فهرس المحتويات

الدين والثقافة 

(1)

بسم الله الرحمن الرحيم 

(2)

العتبة العباسية المقدسة 

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

 

دراسات دينية معاصرة 15

 

الدين والثقافة 

 

تأليف : 

مجموعة مؤلفين 

 

إعداد : 

د. محمد حسين كياني 

(3)

العتبة العباسية المقدسة 

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

 

 

الدين والثقافة (دراسات دينية معاصرة - 15)

تأليف: مجموعة مؤلفين 

إعداد: د. محمد حسين كياني 

إشراف: السيد محسن الموسوي 

الناشر: العتبة العباسية المقدسة / المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

الطبعة: الاولى / 2025

(4)

فهرس المحتويات 

(5)
(6)

 

 

كلمة المركز

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا

إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ‎»

(حجرات: 13)

تعريف الثقافة في العلوم الإنسانية المعاصرة أمر معقد ومتعدد الطبقات. في معظم التعريفات، تُعتبر الثقافة مجموعة من المعتقدات، القيم، القواعد، الرموز، العادات والتقاليد، الأنظمة المعنوية، وأنماط السلوك في مجتمع ما والتي تُنقل من جيل إلى جيل عبر عمليات التنشئة الاجتماعية. في تعبير آخر، يُنظر إلى الثقافة على أنها نمط ثابت من المعاني، القيم، القواعد، والهياكل التي يستخدمها أفراد مجموعة اجتماعية لتوجيه وإضفاء معنى على حياتهم.

على الرغم من أن مصطلح «الثقافة» يُعتبر مصطلحاً متأخراً، إلا أن الحقائق الثقافية كانت موجودة منذ البداية، مرافقة ومتزامنة مع المجتمعات البشرية. الثقافة بهذا المعنى، تشمل الأبعاد المادية وغير المادية؛ من اللغة، الفن، الأخلاق، الآداب الاجتماعية، العادات والتقاليد إلى القوانين، المعارف، التقنيات، وطرق النظر إلى العالم.

من بين عناصر الثقافة الأساسية، تشكل المعتقدات، القيم، والقواعد، طبقات المعرفة الأساسية ومصادر العمق الروحي للثقافة ولها استقرار وأهمية أكبر، بينما تمتلك المستويات الأخرى من الثقافة العرفية، ديناميكية وتنوعاً يعتمد على هذه الأسس. في هذا السياق، يُعتبر الدين والمعارف الدينية الأساس والمصدر الأهم للثقافة.

(7)

العلاقة بين الدين والثقافة هي واحدة من أكثر المواضيع أساسية وفي الوقت نفسه تعقيداً في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. الدين والثقافة كلاهما جوانب من الحياة الاجتماعية التي كانت عبر التاريخ، مشكلة للعالمية، القيم، القواعد، الرموز، الطقوس وأساليب الحياة. تعقيد هذه العلاقة يأتي من كون الدين والثقافة ليسا فئتين مستقلتين ومنفصلتين، بل متداخلتين وتؤثران بشكل جدلي على بعضهما البعض. الدين، بوصفه نظاماً معنوياً وقيمياً وعقدياً، يمكن أن يوجه الأنماط الثقافية، والثقافة، بوصفها السياق التاريخي والاجتماعي، تجعل فهم وتجربة الدين ممكنة أو تحد منها. التأثير والتأثر بين الدين والثقافة على المستويات الفردية، الجماعية والاجتماعية من أهم العوامل المشكلة للحضارات، الهويات والتحولات التاريخية.

على مدار القرن الأخير، سعى العديد من المنظّرين في مجالات علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، الدراسات الدينية والثقافية إلى تفسير أوجه العلاقة المختلفة بين الدين والثقافة. تنوعت هذه النظريات بين مقاربات وظيفية وبنائية إلى تفسيرية ونقدية، وبين رؤى أنثروبولوجية إلى مقاربات فلسفية ولاهوتية.

من المنظور اللاهوتي، يرى العديد من المفكرين أن الدين يتجاوز البنى الثقافية. في اللاهوت، يُنظر إلى الدين على أنه وحي أو حقيقة متعالية تتجلى في إطار الثقافة. الثقافة تشكّل سياقًا لتحقق أو ظهور بعض جوانب الدين، لكن حقيقة الدين تتجاوز الثقافة ويمكنها أن تغيّرها.

في المجتمعات الحديثة، تأثرت العلاقة بين الدين والثقافة بشكل كبير بعملية العلمنة. مع نمو الحداثة، فقد الدين موقعه المركزي في الثقافة وتم تهميشه. أدت العلمنة إلى فصل الدين عن المجالات العامة (كالسياسة، الاقتصاد، التعليم)، وجعلت الثقافة تنفصل عن المرجعية الدينية. من جهة أخرى، أثرت وسائل الإعلام الحديثة، العولمة، وزيادة التفاعل مع التنوع الثقافي في خلق وضع جديد للعلاقة بين الدين والثقافة في العالم المعاصر.

(8)

ومع ذلك، فإن الأزمات المعنوية والأخلاقية التي تعاني منها المجتمعات الحديثة، مثل العدمية، النزعة الاستهلاكية، المادية، الفردية المفرطة، وفقدان التماسك الاجتماعي، دفعت حتى صناع السياسات والمفكرين ذوي التوجهات العلمانية إلى الرجوع إلى المصادر الدينية من أجل إعادة إنتاج المعنى والقيم في ثقافة المجتمعات. كما يمكن إضافة التحديات والآفات الاجتماعية، مثل التفاوتات الاجتماعية، التغيرات المناخية، والقضايا البيئية، إلى هذه القائمة الطويلة من الضرورات.

لا شك أن فهم العلاقة بين الدين والثقافة لا يكتسب أهمية من الناحية النظرية والأكاديمية فقط، بل له أهمية كبيرة من حيث التطبيقات الاجتماعية ووضع السياسات الثقافية أيضًا.

من ناحية أخرى، فإن الشبكة المفاهيمية للثقافة في السياق الجديد لها نطاق وحمولة معنوية مختلفة عن التصورات التقليدية لها. المفهوم الحديث للثقافة مرتبط أيضًا بمجالات مثل التكنولوجيا، الاقتصاد، أسلوب الحياة، ووسائل الإعلام الرقمية.

تشير هذه التطورات إلى أن الحصول على فهم عميق وموثوق للعلاقة بين الدين والثقافة يتطلب تجنب التبسيط المفرط والتعميمات غير المدروسة، ويجب على النظريين استخدام شبكة أكثر تعقيدًا من التفاعلات بين الدين والثقافة مع نهج متعدد التخصصات والاستفادة من معارف مثل علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، الفلسفة، اللاهوت، علم النفس، الدراسات الثقافية، الاتصالات، التاريخ وغيرها.

***

سلسلة الدراسات الدينية المعاصرة التي تم نشر 14 عددًا منها حتى الآن في هذا المركز، صممت ووضعت بهدف التعامل مع أهم التحديات والقضايا المتعلقة بالدين والتدين في العالم المعاصر. بعض المواضيع التي تمت مناقشتها في أعداد هذه السلسلة تشمل: الدين والمعنوية، الدين والتنمية، الدين والأخلاق، الدين والعلم، الدين والحضارة، الدين والأزمات الاجتماعية.

(9)

هذا العدد هو واحد من أعداد هذه السلسلة ويشتمل على مجموعة من المقالات المتخصصة في مختلف المجالات الإنسانية والإسلامية التي تم تنظيمها حول المحور الرئيسي لموضوع «الدين والثقافة».

نتقدم بخالص الشكر والتقدير للمؤلفين الأفاضل الذين شاركوا أعمالهم في هذه المجموعة. كما نشكر جهود جميع الزملاء الأفاضل في المركز، وخصوصًا رئيس المركز المحترم، سماحة حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيّد هاشم الميلاني الذي كان له دعم وإرشادات فعالة دائمًا، وكذلك الأمين العلمي المحترم لهذا الملف، الدكتور محمد حسين كياني والأستاذ السيّد محمّد رضا الطباطبائي المسؤول الكريم عن وحدة النشر بسبب دقته العلمية والفنية ومتابعاته الفعّالة التنفيذية.

نأمل أن تكون هذه المجموعة مفيدة ومرشدة للمهتمين والباحثين في هذا المجال وكذلك لصانعي السياسات والمسؤولين الثقافيين والدينيين في الجوانب النظرية والعملية، وأن تساهم بمقدار ضئيل في تحسين الثقافة المجتمعية نحو الصلاح والتأدب بأخلاق الهية، بمنّه وكرمه، إنه سميع مجيب.

 

 

                                                                              السيّد محسن الموسوي

المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية - فرع قم

 

(10)

 

 

المقدمة

إن الثقافة تشمل طيفًا واسعًا من المعاني والمفاهيم، من قبيل: العلم والتربية والآداب والتقاليد، وتحتوي على مساحة مفهومية تشمل الآراء والقيَم الجماعية والسلوكيات والمعايير الاجتماعية. إن هذه المساحة بحيث تشمل مجموعة من العلوم والفنون والقوانين والعادات العرفية، واللغات والمحاورات المحلية أيضًا. ومن هنا فإن كل شعب يمتلك ثقافته الخاصة به، حيث يحتوي بعضها على مشتركات ونقاط افتراق بالمقارنة مع ثقافات سائر الأمم الأخرى أيضًا. إن العناصر الثقافية لكل شعب تنتقل عن طريق التعليم إلى الأجيال اللاحقة، وفي العلاقات المتنوّعة بين الشعوب تتعرّض المشتركات والاختلافات الثقافية للتغييرات أيضًا. ومع ذلك كله فإن ثقافة كل شعب هي بمنزلة الهوية لتعرف علي المعتقدات والقيَم والتقاليد.

إن الثقافة ترتبط بمختلف أبعاد الحياة الفردية والاجتماعية. وفي هذا الشأن تعدّ نسبة الدين إلى الثقافة من بين المسائل المهمّة التي تضع أمامنا موضوعات كثيرة للبحث والتحقيق. وبغض النظر عن البحث حول المفاهيم والنظريات والاتجاهات والتيارات المرتبطة بمجموع الثقافة، يمكن القيام بتحقيق تفصيلي حول المسائل الخاصّة بالارتباط بين الإسلام والثقافة، وهي موضوعات من قبيل: العناصر والتجليات الثقافية للإسلام، وبناء الثقافة الإسلامية، والارتقاء الثقافي، والتنمية الثقافية، والهوية الثقافية، والثقافة المثالي، ومنشأ القيمة والمعايير الثقافية، وموازين ومعايير القيَم الثقافية، والإسلام والتصفية الثقافية، ونسبة الإسلام إلى الثقافات الفرعية، وعلل زوال واستمرار الثقافة الإسلامية، ودور الفاعلين في مضمار الثقافة

(11)

ابتداء من علماء الدين وصولًا إلى المشاهير، ومعرفة آفات الثقافات الإسلامية، ونقد الثقافة العلمانية، والغزو الثقافي، والتبادل الثقافي، والعولمة الثقافية، والنسبية والتعددية الثقافية، القومية الثقافية، والقراءات الثقافية للدين، وخفض الدين إلى مستوى الأمر الثقافي، وهيمنة الرؤية الثقافية، والكثير من المسائل الأخرى.

إن التأمّل حول الدين والثقافة ضروري من عدّة جهات، وربما كان الأهم من كل شيء هو أن هذا النوع من التأمّلات يعدّ بمنزلة المقدمات النظرية للتلفيق بين الدين والعناصر الثقافية، وتوجّه الثقافة الاجتماعية القائمة على القيَم الدينية، وبالتالي الارتقاء الكيفي وتحسين المستوى الثقافي للمسلمين. وعلى كل الحال فإنه بغض النظر عن أن التعرّف التاريخي على الثقافة الإسلامية القديمة يؤدّي إلى المساعدة على إدراك خصائص المجتمعات الإسلامية بشكل أفضل، أو أن التحليل الانتقادي للثقافة الغربية يؤدّي إلى إدراك أفضل للمجتمعات الأخرى ولا سيّما فهم الغزو الثقافي وآفاتنا الثقافية؛ فإن هذا النوع من المعارف في الوقت نفسه يُعدّ أساسًا لإدراك وفهم الطاقات الكامنة واتخاذ القرارات الاجتماعية من أجل تحسين الشروط والظروف الثقافية؛ وذلك لأن التفكير من أجل الارتقاء، والتصفية والتحسين الكيفي بثقافة المجتمعات الإسلامية، من بين المسائل التي قلما نجد مسلمًا لا يبدي اهتمامًا بها، أو أن يعدّها مسألة قليلة الأهمية.

إن هذه المقالة تعدّ بمنزلة المدخل النظري حول التفكير بشأن النسبة بين الدين والثقافة؛ وما هي الثقافة، وما الذي تعنيه المساحة الثقافية؟ وما هي الأسس الأنطولوجية للثقافة؟ وما هي نسبة الدين إلى الثقافة والمستويات الثقافية في القرآن الكريم؟ وفي الأساس ما هو دور الثقافة في التدين وشبكة المعرفة الدينية؟ ما هي خصائص المنهجية لدراسة الثقافة؟ وكيف يمكن للثقافة أن تكون ثقافة طليعية أو ثقافة تبعية؟ وما الذي نعنيه بالأمن الثقافي؟ وما إلى ذلك من التساؤلات الأخرى.

(12)

وبعبارة أخرى: إن هذا الأثر يشتمل على مجموعة من المقالات على النحو أدناه:

1. النسبة بين الدين والثقافة  من وجهة نظر علم الاجتماع: إن هذه المقالة من خلال الإشارة إلى هذا الأمر المهم، وهو أن الأديان الإلهية تحتوي على ظرفية عالية من أجل إنتاج وعرض ثقافة متعالية، وبالنظر إلى الظرفيات والشروط التي تلعب دورًا قاطعًا وحاسمًا في هداية وتوجيه الثقافات العُرفية وعناصرها المختلفة؛ فإنها تعمل على تحليل هذه المسألة التي تقول: ما هي أهم مواقف علماء الاجتماع الديني في طريقة التعامل بين الدين والثقافة. وبعبارة أخرى: إن السؤال الأصلي بشأن النسب المتحققة والمحتملة بين الدين والثقافة بوصفهما نظامين مفهومين جامعين في مقام التحقق والعينية الاجتماعية من زاوية علم الاجتماع. وبذلك فإن الكاتب يتعرّض إلى شرح هذه النتيجة وهي أن كل واحد من علماء الاجتماع الديني ـ بالنظر إلى الموقف الذي يتخذه في باب الماهية والأسباب والموقع الاجتماعي الذي يحتله، ومهمة الدين، وتقييم هذه الأدوار ـ يعمل على بسط آرائه في هذا الشأن.

2. ماهية الثقافة وتحققها العيني: يسعى الكاتب في هذه المقالة ـ من خلال اتخاذ الاتجاه الفلسفي ـ إلى دراسة وبحث الثقافة. وبطبيعة الحال فإن هذا الاتجاه يختلف عن الأسلوب الاستقرائي؛ وذلك إذ يتمّ في الأسلوب الاستقرائي تعريف الثقافة بالآداب والتقاليد والعقائد والقوانين وبعض المصاديق الأخرى للثقافة. وفي الواقع فإن الكاتب ـ يسعى من خلال استخراج تحليل فلسفي من صلب هذا النوع من الاستقراء ـ إلى الحصول على تعريف فلسفي للثقافة. وبذلك يتمّ العمل في بداية الأمر على شرح وبحث ماهية المفهوم الاسمي للثقافة على أساس المرتكزات العامة، ومن ثمّ يتمّ العمل على إثبات الوجود الخارجي للثقافة. وبعد ذلك يتمّ الانتقال إلى البحث عن الماهية الحقيقية للثقافة، وفي ضوء تعريف حقيقة الثقافة، يتم العمل على بحث وتحليل عينية الثقافة وعينيات الثقافة. وفي الختام تتمّ الإشارة إلى دراسة

(13)

إجمالية للتعاريف الصادرة عن علماء الاجتماع أيضًا، لكي يتمّ التمكن من إيضاح نسبة تحليل علماء الاجتماع إلى تعريفه المختار.

3. النظرية والثقافة؛ المنهجیة الأساسیة في تكوين النظريات العلمية: إن هذه المقالة تعمل ـ من خلال دراسة وبحث النسبة بين النظرية والثقافة ـ على رصد تداعيات انتقال النظريات من أحضان ثقافة ما إلى ثقافة أخرى ضمن ثلاثة مواضع. الموضع الأول: يعمل على بحث ودراسة الأبعاد المنطقية والمعرفية للنظريات العلمية، وأنواع المباني التي تقوم كل نظرية على أساسها، والمسار الذي ترسمه المباني للنظرية،  والأسلوب الذي تم استعمال النظرية فيه، والحقول التي تنشط فيها النظرية. الموضع الثاني: يتم فيه تحليل كيفية دخول النظرية إلى حقل الثقافة، وفي هذا الشأن تعدّ الأرضيات الوجودية المعرفية والأرضيات الوجودية غير المعرفية للنظرية، وكذلك التعاطي الذي يكون للنظرية مع بيئتها الثقافية، من أهم المسائل. وفي الختام تتمّ الإشارة إلى موقع النظريات العلمية في التعاملات الجوهرية للثقافة. إن النظريات الداخلية والخارجية وكيفية انتقال النظرية من ثقافة إلى ثقافة أخرى، تعدّ من بين مسائل هذا الفصل.

4. الثقافة التبعية والثقافة الطليعية: إن كاتب هذه المقالة ـ من خلال دراسة وبحث أنواع من النماذج الثقافية ـ يركز على نوعين من الثقافة الطليعية والثقافة التبعية. ثم يعمل بالتفصيل على توضيح أن عنوان الثقافة التبعية يُطلق على ذلك القسم من نوع كيفية وأسلوب الحياة المادية وغير المادية، حيث لا يكون تابعًا لأيّ أصل أو قانون تمّ إثباته في السابق؛ بل يستمدّ صحته ومقبوليته من ميول ورغبات الناس. بهذا المعنى من السلوك لا تكون ميول ورغبات الناس ـ أيًا كانت دوافعها وأسبابها ـ ولا يكون هناك أي نظرة إلى تطابقها مع الحقائق والوقائع المستقلة عن الأهواء والرغبات الطبيعية. وعلى هذه الشاكلة يُعد كل نوع من عوامل فساد

 

(14)

الدين والأخلاق والحياة المعقولة للأشخاص قابلًا لكي يُعدّ بوصفه من المطالب الإنسانية وباسم الثقافة. وفي المقابل فإن الثقافة الطليعية تكون بعيدة وبمنأى من هذه الأوصاف، وتعدّ من عوامل الكمال والسعادة الإنسانية.

5. مساحة الثقافة: تتعرّض هذه المقالة إلى بحث ودراسة العناصر والتقسيمات والأمور المتعددة والتابعة للثقافة، وتسعى إلى إيضاح أبعاد ودائرة الثقافة. إن هذا البحث بالإضافة إلى بيانه لماهية ومساحة الثقافة، يعدّ في الوقت نفسه مقدمة بشأن طريقة ونمط الوجود، والذي يُعدّ من الأسئلة الأساسية والجوهرية. وفي الواقع فإن شرح سعة ومساحة الثقافة هو الذي تهدف إليه هذه المقالة. ويُشير الكاتب في الأثناء إلى احتمال أن لا تكون جميع التبويبات والتقسيمات التي تمّ إحصاؤها غير موجودة في جميع المجتمعات، وإنما يُنظر إليها على نحو نوعي فقط؛ بمعنى أن أغلب الثقافات تشتمل على تقسيمات معدودة، وإن كانت بعض الثقافات بسبب افتقارها إلى البسط قد تحرم من بعض المساحات؛ حيث أن هذه الاختلافات بدورها تكون مختلفة بما يتناسب مع اختلاف المجتمعات. وبعبارة أخرى: كلما كان المجتمع يحظى ببسط أكبر، يكون فهم المعاني عن الأمور مختلفًا، ونتيجة لذلك يكون إمكان إلحاقها بدائرة الثقافة محتملًا بشكل أكبر. ثم إن إحصاء مساحة الثقافة قد تمّ بشكل استقرائي، ويوجد فيه إمكان زيادة السعة والمساحة أيضًا.

6. المفاهيم والأبعاد الثقافية في القرآن الكريم: تتعرّض هذه المقالة إلى بحث ودراسة طائفة من المفاهيم القرآنية التي تشتمل على دلالات ثقافية، ومن هنا فإن الكاتب يُطلق على هذه الطائفة عنوان المفاهيم الثقافية؛ وهي موارد من قبيل: الزواج، والاستشارة، والأسرة، والتنافس وما إلى ذلك. وفي الواقع فإن الكاتب يُشير في بداية الأمر إلى ثلاثة تعريفات عن المفاهيم الثقافية، وهي أولًا: المفاهيم التي يكون لها استعمال ويُكتب لها التحقق في الحياة الاجتماعية. وثانيًا: المفاهيم التي

(15)

تترتب على تحققها تداعيات اجتماعية. وثالثًا: المفاهيم التي تمتلك خططًا ومشاريع ثقافية خاصة. ثم يواصل البحث بعد ذلك في بعض المسائل المهمّة بوصفها أهدافًا وغايات له، من قبيل: البحث عن المفاهيم الثقافية للقرآن الكريم، وتقسيم المستويات والطبقات المختلفة للدين، والبحث عن القضايا الأنثروبولوجية في الدين، والبحث عن النماذج الدينية، والقضايا التخطيطية، وفي نهاية المطاف البحث حول بعض أساليب اكتشاف النماذج الدينية.

7. الأسس الأنطولوجية للثقافة: إن من بين الموضوعات المهمّة في فلسفة الثقافة وكذلك في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الثقافية، عبارة عن السؤال عن المنشأ والعلل الإيجادية والإعدادية، وبكلمة واحدة: يقع السؤال عن المباني والأسس الأنطولوجية للثقافة. يتمّ السعي في هذه المقالة إلى الإجابة عن هذا السؤال في حدود الإمكان من خلال التأمّل في مختلف الآراء والأفكار. ومن هنا فإن السؤال الرئيس في هذه المقالة حول ماهية المصادر والمناشئ والأرضيات المعرفية وغير المعرفية للثقافة بوصفها أمرًا كليًا. كما تشير النتائج الحاصلة من هذه القراءة إلى أن الثقافة أو المنظومة الثقافية تقع في المجموع تحت تأثير مجموعة متشابكة ومعقدة من القابليات والظرفيات الفطرية، وتتألف من العلاقات الإنسانية المتعدّدة، والعوامل البيئية ـ الأعم من الطبيعية والاجتماعية ـ والعوامل الغيبية ولا سيّما الدينية والتعاليم الوحيانية، والتجارب التاريخية المتراكمة، وتستمر من طريق مسار التقبّل الاجتماعي عبر الأجيال.

8. دور الثقافة في التدين وشبكة المعرفة الدينية: إن التديّن وشبكة المعرفة الدينية تشمل من ناحية العقائد والعمل بمنظومة وشبكة من المعتقدات والأخلاق والأعمال العبادية؛ حيث تقوم بينها علاقة علية تشكيكية، ومن ناحية أخرى فإن التديّن الثقافي نمط من التديّن الذي يكتسب فيه الدين صبغة الثقافة المنشودة، ويتمّ تعريف أدائها في ضوء خصائص تلك الثقافة. وبطبيعة الحال فإن القبول بالتأثيرات

(16)

الثقافية على أطراف التدين وشبكة المعرفة الدينية لا يعني تغيير ماهية التديّن؛ إذ أن اصطباغ التدين بالثقافة المنشودة ـ خلافًا لتصوّر أنصار عرفية التديّن في المجتمع ـ وإن كان قابلًا للاهتمام جدًا في هامش شبكة التديّن، إلا أننا كلما توجّهنا واقتربنا من النواة المركزية لهذه الشبكة، ينخفض مستوى التأثيرات الثقافية، وفي الواقع تتمّ إزالة الغبار عن التدين وإظهار المعدن الصافي الداخلي له بشكل أكبر. وبذلك يتمّ في هذه المقالة بيان أن تأثر النواة المركزية للأديان الإلهية بهذا النوع من التأثيرات الثقافية ضئيل جدًا وليس قابلًا للإدارة من قبل التديّن.

9. النسبة بين العلم والثقافة: يمكن تصوّر ثلاثة أنواع من العلاقة والتعامل بين العلم والثقافة على أساس ثلاثة أنواع من تعريف العلم. النوع الأول: إن العلاقة بين العلم والثقافة على أساس التعريف الوضعي للعلم خارجية، ولن يكون لأيّ واحد منهما إحاطة علمية بالآخر. النوع الثاني: في ضوء التعريف ما بعد الحداثوي للعلم، يتم تعريف البنية الداخلية للعلم من قبل الثقافة، وبذلك تكون للعلم هوية ثقافية. وبالتالي فإن النوع الثالث والأخير هو أن العلم ـ في ضوء التطابق بين التعاريف العقلانية والوحيانية ـ يحيط بالثقافة، ويحظى بإمكانية التقييم الانتقادي للثقافة على نحو شامل. وعلى هذا الأساس فإن هذه المقالة تعمل ـ بناء على التعاريف المذكورة ـ  على شرح وتفصيل العلاقة بين العلم والثقافة. بمعنى أنها تعمل أولًا على بيان تعاريف العلم والثقافة، ثم تقوم بعد ذلك ببيان النسبة المذكورة وتحليلها على أساس التعاريف المذكورة.

10. دلالات نظریة الفطرة فی النظریة الثقافیة: إن الفطرة هي الجانب الذي يميّز الإنسان من سائر الكائنات الأخرى، وإن دخوله إلى مختلف مبادئ العلوم تترتب عليه الكثير من التبعات المعرفية. وهكذا فإن النظرية الثقافية تُعدّ من بين العلوم التي تنطوي على معطيات علمية مهمّة؛ وهي موارد من قبيل: قيام بقاء الثقافات على

(17)

أساس العناصر الفطرية، واستفادة جميع الثقافات من الفطرة الإلهية، واعتبار جانب من الاختلافات الثقافية للمجتمع، وتحليل الأزمات الثقافية على أساس الفطرة، والنظرة إلى إمكانية التعالي لجميع الثقافات، والقول بفطرية العلاقات، وإمكان التحاور بين الثقافات بلغة الفطرة، والتفاهم الذاتي للثقافات مع الثقافة الدينية، والدخول إلى السياسات الثقافية القائمة على نظرية الفطرة وما إلى ذلك. إن هذه الموارد بأجمعها تعدّ من موضوعات هذه المقالة، حيث يتمّ بحثها ونقدها بوصفها أدلة نظرية للفطرة في النظرية الثقافية.

11. الأمن الثقافي: إذا كانت الثقافة تطلق على مجموعة من القيم المؤسسة في المجتمع؛ حيث يتمّ تمييزها بذلك من سائر المجتمعات الأخرى؛ فلا غرو أن يُطلق الأمن الثقافي على الظرفية الثقافية للمجتمع، من أجل الحفاظ على خصائصه الخاصّة في مواجهة تغيير الشروط المادية والتهديدات المعنوية. وبذلك فقد ذهب بعض المفكرين إلى الاعتقاد بأن الأمن الثقافي يُعدّ من الأركان والأسس الأصيلة لبسط الأمن. بيد أن المفكرين الناظرين إلى مختلف الحقول المعرفية يرصدون بعض المفاهيم والعناصر واللوازم المختلفة بالنسبة إلى الأمن الثقافي. إن هذه المقالة تسعى إلى التعرّض لبحث الأمن الثقافي من زاوية علم الفقه. وبذلك فإن الأمن الثقافي في الرؤية الفقهية يشمل هذا المعنى، وهو أن التعهّد بالتكاليف الشرعية سوف يؤدّي إلى الوقاية من الأضرار والآفات، ومن التعرّض للتهديدات التي هي من قبيل استحالة الدين والقيَم الدينية، وانتشار المفاسد الأخلاقية والاجتماعية، والغزو الثقافي، والهيمنة الثقافية للكافرين والأجانب وما إلى ذلك. إن هذا التوجّه يؤدّي إلى تحقق الحالة الثقافية المطلوبة في الإسلام، بمعنى أنها تؤدّي إلى الحفاظ على الدين الإسلامي الحنيف.

وهكذا نقدّم هذا الأثر ـ الذي يمثل مقدمة للمزيد من التأمّل حول الدين

(18)

والثقافة ـ إلى القارئ الكريم، على أمل أن يحصل الأساتذة والباحثون والمحققون والطلاب الراغبون في هذا الحقل على ضالتهم من خلال قراءة هذه الدراسة ويجدوا فيه فائدة ومغنمًا. وفي الختام لا بد من التقدّم بواجب الشكر إلى جميع الإخوة الذين أسهموا في اكتمال هذه الدراسة، ولا سيّما منهم حملة الأقلام الذين شاركوا في كتابة هذا الأثر. كما نتقدم بجزيل الشكر لسماحة حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيّد هاشم الميلاني الرئيس المحترم للمركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية على دعمه الكبير من أجل إنجاز هذا المشروع وتقديم الآراء والأفكار القيّمة والنافعة. كما نتقدم بالشكر البليغ لسماحة حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيّد محسن الموسوي على تحمّله أعباء الإشراف النافع والتوجيه العلمي. ونتقدم كذلك بالشكر الجزيل إلى معالي الدكتور أحمد قطبي والسيّد محمد رضا الطباطبائي على بعض المقترحات والقيام بالمراحل التنفيذية.

محمد حسين كياني

 

(19)
(20)

 

 

النسبة بين الدين والثقافة من وجهة نظر علم الاجتماع[1]

السيّد حسين شرف الدين[2]

فيما يتعلق ببيان دور الدين في الثقافة يمكن الحكم من زاويتين، وهما: أولًا، الزاوية الدينية أو الإلهية: يتمّ السعي في هذه الزاوية من طريق البحث في القضايا المتضمّنة للعقائد والمفاهيم والتعاليم القيَميّة لدين مثل الدين الإسلامي، ودراسة الظرفيات المضمونية والمفهومية له من أجل بناء الثقافة أو أداء دور في هداية وتوجيه الثقافة الموجودة والقيام بالإصلاحات اللازمة فيها على نحو الحكم المسبق. ثانيًا، الزاوية الخارجية: للنموذج التاريخي / الاجتماعي الذي يتمّ التعرّض فيه للدور التاريخي والاجتماعي للدين وآلياته المؤثرة في تبلور وازدهار وتقوية وتثبيت وإصلاح وتصفية الثقافة  على نحو لاحق وميداني. إن الدين في هذه الزاوية يعني الدين في مقام التحقق يعادل التديّن والمجتمع والثقافة الدينية وطريقة وأسلوب الحياة الجماعية للمؤمنين. ويمكن بيان وتقرير مراحل هذا التجلي بشكل انتزاعي على النحو الآتي:

إن الدعوة إلى الدين بلغة القوم، بوصفه التجلي الأول للدين في العالم الأرضي، والتقبّل التدريجي للدين من قبل آحاد الناس (إيمان الأشخاص والالتزام برعاية

(21)

أحكامه وقيَمه)، والتجلي العيني للعالم الأنفسي للمؤمنين في إطار النظام المفهومي المشترك بشكل وآخر لتبلور الثقافة الدينية العامة (منظومة مترابطة من العقائد والقيَم والرؤى والمعايير والمشاعر والرموز والسلوكيات الدينية المشتركة)، وتبلور وتجسيد الثقافة الدينية المشتركة في إطار المؤسسات والتقسيمات النموذجية، والقواعد الحياتية الجمعية (لغرض تنظيم النشاطات والنشاطات المتقابلة والمناسبات البنائية، والمسارات وطريقة تلبية الاحتياجات المعروفة وضمان ضرورات ومقتضيات الحياة الجمعية)، وبالتوازي مع ذلك التبلور التدريجي للمعرفة الدينية في المستوى العام (تقوية معرفة ورؤية المؤمنين في ضوء السلوك الإيماني واكتساب التجارب الدينية)، وفي المستويات التخصصية (في إطار مجموعة من العلوم الإلهية التي توصّل إليها الباحثون في الشأن الديني في ضوء دراساتهم المنهجية في مقام تفسير المفاهيم)، وإعادة إنتاج الثقافة العامّة والتخصصية الدينية من طريق الدوائر القابلة للمجتمع وانعكاسها المباشر وبواسطته في عالم المؤمنين، وأسلوب حياتهم، والمسارات اليومية في الحياة الجماعية والنظام السلوكي لهم.

ومن الجدير ذكره أن الدين بدوره يتمّ إرجاعه في الأفهام المختلفة للباحثين في الشأن الديني والمؤمنين إلى مصاديق متعدّدة: ومن بينها النظام المفهومي والوحياني (المتجلي في إطار النصوص المقدّسة)، والنظام الفكري المبسوط والمفسّر والمنظم (الثيولوجيا أو الإلهيات)، والتراث والثروة الثقافية المقدّسة، والمنظومة أو ما بعد المنظومة الاجتماعية (الدين المتعيّن أو الموضوعي)، والأيديولوجيا (مع المهام السياسية الاجتماعية الخاصّة)، والأمر الوجودي المنبثق عن الأفهام والتفسيرات النظرية والعملية للمتدينين (الدين بوصفه نوعًا من الذاكرة الجمعية والثقافة العامة)، وأسلوب ونمط وبرنامج الحياة، والنظام الأخلاقي وما إلى ذلك. من الواضح أن الدين في أغلب الأفهام يندرج ضمن دائرة التاريخ ويتمّ فهمه في

(22)

النسبة إلى سائر مقوّمات الحياة. في النسبة التقييمية المنشودة في هذه المقالة يمتلك الدين ـ بوصفه نظامًا جامعًا للعقائد والقيَم والأحكام والتقاليد المقبولة ـ كينونة اجتماعية تاريخية وتنظيمية.

كما يتمّ التأكيد في هذه المقالة على الفهم الذاتي للدين (في قبال الفهم البنائية له) بوصفه واحدًا من الفرضيات الأساسية: الاعتقاد بأن للدين ذاتًا وكينونة مستقلة عن ذهنية الرواة والأتباع والمراقبين له. إن هذه الذات تميّز الدين من غير الدين، وتميّز كل دين من نظائره، ونعني بذلك الأديان الأخرى. إذا كان الدين والتديّن لا يزال حيًا وناشطًا، ويترك تأثيره في الأبعاد المتنوّعة للحياة الفردية والاجتماعية للكثير من الأشخاص، فإن هذا يدلّ على أن الدين لم يتحوّل بعد إلى أمر البنائية. إن جميع النظريات والشواهد التي تؤيد تأثير الدين ـ ولا سيّما مفاهيمه وتعاليمه بوصفها متغيرًا مستقلًا للآراء والتوجهات والنشاطات الفردية، وكذلك تأثيراته المتنوّعة في المستويات الاجتماعية العامة ـ تصادق بوعي أو بغير وعي على الفهم الذاتي للدين[1].

في الدراسات الدينية (ذات الاتجاه الخارجي) الناظرة إلى الأديان الإلهية ذات الكتب السماوية والتعاليم الوحيانية المكتوبة، يتمّ التمييز عادة بين مساحتين من الدين تحت عنوان الدين النصّي أو الدين من داخل النص أو الدين في مقام التعريف أو الدين التاريخي (الدين المبسوط طوال التاريخ والمتبلور في النماذج والرموز العينية) أو الدين في مقام التحقق والدين المؤسس أو الدين الممتزج بالثقافة، لاعتبارات مختلفة. إن علماء الإلهيات يرتبطون بالمساحة الأولى، بينما يرتبط علماء الاجتماع الديني بالمساحة الثانية.

وفي النسبة المقارنة بين الدين والثقافة، كذلك يمكن أن تتمّ بمحورية العناصر

(23)

والمكوّنات المنتخبة من نظامي الدين والثقافة، من قبيل الدين والعلم أو الدين والفن أو بالنظر إلى كليتهما بمعنى الدين (في كليته المتضمّنة للمعتقدات والقيَم والأحكام) والثقافة (بعناصرها ومكوّناتها المختلفة). ونكرر التأكيد مجدّدًا على أن هذه النسبة التقييمية يمكن أن تتحقق في إطار الدين مع الثقافة الدينية، وكذلك الدين مع الثقافة العرفية أيضًا.

ومن المهم الالتفات إلى هذه النقطة أيضًا، وهي أن تعامل الدين والثقافة وامتزاجهما في المجتمعات التقليدية السابقة مع التعامل وطريقة ارتباطها في المجتمعات المعقدة المعاصرة ولا سيّما منها المجتمعات الحديثة التي مرّت بمسار العلمانية، مختلف جدًا. إن موقع الدين في هذه المجتمعات كان متغيرًا على الدوام، وقد كان هذا الأمر مؤثرًا ـ بطبيعة الحال ـ في طريقة تعامله مع الثقافة وسائر العناصر المحيطة الأخرى.

يُفهم من فحوى بعض الآراء الصادرة عن علماء الاجتماع الديني أن التناغم بين الدين والثقافة في المجتمع التقليدي قد أدّى إلى إلغاء الحدود بين هذين الأمرين لصالح الدين والتراث، وفي المجتمع الحديث لصالح الثقافة. إن هذا الادعاء إذا كان صادقًا بشأن الأديان الابتدائية، إلا أنه لا يصدق بشأن الأديان التوحيدية والشاملة بسبب امتلاكها للنص المقدس وإعادة التفسير المستمر لتعاليمه في ضوء الاجتهاد والسعي في إطار الجواب عن الاحتياجات المعاصرة للموالين له، وإن الشواهد الداخلية والعينية له لا تؤيد صحّة ذلك أيضًا.

إن فهم العلاقة بين الدين والثقافة تتناسب عادة مع القراءات في الحدّ الأقصى للدين مع الأفهام القائلة بالتأثير الواضح والخفي للدين (بوصفه مؤسسة وما فوق المؤسسة) والتديّن في دائرة الحياة الثقافية والاجتماعية لمجتمع المؤمنين؛ من هنا فإنه في المجتمعات والأفهام العلمانية ـ التي يتمّ فيها تحديد التديّن بمجرّد علاقة

(24)

الفرد بنفسه وبالله وبالطبيعة، ويتمّ عزل الدين من الناحية العملية عن ممارسة دوره المنظم في الثقافة العامة والمؤسسات والمنظمات الاجتماعية ـ سوف تواجه هذه النسبة التقييمية بعض القيود والمحدوديات. وبعبارة أخرى: إن الدين في هذه الرؤية ينظر إليه بوصفه عنصرًا محوريًا لثقافة تمتلك قابلية التفوذ والتأثير في جميع طبقات ومستويات الثقافة وأبنية الحياة الجماعية.

تعريف الدين والثقافة

سوف نكتفي هنا بذكر خصوص التعاريف ذات الصبغة الاجتماعية المطروحة للدين والثقافة، وذلك رعاية للاختصار. لقد عمد إميل دوركهايم ـ عالم الاجتماع الفرنسي ـ بتعريف الدين على أنه نظام منسجم من العقائد والشؤون المرتبطة بالأمور المقدّسة والمحظورة التي تستوجب تبلور مجتمع أخلاقي واحد اسمه الكنيسة[1].

لقد وردت الإشارة في هذا التعريف أولًا: إلى عناصر الدين (من العقائد والمناسك). وثانيًا: إلى العنصر الذاتي والمقوّم له من وجهة نظره؛ أي: الفصل بين الأمر المقدس، والأمر غير المقدس. وثالثًا وأخيرًا: إلى الغاية من ظهوره وهي التأسيس لمجتمع أخلاقي.

وقال غليفورد غيرتز ـ الإنثروبولوجي الأمريكي ـ في تعريف الدين بوصفه نظامًا ثقافيًا: إن الدين عبارة عن: 1. منظومة من الرموز التي 2. تكون سببًا في ظهور الأخلاق والسجايا والحوافز القوية والشاملة والثابتة لدى الأشخاص، ولهذا الغرض 3. تنشط من طريق بلورة المفاهيم العامّة و4. تؤدّي إحطة هذه المفاهيم بهالة من واقعية الكينونة (بمعنى أنها تدخل هذه المفاهيم في هالة من الواقعية الوجودية) بحيث 5. تصبح هذه الأخلاق والسجايا والدوافع المذكورة على شكل الحقائق الممكنة فقط[2].

(25)

في ضوء هذا التعريف يكون الدين أولًا: منظومة من الرموز والنماذج. وثانيًا: يؤدّي إلى تبلور مجموعة من المفاهيم العامة حول الوجود (الرؤية الكونية أو انطولوجيا). ويؤدي ثانيًا: [وفي ضوء إيمان المؤمن] إلى إيجاد مجموعة من الأخلاق والدوافع القوية والثابتة لدى الإنسان المؤمن. ورابعًا: يمزج هذه المفاهيم والأخلاق في هالة من الواقعية الوجودية، ويعمل على إظهارها بوصفها هي الحقائق [المرجّحة والمقدّسة والمتعالية] الممكنة الوحيدة.

وقد كتب كلاود بوفاي ورولاند ج. كامبيتش[1] في تعريف الدين: «كل مجموعة من العقائد والآداب والأفعال التي تكون منظمة بشكل وآخر، وتكون مرتبطة بحقيقة تفوق الحقائق التجريبية وتكون متعالية، وتقوم في مجتمع محدد بواحدة أو عدد من الوظائف الآتية: توحيد المجتمع، وإضفاء الهوية عليه، وتبيين التجربة الجماعية، والإجابة عن الماهية الأساسية للحياة الفردية والاجتماعية للأشخاص»[2].

خصائص الدين الخاصة

إن الخصائص المذكورة أدناه إنما يتم بيانها وطرحها في ضوء محورية الأديان الإلهية؛ على الرغم من أن الدين مورد البحث في نسبته التقييمية إلى الثقافة، وبشكل عام إلى الدين في خطاب علم الاجتماع الدين لا ينحصر بالدين الإلهي.

1. إن الدين له منشأ إلهي وسماوي، ومن هنا وبهذا الاعتبار يكون أمرًا مقدّسًا ومتعاليًا ومستندًا إلى الربوبية التشريعية لله عزّ وجل.

2. إن الدين يتناسب وجوديًا مع المنظومة الفطرية والجبلية للإنسان، كما يحتوي على أرضيات الإيمان الفطري، ويعمل كذلك على تلبية الاحتياجات والمطالب الفطرية والمقتضيات الوجودية والأنطولوجية للإنسان أيضًا.

(26)

3. إن للدين اعتبارًا يفوق الانتماءات الوطنية والقومية، ولا يختص بزمان أو قوم أو جغرافية خاصة.

4. إن الدين يمكن بل (ويجب) أن يكون موردًا للاختيار والانتخاب بالنسبة إلى كل فرد من أفراد البشر وفي كل زمان بشكل مستقل عن البيئة الثقافية والجذور التاريخية، وفي الوقت ذاته ليس هناك إكراه في تقبله أو الاعتقاد به.

5. إن الدين لا ينحصر بحدود هذه الحياة الدنيوية والاجتماعية للناس فقط.

6. إن الدين يشتمل على المعتقدات والقيَم المطلقة والثابتة، كما يشتمل في الوقت ذاته على القواعد والأحكام المتغيّرة القائمة على الأصول الثابتة بمقتضى الشرائط الزمانية والمكانية المختلفة.

7. إن للدين مواقف واهتمامات خاصة بمستقبل الناس والضرورات والمحظورات التي تتعلق بسعادتهم.

8. إن الدين لا يقبل التقليد والتبعية المحضة، ويجب أن يتمّ اختياره على أساس وعي الناس وإرادتهم.

9. إن الدين الأصيل لا يقبل التعدد والتكثّر، وإن الصراط الإلهي المستقيم الذي ينتهي إلى السعادة والفلاح، واحد بالنسبة إلى جميع الأشخاص وفي جميع الأزمنة[1].

خصائص الثقافة الخاصة

1. إن الثقافة حصيلة الأفكار والتجارب المعاشة والارتباطات المتبادلة والسلوك والصيرورة الاجتماعية للإنسان في المسار التاريخي.

2. إن الثقافة تتضمّن النتائج والمعطيات المفهومية والمتراكمة لقوم طوال التاريخ منذ القدم وإلى اللحظة الراهنة.

(27)

3. إن الثقافة تعمل على تحديد مسار حياة الإنسان والطريق والأسلوب الترجيحي على نحو غير إرادي ومن غير وعي أحيانًا.

4. إن الثقافة أمر متعدد ومتكثر، وإن لكل قوم ومجتمع ثقافته الخاصّة. إن الثقافة حتى إذا كانت تحت تأثير دين واحد، يكون لها من بعض الجهات استعداد للتكثّر والتنوّع. ونموذج ذلك يتمثّل في الثقافة الإسلامية في مختلف البلدان الإسلامية.

5. إن الثقافة تحدّ الأفراد في حصار «الأنا» القومية والوطنية، وغالبًا ما تكون منشأ للتفاخرات القومية والوطنية. وبهذا الاعتبار يمكن للنزعة الثقافية (الافتخار والاعتزاز بالثقافة) إن تظهر في جميع المجتمعات.

6. إن الثقافات تعمل على إيجاد حدود لا مرئية بين الشعوب والأمم، وإن كل قوم يبحثون عن هويتهم المميّزة لهم من طريق الانتماء إلى ثقافة خاصة.

7. إن الثقافات تتعاطى فيما بينها. وإن بعض الثقافات تمتلك ـ بسبب القرابة والتجانس في عناصرها ـ الاستعداد للتبادل والتعاطي، وتعمل على اجتذاب العناصر الاختصاصية لبعضها الآخر وهضمها في داخلها بشكل أكبر.

8. إن الثقافة حيوية وقابلة للتحوّل؛ على الرغم من أن مقدار التغيير في عناصرها المختلفة ليس على وتيرة واحدة. وفي العادة فإن العناصر المركزية للثقافة (المعتقدات والقيَم) بالمقارنة إلى سائر العناصر تحظى بثبات وقوام أكبر، ولا يعتريها التغيّر إلا بشكل بطيء وبصعوبة بالغة.

9. إن الثقافة تنظر في الغالب وبشكل رئيس إلى دائرة الحياة الطبيعية والدنيوية للأفراد في الأعم من المستويات المادية والمعنوية؛ على الرغم من أن طريقة حياة الأشخاص على أساس الثقافة، سوف تنعكس على حياتهم الأخروية أيضًا.

(28)

نقاط الاشتراك بين الدين والثقافة

في هذه المقارنة تمّ النظر بشكل رئيس إلى الدين الإلهي والثقافة العُرفية أيضًا.

1. إن جميع المجتمعات البشرية تحظى بثقافة ونوع من الدين أو شكل ديني (أيديولوجيا).

2. إن الدين والثقافة كلاهما روح تمّ نفخها في جسد أفراد المجتمع وأعضاء المجتمع بوصفهم كلًا واحدًا. وبعبارة أخرى: إن الدين والثقافة يتبلوران في العالم الأنفسي والعالم الآفاقي للناس (المؤسسات والأبنية الاجتماعية).

3. كلاهما يضفي مفهومًا على حياة الإنسان.

4. كلاهما يهتم بتطوير وازدهار الظرفيات الداخلية للإنسان والثروات الاجتماعية المشتركة.

5. كلاهما بالإضافة إلى الاهتمام بالمجالات المادية من الحياة، يهتم بالأبعاد المعنوية والروحية منها أيضًا؛ وإن كان الدين في هذا الخصوص يحظى بأفضلية وجدوائية فذة لا ينازعه فيها أحد.

6. كلاهما له نفوذ وحضور في جميع المستويات والطبقات والأبعاد الوجودية والمساحات الخاصة بحياة الفرد ومختلف أبعاد الحياة الجماعية (الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنموذجية وما إلى ذلك) وإن على نسب مختلفة وأشكال متفاوتة؛ على الرغم من أن الدين قد تمّ منعه وحضره في المجتمعات العلمانية من التدخل المباشر والمنظم.

7. كلاهما يهتم بضمان اللوازم القيميّة والمعيارية والنموذجية لأنواع العلاقات الإنسانية (العلاقة مع الذات، ومع الله، ومع الغيب، ومع الآخرين، ومع الطبيعة، ومع التكنولوجيا).

8. كلاهما مرتبط في أداء أدواره الهادفة ـ على الرغم من الانتماء إلى عالم ما

(29)

وراء الحياة والموت الشخصي للأفراد ـ بالحضور الجماعي للأشخاص وحياتهم الاجتماعية.

9. كلاهما يعمل على رفع الإنسان من مستوى الحيوانية والارتقاء به إلى المستوى الإنساني، وإن الدين بالإضافة إلى ذلك يرفع الحياة لترقى إلى مستوى التقديس والكمال.

10. إن الأشخاص قادرون في تصرّم الزمان وبمقتضى الاحتياجات والضرورات الخاصة على تغيير ثقافتهم (وإن على نحو بطيء)، بل ويرون ذلك ضروريًا ولا يمكن اجتنابه في بعض الأحيان؛ بيد أنهم يعتبرون تغيير مضمون الدين وأسسه الجوهرية خارج صلاحيتهم. إن المسموح لهم به هو تقديم تفسيرات معقولة لمفاهيم الدين وإعادة النظر في الفروع الاستنباطية في ضوء ما تقتضيه الشرائط والظروف الزمانية والمكانية، وإيجاد التغيير في الأحكام الشرعية؛ وعلى هذا الأساس تكون قابلية التغيير في الثقافة ولا سيّما في عناصرها الفرعية وغير الركنية وكذلك في بعض الأجزاء من فروع الدين، قائمة بمقتضى الزمان والمكان.

11. إن الثقافة بالإضافة إلى المعتقدات والقيَم والأهداف والغايات والقواعد (العناصر المشتركة بينها وبين الدين)، تحتوي على عناصر أخرى، من قبيل: اللغة والأدب والرموز والآداب والتقاليد والعلوم والفنون والقوانين أيضًا. وبعبارة أخرى: إن الدين والثقافة ـ بالإضافة إلى المجالات الخاصة ـ يتداخلان ويشتركان في مساحات واسعة أيضًا، ومن هذه الناحية تكون النسبة المنطقية القائمة بينهما هي نسبة العموم والخصوص من وجه.

12. إن الدين مصدر للثقافة، وإن الثقافة وإن لم تكن مصدرًا للدين، تلعب دور الوسيط في مسار تفسير مفاهيم الدين وتفصيلها من الناحية الاجتماعية.

(30)

الاتجاهات الاجتماعية في النسبة بين الدين والثقافة

لا شك في أن نوع النسبة بين الدين والثقافة وطريقة التعاطي والتعامل بينهما تابع إلى حدّ كبير للتعريف والفهم الموجود عنهما. ومن الجدير ذكره أن الفصل والتفكيك بين الدين والثقافة والعناصر ذات الصلة بهما وإن كان أمرًا ممكنًا على المستوى المفهومي، وإنه قد رُسمت الحدود الذهنية بينهما بشكل وآخر على نحو واضح، بيد أن هذا التفكيك في مقام العينية والتحقق في ذهن وضمير الأشخاص والعالم العيني والخارجي لهم في غاية الإشكال، وقد يكون مستحيلًا في بعض الموارد؛ ومن هنا فإن النسبة التقييمية المعمولة هي في الغالب انتزاعية ولها شكل مثالي أكثر من كونه انضمامي وناظر إلى الحقيقة والواقع. وكذلك من الضروري الالتفات إلى هذه النقطة أيضًا وهي أن موقعية الأديان الإلهية ـ في ضوء الاتجاه التاريخي / الاجتماعي ـ في التعاطي مع الثقافات والمجتمعات البشرية الحاضرة فيها ودورها في البداية وفي المسار التاريخي، لم تكن موقعية واحدة، وقد خاضت تجربة مليئة بالمنعطفات.

وفي سياق هذا القسم سوف نعمل على نقل خلاصات بآراء بعض علماء الاجتماع وعلماء الأنثروبولوجيا الذين بحثوا النسبة بين الدين والثقافة.

