الذي يعينه على تقليل آلامه ومعاناته استنادًا إلى هذه العناصر، لذا ليس من الممكن استخلاص النتيجة من التعريف المشار إليه أو من العبارات التوضيحية لها، لأنّ ما يراد إثباته بعد إثبات صواب مدّعى النزعة المعنوية والعقل هو الطمأنينة النفسية وتقليل المعاناة، وهذا الأمر لا يمكن طرحه تزامنًا مع تعريف الحالة المعنوية التي تكتنف الإنسان أو تزامنًا مع بيان طبيعة ارتباطها بالعقل، فالنظرية من أساسها تواجه إشكالًا هنا.
إضافةً إلى الخطوات الثلاثة الأولى التي أشرنا إليها في تفاصيل البحث، وهي إدراك حقيقة المعاناة الباطنية ومعرفة سببها الأساسي وتشخيص العلاج الناجع لها، ذكر
(131)
الباحث ملكيان خطوتين أخريين في طريق تحقيق الهدف المنشود للبشر والمتمثّل في التقليل من معاناتهم، حيث اعتبر هذا الأمر مرهونًا باتّخاذ خطوتين أساسيتين، لكنّه قبل ذلك تطرّق إلى تحليل الخطوة الأولى بشكل ناقص وهذا الأمر ملحوظ في مختلف آثاره المدوّنة، والأهمّ من ذلك أنّ كلّ مدوّناته لا نلمس فيها أيّ كلام عن الخطوتين الأخريين لا ناقصًا ولا تامًّا.
الخطوة الرابعة برأيه تتمثّل في طرح حلول عملية من شأنها إزاحة مشاكل البشر، وفي هذه الحالة حتّى لو افترضنا أنّ النزعة المعنوية - في النظرية التي هي مدار بحثنا - فيها نواقص وعيوب لكنّها قادرة على بيان واقع ارتباط القضايا المعنوية التي تتمحور حولها مع مسألة التقليل من عذاب البشر وآلامهم، إلا أنّ هذا الافتراض يبقى غير تامّ ولا يثبت المطلوب ومن ثمّ تبقى الحاجة إلى وضع سبل عملية وحلول ناجعة على حالها بحيث لا نعرف كيف يمكن تحقيق الهدف المنشود والمتمثّل في الخلاص من المعاناة أو التقليل منها إلى أدنى مستوى ممكن وفي ذات الوقت لا نعرف طبيعة العقبات الكامنة في هذا الطريق؛ وهذه الحقيقة أذعن بها ملكيان نفسه حيث قال: الطرق العملية لمعرفة الحلّ لهذه المشكلة تختلف عن الحلّ بذاته.
نستشفّ من هذا الكلام أنّ أحد الإشكالات التي ترد على النظرية المذكورة فحواه عدم بيان طبيعة الطرق العملية التي يجب اتّباعها لتقليل معاناة البشر من قبل أصحاب هذه النظرية، ناهيك عن عدم اشتمالها على الحلول التي وضعتها الأديان
ضمن تعاليمها السماوية، لأنّ المعنوية العلمانية فارغة من هذه الحلول الناجعة ولا طائل منها على الإطلاق.
خلاصة الكلام هي أنّ ملكيان ومن اتّبع نظريته لم يذكروا حلًا عمليًا ناجعًا ومحدّدًا في أطروحتهم بخصوص معاناة البشر، بل اكتفوا بالحديث عن التقليل منها فحسب، في حين أنّ تحديد هذه الحلول يعتبر من الضرورات الأساسية لكلّ أطروحة ومقترح يذكران على هذا الصعيد رغم أنّ هؤلاء أكّدوا على وجوب تحديد الحلول الناجعة لمواجهة المعاناة في الحياة.
الخطوة أو المرحلة الخامسة التي ذكرها هذا الباحث بغية تحقيق الهدف المشار إليه والمتمثّل في تحقيق الطمأنينة في حياة البشر والتقليل من مدى عذابهم ومعاناتهم في حياتهم الدنيوية والتي اعتبرها من الضرورات الماسّة لكلّ إنسان، هي كون الخلاص أمرًا مضمونًا ولا بدّ من تحقّقه، وعلى هذا الأساس قال يجب على الإنسان أن يعتقد بإمكانية خلاصه من مشكلة المعاناة وفق هذا الحلّ العملي؛ لكن يرد عليه أنّ نظريته التي طرحها بهذا الخصوص لا نجد فيها ضمانًا كهذا، إذ لم يذكر فيها كيفية تحقّق ضمان الخلاص من المعاناة على الرغم من إقراره بأنّ الأديان التقليدية قد وضعت هذا الضمان في تعاليمها، ومن هذا المنطلق نقول له: ما السبب الذي دعاك أيّها الملكيان ومن تبعك لأن تعتقدوا بضرورة استبدال الأديان التقليدية بالنزعة المعنوية التي تبنّيتموها؟
أتباع هذه النظرية في الحقيقة أخفقوا بشكل واضح في بيان الأسباب في الخطوة
الأولى من أطروحتهم وهذا الإخفاق بكلّ تأكيد طال مرحلتهم الأخيرة، فما دامت الخطوة الأولى فاشلة كيف يمكن تصوّر صواب الخطوة الأخيرة؟! كلّ هذه المراحل الخمسة التي ذكرها ملكيان والتي ادّعى أنّها تعين الإنسان على امتلاك طمأنينة نفسية وتقلّل من مقدار معاناته، اعتبرها ضروريةً ولا بديل لها، لكنّه أخفق في بيان تفاصيلها وفق معطيات صائبة ومقبولة بينما الأديان التقليدية وضّحت هذه التفاصيل بكلّ وضوح وصواب.
الباحث ملكيان اعتمد على مبادئ العقل الذرائعي - العقل العملي - لأجل إيجاد ارتباط بين النزعة المعنوية والعقل، أي أنّه أراد طرح هذه النزعة وفق أسس عقلية من منطلق سعيه إلى تصويرها بأسلوب يتناغم مع مقتضيات العصر والتجدّد، فالمعنوية المعاصرة برأيه تواكب تيار الحداثة؛ وفي هذا السياق لجأ إلى مبادئ العقل الذرائعي كما ذكرنا، حيث ادّعى أنّ العقل المتجدّد ليس سوى وسيلة عملية يعتمد عليه بغية صياغة عالمنا بحسب ما تمليه علينا رغباتنا ووفق الأسس التي تعجبنا نحن البشر، وعلى هذا الأساس استنتج أنّ العقل النظري لا طائل منه في مضمار هذا الشكل من المعنوية لكون التوجّهات المعنوية تلج في مضمار يخلو من العقلانية
النظرية، لذا يبقى العقل النظري في معزل عنها ولا يتطرّق إليها بتاتًا، وفي هذه الحالة إن وجد مفهومًا أو معتقدًا متنافرًا مع مبادئ العقل وفي معزل عنه لكنّه يمنح الإنسان طمأنينة نفسية فهو بكلّ تأكيد عبارة عن معتقد معنوي.
وأضاف في طرح هذا الرأي قائلًا: العقل الذرائعي هو السبيل الذي يمكن للإنسان اتّباعه كي ينال سلامة نفسية مثالية، إذ على أساسه بإمكاننا بيان كافّة المفاهيم والمعتقدات التي تتنافر مع المبادئ العقلية ويعيننا على معرفة مدى ما تقدّمه لنا من خدمات ننال بفضلها سلامة نفسية تقرّ على إثرها أرواحنا، لذا على أساس هذه الأطروحة يتسنّى لنا تأسيس منظومة عقائدية معنوية.
نظرية هذا الباحث كما نلاحظ في ذات تأكيدها على ضرورة تحقّق السلامة النفسية بغية تحديد طبيعة المعتقدات المعنوية، تؤكّد أيضًا على ضرورة أن يسعى صاحب النزعة المعنوية إلى البحث عن الحقيقة، وفي هذا السياق ادّعى أنّ السعي للبحث عن الحقيقة لا يعني وجوب اتّباعها عند معرفتها، بل يقصد منه اتّخاذ خطوات صائبة لأجل بلوغها، وعلى هذا الأساس فما يحظى بأهمّية بالغة في النظرية المذكورة
هو مراحل البحث عن الحقيقة فقط ولا أهمّية لما يتمخّض عنه هذا البحث، حيث قال ملكيان بهذا الصدد: ليست هناك أهمّية بالغة للشيء الذي يوصلنا إليه هذا البحث - البحث عن الحقيقة - وإنّما المهم في هذا المضمار هو السعي الدؤوب بحثًا عن الحقيقة التي يؤيّدها العقل إن عرفت، لذا قد يدّعي شخص أنّ الله عز وجل موجود حقًّا ويدّعي غيره عدم وجوده وفق رؤية إلحادية، لكن إن سعى كلاهما إلى معرفة الحقيقة وتوصّلا إلى هاتين النتيجتين المتضادّتين ففي هذه الحالة كلاهما عبارة عن إنسان معنوي لأنّ كلّ واحد منهما توصّل إلى النتيجة التي طرحها على ضوء مراحل بحث واستقصاء قد طواها في مسيرته المعنوية.
لا شكّ في أنّ بلوغ النتيجة في هذا المضمار تحقّق على ضوء اتّباع مبادئ العقل الذرائعي - العملي - لأنّ النتيجة التي يرجو الإنسان المعنوي الذي هو مدار النظرية المذكورة، هي نيل طمأنينة روحية والعيش في رحاب حياة ملؤها سلامة نفسية إلى جانب أقلّ مستوى ممكن من المعاناة، وكلّ ذلك لا يمكن أن يتحقّق على أرض الواقع إلا عبر الاعتماد على العقل الذرائعي، وعلى هذا الأساس يثبت لنا أنّ الحقيقة التي يحكي عنها أصحاب هذه النظرية تدرج ضمن الحقائق التي تتمخّض عنها فوائد عملية فحسب، وهي التي يسعى الإنسان المعنوي إلى بلوغها، لذا فهي ليست حقيقة يتمّ التوصّل إليها في رحاب العقل النظري الاستدلالي، كما أنّها لا
تندرج ضمن الحقائق الثابتة التي تنطبق مع الواقع لكون ملكيان وكلّ من تبنّى هذه النظرية يستندون في طرحها على أسس غير واقعية، وهذه الأسس هي المرتكزات التي تتقوّم عليها مبادئ فكر التجدّد والحداثة.
الجدير بالذكر هنا أنّ مفهوم المعنوية المطروح في نظرية العقلانية والمعنوية يدور في مدار خارج عن نطاق العقل النظري، لذا لا يتسنّى لمن يتّبع مبادئ العقل النظري إثباتها، ومن ثمّ تعدّ متنافرةً معه وغير خاضعة لأسسه الاستدلالية، ممّا يعني عدم إمكانية إثباتها واعتبارها أمرًا حقيقيًا اعتمادًا على هذه الأسس العقلية النظرية، فالدليل على إثباتها ونفيها متساوٍ ولا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر؛ لذا بعد أن أخفق هذا الباحث في إثباتها عقليًا قال يجب أن نتعامل معها سلوكيًا وكأنّها حقيقة ثابتة.
النقد السابع: عدم انسجام الأسس الإبستيمولوجية لهذه النظرية مع سبل تحقيق الهدف الذي تسعى إليه
لا شكّ في أنّ استبدال العقل الاستدلالي (النظري) بالعقل الذرائعي (العملي) لإثبات المعتقدات المعنوية ترد عليه إشكالية جادّة من حيث طريقة الإثبات من أساسها، ناهيك عن إشكاليات جادّة أخرى ترد على الهدف الذي يراد تحقيقه اعتمادًا على هذه المعتقدات وفق ما تمّ طرحه في نظرية العقلانية والمعنوية، ومن جملتها الإشكال التالي: أتباع هذه النظرية يعتبرون المعتقدات المعنوية المطابقة للواقع متشابهةً بالكامل
مع المعتقدات المعنوية اللاواقعية إن أمكن تحقيق الهدف المنشود اعتمادًا عليها، وعلى هذا الأساس ادّعوا أنّ الإيمان بوجود الله عز وجل (على افتراض صوابه) يلعب ذات الدور الذي يفيه الإلحاد - عدم الإيمان به - في منح الإنسان طمأنينة نفسية على ضوء اتّباع خطوات صائبة وعبر الاعتماد على مبادئ العقل الذرائعي من قبل المؤمن والملحد، ممّا يعني أنّ الإيمان والإلحاد لا فرق بينهما لكون الهدف هو تحقّق الطمأنينة النفسية فحسب. نستشفّ من هذا الكلام أنّ من حبك هذه النظرية لا يعتقد بأهمّية الدور الذي يفيه الأمر الواقع والمتحقّق على صعيد مشاعر الإنسان وحالاته النفسية، إذ لا دور للواقع في منحه أيّة راحة نفسية، لكنّ ملكيان نفسه أقرّ قائلًا: الطمأنينة الثابتة لا تتحقّق إلا في رحاب اعتقاد واقعي.
الإشكال الأكثر جدّيةً يتجلّى لنا في رأيه الذي قوامه تنافر المفاهيم والمعتقدات المعنوية مع حكمل العقل النظري وعدم انصياعها لحكمه، حيث استنتج على أساس هذا الرأي عدم قدرتنا على معرفة ما إن كانت هذه المعتقدات حقيقية أو لا، بل غاية ما يمكن تحصيله من هذا العقل - حسب رأيه - إمكانية سريان الخرافات والأساطير في باطن المعتقدات المعنوية؛ ومن جهة أخرى اعتبر الإنسان المعنوي في هذه النظرية من لا يعير أهمّية سوى لبلوغ الحقيقة بغضّ النظر عن الطريق الذي يسلكه وأين ينتهي والنتيجة التي يحقّقها بعد ذلك، إذ لا أهمّية لكلّ شيء باستثناء تحصيل الحقيقة.
ملكيان ادّعى أنّ العقل النظري قد يوقع الإنسان في فخّ الخرافات والأساطير، إلا أنّ كلامه هذا يرد على نفس ادّعائه، لأنّنا إن قلنا إنّ معرفة الحقيقة هي التي تحظى بأهمّية فقط بغضّ النظر عن كلّ اعتبار آخر وعن كلّ سبيل نسلكه أو معتقد نتبنّاه، ففي هذه الحالة قد نقع فخّ الخرافات والأساطير ونتبنّى معتقدات واهية عارية عن الصحّة، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّه أكّد على عدم قدرة الفكر الخرافي والأسطوري منح الإنسان طمأنينة نفسية، كما أنّه أيّد رأي أتباع الديانة الهندوسية الذين قالوا: معظم معاناة البشر سببها معتقدات مخالفة للواقع الذي نعيشه؛ وعلى أساس هذا الكلام نصحنا هذا الباحث بعدم الاكتراث بمبادئنا الإبستيمولوجية الشاملة وعلى ضوء اعتقاده بكون الإنسان المعنوي سائر على نهج اللاواقعية، أكّد على ضرورة أن يسعى هذا الإنسان المعنوي إلى استكشاف الحقيقة والخروج من نطاق اللاواقعية، حيث قال في هذا السياق: إن لم ينطبق اعتقاد الإنسان مع الواقع فهو يصبح منشئًا لعذابه وألمه. بعد ذلك استنتج ما يلي: إن تبنّينا نزعةً معنويةً بغية التقليل من مقدار معاناتنا يجب علينا حينئذٍ أن نسعى إلى تبنّي معتقدات تنطبق مع الواقع، ومن هذا المنطلق ينبغي لنا معرفة كلّ عقيدة من حيث كونها منطبقة مع الواقع أو غير منطبقة معه. لذا حصيلة كلامه هي عدم صواب تجاهل مسألة انطباق المعتقدات أو عدم انطباقها مع الواقع والاكتفاء بتحقيق نتيجة عبر طيّ مراحل صائبة، فقد أكّد بنفسه
قائلًا: يجب على الإنسان المعنوي السعي لنيل طمأنينة نفسية، وهذه الطمأنينة لا يمكن تحصيلها إلا عبر الاعتماد على معتقدات حقيقية.
بناءً على ما ذكر نطرح السؤال التالي على ملكيان: كيف تبرّر ادّعائك بكون المعتقدات التي لا تنطبق مع الواقع والتي يتمّ تبنّيها عبر الاعتماد على مراحل استنتاجية صحيحة، من شانّها منح الإنسان طمأنينة معنوية؟! فقد قلت بنفسك: رغم أنّ الإنسان يسعى جاهدًا ويبذل كلّ ما بوسعه لأجل التقليل من عذابه وآلامه في الحياة، لكنّه في نهاية المطاف «إنسان» شعوره بكونه مخدوعًا يعدّ أكبر شيء يزعزع اتّزانه النفسي ويشوش ذهنه، وعلى هذا الأساس عادةً ما يرغب الإنسان المعنوي في تقليل مقدار معاناته في الحياة عن طريق تبنّي معتقدات واقعية.
هذا الكلام لا صواب له لأنّ الهدف الذي يتحدّث عنه ملكيان لا يمكن أن يتحقّق في رحاب الاعتقاد بمعنوية وصفها بكونها لا تنطبق جزئياتها مع الواقع.
