الدين والتقنية
(1)بسم الله الرحمن الرحيم
(2)العتبة العباسية المقدسىة
المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
دراسات دينية معاصرة 16
(3)العتبة العباسية المقدسة
المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
(4)
فهرس المحتويات
(5)وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
قَالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم
(البقرة:31-32)
العلاقة بين الدين والتقنية باتت اليوم من أبرز التحديات المطروحة في حقل الفكر الديني. ولم تعد هذه العلاقة مجرّد مقاربة أخلاقية لمخرجات التقنية، بل أفضت في بعض مستوياتها إلى إعادة تعريف أبعاد التدين وحضور المؤسسات الدينية في المجال الاجتماعي؛ إذ إنّ التقنية تجاوزت في بعض الميادين كونها أداة، لتغدو عنصراً فاعلاً في البنية المعرفية ونظام التفكير، بل وفي أنماط السلوك الإنساني المعاصر.
ومنذ الثورة الصناعية، ولا سيما مع بروز وسائل الإعلام الإلكترونية، أصبحت التقنية عنصراً أساسياً في ميدان العيش الديني. فمن النشر الواسع للنصوص المقدسة والتأليفات الدينية بطبعات مطبوعة، إلى بثّ التعاليم والمراسم الدينية عبر وسائل الإعلام والمنصات الافتراضية، نشهد تحول التقنية من موقع «الأداة» إلى «السياق». ففي العالم الرقمي، لم يعد الإنسان المتدين سالكًا منفصلًا عن التحولات الخارجية، بل يعيش إيمانه ويعبر عنه ضمن الفضاءات الشبكية والافتراضية. ويجعلنا هذا الوضع مضطرين إلى مساءلة العلاقة بين الدين والتقنية لا على مستوى الضرورات الفقهية أو الملاحظات الأخلاقية فحسب، بل على مستوى أعمق، فلسفي ووجودي.
في العالم المعاصر، غيّرت تقنيات الذكاء الاصطناعي، والواقع الافتراضي، والتقنية الحيوية، والمنصات الرقمية، الحدود التقليدية بين الطبيعي والمصطنع،
والمقدّس والدنيوي، بل وبين الإنسان والآلة. وفي ظل هذا المشهد، تصبح العلاقة بين الدين والتقنية قضية فلسفية وأنثروبولوجية وحضارية، لا مجرد مسألة فقهية أو كلامية. لقد أتاح ظهور الفضاء الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي للدين أن يتجاوز حدود الزمان والمكان التقليديين، ليصبح تجربة سيالة، فردانية، تفاعلية وآنية.
وهذا التحول لا يقتصر على مستوى التجربة، بل طال أيضًا عملية إنتاج المعرفة الدينية. فمع انتشار محرّكات البحث، ومنصات الفتوى والسؤال الديني المعتمدة على أنظمة الذكاء الاصطناعي، يجد الأفراد أنفسهم أمام تفسيرات متباينة، ورؤى متعارضة، ومضامين سطحية أحيانًا. ومن جهة أخرى، في ميادين التقنية الحيوية والهندسة الوراثية، ظهرت تساؤلات حول استنساخ الإنسان، وحقيقة الوعي، ومفهوم الروح، وحدود الهوية الفردية والمسؤولية الأخلاقية، وهي تساؤلات تمس جوهر المفاهيم الكلامية والأخلاقية.
وقد جاءت استجابات الفكر الديني لهذه التحولات مزدوجة: فثمة من رأى في الظواهر التقنية المعاصرة أدوات باطلة لا تصلح لميدان المقدّس، وثمة من سعى إلى بناء نماذج واعية وذكية في التعامل مع التقنية، وتحدث عن إمكانية تأسيس نظرية دينية أصيلة بشأن التقنية، أو التساؤل حول إمكانية وجود «تقنية دينية». ومثل هذه النظرية ينبغي أن تستند من جهة إلى الأسس اللاهوتية والفلسفية للدين، ومن جهة أخرى أن تتفاعل بعمق مع التحولات الواقعية للتقنية والمجتمع الراهن.
والكتاب الذي بين يدي القارئ، والذي يضمّ مجموعة من الدراسات العلمية، ويصدر ضمن سلسلة «دراسات دينية معاصرة»، هو محاولة لاستكشاف
(8)آثار التقنية على التدين، وفتح أفقٍ لإعادة التفكير في موقع النظرية الدينية في عالم معيش تكنولوجي. فالدين، بوصفه نظامًا للتفسير وإضفاء المعنى على الوجود والإنسان، مدعو إلى أن يكون حاضرًا بفعالية وقادرًا على الكلام في عالم تتغير ماهيته ووظائفه على نحو متسارع.
وهذه المراجعة لا تعني اختزال الدين في أدوات التقنية، بل هي دعوة إلى أن يطرح الدين، من موقع الوعي والنقد والحضور الحضاري، أسئلة أساسية حول ماهية التقنية ووظائفها وغاياتها؛ وهي أسئلة ما تزال كثير من مدارس فلسفة التقنية عاجزة عن الإجابة عليها.
وسلسلة «دراسات دينية معاصرة»، التي صدر منها حتى الآن خمسة عشر مجلدًا عن هذا المركز، قد أُعدّت بهدف التطرق إلى أبرز التحديات والمسائل التي تواجه الدين والتدين في العالم المعاصر. ومن خلال تناولها لموضوع التقنية، تدخل في عمق أحد أهم النزاعات الفكرية الراهنة. ومن الموضوعات التي سبق أن تناولتها مجلدات هذه السلسلة: الدين والروحانية، الدين والتنمية، الدين والأخلاق، الدين والعلم، الدين والحضارة، الدين والآفات الاجتماعية، الدين والثقافة.
وإنّنا نعرب عن خالص الشكر والتقدير للسادة الباحثين الكرام الذين أسهموا بأبحاثهم في هذه السلسلة. كما نتوجه بالشكر الجزيل لجميع الزملاء الكرام في المركز، وعلى وجه الخصوص لسماحة حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد هاشم الميلاني، رئيس المركز، على ما قدمه من دعم وإرشاد مستمرين، ولسعادة الدكتور محمد حسين كياني، الأمين العلمي لهذه الملف، ولسماحة الأستاذ السيد محمد رضا الطباطبائي، مسؤول وحدة النشر، وزميله
(9)الكريم الدكتور أحمد قطبي.
ونأمل أن تكون هذه السلسلة نافعة وميسّرة للباحثين والمهتمين، وكذلك لصنّاع القرار والعاملين في مجالات العلم والتقنية، سواء في الجوانب النظرية أو التطبيقية، وأن تسهم – ولو يسيرًا – في رُقي الإنسان والمجتمع المعاصر في مدارج التوحيد والإيمان، بمنّه وكرمه، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
السيّد محسن الموسوي
المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية - فرع قم
(10)
التكنولوجيا أو التقنية هي مجموعة من الأساليب، المهارات، الطرق، والعمليات التي تُستخدم في إنتاج الأشياء، الأدوات، والخدمات أو لتحقيق أهداف متنوعة. في الواقع، ظهرت أولى مظاهر التقنية في صناعة الأشياء وإدارة الأدوات التي ساعدت في تسهيل الحياة؛ بدءًا من السيطرة على النار والتحولات في العصر الحجري، وصولًا إلى اختراع العجلة، الطباعة، الكهرباء، وأخيرًا الكمبيوتر، الإنترنت، الذكاء الاصطناعي، تكنولوجيا النانو، والإنجازات الفضائية والجوية.
في العالم المعاصر، ترتبط التقنية ارتباطًا وثيقًا بالتطورات الاقتصادية، التحولات الاجتماعية والسياسية، التنمية الثقافية، والتغيرات في الهوية وأساليب الحياة. فقد أحدثت هذه التقنية ثورة في مجال التواصل، وغيّرت بشكل جذري طبيعة العلاقات الاجتماعية، كما لعبت دورًا محوريًا في إعادة تعريف مفهوم القوة؛ حيث غيّرت بالكامل هيكلة الصراعات والحروب. وبالتالي، فإن التقنية، رغم توفيرها للعديد من الحلول للمشكلات، أوجدت أيضًا تحديات عميقة. على سبيل المثال، جزء كبير من الأزمات البيئية مرتبط مباشرة بالتقنية.
كما أثّرت التقنية بشكل متبادل على الدين والتدين، وطرحت هذه التفاعلات العديد من القضايا البحثية. بعيدًا عن دراسة المفاهيم، النظريات، المناهج، والتيارات الفكرية المرتبطة بالتقنية، يمكن تفصيلًا دراسة العلاقات بين الدين
(11)والتقنية؛ حيث يعود جزء كبير من النقاشات إلى مزايا وعيوب التقنية. بمعنى آخر، رغم أن التقنية وفرت فوائد عديدة للمجال الديني - مثل تسريع عملية نشر الدعوة الدينية وتطوير التفاعل والحوار الديني - إلا أنها حملت أيضًا عيوبًا وتحديات كثيرة، منها ضعف الالتزام، الميل إلى الشمولية، التعامل مع الأمور بمنظور أداتي، وإثارة أزمات الهوية والنفس. ومن بين النتائج السلبية، الاضطرابات البيئية، النزعة الاستهلاكية، انتشار روح الرأسمالية، وإضعاف المعتقدات الدينية، مما يدعم بشكل خاص انتشار نظريات تتعارض مع الرؤى الدينية، مثل أفكار التطور البيولوجي.
في الحقيقة، نظرًا لأن التقنية بطبيعتها لا تعرف حدودًا لانتشارها الشامل، يلعب الدين، وخاصة في شكله الأخلاقي، دورًا أساسيًا في ضبطها ورقابتها. ومن الأمثلة على هذا الدور الفروع العلمية مثل أخلاقيات التقنية الحيوية، أخلاقيات الفضاء السيبراني، أخلاقيات الهندسة الوراثية، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
هذه المجموعة تقدم تمهيدًا نظريًا للتفكير حول علاقة الدين بالتقنية، من خلال تناول عدة أسئلة محورية: ما هي ماهية التقنية وما هي أسسها؟ ما هي الاتجاهات الممكنة للتكنولوجيا؟ ما هي الآثار المترتبة على التقنية، خاصة في المجالات الاجتماعية والثقافية؟ كيف يتم تعريف علاقة الدين بأسلوب الحياة الرقمي؟ ما هي الانتقادات الموجهة إلى طبيعة التقنية ووسائل الاتصال الحديثة، الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الناشئة فيما يسمى بـ»ما بعد الإنسانية»؟ وأخيرًا، ما هو موقف الإسلام تجاه التقنية، وكيف يتعامل المسلمون معها؟
يتضمن هذا العمل مجموعة من المقالات كما يلي:
(12)
1. تصوير المسألة التكنولوجية الهادفة: كان النقاش حول ما إذا كانت التقنية محايدة أو موجهة دائمًا محط جدل بين المؤيدين والمعارضين. تتناول هذه المقالة تحليل توجيه التقنية من منظور المبادئ الأساسية، الاستخدام، اللوازم والاقتضائات، السياق والبيئة، الهيكل النظامي، التأثيرات الجوهرية للصناعات، والنتائج. هنا، لا يُنظر إلى توجيه التقنية كخاصية ذاتية فيها، بل كنتيجة للتفاعل المكثف بين خصائص التقنية والإرادة الجماعية للبشر.
2. دراسة الأسس المفهومية للتكنولوجيا الحديثة وتداعياتها الثقافية / الاجتماعية في ضوء الأخلاق الفلسفية: في هذا المقال، يشرح الكاتب بمنهجية الأخلاق الفلسفية كيف أن التقنية الحديثة، التي تعتمد على مفاهيم دنيوية وتغلب الأهواء النفسية، تؤدي إلى تدمير القيم الأخلاقية والهوية الإنسانية. كما تسهم هذه التقنية على المستوى الاجتماعي في تآكل القيم الإنسانية، فرض السيطرة على الطبيعة والبشر، إضعاف العقلانية، تغيير الإدراك، وتعزيز الاغتراب في ظل متطلبات التقنية. وبهذا الشكل، يسلط المقال الضوء على التناقضات الخفية في الحضارة الغربية.
3. الدين وفلسفة الحياة الرقمية: الفضاء السيبراني ليس مجرد جانب من جوانب التقدم التكنولوجي، بل هو أيضًا نمط خاص من الحياة ورؤية للوجود تعيد تعريف المعنى والتعامل مع مصاعب الحياة. يحاول الكاتب في هذا القسم تحديد عناصر فلسفة الحياة الكامنة في الفضاء السيبراني ومقارنتها مع عناصر فلسفة الحياة في الدين.
4. نقد التكنولوجيات الارتباطية الحديثة في ضوء الآراء النقدية لفينبرغ وعلى أساس نظرية المدركات الاعتبارية: تتناول هذه المقالة دراسة الأفعال التواصلية وتحديد الاحتياجات الاتصالية المتنوعة في الفضاء الرقمي، مع تحليل التحديات الموجودة في ظل نفوذ الهيمنة السياسية-الرأسمالية. بالاستناد إلى رؤية العلامة الطباطبائي، تؤكد المقالة على ضرورة الاهتمام بالرؤية الكونية الإلهية في تحديد الاحتياجات التواصلية، وتقدم حلولًا لتصميم خدمات افتراضية تتماشى مع أسلوب الحياة الإيماني.
5. الأصل في التقنية: دراسة في نقد أبعادها الأنطولوجية: تبحث هذه المقالة في إحدى المحاضرات الأكثر جدلًا لمارتن هايدغر، «السؤال عن التقنية»، وتهدف إلى توضيح الغموض المحيط بمعنى التقنية من وجهة نظره. يناقش الكاتب العلاقة الحرة مع التقنية من خلال تحليل تركيبي يجمع بين الرؤية الأنطولوجية والتاريخية لهايدغر.
6. دراسة التكنولوجيا وأخلاق الإبداع في ضوء بيان عناصر حقل الإنثروبولوجيا الدينية: أصبحت التقنية وتقنية المعلومات جزءًا لا يتجزأ من حياة الإنسان المعاصر، لكن العلاقة بين حقيقة الإنسان وسعادته وكماله النهائي وبين التقنية تبقى مغفلة. يوضح هذا البحث حقيقة الإنسان وعلاقته بالتقنية، مع التركيز على التحديات الأخلاقية والروحية التي أفرزها دخول التقنية إلى حياة البشر.
7. النظريّة النقديّة للتكنولوجيا: تقدم هذه المقالة الأفكار الرئيسية للنظرية النقدية للتقنية، مركزة على التهديدات التي تفرضها التقنوقراطية على الفاعلية الإنسانية. وتُحلل العلاقة بين هذه النظرية ومدرسة فرانكفورت ودراسات العلم والتقنية. يناقش الكاتب المفاهيم الأساسية للنظرية النقدية، تداعياتها السياسية، ودور التدخلات الديمقراطية في مجال التقنية.
8. الدِّين والذكاء الاصطناعي: تتناول هذه المقالة دراسة ادعائين رئيسيين بشأن قدرة الحواسيب على التفكير وتأثير ذلك على المعتقدات الدينية، وتسعى من خلال الرجوع إلى النصوص الدينية لتوضيح الفروقات بين الذكاء الاصطناعي والإنسان.
9. تحليل رؤية استباقية عن نسبة التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية إلى القيَم الأخلاقية: تعرض هذه المقالة منهجية لتحليل أخلاقي للتقنيات الناشئة، مبينة أن تقنيات تعزيز الإنسان تتعارض مع القيم الأخلاقية البشرية، كما تُظهر عدم إمكانية إعادة تصميمها لتتوافق مع هذه القيم.
10. يمكن للإسلام أن يوفّر توجيهًا صحيحًا لتطوير العلم والتكنولوجيا: تتناول هذه المقالة كيفية توجيه العلم والتقنية من منظور الإسلام، مع شرح خمسة أدوار محورية للدين في النشاط العلمي. يوضح الكاتب أن العلم والتقنية يجب أن يُستخدما لفهم الخلق الإلهي وتحقيق السعادة البشرية على المستويين الفردي والاجتماعي.
11. الإله الرقمي والروح الرقمية: أحد تأثيرات التقنية والفضاء السيبراني هو إنشاء نماذج جديدة لفهم الله والمفاهيم الدينية. تحلل هذه المقالة النماذج التي استُلهمت من خصائص الفضاء الافتراضي لتقديم تعريفات جديدة للمفاهيم الدينية، بما في ذلك الله والحياة بعد الموت.
12. الإسلام والمسلمون والتكنولوجيا الحديثة: تناقش هذه المقالة التحديات البيئية الناتجة عن التقنية الحديثة وتهديداتها لصحة الإنسان الروحية والمعنوية، كما تقدم حلولًا للحفاظ على أبعاد الحضارة الإسلامية.
13. نقد روح التقنية: تركز هذه المقالة على العلاقة بين الإنسان والتقنية،
وتسعى، من خلال استكشاف عمق الصراع بين العلوم الغربية والعلم الديني، إلى تقديم حلول لتنظيم هذه العلاقة.
يُقدَّم هذا العمل، الذي يشكّل مقدمة للتأمل العميق في علاقة الدين بالتقنية، إلى القراء الكرام، على أمل أن يكون مفيدًا للأساتذة والباحثين الذين يهتمون بالبحث في هذا المجال. وفي الختام، لا بد من تقديم جزيل الشكر لكل من ساهم في إنجاز هذا العمل، لا سيما كُتّاب المقالات. كما أتوجه بخالص الامتنان إلى جناب حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد هاشم الميلاني، رئيس المركز المحترم، على مساعداته القيّمة وآرائه المفيدة التي ساهمت في دفع المشروع قدمًا. وأعبر عن شكري العميق إلى جناب حجة الإسلام السيد محسن الموسوي على إشرافه النافع وتوجيهاته العلمية السديدة. وأخص بالشكر الدكتور أحمد قطبي والسيد محمد رضا الطباطبائي على تعاونهما المثمر في مختلف مراحل إعداد ونشر المقالات.
محمد حسين كياني
(16)
أحمد شه گلي
إن هذا الموضوع متفرّع عن بيان كيفية التقنية، وعليه سوف نشير أولًا إلى تعريف التقنية في هذا البحث. إن من بين أشهر الاتجاهات في التعريف بالتقنية هو «الاتجاه الآلي». في هذا الاتجاه تعدّ التقنية بمنزلة الآلة أو الوسيلة للوصول إلى هدف عملي. وقد عرّف ياسبرس الفن والتقنية بأنها وسيلة للوصول إلى الغاية والهدف. وفي بعض الآراء يتم تعريف التقنية بتنظيم العلم من أجل الحصول على الأهداف والغايات العملية.
وفي الاتجاهات المتأخرة يتم تعريف التقنية بوصفها مجموعة مؤلفة من العلوم والفنون مع روابط متقابلة ومتناغمة من أجل تحقيق بعض الأهداف. وقد أحصى ماريو بونخيه أحد عشر شاخصًا للتقنية. إذ نحن ـ في ضوء رؤيته ـ
(17)نواجه في المجتمع التكنولوجي: المجتمع التخصصي، والمجتمع الأوسع، وساحة الأشياء الطبيعية، والصناعية، والاجتماعية، والأفق العام أو الفلسفي، والإطار الصوري، والمنطقي، والرياضي، والأرضية التمهيدية الشخصية للمعطيات، والفرضيات، والأساليب، والمسائل، والعلوم، والأهداف، والقيَم. وقد ذهب دوسك إلى الاعتقاد بأن التقنية شبكة معقدة من المخترعين والتقنيين والحرفيين والمستهلكين والبائعين والمسوّقين والوكلاء وما إلى ذلك، حيث يُعبّر عن ذلك بـ «الأنظمة التكنولوجية» الشاملة لبُعدي البرمجيات الصلبة والبرمجيات المرنة. وعلى هذا الأساس فإن التقنية تشتمل على مجموعة من العلوم والفنون والمباني والأهداف والأساليب والآليات والروابط الطبيعية بين الأجزاء، التي تربط مجموعة من المسارات وسلسلة من العمليات والارتباطات ببعضها. وعلى هذا الأساس فإنه لفهم ماهية التقنية تعدّ صفته التنظيمية مهمّة جدًا. كما أن التقنية ـ في ضوء رؤية دوسك ـ تتألف من مجموعة من البرامج الصلبة والبرامج المرنة، والأشخاص المتخصصين بالإضافة إلى المهارات الإنسانية والمؤسسات والشركات المرتبطة بهذا المسار. وقد ورد التأكيد في بعض الاتجاهات على خصيصة السيطرة والهيمنة على المحيط من طريق الأساليب والتجارب والعلوم النظرية والعملية. وعلى هذا الأساس فإن «التكنولوجيا» عبارة عن مجموعة من الأدات الصناعية والروابط المنظمة التي هي حصيلة النشاط الإرادي للإنسان، وهي من الناحية النظرية مسبوقة بالعلوم والفنون، ومن الناحية البنيوية تتألف
(18)من مختلف التشكيلات ذات الأدوار والمهام المحددة والمقرونة بمختلف الأبعاد والآثار المتنوّعة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وما إلى ذلك. وكما يُلاحظ فإنه يتمّ في هذا التعريف لحاظ عناصر البرمجيات الصلبة والبرمجيات المرنة المؤثرة في التكوّن التكنولوجي بوصفها جزءًا من كل «المنظومة التكنولوجية». إن التكوّن التكنولوجي رهن بتبلور التشكيلات والمؤسسات التي وردت الإشارة إليها في بعض التعاريف، وتمّت الغفلة عنها في بعض التعاريف الأخرى.
إن هدفية التقنية الحديثة واحدة من المسائل المهمة في الفلسفة التكنولوجية. يرد هذا السؤال القائل: هل التقنية هادفة أم لا؟ بمعنى هل التقنية ـ بغض النظر عن الاستخدام ـ تشتمل على اللوازم والمقتضيات والثقافة الملازمة، حتى أنها حيثما حضرت فسوف تجلب معها مقتضياتها، أم أن التقنية حيادية وغير منحازة، وإن المستخدمين للتقنية هم الذين يفرضون عليها الاتجاه القيَمي والثقافي الخاص؟ في الجواب عن هذا السؤال هناك اتجاهان رئيسان:
أ ـ إن التقنية ـ طبقًا لبعض الآراء ـ حاملة للثقافة والقيَم الخاصّة، وحيثما سجّلت التقنية حضورها فإنها سوف تملي قيَمها وثقافتها الخاصّة. بناء على أن التقنية كلًا مترابطًا، لا يكون اختيار جزء أو حذف جزء آخر أمرًا ممكنًا. إن التقنية في هذه الرؤية عبارة عن كل «منظم» يحتوي على لوازم لا تقبل الانفكاك. وقد ذهب إلى هذا الاعتقاد معظم المحققين والباحثين في موضوع التقنية، من أمثال: مارتن هايدغر، ودون آيدي، وجاك إلويل، وجوزيف بيت، ونيل بوستمان، وجيري ماندر وغيرهم.
ب ـ هناك من يرى أن التقنية مجرّد وسيلة، ويذهب إلى الاعتقاد بأن التقنية
حيادية وغير منحازة بالنسبة إلى الثقافات والقيَم، وأن المستخدمين للتقنية هم الذين يعملون على توظيفها في الأهداف والغايات الحسنة أو القبيحة. إن كل مصنوع ـ في نظرية حيادية التقنية ـ ليس سوى وسيلة وأداة لا يعمل على تحديد ماهيتها سوى المستخدم الصالح أو الطالح. إن أنصار هذه النظرية لا ينكرون التأثيرات السلبية للتقنية، بل ينسبونها إلى طريقة توظيفها من قبل المستخدمين واستعمالها بشكل خاطئ. إن التقنية ـ في هذه الرؤية ـ تنطوي على ماهية تقوم في المجتمع الإسلامي على خدمة القيَم الأخلاقية وفي الحضارة الغربية على خدمة الأهواء والغرائز والنزوات المنفلتة من القيود الأخلاقية والإلهية. تنتشر هذه الرؤية بين عموم أفراد المجتمع، من أمثال: التقنيين، والحرفيين، وأما فلاسفة التقنية فقلّما يميلون إلى هذا الاتجاه.
إن الرأي الناظر إلى التقنية بوصفها وسيلة لا يحظى إلا بالقليل من الأنصار من بين المحققين الباحثين في حقل التقنية. إن هذا الرأي على الرغم من انتشاره بين العموم، إلا أنه ينطوي على إشكالات أساسية، كما أنه لا ينسجم مع الآثار العينية للتقنية في المجتمع البشري أيضًا. وإن بعض الإشكالات الواردة على هذا الرأي عبارة عن:
أ ـ على الرغم من اشتمال التقنية على حيثية آلية؛ لأن الأداة والآلة وسيلة تسهّل الوصول إلى الهدف والغاية، وإن هذه الخصوصية بدورها موجودة في
(20)التقنية أيضًا، ولكنها لا تمثّل الحقيقة الكاملة للتقنية. إن القول بأن التقنية وسيلة إنما يرتبط بمستوى من التقنية، ومن خلال التأمّل العميق في سطوح وأبعاد التقنية، نلتفت إلى ظهور بُعد آخر من التقنية؛ بمعنى لوازمه ومقتضياته بالنسبة إلى الإنسان. إن الاتجاه الآلي إلى التقنية ينسب حكم الصناعات البسيطة والأولية إلى التكنولوجيات المعقدة وما فوق الحديثة والمتطوّرة. إن التقنية في هذه الرؤية من قبيل الأدوات البسيطة مثل السكين التي يكون حسنها أو قبحها تابعًا لفعل مستخدمها بشكل كامل. وذلك لأن التقنية شبكة طبيعية ومنظمة. وإن خفض هذه الشبكة المعقدة والواسعة إلى آلة وأداة بسيطة مثل السكين يعدّ نوعًا من الاختزال الذي يحول بيننا وبين إدراك حقيقة التقنية. إن فهم حقيقة التقنية يتوقف على الفهم التنظيمي للتقنية المنظمة. في النظام لا تكون الأجزاء منفكّة عن بعضها، بل هي مجموعة من العناصر المترابطة حيث يؤدّي التغيير والتحوّل في هذه الشبكة إلى التغيير والتحوّل في كل المنظومة. إن التقنية بمنزلة النظام البيئي الذي يكون فهمه وإدراكه رهنًا بالفهم المجموعي والشبكي للمنظومة. إن التقنية تشتمل على الأصول والمباني والأجزاء والتوابع والآثار. إن الماكنات ليست مجرّد ماكنات، بل هي مسارات صناعية معقدة من العلوم والفنون والصانعين والمستهلكين والمهام والمصافي والمصانع والمعامل، ويشتمل على جميع الأمور المرتبطة بإيجاد تلك الماكنات. وعلى هذا الأساس فإن أحد الإشكالات الأساسية لهذه الرؤية عبارة عن مقارنة وتشبيه التقنية بالأدوات البسيطة والابتدائية من قبيل السكين، وعدم التمييز والتفريق بين هذين الأمرين في البنية والتركيبة والآثار والعوارض وما إلى ذلك. وقد كتب بعض المحققين في هذا الشأن:
(21)«ما دام لدينا عن التقنية تصور السكين والمطرقة البسيطة، وما دمنا نعتبر صفتهما وسمتهما هي الخدمة، وما دمنا لم نصل إلى تحوّل شخصية الإنسان في التناسب مع التحوّلات التقنية للمعرفة، سوف نبقى نتكلم عن فضائلها وفوائدها، وسوف نتبجّح بفرق الحياة ذات الكهرباء والطائرات والبنسلين والسرعة المعاصرة عن الحياة القديمة التي تنعدم فيها الكهرباء ويغيب عنها النور والدواء والتي تعاني من البطء، ونبقى متشبثين بحلقة الظواهر».
ب ـ إن التقنية كل مترابط، حيث يستدعي كل واحد من أجزائها ذلك الجزء الآخر، وتؤدّي بمجموعها إلى إيجاد ذلك النظام الخاص مع الأحكام والمناسبات الجديدة. وكذلك في التقنية لا يمكن تسرية حكم نموذج من النظام التكنولوجي على مجموع ذلك النظام، وذلك لأن كل هذه المجموعة ليس له هوية غير هوية الأجزاء، وإن زيادة الأدوات والمعدات الجديدة تستوجب علاقات وروابط جديدة. إن ظهور الأبحاث الفلسفية والاجتماعية حول التقنية يعزز هذه النظرية القائلة بأن التقنية تكتسب ـ مثل المجتمع ـ بفعل التطوّر والتكامل هوية مستقلة وأحكامًا وأوصافًا خاصة.
ج ـ لقد تمّت الغفلة في هذا الرأي عن لوازم ومقتضيات التقنية. عندما تسجّل التقنية حضورًا في موضع ما، فإنها سوف تأتي بمقتضياتها ولوازمها معها. إن التقنية بهذه التشكيلة المنظمة لا يمكن أن تكون خالية من المقتضيات واللوازم التي لا يمكن اجتنابها. إن مقارنة اختلاف أسلوب حياة الإنسان المستفيد من التقنية، والإنسان التقليدي الذي يفتقر إلى التقنية الحديثة شاهد على تماهي التقنية مع اللوازم والمقتضيات. إن الإنسان الحديث يمتلك سلسلة من
الثقافات والاحتياجات والاختلافات السلوكية والتنظيمية، وفي مستوى أعمق في الرؤية والاتجاه نحو العالم والمجتمع، حيث كان الإنسان التقليدي مفتقرًا إليها في المجتمع القديم. وكذلك من خلال التأمل في الحضور التكنولوجي في بعض المناطق نشاهد بوضوح زوال الثقافة وطريقة الحياة السابقة، وظهور أسلوب وثقافة جديدة متناسبة مع النظام التكنولوجي.
إن التقنية ـ في ضوء الرأي المختار ـ ليست حيادية، بل هي تحتوي على ثقافة وعلى قيمة خاصّة. إن الإنسان في مواجهة التقنية يكتسب حالة مستجدة ويتحلى بأوصاف وأخلاق جديدة لم يكن متصفًا بها قبل أن يتعاطى مع النظام التكنولوجي. ومن ناحية أخرى فإن التقنية ليس لها ذات؛ إذ لو كان للتقنية ذات، لما كان للناس إرادة واختيار في مواجهتها، بحيث لا يكون الإنسان مختارًا في المواجهة مع التقنية. وعلى هذا الأساس فإن تصوّر الذاتية التكنولوجية سوف يؤدّي إلى نوع من الجبر؛ في حين أن نسبة التقنية إلى الإنسان وكذلك الشواهد التجريبية لا تنسجم مع هذا الموضوع. إن الشواهد التجريبية تحكي عن انعطافة ومرونة تكنولوجية في بعض المستويات والمهام في المواجهة مع الإنسان. وكما نرى فإن التقنية لم يكن لها تأثير بنفس النسبة في جميع الثقافات والبلدان والمدن. فقد تأثرت البلدان والثقافات المختلفة بالتقنية بدرجات متفاوتة. هناك بين الرأي القائل بالذاتية والرأي القائل بالحيادية، يوجد هناك «رأي اقتضائي» هو الرأي المختار بالنسبة إلى كاتب السطور. إن التقنية ـ طبقًا لهذا الرأي ـ تقتضي وتلازم سلسلة من الأمور التي يكون لها تجليات مختلفة في مواجهة مختلف الأفراد والقوميات والثقافات. عندما يُقال بأن التقنية هادفة، فإن هدفية التقنية هنا إنما
(23)
تكون هي الصفة الغالبة لهذا النظام، وإنما يمكن القول بأن التقنية «غالبًا» ما تحمل معها هذا النوع من الأوصاف. وبعبارة أخرى: إن النظام التكنولوجي يحتوي على بنية هادفة على نحو غالب. عندما تسجل التقنية حضورها في الحياة الإنسانية فإنها سوف تشتمل على لوازم ومقتضيات تعمل على إيجاد أحوال وأوصاف جديدة في الإنسان. إن هذا الاقتران الغالبي يكون باللحاظ الزمني والفردي؛ بمعنى أن الأمر إنما يكون كذلك بالنسبة إلى أكثر الأفراد وفي أغلب الأزمنة، وذلك لأن الأشخاص يمتلكون سلسلة من المشتركات الروحية والنفسية، بحيث يقومون عادة بسلوك واحد في الأوضاع المشابهة. إن الناس يمتلكون طبائع وغرائز وفطرة ومنظومة إدراكية متشابهة. إن وجود هذه الأمور يؤدّي إلى صدور أفعال متماثلة في الحالات المشابهة. يقول الفلاسفة المسلمون من أمثال ابن سينا وصدر المتألهين في بحث موقع الناس في عالم الآخرة: كما ينقسم الناس من الناحية الجسدية إلى ثلاثة أقسام، وهي: أ ـ الأشخاص الذين يتمتعون بالكمال الجمالي والصحي. ب ـ الأشخاص الذين يحصلون على الحد المتوسط من الكمال. ج ـ الأشخاص الذين يعانون من منتهى القبح وأنواع المرض، فإن أحوال الناس في الآخرة كذلك أيضًا. بمعنى أن بعض الأشخاص سوف يكون في منتهى السعادة، وبعضهم في منتهى الشقاء، وبعضهم في برزخ متوسط بين هاتين الحالتين. ويمكن لنا قول شيء مماثل في بحث إرادة الأشخاص ومقارنة الحدّ الأقصى أيضًا. فكما أن الإرادات الحديدية التي لا تنثني بين أفراد البشر قليلة، فإن الأشخاص الذين يفتقرون إلى الإرادة بين أفراد البشر قليلون أيضًا، وإن الصفة الغالبة بين أفراد البشر عبارة عن امتلاكهم للإرادة المتوسطة بين
التقنية انفعالًا أقل، وإن الإنسان الذي يمتلك إرادة ضعيفة يبدي تأثرًا أكبر بهذه الخصوصية التكنولوجية، وأما تأثر الأشخاص الذين يمتلكون إرادة متوسطة فهو رهن بالأرضية والعناصر والظروف الإنسانية وغير الإنسانية المختلفة؛ وعلى هذا الأساس فإن مسألة هدفية التقنية مسألة تشكيكية، وليست تابعة للمنطق الصفري أو المئوي. إن الناس يمتلكون خصائص روحية ونفسية وميول وقدرات وأذواق وعلاقات مختلفة. ومن ناحية أخرى فإن الناس يكونون في مختلف الظروف الاجتماعية والموقعيات الخارجية والأوضاع المتفاوتة؛ وبالتالي فإنه مع تغيّر واختلاف هذه العلل والعوامل والأرضيات ـ التي يخرج بعضها عن زاوية رؤية الإنسان ـ سوف تتغيّر ردود الأفعال بنفس النسبة أيضًا.
بعد بيان هذا الموضوع وهو أن التقنية هادفة، يرد هذا السؤال القائل: ما هي الناحية التي تجعل التقنية هادفة؟ إن لهدفية التقنية أبعادًا متفاوتة، وسوف نشير فيما يلي إلى بعضها.
إن مبادئ الصنعة تشمل المراحل النظرية للصنعة وصولًا إلى تحققها العيني. إن الصنائع تنشأ من نشاط القوى الإدراكية (القوّة العاقلة، والواهمة، والمتخيّلة، والخيال)، والقوى التحريكية (عبارة عن الشوق والإرادة والقوّة الفاعلة). وعلى هذا الأساس يقوم العقل النظري (الكلي) من طريق العقل العملي (الجزئي) بصنع وصياغة الصنائع. لو كان العلم نظريًا صرفًا لن يكتب له التحقق عمليًا، ومن هنا فإن الصناعات في تحققها العيني بحاجة إلى العقل العملي؛ وعلى هذا
الأساس فإن استنباط الصنائع الإنسانية يرتبط بالعقل العملي. إن العقل العملي يبحث من خلال توظيف القوّة المتخيلة بتجزئة وتركيب الصوَر والمعاني من أجل استنباط الصنائع الإنسانية. ومن بين القوى الإدراكية تلعب «القوّة المتخيلة» دورًا أساسيًا في الصناعة، وإن القيام بالنشاطات الصناعية وبناء الصنائع يقع على كاهل هذه القوة. إن القوّة الواهمة تضع صورة من النشاط الذي تقوم به القوّة المتخيّلة تحت تصرّف قوّة الخيال، وبعد استقرار الصوَر في قوّة الخيال، تتوفّر الأرضية لنشط القوّة الشوقية. وبعد تحقق الشوق والإرادة لدى الإنسان إلى القيام بالمصنوعات وبلوغ الإرادة إلى مرحلتها الأخيرة، يتمّ توظيف القوّة الفاعلة المنبثّة في عضلات الجسم من أجل القيام بالصنائع. إن لكل واحدة من القوى الإدراكية للإنسان ـ ونعني بها القوّة العاقلة والواهمة والمتخيّلة والقوّة الشوقية ـ نشاط خاص من التعامل الوثيق فيما بينها. وقد تندحر القوّة العاقلة أحيانًا بواسطة القوى الواهمة والشهوية والغضبية. إذا كانت القوّة العاقلة محكومة للقوى الدنيا، فإن الصنعة والفعل بدورهما سوف يكونان تابعين للأغراض الخيالية والوهمية والشهوية الغضبية. في هذه الحالة تكون القوّة العاقلة تابعة ومحكومة، وإن القوى الإدراكية للإنسان تتأثر بالعوامل والعناصر غير المعرفية من قبيل: روحيات الفرد وأخلاقياته، ويؤدّي ذلك بالصنائع والتقنيات إلى أن تتأثر بروحيات وأخلاقيات الأفراد في الحدوث والبقاء. إن بعض الصنائع والتكنولوجيات هي نتيجة الطبيعة العنيفة والقاسية للإنسان. وإن صناعة أسلحة الدمار الشامل تعد مثالًا بارزًا لهذا النوع من الصناعات. إن أسلحة الدمار الشامل تؤدّي بالتحديد إلى قتل الناس وتدمير البيئة، ولا
يمكن أن يقال بشأنها إن الأداء السلبي والإيجابي لها تابع لاستفادة المستخدم فقط. فإنه بلحاظ الحقائق الخارجية تمّ استخدام هذا النوع من الأسلحة في جميع الحروب ولا سيّما منها الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، وبالإضافة إلى الجيوش قضت على مجموعات كبيرة من المدنيين، كما تعرّضت البيئة للتدمير بسبب إنتاج هذا النوع من الأسلحة ونتج عن ذلك العديد من الأزمات. إن القنبلة الذرية بوصفها تكنولوجية هادفة في الاتجاه السلبي، وليدة القوة الغضبية للإنسان، حيث يتمّ توظيفها من أجل تحقيق الأغراض النفسية والحصول على المنافع المادية.
إن رؤية الإنسان إلى العالم، وطريقة تعامله مع العالم وكيفية تعاطيه معه، تقوم على الرؤية الكونية والفلسفية. إن هذه الرؤية الفلسفية الواعية أو غير الواعية، تترك تأثيرها في تصرّفات الإنسان ويكون لها دور بنّاء في توجيه الصناعات. عندما يقوم الإنسان بالتصرّف في العالم، تكمن هناك رؤية كونية خاصة وراء تصرّفاته، حيث تدفعه إلى ممارسة النشاط العملي. إن كل نوع من أنواع التكنولوجيات بجميع أقسامها المختلفة من الفلسفات، حيث كان ظهور تلك التكنولوجيات في وعاء الفلسفة والرؤية الكونية. في الرؤية التي ترى أن الهدف والغاية من العيش في العالم هي مجرّد الحصول على الملذات المادية والوصول إلى السلطة والمزيد من الثروة، سوف تتبلور تكنولوجيات خاصّة، وإن هذه التكنولوجيات تختلف عن ذلك التفكير الذي يذهب إلى الاعتقاد بأن الحياة في الدنيا مقدمة ووسيلة من أجل الوصول إلى الحياة في الآخرة، وإن الطبيعة الموجودة شاعرة وهي مظهر من مظاهر الأسماء والصفات الإلهية، حيث لا يمكن للإنسان أن يتصرّف
فيها كما يشاء. وفي هذا البين تكون العلوم والفلسفات الحديثة مؤثرة في جعل التكنولوجيات هادفة. إن العلم الحديث بلحاظ المباني والفرضيات مؤثر في هدفية التقنية، وهو يحتوي ـ على الرغم من إنكار الوضعيين ـ على الفرضيات غير التجريبية. في الرؤية التكتيكية الحديثة تنحصر المعرفة في الأمور الحسية، ويتم نبذ العناصر غير الحسية وما وراء الحسية. ونتيجة هذا الاتجاه عبارة عن أصالة الأساليب الكميّة وسيادة التفكير الكمّي على العلم والتقنية ونوع من الانحصار الأسلوبي بالنسبة إلى سائر الأساليب الأخرى. وعلى هذا الأساس يتعيّن على سائر الأساليب أن تعمل على التعريف بموجوديتها في هامش الأسلوب التقني الحديث. إن العالم في هذا الاتجاه يتمّ النظر إليه بوصفه ماكنة فاقدة للحياة والشعور والوعي، وبذلك تكون لأجزاء العالم مجرّد علاقة ميكانيكية فيما بينها. إن هذا التفكير إنما هو حصيلة تفكير أشخاص من أمثال: غاليلو، وفرانسيس بيكون، ورينيه ديكارت، وإسحاق نيوتن. إن العالم ـ في ضوء رؤية ديفد هيوم ـ عبارة عن ماكنة عملاقة تتألف من ماكنات صغيرة. إن هذا الفهم للطبيعة قد تمّ توظيفه بشكل يدعو إلى الثناء من أجل مقاصد العلم الحديث، وإن كل مفكر
له وزنه في منتصف القرن السابع عشر كان يؤمن بثنائية الجسم والروح دون تردد. لقد أدى هذا التفكير إلى إيجاد آثار سيئة في مختلف الأبعاد المعرفية وغير المعرفية في الحضارة الغربية، وشيئًا فشيئًا تم اعتبار جسم الإنسان مفتقرًا ـ مثل الماكنة ـ لجميع أنواع الإدراك والمشاعر. إن التقنية الحديثة لا تقوم في بنيتها على أساس المعنوية والأخلاق، وإن ضمّ الأمور المعنوية وإلحاقها بها يكون على نحو عرضي. بالنظر إلى أن التقنية لا تدعم أيّ حكم أخلاقي، فإنها لا تتحمّل التوقف لأسباب أخلاقية. إن بيان الحكم الحسَن أو القبيح ضد العمل الذي يُعد ضروريًا من الناحية التكنولوجية، يكون فارغًا من المحتوى والمضمون تمامًا. إن التقنية لا يكتب لها الوجود من مجرى الأخلاق أبدًا، بل ولا تعدّ في مرحلتنا وعصرنا حكمًا أخلاقيًا معتبرًا، إلا إذا أمكن أن تدخل في النظام التكنولوجي وأن تتماهى معه. إن هذه الصفة في العلم والتقنية الناشئة من تأصيل الأساليب الكميّة والتحويلية هي التي تؤدّي إلى إفراغ ذينك الأمرين من الأمور الإلهية. قال جاك إلويل بشأن انفصال التقنية عن الأخلاقي والقيَم:
«إن التقنية لا تتطوّر بحسب الأهداف والتطلعات الأخلاقية، ولا هي بصدد تحقيق القيَم، ولا هي ناظرة إلى الفضيلة أو الأمور الخيرية. إن التقنية لا تطيق أيّ حكم أخلاقي. وإن التقني لا يتحمّل إقحام الأخلاق عند ممارسته لعمله. وإنما يجب لعمله أن يكون متحررًا من جميع القيود. ويبدو من البديهي أن الباحث لا ينبغي له أن يأخذ مسألة الخير والشر بنظر الاعتبار مطلقًا».
(30)وعلى هذا الأساس فإنه في الرؤية العامة والكلية يتبلور كل نوع من أنواع الصناعة على أساس سلسلة من الفرضيات والمباني غير التجريبية. وعلى هذا الأساس فإن التقنية الحديثة بدورها تعدّ بوصفها تعيّنًا خاصًا للتقنية القائمة على «المباني»، وعلى «الرؤية الكونية العلمية»، وعلى «العالم الحديث».
إن لكل بضاعة غايتها الخاصة التي صنعت من أجلها، ويتمّ توظيفها من قبل المستخدم في تلك الغاية. إن الغاية التي صنعت من أجلها السيارة غير الغاية التي صنعت من أجلها الطائرة، وغاية هاتين الوسيلتين تختلف عن الغاية التي صنع من أجلها جهاز الكامبيوتر؛ ومن هذه الناحية يضطرّ المستخدم إلى يكون تابعًا للغاية الذاتية لكل واحد من هذه الأجهزة. إن هذا الاستخدام يرتبط بذات التقنيات التي يقتضي تعيّنها الخاص توظيفًا واستعمالًا خاصًا. كما أن استعمال الصناعات المتعددة الغايات بدوره يصبّ في إطار تلك الأهداف والغايات المحدّدة التي تمّ تضمينها فيها من قبل الصناعة. إن الاستعمال الخاص للصناعات تابع لمختلف مستويات الأهداف التي ينشدها الصانع الإنساني في صناعته لها. إن الإنسان إنما يصنع البضائغ لغرض خاص، وإن هذا الغرض من الصانع يُضفي تعيّنًا خاصًا على الصناعة بحيث يجعل المستخدم تابعًا لها. إن كل بضاعة منذ ظهورها وإلى توظيفها واستخدامها تكون مسبوقة بالأهداف على مختلف المستويات. وكلما كانت التقنية أكثر تطوّرًا، كان توظيف تلك الأهداف والغايات الإنسانية فيها أكثر وأشدّ عمقًا. وبذلك تكون بعض مستويات الغايات والأغراض مؤثرة في تعيين توظيف الصناعة واستعمالها، ويؤدّي ذلك إلى أن يكون استعمال الصناعات في جهات خاصة، وأن لا يتمكن الإنسان بأيّ حال من أن تكون له مواجهة عملية معها.
إن التقنية بسبب اتساع رقعتها وبسبب تعقيدها الشامل، بالإضافة إلى جميع الشؤون الإنسانية (من قبيل: الشؤون الدينية والأخلاقية والثقافية والاقتصادية والسياسية والعمرانية وما إلى ذلك)، تقيم نسبة جديدة وتؤدّي إلى إيجاد وضع جديد، وتكون منشأ لتبلور ثقافات وسلوكيات ونشاطات مختلفة. إن هذه الخصوصية ترتبط بلوازم التقنية ومقتضياتها، وإنها حيثما سجّلت حضورها تكون في الأعم الأغلب مقرونة ومتلازمة مع هذه الأوصاف. إن السيارة بوصفها بضاعة تكنولوجية تأتي بمقتضياتها معها. من ذلك أن مسألة الاختناقات المرورية، وتلوّث البيئة، وظهور المصافي، والصناعات، والمؤسسات، والتشكيلات الإدارية، وفرص العمل الجديدة، وورشات التصليح، والعلوم والفنون ذات الصلة بالسيارات، ومسألة الطرق والمواصلات، والقوانين المرورية الخاصة بالسيارات، وإيجاد محطات ومواقف السيارات، ومحطات تعبئة الوقود، وما إلى ذلك من الأمور الأخرى، تعدّ بأجمعها من مستلزمات ومقتضيات صناعة السيارات. وكل واحد من هذه الأمور يستدعي طيفًا واسعًا من التشكيلات. يقول بوستمان في هذا الشأن:
«إن التقنية ثقافة لها أوضاعها وشرائطها الخاصة، وهي تحتوي على الخصائص والصفات الخاصّة بها، وفي الوقت نفسه تحظى بروح ونفسية معيّنة ... وبالتالي فإن هذه الثقافة تحصل على قوانينها من التقنية. وفي إطار تحقق هذا الأمر يجب العمل على بناء نظام اجتماعي آخر».
وعلى هذا الأساس حيثما ظهرت التقنية فإنها سوف تستتبع ـ على نحو اللزوم ـ ظهور بعض المهارات والعلوم والأساليب والمؤسسات والتنظيمات
الإدارية، لكي تتمكن التقنية من بقائها واستمرارها. إن تلك المهارات والعلوم والمؤسسات تستتبع لوازم وأجزاء أخرى، وإن هذه السلسلة الطويلة من اللوازم والتوابع تستمرّ على نحو متسلسل، وبعد دخولها إلى كل منطقة، تنتقل أجزاؤها بدورها إلى تلك المنطقة أيضًا.
إن من بين اللوازم والمقتضيات الأخرى للتقنية عبارة عن إيجاد الحواضن والأرضيات. إن المراد من هذا المصطلح هو أن أسلوب الحياة التكنولوجية يوفّر أرضية خاصّة لظهور الثقافة وآداب وأسلوب الحياة. إن النظام التكنولوجي يشتمل على علاقات وروابط اجتماعية معقدة، وصلات وثيقة بين الأجزاء، بالإضافة إلى تنظيمها واتحادها وانسجامها الملغز، وشموليتها ومرونتها وتغيّرها المستمر، وسيادة الرأسمالية، والإنتاج المتراكم. إن هذا النظام بهذه الأوصاف يستتبع إيجاد أرضيات ثقافية وقيَميّة وأخلاقية خاصّة، وبذلك تكون المؤسسات الاجتماعية والعامّة من قبيل: التعليم والتربية والثقافة والعمران والفن، تابعة لحواضن وأرضيات تعمل على توفيرها وإيجادها بنفسها. إن جاذبيات العالم التكنولوجي تعمل على توجيه المستخدم إلى الاختيار في هذا المسار.و إن ذات حرية الإنسان في انتخاب خيار من بين مختلف الخيارات، يحتوي على أخلاق خاصّة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن التقنية إنما تعمل في الغالب على توجيه أسلوب حياة البشر نحو الأمور الرسمية والصورية، لأن أرضية الألفة في هذا الأسلوب من الحياة قليلة. إن الأشخاص في هذا النظام لا يبدون إلا المستوى
الأدنى من الألفة والحميمية. في النظام التكنولوجي تتسع أرضيات الفساد والطغيان. إن الإنسان في المجتمع الحديث يقف أمام سيل عارم من المزالق الأخلاقية والدينية، حيث يؤدّي وقوع الناس (من النوع المتوسط غالبًا) إلى أن يكونوا عرضة لما لا يُحصى من أرضيات الزلل والانحراف، ليكون سببًا في اتساع هذه الأمور.
إن التكنولوجيات ليست مستقلة ولا هي منفكة عن بعضها، بل إن الإدراك الدقيق للماهية التكنولوجية إنما يحصل من خلال ملاحظة نسبتها إلى بعضها على نحو «تنظيمي». إن لكل تقنية مهمتها الخاصة، وفي نسبة التقنيات إلى بعضها تظهر آثار جديدة غير الآثار المترتبة على آحادها على انفراد. وعلى هذا الأساس فإن النظام التكنولوجي يكون شبيهًا بـ «النظام البيئي». ففي النظام البيئي يكون لكل واحد من الأشياء والكائنات خاصية، وفي الدورة التعاملية فيما بينها تسود خاصية جديدة وتهيمن على النظام البيئي. ومن ناحية أخرى فإن النظام التكنولوجي شبيه بالحروف والأرقام. إذ أن لكل واحد من الحروف والأرقام لوحده آلية وخاصية معيّنة، وفي حالة تركيبها وضمّها إلى بعضها، تظهر خاصية ويتبلور أثر جديد بين الحروف والأعداد. إن سبب ظهور الخاصية الجديدة في النظام التكنولوجي هو أن التقنيات بفعل روابطها وعلاقاتها ببعضها وبالإنسان والعالم، تكتسب حكمًا وهوية جديدة تمتاز من وجود آحادها على انفراد. وفي الأساس فإن خاصية التركيبات عبارة عن الروابط والمناسبات في المستويات المعقدة لظهور الأثر، وإن الوضع الجديد إنما يعود إلى هذه المناسبات المتعددة للأشياء فيما بينها. وحيث تقع هذه المناسبات والروابط في مواجهة الإنسان
فإنها تعمل على إيجاد عمق وآثار أخرى تختلف عن الآثار الداخلية الحاصلة من الارتباط بين التقنيات. إن هذه الخصيصة في النظام التكنولوجي تُسمّى بخاصية «الكل المجموعي التنظيمي». إن «الكل المجموعي التنظيمي» شبكة متسلسلة من الأجزاء والعناصر والمناسبات الواسعة، والعلاقات الطبيعية ببعضها في إطار تحقيق هدف خاص. ولهذا السبب تكون هذه المنظومة بالنظر إلى جميع هذه المناسبات والعلاقات المعقدة والواسعة منظومة هادفة. وكلما اتسعت رقعة هذه البنية، فسوف تتسع هدفيتها في إطار تلك الخصائص أيضًا.
إن الهدفية بلحاظ «الأثر التكويني للصنائع» واحدة من الأبعاد الأخرى للهدفية. إن الأثر التكويني له آثار وضعية تترتب على «الفعل التصنيعي» للإنسان في العالم. إن «الفعل التصنيعي» تركيب يوجد من الفعل الإنساني والصناعي. إن لكل واحد من هذين الفعلين (الفعل الإنساني والصناعة التي يتمّ إيجادها) أثر تكويني في العالم. إن الأفعال الصناعية للإنسان من حيث الفعل الإنساني والصنعة مسبوقة بسلسلة من الأرضيات والحواضن، تكون هذه الأرضيات مختلفة بحسب الشرف والخسّة التكوينية لأرضية تبلور القنوات على أساس الموازين التشريعية والحسن والقبح الفاعلي، وتظهر على هذا الأساس آثار تكويني ووضعية خاصّة على أساس اختلاف الحواضن. إن الأثر التكويني للصنائع قد يخفى عن رؤية الإنسان، ولا يمكن من الناحية الاجتماعية إصدار أحكام قيَمية في هذه الموارد، بل يدور البحث حول الحيثية الوضعية للصنائع. إن الكرسي والطاولة اللذان يكتب لهما التحقق ويصلان إلى مرحلة الفعلية من الطرق غير الشرعية ومن طريق المعاملات الاقتصادية الباطلة أو من طريق
الظلم والإجحاف؛ فحيث تكون قنوات ظهور هذه الأشياء غير صحيحة، فإنه بالإضافة إلى اتصاف فعل الإنسان بالقبح الفاعلي، فسوف يوجد من الناحية التكوينية والوضعية أثر لهذا العمل الإنساني السيئ في الصناعة أيضًا.
إن الطرف الآخر من هذا الانكشاف عن العالم، عبارة عن القنوات التي تنفتح للصالحين. في هذه الطريقة من انكشاف الأشياء بواسطة القنوات الشريفة يتحقق ظهور حقيقي، وينعكس منها أثر على المصنوع أيضًا. إن هذه الأرضيات يمكن لها بحسب الشرف والخسّة التكوينية للأرضية وتبلور القنوات على أساس الأحكام والتعاليم التشريعية، والحسن والقبح الفاعلي وما إلى ذلك، أن تكون مؤثرة في ماهية الصناعة الإنسانية. بحسب المباني المقبولة في الحكمة الإسلامية والعلاقة بين عالم الظاهر وعالم الغيب، لا يكون تأثير الأشياء مجرّد تأثير ظاهري فحسب، بل توجد هناك تأثيرات باطنية وما فوق حسية في العالم أيضًا. نحن لا نصدر أحكامًا قيَميّة بحسب الظاهر حول الحيثية التكوينية، بمعنى أننا لا نقول إن هذه الطاولة سيئة أو حسنة. وإن الإنسان بدوره ليس مأمورًا بالتكليف بشأن هذه الأمور.
إن لكل تكنولوجيا ابتداء من مرحة ظهورها إلى تطوراتها المختلفة على طول الزمن مراحل مختلفة. فابتداء من مرحلة الظهور والإنتاج والتوزيع والاستهلاك وصولًا إلى المسار النزولي للتحول إلى الطبيعة هناك مراحل متسلسلة، حيث تعمل في كل مرحلة على إيجاد آثار خاصة بالنسبة إلى الطبيعة والإنسان. لو لاحظنا الحجم الكبير للتكنولوجيات الحديثة بالقياس إلى مختلف أبعادها، فسوف يوجد تأثير عظيم للآثار والنتائج بالنسبة إلى الطبيعة والإنسان من
الناحية التكنولوجية. إن هذه الآثار والنتائج من حيث المساحة وتنوّع الأبعاد الإنسانية مشهودة في الثقافة وفي التربية والتعليم والعمران والسكن وأسلوب الحياة والصحة والسلامة والسياسة والحكم والاقتصاد والمناسك الدينية. ليست جميع هذه الآثار سلبية بالضرورة؛ وإنما بعض الآثار إيجابية وبعضها الآخر يعدّ من الآثار السلبية للتقنية. إن المنشود هنا هو توجيه الأنظار إلى هدفية التقنية من حيث آثارها ونتائجها. إن هذه الآثار ترتبط بذات التقنية بغض النظر عن المستخدم. إن كل تقنية هي بمنزلة الشجرة التي تقيم بعد وجودها نسبة مع الإنسان والعالم. وإن لكل من الوسيلة الإعلامية والطائرة آثارها الخاصة. إن التقنية في المواجهة مع الإنسان في البعدين الجسدي والروحي والأبعاد الإنسانية الواسعة ـ من قبيل: القوى والملَكات والفطريات والحالات النفسانية ـ تحمل معها آثارًا ونتائج خاصة. من ذلك أنه بسبب تحول الحياة إلى صناعية ـ على سبيل المثال ـ صارت المساحة الجسدية والنفسية للإنسان عرضة للكثر من الأمراض الروحية والجسدية. وهذا الجزء من الآثار السيئة للتقنية المرتبطة بذات النظام التكنولوجي.
من الضروري الالتفات إلى هذه النقاط في مورد هدفية التقنية:
أولًا: إن المراد من الهدفية هنا ليس مجرّد الأمور السلبية فقط، بل هو الأعم منها، فهو يشمل الأمور الإيجابية أيضًا.
ثانيًا: إن الموارد التي ورد ذكر هدفيتها، عبارة عن الحيثيات والجهات المختلفة لهدفية الصناعة والتقنية.
ثالثًا: إن التبويب والتصوير العام للهدفية يشمل الصناعة القديمة والتقنية
(37)الجديدة. إن الهدفية عرض عريض يشمل طيفًا واسعًا من الحدّ الأدنى للهدفية (الصناعات القديمة) إلى الحدّ الأقصى من الهدفية في جميع الأبعاد (التقنية الحديثة). وعلى هذا الأساس تكون الهدفية مفهومًا مشككًا يتراوح ما بين الضعف في الصناعات القديمة والشدّة في التقنية الحديثة. إن الصناعة ـ الأعم من القديمة والجديدة ـ تؤثر في جعل الأبعاد المتنوّعة للحياة هادفة، بيد أن أبعاد هذه الهدفية في التقنية الحديثة تكون أشد عمقًا وأكثر تنوّعًا.
رابعًا: هناك اختلاف بين هدفية العلم والتقنية. فهناك اليوم الكثير من حماة الهدفية التكنولوجية، وأما هدفية العلم ولا سيّما العلوم التجريبية فليست كذلك. قد يكون هناك من يرى أن التقنية هادفة، ولكن العلم فاقد للهدفية. وعلى أساس هذا الرأي تكون التقنية وليدة العلم. إن هدفية العلم تؤدّي إلى هدفية التقنية، ومع ذلك هناك اختلافات بين هدفية العلوم وهدفية التقنية. إن هدفية التقنية أشد من هدفية العلم؛ وذلك لارتباط التقنية بدائرة النظر ودائرة العمل، وبسبب الارتباط بدائرة العمل والشؤون الواسعة للحياة الإنسانية، تكون مقتضياتها الحتمية أكثر.
نستنتج ممّا تقدّم ذكره، ما يلي:
1. إن التقنية ليست مجرّد أداة، بل لها أبعاد إنسانية وطبيعية واجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية متنوّعة. ولهذا السبب تكون التقنية العسكرية مؤلفة من العلوم والفنون والمباني والأهداف والأساليب والمهام.
2. إن القائلين بحيادية التقنية لا يمتلكون تصورًا دقيقًا عن التقنية ولوازمها ومقتضياتها وأبعادها ونظامها؛ وعلى هذا الأساس لا يمكن للتقنية أن تكون
حيادية. إن هدفية التقنية لا تعني ذاتية التقنية، بل تعني النظام التكنولوجي الذي يحتوي على لوازم ومقتضيات.
3. إن أبعاد هدفية التقنية عبارة عن: الهدفية بلحاظ المبادئ، والهدفية بلحاظ المباني، والهدفية بلحاظ الاستخدام، والهدفية بلحاظ اللوازم والمقتضيات، والهدفية بلحاظ الأرضية والخلفية، والهدفية بلحاظ تبلور الكل المجموعي المنظم، والهدفية بلحاظ الأثر التكويني للصنائع، والهدفية بلحاظ الآثار والنتائج.
(41)
(42)
مجيد مفيد بجنوردي
إن التقنية الحديثة بوصفها واحدة من النتائج الأصلية والمثيرة للجدل في العالم الحديث، على الرغم من وجود الكثير من المزيا لها في تخليص الإنسان وتحريره من قيود الطبيعة، قد ترتب عليها تداعيات وتبعات مدمّرة أيضًا، وقد تعرّض الكثير من المفكرين ـ من أمثال مارتن هايدغر بتحليل فلسفي، وأتباع مدرسة فرانكفورت بتحليلات مختلفة، ونيل بوستمان ـ عالم الاجتماع الأمريكي في كتاب له تحت عنوان «تكنوبولي» بتحليل جامع بالمخاطر والتداعيات المريرة للتقنية وسيطرتها التدريجية على الثقافة والسياسة والدين والفن وجميع الأبعاد الإنسانية التي تعتبر التقنية الحديثة بوصفها أمرًا مسيطرًا ومدمّرًا للأبعاد الإنسانية، وإلفين
(43)تافلر في كتابه «صدمة المستقبل»، ومانوئيل كاستلز في كتابه «عصر المعلومات» ـ إلى بحث الأبعاد المتنوّعة لمخاطر التقنية الجديدة.
بيد أن المسألة المهمّة في البين هي العثور على طريقة حل مناسبة للخروج من هذه التداعيات، حيث أن هذا الموضوع بدوره رهن بالتفسير الصحيح والواقعي لعلة أو علل هذه التداعيات، والإجابة عن هذه المسألة؛ الأمر الذي دفع المفكرين الغربيين بعد العجز عن العثور على جواب شاف له، إلى الاكتفاء عمومًا بالنواح وقراءة المراثي. ويذهب كاتب السطور إلى الاعتقاد بأن صبّ هذا السؤال في بوتقة النظام الفكري للغرب، وهو الذي أنتج هذه التقنية، لن يحصل ـ من الناحية المنطقية ـ على جواب مناسب أبدًا. وبعبارة أخرى: إن الجواب عن أسباب التداعيات التكنولوجية يحتاج إلى رؤية جامعة إلى الوجود والإنسان والاحتياجات والكمال والسعادة الإنسانية، كي يتمّ التمكن من بيان عدم التناغم بين التقنية ومقتضياتها مع الحياة والاحتياجات الإنسانية؛ وهي الرؤية التي كان الفكر الغربي مفتقرًا إليها، ويبدو أنه يجب البحث عنها في الأفكار الدينية والإلهية. ومن هذه الناحية عمد الكثير من المفكرين الإسلاميين إلى نقد وبحث التقنية من زاوية التفكير الديني؛ حيث يمكن القول ـ بالنظر إلى الأبحاث المتحققة ـ إن منشأ التداعيات السلبية للتقنية من وجهة نظرهم، عبارة عن المباني والتوجهات الوجودية والأنطولوجية والأنثروبولوجية والأبستمولوجية للتفكير الغربي، من قبيل: المادية، والإلحاد، والنزعة الإنسانية، والنزعة الحسية. ومع ذلك لا يتمّ الحصول في هذه الأبحاث على جواب عن هذا السؤال القائل: كيف تؤدي هذه
(44)العوامل النظرية والمبنائية إلى هذه التداعيات؟ وعلى أساس أيّ بيان يتمّ ذلك؟
إن هذه المقالة تسعى ـ من خلال الاستفادة من ظرفيات توجه الأخلاق الفلسفية بوصفها جزءًا مهمًا من الحكمة العملية للإسلام ـ بالإضافة إلى العلة أو العلل المبيّنة لتداعيات التكنولوجية الحديثة، بمزيد من الشرح والتفصيل في الجواب عن السؤال الأخير إلى إيضاح أن العلل مورد البحث كيف تؤدّي إلى التداعيات المتعددة للتقنية الحديثة؟ من وجهة نظر هذا البحث فإن اتجاه الأخلاق الفلسفية التي تعمل ـ بالاستناد إلى قانون الاعتدال الأرسطي ـ على إيضاح النشاطات واحتياجات الكمال الإنساني على أساس قوى النفس، تعمل على تقديم ظرفية وإطار تحليلي مناسب للإجابة عن سؤال هذه المقالة. في ضوء هذا الاتجاه تكون التقنية نتيجة للنشاط الإنساني ومستندة إلى العقل العملي للإنسان حيث يمكن أن تعمل تحت سلطة القوة الناطقة (العقل) الإنسانية أو تحت سلطة القوى الحيوانية (الشهوة والغضب)، وإن سيادة أيّ واحدة من هذه القوى تكون مصحوبة بتداعيات ولوازم خاصة في البعد الوجودي والفعلي والاجتماعي للإنسان؛ وعلى هذا الأساس فإن التقنية تبعًا لتبلورها على أساس العقل أو الشهوة والغضب، تؤدّي إلى تداعيات خاصّة في المساحة الفردية والاجتماعية. يتمّ الاستدلال في هذه المقالة ـ بالأسلوب التحليلي والعقلي ـ على أن التقنية الحديثة قد تبلورت على أساس سلطة الشهوة والغضب، وإن تداعياتها في الحقل الإنساني كانت بدورها معلولة في الحقيقة والواقع إلى هذا الأمر، وهي ذات التداعيات التي ذكرها الحكماء المسلمون بوصفها تداعيات لهيمنة الشهوة والغضب على وجود الإنسان. وفي بيان تداعيات التقنية يتمّ الاستناد أيضًا إلى آراء ومعطيات المفكرين على شتى انتماءاتهم؛ رغم إمكان بحث التداعيات غير المعروفة أو غير الظاهرة للتقنية التي لم يتعرّض لها المفكرون أيضًا.
(45)
إن الأخلاق الفلسفية تتجلى في آثار الحكماء والفلاسفة من أمثال: الفارابي، ومسكويه، والشيخ نصير الدين الطوسي، ثم صدر المتألهين والحكماء التابعين لفلسفة صدر المتألهين، وتعمل على شرح وبسط وتكميل قانون الاعتدال الأرسطي على أساس الفلسفة الإسلامية. إن هذه الدراسة تسعى ـ من خلال الاستعانة باتجاه الأخلاق الفلسفية ـ إلى تقديم إطار تحليلي لبحث ومناقشة موضوع هذه الدراسة، حيث تشتمل على عدّة أبحاث، وهي كالآتي:
إن الأخلاق الفلسفية ترى أن للإنسان بُعدين، وهما البُعد الروحي (النفس)، والبُعد الجسدي (البدن). وإن النفس بوصفها هوية أصلية وفاعلة للنشاطات الصادرة عن الإنسان، تقوم بأفعالها بمساعدة من مختلف القوى، حيث تحظى ثلاث قوى ـ بشأن الأفعال الإرادية ـ بأهمية أساسية، وهي: >القوّة الناطقة< الخاصة بالإنسان وملاك الإنسانية والتي بها يمتاز الإنسان من الحيوان، وتنقسم إلى قسمين، وهما: >العالمة< (العقل النظرية) والتي وظيفتها التفكير وإدراك حقائق الأمور، و>العاملة< (العقل العملي) والتي وظيفتها الخوض في الأمور المرتبطة بالأفعال الإنسانية وتنظيم الأعمال والقوى الأخرى. و«القوّة الشهوية» وظيفتها الجذب والشوق إلى الأمور الملائمة والمصحوبة باللذة، من قبيل المأكولات والمشروبات والمتعة الجنسية والتناسل وما إلى ذلك، و«القوة الغضبية» وظيفتها دفع الضرر والأخطار المتنوعة ومنشئية الأفعال المخيفة،
والسلطة والكرامة وغير ذلك من موارد استعلاء الإنسان، والتي تكون مشتركة بين الإنسان والحيوان، وتعمل على بلورة البُعد الحيواني من وجود الإنسان.
إن نوع النشاط الإنساني الذي يعمل على بلورة الظواهر الإنسانية ويمكن له أن يضمن له السعادة في الدنيا والآخرة، رهن ـ من وجهة نظر الحكماء المسلمين ـ بشكل تام بنسبة وطريقة ارتباط هذه القوى، وحيث يوجد هناك نوع من التباين وعدم الانسجام بين هذه القوى، ويميل كل واحد منها إلى تحقيق مقتضياته الخاصة، يأخذ الحكماء حالة معتدلة بين القوى بنظر الاعتبار، حيث يتم العمل بذلك على بيان حدود نشاط كل قوّة بشكل من الأشكال بحيث تضمن للإنسان السعادة في الدارين. إن هذه الحالة إنما تحصل حيث تكون القوّة الناطقة حاكمة على سائر القوى، وتكون هي الأخرى في حالة من الاعتدال أيضًا؛ بمعنى أن يحصل الجزء النظري منها على معرفة صحيحة بالحقائق، ومن بينها السعادة الحقيقية للإنسان، ومبدأ الوجود ونسبة الإنسان إليها، وأن يقوم العقل العملي بدوره من خلال التبعية لمعارف ومدركات العقل النظري بالسيطرة على الشهوة والغضب والإبقاء على كل واحدة منهما في نقطة الاعتدال، ومن خلال انقياد هاتين القوتين تحت سيطرة العقل، يحصل الإنسان على ملَكة العدالة. وفي المقابل فإن سيادة الشهوة والغضب على وجود الإنسان تؤدّي إلى عدم اعتدال هذه القوى وابتعاد كل قوة عن نقطة الاعتدال، وتظهر الرذائل والاضطرابات الأخلاقية والسلوكية المتنوّعة في وجود الإنسان.
الأمر الثاني: كما أن حالة اعتدال النفس بحاجة إلى المعرفة العقلية الصحيحة، فإن سيادة الشهوة والغضب بدورها تنشأ من المعرفة المقتصرة على هذا العالم والنظرة الدنيوية إلى الوجود، وحصر السعادة والكمال النهائي في الملذات الحسيّة فقط. وعليه فإن الحكماء المسلمين يعتقدون بتقدّم العلم على الإرادة والعمل، ويرون أن النشاط الإنساني مسبوق على الدوام بالمعارف المتنوّعة وناظر إلى هدف وغاية خاصة، حيث يتمّ تصوّر هذه الغاية وتصديقها في ذهن الباحث قبل القيام بها، وتقع موردًا للقصد بوصفها علّة غائية للفعل.
يذهب أحمد بن محمد مسكويه إلى الاعتقاد قائلًا: «... العلم مبدأ والعمل تمام، والمبدأ بلا تمام يكون ضائعًا، والتمام بلا مبدأ يكون مستحيلًا. وهذا الكمال هو الذي سميناه غرضًا ... وذلك أن الغرض والكمال بالذات هما شيء واحد، وإنما يختلفان بالإضافة؛ فإذا نظر إليه وهو بعد في النفس ولم يخرج إلى الفعل فهو غرض، فإذا خرج إلى الفعل وتمّ فهو كمال».
وعلى كل حال فإن النشاط والظواهر الإنسانية أمور مفهومة وقد تمّ قصدها بالنظر إلى الأهداف والغايات. إن المراد من المعنى والمفهوم الذي يُعدّ بوصفه روح النشاط الإنساني، عبارة عن مجموعة من المعارف والمعتقدات والأهداف المتطابقة مع ذلك الشيء الذي يدركه الباحث، ويريد ويعمل باختياره وإرادته على أساسها.
الأمر الثالث: إن اختيار المعنى والرضوخ لمقتضياته، يقع تحت إرادته واختياره؛ ولكن عندما يقوم الإنسان باختيار المعنى ويحصل له شوق في الوصول إليه، ويعمل على أساس تحقيقه، لن تكون آثاره ولوازمه بعد ذلك تحت إرادته واختياره، ويجب عليه الرضوخ لهذه اللوازم والآثار أيضًا. وعلى هذا الأساس فإن كل معنى يحمل معه تداعياته المتناسبة معه في البُعد العملي والعالم الإنساني. إن المعاني «العقلية والأخروية» تؤدّي من زاوية الأخلاق الفلسفية إلى الفضائل الأخلاقية المتنوّعة، واللذة الدائمة والسعادة في الدارين، وإن المعاني «الحسية الخيالية، والوهمية والدنيوية» تؤدّي ـ بما يتناسب مع مقتضيات الشهوة والغضب ـ إلى عدم التناغم بين القوى الداخلية وأنواع الرذائل الأخلاقية
والتناقضات السلوكية والأوجاع والآلام المتعددة؛ وعلى هذا الأساس فإن الأخلاق الفلسفية تعمل في الواقع على معرفة المعنى ولوازمه وآثاره في نشاط وهوية ومصير الإنسان، وتعمل بالنسبة إلى كل واحد من نوعي المعنى والمعرفة على تشخيص تداعيات خاصّة. إن هذه الآثار والتداعيات لا تظهر في الوجود والنشاطات الإنسانية فقط، بل وتظهر في جميع الظواهر والعالم الإنساني أيضًا.
بهذا البيان يمكن الخوض في بيان التداعيات التكنولوجية أيضًا؛ وذلك لأن التقنية بدورها ناتجة عن النشاط الإنساني أيضًا، وتكون ماهيتها تابعة للمعاني والأهداف الملحوظة في صناعته وإنتاجه، ولو اعتبرنا التقنية نوعًا من الصناعة والفن، فإنها تصنع ـ من وجهة نظر الفلاسفة المسلمين ـ من قبل جانب من العقل العملي للإنسان وفي التعامل مع العقل النظري. ويكون لهذه الظاهرة بدورها ـ فيما لو كان العقل العملي الدخيل فيها تابعًا للعقل النظري وقوى النفس في حالة الاعتدال، أو واقعًا تحت هيمة وسلطة الشهوة والغضب وملتزمًا بالمعاني والمفاهيم الدنيوية والحسية ـ تداعيات مختلفة أيضًا.
وسوف نعمد في هذه المقالة أولًا في مقام الإجابة عن هذا السؤال القائل: ما هو الأساس الذي تبلورت التقنية في ضوئه؟ إلى الاستدل ـ استنادًا إلى المباني النظرية للتقنية الحديثة ـ على تبلور هذه الظاهرة في ضوء المعاني والتوجهات الدنيوية الناظرة إلى الأهداف والغايات الحيوانية البحتة ومقتضيات القوة الغضبية والشهوية، ثم وفي مقام الجواب عن هذا السؤال القائل: ما هي الآثار واللوازم المترتبة على هذا الأساس المفهومي على المستوى الاجتماعي والثقافي العام؟ سوف نذكر تداعيات الرؤية الدنيوية وسيادة وسلطة الشهوة والغضب
على الوجود والنشاط الإنساني استنادًا إلى مصادر الأخلاق الفلسفية، لنثبت أن تداعيات التقنية الحديثة مظهر من هذه التداعيات على المستوى الاجتماعي العام، ويمكن العمل على بيانها من هذه الناحية.
إن المباني النظرية (المباني الكونية والأنثروبولوجية والأبستمولوجية والقيمية) للتقنية الحديثة، هي التي تضفي التعيّن على أهداف صناعتها وإنتاجها واستخدامها. وحيث أن التقنية الحديثة نتاج النشاط الجمعي المنبثق عن ثقافة وحظارة ونظام علمي خاص، يجب البحث عن المباني النظرية المسيطرة عليها في ضوء النظام الثقافي والحضاري لها أيضًا. إن العلمانية بما هي رؤية وتفسير دينيوي عن الوجود كانت هي الطبقة المعرفية الأشدّ عمقًا في الغرب، وتعدّ من الناحية التاريخية هي الخصوصية الفريدة للعالم المتجدّد.
وفي البُعد المعرفي والأبستمولوجي كذلك تكون الصفة الأصلية للتفكير الغربي عبارة عن نفي مرجعية الوحي والنقل المنبثق عنه من أن يكون سببًا لمتابعة الفكر التنويري ابتداءً بالعقلانية والمعرفة العقلية (في فلسفة ديكارت)؛ ولكن حيث أن التفكير الغربي يعتبر ارتباطه بالحقائق والعوالم العقلية منقطعًا أيضًا، فإن المعرفة العقلية التي تتنزّل إلى العقل المفهومي لا تستمرّ طويلًا وتخلي موقعها لصالح المعرفة الحسية والتجريبية، ونتيجة لذلك يتم اعتبار الأسلوب والمعرفة التجريبية هي المعرفة الوحيدة المعتبرة في العالم الحديث. إن هذا الموضوع
(51)يؤدّي بالعقلانية الآلية والنشاطات الناظرة إلى الأهداف الدنيوية في المجتمع الغربي لتصبح هي الحاكم والمسيطر، وتنحسر العقلانية الذاتية التي تبحث في التأمّل بشأن قيَم وأهداف الحياة ـ من المجتمع، ونتيجة ذلك هي تعيين القيَم والأهداف والتطلعات العملية بواسطة الرغبات والمطالب الدنيوية الناظرة إلى الغرائز الحيوانية. وبالتناظر مع الأنطولوجية العلمانية في الغرب، يتمّ طرح النزعة الإنسانية بوصفها من أهم المباني الأنثروبولوجية في هذا التفكير، والذي يعني إضفاء الأصالة على الإنسان الدنيوي والتركيز على رغباته ومطالبه بوصفها معيارًا نهائيًا للحكم بشأن القيَم والمعايير المرتبطة بالعمل الإنساني حيث لا يوجد ملاك تجريبي لتقييمها أيضًا.
بهذه المباني النظرية تضمحل جميع الأبعاد الإنسانية والإلهية والعقلانية للإنسان، وتصبح الرغبات والأبعاد الحيوانية لدى الإنسان ـ وهي الشهوة والغضب ـ بوصفها هي المعيار الوحيد لإضفاء التعيّن على النشاط الإنساني واختيار الأهداف والغايات العملية التي يتم إنتاج التكنولوجية الحديثة واستهلاكها على أساسها.
والآن علينا أن نرى ما هي التداعيات المترتبة على مثل هذا الأصل المفهومي من زاوية الأخلاق الفلسفية، وما هي الصورة التي تكتسبها هذه التداعيات على المستوى الاجتماعي والحضاري العام، حيث سيتم بيان تداعيات التقنية الحديثة من خلال توسيع هذا الموضوع. في ضوء اتجاه الأخلاق الفلسفية، تؤدّي التبعية للشهوة والغضب قبل كل شيء إلى سلب الاستعداد والجوانب الإيجابية
الإنسانية، ومن ثمّ إيجاد الأبعاد السلبية في وجود الإنسان. كما أدّت التقنية الحديثة بدورها إلى تدمير الأبعاد الإيجابية للثقافة والمجتمع الإنساني، كما أدّت إلى إيجاد الظواهر والهويات الضارّة أيضًا.
إن التبعة الأولى وربما الأهم التي تترتب على التقنية الحديثة عبارة عن الاختلال في قوّة التعقل والتفكير لدى الإنسان، ويحدث ذلك على شكلين في الحدّ الأدنى:
إن التقنية بمساراتها المحددة تسلب من الإنسان القدرة على التمييز والتشخيص وقدرة الإبداع، وتجعل تصوّر أيّ مفهوم ومستقبل معقول أمرًا معقدًا. إن أحد أسباب هذه المسألة عبارة عن الانتشار العبثي وغير المفهوم للمعلومات وادخارها المتتابع بواسطة التقنية، الأمر الذي جعل السيطرة على هذه المعلومات أمرًا مستحيلًا، وأدى إلى انهيار نفسي واجتماعي تام، ولم يُبق فرصة للسؤال عن نتيجة هذا الحجم التكنولوجي من المعلومات. في ظل هذا الوضع تحل التقنية محل تفكير وإبداع الإنسان، وإن المعلومات التكنولوجية تكتسب قيمة ميتافيزيقية وتصبح بديلًا لغاية ووسيلة الإنسان.
والسبب الآخر لهذه المسألة زوال العقلانية النظرية في المستويات المختلفة والمتنوّعة للمجتمعات الغربية. لقد عمد الغرب أولًا ـ من خلال تهميش العقل في المستوى الفلسفي والعملي والعمل الاجتماعي، ومن ثمّ من خلال نقد المعتقدات السابقة من قبل فريدريك نيتشه، وتشارلز دارون، وكارل ماركس،
وسيغموند فرويد وغيرهم، وضمور اعتماد الإنسان على هذه العقائد ـ إلى تهميش العقلانية النظرية وإسقاطها عن الاعتبار؛ ونتيجة لهذا الخلأ تبقى التقنية بوصفها العينية الوحيدة التي يمكن للإنسان أن يشاهدها ويعتمد عليها؛ وعلى هذا الأساس فإن التقنية تقوم بفرض القيَم المسيطرة التي تبلورت في ضوئها على المجتمع. إن التقنية الحديثة بوصفها نتيجة للعقل الآلي والعملي قد استولت ـ من خلال الازدهار والاقتدار المتزايد ـ على جميع أبعاد العقل النظري أيضًا، ولا يمنح الإنسان فرصة للتفكير.
إن تبعية العقل العملي للقوى الحيوانية ـ التي تمثل أساسًا للتكنولوجية الحديثةـ تعمل من وجهة نظر الأخلاق الفلسفية على إفساد قوّة (العقل) النظري، وتسلب من الإنسان القدرة على التعقل الصحيح؛ وفي المقابل فإن تبعية العقل العملي للعقل النظري تؤدّي إلى إصلاح وتعالي القوى الحيوانية والعقل النظري. وعلى حدّ تعبير الحكماء: >عندما تسيطر الشهوة والغضب، يتم عزل العقل الحاكم ... إن الشهوة والغضب يقومان بأسر بُعد (العقل) العملي من الإنسان في الحقيقة، وتبعًا لذلك لا تقوم القوّة العاملة (العقل العملي) للإنسان بأخذ الفتوى من العقل (النظري). إن سيطرة الشهوة على الإنسان تؤدّي إلى فساد واختلال عقل الإنسان. في مثل هذه الحالة فإن الشهوة والغضب في الأساس تسلب من الإنسان فرصة التفكير الصحيح بشأن الأمور الخطيرة، من قبيل: المصير، والموت، والسعادة، ولا تبقي له متسعًا سوى الرضوخ لمقتضياته
الآنية، وعلى هذه الشاكلة فإن التقنية الحديثة بدورها من خلال فرض مقتضياتها على الثقافة والناشطين، تسلب منهم جميع أنواع التعقل وإعادة التفكير النظري حول أسباب وحدود إنتاج واستخدام التقنية والرضوخ لمسلزماتها وتعقيداتها وتبعاتها المدمّرة، ويذعنون ويرضخون بدورهم لهذه المقتضيات التكنولوجية دون نقاش.
إن تغيير المفاهيم الإنسانية والقيَميّة وتقديم تعاريف مقلوبة ومتطابقة مع مقتضيات التقنية منها تمثل الصورة الثانية لتأثير التقنية في الحقل المعرفي، حيث كان ذلك من التداعيات المباشرة لعزل وتعطيل العقلانية النظرية، وهو يحدث بدوره على عدّة صوَر.
الصورة الأولى: في المجتمع التكنولوجي بدلًا من الحفاظ على القيَم والأخلاقيات الإنسانية، يكون نظام القيَم هو الذي يجب عليه أن يتغيّر بما يتناسب مع مقتضيات التكنولوجيات الحديثة وأن تتبلور أخلاقيات جديدة تعمل التقنية على تعيينها. وبعبارة أخرى: إن حقل القيَم خاص بالعقل والذي يجب عليه العمل على ضبط التقنية والسيطرة عليها، أصبح واقعًا تحت سيطرة التقنية، وخاضعًا لتغيير شكله على يدها.
الصورة الثانية: بسبب التغيير في نظام القيَم، تمكنت التقنية من بسط يدها على حقل اللغة والمفاهيم القيَميّة أيضًا، و«عملت على تغيير جميع المفاهيم والمدخرات الذهنية (و) أخذت تصوغ مفاهيم جديدة لمفردات من قبيل: «الحرية»، و«الحقيقة»، و«الشعور»، و«الواقعية»، و«العقل» وما إلى ذلك»، وبمقتضى عقلانيتها الآلية تعمل على استبدال المفاهيم الأخلاقية القيّمة بمفاهيم
«مجرّدة من القيمة». من ذلك ـ على سبيل المثال ـ بدلًا من مفهوم «الذنب» يتمّ توظيف المفهوم الإحصائي المتمثل بـ «الانحراف الاجتماعي»، وبدلًا من مفردات من قبيل: «الخبث» و«الضلال»، يتمّ استعمال المصطلح الطبي وهو «السايكوباثولوجي»، وإن الآثام والخبائث التي هي من المفاهيم غير القابلة للتقدير والتقييم، يتمّ حذفها من المعاجم التكنولوجية والثقافة التكنوبولية.
الصورة الثالثة: في ضوء التقنية من خلال تغيير البيئة الفكرية وأسلوب التفكير لدى الإنسان، يتمّ خلق نوع خاص من التفكير وطريقة رؤية تدفعه إلى التفكير ضمن أطر محدّدة تستوجب هذه الوسيلة والتقنية، وبالتالي فإنها تقضي على مفهوم الحكمة والمعرفة؛ وعلى هذا الأساس فإن قوّة ونوع إدراكنا لكل شيء رهن بقدرة الأداة والتقنية التي نستخدمها. إن التأثير الآخر للتقنية في إدراك الإنسان يحدث من طريق التغيير المتسارع لتصور الأشخاص عن الواقعية، والذي يؤدّي إلى التغيير المذهل والمتواصل للغة والمفردات ومدركات الأفراد وسعيهم الحثيث من أجل التطابق مع الواقعيات المتحرّكة. وعلى هذا الأساس فإن التكنولوجيات من خلال إيجاد التغييرات المتسارعة في الأشياء والحقائق المحيطة بنا، من قبيل الأبنية والأدوات التي نستخدمها، وتغيير المدن وما إلى ذلك، تصيب فهمنا عن حقائق العالم وإمكانية تشخيص الصحيح من الخطأ ـ الذي يحتاج إلى تأمّل وتدقيق ـ بالخلل. وكذلك فإن حقل المعاني بدوره يعمل بواسطة وظائف الأشياء غير الحيّة على تعيّن العالم التكنولوجي
(56)حيث يميل إلى كلية آمرة من تلقائها؛ ومن هنا فإن التقنية الفاقدة لأي صلاحية للتحول إلى المفهوم والمعنى، تعمل على إحداث الفوضى في المفاهيم والتمثيلات والاستعارات القديمة والطبيعية أيضًا، وتتهمها بالعجز والقصور المفهومي. إن التبعة المباشرة لهذا المسار، عبارة عن انعدام المعنى وخواء العالم.
يذهب الحكماء المسلمون إلى الاعتقاد بأن الاستغراق والإفراط في الملذات الحسيّة، يؤدّي إلى تغيير نظرة الإنسان إلى الموضوعات، واستحسان الأمور القبيحة، وعدم الحصول على الرؤية والتفكير الصحيح، وفهم الأمور بشكل خاطئ؛ وعلى هذا الأساس ينظر الإنسان إلى المفاهيم الأخلاقية، من قبيل: الحرية والسعادة والعدالة بشكل معكوس، ويقدّم لها تعريفًا وفهمًا آخر. وعلى هذا الأساس كما أن سيطرة الشهوة والغضب على الوجود الإنساني، تعمل على تغيير أطر رؤية الإنسان إلى العالم وطريقة تفكيره ولغته ومفاهيمه الإنسانية، وتدفع الإنسان إلى فهم وتفسير كل شيء في إطار الحصول على أهدافه وغاياته الحيوانية، فإن التقنية بدورها بالإضافة إلى سلب إمكانية التعقل النظري، تعمل على تغيير اللغة والمفاهيم والقيَم أيضًا، وتعمل على قولبتها بما يتناسب مع مقتضياتها ويفرضها على الثقافة والناشطين.
لقد أدّت التقنية الحديثة إلى تحطيم وأفول العواطف والمشاعر والجماليات الأخلاقية والفنية، وتفريغ حقل الأخلاق والفن وحتى الدين من القيَم المتعالية. وعلى حدّ تعبير مارتن هايدغر: إن الإنسان الحديث قد عمل ـ بواسطة ذكائه القائم على المحاسبات ـ على تهميش جميع أنظمة الحقائق غير الكميّة من قبيل الجمال والفن
والمشاعر والعواطف بحجة أنها غير عقلانية. وبعبارة أخرى: هناك شيء كامن في ما وراء طبيعة العلم والتقنية يدفعهما إلى تدمير وهدر وتهميش الأفراد وإبعادهم عن بعضهم وعن الطبيعة. وعلى هذا الأساس فإن التقنية الحديثة قد عملت على تهميش العلاقات الاجتماعية الدافئة والحميمة المتمحورة حول الأخلاق، وبناء الأسرة والصداقات، وأقامت عقلانية جافة وحسابية تسود على كل ما من شأنه أن يكون في خدمة البُعد الدنيوي واللذات الآنية للإنسان، وأن تعمل ـ من خلال السيطرة على حقول الأخلاق والفن والعواطف الإنسانية والمعاني المتعالية ـ على بلورة علاقات نفعية ومصلحية فاقدة للروح في المجتمع. وعلى هذا الأساس فإن التقنية والتلفزيون قد أصبحا بديلين عن الأسرة والعلاقات الاجتماعية العميقة، وأخرجت هذه الأمور من متناول الإنسان، كما عملت وسائل الإعلام والصوَر وصناعة الأفلام بدورها على تدمير الواقعية الفنية. كما يذهب لادير بدوره إلى الاعتقاد بأن «التجريد الجمالي» أو «النزعة الصورية» في الفن التكنولوجي يؤدّي إلى تحطيم المحتوى وتحوّل الآثار الفنية إلى موضوعات قيّمة في نفسها من دون الدلالة على المفاهيم المتعالية.
إن قوى النفس ـ من وجهة نظر الأخلاق الفلسفية ـ في تنازع وصراع دائم ومستمر فيما بينها، وعندما يتغلب واحد من هذه القوى تكون له السيادة وتخضع سائر القوى الأخرى لسيطرته، ولا يعود بمقدورها القيام بوظائفها الأصلية.
وعلى هذا الأساس فإنه لو تغلّبت قوة الشهوة والغضب على وجود الإنسان، فإن القوّة العاقلة سوف تفقد قدرتها على القيام بوظائفها الخاصة، ومع تسليم قيادة مساحة نشاطها إلى الشهوة والغضب، فإن جميع الخصائص الإنسانية من قبيل الصبر والمداراة والإيثار والتكافل الاجتماعي التي تناط بها مهمّة إقامة الاعتدال بين القوى وسيطرة العقل على وجود الإنسان، تبدأ بالانحسار من وجود الإنسان. وإن التقنية الحديثة بدورها يتمّ إنتاجها واستعمالها على أساس الشهوة والغضب. وعلى هذا الأساس فإن الأخلاق والفن والمشاعر والعواطف وجميع الجماليات والمعاني المتعالية والعقلانية تتم مصادرتها وتسخيرها لصالح المطالب والرغبات الحيوانية. وفي الواقع فإن البحث عن الجماليات الأخلاقية والفنية في المجتمع التكنولوجي الحديث، توقع لا ينسجم مع ماهية هذه الظاهرة، وإن كل ما لا ينفع المصالح المادية أو اللذات العابرة والحيوانية، يبدو بلا معنى؛ ومن هنا فإن الإنسان الحديث يبحث دائمًا عن مفهوم للحياة، ولديه على الدوام شعور وإحساس بالحنين المقترن ـ في الوقت نفسه ـ بالحزن على الذكريات الماضية التي سُلبت منه بسبب التقنية.
لقد عملت التقنية الحديثة على إظهار وتعيين التناقض الكامن والخفي في صلب الثقافة الغربية، وعرّضت الإنسان الحديث بشكل ملموس لهذه الحقيقة وهي أن هذه الثقافة لم تقتصر على عدم تلبية تطلعاته إلى الحرية والرفاهية المدعاة فحسب، بل فاقمت من بؤسه وآلامه على نحو متزايد. إن إظهار هذا التناقض قابل للبيان من عدّة جهات:
لقد كان الإنسان الغربي الحديث منذ البداية يبحث عن التحرر من قيود الطبيعة وأغلال المجتمع والأعراف والدين والمذهب، وقد تبلور العلم وتكوّنت التقنية في إطار توسيع سلطته وقدرته على تسخير الطبيعة، بحيث عبّر روجر بيكون عن الطبيعة بوصفها فاحشة عامّة يجب العمل على ضبطها والسيطرة عليها. وكان المفكرون في عصر التنوير بدورهم يبحثون بواسطة المحاسبات الدقيقة والرياضاتية عن سلطة إلهية للإنسان من أجل بسط السيطرة على الطبيعة وحتى الإنسان؛ ولهذا السبب يذهب مارتن هايدغر إلى القول بأن الإنسان الحديث ينظر إلى الأرض بوصفها مصدرًا دائمًا للطاقة من أجل اكتشافها وادخارها، وبدلًا من الحفاظ على الأرض يسعى إلى تنظيمها والتعرّض لها، ولكنه يرى أن الخطر الأكبر يكمن في توسيع هذه الرؤية لتشمل الإنسان والنظرة إليه بوصفه مصدرًا ثابتًا ومستعدًا للسلطة وبسط السيطرة. ومن هنا فإن القدرة الإلهية للتقنية لم تكن لمجرّد السيطرة على الطبيعة فقط، بل واستخدامها في تسليط طبقة خاصة من الناس والمجتمعات الغربية بالتحديد على الآخرين، وإن السلطة والسيطرة الكامنة تحت طبقة الحياد القيمي والعقلانية الآلية، أضحت هي الجزء الداخلي من العلم والتقنية، والذي يزدهر في التجربة الاستعمارية للدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية واستعمارها لبلدان العالم الثالث، وحوّلت مفهوم السلطة على الطبيعة إلى السيطرة على الأعراق البشرية غير الأوروبية.
ولذلك يذهب كاستلز إلى الاعتقاد بأن التقنية المعلوماتية عنصر حيوي في
الحصول على السطوة والقوة والثروة وخلق المصائب من قبيل: الضلال والضياع والقتل والاستغلال الشنيع للأطفال وإيجاد «الحفر السوداء من الرأسمالية المعلوماتية»، وعصابة المافيات الكبرى، وسباق التسلح المنفلت، والجرائم العالمية والسيطرة على البلدان الأفريقية. كما يذهب لادير بدوره إلى اعتبار قيَم العلم والتقنية الحديثة عبارة عن إضفاء التعالي على سلطة مبهمة تنمو على نحو تلقائي بالاعتماد على ذاتها دون القدرة على إضفاء المعنى على الحياة اليومية؛ وعلى هذا الأساس فإن التقنية لم تفشل في حمل الحرية لنوع البشر فحسب، بل وضعت الجزء الأعظم من المجتمعات الإنسانية تحت سيطرة سلطة الأقلية (وهم أصحاب وسائل الإنتاج في عصر كارل ماركس).
كما أن هذه الخصيصة التكنولوجية بدورها ترتبط على نحو تام بسيادة القوة الغضبية على وجود الإنسان؛ إذ أن الرغبة إلى السلطة والقوّة المطلقة من الوظائف الأصلية للقوّة الغضبية، حيث تتخذ في غياب العقل صورًا متعدد من العنف الواضح والقتل الذريع إلى السيطرة المرنة والتخدير والخداع. وإن من بين التجليات البارزة لطلب السلطة عبارة عن السيطرة على الطبيعة؛ ولكن عندما تنشط قوّة الشهوة والغضب خارج الأطر العقلية بالكامل، لن يكون هناك بعد ذلك أساس للتوجيه من أجل كبحها والسيطرة عليها؛ وعلى هذا الأساس فإنه كما أشار الحكماء المسلمون على الدوام إلى شرَه هذه القوى الحيوانية ـ التي لا تعرف معنى الشبع ـ لا تكتفي بالاستيلاء على الطبيعة وسائر الناس فقط، بل إن جميع الوجود بالنسبة إلى هذا الإنسان يُعدّ بوصفه مصدرًا للقوّة والسلطة،
وإن هذا الشغف الكبير بالسلطة يستمر إلى اعتبار نفسه بإلحاد تام «ممتدحًا ذاته بكل تكبّر في مقام الله على الأرض، ويستقر هذا التوهم بحيث يعتبر الإنسان كل ما يلقاه أمامه إنما هو موجود لأنه من صنعه».
وأما التقنية التي تمّ إنتاجها واستخدامها في بادئ الأمر من أجل سيطرة الإنسان على الطبيعة، ثم سيطرة الإنسان على أخيه الإنسان، تحوّلت بالتدريج لتصبح أمرًا مستقلًا وغريبًا وخارج سيطرة الإنسان، وصارت هي المسيطرة على الإنسان وعلى الثقافة. هنا يتضاعف شكل السلطة، وإن الإنسان الذي كان أسيرًا لجزء خاص من أبناء جنسه، أصبح اليوم بأكمله وعلى نطاق واسع أسيرًا لمستلزمات التقنية، وأخذت التقنية تحكم وتسيطر على جميع أبعاد الحياة الاجتماعية والثقافية للإنسان. وفي الأساس فإنه بغض النظر عن مسألة التقنية كان الشعور بأسر الإنسان قد حجز لنفسه موطنًا في فكر الفلاسفة الغربيين منذ البداية، وإذا ما تجاوزنا مرثيات فريدريك نيتشه، فإن مفاهيم من قبيل: «القفص الحديدي» لماكس فيبر، و«تراجيديا الثقافة» لزيمل، وتنظيرات كارل ماركس لتوعية الطبقة المستغلِّة، والمفاهيم الفرانكفورتية، من قبيل: «صناعة الثقافة»، و«الإنسان ذو البُعد الواحد»، و«التشيئ» وصولًا إلى مفهوم هابرماس في «استعمار العالم» وسلطة العقلانية الآلية على الثقافة، وفي تعبير متأخر: «القوّة الماحقة» لغيدنز الذي جعل من إمكان تلاشي وتحطيم المقاومين ماثلًا أمام عينيه في كل لحظة، تخبر بأجمعها عن نوع من أسر الثقافة والإنسان في كل لحظة.
إن هذه الرؤية التراجيدية توجّهت بالتدريج نحو التقنية؛ بمعنى أنه إذا كانت
(62)الحتمية التاريخية والمجتمع والأبنيته الصلبة والتوجهات والقوى الفرويدية المقموعة والمكبوتة وما إلى ذلك، حتى الآن تسوق الإنسان نحو مستقبل مجهول، فمن الآن أخذت عينية باسم «التكنولوجيا» في نظريات أشخاص من أمثال: مارتن هايدغر، وبوستمان، وتافلر، وكاستلز وغيرهم، تتكفل بذات دور القوّة الحتمية ولكن على نحو أشد بطبيعة الحال؛ وعلى هذا الأساس يذهب مارتن هايدغر إلى الاعتقاد بأن الإنسان الحديث مطالب بمنازلة التقنية على نحو قاطع وحازم بحيث لم يعد يرى نفسه في أيّ مكان، ولا يدرك التقنية بوصفها خطابًا أبدًا. كما أن التقنية الحديثة من وجهة نظر بوستمان تعمل في الخطوة الأولى من خلال الهجوم على الثقافة والسنن السابقة إلى بلورة الثقافة التكنوقراطية والتي هي تابعة إلى حدّ كبير إلى الرغبات الجبرية والحتمية وضوابط نمو هذه الوسائل؛ وأما في الخطوة التالية فقد تبلورت الثقافة التكنوبولية التي تعاني نوعًا من «نقص المناعة الثقافية»، وتفتقر إلى القدرة الدفاعية في مواجهة السيل العارم من المعلومات التكنولوجية، وتعمل التقنية ـ بوصفها حاكمًا مستبدًا لا ينازعه أحد ـ على تفسير الفن والأخلاق والسياسة والدين والتاريخ والحقيقة والبعد الشخصي والوعي والتنوير الفكري، في إطار توقعاتها. كما يميل الفن التكنولوجي بدوره إلى الاكتفاء الذاتي والاستقلال عن فكر الفنان وحذفه.
إن منشأ هذه المسألة عبارة عن أسر العقل الفطري والإلهي بوصفه هوية حقيقية للإنسان تحت مقتضيات الشهوة والغضب، الأمر الذي أشار إليه
(63)الفلاسفة المسلمون على الدوام. يذهب أحمد بن مسكويه إلى الاعتقاد بأن الحسّيين يضعون النفس الشريفة والقوّة الناطقة لديهم في خدمة وأسر القوى الحيوانية، ويرون أن جميع قوى النفس الإنسانية، بما في ذلك حتى النفس الناطقة (العقل) قد تمّ إعطاؤها إلى الإنسان من أجل تنظيم وتمييز الأمور للحصول على المزيد من اللذة؛ كما يذهب روجر بيكون إلى الاعتقاد بحصر الرسالة المشروعة والحقيقية للعلم في الاختراعات وفي الاكتشافات الجديدة من أجل تحسين ورفع مستوى وكيفية الحياة الطبيعية للإنسان وتحقيق الرخاء والسكينة والمزيد من الرفاه والسعادة له.
إن الشهوة والغضب عندما يحكمان ويستحوذان على وجود الإنسان، لا يستخدمان بُعدًا خاصًا من وجود الإنسان فقط، وإن يستخدمان جميع ظرفياته وقدراته الوجودية من أجل التوسيع المطلق لحيوانيته، ويخضعان الإنسان بشكل كامل لأسر نزواته ورغباته الحيوانية؛ وهكذا فإن التقنية الحديثة بوصفها تجسيدًا للعقلانية الآلية جافّة وقاسية، تمثّل تجليًا خارجيًا لأسر العقل في غل الشهوة والغضب على المستوى الاجتماعي العام المهيمن على الثقافة والحياة الإنسانية، ومن خلال فرض لوازمها عليها قد استحوذت على روح الإنسان وأوقعته في أسرها؛ بحيث عمدت بوصفها أمرًا ذاتي الهداية في التعاطي مع العلم إلى بلورة
ما بعد صناعة ذاتها المنظمة، إذ لها نزوع إلى إيجاد حقيقة مستقلة (اللوجوس المتحقق)، الذي هو نتاج وجزء من البشر، ولكنه أجنبي عنه ويتحوّل إلى قوة خارجية، حيث يفرض قانون نموّه وازدهاره من أجل الوصول إلى مقام الألوهية وإثبات قدرته المطلقة على نوع البشر؛ وفي هذه الحالة بدلًا من أن يكون للماكنة وظيفة إنسانية، يتعيّن على الإنسان أن يتحوّل إلى ماكنة وأن يفكر ويعمل على نحو آلي. وكما أن الإنسان الواقع تحت أسر الشهوة والغضب، يشعر بالطرد والنبذ القهري من قبل المحركات الداخلية المجهولة، فإن الثقافة والمجتمع الواقع تحت وطأة التقنية يرى نفسه أسير الحتمية التكنولوجية.
إن الجانب الآخر للتناقض التكنولوجي هو التسارع المتزايد لوتيرة متغيّرات العالم وتبلور التغييرات السريعة والمستمرة والمضجرة. حتى قال بعضهم: «إن الثابت الوحيد في هذا العصر هو التغيير؛ بيد أن الناس لا يدركون أن الدنيا قد تغيّرت؛ لأن التغيير الأكبر آخذ في التسارع ... حيث يتجلى ذلك من خلال التقنية». وقد عبّر غيدنز عن هذه الظاهرة بمصطلح «الاستئصال»، وعبّر عنها لادير بـ «الاجتثاث» حيث يكون فيها كل شيء موجودًا في كل مكان
(65)وغير موجود في أيّ مكان، وليس له لون ولا طعم ولا رائحة، وليس له مفهوم حقيقي أبدًا؛ لأنه قد انفصل عن مبادئ المعنى. وأما كاستلز فهو يستخدم مصطلح «ثقافة الاضطرار» بشأن حالة الأطفال الذين يشعرون بأنه ليس هناك أي مستقبل أو جذور في البين، وأن كل ما هو موجود إنما يتمّ اختزاله في الزمن الحاضر والزمن الحاضر بدوره يتألف من لحظات، وعلى هذا الأساس يجب العيش في هذه الحياة وكأن كل لحظة فيها هي اللحظة الأخيرة. وقد ذهب ألفين تافلر إلى الاعتقاد بأن التغيير ـ بوصفه قوة اجتماعية جديدة بالكامل ـ قد تسارع بحيث ترك تأثيره في شعورنا بالزمن، حيث انفصلنا بالكامل عن أزمنتنا الماضية؛ إن «التوقيت» هو التبعة المباشرة التي تترتب على ذلك، وإن كل شيء يتحرك في داخلنا وخارجنا بشكل أسرع. وقد استخدم مفهوم «الثقافة الرادارية» الجديدة؛ حيث نتعرّض فيها ـ من خلال صورها المتقطّعة وغير الثابتة بشكل متزايد ـ لهجوم المعلومات الرادارية القصيرة، حيث لا يمكن تصنيفها في أرشيفنا الذهني، وإن من بين أسباب ذلك هو الصوَر العجيبة والغريبة وغير الثابتة والمجتثة، ويتعرّض بعضنا إلى الانهيار تحت هذه الضغوط الجديدة.