إميل دوركهايم

قال عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركهايم في بيان الدور الحاضن للدين بالنسبة إلى الثقافة أو عناصر منها: يتفق الجميع على هذه النقطة وهي أن الحقوق والأخلاق وحتى ذات التفكير العلمي، قد ظهرت كلها في الدين، وقد امتزجت به لمدّة طويلة وكانت خاضعة لتأثير ونفوذ الروح الدينية. كيف كان يمكن لمجموعة من الأوهام

(31)

الفاقدة للأسس أن تؤثر  في الوجدان البشري إلى هذه الدرجة طوال هذه المدّة[1]. كما أن الدين يمثل النواة البدوية للتفكير العلمي[2]. وقال غيدنز بدوره في إيضاح وظائف المراسم الدينية من وجهة نظر إيميل دوركهايم: إن المراسم الدينية تعدّ دافعًا للشوق الجمعي ومصدرًا للإبداع، كما هي في الوقت نفسه تمثل تجديدًا للعهد والإيمان بالعقائد والرموز الموجودة أيضًا. وبسبب هذه الحاجة إلى تجديد العهد نشاهد في جميع الأديان تكرار المراسم والمناسك بشكل دوري. في المسار اليومي للحياة الاجتماعية حيث ينهمك الناس في النشاطات النفعية، ويواصلون البحث عن مصالحهم الأنانية، يضعف تأثير الجمع على الفرد، فتقوم المراسم والمناسك الدينية على إحياء الأهداف الجمعية وتحافظ عليها. في المجتمعات البسيطة حيث تشكّل هذه الأهداف ركيزة أصلية لانسجام المجتمع، تعد المناسك الجماعية أمرًا ضروريًا وأساسيًا للحفاظ على المجموعة واستمرارها[3].

تي أس إليوت

لقد ذهب عالم الاجتماع الثقافي تي أس إليوت في بيان النسبة بين الدين والثقافة إلى الاعتقاد، قائلًا: «لا يمكن لأيّ ثقافة أن تظهر أو تنتشر إلا في ضوء علاقتها وارتباطها بالدين ... على الرغم من اعتقادنا بأن الدين من شأنه أن يبلور ثقافات متنوّعة. أليس الثقافة في أصل التجسّد (إذا أمكن لنا قول ذلك) دين لشعب؟»[4].

وقد اعتبر فرض هذه النسبة عبارة عن تماهي الدين والثقافة: هناك رأي نرى فيه الدين على شكل طريقة وسلوك حياة لشعب: من المهد إلى اللحد، ومن الصباح إلى

(32)

الليل، بل وحتى في النوم، وإن هذه الطريقة للحياة هي في الوقت نفسه تمثل ثقافة هذا الشعب أيضًا[1].

وقد صرّح في موضع آخر بأن هناك بين الدين والثقافة تناغم وتطابق في مستوى اللاوعي، وهناك عدم تناغم وتفاوت بل وهناك تضاد في مستوى الوعي: «إن اتحاد الدين والثقافة يبقى في مستوى اللاوعي، وهو المستوى الذي أقمنا عليه البنية الواعية حيث يكون الدين والثقافة فيه على تضاد، ويمكن أن يُخالف أحدهما الآخر ... إذن هناك رؤيتان، الأولى: أن الدين والثقافة وجهان لوحدة واحدة، والرؤية الأخرى: إن الدين والثقافة متفاوتان ومتضادان»[2].

وقد نسب إليوت هذا الانسجام والتطابق في موضع آخر إلى المجتمعات البدائية والتقليدية، كما نسب انفصالهما وتمايزهما النسبي إلى المراحل اللاحقة (المجتمعات الحديثة): إن الدين والثقافة قد انفصلا عن بعضهما في المجتمعات البدائية مع مرور الزمن ... [في المجتمع الحديث] اكتسبت الثقافة بُعدًا لا روحيًا، وبلغت الاختلافات الثقافية بين المؤمنين والملحدين إلى أدنى حدودها، وصارت الحدود بين الإيمان وعدم الإيمان غير واضحة المعالم[3]. ثم قال بعد ذلك: علينا أن نسعى إلى اجتناب خطابين، أحدهما: أن نفترض الدين والثقافة بوصفهما شيئين منفصلين بحيث لا يوجد ارتباط بين أجزائهما، والآخر: أن نتصور أن الدين والثقافة متطابقان فيما بينهما[4].

(33)
ميشيل مالهيرب

يؤكد ميشيل مالهيرب[1] بدوره على التعامل الإجمالي والمعقّد في الوقت نفسه بين الدين والثقافة، قائلًا: الحقيقة هي أن الأفعال وردود الأفعال بين الأديان والثقافات وتجاه بعضها في غاية التعقيد. إن الأديان تحتفظ بجذور من الثقافات التي تولد فيها. لا شك في أن الدين يمزج الحياة الاجتماعية في ذاته، مهما كان المجتمع في ظاهره شديد البُعد عن الدين. إن الأسبوع الذي يتألف من سبعة أيام ـ والذي قبل به جميع العالم ـ يعود بجذوره إلى الكتاب المقدّس عند اليهود. كما أن لأيام العطلة في البلدان المتنوّعة جذورًا دينية أيضًا[2].

كما عمد إلى توجيه الأنظار من موضع وظيفي إلى دور الدين في بناء الحضارات، قائلًا: إن الأديان ـ حيث تحتوي على تعاليم أخلاقية ـ لا شك في أنها تعدّ عنصرًا في استقرار المجتمعات. لقد قام بناء الحضارات على دعائم الدين. لو لم يكن وجود لدين الإسلام لما أمكن لنا تصوّر حضارة للعرب حتى في الخيال. كما كان ازدهار الابداعات الفنية إلى حدّ كبير في ظل الدين أيضًا. فما الذي كانت تملكه إصفهان أو إسطنبول لو لم يتمّ بناء تلك المساجد فيها[3].

قال مالهيرب في بيان النسبة بين الدين والثقافة في المستوى العيني والحياة اليومية: إن الأديان تعمل على هداية الناس إلى الله، وكذلك فإن الأديان ظواهر اجتماعية. إن الحياة الروحانية تمتزج بالحياة اليومية. وإن حجم ومقدار هذا الامتزاج يختلف من دين إلى دين آخر؛ بيد أن [الدين] كان على الدوام يمثل جزءًا مهمًّا من العناصر التي تؤسس لثقافة الشعوب[4].

(34)

وقال في إشارة منه إلى بعض مساحات التلاقي بينهما والامتزاج النهائي للدين مع الثقافة: إن الآداب والمناسك الدينية تعدّ مفترق طرق لمواجهة الدين مع الثقافة. [الآداب والمناسك] وصفة لمجتمع وتشتمل على وعاء كبير للثقافة العامة[1]. ثم قام بعد ذلك بذكر بعض العناصر والآثار والخصائص والمناسك الثقافية المختلفة التي تبلورت تحت تأثير الدين، من قبيل: الشخصيات الروحانية والمقدسين، والأخلاق، والزيارات (من قبيل الحج)، والذكرى (الأعياد والاحتفالات والمآتم)، والمناسبات (الولادات وسن البلوغ والزواج والموت)، ومختلف مراسم الموت، والفن (الموسيقى والترانيم والرقص والرسم والعمران والأبنية الدينية)، والمدح والثناء، وارتياد المعابد، واللغة، والنقود، والتربية والتعليم، والسياسة، والمداراة والمواجهة الدينية، وتمنيات الإنسان وتطلعاته، والحكمة، والوعي، والحرية، والسرور، والمحبة، والبصيرة، وحب الناس، وازدهار الإنسان، والتلاحم، والإرادة الراسخة على الفعل، والإجابة عن أسئلة الإنسان[2].

إرنست كاسيرر

يرى الفيلسوف الألماني إرنست كاسيرر[3] أن الدين جزء من العناصر المكوّنة للعالم الرمزي للإنسان بمعنى الثقافة، ويقول: إن العالم الذي يعيش فيه الإنسان لم يعد مجرّد عالم مادي محض، بل هو عالم رمزي. إن اللغة والأسطورة والفن والدين من العناصر المكوّنة للعالم الرمزي للإنسان. ولم يعد بمقدور الإنسان أن يقيم في الواقعية مباشرة. فقد أحاطت الصوَر اللغوية والفنية والرموز الأسطورية والمناسك الدينية بالإنسان من كل جانب بحيث لم يعد يستطيع رؤية أيّ شيء أو يحيط علمًا

(35)

بكل شيء من دون تدخّل هذا الكم الهائل من العناصر الصناعية الوسيطة أبدًا[1]. كما أنه بالنظر إلى العناصر المكوّنة للعالم الرمزي ودورها، يعمل على اعتبار الدين من سنخ سائر عناصر الثقافة الأخرى: إن اللغة والأسطورة والدين والفن والعلم والتاريخ، تعدّ من العناصر المكوّنة والأجزاء المتنوّعة في حقل النشاط «البشري». إن هذه العناصر ليست من المصنوعات المنفصلة عن بعضها أو مخلوقة للصدفة، بل هناك رابط واحد يجمع بينها ويربطها ببعضها، بيد أن هذا الارتباط ليس من نوع الارتباط الجوهري، وإنما هو ارتباط عملي. يجب علينا أن نبحث عن الدور أو العمل الجوهري للغة والأسطورة والفن والدين وراء الصوَر والتجليات المتعددة لها، وبالتالي يجب أن نعتبر جميع هذه الظهورات من مصدر مشترك[2].

وقد عمد في موضع آخر إلى اعتبار الدين بمنزلة سائر العناصر المكوّنة للعالم الرمزي، لحظة مرحلية من مسار الحرية التدريجية لنفس الإنسان وقوّة لبناء عالمه المثالي، إذ يقول: عندما ننظر إلى الثقافة في المجموع يمكن لنا أن نعتبرها بمنزلة الحرية التدريجية لنفس الإنسان. إن اللغة والفن والدين والعلم بدورها عبارة عن لحظات متنوّعة في هذا المسار، وفي كل واحدة منها يكتشف الإنسان طاقة جديدة، بمعنى أنه يعمل على إثبات طاقة لبناء عالمه الخاص وتكوين العالم المثالي. إن هذا التكثّر والتعدد في القوى والطاقات الإنسانية لا يعني عدم التوافق وعدم الانسجام. إن جميع هذه الوظائف والنشاطات تعمل على تكميل بعضها ويفتح كل واحد منها أفقًا جديدًا، ويظهر لنا جانبًا جديدًا من جوانب البشرية. إن عدم الانسجام هنا يمثل تناغمًا وانسجامًا أيضًا[3].

(36)
جورج زيمل

وقد ذهب عالم الاجتماع الألماني جورج زيمل إلى تفسير الدين بالنسبة إلى الأشخاص المؤمنين بالدين حقيقة، بأنه ذات الحياة والروح الكامنة في كامل وجود الحياة الفردية والاجتماعية، والعامل المؤلف بين العناصر المتهافتة في الحياة والموفّق بين أضدادها والموجّه لمجمل الحياة نحو مساحة أوسع من هذه الحياة ونعني بها المساحة الاستعلائية؛ ومن هنا لا يوجد اختلاف بالنسبة إلى الأشخاص المتدينين في مجال العمل بين الدين والثقافة. وبعبارة أخرى: إن الدين والثقافة يقومان بأدوارهما في انسجام تام بمحورية ومرجعية الدين:

«إن الدين بالنسبة إلى الأشخاص المتدينين حقيقة هو «ذات الحياة». يبقى الدين بالنسبة إلى الشخص المتديّن حقيقة صيغة ونمطًا لكل تفكير وعمل وكل إحساس ورغبة وكل أمل ويأس. إن الدين ليس مجرّد ملازم مضاف إلى جميع هذه الأمور، بل هو المنشأ الأول لجميع تناغمات وعدم تناغمات الحياة في جميع أنواع التماس والتحرر»[1].

كما قال في بيان وظائف الدين في الحياة الاجتماعية: إن الدين واحد من عناصر الحياة. إن الدين يجب أن يأخذ مكانه في زمرة العناصر الأخرى،  ويجب فيما لو أرادت الحياة أن تكون كلًا منسجمًا أن تقيم ارتباطًا بها. إن الإنسان يحتاج إلى الدين للتوفيق بين عدد من القوى المتضادّة: حاجاته وتلبية هذه الاحتياجات، وما يجب عليه أن يقوم له وما يقوم به واقعًا، ورؤيته المثالية للعالم والحقيقة. إن الدين يعمل في كل لحظة على حلّ التناقضات التي يجدها في خارجه، وكذلك تلك القضايا التي تحدث على الدوام بينه وبين مجموع الحياة[2].

(37)

وقد أشار زيمل في موضع آخر إلى التديّن بوصفه أسلوبًا فب الحياة المعنوية بكيفية متمايزة: إن التديّن في ذاته البحتة ـ بغض النظر عن كل مادّة تجريبية ـ عبارة عن حياة. إن التيار الديني ينفذ في مضامين الحياة؛ وهي المضامين التي تتبلور في غير هذه الصورة على أساس الأصول العقلانية العملية أو الفنية، ويعمل [التيار الديني] على حملها ورفعها نحو مساحة استعلائية في صيغتها الجديدة[1].

إنه يرى أن الدين إذا تجلى في جميع المساحات والأبعاد الروحية للمؤمن، فسوف يكون له تأثير مباشر وفريد في حياته. لو وصل كل التحوّل الروحي إلى نتيجته الغائية، فسوف يعمل على تحويل الدين إلى نوع من الأسلوب المستقيم للحياة أو بحسب المصطلح إلى سنفونية للحياة. إن [الدين] ليس ترنيمة منفردة بل هو مفتاح في سنفونية [الحياة]. وإن الحياة ـ في مجمل أبعادها الدنيوية؛ بمعنى النشاط والإيمان والتفكير والإحساس ـ في مجموعها تخضع لتأثير ونفوذ تركيب فردي فذ من التواضع والجذل والتماس والسلام والضعف والتقديس؛ حيث لا يمكن لنا توصيفه من طريق آخر غير طريق التديّن[2].

ماكس فيبر

لقد تعرّض ماكس فيبر ـ عالم الاجماع الألماني الشهير ـ في كتابه المعروف بعنوان (الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية) إلى تشريع العلاقة العليّة أو الإعدادية بين النظام الاعتقادي / الأخلاقي المنبثق عن الدين البروتستانتي (بالرواية الكالونية) وبين النظام الرأسمالي في الغرب؛ وهي العلاقة التي تكون في الفهم الشائع عن الأديان ولا سيّما القراءة الكاثوليكية للمسيحية ولا سيّما في العالم العلماني مثيرة للجدل إلى حدّ كبير؛ وبعبارة أخرى: إن الأخلاق المنبثقة عن الفلسفة الدينية

(38)

وصفها عنصرًا ثقافيًا موجّها لسلوك المؤمنين، قد أعدّ أرضية غير مسبوقة لازدهار وتبرعم النظام الرأسمالي بوصفه نظامًا اقتصاديًا اجتماعيًا ثقافيًا متكاملًا.

وقد كان بصدد إثبات أن سلوك الأشخاص في المجتمعات المتنوّعة إنما يكون قابلًا للفهم فيما لو تمّ وضعه ضمن إطار الفهم الكلي لها عن الوجود. إن الأصول الحتمية للدين وتعبيراتها، تعدّ جزءًا من هذه الرؤية الكونية، ومن أجل إدراك سلوك الأفراد والجماعات ولا سيّما من أجل إدراك سلوكهم الاقتصادي، لا بدّ من إدراك الدين أيضًا[1]. وهو يعتقد أن الإدراك الذي يكون لدى كل واحد منا عن أهدافنا وغاياتنا تابع لأفكارنا بل وحتى تابع للأفكار ما بعد الطبيعية أو الدينية لنا أيضًا. إن زمام اختيار غايات وأهداف كل واحد منا طوع بنان فلسفتنا ورؤيتنا الكونية. في المذهب الكالوني (من الفِرَق البروتستانتية) حيث يكون للمؤمن تصوّر محدّد عن العلاقة بين الخالق والمخلوق، وحيث يكون لديه تصوّر خاص عن مسألة الاختيار عند الله، فإنه يعيش بشكل خاص، ويمارس السعي والعمل. وبذلك يكون السلوك الاقتصادي تابعًا لفلسفة عامّة، وإن العلاقة التي تتكوّن لدى كل شخص تجاه هذا النشاط أو ذلك النشاط لا تنفك عن النظام القيَمي أو الفلسفة العامة في مورد الوجود[2].

يرى ماكس فيبر أن تعبيرًا معيّنًا عن المذهب البروتستانتي أدّى إلى إيجاد دافع وحافز مساعد على تشكيل النظام الرأسمالي. كما أنه يذهب إلى الاعتقاد بأن الروح الرأسمالية والروح الدينية البروتستانتية تحتويان على تناسب مفهومي فيما بينهما؛ بمعنى أن هناك ارتباطًا مفهوميًا بين الرؤية الكونية المعيّنة من جهة، ونمط خاص من النشاط الاقتصادي من جهة أخرى[3]. إن بعض لوازم منطق اللاهوت والمذهب

(39)

الكالوني من وجهة نظره تتلاقى بشكل عجيب مع بعض لوازم المنطق الرأسمالي.

إن الارتباط بين الروح الرأسمالية والأخلاق البروتستانتية يثبت كيف يمكن لنمط تفكير معيّن حول العالم أن يعمل على تحديد جهة النشاطات، وأن يمهّد لتأثير القيَم والمعتقدات على الأفعال والممارسات البشرية بشكل إيجابي وعلمي. إن دراسة ماكس فيبر تثبت كيف تعمل الأفكار الدينية بوصفها علّة مؤثرة في مسار التاريخ[1].

إن بعض الأديان أو بعض التفسيرات عن الأديان ـ من وجهة نظر ماكس فيبر ـ قد تعمل على تحديد ظرفيات الحياة. إن الأديان القائمة على المرقابة والانجذاب والحماسة ـ ضمن أعمق طبقاتها الوجودية ـ تقع في خصومة مع الحياة الاقتصادية، وتبعد الفرد عن الحياة اليومية والسلوك النفعي[2].

وفي المقابل فإن الدين المشتمل على المفاهيم التي تظهر اجتباء وسعادة الإنسان الصالح في دائرة الحياة اليومية وعقلانية هذا العالم على أساس الأحكام الإلهية، يعمل على توفير المزيد من الإمكانات للتقيّد بذلك على مستوى الجماهير[3].

تالكوت بارسونز

لقد عمد عالم الاجتماع الأمريكي تالكوت بارسونز ـ بالنظر إلى اهتمامه بدور المسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية في تطوير الحضارة الغربية وازدهار وتعالي الظرفيات الروحية لها ـ إلى توجيه الأنظار نحو نقاط في خصوص الدور التأسيسي للدين في التمهيد الثقافي الاجتماعي المناسب لظهور التحوّلات المعاصرة: لقد أدّى الدين إلى ظهور ثقافة ومجتمع حديث يشمل الاقتصاد القوي والتكنولوجيا والعلم

(40)

أيضًا. لقد كانت الكنيسة هي المحرّك الأصلي والتنويري في الحضارة الحديثة[1]. إن المسيحية هي التي عملت على تحويل الثقافة القديمة إلى ثقافة حديثة، وإن تركيبتها القروسطية قد تمخّضت عن مجتمع وعن ثقافة عظيمة[2]. لقد وفّرت المسيحية أساسًا دنيويًا لبناء المجتمعات وإيجاد الاتحاد من طريق القيَم المشتركة. إن المذهب الكاثوليكي أوجد حيّزًا لثقافة معنوية مستقلة لم يكن لها نظير بين جميع الأديان الكبرى في العصور الوسطى. كما أخذ المذهب البروتستانتي على عاتقه قيادة الثورة التعليمية في القرن التاسع عشر للميلاد والنشر التام للمعنويات ولا سيّما العلوم[3]. كما عمدت المسيحية كذلك إلى توفير الأرضية الأصلية لظهور الاقتصاد والعلوم والاستقلال الفكري والبناء القانوني والدنيوي[4] في المجتمعات الغربية. إن المسيحية أساس لظهور دولة الرفاه العامة المحبّة للإنسان[5].

إن قوّة وصلاح الحضارة الأوربية والمجتمع المعاصر ـ من وجهة نظره ـ مشتقة من المسيحية. لقد كانت المسيحية هي المحور الأصلي للنظم والاتحاد والتقدّم في المجتمع الغربي[6]. إن الدوافع الدينية يتمّ بيانها حاليًا من طريق الثقافية الأخلاقية الدينية. وقد تركّز حضور هذه الثقافة وتجلّى من طريق القوّة المنسوبة إلى القيَم الأخلاقية. إن القيَم العليا غير المرئية هي التي تعمل في نهاية المطاف على تجديد الإجابة الأصلية عن هذا السؤال القائل: ما هي الأهداف التي يتجه إليها المجتمع

(41)

ولأيّ غرض؟[1] إن «المقدّس» من وجهة نظر تالكوت بارسونز عبارة عن شعور غير قابل للوصف والبيان حيث يقترن بالاشتياق الديني ويمكن له أن يتسع ويضفي على كل شيء حالة سماوية. إن الحالة المقدسة تكمن في صلب النظام الأخلاقي وتقع في مركز العالم الاجتماعي. إن الله حاضر بشكل غير مرئي ولكنه مقتدر وزاخر بالأسرار في النظام الاجتماعي[2]. كما يذهب تالكوت بارسونز إلى الاعتقاد بأن الدين ـ بوصفه ثقافة ـ يعمل على توظيف رموز وأفكار ضرورية لإيجاد الدوافع والحوافز في نظام الفعل، وإن النظام الثقافي ومن بينه الدين يعمل على ضبط النظام الاجتماعي ونظام الشخصية والطبيعة الجسدية[3].

تشارلز ديفيس

إن الدين بوصفه أمرًا مقدسًا، يلعب ـ من وجهة نظر المختص في علم الاجتماع الديني تشارلز ديفيس[4] ـ دورًا جوهريًا في إضفاء الحياة والمعنى عل الأبعاد الثقافية والعوالم الإنسانية، ويعتبر غيابه عن الحقول الثقافية والاجتماعية في العالم الحديث كارثة تؤدّي إلى ابتذال الثقافة. إن [الدين] أو الأمر المتعالي يرتبط مع كل واحد من العوالم الإنسانية أو الحقول الثقافية بوصفها أساسًا يمدها بالحياة ويُعدّ بوصفه المؤسس لمفهومها وقيمتها؛ إن الأمر المتعالي وإن كان يقف فيما وراء كل واحد من الأبعاد الإنسانية، ولهذا السبب تمّ اعتبار نبذ الأمر القدسي في المجالات الثقافية بالنسبة إلى الثقافة الحديثة، أمرًا كارثيًا[5].

(42)

وقد عمد في موضع آخر إلى تقييم العقائد الدينية بوصفها جزءًا لا يتجزّأ من التراث الثقافي للمجتمعات الإنسانية: إن المجتمعات لا تبدأ بلوحة بسيطة بل بسنة موروثة، وقد كانت العقائد الدينية على الدوام جزءًا من هذه السنة وهذا التراث[1].

كما قال تشارلز ديفيس في بيان الأبعاد والتجليات الثقافية / الاجتماعية للدين: إن الدين يحتوي على ثلاثة أوجه متناظرة مع ثلاثة أبعاد ثقافية ومعيارية وآلية. إن البُعد المعرفي ينتج الدين الكوني، وإن البُعد المعياري ينتج الدين السياسي، وإن البُعد الآلي ينتج الدين التأملي. إن هذه الأبعاد الثلاثة من الدين ونعني بها البُعد الكوني والسياسي والتأمّلي، متمايزة من بعضها بيد أنها غير منفصلة عن بعضها، كما أن الأبعاد الثقافية الثلاثة متمايزة ولكنها غير منفصلة[2].

إن الثقافة وكذلك السياسة ـ من وجهة نظر تشارلز ديفيس ـ تلعب دور الوسيط في انتقال المفاهيم والقيَم الدينية إلى المجتمع: إن الثقافة والسياسة في حد نفسيهما ليستا دينيتين. وإنما هما مجرد وسيط بين الحقائق والقيَم الدينية[3].

إن الدين في المجتمع الإنساني ـ من وجهة نظر تشارلز ديفيس ـ لن يفقد وظيفته أبدًا؛ فلو حُرمنا من بعض الوظائف الأخرى للدين، يبقى هناك على الدوام دور يُتوقع من الدين أن يضطلع به[4]. كما قال في بيان الوظائف الثقافية للدين: إن الدين لا يمثل مساحة متمايزة بشكل خاص من مفهوم الثقافة. إن الدين يفتح كل جزء من النشاط والثقافة الإنسانية باتجاه اللامحدود والماوراء والأمر المتعالي. وعلى هذه الشاكلة يسري الإيمان الديني إلى محتوى جميع الحقول المختلفة من المعنى والثقافة[5].

(43)

كما يعمل تشارلز ديفيس في الوقت نفسه على توجيه الأنظار نحو دور الثقافة ومقتضيات النص الاجتماعي في تقييد العقائد والقيَم الدينية: ومع ذلك فإن العقائد الدينية ـ مثل جميع المصنوعات الإنسانية ـ نسبية وغير ثابتة ومحدودة بالثقافة[1].

دانيل بيل

لقد ذهب عالم الاجتماع الأمريكي دانيل بيل[2] إلى الاعتقاد بأن الدين في المجتمع التقليدي كان يشمل جميع مناحي الحياة، ولم يكن هناك في الأساس تمايز بين الدين والثقافة: لقد كان الدين ـ بوصفه فكرة ومنهجًا ـ يغطي جميع أنحاء حياة الإنسان في المجتمع التقليدي، وأما في المجتمع الحديث فقد انحسر الدين من فضاء الحياة إلى حدّ كبير[3].

وهو يرى أن الثقافة في المجتمع الحديث قد حلّت محلّ الدين، وإن هذا الحلول والاستبدال قد أدّى إلى ظهور تغييرات في المنظومة المفهومية لدى البشر: لقد حلّت «الثقافة» بالنسبة إلى الإنسان الحديث والعالم والوطن محل الدين، وأصبح «العمل» بوصفه وسيلة لتحقيقه أو أدوات لإضفاء المشروعية على الحياة[4].

كما وقد عمد ـ في بيان خصائص الدين ضمن توصيف دوركهايمي ـ إلى التعريف بالدين بوصفه مصدرًا للمعارف القدسية. حيث قال: إن قوّة الدين لم تنشأ من أيّ كيفية نفعية (من المنفعة الفردية أو الحاجة الفردية). إن الدين ليس عقدًا اجتماعيًا ولا نظامًا عامًا من المعاني والمفاهيم الكونية. إن قوّة الدين تنشأ من هذه الحقيقة القائلة بأن الدين قبل الأيديولوجيات أو الصوَر الأخرى للاعتقاد

(44)

العلماني كان وسيلة للجمع؛ حيث عمد إلى صبّ مفهوم الأمر المقدّس في بوتقة واحدة وقويّة؛ أي ذلك الشيء الموجود بوصفه الضمير والوجدان الجمعي للناس على نحو محدد. إن الدين عبارة عن وعي المجتمع، وحيث أن الحياة الاجتماعية في جميع أبعادها إنما تكون ممكنة في ظل نظام الرموز والنماذج، فإن ذلك الوعي قد ركز اهتمامه على بعض الموضوعات التي يتمّ اعتبارها من الأمور المقدّسة[1].

كما يذهب ـ في بيان وظائف الدين ـ إلى الاعتقاد بأن الدين من خلال التمسك بالمراسم والمناسك التي تعدّ من الآليات اللازمة لإيجاد المشاعر المشتركة، يعدّ وسيلة لتحقيق التلاحم الاجتماعي. إن الدين هو ذلك الجزء المقوّم لوعي الإنسان، وهو بحث معرفي لنموذج «النظم العام» للوجود، وحاجة مؤثرة لإيجاد المناسك وإضفاء القداسة على هذا النوع من الأفهام، وحاجة أولى للتبعية إلى الآخرين أو حاجة إلى مجموعة من المعاني لتقدّم جوابًا استعلائيًا إلى النفس، وحاجة وجودية للمواجهة مع أمور قطعية وحتمية من قبيل الموت والألم. إن الدين يعمل دائمًا على فرض المعايير الأخلاقية على الثقافة. إن الدين يؤكد على المحدوديات، ويؤكد بشكل خاص على تبعية الدافع والحافز الجمالي للسلوك الأخلاقي. إن الثقافة عندما تقترن بالدين تقوم بالحكم على الحاضر في ضوء الماضي، وكلاهما يستمر من طريق التراث والسنن[2].

غليفورد غيرتز

لقد عمد الأنثروبولوجي الأمريكي غليفورد غيرتز إلى وصف النسبة بين الدين والثقافة من زاوية عملانية، على النحو الآتي: إن الدين مظهر من مظاهر الثقافة. وإن الدين بالاقتران مع الفهم العام والفن والعلوم التجريبية والأيديولوجية، يصنع «نظامًا ثقافيًا». إن الأنظمة الثقافية بوصفها نظامًا تعدّ جزءًا منظمًا من الثقافة وتتألف

(45)

من العقائد والمناسك. إن هذه الأنظمة تحتوي على وظائف مشابهة للثقافة بوصفها كلًا جامعًا[1].

إن الدين ـ من وجهة نظر غليفورد غيرتز ـ يمنح المجتمع نوعًا من الرؤية الكونية والنهج الخاص وبتبع ذلك نوعًا من أساليب الحياة المتطابقة مع الغيب، ويضفي على الحياة ـ مثل الثقافة ـ معنى ومفهومًا: إن النهج والطريقة في العقائد والمناسك الدينية لدى جماعة يتجلى على شكل عقلائي وجيه ويتمّ إظهاره على هذه الشاكلة، وإن هذا النهج يعمل على بيان أسلوب من أساليب الحياة يتطابق على نحو مطلوب مع الوضع الواقعي للأمور كما تعمل الرؤية الكونية للجماعة على تقديمها. يتمّ التعريف بالرؤية الكونية بوصفها تصويرًا لواقع الأمور على شكل فريد لتطبيق هذا النمط من الحياة. إن النماذج الدينية تقيم تماهيًا جوهريًا بين أسلوب حياة خاصة وغيب خاص، وتحفظ كل واحد من هذين الوجهين. إن الدين والثقافة كلاهما يضفي المعنى والمفهوم على الحياة، ويعملان على إيصال وإبلاغ هذا المفهوم[2].

قال غليفورد غيرتز في الإشارة إلى دور الدين في بيان القيَم الاجتماعية وإضفاء المشروعية عليها: إن الدين ـ من خلال امتزاج الأخلاق والرؤية الكونية ـ يضفي المشروعية على مجموعة من القيَم الاجتماعية، التي ربما احتاجوا إليها في التحقق أكثر من حاجتهم إلى أيّ شيء آخر. إن القيَم لا يتمّ تصويرها في المناسك والأساطير المقدّسة بوصفها أعمالًا إنسانية ذهنية، بل بوصفها من الشروط المقدّرة للحياة في عالم يقوم على بنية خاصّة[3].

يذهب غليفورد غيرتز إلى الاعتقاد بأن الرؤية الكونية والأخلاق التي تم تلفيقها

(46)

بها تشمل ثقافة بكاملها وليس الجانب الديني المحدد منها فقط. ويرى أن إعداد الرؤية الكونية والأخلاق [بالنسبة إلى الثقافة] ينحصر بالدين فقط. وأما سائر الأنظمة الثقافية فهي قد تستوجب بعض العقائد والمناسك التي لا تكون متعالية إلا في الحدّ الأدنى، وعليه قلما يمكن أن يتمّ تقييمها بوصفها رؤية كونية وأخلاقية[1].

إن التديّن ـ من وجهة نظر غليفورد غيرتز ـ  لا يتوقف على الحقيقة أو العلم بما يتمّ الظن بأنه حقيقة فقط، بل هو تحقيق لها؛ بمعنى أن نعيش تلك الحقيقة[2]. وبعبارة أخرى: إن الدين من وجهة نظر غليفورد غيرتز قد لعب دورًا استراتيجيًا في بناء العالم على يد الإنسان، ويتضمّن الإشعاع من تمامية الوجود على النظم الإنساني. والخلاصة هي «إن الدين سعي جريء لإضفاء المعنى والمفهوم على كل الوجود بالنسبة إلى الإنسان»[3].

إن النقطة الأخيرة هي أن الدين ـ من وجهة نظر غليفورد غيرتز ـ يعدّ نموذجًا للثقافة[4] وفی نفس الوقت نموذجًا لتغيير الثقافة[5] أيضًا؛ بمعنى أن الدين من جهة وصف لتجربة واقعية للناس وطوائف المجتمع، ومن جهة أخرى يُعدّ نموذجًا للتغيير أيضًا. وبعبارة أخرى: إن الدين في الوقت الذي يريد العمل على بيان ماهية الواقعية، يسعى مباشرة إلى إصدار الوصفة والقول: ما هو الشيء الذي يجب أن يكون[6].

(47)
أنطوني غيدنز

كما عمد عالم الاجتماع الإنجليزي أنطوني غيدنز بدوره إلى التصريح بمحورية الدين في المجتمع التقليدي وامتزاج الدين والثقافة في هذا النوع من المجتمعات. إن الدين في المجتمعات التقليدية يؤدّي عادة الدور الرئيس في الحياة الاجتماعية. إن النماذج والمناسك الدينية غالبًا ما تمتزج بالثقافة المادية والفنية للمجتمع مثل الموسيقى والرسم أو النحت والرقص ورواية القصص والحكايات والأدب[1].

ثم استطرد أنطوني غيدنز ـ من خلال الاستناد إلى رأي إميل دوركهايم القائم على هيمنة الخطاب الديني في المجتمع التقليدي ودوره الإبداعي الفريد، وفي المقابل أفول موقعيته في المجتمع الحديث ـ ليقول: إن الثقافات الصغيرة والتقليدية ـ في ضوء استدلال إميل دوركهايم ـ تقع جميع أبعاد الحياة فيها تقريبًا تحت تأثير الدين. وإن الشعائر الدينية بدورها تستوجب ظهور الأفكار والمقولات الفكرية الجديدة، كما تعمل على تعزيز وتثبيت القيَم الموجودة من جديد أيضًا. إن الدين ليس مجرّد مجموعة من العواطف والنشاطات فقط، بل هو يعمل على تعيين طريقة تفكير الأفراد في الثقافات التقليدية. وحتى أكثر المقولات الفكرية جوهرية ومن بينها كيفية التصوّر الموجود للزمان والمكان، يتمّ صبها بادئ الأمر في بوتقة الدين. يذهب إيميل دوركهايم إلى الاعتقاد بأن نفوذ الدين وتأثيره يضمحل بالتزامن مع ظهور وازدهار المجتمعات الحديثة. إن التفكير العلمي يحل بشكل متسارع ليأخذ مكان التفسيرات الدينية، وتبقى النشاطات والمناسك الدينية تحتلّ حيّزًا وهامشًا صغيرًا من حياة الأشخاص[2]. كما أنه يعتبر الشعائر الجماعية أو المناسك بوصفها واحدة من العناصر الأصلية المشتركة بين جميع الأديان بتجلياتها الثقافية الخاصة[3].

 

(48)
بيتر بيرغر

لقد ذهب المختص في علم الاجتماع الديني بيتر بيرغر إلى الاعتقاد بأن الدين نشاط بشري يستقرّ بواسطته ذلك الوجود المقدّس. إن الدين عبارة عن صنع كون بأسلوب مقدّس. إن المراد من المقدّس هي الحالة الخفية والقوّة المخيفة التي هي غير الإنسان ولكنها في الوقت نفسه ترتبط به وتتمّ تعبئتها في أشياء خاصّة[1]. إن أساس الدين ـ من وجهة نظره ـ تجربة دينية، وهي تجربة معبّرة عن الحضور أو الشعور المتعالي.

لقد لعب الدين دورًا استراتيجيًا في صنع العالم على يد الإنسان. إن الدين يتضمّن الإشعاع من النظم الإنساني على كل الوجود. وبعبارة أخرى: «إن الدين سعي جريء لإضفاء المعنى والمفهوم على كل الوجود بالنسبة إلى الإنسان»[2].

وفي المقابل فإن المجتمع والثقافة تضرب جذورهما في طبيعة الحياة البشرية. إن الثقافة في مجمل المعطيات الخارجية للإنسان والمجتمع تشير إلى الترتيبات الاجتماعية المعيّنة التي تستند إليها الثقافة. إن المجتمع يُعدّ شرطًا ضروريًا لتبلور الثقافة[3].

إن الارتباط بين الدين والثقافة ـ من وجهة نظر بيتر بيرغر ـ إنما يتبلور في الحقل المفهومي من الحياة. كما يذهب بيتر بيرغر إلى القول بأن علمنة الثقافة (في قبال تديّنها) عبارة عن علمنة النماذج والحياة الفكرية والوعي والإدراك. إن هذا النوع من العلمنة إنما يتحقق حيث تخرج وظيفة مفهومية الحياة عن عاتق الدين، وتقع تحت اختيار البدائل الأخرى ومن بينها العلوم الجديدة[4].

(49)
جون مك لافلين

لقد ذهب جون مك لافلين[1] ـ المختص في علم الاجتماع الديني ـ إلى القول بأن الثقافة وسيلة لضمان أهداف الدين ومحملًا لانعكاسه في المجتمع: إن جميع الأعمال الإنسانية بما فيها الأعمال الدينية إنما يتمّ وضعها في ظروف تعمل الظرفيات الثقافية على بلورتها دائمًا. إن الدين في الواقع بسبب القوّة الكبيرة الموجودة في الثقافة، يستند إليها بوصفها وسيلة لتحقيق مآربه وأغراضه[2].

كما أنه يعمل على تقييم الثقافة بوصفها أرضية وحاضنة لإعادة تدوين القوانين الدينية المتناسبة مع القوالب الاجتماعية الخاصة والمتماهية مع القيَم المحلية التي هي في طور التحوّل: في الحقيقة والواقع لكي تحافظ أهداف الدين على مفهومها الواقعي في إطار الشعور والحسّ الاجتماعي، يجب أن تحافظ على قوتها وقدرتها على إعادة تدوين قوانينها لكي تتمكن من الدخول بشكل هادف إلى الأنظمة القيَميّة والحقائق الاجتماعية التي هي في طور تحوّل القيَم المحلية[3].

ثم عمد مك لافلين بعد ذلك إلى توجيه الأنظار إلى المناسك والمفاهيم الرمزية للدين بوصفها تجليات ثقافية / اجتماعية للدين مع وظائف خاصّة: إن المناسك الدينية أبعاد ثقافية واجتماعية للدين، وتضفي عينية على الأفكار المتعالية. إن هذه المناسك تعمل على تجسيد أصول العقائد ـ المبهمة نسبيًا ـ من طريق الحركات الجسدية المنظمة، ويكون ذلك في الغالب من خلال الاستفادة من الأماكن والأشياء الخاصّة؛ ومن هنا تكون هذه المناسك ضرورية للحفاظ على الرؤية الكونية والخصائص الخاصّة بالدين. إن المفاهيم الرمزية التي ترتبط بالمناسك الخاصة، تعمل على تسهيل

(50)

الارتباط بين الجماعات والأشخاص وحقائقهم الغائية. إن هذا النوع من المناسك يعمل على سدّ الفجوات بين التجارب العالمية والاجتماعية والفردية[1].

ثم عمد بعد ذلك استنادًا إلى بعض الآراء إلى توجيه الأنظار نحو التماهي بين الدين والثقافة في الواقعية الاجتماعية: لا شيء ـ أو في الحدّ الأدنى ليس هناك شيء جدير بالملاحظة في الدين ـ يمكنه أن ينفصل عن الأشكال الثقافية التي يعمل الدين على إظهار وجوده من خلالها[2].

ماثيو آرنولد

يذهب المفكر الإنجليزي ماثيو آرنولد إلى الادعاء بأن العبرانية ـ أي مساحة الدين ـ تشكل ثلاثة أرباع حياة الإنسان، وأما الثقافة أو النزعة الإغريقية واليونانية فلا تشغل من حياة الإنسان سوى الربع. وهو يرى أن الثقافة لم تعد ناظرة إلى الازدهار والتطوّر في جميع أبعاد الطبيعة البشرية، وإنما تهتم بالبعد الإغريقي واليوناني من طبيعة الإنسان فقط. كما يذهب ماثيو آرنولد إلى الاعتقاد بأن على الإنسان أن يتعهد بشيء أبعد من نفسه. إن هذا التعهد في الدين هو التعهد تجاه الله، وإن الله هو المظهر المثالي الكمال الذي يهتم به في أفكاره الخاصة بحقل الثقافة[3]؛ ومن هنا فإن الدين شيء أشمل من الثقافة بمراتب وأكثر تعاليًا منها.

جيمز بكفورد

يذهب الفيلسوف واللاهوتي الدنيماركي جيمز بكفورد[4] إلى الاعتقاد بأن الثقافة عبارة عن مساحة تبلور الدين في الحياة الاجتماعية: إن الدين يتبلور ويتجلى في

(51)

الحياة الاجتماعية، في إطار مقولات من قبيل: الأيديولوجيا، والرؤية الكونية، والثقافة والقومية[1]. إن عددًا من الموضوعات الاجتماعية التي يُنسب إليها مفهوم ديني، عبارة عن: الأفعال والسلوكيات والمشاعر أو تصوّرات الأشخاص (سواء على المستوى الفردي أو الجمعي)، والمعاني والقواعد التي تعيّنت في إطار المنظمات والمؤسسات والمجتمعات[2].

إنه يرى أن الأفهام المختلفة للدين (التي تحتوي على اعتبار أو تفسير جمعي) لها حضور في الكثير من حقول الحياة الاجتماعية، وعلى الرغم من عدم وجود نقاش في أغلب هذه الأفهام، [ولكن هناك على الدوام اختلافات بين ما هو «ديني» وبين ما هو «فهم مختلف» للدين][3].

كما قال في إشارة منه إلى بعض الوظائف الاجتماعية للدين: إن الدين مطروح بوصفه مصدرًا للاتجاه الأخلاقي، والهداية المعنوية، والهوية والمعنى للجماعة والأفراد بشكل خاص، وتماهي الأفراد مع المجتمع، وارتباط جميع المؤسسات في إطار كل منسجم (وبطبيعة الحال فإن الدين قد فقد هذه الوظيفة حاليًا). كما يمكن للدين أن يلعب دورًا ويكون له سهم في المساعدة على حل المسائل المتصلة والملازمة للتحوّلات الاجتماعية السريعة وحل «التناقض النهائي»[4]. إن المعاني المشتركة المنسوبة إلى الدين، يمكن العثور عليها في الكثير من المسارات والأبنية والمحاصيل الثقافية والاجتماعية[5]. وأما النقطة الأخيرة فهي أن جيمز بكفورد قد أثبت بوضوح أن الدين ـ بالنسبة إلى علماء الاجتماع الملحدين ـ يرتبط بمجمل المنظومة الاجتماعية،

(52)

وإن السعي إلى إدراك وفهم الدين يمثل جزءًا من السعي التنظيري العام في مورد مجمل الحياة الاجتماعية والمجتمع[1].

مك كواري

يذهب عالم الاجتماع ماك كواري[2] إلى الاعتقاد بأن جميع الأديان أشكال من الثقافة الممتزجة بالتجربة التاريخية لمختلف الجماعات والشعوب[3].

كما أنه يقول ـ بالنظر إلى رؤية إرنست كاسيرر ـ إن الدين بالإضافة إلى العلم واللغة والأساطير والفن وما إلى ذلك، يحتل مكانة خاصّة في الثقافة.

إن الثقافة الإنسانية ـ من وجهة نظره ـ في مجملها عبارة عن مسار للتحرّر التكاملي لنوع البشر. وإن اللغة والفن والدين والعلم تمثل مراحل متنوّعة من هذا المسار. إن الإنسان في كل واحد من هذه الأمور يعمل على اكتشاف وإثبات طاقة وقوّة جديدة: وهي قوّة بناء عالم خاص وعالم مثالي. إن كل واحدة من الصور النموذجية أعلاه إنما يمكن أن تكون قابلة للتفسير إلى حدّ ما فيما إذا ساهمت في مساعدة الحياة الثقافية للإنسان والعالم الذي يعمل على بناء روحه[4].

وقد قال مك كواري نقلًا عن كريستوفر داوسون[5] ـ من الباحثين في فلسفة الدين ـ في بيان الدور الثقافي للدين: إن الدين مرشد ثقافي، ويلعب دورًا أساسيًا في بلورته وتشكيله؛ بل وحتى الأديان الصريحة في تمحضها للآخرة ويبدو منها التنكر لجميع قيم ومعايير المجتمع الإنساني، قد تنطوي على تأثير كبير في الثقافة، وتعمل

(53)

على إعداد عناصر مؤثرة في توجهات التحوّل الاجتماعي. إن الإيمان الديني يعمل على إرشاد الإنسان إلى مساحة من الواقعية الأوسع بكثير من مساحة أيّ أيديولوجية إنسانية تعمل على تحديد وحصر اهتمام الإنسان بالعالم المتناهي والمادي فقط، وبهذه النسبة سوف يكون للإيمان الديني تأثير أعمق (وإن لم يكن على نحو محسوس). إن الدين يؤثر في كل ثقافة بشكل عميق. وقد عمل الدين في الثقافات الآسيوية المهمة على تأسيس نظم اجتماعي مقدّس، ربما لم يتغير على مدى القرون والعصور[1].

علي شريعتي

لقد تحدّث الدكتور علي شريعتي ـ في إطار اهتمامه بالإسلام في مقام التحقق والعثور على المسار التاريخي وتأثيراته العميقة على مختلف طبقات الثقافة الإيرانية وخلق الإنسان  والعالم الاجتماعي الحديث بما يتناسب مع الروح الكلية ـ قائلًا:

كما أن الإسلام في الوقت نفسه يمثل بالنسبة لنا التاريخ واللغة والثقافة والرؤية والأخلاق والعلاقات الاجتماعية والعاطفية والسلوكية، ونوع من الرؤية الكونية وفهم الإنسان والحياة. إن الإسلام بالإضافة إلى حقيقته يُسجل حضوره على شكل واقعية في صلب ثقافتنا وفطرتنا ووجداننا الجمعي وعلاقاتنا الاجتماعية. إن الإسلام بالنسبة لنا ـ بالإضافة إلى كونه أيديولوجيا ـ مضمون تاريخي وروح وخصلة ثقافية، وأسلوب حياة، وسلوك فردي واجتماعي، وهو روح جماعية، وبالتالي فإنه يحدد فهمنا الخاص للعالم، وعلاقتنا بالوجود، وكذلك يعمل على بلورة بناءنا القيَمي والأساس الإنساني وفطرتنا الوجودية[2]. وقال الدكتور علي شريعتي من خلال بيانه لفهمين مختلفين عن الإسلام وهما الإسلام بوصفه أيديولوجيا والإسلام بوصفه ثقافة: إن الإسلام بوصفه أيديولوجية (بمعنى المذهب الاعتقادي، والاعتقاد الغائي

(54)

والتوجيهي أي الدين) تكون مسائله الاعتقادية ومناسكه العملية وحتى العبادية، عنصرًا من عناصر التكامل المعنوي والروحي للإنسان والعزّة والازدهار الأخلاقي والفكري والاجتماعي، ورأس حربة لارتقاء حياة النوع الإنساني، والإسلام بوصفه ثقافة تحتوي على مجموعة من العلوم والمعارف والحقول والكثير من المعلومات، من قبيل: الفلسفة والكلام والعرفان والأصول والفقه والرجال. إن الإسلام بوصفه أيديولوجية يخرج لنا أشخاصًا من أمثال أبي ذر الغفاري، وبوصفه ثقافة يخرج لنا أشخاصًا من أمثال الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا. إن الإسلام بصفته الأيديلوجية يصنع المجاهدين، وبصفته الثقافية يصنع المجتهدين[1]. إن الدكتور علي شريعتي يرى أن تحوّل الدين إلى ثقافة إنما هو نتيجة للانخفاض التدريجي له في حاضنة المجتمع: إن النهضة في بداية أمرها عبارة عن إيمان وهدف ومسؤولية وجهاد ينبثق من صلب «المذهب الاعتقادي»، بعد أن ينحدر منحني «العقيدة» ـ التي تعمل على توعية الجمهور وتحشيده ـ من نقطة ذروته، يبدأ منحني «الثقافة» ـ التي هي مجموعة من الفلسفة والعلوم والأدبيات والفن ـ عملية الصعود[2].

يرى الدكتور علي شريعتي أن تحوّل الإسلام من عقيدة معيّنة ـ وذلك فيما يتعلق بالعلاقة الداخلية للفرد مع الله ـ إلى أيديولوجية تشمل جميع الأبعاد الوجودية للإنسان والمجتمع والحياة المادية والمعنوية، وأن رسالة بناء أساس المجتمع عبارة عن تحريك وتوجيه وتعيين أسلوب ونهج وغاية التاريخ وتغيير طبيعة ومصير الإنسان ومسؤوليته، وأسلوب الحياة، والعلاقات الطبقية، والإنتاج والتوزيع والاستهلاك الاقتصادي، والنظام الأخلاقي والتعليمي والثقافي، وبالتالي فإنها

(55)

تمسك بأساس الفلسفة والضوابط والجهة وغاية القيادة[1]. إن الإسلام دين مجتمعنا، وصانع تاريخنا، وروح ثقافتنا، وهو الوجدان المنيع والعمود القوي لمجتمعنا، وهو أساس أخلاقنا ومعنويتنا، وباختصار فإنه الذات الإنسانية لشعبنا[2].

يوسف فضائي

لقد توصّل المختص في علم الاجتماع الديني الدكتور يوسف فضائي ـ من خلال تفكيك الأديان الابتدائية وفصلها عن الأديان التوحيدية (بوصفها من الأديان المتكاملة في ضوء النظرية التكاملية للدين) ومساحتها الشمولية في المجتمع ـ إلى نتيجة مفادها أن مفهوم الدين في المراحل الابتدائية، كان من الناحية الفكرية عبارة عن الرؤية الكونية العامة للإنسان البدائي، وكان من الناحية الاجتماعية والعملية يشمل جميع العلاقات الفردية والاجتماعية، والثقافة والحضارة، والمناسك والآداب الخاصة، بالإضافة إلى سلسلة من الطقوس والتابوات في إقامة المناسك وكذلك الأساطير والعبادات الدينية أيضًا. وبعبارة أخرى: إن الدين في المراحل الأبعد كان في الغالب عبارة عن ظواهر فكرية واجتماعية، من قبيل: القوانين الاجتماعية والسياسية والأدبيات والفن والموسيقى والرقص والاحتفالات والفلك والطب والسحر وما إلى ذلك؛ بمعنى أن جميع هذه العناوين كانت تحتوي على صبغة دينية في المجتمعات البدائية، ومن هنا فقد ذهب بعض المفكرين إلى الاعتقاد بأن الدين هو أصل ومنشأ الفلسفة وبعض العلوم من قبيل الطب والفلك؛ وأما في المرحلة التوحيدية فقد كان الدين عبارة عن الاعتقاد بالقوى الإلهية وما وراء الطبيعية ورعاية سلسلة من القواعد الأخلاقية، والقيام بمجموعة من المناسك العبادية من أجل التقرّب إلى الله والحصول على مرضاته[3].

(56)
حسن محدّثي جيلوائي

لقد تحدّث المختص في علم الاجتماع الديني الدكتور حسن محدّثي جيلوائي ـ في معرض بيانه للأبعاد الثقافية / الاجتماعية للدين، ودوره ووظيفته الاجتماعية ولا سيّما في الأزمنة الماضية ـ قائلًا: إن الدين يحتوي على مجموعة من العناصر الاجتماعية والثقافية الناظرة إلى إعادة إنتاج تجربة الأمر القدسي. إن المحتوى النهائي والأساسي لتجربة الأمر القدسي المشترك في مختلف السنن الدينية، عبارة عن: «وجود نظم عام وأساسي في الوجود». ويتبلور حول هذا النوع من التجربة نظام نموذجي ومؤسسات وأدوار ومناسك ومذاهب، الأمر الذي يُشكّل في مجموعه نظامًا ثقافيًا دينيًا، ويجب أن يكون مجموع هذا النظام الثقافي في خدمة إعادة إنتاج مضمون تجربة الأمر القدسي أو على نحو مثالي. إن القداسة الموجودة في هذه التجربة قابلة للسراية والانتقال، وعلى هذا الأساس يتمّ تقسيم الوجود إلى قسمين متمايزين، وهما: الوجود القدسي، والوجود الدنيوي. في ضوء هذه التسرية يمكن القول بأن الدين يسعى إلى إضفاء صبغة قدسية ودينية على جميع الأمور الاجتماعية والثقافية، وأن يعمل على توظيف الثقافة والمجتمع برمّته في خدمته، كما يسعى إلى تحويل كل الوجود إلى فضاء / زمان قدسي أيضًا، لكي يتمكن الفرد في كل مكان وفي كل زمان من تجربة الأمر القدسي[1].