من البديهي أنّ اعتقاد هذا الباحث من حذا حذوه بضرورة معرفة الحقيقة واعتبارهم إياه مرتكزًا لنظريتهم التي هي في واقع الحال متقوّمة على مبادئ العقل الذرائعي - العملي - ونزعة لاواقعية، يجعلهم أمام تحدّ جادّ ويثير إشكالية هامّة على نظريتهم، إذ نستشفّ منه أنّ المعنوية المتقوّمة على النزعة العقلية العملية لا يمكنها بتاتًا تلبية المقتضى الأساسي لهذه النظرية والمتمثّل في تحقيق طمأنية نفسية وتقليل معاناة في حياة البشر، فالنظرية من أساسها لا قيمة لها سوى هذا الهدف
الذي يراد تحقيقه بأيّ نحو كان؛ وفحوى هذا التحدّي أنّ النظرية مرتكزة على النزعة اللاواقعية التي مغزاها عدم إمكانية إثبات المعتقدات المعنوية وفق مبادئ العقل النظري - الاستدلالي - وإثبات وجود السلامة النفسية بواسطة مبادئ العقل العملي - الذرائعي -، في حين أنّ الطمأنينة الحقيقية الراسخة وتقليل المعاناة حسب إذعان ملكيان نفسه لا يمكن أن يتحقّقا إلا عن طريق معرفة الحقيقة، وهذه المعرفة برأيه لا يمكن للإنسان بلوغها سوى عبر الاعتماد على العقل النظري وتبنّي نزعة واقعية، وهذه النزعة التي تحكي عن واقع الأمور لا يمكن تحصيلها سوى عن طريق العقل العملي.
نظرية العقلانية والمعنوية من الناحية التطبيقية - العملية - أيضًا تواجه إشكالية جادّة، فهي من هذه الناحية لا يمكن أن تضع أسسًا من شأنها تقليل معاناة البشر وبسط الطمأنينة النفسية في المجتمع، وفي هذا السياق أقرّ الباحث ملكيان بأنّ معظم الناس - حتّى في العصر الحديث - يميلون إلى الدين ويعتقدون بتعاليم الأديان التقليدية، وأحد المعتقدات التي أشار إليها بهذا الخصوص ولا سيّما بالنسبة إلى أتباع الأديان الإبراهيمية، هو الإيمان بوجود حياة آخرة بعد هذه الحياة الدنيا، وأمّا النزعة المعنوية التي يتبنّاها البشر في نطاق الفكر المادّي العلماني فهي تتعارض
مع الإيمان بالآخرة حسب رأيه، لأنّ البنية الأساسية لها هي سعي الإنسان - الذي وصفه بالمعنوي في نظريته - إلى نيل طمأنينة في هذه الحياة، أي الحياة الدنيا فحسب ولا شأن له بالعالم الآخر، لذا يرغب هذا الإنسان حسب رأي ملكيان في نيل الثواب واجتناب العقاب في رحاب هذا العالم، وهذا الأمر طبيعي وواضح للعيان.
هذا الكلام يرد عليه ما يلي: الإنسان المتدين يراوده هاجس الثواب الأخروي، وعلى هذا الأساس يتحمّل ما يواجه من عذاب وآلام في الحياة الدنيا وكلّ ما فيها من مشاكل ومصاعب على أمل نيل ثواب الحياة الآخرة والعيش بطمأنينة بعد الموت، لذا نقض ملكيان في نظريته محورية الآخرة واستهان بالنزعة الأخروية - الإيمان بعالم ما بعد الدنيا - حينما ادّعى أنّ الإنسان المتدين يرجو التقليل من عذابه وآلامه في هذه الحياة على ضوء اعتقاده بالتعاليم الدينية التي بشرّته بوجود ثواب أخروي يناله جزاءً لتحمّله ما يواجه من معاناة، فهذا التعارض بكلّ تأكيد يثير شبهةً على عقيدة الإيمان بالآخرة وعلى ما فيها من ثواب يناله الصابرون.
نستنتج ممّا ذكر أنّ الهدف العملي لنظرية العقلانية والمعنوية، والمتمثّل في تقليل معاناة البشر إلى أدنى حدّ ممكن، لا يمكن أن يتحقّق في المجتمعات المتدينة على الإطلاق رغم شمولها معظم البشر، والأهمّ من ذلك أنّ هذه النظرية في الواقع
تزيد من معاناتهم وفي الحين ذاته تثير شبهات على المعتقدات الدينية التي تعدّ وسيلةً ناجعةً لتقليل ما يواجه البشر من عذاب وآلام في الحياة الدنيا.
الحصيلة النهائية التي تتمخّض عن دراسة وتحليل النظرية التي طرحها الباحث ملكيان تحت عنوان النزعة المعنوية والعقل، مغزاها أنّ التقليل من عذاب البشر وآلامهم أو خلاصهم من المعاناة في الحياة الدنيا هو الهدف الأساسي لهذه النظرية ويجسّد قيمتها الحقيقية.
أحد مدّعيات هذه النظرية هو أنّ الدين التقليدي عاجز عن تحقيق الهدف الذي تطرحه، فهو لا يمكن أن يتحقّق حسب زعم ملكيان ومن حذا حذوه إلا عن طريق تبنّي نزعة معنوية ذات طابع مادّي علماني، وفي هذا السياق تطرّق من يروج لها إلى بيان خصائص هذه النزعة اللادينية؛ لكن الإشكالية الجادّة التي ترد عليها هي إخفاق المعنوية العلمانية في تحقيق الهدف المنشود.
الجدير بالذكر أنّ ملكيان في أطروحته هذه ذكر خمس خطوات أو مراحل ضرورية لتحقيق الهدف الذي أراد تحقيقه من وراء طرح نظريته المعنوية، لكن عندما نحلّل هذه الخطوات بأسلوب علمي دقيق واستدلال منطقي يثبت لنا أنّ الخطوات الثلاثة الأولى يكتنفها غموض يدعو للحيرة بحيث يطرح على هذا الباحث السؤال التالي: هل تمّ اتّخاذ هذه الخطوات بشكل صائب حقًّا أو لا يمكن ذلك؟! وأمّا الخطوتان الرابعة والخامسة فلا نجد لهما شرح وتفصيل في تراثه الفكري على الإطلاق.
هذه النظرية فضلًا عمّا ذكر لا قابلية لها على إضفاء معنى إلى المعاناة التي لا بدّ أن
(143)يواجهها البشر في حياتهم الدنيوية رغم إرادتهم، لذا تبقى عاجزةً عن وضع حلّ لهم كي يتحمّلوها ويتعاملوا معها بإيجابية، كذلك لا نجد في هذه النظرية شموليةً لكون ما طرح فيها لا يعمّ كافّة أشكال المعاناة التي يواجهها الناس في حياتهم الدنيوية، كما تجاهل أصحابها بعض أشكال المعاناة التي وصفت بأنّها متعالية وإيجابية.
وأمّا أهمّ إشكالية ترد عليها فهي ما يلي: أسس هذه النظرية قوامها رؤيةً غير واقعية ومبادئ عقلية ذرائعية - عملية - ولا يراد منها سوى إثبات تحقّق السلامة النفسية على ضوء معتقدات قوامها نزعة معنوية وليس إثباتها وفق مبادئ العقل النظري، ومن هذا المنطلق ليس من شأنها مطلقًا منح البشرية طمأنينة نفسية ورضا بالحياة، بل الأمر على العكس تمامًا لكونها وازعًا لزيادة ما يواجهون من عذاب وآلام في هذه الحياة المادّية.
(144)(146)
السيّد أحمد غفاري قره باغ
يُعدّ نفي التعبّد واحدًا من العناصر الأساسية في نظرية العقلانية والمعنوية، رغم أن هذا العنصر من توابع العنصر المحوري لهذه النظرية، ونعني بذلك العقلانية طبقًا لتفسير مؤسس هذه النظرية؛ وفي المجموع فإن فإن هذه الخصيصة تنتج عدم دينية المعنوية من وجهة نظر صاحب النظرية.
نسعى في هذه النظرية أولًا ـ من خلال الاستفادة من المنهج التحليلي - التحقيقي وبغض النظر على الدوافع والحواشي الصاخبة لصاحب النظرية ـ إلى التعريف بمراد المنظّر من العقلانية، والعمل على البحث الانتقادي لأقسام العقلانية
الثلاثة بالتفصيل، لنعمل بعد ذلك على شرح ونقد رؤية المنظر في خصوص نفي التعبّد. يذهب صاحب هذه المقالة إلى الاعتقاد بأن رأي الباحث المحترم في نقد التعبّد الديني، يقوم على أساس بعض فرضياته الأخرى في خصوص عدم إمكان الاستدلال على العقائد الدينية؛ حيث تم الاهتمام في هذا المقال بنقدها. ومن ناحية أخرى فإنه بغض النظر عن الانتقادات المبنائية الواردة على بعض أبعاد رؤيته، يمكن توجيه انتقادات بنيوية داخلية مهمّة على هذه الرؤية. وفي الختام يبدو أن التعبّد المأخوذ في الدين الوحياني تعبّد مدلل، وإن الانتقادات التي ذكرها هذا الباحث المحترم غير واردة.
إن من بين التحقيقات في خصوص حقل البحث حول المعنويات، نظرية تم التأسيس لها من قبل أحد المحققين الإيرانيين والتي تمّت تسميتها من قبل بـ >نظرية العقلانية والمعنوية<؛ وقد عدّد في هذه النظرية ستة عناصر للمعنوية، وهي عبارة عن: العقلانية، وأصالة الحياة، ونفي التعبّد، وتقليل الميتافيزيقا، وحالية وراهنية المعنوية، وبالتالي نفي الخصائص التاريخية والمحلية عن المعنوية.
يذهب صاحب المقالة إلى الاعتقاد بأن عدم التفات البحث المحوري إلى الفكرة أعلاه، قد أدّى إلى تحوّل هذه الرؤية إلى خطاب في محافل الفكر الديني الجديد، وعليه يجدر بالمحققين الكفوئين في حقل التفكير الديني الحديث أن يعملوا على بحث ونقد الرأي أعلاه.
لقد اهتم كاتب هذه المقالة ببحث وتحليل خصيصة التعبّد، بيد أنه فيما يتعلق بالبحث الدقيق لهذا العنصر يحتاج إلى بحث معمّق لتفسير صاحب هذه النظرية في خصوص عنصر العقلانية.
هناك عدد من الكتب التي يمكن الاستفادة منها في خصوص البحث الانتقادي لعنصر التعبّد في نظرية العقلانية والمعنوية؛ ومن بينها يمكن الإشارة إلى ما كتبه الدكتور محمّد جعفري في خصوص نقد المعنوية الحديثة؛ فقد عمد هذا المحقق إلى الإحاطة ببعض أبعاد هذه المسألة ونقدها بشكل جيّد؛ إلا أنه لم يتعرّض إلى بعض تداعيات هذه النظرية، من قبيل الارتباط الخاص بين المعنوية والإيمان وتقابلها مع الاعتقاد الذي هو ـ بحسب تصريح ـ ملكيان ـ من توابعها المهمّة. كمما أن بعض الانتقادات المذكورة في هذه المقالة لم يأت على ذكرها هناك. كما يمكن الإشارة في هذا الشأن إلى ما كتبه الدكتور فنائي الأشكوري تحت عنوان «أزمة المعرفة»، ويمكن لي أن أزعم أنه لم يعمل على استقصاء أبعاد هذه النظرية بشكل جيد، ولم يتمّ فيها بيان الانتقادات القائمة على آثار الفلاسفة والعرفاء المسلمين بشكل واضح.
كما كُتبت بعض المقالات في هذا الشأن أيضًا؛ ومن بينها: «المعنى بمعزل عن المعنى» بقلم: الدكتور علي أكبر رشاد. أو مقالة «نقد نظرية الاختلاف بين الدين والمعنوية» بقلم: الدكتور عبد الله محمّدي، والتي نشرت في مجلة: معرفت كلامي.
أو مقالة: «رؤية نقدية لنظرية العقلانية والمعنوية»، وهي عمل مشترك بين الدكتور هادي صادقي ووحيد سهرابي فر، وتمّ نشرها في مجلة قبسات. إن هذه المقالة الأخيرة ـ في اعتقاد كاتب المقالة ـ قبل أن تكون نقدًا للرؤية أعلاه، قد عملت في الغالب على بسط الأبعاد والأسئلة الماثلة أمامها. وإن المقالتين الأولى والثانية بدورهما لم تتمكنا من دراسة البحث المحوري في خصوص الأبعاد المفهومية والانتقادية لعنصر التعبّد وأبعاده المختلفة والعلاقات بين التعبّد والإيمان والاعتقاد بشكل جيّد.
إن من بين امتيازات هذه المقالة، هي الالتفات إلى هذه الأبعاد التي تمّت الغفلة عنها في سائر الكتابات الأخرى، وكذلك فإن بعض الانتقادات في الكتابات أعلاه تعدّ من الانتقادات المبنائية، حيث تمّ السعي في هذه المقالة إلى تجاوز هذه الانتقادات المبنائية والخوض في الانتقادات التي تمثل مدخلًا لباحث النظرية.
إن الامتياز الثاني لهذه النظرية توفر جميع كتابات صاحب النظرية؛ إذ أن بعض كتاباته ليست في متناول عامة الناس، وإن سماحته لا يسمح بنشرها العام. والامتياز الآخر لهذه المقالة، الاهتمام بآثار وتداعيات الرؤية الخاصة لصاحب النظرية إلى عنصر العقلانية بالتفسير الخاص الذي أنجزه سماحته عن هذا العنصر.
يذهب المؤسس لنظرية العقلانية والمعنوية إلى الاعتقاد بأن عنصر العقلانية هو العامل الأهم في المعنوية، إلى الحدّ الذي يتم معه اعتبار المعنوية وليدة العقلانية. وفي الأساس فإن هذا الباحث يرى شأنًا حيويًا وحاسمًا للعقلانية، وهي العقلانية
الشاملة والعميقة، بحيث أن المعنوية عنده لا تحتاج إلى شيء آخر سواها.
إن العقل من وجهة نظر المحقق أعلاه، يعني قوّة العبور من المقدمات إلى النتيجة أو ذات قوّة شهود الارتباط بين المقدمات والنتيجة، وإن العقلانية تعني التبعية الكاملة للاستدلال الصحيح؛ ويرى أن العقلانية تعبير آخر عن كون الشخص محقًا في الاعتقاد بالنسبة إلى قضية ما؛ إن عبارة «امتلاك حق المعرفة في الاعتقاد بقضية ما» التي تمّ تقديمها بوصفها مرادفًا للعقلانية، تنطوي على تأكيد خاص على تخصيص قيد علم المعرفة، ليتمّ بذلك خروج سائر حقوق الاعتقاد، من قبيل: الحقوق العاطفية، والإحساسية، والنفسية والأخلاقية، من هذه الدائرة.
لقد عمد هذا المحقق إلى تقسيم العقلانية إلى ثلاثة أقسام، وهي: العقلانية العملية، والعقلانية النظرية، والعقلانية الكلامية. إن هذا التقسيم يجب اصطياده من خلال المرور بمختلف آثاره وأعماله؛ وإلا فإننا لا نرى بحثًا وتحقيقًا جامعًا من قبل الباحث في هذا الشأن. إنه يقدّم تفاسير ومعايير متنوّعة عن العقلانية النظرية التي تؤيّد هذه النقيصة. من قبيل: الاعتقاد الذي يكون بديهيًا أو مستنتجًا من مسار استدلالي معتبر من البديهيات؛ وهو الاعتقاد الذي ينسجم مع جميع أو في الحدّ الأدنى الأغلبية القاطعة من سائر عقائد الإنسان، وهو الاعتقاد الذي لا يكون حاصلًا بحكم الاحساسات والعواطف أو الإيمان أو التعبّد أو الانتقاءات والترجيحات الاعتباطية والتي لا تستند إلى دليل؛ وهو الاعتقاد الذي يرى صاحب الاعتقاد كفاية التحقيقات في ذلك الشأن، وهو الاعتقاد الذي تثبت فيه معايير الشخص صاحب العقيدة كفاية التحقيقات في الموضوع المنشود، وهو الاعتقاد
الذي تثبت المعايير المقبولة من قبل الجميع كفاية التحقيقات في ذلك الموضوع.
وقد كان هذا المحقق نفسه ملتفتًا إلى اختلاف هذه التفاسير، وقد عمد إلى شرح موارد التمايز على النحو الآتي؛ حيث قال: إذا كان الملاك في كفاية التحقيقات هو رأي الشخص صاحب الاعتقاد في الكفاية أو عدم الكفاية، وعليه فإنه كلما اعتقد بكفاية التحقيقات في حقل ومسألة ما، كان ذلك الرأي بالنسبة له رأيًا عقلانيًا؛ وأما إذا كان الملاك في كفاية التحقيقات، هي المعايير التي تمّ تقديمها من قبل ذات الشخص صاحب الاعتقاد، ففي مثل هذه الحالة يمكن للشخص صاحب الاعتقاد أن يعلن عن كفاية التحقيقات في مورد قضية ما، في حين أن هذا الإعلان على خلاف المعايير التي تمّ التعريف بها من قبله. وفي المورد الثالث قد يمكن للشخص ـ في ضوء معاييره الشخصية ـ أن يعلن عن كفاية التحقيقات، ويكون طبقًا لمعاييره الشخصية قد تحدّث بكلام محق في الإعلان عن كفاية التحقيق، ولكن حيث يكون المعيار هو ذلك الشيء الذي يكون مقبولًا من قبل الجميع ـ وليس من قبل مجرّد ذات الشخص صاحب الاعتقاد فقط ـ لا يكون هذا الإعلان عن كفاية التحقيق من قبله أمرًا مقبولًا.
وفي الوقت نفسه قد يكون وجه الجمع بين هذه التفاسير المختلفة والمتفاوتة هو تبرير وتوجيه الاعتقاد من قبل صاحب العقيدة أو من قبل عامّة الناس. وعلى هذا الأساس فإنه يرى أن العقلانية منفصلة ومنفكّة عن مسألة الصدق وغير مرتبطة بها؛ بمعنى أن الإنسان المعنوي لا يهتم بصدق أو كذب عقائده، وإنما الذي يحظى بالأهمية بالنسبة إليه ويشكل هاجسًا له هو عقلانية الاعتقاد.