إن الآنية وعدم الثبات والتغير المستمر، من خصائص اللذات الحسيّة والشهوية. يرى أحمد بن مسكويه أن اللذة الحسية لذة عرضيّة وغير ثابتة وسريعة الزوال؛ ومن هنا فإنه يعتبر التعاملات الاجتماعية القائمة على اللذة (الحسّية)
من أضعف وأوهى أنواع التعامل وأنها تابعة لوجود تلك اللذة. إن التعامل القائم على المصلحة المادية (المنبثقة عن القوّة الغضبية) وإن كان لها ثبات نسبي، ولكنها بدورها تزول بزوال المنفعة المادية أيضًا. وفي المقابل فإن التعامل القائم على الخير واللذة العقلية أكثر ثباتًا وأكثر أصالة في التعاملات الاجتماعية.
بهذا البيان فإن الحركة في لحظة الحياة وعدم الاستقرار وعدم الثبات، تعدّ واحدة من اللوازم الأخرى لسيادة الشهوة والغضب على وجود الإنسان وتعطيل العقل. إن التقنية بسبب هذه الأصالة، يتعرّض على نحو دوراني (الشكل رقم: 2) لتحريك وتصعيد مجدد بشأن الرغبات الشهوية والغضبية المتعطّشة لدى من يستخدمها، كما تظهر بوصفها المرجع الوحيد الذي يلبي هذه الرغبات. وإن الإنسان لغرض تجربة اللذة والمزيد من السلطة يعمل على الترقية المتزايدة وغير العقلانية لها، ومن هذه الزاوية بالإضافة إلى تسريع التداعيات السابقة، يعمل ـ من خلال تسريع التغيير والحركية الدائمة ـ على تحويلها إلى معضلة أساسية ومشددة لانعدام الهوية والمعنى بالنسبة إلى الإنسان المعاصر. ومع الافتقار إلى العقلانية النظرية يبقى هذه السؤال الأساسي بدوره من دون جواب، وهو السؤال القائل: إلى أيّ مدى ولأيّ سبب يستمرّ هذا الوضع الذي يعمل أبدًا على محو الأحداث والوقائع الماضية؟ في هذه الأوضاع تتسارع الأمور بحيث لا يبقى لدى الشخص فرصة للتوقف والتأمل في الماضي، وما هو الشيء الذي تمّت التضحية به.
إن هذا المسار التكنولوجي الذي تمّ خلقه وإيجاده من أجل رفاه وحرية ولذة وسعادة الإنسان، قد ترتّبت عليه نتيجة معكوسة على نحو متناقض، وأدى ذلك في نهاية المطاف إلى هلاكه؛ إذ يذهب الفلاسفة والحكماء المسلمون إلى الاعتقاد بأن الإشباع المفرط للرغبات والشهوات الحيوانية ـ حيث أنها لا تعرف الشبع ـ تزيد من الظمأ الحيواني وتوسّع من دائرة هذه النزوات، ونهاية ذلك عبارة عن هلاك القوى الثلاثة ونهاية الإنسان نفسه في نهاية المطاف. وعلى هذا الأساس فإن التقنية الآخذة بالارتقاء والنموّ المتزايد بشغف وولع من أجل تنويع وتوسيع الملذات الحيوانية، سوف تؤدّي في مسارها الراهن إلى القضاء على جميع إمكانات الحياة البشرية.
كما تسهم التقنية في بلورة الهوية والشاكلة الشخصية للإنسان أيضًا؛ حيث يتحقق ذلك على أساس الفلسفة الإسلامية في مسار الحركة الجوهرية للنفس. في هذه الرؤية تكون هوية الإنسان حقيقة متحرّكة لها صيرورة ومراتب متنوّعة، وإن جميع الأشخاص في نهاية المطاف ليسوا على نوع واحد، وإنما يصبحون على أنواع متعددة تقع تحت النوع المتوسط والجنس السافل؛ وعلى هذا الأساس فإن «السيرة الباطنية» أو هوية وشخصية الإنسان إنما تتبلور في مسار حركته ونشاطه المتواصل بما يتناسب والقوى الثلاثة، وإن العمل المتواصل على أساس القوّة الشهوية يؤدّي إلى بلورة السيرة البهيمية حيث يلهث كالأنعام وراء ملذاته الحسية والحيوانية. إن السيرة السبعية تتبلور على أساس القوّة الغضبية وهيمنتها، وتمارس سبعيّتها ووحشيتها، وإن السيرة الإنسانية إنسان حقيقي شبيه بالملاك حيث يتبلور في ضوء حاكمية العقل على وجود الإنسان. وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم الناس في الحدّ الأدنى إلى ثلاثة أقسام. يذهب الفلاسفة في مدرسة صدر المتألهين إلى الاعتقاد بأن «الهوية الإنسانية للفرد في الداخل تنتقل ـ بتحريك المحرّك الخارجي ـ من القوّة إلى الفعل ... ويمكن لذلك المحرّك (والعامل) الخارجي أن يكون شخصًا أو آخر أو أن يكون هو المجتمع. ويمكن لهذا الشخص أن يكون معصومًا أو لا يكون معصومًا، كما يمكن له أن يكون عادلًا أو غير عادل، ويمكن لذلك المجتمع أن يكون صالحًا أو طالحًا». وعلى هذا الأساس ففي المجتمع الحديث والثقافة التكنوبولية التي ترزح تحت سلطة
التقنية وتقع جميع أبعادها المفهومية تحت تصرّف التقنية، تكون التقنية ـ بوصفها المحرّك الخارجي للإنسان ـ مستقرة في موقع المجتمع، ومن خلال تعيّن النماذج السلوكية والمعايير والأبنية الاجتماعية المتناسبة مع مقتضياتها تعمل على بلورة الهوية والسيرة الباطنية للفرد. إن هذه الهوية بالنظر إلى الأساس المفهومي للتقنية لن تكون شيئًا آخر غير السيرة البهيمية أو السبعية التي تقع في نزاع وصراع مع الهوية الفطرية والإلهية الأصيلة للإنسان. وعلى هذا الأساس فإن الإنسان والثقافة المعاصرة الرازحة تحت وطأة التقنية سوف يكونان عرضة للتنازع والتناقضات الداخلية والخارجية.
إن الدور الماهوي للتقنية وتدخلها في بلورة الحقيقة والشاكلة الوجودية للإنسان قد انعكس حتى في تحليلات الباحثين في الشأن التكنولوجي أيضًا. من ذلك أن تافلر ـ على سبيل المثال ـ لا يرى العالم الجديد مجرّد تغيير تكنولوجي فحسب، بل ثورة داخل الإنسان، حيث تعمل التيارات القوية ـ من خلال تعزيز بعض صفات الإنسان وقمع بعضها الآخر ـ على تغيير وجودنا. وقد ذهب بيل إلى الاعتقاد بأن المجتمع ما بعد الصناعي نوع لعبة بين أفراد المجتمع على مضمار يتمّ رسم خطوطه ووضع قوانين اللعبة واللاعبين فيها من قبل التقنية؛ بمعنى أنه على الإنسان أن ينشط ضمن الأطر والمضامير التي يتمّ تعيينها من قبل التقنية، وحيث أن التقنية الحديثة تقوم على أساس سيادة الشهوة والغضب الذي يتعارض مع الحقيقة الإنسانية الأصيلة، يكتسب الناس بدورهم ـ من خلال العمل بتلك الأطر ـ هوية لا إنسانية وغير منسجمة مع الفطرة الإنسانية (السيرة البهيمية أو السبعية) حيث تعمل على مجرّد الإشباع غير العقلاني للشهوات
والرغبات الحيوانية المتنوّعة وممارسة العنف والقسوة والسلطة المطلقة.
إن هذه الهوية الثانوية والحيوانية ليست حيادية، ولها نسبة حقيقة مع الفطرة الإنسانية. وبعبارة أخرى: إن الهوية الحيوانية تتبلور في طول الهوية الإنسانية والفطرية للإنسان، وإن الإنسان الحديث قد اكتسب ـ من خلال حركته الجوهرية على هامش اللوازم التكنولوجية مع الحفاظ على الصورة الإنسانية ـ صورة حيوان معيّن، وتحول إلى >الإنسان الذئب< أو الإنسان الذي يمشي على أربع. وعلى هذا الأساس فإنه يحتوي على شخصية ثانوية حيوانية، وهوية أصيلة فطرية، وحيث أنه يعلم بهذا الوضع غير المتناغم الذي يعيشه، يكون ذات هذا الوعي والإدراك بالنسبة له عذابًا لا يطاق. إن الإنسان والمجتمع المقهور قد لجأ ـ من أجل الخلاص من هذه التعاسة الداخلية ـ إلى الحلول التكنولوجية وتوسيع التقنية، ونتيجة لذلك ومع تشديد وضعه قام بتوسيع دائرة الأزمات المتنوّعة، وإن هذه الدورة الباطلة سوف تؤدّي في نهاية المطاف إلى القضاء على أصل الإنسان.
إن التداعيات الثلاثة المذكورة أعلاه تكشف التناقض المكنون في صقع الثقافة الغربية بشكل واضح للعيان؛ إن التقنية ـ التي تبلورت من أجل خلاص ورفاه وسعادة الإنسان ـ هي أولًا بالإضافة إلى تسهيل سلطة الإنسان على أخيه الإنسان، قد تحوّلت إلى عنصر مهيمن يخضع الإنسان عبدًا يمتثل طائعًا لمقتضياتها ولوازمها. وثانيًا من خلال تسريعها الكبير لمسار تغيير العالم قد عرّضت الطبيعة والإنسان لخطر الزوال. وثالثًا: من خلال بلورة هوية حيوانية وغير منسجمة مع الفطرة
الإنسانية، قد تمّ فرض عذاب وبؤس وتعاسة لا تطاق على الإنسان المعاصر، وبعبارة اخرى: «إن الإنسان الحديث يعاني أسوأ أنواع اليأس الذي يمكن تصوّره في عقد الأمل بنوع البشر، وهو مدرك لهذا الأمر أيضًا. فقد رأى مدى ما تنطوي عليه العلوم والتقنية من الفوائد، ومقدار ما يمكن أن تنطوي عليه من الكوارث أيضًا ... ونتيجة لذلك فقد غرق الإنسان الحديث داخل واقع لا يمكن الاطمئنان به». وعلى الرغم من جهوده الحثيثة، ليس براض عن كل شيء؛ وهذا هو الوضع الذي لم يكن ينوي الوصول إليه منذ البداية.
إن هذا التناقض الفردي / الاجتماعي التكنولوجي، يمكن بيانه من زاوية الأخلاق الفلسفية من جهتين، الجهة الأولى: هي أن سيادة وغلبة الشهوة والغضب على العقل تؤديان إلى عدم التناغم وإلى التناقض الداخلي والخارجي للفرد والتشتت والتعدّد في شخصيّته؛ وذلك لأن هذا الإنسان بالنظر إلى الاتجاه الأحادي إلى حاجاته وأبعاده الحيوانية، يتخلى عن حاجاته وعن لذة البُعد العقلي وبُعده الإنساني الأصيل. إن التقنية الحديثة القائمة على الشهوة والغضب بدورها ظاهرة «ذات بُعد واحد لا ينظر لغير الأبعاد الحسية والاحتياجات الظاهرية للإنسان فقط». ومن خلال التخلي عن جانب مهم من احتياجات الإنسان، سوف يؤدّي ذلك إلى التهافت والمواجهة الفردية النفسية والاجتماعية والشعور بالألم والبؤس والتعاسة بدلًا من اللذة والسكينة.
الأمر الثاني أن اللذات الحسيّة في الأساس غير حقيقية وعرَضية وليست
بلذّة؛ بمعنى أن اللذة التي تحصل للأعضاء الحسيّة هي في الواقع ناشئة عن إزالة الألم الموجود في القوى وفي الأعضاء الحسيّة؛ وعلى هذا الأساس فإن الاستخدام المفرط لهذه القوى سوف يؤدّي في نهاية المطاف إلى تحويل هذه اللذة العرَضية إلى ضدّها، أي: الألم. وبذلك فإن الإنسان الذي كان منذ البداية يقصد هذا النوع من اللذة بشكل كامل، ويرى جميع سعادته فيها، يعاني في نهاية المطاف مزيدًا من الألم والوجع. إن التقنية القائمة على سيادة الشهوة والغضب بدورها والتي تهدف إلى توسيع وتعديد وتنويع اللذات الحسية / الحيوانية، لم تفشل في تقديم التحرر والطمأنينة بوصفها هدفًا ومطمحًا ابتدائيًا للإنسان فحسب، بل وتزيد من آلامه وأوجاعه وضياعه، وبدلًا من رفع الآلام البشرية وإيجاد المزيد من اللذة، فاقمت من آلام الإنسان وتعرّضت لنقض الغرض. وفي الواقع فإن الإنسان الحديث يتوقع من التقنية شيئًا لا يفتقر إليه بشكل أساسي فحسب، بل ويعمل على إنتاج وإعادة إنتاج ضدّه.
إن التداعيات السلبية للتقنية ـ في إطار الأخلاق الفلسفية ـ إنما تنشأ من النظام المفهومي الحسّي والدنيوي، حيث تبلورت هذه الظاهرة في صلبها وأدّت إلى البحث في مجرّد إشباع مقتضيات الشهوة والغضب بشكل غير معقول. كما أن الشهوة والغضب من خلال سيادتهما وهيمنتهما على البُعد العملي للإنسان قد عملتا على تحطيم الفضائل الأخلاقية ومن خلال السيطرة على العقل أوقعتا الإنسان في أسرهما، وسلبتاه إمكانية التعقل والفهم بشكل صحيح وصائب للحقائق، وتؤديان في نهاية المطاف إلى التناقض الداخلي والخارجي للفاعل وبلورة سيرة حيوانية داخل الإنسان، فإن التقنية الحديثة بدورها في المضمار
الاجتماعي العام، ومن خلال التصرّف في جميع الأبعاد الاجتماعية والثقافية، قد سلبت من الإنسان إمكانية أيّ نوع من التعقل النظري بشأن أهم مقولات الحياة البشرية، ومن خلال التطاول على حقل القيَم والمفاهيم واللغة، تعمل على فرض لوازمها على هذا الحقل أيضًا. وعلى هذه الشاكلة عمدت في حقل العواطف إلى القضاء على الأبعاد الإنسانية والجماليات الأخلاقية والفنية، ونتيجة لذلك فإنها تؤدي إلى تسهيل سيطرة الإنسان على الطبيعة والمجتمع، وفرض مقتضياتها على الثقافة والمجتمع وإحداث التغييرات المتسارعة والمتواصلة. وعلاوة على ذلك فإنها ـ بوصفها محركًا خارجيًا للحركة الجوهرية للإنسان ـ تعمل على بلورة سيرة حيوانية ومتعارضة مع العقل والفطرة الإنسانية لدى الأفراد، ولن تكون نتيجة ذلك سوى تشديد الآلام الإنسانية.
إن نتيجة كل ذلك، عبارة عن تبلور تناقض شامل، أو بعبارة أخرى: اتضاح وانكشاف التناقض الذاتي للثقافة والحضارة الغربية؛ من حيث أنها بدلًا من تحرير الإنسان وإيجاد الرفاه والطمأنينة له، والتقليل من الآلام البشرية، زادت من أسره ومعاناته وآلامه وبؤسه الداخلي. من زاوية هذه الدراسة ما دام الاتجاه الدنيوي إلى الوجود وإلى الإنسان كامنًا في صلب التقنية، ويعمل على تجاهل الأبعاد الإلهية والفطرية للإنسان، فإن كل طريقة حل يتمّ تقديمها لرفع الأزمات المتزايدة لها داخل هذا النظام المفهومي، لن تؤدّي إلا لتشديد ومفاقمة هذه المشكلة؛ وبالتالي فإن الحل الوحيد يكمن في العودة إلى العقلانية الأصيلة المتحررة من قيود وأغلال الحيوانية، وإخضاع التقنية بوصفها بُعدًا دنيويًا للإنسان تحت سيطرة أطرها، حيث يقوم إطار الأخلاق الإسلامية والشريعة والفقه بهذه الوظيفة.
(74)
عليرضا قائمينيا
إن الفضاء السيبراني ليس مجرّد مرحلة من التطوّر التكنولوجي الحديث، بل يشتمل هذا الفضاء في صلبه على نمط من الحياة ويحتوي على رؤية خاصّة إلى الحياة. إن هذا الأسلوب من الرؤية الخاصّة يشتمل على منهج لفهم الحياة وطريقة التعاطي مع الصعاب والمشاكل وما إلى ذلك. وبعبارة أخرى: إن هذا الفضاء يتضمن فلسفة خاصّة عن الحياة أيضًا.
لا شكّ في أن الفضاء السيبراني والوسائل الرقمية قد حقق للبشرية حياة عظيمة ومبهرة. ويومًا بعد يوم تصبح الصوَر الجديدة لهذا الفضاء وأدواته ووسائله أكثر إثارة للإعجاب والانبهار. إنها تساعدنا على إقامة الارتباط بكل سهولة مع الآخرين، بمن فيهم الأشخاص الذين يسكنون في أقصى بلدان العالم. يمكن لنا أن نشاركهم أفكارنا وآراءنا وأن نرسل لهم صورًا عن اللحظات الجميلة من حياتنا. كما أنها تساعدنا على القيام بالكثير من أعمالنا بسهولة كبيرة.
إن الفلسفات على قسمين: قسم يعمل على بيان طريقة ومنهج للحياة. والقسم الآخر لا يرتبط بطريقة أو أسلوب الحياة، وإنما يعمل على مجرّد تقديم تأمّلات نظرية في حقل الوجود أو ظهور العالم ومراتب الوجود وما إلى ذلك. إن المجموعة الأولى تسعى إلى تقديم حلول للتغلّب على مشاكل الحياة اليومية، ومساعدة الإنسان في مواجهة العقبات والعراقيل المعتادة.
وقد تمّت تسمية المجموعة الأولى بـ «فلسفات الحياة»؛ بمعنى الفلسفات التي تعمل على تقديم الأصول الأساسية لحياة البشر، وهي بمنزلة الكتيّب المرشد لأساليب العمل. إن هذا النوع من الفلسفات تبيّن للإنسان «حكمة الحياة»، وإن المراد من حكمة الحياة ـ بحسب قول شوبنهاور ـ عبارة عن: «الفن الذي يتيح لنا تنظيم الحياة بحيث نجعلها ممتعة ومقرونة بالسعادة في حدود الإمكان، وهو الفن الذي يمكن تسمية مفهومه بفلسفة السعادة أيضًا. وعليه فإن هذه الفلسفة مرشد يعمل على هدايتنا وتوجيهنا إلى الحياة المقرونة بالسعادة».
لا شكّ في أن الفلسفة من شأنها أن تعمل على تغيير حياة الإنسان؛ ولكن ليس كل فلسفة تمتلك مثل هذه القابلية. إذ أن بعض الفلسفات تسير في الفضاءات الانتزاعية وحتى غير الواقعية بحيث لا يمكن أن يكون لها أدنى تأثير في الحياة اليومية. ولم يخلُ التاريخ بطوله من فلسفات لم يكن لها أدنى ارتباط بالحياة. فقد كان بعض الفلاسفة الإغريقيين ـ من أمثال: طالس وفيثاغورس وهراقليطوس ـ يسمّون أنفسهم فلاسفة، ولكنهم كانوا يصرفون جلّ اهتمامهم على دراسة ماهية مادّة العالم، ويبحثون عن المادّة التي تكوّن منها العالم. فهل وجد العالم من الأعداد أم من الماء أم من شيء آخر؟ وقد كان سقراط هو الفيلسوف الإغريقي الأول
(80)الذي أكد على ضرورة أن تنصرف جهود الفلسفة إلى التفكير حول الهواجس اليومية للناس العاديين. وقد ذهب إلى الاعتقاد بأن الفلسفة يمكنها أن تعمل على تغيير الناس حقيقة وأن تأتي لهم بالسعادة والهناء.
كان سقراط يؤكّد على وجود صلة وثيقة بين فلسفة الإنسان وسلامته الروحية والجسدية. إن العقائد المختلفة تؤدّي إلى حالات عاطفية متنوّعة، وتظهر في أنواع مختلفة من الأمراض العاطفية والشعورية. لقد صرّح سقراط بأن «مراقبة أرواحنا» تقع على عاتقنا، وهذا شيء تقوم الفلسفة بتعليمنا إيّاه، وفي الأساس فإن فنّ العلاج النفسي والروحي الذي يعود بجذوره إلى اليونان، يأتي بمعنى «مراقبة الروح». إذن من واجبنا أن نعمل على مراقبة أنفسنا، ونرى ما هو الاعتقاد القيَم والمعقول وما هو الاعتقاد الموبوء والمسموم. ومن هنا تكون الفلسفة نوعًا من العلاج الذي يمكن لنا أن نلجأ إليه عند الحاجة إلى التداوي.
كما ذهب ماركوس توليوس شيسرو إلى ذات هذا الرأي الذي ذهب إليه سقراط أيضًا. فهو يقول: «إن فن علاج الروح موجود، وذلك هو فن الفلسفة. وعلينا أن نسعى بكل إمكاناتنا وطاقاتنا من أجل العثور على قدرتنا على معالجة أنفسنا». وهذا هو الشيء الذي كان سقراط يسعى إلى تعليمه لمواطنيه من طريق الفلسفة. فكان يفتح باب الحوار مع كل شخص يصادفه في طريقه. وقد كان سقراط يسعى في ذلك إلى فهم ما هو الشيء الذي كان يؤمن به ذلك الشخص ويعتبره على درجة عالية من الأهمية والقيمة بالنسبة إليه، وما هو الشيء الذي يسعى إليه في هذه الحياة. وقد خاطب أبناء مدينته يومًا وقال لهم: «أطوف في
(81)الأنحاء وأقوم على تشجيعكم جميعًا شيوخًا وشبابًا كي لا تهتموا بأجسامكم أو ثرواتكم»، بل عليكم أن تجهدوا من أجل الحصول «على أفضل حالة روحية ممكنة بالنسبة إلى أنفسكم». لقد كان الحوار مع سقراط من أكثر التجارب تداولًا، ولكن تلك الحوارات تعمل على تغييركم بشكل كبير، وهي باختصار تعمل على توعيتكم.
إن الخطاب التفاؤلي الموجود في فلسفة سقراط هو أننا نمتلك القدرة على ترميم أنفسنا، ويمكن لنا دراسة عقائدنا وتغييرها، وإن هذا الأمر سوف يعمل على تغيير مشاعرنا وإحساساتنا. إن هذه القدرة موجودة وكامنة في داخلنا. قال كاتب المقالات الشهير في عصر النهضة ميشيل دي مونتيني: «لقد أثبت سقراط مدى قدرة الإنسان في الاعتماد على نفسه في المضيّ قدمًا، وقدّم في الواقع خدمة كبرى في حق ذات الإنسان. يعلمنا سقراط أن الحياة الخالية من الهواجس كامنة في وجودنا ويرشدنا إلى طريقة العثور عليها، ويبيّن لنا كيف نعمل على استعمالها وتوظيفها». يقول مونتيني: «نحن أغنى بكثير من ذلك الشي الذي نتصوّره، وقد نسينا قدراتنا الداخلية، ولذلك أخذنا لهذا السبب نستجدي الحصول عليها من خارجنا».
لا شك في أن فلسفات العقود المقبلة سوف تكون عبارة عن فلسفات الحياة. ومع ظهور التكنولوجيات الحديثة والفضاء السيبراني سوف يكون حقل الفلسفة بدوره معقلًا لمختلف فلسفات الحياة. فمن ناحية يُعد الفضاء السيبراني بداية لنهاية مرحلة الميتافيزيقا الانتزاعية. والسبب في ذلك بسيط جدًا. وذلك لأن الانتشار المتسارع للتقنية وظهور التكنولوجيات الرقمية، قد أحدث تغييرًا
(82)في مختلف أبعاد حياة الإنسان، وقد كان هذا التغيير بمعنى تغيير فلسفة الحياة أيضًا. إن على إنسان العصر الرقمي أن يدرك معنى حياته وفلسفتها، حيث أن المسألة المحورية في هذا العصر ليست هي مسألة الوجود وحدوث العالم وما إلى ذلك. كما أن مسألتها المحورية ليست هي المعرفة ومسألة اللغة، بل هي مسألة الحياة ومفهومها.
من الجدير ذكره أن لفلسفات الحياة عددًا من الخصائص الهامة، وهي:
1. الاهتمام بمسائل الرئيسية في الحياة: إن هذه الفلسفات تسعى إلى وضع المسائل المهمّة في حياة الإنسان ضمن دائرة الاهتمام. إن من بين المسائل المهمة التي تعرّضت لها فلسفات الحياة منذ القِدَم هي مسألة موت وفناء الإنسان. لقد كانت هذه المسألة مسألة مهمّة بالنسبة إلى البشر طوال التاريخ. وقد كان الإنسان يسعى على الدوام من أجل التغلّب على الخوف من الموت. وقد عملت مختلف فلسفات الحياة على تقديم جواب مناسب عن هذه المسألة، وقامت بالكثير من المحاولات من أجل تسهيل المواجهة مع الموت بالنسبة إلى البشر. كما تعرّضت هذه الفلسفات إلى مسألة «سعادة» الإنسان وفلاحه أيضًا.
2. إضفاء المعنى والمفهوم على الحياة: تسعى هذه الفلسفات إلى إضفاء معنى على حياة البشر. من الواضح أن الإنسان طوال حياته يواجه الكثير من المشاكل والعقبات، من قبيل: الألم، والأمراض المزمنة، وموت الأهل والأحبة، والكوارث الطبيعية وما إلى ذلك. وهو في مواجهة هذه الأمور يرى نفسه كائنًا مفرغًا ومن دون معنى. وإن الشيء الوحيد الذي يمكنه الحفاظ على حركة عجلة حياته هو العثور على المعنى في هذه الحياة.
لقد سعى الكثير من الفلاسفة وعلماء النفس في المرحلة الحديثة إلى العمل في هذه المسألة وبيان كيف تحصل حياة الإنسان على مفهومها، وقد بذلوا بأجمعهم جهودًا من خلال اللجوء إلى فلسفة خاصة للحياة من أجل العثور على معنى للحياة. يمكن لنا الإشارة ـ على سبيل المثال ـ إلى رأي فيكتور فرانكل في هذا الشأن. فهو يرى أن هناك ثلاثة طرق أساسية لكي يتمكن الناس من العثور بواسطتها على معنى في حياتهم. وهذه الطرق الثلاثة عبارة عن:
أ ـ من طريق الفعل: بمعنى أن ينجزوا عملًا يكون أطول عمرًا منهم ويستمر تأثيره إلى ما بعد رحيلهم أيضًا. من ذلك ـ على سبيل لمثال ـ أن يُبدعوا أثرًا فنيًا أو عملًا أدبيًا وما إلى ذلك ويبقى مفعوله وتأثيره على المجتمع أطول عمرًا منهم.
ب ـ العثور على المعاني التي يمكن إدراكها في فهم وامتداح أمور من قبيل الآثار الفنية أو حبّ الناس البسطاء. وقد أشار فيكتور فرانكل في هذا الشأن إلى عبارة سورين كركيغارد التي يقول فيها: «إن باب السعادة يفتح إلى الخارج على الدوام».
ج ـ إظهار ردود الأفعال والتأقلم مع الشرائط والظروف الخاصة تجاه القيود والحدود المفروضة في الحياة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ ردّة الفعل التي يقوم بها الشخص تجاه موته أو تحمل الأمر الفضيع أو الموقف العصيب من قبيل زجّه في معسكر للأعمال الشاقة، وكيف يتأقلم مع هذه الظروف والمواقف، إذ يمكن لذلك أن يحمل في طياته مفهومًا للحياة.
3 . الشعور بالرضا: إن هذه الفلسفات تسعى ـ من خلال التفسير الجديد الذي تقدّمه عن العالم ومسائل الحياة ـ إلى تحقيق شعور الإنسان بالرضا عن
الحياة؛ إذ أنه بالنظر إلى أصول هذه الفلسفات يذهب إلى القول بمفهوم جديد للحياة، ويعمل على تفسير مشاكلها وصعابها بنحو من الأنحاء بحيث يُشكل هذا التفسير مادة للرضا عن الحياة من قبله.
4. شعور الإنسان بالسكينة: تسعى هذه الفلسفات إلى تحقيق السكينة الخاصة بالنسبة إلى الإنسان. إن السكينة واحدة من المطالب المهمّة التي يسعى الإنسان إلى تحقيقها في الحياة وتكتسب أهمية خاصة بالنسبة إليه.
5. تقسيم الأهداف بحسب الأولويات: إن من بين الخصائص المهمّة في فلسفات الحياة أنها تساعد الإنسان على تبويب أهدافه وتقسيمها على أساس الأولويات. إن هذه الفلسفات تدعو الإنسان إلى التأمّل في أهدافه وغاياته. عندما يقوم الإنسان بتقسيم وتبويب أهدافه سوف يتبيّن له ما هو الهدف الذي يقع في أعلى سلّم الأهداف، ويعلم عندها أن ذلك الهدف هو الهدف الأصلي من الحياة. إن المراد من الهدف الأصلي من الحياة هو الهدف الذي لا يجب التفريط به في أيّ حال من الأحوال. كما تعمل فلسفات الحياة على بيان ما هو الطريق الموصل إلى ذلك الهدف.
يرى لوك فري أن هناك سببين لضرورة دراسة هذا النوع من الفلسفات التي تبحث في مسائل الحياة، وإن أحدهما عبارة عن: أن هذا النوع من الفلسفات من أفضل دروس ومفاهيم الحياة، والتي من دونها لا نستطيع فهم معنى العالم الذي نعيش فيه. إن هذه الفلسفات تقدّم الدروس على أفضل وجه، وهي في ذلك أفضل حتى من التاريخ والعلوم الإنسانية أيضًا؛ وذلك لأن جميع أفكارنا ومعتقداتنا وقيَمنا ـ سواء علمنا أو لم نعلم ـ تندرج ضمن نماذج من العالم وقد اكتسبت معناها طوال التاريخ البشري، حيث ترد الحاجة إلى إدراك هذه النماذج
(85)في دائرتها وتداعياتها ومنطقها، وإن إدراك النصوص الفلسفية يساعدنا على الحياة بحرية أكبر.
إن الفضاء السيبراني ليس مجرّد تجسيد لميتافيزيق خاص فقط، بل ويشتمل على فلسفة لحياة خاصة أيضًا. ولا ينبغي النظر إلى هاتين النقطتين بوصفهما نقطة واحدة:
إن الفضاء السيبراني تجسيد لميتافيزيق خاص.
إن هذا الفضاء يحتوي على فلسفة حياة خاصّة.
يجب علينا أن نرى ما هي عناصر هذا النوع من فلسفة الحياة، وما هي الأصول التي تشتمل عليها. وفيما يلي سوف نعمل على بيان ستة أصول فلسفية ناظرة إلى الحياة الرقمية، وهي عبارة عن:
الإرادة الناظرة إلى الارتباط والتواصل.
اكتشاف الذات الإسقاطي.
النزعة الخارجية المفرطة.
ارتباط المعنى بالفن والانتشاء.
أصالة المنفعة بوصفها أساسًا للسعادة.
التعددية العملية.
وفيما يلي سوف نعمل على إيضاح كل واحدة من هذه الأصول الفلسفية.
إن الوصف الأفضل الذي يمكن العثور عليه بالنسبة إلى أهم أصل حاكم على فلسفة الحياة في الفضاء الرقمي عبارة عن: «الإرادة الناظرة إلى الارتباط والتواصل». إن هذا الأصل يُعدّ واحدًا من التجليات المهمة للإرادة الناظرة إلى القوّة عند نيتشه، والتي تظهر بشكل وآخر طبيعة التقنية الجديدة. إن الكثير من الذين تأملوا في أعمال نيتشه قد اعتبروا أفكاره متلازمة مع ولادة عالم جديد؛ وهو عالم تتخلى فيه المفاهيم الواقعية والمثالية عن مكانتها لصالح منطق الإرادة المهمّة والناظرة إلى السلطة. إن الركيزة الأساسية لهذا العالم الجديد عبارة عن الإرادة الناظرة إلى القوّة والسلطة. وكان مارتن هايدغر بالنظر إلى هذه المسألة يعتبر نيتشه «مفكرًا تقنيًا»؛ وإنه المفكر الذي توصّل إلى تحليل جوهر التقنية من خلال بيانه لنظرية «الإرادة الناظرة إلى القوّة».
إن عالم التقنية ـ من وجهة نظر مارتن هايدغر ـ عالم انحسر فيه الاهمام بالغايات (الأهداف النهائية لتاريخ البشر) بشكل كامل، وأعطى مكانه لصالح اهتمام كبير وحصري بالآلات والأدوات. إن العالم الجديد هو عالم الأدوات والاهتمام بالمعدات والأدوات، دون الأهداف والغايات. إن ذات الأدوات تكتسب محورية في هذا العالم وتغيب الأهداف على نحو تامّ. ولهذا السبب كان مارتن هايدغر يرى أن نيتشه هو أول فيلسوف عمل على تحطيم مفهوم المقاصد بشكل كامل دون أن يبقي له أدنى أثر؛ بمعنى هذه الرؤية القائلة بأن هناك معنى في وجود الإنسان يجب البحث عنه، وأن هناك أهدافًا يجب اتباعها وغايات يجب الوصول إليها. لقد عمل نيتشه على محو وجود المقاصد من جميع أبعاد حياة الإنسان.
في الفضاء السيبراني تمتزج القوّة والارتباط ببعضهما. وكأن المزيد من القوّة يعني المزيد من الارتباط، والمزيد من الارتباط يعني المزيد من القوّة. من الضروري العمل على توضيح بعض النقاط حول «الإرادة الناظرة إلى الارتباط»، والتي تشكل جوهر وجودية الفضاء السيبراني:
إن هذه العبارة لا ينبغي تفسيرها بمعنى الرغبة في الارتباط، فليس المراد هو أن الأشخاص يتوقون على الدوام إلى الارتباط، ويميلون إلى إقامة الارتباط بالآخرين؛ وذلك لأن الناس يختلفون من هذه الناحية. فهناك منهم من يبدي رغبة عارمة تجاه إقامة العلاقات والتواصل مع الآخرين، ومنهم من لا يبدي غير الاهتمام الأدنى بهذه العلاقات. وربما ساعد علم النماذج الشخصية وعلم النفس على بيان هذه الظاهرة. إن الناس على قسمين؛ فمنهم الإنطوائيون ومنهم الانفتاحيون.
إن الإنطوائيين هم الأشخاص الذين يميل تعاملهم الواعي نحو الداخل. إنهم في الغالب يعتزلون الأجواء الخارجية، ويتجنبون التعلق بالعالم الخارجي من أجل الحفاظ على طاقتهم الداخلية، ولربما أعرضوا عن التواصل مع العالم والأشياء والأشخاص. ونتيجة لذلك يكون لهم في العادة موقف دفاعي. إن الأشخاص الإنطوائيين هم في العادة أشخاص متكتمون وخجلون ولا يألفون سريعًا ولا يتماهون كثيرًا مع بيئتهم الاجتماعية. وفي المقابل فإنهم يتناغمون مع عالمهم الداخلي. وأما القسم الآخر من الناس فهم الأشخاص الاجتماعيون؛ بمعنى الأشخاص الذين يتجه وعيهم وإدراكهم نحو الخارج. إن هؤلاء الأشخاص يستمتعون بكل ما يرونه في العالم الخارجي، من قبيل: الأشياء
(88)والأفراد والأحداث وجميع المعتقدات العامّة. إن كل ما يرونه أو يشعرون به أو يفكرون فيه يرتبط بالشرائط والظروف الخارجية. إن هؤلاء الأشخاص يتأقلمون مع الوقائع والحقائق الخارجية. إن هؤلاء الأشخاص يتمتعون في الغالب بقوة الارتباط والتواصل والحمية والاعتماد على النفس والنزعة الاجتماعية، حتى أنهم يغفلون في الغالب عن مسائلهم الذهنية. ولهذا السبب تجدهم في الغالب فرحين لا يحملون شيئًا من الهموم، وفي غياب تام عن حالاتهم النفسية.
لا شك في أن الأشخاص الإنطوائيين لا يبدون رغبة في الدخول إلى الفضاء الافتراضي، وهم يجتنبون الأدوات الرقمية التي تقحمهم في الفضاء السيبراني؛ ولكن في المقابل يميل الأشخاص الاجتماعيون كثيرًا نحو الاستفادة من هذه الأدوات. وعندما يدخل الأشخاص الإنطوائيون في هذا الفضاء الافتراضي قد يكتسبون بالتدريج نزعة اجتماعية ويبدون شيئًا فشيئًا رغبة كبيرة في الاستفادة من هذه الفضاءات، وعلى هذا الأساس ليس المراد من الإرادة الناظرة إلى الارتباط أن الجميع يكتسب رغبة في الارتباط والتواصل.
إن فكرة الارتباط تستدعي اسم سقراط. فقد كان سقراط هو أول فيلسوف يعمل على توظيف الحوار من أجل التنمية الفلسفية، وأما الفلاسفة الذين سبقوه فقد كانوا يعتبرون أنفسهم رجالًا أذكياء قد تمكنوا من الوصول إلى الحقيقة بشكل خاص، ولذلك لا يجدون أنفسهم بحاجة إلى البحث والحوار. وفي المقابل كان سقراط يذهب إلى الاعتقاد بأن المعرفة إنما تتحقق في ظل الاستفادة من أسلوب السؤال والجواب والحوار مع ذات الأشخاص الذين تولى أمر هدايتهم في أثينا، وهذا الأسلوب يُعرف بالأسلوب السقراطي.
إن سقراط لم يكن يعتبر الحوار هو الطرق الوحيد للوصول إلى الحقيقة فحسب، بل وكان يذهب إلى الاعتقاد بأن الارتباط الشفهي يمثل المفتاح إلى الحياة الصالحة أيضًا. إن الناس إذا أرادوا الحصول على حياة هانئة وجيّدة، فيتعيّن عليهم التحاور فيما بينهم حول مختلف المسائل؛ وأما الفضاء السيبراني فلم يتبلور على أساس هذه الرؤية السقراطية؛ بمعنى أن الغاية التي يريدها الأشخاص الذين يرتبطون فيما بينهم ليست هي الوصول إلى الحقيقة، وإن كان بعضهم يستهدف الوصول إلى هذه الغاية في مقام الارتباط مع الآخرين.
يرى مارتن هايدغر أن الارتباط يبدأ من الخطاب أو الحوار. والحوار بدوره أسلوب يتشارك فيه الناس تجاربهم وفهمهم وإدراكهم للعالم، ويعملون على بيانها لبعضهم. فمن دون الارتباط لا يمكن لهم فهم تجاربهم عن العالم بشكل دقيق. ومن هنا يكون المستمع هو المهم في هذا الارتباط وليس المتكلم. ونتيجة لذلك فإن أيّ نوع من أنواع المساعي من أجل ضبط وتحديد الارتباطات، يلحق ضررًا بماهية الارتباطات الحقيقية. إن هذه المسألة تظهر المشكلة الرئيسة التي تعاني منها التكنولوجيات الارتباطية في العالم الجديد. وذلك لأن هذا النوع من الارتباطات يقضي على العلاقات الإنسانية المباشرة وجهًا لوجه. إن هذه التكنولوجيات مهما كانت ناجعة ومفيدة، ولكنها ليست بالمعنى الحقيقي لعبارة «الكينونة- مع». إن الارتباطات الحاسوبية تحمل نوعًا من التناقض الداخلي. فهي من جهة من نوع الـ «الكينونة - مع»، ومن جهة أخرى من نوع «عدم الكينونة - مع». إن الأفراد لهم حضور في الفضاء الافتراضي بحسب الظاهر، ولكن ليس لهم حضور من الناحية الفيزيقية. ولهذا السبب كان مارتن هايدغر
(90)فيما بيننا من أجل تلبية مرادنا فحسب، وإنما نقوم بذلك في الأساس من أجل معرفة الرغبة والإرادة. وبعبارة أخرى: إن الغاية من التحاور مع الآخرين ليست هي تلبية الإرادات فقط، وإنما الغاية هي إظهارها، وبعد ذلك يمكن للآخرين أن يجيبوا عنها ويتخذوا قرارهم بأن يساعدوا أو يحولوا دون ذلك. وباختصار فإن إقامة الارتباط يعني أن نجعل مطالبنا ومراداتنا قابلة للفهم، وليس البحث عن تحقيقها بشكل سريع.
يُشير ميرسون إلى الناحية الإيجابية لوسائل التواصل مثل الهاتف النقال من وجهة نظر مارتن هايدغر، ولا يأتي على ذكر الناحية السلبية منها من وجهة نظره. وقد أشار إلى هذه النقطة وهي أن الارتباطات المسارية ـ من وجهة نظر هايدغر ـ هي التي يمكن للناس بواسطتها أن يتشاركوا في تبادل مدركاتهم وتجاربهم عن العالم. وبعبارة أخرى: إن هذه الأدوات ووسائل التواصل هي التي توفر إمكانية فهم الناس لتجاربهم عن العالم. إن الذي لا يستطيع إقامة الارتباط والتواصل مع الآخرين، سوف يجد العالم غامضًا وغير قابل للفهم. إن المجتمع الذي لا يقوم بالتواصل إنما يحرم أفراده ويضنّ عليهم بمشاركة تجاربهم وأفهامهم. يذهب مارتن هايدغر إلى الاعتقاد بأن نموذج الهاتف النقال يخفض الارتباطات إلى هامش صغير، وبطبيعة الحال فإن المعلومات يتمّ تبادلها، إلا أن هذا يشكل جزءًا من مسار واسع يتشارك فيه الناس مشاعرهم وأحاسيسهم؛ بيد أن حجب الإنسانية (بمفهومه من وجهة نظر مارتن هايدغر) يصل إلى منتهاه في فضاء هذه الوسائل والأدوات. إن الارتباط والتواصل الذي يحصل بواسطتها ليس
لمجرد مشاركة الأحاسيس والتجارب. وإن الارتباط والتواصل فيها قد تحوّل إلى عادة وإلى نمط وأسلوب حياة، حتى إذا لم يكن ينطوي على مضمون. ولا شك في أن هايدغر يرى أن البُعد السلبي للتقنية بشكل عام أقوى من البُعد الإيجابي. في الفضاء السيبراني يكتسب الارتباط والتواصل صوَرًا أكثر تعقيدًا بكثير. إن مشاركة التجارب والأحاسيس وفهم العالم صورة نادرة للغاية، وإن الذي نراه في هذا الفضاء إنما هو عبارة عن علاقات وارتباطات لا نهاية لها، ولن تكون نتيجتها سوى إهدار والوقت والطاقة.
ويجدر بنا في هذا المورد أن نشير كذلك إلى رأي العلامة الطباطبائي بشأن ظاهرة الارتباط والتواصل في المجتمعات البشرية أيضًا. وذلك لأنه يبيّن رؤية الإسلام إلى ظاهرة الارتباط والنتيجة المترتبة عليها بوضوح. قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
هناك في تفسير الميزان مطالب ملفتة حول النموذج الارتباطي في المجتمع الإسلامي، وفيما يلي نشير إلى بعضها:
1. إن هذه الآية تعمل أولًا على دعوة جميع المؤمنين إلى الصبر. إن الأوامر الواردة في هذه الآية مطلقة، بحيث تشمل الصبر على الشدائد، والصبر على طاعة الله، والصبر على معصيته أيضًا. وكما هو واضح فإن هذه الآية تطلب الصبر من جميع المؤمنين فردًا فردًا.
2. المصابرة «صابروا» عبارة عن: اتفاق جماعة على التصبّر وتحمّل الأذى
باعتماد صبر البعض على صبر آخرين، فيتقوّى الحال ويشتد الوصف ويتضاعف تأثيره، وهذا أمر محسوس في تأثير الفرد (إذا أخذ الأمر بالنظر إلى حالته الشخصية) عند اعتبار شخصيته في حال الانفراد وفي حال الاجتماع (فيما لو تمّ النظر إليه بالنسبة إلى حال المجتمع وتعاونه) فيما يتعلق بإيصال القوى بعضها ببعض.
3. المرابطة «ورابطو» أعم من المصابرة؛ وذلك لأن المصابرة عبارة عن ربط قوى المقاومة لدى أفراد المجتمع بين قواهم وأفعالهم في جميع شؤون حياتهم الدينية أعم من حال الشدة وحال الرخاء، ولما كان المراد بذلك نيل حقيقة السعادة المقصودة للدنيا والآخرة، وإذا لم تكن هناك مرابطة في البين، فإن صبري وصبرك كل على انفراد وعلمي وعلمك لوحدهما وأيّ فضيلة أخرى للأفراد، لا تحقق إلا بعض السعادات، بيد أن بعض السعادات بحيث تبدو أنها ليست بحقيقة السعادة.
وقد تعرّض العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان في ذيل هذه الآية ـ ضمن الإشارة إلى أهمية الاجتماع من وجهة النظر الإسلامية ـ إلى بحث نمو وتطوّر الأفراد في صلب المجتمع، وقال بأن الارتباط الذي يقيمه الإسلام بين الفرد والمجتمع لا سابقة له في أيّ فكر آخر. إن الهوية والشخصية المستقلة للمجتمع في الإسلام تؤكد على أهمية الارتباطات الاجتماعية. وفي هذه الآية عمد العلامة الطباطبائي من خلال نقد التفكير الغربي في الديمقراطية غير الدينية والإشارة إلى أهمية الدوافع العقلانية في بلورة الأنظمة الاجتماعية، ومن هنا فإن العلامة الطباطبائي لا يرى كفاية مجرّد الإحساس والشعور لوحده في هداية المجتمع؛ ولذلك فإن الاعتباريات بدورها والتي سبق أن شرحناها تحتم الضرورات من
أجل رفع الاحتياجات، وتهدي المجتمع إلى السعادة بالإضافة إلى الإدراكات الحقيقة. ثم استدل العلامة في تتمّة تفسيره لهذه الآية على أن سبب شدّة اهتمام الإسلام بشأن المجتمع هو أن التربية وتطور الأخلاق في الفرد الإنساني إنما تكون مؤثرة فيما إذا لم تتعارض أجواء المجتمع مع تلك التربية. ومن هنا فقد أقام الإسلام أهم أحكامه وتشريعاته على أساس المجتمع، وبالإضافة إلى إيجابه فريضة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عامة الناس، عمد إلى لحاظ أن الهدف الأوحد في التقرّب إلى الله إنما يكون من أجل توثيق وتعزيز أواصر المجتمع والحفاظ على الرقابة الباطنية للأفراد بالإضافة إلى الأحكام الاجتماعية.
إن الاعتباريات المتغيّرة في المجتمعات الثقافية المتنوّعة أمر بديهي. إن هذه الاعتباريات العملية قد تمّ إيجادها على أساس السنن والطبائع والتاريخ والشرائط الجغرافية، وهي في حالة دائمة من التغيّر. في إطار الارتباط بين الثقافات يتوفر احتمال نموّ الاعتبارات المتماهية بين الثقافات والحضارات البشرية، وبطبيعة الحال فإن الاعتباريات التي يتمّ إيجادها في بعض الثقافات تركز في الغالب على رفع الاحتياجات الغريزية والمادية المتغيّرة، وتتمّ فيها الغفلة عن الاحتياجات الروحية للبشر. وقد عمد العلامة الطباطبائي في تفسير الآية 200 من سورة آل عمران إلى التعريف بالمجتمعات الغربية بوصفها مصداقًا لعدم التعادل في الاعتباريات. في ضوء تحليل العلامة تمّ التركيز والاهتمام في الحضارة الغربية بجزء من الاعتبارات المتغيّرة للناس، وأما الاهتمام بالاعتباريات الثابتة وجزء من الاعتباريات المتغيّرة الأخرى فقد خفت بريقه. وقد أدّت هذه المسألة إلى ابتلاء الحضارة الغربية بالابتعاد مسافة شاسعة عن الحضارات التوحيدية. وقد
اتسعت دائرة الارتباط بين الأشخاص في هذه الحضارة بوصفها تابعة للاعتبارات الغريزية، وتمّ تحجيمها في الحصول على اللذات الجسدية والوهمية، وتعلن عن رفع راية الحرية مقرونة بعدم الالتزام بتلبية الاحتياجات الثابتة، والشيء الوحيد الذي يمكنه الوقوف بوجه إرادة الإنسان عبارة عن تعارضها مع إرادة الآخرين.
إن من بين عجائب التكنولويات الجديدة أنها تعمل على إسقاط صورة لنا إلى العالم الخارجي. وقد عمد ماك لوهان إلى إيضاح هذه المسألة من خلال الإشارة إلى أسطورة نرسيس اليونانية. تقول هذه الأسطورة إن نرسيس كان آية في الجمال وقد رأى انعكاس صورته في الماء فتصور أن ما رآه في الماء هو شخص غيره، فهام به حبًا وعشقًا. يقول ماك لوهان إن المغزى في هذه الأسطورة هو بيان هذه الحقيقة وهي أن الإنسان يقع فجأة في غرام كل ما يستوجب بقاءه ودوامه في كل جسم باستثناء جسمه. ولهذا السبب نهيم عشقًا بالتكنولوجيات الحديثة التي تعمل على إسقاط صورة عنا على ما في خارجنا.
إن الإنسان في الأساس مغرم باستمرار وجوده في وجود سائر الأشياء الأخرى؛ ولكنه مثل نرسيس لا يدرك أن ما تقوم به هذا الوسائل هو أنها تعمل ـ من خلال إضفاء البقاء والاستمرار على أجسامنا في العالم ـ على إسقاط صورتنا في هذا العالم. إن من بين التبعات المهمة التي تترتب على هذا الأمر نوع من «عبادة الآلة». نحن نقع في سجن الصفحات الرقمية بشكل مخيف، ونجد أنفسنا راسفين في أغلال هذه الأدوات بشكل مؤسف. وإن الطريق الوحيد للخلاص من هذا الانبهار يكمن في الالتفات إلى حقيقة سحر وطلسم هذه الأدوات والوسائل.
ما هي نسبة هذه الوسائل والأدوات إلى وجود الإنسان؟ هل هي مرايا بالنسبة إلى وجوده؟ إن هذا السؤال جوهري جدًا وإن تحليل نسبة نرسيس إلى الماء تبيّن هذه الحقيقة بشكل أدق. نحن عندما ننظر في الماء نرى وجوهنا، ونجد انعكاس صوَرنا في صفحة الماء؛ بيد أن النظر في الماء (أو المرآة) لكي نرى صورنا يمكن أن يكون له معنيان مختلفان، وهما:
1. المعنى التأمّلي.
2. المعنى الإسقاطي للنفس.
لقد كان سقراط يطلب من تلاميذه أن ينظروا إلى أنفسهم في المرآة عند كل صباح ليتعرّفوا على أنفسهم. وقد كان في هذه العبارة يُشير إلى حجر الزاوية في الفلسفة. «تعرّف على نفسك» يمثل الحجر الأساس في الحكمة أو «حبّ المعرفة». لقد كان هرقليطوس يُشير إلى أن «موهبة معرفة النفس تعود بتمامها إلى الناس»، بيد أن الفيلسوف الأسبق والأكثر من غيره في جعل فن معرفة النفس مرسى ومركزًا لجميع أركان حكمته الفلسفية إنما هو سقراط. وقد عمد أفلاطون في الحوارات في رسالة الوليمة ولا سيّما في إلكيبيادس العظيم إلى التعريف به بوصفه معلم معرفة النفس. كان سقراط في ذات هذه الرسالة يؤكد لإلكيبيادس ـ الذي كان يريد الدخول في معترك السياسة المعاصرة والوصول إلى النضج والبلوغ ـ أن عليه قبل الخوض في رتق وفتق الأمور المدنية، أن يتعلم إدارة شؤونه؛ بمعنى أن يتعرّف على نفسه.
إن هذا النوع من النظر في المرآة من أجل معرفة النفس يعدّ نظرة تأمّلية. وهي الغاية من معرفة النفس وقيودها. وكذلك فإن هذا النوع من النظرة يستلزم
معنوية خاصّة، بل إن الأنواع المختلفة من معرفة النفس كانت تشكّل أسسًا لفلسفات الحياة. إن كل واحد من هذه الفلسفات ينطوي على معرفة خاصة بالنفس، وفي ضوئها يتم بيان طرق للحياة. وفي المقابل هناك نوع آخر من النظر في المرآة لرؤية النفس، تتمّ الإشار إلية في أسطورة نرسيس. لقد كان نرسيس مغرمًا بالجمال وقد انحنى له بغرور ليعانق جماله المنعكس في الماء. وكأنه يسقط جماله في الماء أو في المرآة، ويأخذ بالنظر إليه. إنه يبقى حبيسًا لجماله ولا يلتفت إلى الواقع. وإنه يسقط صورته على أداة وآلة لكي يرى نفسه فيها.
كذلك في الفضاء السيبراني نواجه نوعًا من الإسقاط النفسي ورؤية النفس الإسقاطية أيضًا. إن المستخدمين في هذا الفضاء ينظرون إلى قابلياتهم وقدراتهم. إنهم لا يتأملون في أنفسهم. وإنما يجدون فيها امتدادًا لوجودهم. إن الأصل الفلسفي المهم الذي يحكم هذا الفضاء الرقمي يقول لك: انظر إلى التقنية لكي ترى نفسك، وانظر إلى امتداد وجودك وقدراتك من خلالها.
إن فلسفات الحياة تنطوي على اتجاهين مختلفين فيما يتعلق بعلاقة الإنسان وارتباطه بخارجه: فهناك منها ما يؤمن بوجوب الانشغال بالأمور الخارجية، ومنها ما يذهب إلى الاعتقاد بأن الحياة الأفضل رهن بالانشغال بالأمور الداخلية. ومن هنا يتمّ تقسيم هذا النوع من الفلسفات إلى الفلسفات الانطوائية والفلسفات الانفتاحية.
من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن إبيكتتوس كان يعتقد أن الخيار الأهم الماثل أمامنا في الحياة هو: هل يتعيّن علينا أن نشغل أنفسنا بالأمور الداخلية، أم علينا أن نشتغل بالأمور الخارجية؟ حيث يشعر الأشخاص بأن المنافع والأضرار إنما
تصيبهم من الخارج، فإنهم يفضلون التفكير في الأمور الخارجية، ولكنه يرى ـ في ضوء الفلسفة الرواقية ـ أن كل فائدة أو ضرر إنما ينبثق من داخل الفرد، ومن هنا كان يتعيّن عليه التخلي عن الخوض في الأمور الخارجية من العالم ليصل إلى السكينة والحرية والسكوت.
لقد كانت فلسفة ابيكتتوس فلسفة داخلية بالكامل. فقد كان يعمل على تطبيق المنطق المتعارف لتلبية الرغبات بشكل معكوس. لو سألنا أكثر الناس: كيف يمكن الوصول إلى حالة الرضا؟ فسوف يكون الجواب من قبلهم عن هذا السؤال على النحو الآتي: لا بدّ من السعي وبذل الجهد من أجل الحصول على حالة الرضا، وأن تعثر على أساليب مناسبة لتلبية مطالبك ورغباتك، ثم تعمل على تطبيق هذه الأساليب. بيد أن أبيكتتوس يؤكد قائلًا: «لا يمكن الجمع بين الشعور بالسعادة وبين أن تتمنى شيئًا لا تمتلكه». وقد ذهب إلى الاعتقاد قائلًا: «هناك طريق أفضل للحصول على الشيء الذي تريد الحصول عليه، وهو عبارة عن السعي إلى الحصول على مجرّد الأشياء التي يكون الحصول عليها ميسورًا، وبطبيعة الحال عليكم أن تطلبوا خصوص الأشياء التي يمكنكم الحصول عليها». يسعى الناس ـ من أجل الوصول إلى سعاتهم ـ إلى تغيير العالم المحيط بهم، في حين ينصح ابيكتتوس بوجوب تغيير رغباتنا وأنفسنا من أجل الوصول إلى سعادتنا. إن جميع الفلاسفة الذين يبحثون في أسباب امتعاض البشرـ يقترحون العمل بهذه الطريقة. يجب أن تكون أهم رغبة وأمنية لديك عبارة عن عدم الخيبة والإحباط بسبب التعلق بالأمور التي لا يمكنك الحصول عليها. ويجب أن تنسجم رغباتك وأمانيك الأخرى مع هذه الأمنية والرغبة، وإذا لم يكن الأمر كذلك، يجب عليك
قتل تلك الرغبات والآمال في نفسك. فإن أمكنك فعل ذلك لن تعاني بعدها من القلق على تحقيق مطالبك وآمالك، ولن يصيبك اليأس إذا لم تصل إلى ما يتوق إليه قلبك. يرى أبيكتتوس أنك بذلك سوف تكون عصيًا على الانكسار: «إنك إذا أحجمت عن الدخول في منافسة يحتمل فيها أن تنكسر، فسوف لن تنكسر أبدًا».
أما الفضاء الافتراضي فإنه يقوم على نوع من الفلسفة الخارجية. إن الإنسان بدلًا من الانشغال بنفسه ومسائله، يجب عليه أن ينشغل بالفضاء الخارج عنه. وكأن هذه الفلسفة تقول: إن سعادة الإنسان رهن بأن تتجه نظرته على الدوام إلى خارجه. إن هذا الفضاء لا يعمل على دفع الإنسان نحو الاهتمام بخارجه فحسب، بل ويعمل على توسيع «دائرة الخارج» أيضًا. ففي السابق كان خارج الإنسان يمتد إلى الحدود المحيطة به فقط؛ من قبيل: المنطقة التي يقطنها ومكان عمله ومدينته؛ وأما الفضاء الافتراضي فهو يشمل جميع أصقاع الكرة الأرضية. إن المستخدمين لهذا الفضاء يتواصلون مع الأشخاص الذين يسكنون في مختلف البلدان والقارات الأخرى، وينشغلون بمسائلهم. وهذا يعني أن الفضاء الافتراضي يقترن بـ «النزوع الخارجي في حدّه الأوسع»؛ بمعنى أن هذا الفضاء يوفر للإنسان النزعة إلى الخارج في الحدّ الأقصى.
إن من بين خصائص الفضاء الرقمي أنه يشغل الإنسان بالروتين اليومي بشكل يفوق الحدود الطبيعية. وكأن هذا الفضاء قد أقيم على أساس هذه الرؤية الفلسفية وهي أنه ينبغي الانشغال بالمسائل الروتينية واليومية أكثر من ذي قبل. يجب في هذا الفضاء الانشغال بأمور الحياة اليومية والروتينية للمخاطبين. إن هذه الخصوصية في الواقع من تداعيات النزعة الخارجية القصوى.
هناك في الحياة الدينية المثالية نوع من الاعتدال والتوازن بين النزعة الداخلية والنزعة الخارجية؛ بمعنى أن الدين يدعو إلى الخارج ويدعو إلى الداخل أيضًا. ومن ناخية أخرى فقد ارتبطت سعادة الإنسان بالاهتمام بداخله والتعرّف على ذاته، وارتبطت في الوقت نفسه بخارجه واهتمامه بالمسائل المحيطة به. ولا يمكن التضحية بأيّ واحد من هذين الأمرين لصالح الآخر. إن الفلسفات التي تدعو الإنسان إلى الانطواء على نفسه وداخله ـ هي مثل تلك الفلسفات التي تدعو الإنسان إلى الاهتمام بالخارج فقط ـ لا يمكن أن تشكل أساسًا ومبنى للحياة الدينية. إن النزعة الخارجية المفرطة تدفع الإنسان نحو المبالغة في الانشغال بالمسائل والأمور الروتينية، وتجعل الإنسان يغفل عن نفسه بشكل كامل.
لقد أشار فريدريك نيتشه في النموذج الديونيسي بشكل دقيق إلى خصائص فلسفة الحياة بما يتناسب مع الفضاء الرقمي، إذ يقول: «إن الفن الديونيسي يقوم على اللعب والعربدة وحالة الانتشاء. هناك قوتان رئيستان تسقط الإنسان الطبيعي والمتزن في حالة الغياب والغفلة عن الذات والانتشاء النبيل، وهما: بداية فصل الربيع، وشرب المسكرات. وقد تمّ تجسيد تأثير هاتين القوتين بشكل رمزي في تمثال ديونيس. في كلتا هاتين الحالتين يُصاب أصل التفرّد بالخلل، وتختفي الذهنية في مواجهة القوة المتوثّبة للعنصر الأصلي من حياة الإنسان وفي الواقع العنصر الأصلي للطبيعة. إن احتفالات ديونيس لا تربط بين الناس فقط، بل وتقيم صلحًا بين الناس وبين الطبيعة. إن الأرض سوف تمدّ مائدتها المترعة بألوان الطعام بملء رغبتها، وسوف تعيش الحيوانات الضارية والكاسرة مع بعضها في صلح وسلام، وسوف تقوم الفهود والسباع بجرّ عربة ديونيس الزاخرة بالأزهار والرياحين.
وسوف تزول جميع أنواع الطبقيات التي فرضتها ضرورة وسلطة القوى المستبدة على الناس، ويتم تحرير العبيد، ويجتمع الأشراف والراع في حلقات القصف والانتشاء. إن بشارة «التنسيق العالمي» في المجموعات التي ترتفع أعدادها على الدوام تنتقل من مكان إلى آخر، وإن الأشخاص في خضم الغناء والطرب والرقص يثبتون أنهم ينتمون إلى جماعة أسمى وأكثر مثالية، لقد نسي هؤلاء كيف يمشون وكيف يتكلمون، ولكن لا يقف الأمر عند هذا الحد. إنهم يشعرون أنهم قد تغيّروا بالسحر، وإنهم قد تحوّلوا حقًا إلى شيء مختلف. وكما أن الحيوانات تتكلم حاليًا وتتفجر الأرض لبنًا وعسلًا، يصرخ في داخل الإنسان شيء ينتمي إلى ما وراء الطبيعة. يشعر الإنسان وكأنه قد تحوّل إلى إله، وأن ما كان له حضور في خياله فقط، يشعر به الآن وقد تجسّد في شخصه. فما هي الأهمية التي يوليها الآن إلى الصوَر والمجسّمات؟ إن الإنسان لم يعد فنانًا، بل تحوّل بنفسه إلى أثر فني، وأضحى الإنسان يتحرّك على تلك الحالة من النشأة والسمو التي كان يرى الملائكة في منامه تتحرك فيها. هنا تعمل القوّة الفنية للطبيعة على إظهار نفسها، وليست قوّة الفنان المنفرد، هنا يتم صقل طينة أكثر أصالة ومرمر أغلى قيمة، ويتم نحته بالمطرقة. إن الإنسان هو هذا الإنسان الذي عمل ديونيس الفنان على قولبته، وله من النسبة إلى الطبيعة مثل النسبة التي للتمثال إلى الفنان الأبولي».
يجب البحث عن معنى هذه الحياة في الفن والانتشاء. يذهب فريدريك نيتشه إلى القول بالتكافؤ بين الفن الديونيسي والانتشاء. إن الجانب الأصلي للحياة الروتينية عبارة عن الانتشاء ونشاط الإنسان فيها. يجب الحفاظ على هذه الحماسة والنشاط والانتشاء. إن ذات هذا الانتشاء من وجهة نظره يعدّ واحدًا من القيَم
النهائية للحياة. وعلى هذا الأساس فإنها تعدّ نوعًا من نسيان المشاكل وموانع الحياة أيضًا.
إن مراد فريدريك نيتشه عبارة عن كل انتشاء يحصل بطرق غير السكر، من قبيل: الرقص والنشاطات الدينية. وكما هو الحال بالنسبة إلى أوبولو، تعدّ الديونيسية آلية للهروب من الواقعيات والحقائق، غير أن الانتشاء ليس مثل الرغبات. إن الرغبات المنامية تجربة شخصية عن الإعراض عن العالم؛ وأما في الانتشاء الديونيسي فهو ليس نسيان العالم، بل يُعدّ نوعًا من تجربة نسيان الذات. إن الفن الديونيسي أكثر ارتباطًا بالشعر والموسيقى، وبطبيعة الحال فإن فريدريك نيتشه يذعن بأن الاختلاف بين الموسيقى والرسم ليس واضحًا وبسيطًا. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه من المحتمل تمامًا أن يكون لدينا رسم ديونيسي، وكان فريدريك نيتشه ملتفتًا إلى أن الموسيقى تمتلك أبولو بوصفه آلهة حارسة لها. وإن الاختلاف الأهم من ذات الأثر الفني، هو كيفية استجابة الشخص تجاه الأثر الفني. يرى فريدريك نيتشه أن أبولو واصفًا للفردية، في حين أن ديونيس يظهر في الرقص والموسيقى، ويقوّض الفردية مثل بعض أنواع السماع لدى الصوفيين.
وهكذا في الفضاء الرقمي يعيش المستخدمون بانتشاء وانتعاش. إن الفن الديونيسي يصف الحياة الرقمية بشكل دقيق. إن الذي يجري في الحياة الرقمية هو النموذج الديونيسي. إن الحياة الرقمية زاخرة بالحماسة والانتشاء، بل هي مترعة بالحماسة والانتشاء. وبعبارة أخرى: إن الفضاء الافتراضي ليس غير مجرد عن الانتشاء والحماسة فقط، بل هي مترعة جدًا بالانتشاء والحماسة.
إن الكلام أعلاه لا يعني أن هذه النماذج تشير إلى جميع أبعاد الحياة الرقمية، بل تشير في الحد الأدنى بوصفها فلسفة لهذه الحياة إلى أبعاد خاصّة منها. إن أكثر المستخدمين يعيشون في هذا الفضاء. قد لا يكون الكثير منهم بصدد الحصول على المعلومات، وإنما يريدون أن يملأوا حياتهم بهذه الأمور الموجودة في الفضاء الافتراضي فقط. نحن نستفيد من الفضاء الافتراضي على أنحاء متنوّعة. من ذلك أن كل متخصص ـ على سبيل المثال ـ يستفيد منه في حقل اختصاصه. فهو يعمل على جمع المعلومات أو يقيم الارتباط والتواصل مع المتخصصين الآخرين من زملائه في ذات الحقل العلمي، وهكذا. كما أن التاجر يستفيد من هذا الفضاء في تجارته أيضًا. إن هذا النوع من الاستفادة يضيع في ذات هذا الفضاء. كما أننا حيث لم يكن الفضاء الافتراضي كنا نعيش في هذا العالم وكنا نقوم بهذا النوع من النشاطات في هذا العالم أيضًا. لقد كانت طريقة حياتنا «الوجود- في - عالم (عالم الحياة اليومية)». واليوم كذلك «الوجود - في - عالم (الفضاء الافتراضي)» يحدد نمط حياتنا أيضًا، وتقع سائر النشاطات الأخرى في هذا العالم، وتضيع وتختفي فيها.
وفي الواقع فإن الفضاء الافتراضي قد عمل على بلورة أبعاد مختلفة من حياتنا، من قبيل: طلب العلم، والتواصل مع الآخرين، والتجارة والفن وما إلى ذلك. إن الإطار الأصلي لهذه الحياة هو النموذج الديونيسي. إن هذا النموذج يختفي في سائر الأبعاد الأخرى. إن العناصر الأصلية لهذا النموذج تعمل على إخراج حياتنا وتوجيه دفتها. فلو أننا اكتسبنا العلم أو حصلنا على معلومات أو مارسنا التجارة، فإننا إنما نبحث من وراء جميع هذه الأمور عن قيَم الحياة، وهي القيَم التي عمل فريدريك نيتشه على إعادة تعريفها.
(104)
إن النقطة المهمة بشأن الحياة هي أن الحياة المطلوبة مقرونة بالسعادة على الدوام. إن الناس يسعون في الحياة دائمًا من أجل تحقيق السعادة والرفاه، وعلى هذا الأساس كان من بين الأسئلة المحورية في كل فلسفة من فلسفات الحياة، السؤال القائل: ما هي السعادة وكيف يتمّ الحصول عليها؟ إن السعادة ليست مجرّد الشعور بالرضا الشخصي، بل تشمل جميع الأمور التي تؤدّي إلى تطوّر وازدهار الإنسان وتكامله.
«إن كلمة السعادة تستعمل في الغالب بوصفها ترجمة للكلمة الإغريقية «أودايمونا»؛ وهي عبارة مركّبة من كلمتين، وهما «أو» بمعنى الحسن، كما هو الحال بالنسبة إلى كلمة «أوفونيوم[4]» بمعنى «الصوت الحسن». فإن كلمة «دايمونيا» بدورها ترتبط بكلمة «ديمون» أو «دمون» في اللغة الإنجليزية (بمعنى عزازيل والشيطان). وأما من وجهة نظر الإغريق فلم تكن كلمة عزازيل والشيطان تعني الشر أو الخبت، وإنما هي مجرّد روابط وقوى وسيطة بين الناس وبين الكائنات الفانية والآلهات. يمكن للعشق (إيروس) أن يظهر على شكل عزازيل ويتحوّل إلى طاقة مركّبة من الجاذبية والرغبة التي تتبلور لتنشط بين الأشخاص، وتعمل بذلك على الربط بينهم وتقوم بجمعهم. وعلى هذا الأساس
(105)يمكن ترجمة «أودايمونيا» بـ «القوّة الحسنة» أو «الحُسن الداخلي» أيضًا».
إن المفهوم المعاصر للسعادة يختلف عن المعنى اللغوي أعلاه اختلافًا كاملًا. وكما سبق أن ذكرنا فإن المفهوم المعاصر للسعادة قد اقترن برضا وازدهار الإنسان وقوّته وتكامله. نحن إنما نطلق مصطلح السعادة على شخص فيما إذا كان يشعر بالرضا والحبور، وتكون طاقاته متفتقة ومزدهرة وأن يكون قد بلغ مرحلة الكمال.
إن هذا المفهوم يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمفهوم النجاة والفلاح وهما مفهومين دينيين. إن استعمال هذه المفردات يمثل أسلوبًا للتعبير عن هذه الحقيقة وهي أننا في حياتنا نبحث على الدوام عن أشياء تمنحنا القدرة على إدراك جميع أنواع القلق والآلام التي نواجهها؛ بمعنى أننا بصدد العثور على ما يُشعرنا بأننا أحياء، وأن هذه الآلام في حياتنا مهما كبرت فإنها ذات دلالة ومغزى.
يجدر بنا الإشارة إلى رؤيتين في باب الحياة الحسنة للسعادة، وهما عبارة عن: مذهب المنفعة، ومحورية الفضيلة.
1. مذهب المنفعة: بناء على مذهب المنفعة إنما نصل إلى السعادة حيث نقوم بأعمال ممتعة وتستحق الثناء. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ عندما نقدم العون والمساعدة إلى شخص مسكين، يجب أن نتوقع من ذلك الشعور بشيء من السعادة والرضا، وذلك بتأثير من العمل الذي قمنا به. ومن هنا يكون مذهب المنفعة فلسفة تنطوي على محورية النتيجة؛ ببيان أن المشجع على القيام بهذا الفعل أو ذلك الفعل إنما هو النتيجة التي ينطوي عليها ذلك
(106)العمل أو السعادة والشعور بالرضا الذي سيجلبه لنا قيامنا بذلك الفعل.
في هذه الرؤية يتمّ الحث والتشجيع على الملذت والسعادات لما تنطوي عليه من القيمة الآلية. إذن ذات هذه الأعمال من قبيل تقديم العون والمساعدة إلى الآخرين قد لا تعدّ من الأعمال الحسنة في حدّ ذاتها. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ قد يكون هناك من يعارض هذه الأعمال ويقول إن مساعدة الآخرين يعوّدهم على الاتكال على الآخرين. ونتيجة لذلك سوف يكونون على الدوام بحاجة إلى الآخرين، ولن يتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم وبناء حياة كريمة لهم، وقلما سيصلون إلى تحقيق السعادة. وبعبارة أخرى: إن شعورنا الآني بالسعادة يؤدي إلى بؤس دائم لهؤلاء الفقراء. ويدعي أنصار مذهب المنفعة أن علينا عدم إزعاج أنفسنا بطرح هذه الأبحاث، بل يجب علينا القيام بما يُسعد الناس ويجلب لهم الهناء والفرح، ويوجد هذا الاحتمال أيضًا وهو أن يستوجب هذا الشعور في المجموع زيادة الساعدة والفرح لنوع البشر أيضًا. إن أنصار المذهب النفعي يذهبون في هذا المورد إلى الاعتقاد بـ «أصل الفائدة»، بمعنى: «إن الشيء إنما يكون صالحًا فيما لو أدى في العادة إلى زيادة رضى الأشخاص عن الحياة، وتقليل امتعاضهم وآلامهم».
2. محورية الفضيلة: إن السنة الأخرى عبارة عن محورية الفضيلة، وهي التي تعمل على تشجيع الإنسان على القيام بأفعال الخير؛ ولكنها لا تتمحور حول النتيجة؛ بمعنى أنها لا ترى السعادة والرفاه نتيجة مترتبة على العمل الصالح. بل هي تقوم على أساس التمحور حول أخلاق الفضيلة التي تقول إن الأعمال الحسنة يجب القيام بها لأنها أعمال صحيحة وتعدّ نوعًا من الفضيلة بالنسبة إلى الإنسان.
هناك أربع فضائل رئيسة وعامة تعدّ من الفضائل المحورية الخالصة، وكما سوف يأتي فإن المسيحية قد أضافت ثلاث فضائل أخرى على هذه الفضائل، وإن تلك الفضائل الرئيسة والعامّة الأربعة، عبارة عن:
1. فضيلة المقاربة المدروسة: والمراد منها القدرة على إصدار الأحكام الصحيحة والآنية والمستحدثة لحظة بلحظة في هذه الحياة. إن هذه الفضيلة إنما هي في الواقع نوع من العقلانية العملانية.
2. فضيلة الإنصاف: بمعنى تشخيص الأفعال الحسنة والصالحة في العلاقة مع الآخرين.
3. فضيلة الاعتدال: إن هذه الفضيلة يتمّ الحصول عليها من خلال كفّ النفس، وتعني القدرة المسيطر عليها أو القيام بها بصبر ورويّة، حيث يجب التحمّل من أجلها قبل القيام بأيّ عمل.
4. فضيلة الصبر: بمعنى الحصول على شجاعة الحياة بشكل جيد، وهذا الأمر يحتاج في الغالب إلى سلوك طريق شائك ومعقد ويستلزم الكثير من الصبر.
إن الفرد من خلال توظيفه لهذه الفضائل سوف يكتشف الطريق إلى الحياة الصالحة، وسوف يعيش تجربة ذلك في نفسه. وأما الفضائل الثلاثة الأخرى التي تمّت إضافتها في المسيحية، فهي عبارة عن:
1. فضيلة الإيمان: بمعنى التعهّد والثبات حتى في ذروة اليأس والخمول والتردد والاهتزاز.
2. فضيلة الأمل: بمعنى نوع من القوّة والطاقة الداخلية التي تعمل على إحياء الشوق لدى الإنسان، وتجعله أكثر عزمًا وتصميمًا على سلوك الطريق من أجل الوصول إلى الحياة الصالحة.
3. فضيلة الحبّ: وهي الفضيلة التي تستلزم التعاطي الودود والمشفق مع الذات ومع الآخرين. إن الحياة الصالحة تحتاج إلى العفو والصفح عن الأفعال الخاطئة الصادرة عن الشخص أو عن الآخرين، وهذا لا يمكن إلا من خلال حبّ الشخص لنفسه ولأبناء جلدته.
من الجدير قوله إن الأخلاق يمكن مشاهدتها على شكلين:
1. في مقام التعريف: هناك الكثير من النظريات الأخلاقية في مقام التعريف، ومن بينها: مذهب المنفعة، ومحورية الفضيلة، والذرائعية، ونظرية الأمر الإلهي وما إلى ذلك. ولكل واحدة من هذه النظريات أنصارها في تاريخ فلسفة الغرب.
2. في مقام التحقق: في مقام التحقق يتعيّن علينا أن نرى أيّ واحدة من هذه النظريات هي التي تسود المجتمع الغربي؟ أو أيّ نظرية أخلاقية تعبّر عن نفسها في الفضاء التكنولوجي؟ وكذلك: ما الذي يحدث في الفضاء السيبراني؟ وما هو مقتضى هذا الفضاء في الدرجة الأولى؟ وهي تركيبة وبنية هذا الفضاء بشكل يسوق المستخدمين نحو القول بالمذهب النفعي؟ إن هذا النوع من الأسئلة يرتبط بمقام التحقق، بمعنى إنها ترتبط بما يجري في الواقع.
لقد سعى بعض فلاسفة التقنية من أجل توسيع دائرة الفضائل الأخلاقية في الفضاء التكنولوجي والفضاء الافتراضي والتأسيس لمبانيه. يقول فلور في هذا الشأن:
«علينا أن نبلور في أنفسنا على نحو جماعي نوعًا خاصًا من الخصائص الأخلاقية، وأن تكون من الخصائص التي تعمل على بيان ما أسمّيه بـ (الفضائل
الأخلاقية / الفنية). إن الأخلاق ترتبط بذلك الشيء الذي كان يُسميه الفيلسوف الإغريقي سقراط بـ «الحياة الصالحة»؛ وهي: نوع من الحياة الجديرة بالإنسان، والتي تنطوي على قيمة الانتخاب من بين مختلف طرق الحياة. ففي الوقت الذي تكون هناك أنواع مختلفة من الحياة التي تحتوي على قيمة الاختيار، إلا أن الكثير منا يتفق على أن هناك بعض أنواع الحياة التي تشتمل على قيمة الاختيار أيضًا؛ إذ لدينا خيارات أفضل. إن الحياة المعاصرة للإنسان قد ارتبطت بالتقنية. ومن هنا فإن النظرية الأخلاقية المعاصرة، بمعنى النظرية التي تعدّ بوصفها حياة صالحة للإنسان، يجب أن تحتوي على فهم صريح لكيفية الحياة الصالحة المقرونة بالتكنولويات ، ولا سيّما التكنولويات التي لا تزال في طور الظهور. إن الروبوت والذكاء الاصطناعي والتكنولويات الجديدة في الارتباطات الاجتماعية، والرقابة الرقمية والتكنولويات الأحيائية الطبية، تعدّ من جملة الابداعات المستحدثة التي تعمل بشكل جوهري على تغيير أنواع الحياة التي يمكن للإنسان أن يختارها في القرن الحادي والعشرين وما بعده».
من الواضح أن الفضائل الأخلاقية / الفنية مجرّد توصيات لا أكثر، وليس هناك بعد في مقام التحقق وجود لمثل هذه الأخلاق في الفضاء السيبراني. وبعبارة أخرى: إن هذا النوع من الفضائل يرتبط بمقام التعريف أكثر من ارتباطه بمقام التحقق. إن الذي تحقق في الفضاء السيبراني ليس هو الفضائل الأخلاقية.
لا شك في أن الدين قد ارتبط بالأخلاق. وقد أشار فيرنون إلى هذه النقطة بشأن الارتباط بين الدين والأخلاق، قائلًا: «سواء أحببنا ذلك أم لم نحب، فإن
(110)الدين لم يكن بعيدًا أبدًا عن الأبحاث الأخلاقية. إن الحياة الصالحة من الارتباط العريق بالحياة الدينية بحيث ـ بغض النظر عن كمية الرغبة التي نمتلكها أو لا نمتلكها ـ لا يمكننا تجاهل الأبحاث المرتبطة بالإيمان والاعتقاد؛ ولكن هناك من يذهب إلى الاعتقاد بأن المنكرين لوجود الله يباح لهم كل شيء. هناك من الأشياء ما يصدق بالنسبة إلى جميع الأشخاص، ويكفي أن تكون إنسانًا فقط لكي تتعرّف عليها: حياة الطفل، وحبّ الإخوة في الإنسانية، واحترام الموتى».
إن بعض الأخلاقيات لها جانب إنساني؛ بمعنى أن عموم البشر يفهمونها، دون أن يقدّم الدين وجهة نظره في هذا المورد. إن هناك بين الدين والأخلاق ارتباطًا لا ينفصم؛ بيد أن بحثنا في هذا المورد ليس الخوض في هذه القضية. وإنما نكتفي هنا بمجرّد بحث النقاط المرتبطة بالفضاء السيبراني. سبق أن ذكرنا أن أخلاق الاعتقاد بالمنفعة هي الحاكمة في الفضاء السيبراني؛ ولكن ما هي صلة الدين بأخلاق المنفعة؟ وهل الدين قائم على الأخلاق التي تتمحور حول الفضيلة؟ إن طرح هذه الأسئلة إنما تكمن أهميته من حيث أنها تساعدنا على اكتشاف ارتباط ونسبة الفضاء السيبراني إلى الدين من الناحية الأخلاقية.
قد نقبل بنسبة النظريات الأخلاقية إلى الدين في مقام التعريف، وقد تم بيان مختلف النظريات في هذا الشأن طوال التاريخ. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن هناك من اعتبر نظرية «الأوامر الإلهية» أو الشهود الأخلاقي أساسًا للأخلاق الدينية وما إلى ذلك. بيد أن الدين قد ارتبط بأخلاق الفضيلة في مقام التحقق. لو أن شخصًا متدينًا لا يتحلى بالفضائل الأخلاقية، فسوف يكون تديّنه موضع شك وإشكال.
لدى المستخدمين للفضاء الافتراضي تجعلهم متطلبين للمزيد من الناحية العملية في حياتهم بالنسبة إلى الفضاء الرقمي. إنهم نادرًا ما يستخدمون هذا الفضاء الافتراضي. وبعبارة أخرى: إن الأصل الأساسي الفلسفي هو الذي يحكم الفضاء الرقمي من الناحية العملية، ويعمل على تحديد فلسفة الحياة فيه أيضًا. إن هذا الأصل يتم اختصاره على النحو الآتي: «إن الارتباط بالإنترنيت والهاتف النقال حسن، والانفصال عنهما قبيح». إن هذا الأصل الفلسفي مرشد للحياة الرقمية، وإن أكثر الساكنين في الفضاء الافتراضي يعملون على استخدامه. ونحن نسمي هذا الأصل بـ «النزعة التكثيرية العملية»؛ وبطبيعة الحال لا بدّ في هذا المورد من التفريق بين مقام العمل وبين مقام النظر. إن أصل النزعة التكثيرية أصل مرتبط بمقام العمل؛ وأما في مقام التنظير فربما نكون من القائلين بالنزعة التكثيرية أو من القائلين بالنزعة التقليلية، وكما سوف نقول هناك نوعان من الفلسفة في مقام التنظير في حقل الاستفادة من الفضاء الافتراضي، وهما: النزعة التكثيرية والنزعة التقليلية؛ بيد أن أغلب المستخدمين في مقام العمل هم من القائلين بالنزعة التكثيرية، وليسوا من القائلين بالنزعة التقليلية.
إن لهذا الأصل مبنى نفسيًا خاصًا أيضًا. لقد سلّم المستخدمون من الناحية النفسية بأنهم كلما استفادوا من هذا الفضاء كان ذلك أفضل؛ وبطبيعة الحال قد تكون لديهم أسباب نفسية مختلفة على نزعتهم التكثيرية العملية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن بعضهم يذهب إلى الاعتقاد بأن الاستفادة القصوى من هذا الفضاء تستدعي الحصول على المزيد من الشهرة أو المزيد من العلم أو المقام الأرفع وما إلى ذلك.
سبق أن ذكرنا أننا اليوم نواجه في مقام التنظير فلسفتين مختلفتين للاستفادة من الفضاء السيبراني، وهما:
1. النزعة التكثيرية الرقمية.
2. النزعة التقليلية (الاعتدالية) الرقمية.
إن النزعة التكثيرية الرقمية رؤية لها الغلبة حاليًا في المجتمعات المعلوماتية، وبناء على الضرورة يجب أن تستفيد ما أمكنها من المزيد من المعلومات الرقمية. إن هذا الادعاء الفلسفي يحتوي في صلبه على هذه المعادلة الطردية القائلة: «كلما كان ذلك أكثر كان أفضل». وقد أشار باورز إلى هذه الفلسفة بوضوح، حيث قال: «من الناحية العملية نحن منشغلون بالحياة مع فلسفة، وإن كان ذلك يحدث على المستوى اللاشعوري. وهي الفلسفة التي تعتقد:
1. إن إقامة الارتباط من طريق الأدوات والوسائل الرقمية مستحسن.
2. كلما كان هذا الارتباط أكثر كان ذلك أفضل.
وأنا أسمي هذه الفلسفة بالجشع الرقمي؛ لأن غايتها إيصال المدّة الزمنية للاستفادة من الصفحات الرقمية إلى الحدّ الأقصى. قلما نجد من بيننا من يعتبر هذه الفلسفة تمثل أسلوبًا عقلانيًا، ولكن تعالوا لنواجه هذه الحقيقة وهي أننا نعيش في هذه الفلسفة .. هناك إجماع في حالة ظهور يقوم على أساس أن الأسلوب الراهن يؤدي إلى جميع أنواع المشاكل بالنسبة لنا. نحن نشعر بهذه النقطة في حياتنا اليومية؛ بمعنى أننا بحاجة دائمة إلى الذهاب نحو الصفحات الرقمية والعجز عن تهدئة وكبح جماح تفكيرنا وتركيزنا. ويبلغ هذا الشعور ذروته في البيت وفي المدرسة وفي العمل. وقد تمّ تقديم مختلف الحلول في هذا الشأن ابتداءً من برامج العلاج السلوكي وصولًا إلى البرامج المرنة لإدارة مسار المعلومات. بيد أنه لا
شيء من هذه الحلول كان مؤثرًا أو ناجعًا، وإن النزعة التكثيرية في الإقبال على الوسائل الرقمية لا تزال هي الحاكمة».
وقد تعرّض غراهام إلى بيان مسألة «الأيديولوجية التكنولوجية». في العصر الجديد تحوّلت التقنية إلى أيديولوجيا، وإن لهذه الأيديولوجية في الحدّ الأدنى جانبين مهمّين:
1. لقد أشار غراهام إلى الشغف التكنولوجي. إن الأيديولوجيا التكنولوجية أكثر ما ترى بين المنبهرين بالتقنية، فهم يرون أن الإبداعات التكنولوجية هي الإكسير الذي يمكنه تسكين جميع الأوجاع ومعالجة كافّة الأدواء. إن مصطلح «عشاق التقنية» عنوان تم إطلاقه للمرّة الأولى من قبل نيل بوستمان، وطبقًا لتعريفه فإن هؤلاء قد شغفوا حبًا بالحاسوب كما ينبهر العاشق بمعشوقه. ولذلك فإنهم لا يرون فيه أيّ عيب أو خلل، ولا يخشون منه على أنفسهم أو مستقبلهم أبدًا. وعلى الرغم من اتفاق غراهام مع بوستمان في هذا المورد، حيث يذهب إلى ذات العقيدة، وله انتقاداته التي يوجهها إلى الذين يهيمون شغفًا بالتقنية؛ ولكنه يلتفت إلى هذه النقطة المهمّة وهي أن العمل بالكامبيوتر يحمل معه درجات كبيرة من الحماسة والشوق، وعندما تبلور الويب سايت في العالم للمرّة الأولى، قام عدد كبير من أكثر الأشخاص ذكاء بالعمل على حلّ المسائل الفنية للويب سايت بحماسة عارمة، وتبرّعوا بوضع الكثير من طاقاتهم الكثيرة تحت تصرّف الفضاء السيبراني، وكان الدافع والمحرّك الأساسي بالنسبة لهم هو ذات المسألة الفنية؛ وعلى هذا الأساس فإن البُعد الأول الأيديولوجي التكنولوجي
هو أنه تتمّ الحيلولة دون حلّ المسائل التكنولوجية بشكل تلقائي ودون الالتفات إلى أيّ نوع من الملاحظات بشكل هادف. وبعبارة أدق: إن الوسيلة هي الملاحظة الأهم (وربما هي الوحيدة) المطروحة، وقد تمّ نسيان الغاية والقيَم التي يجب على الوسيلة أن تكون في خدمتها.
2. إن البُعد الأيديولوجي التكنولوجي الآخر أنه يفترض أن أكثر تكنولوجياتي المعاصرة هي الأفضل أيضًا. إن المعنى يعدّ واحدًا من الخصائص المهمة في الشغف التكنولوجي؛ حيث أن العالم المعاصر يرزح اليوم تحت وطأة وسيطرة الإبداعات التكنولوجية، وهو المفهوم الذي يتمّ الحديث عنه بعنوان التكنوبول. في المجتمعات الآلية كانت التقنية في خدمة الأهداف، وكانت الأهداف في حدّ ذاتها مستقلة عن عن التقنية بل ومقوّمة للكينونة التكنوبولية، وتعمل على العكس من ذلك بحذف وإلغاء آرائها.
وقد أكد نيوبورت على النزعة التقليلية الرقمية، ويسعى إلى تقديم صورة لها. وقد أقام الفلسفة التقليلية الرقمية على أساس ثلاثة أصول، وهي عبارة عن:
الأصل الأول (تكلفة التشتت): لقد أدرك الاعتداليون الرقميون ـ وهم مصيبون في هذا الإدراك ـ أن تشتت انتباههم وأوقاتهم بعدد كبير من الأدوات والبرمجيات وخدمات الفضاء الافتراضي يؤدّي إلى تكاليف إضافية، وأن ضررها في المجموع أكبر بكثير من فائدة كل واحدة منها على انفراد.
الأصل الثاني (التحسين مهم جدًا): يدرك الاعتداليون الرقميون أن إدراك التقنية الخاصة يساعدهم في الوصول إلى أهدافهم وقيَمهم أم لا، يقع في الدرجة الأولى من الأهمية، وإنه من أجل استخراج جميع الفوائد الكامنة في الأداة والوسيلة يجب العمل أولًا على بحث أساليب الاستفادة منها بشكل دقيق.
الأصل الثالث (الاستفادة الصحيحة والواعية من التقنية، أمر يبعث على الرضا): يُعرب الاعتداليون الرقميون عن رضاهم بتمسكهم في الاستفادة الواعية والإرادية من الإمكانات والتكنولويات التي يوفرها لهم الفضاء الافتراضي. إن منشأ هذا الشعور والإحساس بالرضا عبارة عن القرارات الدقيقة التي تضفي على حياتهم الكثير من المعاني.
إن الفكرة الأصلية للاعتدالية تعود ـ من وجهة نظر نيوبورت ـ إلى العهد القديم، وقد تمّ الدفاع عنها مرارًا وتكرارًا؛ وعلى هذا الأساس فإن حقيقة أن هذه الفكرة القديمة قد تصدق في مورد التقنية الجديدة التي يتمّ التعريف بها في العصر الراهن كثيرًا، لن يكون مفاجئًا إلى حدّ كبير. ومع ذلك فإنه طوال العقدين الأخيرين مع الظهور المتجدد للنزعة التكثيرية في التقنية المعرّفة، يرد الادعاء بأنه حيث تكون التقنية موجودة في البين ترد مقولة «كلما كان أكثر كان أفضل»؛ بمعنى أن المزيد من التواصل يؤدي إلى الحصول على المزيد من المعلومات والمزيد من الخيارات.
إن هذه الفلسفة تتماهى بشكل ذكي وببساطة مع «النزعة الإنسانية المتحررة»، لتعمل بحسب المصطلح على منح الأشخاص مزيدًا من الحريات، وتؤدي إلى اعتبار الحيلولة دون الاستفادة من شبكات التواصل الاجتماعي وعدم، متابعة آخر الحوارات على البث المباشر، يبدو بوصفه عملًا منافيًا للحرية.
وقد دافع باورز بدوه عن الاعتدالية الرقمية بشكل آخر أيضًا. فقد أشار إلى أن لفوكو عبارة جميلة في توصيف الأدوات الفلسفية؛ حيث تساعدنا على تغيير أنفسنا وحياتنا على نحو أفضل. يطلق فوكو على هذه الأداة الفلسفية عنوان «تقنية الذات». ونحن ـ على حد تعبير باورز ـ نحتاج اليوم إلى تقنية جديدة للذات في مواجهة العالم الرقمي.
لقد قدّم نيوبورت بدوره أدلة على أساس ثلاثة أصول اعتدالية رقمية. وإن الدليلين الأول والثاني ينطويان في الغالب على حالة علمية وقد تمّ طرحهما وبيانهما على أساس الاقتصاد، وأما الدليل الثالث فهو ينطوي على صيغة فلسفية نسبيًا. وإليك هذه الأدلة الثلاثة على النحو أدناه:
1. الاقتصاد الزمني (الاقتصاد الجديد لثورو).
2. المنحنى الارتدادي.
3. رجحان الاحتياط (الاختراق على الطريقة الأميشية).
وفيما يلي سوف نبيّن كل واحد من هذه الأدلة على نحو الإجمال.
إن لثورو أصل اقتصادي يوفّر على أساسه دليلًا قويًا لأول أصل اعتدالي، وهو أن «الأكثر» يمكن أن يعني «الأقل» في الواقع. وقد ألف لبيان هذا الدليل كتابًا يحمل عنوان «والدن»، تحدّث فيه عن تجربة شخصية عن الحياة في الطبيعة والتكاليف اليومية لهذه الحياة. ثم على أساس التكاليف ومقارنتها بالأجرة التي يحصل عليها في كل ساعة، توصل إلى نتيجة قيّمة وهي: ما هو مقدار الوقت الذي يتعيّن عليه التضحية به من أجل هذا النمط من الحياة في الطبيعة. وقد تحوّلت هذه النظرية لاحقًا على يد غروس (الفيلسوف المعروف) إلى الزمان. وبعبارة أخرى: لقد تحوّل الميزان النقدي في نظريته الجديدة إلى ميزان زمني: «إن تكلفة كل شيء هو الميزان الزمني الذي نطلق عليه تسمية العمر؛ وهو الشيء الذي يتعيّن علينا مقايضته فورًا أو خلال مدّة طويلة إلى الشيء الذي نريد الحصول عليه».
إن هذه النظرية الجديدة قد أدّت إلى إعادة النظر بشكل جذري في الثقافة الاستهلاكية التي أصبحت شائعة في عصر ثورة. إن النظريات الاقتصادية ترتكز
بشكل معياري على الأرباح المالية والنتائج المادية؛ وأما الاقتصاد الجديد لثورو فهو يرى أن هذا النوع من المحاسبات ناقص على نحو تام؛ وذلك لأنه لا يأخذ تكلفة المزيد من العمر من أجل الوصول إلى الربح المالي الإضافي بنظر الاعتبار. وقد تم طرح هذه الرؤية الجديدة لثورو في علم الاقتصاد وفي المرحلة الصناعية، بيد أن الذي يحظى بالأهمية هو المعنى العميق لهذه النظرية حيث يمكن توظيفها في الحياة الرقمية المعاصرة أيضًا. إن الأصل الأول للنزعة التقليلية في الفضاء الرقمي يُشير إلى التكلفة العالية للاستغراق في الفضاء الافتراضي. إن نظرية الاقتصاد الجديد لثورو تساعد على بيان أسباب هذه المسألة.
عندما ينظر الأشخاص إلى أفعال أو أدوات خاصة، يركّزون في الغالب على الفائدة التي تنطوي عليها. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الحضور الناشط والفاعل في شبكة تويتر قد يعمل على توفير فضاء للارتباطات الجديدة والممتعة بالنسبة إلى المستخدمين، أو أن يضعهم أمام الأفكار والأخبار التي لم يسبق لهم أن تعرّفوا عليها. إن الرأي الاقتصادي المعياري يرى أن بعض هذا التوظيفات مفيد؛ بمعنى أنه كلما كان استخدام هذا النوع من الأدوات أكثر كان ذلك أفضل، وإن ملء جميع أوقاتكم بهذا النوع من المصادر القليلة القيمة كلما كان أكثر، يبدو زاخرًا بالمعنى. وأما الرؤية الاقتصادية لثورو فإنها تريد منك أن تنقص المنفعة التي تحصل عليها من هذه الأدوات من التكلفة التي تضيع من عمرك. يتساءل ثورو قائلًا: ما هو مقدار الوقت والاهتمام الذي يتعيّن عليك أن تبذله وتضحي به في قبال الحصول على المنافع الصغيرة والأخبار الجديدة التي تصلك من خلال التواجد المفرط والمبالغ به في صفحة تويتر؟ من زاوية أوسع عندما تضع المدة الزمنية لحضورك في صفحة تويتر مع عدد من النشاطات على الشبكات العنكبوتية الأخرى التي تأخذ حيّزًا كبيرًا من اهتمامك، سوف تكون التكلفة
(118)التي يتكبدها عمرك باهظة وعالية جدًا. ولهذا السبب يُعدّ الاستغراق في الفضاء الافتراضي خطيرًا. إن كل شخص قد ينخدع بأدنى ربح يحصل عليه من هذه القنوات والصفحات، ويدفع بإزائها ثمنًا باهظًا؛ إنها تكلفة تنقص من أهم ثروة نمتلكها، ونعني بذلك عمرنا بجميع لحظاته.
إن الذي يريده منا ثورو ـ في الحقيقة والواقع ـ هو أن نعتبر دقائق عمرنا شيئًا أهم وأكثر قيمة، بل وأن نعدّه من أهم ما نمتلكه في حياتنا، وأن نحسب على الدوام ما هو المقدار الذي نهدره من أعمارنا في مختلف النشاطات التي نقوم بها في شبكات التواصل الاجتماعي. لو نظرنا بهذه الرؤية إلى عاداتنا، فسوف نصل إلى ذات النتيجة التي توصل إليها ثورو في زمانه: إن أكثر الأوقات التي ننفقها على الأشياء غير الضرورية التي نتخم بها حياتنا، هي في الواقع أكبر بكثير من المنافع الصغيرة الي يمكن أن نحصل عليها من كل واحدة من هذه الإضافات.
إن قانون الناتج النزولي معروف لكل من له اهتمام بعلم الاقتصاد. إن هذا القانون يرتبط بتحسّن المسارات الإنتاجية، ويقول: في المستويات العليا تحصل في بداية الأمر زيادة من الناتج مع ارتفاع الاستثمار بالنسبة إلى المزيد من المواد الأولية، ولكن بعد مدّة وبالتدريج سوف نواجه محدوديات وقيود طبيعية، ومن هذه النقطة فصاعدًا سوف نحصل من مزيد الاستثمار على ربح أقل وأقل بشكل مستمر.
لو أنك أخذت هذا القانون بالنسبة إلى مسار الإنتاج والمصادر الأولية الخاصة بنظر الاعتبار، وعملت على وضع القيمة الحاصلة على محور عمودي، ووضعت حجم مصادر الاستثمار على محور أفقي، فسوف تواجه هذا المنحني المعروف. في البداية حيث تؤدي الزيادة الأكبر إلى النموّ المتسارع للناتج، يكون للمنحني نموًّا تصاعديًا متسارعًا؛ ولكن مع مرور الوقت حيث يتناقص عائد الثروة، يستقيم
منحني الرسم البياني أيضًا. والحقيقة هي أن التعامل بين المسارات والمصادر قد أدّى إلى تحوّل هذا القانون إلى أحد العناصر الأساسية لنظرية الاقتصاد الحديث. وهنا سوف نسعى إلى تفصيل وبسط هذا القانون الاقتصادي فيما يتعلق بالتقنية الحديثة لإنتاج القيمة في حياتنا.
بالنظر إلى مسارات التقنية الشخصية، عليك التركيز بشكل خاص على الطاقة التي تؤدّي إلى مجرّد رفع القيمة التي تنتظرها من هذه المسارات التي توجدها في حياتك؛ من قبيل مجرّد اختيار الأدوات الأفضل أو الاستراتيجيات الأكثر ذكاء في الاستفادة منها. لو أنك رفعت من الاستثمار في الطاقة من أجل التحسين والتطوير، فإن القيمة التي ستعود إليك من هذا المسار سوف تكون أكثر أيضًا. وفي البدايات سوف تكون عائدات الاستثمار كبيرة جدًا، بيد أنه وفي ضوء قانون الناتج النزولي بعد الوصول إلى الحدّ الطبيعي سوف تتناقص هذه الزيادة شيئًا فشيئًا لتصل إلى أدنى مستوياتها. لتوضيح هذا الموضوع لنفترض أنك لم تكن على معرفة بالأخبار ويتعيّن عليك أن تعطي من وقتك مساحة للحضور والتواجد في الشبكات ومواقع التواصل الاجتماعي. إن هذه المشاركة في بداية الأمر تفلح إلى حدّ ما في إيصالك إلى غايتك، وسوف تُضاف إلى معلوماتك زيادة بالنسبة الى الفترة الزمنية التي لم تكن فيها تمتلك شبكة للإنترنيت. في هذه المرحلة تكون جهودك من أجل التحسين والتطوير قد آتت أكلها، وتكون الفائدة التي جنيتها من مسار الاستفادة الشخصية من التقنية للإطلاع على الأخبار والمعلومات قد شهدت زيادة كبيرة. والآن تستطيع تحديث معلوماتك برضى تام، وسوف يكون للفضاء الرقمي تأثير محدود جدًا على وقتك واهتمامك؛ ولكن طبقًا لقانون العائد السلبي تكون في هذه المرحلة قد اقتربت من الحدّ الطبيعي، وبعد ذلك سوف يكون التحسين والتطوير الأكبر لهذا المسار (الحصول على المزيد من الأخبار
(120)والمعلومات) أكثر صعوبة وتعقيدًا. وبعبارة أخرى: تكون في هذه المرحلة قد اقتربت من القسم الثاني من المنحني العائد.
إن سبب الأهمية الخاصة للأصل الثاني للاعتدالية هي أن الكثير من الناس يستهلكون القليل جدًا من الطاقة على هذا النوع من التحسينات. إن التبرير والتفسير الاقتصادي الأفضل لهذا المدّعى هو أن مسارات شخصنة التقنية يقع بالنسبة إلى الكثيرين في القسم الأول من منحني العودة، بمعنى أنه يؤدّي إلى ذات الموضع الذي بذلت فيه الجهد والاستثمار المضاعف من أجل تحسين التطوّر والتقدّم الملحوظ. وهذه هي الحقيقة التي تسوق الاعتداليين الرقميين نحو الأصل الثاني، وهو أنه لا يجب التركيز على نوع التقنية التي يتمّ انتخابها فحسب، بل ويجب أخذ كيفية الاستفادة منها بنظر الاعتبار أيضًا.
إن المسار التحسيني الآخر الشائع بين الاعتداليين الرقميين عبارة عن إلغاء وحذف مواقع التواصل الاجتماعية من على هواتفهم النقالة. إذ يمكن لهم ـ من خلال تجوالهم في حاسوبهم ـ الوصول إلى الكثير من هذه البرامج، ومن خلال حذفهم للبرمجيات لن يفقدوا شيئًا مهمًا، بل وسوف يتخلون في الوقت نفسه عن عادة التجوال التلقائي على مختلف برمجيات الهاتف النقال أيضًا. ونتيجة لذلك تتناقص الفترة الزمنية التي كان يتم تخصيصها طوال الليل والنهار على هذه الخدمات الفاقدة للقيمة.
هناك سببان رئيسان يدعوان المستخدمين عادة إلى عدم أخذ الأسلوب الاعتدالي الرقمي على نحو جاد، وهما كالآتي:
السبب الأول: إن الكثير من هذه التكنولويات لا تزال جديدة نسبيًا وبالتالي قد تبدو من الجاذبية والإلهاء بحيث يختفي معها السؤال الجاد والأساسي حول القيمة الخاصة والمنفعة التي يمكن أن تنطوي عليها تحت ظاهرها الخلاب.