في دائرة الوجود الإنساني حيث يشاهد الإنسان قداسة في التجربة الدينية، فإنه يميل إلى الحصول على هذه القداسة في جميع لحظات حياته وفي جميع تجاربه. وإن ذات هذا الأمر يخضع جميع حياته الشخصية في جميع أبعادها تحت سيطرة مضمون الأمر القدسي، وهو يؤثر في نشاطه الاجتماعي أيضًا. كما أن الدين يعمل على بناء المؤسسات على مستوى النظام الثقافي والاجتماعي أيضًا، ويعمل على نشر المفاهيم،

(57)

ويعمل في هذا السياق على توظيف بعض القوى والطاقات، وإن هذه القوى تعمل على توسيع مساحة الحدود التي يسيطر عليها الدين؛ وعلى هذا الأساس يصبح الجزء الأعظم من المجتمع دينيًا. إن هذا المسار إنما يحدث في مرحلة من التاريخ حيث يعمل الدين على تشكيل النظام الثقافي الأكثر أصالة. في ظل هذه المرحلة يكون اعتبار جميع المؤسسات رهنًا بنسبتها إلى الدين. في هذه المرحلة تتمّ إحالة جميع الاحتياجات وجميع أسئلة الناس إلى الدين، وإن الدين مكلف بالإجابة عنها وتلبيتها. وكلما تمّت إحالة هذه الاحتياجات والأسئلة إلى الدين بشكل أكبر، فسوف تصبح المساحة الاجتماعية من الدين أوسع، وتكون سيطرتها على كمّية المجتمع أكثر. لقد كان الدين وحده هو النظام الفكري المعتبر والذي كان بمقدوره تقديم أكثر الإجابات اعتبارًا ومنطقية[1].

داريوش آشوري

لقد عمد المختص في الثقافة الإيرانية داريوش آشوري إلى بيان الدين باعتبار دوره الاجتماعي ابتداءً على هامش نظام مفهوم عام باسم «الأيديولوجيا»، ثم عمد إلى لفت الأنظار إلى دوره المحوري في بثّ الوعي الحضاري وبلورة ظاهرتين حيويتين في حياة الإنسان، وهما: الأخلاق والسياسة.كما يعمل داريوش آشوري إلى تقييم دور الدين أو الأيديولوجيا بوصفها مقوّمة للثقافة والحضارة بشكل أساسي، وفي نهاية المطاف يميل إلى الاتحاد والتماهي بين الدين والثقافة.

وقال بشأن موقع الدين في المجتمعات ما قبل الحديثة ودوره في بلورة الثقافة والحضارة: في مثل هذه المدن يعتبر الدين عنصرًا أصليًا وأساسيًا؛ إذ من خلال الدين تظهر العلاقة والصلة بين البشر والمبدأ، ومن هذا الطريق يحصل الإنسان

(58)

على «الأحكام الأزلية»؛ ومن هنا فإن ظهور أيّ دين جديد يشكل بداية تأسيس لمدينة حديثة وحضارة جديدة. إن كل دين جديد يدعو إلى أرض جديدة وإلى مدينة جديدة؛ الأمر الذي يعني استئناف التاريخ. إن الدين حيث يكون مؤسسًا وحافظًا للمدينة يكون أيديولوجية. وإن العنصر الجوهري الآخر في هذا النوع من المدن هو عنصر اللغة. إن الدين واللغة معطيان أوليان ومقدسان وأزليان تقوم الثقافة والمدنية على أساسهما، وإن إنسانية الإنسان وفطرته إنما تطبخ ويتمّ إنضاجها في هذا المِرجل[1].

إدوارد سابير

لقد عمد الأنثروبولوجي الفرنسي إدوارد سابير إلى تحديد مساحة الدين وتجليه في نطاق العناصر الثقافية، وكذلك تأثيراته الثقافية بالمجتمعات الابتدائية: إن الدين في المجتمعات الابتدائية يقيم ارتباطًا معقدًا وغير قابل للانفكاك مع الأخلاق والعلم والفن دون أن يختلط بأيّ واحد منهما. إن الدين يترك تأثيره في المنظومة الاجتماعية وسلسلة مراتبها، وبالتالي فإنه يترك تأثيره في التصوّر الذي يحمله الناس عن المنظمة الاجتماعية. وإن الأصح في إطار الموارد هو أن يقال إن الدين في المجتمعات الابتدائية هو الحقيقة الوحيدة المنظمة التي تشمل الثقافة وإن الذي نسمّيه أخلاقًا وعلمًا وفنًا ومنظومة اجتماعية يعدّ القسم الأعظم منه تجسيدًا للروح الدينية في الحياة اليومية[2].

(59)
فوستل دوكلانج

قال فوستيل دوكلانج بعد بحثه عن موقع الدين في اليونان وفي روما القديمة: لقد كان الدين متدخلًا في جميع حالات حياة المتقدمين؛ وكان الإنسان حيثما نظر يجد نفسه أمام الدين. لقد كانت الروح والجسم والحياة الفردية والاجتماعية والمحاكم والأعياد والحروب وجميع جزئيات حياته محكومة لأوامر الدين. لقد كان الدين هو الذي يحدّد جميع أفعال الناس وتكاليفهم في جميع لحظات حياتهم، وكان من السيطرة على وجود الإنسان بحيث لم يترك لهم حرية الاختيار في أعمالهم أبدًا[1].

وقد عمد المهندس مهدي بازرگان ـ بعد نقل خلاصات لآراء دوكولانج في الكتاب المذكور ـ إلى تلخيص آرائه ضمن هذه المحاور:

1. كانت الحضارة والمجتمع البشري منذ مراحله القديمة وليد الدين ورازحًا تحت تأثيره الشديد.

2. إن إدارة الهيئة الاجتماعية أو الحضارة من جهة والدين من جهة أخرى، كانا يمضيان قدمًا مع بعضهما خطوة بخطوة.

3. تنمية الحضارة والهيئة الاجتماعية لا مفرّ لها من الاحتياج إلى المعتقدات الدينية المشتركة والمتكاملة.

4. إنما في ظل الاشتراك في العقيدة والتوحيد في العبادة يصبح رفع العداوات وإيجاد الاتحاد والوفاق في طريق تأسيس دولة يمكن لجميع أفراد البشر أن يعيشوا في ظلها.

5. مع ظهور الدين المسيحي تم تحطيم العامل الذي كان يثير الفرقة والعداوة بين الشعوب، وتم تحطيم السدّ الكبير الذي كان يحول دون تأسيس الدولة العالمية الواحدة، وتمّ نفخ روح الحرية في جسد الأمة[2].

(60)
بيتريم سوروكين

قال المتخصص الروسي في علم الاجتماع والحضارات بيتريم سوروكين بشأن التجليات الثقافية للدين في المجتمع: «إن الثقافة الدينية تكتسب عينية في الملايين من الأشياء المادية، ابتداءً من المعابد وأبنية الكنائس الكبرى وصولًا إلى ملايين الأشياء الدينية، ومن ثم في الأعمال اليومية لأتباعه ـ ابتداء من قادة الدين إلى الأتباع العاديين ـ وابتداءً من العبادة البسيطة إلى ملايين الأعمال الدينية، والأحكام الأخلاقية، والبِرّ والإحسان الذي يتم العمل به من قبل المؤمنين. ومن بين جميع الأنظمة الثقافية، يحتل النظام الديني في جميع الصوَر الثلاثة الأيديولوجية والسلوكية والمادية، حيّزًا مهمًا من مجموع الثقافة البشرية»[1].

مسعود جلالي مقدّم

يؤكد المختص في علم الاجتماع الديني مسعود جلالي مقدم على دور الدين بوصفه وسيلة ثقافية في إيجاد انسجام وتناغم الفرد مع بيئته الاجتماعية والطبيعية، وإضفاء التعالي والتقديس على هذه النسبة: «إن الدين محصول ثقافي ونتيجة لمجهود إنساني حيث هو كائن حامل للثقافة. ومن هذه الزاوية يمكن لعالم الاجتماع أن يعتبر الدين وسيلة ثقافية يعمل الإنسان بواسطتها على مواءمة نفسه مع تجاربه في بيئته العامة، والمراد من البيئة العامة له هم الأعضاء في مجموعته، والعالم الطبيعي، وما يشعر أنه سيعمل على تعاليه. وإن هذا الأمر المذكور أخيرًا هو الذي يصنع مخ الدين ونواته؛ بمعنى توجيه الفكر وإحساس وعمل الإنسان الذي يشعر بما وراء تجربته اليومية إلى نفسه وإلى أبناء جلدته وإلى عالمه الطبيعي، وبكلمة واحدة إلى الأمر «المقدّس»»[2].

(61)

ثم استطرد مسعود جلالي مقدم بعد ذلك إلى توجيه الأنظار إلى التعاليم والمناسك الدينية بوصفها تجليات عينية لحضور الدين في المجتمع والثقافة: إن المناسك هي الجانب العملي والذي يمكن مشاهدته من السلوك الديني. يمكن لهذا المصطلح أن يكون شاملًا لجميع أنواع السلوكيات، من قبيل: ارتداء الثياب الخاصة، وتقديم النذور والأضاحي، وذكر بعض الكلمات، والبقاء في السعادة، وإنشاد الترانيم أو الأناشيد والغناء، والصلاة، والدعاء، والاحتفال، والصوم، والرقص، والندبة، والطهارة، والتلاوة. والحقيقة هي أنه من خلال التحليل الدقيق يتضح أن الكثير من تقاليد أيّ جماعة، إنما تنبثق عن المفهوم الذي يحمله أفرادها عن العلاقة مع الأمر المقدس. وبعبارة أخرى: يحتمل أن يكون لهذه المناسك والتقاليد منشأ ديني[1].

النتيجة

إن النتيجة الحاصلة من نقل الأقوال التي ورد ذكرها آنفًا ـ بالإضافة إلى الأبحاث المطروحة الأخرى في ضوء الرؤية الاجتماعية إلى الدين ـ هي أن علماء الاجتماع يتعاطون مع الدين في مقام التحقق (التديّن)، وليس مع الدين في مقام التعريف (الدين ضمن النص)، وهم يتعاطون مع جميع المنظومات العقائدية والقيَميّة والسلوكية والرمزية التي اكتسبت في المجتمع وفي فهم المؤمنين عنوان الدين، وليس خصوص الأديان السماوية فقط. لقد تمّ تصوّر الدين في هذا الفهم أحيانًا بوصفه رؤية كونية، وأيديولوجيا، وطريقة حياة، وأسلوب عيش عام، وبوصفه نظامًا أخلاقيًا، وتراثًا معنويًا وروحيًا أو نظامًا إلهيًا؛ وهم لا يرون للدين في الغالب منشأ إلهيًا وسماويًا، بل يرون له منشأه أرضيًا واجتماعيًا؛ فقد تمّ تصوّر الدين لا بوصفه من المقتضيات والمطالب الفطرية للإنسان، وإنما بوصفه

(62)

من مقتضيات الضرورات الوظيفية لحياتهم الاجتماعية. إن أهمية الدين عندهم لا تعود إلى أبعاده القدسية والميتافيزيقية، وإنما يعود سببها إلى أدواره ووظائفه، ونعني بذلك خصوص الوظائف الاجتماعية، والوظائف الرئيسة للدين التي تتلخص من وجهة نظرهم في أمور مثل إضفاء الهوية والمفهوم والانسجام، وإعطاء نمط من الحياة والرؤية الكونية والأيديلوجية وفتح الآفاق من أجل تفسير بعض حقائق الوجود، أو التعايش المعقول مع بعض الأزمات الطبيعية والاجتماعية، وإضفاء النظام الأخلاقي وما إلى ذلك.

وفيما يتعلق بالنسبة بين الدين والثقافة يمكن تبويب مجموع الآراء المعروضة في هذا المقام على النحو الآتي: إن الدين في المجتمع التقليدي هو الثقافة وقد تحوّل في المجتمع الحديث إلى جزء منها؛ إن الدين روح الثقافة وإن الثقافة تجسيد للدين؛ إن الدين هو ذات الثقافة على مستوى اللاوعي الجمعي وغير الثقافة على مستوى الوعي؛ إن الدين ينشط ضمن الثقافة وواقعًا في أسرها؛ إن الدين والثقافة لحظتان من التحرر التدريجي لروح الإنسان في مسار التعالي؛ إن الدين منشأ الثقافة أو عنصرها الجوهري؛ إن الدين هو الوجه المشترك لمختلف الثقافات في رقعة جغرافية؛ إن الدين يتضمن التراث وهو الجانب الغني من التراث الثقافي؛ إن الدين هو ذات الثقافة المعنوية؛ إن الدين والثقافة نظامان مفهوميان مستقلان، ولهما ارتباط واسع على المستوى العملي؛ إن الدين هو ذات الثقافة على شرط التعيّن الاجتماعي؛ إن الدين يتضمن جزءًا من العناصر الثقافية؛ إن الدين يؤثر في تكوين وبقاء وتطوّر الثقافة بشكل عميق؛ إن للدين والثقافة في المجتمع ارتباطًا وتعاطيًا وامتزاجًا لا يمكن اجتنابه على مستوى التعامل أبدًا.

 

(63)

 

 

المصادر

  1.  آرون، ريمون، مراحل اساسي انديشه در جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: باقر برهام، طهران، انتشارات وآموزش انقلاب اسلامي، ط2، 1370 هـ ش.
  2. آشوري، داريوش، ما ومدرنيته، طهران، مؤسسه فرهنگي صراط، ط5، 1392 هـ ش.
  3. إليوت، تي. أس، درباره فرهنگ، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد شاهرخ، طهران، نشر مركز، 1369 هـ ش.
  4. بازرگان، مهدي، دين وتمدن، طهران، مؤسسه انتشارات بعثت، 1352 هـ ش.
  5. بكفورد، جيمز اي، دين ونظريه اجتماعي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مسعود آريائي نيا، طهران، انتشارات دانشگاه امام صادق عليه‌السلام، 1389 هـ ش.
  6. بل، دانيل، «دين وفرهنگ در جامعه پسا‌صنعتي»، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مهسا كرم‌پور، فصلية أرغنون، العدد: 18، 1380 هـ ش، الصفحات 159 ـ 183.
  7. جانسون، لزلي، منتقدان فرهنگ، ترجمه إلى اللغة الفارسية: ضياء موحد، طهران، انتشارات طرح نو، 1378 هـ ش.
  8. جلالي مقدّم، مسعود، درآمدي بر جامعه‌شناسي دين، طهران، نشر مركز، ط2، 1386 هـ ش.
  9. دوركيم، إميل، صور بنياني حيات ديني، ترجمه إلى اللغة الفارسية: باقر برهام، طهران، نشر مركز، 1383 هـ ش.
  10. دوكولانژ، فوستل، تمدن قديم، ترجمه إلى اللغة الفارسية: نصر الله فلسفي، طهران، انتشارات كتاب كيهان، ط2، 1343 هـ ش.
  11. ديويس، چارلز، دين وساختن جامعه (جستارهايي در الهيات اجتماعي)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن محدثي وحسين باب الحوائجي، طهران، انتشارات يادآوران، 1387 هـ ش.
  12. ذوعلم، علي، فرهنگ ناب اسلامي، قم، پژوهشگاه فرهنگ وانديشه، 1397 هـ ش.
(64)
  1. روح الأميني، محمود، مباني انسان‌شناسي (گرد شهر با چراغ)، (الطبعة الرابعة، للترجمة الكاملة لمقالة «ما هو الدين»، إدوارد سابير، من اللغة الفرنسية إلى اللغة الفارسية)، طهران، انتشارات عطار، 1375 هـ ش.
  2. زكريائي، محمدعلي، (مدوّن)، فلسفه وجامعه‌شناسي سياسي (بحث في مؤلفات الدكتور علي شريعتي)، طهران، انتشارات إلهام، ط2، 1373 هـ ش.
  3. زيمل، جورج، «تضاد فرهنك مدرن»، ترجمه إلى اللغة الفارسية: هالة لاجوردي، مجلة فصلنامه ارغنون، العدد: 18، الصفحات 225 ـ 246.
  4. ـــــــــــــــــــ ، مقالاتي درباره دين، ترجمه إلى اللغة الفارسية: شهناز مسمّى پرست، طهران، انتشارات ثالث، ط2، 1392 هـ ش.
  5. سوروكين، پ ا، نظريه‌هاي جامعه‌شناسي وفلسفه‌هاي نوين تاريخ، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أسدالله (أمير) نوروزي، رشت، انتشارات حق شناس، 1377 هـ ش.
  6. شجاعي زند، علي‌رضا، ذات‌انگاري دين، فصلنامه جستارهاي فلسفه دين (3)، 1392 هـ ش، الصفحات 81 ـ 112.
  7. شريعتي، علي، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، طهران، انتشارات إلهام، ط6، 1375 هـ ش.
  8. فضائي، يوسف، بنيان‌هاي اجتماعي دين، طهران، انتشارات چاپار، 1356 هـ ش.
  9. فرست، اينگر، ورپستاد، پال، درآمدي بر جامعه‌شناسي دين، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مجيد جعفريان، قم، انتشارات دانشگاه اديان ومذاهب، 1394 هـ ش.
  10. كاسيرر، ارنست، رساله‌اي در باب انسان (درآمدي بر فلسفه فرهنگ)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: بزرگ نادر زاده، طهران، پژوهشگاه علوم انساني ومطالعات فرهنگي، ط3، 1380 هـ ش.
  11. ـــــــــــــــــــ، فلسفه وفرهنگ، ترجمه إلى اللغة الفارسية: بزرگ نادرزاده، طهران، مؤسسه مطالعات وتحقيقات فرهنگي، 1382 هـ ش.
  12. كچويان، حسين، نظريه‌هاي جهاني‌شدن ودين، طهران، نشر ني، ط2، 1387 هـ ش.
(65)
  1. گولدنر، آلوين، بحران جامعه‌شناسي غرب، ترجمه إلى اللغة الفارسية: فريدة ممتاز، طهران، شركت سهامي انتشار، ط2، 1372 هـ ش.
  2. گيدنز، آنتوني، جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: منوچهر صبوري، طهران، نشر ني، ط27،  1391 هـ ش (ب).
  3. ـــــــــــــــــــ، جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن چاوشيان، طهران، نشر ني، ط4، 1389 هـ ش (أ).
  4. ـــــــــــــــــــ ، دوركم، ترجمه إلى اللغة الفارسية: يوسف أباذري، طهران، شركت سهامي انتشارات خوارزمي، 1363 هـ ش.
  5. گيويان، عبدالله، كليفورد گيرتز وديدگاه تفسيري او در باب دين وفرهنگ، مطالعات فرهنگي وارتباطات، العدد: 10، 1386 هـ ش، الصفحات 1 ـ 28.
  6. مالرب، ميشل، انسان وأديان (نقش دين در زندگي فردي واجتماعي)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مهران توكلي، طهران، نشر ني، 1379 هـ ش.
  7. محدّثي گيلوائي، حسن، دين وحيات اجتماعي: ديالكتيك تغييرات، انتشارات فرهنگ وانديشه، طهران، 1381 هـ ش.
  8. مك‌كویري، جان،  تفكر ديني در قرن بيستم، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عباس شيخ‌شعاعي ومحمد محمد رضايي، انتشارات دفتر تبليغات اسلامي حوزه علمية قم، 1375 هـ ش.
  9. مك لافلين، جان، دین‌، مراسم مذهبی وفرهنگ، ترجمه إلى اللغة الفارسية: افسانه نجاريان، الأهواز، نشر پرسش، 1383 هـ ش.
  10. وبر، ماكس، أخلاق پروتستان وروح سرمايه‌داري، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد‌المعبود أنصاري، طهران، انتشارات سمت، 1371 هـ ش.
  11. ـــــــــــــــــــ، قدرت وجامعه، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد تديّن، طهران، انتشارات هرمس، 1382 هـ ش.
  12. ويليامز، ژان پل، جامعه‌شناسي اديان، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبدالرحيم گواهي، نقد وبررسی محمدتقی جعفری، طهران، انتشارات علم، 1377 هـ ش.
(66)
  1. يوسف‌زاده، حسن، بررسي تحوّل آراي پيتر برگر درباره دين وعرفي‌شدن، قم، مؤسسة آموزشي وپژوهشي امام خميني رحمه‌الله، 1388 هـ ش.
  2. Berger, Peter. L., The Social Reality of Religion, London, Faber and Faber, 1969.
  3. Geertz, C., Islam Observed: religious development in Morocco and Indonesia. New Haven: Yale University Press, 1968.
  4. ـــــــــــــــــــ, The Interpretation of Cultures. New York: Basic Books, 1968.
  5. ـــــــــــــــــــ, Islam Observed: religious development in Morocco and Indonesia. New Haven: Yale University Press, 1968.
  6. ـــــــــــــــــــ, The Interpretation of Cultures. New York: Basic Books, 1973.
(67)
(68)

 

 

ماهية الثقافة وتحققها العيني[1]

السيّد يدالله يزدان‌پناه[2]

إن الاتجاه الفلسفي المتبع في هذا البحث يختلف عن الاتجاه الاستقرائي. إن الاتجاه الاستقرائي يعمل على تعريف الثقافة بالآداب والتقاليد والمعتقدات والقوانين وبعض آخر من مصاديق الثقافة، ولا يقدّم جوابًا عن السؤال بشأن سنخ الثقافة من الزاوية الفلسفية. إن الذي يحظى بالأهمية في اتجاهنا الفلسفي، عبارة عن استخراج التحليل الفلسفي من صلب هذا النوع من الاستقراءات. وعلى هذا الأساس يمكن الحصول على تعريف فلسفي عن الثقافة. ومن هنا لو ظهر فيما بعد مصداق مستحدث من مصاديق الثقافة، فإن هذا التعريف سوف يكون شاملًا له أيضًا.

ويجب في البداية الحصول على معنى محدّد عن الارتكاز اللغوي العام لكي نتمكن من التركيز عليه. وبعد ذلك يجب العمل على بحث تحققه الخارجي كيما يتضح ما إذا كان لهذا الارتكاز العام حصيلة خارجية أو هو مجرّد نوع من التخيل العام ـ من قبيل التصور الذي يحمله الأطفال في أذهانهم عن الغول والعنقاء ـ لا أكثر، وبعد ذلك يجب الانتقال إلى بحث ماهية الثقافة؛ وذلك لأن السؤال عن ما الحقيقية والماهية الحقيقية للشيء إنما يرد بعد إثبات وجود ذلك الشيء، وفي السؤال

(69)

عن وجود الشيء يجب العمل أولًا على أخذ ذلك الشيء بنظر الاعتبار، والتعرّف قبل كل شيء على ماهية ذلك الشيء. ومن هنا يجب القيام ببحث ما الشارحة أو تعريف الشرح الاسمي لها. ولذلك يجب العمل في المرحلة الأولى على تحديد ما الشارحة للثقافة، والعمل بعد ذلك على إثبات وجود الثقافة، لنعمل بعد ذلك على شرح ماهية حقيقتها.

سوف نعمل في البداية على بحث ماهية الشرح الاسمي للثقافة على أساس الارتكازات العامة، ونقوم بعد ذلك بإثبات وجوده الخارجي، ثم ندخل في البحث عن ماهية حقيقة الثقافة، وفي تتمّة البحث سوف يكون هناك ـ في ضوء تعريف حقيقة الثقافة ـ بحث وتحليل حول عينية الثقافة وعينياتها، وفي الختام سوف نبحث تعاريف بعض علماء الاجتماع على نحو الإجمال، لكي نتمكن من بيان نسبة تحليلات علماء الاجتماع إلى تعريفنا المختار عن الثقافة، والإشراف على تلك التحليلات.

المعنى اللغوي (شرح الاسم) للثقافة

للحصول على الارتكاز العام عن الثقافة، يجب الذهاب إلى المعاجم اللغوية. وقد جاء في كتب اللغة ما يلي: الثقافة هي العلم والمعرفة، الثقافة عبارة عن التربية والآداب، المعاجم اللغوية وكتب اللغة، العقل والمنطق، التدبير والفهم[1].

وجاء في فرهنگ عميد: العلم والمعرفة، الآداب والمعارف، التربية والتعليم، الآثار العلمية والأدبية لدى قوم أو شعب من الشعوب، الكتاب المشتمل على مفردات لغة وشرحها، المعاجم اللغوية.

وجاء بيان معنى الثقافة [فرهنگ] في لغتنامه دهخدا: إنها كلمة مركبة من «فر» بوصفها بادئة، و«هنگ» بوصفها لاحقة، تعود بجذورها إلى اللغة الأفستية بمعنى

(70)

السحب، وبذلك فإنها تتطابق مع معناها في اللغة اللاتينية، وكذلك تعني التربية والتعليم[1]، بمعنى فرهنج الذي هو العلم والمعرفة والأدب[2].

وقال علي أصغر مصلح: «هنجيدن بمعنى الاستخراج، ومن هذه المادة فرهيختن بمعنى التأديب. وجاء في معاني المفردات للثقافة إنها تعني: الأدب، والعقل، والعقل والأدب، والعلم والعظمة وما إلى ذلك».[3] ثم قال بعد تلخيصه لتقرير آشوري حول تطور استعمال الثقافة: «لقد وضع المير جمال الدين حسين بن فخر الدين حسين الأنجوي الشيرازي في عام 1017 للهجرة على كتابه اللغوي عنوان «فرهنگ جهانگيري». ومنذ ذلك الحين اكتسبت مفردة الثقافة معنى الكتاب الغوي. وبعد افتتاح مجمع فرهنگستان سنة 1314 هـ ش، تمّ وضع مفردة فرهنگستان في استعمال جديد مساو لمعنى الأكاديمية. وبعد استبدال اسم وزارة المعارف باسم «وزارت فرهنگ»، شاع هذا العنوان بوصفه عنوانًا مرادفًا لـ «Education» في اللغة الفرنسية. وأما المفردة الأخرى وهي كولتور أو كالتشر، التي كان لها في الحضارة الجديدة استعمال واسع في العلوم الإنسانية، فقد كانت تستدعي إيجاد معادل لها في اللغة الفارسية. وبالنظر إلى معنى كولتور، فقد كان المعادل الأفضل لها هو الثقافة (فرهنگ). ولهذا السبب أخذت مفردة الثقافة (فرهنگ) تبتعد بالتدريج عن معناها الأصلي الذي هو العلم والأدب والأخلاق والتعليم، وتحمل على كاهلها بدلًا من ذلك الثقل المفهومي لمفردة كالتور»[4].

لقد شهدت مفردة «فرهنگ» تطوّرات وتحوّلات في الارتكاز العام. حيث شاع استعمال مفردة «Culture» وما يعادلها في اللغة الفارسية بوصفها مصطلحًا في العلوم

(71)

الإنسانية وفي علم الاجتماع، ثم عادت إلى اللغة العامة بمعنى خاص. كما أن لفظ مزاج انتقل من اللغة العامّة إلى الطب، ليعود ثانية إلى اللغة العامّة بعد اكتسابه نضجًا ودقة في علم الطب. لقد كان تعبير «با تربيت»[1] و«با فرهنگ»[2] وغيرهما من التعابير الأخرى عن الثقافة والحضارة مستعمل في اللغة الفارسية. وبعد انتقال هاتين المفردتين إلى العلوم الإنسانية وعلم الاجتماع، انفصل هذان المصطلحان (الثقافة والحضارة) عن بعضهما. وشيئًا فشيئًا أخذ هذا التمايز والانفصال يجد مكانًا له في الارتكاز العامّ أيضًا، وأصبح أمرًا مألوفًا.

وإذا بحثنا في المعاجم اللغوية [الفارسية]، من قبيل: فرهنگ عميد، وفرهنگ معين، ولغتنامه دهخدا، فسوف نتمكن من العثور على المعاني الآتية:

التأديب، والتعليم، والتربية، كما أن متعلم الثقافة يرد بمعنى المثقف والمتأدّب والمتعلم أيضًا.

العلم، والمعرفة، والأدب.

مجموع الآداب والتقاليد، جاء في مقدمة شاهنامه منصوري: لقد سمّي هذا الكتاب بـ «شاهنامه» كي ينظر فيه أرباب العلم والمعرفة، وتتأسّى به ثقافة الملوك والأمراء والعلماء.

الآثار العلمية والأدبية لقوم أو شعب.

الكتب اللغوية، من قبيل: «فرهنگ جهانگيري».

المعنى الثاني هو الذي يتمّ التعبير عنه أحيانًا بكلمة «با فرهنگ»، ولكن المراد منه هو المؤّدب «با أدب». المعنى الثالث (مجموع الآداب والتقاليد)، والمعنى الرابع (الآثار العلمية والأدبية لقوم أو شعب)، على الرغم من تقديم بيانه الارتكازي

(72)

ضمن المعاني، وعلى الرغم من اختلافه عن الثقل المفهومي الجديد للثقافة، ولكنه يقترب قليلًا من مفهوم الثقافة بالمعنى الجديد. إن التعبير بـ «ثقافة الملوك» ـ في العبارة المنقولة عن مقدمة كتاب (شاهنامه أبو منصوري) ـ يُثبت أن الثقافة بالمعنى المنشود، لا تعتبر مفهومًا جديدًا، بل كان هذا المعنى مستعملًا في الأدب الفارسي منذ القِدَم. وإن كان هناك بعض الاختلافات بين هذا المعنى الجديد والمعنى القديم.

إن المعنى الجديد للثقافة المستعمل في ضوء ترجمة «Culture» في الارتكاز العام له معنى خاص، وقد ورد بيانه في المفردات المصادق عليها في المجمع اللغوي [فرهنگستان] على النحو الآتي: ««Culture» [علم الآثار، علم الاجتماع] مجموعة من العادات والأعراف التي تنتقل ـ بشكل رئيس في المجتمع البشري من طريق المسارات الاجتماعية، وليس من طريق المسارات البيئية ـ من جيل إلى جيل آخر، وتنعكس على رموز ونماذج ومعتقدات وفنون ومهارات وآداب وتقاليد ذلك المجتمع».

وبالنظر إلى أن هذا المعنى الجديد للثقافة لم ينعكس في الكتب اللغوية القديمة، يجب البحث عنه في الكتب اللغوية المتأخرة، وبعد البحث والفحص يتبيّن أن هذا المعنى الجديد قد ورد في كتب المفردات. من ذلك أن كتاب «واژه نامه آزاد» ـ على سبيل المثال ـ قد عرّف الثقافة على النحو الآتي: «الثقافة: مجموعة مترابطة من العلوم والمعارف والتجارب والمعتقدات والقيَم والمعايير والمواقف والمهارات اللازمة والضرورية في حياة أفراد المجتمع». كما ورد في كتاب «فرهنگ نام ها»: «الثقافة: ظاهرة عامة ومعقدة من الآداب والتقاليد والأعراف والفنون وأساليب الحياة التي تتبلور خلال التجارب التاريخية للأمم، ويمكن أن تنتقل إلى الأجيال اللاحقة». وبذلك يتضح تمامًا أن هذه المعاجم اللغوية قد اهتمت بالمعنى الجديد على نحو جيد، وعملت على بيانه وإظهاره.

إن مفردة «Culture» في الأدبيات اللاتينية قد ورد استعمالها أولًا في معنى الزراعة

(73)

والإعداد، ثم أخذوا يستعملونها في أصل التربية. ولكن زال استعمال الثقافة في معنى التربية بجميع أقسامها تدريجيًا، ليظهر معناها الجديد والمصطلح.

ولاحقًا لم يقتصر الأمر على التربية فقط، بل أخذ مصطلح الثقافة يشمل حتى الآداب والتقاليد بل وحتى الأفكار والأخلاق والحقوق أيضًا. إن هذا المصطلح يعتبر صياغة جديدة بدأت مسارها من الأنثروبولوجيا، ثم انتقل إلى علم الاجتماع، وتحوّل في هذا العلم إلى مصطلح مستقر. وقد كانت هذه المفردة في بداية أمرها ممزوجة بالحضارة، ثم انفصلت عنها شيئًا فشيئًا، واكتسبت معنى جديدًا. وقد تسرّب هذا المعنى الجديد ثانية إلى اللغة العامّة. وهكذا قام العلماء المختصون في العلوم الاجتماعية بإثراء الخزانة اللغوية العامة.

وقد وضعوا مفردة «فرهنگ» [الثقافة] معادلًا لهذا المصطلح في اللغة الفارسية. وحيث كانت أرضية هذا المعنى متوفرة في استعمالات من قبيل الآداب والتقاليد بالنسبة إلى لفظ «فرهنگ»، لا تعدّ هذه الكلمة صياغة جديدة كما هو الحال بالنسبة إلى كلمة «رايانه» [الحاسوب] من حيث التركيبة اللفظية. بيد أن مفردة «فرهنگ» قد اكتسبت ثقلًا مفهوميًا جديدًا. وإن قيل إن المعاني القريبة من هذا المعنى من الثقافة كانت موجودة في السابق أيضًا.

وعلى هذا الأساس فإن المعنى الارتكازي الجديد للثقافة له جذور في بعض العلوم، من قبيل الأنثروبولوجيا أو العلوم الاجتماعية، ثم انتقل لاحقًا إلى دائرة الارتكاز العام. والمهم في البين هو أن عامة الناس يستعملون هذا اللفظ في الوقت الراهن. وإن كانت الدقائق العلمية لن تنتقل إلى اللغة العامة بشكل طبيعي.

وعلى كل حال يمكن في تعريف الثقافة اعتبار ما ورد في تعريفات المعاجم اللغوية وقواميس الكلمات المفردة بوصفه معنى ارتكازيًا للثقافة، واعتبار ما تتمّ المصادقة عليه في المجامع اللغوية [فرهنگستان] مشيرًا إلى المعنى الأدق في العلوم

(74)

الاجتماعية. وفي ضوء هذا التعريف نحصل على معنى محدد للثقافة يمكن اعتباره بوصفه ما الشارحة وشرحًا للاسم، حيث سوف يشكّل ذلك مقدمة للأبحاث اللاحقة (الوجود الخارجي للثقافة وماهية الثقافة).

الوجود الخارجي للثقافة

بعد بيان المعنى الارتكازي لمفردة الثقافة، يرد هذا السؤال القائل: هل هناك في الخارج حقيقة باسم الثقافة؟ لإثبات خارجية المعنى الارتكازي وليس الفلسفي، يجب الذهاب إلى ما نشاهده بوضوح. وفي هذا النوع من إثبات الثقافة لا حاجة إلى الأبحاث اللميّة الفلسفية الاكتشافية.

الدليل الأول: لقد رصد علماء الاجتماع، والأنثروبولوجيين، آثار الوجود الخارجي للثقافة. هناك مجموعة من الآثار الاجتماعية الخاصّة، من قبيل: بعض الآداب والمعتقدات التي يشترك فيها جميع أفراد المجتمع. إن هذه المجموعة من الآثار تحكي عن وجود حقيقة باسم الثقافة في عالم الخارج.

يقول روجر تريغ في كتاب «فهم العلم الاجتماعي» في موضوع الثقافة: إن السلوك المفهوم يقوم على قاعدة، ولكي نفهمه يجب أن يكون لدينا فهم للقواعد. وقال في ذلك ـ على سبيل المثال ـ إن الزواج مؤسسة اجتماعية. فإن الزوجين لا يمكن أن يكونا متزوجين لمجرد أنهما يعتبران نفسيهما متزوجين. بل يجب أن يعترف المجتمع بهذه الحقيقة أيضًا. إن المهم في تحقق المؤسسة الاجتماعية هو التصور الذي يحمله الأفراد عمّا يتحقق. فحيث لا يكون هناك علم لدى أيّ شخص في المجتمع بالمؤسسات الاجتماعية، لن يكون هناك ـ بطبيعة الحال ـ وجود لهذه المؤسسات. ويضيف قائلًا: كما أن اللاعبين في كرة القدم لا يلعبون بشكل عشوائي، وإنما يتبعون خطة ويمتلكون فكرة عن قواعد اللعبة، كذلك المشاركون في العقد الاجتماعي أيضًا حيث يكون لديهم فهم مشترك، وهذا الفهم المشترك هو الثقافة.

(75)

إن فهم عرف المجتمعات الأخرى غالبًا ما يؤدّي إلى إدراك هذا المطلب، وهو أن هناك مبنى مشترك يُسهم فيه الجميع. إن للناس مطالب وحاجات متشابهة. لو لم يكن هناك أي إمكان للاستفادة من الطبيعة الإنسانية بوصفها مبنى لتفسير المجتمع الغريب، لما توفر لدينا إمكان القيام بالفهم والمقارنة[1].

الدليل الثاني: من أجل إثبات وجود الثقافة من طريق آخر، يكفي لإدراكها وفهمها أن نخرج من مجتمعنا، وأن نسجل حضورنا في مجتمع آخر.

إن الثقافة ـ بوصفها الفضاء الذي نتنفس فيه ـ قد لا يمكن الإحساس بها في بداية الأمر من دون تأمّل. عندما ندخل إلى المجتمع الجديد، سوف نشعر بوضوح عدم الشراكة مع مفاهيم هذا المجتمع، وسوف نشاهد اختلاف الآداب والمنطق والتفكير الفلسفي وغير ذلك في هذا المجتمع. نقول في قبال الكثير من أفعال هذا المجتمع الجديد: «ماذا تعني هذه الأفعال؟ ولماذا هي على هذه الشاكلة؟ وما هو فهمكم لهذه الأفعال؟ ولماذا هم يؤمنون بهذا الأمر؟». ونشعر بأن جميع هذه الأمور رهن بحقيقة موجودة خلف الكواليس، وهذه الحقيقة هي التي تمثل الثقافة.

عندما نسأل أفراد ذلك المجتمع عن معنى أفعالهم، يمكن لهم شرح ذلك. ولكننا في الوهلة الأولى لا نمتلك إدراكًا وفهمًا كاملًا لها. وكذلك الأمر بالنسبة إليهم، فإنهم عندما يأتون إلى مجتمعنا ويشاهدون مواكب العزاء على مصيبة كربلاء وما جرى على الإمام الحسين بن علي عليه‌السلام في يوم عاشوراء، لا يستطيعون أن يفهموا هذا المعنى. وإذا قيل لهم: كان هناك شخص اسمه الحسين بن علي عليه‌السلام تعرّض للظلم والقتل صبرًا، ونحن اليوم نقيم العزاء عليه، ربما ذهب بهم التصوّر إلى أن الإمام قد قتل في الأشهر القليلة الماضية أو أنه في الحد الأقصى قتل من سنوات قريبة. ولكن عندما يقال لهم: إنه قد مضى على قتلة أربعة عشر قرنًا، سوف يبدو الأمر بالنسبة إليهم

(76)

عجيبًا جدًا وسوف يحسبونه في غاية الغرابة. ولكي يزول هذا الاستغراب ويكون إدراك هذا المعنى ممكنًا لهم، لا بد لهم أن يطلعوا على الكثير من المفاهيم الأخرى، من قبيل: حقيقة الإمامة، ومنزلة المعصومين الأربعة عشرة عليهم‌السلام، ومفهوم الشهادة في سبيل الله، والمنزلة السامية للإمام الحسين بن علي عليه‌السلام عند الله سبحانه وتعالى، واهتمام الله بالذين يقيمون العزاء على هذا الإمام المعصوم عليه‌السلام، والعناية الخاصة التي يوليها الإمام الحسين بن علي عليه‌السلام وعموم أهل البيت عليهم‌السلام بالمعزّين، وضرورة الفرح لفرح أهل البيت عليهم‌السلام، والحزن لحزن أهل البيت عليهم‌السلام، وما إلى ذلك من المفاهيم الأخرى.

الدليل الثالث: إن ما ذكرناه في الكيفية الذاتية لظهور المجتمع من ناحية أخرى، وكيف يؤدّي التعامل في الموقعية الإنسانية إلى المشاركة العامة المفهومية مضافًا إلى المشاركة العينية، يشكّل في حدّ ذاته دليلًا لميًّا على وجود الثقافة؛ حيث يمكن ذكره بوصفه طريقًا ثالثًا لإثبات وجود الثقافة. وبعبارة أخرى: بعد إثبات ساحة التعامل في الموقعية الإنسانية يجب القبول حتمًا بالمشاركة المفهومية العامة بالمجتمع والذي هو عبارة أخرى عن الثقافة. إن ما استفدناه من الأدلة في بيان علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا كان دليلًا من طريق الآثار والمعلول، بيد أن هذا الدليل الأخير دليل لمّي ومن طريق العلة وبرهان اللم.

ماهية وكنه الثقافة

هناك من يتصوّر أن الأبحاث المطروحة بشكل فردي، لا يمكن طرحها وبحثها في الفضاء الجمعي، في حين أن الأمر ليس كذلك. فكما أن كل ما يجول داخل الإنسان في موضع نسبته إلى الله يتحوّل إلى ولاية ومعرفة أو معنوية، فإن جميع ما يجول داخل الفرد، يتحوّل ـ بحسب ساحة التعامل في الموقعية الإنسانية (في قبال الأشخاص الآخرين) ـ إلى مجتمع. وحيث أن الظهور الإنساني أمر واحد، فإن المعرفة والمشاعر

(77)

والعواطف والأفعال والإظهار البياني بوصفه من خصائص الإنسان يتجلى وينبسط في كل موضع بنحو من الأنحاء. وهكذا في التعامل مع الآخرين وفي حقل المجتمع تتجلى هذه الخصائص الإنساني بدورها وتظهر بنفسها على شكل ثقافة أيضًا.

إن اتصال وتحوّل الأبحاث في الحقل الفردي إلى الحقل الاجتماعي يحدث أحيانًا على نحو ميكانيكي تمامًا، ويتم بيانه بشكل صوري وتمثيلي. إن هذا النوع من الأنظار التمثيلية لا يمكن له شرح كيفية تبديل الظواهر الفردية إلى اجتماعية من قبيل تحوّل اليقظة الفردية إلى صحوة اجتماعية؛ إذ أن تحويل الأبحاث الفردية والاجتماعية يحتاج إلى حلقة وصل طبيعية وحقيقية وذاتية. ولكي نفهم حلقة الوصل الذاتية هذه، لا بدّ من أخذ تحويل المعنى في مختلف الأبعاد الإنسانية المتعددة وما ينتج عنها من أبعاد التعامل وبحسب الموقعية الإنسانية إلى الفضاء الاجتماعي بنظر الاعتبار أيضًا.

يمكن الاستفادة من هذا المسار في تفسير النصوص الدينية. ومن هنا يمكن إدخال أكثر تفاسير علماء الدين للآيات والروايات ـ ذات الشكل الفردي ـ إلى الفضاء الاجتماعي على أساس دائرة التعامل في الموقعية الإنسانية. من ذلك أن آيات التوحيد ـ على سبيل المثال ـ قد تمّ شرحها في فضاء علاقة الفرد الإنسانية مع الله سبحانه وتعالى، ولكنها بلحاظ التعامل في الموقعية الإنسانية تتحوّل إلى أمر اجتماعي.

لا بد من الالتفات إلى أن جميع ما نزل بوصفه قرآنًا، إنما قد حدث في الحياة العينية لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وقد تبلور في الأساس ضمن المشاهد الاجتماعية. إن ما نزل من الوحي على النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على مدى ثلاثة وعشرين سنة، يعود إما إلى مرحلة ثورة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل الهجرة، أو إلى مرحلة تأسيس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للدولة والحكومة الإسلامية بعد الهجرة.

كما تمّ عقد مفهوم التوحيد والمعاد في الفضاء الاجتماعي أيضًا. وفي شرح بيان الإمام الرضا عليه‌السلام في قوله: «لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي».

(78)

قال [الراوي]: فلما مرّت الراحلة نادانا: «بشروطها وأنا من شروطها»[1]. يمكن شرح كلمة «بشروطها» بشكل فردي. وفي هذه الحالة يكون معنى هذه الكلمة هو أن كل شخص يجب عليه التوجّه إلى حجّة الله. إن ذات هذا البيان من قبل الإمام الرضاعليه‌السلام يحتوي على مفهوم اجتماعي. ولو أن ذات هذا البيان تمّ عرضه على المأمون فإنه سوف ينتفض ويقول: «إذن، أين سيكون موضعي؟». وعلى هذا الوزان فإن التوحيد في القرآن الكريم إنما يرد في الأساس من أجل إبطال الطواغيت والقضاء عليهم. إن مفهوم التوحيد أساس للقول: «إما الطاغوت أو الله». وكذلك في النصوص الدينية يقع الشيطان في قبال الله عزّ وجل. وتبعًا لذلك يتمّ تصوير العالم بشكل خاص حيث يمكن الوصول من خلاله إلى قراءة اجتماعية خاصة عن حزب الله وحزب الشيطان. وكانت كل فكرة المعاد تسعى من جهة إلى نفي التوجهات الدنيوية والاستمتاع بالدنيا التي كان عليها عدد من الأشخاص في عصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفي الأساس ليست هناك رؤية لا تدخل في البُعد الاجتماعي. بل وربما أمكن القول: ليس هناك تصوير صحيح لشيء باسم المعنى الفردي لوحده، وإن جميع الأشياء تنعقد بشكل اجتماعي، وتنطلق إلى جوارها أشعة فردية أيضًا.

تحويل جميع الأبعاد الفردية إلى اجتماعية

يمكن القول من ناحية: لا يمكن العثور على ظاهرة على المستوى الإنساني، إلا وهي تتحوّل إلى ظاهرة اجتماعية. يمكن الإشارة في بيان ذلك إلى الطبقات الرقيقة للظواهر الاجتماعية، ولكن لفهم معنى الثقافة بشكل أوضح، يمكن الإشارة إلى الطبقات الأكثر وضوحًا من المباني والمعاني الاجتماعية.

(79)

إن البُعد الاجتماعي لبعض الأبنية الاجتماعية واضح جدًا. إن الأبنية القانونية تعدّ واحدة من هذه الأبنية الاجتماعية التي يُدار المجتمع على أساسها. وإن اللغة ظاهرة اجتماعية. وحتى الأزقة المتداخلة والبيوت والمساجد والأندية الرياضية، هي الأخرى من الظواهر الاجتماعية أيضًا.

إن الآداب والتقاليد التي تكتسب تعيّنًا، والكثير من الآثار العلمية والفنية التي تتبلور، والكثير من الحركات الاجتماعية التي تظهر، من قبيل: مراسم العزاء في شهر محرم ومواكب المعزين في يوم عاشوراء، تعدّ من بين الظواهر الاجتماعية الزاخرة بالمعاني والمفاهيم. إن مسيرة مواكب العزاء ليست مجرد تجمّع لعدد من الناس يلطمون على صدورهم، بل هي ـ كما سبق أن ذكرنا ـ مزيج من معرفة الإمامة، وإدراك لحقيقة الظلم الذي تعرّض له أهل البيت عليهم‌السلام ، والكثير من المفاهيم والأمور الأخرى التي اجتمعت بشكل عام لتظهر هذع الحركة الاجتماعية. إن كل من يعيش في صلب هذا الحراك الاجتماعية يفهم هذه المعاني الزاخرة، ولكن لا يمكن بيان هذه الأمور بمجرّد الألفاظ على الدوام.

والدين بدوره عندما يدخل إلى الساحة الاجتماعية ويتمّ القبول به ويصبح دينًا اجتماعيًا، يُعدّ ظاهرة اجتماعية. ولا ينبغي أن نغفل عن أنه بالإضافة إلى الدين الاجتماعي هناك دين حقيقي أيضًا، بيد أن كلامنا الراهن غير ناظر إليه.

وحتى العلم بدوره ظاهرة اجتماعية أيضًا. وهذا الأمر لا يتنافى مع القول بأن العلم له حقيقة وواقعية واكتشاف مستقل أيضًا. ولذلك فإن علم الاجتماع العلمي لا تأثير له في حقانية العلم. وعلى كل حال فإن جميع هذه الأمور تتمخض من صلب كيفية الوجود الشعوري / الإرادي للإنسان عن ساحة الفرد والأفعال المفهومية في بُعد التعامل والموقعية الإنسانية.

(80)
تعريف الثقافة

قيل: إن المجتمع عبارة عن إشراك جميع المعاني والمشاركة العينية. إن إشراك المعاني والمفاهيم يُشير إلى الثقافة. إن المفهومية من خصائص ظهور الشعور والإرادة الإنسانية، وكما سبق أن ذكرنا فإن المجتمع عبارة عن تمظهر إنساني، وعلى هذا الأساس فإن خصوصية المفهومية تتحقق في المجتمع أيضًا. إن الخصوصية المفهومية في المجتمع تشير إلى المفهوم الاجتماعي. إن المراد من المفهوم الاجتماعي هو المعنى الذي يقع موردًا للمتفاهَم الاجتماعي. ولكي تتبلور الظاهرة الاجتماعية المفهومة يجب أن يظهر معنى عام. ونحن نسمّي هذه الظاهرة الاجتماعية المفهومة ثقافة. إن الثقافة هي ذات المعنى الاجتماعي العام المستقر في الفاهمة العامة والفعل والبنية الاجتماعية. «إن الثقافة عبارة عن تراكم المفهوم[1] بشكل عام في الفاهمة العامّة، ويُعدّ اجتماعيًا في الأفعال الاجتماعية والبنية الاجتماعية العينية».

في تعريف الثقافة نجمع بين أربعة ظواهر تشمل: المفهومية (المفهوم الذي يموج خلف العمل وفي صلبه)، والحقيقة الذاتية للمجتمع، وحلول الإنسان في الموقعية، وكذلك التعامل الإنساني.

فإذا كان للمجتمع هوية واقعية، سوف يكون نشاطه واقعيًا أيضًا. وفي هذه الحالة  سوف يكون خلف كواليس النشاط مفهوم واقعي؛[2] وذلك لأن المجتمع ظاهرة في البُعد الإنساني. إن المفهوم الإنساني يشمل المشاعر والأحاسيس والآراء والضرورات والمحظورات والمهارات الذهية وسائر الأمور الأخرى الكامنة خلف الكواليس. ولو تمّ إشراك المفهوم الإنساني، سوف يصبح معنى المتفاهم

(81)

العام شاملًا. إن شمولية المعنى تنبثق عن بُعد التعامل في الموقعية الإنسانية وتراكم المفهوم. وبعد شمولية المعنى لا يصبح المعنى حكرًا عليّ ولا عليك، بل سوف تظهر في المشهد حقيقة ثالثة نطلق عليها عنوان الثقافة. ومن ناحية أخرى فإن المعنى لا يبقى خلف الكواليس فقط، وإنما يظهر على خشبة المسرح، ويموج في النشاط الاجتماعي والبنية العينية. إن المراد من النشاط الاجتماعي هو الأعم من نشاط الفرد في المجتمع والنشاط الاجتماعي فيما وراء الفرد. أو بعبارة أخرى: نشاط المجتمع؛ إذ تقدّم أنه لا بدّ من التفريق بين النشاط الاجتماعي للفرد وبين النشاط الاجتماعي للمجتمع.

لقد سبق أن تحدّثنا في باب البناء العيني على هامش تبلور الثقافة في النشاط الاجتماعي والبنية الاجتماعية بالتفصيل، وكانت النتيجة هي أن العلاقات الواقعية الثابتة أو شبه الثابتة في المجتمع بمثابة الهيكل العيني للمجتمع، وسوف يكون جزءًا في المشاركة العينية للمجتمع في قبال المشاركة المفهومية (الثقافة).

إن عالم المعنى بالإضافة إلى عالم المفاهيم والمشاعر وأنواع الجعل، يشتمل حتى على المعاني الكامنة في صلب المصنوعات وحتى الأزقة المتداخلة أيضًا. إن المصنوعات الإنسانية على مستوى المجتمع تحتوي في صلبها ـ مثل البنية العينية والأنظمة السياسية والأمنية والاقتصادية ـ على مفهوم عام. وحتى الجغرافيا التي نعيش فيها تحتوي على صبغة مفهومية جمعية. وعلى هذا الأساس فإن الثقافة  ليست حاضرة في الفاهمة العامّة فقط. إن المعنى يظهر في البُعد الخارجي والمستقل عن الفرد في صلب النشاط والبنية الاجتماعية. إن هذا الظهور يكتسب إبرازًا بيانيًا بل ويكتسب حتى نشاطًا وبنية اجتماعية أيضًا ويمور في صلبها. ونبقى نعدّ هذا النوع من الظهور الخارجي للمفهوم ضمن ساحة المعنى، ثقافة.