كما أن هذا الباحث يعمد إلى تعريف العقلانية العملية بقراءات مختلفة. رغم أنه في بعض عباراته يعمل على تعريفها بالعقلانية الناظرة إلى الغايات؛ بمعنى العقلانية الناظرة إلى الغاية أو الغايات التي يجب اختيارها في الحياة، وفي هذا الشأن تكون الغاية العقلانية هي التي تنفع الإنسان وينفق عمره وطاقته من أجل الحصول عليها. بيد أن هذا الباحث قد أشار إلى معنى آخر من العقلانية العملية أيضًا، وأطلق عليها عنوان العقلانية في الأسلوب أو العقلانية الآلية؛ بمعنى أن هذه الأداة أو هذا الأسلوب الذي انتخبته هل يوصلني إلى الهدف المطلوب والغاية المنشودة أم لا؟ وبعبارة أخرى: إن العقلانية الآلية تعني وجود التناسب بين الغاية والوسيلة. إن اختلاف هذا المعنى من العقلانية العملية عن التعريف السابق يكمن في أن الشخص قد لا تكون لديه في بعض الأحيان غاية عقلانية، ولكن يكون لديه في الوقت نفسه أسلوب عقلاني لهذه الغاية غير العقلانية؛ كما يمكن أن تكون لديه غاية عقلانية ولكن لا يكون لديه أسلوب عقلاني لهذه الغاية. وبطبيعة الحال قد تكون الغاية والأسلوب في بعض الموارد كلاهما عقلاني، أو كلاهما غير عقلاني.
وفي الختام فإن القسم الثالث من العقلانية ـ وهو العقلانية الكلامية ـ قد فسّره المحقق المحترم بمعنى جعل الكلام متناسبًا مع الغاية منه، والذي هو إبراز وتفهيم ما في الضمير، ورأى أن طريق هذا التناسب هو التقليل الأقصى للإبهامات والإيهامات وأنواع الغموض التي يمكن أخذها في الكلام.
يذهب هذا المحقق إلى الاعتقاد بالنسبية في العقلانية أو التوجية والتفسير؛ بمعنى
أن اعتقاد شخص بالقضية (p) في الفترة (t1) اعتقاد عقلاني، بيد أن اعتقاد هذا الشخص بذات هذه القضية في الفترة (t2) أو اعتقاد شخص آخر بذات هذه القضية في ذات الفترة (t1) وبطريق أولى في الفترة (t2)، يكون اعتقادًا غير عقلاني. ولا حاجة ـ بطبيعة الحال ـ إلى بيان أن هذه النسبية ليست بمعنى النسبية في الصدق.
إن المقوّم الأصلي للعقلانية والشاخصة الرئيسة فيها يكمن في الاستدلالية بالمعنى المنطقي؛ وعلى هذا الأساس فإن الكلام الوحيد المقبول هو الكلام الذي يمكن الاستدلال عليه. وذلك بطبيعة الحال لا بمعنى الأدلة البرهانية التي لا تقبل الخدش، بل من الممكن أن ينطوي الاستدلال على ضعف، ولكننا مع ذلك نبقى نواصل الاعتناء به لاقترانه بشواهد وقرائن لا توصل الاحتمال المقابل إلى درجة الصفر.
وفي الوقت نفسه يمكن للإنسان المعنوي أن يعتقد بالقضايا غير العقلانية أيضًا، إن هذا النوع من القضايا لا يخرج عن حالتين، وهما: القضايا غير العقلية التي لم يتم إثباتها ولا إثبات نقيضها ولم يتمّ إبطالهما أيضًا، بيد أن هناك أدلة ضعيفة وفي حدّ المؤيدات لصالح القضية أو نقيضها، وفي هذه الحالة تكون القضية المعقولة هي تلك التي تشتمل على ما يؤيّدها. الطائفة الثانية من القضايا غير العقلية هي القضايا التي لا يشتمل طرفاها على أيّ مؤيّد. وفي هذا النوع من الموارد يتعيّن على الإنسان المعنوي أن يقبل الطرف الذي يشتمل على الآثار والنتائج الإيجابية على صحته النفسية.
(154)ـ على الرغم مما تقدّم من التوضيح والبيان لا يزال يكمن هناك ضعف وإبهام حقيقي في مراد هذا الباحث في مورد العقلانية، وحتى هو نفسه يقرّ بأنه لا يمتلك فهمًا واضحًا عن العقلانية. وفي المجموع فإن عجز المنظّر عن الحصول على معنى واحد في العنصر الأصلي لنظريته، يلقي بظلاله وتأثيره في ضعف هذه النظرية.
ـ لا يمكن العثور في أيّ واحد من كتاباته على تصوير أو تصوّر واضح عن الارتباط الإلزامي بين المعنوية والعقلانية. وبعبارة أخرى: إنه لم يجب عن هذا السؤال المهم، وهو السؤال القائل: «لماذا تكون العقلانية في المعنوية لازمة؟». إن الالتفات إلى المخاطب العام بهذه النظرية، يُضعف لزوم أخذ العقلانية ـ ببيانها وتفسيرها ـ الاستدلالي في المعنوية.
ـ إن سماحته ينهى الإنسان عن اتخاذ أيّ معيار بوصفه هو المعيار الأساسي والمطلق؛ وحتى الدين الذي تمّ بيانه من وجهة نظر هذا الباحث بوصفه «صنمًا» يعبده الإنسان أحيانًا من دون الله. وعلى هذا الأساس فإنه في ضوء كلامه يجب عدم اعتبار أيّ شيء بوصفه معيارًا أساسيًا وجوهريًا؛ إذ أنه سوف يصبح بذلك مطلقًا وصنمًا.
فلو أن هذا الباحث المحترم يبقى وفيًا ومخلصًا لرؤيته هذه القائمة على نفي الإطلاق في خصوص المعيار، يجب عليه أن لا يصرّ على التشبّث بالعقلانية بوصفها المعيار الأم. ثم إننا لو أخذنا العقلانية من نظرية هذا الباحث، لن يبقى هناك أثر لهذه النظرية.
إن الجواب الحلّي عن هذه الرؤية الآنفة، هو أن التأكيد على معيار ما واعتباره
معيارًا مطلقًا لا يستلزم العبودية له أو التعصّب بشأنه؛ إن هذا المعيار من الممكن أن يكون قد تمّ انتخابه على أساس المباني الجوهرية والأساسية على نحو يقيني، ولذلك فإن الشخص الذي يستند إلى هذا المعيار، إنما يستفيد من هذا المعيار مع اليقين بالمعنى الأخص وعلى أساس المبرّرات الواقعية والحقيقية. وبعبارة أخرى: ليس الأمر كما لو أن الشخص إذا اطمأنت نفسه إلى قضية ما وأيقن بها بالمعنى الأخص، يكون قد تعصّب لها عن جهل؛ بل يمكن لهذا الإصرار أن يكون ناشئًا من مبررات معرفية تعطيه الحق في هذا الإصرار والتأكيد.
ـ إن نوع نظرة هذا الباحث إلى العقلانية العملية في حدّ ذاته يستدعي التأمل؛ فهو في بعض بياناته وتوضيحاته يتعاطى مع هذا العنصر وكأنه شخص مادي محض. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ ينتقد اعتقادنا القائم على أن الذنوب تكون سببًا في وقوع الكوارث الطبيعية من قبيل الزلزلة. فهو يرى مثلًا أننا لو قلنا إنه للحيلولة دون وقوع الزلزال يجب على النساء رعاية الحجاب بشكل أفضل، إن قائل هذا الكلام يبدو أنه لا يمتلك في الأصل تصورًا عن العقلانية العملية. إنه يرى أن قائل هذا الكلام لا يعلم أن هذا الأمر ليس وسيلة لتلك الغاية. فليست كل وسيلة تتخذ لكل غاية، ولا يمكن تحقيق كل غاية بأيّ وسيلة.
من الضروري جدًا أن نسأل هذا الباحث عن السبب الذي يجعله ينكر تأثير الذنوب في وقوع الحوادث الطبيعية؟ فإن غاية ما يمكنه قوله هو أنه لا يعلم تأثير الذنوب في وقوع حوادث من قبيل الزلزلة، وأما مسألة الإنكار فهي مسألة مختلفة عن عدم العلم تمامًا. ولبيان مثال واحد عن تصريح القرآن بدور المعاصي في الحياة
الدنيوية للإنسان، نشير إلى الآية الكريمة رقم 276 من سورة البقرة، التي تدلّ صراحة على الدور الذي يُلحقه الربا في الإضرار بالحياة الدنيوية وزوال البركة منها.
كما أن هذا الكلام ينطوي من ناحية أخرى على نوع من التناقض أيضًا؛ وذلك لأنه يُصرّ في تعريف المعنوية على أن الإنسان المعنوي هو الذي يرى أن العوامل المؤثرة في العالم أوسع من العوامل المادية المشهودة. وعلى هذا الأساس لو أن فهم الإنسان المعنوي والإنسان غير المعنوي فيما يتعلق بالأسباب التي تؤدّي إلى وقوع الحوادث الطبيعية لم يكن مختلفًا؛ إذن أين يظهر هذا التعريف نفسه وكيف؟
نفي التعبّد بوصفه واحدًا من العناصر الجوهرية للمعنوية وعامل نفي الدين عن المعنوية
إن التعبّد بمعنى الإيمان التقليدي بفكرة أو رؤية ما؛ يعني أن الإنسان المعنوي في ضوء النظرية العقلانية والمعنوية، لا يعيش حالة تعبّدية أبدًا؛ وذلك لأن التعبّد على خلاف النزعة الاستدلالية، وهي النزعة التي تشكل العنصر الأساس للمعنوية. وفي الأساس فإن وظائف ومساعي الإنسان المعنوي في النزعة المعنوية تكون ذات محورية داخلية وتنبثق من داخل الإنسان المعنوي حيث تؤدي إلى «الاستقلال
الذاتي»، وليس من الحجج الخارجية لكي تؤدّي إلى «التبعية للآخر».
وعلى أساس هذا المبنى إنما يمكن القبول بأمر وحكم من شخص في حقل الأحكام الدينية، فيما لو أمكنه أن يقيم دليلًا أو قرينة ويقدّمها لنا.
وبطبيعة الحال فإن نفي التعبّد في رؤية صاحب هذه النظرية، لا يستلزم نفي الإيمان:
«أنا أفرّق بين الإيمان والتعبّد؛ إن التعبّد يعني أن أقول: «إن (أ) هو (ب)»، لأن الشخص «X» قال بـ «إن (أ) هو (ب)»؛ وليس لهذا الأمر أيّ تفسير. إن الإنسان المعنوي لا يمكنه أن يقول هذا الكلام، وهذا هو ذات نبذ التقديس الموجود في المعنوية، إن المعنوية تنفي القداسة عن الأشخاص، بيد أن الإنسان المعنوي هو ـ في الوقت نفسه ـ من أصحاب الإيمان؛ إذ ليس هناك إنسان يمكن أن يكون عديم الإيمان؛ هناك قضايا يقبل بها الإنسان المعنوي مثل أيّ شخص آخر».
ومن ناحية أخرى فإن الإيمان بأمر ما، لا يستلزم الاستدلال عليه؛ إذ أننا في المعنوية ـ في ضوء تصريح الباحث المحترم ـ نؤمن بقضايا لا نمتلك دليلًا عليها. إن التأمّل في هذه الخصوصية من المعنوية بدوره جدير بالاهتمام؛ إن الإيمان لا يعني امتلاك عقيدة خاصة؛ إذ أن هذه الخصوصية تؤدي إلى استقرار الواقعية
(158)اللامستقرّة، وهذا الأمر يؤدّي بدوره إلى التمثيل بالواقعية؛ ومن هنا يذهب هذا الباحث إلى الاعتقاد بأن المؤمن طالب حقيقة، وليس واجدًا أو مالكًا للحقيقة؛ وبالتالي فإن الشخص المؤمن لا يبدي من نفسه تعصّبًا لكلامه أبدًا، وإن تخليه عن اعتقاده السابق لا يؤدّي إلى تزلزل إيمانه.
ومن هنا فإن الإيمان المنشود في هذه النظرية، يكون على وزان ومستوى الشك؛ بمعنى أنه من المحتمل جدًا أن يكون الإنسان المؤمن في شك من عقيدته الدينية، ولكنه في الوقت نفسه يكون مؤمنًا؛ بل وفوق ذلك فإن الإيمان في الأساس يكشف عن أفق أبعد من هذا أيضًا؛ حيث يكون الشك والتردد وعدم الاستقرار وعدم الثبات في العقيدة، من العناصر المكوّنة للإيمان. بمعنى أننا إذا لم نتمكن من الشك ـ في حدوث واستمرار العقيدة ـ لن نتمكن من امتلاك الإيمان ـ حدوثًا وبقاءً ـ ولذلك لا يمكن لنا القول أبدًا: نحن نؤمن بأن 1 + 1 = 2 ، إذ لا يمكن الشك في ذلك، ولكن يمكن أن نقول: نحن نؤمن بوجود عالم ما بعد الموت.
إن هذا العنصر من حيث أداء الدور في نفي المعنوية الدينية، لا يكون لقبول الدين سوى منشأ نظري، وهو يخلو من أي منشأ منطقي وعقلي. يذهب هذا المحقق إلى الاعتقاد بأنه لو تمّ سلخ المعتقدات الدينية عن الشخص الذي نتعبّد به، وانقطع ارتباطها بتلك النظرية، لن يكون هناك أيّ دليل عقلاني يحكم لصالحها أو ضدّها على نحو قاطع.
وبطبيعة الحال لا يرى نقيض المدعيات الدينية قابلًا للإثبات أيضًا، ولذلك فإن هذا الباحث لا يرى القضايا الدينية قابلة للإثبات لا نفيًا ولا إثباتًا . وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يكون هناك انسجام وتناغم بين التدين والمعنوية:
إن الاختلاف بين التدين والمعنوية يكمن في أن التديّن إذا لم يشتمل على تعبّد لا يكون تديّنًا، وأما المعنوية فهي إن كانت تعبّدية، لن تكون معنوية.
ـ لا شك في أن بعض أنواع التقليد والتعبّد غير المستند إلى دليل ولا حجّة أو مستمسك، والقائم على مجرّد العصبية القومية أو القبلية أو أيّ سبب آخر غير علمي، مذموم، ويمكن العثور في التعاليم الدينية على الكثير من الشواهد لصالح هذا الكلام.
ـ إن التعبّد والتقليد لا يستلزم التبعية من دون دليل ومن دون منطق دائمًا؛ إذ قد يكون الشخص المقلَّد (بالفتح) على درجة عالية من الاعتبار العقلي أو العقلائي؛ لنفترض أن شخصًا مسلمًا قد اقتنع بحكم العقل أن عليه أن يعبد الله، ولكنه لا يعرف نوع العبادة التي تقع مقبولة عند المعبود؛ وعندها إذا لم يبيّن الله سبحانه شكل العبادة المطلوبة له، فإن هذا الإنسان العابد سوف يقع في مشقّة بالغة؛ لأنه عالم بالتكليف والعبادة وجاهل ـ في الوقت نفسه ـ بنوع ومصداق هذه العبادة؛ وعليه تكون الوظيفة العقلية لمثل هذا الشخص هي الاحتياط، والاحتياط في هذا
المورد بالغ الشدّة والصعوبة والتعقيد. وبطبيعة الحال فإن الله إذا أراد أن يبيّن لعباده نوع العبادة ومصداقها، فإنه سوف يبلّغ ذلك عبر الوسائط بينه وبين العباد، ليقوم هؤلاء الوسطاء بإبلاغ كلام الله إلى الناس بحكم وظيفتهم ورسالتهم؛ وعليه لو لم يعتن الناس بكلام الرسل، والتزموا بكلام صاحب هذه النظرية القائل: «إن تقليد الرُسُل والتعبّد بكلامهم مخالف للعقلانية، ونحن لا نقوم بمثل هذا الفعل المرفوض؟» هل يبقى هناك من طريق آخر للوصل إلى كلام الله؟
ـ إن تعبّد وتقليد عامّة الناس لأصحاب العلم والتخصص، حقيقة عقلائية تشكّل في المجتمع جزءًا مهمًّا من الحياة الاجتماعية للعقلاء. وبطبيعة الحال قد يقوم دليل عقلي على تخصص الشخص المتخصص، وقد نعتقد ونؤمن بصلاحية الشخص المتخصص من طريق التواتر التاريخي، كما سلكنا هذا النهج بالنسبة إلى إثبات صلاحية الأئمة والأنبياء والرُسُل عليهمالسلام ، وتارة أخرى قد يكون كلام الشخص المتخصص الذي أحرزنا تخصصه في الإيمان بطريق ما، سببًا في إحراز صلاحية شخص متخصص آخر، من قبيل قبول كلام نبي في خصوص رسالة نبي آخر. وبالتالي ـ بحسب تصريح هذا الباحث نفسه ـ قد نتوصّل إلى خبرة المتخصص من طريق «التوفيق التاريخي» لذلك المتخصص. إن هذا الباحث المحترم من خلال بيانه القائل بأن من بين وجوه الاعتماد على شخص، هي التجربة الناجحة والسابقة المشرقة، ومشاهدة نجاح التلاميذ التابعين لمدرسته الفكرية، الذي يجعل
من تعبّدنا بكلام ذلك الشخص سببًا وجيهًا ومنطقيًا، يكون قد صرّح بنجاح الأنبياءعليهمالسلام في تربية تلاميذهم وأتباعهم. وبذلك يكون قد أقرّ بإمكان القبول التجريبي لكلام الأنبياء.