(121)
السبب الثاني وهو أقل سلبية من السبب الأول عبارة عن: إن التشكيلات الاقتصادية التي عملت على التعريف بهذه التكنولويات، لا تريد لنا التفكير بالتحسين والتطوير؛ إذ كلما زادت الفترة الزمنية والوقت الذي تنفقه على هذه البرامج، كان ذلك يعني تقديمك المزيد من الأرباح لهذه الشركات. إن الشيء الذي يريدونه عبارة عن توفير نوع من البيئة الممتعة والملهية التي تعمل على التجوال فيها دون هدف أو غاية، ولا تواجه فيها أشياء ممتعة وجذابة إلا على سبيل محض الصدفة. إن هذه الذهنية من الاستفادة التامّة والعامّة للأشخاص من هذه البرمجيات الرقمية، تجعل عمل هذه التشكيلات من أجل استثمار الذهن وسوء الاستفادة من نقاط ضعف البنية النفسية للإنسان أيسر بكثير.
لو نظرت إلى عالم التقنية بهذه الذهنية، وهي أن لكل واحد من هذه البرمجيات مجموعة من المواصفات الخاصّة، فسوف تنفق فترة زمنية أقل عليها. ولهذا السبب بالتحديد نجد أن هذه الشركات المنتجة للبرمجيات والمواقع الاجتماعية لا تقوم بأيّ توضيح شفاف للمهام الخاصة لهذه البرمجيات. من ذلك أن إدار الفيس بوك ـ على سبيل المثال ـ قد ذكرت في إعلانها أن الغرض من تأسيس هذه القناة هو تمكين الأشخاص من تشكيل التكتلات الاجتماعية وتقريب الأشخاص من بعضهم. إن هذه الغاية في المجموع تعتبر غاية إيجابية، ولكن لم تذكر هذه الإدارة أي توضيح دقيق بشأن كيفية الاستفادة من هذه المنصة لتحقيق هذه الغاية. ويتم الاكتفاء في الواقع بمجرد الإشارة إليك بطرف الإصبع كي تلتحق بهذا المجتمع الذي أسسوا له وأن تشرك الآخرين بما تريد قوله، وتزيد من التواصل والارتباط بهذا المجتمع، عسى أن تقع في نهاية المطاف بعض الأحداث السائغة.
وأما إذا استطعت أن تبتعد عن هذه الرؤية، وأن تنظر إلى هذه التكنولويات بوصفها مجرد أداة يمكن الاستفادة منها بتفكير وتدقيق من أجل هدف وغاية
(122)خاصة، فسوف تكون قادرًا على تطبيق الأصل الثاني من الاعتدالية بشكل صحيح، وأن تبدأ عملية التحسين والتطوير بشدّة. عندها سوف تتمكن من توجيه منحني العائد نحو الاتجاه التصاعدي والاستفادة من مزاياها المذهلة والمبهرة. إن العثور على الأدوات النافعة والمفيدة إنما هو الخطوة الأولى في اتجاه تحسين حياتك. إن الفوائد الحقيقية إنما تظهر عندما تكتشف كيف تستفيد من كل أداة على النحو الأفضل.
إن الأميش يجعلون أي بحث جادّ حول تأثير التقنية والحداثة في ثقافتنا أمرًا معقدًا. إن الأميش طائفة مسيحية أمريكية تعيش في الولايات المتحدّة الأمريكية لا تسمح بدخول أيّ نوع من أنواع التقنية إلى حياتهم. إن الفهم الشائع عن طريقة حياة هذه الطائفة هو أنهم قد تجمّدوا في الزمان، ولا يستخدمون أيّ أداة أو وسيلة دخلت إلى القارّة الأمريكية بعد منتصف القرن الثامن عشر للميلاد. من هذه الزاوية يُعدّ هذا النمط من المجتمعات بشكل رئيس كما لو كان متحفًا متحرّكًا وحيًا قادمًا من المرحلة القديمة ليثير إعجابنا وتعجّبنا في آن واحد؛ ولكن عندما نتحدّث مع المحققين الذين درسوا وحققوا بشأن هذه الطائفة، فسوف نسمع حقائق مذهلة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن جون هوستلر الذي ألف كتابًا حول هذه الطائفة، يقول: «إن الأميش ليسوا بقايا من ثقافة تنتمي إلى مراحل سابقة، وإنما هم مظهر لشكل مختلف عن الحداثة». بل هناك من الخبراء من ذهب إلى أبعد من ذلك، وقال: «إن الأميش يمكن لهم أن يكونوا أيّ شيء باستثناء الاعتراض على التقنية. إنهم في الحقيقة والواقع مخترقون عباقرة وحرفيون متبحّرون يصنعون وينتجون كل شيء بأنفسهم. بل وإنهم في بعض الأحيان يذهبون في تأييدهم للتقنية بحيث لا تمتلك معها إلا التعبير عن الإعجاب بهم».
كما أن مشاهدات المحققين الآخرين بدورها تؤيّد هذه المعطيات أيضًا؛ ولذلك فإنها تبطل الاعتقاد العام القائل بأن الأميش لا يستخدون التكنولويات الحديثة بأيّ وجه من الوجوه. إنهم في هذا العالم المعقد والمتطرّف يستفيدون من الأسلوب التفكيكي والبسيط في الوقت نفسه لمواجهة التقنية ، فيبدأون بالأشياء التي تحتوي على قيمة بالنسبة إليهم، ثم يسألون أنفسهم: هل التقنية الخاصة تساعدهم في الوصول إلى تلك القيَم على نحو أسرع وأفضل أم لا؟ إن السؤال الذي يواجهونه عادة، على النحو الآتي: «هل يتوقع من هذه الأداة أن تساعدنا أم هي على العكس من ذلك تسعى إلى تحطيمنا؟ وهل من المتوقع أن تزيد من اتحادنا وتوثيق عُرى مجتمعنا، أم هي على العكس من ذلك تسعى إلى تفكيك مجتمعنا؟».
عندما تظهر تقنية جديدة، تجد هناك على الدوام شخصًا متربّصًا ومتعلقًا بالعالم الرقمي في المجتمع الأميشي، حيث يسارع إلى القس في منطقته، ويحصل على إذن منه باقتناء تلك التقنية والاستفادة منها. وفي أكثر الموارد يصدر القس موافقته على ذلك، ثم يقوم جميع الأشخاص بدراسة وبحث استخدام هذا الشخص لتلك الأداة والوسيلة ومدى تأثيرها في أهم القيَم التي ينشدونها من الناحية الاجتماعية. فإن وجدوا أن تأثيرها السلبي أكبر من فائدتها، فسوف يمنعون الاستفادة منها. وفي غير هذه الصورة سوف تكون الاستفادة منها لغرض تحسين آثارها الإيجابية والتقليل من آثارها السلبية، مباحة وجائزة مع أخذ الاحتياطات من مغبّة الوقوع في مخاطرها والحدّ من سلبياتها.
إن السبب في منع الكثير من الأميش من امتلاك سيارة خاصة، مع تمكينهم من ركوب سيارة يقودها شخص آخر من غير الأميش، يعود إلى التأثير السيئ الذي يتركه مالك السيارة على اتحاد مجتمعهم؛ لأنهم شاهدوا أن الشخص الذي يمتلك سيارة خاصة بدلًا من أن يُمضي عطلة نهاية الأسبوع مع أفراد أسرته أو
(124)عيادة المرضى، يؤثر الذهاب بسارته إلى سفرة أو جولة في الأنحاء والاستجمام بعيدًا عن المجتمع الذي يعيش فيه. وذات هذا النمط الفكري هو الذي يشرح لنا السبب الذي يدعو المزارع من الأميش إلى التمكن من اقتناء ألواح الطاقة الشمسية أو أن يستعير الكهرباء من المولد، ولكنه لا يستطيع الارتباط مباشرة بشبكة كهرباء الدولة. إن المشكلة لا تعود إلى ذات الطاقة الكهربائية، إنما المشكلة تكمن في أن الارتباط بشبكة الكهرباء الحكومية تضرّ باستقلالهم وتجعلهم بحاجة شديدة إلى الأفراد الذين لا ينتمون إلى مجتمعهم، وهذا الأمر يتعارض مع تعهداتهم وتمسكهم بتعاليم الكتاب المقدّس الذي يطلب منهم «العيش في الحياة الدنيا، دون السقوط في الرغبات الدنيوية».
عندما تواجهون هذا الاتجاه المتعقّل والمتزن إلى التقنية، عندها لن تعتبروا نمط حياة الأميش مرفوضًا بسبب غرابته وإثارته للعجَب. إن فلسفتهم لا تقوم على الرفض التام للحداثة والتقنية، وإنما تقوم على إيجاد شكل مختلف عنها. كما وقد ذهب كوين كيلي ـ الخبير التكنولوجي ـ إلى الأمام خطوة أخرى وقال: إن الأميش قد أوجدوا طريقة حلّ للحداثة، وهي تمثل حلًا مناسبًا للمشاكل الراهنة في العالم التكنولوجي. إن إدراك سبب الثناء على نمط حياة الأميش وامتداحها إلى هذا الحدّ مهمّ جدًا، وسوف يساعدنا على شرح وتحليل مفهوم الأصل الثالث للاعتدالية إلى حدّ كبير. طبقًا لهذا الأصل يعتبر أسلوب اتخاذ القرار الحذر أكثر أهمية من التأثير العملي لذات القرار في حياة الأشخاص.
في فلسفة الأميش، يتم تبادل الأفكار حول التقنية بهذا الشكل: الحذر دائمًا يُفضل على الراحة. وعلى الرغم من مرور أكثر من قرنين على الحداثة والتحوّلات الثقافية في الولايات المتحدة الأمريكية، كان للأميش حضور مستقر وثابت نسبيًا في هذه البلاد. إنهم يؤكدون على هذا الأصل باستمرار، وهو أن التدقيق في
(125)الاستفادة من التقنية من شأنه أن يكون مصدرًا لإنتاج القيَم؛ بيد أن طريقة تفكيرهم تثير هذا السؤال القائل: هل سوف تبقى هذه القيَم حتى بعد إزالة السياسات الاستبدادية من أسلوب عمل هذه المجتمعات أم لا؟ إن الشواهد ـ لحسن الحظ ـ تجيب عن هذا السؤال بالإيجاب.
لنضع هذا النمط من التفكير في مقابل النمط الفكري للأشخاص العاديين: «إن الأشخاص العاديين لا يرون أن بمقدورهم أن يكونوا مستخدمين صالحين للبرامج الافتراضية. لا يمكنهم أن يتركوا الهاتف النقال لحاله ولا يشغلون تفكيرهم به. إن هذا العنصر يؤدّي إلى تشتيت الانتباه ويقلل من ثقة الفرد بنفسه، ويحدث شغفًا بالأدوات. بعد التخلي عن هذه القطع نصل إلى اهتمام مقتدر بالنسبة إلى الأصل الثالث من الاعتدالية. إن جانبًا من ذلك المفهوم الذي يجعل هذه الفلسفة مؤثرة جدًا، هي أن الاختيار الواعي للأجهزة والأدوات سوف يكون مقنعًا، ويكون في العادة أكثر قيمة من ذلك الشيء الذي تفقدونه بسبب التخلي عن الكثير من الأشياء. وبالتالي فإن المزارع العجوز يستخدم العربة بحبور، ويشعر بالرضا عن هاتفه النقال القديم. إن هذا الرضا ينشأ من التعهّد والالتزام بنوع من الاعتدالية. إن المستوى العالي من الرضا ينشأ من الركون إلى الراحة والدعة القصيرة الأمد والعابرة، وإن عدم الرضا ينشأ من التخلّي عن الأشياء العابرة؛ بيد أن الشعاع الزاخر بالمعاني والمفاهيم الذي يتوقع الاهتمام بالقرار الواعي لاختيارك، هو الشيء الذي يبقى على الدوام.
النتيجة
لقد تحدّثنا في هذا الفصل حول عناصر فلسفة الحياة الرقمية وارتباطها بفلسفة الحياة الدينية. وعمدنا أولًا إلى التفريق بين نوعين من الفلسفة:
1. الفلسفات غير الناظرة إلى الحياة: إن هذا النوع من الفلسفات لا يتعاطى مع حياة البشر، ويعمل على تحليل وحل المسائل الانتزاعية البحتة، من قبيل: الوجود، وحدوث العالم، والمعرفة وما إلى ذلك.
2. فلسفات الحياة: وهي الفلسفات التي تبيّن الأصول الأساسية لحياة البشر، وتعمل بوصفها كتابًا مرشدًا لأسلوب العمل.
إن فلسفات الحياة تحتوي على عدد من الخصائص المهمّة، وهي:
1. الاهتمام بمسائل الحياة الأصلية: إن هذه الفلسفات تسعى إلى وضع المسائل المهمّة في حياة الإنسان، من قبيل: الموت والألم وما إلى ذلك، ضمن دائرة الاهتمام.
2. إضفاء المعنى والمفهوم على الحياة: تسعى هذه الفلسفات إلى إضفاء معنى على حياة البشر.
3. الشعور بالرضا: إن هذه الفلسفات تسعى ـ من خلال التفسير الجديد الذي تقدّمه عن العالم ومسائل الحياة ـ إلى تحقيق شعور الإنسان بالرضا عن الحياة.
4. شعور الإنسان بالسكينة: تسعى هذه الفلسفات إلى تحقيق السكينة الخاصة بالنسبة إلى الإنسان.
إن الفضاء السيبراني ليس مجرّد تجسيد لميتافيزيق خاص فقط، بل ويشتمل على فلسفة لحياة خاصة أيضًا. إن هذه النقطة تعني أن هذا الفضاء يحتوي على طبقات فلسفية متفاوتة جدًا، وقد تمّ التأسيس لها في الحدّ الأدنى في مستوى على أساس فلسفة حياة خاصّة.
وفيما يلي سوف نعمل على بيان ستة أصول فلسفية ناظرة إلى الحياة الرقمية، وهي عبارة عن:
1. الإرادة الناظرة إلى الارتباط والتواصل.
2. الإدراك الذاتي للإسقاط النفسي: في الفضاء السيبراني نواجه نوعًا من الإسقاط النفسي ورؤية النفس الإسقاطية أيضًا. إن المستخدمين في هذا الفضاء ينظرون إلى قابلياتهم وقدراتهم. إنهم لا يتأملون في أنفسهم. وإنما يجدون فيها امتدادًا لوجودهم.
3. النزعة الخارجية المفرطة: إن الفضاء الافتراضي يقوم على نوع من الفلسفة الخارجية. إن الإنسان بدلًا من الانشغال بنفسه ومسائله، يجب عليه أن ينشغل بالفضاء الخارج عنه. وكأن هذه الفلسفة تقول: إن سعادة الإنسان رهن بأن تتجه نظرته على الدوام إلى خارجه. إن هذا الفضاء لا يعمل على دفع الإنسان نحو الاهتمام بخارجه فحسب، بل ويعمل على توسيع «دائرة الخارج» أيضًا.
4. الارتباط بالفن والانتشاء: في الفضاء الرقمي يعيش المستخدمون بانتشاء وانتعاش. إن الفن الديونيسي يصف الحياة الرقمية بشكل دقيق. إن الذي يجري في الحياة الرقمية هو النموذج الديونيسي. إن الحياة الرقمية زاخرة بالحماسة والانتشاء، بل هي مترعة بالحماسة والانتشاء. وبعبارة أخرى: إن الفضاء الافتراضي ليس غير مجرد عن الانتشاء والحماسة فحسب، بل هو مترع جدًا بالانتشاء والحماسة.
5. أصالة المنفعة بوصفها أساسًا للسعادة: لقد سعى بعض فلاسفة التقنية من أجل توسيع دائرة الفضائل الأخلاقية في الفضاء التكنولوجي والفضاء الافتراضي والتأسيس لمبانيه؛ بيد أن الذي يحكم هذا الفضاء في مقام التحقق، إنما هي الأخلاق التي تتمحور حول الفائدة.
(128)
6. النزعة التكثيرية العملية: على الرغم من أنه قد تكون هناك من الناحية النظرية رؤيتان إلى الفضاء الرقمي، وهما أولًا: التكثرية الرقمية، وثانيًا: الاعتدالية الرقمية، بيد أننا من الناحية العملية نُعدّ من التكثريين في الفضاء الرقمي. إن الذين يقيمون في الفضاء الرقمي قلما يستفيدون منه. وبعبارة أخرى: هناك أصل أساسي فلسفي هو الذي يحكم الفضاء الرقمي من الناحية العملية ويعمل على تعيين فلسفة الحياة في هذا الفضاء. إن هذا الأصل يتم اختصاره على النحو الآتي: «إن الارتباط بالإنترنيت والهاتف النقال حسن، والانفصال عنهما قبيح».
لا شك في أن الحياة الدينية لا تنسجم مع بعض هذه العناصر. من ذلك أن الدين على سبيل المثال يقوم على أساس أخلاق الفضيلة. يضاف إلى ذلك أن العدمية الاعتبارية لا تنسجم مع الدين. إن الدين ينظر إلى الأمور الاعتبارية في ضوء بعض الحقائق، ولو تمّ لحاظ الاعتباريات من دون تلك الحقائق في الحياة فسوف تصبح الاعتباريات عدمية. إن بعض العناصر الفلسفية الرقمية اعتباريات عدمية.
إن أهم صفة تميّز الفضاء السيبراني هو البُعد الارتباطي منها. إن هذا الفضاء يتمّ استخدامه من أجل إقامة الارتباط مع الآخرين. وقد أشرنا في الجواب إلى «أصل الإرادة». إن الناس إنما يتواصلون فيما بينهم لأنهم يريدون الوصول إلى تحقيق مآربهم ومقاصدهم. إن الأدوات الرقمية والهاتف النقال تعدّ اليوم من الأدوات والوسائل التي تلبي مراداتهم ومطالبهم. فإنهم يستطيعون بمساعدة هذه الأدوات والوسائل الوصول إلى كل شيء وفي أيّ مكان يريدونه بكل سهولة.
يرى هابرماس أن إقامة الارتباط يعني أن نجعل مطالبنا ومراداتنا قابلة للفهم، وليس البحث عن تحقيقها بشكل سريع. ويُشير ميرسون إلى الناحية الإيجابية لوسائل التواصل مثل الهاتف النقال من وجهة نظر مارتن هايدغر، ولا يأتي على ذكر الناحية السلبية منها من وجهة نظره. وأما هايدغر فيذهب
إلى الاعتقاد بأن الارتباطات مسار يمكن للناس بواسطته أن يتشاركوا في تبادل مدركاتهم وتجاربهم عن العالم.
إن فلسفات الحياة تنطوي على اتجاهين مختلفين فيما يتعلق بعلاقة الإنسان وارتباطه بخارجه: فهناك منها ما يؤمن بوجوب الانشغال بالأمور الخارجية، ومنها ما يذهب إلى الاعتقاد بأن الحياة الأفضل رهن بالانشغال بالأمور الداخلية. ومن هنا يتمّ تقسيم هذا النوع من الفلسفات إلى الفلسفات الداخلية والفلسفات الخارجية.
نحن اليوم نواجه فلسفتين مختلفتين للاستفادة من الفضاء السيبراني، وهما:
1. النزعة التكثيرية الرقمية: إن النزعة التكثيرية الرقمية رؤية لها الغلبة حاليًا في المجتمعات المعلوماتية، وبناء على الضرورة يجب أن تستفيد ما أمكنها من المزيد من المعلومات الرقمية.
2. النزعة التقليلية (الاعتدالية) الرقمية: إن النزعة التقليلية تذهب في المقابل إلى التأكيد على هذه الرؤية وهي أنه يجب التقليل ما أمكن من الاستفادة من المعلومات الرقمية.
إن الفضاء الافتراضي يقوم على نوع من الفلسفة الخارجية. إن الإنسان بدلًا من الانشغال بنفسه ومسائله، يجب عليه أن ينشغل بالفضاء الخارج عنه. وكأن هذه الفلسفة تقول: إن سعادة الإنسان رهن بأن تتجه نظرته على الدوام إلى خارجه. إن هذا الفضاء لا يعمل على دفع الإنسان نحو الاهتمام بخارجه فحسب، بل ويعمل على توسيع «دائرة الخارج» أيضًا. ففي السابق كان خارج الإنسان يمتد إلى الحدود المحيطة به فقط؛ من قبيل: المنطقة التي يقطنها ومكان عمله ومدينته؛ وأما الفضاء الافتراضي فهو يشمل جميع أصقاع الكرة الأرضية. إن المستخدمين لهذا الفضاء يتواصلون مع الأشخاص الذين يسكنون في مختلف
البلدان والقارات الأخرى، وينشغلون بمسائلهم. وهذا يعني أن الفضاء الافتراضي يقترن بـ «النزوع الخارجي في حدّه الأوسع».
وقد أكد نيوبورت على النزعة التقليلية الرقمية، ويسعى إلى تقديم صورة لها. وقد أقام الفلسفة التقليلية الرقمية على أساس ثلاثة أصول، وهي عبارة عن:
1. الأصل الأول: إن التشتت له تكلفة.
2. الأصل الثاني: إن التحسين والتطوير مهمّ جدًا.
3. الأصل الثالث: الاستفادة الصحيحة والواعية من التقنية، أمر يبعث على الرضا.
إن الفكرة الأصلية للاعتدالية تعود ـ من وجهة نظر نيوبورت ـ إلى العهد القديم، وقد تمّ الدفاع عنها مرارًا وتكرارًا؛ وعلى هذا الأساس فإن حقيقة أن هذه الفكرة القديمة قد تصدق في مورد التقنية الجديدة التي يتمّ التعريف بها في العصر الراهن كثيرًا، لن يكون مفاجئًا إلى حدّ كبير.
لقد قدّم نيوبورت ثلاثة أدلة على أساس الاعتدالية الرقمية. وهي عبارة عن:
1. الاقتصاد الزمني (الاقتصاد الجديد لثورو): إن النظريات الاقتصادية ترتكز بشكل معياري على الأرباح المالية والنتائج المادية؛ وأما الاقتصاد الجديد لثورو فهو يرى أن هذا النوع من المحاسبات ناقص على نحو تام؛ وذلك لأنه لا يأخذ تكلفة المزيد من العمر من أجل الوصول إلى الربح المالي الإضافي بنظر الاعتبار. بناء على الرؤية الاقتصادية لثورو يجب أن تضع الفائدة التي تحصل عليها من الأدوات الرقمية أمام التكلفة التي تدفعها من عمرك في هذا الشأن. عندما تضع المدة الزمنية لحضورك في صفحة تويتر مع عدد من النشاطات على الشبكات العنكبوتية الأخرى التي تأخذ حيّزًا كبيرًا من اهتمامك، فإن التكلفة التي تتكبدها من عمرك سوف تكون باهظة وعالية جدًا.
2. المنحنى الارتدادي: بناء على قانون الناتج النزولي، في المستويات العليا تحصل في بداية الأمر ـ مع زيادة الاستثمار بالنسبة إلى المزيد من المواد الأولية ـ على الربح، ولكن بعد مدّة وبالتدريج سوف نواجه محدوديات وقيود طبيعية، ومن هذه النقطة فصاعدًا سوف نحصل من مزيد الاستثمار على ربح أقل وأقل بشكل مستمر. وبمساعدة التكنولوجيات الرقمية نستهلك طاقتنا في اختيار أفضل الأدوات والطرق الذكية. ومن خلال زيادة الطاقة التي ننفقها في سياق التحسين، نزيد من عملية الاستثمار. وفي المرحلة الأولى سيكون العائد الربحي لها كثيرًا. ولكن على أساس قانون الناتج النزولي، بعد الوصول إلى الحدّ الطبيعي تبدأ هذه الزيادة بالتناقص شيئًا فشيئًا.
3. رجحان الاحتياط: إن الاحتياط هو الأرجح على الدوام من الركون إلى الراحة. إن التدقيق في الاستفادة من التقنية يمكن أن يكون مصدرًا لإنتاج القيَم. إن الأدوات الجديدة تستوجب تشتت الحواس والانتباه والتعلق. ونتيجة لذلك يجب أن نستفيد من التقنية بشكل واع وذكي.
سارة طالبي، عليأصغر مصلح ، أبوالفضل كياشمشكي
إن الإعلام هو العنصر المقوّم للثقافة في العصر الراهن. وإن حضور التكنولوجيات الإعلامية الحديثة المنبثقة من الثقافة الغربية سوف يثير الكثير من التساؤلات. إن هذه الأسئلة بالإضافة إلى الأفكار التي يطرحها المفكرون الانتقاديون في خصوص سلطة التكنولوجيات الارتباطية على العلاقات الإنسانية، تشمل السؤال عن مباني وتيارات مواجهة الأنظمة القيميّة المتنوّعة لهذه التكنولوجيات. لقد كتبت النظريات الانتقادية في خصوص امتزاج القيَم والتكنولوجيات الإعلامية مطالب دقيقة وكثيرة، ولكنها من جهة قلما تعرضت لتقديم طرق للحل، ومن جهة أخرى لم تهتم بالثقافة الإسلامية وإطارها القيَمي. يسعى المحقق في هذه المقالة إلى بحث نسبة الثقافة الإسلامية بوصفها نظامًا قيَميًا ومعياريًا مشتركًا في المجتمعات المسلمة ولا سيّما بنموذج الاستفادة من التكنولوجيات الارتباطية الحديثة.
إن النظرية الانتقادية للتقنية عنوان أطلقه آندرو فينبرغ على نتيجة تأمّلاته في حقل التقنية ولا سيّما التكنولوجيات الارتباطية. إن هذا العنوان يبيّن صراحة عمق تعلّق فينبرغ بالأفكار الانتقادية المنبثقة عن مدرسة فرانكفورت. يذهب فينبرغ إلى الاعتقاد بأن هناك في كل تقنية قيَم ومعايير سلطوية كتبت لها الغلبة في مسار التخطيط، يتمّ العمل على إظهارها. يذهب فينبرغ إلى تسمية الأصول والقيَم الاجتماعية التي يتم إثباتها بشكل ناجح ومستقر في تصميم التكنولوجيات بـ «الرسوم التقنية»، ويقول بأن الرسوم التقنية المعاصرة منبثقة عن فضاء وثقافة الرأسمالية. إن نفوذ القيَم في التقنية يعمل على تزريق الثقافة الرأسمالية في المجتمع. «وبعبارة أخرى: خلافًا لأتباع هايدغر ـ الذين يربطون التقنية بالتقدير أو الإحالة التاريخية للوجود ـ يذهب عامة أتباع المدرسة الفرانكفورتية إلى الاعتقاد بأن التقنية إنما هي حصيلة غلبة الثقافة وبنية السلطة الرأسمالية، بل وتذهب بمستوى تحليلها حتى إلى المحتوى التكنولوجي أيضًا».
في النظرية الانتقادية للتقنية، لا تعدّ التقنية عملًا شريرًا، ولا يتمّ القبول بتنميتها وتطويرها على شكلها الراهن. يُشير فينبرغ من جهة إلى مخاطر الفضاء التكنولوجي الحاكم، ومن ناحية أخرى لا يعتبر مطلق التنمية التكنولوجية أمرًا خطيرًا.
لا يكتفي فينبرغ بإظهار هذا النوع من التداعيات السلبية فقط، بل ويهتم كذلك بحل أزمة الفضاء التكنولوجي المسيطر والحاكم على أساس القيَم الديمقراطية أيضًا؛ وذلك لأن التقنية من وجهة نظر فينبرغ ليست مجرّد مجموعة
من الأدوات التي تعمل على تحقيق أهدافنا وغاياتنا من الناحية العملية، بل هي من قبيل الهواء الذي نستنشقه. ويرى أن السعي من أجل تحقيق حداثة بديلة تتبلور على أساس نطاق أوسع من القيم، حلًا للخروج من هذا المأزق.
لقد عمل ـ فينبرغ في ضوء الرؤية التي أخذها عن هابرماس في حقل العقلانية الآلية ـ على توسع وتطوير نظريته الانتقادية للتقنية، وقام ـ من خلال التأمّل حول المسار التاريخي لتنمية التقنية ـ بتقديم نظريته في حقل فلسفة التقنية باسم «المكننة». إن نظرية المكننة لفينبرغ تعمل على تحليل التقنية على مستويين، وهما: مستوى المكننة الأولية والثانوية في التخطيط والتطبيق. «في المستوى الأول نسعى وراء الطاقات الكامنة في الطبيعة، ويتمّ الحصول عليها من طريق محو خلفيات الهويات الطبيعية. وفي هذا المستوى وبعد محو الخلفيات نعمل على خفضها وتقليلها إلى الإمكانات المطلوبة. وفي المستوى الثاني من الطرح يتم بيان أن مزيجًا من الأدوات والأنظمة الموجودة والمحدوديات الاجتماعية المختلفة من قبيل الأصول الأخلاقية والجمالية. ويبدو أنها تعمل على تبسيط المستوى الأولي للأشياء من أجل وضعه ضمن جهاز تبسيطي، في حين تعمل على جمع المستوى الثاني من الأشياء المبسطة لبيئة طبيعية واجتماعية».
يتحدّث فينبرغ عن المكننة الأولية والثانوية. «وإن المكننة الأولية عبارة عن الجهة العملانية البشرية، والمكننة الثانوية تعمل على إظهار تحقق مناسبات السلطة أو الوضع الاجتماعي الثقافي في بنية الأداة أو المنظومة التقنية».
على الرغم من اعتبار فينبرغ فيلسوفًا ضمن مدرسة فرانكفورت الانتقادية، بيد أن أفكاره تختلف عن أغلب المفكرين من أتباع هذه المدرسة الانتقادية في تفاؤله بالسيطرة على التقنية وإصلاح مسار تنميتها من قبل الإنسان. يذهب فينبرغ إلى الاعتقاد بأن التقنية نتاج تركيبي من العناصر الفنية والاجتماعية، ويجب العمل من أجل دراستها على الاستفادة من العلوم الخاصة بالمجتمع أيضًا.
يعمل فينبرغ في قبال المنظرين من أمثال بودريار وبورديو ـ اللذين يقومان بتقديم صورة جبرية عن التقنية ـ على بيان التقنية لا بوصفها أمرًا متشيئًا، بل بوصفها مسارًا تنمويًا ذا حدّين؛ وأنها شيء يحمل إمكانية التحرير والتخريب في وقت واحد. لو تمّ فرض التقنية بوصفها مسارًا وليس مجموعة من المحاصيل التامّة، تكون فرصة التدخل والتغيير متوفرة. إن النظرية ذات الحدين إنما ترفض ادعاء الحياد من جهة أن القيَم الاجتماعية لا تؤثر في الاستفادة من المنظومات الفنية فقط، بل وتؤثر في العمل على تصميمها أيضًا. إن التقنية ليست أمرًا حتميًا، بل هي ساحة من الجدال ومضمارًا للحرب تتصارع فيه البدائل الحضارية فيما بينها.
إن التقنية من وجهة نظر فينبرغ متغيّرة وذات علاقة متقابلة مع النظام التقني والنظام السياسي / الاجتماعي. يذهب فينبرغ ـ خلافة لفلاسفة من أمثال هايدغر وأولفل ـ إلى عدم اعتبار الاستقلال خصوصية ذاتية للتقنية، بل يرى أنها خصوصية إمكانية بالنسبة لها.
(138)يذهب فينبرغ إلى الاعتقاد بأن كل شيء تقني يحتوي على بُعدين، وهما: بُعد المفهوم الاجتماعي، وبُعد الأفق الثقافي. ومراد فينبرغ من الأفق عبارة عن الفرضيات الثقافية التي تعمل على بلورة الخلفية اليقينية والتي لا تقبل الشك لكل بُعد من أبعاد الحياة. إن بعض هذه الفرضيات تدافع عن السلطة الغالبة. وإن الأفق الثقافي في العالم الحديث هو ذات البناء العقلاني. إن التقنية عبارة عن تصديق مادي للنظم الاجتماعي الذي عمل على تعيينها وتحقيقها.
تشير نظرية التأرجح والتذبذب إلى هذا الأمر المهم وهو أن القيَم الاجتماعية تؤثر في تبلور الفضاء الافتراضي. يرى فينبرغ أن التقنية الافتراضية لو ثبتت، فإن قوتها وسلطتها الجبرية سوف تكون هي الغالبة. وبطبيعة الحال فإنه في أمثلة من قبيل شركة ميني تل يُشير إلى إمكان التغلب على سلطة المصممين من قبل المستخدمين وتغيير ثقافة الاستهلاك. يرى فينبرغ أن هذا نوع من التغيير الاستخدامي والقدرة على المرونة التفسيرية والبيانية من قبل المستخدمين.
يذهب فينبرغ إلى الاعتقاد بأن قيَم الرأسمالية قد تمّ تقعيدها في النظام التكنولوجي القائم حاليًا؛ ومن هنا فإن هذا النظام يدرّ الأرباح بشكل عام على فئة خاصة، ولا يوجد لعامة الناس فرص كبيرة للتدخل في تصميم النظام التكنولوجي. ولهذا السبب فإنه يرى أن طريقة الحل تكمن في استبدال قيَم الرأسمالية بالقيَم الديمقراطية. إن المشكلة الواضحة جدًا في حل فينبرغ تكمن في اختلاف الأشخاص والغايات وفي اختلاف أذواق الناس أيضًا. من أجل بلورة هذه التكنولوجيات لا نستطيع الوصول بسبب تعدد القيَم الاجتماعية إلى نموذج تنفيذي واحد للحصول على أدوات ثانوية للتقنية.
(139)يقول فينبرغ بالبديل الفكري في مورد الإنترنت. وقد حدّد ثلاثة نماذج ممكنة لتنمية الإنترنت، أي: النموذج المعلوماتي، والنموذج التجاري، والنموذج الاجتماعي (التواصلي)، ويرى الحل في النموذج الثالث، ويقول بأنه هو الأوفق برؤيته حول البديل الفكري الديمقراطي، وأعرب في مقالته «إعادة اختراع الإنترنت» عن تفاؤله بشأن تغيير فضاء الإنترنت، وأسهب في شرح ذلك بأمثلة واقعية.
إن نظرية الإدراكات الاعتبارية تعدّ واحدة من الأرضيات المناسبة لتحليل الثقافة، والارتباطات الإنسانية، والارتباطات الثقافية، والاختلافات الثقافية، التي تعدّ أرضية خصبة لتقديم تحليل عن النظريات الإسلامية حول المسائل الاجتماعية المستحدثة؛ وذلك لأن الارتباطات تعدّ عنصرًا مهمًّا في المجتمع، وهي التي تحدد طريقة التعامل بين أفراد المجتمع، بحيث لا يكون هناك معنى للاعتباريات الاجتماعية من دون الارتباطات. ومن ناحية أخرى فإن الاعتباريات قبل المجتمع تساوق الارتباطات الفردية وتضرب بجذورها في عمق البنية الوجودية للأشخاص، في حين أن الاعتباريات بعد المجتمع تعدّ من الارتباطات الاجتماعية التي تتحقق بين الأفراد. إن الارتباطات الاجتماعية تكون بسبب تأثير الاحتياجات قابلة للتحوّل وتابعة للاعتباريات التي أضحت ضرورية، وتؤدّي إلى التحوّل في الإرادة والعمل.
إن لمصطلح الاعتباري مفاهيم متنوّعة في الفلسفة الإسلامية. وقد ذهب العلامة الطباطبائي في حاشية الكفاية إلى تعريف عملية الاعتبار، بقوله:
(140)«الاعتبار: وهو إعطاء حدّ شيء أو حكمه لآخر». وفي نهاية المطاف وفي مقالة «الإدراكات الاعتبارية» ذكر تعريف الاعتبار على نحو أتم؛ حيث أضاف إليه الغاية من الاعتبار أيضًا، فقال: «أن نعطي حدّ شيء إلى شيء آخر بواسطة العناصر الحسية، لغرض ترتيب الآثار الموجودة في الارتباط مع عناصرها الحسية».
أما الإدراكات الاعتبارية فهي عبارة عن فروض يصطنعها الذهن البشري بغية سدّ حاجات الإنسان الحياتية؛ فهي ذات طابع فرضي وجعلي واعتباري ووضعي، وهي ـ خلافًا للإدراكات الحقيقية ـ ليس لها علاقة بالواقع ونفس الأمر. إن الإدراكات الاعتبارية ـ حيث تتبع حاجات الإنسان وظروفه البيئية ـ تتغير تبعًا لتغيّرها، وأما الإدراكات الحقيقية فهي دائمة وضرورية، في حين أن الإدراكات الاعتبارية مؤقتة ونسبية
إن مقولة الاعتباريات لدى العلامة وإن كان لها حيثية أنطولوجية، ويتم طرحها في الفضاء المعرفي والأبستمولوجي، بيد أنه كتب بحث الاعتباريات في رسائل مختلفة ومن بينها رسالة الاعتباريات، وفي مقام تحليل «أفعال الإنسان»؛ ولذلك يكون الفعل الإنساني بالنسبة إلى العلامة الطباطبائي مقولة فلسفية. إن دراسة المصادر الفلسفية للمفكرين المسلمين تشير إلى أنهم لم يبحثوا حول الفعل والعمل بمقدار بحث الحكماء حول المعرفة. يمكن الوصول إلى خلاصة مفادها أن نظرية اعتباريات العلامة تمثل نوعًا من فلسفة الفعل أو العمل الإنساني.
إن الاعتباريات بالمعنى الخاص تسمّى بالاعتباريات العملية أيضًا. وإن الاعتباريات العملية تابعة لحاجة الإنسان، ومن لوازم القوى الفعالة للإنسان.
إن الاعتبارات العملية متغيّرة وتابعة لحاجات الإنسان. إن الإنسان يعمل على توظيف الاعتباريات العملية للوصول إلى غرض معيّن. وإن الاستفادة من الفن والأدبيات والكلام وأدوات من قبيل وسائل الإعلام إنما تكون لهذه الغاية. إن «الضرورة» التي تعلقت الصور الرمزية الفنية او الآلية بالاستفادة منها وتطبيقها ويتمّ جعلها واعتبارها ترتبط بحقل الحكمة العملية للإنسان. وبطبيعة الحال فإن جانبًا من اعتبارية هذه الاعتباريات يرتبط بدائرة الحكمة النظرية. إن الاعتباريات العملية على نوعين، وهما:
1. الاعتباريات العامّة المرتبطة بالمشاعر العامّة للإنسان (أو أحد الأنواع)، وتابعة للبنية الطبيعية لذلك النوع، من قبيل: أصل المودّة والعداوة أو الإرادة والكراهة.
2. الاعتباريات الخاصة المرتبطة بأفراد نوع أو جماعة من نوع واحد قابل للتغيير والتبدّل، من قبيل القبح والجمال الخاص.
يضطر الإنسان طوال عمره إلى إقامة سلسلة من الإدراكات والعلوم بينه وبين أفعاله ونشاطاته؛ إذ لا يكون بمقدوره العمل على رفع احتياجاته من دون توسيط الأمور الاعتبارية.
وعليه فإن العلامة الطباطبائي إنما يقول بالاعتباريات المشتركة بين نوع أفراد الإنسان. ويكون بقاء النوع بهذا النمط من الأمور الاعتبارية؛ من ذلك ـ مثلًا ـ أن أصل الحياة الاجتماعية يُعدّ من الاعتباريات العامة، بيد أن أسلوب الحياة الاجتماعية يمكن أن يكون مختلفًا.
إن طبيعة الإنسان تقضي بأن يكون له نشاطات بمساعدة من قواه الفاعلة؛ بيد أن هذه النشاطات إنما تحدث بواسطة الإدراكات الاعتبارية. يقوم الإنسان
بتوسيط مشاعره الإدراكية لكي يحقق متعلق فعله؛ من ذلك ـ مثلًا ـ أن الميل إلى الارتباط أو عدم الميل إلى ذلك يكون واسطة ليحصل الشخص على متعلق فعله. إن الإدراكات قد أصبحت أكثر تنوّعًا وتعقيدًا. إن هذه الإدراكات تحدث ـ على حدّ تعبير العلامة الطباطبائي ـ بعد تحقق المجتمع. إن الإدراكات الاعتبارية الموجودة إنما يتمّ إيجادها دائمًا على أرضية الأفكار والعقائد من أجل رفع الحاجات المتنوّعة.
إن أصل «العلية» و«الضرورة» على أساس المشاعر المتنوّعة لرفع الحاجات المتغيّرة يؤديان إلى اعتبار أنواع من الارتباطات حيث تعمل في إطار تقدّمها على التوصّل إلى التكنولوجيات الارتباطية في ضوء التعدّدية الثقافية. وبالإضافة إلى هذين الأصلين، يمكن الالتفات إلى أصل «الاختيار على أساس الاهتمام» في رسالة «المنامات والنبوات».
لقد ذهب العلامة الطباطبائي في رسالة «المنامات والنبوّات» إلى تحليل أن النظام الاعتباري للأفراد معقود بسلسلة من الحقائق وبالشجرة التي يجب أن تكون ضاربة بجذورها في صلب الحقائق. وقد عمد صدر المتألهين في ضوء أصالة الوجود إلى شرح التشكيك في الوجود والحركة الجوهرية وخير وشرّ الإنسان، وعمل بذلك على بيان منزلته الحقيقية في نظام الوجود. يرى العلامة أن الاختلاف في ثلاثة مواضيع أساسية بوصفه مبنى للاختلاف في نظام الاعتباريات في مختلف المجتمعات:
1.الرؤية الكونية. 2. الأنثروبولوجيا. 3. العلاقة بين الإنسان والعالم.
إن الاختلاف في الاعتباريات ينشأ من الاختلاف في الحاجات والغايات
والرغبات. إن العناصر الثلاثة التي يذكرها العلامة الطباطبائي، تعمل على إيجاد نظام الحاجات والغايات والرغبات المختلفة. يرى العلامة الطباطبائي أن تغيّر البيئة وتغير الحاجات يؤثر في حالة الأجهزة البدنية وأعضاء وجوارح الكائن الحيّ، وكذلك يؤثر في حالته الروحية والنفسانية أيضًا. «لقد أثبتت دراسات الأحوال والعقائد أن طريقة تفكير كل أمة ورغباتها ومشاعرها تتناسب أبدًا مع البيئة الجغرافية التي يعيشون فيها. إن هذه الاختلافات إنما تكمن في الأفكار الاعتبارية ولا تكمن في الحقائق والعقل. إن المعقولات النظرية موجودة لدى كل شخص وفي جميع الأحوال وكافة الظروف بشكل واحد. وهكذا في الأفكار الاعتبارية هناك سلسلة من الأفكار التي لا تقبل التغيير والتبديل أيضًا».
إن منظومة الاعتباريات في كل مجتمع بشري تقع تحت تأثير البيئة والجغرافيا وطبيعة أبناء البشر والعقائد البنيوية المتغيّرة، وتجعل النظام الارتباطي لذلك المجتمع مختلفًا. وإن الاعتباريات من وجهة نظر العلامة الطباطبائي تتكثر وتتنوّع بمرور الزمن، ومن هذه النافذة يتسع تنوع نظام ارتباطات البشر على نطاق واسع.
أشرنا إلى حاجة الموطن الأصلي لإيجاد اعتبارات البشر. يوضّح العلامة الطباطبائي أن الحاجات الطبيعية والعادات الاجتماعية يمكن أن تكون محفّزة للاهتمام الإدراكي لدى الإنسان. يرى العلامة الطباطبائي على هامش نظرية الإدراكات الاعتبارية أن العمل يقع تحت تأثير الإرادة الناشئة عن الاهتمام. إن فعل كل كائن إنما هو تابع عن الموقع والمرتبة الوجودية لذلك الكائن في
نظام تشكيك الوجود والعامل الأهم في تعيين فعل كل كائن يكمن في اهتمام والتفات ذلك الكائن إلى بيئته ومحيطه. وإن طريقة وحجم الاهتمام والالتفات بدوره يتناسب مع البنية الوجودية للكائن المذكور آنفًا.
إن الإنسان يمتلك قنوات معرفية وإدراكية متنوّعة، يتمكن بواسطتها من إعداد مساحة واسعة ومتنوّعة من التصوّرات والتصديقات، والعمل بعد ذلك على الانتقاء من بينها. إن هذا الانتقاء يقوم على أساس مقدار اهتمامه بموضوع أو موقعية خاصة من بين ما لا يحصى من الموضوعات والموقعيات الأخرى. إن هذه الخصوصية تُسمّى بأصل الاهتمام بالإضافة إلى أصل العلية وأصل الضرورة. إننا من خلال تعميم هذا البحث إلى الأفعال الارتباطية، يمكن لنا العمل على تحليل وجود الحاجات الارتباطية المتنوّعة في مختلف الثقافات.
وبهذا المبنى من قبل العلامة الطباطبائي في رسالة المنامات كذلك يكون اختلاف الأنظمة الثقافية وتبعًا لها الأنظمة الارتباطية المتنوّعة قابلًا للتحليل أيضًا؛ وذلك لأن الثقافة لم تكن في بسط ذاتها وتطوير نفسها منفصلة ومستقلة عن الارتباطات أبدًا. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن القيَم الاجتماعية بشأن رعاية الوالدين الطاعنين في السن، إذا اختلفت في الثقافات المتنوّعة، فإن السبب في ذلك يعود إلى حجم الاهتمام والالتفات إلى هذه الحاجة الطبيعية في مختلف الثقافات. كما أن المتبنيات الاعتقادية بالنسبة إلى وجود وموقع الإنسان في الوجود، تعدّ بدورها من أعمق الظواهر التي يعمل النظام الثقافي والارتباطات المتنوّعة على إيجادها تحت تأثير الاعتبارات المتنوّعة.
وقد تعرّض العلامة في المقالة السادسة إلى توضيح تنوّع اعتباريات
الأشخاص على هامش الحاجات الطبيعية. في ضوء مبنى أصل الاهتمام يذهب العلامة إلى بيان أن الاهتمام الزائد عن الحدّ بالنسبة إلى بعض الحاجات، والغفلة عن بعض الحاجات الأخرى في الاعتبارات يخرج الإنسان والمجتمع الإنساني عن حالة الاعتدال. يذهب العلامة الطباطبائي في ضوء مبنى اعتبار الاستخدام إلى الاعتقاد بأن الإنسان يحكم بضرورة بناء المجتمع، ولذلك فإن الاعتباريات العملية تلعب دورًا مهمًّا في توجيه المجتمع. إن ثقافة المجتمع تتألّف من إدراكات ثابتة وإدراكات متغيّرة. يرى العلامة الطباطبائي في رسالة «المنامات» أن الأجزاء المختلفة المكوّنة للإنسان ـ في ناحية جسمه وبدنه أو في ناحية ذهنه ونفسه ـ قد تألّفت في وحدة متوازنة وكل منسجم، أدى إلى بلورة هويته الإنسانية، ويجب على هذه الأجزاء في الأساس أن تحافظ على توازنها واعتدالها المذكور في مقام عمل وظهور آثارها أيضًا. وذلك لكي تكون أفعال الإنسان متناسبة مع هويته الإنسانية والنوعية. وذات هذه المطالب قابلة للتعميم على مجتمع البشر، وإن الاهتمام الفائق للحدود بالنسبة إلى بعض الحاجات يحول دون ازدهار سائر الحاجات الأخرى.
يجب بحث تطبيق العلامة لنظرية الإدراكات الاعتبارية في تفسير الميزان. إن بناء النظام المعرفي للعلامة الطباطبائي في تفسير الميزان على أساس نظرية الإدراكات وشرحه لتأثير اعتباريات الأفراد في اختلاف النظام القيَمي والثقافي أمر ملحوظ ومشهود، وإن الكثير من الاختلافات والابهامات في تحليل نظرية اعتباريات العلامة الطباطبائي قابلة للحل في هذا الكتاب القيّم. يرى العلامة الطباطبائي أن القابلية على التأثير إنما تقتصر على مجرّد جانب من الحاجات
الإنسانية، وإن هذا التغيّر الثقافي ليس له أثر كبير على الحاجات الثابتة للأشخاص والأسس الاجتماعية. إن العلامة الطباطبائي في ضوء الأنثروبولوجيا الفطرية لا يرى الحاجات الاجتماعية المتغيّرة في الأمور الكلية، وإنما يراها في الأمور الجزئية، ولذلك فإنه يربط الاختلافات التاريخية والثقافية بمصاديق رفع الحاجة.
كما يُشير العلامة الطباطبائي إلى الحاجات غير الواقعية أيضًا؛ وذلك لأن الحاجة تشكل أساسًا للاعتباريات الثابتة والمتغيّرة للأفراد. إن الحاجة الحقيقية هي تلك التي يدركها الإنسان برغبته وعزمه وإرادته، ويعمل العقل على تصديقها، وليس تلك الحاجات التي تطالب بها التمنيات النفسية، ولا يصادق عليها العقل، وإن هذا الكمال في الحقيقة والواقع إنما هو من الكمال الحيواني وليس الكمال الإنساني. وقد عمد العلامة الطباطبائي إلى بيان الكمالات الدنيوية والأخروية في ضوء هاتين الحاجتين المذكورتين، ويرى أن الكمال الواقعي يكمن في السعادة الأخروية. ويرى أن طريق الوصول إلى السعادة الدنيوية والأخروية يقوم على أساس القوانين الاجتماعية الدينية.
أشرنا إلى أن الاعتباريات العملية بمقدورها أن تعمل على رفع الحاجات الارتباطية المتنوّعة في مهد الإعلام. إن هذه الحاجات الارتباطية تظهر تارة في ضوء الحاجات الطبيعية الأولية، وتارة أخرى في ضوء الحاجات المتغيّرة التي يتمّ اعتبارها بعد قيام المجتمع. وهناك شق ثالث من الحاجات الارتباطية أيضًا ويمكنه الدخول إلى الثقافة والنظام الارتباطي للمجتمع المعتبر على أساس اعتبار الحاجات الكاذبة أيضًا؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الزواج حاجة طبيعية وحاملًا للنوع الأول من الارتباط. وتظهر الكثير من التقاليد والأعراف
المتغيّرة على أساس هذه الحاجة في مسار الزواج بوصفها من الاعتبارات العملية، من قبيل الخطوبة التي لها أسلوبها الخاص في كل ثقافة، ولكن مسألة من قبيل المثلية الجنسية ـ على سبيل المثال ـ قد بدأت من الانحراف عن الحاجة الطبيعية، ويمكنها أن تترسّخ في الاعتباريات العملية للمجتمع. من أجل تشخيص هذه الحاجات الكاذبة لا بدّ من الرجوع إلى الأنثروبولوجيا الدينية.
ولذلك فإن الحاجات الارتباطية الثلاثة أدناه، يمكن إحصاؤها على أساس الإدراكات الاعتبارية، وهي على النحو الآتي:
1. الحاجات الارتباطية الفردية الطبيعي (الثابتة والمتغيّرة).
2. الحاجات الارتباطية على أساس التقاليد الاجتماعية (متغيّرة في الغالب).
3. الحاجات الكاذبة التي لا تملك جذورًا طبيعية، وإنما تدخل ضمن الاعتباريات.
إن الاهتمام الذي يثار بالنسبة إلى الحاجات المذكور أعلاه، يعمل على توجيه الإدراكات الاعتبارية. إن الحاجات التي تبلورت في مهد ثقافة مختلفة عن المهد الثقافي القومي والإسلامي لنا، تعمل على هداية التوجهات والإدراكات الاعتبارية في نهاية المطاف، وإن الفضاء الافتراضي الحاصل من هذه الاعتباريات يؤدي إلى التناقضات الثقافية وطريقة الحياة.
إن الإنسان كائن يعمل على صنع الآلات والأدوات؛ حيث يقوم على أساس الاستخدام والحصول على الرفاهية ورفع حاجاته في كل مرحلة من المراحل على صنع الأدوات والآلات بما يتناسب مع عقله العملي وعقله النظري. إن
الوسيلة الإعلامية من قناة نظرية الإدراكات الاعتبارية ليست غاية، بل هي أداة تعمل على إيصال بعض الحاجات في ضوء الارتباطات الإنسانية إلى غاياتها. وعلى الرغم من اشتمال الوسيلة الإعلامية على حيثية آلية بالنسبة إلى الإنسان، إلا أنها في الوقت نفسه أداة ذات حيثية ثقافية واعتبارية، وتلعب دورًا في العلاقات الاجتماعية للإنسان أيضًا. يمكن بحث الوسيلة الإعلامية من الناحية العلمية ومن الناحية الثقافية ومن الناحية الاعتبارية ومن الناحية الأداتية. إن التكنولوجيات الإعلامية الحاضرة في الطبقة المرنة إلى جوار الطبقة الصلبة لها تشتمل على إطار ومحتوى. إن الوسائل الإعلامية في إطار رفع الحاجات الثانوية والحاجات المتغيّرة تعمل على إنتاج أدوات متنوّعة تقوم بتقديم مختلف الخدمات.
إن إرادة الإنسان في بحث الاعتباريات العملية تعدّ عنصرًا حاسمًا وفي منتهى الأهمية. وإن اعتبار الاستخدام يقول بأن الإنسان يمتلك القدرة على التوظيف والاستخدام من أجل العمل على تلبية حاجاته. ومن بين لوازم العقل العملي أن يعمل الإنسان ـ في كل مرحلة تاريخية ـ على إنتاج أدوات مناسبة له، بما يتناسب مع العقل النظري في تلك المرحلة. وإن التكنولوجيات هي ذات الأدوات المتطوّرة التي قام الإنسان بصنعها، وهي في حالة من الاتساع الدائم تبعًا لتعقيد الحاجات وتنوّعها. إن الوسيلة الإعلامية أداة متطوّرة من أجل العمل على رفع الحاجات الارتباطية بين البشر، وهي تؤدّي دورها في العلاقات الاجتماعية للإنسان مثل سائر التكنولوجيات بل وأكثر منها. لقد تمّ تصميم وسيلة الإعلام من أجل رفع الحاجات الارتباطية. وإن الحاجات الارتباطية متنوّعة ومتغيّرة مثل سائر الحاجات المتنوّعة لأبناء البشر.
لقد ذكرنا أن الأشخاص في حالة دائمة من اعتبار الضرورات المتنوّعة لتلبية
(149)حاجاتهم المتنوّعة بما يتناسب مع مقتضياتهم. إن مصمم وسيلة الإعلام يعمل على تصميم الإطار والمحتوى التكنولوجي للوسيلة الإعلامية على أساس الإدركات التي يكون بعضها حقيقيًا وأغلبها اعتباريًا. وإن تعيّن هذه الضرورات يكتسب ضرورة في إطار التقنية والوسيلة الإعلامية. إن التكتولوجيات الإعلامية تسعى إلى ضمان الضرورات الارتباطية للأشخاص. وإن بعض هذه الحاجات الارتباطية يعتبر من الحاجات الثابتة والطبيعية الموجودة في كل نسيج ثقافي؛ من قبيل الارتباط الذي يكون لازمًا وضروريًا في الأرضية الحقيقية، والذي يتحقق بواسطة التقنية الثقافية من خلال تقليص البُعد الزماني والمكاني. والمثال الابتدائي جدًا على ذلك يكمن في تحاور الأب مع نجله إذا تمّ من خلال القناة الاجتماعية، يكون ذلك استمرارًا لتلك الحاجة الحقيقية إلى الارتباط الحقيقي الذي يمكن تحليله في فضاء الحاجة الثابتة إلى الارتباط بين الوالد والمولود. وبطبيعة الحال فإن الحاجات المتغيرة المنبثقة عن المشاعر الإنسانية في مهد الثقافات الأخرى قد تكتسب ضرورة اعتبارية، وتؤدي إلى ارتباطات ثقافية جديدة. توضيح ذلك أن لكل مجتمع مستلزمات وضرورات ومحظورات ثقافية، وحيث أن الثقافة غير منفصلة عن النظام الارتباطي، فإن هذه الضرورات والمحظورات الاعتبارية بدورها تؤثر قطعًا في الضرورات والمحظورات الارتباطية ونظام الارتباطات؛ وكذلك تتسلل الحاجات الارتباطية الكاذبة بوصفها نوعًا ثالثًا من الارتباطات، بواسطة الاعتباريات التي تمّ إيجادها في مجموعة الحاجات الارتباطية للبشر. وبطبيعة الحال فإن توسط التكنولوجيات يؤدّي إلى ترسّخ الحاجات الطبيعية والاعتبارية ـ سواء أكانت من النوع الكاذب أو من النوع الواقعي ـ بسبب رسوخ التقنية.
(150)
التغيير في نظام الحاجات الارتباطية للمستخدمين بواسطة التكنولوجيات الارتباطية
في الوقت الذي تتسع معه هذه الخدمات، فإن القيَم الثقافية والنظام الارتباطي وكذلك نظام حاجة المصممين يترك تأثيره بين المستهلكين. وفي ظل هذا الفضاء تتحوّل قوّة التكنولوجيات الإعلامية إلى مفهوم قوّة ثقافة تلك التقنية، لا سيّما وأن الجاذبيات المتنوّعة لا سيّما في بحث الوسيلة الإعلامية، وعدم العمق الكافي لدى المستخدمين، تكون سببًا في الانفعال التام تقريبًا في قبال الوسيلة الإعلامية.
وهنا تؤدّي عوامل تغيير الاعتباريات ـ من قبيل: كثرة دخول المحتوى إلى الذهن ـ إلى تغيير الوسيلة الإعلامية لاعتباريات الشخص المستهلك لها. إن التقنية من وجهة نظر الإدراكات الاعتبارية تمثل تعيّنًا واستمرارًا للإرادة والاهتمام الإنساني. إن التقنية الإعلامية تتعيّن في مقام الإثبات بواسطة الثقافة المنبثقة عنها، وتكون علّة مُعدّة للثقافة. إن التكنولوجيات الإعلامية تعمل على نقل ثقافة المصممين والحكام إلى عامّة المجتمع.
ومع دخول التكنولوجيات الجديدة تدخل الاعتباريات الملحوظة في طبقة التصميم إلى ضرورات المستهلكين. إن هذا التحليل ينسجم مع ذات المطلب الذي يذكره فينبرغ في بحث صنع الأدوات. إن فينبرغ بدوره من خلال تقسيم مسار صنع الأدوات إلى مرحلتين، يتحدّث في المرحلة الثانية عن حضور قيَم المصمم. «إن صناعة الأدوات الأولية تستدعي إبراز التغيّرات الأولية التي تمسّ الحاجة إليها، كما تؤدي صناعة الأدوات الثانوية إلى بيان علاقات السلطة أو الوضع الاجتماعي الثقافي في بنية الأداة أو المنظومة التقنية».
إن وسائل الإعلام من وجهة نظر العلامة الطباطبائي تعمل على اعتبار ضرورات من الارتباط بالنسبة إلى منظومتنا الارتباطية. لقد قام الإنسان في بداية الأمر بتصميم الوسيلة الإعلامية من أجل تلبية حاجاته الأولية، وبعد ذلك بفعل تعقيد الحاجات وبتأثير من التعددية الثقافية، عملت الأطر والقوالب المنبثقة عن هذه الحاجات ـ في إطار الأنظمة والأجهزة المرنة ـ على تغيير وسائل التواصل بشكل سريع. تعمل وسائل الإعلام الحديثة بالتدريج على تحوير حاجات المستهلكين في مختلف الأطر.
إن نظام حاجاتنا بما نمتلكه من الثقافة يختلف عن الحاجات التي يتمّ بيانها في التكنولوجيات الارتباطية الحديثة. إن تصوّر المستخدمين يستوجب التقنية، وإن تصوّر المخاطبين هو أن توظيف التكنولوجيات الارتباطية الحديثة يمثل نموذجًا للتطوّر؛ ولذلك يجب على الدوام اعتبار الأنظمة الاعتبارية ـ التي تمّ تطويرها على أساس الحاجات المتغيّرة في ثقافة الرأسماليين الحاكمة على الفضاء الافتراضي ـ بين المستخدمين. أشرنا إلى أن بعض الحاجات ليس لها في الأساس منشأ طبيعي، ولكن يتمّ العمل على إعادة إنتاجها ضمن الاعتباريات، بمعنى أنه بالتوازي مع الاعتباريات على أساس الحاجة الحقيقية، يعمل بعض الأشخاص في الحاجات الكاذبة على خلق النظام الاعتباري ويخوضون تبعًا لذلك في الثقافة والارتباطات، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ بالإضافة إلى الخدمات والمضامين حول الأسرة، يتم العمل على الاعتراف بالمثلية الجنسية أيضًا، ويتمّ الاعتراف رسميًا ـ للأسف الشديد ـ بالأسر المثلية.
لقد اتسعت قيَم الأنظمة الرأسمالية على ذات هذا المنوال، وإن مصنوعات
(152)الإنسان لتلبية حاجاته الارتباطية تضرّ بالارتباطات في الفضاء الحقيقي. إن دراسة الأبحاث الأولى لمختلف البلدان في الإنترنت ـ ومن بينها الولايات المتحدة الأمريكية ـ تتطابق مع بعضها. إن الولايات المتحدة الأمريكية لها ثقافتها وسياستها واقتصادها وأسلوبها الخاص، وبطبيعة الحال لا ينبغي أن تكون الأبحاث الأولى في بلدان العالم على نسق واحد، بيد أن الدراسات الإحصائية تشير إلى أن المطالب المبحوثة من قبلهم أنهم يتساوون مع سائر الناس في العالم من هذه الناحية. إن هذا المورد والكثير من الموارد الأخرى يثبت أن نظام حاجات الأشخاص في حالة من التحوير.
لقد كان البشر في جميع الثقافات والعصور بحاجة إلى إقامة التواصل فيما بينهم. إن التغيير في أسلوب الحياة وطرق الاستهلاك، قد أدى إلى التغيير في حجم تبادل المعلومات والارتباطات، والحاجة إلى إقامة تواصل أسرع. يرى العلامة الطباطبائي أن مباني الحاجات التواصلية والارتباطية ثابتة، ويمكن لنا على أساس الفطرة أن نتفاءل بتماهي الأدوات الارتباطية. إن التغيير في الوسيلة الإعلامية يصبح أمرًا ممكنًا من خلال الإرادة والنيّة الإنسانية في إطار الاكتساب الواعي لأعلى مراتب المعرفة.
إن الإنسان في التوجّه والالتفات إلى الأمور يمتلك الكثير من الأدوات والقابليات الكبيرة جدًا. في الوهلة الأولى يعمل على توظيف حواسّه الظاهرية، وفي المراحل اللاحقة والأعلى يعمل على توظيف المنطق والعقل والاستنتاج والتي تجلّت وتعيّنت بشكل وآخر في لغة الإنسان، وتمنحه قدرة مذهلة في الاهتمام بالأمور التي لا يمكن حتى تصوّرها في المراتب الأدنى من مرتبة وجود
(153)الإنسان. «إن دراسة الأفعال المعرفية لدى الإنسان والحيوانات تثبت أنه بعد التفات الإنسان أو الحيوان إلى الحالة أو إلى النشاط في موضع، فيما لو تحقق الشعور بالرضا، فإن العنصر الفاعل في مثل هذه الحالة يميل إلى تكرار الفعل الآنف ذكره، حيث يكون مقدار هذا الميل والاتجاه تابع عن حجم الرضا».
إن حاجات الإنسان في مختلف المدارس والمذاهب المتنوّعة تتطابق مع مبانيهم الفكرية والفلسفية، حيث تمتدّ أنظمة الاعتباريات بجذورها في الحاجات، وإن كل مجتمع يحصل على اعتبارياته في ضوء حاجاته. إن بعض الحاجات الارتباطية التي يؤمن بها الناس، هي الحاجات التي تمّ اعتبارها بشكل تكنولوجي ودخلت في الاعتباريات العامة للناس، من ذلك على سبيل المثال أن شبكات التواصل الاجتماعي تعمل على تضخيم أهمية عدد المتابعين بالنسبة إلى الشباب، في حين أن أغلب الأشخاص الذين يحصلون على عدد كبير من المتابعين، لا يتمتعون بالكثير من المعرفة ولا يتحلون بالأخلاقيات الإنسانية، وقد ألحقت هذه الظاهرة أضرارًا كبيرة على الهوية والأخلاق الإنسانية. إن الدعاية المتكررة في الفضاء الافتراضي تعمل على مفاقمة نوع إسلوب الحياة، وتصبح الجاذبية هي الهاجس الأهم بالنسبة إلى المستخدمين. إن هذه التكنولوجيات قد عملت على اعتبار نماذج من الارتباط، وتعمل على إلقاء «اهتمام» الناس في إطار الثقافة التكنولوجية الحاكمة إلى الجماهير بشكل مستمر. إن هذه الاعتباريات قد نشأت في الواقع من الرؤية الكونية والأنثروبولوجيا والارتباط الذي يتمّ افتراضه بين الأفراد وخالقهم.
في هذا الفضاء يتغير نظام الحاجة الحقيقي / الارتباطي. إن وسائل الإعلام
الحديثة في هذا المسار تعدّ من الأجزاء والمفاصل المهمّة في سلطة الرأسمالية في الغرب، وتعدّ من أهم أدوات تغيير نظام اعتباريات المجتمع وطرق التواصل بين البشر. ولذلك فإنه على الرغم من أن الحاجة الارتباطية تحتوي على بعد التغيير تحت تأثير البيئة؛ بمعنى أنه يتمّ على الدوام اعتبار ضرورة التكنولوجيات المتنوّعة، ولكن يمكن للتقنية الارتباطية في المنظومة الفكرية للعلامة الطباطبائي أن تعمل على توجيه الثقافة بالأنشطة الارتباطية.
وعلى هذا المبنى يمكن القول بأن اتساع دائرة وسائل الاعلام الافتراضية الحديثة، تصبح سببًا في تغيير نظام الاحتياجات واهتمام الناس في قطرنا على سبيل المثال؛ من ذلك مثلًا أن الدراسات التي تتحدّث عن حجم تحميل المطالب ذات المضمون المتدني في أكثر الشبكات الاجتماعية استخدامًا، بالإضافة إلى التغيير السريع في الثقافة الوطنية الإيرانية الإسلامية، لا تحكي عن واقع مطلوب. وعلى حدّ تعبير جان بودريار: في «عصر التمظهرات» لا يعود هناك أساس وبناء متين في اللغة والمجتمع والثقافة. إن الفضاء الافتراضي بوصفه بيئة وطنية يساوق الفضاء الحقيقي، بل وفي بعض الأحيان يكون أقرب إلى التناول من الفضاء الحقيقي، وبذلك فإنه يحظى بالاهتمام سريعًا ويعمل على تغيير الميول والحاجة وفي نهاية المطاف يقوم بتغيير حتى نمط الاستهلاك وطريقة فهم الأفراد أيضًا. ولذلك فإن الأشخاص على الرغم من عيشهم في مكان مشترك مع الجيل السابق المتمثل بآبائهم وأمهاتهم، ولكنهم يختلفون عنهم في الرغبات والحاجات والاعتبارات وفي الإرادات التي تعمل في نهاية المطاف على صياغة تصرفاتهم.
وفي الواقع فإن الإنسان من وجهة نظر العلامة الطباطبائي يسعى من خلال أفعاله الاختيارية إلى تلبية حاجاته وتكميل نواقصه الوجودية. فيما يتعلق
(155)بالتكنولوجيات نواجه أدوات تعمل على تلبية الحاجات المنبثقة عن الآداب والتقاليد الاجتماعية الغالبة. إن هذه الآداب والتقاليد تؤخذ أحيانًا من الحاجات المتطابقة مع المصالح الواقعية لنا، وتارة أخرى تكون على خلاف مصالحنا الواقعية؛ ولكن في كلتا الحالتين فإن الشعور بالحاجة الذي يُلقى إلينا، إنما يتحقق باعتبار الاهتمام والرغبة التي تقع موردًا لإرادتنا. إن من بين الإشكالات الواردة على نظرية فينبرغ عبارة عن استناده إلى أمزجة الناس الذين فقدوا تركيزهم في زحام الخطابات السطحية، حتى لم يعودوا يجدون فرصة للاختلاء بأنفسهم والتعرف على إراداتهم ورغباتهم الحقيقية.
يذهب المتخصص في العلوم الحاسوبية جينفر جولبك إلى الاعتقاد بـ «أن الإنترنيت كان منذ بداية إنشائه موضعًا ومكانًا اجتماعيًا». إن تعميم نموذج المجتمع المطلوب من وجهة نظر العلامة الطباطبائي من هذا البُعد إلى الفضاء الافتراضي يبدو مهمًا؛ إذ الفضاء الافتراضي يحتوي على آثار حقيقية، وقد وفّر الكثير من الظرفيات للمجتمعات البشرية الجديدة، وقد تجاوز البُعد الزماني والمكاني، ولذلك يجب العمل من وجهة نظر العلامة الطباطبائي على بيان المجتمع المطلوب، وتعميمه على الفضاء الافتراضي.
لقد عمد العلامة في الآية رقم 200 من سورة آل عمران، ولا سيّما منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾، إلى تقديم تفسير للنموذج الارتباطي في المجتمع الديني، حيث يُشير هذا الارتباط إلى التفكير التوحيدي.
(156)إن هذه الآية تدعو في بداية الأمر جميع آحاد المؤمنين إلى الصبر. ثم تقول بعد ذلك «صابروا» بمعنى الدعوة إلى المصابرة. والمصابرة عبارة عن أن يلتزموا الصبر جميعًا؛ إذ يؤدّي ذلك إلى ارتباط آحاد أفراد المجتمع ببعضهم، وتتحد جميع القوى فيما بينها. إن المرابطة (ورابطوا) أعم من المصابرة، والمصابرة عبارة عن ربط قوّة مقاومة أفراد المجتمع ببعضها، والمرابطة عبارة عن ذات هذا الوصل والربط بين القوى، ولكن لا في مواطن الشدّة فقط، بل إن جميع القوى والنشاطات في جميع شؤون الحياة الدينية ـ سواء في حالة الشدّة أو في الرخاء ـ مدعوة إلى هذا الارتباط. والمراد من المرابطة هو أن يصل المجتمع إلى السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾.
«إذا لم تكن هناك مرابطة، فكأن صبري وصبرك في حال الانفراد وكل فضيلة أخرى لوحدها تؤدّي إلى تحقيق السعادة، إلا أنها إنما تحقق بعض السعادة، وهذا لا يعني كمال السعادة. وقد أشار العلامة الطباطبائي في هامش هذه الآية ـ من خلال الإشارة إلى تكوّن المجتمع على أساس تبلور المجتمع الصغير والأسرة وأصل الاستخدام ـ إلى الكمال التدريجي للمجتمع بفعل طريقة التكامل الروحي والمادي للأفراد».
يُشير العلامة الطباطبائي في تفسير هذه الآية في كتاب الميزان ـ من خلال بيان أهمية المجتمع في الرؤية الإسلامية ـ إلى تطوّر الأفراد في صلب المجتمع، ويذهب إلى الاعتقاد بأن الارتباط الذي يقيمه الإسلام بين الفرد والمجتمع، لا يوجد له سابقة في أيّ منظومة فكرية أخرى. إن الهوية والشخصية المستقلة
للمجتمع في الإسلام تشير إلى أهمية الارتباطات الاجتماعية. في هذه الآية يعمد العلامة الطباطبائي ـ من خلال نقد التفكير الغربي فيما يتعلق بالديمقراطية غير الدينية، ومع الإشارة إلى أهمية الدوافع العقلانية في بلورة الأنظمة الاجتماعية ـ إلى عدم كفاية الإحساس لوحده في هداية المجتمع؛ ولذلك فإن الاعتباريات ـ التي مررنا في السابق على شرحها وبيانها ـ تعمل على تلبية الجاجات ورفع الضرورات، وتهدي المجتمع بالإضافة إلى الإدراكات الحقيقية نحو السعادة. وقد استدل العلامة في هذه الآية على أن سبب شدّة اهتمام الإسلام بالمجتمع يعود إلى أن تربية وازدهار الأخلاق لدى الفرد إنما تقع مؤثرة إذا لم تواجه معارضة في فضاء المجتمع. ومن هنا فإن الإسلام قد أقام أهم أحكامه وشرائعه على أساس المجتمع، وبالإضافة إلى دعوته إلى الخير، وحكمه بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على جميع المسلمين، قد أخذ بنظر الاعتبار هدفًا واحدًا يتمثل بالقرب الإلهي من أجل إحكام أمر المجتمع والحفاظ على الرقابة الذاتية للأفراد بالإضافة إلى الأحكام الاجتماعية.
لقد عمد العلامة الطباطبائي ـ من خلال الإشارة إلى تحقق نمط الحياة الغربية في العالم المعاصر وتقدّم البشر ـ إلى نقد طريقة التبعية للأكثرية وهو الأمر المنشود من وجهة نظر فينبرغ أيضًا. إن الاعتبارات المتغيّرة في المجتمعات الثقافية المتنوّعة تعدّ أمرًا بديهيًا. إن هذه الاعتباريات العملية قد وُجدت في صلب السنن والطبائع والتاريخ والشرائط الجغرافية، وهي في حالة تغيّر مستمر. في إطار الروابط الثقافية يكون احتمال ازدهار الاعتباريات المتماهية بين الثقافات والحضارات البشرية قائمًا. وبطبيعة الحال فإن الاعتباريات الموجودة في بعض الثقافات تركز
(158)في الغالب ـ بطبيعة الحال ـ على رفع الحاجات الغريزية والمتغيّرة والمادية، وقد غفلت عن الاهتمام بالحاجات الروحية للإنسان. وقد قام العلامة الطباطبائي في معرض تفسير الآية 200 من سورة آل عمران إلى التعريف بالمجتمعات الغربية بوصفها مصداقًا لهذا النوع من عدم الاعتدال في الاعتباريات. في ضوء تحليل العلامة يقتصر تركيز الحضارة في الغرب على الاهتمام بجانب من الاعتبارات المتغيّرة لدى الأشخاص، ويضمحل الاهتمام بالاعتباريات الثابتة وجانب من الاعتباريات المتغيّرة الأخرى. وقد أدى هذا الأمر إلى ابتلاء الحضارة الغربية بالبُعد والشرخ العميق الذي يفصل بينها وبين الحضارات التوحيدية. إن روابط الأشخاص في هذه الحضارة تمثل بدورها تابعًا للاعتبارات الغريزية المتسعة، ويتمّ قصرها على محور الحصول على المتعة الجسدية والوهمية، وهي ترفع راية الحرية المقرونة بعدم التمسك بتلبية الحاجات الثابتة، وإن الشيء الوحيد الذي يمكنه الحيلولة دون إشباع الإنسان لغرائزه ومطالبه عبارة عن تعارض هذه الغرائز والمطالب مع مطالب وغرائز الآخرين.
إثر تسلل التكنولوجيات الارتباطية الحديثة إلى مختلف ثقافات المجتمعات البشرية ومن بينها المجتمعات الدينية، أخذت هذه التكنولوجيات تفرض مطالبها على ثقافة سائر البلدان. إن هذه التكنولوجيات التي كتب لها التعيّن في الطبقة الحسية وكان بالإمكان تجربتها، قد دخلت في دائرة حاجة الناس سريعًا، واتسع الطلب والإقبال عليها، ودخلت ثقافتها وحضورها بنموذجها التقليدي في نمط حياة الناس؛ في حين كانت هذه التكنولوجيات في المرحلة السابقة قد وُجدت من نوع ثقافة كانت قد أقيمت على أساس فلسفة عقلائية. لقد أقامت
المعرفة الفلسفية لدى الغرب في العصر الحاضر دعائمها ـ في الحدّ الأقصى ـ على أساس استفادة الإنسان من الطبيعة، لبلوغ الحدّ الأكبر من الرفاه المادي، وسكتت عن ارتباط الحياة في هذه الدنيا بحياة الإنسان في العوالم الأخرى. إن للعالم من وجهة نظر العلامة صبغة أخرى. فقد أشار في «رسائله» إلى الحياة قبل الدنيا والحياة بعد الدنيا بوصفهما من الحقائق التي تكون الحياة في هذه الدنيا محفوفة بها. وفي الحقيقة فإن الإنسان في فلسفة صدر المتألهين ـ التي يفكر العلامة الطباطبائي ضمن دائرتها ـ ترى أن الإنسان كائن يمتلك طبقات مختلفة من الوجود في زمن واحد. وقد عمد العلامة الطباطبائي في رسالة «الإنسان قبل الدنيا» إلى تشريح الإنسان في عوالم الوجود الثلاثة، وهي: (المادّة، المثال، العقل).
وبذلك فإنه في تحليل التكنولوجيات الارتباطية الحديثة بوصفها مهدًا لتلبية الحاجة إلى الأفعال الارتباطية بالإضافة إلى الإحساس والشعور الذي يبحث ضرورة الارتباط في الأطر الحديثة، يجب الاهتمام من وجهة نظر العلامة الطباطبائي ـ المتطابقة بدورها مع الأصول الفكرية لصدر المتألهين وتشكيكية الوجود ـ بدور العقل والإرادة العقلانية أيضًا. وفي هذه الحالة يمكن تدارك الخلأ الذي نشاهده في طريقة دمقرطة التقنية من وجهة نظر آندرو فينبرغ؛ إذ كان فينبرغ يرى جدوائية مجرّد الحضور الفاعل لأذواق الناس وأمزجتهم المتنوّعة في حل أزمة السلطة في الفضاء الافتراضي. يمكن تحليل تنوّع الأفعال الارتباطية لهذا الأرضية والحاضنة التي تعمل فيها كثرة من الآداب والتقاليد الاجتماعية والتنوّع الثقافي على تلبية الحاجة بهذه الطريقة، وهي أن التقنية إنما يمكنها العمل على ضمان السعادة للإنسان ـ من وجهة النظر التوحيدية في نظام تشكيكية
(160)الوجود ـ فيما لو لم تكن بالضرورة تمنح العقل والفطرة الإلهية للإنسان تقدّمًا زمنيًا، وإنما فيما لو كانت تمنحهما تقدمًا في الرتبة، ولا تكون الحاجات الإحساسية ـ التي يتم اعتبارها على شكل حاجة ارتباطية ـ ناقضة للعقل والفطرة البشرية؛ ولذلك فإن اهتمام الإنسان بحاجاته المتنوّعة بالنظر إلى تحقق الأنظمة المختلفة للاستفادة من العقل والفطرة في رصد هذه التوجهات، يمكنه العمل على معالجة سلطة التقنية على الإنسان، وأن يحقق السعادة والاتحاد في ظل الاهتمام بالحاجات المتنوّعة لأبناء البشر.
إن الإدراكات الاعتبارية تابع للاهتمام، والاهتمام بدوره تابع للحاجات والعادات الاجتماعية. وإذا كانت التقنية على أساس نظرية التفكير البديل التي صدع بها آندرو فينبرغ في ضوء الادعاء القائل بتلبية الحاجات المتنوّعة، قادرة على الاكتفاء بانتخاب الذوق والمزاج الغالب، ولكنها لا تستطيع القضاء على الآفات الراهنة. وقد ورد شرح هذا المطلب في مقالات متنوّعة، وخلاصة الدليل هي أنه بالإضافة إلى تعذّر العثور على نقطة مشتركة بين هذه الأمزجة والأذواق، فإن مبنى تقييم هذه القيَم بدوره مبهم ويكتنفه الغموض أيضًا.
إن العادات الاجتماعية والثقافية هي ذات تلك الصورة المعقدة للحاجات الطبيعية. إن مسار إثبات هذه العادات الاجتماعية يؤدّي إلى اختلافات كبيرة في اعتباريات المجتمعات المتفاوتة. كما يذهب فينبرغ بدوره إلى الاعتقاد بأن التقنية أمرّ قابل للتقييم أيضًا. يعمل آندرو فينبرغ ـ من خلال الكثير من الأمثلة (من قبيل: القناطر القصيرة لوصول الأثرياء، وعدم الاهتمام بالأطفال في التصميمات المتنوّعة)، التي لا مجال لشرحها في هذه المقالة ـ على بيان أن القيَم تؤثر في
(161)التبويبات النهائية للتقنية، وإن مجرّد الملاحظات التقنية لوحدها لا تكفي لتعيين نوع التصميمات. كما يرى العلامة الطباطبائي أن الرؤية الكونية والأنثروبولوجيا بدورها تؤثر في تدارك وإنتاج الاعتباريات أيضًا. بيد أن هذه الحاجات المتغيّرة والعادات الاجتماعية تحال في الأعم الأغلب ـ بطبيعة الحال ـ إلى الحاجات الثابتة، بيد أن القيَم التي تحمل ـ على حدّ تعبير آندرو فينبرغ ـ على هذه الحاجات الثابتة، يجب قراءتها مجددًا. وفي ضوء ردّ توهم الحتمية التكنولوجية، يذهب آندرو فينبرغ إلى الاعتقاد بأن منشأ هذا التوهم يعود إلى تجاهل دور العناصر الاجتماعية في تبلور الأنظمة التقنية. كما يرى العلامة الطباطبائي أن اعتدال الإنسان يكمن في الاعتدال في الخوض في مختلف الحاجات. ومن وجهة نظر آندرو فينبرغ فإن الأنظمة التقنية تتأثر بالقيَم الاجتماعية، وتؤثر فيها أيضًا. وكذلك من وجهة نظر العلامة الطباطبائي فإن الاعتباريات تتأثر بالقيَم وتؤثر فيها. وكما يعمل آندرو فينبرغ في إطار نظرية صنع الأدوات على تصحيح حضور القيَم في مسار إنتاج التقنية، كذلك فإن العلامة الطباطبائي بدوره في إطار الإدراكات الاعتبارية يصحح تأثير الرؤية الكونية على العادات الاجتماعية وتأثير القيَم على اهتمام الأشخاص، ويقرّ في نهاية المطاف بالعمل على إيجاد الإدراكات. إن هذه القيَم تنشأ حاليًا من القيَم المادية البحتة، وقد أدّت إلى الأزمة الراهنة في الحضارة الغربية.
ولذلك فمن أجل العثور على طريقة للحلّ يجب الخوض ـ على حدّ تعبير العلامة الطباطبائي ـ في بحث مبادئ العادات الاجتماعية والاعتبارات الحاصلة من الفضاء الافتراضي؛ كما أن الاهتمام بنظرية التفكير البديل لآندرو فينبرغ يجدي في حل الأزمات الناشئة من الفضاء الافتراضي أيضًا. لو عملت
(162)الإرادات المنبثقة عن المصالح الحقيقية المتطابقة مع الدين على توجيه وهداية هذه الحاجات والرغبات، فإن تصميم التكنولوجيات البديلة سوف يكون ممكنًا. إن الحاجات الارتباطية في المجتمع التوحيدي حول محور الآية رقم 200 من سورة آل عمران، هي حاجات تعمل على تعزيز التلاحم والاتحاد الروحي للمجتمع. وفي غير هذه الحالة فإن الخوض غير المتناسب في الحاجات ـ ومن بينها الحاجات الارتباطية ـ سوف يضرّ باعتبارات المجتمع بحيث يحول دون التعالي والسعادة الشاملة لأبناء البشر.
إن الإنسان ـ من وجهة نظر العلامة الطباطبائي ـ يقوم على الدوام بعملية الاعتبار وإضفاء الضرورة على المستلزمات من أجل تلبية حاجاته المتنوّعة. إن الحاجات الارتباطية للإنسان تعدّ من أهمّ الحاجات التي تؤدّي إلى تبلور المجتمع. يذهب العلامة الطباطبائي إلى الاعتقاد بأن هذه الحاجات الارتباطية تشتمل ـ مثل سائر الحاجات الأخرى ـ على أسس ثابتة ومتغيّرة، حيث يمكن بيانها من خلال نظرية الاعتباريات، وقد تمّ في المجتمعات الغربية اعتبار التكنولوجيات الارتباطية ـ ومن بينها الفضاء الافتراضي ـ من أجل تلبية هذه الحاجات، وبالإضافة إلى فوائدها أدت إلى تداعيات وتبعات عرضية جمّة من قبيل: سطحية الارتباطات الإنسانية، وهيمنة الشركات الرأسمالية. ومن وجهة نظر الفيلسوف التكنولوجي آندرو فينبرغ، تكمن طريقة تصحيح هذه الأعراض والتبعات من خلال حضور الناس وتواجدهم في التخطيط وصنع الأدوات والمعدات التكنولوجية بوصفه أسلوبًا بديلًا. ومن وجهة نظر العلامة
الطباطبائي يجب الحصول على المجتمع البشري من أجل السعادة والاتحاد من نموذج الارتباط أو التواصل على أساس الولاية الإلهية. وفي هذه الصورة سوف يتم العمل على توفير البديل المناسب من أجل التصميم التكنولوجي.
في ضوء رؤية العلامة الطباطبائي تعمل الحاجات المتنوّعة على جذب الاهتمام نحوها، ويؤدّي ذلك إلى الاهتمام بالإدراك الاعتباري، ولذلك فإنه على الرغم من أن الحاجات الطبيعية والأولية واحدة في كافة المجتمعات، إلا أن مسار التحوّل إلى الحاجة الثانوية او العادات الثقافية وإيجاد الحاضنة الثقافية لها، أمر يتحقق في ظل تأثير الرؤية الكونية، ونحن في المواجهة الفاعلة لتقنية الفضاء الافتراضي، يجب أن نبدي اهتمامًا أكبر بالقيَم الثقافية لدينا في عملية التخطيط، وهذا لا يعني إلغاء الفضاء الافتراضي الراهن، بل يحتوي على المزيد من التأكيد على المواجهة الانتقادية لهذا الفضاء والتخطيط لخدمات الفضاء الافتراضي المتناسب مع نظام قيَم الثقافة الإسلامية؛ وذلك لأن هذه الفضاء بدوره إنما ينشأ من القيَم الثقافية للمخططين، كما أنها تستحوذ على الاهتمامات البشرية وتعمل على تغيير أسلوب الحياة أيضًا.
(164)
وفيما يلي نقدّم جدولًا بيانيًا مختصرًا يقارن بين نموذج التفكير البديل لآندرو فينبرغ والعلامة الطباطبائي:
صفاء عبد السلام علي جعفر
«السؤال عن التقنية» هو من أبرز محاضرات الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر التي يكتنفها قدرٌ غير ضئيلٍ من الغموض. ربما يرجع ذلك إلى أن المحاضرة - موضوع هذا البحث - ليست كما قرأها عددٌ من المفكرين الغربيين وصفًا للتقنية في عصرنا الحالي، وكذلك ليست بحثًا تاريخيًا في تطور التقنية الحديثة، كما أنّها ليست محاولةً لتفادي ويلاتها المدمرة على إنسان هذا العصر.
إن محاضرة «السؤال عن التقنية» غامضةٌ، لأن موضوعها ليس التقنية، وإنما «الأصل» في التقنية، فهي سؤالٌ عن «الأصل» أو «الماهية». ويبدو أن «السؤال عن التقنية» عند هايدغر ليس سوى «السؤال عن الوجود»، والسؤال عن حركة «التحول» من «نسيان الوجود» إلى «حضور الوجود» كما سنرى في سياق البحث.
(169)إن موقف هايدغر من التقنية أبعد من أن يكون هجومًا على التقنية الحديثة، فهو عندما يتناول مسألة التقنية بدءًا من اليونان وحتى العصر الحديث، إنما يسعى إلى مواجهة «التحدي» الذي تفرضه على إنسان اليوم، وهو ينشد في سعيه بهذا التفكير التأملي الحقيقي في الوجود أن يتجاوز ميتافيزيقا الذات الكلاسيكية، بحيث يكون هذا التفكير هو الاستجابة الوحيدة الممكنة لنداء الوجود، علمًا بأن هذا التفكير عند هايدغر ليس مذهبًا مغلقًا جامدًا، وإنما هو رحلةٌ متجدّدةٌ عبر طريق الوجود.
يمكن القول بأن التقنية في معناها الواسع، وفي ضوء تعدّد ظواهرها، تعدّ تخطيطًا من صنع الإنسان، إلا أنّها تجبره أحيانًا على اتخاذ القرار في أن يصير تابعًا لها، أو أن يحتفظ بسيادته عليها.
يشير ذلك المعنى إلى أن الإنسان هو مركز الوجود، ويرجع إليه كلّ ما في الوجود.
قلَب هايدغر هذا المعنى الشائع للتقنية رأسًا على عقب، فالتقنية لم تعد شيئًا من صنع الإنسان، ولكنها جزءٌ من المصير، تشكّل أهدافنا وتُحقِّقها.
يقول هايدغر: «.. التقنية لا تتساوى مع ماهية التقنية، فعندما نبحث عن ماهيّة «الشجرة» ندرك أن ما جعل الشجرة يابسة ليس هو ما يمكن أن نجده في سائر الشجر، بالمثل فإن ماهية التقنية لا علاقة لها بما هو تقني. ونحن لن
(170)نعرف علاقتنا بماهية التقنية ما دمنا ندور في فلك التقنية.. فنحن دومًا مقيدون بالتقنية سواءً أتعاطفنا معها أم أنكرناها». يشير النص السابق إلى أن هايدغر في محاضرته عن التقنية قد انتهج طريق التفكير ليصل إلى ماهيّتها من خلال اللغة، وهدفه هو إعدادنا لتجربة الدخول في علاقةٍ حرةٍ مع التقنية. وما دمنا نعجز عن معرفة علاقتنا الحقيقيّة بالتقنية فإنّه يرى بأنّنا سنظل نعاني من هذه القيود، ما دمنا لم نتعلم بعد التفكير في ماهيتها التي تختلف عن التقنية وما هو تقنيٌّ، كما تختلف عما هو صنع الإنسان.
إذًا، فإنّ علاقتنا بالتقنية سوف تصبح علاقةً حرةً فقط إذا حققت لوجودنا الإنساني الانفتاح على ماهية التقنية. وفي ذلك أشار هايدغر إلى الوهم المضلّل بأنّ التقنية الحديثة هي تطبيقٌ للعلم الفيزيائي، ورأى أن التقنية يجب ألاّ يُساء تفسيرها بوصفها مجرد تطبيقٍ للعلم الطبيعي الرياضي، فضلًا عن رأيه بأن العلم الحديث ذاته يتأسس على ماهيّة التقنية، ذلك أن النظرية الفيزيائية الحديثة عن الطبيعة تمهد السبيل لا للتقنية وإنما لماهية التقنية الحديثة، كما أن العلوم الحديثة تنتمي إلى تلك الماهية، وهذه الماهية ليست تعبيرًا عن العلاقة المتبادلة بين العلم والتقنية، وإنما هي بمثابة «الكشف» عن الماهية المشتركة التي تسيطر عليهما.
نستخلص مما سبق أن القول الشائع بأن التقنية هي تطبيقٌ لنتائج العلم الحديث -أيًّا كان من أمر صحته- يبتعد تمامًا عن محور اهتمام هايدغر الرئيسي وهو السؤال عن ماهيّة التقنية الذي هو بدوره سؤالٌ عن ماهية الوجود.
(171)إن التقنية -في حدّ ذاتها- أمرٌ محايدٌ، ويمكن استخدامها بصورةٍ إيجابيّةٍ أو سلبيّةٍ، وعلى الإنسان أن يتخذ قراره بشأن هذا الاستخدام، إلا أنّ هذا الأمر الحيادي لا يعرفنا ماهية التقنية كما يرى هايدغر.
حاول هايدغر البحث في ماهيّة التقنية في اتجاهين مختلفين ومع ذلك ارتبط كلٌّ منهما بالآخر، أما عن الاتجاه الأول فهو يدور حول ماهيّة التقنية والعلاقة العليّة كما سبق أن أوضحنا، وأما الاتجاه الثاني فهو يتناول ماهية التقنية بوصفها «تخنى» كما يلي:
ذهب هايدغر إلى أن كلمة التقنية مشتقةٌ من الكلمة اليونانيّة (Technikon)، وهي ترتبط بتخنى!، «فضلًا عن أنّ اليونان قد أطلقوا كلمةً واحدةً على العامل اليدوي والفنان وهي «تخنيتس»، فضلًا عن أنّ اليونان قد أطلقوا كلمةً واحدةً على العامل اليدوي والفنان وهي «تخنيتس»، ولا تعني هذه الكلمة أي نوعٍ من أنواع الصنعة أو الإنجاز العملي، بل تعني أسلوبًا من أساليب المعرفة، والمعرفة
(172)بالمعنى اليوناني (episteme)، كانت ضربًا من الرؤية بمعناها الأعم، أي إدراك الموجود بما هو موجودٌ، وجوهر هذه المعرفة هو الحقيقة، أي تجلي الموجود وظهوره من الخفاء.
إذًا، «التخنى» بهذا الفهم اليوناني هي إظهار الموجود من الغموض والخفاء بالمظهر الذي تراه العين فيه، «والتخنيتس» ليس هو الصانع اليدوي، بل ذلك الذي يجعل الموجود يظهر على الحقيقة أو يجعل حقيقته تظهر فيه.
لاحظ هايدغر أمرين في ما يتعلق بمعنى كلمة «التقنية» أو تخنى، أما عن الأمر الأول فهو أن هذه الكلمة ليست فقط اسمًا للأنشطة والمهارات المتعلقة بالعامل اليدوي، وإنما تدل أيضًا على الفنون الرفيعة والفنون الجميلة، لذا فإنّ «تخنى» تعبر هنا عن معنىً في الشعر، كما أنها ذات «طبيعةٍ شاعريةٍ».
أما عن الأمر الثاني، فيرى هايدغر أنه حتى عصر أفلاطون ارتبطت كلمة «تخنى» بكلمة (Episteme) أي المعرفة، وأنّ كلا الكلمتين يعني «أن نشعر بالألفة مع شيءٍ ما وأن تتوفر لدينا تجربةٌ معه ومعرفةٌ به والكلمتان تعبران عن المعرفة و(Erkennen Wissen, Knowing) بالمعنى الواسع للكلمة».
(173)كما يرى هايدغر أن مثل هذه المعرفة تزودنا بالانفتاح، وهذا الانفتاح هو بمثابة كشف، «فالتخنى» هو نوعٌ من «الأليثيا»، أي أنّها تكشف عما يحتجب عنا، ولا نراه أمام ناظرينا، أو عما يظهر ثم يطرأ عليه التحول بطريقةٍ أو بأخرى. يقول هايدغر: «.. إنّ الأمر الحاسم في «التخنى» لا يكمن إطلاقًا في الصناعة، ولا في التصنيع، ولا في استخدام الوسائل، إنه بالأحرى يكمن في الكشف».
نستلخص مما سبق أن هايدغر عندما يتحدث عن ماهية التقنية اليوم، إنما يقصد الأمر الثاني الذي يبدو أنه يعبر أكثر عن المفهوم الأنطولوجي «للتخنى»، كما يؤكد هايدغر أن تجاوز المفهوم الأدواتي للتقنية السابق ذكره يمكننا من الوصول إلى ماهيتها.
إن «التخنى» كما فسرها هايدغر إنما هي صورةٌ من صور الكشف، وهي كشفٌ عن التحجّب، وما هو أساسيٌّ في «التخنى» ليس الصناعة أو التصنيع أو استخدام الوسائل، وإنما الكشف، بمعنى أن «التقنية» يتم إحضارها في مجال حدوث الحقيقة أو الكشف أو اللاتحجب (Alétheia) .
يرى هايدغر أنّ «الشعر» عند اليونان (poiésis) هو وجودٌ من العدم «حضور»، وأن هذا الحضور كان واضحًا قبل كلّ شيءٍ في الطبيعة أو الـ(Physis)، وهذا
(174)الحضور يتجلى من خلال الشيء ذاته. كما يرى بأن «التخنى» بدورها صورةٌ من صور (الإحضار)، وهذا الإحضار يتجلّى في شيءٍ آخر من خلال الفنّ والصناعة، حيث يشارك الإنسان في إعادة تشكيل المادة والمنظور، وفي إحضار الشيء إلى الوجود. إن اليونان -من وجهة نظر هايدغر- توصلوا أيضًا إلى الفنون العقليّة «تخنى»، حيث تلقوا بانفتاحٍ كلّ ما يوجد، وحاولوا الكشف عن الوجود في كلّ ما قابلهم، كما حاولوا السيطرة عليه، وتلك السيطرة تجلّت في الفلسفة اليونانية.
يتضح مما سبق، أن مفهوم هايدغر لماهية التقنية بوصفها «تخنى» هو بمثابة المصدر الحقيقي لعصر التقنية الحديث، ف«التخنى» معرفةٌ كاشفةٌ وأسلوبٌ للإحضار وهو بدوره نوعٌ من الكشف، والتقنية الحديثة مثل «التخنى» بمعناه اليوناني القديم -من حيث المصدر المنبثقة عنه- هي أسلوبٌ للكشف، والوجود عندما يسود كلّ ما يوجد إنما يتجلّى من خلاله ذلك الكشف.
ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ الإنسان في العصر التقني الحديث لم يعد يفرض سيطرته على الواقع، بمعنى أنه لم يعد يتمثل الواقع وفقًا لتصوره الخاص رافضًا ظهور الأشياء كما هي عليه، ولأن «الكشف» الذي يحققه «التخنى» يفرض سيطرته على كلّ ما يوجد، فهناك علاقةٌ وثيقةٌ بين مصير الوجود، والفعل الإنساني كما سيأتي بيانه.
نحاول في هذا التعقيب الإجابة عن السؤال التالي: ما النتائج التي ترتبت على تفسير هايدغر لماهية التقنية بوصفها «تخنى»؟
النتيجة الأولى: أن «التخنى» -كما أوضح هايدغر- هو معرفةٌ ورؤيةٌ بالمعنى
(175)الأعم للكلمة، فهو وفقًا لما ذهب إليه اليونان لا يعني أي نوعٍ من أنواع الصنعة، وإنما هو أسلوبٌ من أساليب المعرفة، أي إدراك الوجود بما هو موجودٌ، وجوهر هذه المعرفة هو الحقيقة أو تجلي الوجود وظهوره من الخفاء.
النتيجة الثانية: أن «التخنى» هو شعر بمعنى أنه إبداعٌ وإنتاجٌ، وصورةٌ من صور «الإحضار»: إحضار الشيء إلى الوجود، وإعادة تشكيل المادة والمنظور، وهذا الإحضار بدوره يمثّل نوعًا من الكشف.
النتيجة الثالثة: أن «التخنى» هو ألفةٌ مع الشيء ودخولٌ في تجربةٍ معه «بمعنى معرفته» وهذه المعرفة تزودنا بالانفتاح على ذلك الشيء، أو بالكشف عنه.
النتيجة الرابعة: أن «التخنى» هو نوعٌ من الأليثيا أي الكشف عن المتحجّب بمعنى الحقيقة، فالتقنية يتم إحضارها في مجال حدوث الحقيقة أو الكشف.
النتيجة الخامسة: أن «التخنيس» ليس هو الصانع اليدوي، وإنما هو -كما رأى اليونان- ذلك الذي يجعل الموجود يظهر على الحقيقة، أو يجعل حقيقته تظهر فيه.
يقول هايدغر: «.. الكشف الذي يسود التقنية الحديثة يتسم بمعنى التحدي، وهذا التحدي يحدث عندما تتفتح الطاقة المحتجبة في الطبيعة.. حيث يتم إخضاع كلّ ما يوجد للتنظيم ليكون في متناول اليد، ويلبي الحاجة إليه.. (كما أن) إضفاء طابع النظام، والأمان هما السمتان الأساسيتان للكشف في حال التحدي».
ويعني ذلك أن التقنية الحديثة عند هايدغر - من حيث الماهية هي «كشفٌ
(176)يتحدى»، فهي بمثابة «نزاع» مع كل ما يوجد بحيث تحاول أن تجعله جاهزًا للاستخدام.
وأساس هذا الأسلوب من الكشف نجده لدى الإنسان عندما يحاول السيطرة على كلّ ما يقع خارج ذاته، حيث يتمثله ويجعله موضوعًا في متناول اليد.
ولكن ما هو الأساس الذي يقوم عليه هذا الكشف؟
يرى هايدغر أن الطاقات الطبيعية تستثير قوى الإنسان، بحيث يجد نفسه مندفعًا نحو الكشف الذي يتحدى، أي إنّ الإنسان في غمرة اهتمامه بالكشف الذي يتحدى قواه يُوجّه إليه نداءُ التحدي بحيث يبقى النداء ومصدره محتجبين.
يرى هايدغر أن «المنفتح» يطرأ عليه التحول، وما يتحول يتم تخزينه ثم توزيعه، وتجزئته وإعادة صياغته من جديد. إذًا، الانفتاح والتحول والتخزين والتجزئه إنما هي أساليبٌ للكشف، وهذا الكشف لا يصل إلى نهايةٍ ما، علمًا بأن الإنسان يحاول الكشف عن الواقع عن طريق تنظيمه بوصفه مخزونًا وأن هايدغر يميّز ما بين المخزون والشيء، فالطائرة في حال عدم إقلاعها تكون شيئًا، وفي حال إقلاعها تتحول إلى مخزونٍ، وتدين في حضورها لاستخدام الإنسان لها.
(177)ولعلّ أصل فكرة الطبيعة بوصفها «مخزونًا» يرجع إلى النزعة الذاتيّة في الميتافيزيقا الكلاسيكية، ومن ثم إلى تطور العلم الحديث. فالفيزياء تجعل الطبيعة إطارًا متسقًا من القوى التي يمكن حسابها سلفًا ثم السيطرة عليها، بحيث يمكن القول بأن كشف التحدي قد سيطر على الفيزياء قبل أن تخضع تقنية الآلة للتطور.
إن مصطلح «المخزون» الذي يستخدمه هايدغر في توضيح طريقة حدوث الأشياء في انتمائها إلى الكشف يتخذ معنى الإنشاء أو الإنتاج الموجود في الشعر بمعناه الأصلي (Poéssis)، فضلًا عن أن «المخزون» يتخذ شكل التحدي بحيث تصبح الطبيعة مصدرًا للطاقة يمكن استخراجها وتخزينها وأخيرًا استخدامها. بعبارةٍ أخرى، فإن الطاقة التي كانت محتجبةً في الطبيعة قد تحولت الآن، وتم تخزينها، وتوزيعها واستخدامها، وهذه الفعالية الإنسانية إنما هي أساليبُ للكشف، على الرغم من أن الكشف لا يصل قط إلى نهايته كما سبق بيانه.
«تمكن هايدغر من أن يُحدث إنقلابًا في مفهومه عن العلم الحديث، بحيث أصبح تطور العلم الحديث، والفيزياء الرياضية، وتقنية الآلات، رهنًا على إدراكه للحقيقة بوصفها كشفًا، وفهمه للطبيعة بوصفها مخزونًا للطاقة بعيد الأمد». نحاول في هذا التعقيب الإجابة عن السؤال التالى: ما النتائج المترتبة على تفسير هايدغر للكشف بوصفه نداءً للتحدي؟
أما عن نتائج التفسير فهي كما يلي:
النتيجة الأولى: أن النزعة الذاتية في الميتافيزيقا الكلاسيكية هي المسؤولة عن
فكرة الطبيعة بوصفها «مخزونًا» ومن ثم تقف وراء تطور العلم الحديث، حيث تجعل الفيزياء من الطبيعة إطارًا متسقًا من القوى يمكن حسابها سلفًا والسيطرة عليها.
النتيجة الثانية: أن «المخزون» في رأي هايدغر يفسر طريقة حدوث الأشياء في انتمائها إلى الكشف، ويتخذ معنى الإنتاج الموجود في الـ(Poiésis) أو الشعر بمعناه الأصلي، ويتخذ شكل «التحدي» بحيث تصبح الطبيعة مصدرًا للطاقة يمكن استخراجها وتخزينها لتصبح في متناول اليد.
النتيجة الثالثة: أن «الانفتاح» على الموجود، والتحول والتخزين، والتجزئة إنما هي أساليبُ لكشفٍ لا يتوقف، فضلًا عن أن الإنسان يحاول الكشف عن الواقع عندما يقوم بتنظيمه بوصفه مخزونًا.
النتيجة الرابعة: أن الإنسان «يستجيب» للنداء الموجه إليه لقبول التحدي عندما يجد نفسه دومًا في حقيقة الانكشاف، ما يعني أن التقنية الحديثة -في رأي هايدغر- ليست من صنع الإنسان، وأن كلّ تحدٍّ يُفرض على الإنسان لتنظيم الواقع بوصفه مخزونًا، وهذا التحدي يتفق مع أسلوب تجلي الكشف.