(82)
تحليل مفردات التعريف

سوف نعمل في هذا المقام على بيان جميع المفردات والعبارات الواردة في تعريف الثقافة على التوالي، من قبيل: «تراكم المفهوم»، و«بشكل عام»، و«الفاهمة العامة»، و«النشاط الاجتماعي». وقد تحدّثنا في باب البنية العينية بالتفصيل، بيد أن مسألة عينية الثقافة بحث مستقل سوف يأتي الحديث عنه بعد الفراغ من بيان ماهية الثقافة.

تراكم المفهوم

لقد سبق أن تحدّثنا حول المفهوم بالتفصيل، وسوف نُشير فيما يلي إلى مراكمة المفهوم. إن المراد من التراكم هو اجتماع الأمور المفهومية المتعددة في عين التكاثف الاجتماعي على نحو الاشتراك المعنوي المقبول في المجتمع. لقد سبق أن ذكرنا في بحث التراكم المفهومي المشترك أن دائرة التعامل في الموقعية الإنسانية على أساس العثور على المعاني وصياغة المفاهيم وكذلك بسط وتعميق المعاني في التبادل المتعدد الأطراف، يتحوّل المعنى  إلى أمر مشترك عام ومكثّف، ويظهر حشد من المعاني العامة الممتزجة ببعضها، وهذه الظاهرة هي التي ندعوها بتراكم المفاهيم.

إن الثقافة لا تتبلور بمجرّد قضية واحدة أو مفهوم أو مجموعة من الأحاسيس. بل لا بد في بلورتها من تراكم آلاف المفاهيم وتظافر ما لا يُحصى من المعاني كي تتبلور ظاهرة ثقافية من قبيل ثقافة عاشوراء.

إن المراد من تراكم المفاهيم في هذا التعريف هو النتيجة المصدرية (المفهوم المتراكم). ومن هنا لا يمكن تسمية المصدر (عمليات مراكمة المفهوم) وكذلك المفهوم الذي هو في طور التراكم، ولم يتحقق تراكمه بعد، لا يمكن تسميته ثقافة[1].

يذهب العلامة الطباطبائي في بحث الإدراكات الاعتبارية من كتاب أصول

(83)

الفلسفة والمذهب الواقعي ـ في معرض الإشارة إلى تراكم المفهوم ـ إلى الاستفادة من عبارة «الفكر الاجتماعي المتراكم» قائلًا: «إن الفكر الاجتماعي عبارة عن عدد محصّل من الأفكار المتراكمة فوق بعضها، واكتسبت وحدة وأخذت تمارس نشاطها بوصفها وحدة حقيقية؛ وفي هذه الحالة كيف يُتصوّر أن تقوم الوحدة الاجتماعية (الفكر المتراكم الواحد) ...»[1].

إن مرادنا من تراكم المعنى هو هذا المفهوم الذي يُعبّر عنه العلامة الطباطبائي في بيان الفكر الاجتماعي بعبارة «المتراكم». يرى سماحته أن الفكر المتراكم عبارة عن وحدة مماثلة للوحدة الحقيقية في المجتمع. إن إشارة سماحته إلى «ممارسة النشاط» من قبل هذا الفكر الاجتماعي الواحد، يعمل بدوره على بيان هذه الوحدة الطبيعية بشكل أوضح؛ الوحدة المتراكمة التي تمارس نشاطها بوحدتها الحقيقية. فإن كان مراده من ذلك الثقافة، فسوف يكون الفكر الاجتماعي المتراكم تعبيرًا مناسبًا لذلك. ولكن يتعيّن علينا أن نعلم ـ كما سنأتي على ذكر ذلك قريبًا ـ أن الثقافة تظهر نفسها بشكل عيني أيضًا.

بشكل عام

إن الثقافة مفهوم متراكم ومجتمع يتبلور بشكل عام. وإن التعميم هنا يعني الشمولية. وعندما يصبح الأمر عامًا وشاملًا، سوف يكون الجميع فيه شركاء. وإن المفهوم إنما يكتسب شكلًا عامًا فيما لو أمكن القول بأنه متاح بالنسبة إلى الجميع. وإن السلوك أو المفهوم إنما يكتسب الشمولية والتعميم فيما لو كتب له الوصول إلى حدود البنيوية والتوحّد. ففي بعض الموارد يكون تحقق البنية الاجتماعية المتوحدة أمرًا مشكوكًا فيه، بيد أن وجود موارد متيقنة يكفي لإثبات صوابية التعريف.

(84)

إن العامل المهم في بلورة البنية والتوحد، عبارة عن التسالم والقبول الاجتماعي. إن التسالم المقصود في هذا البحث هو التسالم الإرادي. إن جميع الإرادات ليست على نسق واحد في القبول والرضا. وفيما يتعلق بالموارد والمجتمعات المختلفة يتم اعتبار حجم مختلف من الشمولية والتعميم في التسالم. وفي بعض الموارد يكفي ما نسبته 60% من أفراد المجتمع في تحقق التسالم والرضا. إن معنى التسالم هو أن يكون الشمول في هذا النوع من المجتمعات بنسبة 60% وكأنه مقبول ومتسالم عليه من قبيل جميع أفراد المجتمع. وربما أمكن في مورد آخر أن يذهب ذات هذا المجتمع إلى اعتبار التسالم بنسبة 70%. وقد يحدث أحيانًا في مجتمع ما بسبب وجود الإعلام والدعاية أن لا نواجه مجتمعًا بوصفه يحمل إرادة اجتماعية، بل يكون التوافق العام بنفسه قد أصبح حقيقة خارجية، بحيث يكون جميع أفراد المجتمع في الواقع قد تقبّلوا مفهومًا ما، وتارة بسبب تجذّر أمر في تاريخ ذلك المجتمع يكون التقبل العام قد تبلور على نحو سابق، ويكون الناس في العصور اللاحقة قد شاركوا في ذلك المعنى ويتبلور لديهم الشعور بالرضا والقبول، بيد أن النقطة المهمة هي أن الشراكة العامة في المعنى لها صورة فعالة، كما توجد هذه الصورة الفعالة في اللغة بوصفها ظاهرة عامة وشاملة على نحو «الارتكاز الفعال». كما يُشير بعض العلماء في بحث ارتكاز المعنى في علم أصول الفقه[1] إلى أن للجميع حضورًا فاعلًا في الارتكاز العام، لا أن يكونوا مجرّد منفعلين.

الفاهمة العامّة

إن كل ما يُعدّ من المعاني التي يقبلها عامّة الناس ويفهم منها التعميم بالنسبة إلى القبول بها والمشاركة فيها، يُعدّ جزءًا من الفاهمة العامّة. إن بعض الآثار المكتوبة، من قبيل: القرآن الكريم، وديوان حافظ الشيرازي، وأحيانًا بعض الرموز الأخرى

(85)

لها حضور جاد في الفاهمة العامّة، وتُعدّ جزءًا من الثقافة. وفي الوقت نفسه ليس من الضروري أن تكون جميع قصائد حافظ الشيرازي الموجودة في ديوانه حاضرة في ذهن أفراد المجتمع. إن تقبل النسبة إلى ديوان حافظ الشيرازي يؤدّي إلى القبول بجميع ما في هذا الديوان في الفهم العام.

إن مصطلح الذهن في فلسفة الذهن الغربي بحيث يبدو أن لا وجود إلا للفاعل المعرفي فقط، وأنه لا وجود من ورائه لأيّ ساحة خارجية[1] أو يتمّ غض الطرف عنها.

ومن هنا سوف نتجنّب التعبير بالذهني لبيان الفاهمة العامّة. إن المعنى لا يكون في أذهان الأشخاص فقط. إن التعبير بالذهني إنما يُشير إلى اشتراك المعنى بين مختلف الأشخاص، في حين أن المجتمع بنفسه يُعدّ من وجهة نظرنا حقيقة خارجية، وإلى جانبه يمكن لتراكم المعنى أن يكون له واقعية خارجية أيضًا، ولا يكون حاضرًا في الأذهان فقط، بل يكون له في بعض الأحيان تحقق خارجي وذاتي أيضًا. ولذلك سوف نلجأ إلى التعبير بالفاهمة العامّة بدلًا من التعبير بالذهني. وذات هذه المسألة تستوجب مواصلة البحث في ما يلي حول عينية الثقافة.

في بحث تراكم المعنى في الذاكرة العامة، يمكن لكلام ابن سينا والفارابي أن يساعد على حلّ المسألة. فقد عمد ابن سينا إلى شرح وبيان الآراء المشروحة بحيث ترتبط بحقيقة اجتماعية من قبيل الثقافة. فهو يقول: في المجتمعات يتمّ العمل على تربية الأطفال منذ البداية على أساس الآراء المحمودة في الثقافة. وهو يذهب إلى الاعتقاد بأن الأمر في الأساس ليس من قبيل أن تقيم المجتمعات أركان الحكمة العملية في التأديبات العملية لديها على أساس البحث والتنقيب والاستدلال، بل تعود قراراتها إلى التربية الثقافية في مختلف الثقافات. وقد تحدّث ابن سينا في العقل الحاصل على الآراء المشهورة والمعاني المشتركة في المجتمع عن العقل المدني[2] والعقل الاجتماعي.

(86)
النشاط الاجتماعي والبنية الاجتماعية

نُشير في هذا المقام إلى ثلاثة أمور:

النشاط الاجتماعي للمجتمع والفرد

إن مرادنا في هذا التعريف هو مطلق النشاط الاجتماعي، الأعم من النشاط الاجتماعي للفرد أو المجتمع. لو قلنا بهوية حقيقية للمجتمع بالإضافة إلى النشاط الاجتماعي للفرد، يجب أن نأخذ له نشاطًا بنظر الاعتبار أيضًا.

علاوة على الاستياء العام، هناك استياء لدى الفرد في المجتمع أيضًا. إن كل نشاط فردي بمعزل عن البُعد الفردي، يمكن أن ينطوي على أثر اجتماعي أيضًا، ويُعتبر نشاطًا اجتماعيًا. وبالإضافة  إلى ذلك تارة لا يكون الحديث عن فرد يسعى إلى العمل الاجتماعي، بل يكون المجتمع برمّته في حالة من النشاط والعمل الاجتماعي. وفي مثل هذه الحالة يكون هدف أفراد المجتمع هو القيام بعمل معيّن. وفي مثل هذه الحالة يكون هذا النشاط نشاطًا للمجتمع دون الأفراد. وبالإضافة إلى النشاط الاجتماعي للأفراد، يمكن للمجتمع أن يكون له نشاط اجتماعي أيضًا. في النشاط الاجتماعي العام من قبيل: إبراز المشاعر العامّة، يكون جميع أفراد المجتمع في حالة القيام بهذا النشاط.

روي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، أنه قال في مورد قوم صالح: «إنما يجمع الناس الرضا والسخط. وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد؛ فعمّهم الله بالعذاب لما عمّوه بالرضا»[1].

إن هذا الكلام من الإمام عليه‌السلام يعني أنه بالإضافة إلى معصية الفرد، وقع من الناحية الجماعية ذنب اجتماعي أيضًا. وفي هذا إشارة إلى النشاط الاجتماعي. وعندما يكتسب الذنب هوية اجتماعية، فإنه بالإضافة إلى بعض الأفراد المرتكبين للمعصية،

(87)

يكون قد وقع أمر اجتماعي أيضًا حيث يكتسب حقيقة واحدة وراء هؤلاء الأفراد.

يقول بعض المفكرين لو أننا حذفنا الأفراد، لن يبقى هناك شيء في الخارج، ولكن سبق أن ذكرنا أنه قد تتبلور في بعض الأحيان حقيقة واقعية ومزاجية بوصفها مجتمعًا وراء وجود الأفراد أيضًا.

وبالإضافة إلى النشاط الاجتماعي للمجتمع، هناك تصوّر للنشاط الفردي في المجتمع، ويكون لدينا كذلك نشاط فردي مستقل[1] أيضًا، بيد أن بحثنا الراهن يقتصر على نشاط الفرد في المجتمع.

إن بعض النشاطات الاجتماعية إنما تتحقق من قبل الفرد المتواجد في صلب المجتمع. يتجه المجتمع نحو الضلال، فيظهر فيه نبي ويقف في وجه هذه الضلالة، ويقوم بنشاط اجتماعي في هذا الشأن. وهنا يكون الفرد (النبي في هذا المثال) في حالة نشاط اجتماعي، ولو أن هذا المجتمع واكب النبي في نشاطه، فسوف يكون هذا المجتمع في حالة حرب مع الضلالة، خلافًا لما لو أصرّ المجتمع على المسير في طريق الضلالة. وفي حالة مواكبة المجتمع مع النبي والمبادرة إلى مواجهة الانحراف، يتحقق النشاط الاجتماعي في المجتمع. وعندما يُصبح المجتمع واقعيًا، يغدو نشاطه واقعيًا أيضًا. ليس من الضروري أن نحيل نشاط المجتمع إلى آحاد الأفراد. فإن ذات المجتمع يمكن أن يكون له نشاطه الخاص أيضًا. إن حركة ونشاط مواكب العزاء في يوم عاشوراء يُعدّ واحدًا من أبرز النشاطات الاجتماعية في المجتمع الإيراني. وهنا لا يعود البحث مختصًا بالفرد أصلًا. في مثل هذه الظروف يصبح الفضاء العام هو المحرّك للأفراد. إن عزم وإرادة الأفراد الحياديين والذين لا تكون لديهم أيّ دوافع

(88)

إنما يظهر بتأثير من السيل الجارف للإرادة الاجتماعية، ويتم توجيهه بواسطتها.

عندما يكتسب المجتمع هوية واحدة، فسوف يكون له بغض واحد ومحبّة واحدة. وإن نتيجة هذا الأمر تتحوّل إلى نشاط اجتماعي واحد.

يمكن للأفراد أن يعيشوا على شكل فردي، ولكن أغلب الأفراد يعيشون في المجتمع ولو ضمن أسرة في قرية صغيرة أو في مدينة كبيرة أو في قطر من الأقطار. إن البحث حول ثبات المجتمع أو التراكم الاجتماعي يُشير إلى كيفية ظهور الاتصال الواقعي على شكل هوية واحدة. وكلما أصبح هذا الارتباط والاتصال واقعيًا، فإن كل شخص يتواجد فيه يكتسب صبغة منه في حدود ذاته، ولا شك في أن ذلك سيكون له آثار جماعية أيضًا.

الحُسن والقبح في النشاط الاجتماعي

تقدّم أن ذكرنا أن الفلاسفة المسلمين عندما يذكرون حُسن العدل وقبح الظلم الاجتماعي في بحث سياسة المدن، ويتحدّثون عن وظائف ومهام رئيس المجتمع، يعتبرون المجتمع والنشاط الاجتماعي ظاهرة إنسانية، وإن لم يُصرّحوا بذلك ولم يقدّموا تحليلات عميقة في هذا الشأن. ومن هنا كما لدينا حسن وقبيح في البُعد الفردي، كذلك هناك حسن وقبيح في بُعد النشاط الاجتماعي أيضًا. وفي ضوء المسار الذاتي الذي عمدنا إلى بيانه من خلال العبور من الفرد إلى المجتمع وكيفية تبلور ذات المجتمع، يمكن بيان حسن وقبح الفعل الإنساني بالنسبة إلى المجتمع أيضًا.

ظهور الثقافة في النشاط والبنية الاجتماعية

يتمّ التعريف عادة بالثقافة بوصفها ظاهرة مشتملة على هوية معرفية ذهنية وباطنية، في حين أن الثقافة من وجهة نظرنا حاضرة في الساحة العينية أيضًا. يمكن تصوّر الفاهمة العامة بوصفها ذهنًا، وأما الثقافة فيجب أخذها بنظر الاعتبار بحيث

(89)

لا تقتصر على مجرّد الذهن فقط، وإنما تشمل الأمور العينية أيضًا.

إن الكثير من المعلومات تنتقل إلى الفرد من خلال التواجد في صلب النشاط الاجتماعي بدلًا من الحضور في الصفوف الدراسية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن نقل بعض المفاهيم الدينية، يكفي فيه مجرّد حضور الطفل لعدد من المرّات في مجالس العزاء أو المشاركة في المواكب الحسينية، وكذلك مسألة الحجاب أو السفور تنتقل إلى الآخرين من خلال ذات النشاط الاجتماعي دون حاجة إلى بيان التعاليم والدروس أو الشروح في هذا الشأن. إن السبب في هذا الأمر يكمن في أن المعنى والمفهوم له حضور في النشاط العيني والخارجي ويكون مشهودًا للعيان، وهكذا الشأن بالنسبة إلى البنية الاجتماعية حيث يتمّ فيه نقل المعنى بنفسه. إن النظام السياسي من قبيل: النظام الليبرالي الديمقراطي يعمل على نقل المعنى الخاص الموجود في صلبه إلى الجميع، وهكذا الأمر بالنسبة إلى نظام الجمهورية الإسلامية على أساس ولاية الفقيه، حيث يشتمل بدوره على معنى خاص يمور في داخله. وقد ذكرنا سابقًا في بحث المعنى أن المعاني تمور في النتائج الإنسانية التي تنبثق من النشاط الإنساني.

ليس الأمر بحيث لو اعتبرنا الثقافة شاملة للمشهد العيني أيضًا، لا يعود هناك في المجتمع موضع لغيرها ممّا هو متمثّل بالبنية العينية والنشاط الاجتماعي. إن الثقافة من وجهة نظرنا هي من سنخ المعنى. لقد عمدنا في هذا التعريف إلى فصل المشاركة العينية، والبناء والأبنية الاجتماعية وكذلك المحاصيل الاجتماعية من تعريف الثقافة. إن هذه الأمور في المجتمع ليست جزءًا من الثقافة. إن ذات النشاط الاجتماعي والبنية العينية ليست من أجزاء الثقافة. بيد أن الثقافة تمور في النشاط الاجتماعي وفي البنية العينية الاجتماعية. إن اعتبار التراكم المفهومي في النشاطات الاجتماعية وفي البنية العينية ثقافة، يعني في حدّ ذاته أن النشاط والبنية العينية غير الثقافة، بيد أن هذا لا يعني أن الثقافة لا تستطيع إظهار نفسها  في النشاط الاجتماعي

(90)

وفي البنية العينية. طبقًا لموران المفهوم والمعنى في صلب النشاط والنتائج والآثار الإنسانية، يجب أن يكون النشاط الاجتماعي والبنية العينية منبثقة من الثقافة وأن تمور الثقافة في صلبها. وعلى هذا الأساس فإن الأمر الذي تتجلى فيه الثقافة، ويشمل النشاط الاجتماعي والبنية العينية، هو في حدّ ذاته كائن مختلف عن الثقافة. وفي النسبة بين المعنى والفعل الفردي ذكرنا أيضًا أن البطون حاضرة في الظاهر. والثقافة بدورها في النشاط الاجتماعي روح متجسّدة حاضرة في الظاهر، وهكذا قيل في باب ثمرات الإنسان في البُعد الفردي إنه زاخر بالمعنى. وكذلك في البنية العينية التي هي نتاج الإنسان في المجال الاجتماعية نلاحظ غزارة المعنى أيضًا.

في المشاركة العينية بمعنى النشاط والبناء العيني بالتحليل الفلسفي، لدينا حيثية عينية هي من ذات النشاط والبناء، ولدينا حيثية ثقافية تمور فيها الحيثية العينية. إن الروح والمعنى على الرغم من حضورهما خلف الكواليس، يجب أن يظهرا في هيكلها وأفعالها بوصفهما من تجليات المشهد. وهذا يعني حضور المعنى في البدن. إن المعنى حاضر في مقدمة المشهد على شكل الظهور والآثار والموَران.

إن نقل القدح من موضع إلى موضع آخر، ليس مجرّد نقل للقدح من نقطة ووضعه في نقطة أخرى. لو سُئل الفاعل عن سبب نقل القدح من موضعه السابق إلى موضعه اللاحق، فإنه سوف يقول: «لقد شعرت بأنه قد يسقط. إن هذه الشعور يكون من الظهور والوضوح أحيانًا بحيث يمكن لكل شخص أن يدركه. وهذا هو محض المراد من ظهور المعنى في صلب الفعل والنشاط. والثقافة بدورها تظهر على هذه الشاكلة في صلب النشاط الاجتماعي والبنية العينية. إن فصل الحيثية الفعلية عن الحيثية الثقافية إنما تغدو ممكنة من خلال الدقة العقلية الفلسفية، وذلك بسبب امتزاج هذين الأمرين ببعضهما. إن الروح المتجسّدة في صلب الجهد هي من ناحية تبدو وكأنها تحوّلت إلى جسد وأنها عين الجسد، ولكنها من ناحية أخرى غير الجسد.

(91)

ومن جهة الغيرية يمكن القول بوجود الفرق بين نفس العمل والمعنى الحاضر في صلب العمل. إن الثقافة تمور في صلب النشاط الاجتماعي والبنية العينية، بيد أن للثقافة من ناحية أخرى بطونًا ظاهرة في صلب هذا النشاط والبنية.

في مورد حدود النشاط والبنية مع المعنى، تعتبر أدبيات ابن عربي في باب حضور الأسماء في الأعيان أدبيات مناسبة. فقد عبر عن أن الأسماء تمور في الأعيان، وقال بأن أثر وحكم الأسماء موجود في الأعيان بيد أن عين الأسماء بنفسه غير موجود في الخارج بشكل مستقل. وكذلك يمكن القول هنا إن أثر وحكم الثقافة موجود في النشاط الاجتماعي والبنية العينية، ولكن لا وجود له في البين بشكل مستقل بوصفه نشاطًا أو بنية عينية في الخارج بعنوان الذات.

عينية الثقافة

إن تعريف الثقافة ـ ولا سيّما حيث أشرنا إلى الفاهمة العامّة وامتيازها من الأمور الذهنية ـ يحتاج إلى إدراك صحيح لعينية الثقافة. ولذلك يجب أن نلتفت إلى ذلك في هذا الفصل بشكل خاص. وفي هذا المقام سوف نعمل في البداية على البحث عن «الأداة الثقافية»، وبذلك نقوم بالإشارة إلى نوع من العينية الثقافية، ثم نعمل في قسم «الثقافة، فيما وراء المعاني الذهنية» على بيان شكل آخر من بُعد العينية في الثقافة. وبطبيعة الحال سوف يتمّ التعرّض في هامش هذا المقام إلى أبحاث تفصيلية أخرى. وفي هامش عنوان «الفاهمة العامّة والنشاط الاجتماعي البياني» سوف نعمل على إيضاح مظهر من عينية الفاهمة في إطار النشاطات المذكورة (النشاطات الاجتماعية البيانية) مع ذكر الأمثلة المتعددة ومن بينها ما هو من المنتوجات الثقافية.

 

(92)
الأداة الثقافية

لو قبلنا بإبراز المفهوم في مورد الفرد، فإن الثقافة ـ التي هي مفهوم عام ـ يمكن إبرازها أيضًا. إن المجتمع الذي تقبّل آلاف القضايا ويعدّ ذلك من أساس نشاطها، فلو أن شخصًا قام بتدوين هذه القضايا، سوف يكون ذلك منه إبرازًا لتلك الثقافة. وهذا ما يقوم به بعض علماء الأنثروبولوجيا. من ذلك أنهم يذكرون ـ على سبيل المثال ـ أن تقبّل المجتمع في الهند للنظام الطبقي قد أدّى إلى هذا النوع من السلوك في المجتمع. إن شأن هذه الجماعة هو شأن البيان والتبيين. وإن البيان الثقافي بدوره يمثل جزءًا من الثقافة أيضًا.

بل ويمكن لنا أن نسمّي حتى الثقافة العينية والمكتوبة أيضًا. ومن هنا يمكن قراءة ما كتب عن اليونان قبل أكثر من عشرين قرنًا، وأن نعيش أثناء القراءة أجواء تلك الحقبة من الثقافة.

الثقافة فيما وراء المعاني الذهنية

هناك من يقوم أحيانًا بتعريف الثقافة على أنها ذات المفهوم البينذاتية، ويشرحها على نحو بحيث لا يمكن العثور عليها إلا في المساحة الذهنية العامّة للثقافة، بيد أن هذا الأمر يدعو إلى التأمّل. لا بدّ من التذكير بأن مسألة الإظهار البياني تلوح في مباحث الثقافة. إن الكتاب الذي يتمّ تأليفه في المجتمع، يبقى في حين لا يعود لمؤلفه من وجود في الدنيا، ويبقى كتابه على شكل أثر مستقل.

إن الثقافة تعني الأمر الذي يتمّ فهمه على نطاق عام، وفي الوقت نفسه يمكن أن يكتسب هوية عينية، وليس من الضروري أن تكون الثقافة عامّة بين الأذهان.

إن للمجتمع وراء الفرد هوية مستقلة. ففي الوقت الذي يعمل الأفراد على تكوين المجتمع ويكون لهم نشاط وتفاعل فيما بينهم، يمكن للمشاركات المصنوعة

(93)

اجتماعيًا ـ مثل الثقافة والبناء العيني ـ أن تكون مستقلة عن الفرد، بل وحتى عن ذهن الأفراد أيضًا. ويمكن لنا اليوم أن نتحدّث عن الأمور التي كانت تحدث في العصر الذي عاش فيه أرسطو وأفلاطون. كأن نتكلم ـ مثلًا ـ حول الثقافة التي كانت تتحدّث عنها الأساطير في تلك المرحلة. يمكن لكتاب هومر أن يخبرنا عن أجواء ذلك المجتمع. وبطبيعة الحال لا بدّ لإثبات هذا المدّعى من توفير بعض الشرائط والظروف، كي نتمكن من إثبات أن هذه الظاهرة كانت موجودة في ذلك المجتمع حقًا.

ولو أن شخصًا لا يعرف شيئًا عن الغرب، ولكنه إذا قرأ الفلسفة الوجودية، سوف يتمكن من التعرّف على ما يجري في الغرب.[1] شريطة أن نتمكن من القول بأن هذه الفلسفة تحظى بالقبول العام في الغرب حقًا. وإن كان المؤسس لتلك الفلسفة لم يكن يقصد بيان ما يجري خلف كواليس المسرح الغربي. إن جميع هذه الأمور تعدّ جزءًا من المفهوم البياني الموجود وراء أذهان الأفراد في المجتمع بوصفه جزءًا من الثقافة.

من خلال الاستفادة من هذا البحث يمكن العمل على نقد ذهنية الثقافة والمعنى. وفي الأساس فإن المجتمع يحظى بهوية مستقلة، وإن المشاركات ذات الصبغة الاجتماعية الموجود فيه، من قبيل الثقافة والبنية العينية تكون في بعض الأحيان مستقلة عن الأفراد وأذهان الأفراد في الدائرة العينية. وعلى هذا الأساس من الخطأ تصوير المعنى في المجتمع بشكل ذهني. فإن المعنى في المجتمع موجود في الأذهان وفي غير الأذهان أيضًا.

إن ديوان الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي ليس له وجود خارج الشخص فحسب، بل وتتمّ الاستفادة منه حتى خارج أذهان أفراد المجتمع بوصفه جزءًا

(94)

من الثقافة الإيرانية / الإسلامية أيضًا. إن المحاصيل الثقافية توجد بشكل مستقل عن أذهان الأفراد، وتحظى بالعينية وتعدّ جزءًا من الثقافة. سبق أن ذكرنا أن المعنى موجود حتى في صلب المحاصيل الإنسانية والآثار المنفصلة عن الإنسان أيضًا، ومن بينها المحاصيل البيانية للإنسان بفعل نشاطه البياني.

فإن الذي يتحدّث بنفسه ويعمل على بيان رؤيته، كأن يقول على سبيل المثال: «لقد صليت الآن، لأني مؤمن بوجود الله، وأراه أهلًا للعبادة»، يكون هذا البيان صادرًا منه ضمن المساحة الفردية، ولو تمّ القبول بهذا البيان بشكل عام سوف يصبح جزءًا من الثقافة. وعلى هذا الأساس فإن ديوان حافظ الشيرازي بسبب تعميمه وحصوله على القبول العام قد أصبح جزءًا من ثقافتنا. ومن هنا فإن جانبًا من الثقافة بالإضافة إلى الأذهان العامة، له حضور في المساحات العينية أيضًا. وبالتالي يجب تفسير المتفاهم العام بحيث يكون شاملًا للمساحات العينية أيضًا. كما أن ذات النصوص الدينية المكتوبة تعدّ بدورهًا جزءًا من هذه المساحات العينية للثقافة أيضًا. وذلك بطبيعة الحال فيما لو حظيت بالقبول وكانت مورد اتفاقهم ومحط اشتراكهم بأجمعهم حولها. فحيث يحظى الدين بالقبول ويتحوّل إلى دين اجتماعي، تصبح المراجع المتخصصة في الدين بدورها صانعة للثقافة أيضًا. ولا يعود من الممكن بعد ذلك التعبير عن هذه الظاهرة بالأمر الذهني. وعلى هذا الأساس فإن المتفاهم العام يعني أن عموم الناس قد تفاهموا بشأنه وإن كان موجودًا في الخارج.

إن الثقافة تبقى في بعض الأحيان ضمن المستوى الباطني وتكون بمنزلة الروح بالنسبة إلى المجتمع، وفي بعض الأحيان ترمي بنفسها إلى الخارج وتتحول إلى مجموعة من المكتوبات والنماذج الرمزية.

إن الثقافة من سنخ المعنى. وحتى الأمور التي اكتسبت عينية من قبيل الآثار المكتوبة هي الأخرى تعدّ جزءًا من المعاني. والفلسفات المقبولة بدورها تعدّ جزءًا من

(95)

الثقافة بالمعنى العام أيضًا. ولا شأن لنا بالأبحاث الفلسفية التي لم تصل إلى مرحلة المقبولية العامّة. وإنما يدور بحثنا حول الفلسفة التي أصبحت مكتوبة وحظيت بالقبول العام. ومن هنا يذهب بعض المفكرين إلى اعتبار الثقافة الغربية ـ على سبيل المثال ـ ثقافة وجودية. وعليه لا ينبغي البحث عن الثقافة خلف كواليس المشهد الإنساني فقط، وإن كان ما يدور خلف كواليس المسرح سوف يشكّل أساسًا لكل ما يتمّ أداؤه وتمثيله على خشبة المسرح. وحيث يمكن للمعنى أن يتمّ إبرازه، فإن بمقدوره أن يتحقق في الخارج، وإن الشرط في تحوّله إلى ثقافة في مثل هذه الحالة هو حصوله على القبول العام.

وعلى هذا الأساس فإن للثقافة وجودًا في المشهد العيني الخارجي، ولا ينبغي البحث عنها في الأذهان فقط. ولذلك فقد اعتبرنا الثقافة تراكمًا من المعاني بشكل عام في الفاهمة العامّة وفي النشاطات الاجتماعية والبنية العينية، ولم نلجأ إلى استعمال الأدبيات الذهنية وما بين الأذهان لكي يتمّ لحاظ عينية الثقافة فيها.

الفاهمة العامة والنشاط الاجتماعي البياني

إن إظهار المعنى تارة يكون على شكل نشاط يمور المعنى فيه، وتارة يكون ذات النشاط إظهارًا للمفهوم من الناحية البيانية. إن هذا النشاط كما سبق أن ذكرنا يعود إلى مساحة البيان الإنساني، حيث يمكنه إظهار ما يعتلج في باطنه من خلال الكلام والكتابة أو من خلال مجموعة من النماذج الرمزية. إن الشخص الذي يقول: «لقد أقمت المأتم على سيد الشهداءعليه‌السلام ؛ لأني أعلم أن أبا عبد الله  الحسين هو حجة الله، وإنه قد تعرّض للظلم و...»؛ فإن المعنى هنا يمور في نفس عمله (إقامة المأتم). وأما أثناء النشاط فإن الإظهار البياني يعمل على إبراز ذات المعنى والمفهوم، ويعمل على إظهار ذلك المعنى الذي يشتمل عليه المأتم.

إن مساحة البيان الإنساني تمنح الإنسان القدرة على بيان ما في ضميره وإظهار

(96)

باطن العمل. وإن هذا الإظهار يكتسب عينية وتبلورًا خارجيًا. وعندما يتمّ تدوين وكتابة هذا الإظهار يكون هذا المكتوب قد تحقق في الخارج. فإذا كان هذا المعنى عامًا يكون هذا المكتوب في حدّ ذاته ثقافة حيث تسجّل حضورها في هذا الكتاب. والآن لا يكون هذا المكتوب بوصفه عينية اجتماعية ظاهرة منعزلة ومركونة لا صلة لها بأيّ شخص، ويقوم ارتباط الأفراد بهذه العينية الاجتماعية.

إن من بين أساليب نقل الثقافة، عبارة عن الاستفادة من مساحة البيان. إذ يمكن العمل من خلال البيان على نقل الثقافة إلى الأجيال القادمة. كما يمكن لنا الاستفادة من هذه المساحة من أجل تعميق وترسيخ ثقافتنا أيضًا. إن الفاهمة العامة تنبسط في بعض الأحيان بحيث تشمل حتى هذا النوع من الرموز والكتابات المقبولة من قبل المجتمع بشكل عام أيضًا.

ولكي نطلع على ثقافة مجتمع ما، كان قائمًا منذ آلاف السنين، حيث لم يعد هناك من وجود لأفراده بيننا، ولا يوجد إمكان للتواصل معهم، إنما نلجأ إلى هذه المكتوبات والمدوّنات التي وصلت إلينا عنهم. وفي هذا المورد يكون الاطلاع على الثقافة من طريق هذه المكتوبات، إذ لم يعد ذلك المجتمع متواجدًا بيننا في الوقت الراهن. وفي مورد المكتوبات المقبولة في المجتمع ويتمّ التعلق بها، يجب القول: إن هذه المكتوبات والنصوص هي التي تعدّ نصوصًا مرجعية للثقافة. هناك الكثير من النصوص التي يمكن لها أن تكون في صلب الثقافة بالإضافة إلى كونها عين النص والأثر. وتعدّ النصوص المرجعية من هذا القبيل. إن هذا النص يحظى بالقبول بوصفه يمثل ذاكرة ذلك المجتمع. ويتحوّل إلى أمر مشترك وعام وكذلك بوصفه محورًا بين أفراد المجتمع حيث يتمّ الرجوع إليه من قبلهم لحلّ بعض مشاكلهم.

كما يعدّ القانون والدستور في المجتمع ـ الذي يروم العيش على أساس من القوانين ـ جزءًا من الثقافة من بعض الجهات. إن المجتمع الذي لا يحكمه القانون

(97)

ولا يتحقق فيه التقبل العام، فإن الدستور لن يتمكن بالضرورة من حل مشاكله. وإنما الكلام حيث يكون هناك نوع من التسالم عليه ويحظى بالقبول من قبل المجتمع. وفي هذه الحالة لا تكون بنية ذلك المجتمع لوحدها قائمة على هذا الأساس فحسب، بل وحتى الأفكار الرئيسة سوف تُسجّل حضورها في ذلك المجتمع أيضًا. ولو نظرنا إلى دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية سوف نجد أسس الجمهورية الإسلامية ـ ومن بينها ولاية الفقيه ـ ماثلة فيه.

وعلى هذا الأساس فإن جانبًا من الثقافة يكون داخليًا وباطنيًا، ولكن في بعض الأحيان قد يظهر في مساحة البيان أيضًا، ومن بينها النصوص المرجعية.

وفي حقل النص المرجعي يجب القول: إذا قام المجتمع الإسلامي، فإن النص المرجع في حلّ مشاكل وعُقد ذلك المجتمع، سوف يكون عبارة عن: القرآن الكريم، والروايات، والنصوص الدينية المعتبرة. والملفت بشكل أكبر أنه يتمّ الاعتراف أحيانًا في المجتمع ببعض المفسرين المعتبرين، ويقوم المجتمع ـ من خلالهم ـ بفهم نصّه المرجعي. ونتيجة لذلك فإن التفسير الرسمي لهؤلاء المفسّرين سوف يحظى بالقبول العام، وإن ذات هذا المعنى سوف يقع بحسب التأثير المتجدد مؤثرًا في الثقافة والمعنى الكامن خلف كواليس المشهد أيضًا.

وقد سبق أن مثلنا بديوان الشاعر الفارسي شمس الدين الحافظ الشيرازي بوصفه نصًّا مرجعيًا أيضًا. إن هذه المرجعية  يعود سببها إلى المقبولية العامة، وإلا فإنه لو لم يحظ هذه الديوان بالمقبولية العامة، فإنه لن تكون له مرجعية في المجتمع أيضًا. فإن كل ما كان يقوم به الحافظ الشيرازي هو نظم وإنشاد بعض الأبيات، ويقوم من خلال ذلك بفعل بياني، وبعد ذلك حيث تحوّلت هذه الأشعار إلى نصّ مرجعي، أصبحت جزءًا من الثقافة.

وعلى مستوى الثقافة كلما تمّ القبول ببيان ونصّ مرجعي مقبول في المجتمع،

(98)

يمكن لنا أن نحكم على ذلك المجتمع بواسطته ـ حتى قبل أن نكون قد رأينا فعل المجتمع ـ وأن نتكهّن بطبيعة أفكار هذا المجتمع وكيفية سلوكه. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن لمن يقرأ أشعار الحافظ الشيرازي أن يتعرّف على أفكارنا وطبيعة أعمالنا ونشاطنا حتى قبل أن يقوم بزيارة إلى إيران، ويمكن له أن يُفسّر ويفهم كل فعل نقوم به من خلال مرآة الحافظ الشيرازي.

وعلى هذا الأساس ينبغي في الثقافة أن نفصل بين مقولتين، وهما: النشاطات التي تمور الثقافة فيها، والمحاصيل الثقافية. ولا يخفى أن المحاصيل الثقافية كثيرة جدًا. ولا تنحصر بالأدبيات والروايات أو العلوم والخطابات الإعلامية. كما تُعدّ الفلسفة في كل مجتمع جزءًا من المحاصيل الثقافية لذلك المجتمع. إن الوظيفة الأصلية للفلسفة ليست مجرّد إظهار المعنى على شكل محصول ثقافي فقط، وإنما تشتمل على وظيفتها المعرفية الخاصّة أيضًا.

لا بدّ من التعرّف على أن الإظهار البياني يؤدّي أحيانًا إلى تعميق الثقافة. من ذلك مثلًا أن المجتمع الذي تحتوي ثقافته على نواة مركزية، ولكن لم يتمّ بعدُ تفصيل تلك النواة المركزية، فإنه لو عمل العلماء والمفكرون في ذلك المجتمع على بسطه وتفصيله بشكل عميق وعملوا على بيانه ـ الذي يُعدّ بدوره نوعًا من من الإظهار البياني ـ وحظي بالقبول في المجتمع، فإن هذا الأمر سوف يؤدّي إلى تعمّق الثقافة في ذلك المجتمع. وإن لعلماء الدين في المجتمع الديني مثل هذه المنزلة. ويجدر بنا أن نهتمّ هنا على نحو خاص ببعض الأمور التي تعدّ جزءًا من المحاصيل الثقافية.

 

(99)
نماذج من المحاصيل الثقافية فيما وراء الأذهان
الرموز

لقد سبق أن تحدّثنا عن النصوص المرجعية بوصفها واحدة من الأمور المظهرة للثقافة. وبالإضافة إلى ذلك يمكن الحديث عن النماذج الرمزية أيضًا. إن النماذج التي تحظى بالمقبولية في الفاهمة العامة بوصفها أمرًا نموذجيًا، يكون لها شأن من الإظهار البياني الاجتماعي. ومن خلال بيان هذه النماذج يتمّ إظهار المعاني الموجودة في فاهمة المجتمع. من ذلك على سبيل المثال أنه كلما قامت وسائل الإعلام في إيران بإظهار قمّة جبل دماوند، تداعت للناظر من ذلك رفعة وعظمة إيران.

إن النموذج والرمز يحتوي من جهة على حالة من النشاط الصارخ، ويعمل من جهة أخرى على إظهار المفهوم أيضًا. وإن له من قوّة وزخم الحالة البيانية بحيث يمكن القول في بعض الأحيان: «إن الرمز هو عين الثقافة»، لا أنه يكون ماثلًا في صلب تلك الثقافة، بل إنه كذلك ينطوي على حالة بيانية، ويكتسب في المجتمع تعيّنًا بوصفه جزءًا من الثقافة أيضًا.

إن حقل الرمز في الفضاء الاجتماعي واسع جدًا. فإن علم كل بلد، وكذلك راية الإمام أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام في مراسم العزاء، ونصب البيارق في الأماكن العامة والأندية الاجتماعية الخاصة وفوق الأبراج الشاهقة، ومحورية العتبات المقدّسة في المدن الدينية، كلها تعتبر ذات هوية رمزية. وحتى الألعاب الرياضية قد تكون من هذا القبيل أيضًا. فقد تحوّلت كرة القدم بالنسبة إلى البرازيل إلى ظاهرة أخرى، وأضحت جزءًا من الهوية الثقافية للمواطنين في هذا البلد. وفي هذه الموارد تكون الحالة البيانية للرموز مستوجبة لبيان المعنى وإظهار المفهوم في دائرة التعيّن الثقافي. ولا بدّ من الالتفات إلى أن هذه الرموز قد اكتسبت تعيّنًا فيما وراء الأذهان.

(100)
الفلسفة

يرد الحديث على الألسن في بعض الموارد ـ بالإضافة إلى الرموز والنصوص المرجعية ـ عن الفلسفة الكامنة خلف كواليس الأفكار في المجتمع. وفي هذه الحالة تكون الفلسفة جزءًا من الثقافة الاجتماعية. لقد سبق أن أشرنا في حقل النشاط البياني إلى أن الفلسفة بدورها قد تمّ بيانها في دائرة المعاني أيضًا. إن الفلسفة المكتوبة حتى وإن اكتسبت صورة عينية، لا تكون ثقافة إلا في حالة حصولها على المقبولية العامّة. وقد سبق أن أشرنا إلى أن الوظيفة المعرفية للفلسفة باقية على حالها، ومن المقرّر أن تصل الفلسفة إلى الواقع، بيد أن البيان يُعدّ بدوره واحدًا من وظائف الفلسفة.

إن لكل مجتمع أفكاره الخاصّة به، حيث تعدّ الأفكار الفلسفية جزءًا من أسسه وقواعده الفكرية. وسوف يتم بيان هذا البحث في تضاعيف الثقافة بشكل أفضل. لو عمل شخص على تدوين التفكير الفلسفي لحمر الجلود من السكان الأصليين في القارة الأمريكية، بشرط التزام الحياد والأمانة في نقل هذه الأفكار دون زيادة أو نقصان، وتحدّث عن قواعدهم الفلسفية كما يفهمها الناس، فسوف تكون هذه الفلسفة المكتوبة جزءًا من ثقافتهم.

وعلى هذا الأساس لو أردنا أن ندرك ماذا يجري في ثقافة مجتمع ما، إذا كانت أسس الفلسفة المقبولة في ذلك المجتمع بشكل عام، قد تمّ بيانها في أثر أو خطاب، سوف نتمكن من إدراك ذلك في الحقيقة والواقع من خلال التأمّل في حقيقة المعنى العام لذلك المجتمع المتمثل في ثقافته.

يقوم بعض الباحثين في إطار دراسة ثقافة مجتمع ما ـ بدلًا من دراسة أفعال ونشاط ذلك المجتمع ـ إلى دراسته من طريق بحث النتائج والمحاصيل الثقافية والأدوات البيانية لذلك المجتمع، ولذلك تكتسب هذه الأمور أهمية بالغة، ولا سيّما إذا كان موضوع دراسة المحاصيل والنتائج معبّرًا عن أكثر الأسس والقواعد الثقافية تجذّرًا.

(101)

إن معرفة القواعد الفكرية للحضارة الغربية، من قبيل: محورية الإنسان والتفكير الحديث والليبرالية الديمقراطية، يمكنه أن يُشكّل أرضية خصبة لفهم المجتمع الغربي. من خلال التعرّف على هذه الأفكار تصبح المعاني الموجودة في نشاط المجتمع الغربي مفهومة وواضحة بالنسبة إلى الإنسان.

إن المفكرين الذين ظهروا في العالم الإسلامي بعد صدر المتألهين أصبحوا من القائلين بفلسفته على نحو شديد، وقد تمّ بسط وتفصيل رؤيته الفلسفية بأشكال مختلفة. حيث تكمن أفكار صدر المتألهين خلف كواليس نشاط المحققين المنتسبين إلى مدرسة صدر المتألهين وفي نوع رؤيتهم، وإن ذات هذه الرؤية قد تجلّت على خشبة المسرح على شكل نشاط يمارسونه من الناحية العملية. إن الفلسفة الإسلامية من الأسس الفكرية بالنسبة إلى المجتمع الإسلامي، ويمكن من خلالها فهم النشاط الاجتماعي للمجتمع الإسلامي.

إن من بين وظائف كل فلسفة ولا سيّما فلسفة كل ثقافة، عبارة عن الوظيفية البيانية. ومن خلال التعرّف على الفلسفة والعرفان، بل وحتى الأخلاق في كل مجتمع يمكن أن نبيّن كيف يمارس أفراد هذا المجتمع عملية الفهم، وكيف يمارسون نشاطهم على أساس ذلك الفهم.

العلوم الاجتماعية، الحقوق والدين الاجتماعي

إن علوم الفقه والحقوق وجميع العلوم الاجتماعية، من قبيل: الاقتصاد والسياسة بدورها، تعدّ من الوسائل البيانية أيضًا. إن جميع هذه العلوم تعدّ في المجتمع بيانًا للمعاني والمفاهيم الموجودة في ذلك المجتمع، بشرط أن تتناول بالبحث الأمور المقبولة لدى ذلك المجتمع. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه يمكن في ضوء الحقوق والقوانين الفرنسية فهم ما يدور من المعاني والمفاهيم خلف كواليس المجتمع الفرنسي، وذلك فيما لو ظهرت وتمّ بيانها في صورة هذا المجتمع. كما أن الدين

(102)

المقبول الذي يتمّ التعبير عنه بواسطة الألفاظ، يعدّ بدوره إظهارًا بيانيًا، ويمكن أن يخبر عن البُعد المفهومي للمجتمع.

إن العلوم الإنسانية حاضرة في جميع مواطن المجتمع. إن للنظرية في علم الاقتصاد وفي علم السياسة أو في علم النفس، تأثيرًا بالغًا في صياغة المعاني والمفاهيم والنشاطات الإنسانية؛ وذلك لأن العلوم الإنسانية بمنزلة المقدمة المباشرة أو بعبارة أخرى: المقدمة الأخيرة بالنسبة إلى النشاط الإنساني.

العلوم التجريبية والآداب واللغة

إن العلوم التجريبية تقع بدورها ضمن دائرة الثقافة أيضًا، مهما كان حظها في هذه الدائرة في الحدّ الأدنى؛ بمعنى أنها لا تندرج ضمن الطبقات العميقة من الثقافة، وإنما المباني الأساسية من الفلسفة هي التي تصل إلى المستويات الأساسية من الثقافة.

إن الأشعار والآداب لدى كل شعب تعدّ بدورها جزءًا من الأمور البيانية بالنسبة إلى الثقافة. وإن ذات اللغة تعدّ واحدة من تعيّنات الثقافة أيضًا. وإن المصطلحات الخاصة، من قبيل: الأمثال، تعدّ هي الأخرى جزءًا من الأمور المتعيّنة في الثقافة أيضًا.

الخطابات الموجودة في التكنولوجيات المرتبطة بالبُعد البياني

إن الثقافة تمور في التكنولوجيا، ولكن في بعض الأحيان يكون للفضاء التكنولوجي حالة لغوية. من ذلك أن السينما ـ على سبيل المثال ـ تحتوي على فضاء بياني. كما أن وسائل الإعلام هي الأخرى تنطوي على حالة من الإظهار والبيان، وإن خطاباتها التي تقع موردًا للقبول العام تكون جزءًا من الثقافة.

لا بدّ من الالتفات إلى أن جميع هذه الأمور قد اكتسبت تعيّنًا في الخارج وتسللت إلى الأذهان، وأصبحت في الوقت نفسه جزءًا من الثقافة. وإن النتيجة الأولى من نتائج هامش بحث دائرة الثقافة، قد خصّت هذه المسألة بتفصيل أكبر.

(103)

البحث الإجمالي لتعاريف بعض علماء الاجتماع

نسعى في هذا المقام إلى بحث تعاريف الثقافة في كتب علم الاجتماع لغرض تحديد ارتباط تلك التحاليل مع تعريفنا المختار للثقافة.

إن كلمات علماء الاجتماع إنما تحظى بالأهمية الكبيرة من أنهم يعملون على بيان كل ما حصلوا عليه في المشاهدة المباشرة للظواهر الاجتماعية، وإن أسلوب البحث في هذه العلوم ليس هو الأسلوب العقلي الذي يقع موردًا للاهتمام في الفلسفة، ولا تقع الأبحاث الأنثروبولوجية والسايكولوجية الفلسفية محورًا للبحث. وإن كانت لهم في تضاعيف مسائلهم نظرة عابرة وغير مقصودة في بعض الأحيان إلى هذه الأبحاث. وعلى هذا الأساس فإن الإشارة إلى المفاهيم مورد بحثنا من قبل علماء الاجتماع تمثل في حدّ ذاتها شاهدًا على صدق التحليلات المشار إليها في هذا التحقيق. وبطبيعة الحال فإن أكثر التعاريف إما أن تكون في إطار الآراء الذهنية لإدموند هوسرل أو ضمن الفضاء العيني الذي عمل على تفصيل الثقافة بشكل أكبر.

وسوف نبحث في هذا القسم رأي أنطوني غيدنز، وبرونيسلاف مالينوفسكي، ورايموند وليم فيرث، وإدوارد بورنيت تايلور، وت. ب. باتامور، وصولًا إلى بحث رأي إدموند هوسرل في نهاية المطاف.

أنطوني غيدنز[1]

لقد تمّ الالتفات في الكثير من التعاريف إلى تعلّم الثقافة وكونها أمرًا مكتسبًا. إن هذا الالتفات يُعدّ تأكيدًا على الفضاء الإنساني للثقافة. وكما سبق أن ذكرنا فإن الثقافة والمجتمع يعتبران من الظواهر الإنسانية، ومن ناحية أخرى فقد أشرنا في بحث تفصيل المفهوم والمعنى إلى ضرورة انتقال الثقافة بواسطة التعليم، وإلى إمكان تقليل أو زيادة بل وحتى حذف أجزاء من الثقافة أيضًا.

(104)

قال أنطوني غيدنز: «عندما يتحدث علماء الاجتماع عن الثقافة، فإنهم إنما يريدون بذلك تلك المجموعة من أبعاد المجتمعات البشرية التي يتمّ العمل على تعلمها»[1].

إن مسألة الثقافة تبرز من خلال الفعل والنشاط الإرادي الجماعي الذي يكون قد تبلور على أساس المعنى والمفهوم الكامن خلف كواليس المشهد. لا يمكن تحليل هذه الهوية الواعية والإرادية على أساس الخواص الطبيعية والجينية. ومن هنا فقد صرح أنطوني غيدنز قائلًا: «ليس تلك التي تورث على نحو جيني».

ثم أشار إلى مشاركة جميع أفراد المجتمع في المعنى؛ إذ سبق أن أشرنا إلى الحضور الفاعل لأفراد المجتمع في الثقافة الحاضرة، ولا يقتصرون على مجرّد الحضور التابع والمنفعل فقط. «إن أعضاء المجتمع يُسهمون بأجمعهم في هذه العناصر الثقافية».

ثم أشار أنطوني غيدنز بعد ذلك إلى «إشراك المعاني»، وتفسير «الأفعال والحياة» المقترنة بها. «ولهذا السبب يتبلور إمكان التعاون والارتباط المتبادل. إن هذه العناصر الثقافية، تعمل على تشكيل المتن والأرضية العامّة والمشتركة، حيث يمضي أفراد المجتمع حياتهم فيها».