ـ قد يُشكل على الكلام أعلاه بالقول إنه لا يوجد برهان مستدلّ لا يقبل الخدشة على وجود الله أو رسالة الرُسل والأنبياءعليهمالسلام ـ كما يذهب الباحث المحترم إلى هذا الاعتقاد ـ وعلى هذا الأساس لا يكون التعبّد الموجود في الدين مبرهنًا ومستدلًا. إن القارئ لأعمال هذا الباحث يصل في بعض العبارات إلى هذه الخلاصة، وهي أنه لا يوجد في الأساس أيّ دليل لصالح المسلم، وإن كل من أسلم كان إسلامه يستند إلى ما ورثه من أبويه، كما صرّح بذلك قائلًا: «للإنصاف لو كنتم جميعًا من المسلمين الشيعة، ألا يكون السبب في ذلك عائدًا إلى تشيّع آبائكم وأمهاتكم؛ وإذا لم تكونوا من الشيعة، ألا يعود السبب في ذلك إلى تسنن آبائكم وأمهاتكم؟ فهل يعود الأمر برمّته إلى غير هذه الحقيقة؟! حسنًا، لو كان آباؤكم وأمهاتكم من المسيحيين، لكنتم الآن من المسيحيين حتمًا؛ إذ هل قمتم في حياتكم بما يزيد على ما أخذتموه من آبائكم وأمهاتكم حتى أصبحتم من المسلمين؟ إنكم بالإضافة إلى أنكم لم تقوموا بشيء في هذا الشأن، فإنه لو كان آباؤكم وأمهاتكم من المسيحيين، لكنتم الآن من المسيحيين قطعًا؛ وعليه يجب أن توجّهوا جميع دعواتكم إلى آبائكم وأمهاتكم شكرًا على إسلامكم ...».
يجب القول في الردّ على هذا الكلام أولًا: إنه كلام باطل؛ فإنه بالإضافة إلى وجود الكثير من الشواهد ـ بحسب الاستقراء ـ على خلاف ذلك، لم يقدّم الباحث المحترم أيّ دليل عليه. وثانيًا: لو سلمنا أن الأمر كما يقول، فإنه طبقًا لمبناه لا ضرورة إلى إقامة برهان قاطع لا يقبل الخدشة لإثبات عقلانية عمل أو قول ما حتمًا؛ فإنه ـ طبقًا لاعتقاد هذا الباحث المحترم ـ ما أن يكون بمقدور الأدلة والشواهد الموجودة أن توفّر لدى الشخص رجحان معرفي أو نفسي أو حتى عاطفي، كان ذلك مسوّغًا عقلائيًا لقبول الكلام أو اعتبار العمل أمرًا عقلائيًا. وثالثًا: حتى لو سلمنا ـ جدلًا ـ الرجحان المعرفي للقضايا الدينية، فإنه طبقًا لمبنى هذا الباحث نفسه، سوف نتجه إلى تطبيق الربح في مقام العمل، وبذلك سوف نثبت بهذه الطريقة عقلانية التمسّك بالدين.
ـ إن الدفاع عن التعبّد في العبارات أعلاه، لا يتساوى أبدًا مع النزعة الإيمانية في العالم المسيحي أبدًا؛ ففي النزعة الإيمانية المسيحية، يتعيّن على الشخص أن يؤمن بشيء غير قابل للمعرفة أساسًا، بل هو غير مستدلّ بحسب الأصول (النزعة الإيمانية المتعدلة)، أو من الواضح أنه على خلاف الدليل والبرهان (النزعة الإيمانية المتطرّفة)؛ وأما في التعبّد العقلائي فقد افترضنا شخصًا يجعل من الأسس والدعائم العقلائية أو الترجيحات النفسية ـ بزعم الباحث المحترم ـ معيارًا لقبول أو إنكار كلام الآخرين، وكما أنه في بعض الموارد يصل إلى اليقين، وفي بعض الموارد الأخرى يصل إلى الاطمئنان ويعتني بهذه الحالات، ولا يذمّه العقلاء بسبب عنايته بهذه الحالات، كذلك يعتني في بعض الموارد الأخرى بشكل عقلائي بكلام بعض الأشخاص الثقات من وجهة نظر العقلاء، ويرى أن هذه العناية قابلة للدفاع العقلائي أيضًا.
ـ إن كلام صاحب هذه النظرية في حقل امتزاج الإيمان والشك، يمكن رصده في كلام أصحاب النزعة الإيمانية من المفكرين الغربيين بشكل واضح؛ فها هو بول تيليش يقول في خصوص ضرورة الشك والتردد في تحقق الإيمان:
«إذا اعتبرنا الإيمان بمنزلة الاعتقاد بصدق شيء ما، عندها سوف ينسجم الشك مع العمل الإيماني، وأما إذا كان الإيمان بمنزلة التعلق القلبي اللاحق، فإن الشك سوف يكون هو العنصر الضروري في الإيمان؛ ... إن الشك الوجودي، عبارة عن إدراك عامل التزلزل والاهتزاز في كل حقيقة وجودية؛ إن الشك الكامن في الإيمان يتقبل مثل هذا الاهتزاز وعدم الأمان».
وهكذا فقد ذهب سورين كيركيغارد ـ وهو من أقطاب النزعة الإيمانية في الغرب ـ ضمن تأكيده على ضرورة المخاطرة والمجازفة في تحقق الإيمان، إلى الاعتقاد بأن الله لا يمكن التعرّف عليه بالأسلوب العقلي والدليل الآفاقي، ومن هنا يجب الإيمان بالله، ولكي نتمكن من الحفاظ على إيماننا علينا أن نصرّ بقوّة في التمسك بهذا العدم اليقيني العقلي والآفاقي.
إن صاحب نظرية العقلانية والمعنوية قد تحدّث في بعض الموارد عن عامل غير معرفي ومن سنخ العوامل النفسية في تبلور الإيمان. وقد ذهب إلى الاعتقاد بأن الذي يمكن قوله على نحو الاطمئنان هو أن هناك نوعًا من أنواع النفوس هناك دين
(164)ومذهب واحد أو عدد من الأديان والمذاهب تحظى بالجاذبية؛ من ذلك أن مذهب بوذا ـ مثلًا ـ يُعدّ بالنسبة إلى سنخ خاص من النفوس هو الكمال المطلوب، ومذهب كونفوشيوس والمسيحية المعاصرة بالنسبة إلى سنخ نفسي آخر، والإسلام بالنسبة إلى المسلمين الأوائل، والديانة الطاوية والديانة الهندوسية لأنواع من النفوس الأخرى، وهكذا ... . وقد أكد ـ من خلال نقل تأييد عن عموم علماء النفس ـ أنه لا يمكن أن نتوقع من جميع الناس أن يؤمنوا بمستوى واحد من الإيمان؛ إذ هناك أنماط من الشخصيات يتدنّى لديها مستوى الاستعداد إلى الإيمان، وإن هؤلاء الأشخاص لو آمنوا بمقدار إبسيلون ـ على حدّ تعبيره ـ يجب أن نشكرهم على ذلك، وعدم القول: «لماذا لا يؤمنون بشكل أكبر من إبسيلون؟».
وعليه فإن السؤال الذي يرد هنا هو أنه بالنظر إلى ما تقدّم بأي مقدار يمكن اعتبار الكلام أعلاه قابلًا للجمع مع العقلانية بتأكيد كبير؟ لو كان الإنسان يحظى ـ في ضوء حياته في منطقة ضيّقة أو تاريخ خاص ـ بسنخ من النفسية، كيف يمكن لنا أن نتوقّع منه عقلانية؟ فلو كان هناك اعتقاد خاص يحظى بالعقلانية على سبيل المثال، ولكنه لم يكن متطابقًا مع السنخ النفسي للشخص، فما هو العامل الذي سوف يُلزمه به العقلاء، وعلى طبق أي واحد من هذين العاملين من العقلانية أو السنخ النفسي سوف يعملون على مؤاخذته؟
ـ إن شخص الباحث المحترم قد أشار في مختلف المواقع إلى قضايا، وقد اعتبرها دخيلة في الهوية المعنوية، في حين أنها حصيلة التعبّد على نحو قاطع، ولا يمكن اصطيادها بواسطة العقل أبدًا؛ فلا شك في أن قضايا من قبيل: «إن العالم لا يخلو
من نوع من الوعي»، أو «إن الوجود يبدي ردّة فعل مناسبة في قبال الحُسن والقبح»، أو «إن مصير كل شخص يتقرّر على يده»، أو «علينا أن نرضى بنظام الوجود بما في ذلك الشرور وأنواع البلاء والكوارث». لا شك في أن هذه القضايا ليست من نتاج العقل وإنما هي مأخوذة من الأديان.
ـ يدرك جميع المطلعين على العرفان والسلوك العملي أن هناك في المسلك العرفاني مقاطع لا يمكن الإحاطة بها إلا من قبل السالكين في هذا المسلك حصرًا، ولا يمكن للغرّ والداخل حديثًا في هذه الأودية أن يتخلّص من هذه المخاطر ويتجاوزها بسلام أبدًا؛ والشاهد القرآني على هذا الكلام هو ما حدث بين النبي موسى كليم الله عليهالسلام وسيّدنا الخضرعليهالسلام ، فعندما سأل النبي موسى من السيّد الخضر أن يتبعه لكي يتعلّم منه، سمح له الخضر بذلك مشترطًا عليه أن لا يسأله عن شيء حتى يكون هو المبادر في بيان أسرار ما يصدر عنه من الأمور.
يظهر في هذه الآيات بوضوح أن الذي تمّ طرحه بوصفه معيارًا ذاتيًا للتقييم على أساس العقل الشخصي، صار تمامًا هو ذات الشيء الذي أدّى إلى حرمان النبي موسى كليم الله عليهالسلام ، من مصاحبة السيّد الخضرعليهالسلام .
لو كان الأمر كما يقول هذا الباحث المحترم حقًا، وكان التعبّد والرجوع إلى النموذج الإنساني قبيحًا إلى هذا الحدّ، فلماذا أكد الناجحون في طريق السلوك إلى
الله والمقرّبون من حضرة الواحد الأحد، على ضرورة وجود الأستاذ والتبعية له؟ من الواضح بالنسبة إلى السالكين في الطريقة أن كل ذكر لمرحلة، وكذلك ليس كل ذكر يكون مجديًا لكل مرحلة. فالأستاذ هو الذي يعرف ما هي الظرفية التي يمتلكها كل شخص، وما الذي يجب تعليمه له وكيف يجب تعليمه ومتى يجب تعليمه؟
ـ والكلمة الأخيرة هي التذكير بالتفاوت الكبير والبون الشاسع لهذه الرؤية من قبل هذا الباحث، مع مفهوم الفناء في العرفان الإسلامي؛ وبطبيعة الحال فقد تقدّم بيان هذا المفهوم في قسم بيان الدور الذي يلعبه الدين في المعنوية، ولكننا نشير هنا باختصار إلى وجود مقام في مقامات السلوك باسم مقام الفناء؛ حيث يصل السالك إلى موضع تصبح فيه إرادته فانية في إرادة الله.
وبعبارة أخرى: لا يكون للعبد في هذا المقام إرادة في الأساس، لتكون له مطالب منطلقة بوحي من إرادته، بل يرى كل شيء تحت سلطة الله ـ عز وجل ـ ويرى حضور إرادة الله في كل شيء، وبذلك فإنه يربط نفسه بإرادة الله، ومن هنا نجد سلطان العارفين والسالكين وسيّد الشهداء الإمام الحسين عليهالسلام يخاطب الله تعالى في مناجاته في دعاء عرفة، قائلًا: «إلهي، أغنني بتدبيرك عن تدبيري، وباختيارك عن اختياري». يبدي الباحث المحترم تعلقًا بكلام الخواجة العارف عبد الله الأنصاري، إذ يقول:
«الدرجة الثالثة الرضى برضى الله فلا يرى العبد لنفسه سخطًا ولا رضى فيبعثه على ترك التحكم وحسم الاختيار وإسقاط التمييز ولو أدخل النار. إن الرضا برضا الله يكون بأن يعمل الله على تذويب صفات العبد في صفاته؛ وعليه تحلّ إرادة الحق تعالى محلّ إرادة العبد، ويحل رضا الله محلّ رضا العبد، ويحلّ غضب الله محلّ غضب العبد. وفي هذا المقام لا يرى العبد أيّ رضى أو سخط من نفسه، بل تكون إرادته متفرعة عن إرادة الحق تعالى؛ كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ
(167)اللَّهُ﴾، وإن هذه الحالة تدفع العبد إلى عدم الحكم في الأمور بفكره وتدبيره، وأن يقطع اختياره من جذوره، حتى يفقد حالة التميّز».
ومن هنا يتضح سرّ كلام الإمام الصادق عليهالسلام أنه قال عند إحصاء ما يدخل في هوية وحقيقة العبودية، في الحديث المعروف بـ (حديث عنوان البصري): «... و[من بين الأمور الكامنة في حقيقة العبودية] لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا ... وإذا فوّض العبد تدبير نفسه على مدبّره هان عليه مصائب الدنيا».
ومن هذه الناحية يروي الخواجة عبد الله الأنصاري، أنه سُئل رجل من أهل الله: «ما تريد؟»، فقال في الجواب: «أريد أن لا أريد». فتدبّر مدى الاختلاف بين هذا الطريق وذاك الطريق.
يذهب الباحث المؤسس لنظرية العقلانية والمعنوية، إلى الاعتقاد بأن عنصر العقلانية من بين أهم عناصر المعنوية، ولكن يبقى هناك ضعف وغموض كامن في مراد هذا الباحث من العقلانية، وقد اعترف بنفسه أنه لا يمتلك فهمًا واضحًا عن العقلانية، ولا يمكن العثور في أيّ واحد من كتاباته على تصوير أو تصوّر واضح عن الارتباط الإلزامي بين المعنوية والعقلانية.
إن التعبّد بمعنى الإيمان التقليدي؛ يعني أن الإنسان المعنوي في ضوء النظرية العقلانية والمعنوية، لا يعيش حالة تعبّدية أبدًا؛ وذلك لأن التعبّد على خلاف النزعة
الاستدلالية، وهي النزعة التي تشكل العنصر الأساس للمعنوية. لا شك في أن بعض أنواع التقليد والتعبّد مذموم، فإن التقليد والتبعية الاعتباطية والتقليد غير المستند إلى دليل ولا حجّة أو مستمسك مذموم، من قبيل التقليد القائم على مجرّد العصبية القومية أو القبلية أو أيّ سبب آخر غير علمي. بيد أن التعبّد والتقليد ـ خلافًا لفهم هذا الباحث ـ لا يستلزم التبعية من دون دليل ومن دون منطق دائمًا؛ إذ قد يكون الشخص الذي يتمّ تقليده على درجة عالية من الاعتبار العقلي أو العقلائي؛ وبطبيعة الحال فإن الدفاع عن التعبّد في العبارات أعلاه، لا يتساوى أبدًا مع النزعة الإيمانية في العالم المسيحي أبدًا؛ ففي النزعة الإيمانية المسيحية، يتعيّن على الشخص أن يؤمن بشيء غير قابل للمعرفة أساسًا، بل هو غير مستدلّ بحسب الأصول، أو من الواضح أنه على خلاف الدليل والبرهان؛ وأما في التعبّد العقلائي فقد افترضنا شخصًا يجعل من الأسس والدعائم العقلائية معيارًا لقبول أو إنكار كلام الآخرين، وكما أنه في بعض الموارد يصل إلى اليقين، وفي بعض الموارد الأخرى يصل إلى الاطمئنان ويعتني بهذه الحالات، ولا يذمّه العقلاء بسبب عنايته بهذه الحالات، كذلك يعتني في بعض الموارد الأخرى بشكل عقلائي بكلام بعض الأشخاص الثقات من وجهة نظر العقلاء، ويرى أن هذه العناية قابلة للدفاع العقلائي أيضًا.
(169)
حميد رضا شاكرين
البحث حول وظيفة الدين ودوره وأدائه من البحوث الفائقة الأهمية في الدراسات الدينية في العصر الحديث. ومصطفى ملكيان باحث كانت له في دروسه نظرة للدين ترى أن له دورًا مزدوجًا، وبعبارة أخرى: رؤية لوظيفة الدين ذات وجهين متكافئين أحدهما إيجابي والآخر سلبي، فذهب إلى أن الدين لا يفعل سوى تكريس ماهية الأشياء، أي إنه يزيد من كيفية أو ماهية الشيء كما هو، وعلى حدّ تعبيره: يجعل «الكيفَ» «أکیفَ»، فإذا كان الشيء حسنًا زاده حُسْنًا وإذا كان سيّئًا زاده سوءًا. وتهدف دراستنا هذه إلى النظر في هذا الادعاء وتمحيصه وتقييمه بمنهج تحليلي، وتسليط الضوء على جوانبه النظرية فضلًا عن التمعُّن في مخرجاته العملية
ضمن حيّز التربية والتعليم. تشير نتائج البحث إلى أن هذه الرؤية عرضة للنقود والمؤاخذات من وجوه عدة منها: افتقارها لأرصدة نظرية ناهضة، وعدم ابتنائها على بحوث علمية وتاريخية معتبرة، وخلطها بين الدين والتديّن، وعدم تفكيكها بين ادعاء التديّن والتديّن الحقيقي، وعدم اكتراثها لمراتب التديّن ودرجات المعرفة الدينية، ومعاناتها من مغالطة أخذ غير السبب مكان السبب، ومساسها بكفاءة التربية الدينية في مواجهة الآفات الاجتماعية، و... .