النتيجة الخامسة: أن ثمة وجهين للتحدي:
«الوجود» يواجه تحديًا في ترك الموجودات لتظهر في مجالٍ يمكن حسابه.
«الإنسان» يواجه بدوره تحديًا في أن تصبح الموجودات موضوعًا لحساباته ومشروعه في المستقبل.
(179)
يقول هايدغر: «.. إن «Ge-stell» هو «تجميعٌ» يجعل الإنسان على استعدادٍ ليكشف الواقع كمخزونٍ قابل للتسخير. إن الإنسان الذي يواجه هذا التحدي يقف في المجال الأساسي للـ( Ge- stell) أو «التجميع»، وليس بمقدور الإنسان أن يتحمل مباشرةً علاقةً معه، وذلك لأن السؤال عن معرفة كيف نستطيع الدخول في علاقةٍ مع ماهيّة التقنية هو سؤالٌ يأتي دومًا متأخِّرًا.. ولكن السؤال عن معرفة متى وكيف ندخل نحن أنفسنا في مجال الـ (Ge- stell) أو «التجميع ذاته هو سؤالٌ لا يأتي قط متأخرًا».
يتضح مما سبق أن الـ (Ge-stell) أو التجميع، هو الاسم الذي أطلقه هايدغر على هذا التحدي الذي يضع الوجود والإنسان اليوم كلًا في مواجهة الآخر بما في ذلك كلّ ما يوجد.
والكلمة يستخدمها هايدغر بطريقةٍ اصطلاحيةٍ ليعبر بها عن ماهية التقنية الحديثة، فهي لا تعبر فقط عن التحدي الذي يواجه الإنسان للكشف عن الموجودات، وإنما تميز ما يسميه اليونان بالشعر (Poiésis) بوصفه إنتاجًا، وإنشاءً
(180)بحيث يصبح الشكلان الكلاسيكي والحديث من الإنتاج مترابطين من حيث كونهما أسلوبين من أساليب الكشف عن الحقيقة. إذًا الـ (Ge-stell) أو التجميع تعني طريقة أو أسلوب الكشف الذي يتحكم في ماهية التقنية الحديثة، وهو في حدّ ذاته ليس تقنيًا كما سيأتي بيانه.
يمكن القول بأن هايدغر قد استخدم مصطلح الـ( Ge-stell) أو «التجميع» بطريقةٍ تختلف تمامًا عن الطريقة المألوفة في استخدام هذا المصطلح، ونحن في توضيحنا لذلك نحاول الإجابة عن السؤال التالي:
ما النتائج المترتبة على تفسير ماهية التقنية عند هايدغر بوصفها تجميعًا أو (Ge- stell)؟
أما عن النتائج فهي كالتالي:
النتيجة الأولى: إن إدراك الوجود بوصفه عالم التقنية ممتنع، لأن «التقنية» تحجب عنا رؤية الإنسان والوجود رؤيةً حقيقيّةً، وليس أمامنا من مخرجٍ سوى أن نتوقف عن إدراك التقنية بوصفها شيئًا تقنيًا من صنع الإنسان وحده وأن نحاول إدراك ماهيتها بوصفها «تجميعًا».
النتيجة الثانية: أن «التجميع» يعبر عن التحدي الذي يواجه الإنسان لتنظيم عناصر الواقع في صورة «مخزون»، كما يعبر عن ماهية التقنية الحديثة من حيث إنه تحدٍّ يواجهه الإنسان في الكشف عن الموجودات من حيث إنه يميز ما يسميه اليونان بالـ(Poiésis) بمعنى (الشعر) أو الإنتاج في الكشف عن الحقيقة.
(181)النتيجة الثالثة: أن «التجميع» مصيرٌ يهدف إلى بلوغ الكشف الذي يتحدى، وهذا المصير هو الذي يضع الإنسان على الطريق إلى الكشف أو إلى حضور ماهية التقنية، وليس ذلك من صنع الإنسان. إذًا ماهية التقنية تستقر في «التجميع» بوصفه أحد تجليات المصير، وهي لا تحدث بمنأى عن الإنسان، وإن لم تكن من صنعه وحده.
النتيجة الرابعة: أن ماهية التقنية ليست مسألةً إنسانيّةً خالصةً، لأن الإنسان أساسًا على الطريق إلى الكشف الذي لا يحدث عن طريق الإنسان وحده، وإنما يتلقى الإنسان «نداء الوجود» للقيام بهذا الكشف.
النتيجة الخامسة: «التجميع» إرسال للوجود: يرسل الإنسان إلى طريق الكشف، وهذا التجميع ليس أمرًا تقنيًا، إنه الأسلوب الذي ينكشف من خلاله ما هو موجودٌ، علمًا بأن «الإرسال» الذي يضع الإنسان على الطريق إلى الكشف ويحدّد ماهية التاريخ بأسره، ليس ملزمًا بجبر الإنسان، وإنما تتحدّد حرية الإنسان بقدر انتمائه إلى مجال الإرسال، بحيث يصبح «منصتًا» لما يمليه عليه نداء الوجود.
إذًا، الحرية عند هايدغر هي «مجال المصير» الذي يعمل باستمرارٍ على الكشف عن الحقيقة، ولكن بأسلوبٍ خاصٍّ لا يرتبط أساسًا بالإرادة أو بالعلاقة العليّة المألوفة.
يقول هايدغر: «.. مصير الكشف.. في كلّ صورةٍ من صوره هو بالضرورة خطر.. إن مصير الكشف في حدّ ذاته.. هو الخطر بما هو كذلك.. وما هو خطيرٌ ليس التقنية.. وإنما الخطر هو ماهية التقنية بوصفها مصيرًا للكشف».
يرى هايدغر في تفسير ذلك أن المصير عندما يسيطر على طريقة الـ( Ge-stell) أو «التجميع»، يكون الخطر الحقيقي، وهذا الخطر يؤكد نفسه بطريقتين: فالمنكشف لم يعد يشغل الإنسان بوصفه شيئًا أو موضوعًا، وإنما بوصفه مخزونًا، والإنسان في غمرة ذلك لم يعد يهتم إلا بتنظيم المخزون، حتى إنه يعتبر نفسه مخزونًا، وفي الوقت نفسه، يعتبر نفسه سيد الأرض بما في ذلك من مفارقة، ويترتب على ذلك أن يسود الانطباع بأنّ كلّ ما يلقاه الإنسان يوجد فقط ما دام من صنعه، ويؤدي هذا الوهم إلى وهمٍ آخر مؤداه أن الإنسان في كلّ مكانٍ وزمانٍ إنما يلتقي بذاته، والحق أن إنسان اليوم على وجه الخصوص لم يعد يلتقي بذاته أو بماهيّته في أيّ مكانٍ.
إن الإنسان يقف دائمًا في انتظار تحدي «التجميع» وهو في ذلك لا يدرك هذا التجميع بوصفه نداءً، فضلًا عن أنّه يخفق في أن يدرك أنّه ذلك المنادي، ويخفق من ثم في الإنصات إلى الطريقة التي يوجد بها من خلال ماهيته، ومن ثم لا يلتقي أبدًا بماهيته.
أما عن الطريقه الثانية التي يظهر من خلالها الخطر، فيرى هايدغر أن «التجميع» يحوّل الإنسان إلى نوعٍ من التنظيم، وعندما يسيطر هذا التنظيم على فعالية الإنسان، فإنّه يؤثر على كلّ إمكانيّةٍ للكشف، فضلًا عن أن «التجميع» يحجب المعنى الحقيقي للكشف بوصفه تجليًا للظهور، أي إنّه يحجب الكشف ذاته، والحقيقة أو الأليثيا التي تحدث بحدوثه. إذًا، يحجب «التجميع» تجلي الحقيقة، ويسيطر عليها، ما يعني أن المصير الذي يتجه في إرسالاته نحو التنظيم إنما هو «الخطر الحقيقى».
[1]. Ibid.
(183)أشار هايدغر إلى أن التهديد الذي يواجه الإنسان لا يأتي لأول وهلةٍ من قبل الآلات وأجهزة التقنية، فالخطر الحقيقي يؤثر على الإنسان من حيث ماهيته، استنادًا إلى أن «التجميع» يهدّد بإنكار قدرته على الدخول في كشفٍ أصليٍّ، أو «تجربة الحقيقة الأصلية».
كما أشار إلى أن السؤال عن التقنية هو السؤال حول التجميع الذي يحدث فيه الكشف والحجب معًا، أي الذي تحدث فيه الحقيقة.
ويعني ذلك أن ماهية التقنية -كما يرى هايدغر- إنّما تهدّد الكشف، حيث يتم استنفاد كلّ كشفٍ في عملية التنظيم وتحويل كلّ شيءٍ إلى «مخزون».
وعلى الرغم من ذلك فإن «التفكير الإنساني» بوسعه أن يفترض أن «ما ينقذ» من ذلك الخطر لا بدّ وأن يكون من طبيعةٍ أسمى مما يهدّد بالخطر، مع أن ثمة صلةً وثيقةً تجمع بينهما كما سنرى تفصيلًا.
يتضح لنا مما سبق أن «التقنية» تهدد الإنسان بتحويله إلى «حيوانٍ آليٍّ»، ما يحتم علينا تأسيس سيطرتنا عليها في إطار نسقٍ أخلاقيٍّ ملائمٍ يسمح لنا بالتخلص من هيمنتها على الإنسان.
(184)اختتم هايدغر محاضرته «السؤال عن التقنية» بمفارقة نوضح طرفيها كما يلي:
يمكننا إجمال أهم سمات «الخطر» في ماهية التقنية على النحو التالي:
يقول هايدغر في هذا الصدد: «.. حيث يسيطر التجميع يتمثل الخطر الأعظم».
ومع ذلك، فحيث يوجد الخطر يوجد أيضًا ما ينقذ، أي إنّ «التجميع» لا يسيطر بوصفه خطرًا فحسب، وإنما بوصفه المنقذ أيضًا، فالخطر هو ما ينقذ، و«التجميع» كشف ينجلي في الابتعاد عن معنى الوجود، وغربة الإنسان عن الوجود؛ ومع ذلك يظل كشفًا.
إذًا، «التجميع» يحمل في أعماقة الخطر المحدق بالإنسان من ناحيةٍ وإمكانيّة تحرّر الإنسان من شعوره بالغربة والوحشة من ناحيةٍ أخرى، وذلك كي يتمكن من الدخول في علاقةٍ أساسيّةٍ مع الوجود ليتلقى معنى الحضور في كل ما يوجد.
يقول هايدغر: «إننا في حال السؤال (عن التقنية) نكون شهودًا على الأزمة، أي انشغالنا البعيد عن ماهية التقنية، بمعنى أننا لم ندخل بعد في تجربةٍ معها، وأننا في إدراكنا للإستطيقا، لم نعد نعرف ماهيّة الفن، ولم نعد نحافظ عليها، وكلّما
(185)تساءلنا وأمعنا في التفكير حول ماهية التقنية، زاد غموض ماهية الفن، وكلّما اقتربنا من الخطر، تجلت لنا الطرق المؤدية إلى ما ينقذ».
يشير النص السابق إلى أنّنا في مواجهة التقنية نخفق في فهم ماهيتها ما دمنا نفهمها من ناحيةٍ أدواتيّةٍ، وأن ماهية التقنية تتجلى من حضور ما هو حاضر، أي ذلك الوجود الذي لا يسيطر عليه الإنسان قط وإنما يمكنه على أحسن الفروض أن يخدمه، وينطبق ذلك على إدراكنا لماهية الفن بوصفها إنشاءً أو إنتاجًا. أو شعرًا كما سيأتى بيانه.
يرى هايدغر أنه كلما ابتعد الإنسان عن معرفة ذاته أو انتزع من تلك المعرفة انتزاعًا تحت سيطرة التقنية، فإنه يصبح أكثر قربًا من حافة الهاوية، أي إمكانيّة أن يتحول هو نفسه إلى «مخزون» بحيث لا يظل «سيدًا على الأرض أو مالكًا لها» كما كان من قبل.
ويعني ذلك أن الإنسان قد احتجبت عنه ماهيته الصميمة بوصفه كذلك، ومع ذلك يتوهم أن كل ما يلتقي به يوجد بقدر ما يدخل في التركيب الذي صنعه بيديه، أي إنّه يخفق في أن يفهم بوصفه المنادى الذي يتلقى نداء الوجود، ويحسن الإنصات إليه.
ومن ناحيةٍ أخرى، يرى هايدغر أن الخطر الكامن في ماهيّة «التقنية» يحدّد مقياس الأشياء جميعًا من خلال الكشف الذي يتحدى الإنسان، وأن هذا الكشف
(186)-من ثم- «يحجب» بطريقةٍ ما كل إمكانيّةٍ أخرى للكشف، تلك الإمكانية التي تمثل حضورًا أصليًا وصميمًا للأشياء.
يرى هايدغر أن من سمات الخطر -فضلًا عما سبق- انشغال الإنسان بكلّ ما هو مباشر، وتفسيره للأشياء في ضوء العلاقة العلية، وفي ضوء التفكير الحسابي الذي أصبح يسيطر على الإنسان، بحيث انتهي إلى نوعٍ من الكشف لا يزيد عن كونه نظامًا حسابيًا، ما يستبعد كلّ أمكانية أخرى للكشف.
إذًا، في ظل الخطر الناجم عن التقنية تبقى الحقيقة محتجبةً، مقنعةً، وخافيةً عنا.
أشار هايدغر إلى أنه في التقنية تصبح علاقتنا باللغة والأشياء «مهددة»؛ لأنه من خلال اللغة تكون الأشياء لأول مرة، ويتحقق لها الوجود، ما يعني أنّ سوء استخدام اللغة يدمر علاقتنا الحميمة بالأشياء، وهذا التهديد يكمن مصدره في التهديد الأساسي المتمثل في «نسيان الوجود» حتى يمكن القول بأن جذور الإنسان في عصرنا هذا مهدّدة حتى الصميم.
إن هايدغر يدعونا إلى أن نترك أنفسنا لندخل في حركة «التحول» التي تكفل لنا عودةً من جديدٍ إلى جذور الإنسان، وهذه العودة تدعونا بدورها إلى الإنصات
(187)إلى نداء الوجود، والتحدث بلغةٍ هي لغة العودة إلى الأصل أو (الوطن) المسؤولة عن أسلوبه في الكشف. و«التجميع» هو أعظم الأخطار في هذا الصدد، لأنه يهدد بإنكار دخول الإنسان إلى مجالٍ يمكّنه من الإنصات إلى نداء الوجود؛ بل إنه يدفعه دفعًا إلى نسيان الوجود.
يعني ذلك أن الإنسان لن يكون بوسعه أن يرى أيّ نوعٍ من الكشف، وأنه يصبح غافلًا عن ذلك الكشف الذي يمكّنه بدوره من رؤية ماهية المنكشف. والخطر كله يتمثل في أنّ الإنسان قد يسيئ فهم المعنى الحقيقي للإرسال، أيًّا كانت طبيعة إرسال الكشف، ووقت حدوثه.
إن التجميع في ماهيّة التقنية لا يحجب فقط طريقة الكشف، وإنما يحجب أيضًا الكشف ذاته، أي الحقيقة التي تحدث معه؛ أي إنّ «التجميع» يحجب بحق نور حقيقة الوجود.
إذًا، الخطر الحقيقي -كما يرى هايدغر- لا صلة له بالمخاطر التي تحدق بالإنسان الحديث في كلّ مكانٍ وزمانٍ، ولا بالخطر الذي تسببه أكثر الأسلحة تدميرًا للإنسان. إنّ الخطر الحقيقي هو احتجاب الوجود، فالأمر هنا ليس وصفًا للموقف التاريخي للتقنية بقدر ما هو وصفٌ لتجمع الوجود الذي يتجه بذاته إلى الإنسان. كما أن من تفرض عليه التقنية سيطرتها، فهو لا يزال عاجزًا عن الاستماع أو رؤية أعمق أسرار الوجود تحت سيطرة التجميع أو الـ (Ge-stell) إن الخطر الحقيقي -كما يراه هايدغر- ناجمٌ عن ماهيّة «التجميع»، حيث يتحول الوجود
(188)من الحضور إلى النسيان، وفي هذا التحول الذي يحجب معنى الوجود يكمن الخطر الحقيقي بالنسبة للإنسان، حيث يفقد علاقته الحقيقية بنفسه وبالآخرين هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى تصبح اللغة مجرد وسيلةٍ لتبادل المعلومات، بدلًا من أن تكون تجربة الإنسان في الفكر والوجود. إنّ أعظم الأخطار ليغشي أبصارنا عن أكثر الحقائق أصالةً في ماهيتنا أو في طبيعتنا الأساسية والمنقذ هو إدراك ماهية ذلك الغياب.
يمكن القول بأن حل «الأزمة» أو الاتجاه نحو «ما ينقذ» يتم على المراحل التالية:
يقول هايدغر مقتبسًا عن هيلدرلين:
لكن هناك حيث يكون الخطر هناك أيضًا ينمو ما ينقذ
يرى هايدغر أن الفعل «ينقذ» في معناه المألوف إنما يشير إلى العمل على إيقاف ما يهدّدنا حتى يعود الأمان والطمأنينة كما كان الحال من قبل؛ ومع ذلك فإن الفعل «ينقذ» يعني عند هايدغر أكثر من ذلك. إنه يعني «العودة إلى
(189)الأصل أو الماهية وذلك لإحضار الماهيّة لأول مرة في صورتها الحقيقيّة، ففي اللحظة نفسها التي يحتجب فيها الوجود، فإن «ما ينقذ» يتخذ جذوره من هذا الاحتجاب، وإذا ما طبقنا ذلك على ماهية التقنية، فإن التجميع أو الـ (Ge-stell) يحجب في ذاته «ما ينقذ»، ولكن -يتساءل هايدغر- ألا يمكن للنظرة الفاحصة في ماهية «التجميع» بوصفها مصيرًا للكشف أن تظهر «ما ينقذ»؟ وإلى أيّ مدى يمكن لما ينقذ أن ينمو حيث يوجد مكمن الخطر؟ يرى هايدغر أنه وفقًا لكلمات الشاعر فليس لدينا الحق في أن نتوقع أننا سوف نكون قادرين على السيطرة على «ما ينقذ» مباشرة دونما إعدادٍ، حيث يكون الخطر.
إن الأمر المثير للدهشة في نظر هايدغر ليس أن عالمنا قد أصبح تقنيًا تمامًا، وإنما بالأحرى أننا لم نستعد بعد للتحول الكامل نحو «ما ينقذ»، وأنّنا مازلنا عاجزين عن مواجهته بطريقةٍ تأمليّةٍ بحيث نضع التفكير التأملي وجهًا لوجهٍ أمام التفكير الحسابي.
ويؤكد هايدغر في هذا السياق أن التفكير التأملي لن يعمل على إدانه العلم والتقنية، ولن يدعو إلى التخلص منهما، وإنما يحاول أن يضع تصورًا لأسلوب التعامل مع التقنية يحول دون أن تسيطر علينا أو تحولنا إلى مجرد عبيدٍ.
ومن ناحيةٍ أخرى يتعين علينا أن «نفكر» في حضور الوجود ذاته بوصفه موضوعًا خليقًا بالتقكير، ولذلك علينا أن نتساءل أولًا كيف يمكننا أن نفكر، لأنّ التفكير هو الفعل الحقيقي، لأنه يعمل على إحضار الوجود إلى اللغة. فاللغة
(190)تكفل الطريق الذي ينبغي أن يسلكه كلّ إنسانٍ يسعى إلى فعل التفكير، وبدونها يفتقر كلّ فعلٍ إلى البعد الأصلي الذي عن طريقه يتوقف أسلوب الإنسان في الوجود، واستجابته لنداء الوجود بما يتضمنه ذلك من الدخول في علاقة انتماءٍ مع كلّ ما يوجد، والتفكير التأملي هو بصفةٍ خاصةٍ هذه الاستجابة الأصلية.
ويمكن القول بأن التفكير التأملي يتجاوز المباشر والواضح، ويبحث في العلاقة بين الإنسان والوجود من خلال الكشف الذي يحقق الانتماء بينهما، كما أنه يختلف عن التفكير الحسابي، لأنّه يدور في فلك التراث الفكري لدى اليونان وغيرهم، والإفادة مما سبق التفكير فيه، ولأنه تفكيرٌ قد تحرّر من كونه مجرد عودةٍ إلى الوراء، وإنما هو توثّبٌ نحو الأمام ينحصر في التخطيط والتنظيم والتجهيز للاستخدام الذي يتسم به التفكير الحسابي.
وغنيٌّ عن البيان أن التفكير التأملي بهدف «العودة إلى الوجود» لا يمكنه أن يبرهن على ذاته مثل المعرفة الرياضية، وليس ذلك لأنه أقل شأنًا من العلوم الدقيقة، وإنما لأنه يتجلى من خلال استجابتنا للنداء الموجه إلينا كي نفكر، وكي نتحول من نسيان الوجود إلى مصير الوجود.
ذهب هايدغر إلى أن كلّ مصيرٍ للكشف هو بمثابة «منحةٍ» تكفل للمنقذ في هذا المصير أن يزداد وينمو، ذلك لأنّ هذه المنحة هي أول ما يحقق للإنسان المشاركة في الكشف.
(191)إذًا، الإنسان يرتبط بحدوث الحقيقة، «والمنحة» التي يتم إرسالها بطريقةٍ أو بأخرى إلى الكشف هي «المنقذ» من حيث هو كذلك، ذلك لأن المنقذ يترك الإنسان ليدرك ماهيّته الصميمة، وتلك الماهية التي تمكّن في تأمل الكشف وأيضًا تأمّل احتجاب كلّ ما هو موجودٌ.
يقول هايدغر: «إن ماهيّة التقنية تحجب في ذاتها الظهور الممكن للمنقذ.. ونحن عندما نتأمل هذا الظهور، نقوم بالتجميع من جديد.. من خلال ما يتحقق له الحضور في التقنية بدلًا من النظر في ما هو تقنيٌّ».
إن التجميع عند هايدغر هو بمثابة إرسال مصير الإنسان بحيث يضعه على طريق الكشف، وهذا الإرسال يُزوّد الإنسان بمدخلٍ إلى شيءٍ ليس من صنعه أو اختراعه، لذا فهو الخطر الجسيم والمنقذ في آنٍ واحدٍ، فضلًا عن أنّ كلّ إرسالٍ يقوم بعمليّة الكشف يحدث من خلال «المنحة»، علمًا بأن تلك «المنحة» تحقق للإنسان مشاركته في الكشف الذي هو حدوث لحقيقة الوجود التي يبحث عنها.
يترتب على ذلك أن الإنسان في ضوء ما يحتاجه ويستخدمه يتمنى حدوث الحقيقة، كما يترتب على ذلك أن «المنحة» التي ترسل الإنسان إلى عملية الكشف هي أيضًا «ما ينقذه» لأنها تترك الإنسان ليبلغ أسمى مراتب وجوده الصميم.
يتساءل هايدغر في هذا الصدد بقوله: «.. ألا يمكن أن يكون هناك كشفٌ أساسيٌّ يمنح ما ينقذ انبثاقه الأول في غمرة الخطر؟ إنه - في رأي هايدغر - ذلك الكشف الذي «يحجب» أكثر من كونه «يكشف» في عصر التقنية».
كما يرى هايدغر أن الإرسال الراهن للوجود هو «التجميع» وهو إحدى
(192)صور إحضار الوجود، وهي الصورة التي سوف تتحول إلى صورةٍ أخرى من حينٍ إلى آخر، علمًا بأنّ مصير الوجود يتحدّد في إرسالاته في كلّ حالٍ وعندما يحدث تغيُّرٌ في الوجود، فإنّه يرسل نفسه في صورةٍ أخرى تعبر عن حضوره بحيث لا تستبعد الصورة الأولى، ولا يتم إلغاؤها.
يقول هايدغر: «.. في ما مضى لم تكن التقنية وحدها هي التي تحمل اسم «تخنى»، وإنما كانت كلمة «تخنى» تعني أيضًا هذا الكشف الذي يحضر الحقيقة في تجلي الظهور، وكانت «تخنى» في ما مضى تعني أيضًا حضور الحقيقي في الجميل، لأن إنتاج الفنون الجميلة كان يسمى أيضًا «تخنى».
أشار هايدغر في النص السابق إلى أنّه في بداية المصير الغربي ارتفعت الفنون عند اليونان إلى أعلى مستوى من الكشف، فكانت هذه الفنون تكشف عن حضور الآلهة، وعن الحوار بين ما هو طبيعة إلهية، وعن المصائر الإنسانية. والفن في ذلك الحين لم يكن اسمه «تخنى» فكان كشفًا فريدًا ومتنوعًا، وتقيًا بمعنى أنّه طيّعٌ لقوّةٍ حقيقيّةٍ، وقادرٌ على الحفاظ عليها، والأمر الهام هو أنّ الفنون -وفقًا لما يراه هايدغر- لم تكن تستمد أصلها من الإحساس الفني، فالأعمال الفنيّةلم تكن قط موضوع متعةٍ جماليّةٍ.
(193)يتساءل هايدغر: ماذا كان الفنّ في هذه اللحظات القصيرة الرائعة من التاريخ؟ ولِمَ حمل اسم «تخنى»؟ ذلك لأنه كان انكشافًا منتجًا، ولذلك كان ينتمي إلى الشعر (Poiésis) أو الإنتاج بالمعنى الأساسي للكلمة. إنه ذلك الكشف الذي يتحكم تمامًا في كلّ فنٍّ جميلٍ، أو هو الشعر، وكلّ ما هو ذو طبيعةٍ شاعريّةٍ.
فهل ينبغي للفنون الجميلة أن تُدعى إلى المشاركة في الكشف الشعري؟ وهل يمكن من جانبها أن تعبّر عن نموّ ما ينقذ، وأن توقظ وتؤسس من جديدٍ النظرة المتجهة إلى «ما يمنح» لتضع بالتالي ثقتنا فيه؟
وإذا كانت الإمكانية العليا لما ينقذ ممنوحةً للفنّ وسط الخطر الأقصى، فهل يمكن لماهية التقنية أن تحدث مع حدوث الحقيقة؟
يرى هايدغر في الإجابة عن ذلك السؤال أن ماهية التقنية ليست شيئًا تقنيًا، لذا فالتأمل الجوهرى حول التقنية، والمواجهة الحاسمة معها يحدثان في مجالٍ يكون من جهةٍ مدركًا لماهية التقنية، ومن جهة أخرى يختلف أساسًا عنها.
يتضح مما سبق أن فعالية الإنسان وحدها لا تمكّنه من مواجهة الخطر بصورةٍ مباشرةٍ، وأن عليه أن يفكر في «ما ينقذ» بحيث تكون ماهيته أسمى مما يهدد بالخطر.
يعثر هايدغر على هذه الماهية في عصرٍ مضى حيث كانت كلمة «تخنى» لا تشير فقط إلى التقنية، وإنما إلى الكشف الذي تتجلى من خلاله الحقيقة، استنادًا
(194)إلى أن كلمة «تخنى» تعني «حدوث الحقيقي في صورة الجميل» ذلك أن «التخنى» بوصفها فنَّ كشفٍ فريدٍ، ومتنوعٍ، قادر على الحفاظ على الحقيقة.
ومن ناحيةٍ أخرى يشير هايدغر إلى أن الشاعر الذي يقول:
لكن هناك حيث يكون الخطر
هناك أيضًا ينمو ما ينقذ ما ينقذ
يقول أيضًا: «.. سكن الإنسان شاعري» على هذه الأرض.
فالشعر يضع الحقيقي في أفق ما يسميه أفلاطون في محاورة «فايدروس» ما يستضيئ وينير بمنتهى الصفاء، فما هو شاعريٌّ ينقذ كلّ فنٍّ وكلّ فعلٍ تنكشف من خلاله ماهية الجميل.
إذًا، كلّ كشفٍ يتخذ جذوره الأساسيّة من التفكير التأملي الذي أطلق هايدغر عليه اسم «الكشف الشاعري»، من حيث إنّ كلّ كشفٍ أساسيٍّ عنده هو كشفٌ شاعريٌّ.
أوضح هايدغر أنه إذا كان «التجميع» بين الوجود والإنسان من خلال عالم التقنية ضرورةً، فإن ذلك «التجميع» هو بمثابة مقدماتٍ للحادث، وفي
(195)هذا الحادث يتم التغلب على سيطرة «التجميع»، والتخلص من هيمنة التقنية ليعود الإنسان من جديدٍ سيدًا لها. ويعني ذلك أن «الحادث» هو ذلك المجال الذي يصل من خلاله كلّ من الإنسان والوجود إلى الآخر من حيث ماهيتهما الحقيقية، ومن خلاله أيضًا يتخلصان من كل الصفات التي نسبتها إليهما الميتافيزيقا الكلاسيكية. إن التفكير في «الحادث» عند هايدغر يقضي بأن يتلقى التفكير الوسائل الضرورية لا من عالم التقنية، وإنما من بنية اللغة، بهدف الدخول في علاقةٍ حرةٍ مع ماهيّة التقنية.
ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ تحديد المصير لا يلزم الإنسان بأن يرتبط بالتقنية ارتباطًا أعمى أو بأن يتمرد عليها يائسًا منها كما لو كانت من عمل الشيطان؛ فالعكس هو الصحيح. إذًا، إنّ الانفتاح على ماهية التقنية يحررنا للاستجابة لنداء الوجود، كما يحررنا للإنصات إلى معنًى جديدٍ كامنٍ في التقنية الحديثة، وهذا المعنى لم يخترعه الإنسان وليس من صنعه، فضلًا عن أنّه يكشف عن نفسه بطريقةٍ غير مباشرةٍ، ويحتجب في الوقت نفسه، وتلك هي السمة الأساسية لما يطلق عليه
(196)هايدغر اسم «السر» ويصف هايدغر السلوك الذي يمكّن الإنسان المعاصر من أن يظلّ منفتحًا على المعنى المحتجب في التقنية «بالانفتاح على السر»، علمًا بأنّ ذلك الانفتاح يمنحنا القدرة على أن نتخذ من هذا العالم مستقرًّا لنا بطريقةٍ جدِّ مختلفةٍ، كما أن هذا الانفتاح لا يتم إلا من خلال التفكير التأملي الذي سبقت الإشارة إليه.
يتضح لنا مما سبق أن «السؤال حول التقنية» هو سؤالٌ عن الكشف والحجب اللذين تَحدُث من خلالهما الحقيقة، لذا فهو يساعدنا على رؤية الخطر، وعلى أن نكتشف ما فيه من نمو «لما ينقذ» أو ما يمكن أن ينقذنا.
المرحلة الخامسة: دور الإنسان في الكشف (التحول إلى الوجود)
لم يذكر هايدغر أهمية دور الإنسان في الكشف عن ماهية التقنية، ذلك أن ماهية التقنية لا تحدث تغيّرًا يذكر بمعزلٍ عن الإنسان من حيث ماهيته، فضلًا عن أن حضور الوجود لا يتم بمنأًى عن وجود الإنسان لكي يتم الحفاظ عليه بوصفه وجودًا للموجود.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الإنسان لا يمكن أن يتغلب على التقنية بذاته، ذلك أن ماهية التقنية يمكن تجاوزها فقط إذا أمكن للإنسان العثور على مكمن الحقيقة في التقنية، كما أن التغلب على «التجميع» بوصفه إرسالًا للوجود
لا يتم من خلاله وصول إرسالٍ أخر لا يمكن حسابه علميًا بصورةٍ مسبقةٍ.
وإذا كانت الحقيقة أو «الكشف» أو «اللاحجب» تبقى محتجبةً تحت سيطرة التقنية، فإنها سوف تتجلى من جديدٍ من خلال ذلك الحجب، ليتجلى الوجود بدوره، ولن يتم ذلك بدون الإنسان، لأن كل كشفٍ عن الوجود مستحيلٌ بدون الإنسان، أو بعبارةٍ أخرى بدون الإنسان لا يمكن أن يظهر الوجود في مجال الانفتاح بوصفه وجودَ ما يوجد.
إنّ هايدغر إنّما يدعونا هنا إلى تجاوز التراث الميتافيزيقي الكلاسيكي تجاه التقنية الحديثة التي ترد الإنسان إلى مجرد شيءٍ مصنوعٍ أو مخزونٍ ليس بمقدوره الفرار من طغيانها.
أوضح هايدغر طبيعة التحول من نسيان الوجود إلى حقيقة الوجود، فحيثما يكون الخطر، يكون أيضًا تحرّر الوجود، وهذا التحول إنما يحدث عن طريق الوجود ذاته، وبصورةٍ فجائيّةٍ، وهو بالتأكيد لا يتم عن طريق علاقة «السبب-النتيجة»، فضلًا عن أن هذا التحول يتم في إطار «التجميع» ومن خلال ماهيّة التقنية بوصفها خطرًا.
وفي هذا التحول يتحقق للوجود الحضور والانفتاح وتحدث حقيقة الوجود، على أن نضع في الاعتبار أن كلمة «يوجد» لا بد أن ننظر إليها أولا من خلال الوجود لا من خلال الموجود ذاته، والشيء نفسه يقال عن «التجميع» إذ إنّه في التجميع لم يزل هناك إرسالٌ أساسيٌّ للوجود، فإذا استجاب الإنسان في وجوده
(198)إلى نداء البصيرة استنادًا إلى أن التبصّر في ما هو موجودٌ يسمّى «حدث تحول الوجود» فإن «الحادث» ذاته ومن خلاله تنكشف حقيقة الوجود في صورة «إنارةٍ».
ومن ناحيةٍ أخرى، لأنّ الإنارة الفجائيّة لحقيقة الوجود التي تحدث في ماهية التقنية، هي رؤيةٌ للوجود ذاته، ولما يوجد، ولا يعبر ذلك عن رؤية الإنسان، فإنّه بالأحرى كشف الوجود عن ذاته.
وهايدغر يستخدم كلمة «الحادث» كما سبق الإشارة للتعبير عن هذه الإنارة التي هي كشفٌ ذاتيٌّ «يتحول» في إطار الوجود ذاته، إنّه الكشف الذي يحدث، وهو إحضارٌ للرؤية بحيث يعيد الوجود إلى ذاته، ويرد ماهية التقنية إلى ذاتها بوصفها كشفًا بحيث يمكن القول بأن «التجميع» والكشف بهذا المعنى هما «التجميع» نفسه، كما يمكن القول بأن «التجميع» هو صورةٌ سلبيّةٌ لهذا الكشف، حيث يلتقي الوجود والإنسان في «التجميع» لقاءً غريبًا، بينما يتجليان في نور الكشف الحقيقي وينتمي كلّ منهما إلى الآخر وتظهر ماهيتهما الصميمة.
لقد عرف اليونان بالفعل علاقة المعيّة بين الإنسان والوجود، ولكن في عصرنا الحالي يمكن إلقاء الضوء على الكشف الذي يحدث ويجعل كلاًّ من الإنسان والوجود في علاقة «انتماءٍ» يمكن تجربتها دومًا من جديدٍ.
يرى هايدغر أنه في «التجميع»، وخصوصًا في «التحدي» المتبادل بين الإنسان والوجود للدخول في علاقةٍ حسابيّةٍ لما يمكن أن يخضع للحساب، ما هو جديدٌ في هذه العلاقة يظهر ويتجلى، بحيث يتوقف على الانتماء بين الإنسان والوجود
(199)أسلوب المعيّة بينهما؛ أي إنّه من خلال حضور ماهية التقنية الحديثة تنبثق إمكانيةٌ جديدةٌ أكثر ثراءً للعلاقة بين الإنسان والوجود، ومن ثم بين الإنسان وكلّ ما يوجد أو ما وجد من قبل.
نستلخص مما سبق أن «المصير» عندما يسيطر على طريقة التجميع أو الـ (Ge- stell) يواجهنا الخطر الحقيقي بحيث تنطوي هذه المواجهة على مفارقةٍ.
نحاول في هذا التعقيب الإجابة عن السؤال التالي: ما النتائج المترتبة على مفارقة «الخطر هو ما ينقذ» التي فسّر من خلالها هايدغر ماهيّة التقنية؟
«الخطر في العبارة يعبر عن «الأزمة» التي تواجهنا في البحث عن ماهية التقنية -موضوع هذا البحث- وهو الطرف الأول من المفارقة ويترتب على هذا الخطر النتائج التالية:
النتيجة الأولى: سيطرة الـ (Ge-stell) أو التجميع، حيث ينشغل بتنظيم المخزون حتى إنّه يبتعد عن ماهيته الصميمة، بمعنى أنه لم يعد يدرك «التجميع» بوصفه «نداء» ويخفق في إدراك أنه المنادى، وفي الإنصات إلى نداء الوجود.
إذًا، «التجميع» يحجب المعنى الحقيقي للكشف بوصفه تجليًا للظهور، ويهدّد بإنكار قدرته على الدخول في كشفٍ أصليٍّ أو في تجربة الحقيقة الأصلية.
النتيجة الثانية: الانشغال عن ماهية التقنية، بمعنى عدم الدخول في تجربةٍ حقيقيّةٍ معها، وكلما زاد انشغالنا عنها، واستغراقنا في المخزون، اقتربنا أكثر فأكثر مما ينقذ.
النتيجة الثالثة: حجب الكشف وتهديد علاقة الإنسان بذاته، ذلك أن الخطر في ماهية التقنية أن «الكشف الذي يتحدى الإنسان» يصبح مقياس الأشياء
(200)جميعًا، وهذا الكشف يحجب مقياس الأشياء جميعًا، وهذا الكشف «يحجب» كلّ إمكانيّةٍ أخرى للكشف، تلك الإمكانية التي تمثل حضورًا أصليًا وحميمًا للأشياء.
النتيجة الرابعة: سيطرة التفكير الحسابي، حيث ينشغل الإنسان بكلّ ما هو مباشر، ويفسر الأشياء في ضوء العلاقة العلية والتفكير الحسابي، فينتهي إلى نوعٍ من «الكشف الحسابي» الذي يستبعد بدوره كلّ إمكانيّةٍ أخرى للكشف تؤدي إلى الحقيقة.
النتيجة الخامسة: نسيان الوجود، ففي التقنية تصبح علاقتنا باللغة والأشياء مهدّدةً، لأنه من خلال اللغة تكون الأشياء لأول مرةٍ، ويتحقق لها الوجود، والتقنية تحوّل اللغة إلى مجرد وسيلةٍ لتبادل المعلومات ما يدمر علاقتنا الحميمة بالأشياء، ويهدّد بنسيان الوجود، وحجب المعنى الحقيقي لإرسال الوجود.
أما «ما ينقذ» في العبارة فيعبر عن (حل الأزمة) وهو الطرف الثاني من المفارقة، وقد ترتب عليه ما يلي من نتائج:
النتيجة الأولى: «ما ينقذ» هو العودة إلى الأصل والماهية لأول مرة في صورتها الحقيقية، ولن يتم ذلك إلا عن طريق «التفكير التأملي» بوصفه الفعل الحقيقي للإنسان بما هو كذلك، وهذا التفكير يعمل على إحضار الوجود إلى اللغة التي تكفل بدورها الطريق إلى فعل التفكير.
كما أنّ التفكير التأملي يتجاوز المباشر والواضح، ويبحث في العلاقة بين الإنسان والوجود، في ضوء الكشف الذي يحقق الانتماء بينهما، فضلًا عن أنّه تحرّر وثبةً إلى الأمام لا تنحصر في التخطيط والتنظيم في التفكير الحسابي. إنه «العودة للوجود»، وهو في ذلك لا يبرهن على ذاته، وإنما يتجلى من خلال استجابتنا للنداء الموجّه إلينا كي نفكّر، وكي نتحول من نسيان الوجود إلى مصير الوجود.
النتيجة الثانية: «ما ينقذ» هو الكشف، ذلك أن مصير الكشف هو بمثابة
(201)«منحةٍ» تكفل للمنقذ في هذا المصير أن يزداد وينمو، وهذه «المنحة» هي أول ما يحقق للإنسان المشاركة في الكشف، بمعنى أنّها هي التي ترسله إلى الكشف، وتنقذه عندما تتركه ليبلغ أسمى مراتب وجوده الصميم.
النتيجة الثالثة: ما ينقذ هو الفن والشعر، فالفن -كما يرى هايدغر متأثرًا باليونان- هو «تخنى» بمعنى أنه كشفٌ فريدٌ، متنوعٌ، قادرٌ على الحفاظ على الحقيقة، فضلًا عن أنّه انكشافٌ منتجٌ، لذا فهو (Poiesis) شعرٌ بمعنى الإنتاج، وهو «تخنى» لا بمعنى التقنية المتداول، وإنما بمعنى الكشف الذي يتجلى من خلاله الخطر، أو حدوث «الحقيقة» في صورة «الجميل».
يرى هايدغر أن «ماهو شاعريٌّ» هو «ما ينقذ» كلَّ فنٍّ وكلَّ فعلٍ تنكشف من خلاله ماهية الجميل، أي إن «ما ينقذ» كلّ كشفٍ يتخذ جذوره الأساسية من «التفكير التأملي» الذي هو بتعبير هايدغر «الكشف الشاعري».
النتيجة الرابعة: ما ينقذ هو الحادث الذي يتم من خلاله التغلب على سيطرة التجميع وهيمنة التقنية. والحادث هو المجال الذي يلتقي من خلاله الإنسان والوجود من حيث ماهيتهما الصميمة.
كما أن الحادث يحقق الانفتاح على ماهية التقنية، ويحرّر الإنسان من أجل الاستجابة لنداء الوجود، والإنصات إلى معنًى جديدٍ للتقنية الحديثة؛ إنّه بالأحرى، يُمكّن الإنسان من الانفتاح على المعنى المحتجب في التقنية أو «الانفتاح على السر»، وهذا الانفتاح يجعلنا نتخذ من العالم مستقرًا لنا بطريقةٍ مختلفةٍ تقوم على «التفكير التأملي» في معنى الوجود.
النتيجة الخامسة: ما ينقذ هو التحول إلى الوجود الذي يُمكّن الإنسان من التغلب على الخطر إذا توصل الإنسان إلى مكمن الحقيقة في التقنية، أي تغلب على «التجميع» بوصفه إرسالًا للوجود من خلال إرسالٍ آخر لا يمكن حسابه مسبقًا بطريقةٍ علميةٍ.
(202)ومعنى ذلك أنه بدون الإنسان لن يظهر الوجود في مجال الانفتاح بوصفه وجودَ ما يوجد، وبدونه لن يتم تجاوز الميتافيزيقا الكلاسيكية والتقنية الحديثة التي تجعل من الإنسان مجرد شيءٍ مصنوعٍ أو مخزونٍ أو حيوانٍ آليٍّ.
إن ما «ينقذ» عند هايدغر هو «التحول» من نسيان الوجود إلى حقيقة الوجود، وهذا التحول يحدث عن طريق الوجود ذاته، وبصورةٍ فجائيّةٍ ولا صلة له بالعلية، ومع ذلك فالتحول يتم في إطار «التجميع»، ومن خلال ماهية التقنية بوصفها خطرًا، وفيه يتحقق للوجود الحضور والانفتاح وتحدث حقيقة الوجود.
وفي الكشف الفجائي لحقيقة الوجود -الذي يحدث في ماهية التقنية بتأثير التحول-رؤيةٌ للوجود ذاته ولما يوجد؛ إنه كشف الوجود عن ذاته.
أما عن «التجميع» فهو صورةٌ سلبيةٌ للكشف، وفيه يلتقي الإنسان والوجود لقاءً غريبًا، بينما يتجليان في نور الكشف الحقيقي الذي يجمع بينهما في علاقة «انتماء» أي إنّه من ماهيّة التقنية الحديثة ينبثق ما «ينقذ» أيّ إمكانيّةٍ جديدةٍ أكثر ثراءً للعلاقة بين الإنسان والوجود.
والآن.. كيف يمكننا الاستجابة للتقنية من وجهة نظر هايدغر؟
بالطبع ليس عن طريق الفرار إلى التصوف والنزوع إلى اللامعقول وإنما عن طريق «التفكير التأملي» الذي سبقت الإشارة إليه، لا «التفكير الحسابي» السائد في هذا العصر. يمكننا على وجه الخصوص أن نفكّر في ماهية «التقنية»، تلك الماهية التي تختلف عن التقنية وتؤدي في نهاية المطاف إلى التفكير في الفن والشعر بوصفهما إنتاجًا وكشفًا عن الحقيقة.
فلتكن الأدوات في عصر التقنية الحديثة في متناول اليد على ألاّ تهيمن علينا
(203)بحيث نفقد ماهية الإنسان الصميمة، وإنتماءه للوجود، فالتقنية ليست أداةً من صنع الإنسان، يسيطر عليها، وإنما هي تلك الظاهرة التي يسيطر فيها الوجود ذاته على التاريخ الغربي بأسره.
وإذا كانت التقنية قد أحكمت قبضتها على إنسان العصر الحديث منذ الثورة الصناعية، والثقة المطلقة في قدرة العقل، والصناعة، والعلم، بحيث أصبح الإنسان سيد مصيره على هذه الأرض، فإن كوارث الحربين العالميتين، وحروبٍ أخرى لا حصر لها، والتدمير الذي لا هوادة فيه للبيئة والعالم المحيط، قد ساعدت جميعًا في توجيه انتقاداتٍ حادةٍ للتقنية الحديثة. يرى هايدغر أن تجاوز السيطرة التقنية لن يتم إلا عن طريق إدراك ماهيتها، وتجاوز سيطرة الميتافيزيقا الكلاسيكية التي انصب اهتمامها على الموجود لا الوجود، وأن هذا التجاوز هو البداية الحقيقية للكشف عن الماهية الصميمة للإنسان بحيث يكون سكن الإنسان على هذه الأرض شاعريًا. كما سبق بيانه.
ولعل أهم إسهام لهايدغر في فلسفته عن التقنية الحديثة هو أنه يذكرنا بأن التقنية الحديثة هي المرحلة الأخيرة من تاريخ حجب الوجود ونسيانه، والحل هو التحول من جديدٍ إلى السؤال عن معنى الوجود، أي التحول من نسيان الوجود إلى التفكير في الوجود، علما بأن «السؤال عن معنى الوجود إذا فهمناه
(204)فهمًا صحيحًا إنما هو السؤال عن ماهية التقنية» في كشفها عن العلاقة الحميمة بين الإنسان والوجود.
يقول هايدغر في نهاية محاضرته «السؤال عن التقنية»: إننا أصبحنا أكثر تساؤلًا، لأن السؤال هو تقوى التفكير.
والتقوى هنا تشير إلى أن التفكيرَ تضحيةٌ وشكرٌ: هو «تضحيةٌ» لأنّه يلبي مطلب الوجود، وهو المحافظة على حقيقة الوجود على الرغم من كلّ ما يحدث للإنسان (في عالم التقنية)، وكل ما هو موجودٌ، وفي هذه التضحية نعبر عن ذلك «الشكر» للفضل الذي أغدقه الوجود على طبيعة الإنسان حتى يأخذ على عاتقه - في علاقته بالوجود - حماية الوجود. والشكر الحقيقي هو «صدى» المعروف الذي قدمه الوجود هناك حيث يفسح لنفسه مكانًا ويسبب هذا الحدث الفريد وهو «وجود الموجود».. هذا الصدى هو استجابة الإنسان لنداء الوجود الذي لا صوت له.
إن التفكير تضحيةٌ لا تتحمل أيّ حسابٍ، لأن الحساب يخطئ دائمًا في تقدير التضحية ويغض الطرف عن سمو الغايات وانحطاطها، ويشوه طبيعة التضحية بالبحث عن غرضٍ يكدّر صفو التوفير.
إذًا، «التقوى» هنا تشير إلى معناها المعروف: «الطاعة والاستسلام» أي الاستجابة لموضوع التفكير و«الإنصات للسؤال»، ومحاولة فهم معناه، علمًا بأن كلّ تفكيرٍ يبدأ في أن يكون تساؤلًا عند هايدغر، وعندما يبدأ في أن يكون تساؤلًا عند هايدغر عندها يبدأ بحثه الدؤوب عن المعنى الحقيقي للوجود. هذا هو درب هايدغر الخاص، وتلك هي غايته، ولم يبق إلا أن نحاول شدّ الخطى معه على دربه الشاق الفريد!
(205)محسن شيراوند والسيد أمين عظيمي
إن تاريخ ظهور التقنية البدائية يعود إلى باكورة حياة الإنسان. ويجب إرجاع الجذور الفلسفية لتقبل حضور التقنية بشكلها الراهن من قبل الإنسان في حياته، إلى أوروبا في العصور الوسطى. كما يرتبط هذا الحضور بعصر التقدّم الصناعي في مرحلة عصر النهضة قطعًا؛ إذ تمّ التأكيد في هذه المرحلة على الاتجاه الوضعي والتجريبي، وتبعًا لذلك شهدنا الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر من خلال تحقق التفوّق التكنولوجي والصناعي الملحوظ. إن استخدام التقنية في مسرح الحياة الإنسانية لم يكن له من غاية ودافع سوى تحسين شروط الحياة. بيد أن الإنسان المتحرر حديثًا من عقال التراخي والخمول الذي كان عليه في العصور الوسطى، كان من التهوّر في اندفاعته إلى استقطاب التقنية وإدخالها في جميع مفاصل حياته، بحيث أصبح من المتعذر الفصل بين الإنسان والتقنية. وعلى
الرغم من أن هذه المسألة قد أثارت قلق ومخاوف الأنثروبولوجيين في حقول من قبيل: الأخلاق الطبية، والأخلاق البيئية، والأخلاق التكنولوجية، إلا أن الذي أدى قبل كل شيء إلى نوع من أزمة الهوية هو فقدان الحيثية الأنطولوجية للإنسان وسعادته الحقيقية وكماله النهائي. لقد أضحت المسألة من التعقيد بحيث لم يعد طرح البحث والسؤال عمّا إذا كانت الأصالة للإنسان أو للتقنية أمرًا اعتباطيًا، بل ربما كانت الإجابة عنه هي الصعبة من الناحية المعرفية والأبستيمولوجية.
نهدف في هذه المقالة إلى دراسة وشرح أبده المسائل في حقل الأنثروبولوجيا، ألا وهي اتصاف الإنسان بكونه كائنًا ذا بعدين، والتأكيد على كماله وسعادته الميتافيزيقية. ولهذه الشاكلة بالتحديد تقع الفلسفة الوجودية والأبعاد التكنولوجية وارتباطها بمختلف أبعاد الإنسان المتنوّعة موضعًا للاهتمام. إن هذه الدراسة توفر إمكانية لوضع الارتباط الراهن للتقنية بحقل حياة الإنسان، أي «الموجودات»، وإثارة هذا السؤال في ذهن المخاطب، وهو السؤال الداعي إلى تغيير هذا النوع من الرؤية إلى التقنية، ونقلها إلى دائرة «الواجبات». إن المشكلة الراهنة التي يذعن بها الجميع هي أن التقنية الحالية قد تسللت إلى بيئة الحياة الإنسانية بشكل مخرّب ومدمّر، بحيث لم تعد تعارض الغاية الأولى من توظيفها فحسب، بل أصبح الإنسان وجميع حيثياته الأنطولوجية، من قبيل سعادته وكماله النهائي رازحًا تحت سلطانها. وإن النقطة الهامة للغاية في هذه الدراسة هي أننا نواجه هنا حقيقة أن الذي أدى بالتقنية إلى تعريض حياة الإنسان إلى أزمات حادّة ومهلكة، هي المشاكل الناشئة عن العصور الوسطى، وتبعًا لذلك القبول بنمط خاص من الحياة، وتأصيل الإنسان الغربي للحياة المرفّهة. إن هذه الطريقة في الحياة كانت مقصودة بشكل كامل، وإن تطبيقها في حياة الإنسان الأوروبي كان
(208)بسبب الطريقة التي ينظر بها الأوروبيون إلى العالم والإنسان. ومن خلال هذا المسار، أضحت الحياة في هذه الدنيا هي الوصفة الأخيرة لكمال وسعادة الإنسان، وهي الوصفة التي تحوّلت ـ للأسف الشديد ـ إلى وصفة الشفاء الوحيدة لجميع الناس. نسعى في هذه المقالة إلى دراسة حقيقة الإنسان وسعادته وكماله النهائي من خلال الاستناد إلى الاتجاه الديني والاستفادة من آراء الفلاسفة المسلمين، لنعمل بذلك على بيان ارتباط التقنية بهذه العناصر الجوهرية في الأنثروبولوجيا.
وفي هذه المقالة نحن نسعى بالتحديد إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية:
1. هل تم التأسيس للتقنية كي تلبي الحاجة المعنوية للإنسان (في الآخرة) أيضًا؟ أو لم يكن لها منذ البداية من غاية سوى الاستجابة لمطالب هذه الدنيا فقط، وليس لها أي موقف فيما يتعلق بالمسائل الروحية والمعنوية للإنسان أبدًا؟
وعلى أساس الإجابة عن السؤال أعلاه، يتمّ الانتقال إلى الأسئلة أدناه:
2. بالالتفات إلى الفلسفة الوجودية وماهية التقنية، هل السؤال عن تأثير التقنية في الأبعاد الأخروية من حياة البشر صحيح وفي محله؟
3 . لو افترضنا التسليم بالماهية الحيادية للتقنية في حقل المعنى، فهل يمكن تقسيم التقنية إلى تقنية حسنة وتقنية سيئة؟ أم أن هذا التقسيم يجب أن يعود إلى النتائج والآثار المترتبة على التقنية، وبعبارة أخرى أن الآثار هي التي تنقسم إلى الخير والشر؟
4. لو افترضنا أننا لم نقبل بالماهية الحيادية للتقنية، وأقمنا البناء على إمكان قيام الفلسفة الوجودية للتقنية على مبنى آخر، فهل كان من الممكن أن تكون صورة وسيرة التقنية على حالة أخرى غير ما هي عليه الآن، لو كان إبداع التقنية قد تحقق على يد المؤمنين والمتدينين؟
ومن المهم أيضًا التذكير بهذه النقطة الهامّة، وهي أن على قارئ هذه المقالة أن لا يتوقع منا الإجابة عن كل سؤال بشكل محدد بالكامل؛ إذ أن منهجية هذه الدراسة تقوم على إعطاء «معنى واحد ومحدد» إلى جميع الأسئلة، وليس الإجابة عن آحاد الأسئلة بشكل مستقل. تتألف هذه الدراسة من ثلاثة أقسام، وهي كالآتي:
1.التعريف بالتكنولوجيا وتقنية المعلومات.
2. دراسة ذات وماهية التقنية.
3. دراسة حقيقة الإنسان وبيان سعادته وكماله.
وفي الختام توصلنا إلى نتيجة مفادها أن الغاية المرسومة للتقنية تكمن في الاهتمام بالبُعد الدنيوي للإنسان، وهي عاجزة عن الخوض في الكمال والسعادة النهائية للإنسان. يضاف إلى ذلك أنه بسبب عدم الالتفات إلى جميع حيثيات العالم والإنسان، بمعنى عدم الالتفات إلى البعد الميتافيزيقي لهما، والذي يمثل جزءًا أساسيًا من بنيتهما الوجودية، لم تتمكن التقنية ومن توفير الرفاه للإنسان في هذا العالم كما ينبغي، بل وربما تسببت له ببعض المشاكل والمصائب أيضًا. ولذلك يجدر بنا في هذا القسم أن نقدّم توضيحًا وشرحًا مختصرًا حول تقنية المعلومات.
دراسة ذات التقنية وتقنية المعلومات
إذا أردنا الإشارة إلى تقنية المعلومات الشاملة للتكنولوجيات المدّخرة والمستعادة، أمكن لنا القول بأربع مراحل لتنمية تقنية المعلومات، وذلك على النحو الآتي:
1. المرحلة ما قبل الميكانيكية (منذ 3000 سنة قبل الميلاد وحتى عام 1450 بعد الميلاد).
2. المرحلة الميكانيكية (1450 ـ 1840 م).
3. المرحلة الإلكتروميكانيكية (1840 ـ 1940 م).
4. المرحلة الإلكترونية (1940 م، وحتى هذه اللحظة).
وفي هذه المقالة سيتمّ التركيز على المرحلة الأخيرة التي بدأت منذ حوالي عام 1940 م. لإضفاء معنى ومفهومًا على هذه الدراسة والخروج برؤية ونتيجة واقعية، من الضروري أن ندرس ماهية التقنية من الناحيتين أو الحيثيتين الفنية والمعرفية. ومن خلال متابعة هذا الموضوع سوف يتم تحقيق رؤية واضحة عن نتيجة هذه الدراسة.
الماهية التكنولوجية للمعلومات من الناحية التقنية
إن تقنية المعلومات تعكس بشكل عام التقنية المؤلفة من تقييم المعلومات والارتباطات عبر المسافات الطويلة، والمقتبسة في الواقع من أشكال أقدم لتقنية الارتباطات الإلكترونية، من قبيل: التلغراف، والتلفون، والراديو، والصور المتحرّكة، والتلفزيون. وفي بيان آخر: غالبًا ما يتم توصيف تقنية المعلومات أو نظائرها من المصطلحات الأخرى، من قبيل: «المنظومات المعلوماتية، وتقنية الوسائل الإعلامية» على شكل نوع من التقنية المركبة من القدرة على استعراض المعطيات وتقنية الارتباطات. إن تقنية المعلومات هي حصيلة تبويب وهيكلة التكنولوجيات البدائية للارتباطات الإلكترونية في إطار الأساليب الحسابية والسايبيرية. كما تمّ تقديم تعاريف هندسية وإنسانية مختلفة لمصطلحي «المعلومات» و«التكنولوجيا» أيضًا.
يعدّ (كلود إيلود شانون) المؤسس والواضع الحقيقي لمفهوم «هندسة المعلومات»، في عام 1948. وقد عرّف المعلومات على شكل احتمال انتقال إشارة من الأداة (أ) إلى الأداة (ب)، بحيث يكون هذا الاحتمال من الناحية الرياضية قابلًا للكمية. لقد كانت هذه النظرية المعلوماتية إلى الآن أساسًا لتصميم وتحليل الآلات الحسابية الرقمية وتقنية المعلومات أيضًا، سواء في ذلك التلفون والتلفزيون أو الإنترنت.
في قبال المعنى التقني للمعلومات، يقع مفهوم «المعلومات» في دائرة أوسع، بمعنى حقل المفهوم. إن المعلومات في هذا المعنى ليست مؤلفة من جزئين (الإشارة التي تنتقل من «أ» إلى «ب»)، وإنما هي علاقة من ثلاثة أوجه. المعلومات الإشارية التي يتم إرسالها من الوسيلة (أ) إلى (ب)، كي تنقل معنى ومفهومًا إلى الشخص (ج). والمعلومات من هذه الناحية تمثل نوعًا من الخطاب. وعلى الرغم من أن تقنية المعلومات في مفهومها التقني تقرّب نفسها على الدوام من الناحية المفهومية للمعلومات، بيد أنه لا يوجد ارتباط منطقي دقيق بينهما. إن لكل إشارة بمعزل عن احتمال استقبالها في النقطة (ب) ذات معاني مختلفة، وهي معاني يتحقق كل واحد منها في إطار خاص. وإن لمصطلح «التكنولوجيا» وضعًا مشابهًا أيضًا:
(212)الدراسة والتطبيق المنهجي لصنع المصنوعات والاستفادة منها، وفي هذا التعريف تنقسم التقنية إلى مرحلتين: تقنية ما قبل الحداثة، والتقنية الحديثة.
إن هذا التعريف أوسع من التعريف الهندسي للتقنية؛ لأنه يشتمل على جميع أنواع الصناعة (التجريبية، والعلمية، والإنتاج العام وما إلى ذلك) في جميع أساليب الاستفادة منها، بوصفها من العلم والمصنوعات وحتى أعمال العنف والسلطة. ومع ذلك يتضح تمامًا أن التقنية ليس لها من قيمة واعتبار بمعزل عن دورها ووظيفتها الآلية. ومن هذه الناحية يعتبر تحقيق الرفاه والدعة في هذه الدنيا من أهم وظائف وأهداف التقنية، ولو عجزت التقنية عن تحقيق وتلبية هذه الغاية أو كانت معارضة لغايتها الذاتية، وجب إعادة النظر فيها بشكل جوهري.
ومن هذه الناحية اتضحت حدود ماهية التقنية من الناحية التكنولوجية إلى حدّ ما. بيد أن هذه الأمور لا تستطيع لوحدها بيان الماهية الحقيقية للتقنية، ومن الضروري دراسة هذا الحقل في دائرة أدق، ألا وهي دائرة الرؤية المعرفية والفلسفية.
لا شك في أن التقنية تشتمل على فلسفة، وعليه فإن كل كلام في هذا الشأن ـ من دون استيعاب واستخراج الآراء الأصيلة للفلاسفة ـ سيكون فاقدًا للاتجاه الصحيح. ربما كان الفيلسوف الإنجليزي (فرانسيس بيكون) ـ في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر للميلاد ـ هو أول فيلسوف يفتح أمام
(213)
الغرب نافذة جديدة. وقبل ذلك كانت الفلسفة تكتفي بالسعي إلى الحصول على «الحقيقة»، وكانت تواصل هذا السعي من خلال إصدار الأحكام الكلية والميتافيزيقية. وأما بيكون فقد ذهب ـ من خلال تأكيده على مفردات من قبيل «محورية الإنسان» و«السلطة» و«الهيمنة» و«أصالة اللذة» بدلًا من الحقيقة ـ إلى الاعتقاد بأن وظيفة الفلاسفة الحداثويين لا تكمن في الوصول إلى الحقيقة، وإنما في الاستيلاء على الطبيعة والوصول إلى السلطة. كان بيكون يقول «إنه خلق لخدمة العيش في هذه الدنيا». وقد عمل على تظهير ذلك في رسمه لمدينته الفاضلة في حقول من قبيل رسم نموذج خاص للإنسان ونمط الحياة، وأخلاق المعاش بما يتناسب مع البيئة في هذه الدنيا، وطريقة ارتباط الإنسان وعلاقته مع الآخرين. وربما كان تعبير (ميشال فوكو) ـ فيلسوف ما بعد الحداثة الشهير ـ عن الأنثروبولوجيا الحديثة والتي عبّر عنها بالأيديولوجيا، يمثل رأس الخيط الذي يصلح لفهم هذا المعنى الخاص. وقد ذهب ميشال فوكو إلى الاعتقاد بأنه منذ عصر كانط فلاحقًا، لم تعد الأنثروبولوجيا تطلق على علم بعينه، وإنما تحوّلت إلى عقيدة ورؤية فلسفية إلى العالم، حيث تشكل أساسًا لجميع العلوم الإنسانية. وبعبارة أبسط: إن الأنثروبولوجيا هي في الحقيقة عقيدة أيديولوجية تتخذ في ضوء المفهوم الحديث للإنسان شأنًا جديدًا، وأضحت أساسًا ومحورًا للعلوم الإنسانية والفلسفة الحديثة.
(214)كما ذهب دانيال بيل أيضًا في كتابه (ظهور المجتمع ما بعد الصناعي) إلى اعتبار عنصرين جوهريين في محورية الإنسان، وهما: أصالة اللذة والنزعة الاستهلاكية. وقد أكد على أن الإنسان في المجتمع الاستهلاكي يتعرّض باستمرار إلى نماذج متنوّعة ومتعددة تستوعب جميع جوانب حياته، من صحته الجسدية إلى اعتداله وتوازنه الروحي والنفسي. ومن هنا فإنه يضطر على الدوام إلى الانتخاب، ومن هنا يجب عليه أن يعمل أبدًا على زيادة معلوماته كي يتمكن من اتخاذ القرارات الصحيحة بشكل أفضل. إن الإنسان في مجتمع ما بعد الحداثة يعيش في حصار من كثرة المعلومات من جهة وتنوّعها البالغ إلى أقصاه من جهة أخرى. يرى دانيال بيل أن القيَم الجديدة في مرحلة ما بعد الحداثة تحلّ محل التصورات الحديثة، وإن غاية القيَم الجديدة هي السماح بظهور النزعة الفردانية للإنسان، وتبرير أصالة اللذة، والاعتراف بالمطالب الفردية، والعمل على تناغم المؤسسات مع مطالب ورغبات الأفراد. إن مرحلة ما بعد الحداثة بمنزلة تعميم أصالة اللذة، وإن أعظم قيمة فيها عبارة عن: اعتبار الذات والأنا هي الحق المطلق، والعمل على تحصيل الحد الأقصى من اللذة والمتعة في الحياة. إن ثقافة ما بعد الحداثة هي ثقافة الاهتمام التام والشامل بالحسّ. بمعنى أن على الإنسان أن لا يعطل أيّ شيء من طاقاته، وأن يعمل على الاهتمام بجميع «أحاسيسه» و«رغباته» بشكل كامل. وبطبيعة الحال فإن هذا الاتجاه منسجم بالكامل مع المجتمع المستهلك وأركانه، بمعنى التنوّع في حدّه الأقصى، والمعلومات في أعلى مستوياتها.
(215)وقد صرّح بيكون مرارًا أن غايته من تأسيس فلسفته ترمي إلى توفير الظروف لبناء حياة في هذه الدنيا بحيث لا تشتمل إلا على الحد الأدنى من الآلام والمنغصات. وقد ذهب إلى الاعتقاد بأن العلم والفكر والفلسفة إنما تكون ذات قيمة إذا كانت خادمة لحياة الإنسان في هذه الدنيا. ولتحقيق هذه الغاية كان بيكون بحاجة إلى تعريف الإنسان (المتحرر حديثًا من جور العصور الوسطى) بمسلكه الجديد، وأن يبيّن له هذه المسألة بحيث تكون «الحياة في هذه الدنيا غاية قيّمة» في مأمن من سياط وسطوة الكنيسة. ومن ناحية أخرى كان بيكون على معرفة بالناحية القدسية للطبيعة عند الكنيسة والعلماء وحتى الكثير من الناس. ولذلك كان عليه أن يقدّم عنها شرحًا ماديًا بحيث يكون في مأمن من أضرار تداعياتها. يذهب فرانسيس بيكون إلى الاعتقاد بوجوب توظيف أدوات العلم والتقنية والطبيعة وجميع الكائنات الحيّة في خدمة حياة الإنسان. وبعبارة أخرى: يجوز القضاء على كل عنصر من شأنه أن يسلب الإنسان سعادته في هذه الدنيا بأيّ نحو من الأنحاء. وإن خصائص من قبيل الاستفادة القصوى من متع الحياة والابتعاد عن الشرور والآلام، تعد من الأجزاء المتأصلة في هذه الحياة. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الهدف الغائي من الفلسفة التجريبية لـفرانسيس بيكون هو «الإنسان»، ولا يرى في ذلك عدم وجود ضرورة إلى التحلي بالفضائل الأخلاقية فحسب، بل يرى أن الأخلاق نفسها محكوم عليها بالفناء والزوال إذا شكلت عقبة في طريق التقدّم المادي للإنسان. وفي الحقيقة فإن
(216)المنظومة الفكرية لـبيكون تقوم على أساس أن يتمّ توظيف الأخلاق في خدمة الإنسان دون العكس. وبشكل عام يمكن تنظيم الأصول الفكرية للفلاسفة في حقل التقنية ـ الأعم من الحداثويين وما بعد الحداثويين ـ على النحو الآتي:
1. يسعى إنسان عصر الحداثة من خلال مفاهيم، من قبيل: «تشريح الطبيعة»، و«تركيز التفكير في إطار تحقيق الحياة السعيدة»، وإنسان ما بعد الحداثة، من خلال مفاهيم من قبيل: «الحفاظ على البيئة»، إلى القيام بمسؤوليته تجاه كيفية حياة الإنسان.
2. إن النزعة الإنسانية لا تعمل على تعريف الإنسان في ضوء قدراته وإمكاناته الإلهية وفطرته الدينية، وإنما في ضوء رغباته النفسانية. وفي الحقيقة غالبًا ما يتم تعريف الإنسان من خلال غرائزه واحتياجاته الشهوانية والتأكيد على العناصر الدنيوية، من قبيل: اللذة والمنفعة والسلطة. وقد تبلورت هذه الرؤية من خلال ظهور المدارس الأخلاقية في العالم الغربي، من قبيل: الأبيقورية أو فلسفة اللذة، والمذهب النفعي، ومذهب القوة، هذا أولًا.
وثانيًا: تشترك الأفكار الحداثوية وما بعد الحداثوية في تقديم تعريف صحيح عن حقيقة الإنسان، حيث يتمّ تجاهل بُعده الروحاني في اتخاذ القرارات، وكذلك اتجاه جميع الأمور من خلال التركيز على مجرّد البُعد الجسدي فقط. وفي الحقيقة فإن الذي يوقع المفكرين الحداثويين وما بعد الحداثويين في الخطأ في حقل علم المنهج، هو تحليلهم للعالم بواسطة أدوات التجربة البحتة. وبعبارة أخرى: إنهم إنما يبحثون عن الحقيقة في مجرد العالم المادي، وذلك بواسطة العلوم التجريبية فقط.
(217)إلا أن السؤال الهام للغاية والذي يجب أخذه بنظر الاعتبار على الدوام في تحليل التقنية، هو السؤال القائل ـ بالتوازي مع الغاية النهائية للتقنية، أي: توفير الرفاه والسعادة للإنسان ـ ما هي العناصر الضرورية بوصفها شرطًا لتحقق هذه الغاية؟ هذا ما يبيّنه الرجوع إلى آراء فرانسيس بيكون بوصفه رائد الأفكار التكنولوجية. إن هذه الدوّامة التي أحاطت بالبشر منذ القرن التاسع عشر للميلاد بفعل آراء بيكون في حقل التقنية، قد شكلت تحوّلًا أحدثه الإنسان في ثلاثة حقول. وفي الحقيقة فإن شرط توظيف التقنية في حقل حياة الإنسان يتمثل في التحوّل في الأمور الآتية:
إن الإنسان في عصر الحداثة لا يرى نفسه مجرّد خليفة لله، بل يرى نفسه هو الله. إن هذا الغرور الذي هو نتاج وحصيلة التقنية، أوصل البشر إلى الاعتقاد بأن يرى لنفسه دور الإله، حتى أنه لم يعد من الناحية العملية يشعر بالحاجة إلى وجود الله.
إن التأثير الأوسع للعلم التجريبي والأكثر قدرة على التدمير في الوقت نفسه يكمن في دفع الإنسان إلى التخبّط في مستنقع التقنية. إن الإنسان في سعيه إلى تضميد جراحه التي تسبب بها لنفسه والتي هي ناجمة في الغالب عن تسلل التقنية إلى حياته، يستعين مرّة أخرى بالتقنية أيضًا. وفي الحقيقة فإن الإنسان أخذ يرى سعادته في الاستفادة القصوى من التقنية. لقد أخذ الإنسان يتخبّط في الحياة الصناعية والتكنولوجية بحيث لم يعد يرى حاجة إلى مراجعة الكتب الدينية المقدسة، وإعادة التفكير والتأمل في سعادته وكماله الحقيقي. وفي الواقع فإن هذا
(218)
من مختصات العالم التكنولوجي الذي أحاط بحياة الإنسان من المهد إلى اللحد بحيث يستدرج حتى أولئك الذين لا يريدون لأنفسهم أن يقعوا أسرى مكبلين بسلاسل التقنية أو يسقطوا في دوامتها المهلكة. وبشكل عام يمكن لنا أن نستنتج أن المباني والفرضيات في رسم النموذج الجديد للحياة، وإن الذي يعبّر عنه بـ «الحياة السعيدة القائمة على قيَم هذا العالم من خلال توظيف التقنية»، عبارة عن:
1. إلغاء العلل والأسباب الغائية من الحقل المادي للوجود وإحالته إلى حقل ما بعد الطبيعة.
2. إلغاء أو تجاهل الناحية الميتافيزيقية للإنسان والطبيعة.
3. إلغاء الإنسان بوصفه حلقة الوصل بين عالم الطبيعة وعالم الملكوت.
4. التأكيد على مادية الأمور.
الماهية التكنولوجية من الناحية الأنطولوجية
يجب التعريف بـ (هايدغر) بوصفه فيلسوف التقنية في العصر الحاضر. فقد التفت إلى بُعد هام جدًا من التقنية من الناحية الأنطولوجية ربما غفل عنه الكثير من الباحثين في حقل التقنية. إن ذات التقنية كانت لخدمة الإنسان وليس لاستخدام الإنسان، وهي المسألة التي شرحها (هايدغر) بالتفصيل، وعبّر عن اعتلاء التقنية لكاهل الإنسان بـ «استحواذ التقنية على الإنسان». إن أهم سؤال فلسفي يتمّ طرحه بشأن التقنية هو السؤال عن ذاتها وماهيتها.
تعدّ رؤية هايدغر إلى هذه المسألة من بين أدقّ الأفكار بشأن النظرة الفلسفية إلى
(219)التقنية وانتقادها. ولذلك فإن شرح آرائه بشأن التقنية يساعدنا على فهم الموضوع بشكل أفضل. يقول هايدغر في كتابه المعروف بعنوان (سؤال عن التقنية): نريد أن نقيم نسبة حرّة مع التقنية. إن هذه النسبة الحرة هي التي سوف تفتح وجودنا الإنساني على ماهية التقنية. وفي الحقيقة فإنه يسعى من هذا الطريق إلى بيان كيف يمكن الحيلولة دون تغليب التداعيات والآثار السلبية للتقنية على الحياة. وقال (دين آيدي) بهذا الشأن: إن تحليل هايدغر يهدف إلى إبراز ظاهرة التقنية بحيث تتجلى آفاقها وحدودها بالنسبة إلى وجود الإنسان. واضح أن المسألة الأساسية لهايدغر في بحث السؤال عن التقنية تعود إلى ذات أو ماهية التقنية. فهو يقول:
«إن التقنية لا تساوق ماهية التقنية. فعندما نبحث في ماهية الشجرة، علينا أن ندرك أن ما له حضور شامل في كل شجرة من حيث هي شجرة، ليس هو ذات الشجرة التي يمكن العثور عليها بين جميع الأشجار الأخرى. وعلى هذا المنوال، فإن ماهية التقنية بدورها ليست تكنولوجية بأي وجه من الوجوه».
إن هايدغر يسعى من خلال هذا البيان إلى دفع النظرة السطحية إلى التقنية، كي يتمكن بذلك من الوصول إلى ماهيتها. وهنا يتجلى نوعان من التعاطي مع الموضوع مورد البحث:
«أحدهما أن التقنية وسيلة للوصول إلى غاية، والآخر طريقة النظرة التي تفترض التقنية نوعًا من النشاط الإنساني. إن هذين التعريفين مترابطان ببعضهما. وذلك لأن وضع الغاية وضمان وتوظيف الوسائل المناسبة للوصول إليها يمثل نشاطًا إنسانيًا».
(220)يرى هايدغر هذين التعريفين من التعاريف الآلية والإنسانية للتقنية. وهو يرى أن هذه التعاريف غير دقيقة وغير كاملة، وبالإضافة إلى خلقها للكثير من المشاكل، لا تفتح موجبات فهم جوهر التقنية. يرى هايدغر أن جوهر التقنية ليس تقنيًا. يمكن للتقنية أن تعكس اتجاه الإنسان إلى الآلة والماكنة، بيد أنه لا يمكن العثور على جوهرها في الماكنة. إن الماكنة والمكننة تمثّل نتيجة للتقنية وليست أساسًا لها.
إن التقنية ـ طبقًا لهذه الرؤية الآلية ـ مجرّد أداة وآلة، وهي تيار تابع لقاعدة تتمّ هدايتها وتوجيهها بواسطة الأهداف العقلانية. وعلى حدّ تعبير (دين آيدي): إن هذا التعريف يستلزم أن تكون التقنية مجرد اختراع من فاعل، وتعمل على شكل مجرّد وسيلة وأداة حيادية. إن القرارات التي يتخذها المهندسون والعلماء تأتي بمعزل عن تأثير العوامل الخارجية، وإن اختيار الأدوات يعتمد على مجرّد الملاحظات الفنية، وإن المصالح والمعتقدات الإنسانية في نسبتها إلى القرارات التكنولوجية أمر حيادي وفاقد للقيمة، وإن التقنية تعتبر حيادية من وجهة النظر الثقافية والأخلاقية والسياسية. بمعنى أن بإمكانها أن تستعرض وسائل متحررة من الأنظمة الأخلاقية المحلية، كما يمكن لها أن تعمل على توظيفها بشكل حيادي في خدمة أساليب معيشية مختلفة تمامًا. وفي توضيح هذه النقطة يذهب (ريتشارد برنشتاين) إلى الاعتقاد بأن الإنسان يميل إلى تصوّر التقنية حيادية في نفسها. وقال في هذا الشأن:
«إن كل شيء يعتمد على كيفية استعمال التقنية. هناك تكنولوجيات نافعة، من قبيل: التكنولوجيات الطبية الحديثة التي تساعدنا على تسكين أوجاع البشر
(221)وتعمل على إنقاذ حياة الناس. وتوجد هناك في الوقت نفسه تكنولوجيات مدمّرة يمكن لها أن تدمّر حياة البشر. وعليه فإن كل شيء يتوقف على كيفية استخدامنا للتقنية المتوفرة لدينا بشكل حرّ. ويغلب إلى الظن أن التقنية يجب أن تكون أداة حيادية أو وسيلة للوصول إلى الأهداف الإنسانية (أيًا كانت هذه الأهداف)».
واضح أن ماهية التقنية من الناحية الأنطولوجية هي أنها مجرّد وسيلة يجب أن يتمّ توظيفها في خدمة الإنسان. إن الذي دفع الإنسان إلى التوجّه نحو التقنية هو الحصول على «حياة أفضل»، وتلبية احتياجات الإنسان. ولكن «هل تمكنت التقنية حقًا من أن تأتي للإنسان بالحياة الطيّبة أم لا؟»، سؤال لا يمكن الإجابة عنه إلا من خلال تحليل حقيقة الإنسان وبيان مفهوم السعادة وكمال الإنسان في ضوء التعاليم الدينية. وهذا ما سوف نتعرّض له في تتمّة هذه المقالة.
كشف المفكرون في حقل فلسفة التقنية اللثام عن الكثير من الآفات في حقل الارتباط بين الإنسان والتقنية، بيد أننا إذا أردنا بيان أهمّ تلك الآفات في هذا الشأن، تعيّن علينا ذكر «تعرّض التقنية» للإنسان. يرى هايدغر ـ بوصفه فيلسوفًا ناشطًا في حقل فلسفة التقنيةـ أنّ الرؤية الآليّة للتقنية صحيحةٌ، ولكنها ناقصةٌ وغيرُ كافيةٍ. ولكنّه بناءً على هذا التعريف الصحيح يعمد إلى بيان ما يجب أن يكون، أي بيان التفكير السائد بشأن السؤال عن التقنية. يتعمّد هايدغر توقع الطريق الذي فتحه من خلال إثارة الشك، ويعمل هنا على التمييز بين الصحيح أو الصادق والحقيقي (بين الأمر الصحيح والأمر الحقيقي). لذلك ذهب إلى أن الأمر الصحيح (التعريف الصحيح والصادق لموضوع ما) هو الأمر الذي
يتعرّض إلى الأمور المرتبطة به، والتي لا تكون مقوّمةً للذات، ولا داخلةً في الذات، ويتحدّث عنها ويعمل على تعيينها. أما «الأمر الحقيقي» فيتعرّض إلى ذات ذلك الموضوع (لا إلى الأمور المحيطة به)، ويعمل على كشف اللثام عن ذات ذلك الموضوع ومقوّماته الذاتيّة. «الأمر الصحيح» ذو نظرة جزئية، بمعنى أنّه يقصر نظرته على جزءٍ خاصٍ أو جهةٍ خاصةٍ من ذلك الموضوع، ويغفل عن سائر الأجزاء والجهات الأخرى، أما «الأمر الحقيقي» ذو نظرة شمولية ويتعرّض إلى جميع أجزاء وشرائط وحيثيات الموضوع (مورد البحث). وخلاصة ذلك، أنّ الأمر الحقيقي ناظرٌ إلى الباطن ما يجعله بليغًا بما فيه الكفاية ليكشف اللثام عن وجه الحقيقة، في مقابل الأمر الصحيح الذي قد يكون حجابًا يسدل الستار على الحقيقة الجوهريّة.
وعلى هذا الأساس فإن التعريف الآلي والإنسانوي للتقنية هو تعريفٌ صحيحٌ ولكنّه جزئيٌّ، ويتمّ تحديده بواسطة مجموعةٍ من الشرائط الذهنيّة. أما التعريف الحقيقي للتقنية فهو لا يقتصر على مجرّد مجموعةٍ من الأمور والنشاطات، بل هو وجهٌ من الحقيقة، وبعبارةٍ أخرى فهو ميدانٌ ومساحةٌ يمكن للأمور والنشاطات أن تظهر بالصورة التي هي عليها. إنّ تفسير التقنية بهذا المعنى يتجاوز الدور الآلي، ويحصل على تعريفٍ أكمل، يتمثّل في كون التقنية أسلوبًا ونمطًا من الانكشاف والحضور. وعلى هذا الأساس يجب فهم التقنية الجديدة أيضًا في إطار ودائرة الانكشاف وإماطة اللثام. وفي الحقيقة، إنّ الانكشاف الحاكم في التقنية الحديثة يُعدّ نوعًا من التعرّض، أي التعرّض الذي يضع الطبيعة في مواجهة هذا التوقّع الاعتباطي ليكون ضامنا لإنتاج الطاقة، وفي النهاية إمكانيّة استخراج الطاقة من حيث هي طاقةٌ من بطن الطبيعة.
وعلى هذا الأساس يمكن القول أنّ التقنية الجديدة والتقنية القديمة يشتركان في كونهما نوعًا من الانكشاف. إلا أن طريقة الانكشاف في التقنية الجديدة تختلف عن طريقة الانكشاف في التقنية القديمة. إن الانكشاف الحاكم على هذه التقنية ينطوي على نوعٍ من الانكشاف التعرّضي، وهذا النوع من الانكشاف الحاكم على التقنية الجديدة يستلزم امتلاك رؤيةٍ جديدةٍ وخاصةٍ إلى الطبيعة، بمعنى النظر إلى الطبيعة بوصفها مصدرًا لتوفير الطاقة. وعليه تستلزم هذه الرؤية الخاصة إلى الطبيعة تبلور علاقةٍ خاصةٍ وجديدةٍ بين الإنسان والطبيعة، وهي علاقة تعرّضٍ وتصرّفٍ شاملٍ في الطبيعة (والتعاطي مع الطبيعة). وفي هذه النسبة الجديدة التي حصل عليها الإنسان مع الطبيعة، يقع كلّ شيءٍ في معرض التعرّض والتصرّف. إن حصيلة هذا التعرّض تكمن في إيجاد هذه النقطة، وهي كأنّ كلّ شيءٍ في حالة استعدادٍ كي يتم تسويقه مباشرةً بمجرّد أن يتعلق به الطلب. إن أهمّ تحوّلٍ حصل في مرحلة ظهور التقنية هو التغيّر الطارئ على نظرتنا للعالم، إذ حلّت رؤيةٌ جديدةٌ محلّ الرؤية القديمة. وفي الحقيقة، فإن هذا النوع من الرؤية تحول في حدّ ذاته إلى تبلورٍ في الأمور، بحيث إن هذا التبدّل والتغيّر في الموجودات إلى مصدر ثابتٍ قد أسس لرؤيةٍ جديدةٍ. وهي الرؤية التي يتمّ من خلالها فهم الهويات بوصفها أشياءً. يقول هايدغر في هذا الشأن:
«لقد حدثت ثورةٌ شاملةٌ في رؤية البشر بشأن الفلسفة الجديدة. لقد تعرّض العالم اليوم بوصفه شيئًا إلى هجماتٍ من قبل التفكير الحسابي، وهي هجماتٌ لا يُتوقع لأيّ شيءٍ أن يصمد في مواجهتها. وقد تحوّلت الطبيعة إلى مخزنٍ عظيمٍ
ومصدرٍ للطاقة في الصناعة والتقنية الجديدة. وإن نسبة الإنسان هذه إلى العالم هي في الأساس نسبةٌ تكنولوجيةٌ».
إن هذا النوع من المواجهة يمثل النسبة القائمة بين الإنسان والطبيعة، وفي الوقت نفسه فهو يُبيّن ماهيّة التقنية بشكلٍ جيّدٍ. وعلى الرغم من أن التكهّن بشأن التغيّرات العميقة في مستهل وقوعها في إطار التكامل التكنولوجي في غاية التعقيد، إلا أن التمدّد التكنولوجي يتواصل بسرعةٍ متزايدةٍ، ولا يمكن أن يتوقف أبدًا. إنه لمن المصائب البشرية أن نشهد نموًا متسارعًا وغير منطقيٍّ للتقنية، بحيث لم يترتب على ذلك من غايةٍ سوى «سرعة النمو». وبعبارةٍ أخرى: على الرغم من أنّ الهدف الأول للتقنية كان قائمًا على إمكانية التأسيس لحياةٍ سعيدةٍ للإنسان، إلاّ أنّ هذا الهدف قد اضمحلّ بمرور الوقت، وأصبحت «التقنية في حدّ ذاتها، وسرعة تطوّرها بمعزلٍ عن غايتها» هي الغاية النهائيّة، وفي الحقيقة يقول هايدغر:
«إن وجود البشر محاصرٌ بقوى التقنية من جميع الجهات، وإن حلقة هذا الحصار تزداد ضيقًا يومًا بعد يوم. إن هذه القوى تستهدف الإنسان في كلّ مكانٍ تحت ذريعة التدابير والاختراعات التقنية المتنوّعة، وتعمل على اجتذابه واستقطابه وتقوم بالضغط عليه، وتفرض نفسها عليه، وحيث إنها ليست من صنع يد الإنسان، فقد ذهبت إلى أبعد بكثيرٍ من رغبته وإرادته، كما أنّها تنمو
بشكلٍ أكبر من ظرفيّة قراراته».
يبدو أنّ الفرصة لا تزال قائمةً أمام البشر، بأن يعمل الإنسان على تجديد رؤيته من خلال إعادة بلورة أو قراءة العناصر الجوهرية في حقل الأنثروبولوجيا، ذلك من قبيل الاهتمام بامتلاك الإنسان لبعدين، وتأصيل حقيقته الوجودية المتمثلة في الاهتمام بالبُعد الروحاني (في الحقل الأنطولوجي والحقل الأنثروبولوجي)، والاهتمام بالكمال والسعادة الروحية والميتافيزيقية للإنسان، وأن يستفيد بنحوٍ من الأنحاء من الوسائل التقنية، وأن يتحرّر من قيودها في الوقت نفسه من خلال الاستفادة الصحيحة منها. وبذلك فإن ارتباطنا مع التقنية سيكون بسيطًا ومريحًا بشكلٍ مذهلٍ. وبهذه الرؤية لا إشكال في دخول التقنية إلى حياة الإنسان وأموره اليومية، لوجود إمكانيّةٍ دائمةٍ وسهلةٍ لخروجها أيضًا.
من الواضح أن هذه الرؤية في شأن التقنية سلبيةٌ-إيجابيةٌ. إن الاستدارة نحو التقنية والتقنية في حدود التوظيف جديرةٌ بالاهتمام، بحيث يمكن ببساطةٍ فصلها عن بيئة حياة الإنسان، ويبدو أنّ هذه الرؤية الطاردة للتقنية إنما يمكن تذليلها إذا تمّ التعرّف على ماهيتها بشكلٍ صحيحٍ، وتحديد زاوية رؤيتنا لها. ولكن بغض النظر عن جميع هذه الأوصاف، هل التقنية مطلوبة للإنسان؟ وبعبارة أخرى: إن أهم سؤالٍ بشأن ارتباط الإنسان بالتقنية، هو السؤال القائل: في خدمة من يجب توظيف التقنية و«الأدوات التكنولوجية»؟ لا شك في أن الجواب عن ذلك هو أن التقنية وأيّ تقنيةٍ أخرى يجب أن تكون في خدمة الإنسان. بيد أن لبّ المسألة يكمن هنا تمامًا. فمن هو الإنسان، وما هو العنصر الذي يبلور حقيقته الواقعية؟ أليس التقنية يجب أن تكون في خدمة «حقيقة الإنسان»، وكماله وسعادته؟ إن
هذا السؤال هو الأكثر جديّةً في حقل الرؤية الفلسفية إلى التقنية. ولا شكّ في أنّ الإجابة عن هذا السؤال تستدعي بحثًا جادًا في حقيقة الإنسان.
إن الإنسان يحظى من بين مخلوقات الله بمكانةٍ خاصةٍ. كما أن الله قد وصف نفسه بعد بيان خلقه للإنسان بقوله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). وخاطب اللهُ الإنسان بوصفه أفضل مخلوقاته. فما هو سبب هذا الخطاب الخاص؟ وما هي الحقيقة الأصيلة للإنسان التي جعلته مستحقًا لهذا الخطاب الخاص؟ لا شك في أن هذا السؤال الجوهري يجب الإجابة عنه من زاويةٍ محدّدةٍ. بمعنى أنّ السؤال القديم القائل: هل الإنسان كائنٌ ماديٌّ أم مجرّدٌ؟ يعد من أهم الأسئلة، وأن الإجابة عنه مصيريّةٌ وحاسمةٌ لجميع أنواع الأبحاث الأنثروبولوجية. بعضهم لا يعتقدون في وجود الإنسان بواقعيّةٍ أخرى غير هذه الأعضاء المادية والطبيعية التي لها قوانينها الخاصة، ويعتبرون جميع الأنشطة والتداعيات الصادرة عن الإنسان ناشئةً عن الأعضاء المادية والطبيعية لوجوده. أما القرآن والإلهيون فيعتقدون بأنّ الحقيقة الإنسانية تكمن وراء الجانب المادي من وجود الإنسان، ويرون أن الآثار والأنشطة غير المادية للإنسان تنبثق عن هذه الحقيقة غير المادية. إن هذه الحقيقة غير المادية هي التي تبلور أصل وجوهر الإنسان. ولكن ما هي كينونة الروح؟
تُعدُّ كينونةُ الروح من أعقد المسائل الفلسفية والكلامية، ولا يتسع هذا المقال
لبحثها. ولكننا نقول إجمالًا: إن النفس ـ من وجهة نظر الفلاسفة المسلمين ـ هي غير الجسد، فهي موجودٌ مجرّدٌ تعود إليه جميع الآثار والأنشطة الجسديّة وغير الجسديّة. وتكمن عظمة الروح الإنسانية في أنها في سلم الصعود تمتلك القدرة والاستعداد للوصول إلى أعلى درجات الكمال، ويمكنها بلوغ عظمةٍ لا يمكن لأيّ مخلوقٍ أن يبلغها. وقد قال الله تعإلىفي هذا الشأن: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا). وعلى هذا الأساس فإن حقيقة الإنسان تعود إلى بُعده الروحاني المجهول جدًا، الأمر الذي جعل منه أكثر الكائنات غموضًا في الوجود بعد الخالق سبحانه وتعالى. إنّ المفسرين عاجزون عن بيان حقيقة البُعد الروحي للإنسان، بيد أنهم يذكرون أن العلم والتفكير والتعقل والإرادة الإنسانية من مختصات هذا البُعد، ويعتبرون وصول الإنسان إلى مرتبة العقل الكامل من جملة ظرفياته الوجودية. ويعتقدون كذلك بأن هذه الأوصاف هي التي جعلت الله سبحانه وتعإلي نسب الروح إلى نفسه تعظيمًا وتكريمًا لها، وإلا فإن التركيب والجزئية في الله تعإلى محالٌ.
إن الذي تمّ تجاهله في حقل الحياة الإنسانية بجميع توابعها المرتبطة بحقل التقنية، هو عدم الاهتمام بهذا الموضوع الأساسي في الحقل الأنثروبولوجي، أي الرؤية ذات البُعد الواحد للإنسان ودخول الإنسان وجميع تحقيقاته إلى مدارٍ خاطئٍ تمامًا. إن على الإنسان أن يمتلك هذه الفراسة التي تريه أولًا: أن الإنسان كائنٌ ذو بعدين، وثانيًا: أن بُعده الروحاني هو الذي يُشكّل حقيقته لا بُعده الجسماني. وهذا يمثل جوهر جميع التحقيقات والدراسات التي يمكنها توجيه
حقل التقنية: «إن أصل الإنسان هو لُبّه، وأصل وحقيقة الإنسان هي روحه الملكوتية». إن الذي يمنح الإنسان هويته هي الناحية الروحانية والملكوتية منه والتي أودعها الله في وجوده، إذ يقول تعالى: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي). إن التعرّف الكامل على الإنسان يعود إلى حيثيته ما بعد الطبيعيّة والماورائية، لذلك كان تحديد الإنسان في الحيثيّة الطبيعية يوفر لنا معرفةً محدودةً بهذه الناحية، ولا يعبّر عن حقيقته الكاملة. وعليه ما لم تصل البشرية إلى هذا النضج الفكري والتحوّل في المنهج المعرفي، فإن التقنية لن تغيّر رؤيتها الصاخبة عرضيًا ولا طوليًا، وبالتالي لا يمكن أن نتصوّر حدًّا لها يمكن أن تقف عنده.
إنّ ماهيّة وحقيقة الإنسان موضوعٌ طالمًا شغل الأذهان البشريّة لأزمنةٍ طويلةٍ، وقد أنفق الكثير من المفكرين في كافة أنحاء العالم أعمارهم في قراءة ودراسة هذا الموضوع. إنّ الإنسان من وجهة نظر القرآن الكريم كائنٌ ذو بعدين: مِلكي وملكوتي، وأرضي وسماوي، وله روحٌ رحمانيّةٌ ونفسٌ شهوانيّةٌ، وهو مجمعٌ لأضداد صفات الخير والشر، حيث يجب الالتفات إلى هذه المسألة. وفي هذه الحالة فقط يمكن الادعاء بوجود معادلةٍ منصفةٍ بين البعد الفيزيقي والميتافيزيقي في العالم. ولا شك بطبيعة الحال في أنّ لكلّ واحدٍ من هذين البُعدين في وجود الإنسان صفاته وحياته الخاصة. ذلك أن الخصائص والصفات متفرّعةٌ عن وجود الحياة. إن البُعد الجسماني للإنسان يعبر عن مشابهته وقربه إلى الطبيعة والخصال الحيوانية، وفي الحقل الأنطولوجي والأبستيمولوجي ليس لديه أيّ حقيقةٍ سوى أنه وسيلةٌ لإيصال بُعد الإنسان الروحاني إلى غاياته ومقاصده السامية. إنّ حقيقة
أصل المسألة دون الدخول في تعريف النفس الإنسانية والأدلة التي تمّ طرحها في الفلسفة بشأن وجودها.
إنّ حقيقة الإنسان هي النفس الناطقة، وحقيقة النفس الناطقة ـ التي هي عين الوجود وجزء الوجود والتي لا تعتبر تشخصًا لشيءٍ آخرـ تتجلى وتظهر في مرجع الضمير «أنا». إن معرفة ما يتمّ تعريفه على أنه الذات والأنا لا يمكن بيانه من طريق المفاهيم والصور الذهنية. لأن الصور الإدراكية أيًا كانت ليست هي الذات الإنسانية، ولا يمكن الإشارة إليها بالضمير «أنا»، وإنما هي مجرّد مفاهيم، ويمكن أن يشار إليها بالضمير «هو« أو «ذلك». إذًا، لا يمكن أبدًا أن نحصل للنفس الناطقة والزاخرة بالحيوية والنشاط والإدراك على وجودٍ أو صورةٍ ذهنيّةٍ، والإشارة بذلك المفهوم إلى حقيقة ذات الإنسان. لأنه في مثل هذه الحالة سيفقد ماهيته ولن يكون عبارة عن الـ «أنا» الحقيقية.
لقد عمد صدر المتألهين ـ كما هو شأن فلاسفة السلف ـ إلى تعريف الإنسان بأنه حيوانٌ ناطقٌ، وقال بأنّ النطق ـ الذي يمثل الفصل المنطقي للإنسان ـ يعني إدراك الكليات التي تعبّر عن حقيقة، وتلك الحقيقة هي الفصل الحقيقي للإنسان، أي: نفسه الناطقة وهي خاصةٌ بالإنسان، لأن العلم والإدراك من خصائص الكائنات المجرّدة، والعلم ليس شيئًا آخر غير «حضور المجرّد عند المجرّد». ولكن لا بدّ من الأخذ بنظر الاعتبار أن الإنسان في عالم الخلق ليس مجرّد نفسٍ ناطقةٍ، بل هو مركّبٌ من نفسٍ وجسدٍ، ولكن لا بنحو تركيب جزئين مستقلين عن بعضهما. وبعبارة أخرى: على الرغم من اختلاف النفس والروح في المنزلة والرتبة، إلا أنهما على مستوى الذات حقيقةٌ واحدةٌ، ولهما في عين الوحدة والبساطة درجتان متفاوتتان. تمامًا مثل الشيء الواحد الذي يحتوي على طرفين.
طرفٌ هو الفرع ويكون في حالةٍ متواصلةٍ من التحوّل والتبدّل والفناء، وطرفٌ هو الأصل وهو باقٍ وثابتٌ، ويمثل شخصيّةً وهويّةً واحدةً ترتقي في الأصل والجوهر، وتكون وحدتها الشخصيّة محفوظةً في جميع المراتب. غاية ما هنالك أنّها في كلّ مرتبةٍ تغدو أكملَ، وكلّما تكاملت النفس في وجودها، يكتسب الجسد نقاءً وصفاءً أكبر، ويغدو اتصالُه وارتباطُه بالنفس أوثقَ، ويقوى الاتحاد في ما بينهما حتى يبلغ بهما الأمر عند وصول الإنسان إلى مرتبة الوجود العقلي ويصبح الإنسان عقلًا، سيكون أمرًا واحدًا لا تشوبه أيّ مغايرةٍ أبدًا.
ويذهب ابن سينا إلى الاعتقاد بأنّ النفس جوهرٌ واحدٌ يشكّل حقيقة الإنسان، وهي مصدر مختلف الأفعال التي تصدر عن الإنسان. إن الإنسان جسمٌ طبيعيٌّ يتألف من المادة والصورة، ومادته هو الجسد وصورته هي النفس التي بها يمتاز الإنسان عن سائر الكائنات الحية الأخرى. إنّ النفس مخلوقةٌ وحادثةٌ، بمعنى أنّها لم تكن موجودةً قبل وجود الجسد، وإنها وإن كانت تبقى بعد فناء الجسد، ولكنها لا توجد إلا عند ظهور الجسد. وبعبارةٍ أخرى: إنّ للنفس بدايةً، ولكن لا نهاية لها، والدليل على حدوث النفس أنّها لا تتعيّن إلا بواسطة الجسد. وذلك لأنّ النفس إذا كانت موجودةً قبل وجود الجسد، فالأمر لا يخرج من إحدى حالتين، إما أن تكون متعدّدةً أو تكون واحدةً لجميع الأجسام. في حين أنّ النفس ما دامت مجرّدةً تكون ماهيّةً غير مختصّةٍ بشيءٍ، ولا طريق إلى تعددها، كما أنّ الوحدة لا يمكن القبول بها أيضًا. لأن تمايز الأشخاص عن بعضهم لا يقتصر على أجسامهم فقط، وإنما يعود إلى نفوسهم أيضًا.
إن دراسة الحيثيّة الثنائيّة للإنسان في النصوص الدينية وفي آراء الفلاسفة، تمثل تأكيدًا على غاية هذه الدراسة التي ترمي إلى إثبات أن التقنية لا يمكن أن تمثل رؤيةً حياديّةً تجاه هذا الموضوع. وان السرعة والنمو الناظر الی الوجه الفیزیائئ للانسان والعالم والغفلة عن الوجه المتافیزیقایی لهما یستتبع اخطاء خطیره وان ما یعیشه العالم الیوم هو العبور عن مرحلة الازمة الی مرحلة اخطر منها بمراتب.
قبل الدخول في التعريف بكمال الإنسان في الإطار الديني، نرى من الضروري التأكيد على أنّ الاستناد إلى اللذّة والمتعة في هذه الدنيا إذا لم تلحظ بوصفها الغاية الوحيدة لكمال الإنسان المعاصر، فهي واحدةٌ من الأهداف الأساسية للبشر. يرى المفكر المعاصر جان بودريار أن إنسان ما بعد الحداثة يشبه ساكن الصحراء الذي يتمتع بأفضل الإمكانات والوسائل والأدوات، ويعيش في رفاهٍ كاملٍ ويتقلب في أقصى حدود المتعة واللذة، بيد أنه لا يمتلك غايةً وهدفًا يتجه إليه. وإنما تقتصر غايته وطموحه على الاستفادة الكاملة من هذه المتعة واللذة. ويزعم بودريار أنّ هذا الشخص لا يبدي امتعاضًا أو انزعاجًا من هذه الحالة، لأنّ هذه النقطة هي التي تمثل كمال الإنسان الذي يجب التوقف عنده. وعلى هذا الأساس فإن الحياة دون أن يكون هناك مثالٌ يُطمح إليه ودون أن يكون هناك هدفٌ متعالٍ، أمرٌ ممكنٌ. وعليه يمكن للإنسان في مجتمع ما بعد الحداثة أن يعيش ويموت دون أن يفكر في الأمر المتعالي وما هو فوق الأشياء الأخرى.
(233)وفي معرض تمثيله عن المجتمع المعاصر، يشير بودريار إلى عنصر «اللذة» قائلًا:
«من الآن فصاعدًا لن يكون هناك موضعٌ للرغبة وحتى للذوق والمنحى الخاص، وإنما سنواجه فضولًا عامًا وشاملًا، بمعنى «أخلاق التسلية» أو التكليف بالسعادة والاستفادة القصوى من جميع الإمكانات، للحصول على الاغتباط واللذة».
وقد ذهب جان بوديار إلى أبعد من ذلك، حيث طرح اللذة بوصفها «تكليفًا» للإنسان الغربي المعاصر. لم يعد الأمر وكأنّ اللذة حقٌّ طبيعيٌّ للإنسان، وأمرٌ مسموحٌ له به، بل إنّ الإنسان مكلّفٌ باللذة لكي يحقق ذاته. إنّ الإنسان المستهلِك يرى نفسه ملزمًا بالتلذّذ، واعتبار نفسه بوصفه مؤسسةً للاستمتاع والتلذّذ. وفي الحقيقة فإنّ غاية الكمال والسعادة القصوى التي يمكن تصوّرها للإنسان المعاصر، تكمن في تحقيق اللذة في ما يتعلق بجميع الإمكانات الفعلية أو تفعيل جميع الإمكانات الكامنة بالقوّة. والنقطة الجديرة بالتأمّل في هذا النوع من الرؤية هي أن القيَم في هذا الإطار لا يتمّ اكتشافها ولا نفيها، وإنما يتمّ «خلقها». إن القيَم والواجبات والمحظورات تشكل جزءًا لا يقبل الانفصال عن حياة الإنسان. وعندما لا يعثر الإنسان على غايةٍ وقيمةٍ متعاليةٍ في حياته اليومية، بحيث يغدو راغبًا في اكتشافها والحصول عليها، يعمد إلى خلق هذه القيَم.
وقال فيبر في كتابه (الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية):
«حيث لا يمكن نسبة تحقق التكليف إلى أسمى القيَم المعنوية والثقافية مباشرةً... يعمد الفرد بالتدريج إلى التخلي عن سعيه في تبريرها. وتحل الدوافع المادية محل الدوافع الروحية والصوفية، وتعمل أساليب اللذة في الحياة على إشباع ذاتها بواسطة اللذة».
ولكن هل النصوص الدينية تنشد هذا النهج حقًّا؟ إن الإنسان في الإطار الديني يحتوي على بُعدين وكمالٍ واحدٍ. وإنّ مفهوم «الكمال» يتمّ تفسيره بالالتفات إلى البُعد الحقيقي من الإنسان. ولا شك في ضرورة أخذ بعض المقدمات للوصول إلى الكمال النهائي للإنسان بنظر الاعتبار كي لا نقع في فخ المغالطة والسفسطة. يجب البحث عن الكمال والسعادة الحقيقية ـ لا الوهمية ـ في الآراء المختلفة المطروحة بشأن الإنسان. إن اختلاف الرؤية في خصوص سنخ معرفة الإنسان (وما إذا كان الإنسان كائنًا ذا بُعدين أو ذا بعدٍ واحدٍ)، ووجود الآراء المتعددة في خصوص هذا التحليل الجوهري، أدى إلى توفير الأرضية للتنوّع في النظريات المرتبطة بالكمال والسعادة. وعلى هذا الأساس فإن المذهب القائل بأن الإنسان كائنٌ ماديٌّ، يرى أنّ سعادته رهنٌ بتلبية احتياجاته الماديّة، ومن هنا ذهب البعض إلى القول بأنّ كمال الإنسان يكمن في حصوله على المقدار الأكبر من الملذات المادية، وإن الذي يرى العقل معيارًا للإنسانية، يرى السعادة في ازدهار العقل في طريق المعارف والحقائق الإلهية.