إن للثقافة ـ في ضوء تعريفنا ـ بُعدًا غير محسوس أو تحتوي على بطون هي ذات المعنى. وعلاوة على ذلك فإن للثقافة بُعدًا محسوسًا أيضًا. وبالإضافة إلى ذلك فإن الثقافة تحتوي على بُعد محسوس أيضًا. وهناك الكثير من علماء الاجتماع الذين يتفقون معنا في هذا الرأي. كما وقد أشار إلى محتوى الثقافة وكونه زاخرًا بالمصنوعات الإنسانية في حقل المفهوم والمعنى أيضًا. وسوف نعمل على بحث تحليل التقنية والمصنوعات في دائرة الثقافة. وفي ذلك الفصل سوف نحصل ـ من كل ما تمّ تحليله بالتفصيل في بحث المعنى ـ على نتائج حول أبعاد الثقافة. وعلى حد قول أنطوني غيدنز: «إن المجتمع يشتمل على الأبعاد غير المحسوسة من قبيل:

(105)

العقائد، والأفكار، والقيَم التي تعمل على صياغة محتوى الثقافة، كما يشتمل على الأبعاد المحسوسة، من قبيل: الأشياء والرموز أو التقنيات التي تمثل انعكاسًا وتجليًا للمحتوى المذكور أيضًا».

إذا كان التعبير بـ «التجلي» يُشير إلى الموطن الثالث وإلى المحاصيل الإنسانية المنفصلة ـ فحيث أن امتداد الفعل المتصل (الموطن الثاني للمعاني) والمعاني الكامنة خلف كواليس المشهد (الموطن الأول للمعنى)، تمور فيها المعاني والمفاهيم، وتعكس النوايا والمعاني الكامنة خلف المشهد وتحتوي على المعنى ـ فسوف تكون الإشارة على هذا الأساس صحيحة. إن الثقافة من وجهة نظرنا تمور في كل فعل أو عمل، وفي الوقت نفسه فإن ذات الفعل ليس ثقافة، وكذلك لا يمكن اعتبار ذات الأشياء ثقافة، وإنما الثقافة هي المعاني الكامنة والموجودة في صلب هذه الأشياء. وبطبيعة الحال فإن الشرح البياني للمحاصيل المنفصلة تعدّ جزءًا من الثقافة. إن التعبير بالرمز في هذا القسم من كلامه يمكن أن يمثل حلًا في البيان الدقيق لمفهوم الثقافة على نحو عيني.

برونيسلاف مالينوفسكي

يقول توماس بيرتون باتامور في كتابه «علم الاجتماع» في معرض بيانه لرأي برونيسلاف مالينوفسكي[1]: «[إنه يرى] أن الثقافة تشتمل على (الأداة والبضاعة، والمسارات الفنية، والعقائد، والعادات، والقيَم الموروثة). كما أنه يعمل على إدراج البنية الاجتماعية ضمن مفهوم الثقافة أيضًا».[2]

وقد استعمل عبارة «الموروثة» في مورد العقائد والعادات والقيَم الثقافية. إن مراده من القيَم الموروثة عبارة عن القيَم التي نرثها من أسلافنا. ثم قال بعد ذلك

(106)

إنه على الرغم من وراثة هذه الأمور، يمكن لنا أن نعمل على تغييرها أيضًا. ومن هنا فإنه لا يرى للثقافة مجرّد هوية موروثة فقط. وفي الوقت نفسه يلقي نظرة عابرة إلى ناحية الامتداد التاريخي للثقافة أيضًا.

كما أنه قد أدخل المصنوعات والبضائع ضمن الثقافة أيضًا، حيث أن الثقافة ـمن وجهة نظرنا ـ تمور في هذه الأمور، بيد أن ذات هذه الأمور لا تعدّ ثقافة. كما أن المسارات الفنية بدورها ليست ثقافة، وإن كانت الثقافة تمور فيها. وفي هذا البين إنما نعدّ بعض المصنوعات ـ التي تظهر على شكل نماذج ـ جزءًا من الثقافة.

وقد اعتبر البنية الاجتماعية جزءًا من الثقافة أيضًا. من خلال التدقيق في تحليلات برونيسلاف مالينوفسكي يمكن أن ندرك أن مراده هو أن البنية الاجتماعية ليست منفصلة عن الثقافة، ولكنه يتكلم بشكل بحيث يعتبر البنية الاجتماعية جزءًا من الثقافة. وقد سبق أن ذكرنا أن البنية الاجتماعية غير الثقافة، ولكن الثقافة تمور فيها. إن هذا النقص إنما ينشأ من ضعف التحليلات الفنية الفلسفية في آثار علماء الاجتماع. إن عالم الاجتماع يدرك أن البنية الاجتماعية لا يمكن تكون بمعزل عن الثقافة، وأما أن نعتبر البنية جزءًا من الثقافة، فهي مسألة أخرى. ثم نقل باتامور بعد ذلك عن برونيسلاف مالينوفسكي[1] أنه ذكر في إحدى مقالاته اللاحقة في حقل الثقافة، قائلًا: «إن الثقافة كلّ جامع يشتمل على الأدوات والبضائع الاستهلاكية، والبيانات القانونية[2] لتصنيف الطبقات الاجتماعية المتنوّعة، والعقائد والحِرف الإنسانية، والعقائد والتقاليد». وقال في موضع آخر: «إن الحقيقة والواقعية الأساسية للثقافة على الصورة التي نقوم بتجربتها ونعيش فيها، والتي يمكن أن ندرسها ونطالعها برؤية علمية، عبارة عن تنظيم الموجودات الإنسانية في مجموعات

(107)

ثابتة». يقول باتامور: إن أهم خصوصية في استفادة برونيسلاف مالينوفسكي من هذه المفردة، عبارة عن فهمه للثقافة بوصفها كلًا منسجمًا يمكن في داخلها دراسة مهام الأجزاء المختلفة (الموسسات).

إن تعبيره عن الثقافة بالكل الجامع، يبدو ناظرًا إلى التراكم والاختزال في عين الكينونة في مجموع الأمور التي سبق أن تحدّثنا عنها، وسوف يأتي تفصيلها في معرض الكلام عن طريقة وجود الثقافة، والتي تكون من الزاوية الفلسفية على نحو المزاج الخاص.

إن المراد من البيانات القانونية والأطر البنيوية[1] التي تصوغ التصنيفات الاجتماعية والعقائد والسوابق الإنسانية والآداب والتقاليد، هو أن الثقافة بوصفها مفهوم عام كامن في الفاهمة العامة، تعمل على بناء أفكار أعضاء المجتمع والرؤية الاجتماعية في حقل العقائد والاداب والتقاليد والحِرف والطبقات الاجتماعية؛ وذلك لأن الاشتراك المعنوي في المجتمع، يؤدّي إلى إقرار آداب وعقائد وتصنيفات اجتماعية واحدة، ويعمل بوصفه إطارًا لصياغة وبناء هذه الأمور. وإن القول بأن الثقافة هي التي توفر إمكانية دراسة مهام الأجزاء المختلفة (الموضوعات)، يعود سببه إلى ما قيل من أن المؤسسات والطبقات إنما يتمّ فهمها بثقافة الأنظمة الاجتماعية.

ورايموند وليم فيرث

قال باتامور في بيانه لرأي وليم فيرث[2]: إنه قد فرّق بين البنية الاجتماعية وبين الثقافة، وقد اعتبر الثقافة عبارة عن: «أجزاء المصادر المتراكمة سواء منها المادية وغير المادية التي يتوارثها الناس ويعملون على توظيفها وتغييرها وتوسيعها وتطويرها ونقلها، وقال بأن البنية الاجتماعية عبارة عن العلاقات بين الأفراد وأشكال تلك العلاقات»[3].

(108)

وقد استخدم وليم فيرث عبارة المتراكم التي سبق أن قمنا بتوضيحها وبيانها. كما أشار إلى المادي وغير المادي أيضًا. وقد اهتم بانتقال وتحوّل الثقافة أيضًا. وقد أضاف قائلًا: «إن طريقة السلوك الذي يتمّ الحصول عليه، إنما يتمّ اكتسابه بشكل اجتماعي».

إن مراده من طريقة السلوك هو النموذج السلوكي. وهو يرى نموذج السلوك بصفته الاكتسابية وشموليته الاجتماعية بوصفه جزءًا من الثقافة.

إدوارد بورنيت تايلور

لقد أشار باتامور إلى تعريف إدوارد بورنيت تايلور[1]، حيث قال: «المجموع المركّب المشتمل على العلوم والعقائد والفنون والحقوق والأخلاق والتقاليد، وجميع القدرات والعادات التي يكتسبها الشخص بوصفه عضوًا في المجتمع».[2] لقد تحدّثنا عن هذه الأمور باختصار، وسوف نتحدّث عنها في حقل الثقافة بالتفصيل. إن التعبير بالمجموع المركّب تعبير صحيح، وقد أشرنا إليه في بحث تراكم الثقافة أيضًا.

ت. ب. باتامور

لقد بيّن باتامور[3] رأيه النهائي والأخير من خلال التفريق بين البنية الاجتماعية والبنية الثقافية كما قال رايموند وليم فيرث، حيث قال: «إننا في دراسة الثقافة نتعامل مع هذا النوع من العقائد والقيَم التي يمكن العثور عليها في القوانين الدينية والأخلاقية والآداب والعلوم والفلسفة والفن والموسيقى»[4].

لقد تحدّثنا في بحث دائرة الإظهار والبيان عن أن الفلسفة بدورها يمكن أن تكون جزءًا من الثقافة أيضًا. إن الدين بدوره يعدّ من الناحية الاجتماعية جزءًا

(109)

من الأبعاد الإظهارية والبيانية للثقافة أيضًا. إن اهتمامه بالقوانين الدينية والفلسفة مسانخ لرأينا. وقد أشرنا في مورد العلم[1] أيضًا إلى أن العلم بدوره يندرج ضمن دائرة الثقافة وإن كانت حصته تقع في الحدّ الأدنى. وقد عدّ الآداب والعلم والفلسفة والفن والموسيقى جزءًا من الثقافة. وقد عمد إلى تعريف الثقافة ـ عند التمييز بين الثقافة والحضارة ـ قائلًا: «إن مرادنا من الثقافة هي الأبعاد التصورية[2] للحياة الاجتماعية بشكل متمايز من العلاقات الواقعية بين الأفراد وأشكال هذه العلاقات، وغايتنا من الثقافة هي الأبعاد التصوّرية لمجتمع بعينه»[3].

إن هذا الكلام يُشير إلى البُعد المفهومي والمعرفي الموجود في الحياة الاجتماعية، ويضع البنية الاجتماعية في مقابل الثقافة، وهو كلام صحيح وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك. ولكن يجب أن يتحدّث بشكل من الأشكال عن البُعد المفهومي والمعرفي بحيث يمكنه تحمّل عينية الثقافة في أبعاد من الثقافة أيضًا، من قبيل المعنى الموجود في النشاط الإظهاري والبياني الاجتماعي المستقل والمعاني التي تمور في النشاط الاجتماعي والبنية الاجتماعية أيضًا. يبدو أن الأبعاد التصورية والفكرية والمفهومية غير واضحة في هذا التعريف بشكل دقيق، بيد أن بياننا يحظى بالوضوح بحيث يشمل حتى الموارد المتعيّنة من الثقافة أيضًا.

إدموند هوسرل

في ضوء الرؤية الظاهراتية، يقول إدموند هوسرل[4]: «إن الثقافة عبارة عن تركيب الذهنيات المتعالية».[5]

(110)

يذهب إدموند هوسرل إلى القول بوجود هوية البينذاتية للثقافة. وفي معرض بيانه للذهنية يستخرج من الحالة الطبيعية الناتجة عن ذلك صورة متعالية. يقول إدموند هوسرل إنه إذا أراد الوصول إلى حقيقة الشيء الطبيعي، يتعيّن عليه التوصّل إلى ذواته. وإن الذوات التي تكون ذهنية، هي الثقافة.

لقد ورد في هذا التعريف الجانب الباطني فقط، وتمّ التأكيد عليه. وبطبيعة الحال فإن التحليلات والأدبيات مورد بحثنا في باب عينية الثقافة، لا يمكن أن تتماهى كثيرًا مع أدبيات وتحليلات إدموند هوسرل.

«إن الثقافة عبارة عن تركيب الذهنيات المتعالية للتجارب التي يفهمها جميع أفراد البشر. في العلوم الثقافية نحن لا نتعاطى مع واقعية الظواهر الطبيعية؛ وذلك لأن العلوم الثقافية ماهوية»[1]. وبعبارة أخرى: إننا في الثقافة نواجه الذوات.

«وموضوعها هو الظواهر الذهنية في التوجهات اليومية الطبيعية. وعلى هذا الأساس يكون ذهني بمثابة المناط أو الجوهر الفردي فيما يتعلق بالأذهان الأخرى من طريق عالم الحياة، حيث يتمّ العمل على خلق عالم ذهني يتشكّل على أساسه عالم ثقافي بمعنى العالم الخاص بالوجود البشري».[2]

إن مراده من المناط هو ذات الجوهر الفردي، وإن التعبير بالعالم الذهني هو ذات ما بين الأذهان. كما يجب فهم عبارة: «العالم الثقافي هو ذات العالم الخاص بالوجود البشري» ضمن المنظومة الفلسفية لهوسرل. يتعيّن على إدموند هوسرل وإيمانوئيل كانط ونظائرهما أن يسيروا ضمن هذه الأجواء، ولا يمكنهم الذهاب في بيان الثقافة إلى ما هو أبعد من ذلك.

في ختام هذا المقام لا بدّ من الإشارة إلى نقطتين، على النحو الآتي: النقطة الأولى:

(111)

إن جميع هذه التعريفات بحيث ترى أن الثقافة ظاهرة اجتماعية. وهذا كلام صحيح وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك. النقطة الثانية: فيما يتعلق بباب ماهية الثقافة قام علماء الآثار وعلماء الأنثروبولوجيا المختصون في الحقل الاجتماعي بتقديم تعريفاتهم الخاصّة أيضًا، حيث ورد ذكر هذه التعريفات المنقولة عن بعضهم، وقد أعدّ هؤلاء العلماء أرضية خصبة لأبحاث علماء الاجتماع في حقل الثقافة.[1]

 

 

 

 

 

 

 

 

(112)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. نهج البلاغة.
  3. ابن سينا، حسین بن عبدالله، رسائل أخرى لابن سينا (هامش شرح الهداية الأثيرية)، طهران، البرمجة المرنة للحكمة الإسلامي التابعة لمركز التحقيقات الكامبيوترية لمؤسسة نور للعلوم الإسلامية، 1313 هـ.
  4. آشوري، داريوش، تعريف‌ها ومفهوم فرهنگ، طهران، انتشارات آگه، ط2، 1381 هـ ش.
  5. باتومور، تامس برتون، جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: سيدحسين منصور، وسيدحسن حسيني كلجاهي، طهران،  شركت سهامي كتاب‌هاي جيبي، ط3، 1357 هـ ش.
  6. تريگ، راجر، فهم علم اجتماعي، ترجمته إلى اللغة الفارسية: شهناز مسمى پرست، طهران، نشر ني، ط1، 1394هـ ش.
  7. توسلي، غلام‌عباس، نظريه‌هاي جامعه‌شناسي، طهران،  انتشارات سمت، ط13، 1386 هـ ش.
  8. الصدوق، محمدبن علي(ابن بابويه)، التوحيد، تحقيق: هاشم حسيني، قم، جامعة المدرسين، ط1، 1398 هـ.
  9. گيدنز، آنتوني، جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن چاوشيان، طهران، نشر ني، ط4، طهران، 1387 هـ ش.
  10. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 97، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط2، 1403 هـ.
  11. مصلح، علي‌أصغر، فلسفه فرهنگ، طهران، انتشارات علمي، ط1، 1393 هـ ش.
  12. مطهري، مرتضي، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، طهران/قم، انتشارات صدرا، 1381 هـ ش.
  13. معين، محمد، فرهنگ فارسي معين.
(113)
(114)

 

 

النظرية والثقافة:
المنهجیة الأساسیة في تكوين النظريات العلمية[1]

حميد پارسانيا[2]

كيف تتبلور النظريات العلمية وبأيّ أسلوب يتمّ ذلك؟ هل المنهج في تبلور النظريات منهج منطقي بحت يقوم على أساس الاستقراء والقياس والتمثيل والتشبيه والاستعارة أو الحدس وما إلى ذلك، أو هي نتاج وثمرة عوامل نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية؟ هناك اتجاهان في الجواب عن هذا السؤال. الاتجاه الأول هو الاتجاه الذي ينظر إلى النظريات من الزاوية المنطقية ولا ينظر إلى العوامل التاريخية. والاتجاه الثاني هو الاتجاه المعاصر، والذي يعتمد على الأساليب والمناهج التاريخية والثقافية والاجتماعية أو النفسية.

إن الاتجاه الأول يبحث عن الحقيقة، ولا ينظر إلى الأبعاد التاريخية والاجتماعية من العلم، وأما الاتجاه الثاني فلا يحمل هاجس الحقيقة والواقعية ويعتبر هذين الأمرين من المخلوقات الإنسانية ومن الثمار الثقافية. فهل هناك منهج لا ينظر إلى هذين البُعدين المعرفيين على نحو التقاطي وغير منسجم، أو لا يعمل على خفض واحد من هذين البُعدين بالقياس إلى الآخر. إن هذه المقالة بصدد التعريف بظهور النظريات

(115)

العلمية بشكل منهجي ليتمّ الحفاظ على أفق الحقيقة بالنظر إلى ذات الأمور، والبحث عن الخلفيات والعوامل التاريخية لتكوين النظريات في حقل الثقافة والتاريخ، وهي تعمل في هذا الشأن على توظيف منهج خاص تتحدث عنه بنفسها.

إن الأسس الأنطولوجية والأنثروبولوجية والأبستمولوجية في حكمة صدر المتألهين، لا تقلل الوجود إلى أفق العالم المادي، ولا تنظر إلى الإنسان من زاوية بُعدي الثبات والتغيير، وتعتبر المعرفة مثل نفس الإنسان جسمانية الحدوث وروحانية البقاء[1]، إن هذه المباني تشكل حاضنة معرفية لتكوين النظرية التي تسعى هذه المقالة إلى بيانها.

إن التقابل مع الاتجاهات التي تعمل ـ من خلال السقوط في أودية الشك ونسبية الفهم ـ على اجتثاث جذور اليقين، وتقطع طريق الوصول إلى الحقيقة، يمثل جزءًا من الأرضيات الاجتماعية لهذه المقالة، ويمكن لهذا التقابل أن يشكل جانبًا من المواجهة الفاعلة للثقافة الإسلامية في قبال النظريات العلمية المختلفة التي تبلورت في أحضان الثقافة العلمانية الحديثة أو في صلب المبادئ المشككة أو العدمية فيما وراء الحداثة، والتي تعمل ـ من خلال حضورها غير الناقد في المجتمعات العلمية في العالم الإسلامي ـ على استهداف أسس التفكير الديني والثقافة الإسلامية.

النظريات والرُؤًى علميه

إن النظريات العلمية هي حصيلة الجهود النظرية للعلماء من أجل التعرّف على مختلف الموضوعات. إن العلماء الذين ينشطون في حقل علم من العلوم، على الرغم من إنتاجهم للنظريات العلمية، ولكنهم حيث ينظرون إلى موضوع علمهم، فإنهم لا يبحثون بشأن نظريتهم.

(116)

إن الأشخاص الذين يجعلون من النظريات العلمية موضوعًا لعلمهم ومعرفتهم إنما هم الذين يفكرون بشأن العلم. يمكن جعل العلم موردًا للبحث والنقاش من مختلف الزوايا والأبعاد، وإن علماء المعرفة والفلاسفة يبحثون العلم والعلاقات المعرفية والنظريات العلمية بالإضافة إلى المبادئ والمباني والأصول المسلّمة والفرضيات المسبقة، والمفاهيم، والموضوعات، وحتى بالنسبة إلى سائر العلوم والمعارف، وتعمل على دراسة التداعيات المعرفية والمنطقية للموضوعات والمسائل العلمية أيضًا. إن علماء الاجتماع يبحثون في حقل العلم والمعرفة والتعينات الاجتماعية للمعرفة[1]، والعلاقات التاريخية والثقافية والاجتماعية للنظريات العلمية والعلماء أنفسهم أيضًا. إن بحث العلاقات المعرفية والمنطقية لنظرية علمية ما بعناصرها وأجزائها الداخلية والخارجية، هو غير بحث العلاقات الثقافية والتاريخية للنظرية مع خلفياتها وعواملها الاجتماعية. إن هذين البحثين يتمّ القيام بهما من زاويتين مختلفتين.

الزاوية الأولى: تبحث النظرية العلمية في العالم الأول؛ أي في مقام الذات[2] وبغض النظر عن ظرف الوعي الفردي والاجتماعي، وتواصل بحث العلاقات الظاهرة والخفية للنظري مع مبادئها وأجزائها ولوازمها.

والزاوية الثانية: تعمل على تحديد النظرية في العالم الثاني؛ بمعنى ظرف الوعي ومعرفة العالم، بل وفي العالم الثالث؛ أي في وعاء الثقافة والعلم الجمعي المنشود، وتعمل على التعريف بالعوامل الوجودية أو خلفيات ظهورها وحضورها في المجتمع العلمي[3].

(117)

لقد تمّ تنظيم هذه المقالة ضمن ثلاثة فصول. في الفصل الأول يتمّ البحث حول مسائل موجودة من الزاوية الأولى في كل نظرية من النظريات، وفي هذا الفصل يتمّ بحث الأبعاد المنطقية والمعرفية للنظريات. وفي الفصل الثاني والثالث يتمّ النظر إلى النظريات من الزاوية الثالثة. وفي الفصل الثاني يتمّ التعريف بالأبعاد الوجودية والاجتماعية للنظريات بشكل عام، وفي الفصل الثالث يتم البحث عن المسائل التي تواجهها النظريات أثناء الانتقال والهجرة من ثقافة إلى ثقافة أخرى.

الفصل الأول: الأبعاد المنطقية والمعرفية للنظرية

المباني، الأصول المسلّمة، المصادرات والفرضيات البديهيّة

إن النظرية العلمية في العالم الأول تقترن من الناحية الذاتية ببعض التصوّرات والتصديقات الأولية. إن هذه التصوّرات والتصديقات إذا لم تكن بديهية أو صادقة بالضرورة، يتمّ لحاظها بوصفها أصلًا مسلّمًا أو مصادرة[1]، حيث يتمّ إثباتها للمتعلّم في علم آخر. وعلى هذه الشاكلة فإن كل علم ونظرية علمية تبدأ ببعض الأصول والمباني التصورية والتصديقية، ويمكن تقسيم المباني والأصول المسلّمة أو البديهية لكل علم  إلى عدّة أقسام: القسم الأول: المباني الأنطولوجية. القسم الثاني: المباني الأبستمولوجية. القسم الثالث: المباني الأنثروبولوجية. القسم الرابع: المباني المرتبطة بسائر العلوم.

إن كل علم يعمل ـ بما يتناسب مع موضوعه ومنهجه ـ على الاستفادة من بعض المباني البديهية أو النظرية[2]. إن المباني مورد الاستفادة في العلم إذا كانت نظرية، يتم بحثها في العلم الخاص بها، ويتم بيان صحتها وسقمها في ذلك العلم أيضًا.

إن العلم الاجتماعي والنظريات المرتبطة به، يحظى بالكثير من المباني. وإن

(118)

بعض هذه المباني أنطولوجية وبعضها الآخر عبارة عن مباني أبستمولوجية أو أنثروبولوجية. وإن النموذج النظري لبعض النظريات الاجتماعية متخذ من سائر العلوم الأخرى من قبيل: علم الأحياء.

المنهجیة الأساسية والمنهج التطبيقي

إن مجموع المباني والأصول الموضوعة والمسلّمة التي تتبلور النظرية العلمية على أساسها، تشكّل أرضية ومسارًا لتكوين العلم، حيث يمكن تسميتها بالمنهج الأصيل.[1] إن المنهجیة الأساسية يقع في قبال المنهج التطبيقي. إن المنهج التطبيقي يعمل على التعريف بأسلوب توظيف وتطبيق نظرية علمية ما في الحقول المعرفية المرتبطة بتلك النظرية، في حين أن المنهجیة الأساسية ناظر إلى الأسلوب الذي يتمّ إنتاج النظرية في مساره. وعلى هذا الأساس يكون المنهجیة الأساسية متقدمًا على النظرية، ويكون المنهج التطبيقي متأخرًا عن النظرية.

إن المناهج الأصيلة تعمل على إيجاد اتجاهات ومذاهب نظرية متناسبة معها، وتكون النظريات العلمية ثمرة لهذه الاتجاهات والمذاهب. من ذلك أن المذهب الوضعي ـ على سبيل المثال ـ يعمل من خلال مبادئه الفلسفية والمعرفية على إيجاد منهج معرفي خاص، تتبلور في أحضانه مختلف أنواع المدارس والنظريات الوضعية على مختلف الاتجاهات في الحقول العلمية المتنوّعة.[2] من قبيل: نظرية أوجست كونت، ودوركهايم وحتى ماكس فيبر في حقل علم الاجتماع أو فلسفة هيجل، حيث يتم العمل فيها على مواصلة المنهج المادي لديالكتيكية كارل ماركس من مسار مادية فوير باخ، وفي أحضان هذا المنهج يترعرع مذهب التضاد مع الاتجاهات المختلفة للنظريات الماركسية المتنوّعة في حلقة فرانكفورت وغيرها.

(119)
وظائف المنهجیة الأساسية

إن ارتباط النظرية العلمية بالمبادئ والأصول المسلّمة والموضوعة لها، يعمل على إيجاد المنهجیة الأساسية للعلم. إن المنهجیة الأساسية في العلم عبارة عن علم ومعرفة حقيقية، وإن هذا العلم مستقل عن العلوم التي يتمّ فيها بحث النظرية العلمية أو الأصول المسلّمة والبديهية في العلوم.

إن المنهجیة الأساسية يبحث في ارتباط المبادئ والأصول المسلّمة للنظرية بواسطة الاتجاهات والنظريات الموجودة داخل العلم على شكل قضايا شرطية، وإن مدار الصدق والكذب في القضايا الشرطية لا يدور حول ربط موضوع ومحمول المقدّم أو ربط موضوع ومحمول التالي، وإنما يدور حول مدار الربط الموجود بين المقدّم والتالي. وعلى هذا الأساس فإن صدق وكذب القضية الشرطية مستقل عن صدق وكذب المقدّم والتالي فيها. يمكن للقضية الشرطية أن تكون صادقة حتى مع افتراض كذب المقدّم والتالي أيضًا، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا.[1] فإن القضية المذكورة في هذه الآية صادقة على الرغم من كذب المقدّم والتالي فيها، وعلى هذا القياس فإن القضية الشرطية يمكن أن تكون كاذبة حتى مع صدق المقدّم والتالي فيها أيضًا.

إن المنهجیة الأساسية يبحث عن التداعيات المنطقية لمختلف لمبادئ والأصول المسلّمة المتنوّعة بالنسبة إلى الحقل العلمي والمعرفي بأسلوب علمي، ولا يتكفّل بصدق وكذب المبادئ أو صدق وكذب النظرية  التي تتبلور المبادئ على أساسها.

إن المنهجیة الأساسية يقتصر على بيان الأخطاء المنهجية في نظرية ما، وفيما لو عدلت النظرية عن مبادئها المعلنة أو غير المصرّح بها، يعمل هذا المنهج على بيان ذلك، أو يعمل على إظهار مبادئ العلم المخفية وغير المصرّح بها. إن هذا النوع من

(120)

المناهج يعمل من خلال تحديد المباني في نظرية ما على تمهيد الأرضية لنقدها على المستوى المبنائي أيضًا.

إن الانتقادات المبنائية هي الانتقادات الناظرة إلى المبادئ والأصول المسلّمة في النظرية والعلم، إن النقد المبنائي إنما يرد من موضع العلم الذي تمّ أخذ الأصل المسلّم منه؛ فإن كان الأصل المسلّم معرفيًا أو فلسفيًا، فسوف يكون نقد ذلك الأصل مرتبطًا بذلك العلم.

نسبة النظرية إلى المنهج

إن النظرية العلمية بعد أن تتبلور، سوف تعمل بدورها على التأثير في أمرين، وهما: أولًا: المنهج التطبيقي. ثانيًا: الحقول والموضوعات العلمية.

لو تمّ تشبيه العلم بكائن حي، فإن النظرية سوف تكون بمثابة القلب النابض لذلك العلم. وإن الحقول التي تنشط فيها النظرية تكون في حكم جسم العلم، وإن المنهج التطبيقي يكون بمثابلة الأوردة والشرايين التي تعمل على ربط القلب بسائر أعضاء الجسم، وفي هذه الحالة تكون المبادئ والأصول المسلّمة في العلم بمنزلة روح النظرية، وإن المنهجیة الأساسية يمثل حلقة الارتباط والصلة بين الروح والقلب بوصفه حقيقة وأمرًا واقعيًا، وإن علم المنهجیة الأساسية يعمل على بيان الارتباط المذكور بوصفه علمًا.

وكما أن كل قلب يحتاج إلى عروقه وشرايينه الخاصة، فهناك بين النظرية والمناهج التطبيقية نوع من التناسب الخاص أيضًا. من ذلك أن النظريات الوضعية ـ على سبيل المثال ـ تقتضي في الغالب أساليب واسعة، في حين تتجه النظريات التفهيمية والظاهراتية نحو المناهج والأساليب العميقة.[1] إن كل نظرية تعمل ـ بما يتناسب

(121)

مع بنيتها المعرفية الداخلية المتأثرة بمبادئها وأصولها المسلّمة ـ على بيان موضوعات خاصة بوصفها من العوامل الأصلية والأسباب والعلل المسيطرة في حقل علمها، وإن هذه المسألة تستوجب تفعيل الخوض في بحث تلك العوامل بوصفها حقلًا يقع موردًا لاهتمام تلك النظرية، وعلى هذا القياس تخرج في كل نظرية بعض العوامل عن محور الحوار العلمي أو تفقد بريقها، وتبعًا لذلك يخرج الحقل المرتبط بتلك العوامل عن دائرة العلم والفهم.

من ذلك ـ مثلًا ـ أن النظريات الانتقادية في علم الاجتماع، يتم فيها تفعيل حقل الثقافة والارتباطات بسبب ما تحتوي عليه من الأهمية في صلب النظرية، ولهذا السبب يتمّ بسط علم الاجتماع الثقافي على هامش هذه النظرية، أو في النظرية العملانية لدوركهايم بفعل الدور الذي تضطلع به في توزيع العمل ونظائر ذلك، ينشط علم الاجتماع الصناعي والعمل والاشتغال وما إلى ذلك.

كما أن البنية المعرفية لكل نظرية عملية ـ حيث تقوم على مبادئها وأصولها المسلّمة، وما يستتبع ذلك من التداعيات واللوازم المنطقية في حقل المنهج التطبيقي والحقول المعرفية للعلم ـ تتألف بدورها من مجموعة من المفاهيم والتصوّرات والقضايا التي تمّ تنظيمها على أساس مبانيها بشكل منطقي وعلمي.

في صُلب كل نظرية يتمّ التعريف بعامل أو عوامل خاصة بوصفها علة أو علل أصلية أو عوامل مهيمنة على النظرية. من ذلك أنه في نظرية دوركهايم ـ على سبيل المثال ـ يتم استعمال مفاهيم من قبيل: العمل، والوجدان الجمعي، والصناعة، والأصالة، بوصفها من المفاهيم والتصوّرات التي يتم استعمالها في النظرية، وإن تقسيم العمل يعد من جملة العوامل والعلل الأصلية في بيان المسائل الاجتماعية. وعلى هذا القياس فإنه في النظرية الماركسية التقليدية تعدّ المفاهيم الآتية: الطبقية، والاقتصاد، وأدوات الإنتاج، والأيديولوجيا، والتضاد والصراع، والبرجوازية،

(122)

والبروليتاريا، وغير ذلك، من المفهايم الأصلية في النظرية، ويكون الاقتصاد من العوامل المهيمنة على التحولات الاجتماعية.

مسائل الزاوية الأولى

في ضوء ما تقدّم فإنه من الزاوية الأولى تعدّ الأمور التي تدور حول كل نظرية علمية منشودة، عبارة عن:

 

 

 

مراجعة الكتاب

(123)

الأبعاد الوجودية الاجتماعية للنظرية

الأبعاد المنطقية والخلفيات الوجودية

في الزاوية الثانية لا يتمّ بحث اللوازم والأبعاد المنطقية والمعرفية الموجودة في صُلب النظرية. إن الأبعاد المنطقية والمعرفية في النظرية ترتبط بمقام ذات النظرية والعالم الأول. وفي الزاوية الثانية يتمّ السؤال عن سبب ظهور النظرية في المجتمع والثقافة. إن هذا السؤال لا شأن له باللوازم والأبعاد النظرية والبنية الداخلية واللوازم المنطقية لها، وإنما هو ينظر إلى العوامل الوجودية، ويحمل في الذهن أدلة تكوين النظرية، ويبحث عن أسباب ظهورها في حقل المعرفة البشرية. والزاوية الثانية تنظر إلى النظرية من أفق العالم الثاني والثالث.

إن النظرية لكي يتمّ بيانها في المجتمع العلمي على شكل نظرية علمية تحتاج إلى بعض العوامل والخلفيات الاجتماعية والفردية. إن النظرية إنما تدخل إلى حلبة الحياة الاجماعية على الدوام من طريق الأشخاص، ولهذا السبب تكون الخلفيات الفردية والشخصية للعلماء بدورها دخيلة في ظهور وتبلور النظرية.

الخلفيات الوجودية المعرفية

اتضح في الأبحاث المتعلقة بالزاوية الأولى أن كل نظرية تشتمل بحسب ذاتها على مجموعة من اللوازم والروابط المنطقية. إن كل نظرية تقوم على بعض الأصول المسلّمة والمبادئ الأنطولوجية والأبستمولوجية وما إلى ذلك، وتتبلور على أساس أسلوب خاص متأثر بتلك المبادئ، وتكون لها لوازمها الخاصّة بها أيضًا، وهذا الأمر يؤكد بدوره على أن النظرية حتى في الحقل الثقافي لا يمكن أن تتبلور بشكل مستقل عن مبانيها ولوازمها. بمعنى أن النظرية العلمية لكي تدخل من الناحية التاريخية في حقل الثقافة، يجب أن تدخل مبانيها ومبادئها في دائرة الثقافة، وأن يتجلى أسلوب

(124)

إنتاج المعرفة بما يتناسب مع تلك النظرية في المجتمع العلمي، ويتمّ التعبير عن هذا النوع من العناصر والخلفيات الاجتماعية ـ والتي يكون لها صلة منطقية بالنظرية أيضًا ـ بعنوان العوامل والخلفيات المعرفية.

إن الخلفيات المعرفية ـ كما سبق أن ذكرنا ـ تشمل المبادئ، والمناهج الأصولية والاتجاهات والمذاهب. إن تحقق الخلفيات أعلاه يمثل شرطًا لازمًا لتبلور المفاهيم والبنية المعرفية للنظرية، وبطبيعة الحال فإن النظرية بعد التكوين سوف تعثر على منهجها التطبيقي، وسوف تعمل على تنشيط الحقول المتناسبة معها أيضًا.

إن كل ثقافة تحتوي على طبقات ومستويات مختلفة، وإن أعمق الطبقات الثقافية عبارة عن الطبقات التي تتكفّل بتفسير الإنسان والعالم، وهي مجموع المعاني التي تعمل على رسم خارطة الوجود، وتعمل على تعريف الإنسان ضمن هذه الخارطة، وتعمل على بيان السعادة وأهداف الحياة، بالإضافة إلى بيان معنى الحياة والموت، وإن هذه الطبقة من الثقافة هي ذات الطبقة التي تحتوي على أكبر الأصول المعرفية للعلم. وبعبارة أخرى: إن المبادئ المنطقية الأهم في العلم؛ بمعنى المبادئ الأنطولوجية والأنثروبولوجية والأبستمولوجية، تندرج ضمن هذه الطبقة من الثقافة. إن هذه المبادئ تستتبع تداعياتها مختلف المستويات الثقافية اللاحقة في العلوم الجزئية والتطبيقية وفي القيَم والمعايير والنماذج الاجتماعية، وتعمل على بيان لوازمها في هذا السياق أيضًا. وإن الاتجاهات والمذاهب والنظريات العلمية المرتبطة بالعلوم الجزئية المقرونة بأساليب إنتاجها، تقع ضمن الطبقات الوسطى من الثقافة.

إن النظرية العلمية في الطبقات الوسطى من الثقافة إنما تتكون بشكل طبيعي وعلى نحو داخلي، فيما لو كانت مبادئها قد دخلت في حقل الثقافة مسبقًا، وإن الشخص إنما يقوم بإنتاج النظرية داخل الثقافة بشكل طبيعي فيما لو أخذ مبادئه من داخل الثقافة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن نظريات العلم الحديث في القرن التاسع

(125)

عشر والقرن العشرين للميلاد، إنما تبلورت بعد دخول أصولها المعرفية بعد قرون من عصر النهضة. إن هذه النظريات على الرغم من ظهورها في إطار الاتجاهات والمذاهب المختلفة، ولكنها بأجمعها قد تمّ إنتاجها في ضوء منهج العلم الحديث، وإن هذا المنهج بدوره كان متأثرًا بالتفسير الجديد الذي قدمته الحضارة الغربية في المرحلة المعاصرة على الإنسان والكون. إن هذا التفسير قد تحقق أولًا في مستوى العلوم المرتبطة بهذا الأفق من المعرفة، أي على مستوى المعارف الدينية والفلسفية.

لقد تركت البروتستانتية بتأثيرها على حقل المعرفة الدينية، وعمد فلاسفة عصر التنوير من أمثال: رينيه ديكارت وروجر بيكون إلى إيجاد أرضياتها الفلسفية. كما أن العلمانية والتفسير الدنيوي والأرضي للوجود يمثل الصورة والنمط الأنطولوجي للثقافة المعاصرة للغرب. إن تغلّب هذه الرؤية أدّى إلى الحذف الواضح أو الخفي للأبعاد والطبقات القدسية لهذا العالم من وجهة نظر الإنسان المعاصر. إن الإنسانوية بمعنى تأصيل الإنسان المادي والدنيوي والذي هو عبارة عن مسار معرفة الإنسان الحديث المعتمد على الأنطولوجيا العلمانية، والتنوير بمعنى إلغاء مرجعية الوحي والشهود في حقل المعرفة البشرية، تعمل على إيجاد أساس معرفة العلوم الحديثة.

وإن العلوم الجزئية الأخرى التي تؤخذ منها الأصول المسلّمة بشكل منطقي، بدورها يجب أن تظهر في العالم العلمي قبل أن تتبلور النظرية في حقل علمي خاص. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الآراء الاجتماعية التي تأخذ أصولها البديهية والمسلّمة أو نماذجها المعرفية من علم الأحياء، لم يكن بمقدورها أن تظهر قبل ظهور علم الأحياء الحديث وظهور نظريات دارون ونظائرها.

إن تكوين النظرية في العالم العلمي، بالإضافة إلى توقفها على الخلفيات الفلسفية والأبستمولوجية أو الأرضيات المعرفية المرتبطة بسائر العلوم، تستفيد كذلك من الجذور التاريخية العلمية التي ترعرعت في أحضانها أيضًا. إن حضور النظريات

(126)

السابقة والذخيرة المعرفية داخل علم ما، والتطورات الحاصلة في علم ضمن مسار جهود العلماء السابقين، والانتقادات والنقوض الواردة على نظريات المتقدمين في مرحلة العلم، والانتقاصات التي تظهر  على النظريات السابقة، تعدّ من جملة العوامل الوجودية لتبلور نظرية جديدة. إن الكثير من النظريات التي تظهر بفعل التلفيق بين النظريات السابقة داخل علم ما، تعدّ نتيجة للتطوّرات الداخلية لذلك العلم.

وهكذا فإن المنهجیة الأساسية الذي يتمّ إنتاج النظرية من طريقه، يجب بدوره أن يحظى بالاعتراف الرسمي قبل إنتاج وظهور النظرية في المجتمع العلمي أيضًا. إن الاعتراف الرسمي بالمنهج لا يعني بالضرورة تكوين علم باسم علم المنهج. إن علم المنهج بوصفه علمًا، هو ظاهرة متأخرة عن المنهج.

إن المنهج عبارة عن صلب السلوك المسار العلمي الذي يقوم العلماء بسلوكه. إن العلماء على الرغم من أنهم في خضم نشاطهم العلمي ينظرون إلى موضوع معرفتهم وعلمهم، ويكونون مدركين له، ولكنهم قد يغفلون عن الطريق الذين يسلكونه ولا ينظرون إليه.

إن العلم النظري لا يتبلور من دون المسار والمعرفة العلمية، وإن المسار العلمي يجب أن يحظى بالقبول من قبل العالم والمجتمع العلمي وإن على نحو لا شعوري. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يجب في البيئة التي لا تعترف إلا بالمنهج الوضعي للعلم، عدم القبول بالعلوم التي يتم الحصول عليها بواسطة الأسلوب العقلي والنقلي أو الشهودي، وأن لا تكتسب عنوانًا علميًا.

لو تمّ عرض نظرية ما في إطار مدرسة أو اتجاه خاص، أو كانت مرتبطة  بحقل علمي خاص، فيجب أن يكون ظهورها متأخرًا عن الاتجاه أو المدرسة التي ينتمي إليها، وهي في الغالب متأخرة عن ظهور الحقل الذي ترتبط به تلك النظرية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن النظريات التي تمّ طرحها ضمن الماركسية أو في إطار

(127)

نظرية النسق الاجتماعي، إنما ظهرت بأجمعها بعد ظهور المذاهب والمدارس المرتبطة بها وتكوين النظريات الأم داخل ذلك المذهب.

الخلفيات الوجودية غير المعرفية

إن النظرية في العالم العلمي بالإضافة إلى الخلفيات المعرفية، تستفيد كذلك من الخلفيات الوجودية الأخرى التي تحتوي في الغالب على بُعد تحفيزي وغير معرفي، بل إن تأثير هذه الأرضيات ليس بأقل من الخلفيات المعرفية. يمكن تقسيم الأرضيات الوجودية غير المعرفية بمختلف اللحاظات إلى أنواع مختلفة:

أ . العوامل الفردية

إن من بين هذه التقسيمات، أن العوامل الوجودية تنقسم إلى العوامل الفردية والعوامل الاجتماعية. إن العوامل الفردية لتكوين نظرية ما تعود إلى الخلفيات الشخصية للمنظر. إن النبوغ والدوافع الشخصية، والخلفيات الأسرية، والتجارب الحياتية، والخصائص النفسية، تعدّ من بين العوامل الفردية في هذا الشأن. إن بيان هذا النوع من العوامل يقع في الغالب على عاتق علم النفس الشخصي والفردي. إن بعض الآثار التي تعمل على بيان نظريات علم ما، تخصص بعض فصولها لبيان هذه المسألة، من ذلك أن لويس كوزر ـ على سبيل المثال ـ قد تحدّث في كتابه «الحياة الفكرية لكبار علماء الاجتماع» عن هذه الطائفة من العوامل بتفصيل أكبر.

ب. العوامل الاجتماعية غير المعرفية

إن هذه الطائفة من العوامل ـ التي تؤثر بدورها على العوامل الوجودية الفردية ـ تنقسم إلى أقسام، من قبيل: العوامل الاقتصادية، والعوامل السياسية، والعوامل العسكرية، والعوامل الأيديولوجية، وما إلى ذلك من العوامل الأخرى.

(128)
1. العوامل الاقتصادية

إن العالم الذي تقوم ثقافته على الأسس والأصول المعرفية العلمانية والدنيوية، يلعب فيه الاقتصاد دورًا مهمًا في مسار إنتاج العلم. إذ في ظل هذه الثقافة تحوّلت العقلانية والعلم إلى إداة واكتسبت هوية آلية وأضحت وسيلة لبسط الإنسان لسلطته وسيطرته على الطبيعة. إن الدور الآلي للعلم أدى بالتدريج إلى إضعاف بُعده المعرفي، وعمل ذلك على تقوية الاتجاهات البراغماتية والنفعية نحو العلم.

إن الغفلة عن الهوية المعرفية للعلم تؤدّي إلى أفول هواجس الحقيقة على مستوى الثقافة العامة والمجتمع العلمي، وإن هذه المسألة بدورها تجعل من العوامل الاقتصادية بوصفها هي العامل الوجودي الأفضل. إن المجتمع الذي ينظر إلى العلم بنظرة دنیویة وبراغماتية، سوف يكون له في مشاريعه الاجتماعية توجهًا تقنيًا إلى العلم، وإن هذا الاتجاه سوف يعمل على تحجيم الخطط العلمية التفصيلية ويضعها في هامش البرامج الحديثة للتنمية. ويمكن رؤية النماذج البارزة لتهميش العلم بالقياس إلى التنمية الاقتصادية في البرنامج التنموي الرابع للجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما يمكن رؤية ذلك في ديباجة الخطة العلمية الجامعة للدولة أيضًا. إن غلبة الاتجاه الاقتصادي إلى العلم في البرنامج الرابع للتنمية قد بلغ حدًا بحيث تمّ التعريف بالفصل الرابع من هذا البرنامج ـ وهو الفصل المرتبط بالعلوم ـ تحت عنوان «التنمية بمحورية العلم».

2. العوامل السياسية

إن الثقافة العلمانية كما تستتبع في طبقاتها العميقة فلسفات مادية واتجاهات حسية، فإنها تتجه كذلك نحو تقدّم الإرادة الإنسانية على الحقيقة والعلم أيضًا، وإن هذا الأمر يعمل في الخطوات الأولى ـ من خلال إقرار التعريف الوضعي للعلم ـ على تحديد

(129)

المساحة المعرفية للعلم بالمدركات التجريبية والتي تقبل الاختبار. وبذلك فإنها تقضي على ظرفية العلم فيما يتعلق بالحكم على الأهداف والغايات والمعايير والتوجّهات السياسية، وتعمل في الخطوات اللاحقة على تسليط السياسة على الأبنية الداخلية للمعرفة العلمية. يمكن لنا أن نرى الصورة الكاملة لهذه الغلبة في جانب من أفكار ما بعد الحداثة والتفسير الذي يقدّمه فوكو في حديثه عن العلاقة بين العلم والسلطة.

إن تهميش العلم بالمقارنة مع السياسة والسلطة، يُعدّ واحدًا من أهم أبعاد الواقعية الثقافية في العالم الحديث. إن موقع العلم بالنسبة إلى السياسة والسلطة هو مثل موقعه بالنسبة إلى الاقتصاد، وإن هذا الموقع يتناسب مع الارتباط القائم بين الاقتصاد والسياسة. إن النظريات العلمية تحظى بالنجاح والحساسية السياسة بالتوازي مع توظيفها وأهميتها الاقتصادية أيضًا، وإن هذا الأمر يجعل الكثير من النشاطات العلمية مشمولة للرقابة والرعاية السياسية. إن منظومة توزيع وتصدير العلم من البلدان الغربية إلى بلدان العالم الثالث، وكذلك طريقة تعاطي المعسكر الغربي مع التقدم العلمي الحاصل في سائر البلدان الأخرى، إنما يمكن شرحه وبيانه في ضوء الاتجاه والتفسير السياسي. وإن طريقة تعاطي الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية مع التكنولوجيا النووية في إيران خير شاهد على هذا الادعاء. إن التفسير الذي يقدّمه فوكو عن العلاقة بين العلم والسلطة، إنما هو في الحقيقة يمثل الصورة النظرية والسلوكية التي صاغت شكل العالم المعاصر من الناحية العملية ويواصل ذلك، وفي الحقيقة فإن خطاب فوكو يمثل الأيقونة النظرية والفلسفية لهذا العالم.

3 . العوامل العسكرية

إن السياسة بالتوازي مع التغلب على العلم تقع في هامش السلطة، وإن هذا الأمر يُبرز أهمية العوامل العسكرية في تكوين العلم، ولا سيّما في العالم المعاصر الذي

(130)

يمثل غلية السياسة على العلم أيضًا. إن الدور الحاسم والمصيري للعوامل العسكرية في تكوين العلم الآلي الحديث بحيث أن الكثير من العلوم والصناعات ترى نفسها فيما يتعلق بتطوّرها وتقدمها مدينة لهذا النوع من العوامل. كما أن المستوى العالي لجانب من هذه العلوم يُعدّ من جملة الأسرار العسكرية للعالم الراهن أيضًا.

4. الخلفيات الأيديولوجية

إن الأيديولوجيا في تعريفها المصطلح، تعدّ واحدة من مفردات العلوم الاجتماعية والسياسية، وهي ناظرة إلى جانب من المعرفة غير العلمية. إن الأيديولوجيا تعني المعرفة التي يتمّ إنتاجها في إطار تفسير الحياة والعيش في جنباتها. إن الأيديولوجيا بسبب توجهها التبريري تعدّ علمًا محرّفًا، ويقع غالبًا في هامش السلطة ويتمّ إنتاجها وتوزيعها تحت تأثيرها.

إن الأيديولوجيا تعمل على تفسير الهوية السياسية للسلطة، وتقوم بإظهار توجهاتها وتطلّعاتها. وعلى هذا الأساس فإن تأثير الدوافع والعوامل الأيديولوجية في تكوين العلوم المختلفة، من قبيل تأثير السلطة والسياسة، وإن كل مجتمع يعمل ـ بتأثير من أيديولوجيته ـ على حشد جميع طاقاتها وتوظيف جميع إمكاناته من أجل تأسيس أو تنمية بعض هذه العلوم، أو أن تعمل على تحديد وتقييد الظرفيات والإمكانات الموجودة في بعض العلوم.

في ضوء التعريف الذي تمّ تقديمه عن الأيديولوجيا، فإن تأثير الأيديولوجيا على العلم إنما هو في الحقيقة والواقع تأثير للسلطة والسياسة فيها؛ وذلك لأن السياسة من طريق الأيديولوجيا تعمل أولًا على تعيين المعايير والقيَم الحاكمة على العلم، وتعمل ثانيًا على تحديد الموضوعات التي يقوم العلم ببحثها. إن العلم والنظريات العلمية في العالم المعاصر تحتل موقعًا مرموقًا بحيث لم يعد

(131)

تأثيرها الأيديولوجي منحصرًا بحدودها الخارجية فقط، بل إن الأيديولوجيا تؤثر حتى في بنيتها الداخلية أيضًا. كما تعترف نظريات ما بعد الحداثة بتأثير الأيديولوجيا على العلم من الناحية النظرية أيضًا.

الثقافة وتأثير العوامل غير المعرفية

إن تأثير الخلفيات المعرفية والدوافع والعوامل غير المعرفية الفردية والاجتماعية في تكوين النظريات العلمية في الشرائط الثقافية والتاريخية ليس على نسق واحد، وفي الحدّ الأدنى فإن هذه التأثيرات لا يتمّ الاعتراف بها رسميًا في جميع الظروف والحالات بشكل واحد. إن الثقافات التي يتمّ الاعتراف فيها بالحقائق العلمية بغض النظر عن المعرفة والإدراك الفردي والاجتماعي، ويكون فيها للتأملات العقلية والأفهام الشهودية والوحيانية بالنسبة إلى تلك الحقائق حضور حي بين العلماء والنُخب العلمية، يكون تأثير الخلفيات المعرفية فيها أكثر وضوحًا. في هذا النوع من الثقافات تحافظ الخلفيات المعرفية على تفوّقها على الدوافع والعوامل غير المعرفية؛ بمعنى أن العوامل غير المعرفية إنما تنشط ـ بتأثير من الخلفيات المعرفية ـ في إطار تكوين النظريات العلمية. وأما في الثقافات التي تعمل ـ بفعل ماهيتها الدنيوية والعلمانية وبتأثير من النزعة الحسية ـ على تحديد وتقييد عالم الحقائق الذي هو عبارة عن العالم الأول، تتسع دائرة تأثير العوامل غير المعرفية. وعندما يغيب العالم الأول عن أفق إدراك الإنسان وفهمه، تتفوّق العوامل والدوافع غير العلمية بشكل كامل، بحيث تنخفض الخلفيات المعرفية للعلم إلى مستوى الدوافع والعوامل غير العلمية بشكل كامل.

(132)
تبلور المسألة العلمية

إن حضور المباني والأسس المعرفية لنظرية ما في حقل الثقافة، ووجود الدوافع والعوامل غير المعرفية وغير العلمية لا يكفي لوحده ليكون سببًا في تبلور النظرية العلمية. إن النظرية العلمية إنما تتبلور في مهدها المعرفي الجاهز، فيما لو ظهرت المسألة المرتبطة بها على شكلها الثقافي والاجتماعي أيضًا.