للدراسات المختصّة بمعرفة وظائف الدين موقعها الهام في البحوث والدراسات الدينية المعاصرة، فقد شغلت المفكرين والعلماء كثيرًا، وتعمّق فيها المشتغلون بالفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وحتى علم الأحياء، وكذلك الباحثون في العلوم المعرفية، كلٌّ من زاوية معينة، فكانت لهم في خصوصها آراء وتصوّرات متنوّعة. وفضلًا عن الفلاسفة والمفكرين المسلمين تحدّث كثير من العلماء الغربيين، والذين لم يكن بعضهم متدينًا، عن وظائف وأدوار إيجابية فذّة لا عِوَضَ عنها للدين في شتّى المجالات والأبعاد. على سبيل المثال يقول «يونغ» حول أهمية دور الدين في إضفاء المعنى على الحياة: «بين جميع المرضى الذين عالجتُهم في النصف الثاني من حياتي لم يكن ثمة حتى شخص واحد ليست مشكلته، في نهاية المطاف، العثور على رؤية للحياة. ويمكن القول بثقة إنهم جميعًا كانوا يشعرون بالمرض لأنهم كانوا يفتقرون للشيء الذي تعرضه الأديان الحيّة في كل عصر على معتنقيها، ولم يتماثل
أيُّ واحد منهم للشفاء قبل أن يعثر على رؤيته الدينية». وفي المقابل نظر آخرون نظرة سلبية متشائمة للدين. كارل ماركس مثلًا اعتبر الدين أفيون الشعوب، وعدّه عامل ركود ومراوحة، وحارسًا لمصالح الأقوياء والأثرياء، وعقبة في طريق الحراك والحيوية والتطورات الاجتماعية. وقد كان ملكيان من الباحثين الذين نظروا لدور الدين ووظائفه نظرة مزدوجة يمكن أن يقال عنها بمعنى من المعاني إنها تعتبر الدين عديم الفاعلية بل وسلبيًا. تدرس هذه المقالة رؤيته هذه في ضوء دروسه المعنونة «الإيمان والتعقل» التي ألقاها في جامعة «الأديان والمذاهب» ما بين 2001 و 2003 وصدرت مطبوعة. إنه يعتقد في هذا المضمار أنّ الدين لا يفعل سوى تكريس كيفية الشيء ويضاعف ماهيّته، فإذا كان حسنًا زاد من حسنه وإذا كان سيئًا ضاعف من سوئه:
«إنني أعتقد حقًا أنّ الدين يزيد من كيفية الشيء فيجعل «الكيفَ» «أكيفَ». فإذا كنتَ إنسانًا طيبًا وصرتَ متدينًا أصبحتَ أكثر طيبة، وإذا كنتَ إنسانًا سيئًا وتديّنت ازددتَ سوءًا. بمعنى أن التدين يمنح الإنسان الجرأة بحيث لو كنتَ إنسانًا طيبًا طاهرًا بالجِبلّة ومن عائلة أمينة ونابتًا من جوهر إنساني زادَ التديّن من هذه الأحوال والتوصيفات لديك، أي إنه سيزيدك طيبًا وإيجابية. وفي المقابل إذا كنتَ إنسانًا قبيحًا سيّئًا مثل الخوارج، فقد زادهم تديّنهم شجاعة وجسارة مقابل عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ».
(175)ويقول أيضًا: «لا أظنُّ أنّ الإنسان تقل سلبياته أو تزداد إيجابياته بمجرد تدينه وبمحض انتمائه وحبّه لدين معين...». الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقال إنه بالمستطاع اكتساب أكبر قدر من الإيجابيات عن هذا الطريق، كما يمكن اكتساب أكبر قدر من السلبيات.
والآن يُطرح السؤال القائل: أولًا ما الدليل والإسناد الذي تتوكّأ عليه هذه الفكرة أو الرأي، وثانيًا ما هو السرُّ في الوظيفة المزدوجة للدين، وما هو تحليلها من وجهة نظر هذا الادعاء؟ لماذا بدل أن يدعو الدين للحسنات والإيجابيات صرفًا، وبدل أن يحثَّ عليها وحدها يكرِّس الإيجابيات والسلبيات كلاهما، بحيث لا نجد أيّ تفوّق أو رجحان في وظيفة الدين لصالح الحسنات والإيجابيات؟ ما هو دور البصائر والرؤى التي يمنحها الدين للإنسان؟ هل هذه الرؤى عديمة التأثير، وهل لها دور في هداية الإنسان وتوجيهه وإصلاح سلوكه أم لا؟
يجيب ملكيان عن هذه الأسئلة بما يلي:
1. عدم مشاهدة تغييرات إصلاحية؛ يقول في معرض الإجابة عن السؤال الأول: الواقع أنني لم أشاهد في حياتي إنسانًا تقلُّ سلبياته وتزداد إيجابياته لمجرد تديّنه وانتمائه وحبّه لدين ما. إنني أرى أن الأشخاص الصالحون متدينون صالحون، والأشخاص الطالحون السيئون متدينون سيئون.
2. الحضّ على الجرأة في الاتجاهين؛ في معرض الإجابة عن السؤال الثاني يعتقد أن الدور الأساسي للتدين هو التحفيز والتحريض والتشجيع وبث الجرأة والجسارة، والإشعار بالحماية. بيد أن هذا التشجيع والحضّ على الجرأة يفتقر في ذاته إلى الاتجاه، وهو بذلك ممكن الاستخدام في أيّ اتجاه سواء كان صالحًا أو سيئًا، ويسهِّل من فعل الحسنات والسيئات:
«التديّن يمنحك الاعتقاد والشعور بأنك في كنف الحماية الإلهية وأنك مأمور ومكلف من قبل الله! بل أنت أساسًا يد الله التي خرجت من كُمِّ العالم!» هذا الشعور يؤدي بك إلى أن تفعل كل ما تريد فعله بجرأة وشجاعة أكبر».
3. الوجوه المتعددة للدين؛ التعليل الآخر الذي يسوقه ملكيان للوظيفة المزدوجة للدين هو أنّ الدين يشتمل على أمور مختلفة بحيث يتلقّى منه كل إنسان ما يتطابق وميوله وذوقه وإرادته، سواء كانت هذه الإرادة إيجابية أو سلبية، فهو يتصوّر الدين على نحو ما يريد ويتخذ هذا التصور معيارًا لأعماله:
«الدين منظومة يمكنكم أن تستخرجوا منها كل ما تريدون. الإنسان الطيّب جدًا عندما يكون مسلمًا بمجرد أن يصل في الفقه إلى القول: إذا اكتشفتم ماخورًا يُشرَبُ فيه الخمر، فاسكبوا ما في القناني والدنان من خمر ولكن لا تحطّموا القناني والدنان، لأنها ملك صاحبها؛ ... فإذا سكب خمرَ دنّ من الدنان تراه لا يحطم الدن. هذا الشخص روحيّته وطبيعته هكذا منذ البداية، لذلك تراه يأخذ حكم الدين هذا مأخذ الجدّ ويعمل به. وفي المقابل إذا كانت روحية إنسان بحيث لا يرتاح أساسًا لأن يرى كثيرًا من البشر على وجه الكرة الأرضية! فإنه سيقول بمجرد أن يدخل
في الدين: أجل، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾.
ويقدم ملكيان، تأييدًا لرؤيته هذه، شهاداتٍ من نصوص وشخصيات دينية ليس لها أية دلالة على رؤيته في هذا الخصوص، لكننا هنا سنحجم عن ذكرها رعاية للإيجاز. وهو في الوقت ذاته يشعر بنوع من عدم الدقة والإشكال في ادعاءاته فيقول:
« طبعًا هذا بحث لو أراد شخصٌ أن يطلق فيه كلامًا دقيقًا ويرى هل يؤثر التديّن على نفس الإنسان أم لا، فهو بحث ينتمي لـ «علم نفس الدين». بعبارة أخرى إنه البحث الذي يطرحه علماء نفس الدين تحت عنوان «تأثير الدين على طباع الإنسان». هل حقًا عندما يدخل الإنسان في دين معين، أو ينتقل من دين إلى دين، سيترك ذلك تأثيرًا على طباعه من حيث تغييره للمكوِّنات المهمة لنفسه أم لا؟ الحقيقة أن ادعائي الذي قدّمته هو أنني أردتُ القول: «لا». أمّا هل كلامي هذا صحيح أم خطأ فهذا بحث آخر».
ويقول في موضع آخر: «هذه أيضًا روحيّة. روحيّة هذا الشخص وطباعه ترى هذا ولا ترى ذاك. الواقع أنني أجد هذه النقطة مهمة. إلّا إذا دلَّ بحثٌ وتحقيق علمنفسي (سايكولوجي) أنّ الأمر ليس كذلك حقًا، وأن الإنسان عندما يعتنق دينًا تحصل لديه تغييرات أكيدة بالاتجاه الإيجابي. لكنني لم أر مثل هذا الشيء في حياتي».
ادعاء ملكيان وبياناته وإيضاحاته جديرة بالنظر والتدقيق والتقييم من وجوه عدة، ويدلنا التدقيق فيها على ابتلاءٍ بآفاتٍ وإشكالاتٍ متنوِّعة، وعرض صورة غير موثوقة للدين ووظيفته وفاعليته، على النحو التالي:
من الإشكالات على رؤية ملكيان هذه افتقارها للركائز النظرية المعتبرة والأرصدة البحثية والتحقيقية والدراسية. الدليل الذي يسوقه ملكيان غالبًا هو تجربته الشخصية السلبية. إنه يتوكّأ على عدم مشاهدته في حياته شخصًا تغيّر سلوكه من السلبي إلى الإيجابي لمجرد ميله إلى دين معين، ليخلص بذلك إلى نتيجة ترفض مثل هذا التأثير وتنفي مثل هذا الدور للدين. والحال أنه:
أولًا: الحكم في هذا الخصوص بحاجة إلى دراسات وبحوث واسعة بمصادر وأدوات ومناهج دقيقة، وقد اعترف هو نفسه بضرورة اجتراح تحقيقات وبحوث علم نفسية في هذا المضمار.
ثانيًا: هذه التجربة الشخصية نفسها بمقدار ما وردت في آرائه تبدو جدّ ناقصة وضعيفة. فهل تجلّت في هذه التجربة جميع الخصوصيات الحسنة والسيئة والظاهرة والخفية للأفراد الذين عرفهم، وهل تمّ رصد تأثير أو عدم تأثير الدين في إصلاح جميع هذه الصفات والخصال بدقة؟ ما يعنُّ للذهن من كلامه أنّ معياره في هذا الرأي هو بعض الخصال البارزة لهؤلاء الأفراد والتي تلاحظ فيهم عادة وبشكل ثابت.
ثالثًا: حتى في هذه الحالات، لا تلاحظ أية شهادة أو تقرير لصالح أن تديّن هؤلاء الأفراد كان ذا دور في تكريس سوء سلوكهم.
رابعًا: في تقرير هذه التجربة الشخصية لا تشاهد أية إشارة أو تحليل بشأن أنّ الأفراد السلبيين كان يمكن أن يبتلوا بأية سلبيات أخرى، وما هو دور التديّن في الحؤول دون ذلك.
خامسًا: استنتاجه من تجربته الشخصية المذكورة ينطوي منطقيًا على مغالطةِ «اتخاذ عدم الوجدان دليلًا على عدم الوجود».
مع ذلك نجد لديه نظرة لخصوصيات التعاليم الدينية سوف نسلط عليها أضواء التقييم فيما يلي.
في دراسة دور الدين ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور: 1. الدين نفسه؛ 2. التديّن؛ 3. الفهم الديني أو المعرفة الدينية. والآن، يفرض هذا السؤال نفسه: أيّ واحد من هذه الأمور الثلاثة يقصده ملكيان؟ التدقيق في آرائه يشير إلى أن قضية المعرفة الدينية بقيتْ في آرائه مغفولًا عنها إلى حدّ كبير، لكن الدين والتديّن مذكوران كلاهما، وثمة نقاط فيما يتعلق بكل واحد منهما. هذا من دون أن يُصار إلى تفكيك دقيق بينهما، ومن دون أن يُدرس دور كل واحد منهما ومكانته وعلاقته بالآخر في موضوع البحث. مع ذلك سوف نسلط الأضواء على كليهما وفقًا لآرائه.
إذا كان ما يقصده ملكيان من الدور المزدوج مختصًا بالدين ذاته [دون التديّن] فمن السبل التي لا يصحّ إغفالها لاكتشاف تأثيره تمحيصُ تعاليم الدين ومقتضياتها في مختلف الأبعاد. إذن، ينبغي النظر ما هي تعاليم الدين وما يمكن أن يكون لها من
تأثير على سلوك الإنسان. جدير بالذكر مقدِّمًا أنه بالنظر للتعاريف المختلفة للدين وصعوبة التوصّل إلى تعريف مشترك، مرادُنا من الدين في هذا البحث هو الدين الإلهي، والذي يعتبره ملكيان أيضًا دينًا من حيث المصداق.
يرى العلامة الطباطبائي رحمهالله أن صلاح الإنسان والمجتمعات البشرية منوط بأمور ثلاثة هي: 1. العقائد الصحيحة. 2. الطباع والأخلاق الفاضلة. 3. الأعمال والسلوكيات الحسنة. هذه الأمور الثلاثة هي بالضبط الأمور التي تشكِّل أساس وجوهر دعوة الأنبياء، ولا يمكن التوصّل إليها بنحو جامع كامل مهذّب من كلّ نقص وخطأ إلّا عن طريق الدين الإلهي. وهذا هو التوقّع الأوّليّ من الدين، وبمراجعة المصادر الأصيلة والمعتبرة وتواريخ حيوات الأولياء الدينيين، كالأنبياء والأئمةعليهمالسلام، يُلاحظ أنهم لا فقط أدّوا رسالتهم في هذا المضمار على أحسن وجه، بل وقدموا نماذج عملية بارزة عارضين تعاليمهم السامية بشكل حيّ واقعيّ في شتّى سوح الحياة، تاركين للبشرية أجملَ وأبهى التجارب الأخلاقية والسلوكية.
في الوقت نفسه ينبغي التنبّه إلى أن الدين هو دعوة وسراج في طريق الهداية والسعادة، وليس عاملًا جبريًا لاإراديًا. وبالنتيجة يبقى الإنسان نفسه باختياره وانتقائه الإرادي هو الذي يمكنه أن يختار طريق سعادته أو شقائه، ويستجيب استجابة إيجابية أو سلبية لدعوة الأنبياء. ولا يفوتنا القول إنّ التعاليم الدينية ودعوة الأنبياءعليهمالسلام منسجمة تمامًا مع طبيعة البشر، والسعادة والكمال الذي يرنو إليهما الدين لا يشتملان على أيّ شيء خارج طبيعة الإنسان، أو مفروضٍ عليه، أو زائدٍ
على نزعات الإنسان الذاتية، ولو كان الأمر على غير هذا النحو لما كانت التعاليم التي يدعو إليها الدين سعادة وكمالًا مناسبين للإنسان. يشير القرآن المجيد إلى هذه النقطة الدقيقة بالقول: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
إذن، يحتوي الدين الإلهي تعاليم تحضّ الإنسان وترشده إلى أداء أفضل الأعمال، وتنهاه عن كل الاعوجاجات والانحرافات والقبائح، وتحذّره التحذيرات اللازمة منها. بعبارة أخرى، ليس الأمر بحيث تحضّ التعاليم الدينية الصالحين على مزيد من الصلاح وترغِّب المنحرفين في مزيد من الانحراف والسوء. وعليه، حتى لو كان ما يقوله ملكيان حول فاعلية الدين صحيحًا من وجه، فإنّ ذلك ليس المقتضى الواقعي لتعاليم الدين، وينبغي البحث عن الأسباب في مكان آخر.
يستشف من بعض كلام ملكيان أن بعض موجبات هذه القضية على الأقل موجودة في الدين نفسه، فالدين من وجهة نظره منظومة يمكنكم أن تستخرجوا منها كل ما تريدون. في هذا الخصوص ينبغي النظر أولًا ما هو المراد من أنكم تستطيعون استخراج كل ما تريدون من الدين؟ ثمة في هذا الخصوص فرضيّتين يمكن طرحهما:
1. اشتمال الدين على تعاليم مزدوجة: فحوى هذه الفرضية أنّ في الدين تعاليم حسنة وتعاليم سيئة، ويختار الإنسان ما يريد منها حسب ميوله ورغباته. في هذه
الفرضية ينبغي أن تكون التعاليم السيئة بحيث تزيد السيّئين سوءًا لا أن تبقيهم على مستواهم من السوء. ومن الجليّ بمكان بطلان هذا التصور في خصوص الدين، ولا نخال أنّ ملكيان له مثل هذا التصور أو الظن بشأن الدين. فالدين لم يأمر بالسوء ولم يشجع ولم يحض أيّ إنسان طالح منحرف على اجتراح السيئات، إنما حضَّ الدين أولًا على مزيد من الصلاح والإكثار منه وأكد على الابتعاد التامّ عن السيئات. ثانيًا يوضّح الدين مصاديق الصلاح والسوء. ثالثًا: دور الدين دور التبشير والإنذار. يصف القرآن الكريم الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم بأنه بشير ونذير. ما هي مواضيع تبشير الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وإنذاره؟ هل هي سوى أنه يبشِّر بالخير والتفكير الخيّر والسلوك القويم، وينذر من الانحراف والأعمال السيئة؟ مراجعة النصوص الدينية تدل بوضوح على أن الدين حذّر دومًا من العاقبة السيئة للأفعال السيئة، وعزّز الخوف من اجتراح القبائح لدى الإنسان، وقلّل من جرأته وجسارته على ارتكابها، وهبط بهذه الجرأة إلى أدنى مستوى ممكن.