إن المنهج العرفاني يرى الإنسان كائنًا مسجونًا في قفصٍ يحول بينه وبين أصله
(235)وموطنه، ويرى أيضًا أن سعادته تكمن في مقدار استفادته من العشق، وأما تلك الجماعة التي ترى ـ مثل (فريدريك نيتشه) ـ القوّة هي الأساس في البين، فإنها ترى أن الإنسان السعيد هو الإنسان القوي. وأما طبقًا لنظرية الإسلام، فقد تمّ تعريف الإنسان على النحو الآتي: إنه كائنٌ يتمتع بطاقاتٍ مختلفةٍ، ويتألف من روحٍ وجسدٍ، وليس ماديًا بحتًا، وإن حياته الحقيقية والأصلية تعود إلى عالمٍ آخر، وقد خُلق للخلود، وإنّ فكره وعمله وسلوكه وأخلاقيّته هي التي تبلور كيانه الأخروي. وعلى أساس هذه الرؤية، تتحقق سعادة الإنسان من خلال الازدهار المنسجم مع طاقاته والتلبية المناسبة لحاجاته الروحية والجسدية. وفي هذا الشأن يقول العلامة الطباطبائي ما مضمونه: إن سعادة كلّ شيءٍ عبارةٌ عن وصوله إلى خيره الوجودي، وإن سعادة الإنسان ـ الذي هو مركب من روحٍ وجسد ٍـ عبارة عن وصوله إلى خيراته الجسمانية والروحانية، وتنعّمه بتلك الروح التي هي من الله (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)، وإن سعادته رهنٌ بالتقرّب من الله، بمعنى عودته إلى المبدأ الذي نشأ منه.
وقد بيّن المفكر والفيلسوف الإسلامي الكبير صدر المتألهين الشيرازي هذه المسألة ضمن إطارٍ فلسفيٍّ ـ دينيٍّ، ومال إلى الاعتقاد بأن للوجود حركةً وثورةً، وأنّ هذا الأمر ذاتيٌّ في جميع الكائنات الحية وغير الحية في الطبيعة وما وراء الطبيعة. إن العالم الذي نعيش فيه يشتمل على ذاتٍ متحرّكةٍ. وهو في حال تغيّر
(236)وتحوّلٍ مستمرٍّ، أو بعبارةٍ أخرى يحتوي على نظامٍ حركيٍّ لا يعرف الاستقرار. إن جميع كائنات العالم ـ بما في ذلك الجمادات ـ في حالة تحرّكٍ وسيرٍ إلى جهةٍ معيّنةٍ. ولكن ما هي هذه الجهة حقًا؟ وما هو منتهى هذه الحركة؟ يجيب صدر المتألهين عن هذا السؤال بالقول: «إن جميع الحركات الموجودة في العالم لها غايةٌ، وإن هذه الحركات الهادفة ناشئةٌ عن علمٍ وشعورٍ وإدراكٍ كامنٍ في جميع الكائنات. ولذلك فإنّ كلّ واحدٍ من الموجودات في عالم الطبيعة ـ وحتى الجمادات ـ تسير إلى جهةٍ وغايةٍ موجودةٍ في خارجها. وطبقًا للحركة الجوهرية فإن العالم في حركةٍ واحدةٍ وحيويّةٍ لا تعرف السكون والركود».
إن المهم في هذه الرؤية هو تحليل الوجود على أساس رؤيةٍ غائيّةٍ تسير نحو الكمال. وفي الحقيقة فإنّ عالم الطبيعة هو عين الحركة، وإن هذه الحركة ليس لها من غايةٍ سوى الفعلية الكاملة والمتعالية. وليست أجزاء الطبيعة والعالم وحدها، بل جميع الوجود في كافة مراتبه ـ سواءً في حركته الصعودية أو النزولية ـ يتصرّف على نحوٍ هادفٍ. إن غاية الهيولى (المادة الأولى) هي التحول إلى عنصرٍ، وغاية العناصر هي التحوّل إلى مركّباتٍ، وغاية المركّبات هي التحوّل إلى نباتٍ، وغاية النبات في الحيوان، وكمال الحيوان في النفس الناطقة، وكمال النفس الناطقة في التجرّد المحض، وغاية المجرّدات هو التشابه التام مع الله. وعلى هذا الأساس فإنّ الطبيعة تميل دائمًا إلى التعالي من أجل الوصول إلى الله.
إن الإنسان بوصفه آيةً إلهيّةً يُعدّ -طبقًا لمبنى الحكمة المتعالية- الغاية من جميع الحركات في العالم والهدف الغائي من الخلق. ففي الوقت الذي تكون لجميع
الكائنات في عالم الخلق غاية، فإنّما غايتها تأتي في جهة غاية الإنسان. وبعبارةٍ أخرى: إنّ كمال الكائنات يُعدّ مقدمةً لكمال الإنسان. ثم إنّ السعادة لا تنفصل عن الكمال. وإنّ الإنسان إنّما ينال من السعادة بمقدار ما يبلغه من الكمال. إن سعادة الروح تكمن في القرب من الله والوصول إليه، وفي هذه الحالة يكون قد بلغ غاية كماله. بيد أنّ المنهجيّة المنشودة في هذا البحث منهجيّةٌ جديدةٌ في هذا الباب، بحيث نعمد إلى دراسة السعادة والكمال من زاوية تقسيم عوالم الوجود.
لقد قسم الفلاسفة المسلمون عوالمَ الوجود إلى ثلاثة أقسام، وهي:
1. عالم المادة أو الطبيعة.
2. عالم المثال.
3. عالم العقل، وهو عالمٌ مجرّدٌ من المادة وتداعياتها وآثارها.
ومن الناحية الذاتيّة والفعليّة فإنّ عالم المثال مجردٌ من المادة، ولكنّه لا يتجرّد من آثار المادة. وأمّا عالم المادة فهو ماديٌّ ويشتمل على الآثار الماديّة أيضًا.
يرى صدر المتألهين أنّنا كلّما ابتعدنا عن عالم الطبيعة، واقتربنا من عالم العقل، سنكون أكثر سعادةً ونكون قد وصلنا إلى الكمال النهائي. وفي هذه الهندسة الفكرية يُشكل الإنسانُ حلقةَ الوصل بين عالم الأمر والخلق، وحيث يعتبر الإنسان عصارةً لكلا هذين العالمين، فإنه يكون على معرفةٍ وإحاطةٍ جيّدةٍ بقوانين وأسرار وخفايا كلا هذين العالمين. ومن ناحيةٍ أخرى حيث إنّ للعالم بأكمله غايةً، فإن أفضل موجودٍ يمكنه أن يبلغ به إلى المنزل والغاية المنشودة هو الموجود المطلع على قوانينه، وإن جميع هذه الخصائص متوفرةٌ في الإنسان. وإلى
ذلك فإنّ الإنسان ترجمانُ قوس الصعود والنزول في العالم. ومن هذه الناحية يجب اعتبار الإنسان من جهة كونه كائنًا على مستوى عالم الأمر، ومن ناحيةٍ أخرى يجب اعتباره كائنًا على مستوى عالم الخلق، ومن هنا كان خليفة الله بحق.
بعد دراستنا لآراء كلّ من بيكون، وهايدغر، وجان بودريار، وغيرهم من الناشطين في حقل التقنية، توصلنا إلى بعض النقاط البارزة التي يجب التعرّض إليها باختصار. إن الحقيقة هي أن التقنية يراد توظيفها في حياة الإنسان في هذا العالم، وهي تشتمل على ذاتٍ آليّةٍ. وفي الحقيقة فإنّ التقنية وتقنية المعلومات تحظى بماهيّةٍ فيزيقيّةٍ، لا يتجاوز شعاع نشاطها أبعد من ذلك، ولا يتوقع منها أكثر من ذلك. والحقيقة هي أنّ الاهتمام بحاجة الإنسان في الحقل الفيزيقي، يعدّ اهتمامًا بجانبٍ هامٍّ من الاحتياجات الحقيقيّة للإنسان، ولا أحد يُنكر ذلك. بيد أنّ التركيز البحت على هذا الجانب قد أدّى إلى حذف ـ أو في الحدّ الأدنى تجاهل ـ الجانب الأصلي من الاحتياجات في الحقل الميتافيزيقي. والحقيقة أنّه قد تمّ الاهتمام بهذه المسألة من زاوية الرؤية الدينيّة أيضًا، ويمكن لنا بواسطة رؤيةٍ إجماليّةٍ إلى كلّ واحدةٍ من أنشطتنا ورغباتنا أن ندرك بوضوح أنّ الدافع والعامل الرئيس لنا في القيام بالأعمال أو الابتعاد عن بعض الأمور يعود إلى تحصيل اللذة أو تجنّب الألم. وهذه المسألة في ما يتعلق بالملذات الحسيّة واضحةٌ تمامًا.
أما المسألة الأساسيّة فهي أنّ النصوص الدينيّة ـ وكذلك الفلاسفة المسلمون ـ ترى أنّ الحقيقة الحقّة في الحقل الأنثروبولوجي هو البُعد الميتافيزيقي من الإنسان،
حيث تشكلُ دراسة مسألة السعادة والكمال الجانب الأهم في هذا البُعد. إن الاهتمام بالحياة السعيدة من أهم البرامج الدينية، والسؤال المطروح في هذا الشأن يقول: ما هي السعادة المنشودة في التعاليم الدينية؟ وعلى الرغم من أن هذه الدراسة لا تُعنى بالإجابة عن هذا السؤال، ولكننا نتعرّض إليه على نحو الإجمال فنقول بأنّ السعادة والكمال النهائي للإنسان يُبحث فيها من خلال تظهير وإبراز «القرب الإلهي»، حيث إن سعادة وكمال الإنسان في المنظور الديني إنما يمكن تفسيرهما في إطار الالتفات إلى الغاية النهائية من الخلق، ألا وهي القرب الإلهي. إنّ النقطة الرئيسة التي يكمن فيها لبّ هذه الدراسة، هي أنّ هذه الغاية النهائية إنما تتحقق من خلال التأكيد على النقاط البديهية الآتية:
1. التأكيد على أنّ الإنسان كائنٌ ذو بعدين.
2. إنّ أصالة الإنسان وجميع حيثياته تكمن في بُعده الميتافيزيقي.
3. إنّ كمال وسعادة الإنسان المتمثلين بالقرب الإلهي إنما يتحققان في إطار القول بالفِقرتين أعلاه، لا على أساس التضحية بهما تحت ذريعة الحياة السعيدة.
إن حذف وإلغاء العناصر الأساسية في حقل الأنثروبولوجيا لا يؤدي إلى عدم تحقق مقدمات السعادة والكمال للإنسان فحسب، بل إن السعادة الإنسانية إنما تحصل إذا اهتم الإنسان بإيجاد الرفاه من خلال توظيف جميع طاقاته وإمكاناته الفيزيقية والميتافيزيقية. واليوم حتى فلاسفة التقنية يعمدون إلى انتقاد الاستخدام المفرط للتقنية، ويمكن القول بكلّ جرأةٍ أنّه ليس هناك من يدعو إلى الاستفادة
من التقنية بشكلٍ مطلقٍ ومنفلتٍ، إذ تجلى لجميع الناس الكثير من الشواهد الدالة على عدم نجاح الحياة القائمة على التقنية، وأن ذلك الادعاء الأول القائل بأن الشرارات الأولى لذلك قد انقدحت في عصر (فرانسيس بيكون)، أخذ يواجه بالتردّد والتشكيك. وفي الحقيقة فإنّ التقنية المقبولة هي التقنية الناظرة إلى السعادة والكمال الحقيقي للإنسان.
الأمر الآخر يكمن في السؤال القائل: هل يمكن للتقنية في الأساس أن تكون ناظرةً إلى السعادة والكمال الديني الحقيقي؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال بشكلٍ إيجابيٍّ، يجب أن نجيب عنه بشكلٍ سلبيٍّ ونقول: هل التقنية التي لا تكون في خدمة البُعد الميتافيزيقي للإنسان ولا تعمل على تحصيل مقدمات سعادته وكماله أو لا تكون بصدد تحقيق هذه المسائل في الحد الأدنى، تستحق الاهتمام؟ وكما سبق أن ذكرنا فإنّ كاتب المقال ليس بصدد تجاهل الاحتياجات في الحقل الفيزيقي (الاحتياجات الجسديّة) للإنسان، بيد أنّ نتيجة التقنية التي تؤدي إلى إلغاء أو تجاهل العناصر الميتافيزيقية من الحقل الإنثروبولوجي بدورها مرفوضة قطعًا. والغاية الأخيرة والنهائية من هذه الدراسة هي الاهتمام بهذه الفقرة.
أما الجواب الإيجابي عن هذا السؤال فهو أن الإنسان الغربي بعد العصور الوسطى حيث خرج لتوّه من جور سياط الجمود والركود الذي فرضه عليه رجال الكنيسة، كان يرى من واجبه مواجهة كلّ ما يحمل بصمةً ميتافيزيقيّةً. إنّ الإنسان الحداثوي وما بعد الحداثوي من خلال التأسي بهذا المفهوم الخاطئ للعصور الوسطى، سعى إلى إظهار هذه المسألة، ألا وهي «مسألة رفاه وسعادة الإنسان في هذا العالم رهنٌ بإلغاء العناصر الميتافيزيقيّة في حقل الأنثروبولوجيا»،
(241)بوصفها مسألةً عامّةً وعالميّةً. يذهب كاتب هذه السطور إلى الاعتقاد بأنّ مسار الاكتشافات والاختراعات المرتبطة بالتقنية لو تحقق على يد الصالحين من المطلعين على البُعدين اللذين يتألف منهما الإنسان والعالم، وكانوا يتمتعون بالدوافع الإلهية ـ كما كان هذا هو حال العلماء في عصر الأئمة الأطهار عليهمالسلام ـ لما شهد العالم المعاصر جميع هذه المصائب الناشئة عن التقنية. إن القيود التي تكبل الإنسان المعاصر ناشئةٌ من اعتبار التقنية خطأ هي الغاية (بمعنى الراحة بمعزل عن الطمأنينة)، والاستفادة من المنهج التجريبي البحت، والأهم من ذلك كله عدم العلم بالمساحة الميتافيزيقية، أو الغفلة عنها وتجاهلها عند اتخاذ القرارات من قبل المختصين في الشأن التكنولوجي. يُعد تجنّب ميتافيزيقيا العصور الوسطى في إبداع أيّ نوعٍ من التقنية هو الأصل الأول، الذي شغل كلّ اهتمام القائمين على صناعة التكنولوجيا وتقنية المعلومات، وربما لا يمكن لنا أن نتصوّر أيّ غايةٍ غير هذه الغاية للتقنية. وإن كلّ ما نرومه في هذه الدراسة هو التأكيد على هذه النقطة وهي أن التقنية يجب أن تكون على صلةٍ وثيقةٍ بالميتافيزيقا والأنثروبولوجيا، ومن دون أخذ هذه المسألة بنظر الاعتبار، لن يكون الرخاء والرفاه الإنساني سوى سرابٍ.
من خلال دراسة التعاليم الواردة في حقل الأنثروبولوجيا الدينية، والاهتمام بالأفكار الفلسفية للفلاسفة المسلمين حول حقيقة الإنسان، والسعادة والكمال النهائي من جهة، ودراسة ذات وحقيقة التقنية الراهنة بوصفها أداةً غايتها تحقيق الرفاه في هذه الدنيا، ويكمن فخرها في السرعة العرضية، والتخريب والتعرّض،
(242)
يمكن لنا أن نصل إلى هذه النتيجة وهي أن هذا الاتجاه والغاية ما دامت هي المترتبة على التقنية، لن يكون هناك أدنى أمل بتحقيق السعادة والكمال الحقيقي. ومن هذه الناحية لا يمكن تصوّر ارتباطٍ ماهويٍّ أو سنخيّةٍ حقيقيّةٍ بين التقنية وحقيقة الإنسان. من قبيل:
1. إن ذات التكنولوجيا والتقنية الموجودة آليةٌ، والحدّ الأقصى الذي تستطيعه هو استيعابها للحيثية الفيزيقيّة للإنسان، وهي عاجزةٌ عن الخوض في البعد الروحاني للإنسان والطبيعة.
2. إن ذات التقنية ستؤدي إلى قطع الارتباط بين البُعد الفيزيقي والبُعد الميتافيزيقي.
3. حيث إن السعادة والكمال النهائي للإنسان أمرٌ ميتافيزيقيٌّ، فإن التقنية بحقيقتها الآلية لا يمكنها أن تبدي اهتمامًا كبيرًا بهذه الأمور.
آندرو فينبيرغ
اِستجابت دراسات العلم والتقنية في السنوات الأخيرة إلى ظهور المشاركة العامة في تحديد السياسة التكنولوجية، واقتربت أكثر من دائرة اهتمام النظرية النقدية حول التقنية. ما زالت النظرية النقدية حول التقنية تتميّزُ عن أغلب مساهمات دراسات العلم والتقنية، وذلك عبر تأكيدها على مواضيع محدّدةٍ مستقاةٍ من مدرسة فرانكفورت، خصوصًا نقد العقلانيّة في الثقافة المعاصرة. وعليه، فإنّها تمدّ جسور الصلة بين هذه الدراسات والنقد الاجتماعي الذي غالبًا ما تمّ التغافل عنه. وعليه، كما لا يمكن اعتبار النظرية النقدية بديلًا عن دراسات العلم والتقنية، فهي دعوةٌ لانفتاح هذه الدراسات على نطاقٍ واسعٍ من النظريات الفلسفيّة والاجتماعية حول الحداثة.
(247)سوف نقومُ أولًا بتصوير العلاقة بين النظرية النقدية حول التقنية وبعضٍ من أبرز العلماء والإبداعات المنهجية في ميدان دراسات العلم والتقنية. بعد ذلك، سوف نَشرعُ في توضيح التحفّظات المهمة المتعلقة بمفهوم التناغم الذي كان تاريخيًا موضع اهتمامٍ رئيسيٍّ في دراسات العلم والتقنية. بعدها، سوف ننطلقُ في تفسير المفاهيم الرئيسية والطرق التي تتبّعها النظرية النقدية حول التقنية ونناقش تداعياتها السياسية. أمّا في الختام، فسوف نُظهر كيف تُحلِّل النظرية إحدى الحالات الدراسية المثيرة للاهتمام في ميدان دراسات العلم والتقنية.
قبل أن تندرج دراسات العلم والتقنية بشكلٍ رسميٍّ في مجال البحث العلمي، نُسبت الدراسة الاجتماعية للتقنية إلى الماركسية والبراغماتية وفلسفة الظواهر وفقًا لهايدغر ونظريات الحداثة المختلفة، وقد تولّت هذه النظريات الواسعة والتخمينية في أغلب الأحيان استكشافَ العلاقة بين التقنية والمجتمع. سعت هذه النظريات لفهم الميزة الخاصة بالحداثة على ضوء الثورات العلميّة والتكنولوجية والانطلاق بناءً على ذلك في تفسير المساوئ الكثيرة للحداثة خصوصًا تراجُع الفاعلية البشرية في مجتمعٍ أصبح ذا سمةٍ تكنولوجيّةٍ. أضحت المواضيع مألوفةً الآن: التكنوقراطية، استبداد الخبرة، إبدال الحكمة بالمعرفة والمعرفة بالمعلومات، النظر إلى الكائن البشري والمجتمع كمنظوماتٍ وظيفيّةٍ معقَّدةٍ، خلّو الحياة المعاصرة من المعنى، زوال الإنسان، وما إلى ذلك. أما التقنية، فإنّها تضيعُ بحدّ ذاتها في أوساط هذه المخاوف الكثيرة.
نجحت دراساتُ العلم والتقنية بشكلٍ كبيرٍ في إقصاء هذه المقاربات المتنافسة، ووضع دراسة الحالات الإفرادية للتكنولوجيات الفعلية مكانها. في يومنا الحالي،
(248)يستندُ القليلون فقط إلى مامفورد أو ديوي أو هايدغر أو ماركوزه لنيل المعرفة المعمّقة بالتقنية. ولكن حينما وجّهت دراسات العلم والتقنية اهتمامها إلى دراسة الحالات الإفرادية باستخدام مناهجَ متجذِّرةٍ في الأنماط الفكرية الأخرى، أصبحت تُركِّز بوتيرةٍ أقلّ وبطموحٍ أخفَّ على المخاوف الاجتماعية والسياسية الأعم. تهتمُّ هذه المقالة بشكلٍ خاصٍّ بتضاؤل التأكيد على اهتمام منظِّري الحداثة بالتناقض بين الفاعلية السياسية والعقلانيّة التكنوقراطيّة.
يعودُ هذا الامتناع عن الدخول في الميدان السياسي إلى ما أطلق عليه وايبي بيجكر «الانعطاف نحو الأكاديمية» الذي اعتُبر ضروريًا من أجل إرساء دراسات العلم التكنولوجي كعلمٍ اجتماعيٍّ. بالطبع، لم يسلك الجميع الانعطاف الشهير ولكنّ الميدان امتاز بالامتناع عن الجدال السياسي ما شكّل متاعبَ لمناصري الفكر النقدي السابق. تكلّم لانغدون وِنير بالنيابة عنهم في مقالةٍ تحت عنوانٍ مهم: «الصندوق الأسود الفارغ: البنّائية الاجتماعية وفلسفة التقنية». أما أنا، فقد قدّمتُ ردًّا مختلفًا عبر مراجعة النظرية النقدية بُغية استيعاب المبتكرات المنهجية لدراسات العلم التكنولوجي. بدلًا من دعوة
(249)هذه الدراسات لتبنّي الروح النقدية، تبنّيتُ مناهضة كلٍّ من الحتمية والوضعية في دراسات العلم التكنولوجي من أجل دعم النظرية النقدية للتقنية.
اتّسعت دائرة اهتمام دراسات العلم التكنولوجي بالتزامن مع تسبُّب الجدالات المنتشرة حول العناية الطبية والشبكة العنكبوتية والبيئة بإدخال التقنية في العديد من الأبعاد المختلفة للحياة السياسية المعاصرة. وعليه، أصبحت دراسات العلم التكنولوجي سياسيةً ولكنّها تمتلك أحيانًا مفهومًا غير مُقنعٍ عن السياسة. أثّرت نظرية شبكة الفواعل وجهود شيلا جاسانوف وبراين واين وكثيرون غيرهم بشكلٍ كبيرٍ على محاولات دراسات العلم والتقنية الرامية إلى فهم سياسة التقنية. تتحدّى الدراساتُ عن المنتديات المختلطة والإنتاج المشترَك الفهم الضيّق للديمقراطية السائد في الفلسفة والنظرية السياسية، وقد أدرك بعض الباحثين في مجال دراسات العلم والتقنية المقاربات المسيَّسة للغاية التي يُفضِّلها العالم النامي خصوصًا أمريكا اللاتينية. ولكن كيف يُمكن للإنجازات
(250)السابقة لدراسات العلم والتقنية -التي تظهر في العديد من الدراسات الباهرة- أن تُحفظ في إطار التحقيقات المشحونة سياسيًا حول القضايا الجدلية؟ يُثيرُ هذا الأمر إشكالاتٍ لأسبابٍ متجذِّرةٍ في دراسات العلم والتقنية، وسوف نطرح وسيلةً لحلّ تلك الإشكالات في هذه المقالة.
تستندُ النظرية النقدية للتقنية على دراسات العلم والتقنية في وضع القضايا ضمن إطار نقد مدرسة فرانكفورت للحداثة. أقدم الماركسيون الألمان في سنوات العشرينيات والثلاثينيات على تطوير النظرية النقدية، وكان أشهرهم ماكس هوركهايمر، ثيودور أدورنو، هربرت ماركوزي، ووالتر بنجامين. تأثّر هؤلاء بجورج لوكاكس الذي يصفُ مفهومه عن «التشيُّؤ» اختزالَ العلاقات الاجتماعية المعقَّدة والديناميكية في تفاعلاتٍ بين الأشياء (الاجتماعية) هي محكومة ظاهريًا بالقانون. يحتجّ لوكاكس بأنّ التشيُّؤ يُصوِّر أعضاء المجتمع كأفرادٍ معزولين، وهكذا لا يستطيعون تغيير قوانين الحياة الاجتماعية، بل استخدامها فقط كقاعدةٍ للتلاعبات التقنية. تقدّمت مدرسة فرانكفورت على هذا المسار النقدي، وأزالت الغموض عن المؤسسات التشيُّئيّة، وفتحت المجال أمام احتمالاتٍ نقديّةٍ يحول دونها اللجوء المغرض إلى القوانين الاجتماعية والاقتصادية. منذ الأربعينيات فصاعدًا، تنامى تركيز أعضاء مدرسة فرانكفورت على انهيار كُلٍّ من الثقافة البرجوازية والحركة الشعبية في وجه الثقافة الجماهيرية والفاشية.
(251)أدخلت الأيديولوجية الليبرالية السائدة التي صبغت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية الادّعاءات التكنوقراطية إلى واجهة الخطاب العام. وتمّ تبرير الترتيبات الاجتماعية بالاستناد إلى طابعها العقلائي بينما رُفضت المعارضة باعتبارها سخافةً عاطفيّةً. اكتسب ماركوزي شهرةً في الستينيات بعد أن نال هجومه على الليبرالية نجاحًا شعبيًا، وقد أثّر كتابه الصادر عام 1964 «الإنسان ذو البعد الواحد» بشكلٍ كبيرٍ على اليسار الجديد. تطابق نقده للمجتمع الأميركي كمنظومةٍ مندمجةٍ للغاية يحكمها «المنطق التكنولوجي» مع اهتمامات الشباب في العالم الرأسمالي المتقدِّم. لم تُدرس التفاصيل التقنية لنظريّة ماركوزي حول التقنية بشكلٍ واسعٍ أو تُفهم آنذاك، ولكنّها تحظى اليوم بأهميّةٍ مفاجئةٍ. لم يقتصر ماركوزي على الادّعاء بأنّ القوى الاجتماعيّة الرأسماليّة هي التي صاغت التقنية وسيطرت على تشكيلها، بل احتجّ أيضًا على إمكانية وقوع التغيّر التكنولوجي التقدُّمي تحت تأثير القوى الاجتماعية الأكثر إنسانيةً.
أدّى مفهوم ماركوزي عن «المنطق التكنولوجي» كأيديولوجيةٍ مانحةٍ للشرعيّة إلى تطوير المفاهيم الماركسية التي سبقتْ منطق السوق. تبدو الحياة الاجتماعية في زمننا الحالي بشكلٍ متنامٍ غير معتمِدةٍ على العلم والتقنية فقط، بل تعكسُ أيضًا العمليات العلمية والتقنية. يُقال بأنّ الفاعلية منطقيّةٌ وتستحق الاحترام في جميع ميادين الحياة الاجتماعية. وعليه، يؤدّي المنطق دور المبرِّر للكثير من أنواع التغيير الاجتماعي. يستمدّ «شعار الفاعلية» القوة من هذه
(252)الصلة على الرغم من أنّ لديه نتائج كارثيّة على بعض المتأثرين. تُنتزع أسلحة هذا النقد حتّى قبل نهوضه إذ تُوجّه إليه التهمة الشاملة باللاعقلانيّة، فمن يجرؤ على التشكيك بشموليّة العلم وحياديّته ومساهمته المستمرة؟ وعليه، يَسهلُ عدم الاكتراث بـ«اللاعقلانيّين الرومنسيِّين» نظرًا إلى النجاح الساحق للعلم والتقنية المعاصِرَيْن.
يُلخِّص نموذج ماركوزي عن النظرية النقدية المضمونَ الجوهري الوارد في مفهوم لوكاكس حول التشيُّؤ، أي المفهوم الذي يُفيدُ بأنّ الرأسمالية تفرضُ ثقافةً عقليّةً تمنحُ الامتياز للتلاعب التقنيّ على جميع الصلات الأخرى بالحقيقة. تحصرُ هذه الثقافة الفهمَ والحياة البشرية ليتطابقا مع لوازم المنظومة الاقتصاديّة وبالتالي تُحدِّد الرأسماليّة هيئة التفاعل والتجربة الاجتماعية. يدّعي ماركوزي أنّه «حينما يتّخذ العلم التطبيقي الشكل العام للإنتاج المادي فإنّه يُطوِّقُ ثقافةً برمّتها ويُقدِّم شموليةً تاريخيّةً، أي «عالماً»».
اتّباعًا لهذه المقاربة، تُحدِّد النظرية النقدية للتقنية التحيُّز الضمنيّ الوارد في الحلول «الفعّالة» للمشاكل الاجتماعية والتقنية، ولكنّها تختلفُ بشكلٍ كبيرٍ عن المؤلّفات السابقة لماركوزي ولوكاكس. تتمثّلُ النقلة الكبرى للنظرية النقدية للتقنية في الاستناد إلى الافتراضات الأساسية لدراسات العلم والتقنية لدى الإسهاب حول الموضوعات التي تتناولها الأنماط السابقة.
كالمنظّرين حول الحداثة، اعترضت دراسات العلم والتقنية على الأيديولوجيا
(253)التكنوقراطيّة، ولكنّها لم تتبنّ النقد الفلسفي الشامل. تبنّى منهج دراسة الحالة الأدلة التجريبية لهدم الافتراضات الوضعيّة والحتميّة التي تُشكِّل أساس الاحتفاء الليبرالي بالمجتمع العقلائي. تتمثّلُ الافتراضات الرئيسيّة البديلة التي يُقدّمها الفكر الاجتماعي البنّائي بالفاعِلين، التحديد الناقص، المرونة التحليلية، والإتمام. على الرغم من أنّها طُرحت بُغية تفسير حالاتٍ محدّدةٍ إلا أنّ هذه الافتراضات تستطيعُ تقديمَ الدعم للنقد الموجّه إلى التعبئة الأيديولوجية لمفهوم العقلانية. تضمُّ النظريّة النقديّة للتقنية هذه الافتراضات بالإضافة إلى مفاهيم البرمجة والتفويض والإنتاج المشتَرك التي تُستخرج من نظرية شبكة الفواعل. مع ذلك، تستفهمُ النظرية النقدية للتقنية عن أكثر الاستنتاجات تطرُّفًا التي يُقدّمها المنظّرون في مجال دراسات العلم والتقنية كالتعامل المتناغم مع أصحاب النقاش في الجدليات التكنولوجية والتناغم بين البشر وغير البشر. سوف تُفصِّل الأقسام التالية: متى تعتمدُ النظرية النقدية للتقنية على نظريات دراسات العلم والتقنية ومناهجها ومتى تنفصلُ عنها؟
تطبيقُ مناهج البنّائية الاجتماعية على تكنولوجياتٍ محدَّدةٍ هو أمرٌ مُثمرٌ ويمنع الرجوع الأيديولوجي إلى تبريراتٍ شبه عقلانيّةٍ، وذلك عبر إظهار تدخُّل العوامل الاجتماعية في القرارات التي تؤدّي إلى «الإتمام» أو النجاح في إنجاز تصميمٍ معيّنٍ. يحتجُّ هذا النمط من البنّائية الاجتماعية على أنّ فهم المشاكل التقنية يعتمدُ على تفسير المجموعات الاجتماعية أو «الفاعلين». غالبًا ما تتضمّن
(254)المراحل الأولى من تطوُّر الأداة تعدُّديةً في الفاعلين مع تفسيراتٍ مختلفةٍ عن طبيعة المشكلة التي ينبغي حلُّها. قد تنسبُ مجموعاتٌ اجتماعيةٌ مختلفةٌ أهدافًا متباينةً إلى أدواتٍ متشابهةٍ أساسًا من المنظور التقني، وتنشأ القرارات حول التصميم من هذه التعيينات.
أحد أكثر الأمثلة المذكورة في هذه المقاربة هو المثال الذي يُقدِّمه تريفور بينش ووايبي بيجكر عن التاريخ المبكِّر للدراجة الهوائية. يُقدِّم الباحثان نوعين متنافسَيْن من الدراجات الهوائية في الأيام الأولى لتصميم الدراجات: الدراجة السريعة ذات العجلة الأمامية الكبيرة والعجلة الخلفية الصغيرة، والدراجة الأقل سُرعةً مع عجلتين بالحجم نفسه. في يومنا الحالي، تبدو الدراجات من النوع الأول أسلافًا بدائيّةً بالنسبة للدراجات التي نركبها حاليًا، ولكن هذا التصميم كان يُناسب في وقته مجموعةً محدّدةً من المستخدِمين. يقترحُ بينش وبيجكر معالجةً «متناغمةً» للتصميمَيْن الرئيسيَّيْن تأخذ بعين الاعتبار معناهما الاجتماعي المعاصر بدلًا من النظر إليهما على ضوء ترتيبٍ زمنيٍ متخيَّلٍ.
طُرح «مبدأ التناغم» بشكلٍ أوليٍّ لتوجيه دراسة الجدل العلمي إلى معالجةٍ عادلةٍ لكلٍّ من الرابحين والخاسرين. وعليه، اقتضى الأمر رفض الإسناد المعهود للمنطق الأعلى إلى الرابح وبدلًا من ذلك تقييم الغايات المختلطة والافتراضات المريبة الواردة في جميع جهات الجدلية. اقتضى «مبدأ التناغم» البنّائي في تطبيقه على التقنية نظرةً متوازنةً تجاه التصميمات المتنوّعة المتنافسة منذ البداية والتي لم يكن أيٌّ منها أفضل في نظر المعاصرين.
لقيت تصميماتُ الدراجات الهوائية التي درسها بينش وبيجكر استحسانَ
(255)فاعلين مُختلفين، فالدراجات ذات العجلات الأمامية العالية نالت إعجاب الشباب الذين يحبّون التسابق، بينما فضّل العوام الذين يستخدمون الدراجات كوسيلةٍ للتنقُّل التصميم العادي. كانت معظم قطع الدراجتين متشابهة وبدا التصميمان كدراجةٍ هوائيّة ولكنّهما كانا في الواقع تكنولوجيتين مختلفتين فُهمتا بطريقةٍ متفاوتةٍ من قِبل الفئات الاجتماعيّة المختلفة. في النهاية، ومن خلال التجديد، ساد النموذج الآمن. لم يكن نجاحه عائدًا إلى أفضليّةٍ تقنيةٍ مُطلقةٍ بل إلى تطوُّراتٍ تاريخيّةٍ طارئةٍ.
حُدّدت النتيجة عبر اعتباراتٍ تقنيةٍ محضةٍ ولا يُمكن فهمها إلا بالالتفات إلى جهود الفاعلين للتحكُّم بعملية التصميم. يفتحُ التحديد التقني للأشياء مجالًا للاختيار الاجتماعي بين تصاميم مختلفةٍ تملكُ وظائف متداخلة، ولكنّها تخدم إحدى الاهتمامات الاجتماعيّة بشكلٍ أفضل. تختصُّ هذه «المرونة التحليليّة» للأشياء ببُعدٍ تفسيريٍ تمّ التغاضي عنه في التفاسير الآليّة المعهودة.
على حدِّ تعبير بينش وبيجكر، فإنّ «التحليلات المختلفة للفئات الاجتماعية حول جوهر الأشياء تؤدّي -عبر سلسلاتٍ متباينةٍ من الإشكالات والحلول- إلى المزيد من التطوّرات المختلفة...». تدورُ نقطتهم الرئيسية حول تأثير البعد الاجتماعي على «جوهر الشيء» بحدّ ذاته لا فقط على العوامل الخارجية كسرعة التنمية أو التوضيب أو الاستعمال. هذا يعني أنّ الإطار ليس أمرًا خارجيًا عن التقنية فحسب بل يخترقُ منطقها بالفعل ويُدخِل المقتضيات الاجتماعية في آلية
(256)الأداة. وعليه، فإنّ «المجتمع العقلاني» ليس «الطريق الفضلى الوحيدة» بل يتوقّف على القيم والمصالح.
يُمكن لهذه الحجة أن تدعم الرواية الماركسية حول تطوّر التقنية الرأسمالية في مقابل الحجج الحتمية لتكنوقراطية ما بعد الحرب. في الواقع، يُمكن ملاحظة شبهٍ مع مقاربة بينش وبيجكر وذلك في مؤّلفات مؤرّخي التكنولوجيا الماركسيين من أمثال هاري برايفرمان وديفيد نوبل. أكّدت مدرسة فرانكفورت على الطبيعة الرأسمالية للتقنية على أساس المصادر الواردة نفسها في مؤلفات ماركس التي أثّرت على هؤلاء الباحثين. على سبيل المثال، يكتبُ أدورنو:
«التقنية ليست كارثيةً ولكنّ تشابكها مع الظروف الاجتماعية التي تُكبِّلها هو الكارثي...الاهتمام بفوائد الأرباح والهيمنة قد حرّكا مسار التطوُّر التقني فأصبح الآن متطابقًا بشكلٍ فتّاكٍ مع مُستلزمات التحكُّم. لم يُصبح ابتكار وسائل الدمار بالصدفة نموذجًا للنوعية الجديدة من التقنية. في المقابل، ذبلت إمكانياتها التي تحيدُ عن الهيمنة والمركزية والعنف ضدّ الطبيعة والتي تُتيح إصلاح معظم الخراب الذي تسبّبت التقنية به فعليًا ومجازيًا».
تُوفِّرُ هذه الحجج جسرًا محتملًا بين الماركسيّة والبنّائية. كالبنّائيين، ينسبُ أدورنو تصميم التقنية إلى الفاعلين الذين يُسيطرون على عملية التصميم. أمّا غيره من الباحثين -كأولئك المذكورين في أعمال برونو لاتور- فإنّهم يُعارضون هذه المقاربة لأنّها تُضفي الإطلاق على المجتمع في الوقت نفسه الذي تجعل فيه
(257)التقنية نسبية. تسعى نظرية شبكة الفواعل وفق صياغة لاتور إلى فصْل البنّائية عمّا يعتبره تأكيدًا مفرطًا على النية البشرية. ومن أجل تسليط الضوء على الطبقات الماديّة في الشبكة، تبسطُ نظرية شبكة الفواعل الحجّة البنّائية لتشمل الأشياء المدرَجة في الشبكات التقنية وتحتجُّ لصالح «تناغمٍ» مفهوميٍّ ووظيفيٍّ «بين البشر وغير البشر» يختلفُ عن النموذج الاجتماعي البنّائي للتناغم. يتحقّقُ التناغم في نظرية شبكة الفواعل من خلال طمس الاختلاف بين الأفعال التفسيريّة والمتعمّدة للبشر من جهةٍ والقوى السببيّة للأشياء من جهةٍ أخرى، فيُمنح الاثنان المصطلح الحيادي المتمثِّل بـ«الفاعلية». يرتبطُ الناس والأشخاص معًا في الشبكات ويُمارسون التأثير على الشبكات التي ينتمون إليها. يُؤدِّي مفهومُ «البرنامج» في نظرية شبكة الفواعل دور المفهوم البنّائي حول التفسير ولكن بشرط امتلاك الأشياء للبرامج أيضًا بمعنى أن تلعب دورًا في حياة الشبكة.
تقومُ هذه المقاربة بتفادي الذاتية والنسبية اللَّتين تُنسبان أحيانًا إلى البنّائية الاجتماعية، ولكنّها تفعل ذلك بطريقةٍ غريبةٍ حيث لا تُعيد تقديم الخصائص الموضوعيّة للأشياء المحدَّدة بالبحث العلمي، بل تصفُ أدوارها في الشبكات التي تنتمي إليها. يُجرِّدُ الاختزال الشبيه بهذا البشرَ من جوهرهم ومبادرتهم. ينبغي أن يُفهم البشر والأشياء كفاعلين أساسًا في الشبكات لا كموضوع ومحمول. إذًا، يُفسَّر الفصل بين الموضوع والمحمول والمعنى والسببية كعمليّةٍ إبستمولوجيّةٍ محظورةٍ تختصُّ بالحداثة ويُسمّيها لاتور «التطهير». هذه العملية
(258)المتأخرة تحجبُ الأهمية التأسيسيّة للحقائق الاجتماعيّة-التقنية الهجينة للشبكات.
بناءً على ذلك، تفترضُ نظرية شبكة الفواعل وجود الهجائن قبل أجزائها. ويُنبّه مفهومها حول «البناء المشتَرك» أو «الإنتاج المشتَرك» إلى الاعتماد المتبادل بين الفاعلين الإنسانيين والعالَم التقني الذي يُحيطُ بهم. لا يتشكّل الفواعل فقط عبر الروابط الاجتماعية المحضة، ولكنّهم يتكتّلون حول التكنولوجيات التي تدعم التفاعل بين الأعضاء. لا ينبغي منح الأفضليّة للفاعليّة البشريّة على الفاعليّة الشيئيّة. هذه الجدلية -كتلك التي تُقدّمها البنّائية الاجتماعية- تُخرّب الثقة البسيطة بالطابع «المنطقي» المحض للعالم التقنيّ، والذي يظهر الآن على أنّه مسرحٌ ينشط فيه العديد من أصناف الفاعلين على ضوء تشكيلةٍ من «البرامج» المختلفة.
تستندُ النظرية النقدية للتقنية على البنّائية الاجتماعية لتقديم بديلٍ عن الحتميّة التكنولوجية، وعلى نظرية شبكة الفواعل لفهم شبكات الأفراد والأشياء. تُؤكِّدُ المقاربة البنّائية على دور التفسير في تطوير التكنولوجيات، وتستكشفُ نظرية شبكة الفواعل انعكاسات الشبكات التقنية على الهويّات والعوالم. تنسجمُ هذه المفاهيم مع النقد المبكِّر لمدرسة فرانكفورت الموجَّه ضدّ العقلانية الخالية من الإطار، والذي يُقدِّم خلفيّةً لمفهوم تحيُّز التقنية في النظرية النقدية للتقنية. وعليه، تُجسِّد النظرية النقدية للتقنية مقاربة مدرسة فرانكفورت عبر تطبيق مناهج دراسات العلم والتقنية.
(259)حدود التناغم
أثمرت مناهج البحث البنّائية في دراسات العلم والتقنية، فقد طرحت أفكارًا جديدةً حول التصميم التكنولوجي وعلاقة الشعوب بالوساطات التقنية التي تربط أعضاءها معًا. هذا تقدّمٌ مهمٌ على النظريات الاجتماعيّة والسياسيّة المعهودة المتجرّدة عن البعد التكنولوجي كليًا أو التي تُبالغُ في تقديره بشكلٍ حتميٍّ. مع ذلك، فإنّ الخطوات الأخرى -غير النقد والمنهجية- الرامية إلى تأسيس إبستمولوجيا نسبيّةٍ وشبكةٍ أنطولوجيّةٍ جديدةٍ هي أقلّ إقناعًا. تبرزُ الإشكاليات في المحاولات الرامية إلى تعميم دراسات العلم والتقنية كنظريةٍ سياسيةٍ تامةٍ. كما شهدنا، فإنّ مبدأيّ التناغم يستلزمان اتّباع المناهج والشروط نفسها لدى معالجة أطراف النزاع ومسألة البشر وغير البشر. يملكُ هذان المبدآن دلالاتٍ سياسيّةٍ متعارضةٍ، فمن ناحيةٍ، يُضعّفان سلطة التكنوقراطية وينحتان مكانًا للمبادرات الديمقراطية في الميدان التقنيّ، ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّهما يُصعِّبان فهم طبيعة الصراع الاجتماعي في بيئةٍ غير متجانسةٍ كالمجتمع الرأسمالي الحديث.
يُثبت المبدأ البنّائي حول التناغم فاعليته في منح القيمة لمساهمات الأفراد العاديِّين في إعادة تصميم التكنولوجيات الفاسدة أو التي تكونُ محدودةً بشكلٍ غير ضروريٍّ. أحيانًا، يتغاضى الخبراء المرتبطون بالمصالح والتقاليد عن الإشكاليات والاحتمالات التي تظهر حينما تنتشر منتوجاتهم بشكلٍ واسعٍ. تنبني قضيّة حماية البيئة بشكلٍ كبيرٍ على حساسيّة المستخدمين والمتأثرين تجاه مستويات التلوُّث التي تُعَدُّ مقبولةً بادئ الأمر من قِبل القطاع التجاري والكوادر المتخصّصة فيه. من خلال الشبكة العنكبوتية، قدّم المستخدمون مساهمةً غير قابلةٍ للإنكار في سبيل تطوير منظومةٍ تكنولوجيةٍ كبرى.
(260)تتضمّنُ بعض هذه التدخلات من القطاع العام تضارباتٍ مهمةٍ مع المؤسّسات القائمة. بالطبع، كان الصراع في المجتمع موضع اهتمامٍ رئيسيٍ للماركسيين من أمثال لوكاكس وماركوزي. أسندت البنّائية الاجتماعية المبكِّرة نقاشها حول التقنية على نوعٍ آخر من الصراع: الجدلية العلمية. يُشكِّلُ هذا الأمر معضلةً في ما يتعلّق بتعميم مناهج دراسات العلم والتقنية لتنطبق على المجتمع بشكلٍ عام. انفصلت العديد من المحاولات اللاحقة في دراسات العلم والتقنية لفهم الصراع الاجتماعي عن هذا النموذج الأولي، ولكنّ التناغم البنّائي ما زال مفهومًا مهمًّا يُرجع إليه غالبًا. بالنسبة لي، يبدو هذا تناقضًا ذاتيًا.
عادةً ما يسيرُ العلماء بصدقٍ ويستندون لإثبات مبتغاهم إلى الأدلة حتّى وإن اختلفوا في تفسيرها، وقد طُرح المبدأ البنّائي المتمثِّل بالتناغم تسليمًا بهذا الأمر، وكان الغرض من تطبيقه في مجال العلوم الاجتماعيّة التأكُّد من انطباق المناهج نفسها على جميع الجهات المتنازِعة مع تفادي معالجةٍ أحاديةِ الجانب للجدليات العلمية. كما ذُكر آنفًا، فإنّ النسبيّة المنهجيّة التي فرضتها المعالجة المتناغمة تُعطِّل الميل إلى تمجيد الرابح والتقليل من قيمة ذكاء الخاسر وعقلانيّته (أو العكس، تشويه سمعة الرابح والمغالاة في حقوق الخاسر وعدالته).
على سبيل المثال، لا يُمكن أن يُنسب رفض بريستلي لاكتشاف لافوزيير لآلية الاحتراق إلى مجرد التصلُّب بالرأي أو المصلحة الشخصية أو العناد، فينبغي إذًا النظر إلى رأيه على أنّه محاولةٌ عقلانيةٌ للفهم وإن كانت مُخفقةً. للأسف، فإنّ
(261)العديد من الجدليات التقنية تختلفُ تمامًا عن هذا النموذج حيث يتحيّز غالبًا أحد الجانبين أو كلاهما بسبب المصالح الاقتصادية، أو الادّعاءات الكاذبة، أو الهلع غير العقلاني، أو التحيُّز العرقي أو الجنسي، أو فساد الفاعلين في المجال العلمي أو العام. يُمكن لمبدأ التناغم أن يكون مُضلِّلًا في هذا السياق إن تمّ تطبيقه بشكلٍ غير حكيمٍ. يحملُ تطبيقه في حالاتٍ محدّدةٍ خطر تقديم الأعذار لمكائد الفاعلين عديمي الضمير أو للتمييز المنهجي. لا يكون المنهج النسبي موضع فائدةٍ حينما يسودُ الكذب أو التحيُّز. مبدأ التناغم غير متناسبٍ مع صراعات الجدليّة التكنولوجيّة وهو أيضًا معرَّضٌ لخطر حذف الإسنادات العاديّة للمسؤوليّة التي نعتمدُ عليها في الحياة العامة. قد تتحوّل معالجة القرارات السيئة بطريقةٍ عادلةٍ إلى تبريرٍ لأولئك المسؤولين عن اتّخاذ هذه القرارات.
فلننظر إلى حادثة تشالنجر كما يُفسّرها تريفور بينش وهاري كولينز. ألقى الرأي العام حول الحادثة اللوم على نفاد صبر المدراء في وكالة ناسا .
هذا التفسير غير المتناغم يتطابق مع أفكارنا العامة حول المسؤولية، ولكن هل هو صحيح؟ لم يُختبر مدى خطورة إطلاق المكوك في الطقس البارد على الرغم من وجود مصدرٍ للقلق حيث أبدى المهندس الموكل بالتحقيق في المشكلة
(262)الحديث عن الوعي المحض من دون مساندةٍ ماديةٍ. ينبثق الفرد من «الشبكة» المؤلّفة من العائلة وبيئتها المادية والثقافية ومن ثمّ يُصبح مرتَهنًا على الدوام بأدوارها في الشبكات التي تنتمي العائلة إليها. ولكن حينما يتشكّل الفرد فإنّه يُحافظ على هويته مع انتقاله من شبكةٍ إلى أخرى ولا يُمكن أن يذوب في أدوارها. يُشكِّل الثبات النسبي للفردانية قاعدة المؤهلات التأمُّلية التي تُمكّن الفرد من إبعاد نفسه عن الشبكات التي يُشارك فيها وانتقادها.
تهتمّ النظرية النقدية للتقنية بالتهديد الذي تُشكِّله مزاعم التكنوقراطية على القدرة النقدية للفرد، فادّعاءات العقلانية التقنية تُجرِّد العقلانية التأمُّلية من سلاحها. وفقًا لمدرسة فرانكفورت، تُعدُّ الفردانية إنجازًا تاريخيًا. عمّمت الثقافة البرجوازية القدرة على الفكر المستقل إلى درجةٍ غير مسبوقةٍ. هذه هي قاعدة الفاعلية الشخصية والسياسية، والقوة على تحديد الهوية الفردية وتنمية المصالح الذاتية. بالمبدأ، رمت الثورة الاشتراكية إلى توسعة هذه القدرة لتشمل كلّ إنسانٍ، ولكن تبيّن في القرن العشرين أنّ الفردانية تنتمي إلى مرحلةٍ وجيزةٍ للغاية بين المجتمعات، حيث يُغمر الفكر المستقل إما عبر التقاليد أو الامتثال الديني أو إضفاء الشرعية التكنوقراطية على المجتمع ككلّ.
أسّس مفهوم الفردانية التابع لمدرسة فرانكفورت نقدًا للعقلانية المتجسِّدة التي يتنامى تنظيمها للحياة الاجتماعية في المجتمعات المتقدِّمة. يشهدُ تدمير الفردانية على بروز السيطرة التكنولوجية حيث حُكم على عامة الشعب بالامتثال المستسلِم، بينما حافظت أقليةٌ فقط على استقلالها الذهني عبر النقد النظري والفني. وتأخذُ النظرية النقدية للتقنية هذا المنظور النقدي في حقبةٍ تاريخيةٍ
(267)مختلفةٍ، حيث ظهرت مقاومة التسلُّط التكنولوجي بأشكالٍ جديدةٍ.
في السنوات الأخيرة، رأينا كيف اتّسعت رقعة هذا الجدال والنشاط العام لتشمل القضايا التكنولوجية التي كانت تُعدُّ سابقًا خارج حدود المناقشة. ومع اتساع المجال العام، ظهرت أشكالٌ جديدةٌ من الفاعليّة التقنية، وقد أنتج هذا ما أسماه ديفيد هيس «صراعات الأدوات»، وهي الصراعات الدائرة حول كيفية تشكيل التكنولوجيات لخدمة مصالحَ ومفاهيمَ مختلفةٍ حول الحياة الطيبة. تكمنُ طبيعة هذه النزاعات في قلب هذا القسم، ويطرحُ انتشارها أسئلةً جديدةً حول التقنية والديمقراطية. هل أصبحنا مواطنين تكنولوجيين؟ وبشكلٍ أدق، هل يوجد شيءٌ يُمكن أن نسمّيه الفاعلية السياسية في الميدان التقني؟ وإن وُجد، فما هي علاقته بالخبرة التقنية والفاعلية السياسية التقليدية؟
الفاعلية بالمعنى الذي أستخدمه ليست خاضعةً للتفضيلات الاعتباطيّة، بل هي متجذِّرةٌ في التجربة التي تُتيحها أوضاعٌ اجتماعيّةٌ محدّدةٌ. تُثيرُ المنظومات التقنية ما أسمّيه مصالح المشاركين حيث تضمّ هذه المنظومات الأفرادَ في شبكاتٍ تربطهم بأدوارٍ متنوعةٍ مثل مستخدمي التقنية أو مُشيِّديها أو حتّى ضحايا آثارها الجانبية غير المتوقَّعة، وعليه فإنّ المصالح تتدفّقُ من هذه الأدوار حيث يستطيعُ الأفراد إدراكها.
(268)يكتشفُ سائقو السيارات أنّهم أصبحوا يهتمون بسلوك الطرقات الأفضل، وأنّهم لم يكونوا يكترثون بذلك قبل الانضمام إلى شبكة سائقي السيارات. كذلك، يكتشف ضحايا التلوُّث أنّهم يريدون الهواء النقيّ وأنّ الفكرة لم تكن لتخطر في أذهانهم لو أنّهم لم يعانوا مع أولادهم من المشاكل التنفُّسية التي يتسبّب بها أولئك السائقون. يشترك السائقون والمتضرّرون والسيارات في تشكيل شبكةٍ ينتمي إليها الجميع وهذا الأمر بحدّ ذاته يُبرز بعض المصالح التي كانت لتبقى لولا ذلك خاملةً أو غير متحقِّقةٍ على الإطلاق.
حينما ينخرطُ الأفراد في إحدى الشبكات، لا يكتسبون مصالح جديدةً فحسب، بل يُحرزون في بعض الحالات معرفةً بالشبكة ونفوذًا محتملًا على نموّها. تختلفُ هذه المعرفة والقوة الداخلية عمّا يمتلكه الأفراد الذين لا تربطهم صلةٌ بالشبكة. حتّى من دون المعرفة الخبيرة، يستطيعُ الأفرادُ الداخليون تحديدَ المشاكل ونقاط الضعف ويمتلكون القاعدة لتغيير رموز التصميم التي تصيغ الأشياء المضمومة إلى الشبكة. هذا هو الإنتاج المشترك الواعي: التفاعل المتبادل بين عناصر الشبكة والرموز التي تُحدِّد الأدوار والتصاميم.
في النظرية النقدية للتقنية، تُسمّى أفعال المواطنين المتورطين في نزاعاتٍ حول التقنية بـ«التدخُّلات الديمقراطية». معظم هذه التدخلات هي «بعدية» أي إنّها تتحقّق لاحقًا وبعد إدخال التكنولوجيات في القطاع العام. هناك العديد من الأمثلة المعاصرة كالجدل حول التلوُّث أو العلاجات الطبية ما يؤدّي إلى جلسات استماعٍ ودعاوى قضائيّةٍ ومقاطعات، وغالبًا ما تؤدّي هذه الخلافات إلى تغيّر القواعد والممارسات. أما النمط الثاني من التدخُّل وهو الإدخال الإبداعي
(269)للتقنية فإنّه يتضمّن تقطيع أو إعادة إختراع الأدوات من قِبل مستخدميها من أجل تلبية المتطلبات غير المتوقَّعة، وقد لعب هذا النمط دورًا مهمًا في تقدُّم الإنترنت. أما النمط الثالث من التدخُّل، فيمكن تسميته «قبليًا» لأنّه يتضمن العمل قبل إدخال التكنولوجيات. يأخذُ هذا النمط شكلين رئيسيين: المشاركة العامة في «هيئة المحلَّفين المؤلفة من المواطنين» أو «المنتديات المختلطة» من أجل تقييم المبتكرات المقترحة والتعاون في عملية التصميم. في هذه الحالات، تحثُّ السلطات الأفرادَ على المشاركة بدلًا من الدخول في حوارٍ لاحقٍ مثيرٍ للنزاع.
يطرحُ مفهوم المواطنيّة التقنية أسئلةً حول دور الخبرة. يتدخّلُ الأفراد العاديون في القرارات التقنية على قاعدة التجربة اليومية بدلًا من إتقان أحد الحقول المعرفية التقنية. أما الخبراء، فإنّهم يملكون المهارة وهم مؤهّلون لتطبيق القرارات التقنية على نحوٍ لا يستطيعه أغلب العوام. ينبغي التوفيق بطريقةٍ ما بين ادّعاءات كلٍّ من التجربة والحقول المعرفية التقنية في عملية التصميم، علمًا بأنّ المعضلة تبدو غير قابلةٍ للحل من المنظور الضيّق المتصلِّب. في العالم الواقعي للتقنية، يُعدّ الحوار غير المعترف به بشكلٍ كبيرٍ بين العامي والخبير ميزةً طبيعيةً لعملية اتّخاذ القرار التقني وتحتاج للمزيد من التطوير. أمثلة على تحديات
(270)التصميم في الواجهة بين المهندسين والمستخدمين يمكن العثور عليها في أعمال جويس وآخرين وفان دن سكوت وساندرز وبوديفات.
ولكن إذا امتلكنا انطباعًا مختلفًا وخشينا من الخبرة المتعجرفة والتجربة غير العقلانية، فإنّ هذا ناشئٌ عن وضعٍ تاريخيٍ فريدٍ نشأ خلال القرن التاسع عشر. قبل ذلك الزمن، كانت المفاوضات بين الحرفيِّين والمجتمعات الواقعة تحت سيطرة السلطات القضائية تُساهم في تنظيم المظاهر الخارجية المؤذية للإنتاج. جسّد قانون السوابق القضائية الحكمة المتراكمة للتجربة حال تطبيقها على النشاط التقني. تمهّدت الطريق في القرن التاسع عشر للتقدُّم التقني السريع على حساب العاملين والمجتمعات ومُستخدمي التقنية، وحلّت أجهزة القيادة الإدارية المركزية المدعومة من قبل السلطة الخبيرة مكان القيود القضائية التقليدية التي تحدُّ التقنية، وقد ترافق هذا التغيّر مع تمييزٍ أشدّ للمجتمع تحت وطأة الرأسمالية الصناعية.
يُعدُّ الفصل بين العمل التقني والحياة اليومية بُعدًا مهمًا في عملية التمييز المتمثِّلة بالعصرنة. على سبيل المثال، كانت نقابات الحرفيين في القرون الوُسطى منظماتٍ اجتماعيّةً ومهنيّةً أيضًا. بالإضافة إلى تنظيم الأسعار والتدريب والجودة، أدّت هذه النقابات العديد من الوظائف الأخرى ولم تكن الحِرف معتمدةً على حقولٍ معرفيةٍ تقنيةٍ متخصَّصةٍ بالمعنى المعاصر، بل على المعرفة التقليدية بالأدوات والممارسات وأحكام التجربة بالإضافة إلى ما يُسمّيه الفرنسيون “tours de
(271)main”. كان يتحتّم الحفاظ على «أسرارهم» لأنّها كانت قابلةً للانتقال إلى الخبراء من المستهلِكين. في الواقع، كثيرًا ما كانت المرحلة الأخيرة من الإنتاج تقتضي أن يقوم المستهلكون بإنهاء الأداة في عمليةٍ تُسمّى «الاقتحام».
يعتمدُ العمل التقني المعاصر على المعرفة العلمية المتخصِّصة. يستطيعُ المبتدئون والمتدرِّبون فقط فهم لغة الحقول المعرفية التقنية، ويتمّ انتزاع الاهتمامات الاجتماعية والدينية للنقابات بالإضافة إلى استقلالية العامل التقني. في يومنا الحالي، يجري معظم العمل التقني في المشاريع التجارية ما يُحدث تغيّراتٍ كبيرةً في طابعه وأهدافه.
تتأثّر منظومة الملكية التي تستندُ إليها التجارة بعملية التمييز أيضًا. تضمّنت الملكية في المجتمعات السابقة الرأسمالية على مسؤولياتٍ كبيرةٍ، وكان مالكو الأراضي يتولّون وظائفَ سياسيّةً وقضائيّةً ودينيّةً. أمّا الرأسمالية فإنّها تنزع جميع هذه الواجبات والقوى وتوجِّه تركيزَ المالك على جنيْ الأرباح، بينما يتمّ تدريجيًا إغفال الأهداف الأخرى مثل تأمين الوظائف وحماية المجتمع. يُوضِّحُ هذا النوع الجديد من الملكية المنطقَ المدمِّر للثورة الصناعية، وقد ساهم عدم الاكتراث بالطبيعة والبشر في تشكيل التقنية المعاصرة. خلال عملية التنمية، طُبِّقتْ المعرفة العلمية والتقنية بُغية كسب الأرباح من دون الاهتمام بالإطار الاجتماعي والطبيعي للمشروع، وقد تناسبت التخصيصات والأهداف الاقتصادية الضيقة مع بعضها البعض. لقد ساهمت التبسيطات الناجمة بتعجيل العملية التقنية ولكنّها تسبّبت بمشاكل بدأنا للتوّ بتناولها.
على أمد أجيالٍ، كان ضحايا التقدُّم ضعفاء للغاية أو جاهلين أو مهمّشين ما
(272)حال دون احتجاجهم بشكلٍ فعّالٍ، ولكنّ الظروف تغيّرت تدريجيًا خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، إذ ظهرت الآثار الجانبية للتكنولوجيات الأقوى وأثارت ردًا عامًا فنالت الاتحادات والحركات الاجتماعية النفوذ وطالبت بتنظيم الصناعة. كنتيجةٍ لذلك، دخلت مرحلةٌ جديدةٌ من «العصرنة الانعكاسية» في عمليةٍ إصلاحيةٍ بطيئةٍ ما زالت قائمةً إلى يومنا الحالي.
في هذا الإطار، تتّخذُ التجربة اليومية أهميةً جديدةً. في السابق، كان النجاح الإدراكي يتطلّب عدم اعتماد المعرفة التقنية على التجربة اليومية، مصطلح «الاصنام» الشهیر ببیکون، أما التجربة في الوقت الحالي فإنّها تقيسُ نتائج المعرفة التقنية والتصاميم. لا ينبغي التغافل عن هذه النتائج بعد الآن، ويتحتّم تعقّبها إلى أصلها في البقع المخفيّة للحقول المعرفيّة التقنية وتقييدات المنظور التجاري. يقومُ المستخدمون والضحايا بالدفاع عن أنفسهم في وجه التقنية التي يتمُّ تصوّرها بشكلٍ ضيّقٍ استنادًا إلى فهمهم لتجربتهم. هذه التدخلات الديمقراطية تُشكِّل الخلفية الاجتماعية للنجاح الواسع للمبادرات الجديدة في ميدان الحقول المتداخلة، كدراسات العلم والتقنية التي تُحاول فهم الأشكال المنبثقة من المواطنية التقنية.
(273)تُشكِّل تيارات ما بعد الحرب هيئاتٍ أصليةً تُزيلُ التمييز، وهي تقدُّميةٌ في طبيعتها لا تراجعيّة. من ناحيةٍ، تجمعُ العلوم التقنية العلم والتقنية معًا في تركيباتٍ قويةٍ تتجاوزُ الحدود الراسخة بين ما هو حقيقيٌّ وبين ما هو نافعٌ. أما من ناحيةٍ أخرى، وبشكلٍ متناسبٍ مع ظهور العلم التقني وآثاره الجانبية المتنامية الخطورة، يتجاوز التنظيم الحكومي الخط بين الدولة والاقتصاد ما يُجبر المشروع الرأسمالي على العمل تحت نطاقٍ من التقييدات آخذٍ بالتوسُّع. يتحتّمُ على العلاقة الجديدة تطويرَ مؤسّساتها الخاصة لترجمة المعرفة الاجتماعية حول الآثار الضارة للتقنية أو احتمالاتها المغفول عنها إلى تحديداتٍ تقنيةٍ من أجل تصاميم أفضل. سوف تغدو عمليات النقل هذه أمرًا روتينيًا على الأمد الطويل مع ازدياد الانخراط الشعبي، وسوف تُغلَق الدائرة حيث تقومُ التقنية بتغيير المجتمع وتخضع نفسها للتغيير.
خاطبت مدرسة فرانكفورت في أولى مراحلها بيئةً ثقافيةً تتّسم باعتقادٍ غير مسبوقٍ بالمنطق التقني، وقد نسبت هذه المدرسة تدهور الفاعلية إلى الثقافة العقلانية المتمثِّلة بالعصرنة، وهذا الأمر ليس مجرد ميْلٍ ذاتيٍّ، بل ينعكسُ في ازدياد البروقراطيات والتكنولوجيات التي تُنظِّم بفاعليةٍ وتتحكّم في أغلب أبعاد الحياة الاجتماعية اعتمادًا على الحقول المعرفية التقنية. يتمّ بشكلٍ متنامٍ تخفيض قيمة المعرفة التي يحملها الناس العاديون، واختزال الفاعلية البشرية في التلاعب التقني بالمنظومات العقلانية.
ما زال الوضعُ قائمًا حيث تقوم التدخلات الديمقراطية بتوجيه التحدّي إلى التكنوقراطية في يومنا الحالي، ولكنّ الصياغات الأصلية العامة التي طرحتها مدرسة فرانكفورت لم تترك مجالًا لعودة الفاعلية. من أجل تفسير النزاعات
(274)الدائرة حول التقنية، تقومُ النظرية النقدية للتقنية بإعادة صياغة النقد الموجَّه للعقلانية على هيئةٍ أكثر ميلًا نحو التجريبية.
بينما اقترحت مدرسة فرانكفورت نقدًا عامًا للغاية لـ«العقلانية المتجسِّدة» أو «الآلية»، اعتنت النظرية النقدية للتقنية بنقدٍ أكثر واقعيّةً لانحياز التكنولوجيات والمؤسسات الاجتماعية. يتمُّ تصوير الثقافة العقلانية على أنّها تعتمد على تقليد المناهج والمفاهيم المصوغة على أساس الرياضيات والعلم الطبيعي والمعمَّمة كإطارٍ للفكر والعمل في كلِّ الميادين. على سبيل المثال، تعتمدُ علاقاتُ السوق على القياس الذي يظهر في هيئة الأسعار. كذلك، تُصنِّف البيروقراطية حالاتٍ معيّنةً تحت قواعد مصوغةٍ بدقّةٍ تُشبه أحكام الطبيعة في هيئتها وادّعائها للشمولية. تتورّط التقنية في التطوُّر العلمي، وتحديد الانحيازات في هذه الميادين يُوظِّف مناهج تمّ استكشافها في دراسات العلم والتقنية ويُنتج أيضًا نقدًا ثقافيًا وسياسيًا للمؤسسات الحديثة.
يُشكّل الإسهاب في هذا النقد تحديًا، لأنّنا نقوم عادةً بتحديد وقوع الانحياز حينما تؤثِّر الأحكام المسبقة والمشاعر والمعلومات المزيفة على الأحكام التي ينبغي أن تنبني على المعايير الموضوعية. أسمّي هذا الأمر «الانحياز الجوهري» لأنّه يستندُ إلى مضمون الاعتقاد، مثل فكرة امتلاك بعض الأعراق لذكاءٍ متدنٍّ. علّمنا عصر التنوير كيف ننقد هذا النوع من الانحياز، وقد التجأ فلاسفة ذلك العصر إلى الأسس والمعلومات والنظريات العقلانية غير المتحيّزة من جرّاء أحكامٍ مسبقةٍ، وعلى هذا الأساس رفضوا إضفاء الشرعيّة على المؤسّسات الإقطاعيّة
(275)والدينية. لا شكّ بأنّ النقد الذي نشأ خلال عصر التنوير ما زال يلعبُ دورًا مهمًا في السياسة التحرّرية، ولكنّه ينطوي على قصورٍ مهمٍّ لأنّه يدّعي حياديّة وشموليّة المؤسّسات التي تزعمُ امتلاك قاعدةٍ عقلانيةٍ. هذا هو الحال على سبيل المثال مع السوق حيث لا يتمّ تفسيره بالأساطير والقصص والمراجعات العاطفية بل بالمنطق الجاف الذي يُساوي المال بالبضائع.
لم تسلم العقلانية بهذا الشكل الاجتماعي من التحدّي، فقد نسب النقد الرومانتيكي بشكلٍ لا يُصدَّق الانحياز الواقعي إلى المنظومات المنطقية، وبالتالي نفى العقلانية عن العقلانية. يُفترض أنّ اختيار العقل على العاطفة ينحاز لتفضيل نمط الحياة البرجوازية أو الأيديولوجية الذكورية وفقًا لبعض الصياغات الحديثة، ويُنسب هذا الموقف إلى الثقافات الفرعية الفنية والسياسية، ولكن تأثيره قليلٌ على تنظيم المجتمعات المعاصرة. يتطلّبُ النقد الفعّال للمنظومة المنطقية كالأسواق والتقنية أو العملية الإدارية مقاربةً مختلفةً، وينبغي أن يقوم التحليل الأدق بتحديد الإجحاف الواقع في التحقّق الملموس للهيئة المنطقية. استحدث ماركس هذا النوع الجديد من النقد خلال تحليله للإجحاف الواقع في السوق. تُظهر دراسات العلم والتقنية في يومنا الحالي بأنّ التصميم المنطقي تقنيًا لا يُحدَّد عبر الاعتبارات التقنية المحضة، وبالتالي يكون مُنحازًا تحت تأثير المعايير الاجتماعية. من ناحيتي، أُسمّي تجسُّد المصالح والأيديولوجيات في الحقول المعرفية التقنية بـ«التحيُّز الرسمي».
يملك التحيُّز الرسمي دلالاتٍ سياسية. يستفيدُ البعض أكثر من الآخرين
(276)من التكنولوجيات المحيطة بنا، ومن الأمثلة على ذلك الممرات المنحدرة على الأرصفة. تُناسبُ حافة الرصيف العالية المشاة، ولكنّها تمنع المرور الحرّ لكراسي المعوّقين، فتمّ ابتكار الممرات المنحدرة تلبيةً لحاجاتهم. إذًا، أُدخلت مصلحةٌ ضمنيةٌ إلى المنظومة ولم تكن النتيجة تقنية غير متحيِّزةٍ، بل بشكلٍ أدقّ تقنية تُترجِمُ نطاقًا أوسع من المصالح.
لا مكان في هذا السياق للتناقض المعروف بين المجتمع غير المنطقي والتقنية المنطقية التي تستندُ إليها الأيديولوجية التكنوقراطية. التصميم المتحيِّز الذي يسود في النهاية لدى تطوير كلّ تقنية هو الإطار الذي تكون فيه تلك التقنية منطقيةً وفعّالةً. الفاعلية ليست معيارًا مُطلقًا لأنّه لا يُمكن قياسها بطريقةٍ مجرّدةٍ، بل هي متّصلةٌ فقط بمتطلّباتٍ طارئةٍ تُؤثِّر في التصميم. التقنية مشحونةٌ بالقيم تمامًا كغيرها من الحقائق الاجتماعية الأخرى التي تُؤطِّر تجربتنا اليومية، ولكن حينما تترسّخ التكنولوجيات جيدًا يبدو هذا التحيُّز واضحًا وحتميًا ونكفّ عن النظر إليه كتحيُّزٍ بل نفترض أنّ التقنية ينبغي أن تكون كما وجدناها. الكشفُ عن التحيُّز الضمنيّ يُشكِّلُ «النقدَ المنطقي للعقلانية» الذي وعدت به مدرسة فرانكفورت.
يُبرز ظهور المواطنية التقنية الإمكانَ والتعقيد الكامنَيْن في الأدوات التقنية التي تسترها التوضيحات التقنية. في هذا السياق، أقترح مفهوم الطرس كقياسٍ
(277)فعّالٍ. يملكُ الطرس طبقاتٍ أو أبعادًا متنوّعةً تظهرُ تحت السطح، والتصميم التكنولوجي يُشبه الطرس حيث يمتلك طبقاتٍ متعدّدة من التأثير تنبع من أماكن مختلفةٍ للغاية من المجتمع، وتستجيبُ لوحدات المنطق المتباينة وحتّى المتعارضة التي تنصبُّ على أداةٍ واحدةٍ. وعليه، فإنّ النظرية النقدية للتقنية هي بمثابة «علم الأطراس».
لطالما تعامل التاريخ الاجتماعي مع الأدوات كأطراسٍ. في سياق ملاحظاته على تاريخ المال، رسم ماركس القاعدة المنطقية لهذه المقاربة وكتب بأنّ «الملموس هو ملموسٌ لأنّه مجموعةٌ من الأدوات المتعدّدة ذات الأغراض المختلفة، أي إنّه اتحادٌ للعناصر المتنوّعة. في فكرنا يبدو كعملية تركيبٍ، كنتيجةٍ، لا كنقطة انطلاقٍ على الرغم من أنّه نقطة الانطلاق الحقيقية، وبالتالي يكون أيضًا نقطة انطلاق الملاحظة والفهم». يرفضُ ماركس المفهوم الأرسطي حول الشيئيّة، حيث يبقى الجوهر صامدًا على الرغم من التغيّرات الطارئة، ويعتبر أنّ التحليل ينغي أن يُحدِّد الاختلافات الأنطولوجية على مستوى بناء الأدوات ومعناها في كلّ مرحلةٍ من تطوّرها. تتعاملُ هذه المقاربة المفكِّكة مع «الأشياء» الاجتماعية -مثل المصنوعات والمؤسّسات والقوانين- كمجموعةٍ من العناصر الوظيفية المتماسكة من خلال أدوراها الاجتماعية، وهذه العناصر تنقسم وتتركب مجددًا مع تغيُّر المجتمع.
في ما يتعلّق بالتقنية والمنظومات التقنية، تعكسُ هذه الإنشاءات القوة النسبية للفاعلين المنخرطين في عملية التصميم، وتتمثّلُ نتيجة جهودهم
(278)وتعاونهم بـ«القاعدة التقنية» التي تُحدّد المعنى الاجتماعي الأوسع للخيارات التقنية المندرجة في التقاطع المستقرّ للخيار الاجتماعي والتحديد التقني. تُترجَم القواعد التقنية إلى بعضها البعض عبر ما تُسمّيه شبكة الفواعل بـ«التوكيل». وعليه، فإنّ الحاجة الاجتماعية للمزيد من الأرصفة التي تُتيح حرية التنقُّل تُصبح عاملًا محدِّدًا لمشاريع البناء. تُترجم حقوق المعوَّق بمنحدرٍ معيَّن، وحينما نأخذ هذا المنحدر بمعزلٍ عن غيره، فإنّه يبدو أمرًا تقنيًا محضًا، ولكنّه يملك في إطاره أهميةً سياسيةً موجودةً في القاعدة. لا تُدرَج هذه الرموز فقط في التصاميم بل تخرق الحقول المعرفية التقنية أيضًا.
تُميِّزُ النظرية النقدية بين نوعين من القواعد التقنية: قواعد المصنوعات المحدَّدة وقواعد الميادين التقنية التامة. يُظهر مثال الأرصفة قاعدة المصنوعات، بينما تدخلُ القواعد المتّصلة بالميادين التقنية في تعريف التقدُّم. اقتضت القاعدة الميدانية التي وقع في ظلّها التقدُّم الصناعي خلال القرن التاسع عشر، إبدال العمل الماهر بالآلات. ما زالت هذه القاعدة نافذةً إلى يومنا الحالي، وحيثما تُواجَه بالاعتراض نجد الدور المستمر للنشاط الشعبي في تحديد المستقبل التقني. أمّا القواعد الميدانية في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة فإنّها تُترجم إلى معانٍ
(279)أعلى مثل الأيدولويجيات والنظرات الكونية. على سبيل المثال، يُترجِمُ المفهوم التكنوقراطي للفاعلية المصالح الخاصة إلى ترتيباتٍ تقنيةٍ تؤدّي إلى تطبيق السلطة الإدارية. قد يُعدُّ إضفاء الطابعُ المادي القاعدةَ الميدانية القصوى للرأسمالية، واصفًا المبادئ الأساسية التي تتقيّد بها جميع المجالات الأدنى.
تُعبِّر النظرية النقدية للتقنية عن هذه التعقيدات عبر تحليل التصميم على ضوء الطبقات الوظيفية. التصميم هو حقلٌ تقومُ فيه المجموعات الاجتماعية بتعزيز مصالحها، ويتقدّم عبر جمع الطبقات الوظيفية المتطابقة مع المعاني المختلفة التي ينسبها الفاعلون إلى الشيء المصنوع. يتحتّمُ على دراسة التقنية تحديد الطبقات وتوضيح علاقاتها، وهذا يُنتج روايةً «ملموسةً» وفقًا لماركس، ويكشفُ الإنتاج المشتَرَك للمجموعات الاجتماعية التي تشكّلت حول التقنية بالإضافة إلى التصميم التكنولوجي الذي يُشكّلها.
يوازي إضافة الطبقات القبول بالمزيد من المساهمات الاجتماعية، ويأخذ هذا الأمر أشكالًا مختلفةً، وغالبًا ما يتمُّ التوفيق بين المصالح المتعارضة ظاهريًا إلى درجةٍ ما في التصميم النهائي. مثال الطرس موضِّحٌ في هذه الحالات، لأنّ كلَّ مجموعةٍ اجتماعيةٍ تُساهم في تقديم طبقةٍ إلى التصميم النهائي. المصنوعات ليست أفرادًا مترابطةً بقدر ما هي سلسلاتٌ وتجمّعاتٌ من الأقسام المندمجة تقريبًا. تمامًا كالطرس، تُجسِّد أقسامها مستوياتٍ من القيمة تعكسُ تنوُّعًا في التأثيرات الاجتماعية والتقنية.
(280)قد تتضمّن النتيجة تبادلاتٍ وتسوياتٍ ينجمُ عنها تصميمٌ غير مثاليٍّ بالنسبة لجميع الجهات. من الأكثر إثارةً للاهتمام هي تلك الحالات التي تُتيحُ فيها الإبداعات اللطيفة تلبية الرغبات المختلفة من دون وقوع نقصٍ في الفاعلية. يُطلق خيلبير سيموندون على هذه الإبداعات تسمية «تجسيدات» ولكنّ هذا المصطلح خادعٌ، لأنّ سيموندون لا يقصد المقابلة بين المتجسِّد والمجرَّد مفهوميًا. إنّ مصطلحه -مثل ماركس- هو هيغليٌّ تقريبًا، ويقومُ بتعريف التجسيد كدمجٍ لوظائف متعدِّدةٍ في بُنيةٍ واحدةٍ. يُمكن ملاحظة هذا الأمر في مثال الدرّاجة الهوائية الذي يُقدِّمه بينش وبيجكر حيث لبّت العجلات القابلة للنفخ كُلًّا من رغبة المتسابقين بالسرعة وحاجات عموم المستخدمين للنقل.
أحدث هذا الإبداع المتجسِّد التوافق بين جميع الفاعلين في تصميمٍ واحدٍ مثاليٍّ. تُنشئُ التجسيدات تحالفاتٍ بين الفاعلين الذين تتجسّد مطالبهم المختلفة في شيءٍ واحدٍ. يتجاوز هذا الشيء الحدود بين المجموعات الاجتماعية المتباينة، وتُفسِّره كلّ مجموعةٍ وفقًا لنظرتها إلى حاجاتها وتقومُ بإدخاله إلى عالمها الخاص. يتنامى طلب هذه «الأشياء الحدودية» المتجسِّدة في الصراع بين أنصار البيئة وممثّلي الصناعة. تُتيحُ التجسيدات للصناعة العثور على مسارٍ تنمويٍّ جديدٍ
(281)يُلبّي دائرةً من الاحتياجات كانت مُهملةً في السابق. ينقضُ التقدُّم في مجال التجسيد المعارضة المفترضة بين المعلومات والقيم، وبين الإنجازات العقلية والمعارضة الأيديولوجية التي تُبرِّر مقاومة التكنوقراطية للتغيير. إنّ تحديد هذه الأمثلة من التقدُّمية يُضفي الصلاحية على السياسة الديمقراطية للتقنية.
مثالٌ نموذجي
في هذا القسم، أقترحُ تطبيق مفاهيم التحيُّز، والقوانين التقنية، والطبقات، والعقلانية على أحد الأمثلة. تُساهم هذه العناصر الرئيسية في النظرية النقدية للتقنية بملء الفجوة الموجودة بين حالاتٍ محدّدةٍ والعالم الثقافي الأوسع للحداثة. يُظهر المثال الذي اخترته نوعًا شائعًا من الخلاف التقني-العلمي حيث تلعب الأداة نفسها أدوارًا مختلفةً للغاية في العوالم المختلفة للفاعلين. في هذه الحالات، قد تؤدّي التفسيرات المتناقضة حول الأداة -الناجمة عن أهدافٍ مختلفةٍ واختباراتٍ معرفيةٍ- إلى تغيّراتٍ على مستوى التصميم أو استبدال تصميمٍ معيَّنٍ بتصميمٍ آخر ينال دعمًا أقوى. وفقًا لموقف النظرية النقدية للتقنية، تُظهر هذه الحالة الدور المشرِّع للمعايير العقلانية التي تُطرح من أجل قمع الفاعلين الأدنى والتي يُجابهها أولئك الفاعلون انطلاقًا من مصادرهم المعرفية الخاصة.
الدواء ميدانٌ غنيٌّ لتطبيق دراسات العلم والتقنية. على سبيل المثال، يطرحُ تياغو موريرامشكلة العلاقة بين المعايير «العقلانية» ذات الشمولية المفترضة والتجربة الشخصية عبر تقديم المثال التالي: إقدام «هيئة الخدمات الصحية
(282)الوطنية» البريطانية على إنكار وجود دواءٍ لمرض الزهايمر . تُقيّم «هيئة الخدمات الصحية الوطنية» الأدوية وتُقرِّر نسبة التكلفة/الفائدة على ضوء قياسٍ شبه علميٍّ. في ما يتعلّق بمرض الزهايمر، لم يشمل التقييم قضايا نوعية الحياة، بل اعتمد على قياس الإدراك والاستشفاء. حينما توصل المعنيّون إلى أنّ العلاج مكلفٌ، تمّ سحبه. وفقًا للنظرية النقدية، يُمثِّلُ هذا الأمر قاعدةً مُتجسِّدةً لعملية اتّخاذ القرار حيث يصطفّ النظامان (العلمي والاقتصادي) معًا، ولكن يتمُّ تجاهل الأبعاد الأخرى في الشبكة حيث يكونُ العلاج مُنغرسًا. يُمثِّلُ إقصاء تلك الأبعاد التحيُّز الرسميّ للمقاربة المتجسِّدة لـ«هيئة الخدمات الصحية الوطنية».
يضعُ برنامج «هيئة الخدمات الصحية الوطنية» الذي يتولّى تقييم العلاجات الشفاءَ كهدفٍ له، ولا يقيس أو يهتمّ بشبكة العناية التخفيفيّة المقامة حول دواء الزهايمر، بل أقدم على عزلها باعتبارها أداةً تقنيّةً فعّالةً بعض الشيء، ولكنّ المرضى ومقدِّمي الرعاية الطبية استاؤوا من قرار الهيئة. على الرغم من أنّ الدواء المشار إليه لم يُنجز الكثير في سبيل إبطاء التدهور الإدراكي أو الحيلولة دون الكثير من حالات الدخول إلى المستشفيات، إلا أنّه كان لديه أثرٌ كبيرٌ على نوعية الحياة. وعليه، أصبح لدينا برنامجٌ بديلٌ يُركّز على الاهتمام وهو بُعدٌ من الشبكة تجاهله التحيُّز العلمي لـ«هيئة الخدمات الصحية الوطنية». نتج عن ذلك صدامٌ متوقّع للتفسيرات دعا إلى التساؤل عن تعريف الأداة.
تتناولُ مقالة موريرا كيف قام ضحايا هذا القرار بتوضيح وجهات نظرهم عبر نقلةٍ معرفيةٍ، فقاموا بسرد القصص عن كيفيّة تغيير الدواء لحياة المرضى
(283)وتحسين نوعيتها ورووا تجاربهم مع العناية الصحية. أثارت هذه القصص ردودًا عاطفيّةً تمثّلت بالغضب والخيبة والاكتئاب، وكانت بمثابة حكاياتٍ رمزيّةٍ تُشبه القصص الإنسانية الواردة في الصحف. يستطيعُ الجميع التعاطف مع مواضيع القصص الإنسانية عبر تخيُّل آثارها، وكذلك فإنّ القصص التي رواها مقدِّمو الرعاية الصحية قد أثارت التعاطف وشكّلت الوحدة على قاعدةٍ تختلفُ عن المعايير «العقلانية» شبه العلمية التي طبّقتها الهيئة، ومع نتائج مختلفةٍ لتعريف الدواء بل والمنظومة الطبيّة بحدّ ذاتها. في النهاية، وافقت «هيئة الخدمات الصحية الوطنية» على تزويد بعض المرضى بالدواء في مرحلةٍ معيّنةٍ من تطوُّر المرض.
في المثال الآنف، تُبرز برامج الفاعلين طبقتين من الشبكة الطبية للدواء: طبقة استشفاء وطبقة عناية. لم تتغير التركيبة الكيميائية للدواء إثر تدخُّل مقدِّمي الرعاية ولكنّ الجدلية حدّدت معناها واستعمالها بصفتها دواءً. المعنى والاستعمال هُما بعدان لحقيقة الأشياء التقنية. لم يتحقّق إلا اصطفافٌ جزئيٌّ بين الطبقات وذلك عبر التسوية المربكة التي حلّت مشكلة الجدلية.
يُظهر هذا المثال دور التدخُّلات الديمقراطية في مجابهة عملية فرض العقلانية المتحيِّزة التي تُمثِّل مصالح الفاعلين المهيمنين. بطبيعة الحال، تعودُ فاعلية الحملة التي أطلقها مقدِّمو الرعاية بشكلٍ جزئيٍّ إلى وجود الاهتمام العام بكلٍّ من «هيئة الخدمات الصحية الوطنية» ومرض الزهايمر. هذا كلّه متعلِّقٌ بالسياسة، ولكنّها السياسة الموجودة في واحدةٍ من عدّة مجالاتٍ غير مألوفة تحتِّمُ علينا رؤيةَ المزيد من التحديات العامة التي تُواجه المناهج والقرارات السائدة.
تُثار مسألة القوانين التكنوقراطية في هكذا صراعات. بما أنّها «منطقية»، فإنّ
(284)التقنية تتّخذ حتميّةً ظاهريّةً. يُفترض أنّ الأدوات والمنظومات تؤدّي عملها انطلاقًا من «ما هي عليه». هذا هو الحشو الكلامي الخطير لوهم التقنية. من أجل إفساح المجال للفاعلية، يتحتّم على المواطنين التقنيِّين بذل الجهد من أجل التغلُّب على هذا الوهم وإعادة الوعي بعرضية المجال التقني. إنّ تعريف التقدُّم بحدِّ ذاته على المحكّ في هذا النزاع.
تُترجم التدخُّلات الديمقراطية في قوانين وتصميماتٍ جديدةٍ، وحتّى في التخلّي عن بعض التكنولوجيات أحيانًا. تُنتج هذه التدخُّلات رموزًا تقنيةً جديدةً لأنواعٍ محدّدةٍ من الأشياء ولمجالاتٍ تكنولوجيّةٍ شاملةٍ كما هو الحال مع إنتاج الطاقة والحسابات. هذا نوعٌ من النشاط الخاص غير القابل للاستبدال في المجتمع التكنولوجي. إنّه يحصرُ حرية خبرائه ويجبرهم على إعادة تصميم العوالم التي يُشكّلونها من أجل تمثيل نطاقٍ أوسع من المصالح. ما دامت تُساهم دراسات العلم والتقنية في فهم هذه الحركات فإنّها تلعبُ دورًا سياسيًا تقدُّميًا.
سوف أُطلق على هذا القسم الأخير عنوان «المقترحات» لأنّ هذا ما تُقدِّمه المنهجية الرسمية. في النهاية، لا يُوجد بديلٌ عن البصيرة لا يُمكن صياغته، ولكنّ المناهج تطرحُ منظوراتٍ حول قضايا قد تكونُ مفيدةً في متابعة البحث وتنظيمه. في ما يلي، سوف أطرحُ بعض المقترحات المنهجية المنبثقة من مقاربة النظرية النقدية للتقنية.
(285)يتمُّ إضفاء الشرعية على القوة السياسية والاقتصادية في المجتمعات المعاصرة بالرجوع إلى المعايير العقلية مثل الفاعلية، بينما تعتمدُ المؤسّسات القوية على الحقول المعرفية التقنية لتلبية تلك المعايير في مجال التطبيق. هذا يُهيِّئ الساحة لوقوع المواجهة بين الفاعلين المحترِفين والعوام في العديد من المجالات، كما في المثال الطبيّ المذكور آنفًا. هذه المواجهات ليست تحدياتٍ موجَّهةً إلى العقلانية بحدِّ ذاتها بل إلى الشكل الخاص الذي تتّخذه في حالاتٍ محدّدةٍ. تُركِّز النظرية النقدية للتقنية على هذه الصراعات وتحتجُّ على ضرورة فهمها كموضوعٍ موحّدٍ في دراسة دور التقنية في المجتمع المعاصر.
إنّ الاهتمامات المختلفة للفاعلين من الخبراء والعوام حول أداةٍ أو منظومةٍ تقنيةٍ غالبًا ما تُضفي مطالب متعارضةً على كيفيّة التصميم. يظهر هذا الأمر عبر المثال المذكور حيث نشأ خلافٌ حول قيمة الدواء. تعكسُ هذه الخلافات البرامج المتعارضة التي تنحتُ منظوماتٍ ثانويّةً متباينةً من الشبكة العامة. في هذا المثال، امتدّت الشبكة إلى الشركات الصيدلانية و«هيئة الخدمات الصحية الوطنية» والمستشفيات والمرضى ومقدِّمي الرعاية الصحية والأدوات التي يستخدمونها ومن ضمنها الدواء محل النقاش. يُؤكِّدُ برنامجيّ الاستشفاء والعناية على أبعادٍ مختلفةٍ من الشبكة حيث تُركِّز الأولى على التكاليف الاقتصادية للعلاج والثانية على نوعية حياة المرضى ومقدّمي الرعاية لهم. هناك خلافاتٌ مماثلةٌ في الحياة المعاصرة تتعلّق بالقضايا البيئية، والنقل، والتصميم المدني، وصحة العمّال، وسلامة الغذاء، والعديد من القضايا الأخرى ويُمكن أن تتمحور الأبحاث حول هذه الخلافات.
(286)
إنّ أيّ منهجٍ يفشلُ في الاعتراف بالوجود المنتشر للخديعة والفساد يتّسمُ بسذاجةٍ مُهلكةٍ. ينبغي أن تُميِّز دراسات العلم والتقنية بين هذه الحالات والخلافات الأصلية، وأن تستخدم مناهج مناسبةً لدراسة كلٍّ منهما. المناهج غير المتناسقة من قبيل عملية الفضح البالية أو نقد الأيديولوجية هي مفيدةٌ في حالاتٍ مثل إقدام شركات صناعة الطاقة على تمويل برامج إنكار التغيُّر المناخي أو إجراء شركات السجائر للأبحاث حول أضرار التنباك. لا يوجد تناغمٌ بين العمل المضني الذي يبذله العلم الحقيقي وبين صناعة الدعاية.
تُناسبُ المناهج المتناغمة حالاتٍ أخرى حيث ينخرط الفاعلون في جدالٍ حقيقيٍّ. في هذه الحالات، تلتمسُ جميع الأطراف المعرفةَ الواقعية بالمنطق والقناعة بغضِّ النظر عن الدوافع الأخرى. لا تُطرح الادّعاءات لمجرد تشكيل خلافٍ مُصطنعٍ أو لإخفاء حالات الفشل المكلِفة عن الرأي العام. السؤال هو: كيف نفهم هذه النزاعات حول العقلانية؟ يصعبُ الحفاظ على التناغم حينما يستندُ أحد الأطراف في الجدال إلى الإنجازات المادية، بينما لا يقوى الطرف الآخر إلا على حشد الكلمات. هذه هي الحال حينما يُواجه الفاعلون المسيطرون الاحتجاجات الشعبية. هنا يلعبُ التناغم بين البرنامج والبرنامج المضادّ دورًا منهجيًا جوهريًا ويتغلّب على التناغم الظاهر بين الفاعلين المسيطرين مع تكنولوجياتهم التي سبق وأن أنُشئت والمتّحدِين المرؤوسين الذين لا يملكون إلا برنامجًا مضادًّا ينبني على الاستدلال فحسب.
(287)
تحتجُّ النظريّة النقديّة للتقنية على أنّ الحداثة تتّسم بثقافةٍ عقلانيةٍ سائدةٍ. بهذا المعنى، لا تكون العقلانية عامة ولكن متعلِّقةً بالسياق كجميع الأبعاد الأخرى للثقافة. تدّعي النظرية النقدية للتقنية أيضًا بأنّ العقلانية الكامنة في مواقف الفاعلين تمتلكُ أبعادًا معياريةً تقنيةً وداخليةً. لا يتحتّم الاعتماد على قيمٍ خارجيةٍ للوصول إلى البُعد المعياري لأنّه يكمنُ ضمنيًا في طبيعة التقنية كما يفهمها الفاعلون. يستندُ كلُّ طرفٍ في الجدال الدائر بين الفاعلين على المبادئ العقلانية للبناء التكنولوجي التي تُشكِّلُ أيضًا أساس الادّعاءات المعيارية. وعليه، تتسامى الأبعاد المزدَوَجة للعقلانية التقنية على الفجوة المفتَرَضة بين «ما ينبغي» و«ما هو». يتمثّلُ الطرح المنهجي الناشئ عن هذه المقاربة بالمقولة التالية: «اتّبع دوافع الفاعلين». سوف أستخدمُ المثال الطبيّ مجددًا لتوضيح هذه المقاربة.
تعتمدُ التكنولوجيات بشكلٍ أساسيٍ على فعل التجريد حيث تكونُ الأبعاد المفيدة للكيان الطبيعي معزولةً وتحظى بالامتياز المتمثِّل بقابلية الاندراج في جهازٍ ما. التجريدُ عمليةٌ عقلانيةٌ تُقدِّمُ العناصر التقنية التي تُشكِّلُ حينما تُجمع شيئًا ذا هدف. بهذه الطريقة، تندرجُ المادة التكنولوجية تحت الالتزامات التي يوحيها المعنى الاجتماعي للمنتَج. على سبيل المثال، لم يقم علماء الكيمياء الذين ابتكروا دواء الزهايمر فقط بتجريد الأبعاد المفيدة من الطبيعة بل صنعوا أيضًا شيئًا ذا معنى يحظى بهدفٍ تنبثقُ منه الالتزامات. قام الفاعلون بتفسير هذه الالتزامات بشكلٍ مختلفٍ، لأنّ فهمهم للمنتَج كان متباينًا. بالنسبة لـ«هيئة الخدمات الصحية
(288)الوطنية»، كان ينبغي على الدواء «العمل» عبر الشفاء أو على الأقل إبطاء تطوُّر المرض. أمّا بالنسبة لمقدِّمي الرعاية، فكان لـ«العمل» معنىً آخر حيث تحتّم على الدواء تخفيف عبء الرعاية. تنبثقُ هذه الأبعاد المعيارية للعلاقة مع الدواء بشكلٍ مباشرٍ من كيفية فهم الفاعلين لطبيعته.
نُقدِّم مثالًا آخر لتوضيح الأبعاد المزدوجة للعقلانية. التناسُب هو مبدأٌ أساسيٌّ عقلانيٌّ آخر يُلتمس ويُوظَّف في إنتاج التكنولوجيات وتقييمها، لذلك ينبغي أن يكون الجهاز التكنولوجي متناسبًا مع بيئته المادية لكي يعمل، وهذه مسألةٌ تواؤميةٌ. مثلًا، ينبغي أن تكون القوة الكهربائية المطلوبة لتشغيل آلة تجفيف الشعر متناسبةً مع التيار في المقبس الكهربائي وهكذا دواليك. ولكن ينبغي أن يكون الجهاز متناسبًا أيضًا مع البيئة الاجتماعية التي تحملُ المعاني والقيم. إنّ الحاجة للتناسب في هذا المستوى هي في أهمية التكيُّف المادي نفسه. في المثال الطبيّ المذكور، يتكيّفُ الدواء المتناسب مع البيئة الاقتصادية الليبرالية الجديدة بطريقةٍ سيئةٍ مع البيئة الأخلاقية لمقدِّمي الرعاية والمتعاطفين معهم والعكسُ صحيح.
ينبغي أن نذكر بأنّ هذه الأمثلة تُظهر دور العقلانية لا في البرنامج السائد فحسب بل أيضًا في البرنامج المضادّ للمدافِعين من العوام الذي يدورُ حول فهمٍ بديلٍ للتقنية. بالطبع، يوجدُ اختلافٌ هامٌ بين البرنامج والبرنامج المضادّ حيث يتحتّم على الخبراء ترجمة موقف العوام إلى تحديداتٍ عقلانيةٍ من الناحية التقنية لكي يحصل النجاح بالتوازي مع البرنامج المتحقِّق مُسبقًا للفاعلين المسيطرين. في هذا المثال، يفهم الأطباء وظيفة الدواء بشكلٍ متباينٍ في الحالتين المتعارضتَيْن. على الرغم من أنّ هذا لا يُغيِّرُ التركيبة الكيميائية للدواء، إلا أنّه يُعرِّفه بشكلٍ مختلفٍ داخل المنظومة الطبية. أمّا في حالاتٍ أخرى، قد يتحتّم تغيير التصميم
(289)الفعليّ للتقنية لكي تتلاءم مع المطالب الشعبية. تَعكسُ المرونة التفسيرية -التي تُفهَمُ كنزاعٍ بين العقلانيات- ادّعاءات الفاعلين المتموضعين في جهاتٍ مختلفةٍ.
تنعكسُ المطالب المتعدِّدة على التصميم في هيئاتٍ وممارساتٍ وتحديداتٍ استدلاليةٍ. وعليه، يُمكن تحليلُ التكنولوجيات كظواهر مؤلَّفةٍ من طبقاتٍ تندرجُ من أعالي الأيديولوجية الكاملة نزولًا إلى تفاصيل التصميم التقني. في كلّ مرحلة تظهرُ المزيد من الطبقات التي تعكسُ الدرجات المختلفة من التجريد. على سبيل المثال، ألهمتْ الأيديولوجية الليبرالية الجديدة للدولة البريطانية مناهجَ التقييم الكميّ لـ«هيئة الخدمات الصحية الوطنية»، وهذا قد عكس بدوره التفضيل المؤسّساتي للاستشفاء الذي يطبع التطبيق الطبيّ المعاصر. حقّق برنامج مهيئة الخدمات الصحية الوطنية» الانسجام على جميع المستويات باستثناء المستوى المهم المتمثِّل بمستوى الدواء نفسه الذي لم يكن له فاعليةٌ وفقًا لشروط الهيئة. قدّم البرنامج المضادّ لمقدِّمي الرعاية الصحية نظريةً معرفيةً مختلفةً تتواءمُ مع أخلاقيات التعاطف وتتّجه نحو رعاية المرضى المصابين بأمراضٍ مُزمنةٍ. تتوازى إثارة مشاعر التعاطف عبر القصص الشخصية في برنامجهم مع المناهج الكمية لـ«هيئة الخدمات الصحية الوطنية»، وكان الدواءُ فعّالًا وفقًا لهذه الشروط.
تُظهر الشبكة العنكبوتية الطبقات على المستوى التقنيّ. تُؤدِّي الميزات التقنية للشبكة العنكبوتية نطاقًا واسعًا من الوظائف التي تعكسُ مطالب الفاعلين المختلفين. على سبيل المثال، تتمثّلُ إحدى ميزات الإنترنت في استخدام الشبكة وبقاء الهوية الشخصية مجهولةً، وترجعُ جذور هذه الميزة إلى الأنظمة التقنية للإنترنت. لا تملكُ الشبكة العنكبوتية حارسًا كشركة الهاتف يطلبُ الهويات
(290)الشخصية. على الرغم من أنّ المجهولية معيوبةٌ إلا أنّها تخدمُ المنشقِّين السياسييين، والأفراد الباحثين عن شركاء، والمجرمين المتورّطين في شراء المخدرات وبيعها، والأشخاص المنخرطين في التحميل غير القانوني للموسيقى والأفلام، بالإضافة إلى العديد غيرهم.
تُؤدّي الوظائف المختلفة المتكتِّلة حول هذه الميزة إلى وقوع التوتّرات في ما يتعلّق بالتصميم الأنسب للشبكة العنكبوتية. تجدُ شركات الموسيقى والأفلام صعوبةً في حماية ممتلكاتها الفكرية على الإنترنت وتودّ لو تتيسّر عملية تحديد المستخدِمين الذين يأخذون محتوياتها من دون دفع المقابل. هذا الأمر يتطلّب إحداث تغييراتٍ في نظام الشبكة العنكبوتية وتنظيم مقدِّمي خدمات الإنترنت وسوف يكونُ له أثرٌ على جميع الاستخدامات الأخرى لميزة المجهولية. على المستوى الأيديولوجي، تُعارضُ حرية التعبير السوقَ الحر في المنافسة على التحكُّم بالتصميم. يُمكن تنظيم الدراسات الجارية حول قضايا من هذا القبيل من الأعلى إلى الأسفل؛ من الصياغات الأيديولوجية للغايات إلى تحقُّقها في الاستخدامات والميزات التقنية والوظائف.
تنبثقُ العديد من المقترحات المنهجية من التركيز على دور التحقّقات المتحيِّزة للعقلانية في الثقافة المعاصرة. تبحثُ النظرية النقدية للتقنية هذه التحقّقات في حالاتٍ معيّنةٍ وفي سياق نظريةٍ حداثويةٍ، وبهذا تهدفُ إلى إنشاء جسرٍ بين «الطبقتين» اللَّتَين ناقشتهما: البحث التجريبي والنظرية الاجتماعية العامة.
(291)
عليرضا قائمينيا
إنَّ الذكاء الاصطناعي الذي يُطلَق عليه في بعض الأحيان (AI) اختصارًا، يُعَدُّ واحدًا من أكثر الفروع الفلسفيَّة التحقيقيَّة إثارةً للانبهار والتعجُّب. وقد أحدث ظهور الحاسوب الآلي قفزات ملحوظة جدًّا في حياة البشر، وكان لحقل الفلسفة نصيبه من ذلك. فقد أثار الفلاسفة تساؤلات فلسفيَّة كثيرة حول اختلاف ذكاء الإنسان عن ذكاء الحاسوب الآلي، وقد أفضت جميع هذه التساؤلات إلىٰ طرح بحث «الذكاء الاصطناعي».
إنَّ الغاية من «الذكاء الاصطناعي» هي فهم طبيعة الذكاء البشري من خلال دراسة تركيبة البرامج الحاسوبيَّة، وطريقة حلِّ المسائل بواسطة الحاسوب الآلي. يذهب المتخصِّصون في هذا الحقل إلىٰ الاعتقاد بأنَّ من شأن هذه الدراسة أنْ تُوضِّح أُسلوب وطريقة عمل وجزئيَّات الذكاء البشري.
إنَّ دراسة العلاقة والصلة بين هذا الحقل والدِّين يُعَدُّ من أحدث حقول أبحاث «العلم والدِّين». وقبل الدخول في هذا البحث لا بدَّ من بيان بعض الأُمور العامَّة والكلّيَّة بشأن الذكاء الاصطناعي.
(299)يجب قبل كلِّ شيء بيان مراد المتخصِّصين في الذكاء الاصطناعي من مصطلح «الذكاء»؛ وذلك بسبب الاختلاف التامِّ لرؤيتهم تجاه مقولة الذكاء والمفاهيم المرتبطة به، مثل: العقل والذهن وما إلىٰ ذلك. واليوم نجد في العلوم الراهنة استعمالًا واسعًا لمصطلح الذكاء في علم النفس. حيث يبحث علماء النفس في حظوظ الأشخاص من الذكاء والأُمور المرتبطة به. وأمَّا في الذكاء الاصطناعي فهناك توظيف واستعمال مختلف لهذا المصطلح .