إن المسألة العلمية ظاهرة تتبلور في ظل مختلف الشرائط والظروف التاريخية بتأثير من العوامل المعرفية وغير المعرفية. إن كل ثقافة تواجه بعض المسائل بما يتناسب مع طبقاتها المختلفة. إن المسألة ظاهرة تتبلور بتأثير من النشاز الحادث داخل مجموعة ثقافية، ولهذا السبب تكون أمرًا نسبيًا وتاريخيًا. من ذلك ـ مثلًا ـ أن الظاهرة الاجتماعية التي تسجّل حضورها في النظام الثقافي بشكل منسجم، تعدّ أمرًا طبيعيًا، بيد أن ذات هذه الظاهرة قد تتبلور في نظام ثقافي آخر على شكل مسألة اجتماعية.

إن طريقة اختيار الأزياء وارتداء الثياب، وأسلوب الكلام والتعامل الاجتماعي للشباب في المجتمع الإسلامي يقترن ببعض المعايير والقيَم الخاصّة. إن هذا الأسلوب من السلوك والتعامل في المجتمع العلماني وغير الإسلامي، فيما لو كتب له الظهور الاجتماعي، فإنه سوف يتبلور بتأثير من الأرضيات المعرفية والدوافع الاجتماعية المختلفة على شكل مسألة اجتماعية، ومن خلال الاستفادة من ذات هذه الأرضيات ودعم من ذات تلك الدوافع والعوامل، تظهر نظريات متناسبة في إطار حلّ المسألة.

(133)
نموذج العوامل الوجودية

يمكن رسم نموذج العوامل الوجودية للنظريات العلمية التي يتم بحثها من الزاوية الثانية على النحو أدناه:

 

مراجعة الكتاب

 

 

 

(134)

إن النظرية بعد تبلورها تنخرط في تعامل مع بيئتها المعرفية والاجتماعية، وتتحول بنفسها مع الآثار التي تستتبعها لتلتحق بالأرضيات الوجودية التاريخية المعرفية وغير المعرفية، وبذلك يمكن العمل على إيجاد مسائل علمية جديدة، أو توفير الإمكانية لظهور وتبلور النظريات العلمية الجديدة.

النظريات العلمية في التعاملات الثقافية الأصيلة

النظريات الداخلية

إن الخلفيات الوجودية للنظريات العلمية إنما ترتبط بالعالم الثالث، وإن أسباب وعلل ظهور النظرية والعلم تكمن في حقل الثقافة. إن هذه الخلفيات تنقسم في بعض الاعتبارات إلى قسمين، وهما: الخلفيات الوجودية المعرفية العلمية، والخلفيات الوجودية غير المعرفية. كما تنقسم باعتبار آخر إلى نوعين أيضًا، وهما النوع الخارجي والنوع الداخلي.

إن التقسيم الأول ـ الذي تمّ بحثه في الفصل الثاني ـ يكون من حيث الهوية العلمية أو غير العلمية للأرضيات داخل مجتمع واحد وثقافة واحدة، وأما التقسيم الثاني فيكون بلحاظ الأبعاد التاريخية والحضارية للأرضيات ضمن المجتمعات والثقافات المختلفة والمتعددة.

إن الخلفيات والعوامل الداخلية مجموعة من العوامل التي يكون لها من الناحية التاريخية حضور داخل ثقافة ما، وتتخذ صورة منسجمة ومتناغمة مع سائر العناصر الثقافية الأخرى. إن هذه المجموعة من العوامل تعمل على إنتاج النظرية العلمية من أجل العمل على حلّ المسألة التي تواجهها الثقافة في إطار بسطها وتطويرها أو بسبب التعارضات والنزاعات الداخلية أو بفعل المواجهة مع سائر الثقافات والحضارات الأخرى. إن النظريات التي يتمّ إنتاجها بهذه الطريقة هي النظريات

(135)

التي تنبثق من الداخل، وإن العلم الذي يتبلور من خلال هذا المسار يُعدّ علمًا محليًا.

خصائص العلم المحلي

إن العلم المحلي يحتوي على الخصائص أدناه:

إن المبادئ والمباني المعرفية للنظرية، تكمن في الثقافة التي يسجّل العلم حضوره فيها، وإن الصورة الثقافية لهذه المبادئ تكون أولًا: من الناحية التاريخية والزمنية سابقة على النظرية التي تبلورت على أساسها وفي ضوئها، وثانيًا: إن هذه المبادئ تكمن في الطبقات الأشد عمقًا من الثقافة، وثالثًا: إن اللوازم والتداعيات الثقافية لتلك المبادئ حاضرة في المستويات الثقافية الأخرى من قبيل: الفن، والآداب.

إن النظرية تنسجم مع سائر العلوم المستقرة في الثقافة، وتستفيد من الذخائر التاريخية للعلوم المرتبطة بها أيضًا.

إن أسلوب إنتاج النظرية عبارة عن أسلوب ومنهج محلي ومستقر.

إن العوامل والحوافز الفردية والاجتماعية للنظريات، مستلهمة من المبادئ المعرفية للنظرية وتتناسب معها.

إن المسألة والموضوع الذي تتعرّض له النظرية، مسألة يكتب لها الظهور بفعل الخلفيات المعرفية المستقرة في المجتمع والدوافع والعوامل الوجودية المرتبطة بها.

النظريات الخارجية

إن الخلفيات والعلل الخارجية للنظريات عبارة عن مجموعة من العناصر تقع من الناحية التاريخية والثقافية خارج التاريخ والثقافة؛ حيث تسجل النظرية حضورها هناك.

(136)

إن النظرية التي تستفيد من الخلفيات والعلل الخارجية، توجد في الغالب قبل الدخول في دائرة الثقافة في أحضان الثقافة والتاريخ الذي يشتمل في صلبه على خلفيات وعلل تكوين تلك النظرية، وذلك من أجل حلّ مسألة داخلية في ذات الثقافة، وبعد ذلك تدخل في ثقافة أخرى.

الثقافة المنتجة والثقافة المستهلكة

إن الثقافة التي تولد فيها النظرية تسمى بالثقافة المنتجة، والثقافة التي تنتقل إليها النظرية تُسمّى بالثقافة المستهلكة. إن النظرية بالنسبة إلى الثقافة المنتجة تعد محلية وداخلية، وإن ظهورها في صلب الثقافة المنتجة ينطوي على خصائص النظرية والعلم المحلي.

يمكن لدخول النظرية العلمية من الثقافة المنتجة إلى الثقافة المستهلكة أن يكون على صورتين:

أ. الاستهلاك والمواجهة الفاعلة

إن الصورة الأولى هي الصورة التي تكون فيها الثقافة المستهلكة ذات حياة ونشاط وإبداع خاص بها، وتكون في وضع أفضل أو مساو للثقافة المنتجة. وفي هذه الحالة فإن الثقافة المستهلكة  تعمل في اختيار النظرية على الانتقاء، وتقوم باختيار النظرية من أجل حل مسائلها الداخلية أو حتى المسائل التي عرضت لها بفعل الارتباط مع الثقافة الأخرى، بعد لحاظ خلفياتها المعرفية ودوافعها غير المعرفية. وفي هذه الحالة فإن النظرية في طور انتقالها تعمل الثقافة المستهلكة على إعادة قراءتها بل والعمل على إصلاحها عند الضرورة، وبالتالي فإنه على الرغم من تبلورها في بيئة أخرى، وفي مراحلها الأولى كذلك بسبب مبانيها ومبادئها تختلف في ماهيتها وهويتها عن سائر العلوم والنظريات الموجودة داخل الثقافة المستهلكة، تتحوّل في نهاية المطاف إلى نظرية محلية بالنسبة إلى المستهلك.

(137)

إن الثقافة الإسلامية قد اقتبست من العلوم الإغريقية وبعبارة أخرى العلوم الأولى في مرحلة اقتدارها وازدهارها في القرون الأولى على هذه الشاكلة، وإن العالم الغربي بعد عصر النهضة قد استهلك التراث المعرفي للعالم الإسلامي بذات الطريقة أيضًا.

إن العالم الإسلامي بسبب قدرته على الاختيار، في استهلاكه للعلوم الأولى قد عمد أولًا إلى اختيار العلوم التي تنسجم مع الأسس المعرفية للثقافة الإسلامية، بمعنى الأنطولوجيا التوحيدية، والأبستمولوجيا العقلية، والأنثروبولوجيا الدينية، ومن هنا فإنها قد أعرضت عن ترجمة الجزء الأعظم من التراث الإغريقي المشتمل على الأساطير اليونانية، ولم تنقل منه سوى التراث العقلاني فقط. وثانيًا: فقد اشتغلت أثناء نقل هذا التراث بإعادة قراءته والتصرّف فيه، وبذلك قامت بإيجاد المسار الحيوي والناشط للحكمة والفلسفة الإسلامية.

كما قام الغرب بدوره في توجهه العلماني نحو العلم والمعرفة بشكل متناسب مع احتياجاته العلمية أيضًا. دليل العالم الغربي برؤيته الآلية والتقنية إلى العلم أولًا: قد تنكر إلى جانب من علم العالم الإسلامي المتكفل باكتشاف الحقائق المتعالية أو الوصول إليها، ولم يأخذ إلا بالجانب الآلي من تلك العلوم. وثانيًا: من خلال إعادة قراءة وإصلاح هذه العلوم مجددًا، قام بإحداث تحوّل في النظريات التي تتفق مع أسس الميتافيزيقا الحديثة

ب. المواجهة والاستهلاك المنفعل

الصورة الثانية هي صورة فقدان الثقافة الاستهلاكية لحياتها وخلاقيتها المعرفية، وتعرّضت للآفات على مستوى النُخب المعرفية والعلمية لها، وأصبحت قدرتها وسطوتها بالمقارنة إلى الثقافة المنتجة أكثر ضعفًا وهشاشة. إن الثقافة في مثل هذه الظروف تفقد قدرتها على الانتقاء، وتتخذ بالنسبة إلى الثقافة المنتجة موقف المنفعل والمتأثر، وإن الثقافة المستهلكة في حالة الانفعال تتخذ موقف المقلد للنظريات التي

(138)

يستوردها من الثقافة المنتجة، وإن الثقافة المنتجة بدورها تعمل في مثل هذه الحالة وبمقتضى ذاتها على مواجهة المجتمع المقلد؛ بمعنى أنها تعمل على تصدير العلوم والنظريات العلمية بمقتضى مصالحها الاقتصادية والسياسية والعسكرية أو الثقافية إلى محيطها.

إن المجتمع المستهلك أثناء استيراده للنظريات العلمية من الثقافة الأخرى بشكل تقليدي، فإنه أولًا: بسبب إنتاج النظريات في حقل ثقافي آخر يفتقر إلى الأرضيات المعرفية لتلك النظريات، وثانيًا: إن الأخذ التقليدي للنظريات يحول دون إعادة قراءتها أو إصلاحها داخل الثقافة المحلية، ولهذا السبب تبقى النظريات العلمية غريبة عن الخلفيات المعرفية للمجتمع المستهلك.

الاغتراب وأزمة الوعي والمعرفة

إن إشكال هذا النوع من النظريات لا يقتصر على الاغتراب عن الخلفيات المعرفية للثقافة المستهلكة، بل إنه في أغلب الموارد لا ينسجم مع تلك الخلفيات، والدليل على هذه المسألة هو أن ارتباط النظرية بخلفياتها المعرفية ـ كما سبق أن ذكرنا ـ ارتباط واقعي وحقيقي وذاتي ومنطقي. ولهذا السبب فإن النظرية العلمية حتى عندما تنتقل إلى حقل ثقافي بشكل منفصل عن سابقتها وجذورها الثقافية والتاريخية، تحمل معها لوازمها ومبانيها وتبعاتها المنطقية بشكل ضمني وغير مكتوب، وما لم تقم النظرية بنقل هذه اللوازم معها إلى الثقافة الأخرى، فإنها سوف تبقى أجنبية وغريبة بالنسبة إلى محيطها.

عندما تحكم نظرية ما سيطرتها على جزء من أذهان العلماء، وبذلك تدخل إلى ثقافة المجتمع العلمي، فإنها تعمل على إظهار مبانيها وتداعياتها المنطقية بالتدريج، وعندما تظهر تلك المباني واللوازم، فإنها تشتبك بشكل طبيعي مع الخلفيات المعرفية والتاريخية للثقافة المستهلكة، وإن هذا الأمر يؤدّي بدوره إلى إحداث أزمة الوعي والمعرفة على المستوى العام في المجتمع.

(139)
الاستحالة الثقافية والمقاومة

بعد أن تقوم النظريات العلمية من طريق لوازمها ومبانيها المعرفية باستهداف الطبقات العميقة من الثقافة الأخرى، فإن كانت تلك الطبقات تمتلك القدرة على الدفاع عن نفسها، فإن المجتمع سوف يشهد ردّة فعل متجدّدة من قبل الثقافة في إطار خلق نظريات محلية، ولو كانت المدخرات التاريخية للثقافة في هذا المستوى بدورها عرضة للركود والخمود، وتمّ إيداع الحياة والنشاط العلمي لهذه الطبقة في زاوية النسيان، فسوف تحدث الاستحالة الثقافية في أعمق وجوهها.

إن النظريات العلمية في المجتمعات المستهلكة حيث تفتقر إلى الخلفيات المعرفية المناسبة معها، إنما تسجّل حضورها بفعل تأثير العوامل والدوافع الوجودية وغير المعرفية لهذه المجتمعات وتستمر في حضورها، وإن هذه العوامل غير المعرفية يمكن أن تكون لها صور اقتصادية وسياسية وعسكرية متعدّدة.

والنقطة المهمة في البين هي أن هذه المجموعة من العوامل بدورها لا تعمل في المجتمعات التي لا تقع من الناحية الثقافية والحضارية في الهامش الثقافي والحضاري الآخر، على طريقة محلية وداخلية، وإنما تقع في ظل ظروف استعمارية وتحت نفوذ وتأثير مباشر أو غير مباشر من العوامل الخارجية.

وبذلك فإن المجتمع المستهلك في حالته الانفعالية تحت تأثير العوامل والدوافع غير المعرفية وبالنوع غير المحلي والخارجي لها، تستقطب النظريات التي تم إنتاجها في الثقافات الأخرى وتعمل على احتضانها، وبضغط من تلك العوامل ومن طريق اللوازم والمباني المنطقية لتلك النظريات، تفرض بعض التحديات على خلفياتها المعرفية الموجودة في سائر طبقات الثقافة الأخرى، ضمن حركة تدريجية استنزافية، وتقمع المقاومة المرتبطة بتلك العوامل في حالة الحاجة إلى تلك العوامل غير المعرفية وغير المحلية أيضًا.

(140)

إن طريقة دخول العلوم الحديثة في البلدان غير الغربية، ومن بينها المجتمعات الإسلامية تتبع الآلية أعلاه. إن العلم الغربي إنما بدأ مسار دخوله إلى البلدان غير الغربية، عندما تخلت عن مبانيها الوحيانية والشهودية والعقلانية، واكتسبت مفهومًا وضعيًا على أساس المباني الحسية. إن هذا المعنى للعلم مع هويته الفنية إنما دخل إلى إيران في ظل السيطرة والاقتدار السياسي والاقتصادي للعالم الغربي إلى حقل الثقافة الإسلامية.

النتيجة

إن النظريات العلمية بالنسبة إلى مختلف الموضوعات العلمية ليست منفصلة أبدًا عن سائر المعارف والعوامل الثقافية والتاريخية المحيطة بها، وإن الارتباط غير المعرفي للنظريات العلمية لا يقتصر على الخلفيات الصناعية والاقتصادية المحيطة بها.

إن النظريات العلمية قبل وأكثر من أن تكون في تعاطي السوق والاقتصاد والصناعة، تعود بجذورها في الثقافة والتاريخ الذي تبلورت في داخله. إن نسبة النظرية إلى الثقافة في ظل الظروف التي تكون فيها النظرية نتيجة طبيعية لبيئتها الثقافية، لا تظهر على هيئة مشكلة ومسألة، ولذلك فإنها تبقى في الغالب مستورة ومضمرة، ولكن عندما تدخل نظرية ما بشكل خارجي إلى ثقافة وتاريخ لا يحتوي على الأرضيات المعرفية وغير المعرفية لها في تلك الثقافة، فإنها سوف تبرز تحدياتها الاجتماعية، وعندها تظهر على شكل مسألة جديدة ومستحدثة.

إن العلم الحديث يتغذى على المباني الأنطولوجية والأنثروبولوجية والأبستمولوجية، وإن العالم الغربي على هامش سيطرته وهيمنته السياسية والاقتصادية والعسكرية، وفي مسار العلاقات السلطوية، يعمل على تصدير العلم الحديث إلى سائر البلدان الأخرى، ومن بينها البلدان الإسلامية أيضًا، وإن العالم الإسلامي بدوره قد قبل النظريات العلمية الحديثة في العلوم الأساسية والهندسية

(141)

والإنسانية من خلال المرجعية العلمية لعالم الغرب بشكل منفعل وغير ناقد.

إن النظريات العلمية حيث تستفيد من المبادئ الميتافيزيقية والمعرفية للثقافة الحديثة، تعمل على إظهار تحدياتها المعرفية تجاه الخلفيات الثقافية لعالم الإسلام بالتدريج، وإن هذا الأمر يؤدّي بدوره إلى ظهور النسبة بين العلم والثقافة بوصفها مسألة جديدة ومستحدثة أمام البلدان الإسلامية، ولا شك في أن كيفية الإجابة عن هذه المسألة سوف يكون لها تأثير مهم وحاسم في المستقبل الثقافي للبلدان الإسلامية.

وإن كان الجواب بدوره في هامش مرجعية العلم الحديث ينطوي على صبغة تقليدية. فإن استعمالها يزيد من حجم المشكلة، وأما إذا كان الجواب ـ من خلال الرجوع إلى الخلفيات الثقافية والمحلية ـ  صورة خلاقة وفاعلة، فإنه سوف يستتبع النشاط والاستمرار والديمومة الثقافية لعالم الإسلام.

 

(142)

 

 

المصادر

  1. ابن سينا، حسين بن عبد الله، الشفاء، المنطق، البرهان، القاهرة، نشر وزارة التربية والتعليم، 1956 م.
  2. إيمان، محمدتقي، مباني پارادايمي وروش‌هاي كمي وكيفي تحقيق در علوم انساني، قم، انتشارات پژوهشگاه حوزه ودانشگاه، 1388 هـ ش.
  3. بنتون، تد؛ وايان كرايب، فلسفه علوم اجتماعي: بنيادهاي فلسفي تفكر اجتماعي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: شهناز مسمّى‌پرست ومحمود معتمد، طهران، انتشارات آگه، 384 هـ ش.
  4. پارسانيا، حميد، روش‌شناسي انتقادي حكمت صدرائي، قم، انتشارات كتاب فردا، 1390 هـ ش.
  5. پوپر، كارل ريموند، شناخت عيني؛ رهيافت تكاملي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد آرام، طهران، انتشارات علمي وفرهنگي، ط1، 1374 هـ ش.
  6. ـــــــــــــــــــ، جست وجوي همچنان باقي: زندگي‌نامه فكري وخودنوشت، ترجمه إلى اللغة الفارسية: سيامك عاقلي، طهران، نشر گفتار، 1380 هـ ش.
  7. الجوادي الآملي، عبدالله، تحرير تمهيد القواعد لصائن الدين علي بن تركة، طهران، انتشارات الزهراء، 1372 هـ ش.
  8. ملاصدرا، محمد بن إبراهيم، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، طهران، شركت دار المعارف الإسلامية، 1383 هـ ش.
  9. مك كارتي، أي. دي، معرفت به‌مثابه فرهنگ، جامعه‌شناسي معرفت جديد، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد توكل، طهران، پژوهشكده مطالعات فرهنگي واجتماعي، 1388 هـ ش.
(143)
(144)

 

 

الثقافة التبعية والثقافة الطليعية[1]

محمد تقي الجعفري

من خلال البحث والتحقيق في التاريخ الطويل والمتنوّع لحياة الأمم والشعوب، نشاهد قسمين رئيسين من الثقافات، وهما عبارة عن: الثقافة التبعية، والثقافة الطليعية. الثقافة التبعية، تطلق هذه الثقافة على ذلك النوع من كيفيات وأساليب الحياة المادية وغير المادية التي لا تستند إلى أيّ أصل أو قانون ثابت على نحو سابق، وإنما يكتسب صحته ومقبوليته من مطالب الناس ورغباتهم.

بمعنى أن هذا النوع من الثقافة إنما ينشأ من أفعال ورغبات الناس أيًّا كانت الدوافع والأسباب، ولا شأن له بتطابقها مع الحقائق الواقعيات المستقلة عن الأهواء والرغبات الطبيعية للأشخاص. وعلى هذا الأساس فإن كل عنصر من عناصر الإفساد في الدين والأخلاق والشرف والمنطق «الحياة المعقولة» يمكن أن يكتسب عنوان الثقافة بوصفه داخلًا ضمن مطالب الناس ورغباتهم! وهذا ما يتمّ الترويج له في عصرنا منذ مدّة باسم الثقافة[2]، والذي سوف يؤدّي إلى تحطيم الإنسانية قطعًا.

(145)

من الواضح بداهة أن مصطلح «الثقافة التبعية» في هذه الموارد، وإن كان يعني مباشرة التبعية للرغبات والأهواء البشرية، ولكن علينا في الوقت نفسه أن لا نغفل عن أن هذا النوع من الثقافة (التبعية)، يعدّ خير وسيلة لنشاط المتسلطين والمستبدين في المجتمعات أيضًا.

وفي الحقيقة يمكن القول: إن هذه الثقافة تابعة للأهواء والرغبات الطبيعية المحضة لأغلب الناس، كما أنها تابعة لرغبات وأهوال المتسلطين على المجتمعات الذين يستطيعون تبرير رغبات وأهواء الناس، وأن يزيّنوا كذلك جميع العوامل والعناصر المنافية للأخلاق والدين والشرف الإنساني باسم الثقافة أيضًا.

يبدو أن نظام الحقوق التبعية من أجل تزويد الناس في المجتمع بحقوق نافعة، قابل للإصلاح وأكثر تناسبًا من نظام الثقافة التبعية؛ وذلك لأن «الحقوق» إنما ترتبط بالمتن الأصلي لحياة الناس، ولذلك تكون على الدوام بواسطة الحاجات الجدية للناس في معرض تصحيح وتنظيم الحقائق والواقعيات، في حين أن «الثقافة» التبعية حيث تشمل الجماليات والظواهر الممتعة والدقائق والتجملات غير الحيوية أيضًا، ولذلك لا يمكن العمل على إصلاحها وتنظيمها من جهة العوامل الذاتية والاحتياجات الماسّة للناس. ولذلك نرى إمكانية الترويج لجميع أنواع النشاطات والظواهر الماجنة والمنافية للأخلاق باسم «الثقافة».

قال أحد المنظرين في العلوم الإنسانية في الغرب: «إن الطبيب ليس نادلًا في مطعم؛ فأنت إذا دخلت مطعمًا سوف يعمل النادل على تلبية جميع مطالبك دون إبطاء أو تعلل، في حين أن الطبيب يعمل على طبق القوانين والمباني العلمية التي يعرفها، فيصف لك الدواء دون أن يعير أدنى انتباه لرغبتك. ومن هنا فإن السياسي المحنك والطليعي هو بمنزلة الطبيب وليس النادل».

لو دققنا في العبارات أعلاه، سوف نصل إلى نتيجة مفادها: أن الطليعي الثقافي

(146)

بنّاء، وأن حامل لواء الحضارة الإنسانية طبيب وليس نادل مقهى. في كل مورد سار الناس عليه في ضوء النظام الطليعي كان التقدّم والتطوّر حليفًا لهم. ولا بأس في توضيح هذا الأصل الحيوي من خلال بعض الأمثلة الواضحة جدًا:

أ . هل يمكن للشخص العامي المحض أن يتدخّل في المسائل العلمية العالية من خلال التمسّك بالحرية والثقافة التبعية؟

ب . هل يسمح المجتمع الطبي لغير الطبيب بأن يعمل على تشخيص أعراض المرضى ووصف الدواء لهم بحجة الحرية والثقافة التبعية؟

ج . هل يمكن لكل شخص بحجة الحرية والثقافة التي يرغب بها أن يقتحم غرفة العمليات الجراحية وأن يمسك بالمشرط والمبضع الجراحي ويشق بطون المرضى ويفتح جماجمهم ويقطّع أيديهم وأرجلهم؟

د. هل يمكن تصوّر أن يقوم كل شخص بدخول مصانع إنتاج السلاح ليقدّم ما يحلو له من النصائح والمقترحات؟ أو أن يستخدم آلات وأدوات هذه المصانع؟ وعندما يُسأل عما يفعله هناك؟ يقول: «إنما أستعمل حقي في الحرية والثقافة التبعية، فقد مضى زمن حرمان الناس من الحرية والثقافة المطلوبة! ولم يعد من المقبول حاليًا الرضوخ للرجعية».

هـ. هل يمكن أن يأتي يوم يقوم فيه كل شخص بإبداء وجهة نظره في أيّ نوع من أنواع التكنولوجيات والعلوم، وإذا سُئل عن ذلك وقيل له: أنت لا تمتلك معلومات ولا لديك تخصص في هذا النوع من الأمور، وعليه لا يحق لك أن تبدي رأيًا أو تدخلًا في ما ليس لك به علم. قال في الجواب: بل لدي كل الحق في أن أستفيد من الحرية والثقافة التي أختارها لنفسي، وأبدي كل ما يحلو لي من الأفكار وأتدخل وأتصرّف كما أشتهي! فقد مضى ذاك الزمن الذي كان فيه الرجعيون يستغلون جهل الناس وما يفرض عليهم من القيود القهرية والجبرية وبذلك يغلقون عليهم باب التفكير!

(147)

و. إن الحرية والثقافة مذهلان للغاية. لو أن شخصًا اتبع رغبة كامنة في نفسه وارتدى بزّة عسكرية، ووضع على كتفيه رتبة جنرال، ورصّ على صدره الكثير من الأوسمة، دون أن يخوض معركة أو أن يتلقى تدريبًا عسكريًا أو يدخل كلية عسكرية، ثم اعترض عليه شخص بسبب انتحاله لهذه الصفة، فهل يحق له أن يقول في الجواب: اغرب عن وجهي أيها العدو للحرية، وانصرف عني يا عدوّ الثقافة؟!

من الواضح بداهة أن جميع الفئات والأشخاص الآنف ذكرهم من الذين يقتنون كتابًا يحمل عنوان «الحرية»[1] ويستندون إليه في إثبات وجهة نظرهم، سوف يتمّ إرسالهم إلى المصحّات العقلية، لكي يكملوا تحقيقاتهم النهائية حول الحرية والثقافة المطلوبة والتبعية هناك!

وفيما يلي نعود إلى صلب الموضوع: إن كل مورد تلقته البشرية بوصفه ضرورة في الحياة الطبيعية والبقاء على قيد الحياة، مع انتهاج أصل الطليعية، تمكن الناس من بلوغ الرقي والازدهار المنقطع النظير، من قبيل: العلوم المرتبطة بالعلاقات الحيوية للناس فيما بينهم، وإدارة العمال لمصلحتهم، وتوجيه المجتمع نحو الأهداف المنشودة، والنشاطات السياسية وتوظيف الثقافات من أجل الوصول إلى السلطات المطلوبة وما إلى ذلك. كما وصل الإنسان في حقل الطب والجراحة، وإدارة الحروب الدامية، ومصانع انتاج الأسلحة الفتاكة، والإدارة العسكرية، والإعلام في مسار أهدافه وتطلعاته وغاياته، إلى تطوّر ملحوظ وازدهار منقطع النظير، في حين أن تقدّم هوية وشخصية الناس أمر ممكن من خلال الالتزام بالحقائق المرتبطة بتطوّرهم

(148)

وتكاملهم. إنهم بدلًا من الالتزام بالحقائق المرتبطة بكمال الإنسان، صاروا ينادون بالحرية والثقافة الحرّة والفن الحر، وبهذا النداء أوقفوا البشرية ـ بحسب مصطلحهم ـ في مقابل مرحلة وعصر ما قبل الاستطيان في الكهوف. لماذا نقول: ما قبل عصر الكهوف؟ لأن الإنسان في عصر الاستيطان في الكهوف لم يحصر تقدّمه في أنانيته وحبّه لنفسه، وكان قد بدأ انطلاقته وحركته بوعي أو بغير وعي نحو استقبال واحتضان ازدهار طاقاته.

إن من بين مصاديق ونماذج ثقافة الحقائق المهدورة في عالم المجتمعات ـ وذلك بطبيعة الحال لا أنها لم تكن تمتلك القدرة على المقاومة والتوجيه التكاملي للناس، بل من حيث أن الإدارات المستبدة كانت تعمل على توظيف الأوهام التلقينية تحت شعار الحرية والثقافة الحرّة والتبعية، والفن الحر وما إلى ذلك من أنواع السحر والشعوذة، من أجل السحق على تلك الحقائق في إطار فرض أهدافهم وغاياتهم المشؤومة ـ على النحو الآتي:

1. ثقافة المودّة الأصيلة لأبناء البشر، وليس التكسب بواسطة إظهارها.

2. أصالة الوجدان الأخلاقي، الذي يعمل بوصفه بوصلة دقيقة من أجل توجيه دفّة سفينة الوجود البشرية نحو أسمى الأهداف المنشودة في الحياة.

3. الثقافة هي الهدف والغاية العليا في الحياة.

4. إن ثقافة الصداقة والوفاء بالعهود، إنما تراد لذاتها، لا من أجل التكسّب بها.

5. ثقافة الحرية المسؤولة والتفكير والنشاط العادل.

6. ثقافة تقديس العلم والمعرفة.

7. ثقافة التعاون والتكافل في الاستفادة من أنواع القدرات التي هي من أكبر النعم الإلهية علينا.

8. ثقافة تعميم الفنون البنّاءة والطليعية.

(149)

9. ثقافة الإعلام والدعايات المستندة إلى الحقائق، واجتناب ما يخالف الوقائع وتفسيرها وتبريرها عن نحو خاطئ.

10. ثقافة الاقتصاد العالي وتوفير حق المعيشة العادلة لجميع الناس.

إن مرادنا من القول: «إن الإنسان في كل مورد تحرّك ضمن النظام الطليعي، حقق نجاحًا في التكامل». ليس هو أن بمقدور البشر أن تكون له ـ من خلال تجريد وتنظيم عدد من القضايا الكلية بوصفها من القوانين ـ حركة وتحولات تكاملية، بل مرادنا بذلك هو: أن الناس في كل مرحلة من التاريخ حصل في كل موضوع على وعي واطلاع وعلم بجميع الأبعاد المتنوّعة لذلك الموضوع، قد توصل إلى بعض الحقائق وعمل على تحويلها إلى قانون وقام باتباعها، دون أن يُدخل الرغبات والمطالب الشخصية للناس في تلك الحقائق، كانت حركته وتحوّلاته تكاملية. ولذلك فإن البشر سواء في العلم والتكنولوجيا وجميع الموضوعات التي كانت لصالح حياته الطبيعية وأنايته على مختلف الأشكال التي حصل عليها من خلال تبعيته للثقافة الطليعية قد حصل على التكامل. في حين أنه في دائرة بناء الذات التكاملية للأشخاص التي تقع على عاتق الأخلاق والدين الإلهي، لو أنه عمد إلى تجاهلها بالكامل وجعل من نفسه تابعًا للظواهر والتجليات والنشاطات شبه الثقافية، زاعمًا: «أنا أتبع الثقافة الحرة»، يكون قدّ منّى نفسه. وسوف نقدم في البحث القادم توضيحًا حول نوعي الثقافة التبعية والثقافة الطليعية.

تقسيم الثقافات

يمكن تقسيم الثقافات باعتبار ما إلى أربعة أنواع رئيسة:

1 . الثقافة الرسوبية: الثقافة الرسوبية عبارة عن تلوين وتوجيه شؤون الحياة بواسطة عدد من القوانين والسنن العرقية والنفسية الثابتة والبيئة الجغرافية والجذور التاريخية الراسخة التي تقاوم جميع أنواع المتغيّرات، وتعمل على تغيير جميع التحوّلات

(150)

لصالحها أو تعمل على إلغائها؛ في حين لو لم يكن عنصر رسوب الثقافة والقوانين الطبيعية والإنسانية ثابتًا، فإن الإصرار على إبقاء تجلياتها ونشاطاتها سوف يكون مستندًا إما إلى جبر العوامل البيئية أو إلى العجز النفسي لأفراد المجتمع عن تطبيق موقعيتهم مع المتغيّرات المفيدة والبنّاءة.

2. الثقافة المائعة وعديمة اللون: الثقافة المائعة وعديمة اللون إن هذا النوع من الثقافة عبارة عن تلك التلوينات والتزويقات التي لا تستند إلى أيّ جذور نفسية وأصول أساسية وثابتة، وتكون على الدوام عرضة للتحوّل والتبدّل. وبطبيعة الحال قلما يمكن العثور على هذا النوع من الثقافة في المجتمعات ذات الهوية التاريخية؛ إذ كما نعلم فإن النزعة الثقافية تنبثق عن عامل نفسي أساسي وفعّال.

إن كل مجتمع يسعى بشكل طبيعي على امتداد التاريخ إلى نقل تفسيراته وأفهامه الثقافية عن الحياة إلى أجياله القادمة، وما دامت هذه الظاهرة ـ أو بعبارة أوضح: الجذور النفسية لهذه النزعة ـ لم تتعرّض للجفاف والذبول، فإن الثقافة سوف تحظى بمجموعة من الظواهر والتجليات والنشاطات الثابتة بشكل وآخر.

أجل، يمكن بيان نقطتين في هذا الشأن، وهما:

أ . لا توجد هناك أيّ ضرورة منطقية تستوجب أن يكون هناك انسجام وتناغم وترابط بين العناصر الثقافية في المجتمع. ولذلك يمكن لبعض العناصر أن تكون سائلة ومن دون شكل أو أساس، وتقع سريعًا في مجرى التحوّل والتبدّل، وبعضها الآخر يكون دائمًا ومستمرًّا؛ كما نشاهد في بعض المجتمعات الغربية كثيرًا أن ثبات ودوام الثقافة الأخلاقية يكون مقرونًا بتحوّلات الثقافة السياسية.

ب . إن طبيعة الثقافة وإن كانت ظاهرة ثابتة نسبيًا، ولكنها مع ذلك مهما كانت مفيدة وبنّاءة وأصيلة، إذا أريد تطبيقها على الحياة الاجتماعية بواسطة الإدارات الميكافيلية، فإنها سوف تكون في معرض السيلان وانعدام اللون. كما أننا نعلم

(151)

بهذه الحقيقة أيضًا وهي أن الإنسان رغم ما حصل عليه من الإمكانات والطاقات والامتيازات على نحو هائل ومذهل، إلا أنه تحت براثن الأساليب الميكافيلية يفقد يومًا بعد يوم القدرة على تحديد وتقييم «الوسيلة والغاية». ولا سيّما الأشخاص أو المجتمعات العاجزة عن الإدارة الإنسانية لـ «القوّة» والسلطة. وفي الحقيقة فإن السلطة والقوّة تكون هي المالكة لهم ولا يستطيعون في هاتين الحقيقتين (الغاية والوسيلة)، الاستناد إلى الأصول والقوانين. ولذلك فإن ثقافتهم الأكثر أصالة عبارة عن: تدمير وإزالة كل أصل  وقانون وثقافة تساعد على استهدافهم.

3. الثقافة المحورية أو الغاية الذاتية التبعية: الثقافة المحورية أو الغاية الذاتية التبعية في هذا النوع من الثقافة كانت التجليات والنشاطات المبرّرة والمفسّرة لحقائق الثقافة مطلوبة بالذات وكانت تتكفّل بإشباع الأهداف والغايات الثقافية. إن هذه «الهدفية الذاتية» كانت مختصّة بالثقافة العلمية والتكنولوجية والاقتصادية لأكثر المجتمعات في القرن التاسع عشر والقرن العشرين للميلاد.

إن هذه «الهدفية الذاتية»، عملت على ركود الطبيعة الأصلية للثقافة التي هي عبارة عن خلاقية وانتشار أهداف الحياة في أبعاد «الأنا الإنسانية». وإن الأمر الآخر الذي قامت به «الهدفية الذاتية» للثقافة ـ والذي لا يقلّ خطرًا عن الإخلال في الطبيعة الأساسية للثقافة ـ هو: بدلًا من أن يكون الإنسان موجدًا للعلم والتكنولوجيا ومديرًا وموجّهًا لهما، قد أصبح جزءًا غير مسؤول من التيارات الجبرية لهاتين الظاهرتين!

علينا أن لا ننسى هذه القاعدة العامّة أيضًا: عندما يتخذ ظهور أو عدد من الظهورات المعيّنة من شؤون الحياة الإنسانية ـ من قبيل: فن التجميل ـ صبغة «الهدفية الذاتية»، فإنه حيث لا يمكنه الاستجابة لسائر أبعاد الثقافة المطلوبة للإنسان، من قبيل البحث عن الحقيقة، فسوف يؤدّي ذلك إلى ظهور نوع من الازدواجية في الشخصية، حيث تكون إحدى تلك الشخصيتين جزءًا مختلطًا بذلك الظهور المعيّن،

(152)

حيث بسبب «هدفيته الذاتية»، سوف يستحيل في ذات ذلك الظهور، والآخر الناظر للركود الإجباري والحتمي لسائر أبعاد الثقافة المطلوبة للإنسان، قد يتجه نحو الزوال التدريجي، وذلك الجانب من الشخصية الذي هو جزء ممزوج بظهور «الهدفية الذاتية»، سوف يختزل الإنسان في ذلك الظهور المعيّن.

لحسن الحظ فإن الذي أثبتته المشاهدات والتجارب هو أنه لا يمكن لجميع أفراد المجتمعات البشرية أن يرزحوا تحت أصفاد «الأهداف الذاتية» لظهور واحد أو عدد من الظهورات، ولذلك يمكن العثور على الكثير من العقلاء في جميع المجتمعات من الذين يشجبون حبس شخصية الأشخاص في بعض مظاهر شؤون الحياة وكذلك إبطال مفعول الأبعاد الأخرى الباحث عن الثقافة فی للإنسان أيضًا.

وإن صرخة ألكسيس كارل في القرن العشرين للميلاد في فرنسا، وتامس أليوت في إنجلترا، ووليم جيمز في الولايات المتحدة الأمريكية، وغيرهم من المفكرين في المجتمعات الأخرى، ليست سوى تمرّد على القيود والأصفاد المذكورة.

4. الثقافة الحيوية والهادفة والطليعية: الثقافة الحيوية والهادفة والطليعية إن هذا النوع من الثقافة لا يسقط بفعل محاصرته من قبل تلك الظهورات والنشاطات المتحققة تحت تأثير العناصر المتحرّكة في الحيات والشرائط العابرة للبيئة والمجتمع؛ وذلك لأن العنصر المحرّك لهذه الثقافة هي الحقائق المستمرّة للطبيعة والأبعاد الإنسانية الأصيلة، والغاية منها عبارة عن: الأهداف النسبية التي تحمل الإنسان على ممارسة النشاط والصراع في جاذبة الهدف الأسمى من الحياة. ويمكن القول بكل ثقة واطمئنان: هذه هي تلك الثقافة الإنسانية حيث لا تتحقق أيّ حضارة إنسانية أصيلة في مسار التاريخ من دون وجود هذه الأرضية الثقافية، وهذه هي الثقافة التي يمكن لها تحرير تلابيبها من براثن الطغاة المستبدين، وأن تؤدّي رسالتها في المجتمع. 

(153)

وإن من بين الخصائص الأخرى لهذه الثقافة عبارة عن: تكثيف صبغة تلك الأخلاق والتقاليد الناتجة عن القصور الفكري، وإشباع خلأ الواقعية في الحياة، ونتيجة مجموعة أخرى من العوامل المحلية العابرة والخالية من الأفكار والأهداف الأصيلة.

نستطيع بالنظر إلى ماهية وخصائص الثقافة الخلاقة والهادفة والطليعية، أن ندرك أسباب وعلل سقوط وزوال الثقافات التي ظهرت في المجتمعات البشرية ثم بادت بشكل وآخر. إن أكثر أسباب سقوط وزوال الثقافات جوهرية عبارة عن: ترسّب الظواهر والنشاطات الثقافية التي تظهر بشكل متزامن مع اضمحلال العوامل والأسباب الموجدة لها، أو أن تستند هذه العلل لـ «محورية غاية» الثقافة التي بدلًا من أن تجعل الإنسان مفسّرًا للظهورات والنشاطات، تعمل على إسقاطه عن التحرّك التوجيهي، وتضغطه في ذاته، وبالتالي فإن النتائج الثقافية الحاصلة من هاتين العلتين، إن استطاعت مواصلة وجودها وبقائها، فسوف تتحوّل بالتدريج إلى شكل أيقونة أخلاقية، ثم تزول شيئًا فشيئًا من الأفق الثقافي للمجتمع.

عنصر إيجاد الثقافة الهادفة والطليعية

سوف نعمل في هذا البحث أولًا على استذكار العامل والدافع إلى النزعة الثقافية على ما تقدّم بيانه في التعريف والأصول الأربعة، لنعمل بعد ذلك على استنتاج الجذور الأساسية للثقافة الهادفة.

كما أظهرت تواريخ عامّة الناس، وكما أثبتته التجارب العلمية والفلسفية بشأن نفسياتهم، فإن الإنسان لا يستطيع الاكتفاء والاقتناع بما وفرته له طبيعة العالم الخارجي والعيني والخصائص العضوية والبيلوجية له بشكل قهري، ويواصل حياته على طريقة النحل والنمل. وبحسب تعبير العامّة: عندما تمتلأ معدته ويتوفر له الملبس والمسكن، فما حاجته إلى المحراث والمعول؟ ما أن يصل إلى ظاهرة من الظواهر حتى سيعمل جاهدًا ويقوم بتشريحها والتنقيب فيها وقلبها بطنًا لظهر،

(154)

ولو افترضنا بقاء باب رؤيته الفكرية والعقلية والحسية مفتوحًا، فإنه لن يصل إلى أيّ هدف نسبي إلا وسوف يتساءل قائلًا: «ثم ماذا؟».

لو دققنا جيدًا سوف ندرك أن هذا السلوك المغامر، وعدم الاقتناع المقدس جدًا بالنسبة إلى المواقف المستمرّة، معلولات تنبثق عن علّة أو علل أساسية. ونحن إذا لم ندرك تلك العلة أو العلل الأساسية لن نستطيع فهم دافع العوامل الموجدة للثقافة الهادفة وحتى سائر أقسام الثقافة بشكل صحيح. ولو أننا لم ندرك الجذور الأصلية للنزعة الثقافية، لن يكون بمقدورنا أن نفهم عوامل ظهور واعتلاء وسقوط وزوال الثقافات، وكذلك من خلال تجاهل تلك الجذور، لن يكون بمقدورنا أن ندرك علل انتقال بعض الثقافات من بعض المجتمعات إلى المجتمعات الأخرى، كما أنه من دون التوصّل إلى العامل الأساسي، لن يكون الحصول على ثقافة هادفة وطليعية أمرًا ممكنًا بالنسبة لنا. ويبدو أن النزعة الثقافية للبشر تستند إلى جذور أولية وثانوية:

جذور النزعة الثقافية

الجذر الأولي: الجذر الأولي عبارة عن: ذلك العنصر النفسي الفعّال الذي يعمل على تحفيز الإنسان، لكي يعمل على تحويل مساحة الطبيعة وتياراتها القهرية على شكل عش يصنع هيئته بيديه، على أن يكون كل جزء من أجزاء تلك الهيئة ملبيًا لبُعد من الأبعاد المتقبّلة أو الخلاقة له.

الجذر الثانوي: الجذر الثانوي عبارة عن: العوامل الداخلية والخارجية الخاصة بالأمم والشعوب التي تعمل على توجيه الجذر الأولي، بمعنى أنه ذات العنصر النفسي الفعال، ويعمل على تلوين وتوجيه شؤون حياتهم.

إنما بالنظر إلى الجذر الأولي والأساسي للنزعة الثقافية يمكن لنا القول: إن تنوّع الثقافات بمقدار عدد الأبعاد الصانعة الإنسانية التي تروم تحويل عالم الوجود بمساعدة تلك الأبعاد إلى عشّ مثالي صنعته وجبلته بيدها. ومع ذلك نعلم أن

(155)

الأشخاص عادة كانوا عاجزين عن بناء ثقافة تستطيع إشباع جميع أبعادهم، ولا يمكنهم الوصول إلى تشكيل ومناغمة جميع الأجزاء الثقافية المتنوّعة لهم. يمكن مشاهدة هذا النقص المؤسف في جميع المجتمعات ومنذ المراحل الأولى إلى الآن.

لا ينبغي تفقد السبب الرئيس لهذا الإخفاق في التسامح أو العوامل القهرية لظهور الصانعين للثقافة، بل يبدو أن العلة الأساسية لهذا الإخفاق تكمن في عدم اهتمام بُناة الثقافة بذلك العنصر النفسي الفعّال الذي يسعى إلى تحويل مساحة الطبيعة وتياراتها القهرية عشًا قابلًا للسكن، والعمل في الوقت نفسه على إيجاد ذلك في مسار المتغيّرات الإيجابية. ومن ناحية أخرى نعلم أن توقف المجتمع متسمّرًا في الآثار الفنية القديمة ـ على سبيل المثال ـ التي ظهرت في العصور الغابرة على أساس عوامل تلك الحقبة الزمنية، ولم يعد لها اليوم أدنى أثر، لا ينسجم مع حيوية عشّ الحياة المعاصرة. وكذلك كيف يمكن لحفنة من الأخلاق المقدّسة التي كانت موجودة في الأزمنية السحيقة بسبب دوافع وعوامل بلا أساس أو لها أساس ولكنها ترتبط بذلك الماضي البعيد ولا تشتمل اليوم على أيّ مفهوم أو معنى، كيف يمكن لها أن تشبع الأبعاد الواسعة للإنسان في مجرى التحوّلات والمتغيّرات؟

أجل، إن هذا النوع من الفنون والأخلاق والمعتقدات وزخارف الحياة، إنما يمكنها أن تلعب الدور الفعال في الثقافة الملبية للمرحلة المعاصرة من جهتين:

الجهة الأولى: استنباط الأصول والقوانين الكلية الاجتماعية والنفسية من تلك الفنون والأخلاق والمعتقدات، فيما لو حظيت بهذا الامتياز.

الجهة الثانية: التوظيف التاريخي ومعرفة كيفية تلوينات حياة تلك المراحل بواسطة تلك الآثار والتجليات الثقافية وإدراك كيفية عبور المجتمع من مسار محدد ومعروف لعش مطلوب بناه الناس بأيديهم.

لو أردنا الحصول على ثقافة أصيلة، وجب علينا ربط نشاطاتنا وتجلياتنا المثالية

(156)

بذلك العنصر النفسي الفعال، الذي يعمل ـ في عين الثبات والخلاقية ـ على ضمان وجود وتجسيد تلك الأهداف والتطلعات. إن هذا العنصر النفسي الفعّال لا يمكنه القيام بأيّ عمل معقول من دون الامتزاج بالبُعد الشفاف الذي تحصل عليه الحاكمية والهيمنة من ثقافة الهدف الأعلى للحياة في باطن الإنسان. وفي بيان هذه الحقيقة يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار تفسيرًا مختصرًا للبُعد الشفاف من الثقافة:

بُعد الثقافة الشفاف وبُعدها الملموس

إن المراد من البُعد المحسوس والملموس من الثقافة عبارة عن: الأفكار والتطلعات وسائر التوجهات المتبلورة للحياة التي تصبح مشهودة ومحسوسة بفعل النشاط الفكري والعضلي في العالم الخارجي، من قبيل: الآثار الفنيّة المتجسّمة التي يمكن إحساسها بواسطة العين أو الأذن، أو السلوك الأخلاقي والعلم المتجسّم في التكنولوجيا المشهودة والملموسة لتوفير متطلبات الحياة.

إن البُعد الشفاف من الثقافة عبارة عن: الغايات والعواطف والأخلاق والأهداف التي يتمّ اختيارها في الحياة، وتعمل بوعي أو من دون وعي على توجيه حياة الإنسان في المساحة الفردية والاجتماعية. إن التعبير بالشفاف عن هذا النوع من أبعاد الثقافة إنما يأتي من حيث أن الفضاء الواضح والعدسات الصافية ذات اللون الخاص تستوجب رؤية الأجسام بشكل خاص، دون أن تكون بنفسها منظورة بوصفها تجليًا وظهورًا خارجيا محسوسًا وملموسًا. عندما يقوم المؤرخ الفرنسي بوضع نظارة ذات بُعد شفاف من العنصرية على عينيه، ويقوم بكتابة وتأريخ السيرة الذاتية لحياة نابليون بونابرت، سوف يكون نابليون في تأريخه وسيرته بطل الأبطال في التاريخ. كما أن المؤرّخ الإيراني العنصري لن يستطيع بدوره تقديم الجانب الحقيقي لسيرة خشايار شاه ـ على سبيل المثال ـ متجرّدًا من البُعد العنصري الشفاف والواضح.

(157)

وقد أشار وايتهيد إلى هذه الحقيقة عند تقييمه لتاريخ غيبون بشأن ازدهار وسقوط الإمبراطورية الرومانية؛ حيث قال: «لقد ألف غيبون كتابًا جيدًا في التاريخ، ولكن كان في حينها يضع على عينية نظارة القرن الثامن عشر للميلاد»[1].

منذ القرن الثامن عشر فصاعدًا، أخذ البُعد العلمي يقوم بإثارات ذهنية شديدة من جهتين، فمهّد الطريق بذلك للوضع الراهن في العالم الغربي من جهتين:

الجهة الأولى: إنه كان حقيقة سامية وإنسانية فريدة من نوعها وهي عبارة عن: الشغف والتعلق باكتشاف الحقائق التي كانت تمثّل منذ الأحقاب القديمة واحدة من أسمى غايات الإنسان وتطلعاته، والتي كان يطلق عليها اسم «العلم». إن هذا البُعد العلمي حيث يبقي الإنسان على تواصل مع الحقائق، يندرج كواحد من القيَم الحيوية، ومن هذه الناحية كان يستحث أسمى الطاقات الذهنية والنفسية لجميع الأمم نحو النشاطات العلمية.

الجهة الثانية: لقد تمخّض هذا البعد المثالي (العلم ونتائجه) عن وليد باسم التكنولوجيا، حيث قام بتوفير أدوات الحياة المؤدّية إلى الرفاهية والراحة لعامّة الناس. إن المجتمعات التي ظهرت فيها التكنولوجيا، قد أغرمت وتولّهت بمنافعها المادية والاعتبارية بحيث لم تنس الإنسان وحياته المعقولة فحسب، بل وقد جعلت العلم وحده الذي هو الموجد للتكنولوجيا في خدمته وتحت قيادته، الأمر الذي أدّى إلى إفلاس العلم[2]، وتجاهل الحياة المعقولة للإنسان، ثم قام بترسيخ بُعد شفاف باسم «عرقنا هو أفضل الأعراق»، و«عرقنا عنوان التكامل البشري» في أذهان تلك المجتمعات! وإن هذا البُعد الشفاف يقوم حاليًا بنشاط محموم.

إن النتيجة غير المتوقّعة التي أفرزها هذا البُعد الشفاف، عبارة عن هذا الشعار

(158)

القائل: «حيث أن التكنولوجيا تحت تصرّفي، إذن يكون عرقي أفضل من جميع الأعراق! وعليه تدخل جميع المواطن وجميع الأشياء ضمن مصالحي، ويمكن لي أن أستولي على جميع تلك المصالح!».

إن هذه الثقافة هي التي أدّت شيئًا فشيئًا إلى إزالة الثقافات الإنسانية الأصيلة لشعوب الأرض، واتخذت اليوم شكلًا واضحًا في مناهضة الثقافة.