2. عدم تعيّن معنى النصوص الدينية: مفاد هذه الفرضية أن الدين يحتوي تعاليم لها معان غير متعيّنة وتتقبّل تفاسير مزدوجة، أي تفاسير حسنة وأخرى سيّئة، وبوسع كل إنسان أن يستمدَّ منها المعاني التي تتلائم مع ذوقه ونزعاته فيجعلها ملاكًا لأعماله.
ولكن يبدو أن هذا أيضًا كلام غير صائب. هل فعلًا يمكن استخراج أنواع الأعمال السيئة من الدين؟ للدين رسالته الواضحة للبشر، وإذا كان بالإمكان العثور على متشابهات فيه فهي ممكنة الفهم والتفسير في ضوء المحكمات. هذا
فضلًا عن أنّ المتشابهات الدينية عادة ما تكون بعيدة عن مثل هذه الدلالات. طبعًا إذا تجاهل الإنسان منطق فهم الدين والاجتهاد المنهجي ولوازمه، وأراد توظيف الدين بنحو انتقائي لصالح نزعاته النفسية وتفسيره وتحريف معانيه طبقًا لرغباته وبخلاف دلالاته الحقيقية، وتغطية سوء سلوكه بغطاء ديني، فهذا كلام آخر. إنّ هذه القضية أشبه بما قام به معاوية في تحريفه حديث «الفئة الباغية» رغم وضوح معناها، وقد يمكن القيام بمثل هذا الشيء فيما يتعلق بأيّ كلام أو رسالة أخرى بما في ذلك آراء ملكيان نفسها. طبعًا يبدو أنه كلما كان النصّ جامعًا أكثر وذا مديات معنائية أوسع وأبعاد أكثر ومراتب أرحب، كانت هذه المسألة أسهل بالنسبة له. لكن هذا يعود من ناحية إلى قابليات اللغة والنص، ويرجع من ناحية أخرى إلى النزعة التبريرية لنفس الإنسان وقدرتها على المعالجة. ولكن مهما يكن من أمر، لا يمكن تسمية ذلك بالدين، ومن المؤكد أنّ مديات النص الديني وطبقاته وبطونه المعنائية بعيدة جدًا عن ادعاء ملكيان هذا.
إذا كان ما يقصده ملكيان الوظيفة أو الفاعلية المزدوجة للتديّن، كما ورد في بعض عباراته حيث استخدم مفردة التديّن، فيمكن تسجيل عدة نقاط جديرة بالملاحظة:
1. التديّن بمعنى تقبّل المعتقدات الدينية والعمل وفقًا لتعاليم الدين العملية والخضوع لها. مثل هذا الشيء منوط من ناحية بالالتزام القلبي، ومنوط من ناحية أخرى بالمعرفة الدينية وفهم الدين. الفهم الصحيح للدين يقود إلى أهداف
الدين، أمّا الفهم الناقص وغير الصحيح فقد يقود إلى الاتجاه المعاكس. لهذا تشدِّد النصوص الدينية من ناحية على الإخلاص والإيمان، ومن ناحية أخرى على العلم والمعرفة واتباع العلماء، وتنهى عن السلوكيات غير المعقولة والخالية عن الإدراك والوعي المناسب. يقول القرآن الكريم في هذا الخصوص: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾.
وروي عن رسول الإسلام الكريم صلىاللهعليهوآلهوسلم : «مَنْ عَمِلَ عَلى غَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أكثرَ مِمَّا يُصْلِح».
وورد في توصيات الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام لكميل بن زياد النخعي: «يَا كُمَيل، مَا مِن حَرَكَةٍ إلّا وَأنْتَ مُحْتَاجٌ فِيهَا إلى مَعْرِفَة».
جدير بالذكر أن النصوص الدينية تشير إلى أن قليلًا من التفكّر والتدبّر أفضل من سنين من العبادة. يروي أبو حمزة الثمالي عن الإمام الباقرعليهالسلام : «عَالِمٌ يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ أفضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ ألفَ عَابِدٍ». كثير من السلوكيات غير الصالحة التي تتمّ باسم الدين أو تحسب على الدين أو يَتَصوّر البعضُ أنّ الدين يعزِّزها ويحضّ عليها ليست ناجمة عن الدين بل هي وليدة الجهل والاعوجاجات الفكرية، وهي في الأساس مرفوضة ومنبوذة في منطق الدين.
2. لا يمكن العثور على التديّن الخالص مائة بالمائة إلّا لدى المُخْلَصين. فجميع
البشر أو الغالبية الساحقة منهم خليط من نزعات ورغبات وميول بعضها ميول دينية ونزعات متسامية. وعليه، عندما يجري الحديث عن المتدينين يتعيّن أن لا نحسب كل شخصيتهم على التديّن الذي يتصفون به، ويجب عدم النظر لكل سلوكياتهم من زاوية تديّنهم. بل وكثير مما يُعدُّ سلوكياتٍ دينيةً لا يخلو في الحقيقة من دوافع ورغبات وحوافز وبواطن وأهواء نفسية غير دينية. لذلك نقرأ في الدعاء الشريف للإمام الحسين عليهالسلام في يوم عرفة: «إلهي مَن كَانَتْ مَحَاسِنُهُ مَسَاوِئَ فَكَيْفَ لَا تَكُونُ مَسَاوِئُهُ مَسَاوِئَ».
لهذا شدّدت النصوص الدينية على خلوص النيّة. وهذه القضية تركت بصماتها لا على غير الواعين فحسب بل على الواعين والعلماء الكبار أيضًا بدرجات تزيد أو تنقص، ودفعت في بعض الأحيان نحو سلوكيات غير صائبة. من هنا يُروى عن الإمام الصادق عليهالسلام قوله: «قَطَعَ ظَهْريَ اثنَانِ: عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ وَجَاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ، هَذا يَصُدُّ النَّاسَ عَنْ عِلْمِهِ بِتَهَتُّكِهِ وَهَذَا يَصُدُّ النَّاسَ عَنْ نُسْكِهِ بِجَهْلِهِ». وعليه، فجانب من سيئات المتدينين ناجمة عن ميولهم النفسية غير الدينية، وبعبارة أخرى ناجمة عن ضعف تديّنهم وليست نابعة من تديّنهم، وطريق الحلّ هو التحرّك نحو الإخلاص الديني والمعرفة الدينية الأكثر والأعمق والأصوب.
3. القضية الأخرى هي قضية استغلال الدين (سوء استغلال الدين) وربما تحريفه. الأهواء النفسية لا تؤدي أحيانًا إلى سوء فهم التعاليم الدينية أو إسقاطها والحطّ منها فحسب، بل وتفضي في حالات كثيرة إلى سوء استغلالها وخداع المتدينين وإضلالهم عمدًا وعن وعي، وتمهيد الأرضية لنظرة سلبية لدى الآخرين تجاه
الدين. وهذه الحالة لا تختصّ بالدين وحده، إنما كلُّ جوهرة ثمينة يمكن أن تتحول إلى أداة للاستغلال والربح وتحقيق المصالح الدنيئة من قبل الأنانيين المتعطشين للماديات والمكاسب الدنيوية، وكلما كان الشيء أثمن كان مثارًا لوساوس هؤلاء أكثر. وبالمستطاع ملاحظة نظير هذه الحالة فيما يتعلق بالعلم، فمع أن العلم من أقدس الأمور في حياة الإنسانية وأهمّها وأكثرها ضرورة وإيجابية، لكنه استُغلَّ بأكبر درجات الاستغلال، فمورست ضد البشرية خيانات وجنايات جدّ مهولة بواسطة سلاح العلم والتكنولوجيا، ومع كل ذلك لا يزال البشر ينظرون له نظرة إيجابية. إذا كانت الثقافة الإسلامية تشدِّد على إمامة المعصومين عليهمالسلام والصالحين وقيادتهم والتمسّك بالثقلين فالسبب يعود إلى تقليل هذه المشكلات إلى أدنى مستوى ممكن. على كل حال ينبغي عدم تسجيل هذه الحالة باسم الدين والتديّن، فتكون سلوكيات أمثال معاوية وشعاراتهم الدينية الخادعة في ظاهرها بمستوى واحد في علاقتها بالدين والتديّن مع سلوكيات الإمام عليّ عليهالسلام والإمام الحسين عليهالسلام و...!
والحصيلة هي أننا لو أردنا تقييم فاعلية الدين ودوره وأدائه ينبغي أن لا نضع حالات الجهل والأهواء النفسية والمخادعات والحيل التي تُجتَرَحُ باسم الدين موضع الدين والتدين، وبكلمة ثانية يجب أن لا نضع حالات الجهل واللادين مكان الدين والتدين، إنما ينبغي معرفة المقتضيات الذاتية للتدين وتحليلها بعمق.
أمّا أنْ يقول ملكيان إن التدين هو الذي يمنحك هذه الحالة ويُشعرك بأنك في كنف الحماية الإلهية وأنك مأمور من قبل الله! وهذا ما يبعث على أن تقوم بكل ما تريد القيام به بمزيد من الجرأة والشجاعة فهذا أيضًا غير صحيح، فلا الدين يعمل
على توفير مزيد من الجرأة على اجتراح السيئات ولا التديّن. يقول الله تعالى مخاطبًا رسوله الخاتم صلىاللهعليهوآلهوسلم : «قُلْ ... وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ».
أضف إلى ذلك أن المقتضى الذاتي للتديّن غير منسجم مع ادعاء ملكيان. هل التدين الحقيقي يقول للكاذب إنك مأمور ومكلف من قبل الله بالكذب، وهل يقول للسارق إنك مأمور من قبل الله بالسرقة، وهل يقول للزاني وشارب الخمر إنك مكلف من قبل الله بهذه الأفعال؟! هل الالتزام الحقيقي بالشيء الذي يأمر بالإيجابيات فقط وينهى بشدة عن السلبيات والانحرافات ويحذِّر منها، يمكن أن يؤدي إلى شيء غير الإصلاح وتحسين الحال؟
وعليه، إذا كنا نلاحظ في حيوات بعض أدعياء التديّن مثل هذا الشيء فهذا ليس من مقتضيات التديّن بل ناجم عن أسباب أخرى من قبيل الجهل بالدين والفهم المغلوط للدين أو غلبة الأهواء النفسية وضعف الإيمان. وبالنتيجة إذا نَسَبَ شخصٌ مقتضيات هشاشة التدين وضعف الإيمان والبصيرة والمعرفة الدينية لأصل الدين والتدين فلا يكون قد وقع في مغالطةِ «أخذِ غير العلّة بدلَ العلّة» وحسب، بل ويكون بالضبط قد أخذ علّة نفي الشيء مكان علّة إثباته.
4. أمّا فكرة أن أحدهم يأخذ جانبًا من الدين ويأخذ آخرٌ جانبًا آخرَ منه فهي صائبة في بعض الأحيان، ولكن أولًا هذا ضعف في أصل التدين، بل إذا كان عن وعي وعمد فهو كما قال القرآن الكريم: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾
بخلاف التدين، وكفرٌ، وعدمُ تدين، وليس تدينًا حقيقيًا. ثانيًا الجزء الذي يلصقونه به لا ينتج عنه أنْ يفعلوا أيّ شيء، وعلى حدّ تعبيره يحرقون قيصرية لمشاهدتهم خصلة من شعر فتاة خارجة من تحت خمارها. أو إذا كانوا لا يرتاحون لمشاهدة أناس كثيرين على وجه الكرة الأرضية، فما أنْ يدخلوا في الدين حتى يقولوا: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾! إنه هنا يستبدل التديّن مكان الانحراف الشخصي بأسوء شكل ممكن. ثالثًا أين هذه القضية من قضية عدم وجود أيّ دور إصلاحي للدين بل وازدياد الإنسان سوءًا بفعل التدين؟! الكلام عن أنّ روحيّات الشخص وطباعه شيءٌ، وتشجيعُ الدين أو التدين على السلبيات، والذي سبق أن قال به، شيءٌ آخر.
على كل حال، وكما مرَّ بنا، يتضمن الدين أساسًا تعاليم ورسائل تنهى عن الانحرافات والاعوجاجات، بيد أن لازمة ذلك أنْ تُفهم رسالة الدين بنحو جيد صحيح ويُعمَلُ كما أراد الدين وليس طبقًا للأهواء النفسية وبدون فهم وإدراك صحيحين. وعليه، أصل الدين والتدين لهما اقتضاءاتهما المعينة، غير أن حدود تدين الأفراد ومراتبه متعددة وطرائق تدينهم متفاوتة، وتحتاج طبعًا إلى دراسة وتمحيص واكتشاف للآفات والعيوب وإصلاح وترشيد.
يلوح من رؤية ملكيان أنه أولًا: يعتبر البشر قبل خوضهم في الدين على صنفين: 1. الصالحون بالفعل الذين تشكّلت شخصيتهم في مكان آخر كالعائلة أو... 2.
الطالحون بالفعل، والذين هم كما هو الحال بالنسبة للصالحين تكوّنت شخصيتهم قبل خوضهم في الدين بفعل عناصر أخرى. ثانيًا ليست هذه الشخصيات قابلة للتغيير والتحوّل، أو إنّ ذلك غير ممكن بفعل الدين على الأقل. التغيير الوحيد الذي يمكن للدين أن يقوم به هو تكريس الشخصية المتكوِّنة مسبقًا.
والنتيجة التربوية لهذا الرأي هي أن الدين والتربية الدينية لا يمكن أن تكون نافعة في عمليات الإصلاح والتغيير السلوكي ومكافحة الإجرام و... . وذلك لأنّ الدين لا يعجز عن إيجاد التغيير والثورة الداخلية والسلوكية لدى شخص ما وحسب، بل إن تعليم الدين للطالحين السيّئين عملية خطيرة أساسًا تؤدي إلى تعزيز إجرامهم وانحرافاتهم، وتزيد الطين بلّة، وتضاعف من فداحة مساوئهم! نعم، يمكن الاستفادة من الدين في حالة واحدة فقط وهي أن يحصل التحوّل في الشخصية عن طرق أخرى ابتداءً فيخرج الشخص عن نطاق الطالحين إلى حيّز الصالحين ويُودِّع كلَّ المساوئ والموبقات ويتجه نحو الحسنات والإيجابيات، وبعد ذلك يتمّ تعزيز إيجابياته بالدين.
ولكن فضلًا عن أن هذه القبليات ونتائجها مرفوضة كلها، فالواقع، أولًا، إنّ غالبية البشر هم من حيث الرؤى والطباع والميول والأفعال خليط من الحسنات وبعض السيئات والنواقص بمراتب مختلفة، ولا يوجد مثل هذا الجدار الفاصل بين الأخيار والأشرار، على نحو عام شامل على الأقل. ثانيًا إذا لم يتسنّ عن طريق الدين بكل ما له من تعاليم واسعة وإرشادات دقيقة بمختلف الأبعاد العقيدية والفقهية والحقوقية والأخلاقية فيه، وبأرصدته التحفيزية القويّة ونماذجه العملية المبرَّزة وانسجامه مع الفطرة، إذا لم يتسنَّ بكل ذلك إصلاح سلوك البشر وتغييره فما هو الطريق الآخر الذي يمكن تصوره لتحطيم هذا الطريق المسدود؟ ثالثًا تدلُّ
(190)التجارب التاريخية على تحولات وثورات داخلية كثيرة لدى أشخاص في ظل تعاليم الدين وإرشاداته.
فيما يتعلق بإحالة قضية وظيفة الدين وفاعليته إلى البحوث السايكولوجية ثمة جملة من النقاط يجدر ذكرها:
1. يبدو من المقبول إجمالًا القول إن دراسة الوظيفة السلوكية للتدين تندرج ضمن حيّز دراسات وبحوث علم نفس الدين، ولكن أولًا ليس علم نفس الدين الباحث المعتبر الوحيد في هذا المضمار، وهناك أساليب ومناهج أخرى للدراسة منها تحليل المضامين، والدراسات السوسيولوجية، والاختلاجات الشهودية، و... التي يمكن الاستفادة من كل واحد منها بالنحو المناسب في هذا المضمار. ثانيًا ينبغي عدم اختزال الدور الإيجابي للدين وتأثيراته في مجرد التغييرات السلوكية الظاهرة البارزة في هذا العالَم (عالَم الدنيا) وتجاهل سائر فاعليات الدين الإيجابية لا سيما دوره في الهداية والسعادة الأبدية الخالدة.
2. ما هو بالضبط معنى تعابير يستخدمها ملكيان في هذا المضمار من قبيل: مجرد الانتماء لدين ما، والتغييرات الحاسمة بالاتجاه الإيجابي، وتغيير المكوِّنات المهمّة للنفس، و...؟ وما هو المستوى الذي ينبغي توقّعه من هذه التغييرات؟ ولأيّ شخص ولماذا؟ لنفترض شخصًا له سلوكه السليم الحسن في الحياة بنحو فطري، وآمنَ الآن بدين معين من دون أن تتغير سلوكياته السابقة، عندئذ هل نقول إنّ الدين يفتقر للفاعلية والدور؟ بالإضافة إلى ذلك، التديّن والوعي الديني
حالة ذات مراتب، فكيف يمكن فحص وتقييم التغييرات السلوكية لدى الفرد بما يتناسب ودرجة إيمانه ومعرفته الدينية؟
إذا كان مجرد الانتماء لدين ما كافٍ لإصلاح السلوك، إذن لماذا كل هذه التوكيدات في النصوص الدينية ومن قبل علماء الأخلاق و... على الجهاد الدائم ضد الشهوات والنزوات، والتحذيرات الجادّة من أهواء النفس التي يُلقونها على أتباعهم؟ الواقع أن للدين والتدين فوائد جمّة بالغة الأهمية، بيد أن الدور الأساسي للدين هو الهداية، والتدين بما يتناسب ومرتبته ودرجة التحلّي بالعلم والمعرفة الدينية له آثار إيجابية.