في الذكاء الاصطناعي يتمُّ - قبل كلِّ شيء - تقديم تعريف عملي للذكاء. وفي العادة يُبدي الفلاسفة ميلًا أكبر إلىٰ لتعاريف المفهوميَّة، ويسعون إلىٰ إيضاح مفهوم الذكاء والعقل وما إلىٰ ذلك. في حين أنَّ المتخصِّصين في الذكاء الاصطناعي - ولأسباب تخصُّهم - يميلون إلىٰ التعريف العملي. ومن بين تلك الأسباب أنَّ النزاعات المفهوميَّة لا تنطوي علىٰ فائدة تُذكر، وغالبًا ما تكون نتائجها عقيمة. فإذا أردنا العثور علىٰ طبيعة وماهيَّة العلاقة والارتباط بين «الذكاء» و«التفكير» من خلال تعريف مفهوميهما، لنرىٰ ما إذا كان الذكاء هو التفكير أم لا، فإنَّنا سندخل حينها في نزاع لفظي لا نهاية له. إذ لا شكَّ في وجود اختلاف مفهومي بين هاتين المفردتين، ولا يمكن لهما أنْ تشيران إلىٰ شيء واحد، وبذلك فإنَّهم لا يدَّعون التساوي المفهومي بين هاتين الكلمتين. بل إنَّهم - كما سيأتي توضيحه لاحقًا - يذهبون إلىٰ الاعتقاد بأنَّ هذين المصطلحين يشيران إلىٰ حقيقة قابلة للتقييم.
(300)وفي إطار تحديد معنىٰ الذكاء قدَّم ألان تورينج - وهو من طلائع بحث الذكاء الاصطناعي - في معرض بيان الأهداف العمليَّة التي يُنشِدها من وراء الذكاء الاصطناعي، تعريفًا مقبولًا بالنسبة إلىٰ الجميع. وكان الدافع من وراء طرح هذا الملاك يرمي - كما أسلفنا - إلىٰ تجنُّب النزاعات اللفظيَّة والأبحاث الفلسفيَّة العقيمة. لقد أدرك تورينج أنَّه لا يستطيع من خلال الخوض في الأبحاث الفلسفيَّة السائدة بشأن هذه الكلمة أنْ يقيم ارتباطًا بين وظائف الآلات والذهن البشري. ومن هنا يقترح تورينج التخلّي عن المسائل اللفظيَّة والمفهوميَّة في هذا الشأن، وتقديم اختبار بسيط في هذا المجال، ونعمل بعد ذلك علىٰ دراسة ذات الآلة بشكل عيني وملموس. كما توقَّع أنَّ أجهزة الحاسوب الآلي ستخرج - حتَّىٰ عام 2000م - من هذا الاختبار بنجاح، وأنَّ التعاريف المخالفة ستبدو عندها فاقدة للمعنىٰ.
إنَّ اختبار تورينج يقوم علىٰ أساس لعبة اسمها «لعبة التقليد». وفي هذه اللعبة هناك ثلاثة أشخاص غرباء، اثنان منهم - وهما الشاهدان - من جنسين مختلفين (ذَكَر وأُنثىٰ)، والثالث هو السائل. وفي هذه اللعبة يسعىٰ السائل من خلال طرح الأسئلة إلىٰ التعرُّف علىٰ جنس الشاهدين، وإنَّ أحد الشاهدين - وهو الرجل - يحاول إخفاء جنسه، في حين أنَّ الشاهد الآخر - وهو المرأة - يُجيب عن الأسئلة بكلِّ صدق وصراحة. فإنْ أمكن للسائل أنْ يصل إلىٰ الإجابة الصحيحة تكون المرأة هي الفائزة، وأمَّا إذا لم يصل إلىٰ الإجابة الصحيحة يكون الفائز هو الشاهد الرجل. ولكي لا يحصل السائل علىٰ أيِّ أدلَّة تساعده علىٰ حلِّ اللغز والتعرُّف علىٰ الجنسين، من قبيل الأصوات والوجوه وما إلىٰ ذلك، يتمُّ
(301)توجيه الأسئلة والأجوبة عبر الآلة الكاتبة ومن وراء الجُدُر. تقوم رؤية تورينج علىٰ القول بأنَّنا لو استبدلنا الحاسوب الآلي بالشاهد الرجل، وأدركنا أنَّ هذا الجهاز يستطيع أنْ يستغفل السائل بشكل ذكي، فإنَّه سيخرج من هذا الاختبار بنجاح.
كيف أصبحت هذا اللعبة العجيبة والغريبة اختبارًا معتبرًا للذكاء؟ إنَّ الاستفادة من الآلة الكاتبة البعيدة والرجل الذي يسعىٰ إلىٰ خداع السائل وما إلىٰ ذلك، يُمثِّل في مجموعه - بحسب الحقيقة والواقع - كواليس وديكور الاختبار؟ وأمَّا أصل وأساس الاختبار فهو الحوار. فهل يمكن للحاسوب الآلي أنْ يتكلَّم مثل الإنسان؟ أم أنَّ هناك فرقًا واختلافًا بين الإنسان والحاسوب الآلي؟
إنَّ المشكل الرئيس لهذا النوع من الاختبارات يكمن في أنَّ للذكاء درجات متفاوتة. فإنَّ درجة ذكاء الأشخاص تختلف من واحد لآخر، بحيث يمكن لنا تقييم ذكاء الأفراد وبيان الفارق بينهم في الذكاء. بيد أنَّ هناك شكٌّ في قول ذلك بالنسبة إلىٰ الحاسوب الآلي. والذي يمكن قوله بشأن هذه الأجهزة هو أنَّ بإمكانها العمل بدقَّة طبقًا لبرمجتها الخاصَّة. وبعبارة أُخرىٰ: إنَّها إنَّما تعمل علىٰ أساس البرمجة، ولكنَّها هل تُفكِّر حقًّا؟ وفي معرض الجواب نجد المتخصِّصين في الذكاء الاصطناعي - من أمثال تورينج - يُعرِّفون مفهوم «الفكر» أو «الذكاء» بحيث يشمل الآلة أيضًا. إلَّا أنَّهم بدلًا من حلِّ المسألة، يُدخِلون فرضًا خاطئًا يُؤدّي إلىٰ المصادرة علىٰ المطلوب.
(302)إنَّ الذكاء الاصطناعي يتبع برنامجًا خاصًّا لحلِّ المسائل. إنَّ الالتفات إلىٰ خصائص الذكاء الاصطناعي ينفع في مقام الاستفادة من هذا النوع من البرامج. وهناك خمس خصائص منها تحظىٰ بأهمّيَّة خاصَّة، وسوف نشرحها علىٰ النحو الآتي:
1. الحسابات الرمزيَّة: الخصِّيصة الأُولىٰ هي أنَّ الذكاء الاصطناعي يعتمد في حلِّ المسائل علىٰ الرموز العدديَّة. إنَّ الذكاء الاصطناعي يعمل في حلِّ المسائل علىٰ أساس منظومة ثنائيَّة قوامها الصفر والواحد. ومن هنا ذهب بعض المخالفين إلىٰ القول بأنَّ أهمّ نقص يعاني منه الذكاء الاصطناعي يكمن في أنَّه لا يفهم غير الصفر والواحد. وبعبارة أُخرىٰ: إنَّ الحاسوب الآلي لا يفهم غير «نعم» أو «لا»، ولا يمكنه فهم الحالة المتوسِّطة بين هذين المفهومين.
وفي الطرف المقابل قال أنصار الذكاء الاصطناعي: إنَّ الذكاء الطبيعي (ذكاء الإنسان) يفهم الظواهر والأُمور بدوره علىٰ أساس منظومة ثنائيَّة أيضًا، فلو درسنا وحلَّلنا الخلايا العصبيَّة للإنسان، سنُدرك أنَّ الفهم البشري يقوم علىٰ حالة ثنائيَّة، وأنَّ الجهاز العصبي يُحوِّل المفاهيم والتصوُّرات إلىٰ حالات ثنائيَّة. وبطبيعة الحال فإنَّ بيان طريقة هذا التحويل في المفاهيم والإدراكات المعقَّدة أمر صعب، بيد أنَّ دراسة برامج الذكاء الاصطناعي قامت بتذليل هذا الأمر الصعب.
2. أُسلوب الكشف: الخصِّيصة الثانية في الذكاء الاصطناعي تعود إلىٰ نوع
(303)المسائل التي يقوم بحلِّها. في العادة ليس لهذه المسائل طريقة حلٍّ لوغاريثميَّة. ومرادنا من اللوغاريثم سلسلة من المراحل المنطقيَّة التي تُؤدّي إلىٰ حلِّ المسائل. إنَّ الذكاء يطوي هذه المراحل خطوة بخطوة، حتَّىٰ يصل إلىٰ حلِّ المسألة. وبعبارة أُخرىٰ: إنَّ طيَّ هذه المراحل في اللوغاريثم يضمن الوصول إلىٰ النتائج بشكل طبيعي. إنَّ المسائل التي يعمل الذكاء الاصطناعي علىٰ حلِّها ليس لها طُرُق حلٍّ لوغاريثميَّة، بمعنىٰ أنَّنا في العادة لا نستطيع لحلِّ هذه المسائل اللوغاريثميَّة أنْ نعثر - بعبارة أُخرىٰ - علىٰ سلسلة من المراحل المنطقيَّة التي تضمن الوصول إلىٰ النتائج. وعلىٰ هذا الأساس فإنَّ الذكاء الاصطناعي يعمل في حلِّ المسائل من خلال الاعتماد علىٰ أُسلوب الكشف، أي إنَّه يعتمد علىٰ أُسلوب لا يمكن لسلوكه أنْ يضمن الوصول إلىٰ النتائج. في أُسلوب الكشف هناك طُرُق متعدِّدة لحلِّ المسائل، وإنَّ اختيار أحدها يُبقي الباب مفتوحًا أمام اختيار الطُّرُق الأُخرىٰ، وإنَّ اجتياز بعضها لا يحول دون اجتياز الطُّرُق الأُخرىٰ. وبالتالي فإنَّ البرامج ذات الحلول الضامنة لا تُعَدُّ جزءًا من برمجيَّات الحاسوب الآلي؛ إذ لا يوجد لها حلٌّ لوغاريثمي خاصٌّ.
إنَّ برامج لعبة الشطرنج شكَّلت أرضيَّة ميمونة للذكاء الاصطناعي؛ إذ لا يوجد أُسلوب معروف لتعيين أفضل نقلة في مرحلة خاصَّة من هذه اللعبة الفكريَّة، وذلك للأسباب الآتية:
أوَّلًا: أنَّ عدد الاحتمالات الموجودة في كلِّ حالة من الكثرة بحيث لا يمكن استيعابها ورصدها بأجمعها.
ثانيًا: أنَّ إدراكنا لمنطق الخيارات والحركات التي يقوم بها اللَّاعبون منخفض
(304)جدًّا. وإنَّ عدم الإدراك هذا يعود إلىٰ اللَّاوعي بشكل وآخر، وعلينا أنْ لا نغفل عن أنَّ اللَّاعبين قد يتعمَّدون عدم الكشف عن منطقهم أحيانًا.
بالالتفات إلىٰ النكتة أعلاه، ذهب هيربرت دريفوس - أحد المخالفين للذكاء الاصطناعي - إلىٰ الادِّعاء بعدم وجود أيِّ برنامج للوصول إلىٰ مستوىٰ لاعب الشطرنج الجيِّد. بيد أنَّ ظهور البرامج المتطوِّرة في لعبة الشطرنج منذ عام 1985م، أثبت عدم صوابيَّة هذا الادِّعاء من دريفوس.
3. تمثيل المعرفة : إنَّ برامج الذكاء الاصطناعي تختلف عن البرامج الإحصائيَّة في «تمثيل المعرفة»، بمعنىٰ أنَّ برامج الذكاء الاصطناعي تُعبِّر عن تطابق العمليَّات الاستدلاليَّة الرمزيَّة للحاسوب الآلي مع عالم الخارج. ويمكن لنا إيضاح هذه النقطة من خلال مثال بسيط:
إنَّ « تمثيل المعرفة» عنوان لمجموعة من المسائل المعرفيَّة، من قبيل:
1. ما هي المعرفة المنشودة للذكاء الاصطناعي؟ وما هي أنواعها؟ وما هي بنيتها؟
2. كيف يمكن تظهير المعرفة من خلال الحاسوب الآلي؟
3. ما هو نوع المعرفة التي يعمل تمثيل المعرفة علىٰ بيانها؟ وما هو الشيء الذي يتمُّ التأكيد عليه فيها؟
4. كيف يمكن الحصول علىٰ المعرفة، وكيف يجب تغييرها؟.
5. نقص المعلومات: إنَّ الذكاء الاصطناعي يصل إلىٰ حلِّ المسألة في حالة لا تتوفَّر
(305)فيها جميع المعلومات التي تمسُّ الحاجة إليها. وهذه الحالة تحصل في الكثير من الموارد الطبّيَّة، فإنَّ المعلومات المتوفِّرة لدىٰ الطبيب لا تساعده في الغالب علىٰ تشخيص المرض، ولا تتوفَّر له فُرَص كبيرة للعلاج، ولذلك يتعيَّن عليه الإسراع في اتِّخاذ القرار.
إنَّ الافتقار إلىٰ المعلومات اللَّازمة يجعل النتائج الحاصلة غير يقينيَّة أو أنْ يكون احتمال الخطأ فيها واردًا. ونحن في حياتنا العمليَّة نتَّخذ قرارات لا تستند عادةً إلىٰ المعلومات، وعليه تكون هذه القرارات عرضة للخطأ دائمًا.
6. تناقض المعلومات: يمكن للذكاء الاصطناعي عند تناقض المعلومات وتعارضها، العثور علىٰ حلٍّ مناسب للمسألة. إنَّ الذكاء الاصطناعي في مثل هذه الموارد يُقدِّم أفضل الحلول للمسألة ويعمل بذلك علىٰ رفع التناقض.
إنَّ الحاسوب الآلي عبارة عن منظومة تعمل علىٰ التصرُّف في الرموز وتغييرها. يعمل الحاسب الآلي طبقًا للبرامج المقدّمة له علىٰ التحكُّم في الرموز ويُغيِّر من أوضاعها، ويعمل البرنامج المنشود علىٰ بيان وإيضاح جزئيّات التدخُّل والتصرُّف خطوة بخطوة، ويعمل الحاسوب الآلي علىٰ طبقها بشكل دقيق. إنَّ هذه الرموز يتمُّ صنعها في ذاكرة الحاسوب الآلي بواسطة الكهرباء. لنفترض أنَّ هذه الرموز مؤلَّفة من الرقمين: الصفر والواحد (وفي الحقيقة فإنَّ برامج الحاسوب الآلي تُكتَب بهذين الرقمين)، وعلىٰ سبيل المثال نُبيِّن الرموز المنشودة من خلال الأسطر الأربعة أدناه:
1101
1001
0001
0011
(306)يقوم الحاسوب الآلي بإجراء عمليَّات علىٰ طبق الرموز (في الأسطر الأربعة أعلاه) في ضوء البرنامج المقدّمة له. والمثال أدناه برنامج لتغيير الرموز.
1. استنسخ محتوىٰ سطر خاصٍّ في سطر آخر.
2. احذف رموز سطر خاصٍّ.
3. اكتب سلسلة من الرموز المحدَّدة في سطر خاصٍّ.
4. قارن بين رموز سطرين محدَّدين.
5. استعمل رمزًا خاصًّا لتسمية سطر محدَّد.
في البرنامج المنشود يتمُّ تحديد ما الذي يتعيَّن علىٰ الحاسوب الآلي أنْ يقوم به وعلىٰ أيِّ سطر. إنَّ هذا النوع من عمليَّات تغيير الرموز يُسمَّىٰ بـ (العمليَّات الجذريَّة). وعليه يمكن تعريف الحاسوب الآلي بأنَّه (منظومة أو جهاز يستطيع القيام بعدد من العمليَّات الجذريَّة).
فرضيَّتان في الذكاء الاصطناعي
في الذكاء الاصطناعي يتمُّ إخضاع الكثير من الفرضيَّات إلىٰ البحث. ومن بين تلك الفرضيَّات هناك فرضيَّتان تحظيان بالأولويَّة. والفرضيَّة الأُولىٰ أكثر اعتدالًا من الفرضيَّة الثانية حيث تشتمل علىٰ الحدِّ الأدنىٰ من الادِّعاء. وهاتان الفرضيَّتان عبارة عن:
1. فرضية النظام الرمزي، ومفاد هذه النظريَّة كالآتي: «يمكن برمجة الحاسوب الآلي بحيث يُفكِّر».
والتقرير الآخر للفرضية أعلاه: «يمكن للحاسوب الآلي أنْ يُفكِّر».
2. فرضية النظام الرمزي القوي، ومفاد هذه الفرضية كالآتي: «إنَّ الذي يمكنه التفكير هو الحاسوب الآلي فقط».
(307)واضح أنَّ الفرضيَّة الثانية أكثر تطرُّفًا من الفرضيَّة الأُولىٰ، حيث تشتمل علىٰ الحدِّ الأعلىٰ من الادِّعاء، إذ إنَّ كلَّ شيء يُفكِّر في ضوء هذه الفرضيَّة - حتَّىٰ الكائنات الطبيعيَّة - يجب عدُّه نوعًا من الحاسوب الآلي. وبذلك يكون الذهن البشري آلة شاملة وجامعة من الرموز، وأنَّ التفكير البشري من الناحية الماهويَّة لا يختلف عن التفكير المستعمل بالنسبة إلىٰ الحاسوب الآلي، فالتفكير في كلا الموردين عبارة عن القدرة علىٰ التصرُّف والتغيير في أوضاع الرموز.
يطرح هذا السؤال نفسه فيما يتعلَّق بمدَّعيات الذكاء الاصطناعي، إذ يقول: بأيِّ أُسلوب يجب الإجابة عنه؟ فهل ينبغي في إطار العثور علىٰ الجواب المناسب، اللجوء إلىٰ التجربة وجمع الشواهد؟ أم أنَّ لهذه الأسئلة ماهيَّة فلسفيَّة بحتة، وفي سياق الإجابة عنها يجب انتهاج الأساليب الفلسفية؟ حاول المتخصِّصون في الذكاء الاصطناعي الإجابة عنها وإثباتها من خلال الأُسلوب التجريبي وجمع الشواهد التجريبيَّة.
يذهب جون سيرل - وهو من الفلاسفة البارزين في العصر الراهن - إلىٰ الاعتقاد بأنَّ المتخصِّصين في الذكاء الاصطناعي قد سلكوا طريقًا خاطئًا باعتبارهم هذه المسائل أُمورًا تجريبيَّة. فإنَّ مسألة «أنَّ الأجهزة التي تعمل علىٰ تكثير الرموز، أجهزة مفكِّرة»، ليست مسألة تجريبيَّة، ولا يمكن لجمع الشواهد أنْ يحمل إجابة لذلك. وادَّعىٰ أنَّنا نستطيع الآن إبطال فرضيَّة أنظمة الرمز دون الالتفات إلىٰ هذه الشواهد. إنَّ هذه الفرضيَّة - من وجهة نظره - تُنكِر حقيقة تحليليَّة (من قبيل: «الرجال ذكور»)، مع فارق أنَّ إدراك خطأ هذا المثال في غاية البساطة؛ إذ يمكن
(308)إثبات عدم صوابيَّته من خلال الرجوع إلىٰ المعاجم اللغويَّة. وأمَّا إبطال فرضيَّة أنظمة الرمز، فهو بحاجة إلىٰ بحث فلسفي دقيق. وقد طرح سيرل استدلالًا علىٰ ردِّه، وهو الاستدلال الذي عُرِفَ لاحقًا بـ استدلال الغرفة الصينيَّة.
قلنا: إنَّ الحاسوب الآلي هو الجهاز الوحيد الذي يعمل علىٰ تغيير الرموز، وكلُّ ما يقوم به هو المقارنة بين الرموز، أو يعمل علىٰ حذفها أو استنساخها وما إلىٰ ذلك. وسرعان ما يطرح هذا التساؤل نفسه: هل يمكن للحاسوب الآلي أنْ يفهم؟ بمعنىٰ: هل يمكنه أنْ يفهم جملة في لغة طبيعيَّة بعينها (من قبيل اللغة العربيَّة مثلًا)؟ يُجيب سيرل عن ذلك بالقول: إنَّ الحاسوب الآلي لا يستطيع فهم عبارات اللغة الطبيعيَّة. وقد أجاب بألفاظ فنّيَّة، إذ يقول:
«إنَّ الجهاز الذي يتصرَّف في الرموز، إنَّما لديه مهارة في النحو فقط، والمهارة في خصوص النحو ليست كافية في إدراك المعاني».
إنَّ الكفاءة في النحو تعني القدرة علىٰ التصرُّف والتغيير في الرموز اللغويَّة، وهذا لا يعني بالضرورة الكفاءة والقدرة علىٰ فهمها. إنَّ الحاسوب الآلي هو أُستاذ في قواعد النحو؛ بمعنىٰ أنَّ برامج الحاسوب الآلي ليست سوىٰ مرشد للقيام بسلسلة من الخطوات النحويَّة. ومن هنا فإنَّه لا يستطيع التحرُّر من قيود النحو، والانطلاق في فضاء معرفة المعاني.
إنَّ استدلال سيرل معقَّد إلىٰ حدٍّ ما، ويحتاج إلىٰ تقرير بسيط نسبيًّا. لنفترض أنَّنا عملنا علىٰ تصميم برنامج لفهم القَصص. إنَّ هذا النوع من البرمجيَّات في الذكاء
(309)الاصطناعي يُعرَف بـ (Sam) اختصارًا لـ (Script Applier Mechanism). فلو عملنا علىٰ تزويد هذا البرنامج بقصَّة، وطرحنا عليه أسئلة بشأنها، فإنَّه سيُجيبنا عنها بأجوبة مناسبة دون تردُّد. سبق لنا أنْ ذكرنا أنَّ برامج الحاسوب الآلي تُكتَب علىٰ طبق منظومة من الأعداد الثنائيَّة هي (الصفر والواحد). وعلىٰ هذا الأساس فإنَّ كلَّ مرحلة من هذا البرنامج تبدو علىٰ شكل سطر من أعداد الصفر والواحد، ويمكن لنا ترجمتها علىٰ شكل قاعدة. نستعرض السطر الآتي علىٰ سبيل المثال:
00000011 - 1100 - 0111
ففي هذا السطر نجد الرمز (0111) الذي يُشير إلىٰ العدد 7، والرمز (1100) الذي يشير إلىٰ العدد 12، والرمز (00000011)، يُمثِّل أُسلوبًا كي نقول للحاسوب الآلي: (قارن). وعلىٰ هذا الأساس فإنَّ السطر أعلاه يُترجَم إلىٰ هذه القاعدة:
«قارن محتوىٰ العدد 7 بمحتوىٰ العدد 12، واكتب 1 إذا كانت متَّحدة، واكتب 0 إذا كانت مختلفة».
لو كتبنا كلَّ برنامج الـ (Sam) علىٰ طبق هذا الأُسلوب، بمعنىٰ أنْ نُعيد كتابة جميع سطوره علىٰ شكل قواعد في إطار لغة طبيعيَّة، سوف تكون لدينا مجموعة من الكُتُب المشتملة علىٰ القواعد. إنَّ هذه المجموعة ستحتوي علىٰ مجلَّدات كثيرة، وإنَّ عملية إكمال هذه المجلَّدات سوف تستدعي شهورًا بل سنوات طويلة وصبر أطول. لنفترض أنَّنا قد أمكن لنا العثور علىٰ مثل هذا الشخص الصبور الذي أبدىٰ استعدادًا للقيام بإعادة كتابة هذه المجلَّدات، فسوف يتعيَّن علىٰ هذا الشخص الفذِّ والاستثنائي أنْ يحبس نفسه في مكتبة زاخرة بالكُتُب ذات الصلة بقواعد هذه الكتابة. كما يجب أنْ تحتوي هذه المكتبة علىٰ الكثير من الأوراق البيضاء
(310)وآلاف الأقلام. وإنَّ وسيلته الوحيدة للتواصل مع العالم الخارجي ستكون عبارة عن كوَّتين صغيرتين إحداهما للاستقبال والأُخرىٰ للإرسال. يقوم المختبرون بإرسال قصَّة مرفقة بأوراق الأسئلة عبر كوَّة الاستقبال، ليحصلوا علىٰ الأجوبة من خلال كوَّة الإرسال ضمن فترة قصيرة جدًّا. إنَّ هذا الشخص لا يمارس الخداع أو التمويه في إعداد وتقديم الإجابات. وإنَّ جميع القَصص والأسئلة قد كُتِبَت باللغة الصينيَّة، وهو لا يعرف هذه اللغة، بل إنَّه لا يُدرك أنَّ الاستقبال والإرسال في الأصل عبارة عن جُمَل في لغة خاصَّة. إنَّ جميع هذه الأُمور والنماذج بالنسبة له فاقدة للمعنىٰ. إلَّا أنَّه بمجرَّد الحصول علىٰ قصَّة مرفقة بأسئلة من كوَّة الاستقبال، يراجع كتاب قواعده ويعثر للرموز المنشودة علىٰ سلسلة متناسبة من أعداد الصفر والواحد. إنَّ عليه القيام بآلاف التعديلات وملء الأوراق البيضاء بسلسلة من أعداد الصفر والواحد. وبالتالي فإنَّه سيصل إلىٰ الصفحة الأخيرة من كتاب قواعده التي وضعت أرقامًا خاصَّة بإزاء الأبجديَّة الصينيَّة. وبعدها يقوم بإرسال الإجابات الكاملة إلىٰ الخارج عبر كوَّة الإرسال. إنَّ هذه الأبجديَّة من وجهة نظر المختبرين دقيقة للغاية، في حين أنَّها من وجهة نظر ذلك الشخص القابع في المكتبة المغلقة لا تعدو أنْ تكون مجرَّد لخبطات عشوائيَّة وغير مفهومة.
يرىٰ سيرل أنَّ هذا الشخص لا يفهم القصَّة ولا الأسئلة، وإنَّ الاستقبال والإرسال بالنسبة إلىٰ هذا الشخص يتألَّفان من مجرَّد رموز اعتباطيَّة فاقدة للمعنىٰ. ولكنَّه في الوقت نفسه يقوم بجميع المهامِّ التي يقوم بها الحاسوب الآلي، ويقوم بأداء برنامج الـ (Sam) بدقَّة كاملة. ولكن حيث إنَّ القيام بهذا العمل لا يستوجب أنْ يفهم هذه اللغة، فإنَّ الحاسوب الآلي بدوره من خلال قيامه بهذا البرنامج لا يفهمها أيضًا.
(311)
وبشكلٍ عامٍّ فإنَّ استدلال الغرفة الصينيَّة يُثبِت وجود جهاز يعمل علىٰ مجرَّد تغيير الرموز، ولا يمكنه أنْ يفهم شيئًا، أو أنْ يعتقد بشيء، أو أنْ يُفكِّر في شيء. وعليه فإنْ صدق هذا الاستدلال يستلزم كذب فرضيَّة النظام الرمزي.
إنَّ استدلال الغرفة الصينيَّة قد أثار الكثير من الأبحاث بشأنْ الذكاء الاصطناعي، حيث أدلىٰ الكثير من المخالفين والموافقين بدلائهم في هذا المجال. من ذلك أنَّ «كوبيلاند» - علىٰ سبيل المثال - قام بنقد هذا الاستدلال. إذ يرىٰ أنَّه يحتوي علىٰ مغالطة دقيقة، وهي من قبيل: (مغالطة الجزء والكلِّ). عندما نسأل الشخص الحبيس في الغرفة الصينيَّة: هل العمل علىٰ تغيير الرموز يدفعه إلىٰ فهم الأسئلة الوافدة إليه عبر كوَّة الاستقبال؟ سيكون جوابه هو النفي. وبذلك فإنَّ سيرل يستنتج من هذه المقدّمة أنَّ تغيير الرموز لا يكفي في الوصول إلىٰ الفهم. يرىٰ كوبيلاند أنَّ مشكلة سيرل تكمن في أنَّه يتصوَّر وجود مجرَّد شخص واحد في الغرفة الصينيَّة، وأنَّ وظيفته تتلخَّص في تغيير الرموز. في حين أنَّ هناك شخصًا آخر يجلس إلىٰ جوار ذلك الشخص، ولكنَّه يتواجد هناك بشكل سرّي، ويمكن القول: إنَّه نتاج أعمال الشخص الأوَّل. فهو من خلال تغيير الرموز يعمل علىٰ إيجاد ذلك الشخص الخفي. إنَّ الشخص الأوَّل لا يعتريه التعب، ويقوم لذلك بإنجاز الكثير من الأعمال، إلَّا أنَّ الشخص الثاني يتحدَّث اللغة الصينيَّة بشكل جميل وطليق، ويمتلك القدرة علىٰ الخروج من قيود الشخص الأوَّل، ويتعرَّف علىٰ تفاصيل ودقائق اللغة الصينيَّة. ومن هنا لا بدَّ من سؤال سيرل عن سبب توجيه السؤال إلىٰ خصوص الشخص الأوَّل بشأن فهم الرموز؟ فهو لا يُشكِّل سوىٰ جزء من هذه الآلة. وأمَّا إذا وجَّهنا هذا السؤال إلىٰ الشخص الثاني فإنَّه
(312)سيقول: إنَّ المهام التي يقوم بها الشخص الأوَّل تُمكِّنه من فهمها. وعليه يمكن صياغة استدلال سيرل علىٰ النحو الآتي:
- مهما بالغ هذا الشخص في تغيير الرموز، لن يستطيع أنْ يفهم النتائج المرسَلة والمكتوبة باللغة الصينيَّة (المقدّمة).
- مهما بالغ هذا الشخص في تغيير الرموز، فإنَّ المنظومة التي يُعتَبر هو جزءًا منها، لن تُمكِّنه من فهم النتائج المرسَلة والمكتوبة باللغة الصينيَّة (النتيجة).
إنَّ هذا الاستدلال غير معتبر، إذ لا يحتوي علىٰ صلة منطقيَّة بينه وبين النتيجة.
يسعىٰ كوبيلاند إلىٰ إثبات أنَّ هذا النظام وإنْ كان في بعض أجزائه لا يستطيع فهم اللغة، إلَّا أنَّه بمجموعه يستطيع ذلك، وأنَّ سيرل لم يُثبِت غير القول بأنَّ جزءًا منه لا يفهم اللغة. إنَّ كلام كوبيلاند لا يبدو مقنعًا؛ إذ لا يزال هذا السؤال مطروحًا: كيف يمكن لتغيير الرموز أنْ يجعل مجموع المنظومة قادرة علىٰ فهم اللغة؟ ثمّ إنَّه ما هو الفرق بين هذا الكلِّ والجزء الذي يجعل من كلِّ المنظومة مجموعًا يفهم اللغة الصينيَّة؟ يُثبِت سيرل أنَّ كلَّ ما يحدث في المنظومة هو تغيير الرموز، وهذا لوحده لا يكفي لفهم اللغة. وأمَّا كوبيلاند فيدَّعي أنَّ هذا الأمر يجعل كلَّ المنظومة قادرة علىٰ فهم اللغة. وعليه لا بدَّ من إثبات هذا الادِّعاء.
الدِّين والفهم الميكانيكي للتفكير
إنَّ أبحاث الذكاء الاصطناعي مرتبطة بالمعتقدات الدِّينيَّة في الكثير من الموارد، وهي تُثير الكثير من الأسئلة في هذا الشأن، ويمكن بيان بعض هذه الأسئلة علىٰ النحو الآتي:
(313)1. هل الفهم الموجود في الذكاء الاصطناعي ينسجم مع الدِّين؟
2. ألَا تثير الفرضيَّات القائمة في الذكاء الاصطناعي نقاشًا حادًّا حول تفوُّق الإنسان علىٰ سائر الكائنات؟
3. ألَا يكتسب أسمىٰ نشاط بشري - وهو النشاط المتمثِّل بـ (التفكير) - في ضوء الذكاء الاصطناعي صبغة مادّيَّة وطبيعيَّة؟
4.هل يُثبِت الذكاء الاصطناعي أنَّ جميع النشاطات البشريَّة الكبيرة قابلة للتفسير بشكل طبيعي؟
يبدو أنَّ أسئلة من هذا النوع ترتبط في نهاية المطاف بالسؤال الأوَّل، وأنَّ السؤال الأوَّل أكثر جوهريَّةً منها. ومن هنا سنكتفي بطرح هذا السؤال ومناقشته من المنظار الدِّيني.
إنَّ جوهر «الذكاء الاصطناعي» هو الفهم الميكانيكي للتفكير؛ وإنَّ التفكير لا يعدو أنْ يكون مجرَّد القيام بخطوات ميكانيكيَّة تتمثَّل بـ (تغيير الرموز). وهذه هي العمليَّة التي تقوم بها الآلة. ومن هنا فإنَّ التفكير بمعناه الحقيقي لا يختصُّ بالبشر، أو بعبارة أُخرىٰ: إنَّ التفكير من مختصَّات الآلة.
في الرؤية الكونية الدِّينيَّة يمتاز الإنسان من سائر الموجودات في العالم بميزة خاصَّة. وإنَّ هذه الميزة لا تختزل بطاقاته الروحيَّة والمعنويَّة فقط، بل هي مرتبطة أيضًا بقواه الفكريَّة والعقليَّة أيضًا. وإنَّ اتِّصاله بعالم الغيب والتوصُّل إلىٰ دور الله سبحانه وتعالىٰ في مصيره يكمن إلىٰ حدٍّ ما في قواه وطاقاته الإدراكيَّة والعقليَّة.
لقد اختزل سيرل الفارق الهامَّ بين الذكاء الاصطناعي والعقل الطبيعي للبشر في فهم اللغة. إنَّ القدرة علىٰ فهم اللغة تختصُّ بالطاقات العقليَّة الخاصَّة. وإنَّ اللغة ظاهرة هامَّة للغاية إلىٰ الحدِّ الذي قام معه بعض الفلاسفة بتعريف الإنسان
بأنَّه «حيوان متكلِّم». ولكنَّنا بالرجوع إلىٰ آيات القرآن الكريم نجد أنَّه يشير إلىٰ امتيازات أُخرىٰ للبشر، ويمكن لهذه الامتيازات أنْ تكون هي الوجه والفارق الهامُّ الذي يُميِّز الإنسان من الآلة. وسنكتفي هنا بالإشارة إلىٰ موردين منها:
1. فهم التاريخ والاعتبار به: يمكن للإنسان أنْ يفهم الظواهر التاريخيَّة، وأنْ يستلهم منها الدروس والعِبَر. وقد أشار الله سبحانه وتعالىٰ إلىٰ هذه الحقيقة في سورة يوسف إذ يقول في محكم كتابه الكريم: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ).
إنَّ لهذه الآية أجزاء متنوِّعة، يمكن بيانها علىٰ النحو الآتي:
أوَّلًا: أنَّها تتحدَّث عن السيرة التاريخيَّة للنبيِّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم.
ثانيًا: أنَّها تأمر المخاطبين بالضرب والسير في الأرض من أجل الاعتبار بعواقب ومصائر الأُمَم السالفة.
ثالثًا: أنَّها تتحدَّث عن عالم الآخرة والتقوىٰ.
وفي نهاية المطاف تعمل علىٰ توبيخ المخاطبين بسبب عدم توظيف العقل والتفكير. وإنَّ الدعوة إلىٰ التفكير واستخدام العقل ترتبط بمختلف مضامين وأجزاء الآية.
والقسم الثاني من الآية يدعو إلىٰ التأمُّل في الآثار الباقية في الأرض عن الأُمَم السابقة. وإنَّ المخاطب من خلال تدبُّره في آثار الماضين والسير في الأرض، ومن خلال حركته المكانيَّة ينتقل إلىٰ الأزمنة الماضية، ويأخذ دروس العبر منها.
لا يمكن لأيِّ نشاط ميكانيكي أو تغيير للرموز أنْ تكون له القدرة علىٰ
الوصول إلىٰ مثل هذا التفكير. ولا يمكن للذكاء الاصطناعي الخوض في البُعد الزماني من خلال البُعد المكاني والمعلومات المستنتجة من خلال الآثار المتبقيَّة علىٰ الأرض، وأنْ يحصل منها علىٰ العِبَر بالنظر إلىٰ الأزمنة الماضية.
2. فهم القوانين الطبيعيَّة: إنَّ العقل البشري من الناحية الدِّينيَّة لا يقبل التقليل إلىٰ مستوىٰ التغيير في الرموز، وإنَّ له الكثير من النشاطات الأُخرىٰ التي لا يمكن لنا أنْ نتوقَّعها من الذكاء الاصطناعي أبدًا. إنَّه يستطيع فهم قوانين الطبيعة وارتباطها بالله سبحانه وتعالىٰ. قال الله تعالىٰ في سورة الحديد: (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْأَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
إنَّ الحياة والموت الطبيعي يُمثِّل نوعًا من الظواهر الطبيعيَّة والمرتبطة بقوانين الطبيعة. وإنَّ هذه الآية تدعو الجميع إلىٰ التدبُّر والتأمُّل في هذه الظاهرة والتعرُّف عليها. إنَّ هذه الظاهرة هي من جملة الآيات الإلهيَّة التي تستحقُّ التأمُّل والتدبُّر. وكذلك قال تعالىٰ في سورة الحجِّ: (وَتَرَىٰ الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ).
إنَّ حياة الأرض تبدأ بهطول المطر، ثمّ تخرج النباتات الجميلة من بطنها. إنَّ هذه هي القوانين البسيطة التي تحكم الطبيعة، والتي تُعَدُّ من ناحية أُخرىٰ من الآيات الإلهيَّة، ومن هنا نجد القرآن الكريم يدعو الجميع إلىٰ التدبُّر فيها.
إنَّ الذكاء الاصطناعي لا يستطيع القيام بما هو أكثر من تغيير الرموز. ومن الواضح أنَّه في كلِّ مسألة يروم حلَّها يتعيَّن عليه قبل كلِّ شيء أنْ يُترجمها بنحو مناسب إلىٰ رموز قابلة لفهمه، وهي لغة الصفر والواحد. إنَّ التأمُّل في قوانين الطبيعة وفهم الآيات الإلهيَّة يستتبع علىٰ الدوام نوعًا من الحيرة، ويرتبط
بمستويات أعلىٰ من التفكير البشري. إنَّ هذا النوع من الأُمور يستحيل صبُّه في قوالب رموز يمكن للذكاء الاصطناعي أنْ يفهمها.
يعمد الوجوديُّون عادةً إلىٰ التفريق بين السرِّ والمسألة. إنَّ المسألة تندرج في دائرة العلوم، ويمكن مقاربتها وحلِّها بواسطة العقل الحسابي، وعليه يمكن للذكاء الاصطناعي أنْ يعمل علىٰ حلِّ هذه المسائل، وتغدو ترجمتها إلىٰ لغة الرموز وتغييرها في مثل هذه الموارد ناجعة. وأمَّا السرُّ فيتعلَّق بالشؤون الجوهريَّة من حياة الإنسان، من قبيل: الموت والفرح والحزن وما إلىٰ ذلك. إنَّ الخلفيَّات العقلية التي نواجهها في الدِّين هي من قبيل السرِّ، ولا شكَّ في أنَّ الذكاء الاصطناعي لا يستطيع التسلُّل إلىٰ حريمها. قال الله تعالىٰ في محكم كتابه الكريم: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ).
يمكن للإنسان أنْ يتدبَّر في الحياة الدنيويَّة وأنْ يكتشف النواحي السلبيَّة فيها. وإنَّ هذه النواحي تجعل من الحياة الدنيويَّة مجرَّد لعب ولهو. ولكن يمكن للعقل أنْ يفهمها ويتخلَّىٰ عنها. إنَّ هذا النوع من الأُمور يُعتَبر من الأسرار، ولا يمكن لنا حلُّها بواسطة الذكاء الاصطناعي. إنَّ من بين مشاكل التفكير الحديث تحويل العقل إلىٰ مجرَّد عقل حسابي، وهو الذي يُمثِّل حقيقة التفكير في الذكاء الاصطناعي. إلَّا أنَّ النصوص الدِّينيَّة تُقدِّم نوعًا آخر من التفكير الذي يستحيل تحويله وتقليله إلىٰ مجرَّد عقل حسابي.
(318)
محمود مختاري
إن لدى الأفراد في مشاريعهم وأعمالهم الاختيارية أدلة وأسباب (صريحة وغير صريحة) تقوم على أساس المعتقدات والقيَم، ولا سيّما منها القيَم الأخلاقية. ولكن لا شك في أن للتقنيات في العصر الراهن دورًا لا يقبل الإنكار في تغيير المعتقدات وفي اتخاذ القرارات والسلوكيات الأخلاقية للأفراد، ومن هذه الناحية فإنها تنسب بشكل وآخر إلى الحالة الأخلاقية وغير الأخلاقية. إن من بين الأمثلة التي يرد ذكرها كثيرًا في فلسفة التقنية المعاصرة، عبارة عن جهاز السونار الذي يمكن له أن يؤثر بشكل جوهري في الاختيار الأخلاقي للوالدين فيما يتعلق بالاحتفاظ بالجنين الذي يعاني ـ على سبيل المثال ـ من بعض الأمراض المزمنة، أو اتخاذ القرار بإسقاطه. وكأنه يمكن الحديث هنا ـ على حدّ قول فربيك ـ عن نوع من «أخلاق الأشياء» أو «الاستدارة المادية» في الأخلاق.
(319)وبطبيعة الحال فإن الحديث عن الأهمية الأخلاقية للمصنوعات التقنية لا يعني بالضرورة واللزوم نسبة «العاملية» والمسؤولية الأخلاقية إلى هذه المصنوعات. إنهم على نحو عام يرون أن العاملية الأخلاقية تستلزم «الاختيار والحرية» و«القصدية»، ولذلك من البديهي أن المصنوعات ـ التي لا تكون واجدة للإرادة وحرية العمل، ولا هي تحتوي في حدّ ذاتها على قصد أو غرض ـ لا يمكن اعتبارها عاملًا أخلاقيًا بهذا المعنى. وفي الوقت نفسه لا بدّ من التذكير بهذه النقطة، وهي أن بعض الفلاسفة المعاصرين في حقل التقنية يواصلون دفاعهم باتجاه خاص عن إمكان العاملية الأخلاقية للمصنوعات التقنية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن فلوريدي وساندرز، يذهبان إلى اعتبار «تعامل»[4] منظومة ما مع المحيط، وتغيير حالة تلك المنظومة في الإجابة عن المحركات أو للتطابق مع المحيط، نوعًا من قابلية بعض المصنوعات من أجل العاملية الأخلاقية والوقوع علّة للخير أو الشرّ. سوف يتمّ الاكتفاء في هذه المقالة بهذه الإشارة، وسوف نواصل الحديث في الأبحاث القادمة بعيدًا عن اتخاذ أيّ موقف بالنسبة إلى مسائل من قبيل: «ما إذا كانت التقنيات تحتوي على عاملية أو مسؤولية أخلاقية أم لا؟» و«ما إذا كانت التقنيات موجدة للقيَم الأخلاقية أم لا؟».
بالإضافة إلى أن التقنيات يمكن لها أن تترك تأثيرًا إيجابيًا أو سلبيًا في السلوكيات الأخلاقية للمستخدمين، كذلك من الناحية الأخرى يمكن للقيَم الأخلاقية ـ التي تحظى بالأهمية لدى أشخاص أو شرائح من المجتمع ـ أن تحظى بالحفظ
(320)والحماية من طريق الخطط والمشاريع الخاصّة في التقنيات. إن الجذور التاريخية لمثل هذه الرؤية تعود في الحدّ الأدنى إلى ما قبل أربعة عقود وإلى المقالة الشهيرة التي كتبها لانغدون فينر[1]. فقد ذهب فينر إلى الاعتقاد بأن مهندس المشاريع العامة في مدينة نيويورك (الشوارع والمنتزهات والجسور وما إلى ذلك)، قد انتهك ـ في تخطيطه وصنعه لبعض المصنوعات ـ القيَم الأخلاقية للمساواة، وأدخل الرذائل والعنصرية في التقنية. وذلك لأن الفقراء وأصحاب البشرة السوداء كانوا يستقلون حافلات النقل العامّة، في حين أن الجسور المعروفة في لونغ آيلند ـ والتي أقيمت على شارع ينتهي إلى شاطئ جونز ـ قد تمّ بناؤها على ارتفاع منخفض بالنسبة إلى مستوى الأرض؛ بحيث لا يمكن لتلك الحافلات أن تمرّ من تحتها. وعلى هذا الأساس فإن الخصائص الفيزيقية لهذه الجسور تدافع عن موبقات العنصرية والمحاباة. كما أن «التخطيط للإحساس بالقيَم» قد تمّ عرضه لأوّل مرّة بشكل صريح في مقالة لفريدمن. وكذلك في السنوات الأخيرة لم يتمّ الاقتصار على الدفاع عن مجرّد إمكان وضع القيَم الأخلاقية في التقنيات من قبل فلاسفة التحليل التقني، ولا سيّما منهم فلاسفة المدرسة الهولندية (جامعة دلفت وتوينته)، من أمثال: فان دي بول وكروس، بل وكذلك تمّ بحث أساليب تحويل القيَم الأخلاقية إلى قواعد أو مستلزامات التخطيط والخصائص الفيزيقية أيضًا.
(321)لقد حظيت العلاقة المتبادلة بين التقنية والقيَم الأخلاقية باهتمام ماوندوس هوتس الفيلسوف التقني في جامعة دلفت. ولكن ينبغي هنا أن نضيف نقطتين، تفضيان بدورهما إلى بيان مسألتين جديدتين، وهما:
1 ـ إن ثنائية العلاقة بين التقنيات والقيَم الأخلاقية متقارنة. وبعبارة أخرى: إن التقنيات إنما تنطوي على تأثيرات أخلاقية لأنها تحتوي على القيَم بنحو من الأنحاء. وعلى هذه الشاكلة يمكن للمنتوجات الفنية ـ قبل أن يتم تفعيلها ووقوعها في متناول أيدي المستخدمين ـ أن تحمل قيمة منذ مستهل مرحلة تبلور الأفكار والتخطيط المفهومي والتحقيق والتنمية التي تعتبر تقنية مستحدثة أو بالقوّة. ولكن يطرح هذا السؤال نفسه هنا، وهو: كيف يمكن للتقنيات المستحدثة ـ التي لا يمكن للمستخدمين دراسة تداعياتها وقيَمها وسلوكياتها الأخلاقية دراسة تجريبية ـ أن تقع موردًا للتحليل الأخلاقي؟ ما هي الأبعاد المعرفية والمنهجية الخاصّة التي يحتوي عليها تحليل المستقبل المحتمل وغير القطعي للتقنيات المستحدثة؟
2 ـ يجب أن تمتاز القيّم الأخلاقية الشاملة والعامة ـ من قبيل: قيمة الأمن وحفظ نفس المستخدِم ـ من القيَم الأخلاقية للمجتمعات أو الأديان الخاصّة. على الرغم من أن رؤية وضع القيَم الأخلاقية الشاملة في المنتجات التقنية من طريق القواعد أو لوازم التخطيط والخصائص الفيزيقية ـ على ما سبق أن ذكرنا ـ مقبولة في الفلسفة المعاصرة للتقنية على نحو الإجمال، يبقى هذا السؤال مطروحًا على حاله، وهو: هل يمكن وضع القيَم الأخلاقية الخاصّة (غير الشاملة) في
(322)كل تقنية من طريق القواعد ومستلزمات التخطيط والخصائص الفيزيقية أيضًا؟ ولو تمّ وضع تقنية ما تحت إعادة التخطيط لهذه الغاية، فهل سيكون المحصول القيَمي النهائي لها مثل التقنية السابقة أيضًا؟
سوف نعمل في هذه المقالة في إطار الإجابة عن السؤال الأول ـ ضمن بيان خصائص التقنيات المستحدثة والمشاكل المعرفية في التحليل الأخلاقي لهذه التقنيات ـ على تقديم الأساليب المناسبة لتحليلها من الناحية الأخلاقية أيضًا. وفي معرض الجواب عن السؤال الثاني من هذه المقالة سوف نعمل ـ ضمن التعريف بتقنيات التطوير البشري ـ على إثبات أن هناك مجموعة خاصّة من هذه التقنيات الموسومة بالتقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية ، سوف تتعارض مع القيَم الأخلاقية الإنسانية، ويتمّ الدفاع عن هذا الادعاء القائل بأن إمكان إعادة تخطيط التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية للتطابق مع القيَم المذكورة سوف يكون بدوره أمرًا منتفيًا أيضًا.
طوال العقود الثلاثة الماضية شهد حجم الاهتمام من قبل الباحثين وحتى المخططون في حقل التقنية والتقنيات المستحدثة مسارًا تصاعديًا. وقد ذكر كل من روتولو وهيكز ومارتن هذا الادعاء في ضوء نتائج دراسة علمية في خصوص ما انتشر في العقود الأخيرة فيما يتعلق بحقل التقنيات المستحدثة. وقد أكدوا في الوقت نفسه على هذه النقطة وهي أنه لا يوجد في الكتب المنشورة في موضوع التقنيات المستحدثة أيّ توافق في خصوص ماهية خصائص «التقنية المستحدثة».
(323)تشير دراسة الأبحاث الخاصّة بالتقنيات المستحدثة إلى أنه قد تمّ في بعضها الاهتمام بخصوصية الاستحداث والتطوّر السريع للتقنية في إطار التعريف بها بوصفها تقنية مستحدثة، وفي بعضها الآخر تمّ إبراز التأثير الكبير والاستثنائي للتقنية المستحدثة في الاقتصاد والمجتمع، في حين أن الأبحاث الأخرى قد أكّدت على بُعد عدم القطعية المهم في التقنيات المستحدثة. وفي الحقيقة فإن كل واحدة من هذه الأبحاث والتحقيقات المرتبطة بالتقنيات المستحدثة قد أشارت إلى بُعد من أبعاد التقنيات المستحدثة، وعلى هذا الأساس فإن تعيين خصائص هذا النوع من التقنيات يستلزم الاهتمام بالتماهيات التي نجدها في الكتب المذكورة.
لقد توصل كل من روتولو وهيكز ومارتن في خلاصة إلى هذه النتيجة وهي أن التقنية إذا كانت تشتمل على الخصائص الخمسة الأساسية الآتية، فإنها سوف تعتبر تقنية مستحدثة، وهذه الخصائص هي كالآتي:
1. أن تكون مستحدثة تمامًا.
2. التطوّر والنموّ السريع نسبيًا.
3. الانسجام.
(324)4. التأثيرات الرئيسة.
5. الغموض وعدم القطعية.
في هذه المقالة وفي إطار القول بالخصائص الخمسة المذكور أعلاه في التعريف بالتقنيات المستحدثة، سوف يتمّ التركيز بشكل أكبر على الخصيصة الأخيرة وهي الغموض وعدم القطعية. وذلك لأن وجه الاختلاف الرئيس بين هذه التقنيات وبين التقنيات الفعلية، يكمن في أن التقنيات المستحدثة لا تزال في مرحلة الإبداع أو مرحلة (R & D)، ولم تصل إلى المستخدمين، ولذلك فإن تأثيراتها في الوقت الراهن لا تزال غامضة وغير قطعية إلى حدّ كبير.
يبدو أنه بالإمكان العثور على أكثر مصاديق التقنيات المستحدثة في المجالات الطليعية والمستعدة في التحقيق والتنمية، من قبيل المجالات الأربعة في حقل العلوم وتقنيات النانو والبيئة، والتعرّف عليها أيضًا. بالإضافة إلى أن كل واحد من هذه الحقول المتنوعة وغير المترابطة في التحقيق والتنمية بحسب الظاهر، يمكن لـ «تماهيها» بدوره أن يؤدّي إلى ظهور تقنيات مستحدثة عميقة.
في عام 2002 م وفي إطار برنامج المؤسسة الوطنية للعلوم الأمريكية تمّ تقديم رؤية «تماهي العلوم والتقنيات الأربعة (النانو، والبايو، والإينفو، والكاغنو) (NBIC) من أجل تحسين السلوك الإنساني»، وفي السنوات اللاحقة
(325)اتسعت هذه الرؤية لتشمل مساحة أكبر تحت شعار «تماهي المعرفة والتقنية لإثراء المجتمع». وفي الوقت نفسه كانت الأنظار طيلة هذه الأعوام تتجه في الغالب نحو التقنيات المتماهية من الناحية العملية مع تلك الحقول والأبعاد الأربعة (NBIC)، وتركز بشكل خاص على مشاريع التقنية الحياتية والمعرفية التي ترتبط بالنشاط الفيزيقي والذهني للإنسان، وتسمّى بـ «تقنيات تطوير الإنسان».
على الرغم من دخول بعض مصنوعات (HETs) إلى مرحلة الاستخدام، ومن بينها أنواع من الجراحات الترقيعية، وصناعة الأطراف، والقلوب الصناعية، والتقنيات المساعدة على التنمية، والأدوية المولّدة للطاقة، والأدوية التي تزيد من كفاءة المخ أو المنشطات الدماغية، وما إلى ذلك. ولذلك لا يمكن اعتبارها من التقنيات المستحدثة (بالقوّة)، وفي الوقت نفسه فإن الكثير من مشاريع برنامج التماهي من أجل تطوير الإنسان لا تزال في مرحلة التحقيق والتنمية أو حتى التنظير أيضًا، ومن بينها تقنية التغيير والسيطرة على الجينات الإنسانية، والأوصال العصبية والذهنية، وتقنية السيطرة الذكية للمنظومة الأيضية، والسايبورغوالمحاكاة الحياتية التامّة المقرونة بتحميل المعلومات المعرفية وما إلى ذلك.
(326)يذهب المخططون والمصممون الرئيسون ـ وهم كل من مايكل روكو ووليم بينريج ـ في برنامج التماهي بين العلوم والتقنيات، إلى اعتبارها مستوجبة لتغيير أساسي في الحضارة الإنسانية وظهور ما بعد الإنسان. إن فلسفة ما بعد الإنسان إنما هي نتاج هذه التقنيات، وإن الإنسان المتغيّر هو الذي سوف يتمتع ـ بالقياس إلى الإنسان العادي ـ بذكاء أكبر، وحواس أقوى، وكذلك بنية جسدية أكثر قوة وقادرة على الترميم في مواجهة التهديدات البيئية وعوارض الشيخوخة. لقد كان وليم بينبريج ـ وهو عالم اجتماع ما بعد إنساني في حقل الدين ـ يسعى في ربط برنامج التماهي وتفكير ما بعد الإنسان. وفي الواقع حيث سوف تتوفر بمساعدة العلوم والتقنيات المستحدثة إمكانية المحاكاة الفيزيقية التامّة، وكذلك تحميل المعلومات الجينية والمعرفية، يذهب القائلون بفلسفة ما بعد الإنسان إلى الاعتقاد بأن ما بعد الإنسان سوف يصل إلى نوع من الخلود، وإن مفهوم الموت سوف يفقد مفهومه ومعناه. وكذلك فإن التكامل الطبيعي للكائنات الحية سوف ينسحب ويخلي مكانه لصالح «التكامل الموجّه» بواسط التقنية.
على هذا الأساس وبالنظر إلى آفاق ما بعد الإنسانية في برنامج التقنيات المتماهية لتطوير الإنسان، يكون الأصح إحالة التقنيات المستحدثة أو التقنيات
(327)بالقوّة من أجل التطوير الذي سوف يندرج فيه التصوير المثالي تحت عنوان التقنيات المستحدثة لما بعد الإنسانية بحسب تعبير تنيسون. وفي الأساس فإن التغييرات التقنية الناشئة عن هذه التقنيات المستحدثة لما بعد الإنسانية ـ وليس جميع مصنوعات (HETs) ـ سوف تتعارض مع بعض القيَم الأخلاقية.
إن من بين الخصائص التي تمّ بيانها في التعريف بالتقنيات المستحدثة، عبارة عن خصوصية الغموض وعدم القطعية، وهي الخصيصة التي أضحت مثارًا للجدل في الدراسات الأخلاقية المرتبطة بهذه التقنيات. وقد صرّح فيليب بيري بأن أخلاق التقنيات المستحدثة تواجه مشكلة جوهرية فيما يتعلق بالبعد المعرفي والأبستمولوجي وهي مشكلة عدم القطعية. وفي الحقيقة والواقع فإنه بالنظر إلى أن هذه التقنيات لم تصل بعد إلى مرحلة الاستفادة من قبل المستخدمين، فمن البديهي أن لا تكون التأثيرات الناشئة عن استخدامها قطعية، وأن تتوقف على مستقبل لا يزال غير متعيّن.
بالنظر إلى مسألة عدم القطعية المعرفية في خصوص المصنوعات التقنية المستحدثة وكذلك تداعياتها، إنما تتمّ الدراسات الأخلاقية للتقنيات المستحدثة على نحو الرؤية الاستباقية والقائمة على مجرّد الأوضاع الممكنة والمحتملة. إن هذا النوع من التحليل الأخلاقي بالمقارنة إلى التحليل الأخلاقي للتقنيات التي يقوم الناس باستخدام محاصيلها، أعقد بكثير وأكثر صعوبة منها، ولكن هذا في الوقت نفسه لا يعني عدم التمكن من قول أيّ شيء بشأن التقنيات المستحدثة.
(328)المخططين لهذه التقنيات من أمثال بينبريج وكذلك فلاسفة ما بعد الإنسانية والذين يدافعون عنها، من أمثال نيك بوستروم، قد اعتبروا التحوّل الرئيس الناشئ عن هذه التقنيات عبارة عن هذا التغيير والتحسّن في الماهية الإنسانية. وفي الواقع لو تحقق هذا الأداء من التقنيات ما بعد الإنسانية، فسوف يتحقق قصد المخططين من الناحية العملية. كما أن أكبر الانتقادات من قبل المنظرين في حقل الأخلاق الحياتية من أمثال ليون كاس، وأخلاق الإلهيات من أمثال تيد بيترز، قد اتجهت إلى هذه الناحية.
في سياق هذا البحث ومن خلال اتخاذ ذات هذا الاتجاه العام، سوف نبحث العلاقة بين المتغيّرات الناشئة من التقنيات المستحدثة لما بعد الإنسان مع أهم القيَم الأخلاقية المرتبطة بالإنسان. من الجدير ذكره أن النسبة بين هذا النوع من التقنية ـ كما سوف يتمّ بيانه ـ إلى أنواع القيَم الأخلاقية المنشودة لن تكون على نسق واحد. وبعبارة أخرى: يمكن القول بأن أنواع التحليلات والأدلة الأخلاقية التي سنأتي على ذكرها في خصوص التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية، ليست على وتيرة واحدة من حيث القوّة. وعلى هذا الأساس سوف يتمّ في كل قسم ـ ضمن بيان نقطة الضعف الاحتمالية للاستدلال المذكور ـ احتمال طرح الاستدلال اللاحق.
(330)إن مفهوم «ما بعد الإنسانية» في الاستعمال الأولي، لا يستلزم تغيير الطبيعة الإنسانية، كما أن جوليان هاكسلي ـ الذي كان هو أول من استعمل عبارة ما بعد الإنسانية ـ يذهب إلى الاعتقاد قائلًا: «إن نوع الإنسان يمكنه أن يسبق نفسه إذا أراد» في حين «يبقى الإنسان هو الإنسان». إن «الإمكانات الجديدة عن الطبيعة الإنسانية» يمكن لها ـ من وجهة نظر جوليان هاكسلي ـ أن تتحقق حيث تكون «من أجل الطبيعة الإنسانية». هذا في حين أن المعاصرين من القائلين بما بعد الإنسانية يسعون قطعًا إلى تغيير طبيعة الإنسان من طريق التقنيات ما بعد الإنسانية. وعلى هذا الأساس فإن أول نقد أخلاقي يمكن بيانه في قبال هذه التقنيات، يقوم على أساس ذات ذلك الاستدلال الكامن في الكينونة غير
(331)الطبيعية، والذي يتم طرحه غالبًا في قبال الخطط والمشاريع التي تنقض حدود الأنواع الطبيعية.
تتمّ في هذه المقالة إعادة صياغة هذا الاستدلال بشأن تقنيات ما بعد الإنسانية. وقبل كل شيء لا بد من أخذ هاتين المقدمتين بنظر الاعتبار:
1. إن تقنيات ما بعد الإنسانية، تقضي على «الطبيعة الإنسانية» وحدودها.
2. إن «العمل على خلاف الكينونة الطبيعية»، خاطئ وغير أخلاقي.
والنتيجة التي يتمّ الحصول عليها من هاتين المقدمتين، هي: «إن التقنيات ما بعد الإنسانية، ليست أخلاقية».
بيد أن المخالفين لهذا النوع من الاستدلال قد يدعون أولًا إن تعريف «الطبيعة الإنسانية» موضع نقاش، وقد لا يمكن الدفاع في الأساس عن وجود مثل هذا الشيء. وثانيًا لو سلمنا أن الناس يمتلكون طبيعة مشتركة، وأن الطبيعة في حدّ ذاتها تنطوي على قيمة، يبقى اتخاذ هذا المبنى للنقد الأخلاقي للتقنيات ما بعد الإنسانية مشتملًا على نتائج على خلاف الشهودية. إذ لو اعتبرنا العمل على خلاف الطبيعة عملًا غير أخلاقي في ذاته، عندها يجب اعتبار كل نوع من أنواع التحسين والتطوير، بما في ذلك التدخل في علاج بعض الأمراض المزمة بالنسبة إلى الأفراد الذين يولدون بتشوّهات خلقية، أمرًا غير أخلاقي أيضًا، في حين أن هذا يخالف العقل السليم.
في الجواب عن الإشكال الأول يجب القول: إن هذا الاستدلال في نفسه تابع للتعريف الدقيق لمفهوم «الطبيعة الإنسانية». وفي الواقع فإن الحدّ الأدنى المقوّم لهذا الاستدلال عبارة عن تمايز «النوع الطبيعي» للإنسان من غير الإنسان.
(332)فحيث يمكن الحديث عن الحقوق والوظائف وعن القوانين الإنسانية، يمكن التصديق على نحو الإجمال بذات النسبة بوجود الخصائص الإنسانية المشتركة أيضًا، ولذلك يمكن طرح شكل عام للاستدلال المذكور بعيدًا عن المناقشات الجارية في فلسفة الأحياء أو اللاهوت في خصوص الطبيعة الإنسانية. أما الإشكال الثاني فهو وارد على هذا الاستدلال إلى حدّ ما؛ إذ أن «العمل على خلاف الطبيعة» لا يمكن اعتباره خاطئًا وغير أخلاقي في حدّ ذاته. وهذه هي النقطة التي صرّح بها بعض المخالفين لمذهب ما بعد الإنسانية ـ من أمثال كاس ـ أيضًا. إن الاستدلال على القيام بما يخالف الطبيعة يقوم في الواقع على أساس الأبعاد غير الذاتية، بمعنى أن العمل على خلاف الطبيعة إنما يكون خاطئًا وغير أخلاقي بسبب بعض التبعات اللاأخلاقية المترتبة عليه.
وعلى هذا الأساس يمكن لمن ينتقد التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية اعتبار تغيير طبيعة الإنسان ـ لأسباب غير ذاتية، من قبيل: نقض الاستقلال والهوية الشخصية ـ أمرًا مخالفًا للأخلاق.
ثانيًا: التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية
إن لفلسفة الأخلاق سابقة طويلة في تأسيس القواعد المعيارية على أساس الطبيعة الإنسانية، ومن هنا يمكن للمنتقدين للتقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية الادعاء بأن تغيير الطبيعة الإنسانية يؤدّي إلى الإضرار بالأسس الأصلية للأخلاق. وبطبيعة الحال يبدو أن القبول بالطبيعة الإنسانية يتناسب بشكل أكبر مع الأخلاق الأرسطية أو أخلاق الفضيلة، ولكن من المكن حتى
(333)في الأخلاق الكانطية أن نظهر أن طبيعة الإنسان تمثل شرطًا أساسيًا بالنسبة إلى العامل الأخلاقي. وفي الحقيقة فإن الشرط الأدنى الذي يجب توفّره في العامل الأخلاقي ـ من وجهة نظر إيمانوئيل كانط ـ عبارة عن أن يكون هناك كائن عاقل يستطيع أن يدرك المعايير الأخلاقية. إن إدراك هذه المعايير رهن بوجود ظرفية إدراك مشاعر الآخرين والتعاطف معهم، ويبدو أن وجود هذه الظرفية رهن بوجود الطبيعة الإنسانية المشتركة. إن ما بعد الإنسان حيث يكون مرتقيًا بسبب تغيير الطبيعة الإنسانية وحذف نواقصها وآلامها، لا يمكنه إدراك الآلام الإنسانية، وأن يكون بحسب المصطلح «متعاطفًا» مع الإنسان.
إن تغيير طبيعة الإنسان في برنامج التكامل القائم على أساس التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية، تتعارض ـ من حيث نقض استقلال وكرامة الإنسان ـ مع الأخلاق الكانطية أيضًا. لقد ذهب إيمانوئيل كانط في أصل ما بعد الطبيعة الأخلاقية إلى القول بمفهوم «الاستقلال الذاتي» بوصفه «أساسًا لكرامة الإنسان وأيّ طبيعة عقلانية». في حين أن هذا المفهوم الأساسي يتم التعرّض له وتجاوزه في الاتجاه ما وراء الإنساني وبرنامج التكامل القائم على أساس التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية. إذ بناء على هذه الرؤية يتمّ خفض الإنسان في الواقع إلى الخصائص المادية، حيث يمكن تفسيره بواسطة العلوم الطبيعية بشكل كامل، ويمكن السيطرة عليه وتغييره من طريق التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية. وعلى هذا الأساس فإنه في التكامل والتطوّر القائم على أساس التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية وفي مرحلة ما بعد الإنسان، سوف يزول مفهوم استقلال الكائن العقلاني، وسوف يعتبر الإنسان نفسه وليد التخطيط
(334)والبرمجيات السابقة بشكل كامل. ومن البديهي في مثل هذه الحالة أن يكون هذا الكائن فاقدًا للاستقلال ويفتقر إلى الشعور بالمسؤولية الأخلاقية.
وبطبيعة الحال لو تمّ استعمال هذا الاستدلال في خصوص الأفراد وليس النوع الإنساني، قد يواجه هذا الجواب من قبل أصحاب النزعة ما بعد الإنسانية، وهو أن الأشخاص الفعليين يقعون بشكل وآخر تحت تأثير التقنيات القديمة والمعاصرة بل وربما يكونون حتى من نتائجها أيضًا، ولا يتمتعون بالاستقلال الكامل. وأما المسألة الأخلاقية القائمة على نقض الاستقلال فلها بُعد آخر أيضًا، حيث يرتبط بنوع الناس وينظر إلى معنى غير مسبوق عن نقض استقلال الإنسان. وفي الواقع فإن الذي يبدو من المخططين وأنصار نظرية التكامل والتطوّر القائم على التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية من أجل السيطرة على الإنسان وتغييره، أن مصير «الجينوم البشري» ـ الذي يُعرف اليوم بوصفه الإرث المشترك للبشرية ـ تحت تصرّف عدد قليل من العلماء والمخططين ورهن بما يتخذونه من قرارات. وعلى هذا الأساس فإن «النوع الإنساني» سوف يفقد جميع أنواع استقلاله.
إن منظمة اليونسكو التي قامت في بيانها الختامي بالتعريف بالجينوم البشري صراحة بوصفه إرثًا بشريًا، أو كانت تذكر ذلك على نحو الإشارة في الحدّ الأدنى، قد أحجمت في الإعلان الختامي لاجتماعين لها في القرن الحادي والعشرين للميلاد ـ أي في عامي 2003 و2005 م ـ عن استخدام هذه العبارة
(335)في خصوص الجينوم البشري. تثبت الدراسات أن منظمة اليونسكو بعد الإعلانات الختامية الثلاثة المذكورة أوقفت في الأساس توجهاتها المعيارية في هذا الخصوص، وأخذت تركز على الإعانات الختامية المناطقية والوطنية. إن أنصار تقنيات ما بعد الإنسانية قد يدّعون في الجواب عن هذا النقد بأن جميع الناس على الكرة الأرضية يشاركون من طريق حكوماتهم في اجتماعات اليونسكو في تغيير الآراء بالنسبة إلى الجينوم البشري. بيد أن النظر في آلية اتخاذ القرارات في المنظمات الدولية والعالمية الخاضعة لتأثير وسيطرة العديد من العوامل الاقتصادية والسياسية وغيرها، لا يبدو هذا الجواب مقنعًا كثيرًا.
كما يمكن للمنتقدين الأخلاقيين لخطط التكامل القائمة على التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية، بالاستناد إلى نقض الهوية الشخصية أن يشككوا في المسؤولية الأخلاقية لما بعد الإنسان. وفي الحقيقة والواقع فإن الحفاظ على الهوية في هذا المسار ـ خلافًا لما يدعيه أنصار هذا البرنامج والمشروع القائم على خلود ما بعد الإنسان ـ ولا سيّما في التطوير المعرفي، قد وقع موضوعًا للكثير من الأبحاث. وإن المسألة التي يتمّ طرحها وبيانها في قبال من يدعي إعادة بناء الشخصية، هي في الأساس: هل الهوية الشخصية للإنسان ـ الشاملة للهوية الذهنية وكذلك حالة وعيه وإدراكه ـ قابلة للاستنساخ وإعادة البناء هنا أيضًا؟
قد يذهب القائلون بمذهب ما بعد الإنسانية إلى الجواب عن ذلك بالقول: إن الهوية الشخصية ليست شيئًا آخر غير الخصائص الفيزيقية والمعرفية، وبناء
(336)على ذلك يمكن الحفاظ عليها ونقلها من طريق الجراحات الترقيعية والشرائح وباقة المعلامات التي تمّ تحميلها في الذاكرة. من الواضح بداهة أن هذه الرؤية التقليلية بشأن الهوية الشخصية للإنسان لا يمكن القبول بها، ولكن يمكن في الوقت نفسه دراسة وبحث التقنيات ما بعد الإنسانية من أبعاد أخرى من قبيل نقض الأبنية الطبيعية ومفهوم حياة الإنسان أيضًا.
إن الوظيفة والمهمة الأصلية للتقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية، هي حذف وإلغاء نواقص النوع الإنساني، وهذا يتعارض مع قيَم الحياة المفهومة. يذهب الناقدون للتقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية إلى القول بأن هشاشة الإنسان في الأساس تشمل الآلام التي يتحملها في الحياة الطبيعية، كما أن شيخوخته وموته يشكلان جزءًا ضروريًا من بناء الحياة الإنسانية التي تضفي عليها مفهومًا وتجعلها أكثر قيمة. إن تطوير وتحسين واقع الإنسان في الحياة الطبيعية هو ـ على حدّ تعبير كاسـ نتيجة لجهوده العملية أو دراسته وتعلمّه وتخطيطه وبرمجته. وبعبارة أخرى: هناك ارتباط مفهومي نشاهده بين نشاطات الإنسان والأسباب أو الأساليب التي يعمل على استخدامها من جهة، والنتائج التي يحصل عليها من جهة أخرى. إن الخصائص الشخصية والفضائل الأخلاقية للإنسان، من قبيل: الذكاء والتدبير والشجاعة والمثابرة وما إلى ذلك، يتمّ الحصول عليها من هذا المسار. بيد أن ما بعد الإنسان سوف يكون في الواقع عبارة عن «كائن منفعل»؛ حيث يمكنه الاستفادة من الوضع الذي تمّ إيجاده له «دون أن يؤدّي دورًا»،
(337)ويمكنه في الحدّ الأدنى «أن يشعر بالنتائج، ولكنه لا يستطيع ـ بالمعنى الإنساني ـ أن يبلور إدراكًا عنها».
قد يبدو هذا النقد مغرقًا في المثالية؛ وذلك لأن بنية الحياة ومشاكلها هي في الأساس ديناميكية، ولم يتمّ إثباتها طوال تاريخ البشرية أبدًا. ثم إن الظروف الطبيعية للحياة بالنسبة إلى مختلف الأشخاص في كل مرحلة، ليست على نسق واحد. من ذلك على سبيل المثال أن بعض الأشخاص يولدون بشكل طبيعي وهم يعانون من بعض الأمراض أو التشوّهات الخلقية، وهي على الرغم من كونها طبيعية لا تبدو ضرورية بأيّ وجه من الوجوه. وإن جهود البشر من أجل علاج أنواع الأمراض الولادية المزمنة والعضال من طريق العقاقير واللقاحات والعمليات الجراحية وما إلى ذلك، خير شاهد على هذا المدّعى.
بيد أن هذا الجواب ليس كافيًا، وذلك لأن تحسين الظروف الصحية والعلاج، سوف يؤدّي في نهاية المطاف بالأقلية المريضة أو العاجزة في المجتمع إلى الاقتراب من المستوى الطبيعي من القدرات التي يتمتع بها أكثر أفراد المجتمع. بيد أن الاستفادة من التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية سوف يؤدّي إلى تحويل مجموعة من الناس إلى ما بعد الإنسان واستيلائهم واستحواذهم على الأشخاص العاديين. وعلى هذا الأساس فإنه بالنظر إلى أن توزيع التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية على نحو عادل ومتوازن ـ سواء بين المواطنين في بلد واحد أو بين مختلف شعوب العالم ـ سوف لن يُكتب له التحقق أبدًا، وسوف يتمّ القضاء على الآليات الطبيعية للحياة الاجتماعية والعلاقات التي تكتسب معناها في ظل ظروف عادلة وأخلاقية. وفي الواقع فإن النقد القائم على نقض البنية الطبيعية ومفهوم الحياة سوف يبقى على ما هو عليه قابلًا للطرح والبيان من زاوية الحياة الاجتماعية.
(338)إن الجواب الذي يقدّمه أنصار برنامج التكامل القائم على التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية، في مواجهة هذه المجموعة من الانتقادات يستند إلى بُعدين رئيسين أشار لهما باستروم. إن ادعاءه الأول هو أن التغييرات الناشئة عن البرامج القائمة على التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية، لن تؤدّي في حدّ ذاتها إلى تهديد للناس من قبل ما بعد الإنسان، وإن هذه التداعيات يمكن اجتنابها بحسب الأصول. وفي الواقع فإن طريقة الحيلولة دون هذه النزاعات أو المخاطر، هي المتّبعة حاليًا في العالم الراهن بالنسبة إلى هذا الموضوع، وهي عبارة عن ذلك الوضع وسيادة القوانين الوطنية والعالمية المناسبة. أما الادعاء الآخر لباستروم في مواجهة هذه الانتقادات المرتبطة بالنقض الجوهري لأنواع المساواة واحتمال ظهور النزاعات الإنسانية الكبرى في ضوء الخطط والمشاريع القائمة على أساس التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية، هو أنه في الأساس حيث يكون ما بعد الإنسان مفهومًا متدرّجًا وطيفيًا، لن يكون الأمر بحيث يتمّ تقسيم الأشخاص إلى فئتين مستقلتين عن بعضهما بالكامل وهما فئة الإنسان وفئة ما بعد الإنسان، ليتمّ بعد ذلك طرح مفهوم اصطفاف هاتين الفئتين في قبال بعضهما. وفي الواقع فإن كل إنسان يمكنه إلى حدّ ما أن يحظى بالتحسين والتطوير القائم على أساس التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية، وبهذا المقدار يمتلك خصائص ما بعد الإنسان أيضًا.
إن الادعاء الأخير أكثر تواضعًا بالمقارنة إلى الغاية الأصلية لأصحاب ما بعد الإنسانية في التكامل القائم على التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية، وعلى هذا الأساس لا يبدو أنها تتناغم بشكل كامل مع التصوير المثالي من قبلهم
(339)للمستقبل. لا سيّما عندما يتمّ أخذ الآفاق الحالمة للقائلين بما بعد الإنسانية في هذا البرنامج بنظر الاعتبار، حيث بالنظر إلى استبدال التكامل الطبيعي للكائنات الحيّة بالتكامل المنظم والذي تتمّ إدراته من قبل التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية، يُعتبر الإنسان ممثلًا لدور الإله. إن هذا الاتجاه ما بعد الإنساني في برنامج التكامل القائم على التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية، يُعدّ من زاوية أهم تعاليم الأديان الإبراهيمية ـ ولا سيّما الإسلام ـ في خصوص الإنسان؛ أي بوصفه المخلوق الخاص لله، قابلًا للنقد.
(340)رابعًا: التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية وقيمة المخلوق الخاص لله
إن الإنسان يُعدّ ـ من وجهة نظر الأديان الإلهية ـ مخلوقًا لله وأثرًا له. وقد ورد التصريح في القرآن الكريم بأن الله قد نفخ في الإنسان من روحه، وإن الإنسان يمتلك فطرة إلهية، وعلى هذا الأساس فإن من بين الخصائص الماهوية للإنسان في ضوء التعاليم القطعية للإديان الإبراهيمية أنه «مخلوق الله» و«له روح إلهية». وبطبيعة الحال فإن الذي يحظى بالأهمية قبل انتساب خلق الإنسان إلى الله، هو اكتساب ذلك الدور أو الفطرة الإلهية؛ وذلك لأن سائر الكائنات والموجودات هي الأخرى تعدّ مخلوقة لله ـ من وجهة نظر الأديان ـ إلا أن الكائن والمخلوق الوحيد الذي خصّة الله بـ «خصائصه الخاصّة». وكذلك تمّ التعريف بخلق الإنسان بوصفه أفضل خلق ممكن. بمعنى أن الإنسان على الرغم من امتلاكه لمثل هذه الخصائص الموجودة في خلقه، إلا أنه في الوقت نفسه يعاني من القيود والمحدوديات الطبيعية، وهو كذلك يعاني من الشقاء والبؤس والكبد، ولكنه في الوقت نفسه قد خلق في أحسن تقويم. وعلى هذا الأساس فإنه في مثل هذه الرؤية على الرغم من أن نزعة ما بعد الإنسان، التي هي حصيلة برنامج التكامل القائم على التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية يمكنها أن تمتلك خصائص فيزيقية ومعرفية أفضل بالنسبة إلى الإنسان، ليس من المعلوم أن يكون
(341)هو الكائن الأفضل أيضًا، وأنه يحقق الغاية الإلهية من خلقه وهي العبودية له، وأن يحقق القيَم الإلهية بشكل أفضل. وفي الواقع يبدو من خلال القبول بتعاليم الأديان الإبراهيمية في خصوص خلق الإنسان «على النحو الأمثل» من بين الخصائص التي أودعها الله في خلق الإنسان، فإن أيّ نوع من أنواع التغيير الماهوي فيه ـ بما في ذلك التغيير الذي تمّ تقديمه وبيانه في تصوير أصحاب مقولة ما بعد الإنسان في برنامج التكامل القائم على التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية ـ سوف يكون تغييرًا لتلك الهوية والشأن الإلهي للإنسان.
إن من بين أهم تعاليم الأديان الإبراهيمية للإنسان هي أن يكون الإنسان مستسلمًا للمشيئة الإلهية. إن من بين الأمور التي ورد التصريح بها في القرآن الكريم أن لا يتمنى الناس ﴿مافَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ . إلا أن هذا المفهوم يمكن تحليله في الحدّ الأدنى على نحوين:
1. قد نعتبر احترام المشيئة الإلهية مستلزمًا لاجتناب جميع أنواع التدخل في مخلوقات الله سبحانه وتعالى.
في الجواب عن هذه الرؤية قد يُستفاد من سائر المفاهيم والتعاليم الدينية الأخرى، حيث يتمّ إثبات أن مفهوم «المشيئة الإلهية» لا يمتلك ما يكفي للمنع من التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ لو أخذنا مفهوم اختيار الإنسان ـ الذي هو واحد من المفاهيم الأخرى في الأديان الإبراهيمية ـ بنظر الاعتبار، فسوف يمكن الادعاء بأن الإنسان حيث يمتلك
(342)السلطة والسيطرة على بدنه ويكون مسؤولًا عنه، يجب عليه العمل من أجل إبداع وتوظيف التقنيات ما بعد الإنسانية. وكذلك يمكن الادعاء أنه بالنظر إلى أن الأديان الإبراهيمية تحث الناس على البحث والتحقيق في الطبيعة واكتشافها وتسخيرها، فإن الله سبحانه وتعالى قد سمح للإنسان بتفعيل جميع طاقاته وقابلياته، وأن يعمل كذلك على تطوير ما يمتلكه بالفعل أيضًا.
أولًا: إن هذا التعبير على افتراض القبول به إنما يكون معتبرًا فيما لو رأينا عمل الإنسان في طول مشيئة وفعل الله، وأما في بعض التوجهات فقد تم اعتبار هذا الإمكان بوصفه نوعًا من مشاركة الإنسان في أمر الله وأفعاله من طريق التقنية، واعتبر الإنسان في ذلك شريكًا ومساعدًا لله سبحانه وتعالى، وهذا القول يتنافى قطعًا مع التعاليم التوحيدية للأديان.
وثانيًا: إن الحكم الإجمالي للأديان الإبراهيمية بتسخير الطبيعة والإمكان التكويني للإنسان في تحقق ذلك لا يمكن اعتباره عِدلًا لتشريعه التفصيلي. وبعبارة أخرى: إن أصل جواز الاكتشاف العلمي والسيطرة الفنية من وجهة نظر الأديان لا يمكنه من الناحية المنطقية أن يبيّن الحدود التي تؤيّدها الأديان في هذا الشأن. وعلى هذا الأساس قد تتعارض التقنيات ما بعد الإنسانية مع الإرادة التشريعية الإلهية ويتمّ اعتباره بوصفه نوعًا من العدوان الشيطاني على الحدود الإلهية في الخلق.
(343)2. ربما أمكن تحليل مفهوم «المشيئة الإلهية» على النحو الآتي: إن كل إرادة في العالم تقع في طول الإرادة التكوينية لله عزّ وجل، وليست هناك إرادة في الكون تستقل عن إرادته.
وعليه فمن البديهي في هذه الحالة أن لا يكون الإنسان وحده، بل وكل ما هو موجود في السماوات والأرضين محكوم لإراد الله ومشيئته سواء شاء ذلك أم أبى. وعلى هذا الأساس سوف يكون هناك تعارض حقيقي بين فلسفة ما بعد الإنسانية الراديكالية وبين الحاكمية الإلهية المطلقة. بمعنى أن مجرّد دعوى أصحاب فلسفة ما بعد الإنسانية بأن الإنسان سوف يلعب دور الإله، حيث يُفهم منه بشكل وآخر أن الإنسان يستطيع أن يفعل كل ما يريد، يتعارض مع المشيئة الإلهية.
وكذلك في إطار مفهوم المشيئة الإلهية تعتبر محدودية عمر الإنسان في الدنيا أمرًا حتميًا. فقد حكمت مشيئة الله وإرادته على كل إنسان بأن يذوق الموت، وسوف يعيش هذه التجربة حتمًا وإن بعد عمر طويل. وعلى هذا الأساس فإنه على الرغم من أن إمكان زيادة عمر الإنسان من طريق التقنيات ما بعد الإنسانية لا يتنافى مع تعاليم الأديان، ولكن ليس هناك مفر من الموت في نهاية المطاف، ولذلك فإن السعي إلى الوصول إلى الخلود المادي يتنافى ويتعارض صراحة مع هذا المفهوم الديني.
لقد عملنا في هذه المقالة ـ ضمن رفع الغموض والإبهام عن التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية ومعرفة الأسلوب المناسب في تحليلها من الناحية الأخلاقية ـ على إثبات أن هذه التقنيات تتعارض مع بعض أهم القيَم الأخلاقية للإنسان. وبطبيعة الحال قد يمكن لأصحاب وأنصار فلسفة ما بعد الإنسانية في هذه التقنيات أن يرفضوا «إمكانية إعمال» أي نوع من الأصول أو القواعد الأخلاقية والاجتماعية والدينية وما إلى ذلك مما يرتبط بـ «الإنسان» في مورد التقينات ما بعد الإنسانية. بمعنى أنه حيث تكون التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية مرتبطة بـ «ما بعد الإنسان» وليس «الإنسان» فإن أي نوع من أنوع النقد الأخلاقي القائم على قوانين وأحكام الإنسان العادي، سوف يكون مرفوضًا بالنسبة لها، وإن هذه التقنيات سوف تكون في الأساس تابعة لقيَم وقواعد أخلاقية متفاوتة، حيث يمكن استنباطها وبيانها من قبل المتخصصين في هذا المجال.
بيد أن هذا الموقف ينطوي في الواقع على مغالطة؛ وذلك لأن مجموع «مشروع التقنيات ما بعد الإنسانية»، يشمل الأفكار والخطط وما إلى ذلك، وليس مجرّد إعفاء ما بعد الإنسان من اللوازم المرتبطة بـ «الإنسان». هذا في حين أن المخططين والموسعين لهذه التقنيات (تشمل العلماء والفنيين والساسة والأنصار ونظائرهم) مشمولين في التخطيط والاستخدام لهذه المستلزمات أيضًا. ثم إن القائلون بما بعد الإنسان قد اتخذوا في بداية الأمر قرارًا أخلاقيًا في توظيف التقنيات ما بعد الإنسانية، وكانوا بشكل وآخر خاضعين تحت المستلزمات الأخلاقية الإنسانية.
وإذا ما تجاوزنا هذه المغالطة، فإن موقف المخططين للتقنيات ما بعد الإنسانية
(345)في خصوص نبذ «قابلية إعمال» الأصول الأخلاقية على هذه التقنيات، سوف تضع مسائل أخرى أمامهم. من ذلك لو أننا تخلينا عن الأصول الأخلاقية المشتركة القائمة على أساس الطبيعة الإنسانية المشتركة، سوف نفقد في هذه الحالة مبنى تعيين الحقوق والوظائف المتقابلة أيضًا. وعلى هذا الأساس فإن الأبعاد الحقوقية لتعاطي وتعامل الأشخاص العاديين مع الأفراد القائمين في دائرة التقنيات ما بعد الإنسانية (ويعتبرون من جملة أشخاص ما بعد الإنسان على سبيل المثال) سوف يكون غامضًا ومبهمًا، وسوف يستدعي ذلك حدوث بعض المشاكل. من ذلك ـ مثلًا ـ أنه ليس من المعلوم ما إذا كان مسموحًا للأشخاص ضمن ذلك «الإطار الحقوقي» بتغيير إنسان آخر إلى مرحلة ما بعد الإنسان الذي سيكون بحسب الفرض خارجًا عن شمول المستلزمات الإنسانية؟ وكذلك إذا كانت كائنات ما بعد الإنسان خارجة عن شمول معايير الأخلاق الإنسانية، فهل يمكن في التحقيقات العلمية ـ على سبيل المثال ـ القيام بأيّ شيء عليهم؟ وعلى هذا الأساس لا يمكن الدفاع عن هذا الادعاء القائل بأن تجاوز التقنيات المستحدثة «ما بعد الإنسانية» لقواعد «الأخلاق الإنسانية» لا يجعلها غير أخلاقية.
وأما بشأن هذا الإمكان القائل بالقدرة ـ بنحو الاستبدال من طريق إعادة طرح التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية ـ على إدراج القيَم الأخلاقية في هذه التقنيات، والعمل في نهاية المطاف على الحيلولة دون تحقق قصدية أنصار ما بعد الإنسانية الراديكالية، يجب الالتفات إلى عدّة نقاط: من البديهي في حالة حدوث مثل هذا التخطيط الأخلاقي، سوف يزول التعارض مورد البحث، بيد أن النقطة التي تحظى بالاهتمام هنا هي أنه بفعل حذف أضداد القيَم (أو استبدالها
(346)
بالقيَم الأخلاقية) سوف تشهد آلية التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية بدورها تغييرًا أساسيًا أيضًا؛ وذلك لأن التقنيات المطروحة مورد البحث لن يكون لها قابلية تحقق العامل المنشود في تغيير الطبيعة أو جينوم إنسان إلى ما بعد الإنسان، وعلى هذا الأساس حيث نعيّن التقنية بالنظر إلى وظيفتها الأصلية، فإن التقنية لن تكون بديلة عن التقنيات ما بعد الإنسانية الأخرى.
ومن ناحية أخرى إذا تم الحفاظ على الوظيفة الأصلية للتقنية، وكانت التقنية النهائية نموذجًا عن تلك التقنية السابقة، عندها يتعيّن على التقنية البديلة أن تتمكن من تغيير طبيعة الإنسان إلى ما بعد الإنسان، ونتيجة لذلك سوف تواجه ذات مسائل التقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية المتعارضة مع القيَم الأخلاقية. وبعبارة أخرى: حيث أن المهمة والوظيفة الأصلية أو الذاتية للتقنيات المستحدثة لتحسين وتطوير ما بعد الإنسان، تتعارض مع بعض القيَم الأخلاقية، فإن إمكان تنمية هذا النوع من التقنيات المتناغمة مع القيم الآنف ذكرها، سوف يكون منتفيًا.
وبطبيعة الحال قد يتمّ اعتبار هذا التحليل بوصفه نوعًا من المخالفة للتقنيات المستحدثة ما بعد الإنسانية. وقد ذهب تيد بيترز ـ في مقالة له بعنوان «المتألهون يختبرون فلسفة ما بعد الإنسانية»، المنشورة ضمن سلسلة مقالات تحت هذا العنوان في عدد خاص من مجلة الإلهيات والعلم ـ إلى اعتبار هذه الأفهام من قبل مؤسسي وأنصار ما بعد الإنسانية «خطأ كبيرًا» وأنه قد نشأ من افتراضهم أن «الدين سوف يسعى إلى وضع العراقيل في مسارهم، على أساس أن ذهن
(347)المتديّن قديم ومنسوخ ومحطم للماكنات (عدو للتقنية)، ومكلّف بالمقاومة في وجه التغيير».
من الواضح بداهة أن التحليل الفلسفي / الأخلاقي للتقنيات، لا يستلزم المقاومة في مواجهة المتغيّرات الفنية. إن هذه التحليلات بالإضافة إلى كونها قيّمة في حدّ ذاتها من الناحية الفلسفية، فهي تشير ـ على حدّ تعبير بيترز ـ إلى التمايز بين التقدّم الفني والقيَمي. إن هذه نقطة مهمّة للغاية، وهي أن التقدّم والتطوّر التقني الذي يمكنه أن يقترن بتطوّر وارتقاء المعايير المادية في الحياة أيضًا، لا يعني بالضرورة تقدّمًا وتطوّرًا أخلاقيًا وثقافيًا ودينيًا.
(348)
مهدي گلشني
عند الإشارة إلى «العلم» في هذه المقالة، يُقصد به المعرفة بمعناها العام. علاوة على ذلك، يتم النظر في الأديان التوحيدية فقط فيما يتعلق بالدين. لشرح دور الدين في العلم، يجب أولًا تقييم «ما هي العلاقة بين العلم والدين؟» من بين عدة آراء، تعتبر الآراء التالية هي الأكثر أهمية:
الرأي الأول: يعتقد بعض العلماء أن العلم والدين ينتميان إلى مجالات مختلفة من اهتمامات الإنسان. الدين يتعامل مع الله، بينما العلم يتعامل مع دراسة الطبيعة. يتضمن النشاط العلمي التجريب والملاحظة، بينما يعتمد الدين على الوحي؛ لغة العلم هي لغة التنبؤ والسيطرة، ولغة الدين هي العبادة. يعتقد بعض العلماء في هذه المجموعة بوجود الله، لكنهم يعتبرون العلم والدين مجالات مستقلة.
الرأي الثاني: يعتبر بعض العلماء الآخرين أنّ العلم والدين ينتميان إلى مجالين متناقضين. ضمن هذه الفئة من الناس، هناك بعض المحافظين الدينيين الذين يُعدّ
(353)النصوص الدينية مصدرهم الرئيسي للمعلومات، ولا يأخذون النتائج العلمية على محمل الجد. كما توجد فئة من الماديين الذين يدّعون أنّ مصدر معلوماتهم الوحيد هو البيانات الحسية، ولا يؤمنون بالله ولا بالكائنات غير المادية. وفقًا لوجهة نظرهم، يمكن للعلم التجريبي أن يفسّر كل شيء. كما أوضح جاك مونو: «يمكن اختزال أيّ شيء إلى تفاعلات ميكانيكية بسيطة وواضحة. الخلية آلة، الحيوان آلة، الإنسان آلة».
الرأي الثالث: يعتقد بعض العلماء بوجود أرضية مشتركة بين العلم والدين. على سبيل المثال، هناك أسئلة تُطرح في العلم لا يستطيع العلم بحد ذاته تقديم إجابة لها - مثل دور الإنسان في الخلق وغاية الخلق. كما صرّح بوليكارب كوش، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء: «لا يستطيع العلم القيام بعدد كبير من الأشياء، وافتراض أن العلم قد يجد حلًا تقنيًا لكل المشكلات هو طريق إلى الكارثة». وبالمثل، للإيمان دور في العلم كما له دور في الدين. على سبيل المثال، الإيمان بوجود العالم الخارجي أو قابلية فهم الطبيعة يُعتبر من الأمور المسلّم بها في العلم، لكن العلم لا يستطيع تقديم تبرير لذلك. كما قال ماكس بلانك: «أي شخص انخرط بجدّية في العمل العلمي يدرك أن فوق بوّابة معبد العلم مكتوب: «يجب أن تؤمنوا». إنّها صفة لا يمكن للعالم الاستغناء عنها».
الرأي 4: يجادل بعض العلماء بأنّ العلم والدين يتعاملان مع العالَم نفسه،
(354)وبالتالي يجب أن يقدّما صورة متّسقة عن هذا العالم. وهذا يعني أنّهما بحاجة إلى رؤية كونية موحدة. يعتقد كاتب هذه المقالة أنّ الدين يمكن أن يوفّر مثل هذه رؤية كونية التي تبرّر النشاط العلمي وتمنحه معنى. وقد أكّد هنري مارجينو، الفيزيائي والفيلسوف المعاصر، أنّ «العلم يحتاج إلى الدين لشرح أصله ونجاحاته».
يمكن لهذه الرؤية العالمية الأخيرة أن تقدم إجابات لأسئلتنا النهائية أيضًا. علّق تشارلز تاونز، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، قائلًا: «لا أفهم كيف يمكن للمنهج العلمي وحده، بمعزل عن المنهج الديني، أن يفسّر أصل كل الأشياء. صحيح أنّ الفيزيائيين يأملون في النظر وراء «الانفجار العظيم» وربما تفسير أصل كوننا، على سبيل المثال، كنوع من التقلّبات. ولكن، ممّا هو هذا التقلب؟ وكيف بدأ هذا بدوره في الوجود؟».
وافق آرثر شاولو، وهو حائز آخر على جائزة نوبل في الفيزياء، قائلًا: «يجب متابعة الأسئلة المتعلّقة بالأصل بكل ما يمكن أن تأخذه قدرات واهتمامات العلماء. لكن الإجابات لن تكون نهائية أبدًا، وستُحال الأسئلة الأعمق في النهاية إلى الدين». يعتقد الكاتب أن العلاقة بين العلم والدين هي علاقة طولية، أي أنّ النشاط العلمي في حد ذاته نوع من الواجب الديني، يُنفّذ بأدواته الخاصة. كان هذا هو الفهم لدى العلماء المسلمين البارزين في العصر الذهبي للحضارة
(355)الإسلامية فيما يتعلق بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وكان هذا أيضًا فهم العلماء مثل كبلر ونيوتن في الفترة المبكرة للعلم الحديث. علّق تشارلز تاونز قائلًا: «أنا شخصيًا لا أفصل بين العلم والدين، بل أعتبر استكشافنا للكون جزءًا من التجربة الدينية». في الواقع، كان الدافع الرئيسي للعلماء المسلمين في عصر الحضارة الإسلامية لدراسة الطبيعة هو اعتبارهم هذه الدراسات وسيلة مهمة لمعرفة آيات الله في العالم المخلوق. كما أوضح ليفي: «باستثناء عدد قليل من الباحثين المستوحين من الأفكار الفلسفية اليونانية، فإنّ المسلمين الذين انخرطوا في السعي العلمي فعلوا ذلك... لاكتشاف، في عجائب الطبيعة، الآيات أو العلامات التي تدلّ على مجد الله».
دور الدين في تشكيل العلم والتقنية
كما ذُكر أعلاه، فإن للعلم علاقة طولية مع الأديان التوحيدية. وبالتالي، يمكن لمثل هذا الدين أن يوفّر إطارًا شاملًا مناسبًا لإجراء الأعمال العلمية أو التكنولوجية، وذلك لأنّه:
1. شدّد على دراسة الطبيعة.
2. وفّر الأساس الميتافيزيقي للعلم.
3. قدّم طرقًا مشروعة لاكتشاف أسرار الطبيعة.
4. مكنه تقديم إجابات لأسئلتنا النهائية.
5. منح التوجيه الصحيح لتطبيقات العلم والتقنية.
(356)وفقًا للقرآن الكريم، فإن الظواهر الطبيعية هي آيات من الله، ومن خلال فهم هذه الآيات يصل الإنسان إلى معرفة رب الآيات:
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا...).
لذلك، فإن دراسة الظواهر الطبيعية موصى بها بشدة:
(وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ).
كان العصر الذهبي للحضارة الإسلامية مدينًا لهذا التركيز القرآني على دراسة صنعة الله.
كما ذُكر أعلاه، فإنّ النشاط العلمي هو نوع من النشاط الديني، له أدواته الخاصة. بناءً على هذا المنظور، توفّر رؤية كونية الإسلامية أساسًا ميتافيزيقيًا لجميع أنشطة المسلم المؤمن، بما في ذلك الأنشطة العلمية المزعومة. لتوضيح هذه النقطة، نلاحظ أنّه على الرغم من أن بعض الأنشطة العلمية تبدأ بالتجارب والملاحظات، إلا أنّ الافتراضات المسبقة للعالِم تلعب دورًا مهمًا في اختياره للتجارب، واختياره للنظريات وتفسيراته لها. هذا الأمر ذو أهمية خاصة عندما يتعلق بالنظريات الأساسية. علاوة على ذلك، غالبًا ما لا تؤدّي البيانات التجريبية إلى نظرية واحدة فقط، مما يؤدي إلى عدم تحديد النظريات من خلال
البيانات التجريبية. هنا، تكون الانحيازات الميتافيزيقية للعالِم عوامل حاسمة في اختياره للنظريات. على سبيل المثال، في مجال فيزياء الذرة، لدينا نسختان من نظرية الكم: الصياغة القياسية التي تنكر مبدأ السببية، وميكانيكا بوم التي تحترم مبدأ السببية. الاختيار بين هاتين الصيغتين لنظرية الكم يعتمد على التحيّزات الميتافيزيقية للعلماء.
وبالمثل، في علم الكونيات، يُلاحظ أن الثوابت الطبيعية التي تحدد قوة قوى الطبيعة مضبوطة بدقة شديدة بحيث سمحت بظهور الحياة على كوكبنا. ولإنكار الضبط الدقيق بواسطة قوة فوق طبيعية، لجأ بعض علماء الكونيات إلى فرضية الأكوان المتعددة، والتي تفترض وجود العديد من الأكوان بدلًا من كون واحد فقط. في كل من هذه الأكوان، توجد قوانين وقوى مختلفة، بقوى متفاوتة. وبالتالي، هناك احتمال لوجود كون آخر بخصائص مشابهة لكوننا. بالطبع، في كل من هذين الرأيين، يتم تضمين الافتراضات الميتافيزيقية الخاصة بكل منهما. ومع ذلك، كما يعتقد الفيزيائي البارز بول ديفيز، فإن افتراض وجود مصمم يُعتبر أكثر اقتصادية من فرضية الأكوان المتعددة: «ليس الجميع راضين عن نظرية الأكوان المتعددة. إنّ افتراض وجود عدد لا نهائي من الأكوان غير المرئية وغير القابلة للرؤية لمجرد تفسير الكون الذي نراه يبدو وكأنّه حالة من الأعباء الزائدة المبالغ فيها. من الأبسط افتراض وجود إله غير مرئي واحد. وهذا هو الاستنتاج الذي توصل إليه أيضًا سوينبرن».
سؤال مهم آخر يجب النظر فيه هو ما إذا كان لكوننا غاية أو هدف. بعض
(358)العلماء البارزين، مثل ستيفن واينبرغ، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، ينكرون ذلك، حيث قال: «كلما بدا الكون أكثر قابلية للفهم، بدا أيضًا أكثر عبثية». من ناحية أخرى، يعتبر بعض الفيزيائيين أنّ كوننا عالَم ذو غاية. كما عبّر بول ديفيز: «قوانين [الفيزياء]... تبدو وكأنها نتاج تصميم فائق الذكاء... يجب أن يكون للكون غاية». جادل ديفيز بأن إنكار الغاية لكوننا يدمّر الأساس العقلاني للعلم:
ريتشارد دوكينز، عالم الحيوان المعاصر المعروف، عبّر عن نفس الفكرة بقوله: «إن الكون الذي نلاحظه يمتلك بالضبط الخصائص التي يجب أن نتوقعها إذا لم يكن هناك، في العمق، أي تصميم، ولا غاية، ولا شر، ولا إله، لا شيء سوى اللامبالاة العمياء والقاسية».
العلم هو رحلة استكشاف، وكما هو الحال مع جميع الرحلات من هذا النوع، يجب أن تؤمن بوجود شيء ذو معنى هناك لتكتشفه قبل أن تبدأ... إذا كان الكون بلا هدف وبلا عقل، فإنّ الواقع يصبح في نهاية المطاف عبثيًا. حينها سنكون مضطرين للاستنتاج بأنّ العالم المادي الذي نختبره هو خدعة شديدة الذكاء: عبثية تتنكر في صورة نظام عقلاني. يمكن بالتالي تجنب مقولة وينبرغ. إذا كان الكون حقًا بلا هدف، فإنه أيضًا غير مفهوم، وينهار الأساس العقلاني للعلم.
علاوة على ذلك، فإن عجزنا عن العثور على غاية في الكون لا يعني بالضرورة
(359)عدم وجود غاية. وبالتالي، فإنّ إنكار وجود الغاية في الكون هو قرار فلسفي أكثر منه قرار علمي.
نقطة مهمة أخرى هي أنّ العلماء غالبًا ما يستخدمون بعض المبادئ الإرشادية في أعمالهم العلمية. بالنسبة لهيزنبرغ، كانت بساطة النظريات ذات أهمية، بينما ركز ديراك على جمال النظريات. في الآونة الأخيرة، أصبح توحيد القوى الأساسية للطبيعة هدفًا رئيسيًا. لكن من المثير للاهتمام أن بعض هذه المبادئ لها جذور في الدين. فعلى سبيل المثال، يعتقد ليندي، وهو عالم كونيات بارز وليس من المؤمنين بالله، أن جذور السعي لتوحيد القوى تكمن في الأديان التوحيدية: «لقد تأثرت الكوزمولوجيا الحديثة برمّتها بشكل عميق بالتقليد الغربي للتوحيد... فكرة أنّه من الممكن فهم الكون من خلال «نظرية كل شيء» النهائية هي امتداد للإيمان بإله واحد».
في العلم الحديث، حيث يسود المذهب الوضعي، تُعتبر البيانات الحسية المصدر الوحيد الموثوق للمعلومات عن عالمنا الطبيعي. ولكن، على الرغم من أنّ القرآن يعترف بأهمية الحواس في فهم عالمنا، فإنه لا يعتبر البيانات الحسية كافية للفهم الكامل؛ بل يشدّد على دور العقل في تفسير البيانات التجريبية، كما يعترف بدور الحدس والوحي. بالإضافة إلى ذلك، يقرّ القرآن بوجود العالم الروحي. وهكذا، فإن الرؤية الكونيه الإسلامية تقدّم منظورًا أوسع بكثير للكون مقارنة بالمنظور الوضعي.
بينما يشير القرآن إلى أهمية الحواس: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا
(360)تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)، فإنّه أيضًا يشدد على دور العمل العقلي في تحليل البيانات الحسية: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا).