إن قائمة الأبعاد الثقافية العالية التي كانت ضحية للبُعد الشفاف لـ «عرقنا من أفضل الأعراق»، تشمل: المشاعر الإنسانية العليا، وسعة الرؤية في الحياة، والغاية العليا من الحياة، والشعور بالتعاطف، وتعديل القدرات والامتيازات لمصلحة الناس. إن هذا البُعد الشفاف القائل بأن «عرقنا أفضل من جميع الأعراق» هو الذي أدّى إلى إحياء نظرية التنازع من أجل البقاء، وهو الأمر الذي كافح آلاف الأنبياء والحكماء والفلاسفة من ذوي العقول الثاقبة في مشارق الأرض ومغاربها من أجل القضاء عليه وتهذيبه وتعديله، لتطهير وجه الإنسانية من وصمة عار هذا الشعار القائل بـ «التنازع من أجل البقاء»[1].

(159)

أنواع البُعد الشفاف من الثقافة

إن الأبعاد الشفافة وغير الملموسة من الثقافة التي تعمل على إشباع وتوجيه الأبعاد الملموسة منها، تحتوي على أقسام مختلفة، حيث تنقسم من زاوية ماهيتها وسعتها وحدود نشاطها إلى أقسام متنوّعة، وهي كالآتي:

إن ماهية بعض الأبعاد الشفافة من الثقافة المؤثرة في توجيه أبعادها الملموسة، تنشأ عن الطبيعة الاعتيادية للإنسان، من قبيل: حبّ الأنا، وحبّ السلطة وما إلى ذلك، حيث يقوم كل واحد من هذه الأمور ـ على أنحاء متنوّعة ـ بوضع نظارة على عين الإنسان، وحيث تنبثق هذه الأبعاد من الطبيعة الاعتيادية للإنسان، فإنها تحظى بدائرة أوسع وأشمل بكثير، إلى الحدّ الذي يضطرّ معه توماس هوبز إلى القول: «الإنسان ذئب للإنسان». وبطبيعة الحال لا ننسى أنه ليس هناك شخص أو مجتمع مدرك للعوامل الإنسانية والتضحيات الكثيرة التي وقعت طوال التاريخ من أجل العدالة والعواطف الإنسانية، لا يعترف بقانونيتها وتأثرها بالبُعد الأناني والسلطوي فحسب، بل يعدّ نفسه معارضًا لذلك أيضًا.

إن العنصرية وعبادة الوطن، وليس «الحبّ المعقول للوطن»، يعدّ واحدًا من الأبعاد الثقافية الشفافة وغير الملموسة التي تترك تأثيرها بوعي أو بغير وعي في توجيه سائر المظاهر والأبعاد الثقافية وتعمل على تلوينها.

التطلعات والأهداف الكلية المتفق عليها من وجهة نظر الوسطيين من الناس عبر التاريخ، من قبيل: العلم والفن والحضارة والحياة الطبيعية وما إلى ذلك.

إن هذا النوع من الأبعاد الشفافة فيما لو تمّ تفعيلها بماهيتها الحقيقية من دون أن يشوبها حبّ الذات وحبّ السلطة، فإنها سوف تكون نافعة قطعًا. بيد أن هذه

(160)

الأبعاد للأسف الشديد ـ كما تقدّم أن ذكرنا في بداية هذا البحث ـ قد عملت على إيجاد أولاد على الرغم من السجل الناصع والمشرّف لآبائهم، قاموا بإهدار قيَمهم ومآثرهم العظيمة.

يبدو أنه لا يوجد من طريق للنجاة من هذه الأبعاد الشفافة ـ التي تعمل في البداية على اجتذاب الأشخاص بواسطة الأوجه المثالية، ثم تعمل على ضلالهم ضمن أمواج عاتية من الأنانيات وحبّ الذات، لتنشط بعد ذلك بالتدريج على شكل عناصر مضرّة ـ سوى تعيين الهدف الأسمى من الحياة والتحرّك في مسار ذلك الهدف.

طريقة إصلاح أبعاد الثقافة الشفافة وتناغمها مع أبعاد الثقافة الملموسة 

إن طريقة إصلاح الأبعاد الشفافة من الثقافة، في الوقت الذي تكون من أكثر الطرق استقامة وبساطة، تكون كذلك من أكثرها ضرورة وحصرية، حيث يمكن أن يتمّ بيانها وتقديمها بواسطة المفكرين العقلاء. كما أنها في الوقت نفسه من أبعد الطرق وأكثرها تعقيدًا أيضًا حيث يمكن أخذها بنظر الاعتبار من أجل إصلاح الأبعاد الشفافة من الثقافة. إن هذه الطريقة من أكثر الطرق استقامة وبساطة، وذلك لأنها تمثل طريق الإنسان إلى الذات حيث لا يمكن تصوّر طريقة أكثر منها استقامة وبساطة للوصول إلى الغاية، وهي في الوقت ذاته من أبعد الطرق وأكثرها تعقيدًا؛ وذلك لأن الإنسان أمسى فيها كثير البُعد عنها بحيث يمكن تصوّر حدودها.

حيث تكون الأبعاد الثقافية الشفافة مفسّرة ومبرّرة لجميع التجليات والنشاطات الثقافية، سوف تكون في الواقع من قبيل النظارات والعدسات الملوّنة حيث يمكن لـ «أنا» الإنسان رؤية الشؤون العينية والواقعية لحياته من خلف تلك العدسات. لا شك في أن الأبعاد الشفافة للثقافة لا يمكن أن تكون انعكاسًا محضًا للظواهر والعلاقات العينية في بُعدي الإنسان والعالم؛ وذلك لأن الصوَر المنعكسة عن

(161)

الظواهر والروابط الواقعية والعينية، ليست أكثر تحريكًا من ذات تلك الواقعيات العينية؛ كما أن التصوّر المحض للجمال ليس أكثر تحفيزًا وإثارة من ذات الجمال العيني والمشهود. إن تحريك هذا التصوّر (الصورة المنعكسة عن الظواهر والروابط العينية)، إنما يبدأ حيث تكون على نحو ما يريده المتصوّر، كأن يريد ـ على سبيل المثال ـ أن يقتني ذلك الجميل، أو أن يريد رسم لوحة تحتوي على صورة لتلك الظاهرة الجميلة.
وكذلك فإن الانعكاس المحض للحرية في الذهن أكثر تحريكًا وإثارة من الحرية الواقعية العينية. إن ذلك الانعكاس إنما يمكنه أن يعمل على التحريك من حيث إثبات مطلوبيته بالنسبة إلى المتصوّر.
وعلى هذا الأساس يجب أن نفرّق بين البُعد الشفاف للثقافة وبين التصوّرات المحضة للواقعيات. إن هذا الفرق عبارة عن: التحريك والتفسير والتوجيه الموجود في البُعد الشفاف، ولكن لا وجود له في الانعكاسات والتصوّرات المحضة. وعلاوة على ذلك فإن التصوّرات والانعكاسات المحضة تعمل على بيان ما له عينية في عالم التجليات والظهورات كما لو كانت مرآة صافية، دون أن يكون لها شأن بارتباطها فيما بينها وأهدافها والعوامل الجوهرية لها؛ في حين أن البُعد الشفاف من الثقافة، يعمل على تفسير وتوجيه جميع الواقعيات الملموسة مع الارتباطات والأهداف المعقولة.
وعلى هذا الأساس فإن الأبعاد الشفافة من الثقافة، تأخذ في الحقيقة على عاتقها تفسير الحياة في جميع شؤونها. بمعنى أن اللذات والآلام والمعرفة والإرادة والمنطق والخيال والأخلاق والانتماءات المذهبية والأيديولوجية، والإبداع الفني وما إلى ذلك من الأمور، يتمّ العمل على توضيحها وبيانها بأجمعها من خلال تلك الأبعاد الشفافة. لو كانت هذه الأبعاد مجرّد حاكية ومعبّرة عن الحقائق التي تعمل بواسطة مقدار من الحركات الجبرية ومقدار من الحريات البسيطة وغير المحسوبة على بلورة حياة الإنسان، لن تكون شيئًا سوى الانعكاسات المحضة التي تقوم بنشاطها

(162)

بمساعدة من العوامل المحركة الطبيعية.

والنتيجة هي: أن الأبعاد الثقافية الشفافة يجب أن تعمل على تلبية الأهداف والغايات العليا من الحياة الإنسانية، لكي تتمكن من تقديم إجابات شافية لأسباب وكيفيات الحياة. ولهذا السبب نقول: إن كل ثقافة لا تستطيع العمل على تعيين الهدف الأسمى من الحياة، سوف تكون كذلك عاجزة عن تلبية الأهداف والغايات العليا في الحياة أيضًا.

إن الغاية الأعلى من الحياة دون ازدهار الأبعاد البناءة من الحياة، لا يمكن لها في حدود الإمكان أن تحتوي على حالة حيوية وخلاقة. إن حياة الفرد والمجتمع إذا كانت تخلو من الهدف التكاملي، فإنها حتى لو تمكنت من إيجاد أي تبلور ثقافي، لن يكون لها نصيب من الحرية الهادفة التي تضمن بقاء الثقافة الأصيلة. وفي هذا الأثناء سوف تكون جميع أنواع التجليات والنشاطات الثقافية من قبيل حفنة من الآثار والأفعال القهرية، وسوف تكون عاجزة عن إشباع الشعور بتحقيق الأهداف والغايات وبناء الملاذات في الحياة. إن تلك الآثار الفنية الجميلة والممتعة للغاية، إذا لم تكن لتنطوي على هدف وغاية، فإن بمقدورها أن تلهب شعورنا الباطني للحظة واحدة فقط، ولكنها لن تحدد لنا وظيفة ما بعد تحفيز الشعور في داخلنا. لو أننا تقبلنا ذلك العنصر الهادف في الثقافة الأصيلة، لن يكون هناك شك في أن أرضية ثقافتنا سوف تعمل على تحويلنا من التقليد الجاف والتسمّر عند الآثار الراكدة والفاقدة للروح إلى الثقافة الأصيلة والبناءة.

إن الثقافة في الدائرة الهادفة هي تمامًا مثل الروح في الحركة الهادفة. والحقيقة هي أن ثقافة المجتمع تعمل على تنوير الطريق لروح ذلك المجتمع، وإن التجليات والنشاطات الثقافية بمنزلة الظواهر والأفعال التي تتمخّض عن الروح.

وعلى هذا الأساس ليس أمامنا لإيجاد الثقافة الأصيلة والهادفة من طريق سوى

(163)

العمل على تعزيز وتقوية إحساس وتفكير أفراد المجتمع، والعمل على التوفيق بين هذين الأمرين بحيث يقوم الناس أنفسهم من خلال شخصيتهم الحرّة بإيجاد الثقافة التي ينشدونها.

وكما سبق لنا أن أشرنا فإن الحريات الحقيقية للشخصية من دون أن يكون هناك هدفية وغاية عليا في البين، لن يكتب لها التحقق، وسوف ترمي بالمجتمع ـ من خلال دفعه في مستنقع الانحلال والحريات المزعومة والموهومة ـ نحو اللاثقافية أو الثقافة الباهتة التي تتلاشى عند أول صدام مع الثقافات الأخرى، وتسلك بالتالي طريق الزوال والفناء. هذا في حين أننا نحتاج في إيجاد الثقافة الأصيلة والهادفة إلى تفسير وبيان للهدف والغاية العليا من الحياة على نحو جاد، وعلينا أن نرى ما هي الرؤية الكونية والأيديولوجية التي يمكنها العمل على توضيح وإثبات الهدف الأسمى من الحياة بشكل عقلاني؟

منذ بداية التاريخ وإلى الآن، قامت جميع أنواع رُؤًى الكونية والأيديولوجية بنشاطات في سياق إظهار الهدف السامي من الحياة، وعملت على تقديم الآراء والعقائد المتنوّعة في هذا الموضوع، بيد أن التحقيق اللازم والكافي في مجموع تلك الآراء والعقائد إنما يُظهر حقيقة واحدة متفق عليها حيث يقبل بها جميع المنظّرين، على النحو الآتي: بمقتضى القانون القائل: «كل هدف وغاية يجب أن تكون أسمى من الموقع الذي يقف فيه الإنسان الهادف»، يجب أن تكون غاية الحياة أعلى وأسمى حتمًا من الظواهر والشؤون القهرية والعابرة للحياة، لكي تتمكن من العمل على تفسير وتوجيه مجموع الأصول الأساسية والظواهر الفوقية للحياة واجتذابها إلى ناحيتها.

لا شك في أن هذا الانجذاب نحو الغاية الأسمى لا ينسجم مع ركود مقدار من التجليات وتكرار بعض النشاطات بوصفها ثقافة، بل إنه بناء على قانون العلة والمعلول، يضع الثقافة ـ التي هي معلولة ـ في المسار التكاملي. إن آراء المنظرين

(164)

تختلف في تحديد وتوضيح هذه الغاية، ولكن هذا المبحث لا يتسع للمزيد من التفصيل في هذا الشأن.

لو تجاوزنا أصحاب مذهب اللذة والعدميين، فإن جميع المفكرين يتفقون على الاعتقاد بهذا القانون القائل: «كل هدف وغاية يجب أن تكون أسمى من الموقع الذي يقف فيه الإنسان الهادف». إن من أهم مختصات الثقافة الهادفة وأكثرها قيمة والتي تسعى إلى تحقيق الحياة الهادفة، عبارة عن التبلور المنطقي لعناصر الثقافة والذي يُعدّ من أسمى الأهداف والتطلعات الإنسانية. إن هذا التبلور الثقافي الذي يتجلى عن العامل الهادف، يُشبه تمامًا التبلور المنطقي للنشاطات النفسية والروحية للأهداف حيث تنبثق عن العنصر الهادف للروح.

واليوم حيث نشاهد تفكك العناصر المكوّنة للثقافة في أكثر المجتمعات البشرية، علينا أن لا نتعجّب؛ إذ لم تسفر جهود الفلاسفة والمفكرين في حقل العلوم الإنسانية من أجل إظهار الهدف الحقيقي من الحياة عن نتيجة تذكر وقد عبّروا عن عجزهم في هذا الشأن. وعليه من الطبيعي عندما تتقطع أوصال الروح الإنسانية على يد علماء الاقتصاد وعلماء الحقوق وعلماء النفس المتخصصين والمحترفين الظاهريين والتكنولوجيين النفعيين، أن لا يكون هناك أمل بتوقع ثقافة تتألف من العناصر العقلانية.

بعد ملاحظة مجموع هذه المسائل لا يبقى أمامنا من طريق سوى أن نعمل أولًا على حلّ «لغز هدف الحياة»، ثم نعمل بعد ذلك على وضع أسس وقوانين الثقافة الأصيلة. يبدو أنه يجب على المؤسسين لثقافتنا أن يعملوا ـ من أجل الحيلولة دون السقوط القطعي لثقافتنا الأصيلة ـ على تحديد موقفهم تجاه الهدف العالي من الحياة، وإلا فإن الحياة الآلية والحضارة غير المدروسة التي يتمّ وضعها اليوم أمام البشر، لن تؤدّي إلى غاية غير العبثية.

 

(165)

الهدف الأعلى من الحياة إيجاد الثقافة الأصيلة والهادفة

إن الهدف الذي يمكن تفسير حياة الإنسان في مرحلة زمنية تشكل متوسّط عمر الإنسان في هذه الحياة، في ظل الظروف والشرائط البيئية والاجتماعية التابعة إلى التاريخ والمعلومات والطاقات والرغبات والمطالب المستمرّة والمتواصلة له، من الواضح بداهة أن هذا التفسير لن يكون ممكنًا أبدًا من دون الإجابة عن هذه الأسئلة الأربعة الرئيسة، وهي: «من أنا، ومن أوجدني، وما هو سبب وجودي؟ وما هو مصيري؟».

عندما يعمل الإنسان على طرح هذا النوع من الأسئلة، فإنه يريد بذلك قطعًا أن يفهم معنى تبعيته إلى العالم الذي يعيش فيه. ليس مهمًا ما هو فهمه للعالم، بل يكفي بالنسبة إلى الإنسان أن يطرح عليه عالم يوجد فيه، ويتعرّف عليه إلى حدّ ما، ويجد من نفسه شغفًا من أجل التكامل، ثم يمضي في هذا الاتجاه.

لو لم يكن موضوع الشغف موجودًا في تفسير التبعية إلى العالم الذي يعيش فيه الإنسان، لما ظهرت كل تلك الثقافات المدهشة والمترامية الأطراف على طول التاريخ، ولما تجلّت جميع تلك الأفكار العظيمة والعقائد البناءة والفنون الرائعة التي تمثّل بُعدًا من أبعاد التكامل والرقيّ في وجود الإنسان. إن هذا البحث عن الكمال والارتقاء الذي ينشده الإنسان بعد الوصول إلى كل مرحلة كمالية كانت تشكل هدفًا للإنسان، لن يمكن إشباعه بأيّ امتياز ثقافي آخر إلا من خلال التعرّض إلى الجاذبة الإلهية التي يكون مدخلها عبارة عن روح الإنسان، إلا إذا قام في تجلّ أو نشاط ثقافي بتجسيد عملية التلوين والامتياز وعظمة التمثيل بحيث يقحم الروح اللامتناهية في إطارها.

إن الأشخاص الذين يعملون ـ من خلال هذا الهدف بشأن الحياة ـ على إيجاد ثقافة، سوف تكون تلك الثقافة حية، وليست ثقافة بلا روح وبلا لون، ورسوبية ومحورية.

(166)

بعد التدقيق اللازم والكافي في هذه الأبحاث، يتمّ إثبات هذا المطلب وهو أن الثقافة الحيّة، لا يكون ممكنًا إلا بواسطة العامل الأيديولوجي والديني الذي يوجد بواسطة الحياة الهادفة عند من يمتلك هذه الحياة الهادفة.

عندما نقول: «العامل الأيديولوجي» لا يكون المراد مجموعة من العقائد التي لا يمكن إثباتها والأعمال البعيدة عن المنطق، بل المراد هو الوعي ونشاط روح الإنسان في مجال التكامل باتجاه منطقة الجاذبية الإلهية.

إن روح الإنسان في هذا المجال من خلال العلم والاطلاع المذكور في البيت أعلاه، يعتبر العالم كروحه العزيزة، ويثبت عليه نقوشه وكتابته ونشاطه الثقافي على أبواب وجدران هذا البيت المحبوب. وفي الحقيقة فإن البيت المحبوب ليس سوى عالم الـ «أنا»، ولكن لا لكي يعيش في هذا البيت لبضعة أيام ثم يغادره، بل هو داخل الـ «أنا»، وسوف يصحبني ويذهب معي نحو الأبدية.

الثقافة التي بناها الإسلام

إن الثقافة التي أسس لها الإسلام، تأتي في إطار حياة هادفة تعمل على تفعيل الأبعاد الجمالية وطلب العلم والمنطق والتطلعات الإنسانية بشدة، وتعمل على تشكيل جميع العناصر الثقافية، ولا تفصل العنصر الثقافي العلمي عن عنصر الأخلاق الإنسانية العالية، ولا تفكك بين عنصر الثقافة الفنية وبين عنصر ثقافة الإرشاد الاقتصادي، وتجعل وحدة الثقافة تابعة لوحدة روح الإنسان، وتحول دون تجزئتها وتلاشيها. إن عناصر الثقافة الإسلامية الواردة في المصادر المعتبرة تحت عناوين من قبيل: الأدب، والخصال، والعلم، والأخلاق بمفهومها العام، ممّا يُسمّى بمحاسن الأمور، تندرج بأجمعها ضمن مفهوم عال باسم «الحكمة».

إن هذه الحكمة تشمل كل نوع من أنواع التجلي والنشاط الذي يستطيع تعزيز وتقوية الحياة الهادفة لكل شخص ومجتمع. إن أول مؤسس وداعم رئيس لهذه

(167)

الثقافة هو الله سبحانه وتعالى الذي جهّز الإنسان بالقلم والبيان والقريحة والذوق وطلب الكمال واكتشاف الأصول الثابتة في مجرى نهر دائم من الأحداث وزوّده بجناحي الشعور والتفكير ومهّد له سبل التحليق والطيران.

إن نتيجة ظهور هذا النوع من الثقافة الهادفة، عبارة عن الأمر الآتي: «بعد ثلاثة قرون من رحيل النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، كانت مدينة قرطبة مدينة عامرة يسكنها مليون نسمة، وتحتوي على ثمانين مدرسة عامة (كلية)، ومكتبة تحتوي على ستمئة ألف كتاب، وأصبحت اللغة العربية لغة العلم في العالم، وفي هذه اللحظة بدأ انتشار العلم من جديد.

وقام زكريا الرازي (251 ـ 313 هـ) بتوصيف مرض الجُدَري، وقام مساعده أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي (المتوفى حوالي 913 ـ 1003) بتشخيص مرض السل وأمراض العمود الفقري بشكل كامل.

وعمل أمير العلوم ابن سينا (370 ـ 428 هـ) على تطوير علم الطب في العالم الإسلامي، بحيث اضطرّ أحد ملوك كاستيل بعد إصابته بالجدري إلى الذهاب إلى مدينة قرطبة لتلقي العلاج عند أعدائه.

وكانت مؤلفات محمد بن جابر بن سنان البتّاني (المتوفة سنة 317 هـ) موضع فخر واعتزاز لأبناء بلده. لقد كان البتّاني رجلًا عظيمًا ومن طبقة الأشراف، وكان يبدي تعلقًا واحترامًا لبطلميوس، وهو الذي تقدم من حيث الدقة في دراسة تقويم الاعتدالين على بطلميوس أيضًا، وكان هو أول من أحل جيب (سينوس) في علم المثلثات محل الوَتَر، وظهرت جميع المثلثات كنتيجة لهذا التغيير[1].

إن الثقافة الأدبية بمعناها العام التي تمثل اللغة الناطقة لكل غاية ثقافية، قد تمّت تقويتها في المجتمعات الإسلامية وتحوّلت إلى عامل خلاق بحيث يمكن القول:

(168)

من خلال تربية رجال من أمثال جلال الدين محمد المولوي، قد تأثرت به الثقافات المفيدة والبنّاءة لسائر الشعوب والأمم؛ إلى الحد الذي ذهبت معه كل مدرسة أدبية إلى التعريف بالرؤية الفلسفية للمولوي بوصفها جزءًا من مدرستها، في حين لا وجود لمثل هذا التكوين في الثقافات العادية لسائر المجتمعات.

دققوا في هذه العبارة لبيير روسو التي يقول فيها: «إن التجديد الأدبي والفني، يعمل على إيقاف تطوّر العلم»[1]، ثم طالعوا البحث الخاص بهذا العنوان القائل: «تم الإعلان عن إفلاس العلم»[2] في المصدر الخاص بهذا الشأن، وانظروا إلى أيّ نتيجة سوف تصلون؟

وفي الحقيقة لو تمّ في البناء والاستمرار والتحوّلات الثقافية أخذ ضرورة تكوين وإشباع جميع الأبعاد النفسية للناس بنظر الاعتبار، لما أدّى تطوّر أيّ واحد من العناصر الثقافية ـ دون أدنى شك ـ إلى ركود أو توقف سائر عناصرها الأخرى. بمعنى أن التجديد الأدبي والفن لم يؤدّيا إلى توقف تطوّر العلم، وإن التوقعات الاعتباطية من التجربة والمشاهدة وكذلك لما أعلن عدم الاهتمام بعنصر الرؤية الكونية للثقافة عن إفلاس العلم.

لقد ذكرنا في مستهلّ هذا البحث أن الثقافة التي أرسى الإسلام دعائمها إنما كانت في إطار تحقيق الغاية من الحياة، حيث عمل الإسلام على تفعيل الأبعاد الجمالية وطلب العلم والمنطق وهدفية الإنسان إلى حدّ كبير، وعمل على تكوين جميع العناصر الثقافية.

إن التجليات الفنية التي تجسّدت في الأندلس وفي الهند وإيران والشام التي يقرّ جميع خبراء الفن بأنها قد بلغت الحدّ الأعلى من الجمال والفن، تشكّل دليلًا واضحًا على إثارة وتحريك البُعد الجمالي في الإسلام.

(169)

ولقد أشار القرآن الكريم في سبعة مواضع إلى وجود البُعد الجمالي المتعلق بالمشيئة الإلهية، كما في قوله تعالى:

ـ  ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ[1].

ـ ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ[2].

ـ ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ[3].

إن المراد من الزينة ـ النظر إلى هذه الآيات والآيات الأخرى التي ورد فيها استعمال كلمة «الزينة» ـ هي الزينة والجمال بمعناه الخاص والعام. فإن الزينة التي ورد استعمالها في الآية الأولى والثانية أعلاه هي الزينة بمعناها الخاص؛ بمعنى الجمال. وفي الآية الثالثة بمعناها العام الشامل لجميع الظواهر البديعة والنافعة.

إن الآيات الكثيرة التي وردت في تشجيع التعقل وشحذ التفكير وفي الحث على الفهم والعلم، من التأثير العميق في روح المسلمين بحيث لم تمض سوى فترة قصيرة جدًا حتى تحوّلت المجتمعات الإسلامية إلى عواصم للعلم والمعرفة. في ظلام العصور الوسطى حيث كانت جميع الشعوب ترزح تحت وطأة الحرمان من العلم والبصيرة، كان قبس العلم مرفوعًا على أيدي المسلمين. وكذلك فإنهم قد رفعوا سائر العناصر الثقافية الأخرى ـ من قبيل: الأخلاق والهدفية ـ إلى أعلى مراتب الازدهار. إن جميع هذه العناصر الثقافية الحيوية، كانت تمضي في هذا الاتجاه على نحو منتظم، حيث كانت تنبثق من جذور أصيلة للحياة الهادفة. وحيثما تمّ تجفيف هذه الجذور في أي نظام ثقافي، فإن كل ظهور وعنصر يتجلى باسم الثقافة سوف يكون مستندًا إلى عامل قهري، وإن كل ما يبديه من طراوة سوف يكون من قبيل تلك الطراوة التي تظهر بفعل رش الماء على باقة من الأزهار المجتثة من جذورها.

(170)

هل يمكن للثقافة الإسلامية أن تنسجم مع الثقافة الغربية؟

إذا كان المراد من الثقافة هي الظواهر التي تجعل الحياة البشرية المعقولة قابلة للفهم، ويكون القبول بها مستوجبًا للانشراح النفسي للأشخاص في الحياة الهادفة، فلا شك في أن هذه الثقافة لن تكون منسجمة مع الثقافة الإسلامية فحسب، بل وإن الثقافة الإسلامية تعمل على تأييدها وتقويتها أيضًا. إن المعيار العام في هذا المورد هو: هل يمكن للقافة الغربية أن تجعل من الإنسان والعالم الهادف محورًا لنشاطها أم لا؟

إن الذي نراه في هذه المرحلة المعاصرة (العقد الأخير من القرن العشرين) في الأقاليم الغربية بمعناها العام، هو أنها تعمل على تعريف الهدف من حياة الناس عبارة عن مذهب المتعة[1] ومذهب المنفعة[2]. وبطبيعة الحال فإن هذا لا يعني أن جميع التاريخ والنشاطات في الغرب قد دار ولا يزال حول هذين المحورين فقط، وذلك لأن إنكار وجود الشخصيات العظيمة في تلك الأصقاع يتنافى مع الحقائق الثابتة، كما أن الإنكار المطلق للنوايا المخلصة والخيّرة في تلك البلدان، يُعدّ ضربًا من إنكار البديهيات. بيد أن الفضاء الثقافي الحاكم والمهيمن حاليًا على تلك البيئة هما المذهبان الآنف ذكرهما؛ (مذهب المتعة، ومذهب المنفعة)، حيث أضيفت إليهما السلطات المتنوّعة أيضًا.

وباختصار فإن مبنى الثقافة الإسلامية يقوم على أساس «الحياة المعقولة»، وهي الحياة التي تُسقى من الجامع المشترك للدين الإلهي الكلي (الملة الإبراهيمية)، وتكون الحقوق والأخلاق الإنسانية العالمية من نتائجها وثمارها. إن كل ثقافة تنسجم مع هذا المبنى والجامع المشترك، سوف يكون بمقدورها قطعًا من خلال التناغم بشكل

(171)

كامل مع الثقافة الإسلامية أن تؤثر بشكل ملحوظ في إحياء المجتمع البشري سواء أكان غربيًا أو شرقيًا، أو كان من الجيل القديم أو من الجيل المعاصر.

من الضروري هنا أن نشير إلى مباني الثقافة الغربية الراهنة، لنرى ما إذا كانت هذه المباني مقبولة في الثقافة الإسلامية أم لا؟

يجب علينا أولًا أن نعلم أن المباني الثقافية للغرب ولا سيّما بالنظر إلى التعاريف الصحيحة التي نراها في الموسوعات والمعاجم اللغوية المعروفة في العالم الغربي، لا تعبّر عن جميع الأفكار والعواطف الموجودة لدى الغربيين، بل إن هذه المباني المذكورة في هذا البحث حقائق موجودة حاليًا في أسس الحياة الثقافية لتلك المجتمعات، أو تمّ فرضها على تلك المجتمعات من قبل المستبدين.

وعلى هذا الأساس لو شوهد أشخاص أو ظواهر في حياتهم، تبطل المباني المذكورة أو تبطل بعضًا منها، فإن هذا لا يتنافى مع هذا المطلب.

بعض المباني الأصلية لثقافة الغرب المعاصرة

1. الحياة الدنيوية، آخر منازل الإنسان

إن هذا المبنى الذي ورد التصريح به في بعض الكتب والمصادر الخاصة بالعالم الغربي، تشمل أكثر الثقافة العملية للبشر في تلك الأصقاع. بل ونرى أحيانًا وللأسف الشديد أنهم يعملون على توظيف سوط العلم الأمضى والأكثر لا إنسانية من سوط التكفير القروسطي من أجل إثباته، ومن الواضح أن ضرر الإظهار العلمي لهذا المفهوم أشد بكثير من ضرر صورة التمظهر شبه العلمي له.

وعلى هذا الأساس فإنه بالنظر إلى شهادة الوجدان والأدلة العقلية الواضحة على أن هذه الحياة الدنيوية لا يمكن أن تكون هي المنزل الأخير للناس، فإن التمسك بالعلم لنفي ذلك، لا يسقط العلم عن الاعتبار فحسب، بل ويحوله بشكل وآخر إلى وسيلة للتخدير أيضًا.

(172)
2. الحرية المطلقة

إن هذه الحرية مضمونة بالنسبة إلى كل فرد، على شرط أن لا تتعارض مع حقوق الآخرين. إن لازم هذا المبنى هو أن حياة الفرد بالنسبة إليه لا تتقيّد بأي قانون، وإنه لو ارتكب أقذر الأعمال الشنيعة فهو حر، ولا يحق لأيّ شخص أن يمنعه أو يردعه عن ارتكاب تلك الأعمال!

لا بأس بأن يقرأ هؤلاء ـ الذين يعتبرون أنفسهم من أنصار مزج الثقافة الغربية بالثقافة الإسلامية ويرون أنفسهم من أصحاب النظر في هذا النوع من المسائل ـ هذه العبارات التي ننقلها عن المدعي العام السابق لديوان الولايات المتحدة الأمريكية روبرت هاوغوت جاكسن، وعندها إذا كانوا من المنظرين في هذا النوع من المسائل عليهم أن يبدو وجهة نظرهم في هذا الشأن. يقول روبرت جاكسن:

«إن الاختلافات الجوهرية من وجهة نظر الشخص الأمريكي هي تلك التي تقوم بين القانون والدين. وفي الغرب نجد حتى تلك البلدان التي لا تؤمن كثيرًا بالفصل بين الدين والسياسة، ترى أن النظام القانوني شأن دنيوي، حيث تلعب مقتضيات الوقت الدور الأكبر فيها ... فقد تمّ التأسيس للمجالس التشريعية من أجل تشريع القوانين، والمجالس التنفيذية والقضائية من أجل تنفيذها، وتعدّ هذه الأمور من المؤسسات الخاصة بهذا العالم حيث ترتبط بمؤسسات الدولة وهي مسؤولة تجاهها، وليست مدينة بشيء إلى الدين والكنيسة. ومن هنا فإن القانون عندنا في الولايات المتحدة الأمريكية لا يعمل على تشريع التكاليف الدينية، بل بعمل بذكاء وحذق على إلغائها. ليس للقانون في الولايات المتحدة الأمريكية سوى الحدّ الأدنى من الارتباط مع تطبيق الوظائف الأخلاقية. وفي الحقيقة فإن الشخص الأمريكي في ذات الوقت الذي يمكن له أن يكون مطيعًا للقانون، يمكن له في

(173)

الوقت نفسه أن يكون من الناحية الأخلاقية من أقذر وأفسد الأشخاص».[1]

هل يمكن للثقافة التي تأخذ مجرّد التعايش الإنساني وحقوق الناس بنظر الاعتبار أن تنسجم مع تلك الثقافة التي تضع جميع أبعادهم في مسار «الحياة المعقولة» تحت ظلّ القوانين والحقوق؟

3 . أصالة القوّة

 على الرغم من أننا لا نرى هذا المصطلح في الآراء العامة لثقافة العالم الغربي، ولا تزال بعض الكتب الأخلاقية والأدبية في تلك الأصقاع تعتبره من الأمور المرفوضة، بيد أن جميع أبعاد الثقافة السياسية والاجتماعية الراهنة في العالم الغربي ـ للأسف الشدید ـ ولا سيّما في الجانب العملي زاخرة بتجليات هذا الأصل المبيد للإنسان. وللأسف الشديد لم يكونوا في الحدّ الأدنى يمتلكون ذلك المقدار من الشفقة على الإنسان بحيث يقولون: «إن التعاون وحبّ أبناء النوع وتحمّل الإرادة المشروعة للآخرين تعدّ بدورها من أشكال السلطة والقوّة أيضًا». وبالنظرة الشاملة إلى هذه المسألة يتضح أن المسار الثقافي الراهن في العالم الغربي لم يقتنع بهذا المفهوم القائل: «إن الموت بالنسبة إلى الشخص الضعيف أمر طبيعي، وإن كل قوي إنما يضعف أولًا ثم يموت»، بل إن الأقوياء يبذلون كل ما بوسعهم من أجل إضعاف وتعجيز الناس في مسار رغباتهم الحيوانية، كي يعملوا على فتح ميدان جولانهم لتتمّ إبادتهم بذلك الأمر الطبيعي الذي يُسمّى بالموت!

4 . أصالة المتعة

 إن الثقافة الراهنة في العالم الغربي تنصح بالحصول على المتعة الأكبر في الحياة، ويتذرّعون بما يدعونه «علمًا» للأسف الشديد، ويقولون: «إذا تمّ كبت الحصول على

(174)

اللذة والمتعة، فإن ذلك سوف يؤدّي إلى ظهور العُقد الروحية وسائر الاختلالات النفسية الأخرى»! في حين أن ذات هؤلاء العاشقين للشهرة يقرّون بأنفسهم أن ترك حبل نشاط الغرائز على غاربه دون قيود أو شروط يؤدّي إلى ركود وتراجع النشاطات الذهنية والعقلية. إن هؤلاء لم يعملوا على عدم توسيع مفهوم المتعة واللذة بحيث يشمل متعة العلم والمعرفة وخدمة أبناء النوع وإقامة العدل والتقوى فحسب[1]، بل وحملوا هذه اللذات المعقولة على التوهم والخيال أيضًا!

5 . أصالة المنفعة

 إن مذهب المنفعة في العالم الغربي ليس خافيًا على أحد بحيث تمسّ الحاجة معه إلى توضيح واستدلال وتوظيف الاحصاءات من أجل إثباته. إن هذا المبنى الثقافي يقول: «إن الإنسان يبحث عن المنفعة، وعلى هذا الأساس لا ينبغي لأي فرد أو جماعة أو مجتمع أن يُشكّل عقبة أمام مصلحتي، وحيثما يمكن تصوّر مصلحتي ومنفعتي، يكون لي الحق التام في استيفائها، حتى وإن أدّى ذلك إلى الإضرار بالآخرين». فهل الأصل كذلك، أم الأصل هو: «لا يحق لأيّ شخص أن يلحق بي الضرر؟».

لا شك في أن الأصل المنطقي والأخلاقي والحقوقي والفلسفي والديني، هو الأصل الثاني. بمعنى أنه ليس من حق أحد أن يلحق بي ضررًا. فهل لو كنت أمتلك القدرة، فسوف يمكن لي بل ويجب علي أن أجعل كل شيء حيثما كان من ممتلكاتي ومختصاتي تحت عنوان المنفعة؟! وهل يمكن لك القول: إن كل شيء حيثما يكون ويحتوي على منفعة بالنسبة لي، فلي الحق القانوني بأن أجعله حقًا خاصًا بي؟ يمكنكم القول بطبيعة الحال: حيثما يلحقني ضرر، فسوف يكون من حقي أن أدفع الضرر عن نفسي.

(175)
6. الطريقة الميكافيلية في الثقافة السياسية

 إن هذه الطريقة تعمل على إسقاط جميع الأصول والقواعد الإنسانية في قبال أهداف الساسة من الذين لا يمتلكون قطعًا المعلومات اللازمة والكافية حول الشؤون والأبعاد والاحتياجات الحقيقية والمجازية للناس، عن الأصالة والاستحكام، بحيث يكون وجودها وعدمها من وجهة نظرهم.

لو ادعى شخص قائلًا: «إن حقيقة الإنسانية والاعتراف بها رسميًا قد خفت بريقها؛ حيث تمّ إقرار السياسة الميكافيلية في إدارة شؤون الناس»، يكون ما ادعاه صحيحًا. وفي هذه الخصوص هناك مسألة يتمّ بيانها ضمن المطلب أدناه.

7 . انتشار البراغماتية دون تفسير صحيح لها

لو تمّ تفسير هذا المنهج والأسلوب على النحو الآتي: «لا ينبغي في معرفة حقائق عالم الوجود ووضعها في مسار العمل، الاستناد إلى مجرّد  المفاهيم التجريدية والمختلقة فقط، ولا يمكن فهمها ولا الدخول في ميدان العمل»، يكون هذا تفسيرًا منطقيًا ومتطابقًا مع الواقع. ولكن الذي يتمّ بيانه في الأعم الأغلب للأسف الشديد، هو أن ملاك صحّة وبطلان القضايا هو العمل الخارجي العيني فقط؛ في حين كان لا بد من القبول بالنشاطات الذهنية والنفسية والروحية ـ التي هي من الحاجات الإنسانية الضرورية ـ بوصفها من الأمور العملية قطعًا، من قبيل: الأمل، والنوايا الخيّرة، وفهم الجمال المحسوس والمعقول، والعدالة والاستقامة الروحية، والشعور بالتكليف ما فوق النفعي، والوصول إلى الهدف الأعلى من الحياة، وما إلى ذلك من الأمور الدالة على العظمة الروحية للإنسان، وتعدّ جزءًا من الأهداف والغايات الكبرى للأديان والحكمة والأخلاق الإنسانية السامية.

إن الثقافة التي تعمل على تعريف العمل العيني بوصفه ملاكًا للحقيقة، إنما تغفل عن أكثر عناصر التكامل الأساسية، وهو العنصر المتمثّل بالنموّ والسعادة الروحية الإنسانية.

(176)
8. تحديد وتقييد المعارف العلمية

إن تقييد العلم بمجرّد ما يتم التوصّل إليه من طريق الحواس الظاهرية والمختبرات التي هي من صنع العقول والأيدي البشرية! وبالتالي فإنه نتيجة لهذه المحدودية والتقييد، قد تمّ حذف أهم عامل في بناء إنسانية الإنسان ـ ونعني به الدين والأخلاق والحكمة والعرفان وسائر الحقائق الأصيلة وذهن ونفس وروح الإنسان ـ من حقل العلم، وتبعًا لذلك «تمّ الإعلان عن إفلاس العلم»[1]، وتعرّض بقاء الناس في القرن الحادي والعشرين للخطر[2].

9. بيان المسائل المنفصلة بوصفها فلسفة ورؤية كونية

ليس هناك من يستطيع الشك في هذه الحقيقة وهي أن العالم الغربي منذ فترة طويلة نسبيًا وإلى الآن لم يستطع تقديم مدرسة فلسفية ورؤية كونية منتظمة إلى الأفكار البشرية، بل وإنه يحجم حتى عن بيان عدد من المطالب العميقة والزاخرة بالمعاني وإن على نحو متفرّق؛ في حين أن الإنسان من دون الإدراك والفهم الكلي والعام لأصول التواصل والارتباط الأربعة، وهي: (ارتباط الإنسان بنفسه، وارتباطه بالله، وارتباطه بعالم الوجود، وارتباطه بأبناء جلدته)، لن يمتلك القدرة على التفسير والبيان الاختياري للحياة.

10. الفنون المنحطة

إنه لممّا يدعو إلى العجب والحيرة أن يقترن ذكر كلمة «الفن» بكلمة «المنحط» التي تعني الأمر الذي يؤدّي إلى تدمير الأخلاقيات الإنسانية السماوية والنزول بها

(177)

نحو الحضيض، ومع ذلك يرد التعبير بـ «الفنون المنحطّة»! في حين أن الانحطاط الذي يعني نقيض الأخلاق، لا يمكن أن يجتمع مع الفن؛ لأن كلمة الفن تحمل مفهومًا كماليًا.

إن ما يتمّ الحديث عنه في الغرب حاليًا حول مفهوم الفن ـ إن كان يمكن له أن يكون من مصاديق الفن بطبيعة الحال ـ إنما هو الذي يستوجب مجرّد إثارة الإعجاب لدى المخاطبين والمستمعين فقط. بمعنى أنه كلما كانت مشاهدة الناظرين إلى عمل فني ما، تثير المزيد من إعجابهم وانبهارهم، كان ذلك الفن مطلوبًا ومرغوبًا بشكل أكبر! في حين يمكن عرض أيّ نوع من أنواع الظواهر المنحطة والمدمّرة للأصول على الناس بأروع الأشكال دون تفسير ذلك لهم، ويؤدّي ذلك إلى إعجاب وانبهار أفراد المجتمع اللاواعي واللامدرك بما يثير حيرتهم. ولكن ما هي الحقائق التي تقوم هذه الفنون الظاهرية بتقديمها وعرضها في مسار الحياة البشرية الهادفة؟ ومن هم الأشخاص الذين يتمّ بناء شخصياتهم بهذا النوع من الفنون؟ لم تتمكن هذه الفنون الظاهرية ولا الذين يقدّمون تلك الفنون من تقديم إجابات عن هذه الأسئلة.

وبشكل عام، فإن الانحطاط الثقافي وتوظيف عنصر الثقافة في مسار اللذات الحيوانية والنفعية والسلطوية، سوف يكون لوحده عنصرًا في تدمير الثقافات؛ إذ من الواضح بداهة أن الانحطاط ووقوع الثقافة في مسار الانفلات الحيواني، لن يبقي للشخصية الإنسانية من هوية، فضلًا عن أن تكون لها ثقافة أصلًا.

السبب الرئيس لانحطاط حضارة وثقافة الغرب (الفساد الأخلاقي)

سوف نذكر في هذا البحث بعض الكلمات عن روبرت ج. رينجر، حيث يمثل كتابه دقًا لناقوس الخطر في تعبيره عن صرخات إنسانية الإنسان في المجتمعات الغربية الغارقة في مستنقع الحياة الصناعية والانغماس في غفلة اللذات المحدودة والسطحية الخادعة، حول سقوط وانهيار الحضارة والثقافات الإنسانية الأصيلة:

(178)

«ما هي الأسباب التي أدّت إلى هذا الحجم من تغيير ظروف الحياة في العالم الغربي؟ ولماذا فقدنا جميع تلك الصفات والخصائص المحمودة؟

يبدو لي أنه يجب العثور على جواب هذه الأسئلة قبل كل شيء في الشرائط الحاذقة لـ «رعاية أصول الإلجاء التدريجي»، إن رعاية أصول الإلجاء التدريجي ـ في الحقيقة والواقع ـ عبارة عن فن مؤثر، ولا سيّما حيث يكون الإنسان راسفًا بأغلال التبعيات. ويجدر بنا التدقيق في هذا المطلب قليلًا: لقد أثبتت التجارب أن الإنسان لا يستجيب للمتغيّرات الفجائية سريعًا، بل يتخذ موقفًا دفاعيًا في مواجهة هذه المتغيرات ويقاومها بشدّة. ومن ناحية أخرى أثبتت التجارب أيضًا أن ذات هذا الإنسان لا يستطيع الصمود أما المتغيّرات التدريجية، ولم تخفَ هذه الحقيقة عن أعين أعداء الحريات الفردية. فقد أدركوا جيدًا أن عليهم التريّث والتأني والعمل بصبر وهدوء. وقد استلهموا العبَر من الأحداث التاريخية في العلم بشكل جيّد، وأدركوا أنهم لا يستطيعون تغيير العالم خلال بضعة أيام رأسًا على عقب، ولكنهم إن واصلوا التقدّم بهدوء ومثابرة نحو أهدافهم، بحيث لا يتمكن الناس الذين يعيشون على وجه الأرض من الانتباه إلى زحفهم البطيء دون عناء، عندها سوف يكون بمقدورهم دسّ جميع أفكارهم السامّة والهدّامة كما يحلو لهم. ونتيجة لذلك سوف يخضع الناس شيئًا فشيئًا لأصل «المتغيّرات التدريجية»، ويعتبرون ذلك قدَرًا مكتوبًا عليهم.

من الناحية المعنوية هناك جيل يعتبر نوعًا من الحياة عبودية، وهناك جيل آخر يرزح تحت وطأة تأثير أسلوب «الإلجاء التدريجي»، فيعتبر ذات تلك الحياة بوصفها تحررًا وانعتاقًا، لأنه لا يعرف حياة أخرى غيرها. وعلى هذا الأساس يجب علينا الإذعان بأن انحطاط الحضارة الغربية في حدّ ذاته خير دليل على تأثير سياسة الإلجاء التدريجي.

(179)

لقد اعتاد الناس على عالمهم المأزوم، وقبلوا بذلك الانهيار والهرج والمرج الاقتصادي الذي أحاط بهم، وهذا دليل واضح وبارز على الانحطاط. [إنهم] لا ينظرون ولا يشعرون، وبالتالي تبقى أعينهم شابحة نحو المستقبل؛ بمعنى أنهم يعيشون على الأماني، ويقولون في أنفسهم: متى سوف يحدث هذا الانحطاط! وإن كان قلّ ما يوجد هناك من يعتقد بإمكان حدوث هذا الانحطاط؛ وذلك لأن أنواع الانحطاط تستمدّ قوّتها بشكل طبيعي من اللحظات والحركات الآنية، وتواصل تقدّمها.

يمكن بيان أفول وزوال الغرب من خلال مؤشر شديد التأرجح والتقلّب. إن آثار الانحطاط في الولايات المتحدة الأمريكية في العقود الخمسة الأخيرة (ما بين عام 1913 م وعام 1963 م)، تبدو للعيان بشكل أكبر مما كان يبدو قبل مئة وسبعة وثلاثين سنة، وكذلك فإن هذه الآثار في العقدين الأخيرين كانت أكثر منها وضوحًا بالقياس إلى العقود الخمسة الماضية. ومع ذلك لا يوجد هناك مستمسك يمكن القول على أساسه: إن سرعة مسار الانحطاط قد تصاعدت في كل عام، أو أن احتمال سقوط هذه الحضارة قد تضاعف. بيد أن الثابت والأكيد هو أن الواقع الراهن لم يعد قادرًا على المضيّ قدمًا مثل النعامة. كان الإنسان يواجه الصعوبات طوال التاريخ بشكل متواصل، بيد أن المشاكل والصعوبات التي نعاني منها حاليًا قد أضحت أكثر بكثير من الصعوبات التي كان يعاني منها أسلافنا في العصور الماضية. يمكن لكل شخص أمضى في الحدّ الأدنى ثلاثين سنة أن يدرك هذه الحقيقة بوضوح، شريطة أن يكون خلال هذه المدّة قد نظر إلى الأوضاع والأحوال الراهنة بدقة وبصيرة كاملة. ومع ذلك كله يجب القول على سبيل الكناية: إن أغلب الناس لا يريدون حتى التفكير بالخطر الذي هم مقبلون عليه. وإن منطقهم مثير للعجب تمامًا. فهم يعتقدون بأن الشخص إذا لم يفكر بهذه الأخطار والأزمات المحيطة به، ويرفع شعار: (أيًّا ما سيحدث، فليحدث)، فسوف يكون كل شيء بالنسبة إليه

(180)

طبيعيًا وعاديًا، ولن يُداهمه أيّ قلق على الإطلاق»[1].

وقد بيّن رينجز ظهور الحقوق العالمية للإنسان أثناء السقوط الأخلاقي لحضارة الغرب، على النحو الآتي:

«عند السقوط الأخلاقي لحضارة الغرب بالتحديد، ظهرت الدعوة إلى «حقوق الإنسان» بوصفها قدس الأقداس، أو لنقل بعبارة أفضل: «قانون الأغلبية». وبعبارة أخرى: «الحق»، وأدّى ذلك بالتدريج إلى ظهور تلاحم جماهيري قويّ جدًا. أيًّا كانت تسمية هذا التلاحم ـ سواء أكان اسمه الجمهورية أو الجماهير الشعبية، أو المجتمع ـ فهو منفصل عن الواقع! ففي الحكومة الديمقراطية، يعمل مفهوم حقوق الإنسان على ضمان توفير الحماية للحدود والمياه والأرض، وهذا الأمر يُعدّ خير ذريعة لاستقطاب الناس. بيد أن النقطة الأساسية الموجودة هنا هي أن الكثير من الناس يأخذون أكثر مفهوم سلبي في هذه «الحقوق» بنظر الاعتبار، وهو الاعتداء والتجاوز الذي تقوم به مجموعة من الناس في حق مجموعة أخرى، تحت مسمّى «حق الأكثرية». بمعنى أن «الحق مع القوّة». ومن الواضح أن هذا المفهوم لا ينسجم مع العدل والأخلاق»[2].

وقال روبرت رينجر تحت عنوان «هل فات الأوان جدًّا؟»: «كثيرًا ما يتم طرح هذا السؤال علي: هل بقي هناك متسع من الوقت لإنقاذ الحضارة الغربية؟ أم لم يعد هناك وقت لذلك؟ .. أرى أن هذا السؤال ليس كاملًا. لا بدّ من الالتفات إلى أن الانقلاب الأخلاقي قد بلغ خط النهاية؛ وذلك لأن هذا الجانب من القرارات الاجتماعية التي تقدّس قوّة الفرد والاستبداد الفردي في المجتمع المعتقد بالرأي القائل: «إن أهواء ورغبات الإنسان حق ثابت له»! والمجتمع «على هواه»، قد بلغ

(181)

أقصى درجات تكامله. وعليه فإن السؤال الكامل والصحيح، هو: هل يمكن لنا استعادة القيَم الأخلاقية لحضارتنا ثانية، ونعود مرّة أخرى إلى النقطة التي شكّلت في يوم ما حجر الزاوية لحضارة الغرب؟

إذا كان بمقدورنا ذلك، إذن لن يكون هناك ما يدعو إلى القلق والاعتقاد بأن الوقت قد فات، وليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأننا لن نستطيع إعادة تجربة الحياة السليمة بالنسبة إلى الشعوب الغربية ثانية. أرى أن الطريق الوحيد الذي يمكن لنا عقد الآمال عليه، هو أن نعمل ـ من خلال التمسّك به ـ على اكشاف النقاط الصحيحة والأخلاقية في حضارة الغرب ثانية. ومن هنا علينا أن نمتلك الشجاعة وأن نتحلى بالعقل، وأن نتعرّف برؤية صحيحة وكاملة على أسباب انهيارها، ثم نقوم بعد ذلك بوضع الحلول والعلاجات»[1].

إن النقطة الوحيدة التي يتعيّن على رينجر مراعاتها، هي: في العبارات أعلاه لو عمد رينجر إلى استبدال مصطلح «إصلاح الحضارة الغربية» بـ «إصلاح الحضارة الإنسانية»، وقام بالبحث عن سبيل لإنقاذ حضارة الإنسان، فسوف يكون قد عمل على إنقاذ الغرب والشرق معًا من السقوط الأخلاقي؛ وذلك لأن إلغاء الإنسان والتركيز على الغرب، لا يمكنه تحقيق شيء بعد كل هذه العوامل التي تربط بين هذين القطبين الكبيرين في العالم. ألا يعدّ التركيز على حالة الحضارة الغربية ناشئًا من نوع من التوجهات العنصرية؟

إن هذه هي الظاهرة المدمّرة للنفوس الإنسانية، والتي تصل في التحليل إلى الأنانية الحاطمة، والتي تمثل جذرًا لجميع أنواع المآسي في عصرنا، ولا سيما في العالم الغربي. لنرى الآن كيف يعمل المنظر والمفكر المعروف إريك فروم على بيان نتيجة السقوط الثقافي ولا سيّما في العلوم الإنسانية:

(182)

ـ إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يقتل أبناء جلدته بايولوجيًا ومن دون سبب.