3. ما يقوله ملكيان حول أساليب التديّن واختلاطها بالأذواق والرغبات الفردية و... ويستنتج منه أن الدين يزيد من حُسْن الحسن ومن سُوْء السيّئ، يجري أيضًا في باب الدراسات الدينية بما في ذلك علم نفس الدين.
وقد تجلّى بوضوح في فلسفة العلم الحديثة أنه حتى العالم التجربي يتأثر بالرؤية الكونية والركائز الميتافيزيقية ومختلف العوامل النفسية والمجتمعية، وقد يعرض عن وعي أو عن غير وعي، وعن عمد أو بغير عمد، صورًا للدين تتناسب مع ركائزه ورغباته، ولا تتطابق تمامًا بالضرورة مع الواقع. ويمكن للنظرات والآراء المختلفة جدًا لبعض المفكرين في خصوص وظيفة الدين أن تكون أمثلة لهذه القضية.
4. بعض الدراسات والبحوث في مجالات علم نفس الدين وعلم اجتماع الدين تدل على نتائج متفاوتة عن رؤية ملكيان حول وظيفة الدين، ويلوح أن النظرة الغالبة في علم نفس الدين هي نظرة إيجابية. بعض الفاعليات والوظائف المطروحة في هذا
الخصوص عبارة عن: إضفاء المعنى على الحياة، تأثيرات الدين في السلامة والصحّة النفسية وإيجاد الالتزامات والشعور بالمسؤولية، تعزيز السيطرة على الغرائز وتنمية الشخصية والثورة الداخلية ضدّ الأنانيات وطغيان النفس، خلق توازن نفسي وانسجام في الشخصية، التقليل من الإجرام والجُنَح والمخالفات، التقليل من تعاطي الكحول والمخدرات، التقليل من الانتحار، الالتزام العائلي والرضا عن الزواج وخفض معدلات الطلاق، توفير أرصدة للأخلاق وتمتين المواثيق والتعهّدات والالتزامات، المساعدة على تحقيق التضامن والانسجام الاجتماعيين،
(193)تحفيز المحبّة والعواطف الإنسانية، رفع الخلافات وحلّ النزاعات، ستر العيوب والمساوئ وتسوية الأكدار والضغائن، و... الخ.
اتضح ممّا مرّ بنا أن رؤية ملكيان فيما يخصّ وظائف الدين عُرْضة للنقد والجرح من جهات عدة، فمن الإشكالات والمؤاخذات الواردة على هذه الفكرة: 1. الافتقار للدليل والأرصدة النظرية. 2. عدم الابتناء على بحوث علمية معتبرة، بل التوكّؤ على تجارب شخصية جدّ ناقصة وضعيفة. 3. الافتقار للشمول والجامعية في التركيز على الوجوه والأبعاد المختلفة لوظيفة الدين وتجاهل المتغيّرات ذات الدور في القضية. 4. الوقوع في مغالطة التشويش وعرض صورة مشوَّشة وراديكالية لوظيفة الدين باتجاه سلبي. 5. الخلط بين أمور مثل الانحراف عن الدين وادعاء الدين زيفًا وكذبًا وسوء استغلاله وباقي آفات التدين وبين الوظيفة الأصلية للدين والتدين. بتعبير آخر التورّط في مغالطة أخذ غير السبب مكان السبب، ووضع حالات الجهل وعدم التديّن محل الدين والتدين. 6. الوقوع في مغالطة التصور بأنّ عدم الوجدان يدلُّ على عدم الوجود. 7. الخلط بين الدين والتدين. 8. الوقوع في مغالطة نسبة أمور غير مناسبة. 9. القبليات والمخرجات التطبيقية العملية غير الصائبة. 10. تجاهل المعطيات العلمية التي يدّعي هو نفسه مرجعيّتها.
حسن إحساني، مهدي غلام علي، وحيد سهرابي فر
إن نظرية «العقلانية والمعنوية» تذهب ـ من خلال تقسيم الأمور إلى: مقبولة للعقل، ومنافية للعقل، ومحايدة للعقل ـ إلى القول بحيادية العقل فيما يتعلق بوجود الله من الناحية العقلية. وفي هذا الشأن بالنظر إلى اشتمال كتاب (نهج البلاغة) على الكثير من القضايا التوحيدية، تمّ السعي في مواجهة هذا السؤال إلى بيان ما هو النقد الذي يمكن توجيهه على القول بحيادية العقل بالنسبة إلى وجود الله في ضوء نهج البلاغة؟ والحصول على الجواب عن هذا السؤال من خلال توظيف الأسلوب التحليلي
الاستنباطي والتأمّل في مفاهيم نهج البلاغة. إن النتيجة التي يتمّ التوصّل إليها من خلال هذا التحليل هي إمكان إثبات وجود الله بالنسبة إلى العقل من زاوية نهج البلاغة، ويبدو أن حياديته في النظرية قد نشأ من عدم الفصل بين المعرفة الإجمالية والمعرفة التفصيلية؛ وذلك لأن عدم التفات ملكيان إلى هذه النقطة المهمة التي تمثّل نقطة قوة في التوحيد، قد دفعت به ـ في ضوء كون ذات الله أبعد من أن تكون في متناول إدراك العقل ـ إلى الظن بأنها تشكل نقطة ضعف التوحيد.
يذهب ملكيان إلى الاعتقاد بأن الدين التقليدي قد فقد جدوائيته في العصر الراهن، ولم يعد صالحًا لضمان الطمأنينة والسكينة لآلام الإنسان وأوجاعه، ولكي يملأ الفراغ الحاصل بسبب غياب المعنوية الحداثوية، عمد إلى اقتراح معنوية في إطار نظرية «العقلانية والمعنوية»؛ بحيث يعتبر قضية وجود الله في هذه النظرية مسألة يلتزم العقل بالحياد تجاهها، بحيث يقف العقل النظري على قدم المساواة التامّة في إثباتها أو نفيها، ويترك إثباتها أو إبطالها إلى العقل العملي. في حين أنه بالنظر إلى وجود الكثير من الموارد في نهج البلاغة ـ بغض النظر عن قضايا العقل العملي القائم على إثبات وجود الله ـ بشأن طرق إثبات وجود الله من الناحية النظرية أيضًا، ولذلك وجدنا من المناسب أن نبحث عن جواب هذا السؤال من زاوية نهج البلاغة، والقول: هل العقل حيادي في إثبات وجود الله من زاوية نهج البلاغة أم لا؟
إن ملكيان ـ من خلال تقسيم العقلانية إلى: عقلانية نظرية، وعقلانية عملية ـ يعمل على بيان كل واحد من هذين القسمين على النحو الآتي:
العقلانية النظرية: «عندما تكون المسألة عبارة عن: ما هي القضايا التي يجب أن نعتقد بها، وما هي القضايا التي لا يجب أن نعتقد بها، نكون أما عقلانية نظرية».
العقلانية العملية: «عندما تكون المسألة عبارة عن ما هي الأعمال التي يجب القيام بها، وما هي الأعمال التي لا يجب القيام بها، يكون حقل ذلك هو العقلانية العملية».
ثم عدّد للعقلانية النظرية ستة عناصر، وهي:
1. السلوك على أساس عدم ارتكاب التناقض، ومراعاة قوانين المنطق والقياس.
2. مراعاة قواعد الرياضيات.
3. صيانة العقل المعرفي «حساب الاحتمالات» (التي هي برزخ بين الرياضيات والعلوم التجريبية).
4. ملاحظة الاستقراء.
5. القول بأفضل التفسيرات.
6. استناد الشخص إلى فهمه، وممارسة الحياة والتصرّف على أساس فهمه (إذ لو عمل على ترجيح أفكار الآخرين على رأيه فإن تلك الحياة سوف تصبح غير أصيلة، وقد عبّر عنها الوجوديون بالحياة المستعارة).
وكذلك عند تحليل عقلانية القضايا الدينية، يُعدد ستة أقسام للعقلانية، بيد أن الموارد التي يذكرها، هي في الواقع من أقسام العقلانية النظرية، وهي عبارة عن:
1. القضية البديهية أو التي يمكن استنتاجها بالمسار الاستدلالي من البديهيات.
2. العقيدة التي تكون منسجمة مع جميع أو أكثر عقائد الناس.
3. الاعتقاد الذي يكون نتيجة لحكم المشاعر والأحاسيس والعواطف والإيمان والتعبّد والترجيحات السطحية وغير المستندة إلى دليل.
4. الاعتقاد الذي تؤيده التحقيقات الكافية والتي تناط برأي ذات الشخص صاحب تلك العقيدة.
5. الاعتقاد الذي تؤيده التحقيقات الكافية والتي تناط بمعايير (المعايير الأنفسية) ذات الشخص صاحب تلك العقيدة.
6. الاعتقاد الذي تؤيده التحقيقات الكافية والتي تناط بالمعايير العامة (أو
(200)المعايير الآفاقية.
وبطبيعة الحال فإنه بعد بيان هذه الأقسام يذهب إلى التنبيه على وجود تفسيرات أخرى للعقلانية النظرية أيضًا.
كما ذكر ملكيان ثلاثة عناصر للعقل العملي أيضًا، وهي عبارة عن:
1. أن يكون اختيار أفضل هدف في الحياة بحيث تكون مجموع الإمكانات التي يتمّ إنفاقها أقل من الفائدة التي يتمّ الحصول عليها من ذلك الهدف. وعلى حدّ تعبير إيمانوئيل كانط: إن هذا المورد هو نوع من العقلانية القيَمية.
2. اختيار الوسائل التي تعمل على إيصال الإنسان إلى أهدافه بشكل أسرع وأكثر طمأنينة ومن دون الاشتمال على تبعات وتداعيات عكسية.
3. توظيف واستعمال الألفاظ الخالية من الإبهام والإيهام والتعقيد والتطويل المخل بالغرض.
من الجدير ذكره أن صاحب النظرية إنما يستفيد من العقلانية الثانية فقط من بين هذه العقلانيات العملية الثلاثة؛ وذلك لأنه لم يكن بحاجة إلى العقلانية الأولى، ولم يتحدّث حول إثباتها أبدًا. كما أن العقلانية الثالثة بدورها لا صلة لها بالعقائد المعنوية أيضًا.
(201)بالنظر إلى سعي الفرَق والمدارس المختلفة في العصر الراهن ـ بسبب حاجة الإنسان الملحّة إلى الصحّة والتعالي النفسي ـ إلى تقديم معنوية لهذه المسألة المهمّة، فإن هذا الأمر بسبب العلاقات القائمة قد دفع بعض المفكرين في مجتمعنا إلى الدخول في هذا المضمار، وتقديم نظرية من قبيل «العقلانية والمعنوية»؛ ولكن حيث تمّ اعتبار العقل حياديًا تجاه وجود الله في هذه النظرية، فقد رأينا من اللازم بحث موضوع المقبولية العقلية والحيادية العقلية ـ الذي قلما نال قسطه من البحث ـ من زاوية نهج البلاغة الذي يحتوي على الكثير من المفاهيم حول إمكانية وعدم إمكانية التعرّف على الله سبحانه وتعالى.
على الرغم من وجود الكثير من الأبحاث والدراسات المتعددة في نقد هذه النظرية، بيد أن الأبحاث التي كتبت بشكل يتماهى إلى حد ما مع هذه النظرية ولكن لا من زاوية نهج البلاغة، فهي عبارة عن:
«النزعة الاستدلالية غير الواقعية؛ نقد الأسس الأبستمولوجية لنظرية العقلانية والمعنوية»، بقلم: أكبريان وگل أفشاني.
إن هذه المقالة تعتبر النتائج التي تترتب على مبنى العقلانية غير الواقعية ليست مجدية؛ وذلك للاعتقاد بأن العنصر الأهم في هذه النظرية من وجهة نظر صاحبها
عبارة عن الهدف والغاية التي يجب أن تترتب على هذه النظرية، والغاية هنا هي تقليل آلام الإنسان وأوجاعه، في حين أن هذه الغاية لا تتحقق مع العقلانية غير الواقعية أبدًا، بل وتؤدّي إلى تسلل الخرافات في المعتقدات المعنوية أيضًا.
ولذلك فإنه بالنظر إلى أن محتوى الأبحاث الموجودة ـ والتي كانت أساليبها تستند في الغالب إلى المنهج العقلي والفلسفي ـ لم يلتفت بشكل خاص إلى مسألة حيادية العقل تجاه وجود الله في هذه النظرية، فقد سعينا في هذه المقالة إلى القيام بهذا الأمر في إطار الاتجاه النقلي وبطبيعة الحال بالمضمون والبيان العقلي من زاوية نهج البلاغة.
إن صاحب هذه النظرية من خلال تقسيمه الأمور، إلى: مقبولة من الناحية العقلية، ومرفوضة من الناحية العقلية، وحيادية من الناحية العقلية، يرى أن القضايا التي هي من قبيل وجود الله ويوم القيامة من الصنف الأخير؛ حيث يكون طريق إثباتها ونفيها بالنسبة إلى العقل النظري متساويًا تمامًا؛ بحيث لا يوجد هناك أدنى دليل أو قرينة ترجح كفّة الإثبات على كفّة الإبطال أو العكس. ولذلك فإنه يرى أن طريق إثباتها يتمّ عبر العقل العملي؛ ليتمكن كل شخص في حالة قيام افتراض على وجود الله، إذا حصل على السلامة النفسية أن يؤمن بوجود الله، وفيما إذا لم يحصل على
نصيب من هذا الافتراض أمكن له أن يُنكر وجود الله. كما أن هذا الاعتقاد قد أدّى به الالتزام بهذه الأمور:
1. إن الإيمان بوجود الله ويوم القيامة إنما يتحقق في الخلأ المعرفي؛ بحيث لا يمكن الجمع بين الإيمان والعلم؛ إذ أننا لو علمنا بشيء فسوف نؤمن به قسرًا ولن يبقى هناك متسع للاختيار؛ في حين أن الإيمان يجب أن يتبلور في حالة من الاختيار، وهذا الأمر لا يقبل الجمع مع المعرفة النظرية.
2. إن الإنسان المعنوي ليس واقعيًا بالنسبة إلى الأمور التي يكون العقل فيها حياديًا. ولذلك فإنه لا يفكر في صدقها وكذبها الواقعي. ومن هذه الناحية فإن الفرد الذي يصل إلى إثبات وجود الله بواسطة العقل العملي، لا بمعنى أنه يعتقد بوجود الله في الواقع حتمًا، بل إنه قد توصّل إلى هذا الاعتقاد فقط، وهو أن مجرّد افتراض وجود الله يؤدّي إلى السكينة والطمأنينة، حتى إذا لم يكن الله موجودًا في الواقع؛ كما أن الشخص الذي ينكر وجود الله صدقًا وحقًا، لا يأبى أن يكون الله موجودًا في الواقع.
إن ملكيان ـ كما سبق أن ذكرنا ـ يرى العقل النظري عاجزًا عن إثبات أو إنكار وجود الله؛ في حين أنه في نهج البلاغة ـ بالنظر إلى أن أول الدين معرفة الله، وأن جميع أصول الدين وفروعه لن تكون مجدية من دونه ـ يمكن القول:
إن من بين طرق العقل النظري ـ حيث يمكن الوصول إلى معلومات ومن بينها معرفة الله ـ هو طريق معرفة آية؛ بمعنى أنه يمكن الاستدلال من خلال رؤية الآيات الآفاقية والأنفسية وفقرها الذاتي ـ على وجود الله سبحانه وتعالى. إن التعليل الذي يمكن ذكره لبيان قدرة العقل على معرفة الخالق بهذه الطريقة، كالآتي:
«إن معرفة الله ليست من نوع المعرفة الخاصة به ولا تشبه سائر المعارف الأخرى؛ إذ أن الطريق إلى معرفة الله هي بعينها ذات طرق معرفة الكثير من المسائل التي نعرفها في الطبيعة؛ بحيث لو أننا أنكرنا طريقة معرفة الله، فيجب أن نعتبر الكثير من معلوماتنا فاقدة للقيمة».
ومن هنا نجد أن أمير المؤمنين عليهالسلام يعجب من الذي يرى هذه الآيات الدالة على وجود الله، ومع ذلك يبقى على شكّه في وجود الله سبحانه وتعالى؛ على الرغم من مشاهدته الواضحة والبيّنة لوجود الله في وجود مخلوقاته وصنائعه المذهلة والمحيّرة للعقول.
وفي هذا الشأن تحدّث القرآن الكريم على لسان الأنبياءعليهمالسلام ، وأنهم كانوا يقولون لأممهم بصيغة الاستفهام الاستنكاري: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). إن وضوح هذه الآية في الدلالة على وجود الخالق تبلغ حدًّا بحيث يذعن حتى المشركون بها أيضًا. ولوضوح دلالة نظام الوجود على وجود الخالق، يمكن التوصّل ـ من كلام الإمام الحسين عليهالسلام في دعاء عرفة ـ إلى القول بعدم الحاجة إلى إثبات وجود الله سبحانه وتعالى، إذ يقول عليهالسلام :
«كيف يُستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك». في حين أنه لو اجتمعت الجن والإنس على أن يخلقوا بعوضة لن يكون هذا بمقدورهم. وعلى هذا الأساس فإن هذا النوع من الدلالة مفهوم بالنسبة إلى العقل النظري تمامًا، وإنه يدفع الإنسان ـ كما هو الحال في المعادلات الرياضية البديهية واليقينية ـ نحو الإقرار بخالقية الله
سبحانه وتعالى. ولهذا السبب فإن الله سبحانه وتعالى قد وضع آياته أمام مرأى الجميع، سواء في الأرض أو في وجود الإنسان على نطاق واسع، ليتمكن جميع الناس ـ على مختلف مشاربهم وتنوّع أفكارهم ـ من رؤية هذه الآيات والاهتداء بها إلى وجود الله؛ بحيث عندما سُئل أمير المؤمنين عليهالسلام : بمَ عرفت ربّك؟ قال: «بما عرّفني نفسه». وفي هذا الشأن يبدو من هذه الشدّة في ظهور الله، أن قال الإمام علي عليهالسلام : «لو كُشف الغطاء، ما ازددت يقينًا».