علاوة على ذلك، يذكر القرآن مستويات مختلفة من الوحي، التي تبدأ من الوحي النبوي وتمتد إلى «الحدس». يقبل العديد من العلماء المعاصرين، رغم إنكارهم للوحي النبوي، بدور الحدس في الاكتشافات العلمية. لقد تحققت العديد من الاكتشافات العلمية المهمة من خلال الحدس. وكما أقرّ تشارلز تاونز: «تأتي معظم الاكتشافات العلمية المهمة بطريقة مختلفة تمامًا وهي أكثر قربًا من الوحي. المصطلح نفسه لا يُستخدم عمومًا للاكتشافات العلمية، حيث اعتدنا على تخصيص كلمة «الوحي» للمجال الديني. في الأوساط العلمية، يُشار إلى ذلك بالحدس، أو الاكتشاف العرضي، أو ببساطة بقول: «كانت لديه فكرة رائعة»».
يرى المنظور الوضعي أنّ العلم التجريبي هو المصدر الوحيد الموثوق للإجابة على أسئلتنا. وأيّ سؤال لا يستطيع العلم الإجابة عليه يُعتبر غير ذي معنى. ومع ذلك، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، رأى العديد من العلماء البارزين - سواء كانوا مؤمنين أو غير ذلك - أنّ العلم غير قادر على الإجابة على أسئلتنا النهائية، مثل: «لماذا نعيش؟» أو «من أين تأتي قوانين الطبيعة؟». وكما
(361)قال الفيلسوف البارز في فلسفة العلم كارل بوبر: «من المهم أن ندرك أنّ العلم لا يقدّم ادعاءات حول الأسئلة النهائية—حول ألغاز الوجود، أو حول مهمّة الإنسان في هذا العالم». واتفق بيتر ميداوار، الحائز على جائزة نوبل في الطب، قائلًا: «إن وجود حد للعلم أمر محتمل جدًا بسبب وجود أسئلة لا يستطيع العلم الإجابة عليها، ولا يمكن لأيّ تقدّم محتمل للعلم أن يمكنه من الإجابة عليها».
بول ديفيز قدّم حجة رائعة تشرح لماذا لا يمكن لبعض الأسئلة التي تُطرح في العلم أن تحصل على تفسيراتها النهائية من خلال العلم، وللحصول على إجابة مرضية، يجب على المرء أن يتجاوز حدود العلم:
بغضّ النظر عن مدى نجاح تفسيراتنا العلمية، فإنّها دائمًا ما تحتوي على افتراضات أولية مدمجة فيها. على سبيل المثال، تفسير بعض الظواهر من خلال الفيزياء يفترض صحة قوانين الفيزياء، التي تُؤخذ كأمر مسلّم به. ولكن يمكن للمرء أن يتساءل: «من أين جاءت هذه القوانين أساسًا؟ بل يمكن أيضًا التساؤل عن أصل المنطق الذي تقوم عليه جميع الاستدلالات العلمية. عاجلًا أم آجلًا، يتعين علينا جميعًا قبول شيء ما كأمر مسلّم به، سواء كان ذلك هو الله، أو المنطق، أو مجموعة من القوانين، أو أي أساس آخر للوجود. وهكذا، فإنّ الأسئلة «النهائية» ستظلّ دائمًا خارج نطاق العلم التجريبي كما يُعرف عادةً».
وأضاف: «شخصيًا، أشعر بارتياح أكبر مع شرح أعمق من قوانين الفيزياء. ما إذا كان استخدام مصطلح «الله» لذلك المستوى الأعمق مناسبًا أم لا هو،
(362)بالطبع، مسألة نقاش». وبالتالي، فإنّ تطور العلم خلال العقود القليلة الماضية قد أعطى إشارة إلى أنّ كل شيء ليس قابلًا للتفسير من خلال العلم التجريبي.
اعترف اثنان من الفيزيائيين البارزين المعاصرين بشكل صريح بأنّ الإجابة الوحيدة على أسئلتنا النهائية تأتي من الدين. كما قال فريمان دايسون: «أعظم الألغاز غير المحلولة هي ألغاز وجودنا ككائنات واعية في زاوية صغيرة من كون شاسع. لماذا نحن هنا؟ هل للكون غاية؟ من أين يأتي إدراكنا للخير والشر؟ هذه الألغاز، ومئات غيرها مثلها، تقع خارج نطاق العلم. إنّها تقع على الجانب الآخر من الحدود، ضمن اختصاص الدين». جون بارو يرى أيضًا أن جذور الأسئلة الكونية تكمن في الدين: «العديد من أعمق وأكثر الأسئلة التي نتعامل معها حول طبيعة الكون لا تزال تنبع من بحثنا الديني البحت عن المعنى. إنّ مفهوم كونٍ قانوني يتمتع بنظام يمكن فهمه والاعتماد عليه نشأ إلى حد كبير من المعتقدات الدينية حول طبيعة الله».
وبالمثل، لا يمكن للعلم أن يوفر إطارًا للقيم الأخلاقية، في حين أنّ القيم مهمة جدًا في جميع الأعمال العلمية. كما قال كارل بوبر: «إنّ حقيقة أنّ العلم لا يستطيع تقديم أي تصريحات حول المبادئ الأخلاقية قد أُسيء تفسيرها على أنّها تشير إلى عدم وجود مثل هذه المبادئ، بينما في الواقع فإنّ البحث عن الحقيقة يفترض وجود الأخلاق».
(363)الآن، نظرًا لأنّ المعرفة العلمية لا تستطيع الإجابة بشكل كامل على جميع أسئلتنا حول العالم المادي، فقد اقترح بعض العلماء أن ننظر إلى أنواع أخرى من المعرفة للعثور على إجابات لهذه الأسئلة. على سبيل المثال، اقترح برنارد ديسبنيات، الفيزيائي والفيلسوف البارز: «يبدو الآن من المعقول أن تسهم نُهج أخرى غير العلمية (كما ذكرت الموسيقى والرسم والشعر) بالتوازي مع العلم في استيعاب شيء غير قابل للتعريف من هيكل الواقع المستقل». ومع ذلك، يرى علماء بارزون آخرون، مثل تشارلز تاونز، أن الدين وحده يمكنه تقديم إجابة مقنعة لأسئلتنا النهائية: «في رأيي، يبدو أن مسألة الأصل تبقى بلا إجابة إذا استكشفناها من منظور علمي فقط. لذلك، أعتقد أن هناك حاجة إلى تفسير ديني أو ميتافيزيقي إذا أردنا الحصول على إجابة».
يرشد القرآن الكريم البشرية إلى إقامة علاقة صحيحة مع العالَم حيث يذكر الله أنَّه جعل الإنسان خليفة له على الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ويبيّن أن الله قد وفّر كل ما يلزم لحياة الإنسان: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾؛ كما فرض الله تعالى مسؤوليات على البشر، سواء على المستوى
(364)الفردي أو الاجتماعي: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقد أمرنا بشكل صريح بتجنّب إحداث الفساد في الأرض: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. من بين مسؤوليات البشر واجباتهم تجاه مجتمعاتهم: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾. في حديث نبوي شريف، نقرأ أنّ الخلق عيال الله وأحبّهم إلى الله أنفعهم إلى عياله.
النشاط العلمي يتم دائمًا في إطار رؤية عالمية، يمكن أن تكون إما رؤية علمانية أو دينية. إذا حدث هذا النشاط في إطار رؤية دينية، فيجب أن تكون نتائجه لصالح الإنسانية. أما إذا حدث في إطار رؤية علمانية، فلا يوجد ضمان بأنّه لن يؤدي إلى نتائج مدمّرة. في الواقع، بعد علمنة العلم، أصبحت آثاره الضارة واضحة في النصف الأول من القرن العشرين. ونتيجة لذلك، أطلق بعض العلماء والفلاسفة البارزين، مثل برتراند راسل، تحذيرات بشأن مستقبل الحضارة الإنسانية. وقد لخّص نيكولاي ماكسويل، الفيلسوف البارز المعاصر في فلسفة العلم، الأمر بشكل جميل:
الكثير من الأبحاث العلمية والتكنولوجية تُخصَّص لخدمة مصالح الدول الغنية، وليس لمصالح مئات الملايين الذين يعيشون في فقر مدقع. تُخصَّص الأبحاث الطبية في المقام الأول لأمراض الأغنياء، وليس للفقراء. وهناك
(365)فضيحة الأبحاث العسكرية، حيث يُنفق في المملكة المتحدة 30% من ميزانية البحث والتطوير على الأغراض العسكرية، بينما تصل النسبة في الولايات المتحدة إلى 50%. في عالمنا المليء بعدم المساواة الفاحشة، والظلم، والصراعات، والحروب، قد يتساءل المرء بحقّ ما إذا كان هذا الإنفاق يخدم مصالح الإنسانية بشكل عام. الأمر اللافت أيضًا هو الصمت العام حول هذه القضية، وفشل المجتمع العلمي في التحدث عنها.
لاحظ بعض العلماء البارزين أن النتائج المدمّرة للعلم والتقنية ترجع إلى الرؤية العلمانية السائدة في الأوساط العلمية، وأن هناك حاجة لتغيير هذه الرؤية، بحيث يدعم العلم والتقنية حقًا رفاهية البشرية. يمكن تحقيق ذلك من خلال استبدال الرؤية العلمانية بأخرى تأخذ في الاعتبار جميع أبعاد حياة الإنسان وتوجّه تطبيقات العلم بشكل صحيح. يدعم هذا الرأي ريتشارد طومسون من معهد لا جولا للأبحاث في كاليفورنيا:
إنّ فهم الطبيعة كآلة قد أدّى إلى تقدم تكنولوجي كبير، ولكننا نجد الآن أشخاصًا في جميع أنحاء العالم يتخلون عن يتخلّون عن أساليب الحياة التقليدية للانخراط في صراع لكسب التفوق التقني - صراع يبلغ ذروته في بناء المزيد والمزيد من آلات الدمار الشامل.
يمكن القول إنّ هذا الاتجاه في الحضارة الحديثة قد تم تشجيعه بقوة من خلال النظريات العلمية التي تبدو وكأنها تتناقض مع أي فلسفة للحياة غير المادية. قد يكون من الصعب جدًا تغيير هذا الاتجاه الخطير. ولكن يمكن أن يكون عنصرًا أساسيًا لهذا التغيير هو الانتشار الواسع لنهج صحيح للمعرفة
(366)العلمية يسمح بوجود بُعد روحي ملموس في حياة الإنسان، ويتوافق مع الفهم القديم الذي يرى أن البشر يعتمدون على كائن متعالٍ أسمى. مثل هذا النهج يفتح إمكانية توجيه طاقة الإنسان نحو أهداف روحية أسمى، ويوفر أساسًا أخلاقيًا قويًا لإدارة شؤوننا المادية.
بعد ظهور إساءة استخدام العلم، قبل بعض الفلاسفة، الذين كانوا عمومًا يعارضون تطبيق المبادئ الدينية في العلم، دورًا إرشاديًا للدين فيما يتعلق بتطبيقات العلم. على سبيل المثال، صرّح الفيلسوف السويدي ميكائيل ستينمارك:
«غُلشني على حقّ في اقتراحه بأنّ تدريب العالِم يجب أن يُرافق بتعليم أخلاقي لتحفيز القلق الأخلاقي والمسؤولية. ما إذا كان يمكن تنفيذ هذا التدريب بشكل أكثر فعالية في سياق ديني هو سؤال سيختلف بشأنه بالطبع المدافعون عن وجهات النظر العالمية المختلفة. ولكن أن يوجّه الإسلام، أو على الأقل أن يؤثر على التوجه الصحيح الذي يجب تبنّيه تجاه تطبيق العلم في البلدان التي يشكّل المسلمون فيها الأغلبية، يبدو أمرًا يجب السماح به، وينطبق الأمر نفسه على أيّ دين أو أيديولوجية أخرى. لذا، من المناسب الحديث عن علم إسلامي».
ومع ذلك، فإنّ ستينمارك يعارض تطبيق المبادئ الدينية في اتخاذ القرارات بين النظريات العلمية. وهنا يبرز السؤال: هل يمكن للعلم أن يبقى فعلًا محايدًا تجاه الدين إذا قام المرء بتعميمات تتجاوز نطاق العلم بحد ذاته؟ في هذه التعميمات تحديدًا، تدخل الافتراضات الميتافيزيقية، وهذه الافتراضات ليست عادةً محايدة تجاه الدين.
(367)لا شك أن العلم الحديث قد جلب فوائد هائلة للبشرية. ومع ذلك، فقد تم استخدامه أحيانًا بشكل يضرّ بالإنسانية والبيئة. يعتقد الكاتب أنّ هذا يعود إلى انفصال المعرفة عن الحكمة، وهو بدوره ناتج عن هيمنة الرؤية العلمانية في الأوساط الأكاديمية. العلماء الذين يتبعون هذه الرؤية يكتفون بنتائج عملهم، متناسين أنّ العلم يجب أن يخدم الإنسانية، بدلًا من أن يضرّ بالبشر والبيئة.
العلم له بُعد نظري وبُعد تطبيقي، ولكلا البُعدين للإسلام أولوياته. في المجال النظري، يمنح الإسلام العلماء نظرة توحيدية - نظرة تعتبر الله خالقًا ومُدبّرًا للكون، وترى أنّ للعالم أبعادًا تتجاوز المادية، وتؤمن بوجود غاية في خلق الكون وبوجود نظام أخلاقي. بالإضافة إلى ذلك، يوفر الإسلام أساسًا ميتافيزيقيًا غنيًا يمكن أن يساعد العلماء في تشكيل النظريات وفي الاختيار بينها. في المجال التطبيقي، تُقدّم الرؤية الإسلامية للعالم توجيهات صحيحة لتطبيقات العلم والتقنية، مع التركيز على تلبية احتياجات المجتمعات. من الواضح أنّ الاختلاف في الرأي حول أهداف النشاط العلمي متجذّر في اختلاف الرؤى العالمية للعلماء المعنيين.
في الوقت الحاضر، تسود الرؤية العلمانية بين العلماء المسلمين المتخصصين في العلوم التجريبية، ويعانون من تخلف في مجالي العلم والتقنية، مع اعتمادهم الكبير على الغرب، حيث إنهم غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية بشكل صحيح. لذلك، هناك حاجة لاتخاذ خطوات جادة لمعالجة هذه النواقص. ولمعالجة العوامل المذكورة أعلاه التي تم تجاهلها، يجب اتخاذ الإجراءات التالية:
حوكمة العلوم والتقنية من منظور إسلامي
إن العنصر الأهم في تطوير العلوم في العالم الإسلامي هو ضرورة أن تستند
(368)جميع التخطيطات والأنشطة العلمية إلى منظور إسلامي. يُعد هذا العنصر ضروريًا لتمييز منتجات العلوم والتقنية في العالم الإسلامي عن النتائج المادية للعلوم والتقنية في الغرب، ولضمان الالتزام بالبرنامج الذي حدده القرآن الكريم والسنة النبوية للمؤمنين. ولتحقيق ذلك، يُوصى بالخطوات التالية:
1. يجب تقديم دورة أو دورتين على مستوى الجامعة لتعريف الطلاب بفلسفة العلم الإسلامية، بحيث يتعرفون على الرؤية الإسلامية للعالم.
2. يجب تقديم دورة أو دورات تتناول القيم والقضايا الأخلاقية وكذلك المسؤولية الاجتماعية، مع شرحها من منظور إسلامي.
3. تغيير عقلية صانعي السياسات تجاه العلم
حاليًا، ينصب اهتمام الحكومات المسلمة على استيراد التقنيات الغربية دون إيلاء الاهتمام الكافي لأساسها العلمي أو الاهتمام بإرساء قاعدة مناسبة للابتكار العلمي. ومن الواضح أن من واجب الأوساط الأكاديمية تقديم نصائح مناسبة لحكوماتها من خلال القنوات الملائمة.
4. توفير الفرص للعلماء المتميزين
يجب على الجامعات والمؤسسات البحثية إيلاء اهتمام خاص للعلماء المتميزين، ودعمهم وتلبية احتياجاتهم.
5. إعطاء الأولوية لرعاية احتياجات الأمة
حاليًا، تسعى معظم الدول الإسلامية إلى تقليد الغرب في جهودها لبناء القدرات العلمية والتكنولوجية. وغالبًا ما يتم ذلك بشكل أعمى دون مراعاة الاحتياجات الوطنية، أو الظروف الاجتماعية والاقتصادية، أو الهوية الثقافية، أو القيم الأخلاقية. يجب على الجامعات والمعاهد البحثية أن تعمل بجدّ لتحديد احتياجات وأولويات مجتمعاتها وصناعاتها. عليها أن تحدّد مشاريع مناسبة، وتسعى
للحصول على الدعم من كل من الحكومة والقطاع الخاص. ويتطلب ذلك تفاعلًا قويًا على المستوى الوطني بين الجامعات والمعاهد البحثية وقطاعات الصناعة.
6. تعزيز الموقف النقدي في الأوساط الأكاديمية
الموقف النقدي ضعيف في كثير من الأوساط الأكاديمية في العالم الإسلامي ونادرًا ما يتم تشجيعه. حاليًا، تعمل معظم جامعاتنا كمراكز لنقل المعرفة فقط، بدلًا من السعي الحقيقي لتوسيع حدود المعرفة البشرية. هذا التوجه يقضي على الإبداع لدى العلماء الشباب، ويجب تغييره. ينبغي تقديم جوائز خاصة للأعمال الإبداعية والمبتكرة.
7. الاهتمام بالجودة
في جميع أنحاء العالم الإسلامي، يتم تفضيل المنتجات الغربية. ويُعد أحد الأسباب المهمة لذلك هو انخفاض جودة المنتجات المصنعة في العالم الإسلامي. وبالتالي، يُعد إعطاء الأولوية لجودة الأبحاث والمنتجات أحد العوامل المهمة لتطوير الاعتماد على الذات في العالم الإسلامي.
8. الاهتمام بالمتخصصين والخبراء
تفقد الدول الإسلامية نسبة كبيرة من علمائها ومهندسيها المتميزين بسبب نقص الفرص الداخلية، ووجود بعض العقبات التي يمكن تجنّبها، والإهمال العام للمتخصصين في مجالي العلم والتقنية. لتقليل «هجرة العقول» بين العلماء المسلمين، يجب تقديم الاهتمام المناسب لهم، ومكافأة إنجازاتهم، لتشجيعهم على البقاء والعمل على توسيع حدود المعرفة وتلبية احتياجات مجتمعاتهم. في هذا السياق، يجب أن تكون الكفاءة هي المعيار الأساسي عند تخصيص المناصب المؤسسية والمسؤوليات.
عليرضا قائمينيا
إن الإله الذي تقدّمه الأديان وتعمل على تعريفه، له أوصافه الخاصة؛ فهو حقيقة غير مادية، وهو خالق العالَم والموجودات، وهو العالِم والقادر المطلق وما إلى ذلك. بيد أن من بين تأثيرات التقدّم التكنولوجي وظهور الفضاء السيبراني، ظهور نماذج جديدة لفهم الله وسائر المفاهيم الدينية الأخرى. وبعبارة أخرى: إن طائفة من المفكرين قد استلهموا من المعطيات التكنولوجية والفضاء السيبراني، وسعوا من خلال ذلك إلى تقديم نماذج جديدة لفهم الله والمسائل الدينية الأخرى. وربما كان تأثير الفضاء السيبراني في هذا المجال أكثر من سواه. لا شك في أن من بين الوظائف الإلهية للفضاء السيبراني عبارة عن بحث ودراسة النماذج التي تمّ تقديمها من أجل فهم المفاهيم الدينية على أساس خصائص وصفات هذا الفضاء.
لقد سعى الكثير من الباحثين في علم النفس في المرحلة الحديثة من أجل بيان مفهوم الله في أذهان البشر. وقد كان هؤلاء ملتزمين بالاتجاه الذي يمكن تسميته
بالنزعة الطبيعة. وعلى هذا الأساس فإن الاتجاه المفهومي، من قبيل: مفهوم الله، ليس له ما بإزاء ميتافيزيقي أبدًا، وإنما ظهر وتطوّر في ضوء الاتجاهات النفسية للبشر عبر التاريخ. إن بحث نوع من النزعة الطبيعية في هذا الخصوص يمكنه أن يساعد على ربط الفضاء السيبراني بتصوّر الله.
يمكن متابعة هذا الاتجاه في آثار سيغموند فرويد وأشخاص من أمثال إريك فروم. يقول إريك فروم في هذا الشأن: «إن فكرة الإله الواحد، تمثل جوابًا جديدًا عن الثنويات الوجودية لدى الإنسان. إن اتحاد الإنسان والعالم رهن بالعودة إلى حالة ما قبل الإنسان، بل وهو رهن بازدهار خصائص الإنسان والعشق والعقل. إن عبادة الله في الدرجة الأولى تمثل نفيًا وإبطالًا لعبادة الأصنام. وإن المفهوم الأول للإله قد تبلور ضمن التعلق والارتباط بمفاهيم من قبيل: زعيم القبيلة أو الملك. ثم بعد تطوّر الملك المستبد، كان الإنسان مكلفًا ـ في ضوء أصوله من العشق والعدل ـ بأن يتبعه. وهكذا يتجلى الوثن، وبذلك يصبح الصنم إلهًا بلا اسم. فهو الإله الذي لا يمكن لذاته أن تكتسب أيّ صفة إيجابية أبدًا. إن هذا الإله الفاقد للصفات والذي يُعبد في «صمت» لا يعود هو ذاك الإله المستبد. يجب أن يكون الإنسان مستقلًا بالكامل، وهذا يعني أن يكون مستقلًا عن الله أيضًا. في (معرفة اللاهوت السلبي) على شكل العرفان نشاهد تلك الروح الثورية الحرّة التي كانت تظهر إله الثورة ضد مصر».
يشير إريك فروم في هذا المورد إلى «أصل الاغتراب». إن المفردات والمفاهيم التي تشير إلى تجربة، تحكي عن ظواهر ترتبط بالحالات النفسية أو التجارب الذهنية، إنما تتكامل وتفقد قيمتها بالنظر إلى الشخص الذي يعبّر عن تلك
(374)الحالات. وبعبارة أخرى: إن تلك المفردات والمفاهيم تتغير بتغيّر الشخص، ويكون لها مثل ذات الشخص حياة وموت.
من ذلك ـ على سبيل المثال ـ قد يقول طفل عمره ستة أعوام لأمّه: «أنا أحبّك». من الواضح أن هذا الطفل إنما يعبر عن تلك التجربة التي حصل عليها خلال هذه السنوات الستة الأولى من عمره. كما يمكن أن تصدر هذه العبارة عن رجل بالغ ويقولها لامرأة شابّة، وفي مثل هذه الحالة تكتسب هذه العبارة مفهومًا آخر وتفيد معنى أوسع وأشدّ عمقًا، وتعبّر عن حرية ونشاط أشد، وتفيد هيام هذا الرجل بتلك المرأة. وهكذا نرى أنه مع بلوغ الشخص، يتغيّر معنى هذه العبارة أيضًا.
الأمر الآخر هو أن هناك في كل كائن حيّ ثبات وتحوّل بشكل متزامن، ونتيجة لذلك يكون هناك حركة وسكون في الأفهام الذهنية المعبّرة عن تجارب كل فرد حيّ أيضًا، وإن لهذه الأفهام بدورها أعمالًا وحالات نموّ، وإنما يمكن فهمها حيث لا تعود أجنبية عن التجربة التي تعبّر عنها. وبعبارة أخرى: إن هذه المفردات والمفاهيم إنما يكون لها معنى حيث لا تحيد عن طريق التجربة المرتبطة بها.
إن إريك فروم يدعو هذا المسار بمسار «التغريب»، ويعتقد بأن هذا المسار أصل وليس استثناءً. إن مضمون هذا الأصل هو أن العقيدة التي تعبّر عن تجربة، تتنازل عن ماهيتها لصالح الأيديولوجيا حيث تملأ فراغ الواقعية في ذهن الإنسان. بعد بيان هذا المطلب عمد إريك فروم إلى تقديم هذا الأصل الكلي وهو أن مفهوم الله يعكس تجربة داخلية ومتبلورة في صلب التاريخ. إن التصوّر الذهني لله وليد وجود بنية اجتماعية وسياسية حيث يكون لزعيم القبيلة أو الملك سلطات واسعة في المجتمع، ونتيجة لذلك تتحدّ القيَم المتعالية في خلق المفاهيم
(375)والقدرة العالية في المجتمع. ومن هنا فإن الله ليس بيانًا للحقيقة في نفسها، بل هو واحد من بين آلاف الأوصاف الشاعرية لأسمى القيَم في المذهب الإنساني. عندما تتحدث التوراة أو رجال الدين عن الله، يمكن لنا أن نساهم في فهم مرادهم، ولكننا لا نستطيع أن نقبل بأفهامهم الفكرية.
نحن أمام أنواع متعددة من النزعة الطبيعية في العصر الجديد. حيث يقوم بعضها بتفسير المفاهيم والظواهر الدينية على أساس الأمور المعيشية، وبعضها على أساس الأمور النفسية، وبعضها الآخر في ضوء الأمور الاجتماعية وهكذا. إن المشكلة الأهم التي تعاني منها النزعة الطبيعية هي أنها تقوم على أساس افتراض خاطئ. حيث يفترض في هذا الرأي وجوب أن يكون الدين والمفاهيم الدينية قد تبلورت ضمن مسار حياتي أو غير ذلك. في حين أن ذات هذا الافتراض يحتاج إلى إثبات. ولكنه بقي عالقًا في ذهن الكثير من المفكرين على شكل فرضية لا أكثر.
إن النزعة الطبيعية الرقمية بدورها تعدّ واحدة من أقسام النزعة الطبيعية التي انتعشت مع ظهور الفضاء الرقمي. بناء على هذا النوع من النزعة الطبيعية يجب بيان جميع المفاهيم والظواهر الدينية على أساس المفاهيم والمسارات الرقمية. مع انتشار المفاهيم الرقمية اكتسبت هذه المفاهيم شكلًا جوهريًا في تفكير الإنسان الافتراضي، وأخذ هذا الإنسان بدوره يسعى إلى تفسير كل شيء على أساسها. وفيما يلي سوف نشير إلى بعض الاتجاهات التي تبلورت على أساس النزعة الطبيعية الرقمية في باب المفاهيم والظواهر الدينية.
لقد سعى وليم إينديك في كتابه «الإله الرقمي» إلى تقديم تفسير رقمي عن مفهوم الإله وبعض الظواهر الدينية، من قبيل: الأمور المعنوية والروحية. وقد أشار إلى هذه النقطة وهي أننا في العصر الرقمي نغوص في بحار من وسائل الإعلام، حيث تعمل على بناء العالم الافتراضي من حولنا. لدينا صداقات افتراضية ولدينا صداقات فيزيقية ونعمل على إظهار المشاهد الرقمية على الشاشة بدلًا من عرض المشاهد الفيزيقية. ولكي يبيّن نسبتنا إلى الفضاء الافتراضي عمد ماك لوهان إلى الاستعانة بمثال السمكة والماء، فكما أن السمكة التي لا تستطيع تصور الماء على الرغم من أنها تعيش في داخله ويحيط بها من كل جانب، كذلك نحن في غفلة كاملة عن بيئتنا ومحيطنا، لأننا مستغرقين فيه بشكل تامّ. وبذلك فإننا نحبس أنفسنا في سجوننا الإدراكية من دون أن نعي ذلك. نحن نغرق أنفسنا لا شعوريًا في بحر افتراضي من وسائل الإعلام، غاية ما هنالك أننا لا نستطيع أن نخلّص أنفسنا من هذا السجن الافتراضي، تمامًا مثل تلك السمكة التي لا تستطيع الخروج من الماء. وقد أصبحنا مثل تلك السمكة تابعين في بقائنا إلى البيئة الرقمية، حتى أننا سوف نختنق من دونها. وعلى الرغم من ذلك يذهب وليم إينديك إلى الاعتقاد بأن البيئة الجديدة للشبكة المعنوية والروحية يمكن لها أن تساعدنا في تحرير أنفسنا من هذه السجون.
ثم قال بعد ذلك بأن الإله المفهومي الرقمي أكثر غنىً من الإله العيني. ورأى أن العلاقة والارتباط مع الله الذي يكون مفهوميًا ورمزيًا بالكامل، يعدّ من حيث
(377)التجربة الحسية والعاطفية أغنى من الارتباط بالله القائم على اللقاءات الشخصية والتي يتمّ فيها الشعور بحضور الله بوصفه حقيقة واقعية.
يقول بعض العلماء المختصون في علوم الحوسبة إننا سوف نصل في المستقبل المنظور إلى مرحلة «التفرّد التكنولوجي». إن المراد من هذه المرحلة هي اللحظة التي تحدث فيها ابداعات التقنية على نحو مباشر وبشكل تلقائي. فما الذي يحصل في مثل هذه الحالة؟ قد تكون هذه اللحظة لحظة تكون فيها التقنية أشدّ ذكاءًا من البشر؛ بمعنى أن تصل التقنية إلى الاستقلال التام وتمضي قدمًا وتترك الكائنات البشرية خلفها.
يستحيل توقع الأحداث التي تقع في هذه المرحلة. إن الزمن يمضي سريعًا بحيث لا نستطيع حتى رؤية السنوات الماضية. وليس هناك أيّ مستقبل «يمكن توقّعه أو التنبّؤ به». إن العلم ينطلق حثيثًا في طريق شديد الانحدار، والمسار فيه غير معلوم بالنسبة لنا.
عندما يتبلور العقل الرقمي فيما وراء التفرّد، فسوف يكون على شاكلة الله؛ بمعنى أنه سيتصف بصفات إلهية، فهو عالم مطلق، وحاضر في جميع الأمكنة، وقادر مطلق. ربما أمكن لعقولنا السيبرانية أن تدرك الإله الرقمي في صورته المنعكسة! أو يمكن للحاسبات التي قمنا بصناعتها أن تقدّم لنا إلها رقميًا؛ بمعنى أن تقدّم لنا خالقًا نحن خلقناه بأيدينا. إن هذا الإله هو الإله الرقمي الذي يظهر أمامنا على شكل ماكنة من المعلومات، ويمكن لنا الوصول إليه بشكل مباشر. إنه الإله الذي يمكن له أن يوفر لنا الرفاه الافتراضي الثابت في إطار تلبية ما لا نهاية له من حاجاتنا المعنوية والروحية. وربما سيؤدي هذا التفرّد إلى الوحدة
(378)بين حاجتنا الداخلية إلى الله وقدرتنا على التنصل عن ذواتنا وخلق إله نصنعه بأنفسنا؛ بمعنى أن نصنع صورة يدوية عن إله يعكس الإنسان الرقمي على صورة الإنسان، ولكن بوصفه شخصًا مدركًا آخر وهو الإله الرقمي.
يذهب إينديك إلى الاعتقاد بأن التجربة المعنوية الواقعية تجربة افتراضية. إن الكثير منا يتصوّر أن التجربة الواقعية المعنوية لا يمكن فهمها على أساس التجارب الرقمية؛ بيد أنه يصرّ على هذه النقطة وهي أن كل تجربة إدراكية تعدّ تجربة افتراضية يتمّ صنعها في الذهن بشكل كامل. إن هذا الأصل الكلي يصدق في مورد التجربة المعنوية والروحية أيضًا. إن التجربة المعنوية تجربة افتراضية. والدليل على ذلك واضح؛ لأننا نواجه في هذه التجربة شيئًا آخر حيث يوجد في بُعد مختلف عن بعدنا المادي.
إن الإدراك المعنوي عبارة عن الوصول إلى العالم الافتراضي للآخرين الذين هم بدورهم افتراضيون أيضًا. إن الروح التي يتمّ إدراكها بوصفها شيئًا واقعيًا، هي من حيث الأوصاف الإدراكية شبيهة بالجسم الوهمي الذي يدركه شخص أعضب؛ بمعنى أنه يشعر بالجسم الموهوم بوصفه ذراعًا حقيقة. عندما نمارس لعبة ألكترونية فإننا نخوض تجربة رقمية اعتيادية، وتحدث فيها ذات هذه التصوّرات الوهمية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أننا في هذه اللعبة نسقط أنفسنا على شكل الآفاتار الذي نتحكم به على الشاشة. وفي الواقع فإن هذا الشعور
(379)بالتماهي مع ذلك الآفاتار؛ يعبّر عن هذا الإحساس بالنيابة ونعتبره بديلًا لنا، بمعنى أننا نعيش تجربة ذلك الشيء الذي تعيش تلك الشخصية تجربته في اللعبة على صفحة الشاشة، وهذا هو سرّ المتعة في الألعاب الألكترونية. عندما يكون ولدي منهمكًا في اللعب، يعمل الشخص الغريب في اللعبة على توجيه الليزر نحوه ويقوم بتفجيره، عندها أشعر بالأسى عليه ويصيب الألم جسدي، ولكن عندما يقوم ولدي بتفجير الغرباء بسلاحه الافتراضي أشعر بهيجان فيزيقي. إن هذه السهولة في الإسقاط النفسي على شكل مشاعرنا العاطفية / الحسية تجاه الأشكال الافتراضية الخارجية، إنما هو مجرّد نموذج آخر عن كيفية استعداد الإنسان من الناحية العصبية لإسقاط أحاسيسنا ومشاعرنا إلى الخارج. إن الإنسان يمتلك هذه القابلية بل ويميل إلى إسقاط مشاعره النفسية على الخارج، وإن الفضاء الافتراضي يقوم بتسهيل هذه العملية.
إن أفراد البشر لم يتمّ العمل على تصميمهم من أجل تجربة «الآخر» فقط، بل يتعيّن عليهم أن يعملوا على تجربة «الآخر» بوصفه تطويرًا لذواتهم أيضًا. وبعبارة أخرى: يجب علينا أن نخوض تجربة الآخر وكأنه امتداد متطوّر لنا؛ بمعنى أنه يجب أن نمتلك تجربة «الأنا / الآخر». بالاستفادة من هذه الإمكانية الموصولة عبر سلك بعصبنا الكيميائي، لا غرابة في إدراكنا لحضور شخص آخر في الغالب حتى عندما لا يكون هناك شيء في البين. من الناحية الإدراكية لكي يتحقق إدراك تام لـ «الآخر»، لا تكون هناك ضرورة لوجود ذلك «الآخر» في الفضاء المادي في خارجنا. ليس للواقعية بشكل وآخر صلة بإدراكنا.
إن التجارب المعنوية تختلف عن التجارب الرقمية اختلافًا جوهريًا. إن هذا النوع من التجارب قد ارتبط بالمعرفة المعنوية. وأما التجارب الرقمية فلا تنتج معرفة معنوية أبدًا. وسوف نتناول هذا البحث في الفصل القادم إن شاء الله.
(380)إن مفهوم الإله الرقمي يواجه مجموعة من المشاكل، ولا يمكن اعتباره بوصفه مفهومًا مقبولًا عن الإله. وسوف نُشير فيما يلي إلى بعض الانتقادات الواردة على هذا المفهوم:
لا يمكن إنكار أن التقدّم العلمي والاجتماعي للإنسان على طول التاريخ قد ترك تأثيره في فهمه للإله. إنما الكلام يدور حول مدى مقبولية هذه الأفهام للشرائط العينية الاجتماعية والعلمية وتأثيرها الدائم في الفهم. إن المغالطة إنما تنشأ إذ نظن أن الأفكار حيث تكون معلولة للشرائط العينية والعلمية، إذن فهي لا تمتلك حظًا من الواقعية. إن فهمنا لله بدوره يتغيّر في ظل الشرائط العينية التاريخية؛ ولكن لا ينبغي أن يذهب بنا الظن إلى القول بأن هذه الأفهام عن الله صائبة تمامًا، أو أن لا تكون لله واقعية أو حقيقة بسبب هذه الأفهام الخاطئة.
وقد أشار الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري إلى هذه النقطة في بعض آثاره قائلًا: «إن بعض المدارس ـ ولا سيّما منها المدارس المادية ـ عندما تروم إبداء وجهة نظرها حول أيّ إثارة فكرية أو علمية، تبادر إلى السؤال من فورها وتقول: ما هي الشرائط العينية أو الذهنية التي ظهرت هذه الفكرة في ظلها؟ وهي تسمّي هذه الطريقة والمنهج بـ «المنهج العلمي». وتدعي هذه المدارس أن الطريق الوحيد للتحقيق العلمي حول الأفكار والآراء هو الحصول على الشرائط العينية والشرائط الذهنية التي تمخّضت عن تلك الآراء والأفكار كي نتمكن من شرحها وتفسيرها. ويقولون: ليس هناك فكرة يمكن شرحها أو بيانها من دون أخذ شرائطها العينية والذهنية بنظر الاعتبار. قد تعلمون أن هذه واحدة
من أهم النظريات التي ظهرت في عصرنا، ولها الكثير من الأنصار والمؤيدين».
ما الذي نعنيه بالشرائط العينية والشرائط الذهنية؟ وبطبيعة الحال فإن الشرائط العينية هي الأساس، وأما الشرائط الذهنية الفردية فيتمّ الحديث عنها تبعًا. إن المراد من الشرائط الذهنية الفردية هو أن نرى الظروف التي عاشها صاحب الفكرة من الناحية النفسية والشخصية، وما هي الحالات والانفعالات النفسية التي كانت تسيطر عليه. فهل كان ـ على سبيل المثال ـ راضيًا عن الأوضاع التي عاش فيها أم كان ممتعضًا منها؟ إن الإنسان الراضي بوضعه يكون له نمط من التفكير، والإنسان الممتعض والذي يندب الوضع والواقع الذي يعيش فيه له نمط ونوع آخر من التفكير. وباختصار فإن مجموع الحالات النفسية والشخصية لديه تؤثر في الفكرة والرؤية التي يتبناها أو يعمل على إبطالها، بل وفوق ذلك لا بدّ من أخذ شرائطه وظروفه الاجتماعية بنظر الاعتبار أيضًا. فما هي الأجواء الاجتماعية التي عاش في كنفها الشخص الذي جاء بهذه الفكرة؟ وما هو النظام الساسي الذي كان حاكمًا على تلك الأجواء؟ كأن يعيش شخص ـ على سبيل المثال ـ في حقبة تسودها الحرية المطلقة حيث لا يكون هناك حكم للقانون؟ ويعيش شخص آخر في مرحلة أخرى تسودها الحرية المعتدلة، حيث تكون مصحوبة بحكم القانون في ظل الحفاظ على حرية الأفراد أيضًا. بينما يعيش شخص ثالث في مرحلة عصيبة من القسوة والاستبداد، بحيث تمطر فيها السماء عنفًا وتنبت فيها الأرض بؤسًا وشقاءً. في ضوء هذه النظرية يكون التفكير الصادر عن عقلية المفكر رهنًا بالظروف والشرائط الروحية والأجواء النفسية الشخصية والفردية من جهة، والجوّ السياسي الاجتماعي من جهة أخرى، والوضع الاقتصادي في حياته، بل
وهو رهن حتى بالعادات والآداب الاجتماعية لعصره أيضًا. ولذلك يتعيّن علينا أن نأخذ مجموع الظروف والشرائط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للمفكر بنظر الاعتبار، لكي نتمكن من تفسير رؤيته، وندرك كيفية تفكيره.
يمكن للإله الرقمي أن يكون نافعًا للتقريب إلى الذهن؛ ولكنه يختلف عن إله الأديان إلى حدّ كبير. إن النموذج المفهومي الذي يقدّمه الإسلام عن الإله مفهوم فريد في نوعه. إن هذا الإله ليس مجرّد عالم مطلق وقادر مطلق، بل هو خالق العقل والإنسان أيضًا.
وقد أشار الشهيد الأستاذ مرتضى المطهري إلى نقطة مهمّة حول «إله الدين» قائلًا: «إذا كان لله وجود واقعي في العالم فإنه لا يمكن أن يكون وجودًا محدودًا يحتل مكانًا معيّنًا بين سائر الموجودات، بل يجب أن يكون موجودًا منسجمًا مع الوصف القرآني؛ إذ يقول تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ )، ويقول أيضًا: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ). ولا يمكن العثور على وصف أبلغ من هذا الوصف القرآني لله. فعندما نقول: «الله» نقصد بذلك الموجود الذي هو أول الموجودات، والذي صدرت عنه جميع الموجودات، كما هو آخر الموجودات [أي] إنه الموجود الذي ترجع إليه الموجودات جميعًا. كما يقول القرآن الكريم عن عالم الآخرة: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)، فهؤلاء يرون ظاهرًا وتجليًا وتمظهرًا من الحياة الدنيا، ولكنهم يغفلون عن الآخرة التي لن
تكون من هذا النوع، وهذا يعني أن النسبة بين الدنيا والآخرة عند هؤلاء كالنسبة بين الظاهر والباطن. والمراد هنا هو أن المهم في مسألة التوحيد هو العمل على عرضها بشكل صحيح. هناك بعض المسائل التي يتعيّن علينا الحديث عنها لاحقًا، ولكن سنكتفي هنا بعرضها وبيانها ولو على نحو الإشارة؛ فنقول: إن الله تعالى كما يصف نفسه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )، وهذا هو أول ما يجب على الإنسان أن يأخذه بعين الاعتبار، وهو أنه ليس كمثله شيء، وليس هناك ما يمكن له أن يضارعه أو يشاكله أو يُشابهه. كما يجب على الإنسان أن يلاحظ ـ في تصوّره الأولي لمسألة التوحيد ووجود الله ـ مفاهيم من قبيل: «سبحان الله»، و«سبحان ربي العظيم»، و«سبحان ربي الأعلى»، و(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)، و«الله أكبر»، وأن يأخذ هذه المفاهيم بنظر الاعتبار عند التصوّر الذي يريد تكوينه في ذهنه عن الله سبحانه وتعالى؛ بمعنى أن يدرك أن الله منزّه من كل وصف يحاول هؤلاء أن يلصقوه به، إن ربي العظيم منزّه عن التوصيف الذي أصفه به؛ فمعنى «الله أكبر» هو أن «الله أكبر من أن يوصف». إن الإنسان يبحث عن موجود هو أكبر من وصفه وهو منزّه عن جميع أشكال الحدود والنقص، إذ يقول تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، هذه هي صفة ذلك الموجود وهي أنه ليس جزءًا من أجزاء الكون، بل إن ذاته محيطة بكل الأشياء، وهو معها جميعًا: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)».
إن المفاهيم الدينية ـ من قبيل: مفهوم الإله ـ تختلف كثيرًا عن المفاهيم الرقمية.
إن الإله الذي يتمّ تعريفه في الدين وجود مطلق وغير محدود وخالق وحاضر في كل مكان، وما إلى ذلك من المفاهيم الأخرى. إن هذه المفاهيم في المجموع تقدّم تصوّرًا عن موجود فريد ليس له ما يضارعه على الإطلاق.
لقد كان البحث عن ثنائية وجود الله مطروحًا في الإلهيات منذ القِدَم. إن لله ظهورًا وتعاليًا وله باطن أيضًا. فمن جهة هناك ارتباط لله ـ بوصفه موجودًا متعاليًا ـ بالعالم؛ بمعنى أن الله موجود مستقل ومنفصل عن العالم، وهو ما فوق الكائنات والعالم، وهو من جهة أخرى يحتوي على وجود باطني يرتبط بالعالم أيضًا؛ بمعنى أنه حاضر في عالم الخلق، ويعمل في عالم الكائنات المشتمل على أحداث هذا العالم وتاريخ البشر.
إن هذه النقطة القائلة بأن هناك توازن بين الظاهر والباطن في وجود الله سبحانه وتعالى، نراه في المسيحية وفي الإسلام أيضًا. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الكتاب المقدس بعهديه (القديم والجديد)، قد أشار إلى كلتا النقطتين. فقد ورد التأكيد في العهد القديم (التوراة) على أن الله ساكن في العالم الأعلى، كما في قوله: «لأن الله في السماوات، وأنت على الأرض». وقد تحدّث النبي إشعياء عن أنه قد رأى الله، وذلك بقوله: «رأيت السيد جالسًا على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل». وفي العهد الجديد (الإنجيل) قال بولس الرسول في خطبته الشهيرة في جبل مريخ في مدينة أثينا: «لكي يطلبوا الله لعلهم يتلمسونه فيجدوه مع أنه عن
كل واحد منا ليس بعيدًا .. لأننا به نحيا ونتحرّك ونوجد».
وقال كل من غيرنز وأولسن بشأن أهمية هذه الثنائية في اللاهوت المسيحي: «لقد كان المتألهون في كل عصر أمام اختبار هذه القدرة في بيان الإدراك والفهم المسيحي لذات الله بشكل وآخر؛ حيث يتمّ التأكيد على الحقائق الإلهية في ثنائية الظاهر والباطن معًا، وأن تكون هناك علاقة متعادلة بينهما، ويكون لهما في الوقت نفسه وجود خلاق. لو حافظنا على التعادل في قبول هذه الحقيقة، سوى نرى أنه من السهل أن توجد علاقة وصلة صحيحة بين الإلهيات والعقل والثقافة الإنسانية. وحيث لا يكون هناك وجود لهذا التعادل، فسوف تظهر في اللاهوت مشاكل جادّة. إن التأكيد المفرط على ظهور الله يمكن أن يؤدّي إلى ظهور لاهوت ليس له أيّ صلة أو نسبة مع الثقافة المحيطة بنا، وهي الثقافة التي تدّعي التخطيط للتحاور معها، ومن ناحية أخرى فإن التأكيد المفرط على باطنية الله بدوره من شأنه أن يؤدّي إلى ظهور لاهوت مكبل بأغلال ثقافة خاصة».
كما ورد بيان هذه الثنائية في الإسلام على الدوام بشكل أدق؛ فقد روي في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق، عن أمير المؤمنين عليهالسلام، أنه قال: «سبحانه، هو كما وصف نفسه، والواصفون لا يبلغون نعته، حدّ الأشياء كلها عند خلقه إياها إبانة لها من شبَهه وإبانة له من شبهها، فلم يحلُل فيها فيقال: هو فيها كائن، ولم ينأَ عنها فيقال: هو منها بائن، ولم يخلُ منها فيقال له: أين».
وقال الشيخ النوري في حواشيه على تفسير صدر المتألهين: «والسرّ في المقام
هو كونه سبحانه محيطًا قاهرًا مستوليًا مع كل شيء لا بالمقارنة، غير كل شيء لا بالمزايلة، واختصاص كون شيء بوقت يوجب كونه محاطًا مقهورًا، وهذا ينافي القهر والإحاطة وشمول الرحمة وعموم القدرة، فهو مع كل شيء لشمول رحمته وعموم قدرته والتغيّر يوجب التقيّد، والموجود المقيّد محدود، وكل محدود مركّب، والمركّب محتاج، والوجوب ينافي الاحتياج، ووحدة نسبته إلى الأشياء وحدة حقّة، والوحدة الحقّة تنافي التعدد والتكثر، وتناقض التقيّد والتغيّر؛ إذ التغيّر خاصّة الفقر والفاقة والفقد والقوّة، وكل ذلك يأبى عند الوحدة الحقّة، وهو سبحانه موجود غير فقيد، ومنزّه عن التقيّد والتقييد، فافهم».
هذا في حين أن الإله الرقمي لا يمتلك هذه الثنائية، فهو إله باطني بحت لا يخرج من مكمنه قط؛ بمعنى أنه إله قابع في جوف الأدوات الرقمية ويحيا بها. إن هذا الإله لا يذهب إلى ما وراء الأدوات الرقمية أبدًا ولا يستعلي عليها مطلقًا.
إن العلاقة الوجودية مع الله تحظى بأهمية بالغة بالنسبة إلى البشر. إن المتدينين يقيمون علاقة وجودية مع الله سبحانه وتعالى. وعلى حدّ تعبير بوبر: إن بينهم وبين الله نسبة «أنا / أنت». وهذه العلاقة مهمّة بالنسبة إلى المتدينين. فليست المسألة مجرّد إيمان بموجود متعال، بل إن هذا الموجود يجب أن يكون له دور في حياة الإنسان.
ولو سلمنا أننا آمنا بالإله الرقمي، فما الذي يعنيه الارتباط المباشر به؟ فهل يمكن له تلبية جميع مطالب الإنسان واحتياجاته؟ وهل يمكنه تقديم العون له في الأزمات والشدائد؟ كيف يمكن للإله الرقمي أن يقوم بمثل هذه الأمور؟!
إن إله الدين هو الإله الذي يسمو على جميع الحسابات العادية للإنسان ويجترح المعاجز؛ فحيث يعاني الإنسان من القيود والمحدوديات فإنه يبادر إلى رفعها عن كاهله، وحيث يمرض فإنه يشفيه، ويرزقه حيث يفتقر؛ فكيف يمكن للإله الرقمي أن ينجز هذه الأمور؟
كما أن الأزمات المعنوية والروحية تعدّ نوعًا آخر من المشاكل والأزمات التي يجب أن تأخذ قسطها من الاهتمام أيضًا. ما هو التعريف الذي يقدّمه إينديك للمعنويات؟ ما هي المعنوية؟ وكيف يحصل الإنسان على المعنويات في علاقته مع الله؟ يقول إينديك: إن الإله الرقمي إنما يمكنه تلبية احتياجاتنا الداخلية إلى الله ويأتي للإنسان بالمعنويات بهذه الطريقة. كيف يمكن للإله الرقمي أن يأتي بالمعنويات إلى الإنسان؟ وكيف يمكنه أن يملأ الخلأ المعنوي والروحي للإنسان؟
وفي الأساس كيف يتمّ الحصول على المعنويات في الحياة الرقمية؟ هذا سؤال مهم يجب بحثه في موضعه. كيف يمكن للارتباط بالإله الرقمي أن يأتي للإنسان بالسكينة المعنوية والروحية؟ إن الإنسان حيث يبحث عن المعنويات إنما يروم فهم وتفسير آلامه وأوجاعه في الحياة، وأن يستوعب الاخفاقات وأنواع الفشل التي مُني بها في هذه الحياة. كيف يمكن للإله الرقمي أن يقوم بهذه الأمور؟ إن المعنوية الحقيقية إنما تحصل للإنسان في ظلّ الارتباط بموجود أسمى، وهو الموجود الذي يكون بمقدور الإنسان أن يرتبط به في كل حين، وأن يقيم معه نسبة «أنا / أنت»، وهو الوجود الحقيقي وليس الافتراضي والمجازي. إن مجازية هذا الوجود تستدعي مجازية المعنوية أيضًا.
(388)إن النزعة الاختزالية التحويلية تطلق على المفهوم الذي يتمّ فيه اختزال وتحويل حقيقة شيء إلى شيء آخر. إن الآراء العلمية التي تسعى إلى اختزال الحقائق الدينية وتحويلها إلى الحقائق العلمية إنما يقعون في نوع من التحويل الاختزالي. وقد كان للتحويل الاختزالي صور مختلفة عبر التاريخ. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن علماء النفس في مرحلة ما كانوا يحيلون مفهوم الإله إلى عامل نفسي. وكان علماء الاجتماع يحيلونه إلى أمر من قبيل الوجدان الاجتماعي أو يختزلونه في الأمر الذي يمنح الاستقرار للمجتمع وما إلى ذلك.
إن النزعة التحويلة تعدّ واحدة من الأمراض الفكرية في المرحلة الحديثة. حيث يسعى كل عالم إلى اختزال الإله والمفاهيم الدينية في مفاهيمه العلمية والمعلومات المقبولة في حقل اختصاصه. وفي مورد الفضاء الرقمي نرى كذلك مجموعة من المختصين في هذا الشأن يحيلون جميع المفاهيم الدينية والمقدّسة إلى المفاهيم والمسارات الرقمية. ويمكن لنا تسمية هذه النزعة التحويلية والاختزالية بـ «الاختزالية الرقمية». وبعبارة أخرى: إن النزعة الاختزالية من لوازم الرقمنة.
إن المشكلة الرئيسة التي يعاني منها هذا النوع من التحويل الاختزالي، تكمن في أننا لا نستطيع تحليل وتفسير الكثير من المفاهيم ـ ومن بينها المفاهيم الدينية ـ في إطارها، وإن هذه التحليلات تكون بعيدة عن الحقيقة والواقع، وبالتالي فإنها تفرز في نهاية المطاف أمرًا شبيهة بالأمور الحقيقية، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن المفاهيم الحقيقية أو تقوم مقامها.
(389)سبق لنا أن أشرنا إلى هذه النقطة، وهي أن من بين وظائف الإلهيات السيبرانية دراسة النماذج السيبرانية، بمعنى النماذج المنبثقة عن المفاهيم الرقمية والفضاء السيبراني المطروح من أجل فهم المعاني والماهيات الدينية. كما بحثنا مفهوم الإله الرقمي أيضًا. وفيما يلي سوف نشير إلى نماذج جديدة في باب فهم «الخلود» و«الروح». إن هذين المفهومين مرتبطان ببعضهما؛ إذ أن خلود الإنسان مرتبط بروحه، وإن الذي يبقى من الإنسان بعد وفاته إنما هو روحه.
إن الحياة بعد الموت ووجود الروح من الثوابت المهمّة في جميع الأديان الإبراهيمية؛ كما نراها في سائر الأديان الأخرى ماثلة بأشكال مختلفة، وقد آمنت جميعها بالحياة بعد الموت على اختلاف أنواعها. ومن هنا فإن مفهوم «الخلود» و«الروح» يُعدّ من أهم المفاهيم في الأديان الإبراهيمية بعد مفهوم «الإله».
يمكن تعريف الخلود الرقمي[1] بشكل عام بوصفه تتمّة لحضور رقمي فاعل أو منفعل بعد الموت. وقد قام مفهوم الروح الرقمية على أساس هذه الرؤية وهي أن روح الإنسان تبقى بعد الموت على أشكال مختلفة. إن الروح في الأصل منظومة جبارة من الملفات المأرشفة والمدّخرة في بعض الوسائل والمعدات الرقمية. وإن الروح من هذه الزاوية تعدّ أمرًا ماديًا بالكامل، وإن كل جزء من أجزائها عبارة عن نموذج من الطاقه الألكترومغناطيسية المدّخرة والمحفوظة في صلب المادّة. وعندما يريد شخص التعامل مع روحك، يتعيّن عليه أن ينتخب يومًا من أيام حياتك. إن جزءًا من ذهن روحك المرتبط بذلك اليوم من حياتك
(390)يتمّ تحميله على الحاسوب، وهو الحاسوب الذي يعمل في الحقيقة على تزويدها بالروح. إن الحاسوب الذي يعمل على تنفيذ روج الجيل الثاني منكم، هو نوع أقوى بكثير من الحواسيب التي نضعها حاليًا فوق طاولاتنا. إن هذا الحاسوب يُعدّ من الناحية الفنية ماكنة لجون فون نيومان. إن هذا الحاسوب يعمل في بعض الصفحات على إنتاج القنوات الخروجية القابلة للرؤية. عندما ينظر زائرك في هذه الصفحة سوف يرى صورة روحك. إن صورة روحك في ذلك اليوم تبدو مثل صورتك، وهي في ذلك اليوم تتحرك مثل صورتك. يمكن لروحك أن تسمع الأصوات الخارجية بواسطة مكرفونات متصلة بحاسوبها، ويمكن لها أن تتكلم عبر المكبّرات الصوتية أيضًا. يمكن لروحك أن تقيم حوارًا وتجري مكالمة. إن روحك عامل للمكالمات والحوارات البدنية، وتسمى أيضًا بروبوت الثرثرة أيضًا. عندما تتكلم روحك يبدو صوتها مثل صوتك في ذلك اليوم.
إن الشبح أو الروح الرقمية، هي استنساخ للخواطر القديمة للشخص، والتي يمكن ادخارها في الأجهزة الرقمية. لنفترض على سبيل التشبيه أنك كما تستنسخ نصًّا مكتوبًا، يكون بمقدورك أن تعمل على استنساخ شخص، بمعنى أن تستنسخ جميع ما في ذهنه من خواطر وتقوم بادخارها في جهاز. وهذا هو استنساخ الشبح أو الروح الرقمية. يمكن لنا أن نأخذ هذا الشبح بوصفه بديلًا للمفهوم التقليدي لـ «الروح».
يرى الرقميون أن الذهن بأجمعه عبارة عن أشياء طبيعية بالكامل، ومن
(391)الممكن دراسته دراسة علمية. إن جميع الأذهان عبارة عن عمليات حسابية. وبطبيعة الحال فإن الرقميين قد يلجأون ـ لتفسير وشرح هذه الأطروحة القائلة بأن الأذهان ليست سوى معادلات حسابية ـ إلى الكثير من الأفكار الفلسفية والعلمية في مختلف المجالات، ولكنهم سوف يصلون في نهاية المطاف إلى هذا الرأي القائل بأن الذهن عبارة عن مجموعة من العمليات الحسابية.
إن مفهوم الروح الرقمية يواجه بعض الاشكالات، ولذلك لا يمكن اعتباره طريقًا مناسبًا لبقاء الروح بعد الموت. وفيما يلي سوف نشير إلى أربعة من هذه الإشكالات، ونعمل على بيانها باختصار، وذلك على النحو الآتي:
1. مشكلة الهوية والتماهي.
2. مشكلة الجسد.
3. مشكلة الاستقلال.
4. مشكلة الذاتوية (السولبسية).
إن المشكلة الأولى هي مسألة التماهي. إن الشبح أو الروح الرقمية ليست متحدة مع ذات الشخص. فإن هذا الشبح إنما هو استنساخ تام للحياة الذهنية للفرد، ولا يمكن للاستنساخ أن يتحد مع الأصل أبدًا. إن هذه النقطة تستوجب نفي التماهي. ومن هنا لا يمكن لنا القول بأن الشبح الرقمي للشخص هو ذات هذا الشخص، في حين أن روح الشخص هي ذات الشخص.
(392)ومن الجدير ذكره أن الاستنساخات يمكن أن تكون لها حياة مختلفة عن ذات الشخص (الأصل)، ولا تكون متحدة معه. إن مجرد التساوي بين النسخ والأصل في بعض الحالات الذهنية لا يستلزم أن يكونوا نفس الشيء أو أن تكون لهم هوية متطابقة.
لنفترض أن شخصًا اسمه زيد قد أعد بعض الاستنساخات عن نفسه، ويرسل إلى صديقه الشخصيات المستنسخة عنه ليقوم له ببعض الأعمال، بينما يذهب زيد الأصل إلى ساحل البحر لغرض الاستجمام، في حين تقوم مستنسخاته ببعض الأعمال الإدارية مثلًا. وعليه من الذي يجب عليه دفع الفواتير وأجور العمال على هذه الأعمال؟ هل يقع واجب الدفع على زيد الأصلي أو على الزيود المستنسخة أو عليهم جميعًا؟ وعندما يرسل زيد مستنسخاته سوف تحصل هذه المستنسخات على تجارب مختلفة بالنسبة إلى أنفسها، وعليه ألا تشير هذه التجارب إلى أشخاص مختلفين؟ ألا يكون زيد في مثل هذه الحالة قد تحوّل إلى عدّة أشخاص؟
إن الروح الرقمية ليست مستقلة عن الوسائل والأدوات الرقمية. من دون تلك الأدوات التي يمكن ادخار الصوَر والأفلام عليها، لن يكون هناك وجود للروح والشبح الرقمي. في حين أنه في ضوء مدّعى الأديان تكون الروح مستقلة عن جسمه، وسوف تواصل وجودها حتى بعد الموت. إن هذا الشبح أو الروح لا يعود متصلًا بجسمه. في حين أنه شبح عصبي فقط وليس شبحًا فسيولوجيًا. إن أعضاء هذا الشبح تتبلور على أساس خواطر الفرد. إن تجربة الفرد عن أعضائه قد تكررت في روحه. من ذلك مثلًا لو كان الشخص قد أصيب بمرض، فالآن
(393)إن الإشكال الرابع ينشأ مباشرة من الإشكال الثالث ويرتبط بـ «الأنّانة». إن شبح الفرد يعيش في عالم لا يتألف إلا من خواطره ومعطياته الثابتة. إن هذا الشبح يعيش في عالم وهمي وفي عالم من أحلامه. وحيث أن الموارد الموجودة إنما تثبت ـ في ضوء بيوغرافية الفرد ـ في عالمه الخارجي ومن زاوية رؤيته فقط، لا يكون له طريق إلى خارجه ويعيش ضمن دائرة ذكرياته السابقة. وكأنه ليس هناك من وجود لأيّ شيء آخر غيره.
هل تكفي الأنانة للحياة بعد الموت؟ أم أن الحياة بعد الموت تستلزم أن تنمو ذات الفرد مع العالم الذي أصبح زاخرًا بالآخرين؟ إن روح أو شبح الفرد يجب أن يرتبط بخارج ذاته، وليس مجرّد مجموعة من خواطره وذكرياته السابقة.
وبعبارة أخرى: إن استنساخ الفرد إنما هو في قيد خواطره وذكرياته السابقة، وليس له طريق إلى خارج ذاته. إنه يعيش في حياة الأنانة بشكل كامل؛ بمعنى أنه يعيش في عالم لا وجود فيه للآخرين، ولا يوجد في ذلك العالم إلا هو. إن هذا العالم مجموعة من الذكريات والخواطر السابقة.
لقد تحدّثنا في هذا الفصل حول النماذج المقتبسة من الفضاء الرقمي إدراك الله والحياة بعد الموت، ويُطلق عادة على هذا النوع من الأفهام عنوان «الإله الرقمي» وكذلك «الحياة الرقمية بعد الموت»، و«الروح الرقمية».
إن هذا النوع من الآراء يقوم على أساس النزعة الطبيعية. في ضوء هذا الاتجاه لا يكون لمفاهيم من قبيل مفهوم الإله ما بإزاء ميتافيزيقي أبدًا، وقد ظهر وازدهر في التاريخ بشكل بحت على أساس الاتجاهات النفسية للبشر. يمكن لنا
(395)أن نرى جذور النزعة الطبيعية في المراحل الأولى من علم النفس الحديث في آراء سيغموند فرويد وكذلك في آراء إريك فروم أيضًا.
إن أهم مشكلة تعاني منها النزعة الطبيعية، هي أنها تقوم على أساس فرضية خاطئة. إن هذه الرؤية تفترض وجوب أن يكون الدين والمفاهيم الدينية قد تبلورت ضمن مسار حياتي أو غيره. إن ذات هذا الافتراض يحتاج إلى إثبات، ولكنه قد تسلل إلى أفكار الكثير من المفكرين على شكل فرضية ثابتة.
إن النزعة الطبيعية الرقمية بدورها واحدة من أقسام النزعة الطبيعية التي ازدهرت مع ظهور الفضاء الرقمي. بناء على هذا النوع من النزعة الطبيعية يجب أن يتمّ بيان جميع المفاهيم والظواهر الدينية على أساس المفاهيم والمسارات الرقمية.
لقد أشار إينديك في بيان مفهوم «الإله الرقمي» إلى هذه النقطة، وهي أن بعض المختصون في العلوم الكامبيوترية قد ذكروا أننا سنصل في المستقبل القريب إلى مرحلة «التفرّد التكنولوجي». إن هذه المرحلة تحتوي على هذه الخصائص:
أولًا: إن التقنية والفضاء الرقمي في هذه المرحلة تتجاوز الإنسان، وتتقدّمه وتسبقه وتفرض سيطرتها عليه.
ثانيًا: سوف نواجه ماردًا من الذكاء الاصطناعي يتصف بأنه عالم مطلق وقادر مطلق. ويذهب أنصار وأتباع «الإله الرقمي» إلى الاعتقاد بأن هذا المارد العقلي الصناعي سوف يكون بديلًا لذات مفهوم الإله التقليدي في الأديان.
وقد أشرنا إلى خمسة إشكالات في مفهوم «الإله الرقمي»:
1. عدم فصل الواقعية عن تأثير الشرائط والظروف: لا يمكن إنكار أن التقدّم العلمي والاجتماعي للإنسان على طول التاريخ قد ترك تأثيره في فهمه للإله. إنما الكلام يدور حول مدى مقبولية هذه الأفهام للشرائط العينية الاجتماعية والعلمية وتأثيرها الدائم في الفهم. إن المغالطة إنما تنشأ إذ نظن أن
الأفكار حيث تكون معلولة للشرائط العينية والعلمية، إذن فهي لا تمتلك حظًا من الواقعية. إن فهمنا لله بدوره يتغيّر في ظل الشرائط العينية التاريخية؛ ولكن لا ينبغي أن يذهب بنا الظن إلى القول بأن هذه الأفهام عن الله صائبة تمامًا، أو أن لا تكون لله واقعية أو حقيقة بسبب هذه الأفهام الخاطئة.
2. اختلاف الإله الرقمي عن إله الدين: إن المفاهيم الدينية ـ من قبيل: مفهوم الإله ـ تختلف كثيرًا عن المفاهيم الرقمية. إن الإله الذي يتمّ تعريفه في الدين وجود مطلق وغير محدود وخالق وحاضر في كل مكان، وما إلى ذلك من المفاهيم الأخرى. إن هذه المفاهيم في المجموع تقدّم تصوّرًا عن موجود فريد ليس له ما يضارعه على الإطلاق.
3. عدم ثنائية التعالي والباطنية: إن الله يتصف بالباطنية والتعالي، في حين أن الإله الرقمي لا يمتلك هذه الثنائية، فهو إله باطني بحت لا يخرج من مكمنه قط؛ بمعنى أنه إله قابع في جوف الأدوات الرقمية ويحيى بها. إن هذا الإله لا يذهب إلى ما وراء الأدوات الرقمية أبدًا ولا يستعلي عليها مطلقًا.
4. عدم إمكان الارتباط الوجودي: إن العلاقة الوجودية مع الله تحظى بأهمية بالغة بالنسبة إلى البشر. إن المتدينين يقيمون علاقة وجودية مع الله سبحانه وتعالى. وعلى حدّ تعبير بوبر: إن بينهم وبين الله نسبة «أنا / أنت». وهذه العلاقة مهمّة بالنسبة إلى المتدينين. فليست المسألة مجرّد إيمان بموجود متعال، بل إن هذا الموجود يجب أن يكون له دور في حياة الإنسان. في حين لا يكون الارتباط الوجودي مع الله أمرًا ممكنًا.
5. التحويل الاختزالي: إن النزعة الاختزالية التحويلية تطلق على المفهوم الذي يتمّ فيه اختزال وتحويل حقيقة شيء إلى شيء آخر. إن الآراء العلمية التي تسعى إلى اختزال الحقائق الدينية وتحويلها إلى الحقائق العلمية إنما يقعون في نوع
من التحويل الاختزالي. إن مفهوم الإله الرقمي والروح الرقمية، والحياة الرقمية بعد الموت، هي بأجمعها نتيجة للتحويل الاختزالي الرقمي.
إن مفهوم الروح أو الشبح الرقمي يواجه بعض الإشكالات ولا يمكن اعتباره حلًا مناسبًا لبقاء الروح بعد الموت. وقد أشرنا إلى أربعة إشكالات حول مفهوم الروح الرقمية، وهي عبارة عن:
1. مشكلة الهوية والتماهي: إن الشبح أو الروح الرقمية ليست متحدة مع ذات الشخص. فإن هذا الشبح إنما هو استنساخ تام للحياة الذهنية للفرد، ولا يمكن للاستنساخ أن يتحد مع الأصل أبدًا. إن هذه النقطة تستوجب نفي التماهي. ومن هنا لا يمكن لنا القول بأن الشبح الرقمي للشخص هو ذات هذا الشخص، في حين أن روح الشخص هي ذات الشخص.
2. مشكلة البدان: إن الروح الرقمية ليست مستقلة عن الوسائل والأدوات الرقمية. وحيث أن هذا الشبح أو الروح لا جسد له، يمكن القول إنه غير حيّ، وإن له مجرّد حياة ذهنية وليست حياة حقيقية. إذن هي مجرّد مجموعة من الخواطر الذهنية الفاقدة للحياة.
3. مشكلة الاستقلال: إن المشكلة الثالثة تتعلق بالاستقلال والسلطة الذاتية. إن الشبح الرقمي إنما هو في الواقع مجرّد ذكرى، وليس له حياة مستقلة من تلقائه، بل هو شبيه بثابت تاريخي وقع في الحياة السابقة؛ بمعنى أنها لا تستطيع تفعيل أي إنتاجية جديدة.
4. مشكلة الذاتوية (السولبسية): إن استنساخ الفرد إنما هو في قيد خواطره وذكرياته السابقة، وليس له طريق إلى خارج ذاته. إنه يعيش في حياة «الذاتوية» بشكل كامل؛ بمعنى أنه يعيش في عالم لا وجود فيه للآخرين، ولا يوجد في ذلك العالم إلا هو. إن هذا العالم مجموعة من الذكريات والخواطر السابقة.
(399)
سيد حسين نصر
إن التقنية الحديثة في هذه المقالة ناظرة إلى التقنية التي ظهرت في عصر الثورة الصناعية وفي المرحلة اللاحقة لها في الغرب بشكل رئيس، ولا تزال حتى الآن هي السائدة في جميع أنحاء العالم. إن لهذا البحث بُعدين في غاية الاختلاف، وهما أولًا: البُعد المرتبط بالحالة الواقعية الموجودة في الدنيا حاليًا، وثانيًا: البُعد الناظر إلى ما نعتقد بوجوب وجوده، وهذا ـ بطبيعة الحال ـ فيما يتعلق بالعالم الإسلامي. وفي هذا الشأن لا بدّ من الالتفات إلى هذا المثال: ليس هناك دولة في العالم الإسلامي حاليًا إلا وهي تؤيد شكلًا من أشكال التقنية ومصادر السلطة والقوة أو الثروة. ولا توجد هناك دولة من هذه الدول تدعو إلى الوقوف بوجه أنواع التقنية التي يذهب الظن الغالب إلى أنها تؤدّي إلى تحقيقي رفاهية خاصّة. وهي أنواع من قبيل: الهاتف النقال الذي انتشر في جميع أنحاء العالم انتشار النار في الهشيم، على الرغم من الكثير من الدراسات والتحقيقات التي تؤكد على تداعياته الضارة والمدمّرة على مخ الإنسان، ومع ذلك فإن كان الكثير من الناس لا يظهرون اهتمامًا كبيرًا بهذه الآثار السلبية.
(401)وعليه لن يكون البحث في هذا المستوى عن العلاقة والصلة بين المسلمين والتقنية الحديثة مجديًا؛ بمعنى أن كل نوع من أنواع التقنية التي تدخل إلى السوق ـ والتي تأتي عادة من الغرب وأحيانًا من اليابان أيضًا أو البلدان المعدودة الأخرى التي تمتلك اختراعات جديدة ـ إذا كانت تؤدي إلى الثراء أو السلطة أو الرفاه، فإنها سوف تنتشر بين المسلمين أيضًا، كما هو الحال بالنسبة إلى سائر البلدان والشعوب الأخرى أيضًا. وإن الحديث حول مخاطر انتشار هذا النوع من التكنولوجيات لغرض الوصول إلى نتيجة إيجابية بهذا الخصوص لن تكون مثمرة.
ولكن هناك مسائل أخرى يمكن البحث فيها، من قبيل: الآثار والتداعيات المدمّرة للتقنية الحديثة على البيئة، وبعد ذلك يتبلور هذا السؤال القائل: ما هو الحل الذي يجب اللجوء إليه للحيلولة دون القضاء على البيئة؟ وما هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المسلمون في إطار التصدّي للتقنية الحديثة التي أصبح تأثيرها السلبي على البيئة واضحًا؟ وعليه فإني أروم الحديث عن هذا البُعد، ولا شك في أن المسائل الأهم تكمن في هذه الناحية. وبعبارة أخرى: لو بحثنا حول هذه المسألة وهي أن هذه الدولة أو تلك الدولة بعينها صارت بصدد الوصول إلى علم الهندسة الذرية أو نوع خاص من الليزر، أو البحث عن طرق الوصول إلى هذه التقنية، يبدو من وجهة نظري أن هذا الأمر سوف يكون في الوقت الراهن ضربًا من العبث، ولكن هناك أمر آخر في غاية الأهمية يمكن لنا بحثه، وهو عبارة عن: التأسيس لرؤية خاصة بشأن التطلّع إلى المستقبل، وذلك فيما يتعلق بهذه المسائل بطبيعة الحال. نحن مسؤولون تجاه توعية المسلمين بشأن مسألة التقنية
(402)الحديثة. إن بعض الأشخاص في الغرب هم أكثر وعيًا بمخاطر التقنية الحديثة قياسًا إلى الكثير من الناس في آسيا وأفريقيا الذين هم عرضة لأضرار التقنية الحديثة. وهذه كما لا يخفى مسألة مهمة لا بدّ من بحثها.
أرى أنه بالنظر إلى هذه الحقيقة، يجب البحث حول هذه النقطة، وهي: ما هي المشاكل التي تتسبب بها التقنية الحديثة بالنسبة إلى المسلمين لا بوصفهم مجرد أشخاص عاديين ينتمون إلى المجتمع البشري فحسب، بل وكذلك لكونهم أناس ينتمون إلى الدين الإسلامي المتجذر في العقيدة والرؤية الإسلامية؛ ثم يجب العمل على تحليل هذه المشاكل، والاتجاه على هذا الأساس نحو ما يجب القيام به وما يجب على المسلمين فعله، وإذا كان هناك ما يجب فعله بطبيعة الحال، يجب العمل في المرتبة الأولى على تعريف مفرداته وألفاظه.
أولًا، من المهم تعريف المصطلحات: إن مفردة التقنية مشتقة من اللفظ اليوناني “Techne” بمعنى «الصنع»، وهي مرتبطة باللفظ مورد الاستعمال في الفن، وهو اللفظ المأخوذ من المفردة اللاتينية “Art” وهي الأخرى تعني «الصنع» أيضًا. وكلتا هاتين المفردتين ترتبط بكلمتي «صنعت» في اللغة الفارسية، و«الصناعة» في اللغة العربية، واللتان لا يزال يتم استعمالهما في اللغتين الفارسية والعربية في مورد الفن والتقنية أيضًا. والملفت جدًا معرفة أن هذا التفكيك على نحو ما هو حاصل في الغرب، لم يتحقق بعد بالنسبة لنا؛ ففي الغرب يُعتبر الفن شيء، والتقنية شيء آخر.
على الرغم من حقيقة أن هناك بعض النحاتين المعاصرين الذين يذهبون إلى ساحات الخردة ويجمعون أجزاء مختلفة من السيارات معًا ويسمونها فنًا، فإن هذه
(403)مسألة ثانوية. إن الذي نشاهده حاليًا في العالم الحديث، عبارة عن حالة أحاطت فيها التقنية بمفهومها المعاصر بحياة البشر بوصفها مصدرًا لظهور الكثير من الأشياء المحيطة بحياة الإنسان، في حين أن الأمور التي كانت تحيط بالإنسان قبل الثورة الصناعية هي الأمور التي كان يصنعها الإنسان بيده، من قبيل المنتوجات الفنية والصناعات اليدوية. هذا مهم جدًا أن نفهمه. هناك اختلاف نوعي، على الرغم من أن أصل كلمة «تكنولوجيا» يعود إلى كلمة يونانية بمعنى مختلف تمامًا.
لقد وقع في الثورة الصناعية حدث بالغ الأهمية؛ حيث عمل على تغيير ماهية التقنية بشكل كامل. ففي أوروبا الغربية وبعد ذلك في البلدان الأخرى حلّت الآلات بوصفها أدوات إنتاجية محل الأيدي العاملة، وحلّت بسرعة فائقة محل الإنسان في الكثير من المجالات والحقول، فما الذي كان يعنيه هذا التحوّل؟ عليكم الالتفات إلى هذا المثال المحسوس: في الأزمنة الماضية كانت العجلات المائية والساعات المعقدة موجودة، حيث كان الكثير من المسلمين يقومون بصنعها، وكانت الأشياء العادية في حياة البشر يتمّ إنتاجها بواسطة العناصر البشرية. ثم إنه كان هناك اختلاف كبير بين التقنيات التي تستعمل في صنع الأشياء العادية يدويًا وبين التقنية الحديثة.
بالطبع، كانت هناك دائمًا بعض التقنية مثل ساعة المياه في الأراضي الإسلامية، لكنها بقيت دائمًا ثانوية وهامشية. ما أحاط بالحياة كان نتاج الفن وله أهمية روحية. من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن الآلات المعقدة للغاية التي صنعها العلماء المسلمون كانت تعتبر في الغالب للعب والتسلية، ولم يُنظر إليها كوسيلة لزيادة الإنتاج وخدمة الأغراض الاقتصادية. هذا أمر مهم جدًا. لذلك، هناك تغيير نوعي وكمي حدث عندما وقعت الثورة الصناعية.
(404)لقد قام بعض المفكرين والكتاب البارزين في الغرب ابتداءً من وليام موريس وجون راسكين في القرن التاسع عشر للميلاد، وإيفان إيليتش وجاكوز إلويل في القرن العشرين للميلاد، بكتابة بعض المطالب حول الأبعاد السلبية للتقنية الحديثة، ومن هنا يجب على المسلمين أن يطلعوا على هذه الكتابات. لقد ألف إيفان إيليتش كتابًا بارزا بعنوان «أدوات للترفيه»، وألف الكاتب الفرنسي جاكوز إلويل كتابًا بعنوان «المجتمع التكنولوجي» أيضًا. وقد أورد جاكوز إلويل عددًا من الانتقادات المهمّة والجوهرية على التقنية الحديثة وارتباطها بروح الإنسان والمجتمع البشري.
في السبعينيات، دعوت إيفان إيلتش إلى إيران وعمدًا نظمت جلسة شاركت فيها السلطات العليا في البلاد المسؤولة عن أنشطة مختلفة تتطلب التقنية، مثل إدارة الاقتصاد الوطني وقسم الصناعة وما إلى ذلك. ألقى إيفان إيلتش كلمةً معهم حول أهمية التقنيات التقليدية على عكس التقنيات الحديثة. أعطى مثالًا بسيطًا عن المرحاض. وقال إنه إذا كان لجميع سكان آسيا وأفريقيا نفس المراحيض التي يمتلكها سكان المجتمعات الصناعية في الغرب، فإن هذه الحقيقة في حد ذاتها ستوجه ضربة لنظام المياه في العالم بأسره. صُدم الجميع. كان هؤلاء جميعًا إداريين إيرانيين متعلمين تعليمًا عاليًا، وبعضهم على المستوى الوزاري حاصلين على درجات علمية متقدمة من أفضل الجامعات الغربية. ولأجل هذا السبب لم يكن لديهم أدنى فكرة عما كان يتحدث عنه إيليتش. لدينا نفس الوضع في باكستان، في العالم العربي، وفي العديد من البلدان الإسلامية الأخرى
والذي يجب علينا فعله في الدرجة الأولى عبارة عن إدراك وفهم الاختلاف
(405)القائم بين التقنية التقليدية ـ التي تعدّ امتدادًا للأيدي والحواس وسائر أعضاء أجسامنا والتي تعمل مثل سائر أجزاء البدن على خدمة الروح ـ وبين الآلات المتطوّرة والحديثة التي بسطت سيطرتها على البشر. ولتوضيح هذا الأمر لا بدّ من الالتفات إلى هذا المثال: لو أنك ذهبت إلى نقطة من بلاد الإسلام التي لا تزال تشهد حضورًا لأساتذة الفنون والصناعات اليدوية، كما هو الحال بالنسبة إلى إصفهان ودمشق وفاس، سوف تصادفون شخصًا بسيطًا يحمل بإحدى يديه مطرقة وبالأخرى إزميلًا وهو منهمك بإحداث خطوط وتجويفات ونقوش هندسية على صفيحة طينية أو حجرية أو خشبية أو نحاسية. إن الإبداع والفن كامن على نحو تقليدي في وجود هذا الفنان، وإن الأدوات التي يستعملها في غاية البساطة أيضًا. وأما إذا ذهبتم إلى مصنع في ديترويد فسوف تجدون نشاط العمال قليلًا جدًا، وتقتصر جهودهم على تحريك بعض العتلات أو الضغط على بعض الأزراء لتقوم الآلات العملاقة بجميع المهارات المطلوبة منها. وبعبارة أخرى: لقد تمّ نقل فن الإنسان وإبداعه إلى الآلة. وهكذا فإننا حاليًا نشهد المرحلة الثانية من هذا المسار في ظاهرة الكامبيوتر والعقول الألكترونية المبرمجة أيضًا. بمعنى أن العلم الموجود في الذهن قد تمّ نقله إلى الآلة. لديّ هناك في الوقت الراهن الكثير من الطلاب الذين لا يستطيعون تهجئة الكلمات؛ لأنهم يعتمدون في ذلك على الكامبيوتر. إنهم يعجزون عن حل أبسط المعادلات الرياضية؛ لأن الكامبيوتر قد كفاهم عناء ذلك، وهكذا فإن الآلة ـ كما سلبت من الصناع والفنانين مهاراتهم اليدوية والبصرية ـ أخذت بالتدريج تفرغ حتى الأذهان والعقول من إبداعها.
وفي الوقت الراهن تقوم التقنية الحديثة بهذا الأمر أيضًا. إن هذه التقنية ليست مجرّد استمرار للعجلة المائية الإيرانية بإبداع قروسطي. إن التقنية الحديثة تعمل
(406)على تغيير العلاقة والارتباط بين الأشخاص وطريقة إنتاج الأشياء، وعلى هذا الأساس فإنه يضرّ بالنزعة الإبداعية لدى الإنسان (بمعنى أنها تهدر الإبداع والطاقة الداخلية المعنوية للعمل). إن الجانب المبدع في التقنية الحديثة إنما يقتصر على ذلك الجانب الذي يقوم به المهندسون الذين يصنعون تلك الآلة فقط. وبطبيعة الحال فإن الشخص الذي يصنع طائرة أو سفينة وما إلى ذلك، لا يزال مبدعًا في مهمته وحرفته، بيد أن الأشخاص الذين يعملون على إنتاج الأشياء، ولا سيّما على نطاق واسع، لا تعود عندهم الأشياء التي يتمّ إنتاجها مرتبطة بالإبداع، ولهذا السبب أصبح العمل في مصنع حديث وفي أغلب الأماكن الأخرى مثيرًا للضجر، وهذا هو السبب الذي يدعو إلى زيادة أيام العُطل. فأنتم في المجتمعات التقليدية لا تجدون حاجة إلى أيام عطلة للانتجاع. وأنتم في المجتمعات التقليدية لا تذهبون إلى المنتجعات. فقد تمّ في هذه المجتمعات إدماج العُطل بالحياة، ولم تكن هناك ضرورة لعطلة نهاية الأسبوع كما عليه الحال في الوقت الراهن. هناك الكثير من الناس الذين يقولون حاليًا: «نحن نكره يوم الاثنين، ونشكر الله على أن هذا اليوم هو يوم الجمعة»؛ فقد أصبح نمط التفكير على هذه الشاكلة. إن سبب ظهور هذه الرؤية هو أن سيطرة الآلة أدت إلى تفريغ الطاقات المعنوية والروحية لدى الإنسان من الداخل.
إن جميع هذه الآثار السلبية وتداعياتها على الإنسان، إنما هي من تبعات التقنية الحديثة. إن الشيء الأول الذي يتعيّن علينا أن ندركه هو أنه لا يوجد هناك شيء اسمه التقنية المحايدة، بمعنى أنك إذا كنت شخصًا صالحًا فسوف تستفيد منها بشكل صحيح، وإن كنت طالحًا سوف تعمل على توظيفها بشكل غير صحيح. وعلى كل حال فإن الأمر لن يقف عند هذا الحد. وبطبيعة الحال فإنك إذا كنت
(407)شخصًا صالحًا سوف تعمل على استثمار التقنية بشكل صحيح، ولن تسقط قنبلة ذرية على أحد ـ ونحن نقبل بهذا الأمر منك ولا ننكره ـ ولكنك لو أردت أن تقوم بجولة سليمة بسيارتك في شوارع المدينة، فإن جولتك البريئة هذه سوف تكون سببًا رئيسًا في الاعتداء على الطبيعة. وبطبيعة الحال فإننا ندرك حاليًا أو نأمل بأن نكون قد أدركنا أن ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية تعمل على تحطيم الكثير من الأنظمة البيئية، وبالتالي فإن ذلك يُساهم في تدمير الكثير من الأشياء الأخرى أيضًا، وإن الحجم الأكبر من هذا التدمير ينشأ عن ما يُسمّى بالاستفادة السلمية للتقنية. وعليه فإن المسألة الأصلية ليست هي مجرّد الاستفادة الصحيحية أو غير الصحيحة من التقنية، بل المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. إن التقنية في نفسها تؤدّي إلى ظهور ثقافة تكنولوجية خاصّة تتعارض مع روح الإنسان بوصفه كائنًا أبديًا، وهي لا تنسجم مع تركيبة جميع المجتمعات التقليدية القائمة على العلاقات المعنوية والروحية بين الإنسان ومصنوعاته، التي تعتمد على فن مبدع يعكس إبداع الله، كأعلى المبدعين. يُطلق على الله اسم «الصانع» في القرآن؛ فهو الخالق، المبدع، أعظم المبدعين، وقد منحنا القدرة على الإبداع التي نشارك بها لأنه نحن خلفاءه في الأرض.
في الثقافة الإسلامية لا يوجد أيّ حدّ بين الفن والتقنية، وبين الفنون في مراتبها السفلى والفنون المتعالية، وبين الفنون التي يُصطلح عليها بالفنون الجميلة ـ وهي تسمية لا موضع لها من الإعراب من وجهة النظر الإسلامية أبدًا ـ والفنون الصناعية. ما هي الفنون الجميلة؟ إن جميع هذه المصطلحات ونظائرها، من قبيل «الفنون الجميلة» (وفي اللغة الفرنسية: "Beaux Arts") إنما ظهرت في الغرب؛
(408)
وذلك لأن الفن ـ بوصفه أداة لإيجاد الأشياء من أجل أن يستفيد منها الناس في حياتهم اليومية ـ قد تم حذفه من حياة البشر في سياق الثورة الصناعية، وقد حلّت محلها في الغالب منتوجات آلية مشوّهة ورديئة التشكيل. في الحضارات التقليدية هناك سلسلة متواصلة من الإنتاج ـ ابتداءً من إنتاج مشط بسيط إلى نظم القصائد والأشعار وكل ما يخطر في تصوركم ـ كان موجودًا وله على الدوام صلة بالله، فكان كل شيء مرتبطًا بالله سبحانه وتعالى. وأما الآن فإن التقنية الحديثة تعمل في الوقت الراهن على تدمير هذه الصلة. وعلى كل حال فإن كل شخص يسوق سيارته ـ سواء أكان مؤمنًا يقودها في ذهابه إلى المسجد كي يلتحق بصلاة الجماعة، أو كان شخصًا يقود سيارته لكي يقضي أمسيته في ملهى ليلي ـ يُساهم في تدمير النظام البيئي، وإن استخدام السيارة في السياقة وهي أداة تكنولوجية حديثة لا ينسجم مع النموذج الإلهي المبدع.
يذهب الكثير منا إلى الظن بإمكان الحفاظ على صفة القداسة في الحياة من خلال أداة الفرائض اليومية الخمسة، وأنا بدوري أتمنى لو كان الأمر كذلك، ولكن هذه الفرائض مجرّد أركان، ويجب أن تتصف جميع أجزاء الحياة وأبعادها بالقداسة أيضًا. إن لكل عمل في الإسلام بُعدًا رمزيًا ومقدسًا. من ذلك أنه في حقل الزراعة واستثمار الأرض ـ على سبيل المثال ـ عندما يقوم الفلاح بحرث الأرض ونثر البذور، ينطوي عمله هذا على أهمية دينية ومعنوية؛ في حين أن هذا البُعد المعنوي للزراعة قد زال أثره تمامًا بفعل تحوّل الزراعة إلى ظاهرة آلية وصناعية. لقد كانت الاستعانة بالحيوانات في أمر الحمل والنقل تستوجب قيام علاقة وصلة بين الإنسان والحيوان، وقد زالت هذه النظرة بالمرة، وإن حقيقة تراجع الاستعانة بالأنعام في موضوع الحمل والنقل، والقول بأن ذلك يساهم في
(409)عدم الإساءة إليها والتعامل معها بإحسان، لا يلامس الحقيقة أبدًا؛ إذ علينا أن نذكر أن الاستفادة المفرطة من التقنية الحديثة أو المختبرات المؤلمة قد أضر بالنظام البيئي وأدى إلى انقراض الكثير من الكائنات الحية التي كانت تعيش تحت نعيم عالم ما قبل التقنية.
لقد كان بناء مدننا التقليدية يُعدّ واحدًا من أكبر الآثار الفنية في تاريخ البشرية. وأعني بذلك الخطط الإسلامية لبناء المدن التي لا تزال هناك بقايا منها ويمكن لنا مشاهدتها في بعض المناطق (حيث لم تندثر تمامًا، ولا زال بالإمكان رؤية ما تبقى منها في مدن مثل: فاس في المغرب، ويزد في إيران، وفي بعض مناطق إصفهان، وفي أجزاء من دمشق حول المسجد الأموي، وفي المناطق القديمة من القاهرة وما إلى ذلك). إن الغرض من تخطيط المدن هو إيجاد فضاء بشري يتمّ فيه التلفيق والدمج بين الدين والتجارة والدراسة والحياة في بوتقة واحدة، يسود فيها الاتحاد والتلاحم على الكثرة، وإن ما نسميه حالية بالترفيه والتسلية أو الانتجاع والاستجمام ويعد جزءًا كبيرًا من المجتمع الحديث، كان بدوره ممتزجًا بالحياة. ويعود السبب في تحول الترفيهات (ومن بينها الرياضة) إلى مثل هذا البُعد المهم من العالم المعاصر، والتعاطي معها بوصفها حقيقة مستقلة، إلى أن العمل أصبح بسبب حضور الآلات الحديثة إلى أمر ممل ويدعو إلى الكثير من الضجر وأصبح فارغًا من حسّ القداسة. لقد أصبح العمل مضجرًا إلى الحدّ الذي أخذ الناس معه ينظرون إلى الترفيه بوصفه ظاهرة مستقلة مهمّة جدًا لتحمّل أعباء الحياة.
لقد كان غرضي من بيان هذه المطالب إعداد الأرضية لفهم ماهية التقنية الحديثة بالنسبة إلى المسلمين، لا أن يتصوروا بشكل ساذج أن التقنية الحديثة مجرّد ظاهرة سلبية. بل إن لدينا في بعض الأحيان حق الاختيار. لقد وضعني
(410)الله في هذا العصر وفي هذا المكان من التاريخ، ولا أستطيع الذهاب إلى مدرستي على ظهر بغل كما كان يفعل أسلافي في كاشان. فهنا حيث أقيم الآن لا توجد بغال أو حمير، وحتى لو توفرت هذه الأنعام، فإن المسافات من البُعد بحيث لا طاقة للبغال والحمير على قطعها في المدّة المطلوبة مني للوصول إليها، وعليه فأنا مضطر إلى الاستفادة من وسائط النقل الحديثة. ولكن هذا لا يعني أن علينا غض الطرف عن تبعات التكنولوجيات التي نستفيد منها، وأن علينا اختيار جميع أنواع التقنية التي تظهر إلى الوجود لمجرّد أنها قد وجدت طريقها إلى حياتنا.
إن التقنية الحديثة بالإضافة إلى افتقارها إلى العناصر المعنوية الدقيقة، والتي أتينا على ذكر بعضها فيما تقدّم، تدفع بنا حقيقة نحو الموت المحتّم. أجل، إن الأمر بهذه البساطة. فنحن نشاهد تدمير النظام البيئي والطبيعة على نطاق واسع، ومهما بالغنا في دفن رؤوسنا في الرمال وسعينا إلى تجاهل ما يحدث من حولنا، لن نساهم في حلّ هذه المشكلة. لو ازدهر العالم الإسلامي والهند والصين من الناحية الصناعية، وأصبحت في الصناعة تضاهي الولايات المتحدة الأمريكية، وبلغت في استهلاكها مستوى الاستهلاك في الولايات الأمريكية المتحدة، عندها ربما سيحدث انهيار تام أو تغيير جذري في مجمل النظام البيئي، وهذه حقيقة يدركها الجميع. وحتى قبل أن نصل إلى هذه المرحلة، هناك الكثير من المناطق (ابتداء من التلال المرجانية في أستراليا وصولًا إلى غابات الأمازون) التي تقع الآن على شفير الانهيار المفجع. إن كل شخص على درجة من الوعي والمعرفة يدرك هذه الحقائق، ولكن ليس هناك سوى القليل من الذين يبدون الاستعداد للاهتمام بهذه الحقائق من الناحية العملية. وأرى أن من مسؤولية المفكرين المسلمين أن يعملوا على توعية الآخرين وتنبيههم إلى هذه الأوضاع الكارثية. ومن جهة
(411)حياتنا على كوكب الأرض، تعدّ هذه المسألة أهم بكثير من أيّ موضوع آخر.
لا أتحدث عن الأمور الروحية التي تعتبر، من وجهة نظر إسلامية، الأكثر أهمية بالطبع في حياة الإنسان، بل عن قضايا مثل الفقر، والأزمات الاقتصادية، والقمع السياسي، والديكتاتوريات، والثورات، فإن كل هذه الأمور: لا يمثل أي منها خطرًا كبيرًا مثل مشكلة تدمير البيئة الطبيعية، لأن تلك الأمور قد تُحل تدريجيًا. إذا لم نبادر في أقرب فرصة إلى الالتفات إلى مسألة تآكل البيئة بفعل التقنية الحديثة، فلن يكون بمقدورنا العمل على حلّ أيّ معضلة أخرى، إلا إذا تدخّل الله بالطرق غير الطبيعة ـ في ضوء إرادته وقدرته ـ التي لا نحيط بها علمًا، ولكن من الناحية البشرية فإننا لا نمتلك سوى سنوات قليلة لنعمل على إصلاح الطريق الذي سلكناه في حياتنا، وإلا فليس أمامنا سوى الانهيار والزوال.
يقول أكثر الناس في الغرب: أجل، هناك طريقة لحل هذه الأزمة، وذلك بأن نستبدل التكنولوجيات القديمة بتكنولوجيات جديدة. وهنا أذهب تمامًا إلى الاعتقاد بأنهم على خطأ كبير. إن الذي يتعيّن علينا فعله هو العمل على إحياء الصورة المقدّسة للطبيعة والتي لا تنسجم تمامًا مع الرؤية التكنولوجية الحديثة إلى الطبيعة.
ما يجب على المسلمين فعله، في الواقع، هو عدم توظيف كل تقنية أجنبية جديدة تأتي، بل استخدام التقنيات التي لها تأثير سلبي أقل على البيئة. نعم، أوافق على أن هناك فوائد نسبية، على سبيل المثال، في وجود مصانع لا تنتج دخانًا مثلما كان الأمر من قبل، لكن ذلك يعد أمرًا ثانويًا مقارنة بشيء أكثر عمقًا، وهو التأثير السلبي العام للتقنية الحديثة على البيئة وعلى روح الإنسان المعاصر. إن التقنية الحديثة تنطوي على تأثير سلبي، وإن هذا التأثير السلبي بالإضافة إلى
(412)الكثير من التكنولوجيات الحديثة لا ترقى إلى عشرة أضعاف بل إلى مئة ضعف، بحيث أنه ـ بطبيعة الحال ـ كلما زاد حجم التقنية، كان تأثيرها السلبي على النظام البيئي وعلى الأذهان والأفكار بدوره أكبر أيضًا.
إن علينا أن نغيّر أسلوب حياتنا بشكل كامل. ويجب علينا جميعًا ـ جميع سكان الكرة الأرضية ـ أن نتحوّل بشكل جذري وأن نفكر حول مسألة التقنية على نحو آخر. وهنا يمكن للعالم الإسلامي أن يضطلع بدوره الإيجابي في هذا الشأن. ولأذكر هنا بشكل خاص بعض النقاط حول الإسلام. إن الطلاب والدارسين في العالم الإسلامي يريدون من الناحية التكنولوجية أن يكونوا مثل الغرب. وللأسف الشديد فإننا نجد حتى المتقين والذين لا يحبون الغرب، والذين يُصطلح عليهم بـ «الأصوليين» يندرجون ضمن هذه الفئة أيضًا، فقد أصبحوا في موضوع التقنية غربيين مثل المسلمين العصريين. خذ مثلًا أكثر المتعولمين الأتراك في أسطنبول، وأكثر المسلمين تشددًا من الذين يلقون الخطب في مساجد المملكة العربية السعودية، سوف تجدون رؤية كلا الجانبين إلى التقنية واحدة تقريبًا. وهذا تعليق ملحوظ عندما تأخذ في اعتبارك تفسيراتهم المختلفة جدًا للرؤية الكونية الاسلامية.
إن هذه النظرة يجب أن تتغير. إن على المسلمين أن يدركوا ويفهموا ما لا نستطيع فعله في هذا المجال ولا ينبغي لنا أن نفعله. إن المجتمع الإسلامي لا يمتلك إمكانية الخيار في امتلاك الهاتف أو الكهرباء، وعلى هذا الأساس فإننا لا نتحدث عن الأمور التي لا يمكن لنا القيام بها، والتقنية التي لا مناص منها حتى في حالة إدراك آثارها وتداعياتها السلبية، وإنما نتحدّث عن الأمور الممكنة فقط.
(413)لا زال بمقدور العالم الإسلامي أن يحتفظ بالكثير من الأشياء. من ذلك على سبيل المثال أن الهندسة الوراثية والجينية تقنية خطيرة، يجب اجتنابها في حدود الإمكان. في بلدان مثل باكستان وإيران التي تمتلك مساحات زراعية مهمّة، يجب العلم في حدود الإمكان على الحفاظ على الأساليب التقليدية من طريق المحافظة على المزارع والحقول الصغيرة، وهذا أمر ممكن، لا أن نعمل على تغيير أساليب الزراعة بشكل كامل من خلال الإقبال على الزراعة التجارية الكبرى والاستفادة من البذور المهجّنة جينيًا ومصادرة المزارع التقليدية؛ خلافًا لما تتمّ الدعاية والتسويق له عادة، فلا أمل في حقل توفير الطعام لكل العالم بهذه الزراعات التجارية.
وثانيًا فإن الحفاظ على خطط المدن التقليدية للمدن الإسلامية والتقنية المؤثرة في العلاقات الإنسانية، وأساليب الحمل والنقل، والاستفادة من الطاقة والكثير من الأنواع التكنولوجية الأخرى، ممكنة إلى حدّ كبير. يمكن للحفاظ على خرائط المدن والزراعة الإسلامية التقليدية أن تلعب دورًا مهمًا في الحفاظ على جانب من التكنولوجيات التقليدية وأساليب الحياة الأكثر أمنًا وسلامة.
علينا أن لا نكون مثل المسرنم الذي يأخذ كل ما يُعطى دون أن يتدبّر في عواقبة وتبعاته. خذ بنظر الاعتبار ذات هذه النقطة المتناقضة المتمثلة بالهاتف النقال؛ حيث انتشر على مدى العقدين الأخيرين في جميع أنحاء العالم كالنار في الهشيم. بل وهناك من الأشخاص من ترن هواتفهم الجوالة حتى أثناء طوافهم حول الكعبة، وهذا من أكثر أنواع الإساءة التي يمكن تصوّرها. إن هذه الهواتف النقالة تنطوي على الكثير من الأخطار الصحية، بيد أن الكثير من المسلمين يتبعون التوجهات ذات المناشئ الغربية بشكل أعمى. يتصور المسلمون أن كل
(414)تقنية تأتي من الغرب يجب أن تكون صالحة وجيّدة، ولكن علينا أن نمتلك وعيًا وفهمًا أعمق عن هذه المسألة.
إن المسألة أعلاه لا تعني أن بمقدورنا الاستيقاظ في الصباح الباكر ونقطع ارتباطنا مع التقنية بالمرّة. لقد توجه بعض المواطنين في إنجلترا مؤخرًا إلى بناء قرى صغيرة شبيهة تمامًا بما كان عليه واقع القرى في حقبة ما قبل العصر الصناعي، حيث تتوفر فيها المياه الطبيعية والزراعة بشكل تقليدي وما إلى ذلك. وللأسف الشديد لا أرى هناك الكثير من الأشخاص في العالم الإسلامي تستطيع تصوّر إمكان مثل هذا الشيء في الوقت الراهن.
ومع ذلك، هناك العديد من الخيارات الحكيمة التي لا يزال بإمكاننا اتخاذها ولكننا لا نتخذها، على سبيل المثال، في استخدام التقنيات التقليدية في صنع أشياء مثل السجاد والأواني، وأنظمة الري التقليدية، والاستخدام التقليدي للطاقة فيما يتعلق بالعمارة، وهكذا دواليك. وأذهب من زاوية أكثر سعة إلى الاعتقاد بوجوب العمل في العالم الإسلامي بحيث نتمكن من إنتاج الأشياء بحيث لا تفقد أسلوبها الفني بالمرّة. إن إضعاف هذا التراث يُعدّ واحدًا من النتائج الرئيسة لتأثير الاستعمار في القرن التاسع عشر، وبطبيعة الحال لم تكن هذه النتيجة هي الوحيدة فقط، بل لا بدّ من الإشارة كذلك إلى تدمير تراثنا العلمي وقسم كبير من منظومتنا التعليمية أيضًا. إن الفنون لم تضمحل تمامًا، ولكنها قد تضررت بشكل كبير.
ويمكن لي أن أذكر مثالًا في هذا الشأن؛ إن السجاد الإيراني يمثل ركنًا حيويًا ومهمًّا في الكثير من بيوتنا. لا ننكر حقيقة أن كمية كبيرة من أصباغها أصبحت كيميائية، وأخذت الأصباغ في هذه الصناعة منذ عقد العشرينات والثلاثينات
(415)فصاعدًا تأتي من ألمانيا، بيد أن إنتاج السجاد لا يزال يعدّ نوعًا من الفن التراثي والتقليدي. إن هذا السجاد يُنسج من قبل الحرفيين ولا يزال يحتفظ بأهميته المعنوية والروحية. إن السجاد الإيراني يحظى في المجتمع الإسلامي التراثي بدور بالغ الأهمية؛ وذلك لأننا نجلس على الأرض، ونصلي على الأرض، وننام على الأرض. ويمكن للمكان المفروش أن يكون صالة أو غرفة طعام أو مصلى، أو أن تكون غرفة في بيت تقليدي صغير تضم جميع أفراد الأسرة؛ في العديد من الأماكن، مثل قرية في أفغانستان، يمتلك الكثيرون غرفة واحدة يقومون فيها بكل شيء. نفس الشيء صحيح في إيران وباكستان والمغرب، في كل مكان. وعليه لا يسوغ لنا أن نسمح باستبدال السجاد التقليدي بالسجاد الصناعي الموجود في الولايات المتحدة الأمريكية، مهما كانت هذه الصناعة تعود علينا بأرباح كثيرة. وللأسف الشديد فقد دخلت مصانع حياكة السجاد حتى إلى إيران التي تعدّ مهد حياكة السجاد. علينا أن نعمل مهما أمكن للحيلولة دون انهيار صناعة السجاد التقليدي، وهذا من الأمور الممكنة في ظل توفر الإرادة والهمة وفي إطار الحفاظ على التقنية التقليدية. كما يجب علينا العمل من أجل الحفاظ على إنتاج النسيج اليدوي أيضًا. إن الكثير من كلمات المهاتما غاندي التي تقع اليوم موردًا للسخرية والتهكم ـ حتى في الهند التي يُعد هو المؤسس والأب الروحي لأمتها، ومع ذلك لا يبدو هناك من يميل إلى الاهتمام بآرائه ـ كانت صادقة وصحيحة تمامًا. فعندما يتم القضاء على مئة ألف قرية هندية تعتمد في اقتصادها على النسيج، ما الذي يبقى لدى الهند بعد ذلك؟ وهذا الأمر ينطبق علينا أيضًا.