ومن الجدير ذكره ـ بطبيعة الحال ـ أنه بالإضافة إلى إثبات أصل وجود الخالق، يقول الإمام عليهالسلام لابنه في إثبات وحدانية الله: «اعلم يا بنيّ أنه لو كان لربك شريك؛ لأتتك رُسُله ولرأيت آثار ملكه وسلطانه».
ومن الجدير ذكره أن هذه القدرة التي يتمتع بها العقل في معرفة الله سبحانه وتعالى، إنما تقف عند حدود معرفة أصل وجود الخالق، ولا تذهب إلى ما وراء ذلك من معرفة كنه عظمة الخالق إذ سيجد الطريق هناك موصدًا أمامه، وإن العقل بنفسه يُقرّ بعجزه أمام هذا المشهد. ولهذا السبب يمكن القول بأن أدنى غفلة منه سوف تؤدّي به إلى الخطأ في معرفة الله سبحانه وتعالى.
ومن هذه الناحية، لو إشكل بالقول: إذا كانت معرفة الله على مثل هذه الدقّة ـ بحيث حتى الإشارة إلى الله تؤدّي كذلك إلى الخطأ، فلا يمكن الإشارة إليه عقلًا ـ إذن سوف يتمّ تعطيل معرفة الله، وتنغلق أبواب المعرفة أمام الإنسان. إذ كلما مددنا أيدينا نحو تلك الذات المقدّسة، فسوف ينحرف تفكيرنا نحو مخلوق من مخلوقات أفكارنا، وكلما أردنا الاقتراب منه، فسوف نبتعد عنه أكثر ... نقول: إن المعرفة على نحوين: المعرفة الإجمالية، والمعرفة التفصيلية.
وبعبارة أوضح: عندما ننظر إلى عالم الوجود، وكل هذه العجائب وبدائع الخلق على تلك الدقة والعظمة في وقت واحد، بل وحتى عندما ننظر إلى أنفسنا، ندرك
إجمالًا أن لنا خالقًا ومبدعًا. وهذه هي المعرفة الإجمالية التي هي آخر مرحلة قدرة الإنسان بشأن معرفة الله سبحانه وتعالى (غاية ما هنالك أننا كلما تعرّفنا على أسرار الوجود أكثر، فسوف نصبح أكثر معرفة بالله وسوف نكون أقوى في مسار معرفته الإجمالية). ولكن عندما نسأل أنفسنا: من هو؟ أو كيف هو؟ ونمدّ أيدينا لنلمس حقيقة ذاته المقدسة، لن نحصل على غير الحيرة والذهول، ولذلك فإننا نقول: إن الطريق إليه مفتوح بالكال، وفي الوقت نفسه فهو مغلق بالكامل.
وفي هذا الشأن، جاء في الحديث عن الإمام أبي جعفر الباقرعليهالسلام ، أنه قال: «إياكم والتفكّر في الله، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته، فانظروا إلى عظيم خلقه».
ولذلك قالوا: «إن غاية المسار العقلي في معرفة الله، إثبات الخالق وأنه لا مثيل له ولا نظير، والحيرة في معرفته. وفي هذا النوع من السلوك لا نحصل على معرفة بشخص وذات الخالق. بيد أن مسار معرفة الله لا يقف عند هذا الحدّ، بل إن معرفة الله بالمعنى الحقيقي تبدأ من طريق الفطرة والقلب، ومن هنا يكون المنطلق».
والآن بالنظر إلى ما تمّ بيانه من القدرة على إثبات وجود الله بواسطة العقل النظري، فقد تمّ التوصّل إلى أن الاتجاه السلبي القائم على عدم قدرة العقل النظري على معرفة الخالق، لا يمكن أن يكون مقبولًا؛ وذلك إذ عندما يقول الإمام عليهالسلام : «كائن
لا عن حدَث، موجود لا عن عدم، مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة»، فهذا يعني أن العقل والذهن يعلم بهذا المقدار من معرفة الله، حيث يمكن له وصفه على هذا النحو.
وعلى هذا الأساس فإن النقطة التي يمكن التأمّل فيها من أجل رصد جذور تأسيس نظرية تقوم على أساس حيادية العقل تجاه وجود الله، فهي أنه قد يكون السبب الذي أدّى بمبدع هذه النظرية والذين سبقوه طوال التاريخ إلى القول بهذا الاتجاه السلبي، إنما هو الجانب الثاني من معرفة الله (المعرفة التفصيلية)؛ حيث يُعدّ ذلك من زاوية نهج البلاغة خارجًا عن قدرة العقل.
بيان ذلك أنه وأضرابه حيث لم يلتفتوا إلى الفصل والتفكيك بين المعرفة الإجمالية ـ المقبولة ـ والمعرفة التفصيلية ـ المرفوضة لكونها ناشئة عن الوساوس الشيطانية والطبع الحريص .
فقد قالوا بعجز العقل عن إثبات أصل وجود الله؛ وذلك لأن أهمية الالتفات إلى هذا التفصيل بين الأمرين بحيث أن الشخص القائل بإمكان إثبات وجود الله
من طريق العقل، كلما تأمل في كُنه وجود الخالق، حيث لا يؤدّي به إلى غير العجز والهلاك، فقد يوشك إلى أن يتفق مع صاحب النظرية بأن العقل يلتزم الحياد تجاه نفي أو إثبات وجود الله؛ بل وقد يؤدّي هذا التعمّق في ذات اللامتناهي إلى الكفر والإنكار أيضًا، ولكن حيث يخرج من هذه الدائرة الشيطانية ـ المحمود تركها ـ تمامًا، ويدخل في مساحة المعرفة الإجمالية، فإن نظام الخلق وفقره الذاتي، سوف يرشده من تلقائه إلى وجود الموجد.
حتى لكأنه ليس ذاك الذي كان عاجزًا عن إثبات كنه الله؛ لأن أصل وجود الله هو غير مقولة حقيقة الله.
وبعبارة أخرى، بحكم الحديث القائل: «أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع». كما أن الطمع في الأمور المادية ـ من قبيل الأموال والمناصب ـ يحجب نور العقل، كذلك فإن الطمع في الفهم، يؤدّي بالعقل الحريص ـ فيما يتعلق بالفضول المفرط ـ إلى التفريط في قدرته العادية القائمة على قبول أصل وجود الله سبحانه وتعالى، ومن ناحية أخرى يبقي الفرد رازحًا في الحيرة والهلاك.
وعلى هذا الأساس فإن عدم الفصل هذا قد أدّى بصاحب النظرية إلى عدّ ما هو نقطة قوّة في معرفة الله، نقطة ضعف؛ إذ لو كان البناء على الإيمان بوجود الله، فإن طبيعة هذا الأمر تحكم بأن تكون معرفته التفصيلة أبعد من أن تكون في متناول
العقل لكي يكون أهلًا للثناء؛ إذ مهما كان الموجود متصفًا بالقدرة والكمال، إلا أنه بمجرّد أن يدخل في حدود القدرة الاستيعابية للعقل؛ حيث يتعرّض للضعف والمحدودية، فإن عقل الإنسان سوف يشهد بأن هذا الموجود لا يمكن أن يكون إلهًا جديرًا بالعبادة.
كما يمكن تعميم هذا الجانب من التصحيح على وجود العالم الآخر أيضًا؛ بمعنى أن أصل إثبات العالم الآخر لا يستحيل على العقل، ولكن حيث نريد التفكير والتعمّق في كيفيته فسوف يكون ذلك شديد الوطأة على العقل.
ولذلك حتى لو اعتبرنا أن ملكيان يرى أن العقل الآلي ـ الذي يستعمله في سياق إثبات وجود الله ـ بمعنى الإدراك الفطري لوجود الله قابلًا للفهم، ويذهب إلى الاعتقاد قائلًا: «إن الطبع النفسي للإنسان مع وجود الله يكون أكثر استجابة للمطلوبيات النفسية والحصول على الطمأنينة والسكينة».
ولكن حيث أن فهمه هذا لم يقترن بـ «طريق العقل (النظري) وأسلوب التعقل الذي يمثّل الطريق الأوحد لحل المسائل الجوهرية»، فقد أدّى به ذلك إلى الاعتقاد بإمكان إنكار الله من قبل الإنسان المعنوي الذي لم يتمكن ـ على افتراض وجود الله ـ من الوصول إلى ضمان السلامة النفسية، إذا كان «جادًّا وصادقًا» في ذلك بطبيعة الحال؛ وعلى الرغم من أن الذي يمكن له ترميم هذ النقص هو تأكيده على الجدية والصدق عند إنكار وجود الله، إذ من الواضح أن هذا الأمر لن يكون له مصداق في الواقع من وجهة نظر التعاليم الواردة في كتاب نهج البلاغة، بحيث يمكن للإنسان دون أن يتصف بشائبة الهوى أن يقول صادقًا بأنه لم يجد فائدة في وجود الله من حيث ضمان السلامة النفسية، ناهيك عن أن يريد الاعتقاد بصدق بإنكار وجود الخالق.
ومن الجدير ذكره ـ بطبيعة الحال ـ أن الدليل الآخر الذي يمتلكه الإنسان المتدين لاعتقاده ويبعده عن التعبّد من دون دعامة عقلية، هو الإيمان بتأثير من إعجاز القرآن الكريم المقرون بالتحليل العقلي؛ وذلك إذ «أنه على الرغم من العناد الذي
كان يبديه الأعداء والخصوم تجاه القرآن الكريم، فلو كان بمقدورهم أن يتحدّوا القرآن؛ لنزلوا إلى مبارزته من خلال الإتيان بمثله، ولكن حيث رأوا مواجهته بالسيف بدلًا من الحرف، ومعارضته بالسنان بدلًا من البيان هو الحلّ دون سواه، كان عجزهم هذا خير دليل وأعظم حجّة على أحقية القرآن القائمة على الوحي، وخروجه عن متناول قدرة البشر». ويمكن لهذا أن يكون معيارًا للحقيقة إذ نقول بأن الله سبحانه وتعالى قد تجلّى لعباده في كتابه وظهر لهم دون أن يروه.
إن النقطة الأخرى التي يجب أن لا تغيب عن النظر في هذا الشأن، هي أن
الاعتقاد بعجز العقل عن الخوض في الأمور التي يكون العقل حياديًا تجاهها، قد دفع بصاحب هذه النظرية إلى القول بأن الإيمان إنما يُكتب له التحقق ويكون له معنى في الخلأ المعرفي؛ بحيث كأنه لو أمكن إثبات الله بالعقل النظري، لما بقي هناك متسع للإيمان؛ وذلك لاعتقاده: «بأن الإيمان إذا كان من الفضائل الدينية، فيجب أن يكون أمرًا إراديًا؛ وفي هذه الحالة يجب أن يتعلق بقضية لم يقم الدليل القاطع لها أو عليها». ومن هذه الناحية «حيث يقال في النصوص الدينية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا)، ويتمّ الأمر بالإيمان، يتضح أن الإيمان أمر اختياري وإرادي، وإلا لما وقع متعلقًا للأمر». وعلى هذا الأساس «لو أثبتنا بالبرهان الدقيق والدليل القاطع أن مجموع زوايا المثلث تبلغ 180 درجة، هل يكون بمقدورك بعد ذلك أن لا تؤمن بهذه الحقيقة؟».
وعلى هذا الأساس فإنه يعتقد بأن الإيمان لا يحتمل المعرفة النظرية؛ وذلك لأن المسألة إذا كانت قابلة للمعرفة من قبيل القضية الرياضية أعلاه، لن يبقى هناك
مجال للرفض والإنكار؛ في حين أن فضيلة الإيمان إنما تستند إلى قدرة الشخص على الإيمان بقضية مثل وجود الله أو إنكارها باختياره.
هذا في حين أنه ـ بغض النظر عن أن الإيمان الذي تبلور ضمن الخلأ المعرفي وغير المستند إلى دعامة العقل النظري، لن يكون إيمانًا عميقًا ـ ليس هناك ما يحول دون الجمع بين الإيمان والعلم، حتى يروم ملكيان البُعد عن الجمع بين الإيمان (الذي يجب أن يكون اختيارًا) وبين العلم، ويرى من الإشكال أن يكون الشخص عالمًا ولكنه لا يؤمن. والدليل على ذلك هو أننا ندرك أن «العلم منفصل عن الإيمان. فقد يكون الفرد على يقين من شيء، ومع ذلك لا يمتلك إيمانًا قلبيًا والذي هو عبارة عن التسليم والخضوع أمام ذلك الشيء وهو اليقين والاعتراف الرسمي به من صميم القلب. وبعبارة أخرى: إن العلم هو الإدراك القطعي، ولكن يمكن أن تكون له صبغة سطحية، ولا يترسّخ في عمق وجود الإنسان وروحه؛ ولكن عندما يترسّخ في أعماق الروح ويصل إلى مرحلة اليقين، ويصير الإنسان بصدد البناء القلبي عليه والاعتراف به رسميًا، فسوف يكتسب عنوان الإيمان». وعلى هذا الأساس عندما يقول الإمام علي عليهالسلام : «كمال معرفته التصديق به». فإن هذه المعرفة تشير إلى العلم بالله، بيد أن التصديق يُشير إلى الإيمان. ولذلك يُستنبط من قوله تعالى: (وَجَحَدُوا
بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)، وقوله تعالى: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، إمكان الفصل بين الإيمان والعلم، «بمعنى أن العقل النظري لا يرى أيّ مانع يحول دون فهم أن يكون الأمر على حق، بيد أن العقل العملي بسبب الابتلاء بالشهوة أو الغضب وما إلى ذلك من الرذائل يعاني من مشكلة تتعلق بالإيمان بذلك الحق». وهكذا نرى أن إبليس على الرغم من معرفته بالله، بل وحتى علمه بمقام النبي آدم عليهالسلام ، إلا أنه تمرّد على أمر الله سبحانه وتعالى، ولم يؤمن بهذا الأمر علوًّا وعنادًا وتكبرًا.
وفي الختام بالنظر إلى أن هذه النظرية التي تؤكد على الناحية النفسية لدى الأفراد،
ومن ناحية أخرى تعتقد بأن «العالم من الناحية المعرفية والأبستمولوجية لا ينحصر بما تدركه عقول البشر، وأن هناك حقائق في العالم تخرج عن مساحة عقول الناس طولًا وعرضًا»، يبدو أنه يجب من أجل الفهم الأدق لهذه النظرية أن يتمّ الاهتمام بها وملاحظتها من هذه الزاوية؛ وذلك لأن هذه الرؤية النفسية من قبل ملكيان قد أدّت به في موضوع النزعة الاستدلالية إلى اعتبار موارد الاعتقاد الاستدلالي من القلة، بحيث أضعف ذلك من مستوى تقبّله حتى بالنسبة إلى المعتقدات التي هي مستدلة حقًا؛ ولا سيّما أن قضية مثل وجود الله ويوم القيامة التي هي من زاوية
تعدّ من الأمور الغيبية، ومن زاوية أخرى تقتضيها ضرورة الفصل والتفكيك بين معرفة أصل وجودها وبين معرفتها التفصيلية المستحيلة. ومن هنا لا يبعد أن يكون كلام الإمام علي عليهالسلام أدناه ناظرًا إلى الإجابة عن حالة هذا الصنف من الناس؛ إذ يقول: «كل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه، وكل شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه، فليكفكم من العيان السماع، ومن الغيب الخبر».
بالنظر إلى ما تقدّم، نقول: ربما كان بعض المشركين بالإضافة إلى المعاجز التي يجترحها النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا الشأن، كانوا يطالبونه باجتراح معجزات مقترحة من عندهم، بحيث كانوا يطالبون الله بقائمة طويلة وعريضة من التوقعات، فكانوا لذلك يواجهون ردًّا قاطعًا وحازمًا بالنفي من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ إذ أن الدين إنما
يقدّم المعجزات لإثبات تعاليمه، لا أن يفتح «معرضًا للمعجزات»، بحيث تكون مطلوبة لذاتها أو أن تكون من قبيل تلبية مطالب المستمعين.
في ضوءة الملاحظات الحاصلة، يمكن القول: إن معرفة الله ـ التي تمّ اعتبارها في نظرية «العقلانية والمعنوية» مسألة حيادية ـ يبدو أنها قد نشأت من عدم الفصل بين معرفة الله التفصيلية والإجمالية، وقد تمّ التأكيد في الأحاديث على هذا الفصل؛ بحيث أن عدم الفصل هذا بين المعرفتين أدّى به إلى الظن بأن ما يُشكّل نقطة قوّة في معرفة الله بسبب إطلاقه وعدم محدوديته وخروج قدرة العقل عن إدراكه، يُعدّ بوصفه نقطة ضعف معرفة الله. ولذلك من المناسب أن يخضع هذا الاتجاه من النظرية مورد اهتمام أكثر الناقدين، ولا سيّما من حيث البُعد النفسي الذي يتمّ التأكيد عليه في هذه النظرية.