لا تزال الأقمشة البديعة التي يتم نسجها بدويًا تنتج في المغرب أو الجزائر، بيد أن الكثير من الفنون والصناعات اليدوية والتكنولوجيات التقليدية تضمحل
(416)في المناطق الأصلية من البلاد الإسلامية، بل وتم القضاء على الكثير منها بشكل كامل. ولكن لا تزال بعض الأساليب التقليدية للإنتاج موجودة في بعض المناطق الخاصة من العالم الإسلامي، حيث يجب أن نعمل على تعزيزها بدلًا من القضاء عليها وفقدانها. كما يجب على الحكومات بدورها أن تضطلع بمسؤوليتها وتعمل من أجل الحفاظ على التكنولوجيات التقليدية. وبطبيعة الحال هناك خطط ومشاريع من هذا النوع يتمّ العمل على تطبيقها في سلطنة عمان ومراكش وإيران وبلدان أخرى. إن على هذه الحكومات أن تعمل جاهدة لكي تتمكن من توسيع إنتاج المحاصيل التي يتمّ إنتاجها بالأساليب التقليدية لا بوصفها أشياء كمالية، لكي نتمكن من وضع مزهرية ونعمل على شرائها ووضعها في زاوية من غرفة المعيشة لا بما هي تحفة فنية بحسب المصطلح، بل بوصفها جزءًا من حياتنا اليومية. لقد كانت جدتي كما كانت جداتكم لكي تذهب إلى الحمام العام مرّة في كل أسبوع تستعمل ـ مثل الكثير من الرجال والنساء المعاصرين ـ قماشة واحدة، وكانت جميع هذه الأقمشة تنسج يدويًا، بينما يتم الاحتفاظ بها حاليًا في المتاحف الخاصة بتراث الصناعات النسيجية.
والنقطة الجديرة بالالتفات هي أن كيفية الحياة لم تشهد تحسنًا بفعل التقنية الحديثة، لا بل إنها قد شهدت أفولًا وتراجعًا أيضًا. فإن الثياب والأواني التي نأكل فيها الطعام، وكيفية الطعام نفسه ونكهته وجميع الموارد الأخرى قد شهدت أفولًا فيما يتعلق بالمستوى الكيفي. وعلى هذا الأساس يجب العمل من أجل الحفاظ على هذه الجزر وأبعاد الحياة البشرية التي لا تزال تحتفظ بالتكنولوجيات التقليدية. إن هذه التكنولوجيات قد امتزجت بالفن ولغرض إنتاج الأشياء التي ترضي الشخص الذي يعمل على إنتاجها، وترضي الشخص الذي يستهلكها؛ إذ
(417)هناك في إنتاج الصناعات اليدوية ـ حتى ولو كانت على شكل مشط بسيط يصنع يدويًا ـ روحًا بشرية وهي في الوقت نفسه تحتوي على معنوية أيضًا.
يروي تيتوس بوركهارت في كتابه حول الفن الإسلامي حكاية ممتعة بشأن منتج للأمشاط البسيطة التي تعكس ما عليه واقع الفضاء الذي يحكم مدينة فاس في مراكش. فهو يروي في كتابه كيف أن هذا الفن قد ظهر في بداية الأمر من خلال تعليم الله لـ [النبي] شيث، نجل [النبي] آدم [على نبينا وآله وعليهما السلام]، وقال بأن هذا الفن ينطوي على أهمية معنوية وروحانية كبيرة. لو ذهبتم إلى السوق واشتريتم مشطًا يدويًا بسيطًا سوف تدركون الاختلاف بينه وبين المشط الذي يتمّ إنتاجه في المصنع؛ فحتى السائح الأمريكي القادم من الولايات المتحدة الأمريكية، يشعر بهذا الاختلاف أيضًا. ففي المجتمع الغربي الذي يزخر بالتكنولوجيات الكبرى والعملاقة، لا يُنظر إلى الشيء المصنوع يدويًا بوصفه شيئًا زائفًا، بل بوصفه شيئًا ينطوي على قيمة عالية. إذا كانت البضاعة منتجة يدويًا، فإن الناس يدفعون مبالغ كبيرة من أجل شرائها، في حين أن مسار الأمور في أغلب بلدان العالم الإسلامي طوال القرن الأخير كان على العكس من ذلك. إن الكثير من الناس يعتبرون البضائع المصنوعة بالمكائن أفضل من البضائع اليدوية، ولكن يمكن العمل على عكس مسار هذا الاتجاه. إن تغيير هذا المسار يجب أن يتم بمساعدة من الانتقاد الحاذق للتقنية الحديثة عبر مرحلتين؛ حيث يجب العمل أولًا على بيان [فقدان] البُعد السماوي والمعنوي في هذه التقنية، والخوض بعد ذلك في تأثيرها السلبي على البيئة؛ سواء في ذلك البيئة الطبيعية أو البيئة البشرية.
(418)في الردّ على هذا الرأي يقال في الغالب: إن العودة إلى التكنولوجيات التراثية والتقليدية ـ التي لا تستطيع إنتاج الأشياء على نطاق واسع ـ غير ممكنة؛ وذلك لأن احتياجاتنا قد ازدادت على مختلف الجهات؛ إذ أن عدد السكان في هذا الكوكب قد ارتفع كثيرًا بالقياس إلى عصر ما قبل الثورة الصناعية. إن هذا الكلام يصدق في بعض المجالات الخاصة، ولكنه لا يصح بالنسبة إلى جميع المجالات. من ذلك خذ على سبيل المثال المدن الكبرى في الهند التي لا تزال النساء فيها يرتدين ما يُصطلح عليه بثوب الساري المنسوج يدويًا. ويبلغ عدد هؤلاء النساء حاليًا خمسمئة مليون نسمة تقريبًا، وقبل قرنين من الزمن ربما كان يبلغ عدهن مئة مليون نسمة، وقبل عشرة قرون ربما كان عددهن خمسين مليونًا. لقد ارتفع عدد المستهلكين لهذا النوع من الثياب من خمسين مليون في العصور الوسيطة إلى خمسمئة مليون نسمة في العصر الراهن؛ إذ يعيش حاليًا مليار نسمة في شبه القارّة الهندية، ونصف هذا العدد البالغ خمسمئة مليون نسمة هم من النساء، بيد أن عدد الأشخاص الذين يمكنهم إنتاج هذا النوع من الثياب يدويًا قد ارتفع أيضًا. فلو اقتنع الإنسان بحياة بسيطة إلى حدّ ما، فإن عدد الأشخاص الذي يستطيعون إنتاج الأشياء اليدوية سوف يرتفع طرديًا أيضًا، وبهذه النسبة سوف يزيد استهلاك هذه البضائع أيضًا. إن هذا من الأدلة التي تنطوي على مغالطة (ويبدو أنها تقوم على أساس المباني الاقتصادية) حيث يتمّ العمل على بيانها من أجل التأسيس للمجتمع الاستهلاكي.
إن المجتمع الاستهلاكي يستهلك أكثر بكثير من حاجته. إن هذا المجتمع يغتذي على أساس حاجات زائفة تسوق العالم نحو الفناء، وما يقوله الاستدلال المذكور آنفًا: «إن زيادتها تنشأ من زيادة عدد السكان» لا يكون صادقًا بالضرورة؛
(419)إذ عندما تزيد أعداد الناس، سوف يزداد عدد الأشخاص الذين يمكنهم إنتاج الأشياء والبضائع البسيطة دون أن يكونوا بحاجة إلى آلات أيضًا. وفي الواقع فإن الانفجار السكاني المفاجئ في العالم كان بدوره نتيجة للتقنية الحديثة؛ وذلك لأن التقنية الطبية بدورها تعدّ جزءًا من هذه التقنية، وليس هناك من شك في أن العقاقير والأدوية الجديدة تمثل سيفًا ذا حدّين. إن هذه الأدوية تنقذ حياة الكثير من الأشخاص، ولكنها في الوقت نفسه تعمل بشكل غير مباشر بواسطة جعل ارتفاع عدد السكان بشكل كبير أمرًا ممكنًا، والتأثير الأعمق الذي يتركه الإنسان على البيئة الطبيعية، يُعرّض العالم إلى خطر الزوال والفناء.
لذلك، صحيح أن لدينا الآن عدد أكبر بكثير من سكان العالم، ولكن لدينا أيضًا عدد أكبر بكثير من الأشخاص لإنتاج أشياء بسيطة كما أعطيت مثال الساري المنسوج يدويًا في الهند. يمكن أن يعمل هذا مع العديد من الأشياء الأخرى. على سبيل المثال، يبلغ عدد سكان إيران الآن أكثر من 70 مليون نسمة. قبل جيل واحد فقط كان لدينا 35 مليون نسمة، وتضاعف في فترة 30 عامًا. وهذا يعني أن استخدام السجاد الإيراني قد تضاعف أيضًا إلى حد ما. قد يكون هذا هو الذريعة، وكان شيئًا قاله الكثيرون في الحكومة قبل الثورة الإيرانية وبعد الثورة الإيرانية، أنه يتعين علينا إحضار السجاد المصنوع آليًا لأن السكان واحتياجاتهم قد زادت. ولكن أيضًا، زاد عدد الأشخاص الذين يصنعون السجاد. في الواقع، في قرى إيران اليوم، يمكنك أن ترى أن هناك الكثير من الأشخاص الذين يصنعون السجاد أكثر مما كان عليه الحال قبل ثلاثين عامًا. يمكن للسياسات الحكومية المناسبة أن تساعد كثيرًا في مثل هذه الحالات. أنا لا أقول أنه يجب القيام بذلك في كل حالة، ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أن السعادة في الحياة لا
(420)تكمن في امتلاك المزيد من الأموال والعمل على استثمارها بشكل أكبر وأكثر، وإنما تكمن في قيمة ما يمتلكه الإنسان في مسار تلبية الاحتياجات الأساسية. إن هذه النقطة تعدّ مثارًا للكثير من الجدل؛ إذ أن الكثير من الناس سوف ينتقدونني ويقولون لي: «أنت تعارض الصحة، وأنت تخالف هذا وتخالف ذاك». لا شك بطبيعة الحال في أني لا أعترض على هذه الأمور. كان هناك على الدوام فقراء وأغنياء، بيد أن المجتمع البشري البالغ عدده حاليًا ستة مليارات نسمة لا يمكن لجميع أفراده أن يتنعموا بمستوى ما يُصطلح عليه بحياة الأمم الصناعية في العالم، وإن الأرض لا تستطيع تلبية حاجة جميع هؤلاء السكان. على الرغم من جميع التكنولوجيات الحديثة التي كان يتصوّر أنها ستعمل على اجتثاث الفقر، إلا أن العالم المتطوّر من خلال توسيع الشرخ بين الإنسان والطبيعة، قد فاقم من ظاهرة الفقر وعمل على تشديدها. خذ بنظر الاعتبار الفاصلة الطبقية بين الفقراء والأغنياء؛ سوف تجدون هناك نقاطًا معدودة على الكرة الأرضية التي يكون فيها الشرخ الطبقي بين الفقراء والأغنياء بحجم الشرح الطبيقي الموجود بين هاتين الشريحتين في الولايات المتحدة الأمريكية (التي يحصل رئيس الشركة فيها على تسعة مليارات دولار في السنة، بينما لا يحصل المستخدم والعامل البسيط فيها على أكثر من عشرة آلاف دولار سنويًا). إن هذه الظاهرة شائعة في الولايات المتحدة الأمريكية. إن هذا الشرخ الطبقي يعدّ من بعض الجهات أسوأ بكثير حتى من الاختلاف الطبقي الذي كان شائعًا في الهند بين المهاراجات وعامة الناس في حقبة السيطرة البريطانية على الهند. إن هذه من الحجج الخاطئة التي يذكرها علماء الاقتصاد من الشيوعيين والاشتراكيين من جهة وعلماء الاقتصاد الرأسماليين من جهة أخرى. فالكل يدّعي أنه يعمل من أجل إثراء الجميع والقضاء على الفقر
(421)واجتثاثه. وحاليًا أصبح هذا الأمر ممكنًا إلى حدّ ما، ولكن ليس على نحو كامل، والشاهد على ذلك هو ما تحقق من الناحية العملية. هناك اختلاف بين حياة البلدان الحاصلة على التكنولوجيات الحديثة، وهي بلدان الشمال، وحياة سائر البلدان الأخرى، وإن فكرة اقتفاء أثر هذه التقنية في ما يُصطلح عليه بالبلدان غير النامية يقوم على حقيقة أن عليك أن تأكل من بقايا طعام الشخص الذي تناول طعامه على الطاولة، وبطبيعة الحال فإن هذه التبعية لن تجعل الأوضاع تسير بشكل أفضل.
من الضروري أن نفكر حول الفقر والثروة بشكل آخر. خذ بنظر الاعتبار قرية تسير فيها الحياة بشكل طبيعي تقريبًا، فهي تحتوي على مصادر مياه طبيعية، وهواء نقي يأتيها من الجبال والغابات والبوادي. ليس من الضروري أن تمتلك هذه القرية حجم الثروة الموجودة في نيويورك لتوفير الرخاء والسعادة لسكانها. إن المسألة لا تنتهي عند هذا الحد. إن علينا أن نعيد النظر في رؤيتنا إلى الفقر وإلى الرخاء على نحو شامل. وبطبيعة الحال لا يمكن لأيّ حكومة أن تضن بالمأكل والملبس أو الماء على شعبها، وكلامي غير ناظر إلى هذه الناحية. يمكن للتقنية الحديثة أن تساعد على حلّ هذه المسائل، ولكن الحقيقة هي أن التقنية الحديثة ترتبط بالحرص والطمع غالبًا؛ فإن هذه التقنية ترتبط بالاقتصاد الحديث، وهو بدوره يقوم على أساس الحرص والطمع، وقد وقفتم على تبعاته وآثاره بطبيعة الحال. ولا توجد ضرورة لبحث هذه المسألة هنا، ولكن علينا أن لا نقبل بشكل أعمى هذا الاستدلال القائل بأن التقنية الحديثة هي الطريق الوحيد الذي يوصل إلى الحياة المقرونة بالرخاء والسعادة. فلو قام العالم الإسلامي بتطبيق تعاليم
(422)القرآن، وفرض سيطرته على ظاهرة الحرص والطمع، وعمل على كبح العوامل والأسباب السلبية، وعمد إلى توزيع الثروة بشكل أفضل، سوف يكون بمقدوره القيام بالعمل الصحيح، وذلك بشرط أن يكون وفيًا في إخلاصه للإسلام. ولكن هذا لا يعني أن العالم الإسلامي يجب عليه في أثناء سعيه من أجل الوصول إلى العدالة الاقتصادية أن يتجاهل العلاقة الجوهرية بين البشر وأساليب الإنتاج.
نصل الآن إلى بيان النقطة الأساسية في هذه المقالة، وسوف نعمل أولًا على تحليل هذه النقطة. «ما هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المسلمون في مواجهة التقنية الحديثة؟ إن هذه المسألة في غاية التعقيد. إن العالم الإسلامي في مواجهة مع الغرب الحديث حول السلطة؛ بمعنى أن الغرب قد هاجم العالم الإسلامي، وإن المسلمين حاليًا يسعون إلى فهم كيفية رزوحهم تحت سيطرة الغرب. وقد ذهبوا إلى الاعتقاد بأن هذه التركيبة الإدارية والعلم والتقنية الغربية الحديثة هي التي مكّنت الغرب من استعمارهم وبسط هيمنته وسلطته عليهم، وللأسف الشديد فإن السلطة تستتبع الخضوع للقوي واحترامه.
هناك مثل عربي جميل يقول: «الإنسان عبد الإحسان»، ولكن هناك مع الأسف في قبال هذا المثل البديع مثل بشع يقول: «الإنسان عبد السلطان»! هذه هي ماهية البشر. ومن هنا فإن العالم الإسلامي بعد رؤيته لسلطة الغرب وتفوّقه تعرّض مثل الصين واليابان إلى العبودية والخضوع والخنوع المقرون بالذل والهوان، حيث طغت هذه الظاهرة على العالم الإسلامي منذ القرن التاسع عشر للميلاد فصاعدًا؛ وهي عقدة لا يزال الكثير منا يعاني منها.
وعلى الرغم من إطلاق الكثير من المطالب ذات النبرة المرتفعة والحاسمة خلال الأعوام الخمسين المنصرمة في مواجهة هذه الظاهرة المقرونة بالإذلال،
(423)ونرجو أن تنجح هذا المطالب في القضاء على هذه الظاهرة بالتدريج إن شاء الله، بيد أن هذا الشعور بالهوان لا يزال موجودًا إلى حدّ كبير. إن هذا المزيج المهين لا يرتبط بالتقنية فقط، بل يقع تحت ما هو أهم من ذلك، بمعنى أنه رازح تحت النظرة إلى مجموع السلطة المنظمة للثقافة الغربية من القوة السياسية والاقتصادية وما إلى ذلك. ولو أردنا أن نتحدّث بشكل دقيق بطبيعة الحال، نقول: إن هذا الأمر لا صلة له بالتعاليم الدينية. بل وسيقول بعض المستغربين من المسلمين: «إن المسيحية أفضل من الإسلام؛ لأن الغرب يدين بدين المسيح»! بيد أن الشعور الآنف بالحقارة لا يزال قائمًا في سائر المجالات.
وهناك في البين خطأ كبير أيضًا، وقد أدّى هذا الخطأ إلى تعقيد هذا البحث بشكل أكبر. فمنذ العقود الخمسة المنصرمة أو حتى قبل ذلك بقليل ولا شك في أن المجتمع الإسلامي قد سعى منذ الحرب العالمية الثانية فصاعدًا إلى إثبات وجوده وتحديد هويته مجددًا. هناك الكثير من الذين قالوا: «نحن لم نعد منبهرين بالتفلسفات الغربية، ولا بالبُعد الغربي الكذائي أو الظاهرة الغربية الكذائية، بيد أن المهم والإيجابي في الغرب هو التقنية الغربية. نحن نخالف الثقافة الغربية الحديثة، بيد أن التقنية ظاهرة حيادية، ونحن نسعى إلى الحصول عليها». يمكن مشاهدة النموذج الأفضل لهذا النوع من التفكير حول الأشياء في المملكة العربية السعودية منذ عقد الستينات إلى بداية التسعينات [من القرن العشرين للميلاد]. لقد خضع السعوديون لتقبل التقنية الغربية إلى حدّ كبير وتمّ ترويضهم عليها حتى لكأن التقنية مسألة حيادية بالكامل. إن هذه الرؤية وإن كانت تندرج تحت مشكلة أكبر، ولكنها في الواقع وفي حدّ ذاتها مشكلة كبيرة، وربما كانت أشدّ خطورة أيضًا؛ وذلك لأنها تقوم على أساس أسوأ أنواع التوهّم، ونعني بذلك
(424)تصوّر أن التقنية الحديثة تعد حيادية من الناحية الثقافية والأخلاقية. وليس الأمر كذلك بطبيعة الحال. فإن التقنية الحديثة من الناحية الثقافية تعدّ موجّهة قطعًا، ولا يمكن فصلها عن الرؤية الكونيه المؤثرة على معرفة الإنسان لنفسه وللعالم المحيط به وإيمانه بالله وعالم المعنويات والمقدّسات.
ولكن لا تزال هناك بارقة أمل. لنعد إلى موضوع التخطيط للمدن والعمارة الإسلامية المرتبط بالتكنولوجيات التقليدية بشكل عميق. لقد أقمت في بداية عقد السبعينات من القرن العشرين [للميلاد] أول مؤتمر حول موضوع العمارة التقليدية الإسلامية في العصر الحديث في مدينة إصفهان، ودعوت المعماري المصري الشهير حسن فتحي من القاهرة إلى إيران. وقد أسهمنا في نشر كتابه تحت عنوان «البناء والعمران للفقراء»، وقد عمل أسلوب حسن فتحي حاليًا على إيجاد تحوّل شامل في عموم المنطقة المحيطة ببحيرة الفيوم في مصر. إن هذا المسار قد بدأ في الواقع من مؤتمر إصفهان وتحوّل إلى منعطف بالغ الأهمية في هذا الشأن. ومنذ حوالي بداية عقد السبعينات أخذ عدد من المخططين للمدن والمعماريين المسلمين يدركون أهمية هذه الحقيقة المعروفة في إيران بـ «النسيج»؛ بمعنى نسيج وبنية المدينة الإسلامية التي لا تقتصر على العناصر الشخصية فحسب، بل وتشمل حتى التخطيط لبناء المدن أيضًا. لقد ألف تلميذان سابقان لي، وهما: نادر أردلان ولاله بختياري، كتابًا تحت عنوان «مفهوم الوحدة»، حيث عملا فيه على تحليل وتجزئة التخطيط لمدينة إصفهان والمدن الأخرى على أساس «وحدانية الله»، والتلفيق بين الوظائف المختلفة لمدينة ما والمضمون الإلهي والسماوي في التخطيط لبناء المدن.
(425)فما الذي يمكن فعله حاليًا؟ إن الشيء الأول الذي يمكن القيام به هو الحفاظ على ما لا يزال قائمًا ولم يطاله الاندثار. لم يعد بالإمكان إحياء جميع الأبعاد التراثية لمدن من قبيل: طهران ولاهور والقاهرة؛ فإن سكان هذه المناطق من الذين بهرتهم النماذج الغربية، قد عملوا على تخريب حاراتهم التراثية الجميلة من أجل بناء طرق سريعة تلتهب حرارتها في فصل الصيف وترتفع إلى درجات قصوى، وقاموا بتدمير مجمل النسيج البيئي لهذه المدن؛ ولا يمكن القيام ـ على المدى القصير في الحدّ الأدنى ـ بأيّ شيء من أجل إعادة هذا الحطام إلى حالته الأولى. ولكن هناك مناطق في بعض هذه المدن لا تزال تحافظ على تراثها وطابعها التقليدي إلى حدّ ما، وهي مناطق مثل: المنطقة الواقعة حوالي مسجد وزير خان في مدينة لاهور الباكستانية، والسوق الكبير في طهران، والقاهرة القديمة التي يعود تاريخها إلى عصر المماليك والفاطميين. إن الشيء الأول الذي يجب القيام به هو الحفاظ على هذه المحلات وحمايتها من الدمار بسبب مدّ الطرق الكبيرة بينها أو بسبب بناء ناطحات سحاب تقضي على جمالية نسيج المنطقة. وقد تمّ العمل على هذا الأمر بحمد الله إلى حدّ ما. هل يمكن لكم تصوّر أن رئيس بلدية فاس كان يروم في عقد السبعينات [من القرن العشرين للميلاد] أن يمدّ طريقًا سريعًا يشق وسط مدينة فاس. تعدّ مدينة فاس من أكبر المناطق المدنية في العالم، ومع ذلك لا توجد فيها أي سيارة ولكن تمّ لحُسن الحظ إرسال تيتوس بوركهارت من قبل منظمة اليونسكو في مهمة تقضي بإنقاذ مدينة فاس من هذا العبث، ودخل في تفاوض مع العاهل المغربي، وانتهت هذه المفاوضات بإقناع الملك الذي اعتبر موضوع هذا الطريق السريع منتفيًا، وبذلك تمكن بوركهارت من إنقاذ هذه المدينة. وليس هناك اليوم في مراكش من يفكر في إعادة الحديث عن هذا المشروع. وفي هذا
(426)الشأن أصبحت الأوضاع أكثر تحسّنًا. وعليه فإن أول شيء يمكن القيام به هو العمل على حماية هذه المناطق التي لا نزال نمتلك الكثير منها في أقطارنا. ولا سيّما في المدن الصغيرة مثل: حلب وكاشان ويزد. والمدن العريقة في سوريا وفي المناطق المركزية والجنوبة في إيران ومراكش وفي جميع أنحاء اليمن، وربما في حيدر آباد وبعض المدن الأخرى في الهند ونظائرها. كانت هذه هي الخطوة الأولى التي يجب القيام بها في هذا الشأن.
الخطوة الثانية التي كتب لها التحقق إلى حدّ ما، هي العمل على الاستلهام من هذه الخطط المدنية على أساس التراث الإسلامي في بناء المدن والقرى الجديدة، لا أن نعمل على مجرّد استنساخ الخطط الغربية في هذا الشأن. لقد غمرتني الفرحة عندما رأيت القليل من هذه الخطط التقليدية والتراثية حتى في المملكة العربية السعودية ـ التي قضت على مساحة واسعة من معماريتها العريقة بشكل متسارع ـ وإيران ومصر ومراكش وغيرها من البلدان والمناطق الأخرى. بيد أن المعماريين الذي يتولون القيام بهذه المهام لا يزالون يمثلون أقلية، ولكن هذا الاتجاه سوف يستمر. أجل، إني أعترف باستحالة القيام بذلك في عواصم البلدان الإسلامية الكبرى؛ فليس في مقدوركم فعل شيء حيال ما وصلت إليه الأمور في أسطنبول أو القاهرة، ولكني أرى إمكان القيام بهذا الأمر في المدن الأصغر حجمًا؛ لا تزال هناك الكثير من المدن الكبيرة في بلدان العالم الإسلامي تحتوي على مناطق تشتمل على خطط مدنية أو معمارية إسلامية تقليدية، وهي مناطق مثل: دمشق وإسطنبول وإصفهان ومشهد ولاهور، وحتى نيودلهي التي يمثل جانب كبير منها طابع المدينة الإسلامية؛ إذ كانت تخضع لحكم وسلطة المسلمين لفترات طويلة، وكذلك القاهرة أيضًا، وكانت المدن الواقعة في شمال أفريقيا فذّة في الحفاظ على نسيج المدن العريقة. ولا تزال هناك إمكانية للحفاظ على جميع هذه المناطق التراثية.
(427)يجب أن نعمل على إعداد جيل جديد من المعماريين كي يقوموا بهذه المهمة. ولا توجد هناك حاليًا سوى كلية معمارية تراثية واحدة في العالم الإسلامي، تمنح الطلاب المتخرجين منها شهادة علمية في حقل العمارة الإسلامية التقليدية. وتقع هذه الكلية في الأردن. وحتى ما قبل أعوام قليلة كانت هناك «مؤسسة أمير ويلز» قائمة في لندن. ولا توجد هناك حتى الآن جامعة في العالم الإسلامي لتزويد الطلاب بشهادة في حقل بناء المدن على الطريقة الإسلامية. وإذا كانت هناك «كلية معمارية» فإن مرادهم منها العمارة الغربية. إذن يتعيّن علينا إيجاد مثل هذا التحوّل من خلال تأسيس المزيد من الكليات المختصة في حقل العمارة الإسلامية. وهذا الأمر يصح أيضًا بالنسبة إلى الطب أيضًا؛ فيجب علينا إنشاء كليات في الصيدلة والطب وتصنيع الأدوية والعقاقير الإسلامية أيضًا؛ وعلاوة على ذلك يجب العمل على بيان فلسفة هذه العلوم وكذلك فلسفة البناء والعمارة الإسلامية إلى الطلاب أيضًا. وليس الهم في البين هو خصوص فهم الإطار والإطلالة الخارجية لبناء المدن الإسلامية فحسب، بل وإن فهم مباني هذه المدن هو الآخر مهم أيضًا.
على سبيل المثال، في تخطيط مدينة لاهور—التي كانت واحدة من أجمل المدن في العالم عندما رأيتها لأول مرة في عام 1959، وعندما رأيتها بعد ثلاثين عامًا، صدمت من التمدد العمراني، وكانت واحدة من أكبر صدمات حياتي—أخذت العمارة الإسلامية بعين الاعتبار الظروف الطبيعية والاجتماعية المحلية، والتقنيات التقليدية، بالإضافة إلى المبادئ الميتافيزيقية والكوسمولوجية. كانوا يعلمون أن مناخ لاهور ليس هو نفسه مناخ يزد ولا مناخ طنجة؛ لذا أخذوا كل شيء في
(428)الاعتبار، مثل الظروف المناخية، والنسيج الاجتماعي، والديناميات الاجتماعية، وما إلى ذلك. لكن الأهم من ذلك، أن هذه المدن كانت تشترك في شيء واحد في تصميمها: كانت هذه التصاميم تستند جميعها إلى مبادئ ميتافيزيقية معينة تتعلق بطبيعة الواقع، والكوسمولوجيا، والعلاقة بين الإنسان والله من وجهة نظر إسلامية.
يتم الآن دراسة هذه المبادئ تدريجيًا من قبل المهندسين المعماريين المسلمين الشباب. وقد حقق هذا النوع من الدراسات في الواقع تقدمًا كبيرًا في العقود القليلة الماضية. لهذا، نحن مدينون بالكثير لكتابات تيتوس بوركهارت وعدد قليل من الآخرين، وربما لبعض كتاباتي المتواضعة التي كتبتها لمحاولة شرح الكوسمولوجيا والفلسفة وراء الفن والعمارة الإسلامية جنبًا إلى جنب مع التقنيات ذات الصلة. لكننا مدينون أيضًا بالكثير، بالطبع، لعدد قليل من المعماريين، مثل حسن فتحي، ثم الجيل الشاب من المعماريين مثل عبد الواحد الوكيل وعمر فاروق في مصر وسامي الأنجاوي في السعودية، الذين حاولوا تطبيق بعض هذه المبادئ. في هذا المجال، أنا أكثر تفاؤلًا مما كنت عليه قبل ثلاثين عامًا عندما نظمت المؤتمر في أصفهان.
هلموا كي لا نفقد الأمل، ونرجو تحقق هذه الرؤية في المستقبل إن شاء الله تعالى، وأن يتمكن المسلمون ـ من خلال النقد الدقيق للتقنية الغربية ـ من الحفاظ في الحد الأدنى على جزء من بيئتهم التقليدية، لتستظل أبدًا تحت مظلة وجود الله سبحانه وتعالى، وأن تنسجم مع المحيط أيضًا. كما وأتمنى من المسلمين أن يكتسبوا يقظة أكبر وأشدّ عمقًا فيما يتعلق بلوازم وتبعات التقنية الغربية، وأن يلقوا عليها نظرة فاحصة ودقيقة أيضًا.
(429)حوار مع الأستاذ أصغر طاهر زاده
السؤال: ما هو الحجم المقبول للاستفادة من الأدوات والوسائل بالنسبة إلى الفرد أو المجتمع أو الحضارة؟
الجواب: إذا أردنا العبور من حضارةٍ إلى حضارةٍ أخرى، ترِد الكثير من الأسئلة في البين، وهي أسئلةٌ تثبت أن الموضوع مورد البحث قد دخل في فضاءٍ من الغموض بسبب غلبة الحضارة الغربية، وأرى بدوري أنّ هذه الأسئلة ما لم تتمّ الإجابة عنها بشكلٍ واضحٍ، لا يمكن اجتياز ثقافة الحداثة. وأما في ما يتعلق بسؤالكم لا بدّ من التدقيق في هاتين المقدمتين، وهما أولًا: إنّ على الإنسان أن يتخلّق بأخلاق الله. وثانيًا: إن الله قد أقام نظام الإيجاد والخلق على أساس الأسباب والمسبّبات. وبالالتفات إلى هذا الأمر نعلم أن الإنسان سيصل في نهاية المطاف إلى أنه لا يفكر بأيّ شيءٍ إلا ويتجلى له ذلك الشيء في يوم القيامة. ومن هذه الناحية يتعيّن على الفرد أن يعدّ مقدمات حياته الأخرويّة في هذه الدنيا، وأن يعمل بالتدريج على خفض حاجته إلى هذه المعدات حتى يصل بها إلى الحدّ
الأدنى. ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ الإنسان ما لم يصل إلى مقام العقل وما دام لا يزال باقيًا في مقام النفس، يحتاج إلى الآلة والوسيلة في رفع حوائجه. وقيل في تعريف النفس: (النفس هي الكمال الأول لجسمٍ آليٍّ ذي حياةٍ). وعليه فإنّ مقام النفس هو مقام الحاجة إلى الآلات والأدوات، خلافًا لمقام العقل حيث يعمل الإنسان في ذلك المقام على إيجاد حوائجه دون آلاتٍ أو أدواتٍ. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الإنسان في موطن النقص يحتاج إلى أداةٍ وآلةٍ. ولكن حيث لا يعدّ هذا النقص من ذاتيات الإنسان، فإن الحاجة إلى الآلة والأداة لا تكون من ذاتيات الإنسان أيضًا، ويكون في موطن عدم الأداة والآلة. وعليه، بالالتفات إلى أنّ القيامة تمثل مقام أبديتنا، وهناك نعمل على رفع حوائجنا دون الحاجة إلى أداة، ونقضي مآربنا بإرادتنا، علينا أن نحدّد موضع الأدوات في الحياة الدنيوية، وأن نوليّها من الأهمية بمقدار حجمها. وقد رسم القرآن الكريم خصوصية القيامة بقوله تعالى: (تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ). لأن طبيعة القيامة بحيث لا يطلب الإنسان شيئًا إلا وخلق له دون أدوات.
عندما لا تكون الحاجة إلى الأداة من ذاتيات الإنسان، ومع ذلك يصبح الإنسان أسيرًا ومرتهنًا بيد الأدوات، ثم ينتقل إلى القيامة مشحونًا بهذه الصفة فإنّ الأمر سيتطلب منه تحمل مشقّةً لسنواتٍ طويلةٍ حتى يتحرّر من هذه الحالة، وعليه يجب من خلال النظر إلى القيامة أن نرى مدى وحجم ما يجب الاشتغال به من الأدوات والوسائل في الحياة الدنيويّة. إنّ أصحاب الجنّة بسبب اعتمادهم على الله يخلقون ما يريدونه، لأنّهم بواسطة الملكات التي حملوها معهم إلى الجنّة في
إطار التوكل على الله، لا يكونون مكبّلين بأصفاد الأدوات. وأمّا أصحاب النار فحيث إنّهم يفتقرون إلى التوكّل على الله، ويعتمدون بشكلٍ مفرطٍ على الأدوات والوسائل الدنيوية، لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا لأنفسهم في عالمٍ تتقطع فيه الأسباب، لأنّ كلّ اعتمادهم على الوسائل الدنيويّة لا على الله سبحانه وتعالى، في حين لا وجود للأدوات والوسائل الدنيوية في ذلك العالم. وفي الحقيقة فإنهم لا يمتلكون اعتمادًا وتوكلًا على الله حتى تتمّ تلبية حوائجهم بمجرد طلبها من الله، لأنهم لم يعدّوا العدّة كي يمتلكوا هذه المَلَكات في حياتهم الدنيا.
إنّ من بين مراحل السير والسلوك هي أن يعمل الإنسان على بناء قيامته في هذه الدنيا، وعليه في هذا السياق أن يتجرّد في المرحلة الأولى من الارتهان للأدوات والوسائل، وأن يعمل في المرحلة الثانية على الخلق دون الاعتماد على الأدوات. وقد قيل في ذلك: «العارف يخلق بهمته»، وذلك لأنه قام بتقوية الجانب المتجرّد من وجوده. وكلما غلبت الناحية المادية من وجودنا اشتدت حاجتنا إلى الأدوات والسبل، وفي المقابل كلما قويت الناحية المعنوية من وجودنا، أصبحنا أكثر تحرُّرًا من الأدوات.
إننا في يوم القيامة سنواجه ذاتنا الواقعيّة والحقيقيّة بأنفسنا، إنّ القيامة تمثل مقام أبديتنا، إذًا يتعيّن علينا أن نقيّم أنفسنا في هذه الدنيا على أساس قواعد يوم القيامة، كي نتمكن من التعرّف على أنفسنا بشكلٍ صحيحٍ. قال الإمام علي عليهالسلام بشأن القيامة: «قد ضلت الحيل وانقطع الأمل».
إن هذه الأدوات لا تمثل الرأسمال الأبدي بالنسبة لنا، إنّما رأسمالنا يكمن
في التحرّر من هذه الأدوات، فعلينا أن نصل إلى بصيرةٍ يمكن لنا معها أن نقيّم أنفسنا بوصفنا فوق الأدوات والآمال والسُبُل. يقول العرفاء: يتم تزويدك في بادئ الأمر بجناحين كي تطير بهما، ثم يُنتزع منك الجناحان كي تواصل التحليق بدونهما. كما يتم تزويدك بالأسنان والطاقة كي تلتفت إلى وجود هذه الاستطاعة من نفسك، ثم تؤخذ هذه الأدوات منك كي تعثر على مقدرتك على تناول رزقك المعنوي وطاقتك الروحانية دون هذه الأدوات والسُبُل. وفي الحقيقة فإن تجريدنا من هذه الأدوات لا يهدف إلى سلبها منا، وإنما يراد تزويدنا بما هو أسمى وأرقى منها. حيث نستغني عن الأسنان لا أن نستغني بالأسنان. وهذا هو المراد من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام: «استغناؤك عن الشيء، خير من استغنائك به»، لأنّ الاستغناء أسمى من الامتلاك.
إنّ مسار الحياة يبدأ بالحاجة إلى الأدوات والسبل، ويجب أن ينتهي إلى الاستغناء وعدم الحاجة. فإذا بلغت شدّة حاجة الإنسان إلى الأداة والسبل حدًا استحوذت على روحه ونفسه على أمد الحياة، لن يكون بوسعه الحصول في الأبدية على حياةٍ مريحةٍ وخاليةٍ من المشقة والعنت. إنّ الذين يبلغون سنّ الشيخوخة ولا يتمكنون من التحرّر من الأدوات والوسائل في مسيرة حياتهم، يبقون رازحين في مرحلة الطفولة. أما شيوخ المدرسة التوحيديّة فيمثلون عالمًا معتزلًا فهم أسمى من الدنيا، ناهيك عن أن يكونوا من المبتلين أو المفتتنين بها.
بالالتفات إلى هذه المقدمات، نجيب عن السؤال المتعلق بمقدار الاستفادة من الأدوات والسبل، بالقول: إن ذلك يتوقف على ظروف الأفراد، فالطفل كلّ وجوده متوقفٌ على جسمه، فيجب إذًا أن ينمو جسمه، بيد أنّ المجتمع يتعيّن
(434)عليه ـ إلى جانب الاستفادة من البركات والنعم المادية في إطار تلبية حاجاته الدنيويّة ـ ألا ينفصل عن أفكار الحكماء، وعلى الحكماء بدورهم أن يعملوا أبدًا على توجيه المجتمع نحو أهدافه العالية. فلا تتم التضحية بالتوجهات المعنويّة أو تجاهلها تحت ذريعة التنمية الاقتصادية. لقد قام الإمام علي عليهالسلام في فترة حكمه تحت غطاء التنمية بتقديم الله على الساحة الاجتماعية بأروع صورةٍ. هناك في الحكومة الدينية والحكومة غير الدينية سعيٌ إلى توفير الرفاه للمجتمع، إلا أنّ الرفاه المادي لا يشكل المشكلة الأصلية والرئيسيّة للمجتمع في الحكومة الدينية. في المجتمع الديني يعمل كلّ شخصٍ بحسب مرتبته الإيمانية تجاه الحقائق المعنويّة على توظيف الحدّ الأدنى من الأدوات والوسائل، كما ينظر الحكيم إلى الأدوات والوسائل بوصفها حُجبًا، ويسعى على الدوام إلى النظر إلى الله بوصفه مسبب الأسباب. إنّ المجتمع الذي يستنير بنور الحكمة الإلهية، لا يعطي أدنى أهمية للأدوات، وقال رينيه غينون في هذا الشأن: في التاريخ الماضي كان الناس يفكرون بشكلٍ خاصٍ، وقد عرّفوا الحياة بحيث لم يكونوا بحاجةٍ إلى هذه الكميّة الكبيرة من الأدوات والوسائل، لا أنهم لم يكونوا قادرين على صنعها. فعلى طول التاريخ قامت المجتمعات بصنع الأدوات التي تحتاجها، ولكنّها لم تفسر نمط الحياة لنفسها كما هو حاصلٌ مع المجتمعات الراهنة حيث تتلخص حياتها في الابتلاء بأنواع الأدوات والوسائل، بحيث تحتاج إلى الاستعانة بالتقنية حتى في فتح أبواب البيوت وإغلاقها.
آمل أن أكون بعد طرح هذه الأبحاث قد استطعت إيضاح هذه المسألة، وهي أنّ الناس هم الذين يقررون اتخاذ نمط الحياة الذي يرغبون به، وأنّ كلّ حياةٍ تخلق
(435)احتياجاتها الخاصة، وأنّ مهمة أصحاب المصانع والفنون في كلّ مجتمعٍ تتلخص بشكلٍ عامٍ في تلبية هذه الاحتياجات. إن عالم العلوم التجريبية لم يبادر أولًا إلى صنع المصباح الكهربائي ليفكر بعد ذلك كيف يمكن أن يستفيد منه، وإنما أدرك أولًا حاجة الناس في المدن الكبيرة إلى البقاء مستيقظين حتى ساعاتٍ متأخرةٍ من الليل، ثم عمل على صناعة المصباح الكهربائي لهذه الغاية. وعلى هذه الشاكلة ظهرت سائر الوسائل والأدوات التكنولوجية الأخرى. ويجب أن يتمّ توجيه الاهتمام الأكبر إلى هذه النقطة، وهي عدم نسيان العلاقة بين تعريف الإنسان المادي والحسّي للحياة والسقوط في الاحتياجات المتنوّعة. وفي هذا السياق يأتي تأكيدنا على أنه لو تبلور الاهتمام بالحضارة الإسلامية في مجتمعنا، وتمكن الناس من تعريف أنفسهم في فضاء الحضارة الإسلامية، فإنهم سيعملون على إظهار الحاجات الخاصة بتلك الحياة في ظلّ تلك الحضارة، ويحافظون في الوقت نفسه على تطلّعهم إلى أفق ما وراء الأدوات والوسائل المادية.
يجب التدقيق في تحديد موضع تلك الأدوات والوسائل في شخصية الإنسان. ولتوضيح هذا الأمر يجب الالتفات إلى نقطتين، وهما أولًا: ما هي المرحلة التي يقف الإنسان فيها حاليًا من بين المراحل الإنسانية. وثانيًا: هل تلعب الأدوات دورًا واحدًا بالنسبة إلى جميع الناس. إن الناحية السلبية من التقنية الغربية ترجح اليوم بالنسبة إلى أكثر الناس على الناحية الإيجابية منها، وقبل أن يتوصلوا بواسطة الأدوات إلى الأهداف التي رسموها لأنفسهم، تعمل التقنية على صنع الأهداف لهم، وتدفع بهم نحو أهداف الحياة الغربية. في حين لو تمّ تحديد موضع الأدوات في الحياة، يكون لكلّ أداةٍ ـ بالنسبة إلى كلّ شخصٍ وفي إطار تعريفه لحياته ـ معنًى ومفهومٌ خاصٌّ، ومن هنا قد تمثل هذه التقنية قيمةً بالنسبة إلى مجتمعٍ ما، ولا تمثل أيّ قيمةٍ بالنسبة إلى مجتمعٍ آخر. وهذا كله في ما لو قام
(436)الناس منذ البداية بتعريف الحياة وغايتها بالنسبة لهم. ومن هذا المنطلق ذكرنا أنّ دورَ الأدوات رهنٌ بإنسانيّة الفرد والمجتمع. إن المجتمع بمقدار استفادته من الحكماء والهدف الذي يحددونه، لا يكونون مرتهنين للتقنية، لأنّ الحكيم شخصٌ قد بلغ نوعًا من الوحدة الشخصية، والحكيم المطلق هو الله، وإنّ الأنبياء والأئمة الأطهار (عليهم السلام) هم مظاهر الحكمة الإلهية. يمكن للحكيم ـ من منطلق وحدانيّته الشخصيّة ـ أن يعيّن مقدار الأدوات للمجتمع. ولو ابتعد المجتمع عن الحكماء، يكون في الحقيقة قد ابتعد عن الوحدة الشخصية والانسجام اللازم، وسقط في مغبة التكثر والانفصال، وبالنظر إلى أنّ الكثرة تنافي الوحدة، سيؤدي به ذلك إلى الاضطراب والقلق في روح الفرد والمجتمع، وبالتالي فإنّه سيطلب اللجوء من أداةٍ إلى أداةٍ أخرى، ويرى النجاة، خطأً، في تغيير الأدوات لا في تجاوزها والاستغناء عنها.
إنّ هذه النقطة تثير الاهتمام، وهي أن حياة الناس في المجتمع إذا استحوذت عليها الأدوات، فإنهم سيعيشون في اضطرابٍ دائمٍ، لأنّهم سيعلقون الأمل في كلّ يومٍ على تقنيةٍ جديدةٍ، وإنّ كلّ تقنيةٍ جديدةٍ ستحمل في أحشائها أملًا بتقنيةٍ أخرى أحدث منها، وإنّ عقد الآمال على التقنيات الأحدث يمثل إعلان طلاقٍ مع التقنيات السابقة، وهكذا دواليك. في ظلّ هذا الفضاء لا يمكن لنا أن نعقد الأمل بشيءٍ نواصل به حياتنا حتى نستيقظ في الغد لنواجه منافسًا جديدًا يخلق فينا حاجةً جديدةً بحيث لا يمكن لنا معها الاقتناع بالتقنية السابقة.
لو لم يمتلك المجتمع تعريفًا منطقيًا لنفسه، وأدمن على استخدام الأدوات والوسائل، فحيث إنّ الأدوات لا تنتهي، والمادة قابلةٌ لتغيير صورتها إلى ما لا نهاية له من الصور، فإنها سوف تستحوذ على الإنسان بشكلٍ مطلقٍ وتسلب منه الاستقرار والهدوء والطمأنينة.
(437)السؤال: هل يُعدّ ظهور جميع هذه الأدوات المتنوّعة أمرًا مرتبطًا بالثقافة الغربية، أم هو استعدادٌ كان موجودًا في جميع الشعوب على طول التاريخ؟
الجواب: إن جميع الناس يتمتعون بقوة الخيال، ويمكن لكلّ شخصٍ أن يتصوّر صورةً ويسعى إلى تحقيقها في حياته، فإذا لم يكن في البين هدفٌ متعالٍ يضبط سلوك الإنسان، فإنّ الأخيلة المتنوّعة ستدفع الإنسان إلى خلق أعمالٍ متنوّعةٍ، ولكن هذا في حدّ ذاته لا يُعدّ كمالًا. وعندما يتخذ المرء قرارًا بتحقيق وتطبيق ما يتخيّله على أرض الواقع، يعمل على مصارعة الطبيعة حتى يصنع الصورة المنشودة له. إنّ الهيولى الأولى أو المادة الأولية قوةٌ محضةٌ وتقبّلٌ صِرفٌ، بمعنى أنها تتقبل جميع الصور. وعلى هذا الأساس يمكن للإنسان أن يفرض على الطبيعة ما لا نهاية له من الصور. يكفي أن يروم الفرد صنع شيء، حتى تكون الطبيعة طوع بنانه، مهما كان الشيء الذي يروم صُنْعه غبيًا.
إنّ الشخص الذي لا يرى أيّ قيمةٍ لحياته، ويرى الحياة الدنيا غايةً له، ينفق كلّ عمره كي يترجم ما تخيّله على أرض الواقع وخارج مخيلته. إنّ ما تحقق في الغرب هو اعتباره هذا النوع من الأخيلة تحقيقًا علميًا، ولذلك نلاحظ أنه منذ القرن السادس عشر للميلاد أنفق الغربيون آلاف الساعات من أعمارهم في المختبرات كي ينتجوا ـ باسم التحقيق العلمي ـ ما نعرفه حاليًا ودخل في دائرة حياتنا من المعدات والأدوات التكنولوجية الحديثة.
(438)السؤال: عندما لا تتمكن المجتمعات الإسلامية من إبداء مقاومةٍ ملحوظةٍ في مواجهة ثقافة الغرب، فما هي النتيجة التي يمكن لنا أن نستخلصها في انتقاد الثقافة التكنولوجية؟
الجواب: في تقييمنا للمجتمع الإسلامي ونسبته مع ثقافة الغرب يجب ألاّ نقصر النظر على مجرّد الصورة المستغربة من المجتمعات الإسلامية، ونغض الطرف عن إرادة هذه المجتمعات التي تتطلع إلى الحياة القدسية وإلى ما وراء أهداف الحياة الغربية. إن لدى المجتمعات الإسلامية أهدافها الخاصة، غاية ما هنالك هو أن التصوّر العام لا يرى في الاستفادة من التقنية الغربية ما يتعارض أو يتنافى مع تلك الأهداف. إن الذي تسعى إليه الأبحاث النقدية في الغرب هو التذكير بهذا الأمر وهو أن هذا لا يتحقق بشكلٍ عام، وقبل أن نتمكن من تطويع التقنية لأهدافنا، نجد أكثر أبناء شعبنا متأثرين بالثقافة المحمولة إلينا على متن التقنية الغربية. وحيث ترى المجتمعات الإسلامية قيمةً جوهريةً لأهدافها، فإنها إذا وصلت إلى هذا المستوى من الوعي وأدركت أن الاقتراب من التقنية الغربية سيقضي على الثقافة الوطنية، فإنها لا محالة سوف تحتاط لنفسها ولن تفرط في استخدام التقنية، وتبدأ في هذا الشأن بنفسها.
إنّ المسار التاريخي للمجتمعات الإسلامية بحيث إنّها ستدرك الأضرار الثقافيّة المنبثقة عن التقنية الغربية عاجلًا أم آجلًا. وبطبيعة الحال يجب علينا أن نفصل حساب حكومات المجتمعات الإسلامية ـ التي هي في الغالب عميلة للغرب ـ عن حساب الشعوب المغلوبة على أمرها. والسرّ في ذلك يكمن في أن المجتمعات الإسلامية تتجه نحو التوحيد، رغم أنها ترزح حاليًا تحت نير الثقافة الغربية في
(439)غفلةٍ تاريخيةٍ. ولا يزال هناك الكثير من المسائل المتعلقة بالثقافة الغربية وأثرها في تحطيم الروح الإسلامية لم يتم طرحها ومناقشتها بشكلٍ صحيحٍ وجاد... وإلا فإن الناس عندما يدركون أن قبح الثقافة والحضارة الغربية لا يكمن في مجرد معاقرة الخمور والإباحية الجنسية فحسب، بل إن روح هذه الثقافة يعارض الطهر والقداسة، سيتخلَّوْن عنها بالكامل ويُطلّقونها طلاقًا بائنًا. إذًا يتعيّن علينا ألاّ نتجاهل وفاء وإخلاص المجتمعات الإسلامية للروح التوحيديّة الإسلامية الخالصة. وعلى هذا الأساس عندما نلتفت إلى أن الناس يعيشون حياتهم بمقدار وفائهم وإخلاصهم للثقافة الصحيحة، لا بمقدار ما يتجلى في ظاهر حياتهم، يجب ألاّ يستولي علينا اليأس والقنوط لمجرد مشاهدة بعض الظواهر الغربية في حياتهم، بل يجب أن يحدونا الأمل بتراجعهم عن تلك الحياة.
السؤال: مع افتراض النقطة المتقدمة هل يمكن أن يترتب على نقد الغرب في اللحظة الراهنة ـ حيث التقنية الغربية تهيمن على جميع مناحي الحياة ـ تأثيرٌ عمليٌّ وقصيرُ الأمد؟
الجواب: نعم يمكن قول ذلك من بعض الجهات، وبشكلٍ عام هناك ثلاثة أنواع من الأشخاص في ما يتعلق بمواجهة الثقافة الغربية، ويمكن بيان هذه الأنواع الثلاثة على النحو الآتي:
النوع الأول: هم أولئك الذين إذا أدركوا نقاط الضعف الجوهرية في الثقافة الغربية، فإنهم يتحلَّوْن بالشجاعة والإرادة الكافية للوقوف في وجه جميع العلاقات الاجتماعية الناتجة عن تلك الثقافة الخاطئة. وهذا الأسلوب أشبه بنهج الأنبياء حيث كانوا يقفون بكلّ وجودهم في مواجهة ثقافة الكفر في عصرهم.
(440)
النوع الثاني: هم الأشخاص الذين يتمتعون بقوةٍ وإرادةٍ نسبيةٍ. وهؤلاء عندما يدركون نقاط ضعف الثقافة الغربية، يسيرون على هامش الثقافة السائدة في المجتمع بحيث لا يقعون في مخالبها، ولكنهم في الوقت نفسه لا يرون في أنفسهم إرادة الوقوف في وجهها، وهؤلاء سيتمكنون في نهاية المطاف من إنقاذ أنفسهم.
النوع الثالث: الناس العاديون الذين يدركون أنّ هذه الثقافةَ قبيحةٌ، ولكنهم لا يمتلكون القدرة على مواجهتها. إن هؤلاء في الوقت الذي يعبرون عن وفائهم وإخلاصهم لثقافتهم الأصيلة، إلا أنهم لا يستطيعون اختيار طريقٍ آخر غير الطريق الذي رسمته الثقافة الغربية أمامهم، أو أن يُبدوا مقاومةً في مواجهة أزواجهم وأولادهم الذين اختاروا لأنفسهم نمطًا غربيًا في الحياة. ولكنهم في واقعهم غير منبهرين بتلك الثقافة. وهذه الجماعة متى ما سنحت لها الفرصة للخلاص من الثقافة الغربية، فإنهم سيبادرون إلى اغتنامها وتخليص أنفسهم وأهليهم؛ لأنّ الثقافة الغربية لم تستحوذ عليها إلى الحدّ الذي يتنكرون معه لدينهم. إن سرّ هؤلاء يكمن في طلب شيءٍ آخر، على الرغم من أنهم لا يرون من الناحية العملية مؤشرًا محددًا على ذلك الطلب.
وفي قبال هذه الشخصيات الثلاثة، يمكن تصوّر شخصٍ رابعٍ يتماهى مع ثقافة الغرب بالكامل وينصهر في تلك الثقافة تمامًا. إن هذا الشخص لا يكتفي بتبني التقنية الغربية فقط، وإنما يضيف إلى ذلك الإيمان بالثقافة التكنولوجية أيضًا، وحيث إنّ روح الثقافة الغربية تعارض القداسة، لا يسعه البقاء وفيًا ومخلصًا للثقافة التوحيدية، وسوف ينفصل حتمًا عن الثقافة التوحيدية. إن المشكلة الرئيسة التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية تتلخص في هذا النوع
(441)الرابع من الأشخاص الذين هم على الرغم من قلتهم، إلا أن القائمين على الثقافة الغربية وساسة الغرب يتخذون منهم أذرعًا لبسط سيطرتهم على جميع شؤون العالم الإسلامي. إنّ نقد الثقافة الغربية لا يضيّق الخناق على هذا النوع من الأشخاص ويمنعهم من النشاط في المجتمع فحسب، بل ويمثل مشعل هداية أمام الجماعات الأخرى كي يتلمسوا طريقهم للخروج من معضلة الحياة الغربية. إن المجتمعات التي تمكنت من إنقاذ نفسها من شخصية النوع الرابع، قد عملت على تخليص نفسها من الاستئصال التاريخي وانعدام الهوية.
السؤال: لو قام علماء الكيمياء باكتشافاتهم في إطار الرؤية التوحيدية، هل كان ذلك يُحدث فرقًا في النتيجة عن اكتشافاتهم التي تمّت في إطار الرؤية غير التوحيدية؟
الجواب: لا بدّ من الالتفات إلى أن العالم من وجهة نظر القائل بأنه عبارةٌ عن آياتٍ إلهيةٍ، يختلف ـ بشكلٍ جوهريٍّ ـ عن وجهة نظر العالم الكيميائي الذي يعتبر أنّ العالمَ عبارةٌ عن عناصرَ ميتةٍ لا تكمن من ورائها أيّ إرادةٍ مقدسةٍ. ففي الرؤية الثانية يسمح الإنسان لنفسه بجميع أنواع التصرّف في الطبيعة وعناصرها، وإن النتيجة المترتبة على هذا التصرف المنفلت هي ما نراه من الواقع الراهن حيث تعاني البشرية من التلوث الطبيعي الكارثي، كما قام هذا العلم بصنع عقاراتٍ اضطرت معها الولايات المتحدة الأميركية إلى إقامة مشروعٍ يمتد لخمسين سنة من أجل القضاء على التداعيات والتبعات السلبية التي ترتبت على الأدوية الكيميائية على أمد قرنين من الزمن.
إن عالم الكيمياء الذي يسعى إلى التعرّف على قوانين عالم الوجود والتوصّل
(442)من خلالها إلى بعض النتائح، يختلف عن الكيميائي الذي لا يؤمن بوجود نواميس في العالم، وبذلك يختلف توجههما إلى العالم ولا تكون نتائج أعمالهما واحدة. لقد تمخض علم الكيمياء عن الأسمدة الكيميائية التي أخرجت التربة الهولندية بعد خمسين سنة من الخدمة حيث أصبحت غيرَ قابلةٍ للحياة، الأمر الذي دعا السلطات الهولندية إلى إصدار قانون يحظر بموجبه استخدام الأسمدة الكيميائية في عموم البلاد إلى الأبد.
إذا كانت هناك نظرةٌ من قبل العلماء إلى نواميس العالم، فإن ذلك سيؤدي إلى الاقتصاد في استهلاك الطاقة واستثمار الطبيعة في إطار الأهداف الإنسانية، وبذلك لن يعمل على تحطيم الطبيعة، ولا يضطر بعد ذلك إلى صرف كل هذا الوقت الثمين من أجل القضاء على تبعات إساءة استغلال الطبيعة لتلبية مآربه الدنيوية. وتكمن المشكلة الكبرى في أننا نرى التعاطي مع الأدوات عملًا، ولا نعتبر ذكر كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) عملًا. إن أعمارنا هبةٌ إلهيةٌ، ويجب علينا في هذه الحياة أن نعمل على تطهير قلوبنا وتزكية أنفسنا. عندما يتمّ تجاهل تزكية النفس، سوف يتم إنفاق وقتٍ طويلٍ من أعمارنا في تغيير الطبيعة، وفي ظلّ هذه الأوضاع يفقد الإنسان هويته من الناحية العملية.
إن مراد أولئك الذين يقولون: «إنّ العلم الحديث علمانيٌّ»، هو أن العلم الحديث لا ينظر إلى الجهات المعنوية الجارية في الوجود، لأنّ العلم عبارة عن وحدة وزن وقياس، وما لا يمكن قياسه أو وزنه لا يمكن أن يكون متعلقًا لذلك العلم. صحيح أنهم يقولون أن العلم لا شأن له بالدين أو اللادينية، ولكن يجب الالتفات إلى أن العلم حيث يكون غريبًا عن الدين، فإنه سوف يؤدي إلى نفي
الدين من الناحية العملية، وسوف يتخذ موقف المنكر للدين لا محالة. وفي هذه الرؤية لا تكون نتيجة العمل في إطار الرؤية التي تنظر إلى الإنسان والطبيعة بوصفهما من الأمور المقدسة، شيئًا واحدًا.
إن غاية العلم في الرؤية الغربية ـالأعم من زاوية الكيمياء أو الفيزياء وغيرهماـ هي بسط السيطرة على الطبيعة والتصرّف فيها، وهذا على النقيض تمامًا من الثقافة الدينية التي يتم فيها توظيف العلم من أجل إدراك واكتشاف الحقيقة والتواصل معها. عندما يكون الهدف هو السيطرة على العالم والتصرّف فيه، فسوف يتمّ إنكار جميع العلاقات بين معرفة العالم والأخلاق، في حين لو كانت الرؤية التوحيدية هي الأساس، لما أمكن لهذا النوع من العلوم أن يستمر بهذه الهوية، لأن شرائط ظهور هذه العلوم تقضي على الاعتدال الضروري واللازم في الحياة البشرية.
إن الانتشار السريع للعلم الحديث في الحضارة الغربية في ضوء الاتجاه إلى العالم المحسوس، إنما أمكن منذ أن تعرّض العلم الإلهي للهجوم، بحيث إنّ ما نراه اليوم في العلوم الحديثة إنّما قام على أساس الماديّة أو إنكار الحكمة الدينية في الحدّ الأدنى، ولذلك يمكن القول: إن ظهور هذا النوع من العلوم في العالم الإسلامي غير ممكنٍ أبدًا. وبهذا التحليل يجب القول: إن العجز في صنع التقنية الحديثة هو عين الكمال.
عندما يفقد الإنسان هويته ومفهومه، فإنّه بدلًا من العيش في أحضان الطبيعة من أجل التقرّب من الله، يتحوّل كلّ همّه إلى تغيير الطبيعة من أجل إثبات هويته. في هذه الرؤية ستكون وجهة العلم ـالأعم من علم الكيمياء والفيزياء وغيرهماـ هي الذهاب إلى محاربة الطبيعة، وأن ينهمك الإنسان في هذه الحرب على أمد
(444)الحياة إذا أمكن تسمية ذلك (حياة)، وينفصل عن حياته الحقيقية المتمثلة بالتقرّب إلى الله. وعلى كلّ حالٍ يمكن القول اعتمادًا على ما تقدم بيانه باختصار: لا شك في أنّ علم الكيمياء من وجهة نظرٍ توحيديّةٍ، ليس هو العلم المعروف حاليًا بـ (علم الكيمياء).
السؤال: ألن يتعرّض الشخص الذي يريد التماهي مع الأوضاع التقنية للعالم المعاصر إلى الانسحاق تحت عجلاتها؟
الجواب: لا بدّ بطبيعة الحال من الانسجام والتناغم مع الأدوات الراهنة في العالم. من ذلك على سبيل المثال: إذا كانت المسافة بعيدةً جدًا يجب استخدام السيارة، ولا يمكن الاكتفاء بركوب الخيل والحمير والبغال. ولكن الكلام هو أن عليكم ألاّ تنظروا إلى السيارة بوصفها نعمةً مطلقةً، بحيث يتم تجاهل التبعات التي ترتبت على اختراع السيارة. عندما نلتفت إلى هذه الناحية سوف لا نعطي الأدوات والتقنية الراهنة أكبر من قيمتها الحقيقية، ونقتصر في استخدامها على حدود الحاجة، ولا تكون التقنية غاية مطمحنا. وفي هذه الحالة لن نتجاهل الأضرار التي تلحقنا من ناحية هذه الوسائل والأدوات، والأهم من ذلك ألاّ نعتبر ملاك تنمية وعدم تنمية المجتمع في وجود وعدم وجود الوسائل والأدوات.
إن الماكنة ـ على حدّ تعبير بعض العلماء ـ قد ساهمت في القضاء على الترابط الأسري وصلة الرحم والإحسان إلى الوالدين. وقد تحول التواصل الصحيح والطبيعي والإنساني إلى مجرّد علاقاتٍ عابرةٍ وغير طبيعيةٍ. إننا في العالم المعاصر لا نمتلك علاقاتٍ اجتماعيةً ولا نتواصل مع الآخرين. إن نمط الحضارة الراهنة بحيث لا نعمل على الاستفادة من الفرص، وإنما نعيش على الدوام هاجس
المستقبل، وإن قلوبنا في اللحظة الراهنة تخفق على مستقبل لم يحن أوانه، وبالتالي فإننا لا نستفيد من لحظتنا الراهنة، ثم حيث نواجه المرحلة القادمة نحمل معنا ذات القلق. بمعنى أن حياتنا بأجمعها تغدو عبارة عن عدم استقرارٍ متواصلٍ، ولا تتوفر على فرص الحياة.
صحيح أننا لا نستطيع في اللحظة الراهنة أن نتخذ خطوةً محددةً ومباشرةً، بيد أننا إذا تعرّفنا على الحضارة الإسلامية، وناقشنا روح ومنشأ الحضارة الغربية، فإن الطريق إلى الانفصال عن الحضارة الغربية من جهة، والاقتراب من ظروف تحقق الحضارة الإسلامية من جهةٍ أخرى سوف ينفتح بالتدريج. والأهم من ذلك هو تقوية روح المقاومة في مواجهة الإعلام الداعي إلى تغريب المجتمع أكثر فأكثر.
ومن خلال مقاومة الإعلام الداعي إلى مزيد من الاغتراب، تتجلى في أذهاننا معتقداتٌ جديدةٌ، وندرك أننا إذا سمحنا لأنفسنا بأدنى غفلة، فإننا سنفقد جميع مدخراتنا التاريخية المعنوية العظيمة، ويتمّ القضاء على سرّ بقائنا وهويتنا، وهي الهوية التي فتحت لنا الطريق إلى سماء المعنوية، وتفتح أفئدة الناس على الحقائق اللامتناهية، كي نعيش أحياءً ضمن تلك الحقائق.
السؤال: ما هو سبب تغيّر التقنية واتباع الناس لهذا النمط من الحياة؟ وبعبارةٍ أخرى: لِمَ تتخذ الحياة والتقنية شكلًا جديدًا على الدوام، وتتخلى عن أنماطها القديمة؟
الجواب: إن الإنسان يعمل دائمًا على رسم بعض الأهداف لنفسه، ويسعى جاهدًا إلى تحقيق تلك الأهداف، وربما حالفه النجاح في ذلك وقد لا يحالفه. إننا نعتبر العالم وسيلةً للوصول إلى أهدافنا، فإذا تمّ إعداد تلك الوسيلة ـ بمعزل
(446)عن الأدوات والوسائل العادية في التاريخ البشريـ على أساس أهدافٍ وغاياتٍ خاصّة، فسوف تظهر بوصفها تقنية خاصة بتلك المرحلة. إن جذور الصورة الخاصة لتلك التقنية تعود إلى الأهداف التي آمن بها الناس في تلك المرحلة الزمنية. لقد أفرط الإنسان الغربي بعد عصر النهضة في نزعته الانبساطية، وأخذ يعمل على توظيف كلّ طاقاته من أجل تلبية هذه النزعة. وفي هذه الأجواء يأتي اهتمام الإنسان بالتقنية بوصفها هدفًا في الحياة. إنّ الإنسان الغربي أخذ منذ ذلك الحين يرى مفهومه ومعناه في صنع التقنية المنشودة له. وبعبارةٍ أخرى: إنّ التقنية بمفهومها المعاصر قد دخلت التاريخ منذ أن تغيّرت رؤية الإنسان إلى نفسه، ولم يعد يبحث عن ذاته في السير نحو عالم القدس والمعنى. وفي الرؤية الجديدة أخذ العالم المحسوس يكتسب أصالةً بالنسبة إلى الإنسان الغربي بشكلٍ مفرطٍ، ومن هنا أصبحت الوسيلة والأداة التي تساعده على بسط سلطته وسيطرته على العالم المحسوس غاية ومطمحًا له، وأضحت التقنية هي الغاية. إذا كانت رؤية الإنسان إلى نفسه بحيث تحتمّ عليه أن يحفظ نفسه من انحرافات النفس الأمّارة، ولا يمكن ذلك إلا من خلال السير في الذات لا في الخارج، فإن خيارات هذا الإنسان بشكلٍ عامٍّ هي عبارةٌ عن الموضوعات المعنوية، وليست الوسائل التي تشكل عناصر بسط السلطة والسيطرة على العالم. إن مثل هذا الإنسان العاقل يعمل على توظيف ذكائه من أجل تعاليه الروحاني، في حين كان عصر النهضة يمثل مرحلة توظيف ذكاء العباقرة من أجل صنع الوسائل والمعدات للسيطرة على الطبيعة. في المراحل السابقة كان أصحاب الأخيلة الجامحة يطمحون إلى الطيران، ولكنهم لم يمتلكوا الذكاء والاستعداد الكافي لتحقيق هذا الطموح، لأن
المفكرين والعلماء كانوا يعملون في الغالب على توظيف فكرهم في موضوعاتٍ يغلب عليها الطابع الإلهي والإنساني. وأما في المرحلة الجديدة فقد عمد العباقرة ـ وجلهم من أصحاب النزعة الانبساطية ـ إلى تلبية مطامحهم العادية والخيالية، فأنتجوا الحضارة الغربية.
لقد جاء تغيير التقنية منذ عصر النهضة من تغيّر تحليل وتعريف الإنسان لنفسه. فقد كان للناس قبل عصر النهضة تقنيتهم التي تتناسب مع مرحلتهم، ولكنهم حيث كانوا في تلك المرحلة أكثر انطواءً على ذواتهم وكانوا يسعون إلى الحفاظ على أصالتهم الروحانية، لم يكونوا يعمدون إلى صنع مثل هذه الوسائل والمعدات الجبارة. لقد كان إنسان ما قبل عصر النهضة على قدرٍ من احترام وتقديس القيَم الإنسانية بحيث لم يكن على استعداد للتضحية بكنوزه المعنوية من أجل تحقيق رغباته المادية. فلم يكن على استعدادٍ لكي ينفق أربعين سنة من عمره في المختبرات، لكي يكتشف عددًا من عناصر المادة. لقد عملت الثقافة الغربية من خلال تأصيلها للمادة وعالم الحسّ بحيث قوّضت منظومة القيَم حتى أخذت تعتبر العلماء الكبار هم اليوم أولئك الذين ينفقون ثماني عشرة ساعة من يومهم في المختبرات. في حين أن هذا النوع من الحياة مصحوبٌ بنوعٍ من الغفلة عن الذات السامية.
وكما تقدّم أن ذكرنا فإن تأصيل المادّة قد ترك تأثيره على البنية النفسية للإنسان المعاصر بحيث تم تحديد قواه الإدراكية بحدود إدراك الظواهر المادية. إلى الحدّ الذي قال معه (رينيه غينون): «في الحقيقة لم يبق هناك من سببٍ يقبل معه الإنسان
بوجود شيءٍ لا يستطيع تصوّره من طريق الحس والإدراك لا من طريق العقل». وقد بلغ الأمر مرحلةً تمّ معها إخراج جميع الموضوعات المقدسة والمثاليّة من دائرة اهتمامه، بحيث إنّه حتى إذا لم ينكرها يتمّ تهميشها، حتى تعدّ من الأمور الاستثنائية.
السؤال: هل يمكن اعتبار التقنية نوعًا من العلم الذي يمكن له إيضاح بعض المجهولات لنا؟
الجواب: إنّ التقنيةَ عبارةٌ عن آثار نوع من الرؤية إلى الإنسان والكون، حيث تم صنع وتصوّر الأدوات والوسائل بفعل تلك الرؤية، وحيث إنّهم في اختراع تلك الوسائل قاموا بالتحقيق في إمكانات الطبيعة فقد أطلقوا على نشاطهم صفة (العلم)، في حين كانت الطبيعة ولا تزال تمتلك آلاف الآلاف من الإمكانات التي تمّ تجاهلها والغفلة عنها في تلك الرؤية. وعليه فإن العلم الذي يعني فتح درجة من مراتب الحقيقة الخافية عنا، غير موجودٍ في الحضارة التي أنتجت التقنية. إن التقنية من خلال تصرّفها في الطبيعة، تضع نظام عالم المادة في ظروفٍ خاصّة، حتى إذا كان لنا علمٌ بقدراتٍ أكبر للطبيعة، لا يمكن عدّ الظروف الجديدة بوصفها أفضليةً للحضارة الغربية. كنا في مرحلةٍ من الزمن نعيش الانسجام مع الطبيعة وكنا نقيم جدران البيوت من الطين والتبن، وكنا نتعايش مع ذلك الجدار الطيني بوصفه جزءًا من حياتنا، وإذا انهار هذا الجدار بعد مدّة، عدنا إلى إقامته من جديدٍ وبكلّ يُسرٍ دون الإضرار بتوازن الطبيعة. ولكننا نعتزم في وقتٍ آخر بناء جدارٍ يصمد إلى الأبد، فنلجأ عندها إلى بناء جدارٍ من الآجر والإسمنت
ونستعيض عن التوازن الطبيعي القديم بتوازنٍ جديدٍ، هذا في حين أننا إذا أردنا تقويض الجدار الإسمنتي فإننا بالإضافة إلى الجهد الكبير الذي سننفقه في تحطيم هذا الجدار، لن نستطيع إعادة مواده إلى حالتها الطبيعية، ولن يكون بمقدورنا استعمالها في بناء جدارٍ جديدٍ، وهذا يؤدي بدوره إلى ظهور اضطراباتٍ وهواجس كبيرةٍ تنعكس على روح الإنسان؛ لأنه صعّب الحياة على نفسه وجعلها غير قابلةٍ للتحمّل. فلو كان الجدار الطيني يتعرّض لضررٍ أمكن إصلاح الوضع بإضافة شيءٍ من الطين والتبن وينتهي الأمر عند هذا الحد، ثم نواصل حياتنا بهدوء. في حين أنه في الرؤية الغربية واعتمادًا على التقنية والمعدات المهولة انقطعت الصلة القديمة بين الإنسان والطبيعة، ولم يعد يتم توظيف مواد الطبيعة لخدمة الإنسان بتلك السهولة، وإنما يتمّ إخضاعها بقوة التقنية.
عندما تنفصل روح الإنسان عن الطبيعة، تبدأ المعدات والأدوات المهولة بمحاصرته والضغط عليه بمخالبها، ويتفشى الاضطراب الروحي الناشئ عن التعايش مع هذا النوع من التقنية التي صُنعت من أجل القضاء على الطبيعة. هذا بالإضافة إلى أن التقنية الغربية ذاتها ـ بسبب تحديثها المتواصل لحظة بلحظةـ تعمل على طرد المسنين من النساء والرجال وإخراجهم من دائرة الحياة، حيث تحوّلهم إلى مجرّد كائناتٍ عاجزةٍ لا تجد لنفسها إمكانيّة العيش في ظلّ الظروف الجديدة.
إن جوهر العالم الحديث حيث يدار ويمضي قدمًا على أساس أخيلة الناس، فهو بحيث يعمل في كلّ لحظةٍ على صنع شيءٍ جديدٍ، إذ حلّ الخيال محلّ العقل، تكمن الجذور النفسيّة للثياب والأواني الجاهزة ذات الاستعمال الواحد، في أنّ الإنسان المعاصر لم يعد يتقبل كينونته وأخذ يتجه نحو جزر الواق واق، وفي
(450)هذا الإطار يمكن تحليل عصر السرعة الذي يحكم العالم الراهن. إن ما نراه من السرعة والاستعجال الذي أضحى جزءًا من ماهية وذات الحضارة المعاصرة يعود إلى أنه يسعى إلى الهروب من ذاته وماضيه بأقصى سرعته، بحيث لا يعود هناك من شيءٍ يمكن أن يعيده إلى الماضي أو يربطه به.
وقد عمدوا باسم العلم إلى صنع نوعٍ من التقنية بحيث يتمكنون من الاستجابة لخيالاتهم، وهذا غير العلم بذلك المعنى الذي يستطيع الإنسان بواسطته أن يتعرّف على حقائق الوجود، ويعمل من خلال تواصله مع الحقائق الثابتة في الوجود على تعزيز شخصيته وتوسيع آفاقها وأبعادها.
السؤال: بالنظر إلى أنّ كلّ وسيلةٍ وأداةٍ تحمل معها ثقافتها الخاصة، ولا مندوحة لنا من استعمالها، كيف يجب علينا الاستفادة منها بحيث نكون في مأمنٍ من تداعياتها الثقافية وتأثيراتها السلبية؟
الجواب: يجب الالتفات ـ كما ذكرتم ـ إلى أنّ كلّ وسيلةٍ تجلب معها ثقافتها الخاصة، وإن هذا الالتفات والإدراك يمثل الخطوة الأولى للتقليل من التداعيات الثقافية والآثار السلبية للتقنية الغربية. على كلّ واحدٍ منا أن يدرك كيف أمكن لركوب الحافلات أن يخلّ بالتوازن الطبيعي الذي كان يحكم العلاقة القائمة بينه وبين أبويه، حتى يتمكن من الاستفادة من وسائط النقل ويواصل ركوب الحافلات دون أن تخضع قراراته في الحياة لضغطٍ تفرضه عليه ثقافة ركوب الحافلات. عندما ندرك أن ابتعاد البيوت عن بعضها ليس بالشيء الذي يمكن تدراكه بواسطة ركوب الحافلات، بل إن جوهر الإيمان بركوب الحافلات هو الذي فرض علينا هذا النمط من الحياة، سوف نقبل على ذلك بمزيد من
(451)الضبط والسيطرة، ونصل بتداعياتها وتبعاتها إلى الحدّ الأدنى. عندما أصبحت ثقافة ركوب الحافلات جزءًا من حياتي، فإنها قبل أن تساعدني على تفقد والديّ أكثر من ذي قبل، فرضت عليّ مسائل جديدةً لم أكن أعاني من همومها قبل أن ترتبط حياتي بركوب الحافلات. على الإنسان أن يدرك أنّه قد وقع في ظروف فرضت عليه العيش تحت ضغط التقنية الظالمة، ولا يمكنه رفع ذلك الضغط من خلال الاستمرار بهذه التقنية، وفي هذه الحالة سوف تتمّ السيطرة على استخدام التقنية. تمامًا كما لو تسلل طعامٌ لذيذٌ وشهيٌّ إلى نظامنا الغذائي، بحيث ننسى معه نظامنا الغذائي القديم، فنجد أنفسنا من جهةٍ قد فقدنا إمكانية إعداد ذلك الطعام البسيط القديم، ونجد أنفسنا من جهةٍ أخرى نحتاج إلى الطعام الجديد، إذًا نحن مضطرون إلى تناول الطعام الجديد. ولكننا إذا انتبهنا إلى التبعات السلبية والأضرار التي يشتمل عليها الطعام الجديد، فإننا في الوقت الذي لا نمتنع عن تناوله بالمرة، نأخذ جانب الاحتياط ولا نفرط في استهلاكه والثناء على جودته. وهكذا الأمر بالنسبة إلى استخدام التقنية الغربية، فنحن نعتقد أن عدم الاستفادة منها في المرحلة الراهنة يُعدّ عملًا خاطئًا، وأنّ امتناعنا عن استخدامها يعني توقيعنا على وثيقة موتنا، ولكن علينا في الوقت نفسه أن نلتفت إلى الآثار السلبية المترتبة على هذه الثقافة. وهذه المرحلة من أكثر مراحل اختيار الشعب دقةً حيث تكون قد بلغت مرحلة الوعي والإدراك والنضج الفكري، فلا تختار العزلة بشكلٍ اعتباطيٍّ وغير مدروسٍ، ولا تحرم نفسها من أهدافها السامية.
لقد قرأت نصًا كتبه هنديٌّ أحمرُ من السكان الأصليين في أميركا، قال فيه: «إنكم لا تعلمون ما هو الكنز الذي أخذوه منا. لقد كانت قبائلنا تتحاور مع الطبيعة، وكانوا يفهمون الطبيعة، وكانت الطبيعة تفهمهم، ولم تكن حياتهم أجنبيةً عن عالم الطبيعة، ولذلك لم يكونوا يشعرون بالسأم أو الضجر من تلك الحياة، ولم
(452)تحصل لديهم رغبةٌ اعتباطيةٌ تجذبهم للتوجه خارج بيئتهم، ولم يكونوا يعانون من ضعة النفس والروح؛ حتى جاءت الحضارة الجديدة وجردتنا من كل ذلك، ولم تعوضنا بشيءٍ». إنّ روح الإنسان تعرف بلاشعورها أبعادًا من الحياة تجهلها ثقافة الحداثة، ولذلك لا يمكن للإنسان الحديث أن يتعايش مع ذاته.
في الظروف المثالية لا معنى لاختيار التقنية الغربية، ولكن الشيء الوحيد الذي يمكننا القيام به في الظروف الراهنة هو أن نقلّل من استخدامها ما أمكن، ولا ننظر إليها نظرة إعجابٍ وانبهارٍ. وفي نهاية المطاف ستدركون أن الانفصال عن التقنية وإن كان يتسبب لنا ببعض المشاكل، إلا أن قيمة الأبعاد المعنوية التي سنحصل عليها بفعل الابتعاد عن التقنية، أكثر بكثير من الأشياء التي سنفقدها بسبب الانفصال التدريجي عن التقنية. ولا بدّ من الالتفات بطبيعة الحال إلى أن هذا النوع من الرؤية يرتبط بالاختيار الشخصي بشكلٍ عام، وعلينا ألاّ نتوقع من الناس ـ دون أن نأخذ ظروفهم واستعدادهم الروحي والفكري بنظر الاعتبار ـ أن يتنكروا للتقنية الغربية فجأةً وبجرّة قلمٍ، فإذا كنت من الذين يقضون مآربهم اليومية من خلال استخدام الوسائط النقلية ـ على سبيل المثال ـ لا أستطيع ولا يحق لي أن أنتقد استخدامك لهذه التقنية، وذلك أولًا: لأن الكثير من الوسائل التكنولوجية في الوقت الراهن قد ارتبطت بحياتنا اليومية بحيث لم يعد بالإمكان فصل الحياة عنها أو فصلها عن الحياة. وثانيًا: هناك اختلافٌ في نوع الحياة وظروف الأشخاص، بحيث لا يمكن تعميم وصفةٍ واحدةٍ على الجميع.
السؤال: كيف يمكن توظيف التقنية الحديثة في خدمة الدين؟
الجواب: أن تكون في صُلب الطبيعة فهذا يمثل عين الحياة الدينيّة. ولذلك
(453)فإن الإسلام لم يطلب منا أن ننفصل عن المجتمع وعن الطبيعة. إن لزواج النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم من القداسة ما لتهجده في غار حراء أيضًا، ولذلك لم ينقطع الوحي الإلهي عن النبي بعد زواجه. إنما الشيء المهم في البين هو أن نتمكن من إدارة التقنية بحيث لا يضعف ارتباطنا الروحاني مع العالم المقدّس، ولا يتغلب الطابع التكنولوجي على طابعنا القدسي. فلو تعاطينا مع التكنولجيا بهذا الحذر، فإننا سنعمل في البداية على استخدامها بالمقدار الضروري، ثم نحدث تقنيةً تعمل على إبقائنا في متن الطبيعة وتساعدنا في الوقت نفسه على الحياة بشكلٍ رغيدٍ، لا أن نعمل على مواجهة الطبيعة ومحاربتها. وفي ظلّ هذه التقنية والحضارة لن تتأثر روح الإنسان بمساوئ وآفات التقنية، بل يمكن توظيف التقنية عندما نحسن استخدامها في تطوير وازدهار الحياة الإنسانية. وفي ظلّ هذه الرؤية تعد كلّ خطوةٍ ومجهودٍ يقوم به الإنسان سعيًا نحو الغاية المعنوية والمقاصد الروحية. في حين أن التعاطي والتعامل بالتقنيات الجديدة تسلب الإنسان طاقته الروحية، وتبتليه بأنواع الاضطرابات، ومن هنا يقال أنّ الأجواء التكنولوجية الغربية تتعارض مع المعنويات.
إن ماهية هذه التقنية حيث لا تكون في صُلب الطبيعة، فإنها توشك على ارتكاب كارثةٍ في أيِّ لحظةٍ، وأنت بوصفك مهندسًا عليك أن تتنبأ بوقوع الحادثة قبل أوانها، لتعمل بعد ذلك على رفعها، ومن هنا تكون بشكلٍ عام في اضطرابٍ دائمٍ، ولا يمكنك التركيز من الناحية الفكرية. بمعنى أنك ستخرج عن وحدتك التي تمثل وسيلة ارتباطك بالوحدة المطلقة.
إذا لم تكن خيارات الإنسان في تعاملٍ مع الطبيعة، وتكون تلك الخيارات كلًا على الطبيعة، فإنها ستمثل جثمانًا ثقيلًا على روح الإنسان، بحيث تعيقه عن ممارسة وظائفه الأساسية. إن من أسباب اعتبار الشيخوخة في المرحلة الجديدة مساوِقةً
(454)للمرض أن المواجهة الدائمة مع الطبيعة سوف تؤدي بعد فترةٍ إلى عجز الإنسان عن إدارة الجسد، وسوف ينهار التناغم بين روح الإنسان وجسمه.
والخلاصة هي أن الحياة الدينية تعني أن ندرك أن الله الحكيم قد خلق العالم على أحسن شكل، كي يتمكن الإنسان من عبادة الله في متن الطبيعة، وإذا كان الدين وسيلةً ليقيم الناس ارتباطًا صحيحًا مع الكون والإنسان، فإنّ التقنية الجديدة والتقنية الحديثة ليست في خدمة الحياة الدينية، بل إنها تقف في مواجهة النظام الإلهي الحكيم، وعليه يجب ألاّ نتوقع من التقنية الحديثة ـ بشكل عام ـ أن تكون في خدمة الدين.
السؤال: هل يمكن أن يكون للتقنية المناسبة دورٌ في حضور الدين في المجتمع، وهل يمكن أن يكون من بين مهام ومسؤوليات علماء الدين إبداء الحساسية في ما يتعلق بأنواع الأدوات والوسائل المطروحة في المجتمع؟
الجواب: عندما نلتفت إلى أنّ كلّ ثقافةٍ تختار نوعًا من أنواع الحياة، وتصنع بعض الأدوات والوسائل بما يتناسب وذلك النوع من الحياة، يكون الجواب عن هذا السؤال بالإيجاب، ويتعيّن على العلماء عندها ـ حقيًا ـ أن يحملوا هاجس المسؤولية الثقافية تجاه الوسائل والأدوات، كي لا تتعرّض دائرة ظهور الدين إلى الحرج، بل يُوجِد المجتمعُ ظروفَ وشروط التأسيس للدين في وجوده وكيانه. إذا كنت تعتبر الحياة مهلةً، فسوف تنتخب أداةً ووسيلةً خاصةً لتحقيق نتائج تلك المهلة، وإذا كنت تنظر إلى الحياة بوصفها مجرد فراغٍ، فسوف تختار نوعًا آخر من الأدوات لملء هذا الفراغ. هذه هي طبيعة الإنسان، فإنّه إن واجه فراغًا فإنه سيعمل على إمضاء الوقت ولن يسعى إلى الاستفادة من أوقات فراغه، وأما إذا كانت هناك مجرد مهلة، فإنه سيُحسن الاستفادة منها. هناك هدفٌ كامنٌ في مفهوم
(455)المهلة، حيث يجب العمل من أجل تحقيق هذا الهدف، ومن هنا فإن ذلك النوع من البيوت التي نبنيها على طِبق ثقافة إمضاء الأوقات يختلف عن نوع البيوت التي نبنيها من أجل تقوية العبودية في أيام المهلة. من الواضح أنّ نوع العمارة يتوقف على نوع الثقافة، وأنّ ثقافة المهلة تختلف عن ثقافة الفراغ. وإن التقنية الراهنة إنما هي لغرض إمضاء أوقات الفراغ، لا لتوظيفها بما يتناسب وأيام المهلة.
لقد تبلورت ثقافة عصر النهضة على أساس الاتجاه القائل: كيف يمكن لنا أن نواصل الحياة من دون دين؟ ضمن هذه الرؤية اتخذت الحياة معنًى آخر، ومن هنا ظهرت ثقافة إمضاء أوقات الفراغ في هذه الحياة الدنيا، وتم صنع أنواع التكنولوجيات تلبية لهذه الغاية. في هذه الثقافة تضمحل مشاعر الإنسان تجاه مسؤولياته الإلهية، وتقوى نزواته إلى إشباع غرائزه، ومن هنا فقد تقدم ذكرنا أن التقنية الغربية ليست وسيلةً حياديةً، وإنما هي تمثل تجسيدًا لثقافةٍ تسعى إلى الاستيلاء على العالم في إطار إشباع أهوائها ونزواتها النفسية. وفي هذا الإطار لا بدّ من الالتفات إلى أن هذه الثقافة ـ خلافًا لما تدعي ـ ليست حياديةً تجاه الدين، ولذلك فإنّ التقنية المرتبطة بها لا تتمتع بالحيادية تجاه الدين أيضًا، بل تفرض نفسها على روح وجوهر كيان الأفراد بحيث تدفع بالدين ليبقى بعيدًا وعلى هامش الحياة.
لا بدّ من الالتفات إلى أنّ تنمية هذا النوع من التقنية مقرونةٌ بالثقافة التي تتخذ موقف الإنكار للدين، وعليه كيف يمكن تصوّر ألاّ يكون لعلماء الدين ـ الذين يحملون هموم الدين ـ هاجسٌ وقلقٌ تجاه دور التقنية الغربية في تهميش الدين؟
لا شك في أننا لم ننس أنّ الإنسان في مرحلته التوحيدية المتقدمة حيث كان يروم تغيير نفسه ليكون جديرًا بالقرب من الله، قد أخذ يعدّ الأدوات المناسبة لتلك الحياة في إطار تحقيق هذه الغاية. في حين تحوّل تصوّر الإنسان لنفسه في المرحلة
(456)الجديدة إلى ضرورة تغيير العالم بشكلٍ يتناسب مع أهوائه، وعمد إلى صنع وسائله الخاصة حيث لم يبقَ لتعالي البشر محلٌّ من الإعراب. في المرحلة التي غفل الإنسان عن ذاته الأصيلة وعن الله، وعدم اعتباره العالم مظهرًا لحكمة الله وقدرته، بدأت التقنية الحديثة بالظهور، والثابت أن هذه التقنية هي غير التقنية البشرية التي ترى العالم مخلوقًا لله ومهدًا لظهور حكمته، وتنظر إلى الطبيعة بوصفها منطلقًا للتعالي المعنوي، وبالتالي فإنّ الوسائل التي تصنعها لا تهدف إلى تغيير ذاته، ولا تصبّ في إطار الإيمان بالطبيعة التي صنعها خالقٌ حكيمٌ، وفي هذا السياق ظهرت وسائل ومعداتٌ مهولةٌ ساهمت في تحطيم الطبيعة. في صلب هذه التقنية تمّت الغفلة عن أمرين، الأمر الأول: الإنسان الذي يتعيّن عليه الوصول في مهلة الحياة على الأرض إلى الصعود الروحاني، والأمر الآخر: الله الذي خلق الطبيعة بوصفها مهدًا لكمال الإنسان، ولذلك يجب عدم التوجه إلى محاربة الطبيعة، وإلا فإن الله سينتقم.
السؤال: يقال أنّ خصوصيّة التقنية الحديثة واختلافها عن الطبيعة تكمن في تعقيدها. وعليه نطرح السؤالين الآتيين:
أولًا: هل تقنية الحضارة الجديدة معقّدة، وإذا كانت كذلك، هل يعدّ تعقيدها امتيازًا لها؟
ثانيًا: هل يمكن القول أن النظام الطبيعي بسيطٌ وسطحيٌّ بالقياس إلى التقنية الحديثة والمتطوّرة؟
الجواب: لا بدّ من الالتفات أولًا إلى أن التعقيد بمعنى الوهم غير التعقيد بمعنى الكمال. ومن نماذج ذلك أسلوب الأنبياء حيث كانوا يرسخون تعاليم الغيب في قلوب الناس بشكلٍ خاص، ويكشفون لهم عن أسرار ذلك العالم، لا أن يحبسوه في تضاعيف الدنيا. وكانت نتيجة هداية الأنبياء عليهمالسلام تتجلى على شكل سير الإنسان
(457)نحو التضاعيف العميقة من وجوده، فيصل إلى مراحل الازدهار والكمال، وعليه يحتوي الإنسان ـ بهذا المعنى ـ على بعض التعقيدات، بيد أن الوصول إلى تلك التعقيدات يعد تكاملًا روحيًا، في حين أن تعقيدات الدنيا بمعنى الخوض في أمور يفرضها على الدنيا بحسب أوهامه وأخيلته ستؤدي به إلى الذبول والانهيار.
وفي الحقيقة فإن التعالي نحو عالم الغيب ينطوي على حيرةٍ بحيث إنّ الروح في مواجهتها مع خالق العالم تقع في حيرةٍ بحيث تقول معها بكلّ وجودها: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. في هذا النوع من الالتفات إلى العالم المتعالي، يمكن العثور على ملاذٍ آمنٍ للنفس وغاية أنسٍ للروح، وإن الإنسان يبحث في ذلك العالم عن وطنه الأصلي، في حين لا تعتري الإنسان مثل هذه الحالة عند المواجهة مع تعقيدات التقنية.
إنّ الإنسان الواهم يجلب على نفسه من الاحتياجات المتنوّعة بحيث يضطر معها إلى إعداد أنواعٍ مختلفةٍ ومتعددةٍ من الوسائل والأدوات من أجل الحصول عليها، علّه يحصل على ما يلبّي ذلك النوع من احتياجاته، وبذلك يعمل على توريط نفسه في أنواع الوسائل والأدوات المعقدة التي يحتاج التواصل معها إلى إنفاق الكثير من الوقت، ومن العجيب أن يعدّ إنفاق سنواتٍ من العمر من أجل الارتباط مع تلك الأدوات امتيازًا وكمالًا، لا خسارة. من ذلك على سبيل المثال أن ظهور الكمبيوتر في حياة الإنسان قد جاء معه بعددٍ هائلٍ من البرمجيات بحيث يحتاج التعامل معها إلى إنفاق الكثير من الأعوام من أجل التخطيط لمعرفة كيفية الارتباط بهذه الأجهزة والتعرّف على طرق معالجتها، في حين لم يحصل الإنسان من هذه الأجهزة على زيادةٍ في الكمال، وإنّما زاد من عدد التواضعات والمعلومات والأرقام لا أكثر. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ إذا زاد عدد شوارع المدينة سوف نضطرّ إلى زيادة معلوماتنا
بشأنها، ولكن يجب ألاّ نعد ذلك علمًا وكمالًا حقيقيًا. إن كثرة الأرقام والأعداد حبستنا ضمن جدرانٍ عاليةٍ من المعلومات، في حين أن علم الأنبياء بشكلٍ خاصٍ والمعارف الدينية بشكلٍ عامٍ ليست من هذا القبيل. إن هذا النوع من التعقيدات التي تعود في الغالب إلى كثرة الأمور المتوازية، يختلف عن تعقيدات أسرار عالم الغيب، وفي الحقيقة فإن هذا النوع من التعقيد إنما هو تعقيدٌ وهميٌّ وغيرُ حقيقيٍّ. وقد روي عن الإمام علي عليهالسلام أنه قال: «العلم نقطة كثرها الجاهلون».
السؤال: ما هو شكل الدور الذي يلعبه الدين في مواجهة العالم الحديث؟
الجواب: في ما يتعلق بقبول الدين هناك ثلاث نقاطٍ يجب آخذها بنظر الاعتبار كي يتضح أيّ دينٍ يمكنه صيانة المتدينين من آفات الحداثة. النقطة الأولى: أن نتقبل الدين بوصفه وسيلةً وأداةً لرفع احتياجاتنا الدنيوية، وهذا النوع من التدين ما هو في الحقيقة إلا إدارة للدنيا، ولكنها إدارةٌ سليمةٌ للدنيا. النقطة الثانية: أن ننظر إلى الدين بوصفه حقيقةً متعاليةً، فنؤمن به من أجل الحصول على التعالي والتكامل الذي يمكن في ضوئه ممارسة السلوك السليم في الحياة الدنيا أيضًا. النقطة الثالثة: بعد اعتناق الدين من أجل التعالي والتكامل، نمهّد الأرضية لتوجيه الآخرين نحو الدين.
وبعد اعتناق الدين بشكلٍ جيّدٍ، وتوصُّلنا إلى تجزئةٍ وتحليلٍ صحيحٍ للثقافة الغربية، سيكون التعاطي مع مظاهر الثقافة الغربية منتجًا ومؤثّرًا أيضًا. والجواب المنشود لنا عن هذا السؤال يكمن في كيفية انتقال المجتمع من روح الحداثة إلى الروح الدينية، وهي مسألة بالغة الدقة والحساسية. إذ ينبغي من جهةٍ الحفاظ على روح الدين إلى جانب ظاهر الدين، ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ الانتقال من روح الحداثة يحتاج إلى بديلٍ مناسبٍ، ولا يمكن تحقيق ذلك بجرّةٍ من قلم، وإنما ينبغي
توفير الأرضية للبديل المناسب بشكلٍ تدريجيٍّ، يبدأ من التربية والتعليم حتى يصل إلى الإنتاج والتصنيع، وعليه يجب توجيه المجتمع للخروج من جوهر العلمانية المهيمنة على التعليم والتصنيع وهدايته نحو المعنويات. إننا نحتاج إلى سنواتٍ من البرمجة والتخطيط كي نتمكن من بناء منظومةٍ تعليميةٍ نعرّف الإنسان من خلالها بوصفه خليفةَ الله، أو أن نحدث تصنيعًا يُنتج لنا ما نحتاجه في التعامل مع الطبيعة لا في مواجهتها. إذا أراد الدين أن تكون له كلمته مع أفراد المجتمع، وأن يمدّ لهم يد العون كي يتجاوزوا المشاكل، فعليه أن يأخذ جميع المستويات الإنسانية بنظر الاعتبار، وأن يحافظ على ارتباطه بأدوات العصر بنحوٍ من الأنحاء. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه لا يمكن القول للناس بأن عليهم أن يُبعدوا عن أذهانهم فكرة امتلاك البيوت الخاصة، وأنّ عليهم أن يشتركوا ـ كما في السابق ـ في السكن في منزلٍ واحدٍ من خلال الحفاظ على روح التآخي والتفاهم. وبطبيعة الحال يجب إيضاح ضعف هذا التصور القائل بأنّ الناس قد ابتلوا بالنزعة الفردانية، بيد أنه لا بدّ من تدارك هذا النقص في مساحةٍ جديدةٍ، لا من خلال العودة إلى الماضي؛ إذ لا يبدو ذلك عمليًا في الوقت الراهن.
إن الناس يدركون الحقائق، وإن مجرّد إدراك الحقائق وتصوّرها يكفي في اعتبارها من الاحتياجات الضرورية، ثم السعي إلى تلبيتها. إن تكن هناك تقنية أو وسيلة تصوّر الناس أنهم يستطيعون بواسطتها حلّ مشكلةٍ محددةٍ من مشاكلهم فإنهم سوف يسعون إلى الحصول عليها. إن التصوّر والتصديق من الناحية الفلسفية ليسا من الأمور الاختيارية، وإنما العمل على طبق ذلك التصوّر هو الذي يدخل ضمن حدود اختيارات الإنسان. فعلى سبيل المثال عندما شاع استخدام الوسائط النقلية، كان تصور ركوب الحافلات والاستفادة من هذه التقنية لقطع المسافات الطويلة يخطر في أذهاننا لاإراديًا. فعندما حلّ تصور الحافلات وأدرك الفرد أن
(460)بإمكانه قطع المسافات الطويلة بواسطة الحافلات، لم يعد بإمكان أقدام الإنسان أن تحمله في قطع هذه المسافات.
وعليه فقد اتضح أنك لا تستطيع أن تمنع الناس من تصور الشيء الذي يمكن تصوره بوصفه حقيقةً خارجيةً، وعلى ذات المنوال لا يمكن منع الناس من تصوّر الذهاب إلى المناطق الراقية في المدن أو في الضواحي وبناء البيوت والقصور فيها والانتقال إليها بسرعةٍ فائقةٍ عبر استخدام الحافلات. فهذا التصور يحصل من تلقاء ذاته لأنه متحققٌ في الخارج. وبطبيعة الحال فإنّ هذا التحقق الخارجي مصحوبٌ بتبعاتٍ جانبيةٍ، من قبل الازدحام والاختناقات المرورية وما إلى ذلك. والآن بوصفك مديرًا يجب عليه التخطيط للمجتمع والمحافظة عليه من السقوط في آفات الحداثة، هل يمكنك تجاهل حضور ظاهرة التنقل عبر الحافلات، والتخطيط بمعزلٍ عن هذه الثقافة؟ كلا قطعًا. ومن ناحيةٍ أخرى تدركون أن التقنية الغربية تحمل معها ثقافةً غربيةً، إذًا يمكن تجاوز التقنية الغربية عبر إبدالها بالتقنية المحلية والوطنية، حتى يتغلب بالتدريج تصوّر التقنية البديلة على تصور التقنية السابقة ويتجه الناس نحو التقنية الجديدة. وبطبيعة الحال فإن الناس إذا التفتوا إلى آفات هذا التصوّر وحسنات التصوّر الآخر، فإن عملية اختيارهم سوف تتمّ بشكلٍ أيسر. إن دور الدين يتمثل في توجيه الأنفس إلى التقنية التي تنسجم مع فطرة الإنسان وروح الطبيعة.
إن نظرة الذين يمثلون المرجعية العلمية والعملية للناس إلى الظواهر، هي بحيث يستشعرون التكليف والمسؤولية تجاه كيفية إيضاح وظيفة جمع المسلمين مع هذه الظواهر في هذا العصر، بحيث يتمكنون من العيش في العالم الحديث ضمن رعاية الأصول الإسلامية. إنك بوصفك شخصًا واحدًا قد تستطيع التخلي
(461)عن الكثير من الظواهر الحديثة، ولكنك لا تستطيع فرض هذه الرؤية على جميع المسلمين. إن عامة الناس بحيث إذا قيل لهم: حيث إن التقنية الغربية مقرونةٌ بالثقافة الغربية، فإنها سوف تصدّكم عن الإسلام، وعليه يجب عليكم عدم استخدام التقنية الغربية، سيتنكرون للإسلام. إذ لا يسعهم تصور التكنولوجيات الحديثة وسهولة استخدامها، ويتمكنون مع ذلك من التخلي عنها.
يتم في الأبحاث الفلسفية تناول موضوع بعنوان (الفاعل بالعناية)، بمعنى أن تصور عمل في بعض الأحيان يعمل من تلقاء ذاته على توجيه الأفراد والتأثير عليهم، بحيث إن تصور ركوب الحافلة بوصفه (فاعلًا بالعناية) يعمل على كبح أقدام الإنسان التي نالها التعب والإعياء، ويعمل على توجيهها وحملها على مواصلة الطريق بواسطة استخدام الحافلة. إن سبب استسلام الإنسان للتعب يكمن في تصوّر وتخيل الحافلة التي يمكنه مواصلة بقية الطريق بواسطتها، ولهذا السبب لا يمكنهم حمل أرجلهم على مواصلة الطريق مشيًا ودون الاستعانة بواسطةٍ أخرى تحمل عنهم العناء والتعب. عندما يمتلك الإنسان تصور الانتقال عبر الحافلة، لا يمكنه في الوقت نفسه أن يحافظ على إرادة الانتقال عبر المشي على قدميه.
يقال في مورد (الفاعل بالعناية) ودور التصور في إصدار الأمر إلى الأعضاء: يمكن تصور شخصٍ يمشي على جدارٍ مرتفعٍ بعرض مسطرة. إن إمكان سقوط هذا الشخص وأن تزلّ قدمه أكثر مما لو كان يمشي على الأرض عبر مجاز بالعرض نفسه، والسبب في ذلك يعود إلى أنّ دور الخيال وتصوّر السقوط في الحالة الأولى دورٌ فعالٌ للغاية، حيث يشتد تصور السقوط لدى الشخص بحيث قد يتحول هذا التصور في الذهن كلّ لحظةٍ إلى حقيقةٍ، حتى يصدر الذهن أمرًا إلى الجسم بالسقوط فعلًا، فيسقط حقيقة. في سياق هذا النوع من السقوط الذي يتحقق أولًا هو تخيل السقوط، ثم يتحقق السقوط ثانيًا، بمعنى أن علة السقوط هي تخيّل السقوط،
(462)لا شيء آخرُ. لأن تصور السقوط يضعف من قدر عضلات الأرجل والأقدام على التماسك، وبعد ذلك تقوم العضلات بعملٍ يتناسب مع السقوط، ويحدث السقوط بالفعل. وهنا يتبلور تصور السقوط أولًا في خيال الشخص، وعليه فإن علة السقوط أو فاعل السقوط هنا هي العناية، بمعنى أنه اعتنى بالسقوط فسقط، وكانت هذه العناية هي العلة والفاعل في السقوط.
عندما ندرك دور الفاعل بالعناية ودور التصور في الإرادات، عندها لن نتوقع أن تقوم لدى الناس إرادةٌ وسلوكٌ على خلاف تصوراتهم. إنني مدركٌ لإمكان السيطرة على الخيال والتصوّر، ولكن لا ينبغي توقع ذلك من الناس. لأن الناس يتصوّرون ويستشعرون دور التقنية في العالم الحديث بكلّ وجودهم ويأخذون هذا الدور بجديّةٍ كاملةٍ، وقد جاء الدين لكي يأخذ بيد الناس ـ على ما هم عليه من الخصائص ـ نحو السعادة. وفي هذا الإطار يفتح الفقه الشيعي مكانًا لأبسط تصوّرات الإنسان ويعمل على تلبيتها والاستجابة لها. إن قادة العلم والعمل في المجتمع يتعاملون مع الناس بمقدار عقولهم، كي يأخذوا بأيديهم تدريجيًا إلى دائرة التوحيد، ويعملوا على تحريرهم من الهيمنة المفرطة عليهم من قبل الوسائل التكنولوجية.
إنّ إدراك الآثار والتبعات السلبية للتقنية الغربية يحتاج إلى بصيرةٍ يتم طرحها بعنوان (الوعي الذاتي)، إن الوعي الذاتي شيءٌ يفوق الوعي، إذ في الوعي الذاتي يكمن نوعٌ من العزم والإرادة، وعندما نلتفت إلى التداعيات السلبية المترتبة على التقنية الغربية على مستوى الوعي الذاتي، سوف نُخطط من أجل تجاوز هذه التداعيات. وفي هذا الإطار يتجلى دور الدين الإسلامي ولا سيما التشيّع بشكلٍ خاصٍّ.