ـ إن علم النفس الحديث ميّت الروح إلى حدّ كبير، إذ لا ينظر إلى الإنسان الحيّ بشكل كامل، ويعمل على تقطيعه بسهولة. ويتمّ النظر هنا إلى الإنسان على شكل مجموعة تشتمل على صفات متعيّنة بواسطة الآلة. في هذه الرؤية يكون الإنسان الحي قد زال بالكامل.

ـ يمكن تعريف الإنسان في المجتمع الراهن على النحو الآتي: إنه عبارة عن أداة لا توجد لها ماكنة حتى الآن. بيد أن الإنسان الكامل هنا يتمّ عزله جانبًا، ولا ينظر الإنسان إلى نفسه بوصفه إنسانًا كاملًا، بل يرى نفسه بوصفه سلعة  فعالة (بضاعة مستقلة) من دون سبب، إنه وحيد وبائس، ولذلك فإنه يسعى من أجل الخروج من هذا البؤس. إنه يبحث عن السرور في الفوضى.

ـ إن الإنسان في المجتمع الراهن قد تحوّل إلى صفر أو قطعة من ماكنة، ولا يمكن له أن يكون شيئًا آخر غير هذا. ما دام المجتمع الحالي ينظر إلى الربح والإنتاج ـ وليس الإنسان ـ بوصفهما هدفًا عاليًا ونتيجة لجميع جهوده، فإني أرى أن المنظومة الاجتماعية القائمة تحمل في صلبها بذرة التلاشي؛ وذلك لأنها تعمل على إنتاج الرغبة نحو التلاشي، وكلما كانت الرغبة نحو التلاشي أكبر، قلّما يحصل الإنسان على السعادة، وكلما كان الناس أكثر كسلًا، فإنهم بذات النسبة قلّما يتعاملون مع الحياة بإيجابية.

عوامل استقرار وبقاء الثقافات طوال التاريخ

لا شك في أن بعض الثقافات أو العناصر الثقافية أكثر ثباتًا واستمرارًا من بعضها الآخر. هناك الكثير من النظريات التي تمّ بيانها في إطار البحث عن جذور وتفسير السرّ في هذا الثبات والاستمرار، وإن التحقيق بشأنها مفيد للغاية في حل

(183)

هذه المسألة. فأولًا علينا أن نعلم أنه لمن الخطأ الفاحش أن نظن أن هناك ثقافات أطول عمرًا وأكثر ثباتًا، وأن السبب في ذلك يعود إلى أن عناصر تلك الثقافة عبارة عن الحقائق الذاتية للناس بشكل عام، في حين يجب اعتبارها بوصفها من العناصر الذاتية للإنسان «كما هو».

إن الذي تستوجبه الأصول والقواعد في تحقيق هذه المسألة، هي أن المفكرين وأنصار تلك الثقافات قد قاموا بأمور جادّة من أجل العثور على الأسباب الطبيعية الناشئة عن البيئة الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتاريخية لتلك الثقافات، وأن تعمل بهذه الطريقة ومن خلال التقييم الواقعي لتلك الثقافات على اتخاذ خطوات مؤثرة في تصفية وتقدّم الأهداف الإنسانية من أجل العثور على الثقافات الحيوية والهادفة.

من ذلك ـ على سبيل المثال ـ ثقافة الاسترقاق التي كانت شائعة في العصور القديمة، وحظيت بتأييد حتى بعض الفلاسفة الكبار من أمثال أرسطو للأسف الشديد، على الرغم من أنها قد أحاطت بجميع الشؤون البشرية بخصائص نظام العبودية، إلا أنه كان يتمّ تبرير تعميم هذه الظاهرة بوصفها ثقافة خاطئة تمامًا في الكثير من الأمم والشعوب القديمة، في حين أن هذه الثقافة كانت تقضي على أحد أهم العناصر الذاتية للناس والتي هي الحرية المعقولة (الحرية المسؤولة) من خلال عنصرية مقيتة، وكانت تعمل على تشويش الأفكار التكاملية للبشر في تناقض صريح وغير قابل للحل. وأما الإسلام فقد عمل على تعريف ظاهرة الرق بوصفها مفهومًا عارضًا ليس له أيّ صلة بذات الإنسان «كما هو»، وعمل على إزالة وإلغاء تلك الثقافة التي تمّ تقديمها إلى البشرية.

وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار مجرّد الاستمرار والنفوذ العميق لظاهرة ما في الحياة الفردية والاجتماعية للناس بوصفه دليلًا على واقعية تلك الظاهرة في

(184)

الذات الإنسانية. وعلى هذا الأساس يجب لفهم حقيقة الثقافة وفائدتها وثباتها غض الطرف عن مجرد طول الفترات الزمنية التي استغرقتها تلك الثقافة، والحصول على العامل أو العوامل الأصلية لتلك الثقافة. إن بعض عوامل وأسباب ثبات واستمرار بعض الثقافات على النحو الآتي:

السبب الأول: العلاقة الإيجابية لتلك الثقافة أو بعض أجزائها مع الضرورات أو الكماليات المستمرّة لحياة الناس في المجتمع. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ الثقافة الخاصّة بشأن الكائنات الحية التي نراها في أصقاع شبه القارّة الهندية، حيث تستند إلى الضرورات البيئية أو إلى جملة من الأصول الاعتقادية حول الكائنات الحية التي لا تحظى بالأهمية بالنسبة إلى الأمم والشعوب الأخرى. وكذلك  من قبيل الآداب والتقاليد الخاصة بمناسبة النوروز بالنسبة إلى الشعوب الإيرانية المستندة إلى الوضع الإقليمي لإيران وتمّ اتباعها طوال القرون والعصور.

السبب الثاني: هو الزمان؛ بمعنى أن عناصر ثقافة شعب ما قد عملت على تثبيت تلك العناصر بناء على تعاقب الزمن الطويل، وكلما مضى على تلك العناصر فترة أطول شكل ذلك إضافة إلى مرغوبيتها. ولا يمكن تفسير هذا السبب إلا من جهة أن تعاقب الفترات الزمنية الطويلة على عدد من العناصر الثقافية وغير المتزلزلة لها من حيث الهوية والقيَم في قبال التحوّلات يعتبر دليلًا على استحكامها وقابليتها للثبات؛ ولكننا نعلم أن هذا الموضوع لا يمكن أن يثبت صحة واستحكام الأمور الثقافية.

يمكن لكم مشاهدة ظاهرة الأنا وحبّ الذات طوال التاريخ البشري بأجمعه، بحيث لو أردنا إثبات الموارد المخالفة لهذه الظاهرة، فإننا لن نجد غير الموارد القليلة جدًا من الموارد التي تمكن فيها الناس من صيانة أنفسهم وذواتهم والعمل على تنظيمها بالمنطق الواقعي وتوظيفها في المسار الصحيح؛ إذ كما سبق أن أشرنا فإن الأكثرية الساحقة من الناس تخطئ في تقييم «النفس» و«معرفة الذات»، وبدلًا

(185)

من امتلاك «الذات» بشكل قانوني (صيانة الذات الطبيعية أو التكاملية)، يصابون بأنانيات وبائية ومرَضية. نتوصّل من أمثال هذه الموارد إلى نتيجة مفادها أن ثبات واستمرار ظاهرة ما في الشؤون الحياتية للإنسان لا يمكن أن تشكّل دليلًا على كونها حقيقة، على الرغم من أن كل شيء يكون أكثر نفعًا للناس، يكون ذلك دليلًا على أصالته، ويكون أكثر ثباتًا من حيث تعاقب الزمن.

السبب الثالث: لقد اكتسب تبلور الثقافة والآداب والتقاليد والعقائد والسنن دورًا أساسيًا في إيجاد نوع من الهوية الخاصة للناس في المجتمع، وأدّى ذلك إلى تكوّن وتمركز الأفراد والفئات في ذلك المجتمع. وفي هذه الحالة يعمل المجتمع المذكور من خلال تلك العناصر الثقافية على إيجاد هوية لنفسها، وتدافع عن تلك الهوية كما لو أنها تدافع عن وجودها وكينونتها؛ وبطبيعة الحال من حيث تصرّم القرون والعصور، تزداد العلاقات بين المجتمعات والثقافات، وإن هذه العلاقات تستوجب شيوع الدراسات والتحقيقات حول ذات تلك الثقافات وأسبابها، ومن هذا الطريق تعمل فيها أنواع الإلغاء والاختيارات والتعديلات المفيدة والضرورية أيضًا.

السبب الرابع: إن تطابق الثقافات مع الحقائق والواقعيات قابل للإثبات. وإن هذا التطابق كلما كان أكبر وأوسع، سوف يساعد على ثبات واستمرار عناصر ثقافة ما بشكل أكبر.

إن هذه الأسباب ـ إذا ما استثنينا السبب الثاني ـ لم تسند دوام واستمرار الثقافات إلى تصرّم الزمن، وإنما السبب الثاني وحده هو الذي عرّف بتعاقب الزمان بوصفه دليلًا على أصالة وثبات عناصر ثقافة ما. لو كان بقاء العناصر الثقافية مستندًا للعامل والسبب الأول، يجب التدقيق في أسباب وكيفية الضرورة التي جعلت تلك الأمور موردًا للاعتقاد بالنسبة إلى قوم. إذا كانت أسباب وكيفية ضرورة تلك الأمور مستندة إلى الأصول والقوانين النفسية لذلك الشعب، فمن الثابت أن تصرّم الزمن

(186)

لا يمكن له أن يبليها ويستهلكها، وإن كانت مستندة إلى الآراء والعقائد الشخصية للشخصيات الكبيرة والمؤثرة بين الشعب، فإن بقاءها أو زوالها سوف يكون تابعًا لأمرين، وهما:

أ. كمية وكيفية نفوذ وتأثير تلك الشخصيات في نفوس أفراد ذلك الشعب.

ب . كمية وكيفية الدعامة المنطقية التي أدّت إلى دوام واستمرار تلك الثقافة.

لو كان سبب تداوم وثبات تلك الأمور هو تبلورها الثقافي، إلى الحدّ الذي تصبح معه منظومة أصيلة وتكتسب عنوان المدبّر الأصيل لقومية ووطنية هؤلاء الناس، ففي هذه الحالة سوف تمدّ الثقافة المذكورة جذورها في الأعماق النفسية للناس، ويمكن لها أن تكون عاملًا قويًا جدًا لإيجاد الوحدة بين الناس. ولهذا السبب مهما كان تصرّم الزمن طويلًا، قلما يكون له تأثير في زوال وفناء هذه الثقافة، إذ أنها كما تقدم تحظى بدعامة منطقية.

ورد في الحقوق القديمة في مصر ـ والتي تمّ تدوينها قبل ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة ـ أن المتهم يجب سؤاله في مستهل المحاكمة: هل سيكون وجدانه راضيًا عن الإجابات التي يقدمها على أسئلة القاضي أم لا؟ نلاحظ أن هذا السؤال عن التوافق والتطابق بين وجدان المتهم ولسانه الذي كان شائعًا في ثقافة المحاكمات في مصر آنذاك، حيث يستند إلى حقائق المحاكمات، يمكن له حتى اليوم أن يُعتبر بوصفه حقيقة جدية.

انتقال أنواع الثقافات والتأثر الثقافي وأسبابه

لقد شاع اليوم مصطلح «التأثر الثقافي» على الألسنة وفي الكتابات كثيرًا، وحيث أن الظواهر والنشاطات المخالفة للدين والأخلاق الإنسانية العالية تسري في هذا العصر تحت عنوان «الثقافة» وتنتقل إلى المجتمعات الدينية والأخلاقية[1]،

(187)

نجد هناك نوعًا من الخوف والفزع قد داهم نفوس الشرفاء وأصحاب المناقب.

سوف نبحث فيما يلي بعض المطالب حول «التأثر بالثقافة وأسباب هذا التأثر»:

المطلب الأول: هل التأثر الثقافي أمر خاطئ بشكل مطلق، أو هو صحيح بشكل مطلق؟ ما هو المراد من المفهوم والعناصر الثقافية التي يتمّ التأثر بها واكتسابها.

من الواضح بداهة أن الصورة الأولى من هذه المسألة هي الصحيحة، وأما الصورة الأولى والثانية فهما خاطئتان. بمعنى أنه يجب قبل كل شيء بيان ما هو المراد من الثقافة التي يتمّ التأثر بها وقبولها؟ إذا كان مرادنا منها هو «الكيفية أو الأسلوب الضروري أو المناسب لتلك الطائفة من الناشاطات في الحياة المادية والمعنوية للأفراد والتي تستند إلى طريقة التعقل السليم والمشاعر العليا والسامية لها في الحياة المعقولة». لا شك في أن هذا النوع من الثقافة في ضوء الاستعداد البشري إلى الكمال مطلوب للمجتمعات قاطبة في جميع العصور والأمصار، بل نشاهد ترحيبًا واسعًا من قبل الناس بهذه الثقافة طوال التاريخ بوضوح.

إن المصداق الأبرز لهذه القاعدة عبارة عن النهضة العظمى والمذهلة التي قادها المسلمون في القرن الثالث والرابع والخامس للهجرة؛ حيث قاموا باتخاذ خطوات جبارة في إطار مَوران ذاتي من أجل بناء الحضارة والثقافة، وتقبّل جزء من ضرورات وحسنات الحضارات والثقافات الأخرى لسائر الأمم والشعوب. وقاموا من خلال جهودهم المضنية والكبيرة باجتياز سواحل بحر الخزر وصولًا إلى شواطئ البحر الأطلنطي، وأنقذوا الثقافة التكاملية الأصيلة والعلوم في مجتمعهم من خطر الركود والسقوط. ومن المسلّم به أن هؤلاء الفرسان في ميدان الثقافة والحضارة قد عمدوا في هذا المسار الذي سلكوه إلى نبذ كل ظاهرة مرذولة ومنافية لأصول الأخلاق

(188)

الإنسانية ومناهضة للدين الإلهي باسم الثقافة، ولم يأخذوا من تلك الحضارات والثقافات سوى الحقائق العلمية والثقافية النافعة لصالح الأمور المادية والمعنوية في «الحياة المعقولة» للإنسان.

المطلب الثاني: إن المراد من التأثر بالثقافة الحيوية والهادفة (التكاملية)، مما يُعدّ ضروريًا ولازمًا، ليس هو القبول بالثقافة المستوردة من الشعوب والأمم الأخرى من دون تحقيق وتمحيص، وإنما استندوا في ذلك إلى مجرّد المحاكاة والتقليد البحت فقط.

لا يختلف الأمر في قبح التقليد مع إمكان التحقيق، بين حُسن مورد التقليد وقبحه، وذلك لأن المقلد يكون غريبًا عن مورد التقليد في كلتا الحالتين. غاية ما هنالك أن مورد التقليد إذا كان حقيقة صالحة، فإن هذا التقليد سيترك أثره الطبيعي حتى وإن لم يكن المقلد عالمًا به.

لو تمّ في مجتمعاتنا رعاية أصل عدم جواز التقليد في الموضوعات والمسائل التي يمكن التحقيق فيها على نحو جاد، لما شهدنا كل هذه الاضطراب والتغيير في النظريات والآراء العلمية في العلوم الإنسانية وفي المعارف الفلسفية وسائر العناصر الثقافية بالنسبة إلى عموم الناس.

بيان: في المراحل الأخيرة بدأت بعض الفرضيات والنظريات التي تلبس رداءً علميًا في مسائل العلوم الإنسانية تتسلل من المجتمعات الغربية وتدخل إلى المجتمعات الإسلامية؛ حيث يتلقف الناس تلك النظريات في هذه المجتمعات بوصفها مسائل  علمية تكشف النقاب عن الحقائق تقليدًا أعمى ومن دون تحقيق! والحال، لو قال لهم شخص: إن هذه المسائل تفتقر إلى العمق العلمي، وما هي إلا فرضيات وحدسيات تقوم على أساس الذوقيات والأمزجة أو الأسباب الأخرى وقد تمّ اعتبارها من المسائل العلمية دون تمحيص، فإنهم سوف يسفّهون كلامه،

(189)

ويقولون له: «أنت شخص رجعي تنصب العداء للعلم، وقد مضى ذاك الزمن الذي كان فيه أمثالك يخدّرون الناس بالأوهام والتعميمات الذهنية، وأما اليوم فإننا نتعامل مع العلم، وإن العلم هو الذي سيضمن لنا التقدّم والتطوّر!». إن هؤلاء الساذجين بل والمغرضين أحيانًا، يعملون من دون تحقيق ودراسة عميقة، ومن خلال استغلالهم للأصول العامة التي لا يمكن لأيّ إنسان أن ينكرها، من قبيل قولهم: إن هذه المسائل علمية، ولا يجوز الاعتراض على المسائل العلمية، يُكرهون الناس والمجتمع على القول بتلك المسائل عن تقليد أعمى، وحيث يكون تقليدهم لتلك المسائل على نحو عشوائي واعتباطي، فإنهم يبقون على تمسكهم بها حتى بعد إثبات بطلانها في البلدان الغربية نفسها وإقرار العلماء الغربيين بأنها كانت أخطاء فاحشة، وبذلك يكون شأن هؤلاء المقلدين المنبهرين بالغرب ـ بل والمغرضين منهم أحيانًا ـ كالذي يرفع المظلة إذا أمطرت في الغرب، ويظل متمسكًا برفع مظلته فوق رأسه حتى بعد انقشاع الغيوم وانقطاع المطر في الغرب.

من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه في الماضي القريب:

1. عندما شاعت نظرية أصالة الغريزة الجنسية وعلوّها على جميع الغرائز في الغرب، بدأت طائفة من مشرق الأرض تقلّد الغرب في تبني هذه النظرية، وأخذوا يعملون على نشرها والترويج لها بوصفها مسألة علمية. ولم تمض فترة طويلة حتى قام بعض العلماء والمنظرين في علم النفس ـ من أمثال إدلر ويونغ ـ بإسقاط هذه النظرية عن عرش الاعتبار العلمي. بل حتى أن المحقق والعالم المحترم فضيلة الدكتور ميرسباسي ـ وهو من العلماء القريبين من سيغموند فرويد ـ قد أخبرني أنهم كانوا يقولون: «إن نظرية سيغموند فرويد أقرب إلى السردية المشهدية منها إلى النظرية العلمية». وبعد ذلك قام بعض المنظرين في العلوم النفسية إلى بيان نظرية «أصالة صيانة الذات» و«دفع النقص والضعف

(190)

إن أحدث الاكتشافات في علم الآثار البشريه، بدلًا من أن تعمل على إيضاح تاريخ هذا الموضوع، تؤكد لنا أن مبادئ الإنسان شديدة التعقيد والغموض، ولا يزال هذا الغموض يزداد تعقيدًا مع تقدّم الزمن. إن الاكتشافات الجديدة بدلًا من العمل على تصوير تقدّم بسيط وفي جهة سابقة، تعمل على توضيح فروع متعددة ومتباعدة ظهرت إلى الوجود قبل مدة قريبة أو بعيدة وواصلت حياتها ثم بادت، وتبقى منها سلالة واحدة أدت في بداية الأمر إلى ظهور الهومو سابنز[1] أو «الإنسان العاقل»، ثم تطور ليصبح ما عليه الإنسان المعاصر.

لقد سبق لعلماء الآثار والأنثروبولوجيون أن قالوا بأن الإنسان المعاصر ينحدر من شجرة الإنسان القرد أو «إنسان جاوة»[2] حيث تكامل تدريجيًا ليتحوّل في بداية الأمر إلى إنسان «النياندرثال»[3]، ثم تحوّل بعد ذلك إلى «الإنسان الكرومانيوني»[4]. والآن بعد كل هذه الاكتشافات الواسعة والكثيرة في أوروبا وآسيا وأفريقيا، قد اتضح أن هذه الآثار والمتحجّرات لا تنتمي إلى سلالة واحدة ومحددة، بل هي تنتمي في الحدّ الأدنى إلى أربع سلالات مختلفات، وإن أسلافنا ـ أو أسلاف «الإنسان العاقل» الكروماني في الحقيقة والواقع ـ ليس هو إنسان «النياندرثال» ولا «إنسان هايدلبيرغ»[5]، ولا نحن من أعقاب «إنسان جاوة»، ولا نحن من أعقاب ذلك «الإنسان الصيني» أو «إنسان بكين»[6]. وعليه فإن أجدادنا الحقيقيين إنما هم من سلالة ما قبل «الإنسان العاقل»، حيث لم يتم اكتشاف بقاياه إلى الآن[7].

(192)

المطلب الثالث: إن لانتقال الثقافات من مجتمعات إلى مجتمعات أخرى أنواعًا كثيرة ومتنوّعة، ومن بينها:

انتقال الثقافات

1. إن انتقال الثقافة المفيدة والبناء، عبارة عن: الحقائق المرتبطة بالضرورات والقيَم والجماليات وسائر الأساليب المناسبة في «الحياة المعقولة» للناس. إن هذا النوع من العناصر الثقافية، من قبيل: العلوم والصناعات والفنون القيَميّة الطليعية في مسار «الحياة المعقولة»، والأخلاقيات الإنسانية السامية، وعناصر وخصائص الدين الإلهي في ضوء الفطرة الطاهرة وغير ذلك، ليست مناسبة فحسب، حيث يتعيّن على الجميع أن يبذلوا كل ما بوسعهم من أجل نقلها وتصديرها إلى الشعوب والأمم الأخرى، بل إن ذلك يُعدّ من وجهة نظر الإسلام تكليفًا دينيًا على كل فرد وجماعة تستطيع القيام بذلك.

إن النصوص الواردة في المصادر الإسلامية بشأن ضرورة هذا التعاون والتكافل كثيرة، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ[1].

ليس هناك عمل من أعمال الصلاح والتقوى في هذه الدنيا ما هو أفضل من أن يقوم الإنسان بإشاعة وتعميم ثقافة الحياة المعقولة، وبذلك يتمّ العمل على إنقاذ الناس من السقوط في مستنقع الجهل والاضطراب والفقر وأنواع الاحتياجات الأخرى.

ومن بين الروايات الكثيرة جدًا، الحديث المعروف عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، حيث قال في هذا الشأن: «الخلق كلهم عيال الله وأحبّهم إليه أنفعهم لهم»[2].... ولا يخفى أنه ليس هناك ما هو أنفع للناس وأكثر ضرورة من الثقافات التي تمنحهم الحياة المعقولة.

(193)

تُجمع كافة تواريخ الحضارات والثقافات ـ سواء تلك التي كتبت في الشرق أو تلك التي كتبت في الغرب ـ على أن المجتمعات الإسلامية في القرن الثالث والرابع والخامس للهجرة، حيث خفّت يد الاستبداد والحكومات الطاغوتية عن كاهلهم وحصلوا على شيء من الأمن والحرية إلى حدّ ما في تلك المرحلة من التاريخ، ليتقبلوا العناصر الثقافية المفيدة عند الشعوب والأمم الأخرى في تلك العصور، وإضافتها إلى حضارتهم وثقافتهم، كما اتخذوا خطوات واسعة ونافعة في نقل العناصر المفيدة من ثقافتهم وحضارتهم وما أخذوه من الآخرين وعملوا على تهذيبه وتصفيته، وعلى حدّ قول بعض المنظرين في حقل تاريخ الثقافات والحضارات: قد أنقذوا العلم والثقافة في العصور الوسطى من خطر السقوط الحتمي. وفيما يلي ننقل على سبيل المثال بعض المطالب عن المفكرين الشرقيين والغربيين:

«لقد تمكن العرب [المسلمون] من الاستيلاء على الشام في القرن السابع، ثم انتقلوا إلى مصر، وبذلك فقد ورثوا نفائس الكنوز من العلوم والمعارف اليونانية. إن هذا الأمر يحظى بأهمية بالغة في تاريخ العلم، ولربما لو لم يتمكن المسلمون من الحصول على هذه السلطة والاقتدار، لتعرّض سائر العالم المتحضر لاجتياح القبائل الهمجية والمتوحّشة.

في مرحلة الإمبراطورية البيزنطية الممتدّة لألف عام، كان سراج العلم والمعرفة خامدًا، وكان ضجيج المتعطشين إلى السلطة قد قضى على جميع المدارس وأصحاب العلم والبحث بالمرّة. خلال هذه الفترة الطويلة من الإمبراطورية البيزنطية لم يقم سوى كالينيكوس برفع قبس العلم والحكمة. كانت أوربا الغربية غارقة في ظلام الجهل والفوضى، وكانت البشرية تتخبّط في مستنقع كبير من الركود والهجوع منطوية على نفسها سادرة في سبات عميق. وفي هذه الفترة من السبات المطبق على العالم كان المسلمون وحدهم هم الذين حافظوا على وهج العلم والمعرفة، وحرسوا ثمار العلم

(194)

والحكمة القديمة من خطر الفناء. لم يكن هؤلاء المسلمون قد حالوا دون اندثار العلم البشري من خلال ترجمة الكتب العلمية والفلسفية اليونانية وغيرها فقط، بل وقاموا كذلك بتقديم الكثير من التحقيقات العلمية وألفوا الكثير من الأعمال القيّمة وزادوا من ثراء التراث العلمي أيضًا. وكان من بين الحقول التخصصية التي حظيت باهتمام المسلمين عبارة عن علم الكيمياء، حيث قاموا بإحيائه وتطويره»[1].

وقال فيليب حتّي: في العصور الوسطى لم لم تقم أمّة بخدمة البشرية في رقيها وتقدّمها كما صنع المسلمون[2].

وقال جورج سارتن: ربما كان أهم خدمة علمية وأكثرها خفاءً في الوقت نفسه في العصور الوسطى، عبارة عن إيجاد الفكر التجريبي الذي بدأ بالظهور. إن ازدهار هذا الفكر حتى أواخر القرن الثاني عشر [للميلاد] كان مدينًا لجهود المسلمين ...

إن الدعم والعون الذي قدّمته الحضارة الإسلامية للعلم، لا يمكن بيانه في هذا الكتاب ولو على نحو الاختصار. فإن هذا الدعم لم يقتصر على خصوص ترجمة النصوص العلمية من اللغة الإغريقية فقط، بل كان هذا الدعم أكبر من ذلك بكثير. لم يكن العلماء المسلمون مجرّد وسطاء في نقل العلم القديم فقط، بل قاموا ببعض الإبداعات أيضًا ... إن بناء حضارة علمية جديدة وعالمية وراقية جدًا في عرض مدّة زمنية لا تزيد على القرنين هو أمر قد يمكن الحديث عنه، ولكن لا يمكن الوفاء بحقه كما ينبغي قطعًا.[3]

كما اعترفت الكاتبة الألمانية زيجريد هونكه في كتابها: شمس الله تشرق على الغرب (ثقافة الإسلام في أوروبا) بهذه الحقيقة، حيث قالت: إن العرب (المسلمون) عندما

(195)

أخذوا ما أخذوا عن اليونانيين أخضعوه لأبحاثهم التجريبية وتوسعوا فيما أخذوا عن اليونانيين، نعم إن العرب هم مخترعو العلوم التطبيقية والوسائل التجريبية بكل ما تدل عليه هذه العبارة. والعرب هم المخترعون الحقيقيون للأبحاث التجريبية. إن العرب لم ينقذوا الثروة العقلية اليونانية فقط، ولولاهم لضاعت وقبرت، بل العرب هم الذين نظموها فبوبوها ورتبوها، ومن ثم قدموها لأوروبا في ثوب علمي قشيب. العرب هم مؤسسو الكيمياء التجريبية وكذلك الطبيعة العملية والجبر والحساب بمعناه الحديث، وحساب المثلثات الكروي، وعلم طبقات الأرض، والاجتماع وغير ذلك من الاختراعات الكثيرة الأخرى في مختلف العلوم والمعرفة، وغالبًا ما سطا عليهم اللصوص ونسبوها إلى أنفسهم. فالعرب هم الذين قدموا للعالم أغنى وأثمن هدية»[1].

وقد ذهب المحقق الفرنسي جوستاف لوبون في هذا الشأن إلى الاعتقاد، قائلًا: «لم يظهر في أوروبا، قبل القرن الخامس عشر من الميلاد، عالم لم يقتصر على استنساخ كتب العرب (المسلمين)، وعلى كتب العرب وحدها عوَّل روجر بيكون وليونارد البيزي وأرنود الفيلنوفي وريمون لولي وسان توما وألبرت الكبير والأذفونش العاشر القشتالي ... إلخ، كانوا بأجمعهم إما تلاميذ للعرب (المسلمين) أو ناقلين لأقوالهم. قال مسيو رينان: «إن ألبرت الكبير مدين لابن سينا في كل شيء، وإن سان توما مدين في جميع فلسفته لابن رشد.

وظلت ترجمات كتب العرب، ولا سيما الكتب العلمية، مصدرًا وحيدًا، تقريبًا للتدريس في جامعات أوروبا خمسة قرون أو ستة قرون، ويمكننا أن نقول: إن تأثير العرب في بعض العلوم، كعلم الطب مثلًا، دام إلى أيامنا، فقد شُرحت كتب ابن سينا في مونبليه في أواخر القرن الماضي»[2].

(196)

كما قال برتراند راسل: «كان العرب أميل إلى التجريب من الإغريق، وبخاصة في الكيمياء، فقد كانوا يأملون أن يحيلوا المعادن الرخيصة إلى ذهب، وأن يكتشفوا حجر الفلاسفة، وأن يركّبوا إكسير الحياة. وكان هذا من أسباب إقبالهم على البحوث الكيميائية. وقد حمل العرب تقاليد المدنية طوال عصور الظلام، وإليهم مرجع كثير من الفضل في أن بعض المفكرين من أمثال روجر بيكون قد حصلوا كل المعارف العلمية التي تهيأت للشطر الأخير من العصور الوسطى»[1].

2. انتقال العناصر المفيدة في الثقافة لغرض الانتفاع الاقتصادي والسياسي وبسط السيطرة وغيرها، بمعنى أن غاية وهدف المجتمع الذي يحتوي على عناصر ثقافية نافعة ويسعى إلى تصديرها إلى المجتمعات الأخرى، هو الحصول على المنافع الاقتصادية والسياسية أو نوع من الهيمنة وبسط السلطة، وليس العمل بالمثل الإنسانية العليا وتعميم الرقيّ وإشاعة الثقافة النافعة. وفي مثل هذه الحالة يتعيّن على الشعوب والأمم التي تستورد الثقافة أن تفتح أعينها جيدًا وأن تشحذ عقلها كي لا تنخدع في هذه المعاملة والصفقة التي تروم إبرامها، فلا يكون نصيبها منها سوى حفنة من الظواهر المجتثّة والمستأصلة باسم الثقافة، فتكون بعد مدّة يسيرة من الزمن سببًا في ندمهم وحزنهم على ما جنت أيديهم.

3. انتقال الثقافة بدافع إشاعة وترويج ما يعتبره المجتمع أو القائمين على إدارته بوصفه في طليعة ما يُعرّفون به أنفسهم إلى المجتمعات الأخرى.

إن خطر هذا النوع من الدوافع المحتقرة، وإن لم يكن محسوسًا في بادئ الأمر، ولكن حيث يحتوي على جذور قبيحة من الأنا، فقد يتفرّع إلى أغصان وأوراق وثمار فجّة وضارّة. وعلاوة على ذلك قد يتعرّض الشعب المستورِد إلى الإذلال من قبل الشعب المصدّر، ويطالبه يومًا بدفع الثمن، أو يجعل من ثقافته وسيلة لإثبات

(197)

تفوّقه العرقي على سائر الأعراق الأخرى، ويقول: «أجل، إن نسيج عقلنا يختلف عن عقولكم إذ تستفيدون من ثقافتنا، وهذا دليل على أننا أكثر تكاملًا منكم، وكما تعلمون فإنه في ضوء قانون التكامل يمكن لتلك الطبقة أو الجماعة أو النوع المتكامل أن يجعل من نفسه غاية تُقصد، ومن الآخرين وسيلة تُستثمر!».

4. نقل عناصر الفساد والإضرار بأجساد وأرواح الناس باسم الثقافة، ويمكن القول إن هذا النوع من أكثر النشاطات وقاحة وصلفًا يمكن لبعض الأشخاص أن يسمحوا لأنفسهم بفعله تجاه أبناء جلدتهم. وذلك لأن «الثقافة المعقولة» من أهم أركان الحياة المعقولة، ومن هنا يمكن التعريف بالظواهر المخالفة للثقافة بوصفها من أهم أسباب الموت الروحي للبشر؛ توضيح ذلك:

أ. العمل على إيجاد وعرض وسائل إثارة الشهوات الحيوانية وإشباع الغرائز غير المشروعة لدى الناس، وإن كان في ظاهره من أجمل التجليات المحسوسة والمستندة إلى الأفكار والجهود العلمية، ولكنه في الواقع يُعدّ نوعًا من إفساد النفوس الإنسانية.

ب. إن خلق وإبداع القصص والأساطير والرسوم وسائر التجليات الأخرى التي تبدو في ظاهرها فنية من أجل إثبات خواء حياة الأشخاص، يساوي القضاء على أرواح الناس، مهما كانت تحتوي على أعلى درجات الإبداع والإتقان.

ج. إن إيجاد ونشر أيّ نوع من أنواع الآثار الفنية التي تؤدّي إلى الحطّ من شخصية الإنسان وإذلالها، مهما كانت تلك الآثار في غاية الاتقان والإبداع، يعدّ نوعًا من القتل المحرّم للنفس.

د. إن السعي من أجل الترويج لغياب التفكير بالنسبة إلى المسائل الاجتماعية، وعدم الاهتمام بأوجاع الناس وبؤس الفقراء والمساكين، من خلال صور [وأشكال] الثقافة الأدبية، يُعدّ حربًا معلنة على أرواح الناس، مهما بالغوا في إظهار هذه العبثية من خلال أفضل التجليات الثقافية.

(198)

هـ. إن كل نوع من أنواع المساعي والجهود من أجل القضاء على الحريات المسؤولة لدى الأشخاص، والعمل على سلب كراماتهم وحيثياتهم وحياتهم المعقولة، بأيّ شكل من أشكال النشاط الذي يبدو في ظاهره ثقافيًا، سوف يؤدّي إلى القضاء على أرواح الناس.

و.  إن كل جهد ونشاط يبدو في ظاهره ثقافيًا من أجل دفع الناس نحو الغفلة عن المبدأ والمعاد والخلود، يساوي السعي والنشاط من أجل قتل الروح الهادفة في نفوس الناس.

ومن هنا ندرك أن حياة الإنسان كانت مسرحًا لأفضع أنواع الظلم والحروب والقتل الذريع، وعلى حدّ قول الأديب اللبناني جبران خليل جبران: إن قتلة أرواح الناس لا يعيشون في سكرتهم وبطرهم بمنتهى الغفلة وانعدام الإحساس فحسب، بل ولا يتمّ اعتبارهم من القتلة؛ لسبب بسيط وهو أن ضحاياهم من القتلى يتحرّكون ويتنفسون مثل الأحياء، ولذلك فإنهم لا يمتلكون أدلة قانونية تدينهم بجرائم القتل:

«العدل في الأرض يُبكي الجنّ لو سمعوا .. به ويستضحك الأموات لو نظروا

فالســجن والمـوت للـجانين إن صغروا .. والمجد والفخر والإثراء إن كبروا

فســارق الـــزهـر مـذموم ومـحـتـــقرُ .. وسارق الحقل يُدعى الباسل الخطرُ

وقـــاتـل الجـســم مقــتـول بفـعـلـته .. وقاتل الروح لا تدري به البشرُ»[1].

إمكان انتقال أنواع العناصر الثقافية من مجتمع إلى المجتمعات الأخرى

1. إن الله سبحانه وتعالى يضع بحكمته البالغة حقائق الوجود تحت اختيار المكافحين في البحث عنها، وبمقتضى رحمته العظمى ـ على ما ورد في المصادر الإسلامية الأصيلة ـ لا يترك عملًا وجهدًا هادفًا وإيجابيًا من دون ثمرة أو نتيجة.

(199)

وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى التلازم بين النتيجة والعمل في عدد من الآيات القرآنية، كما في قوله تعالى:

ـ  ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى[1].

ـ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ[2].

ولهذا فإنه سبحانه وتعالى قد أعدّ الجميع للوصول إلى الحقائق، وجعل السبيل الرئيس إلى ذلك في السعي والعمل، وفي ضوء هذا الأصل الإلهي / الإنساني، فإن كل شخص وكل أمّة سوف تصل إلى النتائج وتحصد الثمار بمقدار ما تبذله من أجل الوصول إلى فهم الحقائق. إن هذا الأصل الإلهي / الإنساني، يضع العناصر الثقافية النافعة تحت تصرّف الشعوب والأمم، كي يتمكن الجميع من توظيفها والاستفادة منها، كما روي في الحديث المعروف عن النبي الأعظم، أنه قال: «اطلبوا العلم ولو بالصين».

وقد شرع المسلمون من خلال الاعتقاد بهذا الأصل منذ بداية ظهور الإسلام بسعي جادّ من أجل الوصول إلى العناصر الثقافية عند سائر الأمم والشعوب الأخرى، ولم يكتفوا في القرن الثالث والرابع للهجرة بمجرّد الاطلاع على الحقائق الكثيرة من الثقافات العلمية والأفكار الشاملة للآخرين فحسب، بل عملوا على هضمها وإثرائها، وأضافوا لها الكثير من الاكتشافات المهمّة في حقل العلوم والفلسفات، وبلغوا بهذين البُعدين (الثقافة العلمية والرؤية الكونية) إلى أعلى المراتب والدرجات. وبطبيعة الحال فإن هذا المطلب الذي تمّ بيانه إنما هو في حقل تكون فيه الثقافة بالمعنى العام لها، شاملًا العلوم أيضًا.

بالنظر إلى هذه المطالب، يمكن القول: إن الإسلام لم يمنع من الاستفادة من

(200)

العناصر الثقافية البنّاءة أبدًا ـ ومن أبرزها العلم بوصفه وسيلة للوصول إلى الحقائق ـ بل أوصى بذلك ونصح به بشكل مؤكد. وبالتالي يمكن القول على نحو جازم: إن الإسلام يتقبل جميع العناصر الثقافية المؤثرة في اكتشاف الحقائق أو توظيفها والاستفادة منها.

إن من بين المسائل الضرورية جدًا ـ والتي يجب أن تحظى باهتمام علماء الأنثروبولوجيا، ويمكن القول إنها تحتوي على بعد حيوي ومصيري في الحقل الأنثروبولوجي ـ هو الفصل بين المسألة العلمية الحقيقية ـ التي تمّ إثباتها بالأدلة القطعية ـ وبين المسائل التي لا تزال قابعة في مرحلة الافتراض والتنظير ولم تصل بعد إلى مرحلة الإثبات أو الإبطال؛ بمعنى: تلك المسائل التي تمّ طرحها وبيانها من أجل إيضاح ظاهرة أو البحث عن عللها وأسبابها، دون إثباتها أو نفيها بضرس قاطع. إن البحث والمناقشة حول هذه الطائفة من المسائل في حقل الأنثروبولوجيا على أساس الافتراض والتنظير أمر مناسب، وإن انتقال هذا النوع من المسائل الثقافية من أجل نشر العلوم الإنسانية وإدخالها إلى المجتمع الذي ينشد الرشد والبلوغ والكمال، مفيد جدًا.

2. إن الحجم الكبير للتفسير والتبرير في المفاهيم والمسائل الإنسانية الموجودة في بعض المجتمعات من قبيل المجتمعات الغربية المعاصرة، ناشئ من المعارف والمعلومات حول ماهية الإنسان. إن هذه المعارف قد اكتسبت مقبولية بحيث صار بمقدورها ـ من وجهة نظر بعض الأشخاص ـ تفسير الإنسان، ونتيجة لذلك تمّ تفسير بعض المفاهيم والمسائل على أساسها. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن هذا النوع من المعرفة حول ماهية الإنسان، حيث «تكون الرغبة الشديدة في الحصول على اللذة القصوى متأصّلة في الطبيعة الإنسانية»، ولا سيّما بعد تأييدها من قبل سيغموند فرويد، أدّت هذه المسألة بظاهرها العلمي إلى انتشار وشيوع تفسير هذه

(201)

المفاهيم والمسائل الإنسانية بما يتناسب مع طبيعة نزوع الإنسان نحو عبادة اللذة في  ثقافة الغرب، بحيث أصبحت تشكّل جميع أبعاد حياة الإنسان باستثناء القلة القليلة من الراشدين الباحثين عن الحقيقة بشكل صادق، وهذا أمر يدعو إلى الحزن والأسى. وفي هذه الموارد يكون من الواجب المفروض حتمًا على المجتمعات النزّاعة إلى الرشد والكمال أن تعمل على البحث عن تفسير هذه المفاهيم والمسائل الإنسانية بدقة كاملة، وأن تقوم بالتحقيق والتنقيب الجاد من أجل الوقوف على حقيقة ما إذا كان الإنسان بطبيعته عابدًا للذة والمتعة؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل تكمن اللذة الشخصية في ملذات الحياة الطبيعية فقط؟ ألا تعدّ اللذات العقلانية والروحية من جملة الملذات التي يبحث الإنسان عنها؟ ألا يمكن افتراض مجتمع يقيم الأفراد فيه لذاتهم على آلام ومعاناة الآخرين ومراراتهم؟ أم الحقيقة ليست كذلك، وإنما اقتصر هؤلاء الأشخاص على أخذ بُعد واحد من الأبعاد الإنسانية ـ التي ربما أمكن القول بأنها غير موجودة حتى في طبيعته أيضًا ـ بنظر الاعتبار، وتم العمل على تضخيمها وتقويتها من خلال الألاعيب والشرائط الذهنية ومساعدة العوامل البيئية والاجتماعية والسياسية، بحيث يتمّ اعتبارها بالنسبة إلى البسطاء بوصفها عنصرًا أصيلًا في طبيعة الإنسان! إن هذا التيار الاعتباطي أدّى إلى عدم التمكن من فهم الأسس الثقافية لحضارة الغرب في هذا العصر، دون أخذ أصل عنصر اللذّة بنظر الاعتبار.

3. إن بعض العناصر الثقافية معلولة للخصائص الناشئة عن العِرق والبيئة الخاصة للشعوب والأمم، ولا تحظى بالمباني الإنسانية والعالمية الأصيلة، من قبيل الأخلاق الطوطمية والتقاليد القبلية، والتفسيرات الخاصّة بالشؤون الفرعية من الحياة وما إلى ذلك. بالنظر إلى تعريف الثقافة من وجهة نظر الإسلام (الثقافة الخلاقة والهادفة)، فلا شك في أن الإسلام لا يستطيع الاستفادة من العناصر والخصائص

(202)

الثقافية المذكورة بالنسبة إلى الإنثروبولوجيا، بل ولا يستطيع الاهتمام بها بوصفها من الظواهر الثقافية المطلوبة أيضًا.

4. هناك بعض العناصر الثقافية الأخرى الناشئة عن تطبيق الأهداف والغايات الإنسانية المعقولة على تلك العناصر. عندما ننظر في الثقافة الدينية لبعض الشعوب والأمم، نجد أن عناصر تلك الثقافات من وجهة نظر الآخرين لا تعدّ شيئًا بل وإنها لا تبدو معقولة، ولكن من خلال التجزئة والتحليل المنطقي حول تلك العناصر سوف نصل إلى هذه النتيجة، وهي أن الدافع والهدف الأساسي من تلك العناصر، غاية معقولة وعالية جدًا، وقد هبطت بطريقة الأفكار المحيطة وألاعيب الشروط والظروف الذهنية للرؤية المذكورة إلى حدود الظاهرة المبتذلة وغير المعقولة. في الأسئلة المتنوّعة المتوجهة نحو المقام الإلهي الشامخ، نواجه هذه المسألة. وإن بعض آيات القرآنية بدورها تشير إلى هذا المطلب؛ إذ يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[1].

إن من بين أهمّ الأهداف والغايات الإنسانية العامة، التي تتنزل في التطبيق على الموارد والظواهر الضحلة وغير المعقولة، عبارة عن العدل. إن العدل الذي يحظى في مفهومه العام بمقبولية عامّة في جميع المجتمعات والأمم وفي جميع المراحل، وبالنظر إلى جريان القانون في الحياة والتي كانت مطروحة في جميع المراحل وبالنسبة إلى جميع الناس، لم يُشاهد أيّ استثناء حول مقبولية العدل في تاريخ البشرية الطويل؛ إذ عندما يتم طرح وبيان القانون بين شخصين متعايشين، سوف تكون جميع حركات وظواهر وشؤون حياة هذين الشخصين إما متطابقة مع القانون أو تكون مخالفة له. (والافتراض يقوم على وقوعهما موردًا لتعرّض القانون). فإن كانت متطابقة مع القانون فهي من العدل، وإن كانت مخالفة للقانون فسوف تعدّ ظلمًا وانحرافًا.

(203)

وفي الوقت نفسه نعلم إلى أيّ حدّ تتنزل هذه العدالة ذاتها عندما تقع في يد الأنانيين والأقوياء والجاهلين، وتتحوّل إلى ظاهرة غير معقولة ومخالفة للعدل. إن انتقال هذه التطبيقات بوصفها عناصر ثقافية إلى حقل الإنثروبولوجيا، لن ينطوي على أيّ نتيجة سوى مسخ الأشخاص الذين يتقبلونها.

كيف يحدث لهذا الإنسان ـ الذي يستند في ثقافته ونشاطاته الثقافية إلى تطلعه نحو الكمال ـ أن يتجه لاعتناق عناصر الفساد والضياع الروحي بوصفها ثقافة مقبولة؟!

قبل الدخول في الأبحاث الخاصّة بهذا المطلب، سوف نذكر نقطة سبق لنا أن أشرنا إليها أيضًا، وهي: أن استعداد الإنسان إلى تقبّل الثقافة، إنما يستند إلى شوقه الشديد إلى الكمال، وإن هذا الشوق في صقع وجود الإنسان من الوضوح والحقيقة بحيث لا يبقى معه مجال للشك؛ وإن جميع أنواع التقدم على المستوى الفردي والاجتماعي في مختلف المجالات، من قبيل: العلوم والصناعات بفروعها المتنوّعة والكثيرة، خير دليل على إثبات هذا المدّعى.

والآن يجب أن نرى ما هي الأسباب التي تؤدّي بالإنسان الذي يحدوه الشوق إلى الكمال، وإذا به ينحدر في سقوط نحو مستنقع الفساد وعناصر الضياع الروحي ويعتنقها بوصفها ثقافة مقبولة؟

إن أهم عناصر وأسباب تقبّل الفساد والضياع، هو الخلأ الذي ينشأ في مجال حقائق الثقافة التكاملية بين أفراد المجتمع. عندما يحدث هذا الخلأ، إما أن يزول ذلك الشوق الذاتي إلى البحث عن الكمال، أو أن يبقى هذا الاستعداد إلى الشوق بشكل كامل مع بعض مراتبه.

وفي الحالة الأولى حيث يقضى على هذا الشوق بالتزامن مع ظهور ذلك الخلأ الداخلي عن الحقائق الثقافية الأصيلة، من الواضح بداهة أن الأهواء والرغبات والنزوات والشهوات الحيوانية سوف تحتل المضمار والساحة الداخلية من وجود

(204)

الإنسان، وسوف تجعل من كل عنصر من عناصر الفساد والضلال التي لا تستوجب سوى القليل من اللذة والمنفعة وإشباع الأنا وحبّ الذات، أمرًا محبوبًا ومطلوبًا للإنسان، ويجعل من تقبّلها لا بوصفه ثقافة ضرورية فحسب، بل وتختزل أصل ذات الحياة بها، وتحصر الغاية من الحياة فيها. من الواضح بداهة أن جميع الأصول الأساسية في هذه الحالات، من الدين والأخلاق والحقوق والاقتصاد والسياسة سوف تصبح ألعوبة في يد أرباب الفساد والضلال، ويتمّ الدفع بالمجتمع نحو السقوط والانهيار[1].

وفي الحالة الثانية، بمعنى أنه إذا لم يكن الخلأ الداخلي بشأن الحقائق الثقافية على درجة بحيث يزول الشوق إلى الكمال بالمرّة، بل يبقى استعداد الشوق أو بعض مراتبه في الطبقات العميقة للنفس، فإنه في حالة تحقق الشرائط والمقتضيات وارتفاع الموانع، يمكن لذلك الاستعداد أن يصل إلى مرحلة الفعلية، وأن يحظى بالعناصر الثقافية الأصيلة والبنّاءة. في مثل هذه الحالة إذا أمكن للقائمين على إدارة المجتمعات الحفاظ على ذلك الاستعداد في مجال الدين والسياسة والحقوق والاقتصاد والأخلاق والتربية والتعليم، في مواجهة هجوم عناصر الفساد والضياع، وتوفير وسائل وأدوات وصولها إلى مرحلة الفعلية، فمن البديهي أن الخلأ المفروض سوف يتحوّل إلى إشباع الداخل من الثقافة الأصيلة والتكاملية. وباختصار فإنه على كلتا الصورتين يكون من واجب إدارات المجتمع أن تحول دون القضاء على مجتمعاتهم.

والحالة الثالثة ـ التي هي من أخطر حالات الابتلاء بالضدّ النوعي للثقافة ـ أن

(205)

يقع عنصر الشوق إلى الكمال تحت تصرّف «الذات الطبيعية الحيوانية». وفي هذه الحالة يتحوّل الإنسان إلى أخطر كائن في هذا الوجود، بحيث يبيح لنفسه تدمير العالم بأجمعه من أجل الحصول على متعة عابرة، ويعدّ ذلك من عناصر الفخر والاعتزاز.

عمق الالتفات إلى نتيجة نبذ الثقافة وإلغائها باسم التعميم الثقافي

نشهد في عصرنا الراهن (أواخر القرن العشرين للميلاد) أنه بدلًا من ارتقاء العناصر الثقافية المشتركة والثقافات الخاصة بالمجتمعات، هناك شروع وانطلاق نحو منحدر نزولي للثقافة من المجتمعات الصناعية في العالم ـ حيث يتمّ ضمّ كلمة الحضارة إليها أيضًا! ـ وهي في طريقها لتحيط بالعالم من جميع أركانه، ولا يعلم كيف ستؤول إليه عاقبة ذلك سوى المستبدون وأصحاب السلطة والقوّة. وإذا لم يتم أخذ هذا المنحى بجدية واستمر الوضع على هذه الحاله، ونجح في إرجاع البشرية إلى الوراء وإلى حيث العصر الحجري، وتمّ الاكتفاء بهذا المقدار ولم يتمّ القضاء عليه بالمرّة، فسوف يكون ذلك من حسن حظنا، ويجدر بنا أن نشكر الله على أن لم نصب بما هو أسوأ. إن هذا المنحى النزولي الجديد الذي تمّ تجميله وتزويقه بكلمة الثقافة الحديثة، عبارة عن: توظيف جميع الجهود والمساعي العلمية والفنية من أجل نشر وترويج وإشباع جميع الغرائز الحيوانية، وإبعاد الناس عن الأخلاق الإنسانية العالية، باستثناء مزاحمة الأفراد العاديين لبعضهم، وذلك على مستوى الضعاف من الناس!

إن هذا المفهوم (الظاهرة) واسمه الحقيقي هو «الضد النوعي للثقافة»، واسمه الآخر «محو الثقافة» وإزالتها من المجتمعات الإنسانية، يسعى إلى إسقاط الإنسان والإنسانية معه بالضربة القاضية؛ بمعنى أنه يسعى أولًا إلى القضاء على الحقائق الإنسانية والقيَم الأصولية، ثم يعمل بعد ذلك على تقويض المنظومة الأسرية المقدّسة، والسعي في نهاية المطاف إلى إثبات عبثية وجود الكرة الأرضية في المنظومة الشمسية، والقضاء على الكرة الأرضية!

(206)

والدليل على هذا المدّعى واضح؛ إذ بالنظر إلى هذا التعريف لماهية الثقافة، والقائل بأنها: «عبارة عن الكيفية أو الأسلوب المناسب أو المطلوب لظواهر ونشاطات الحياة المادية والمعنوية للأشخاص والمستندة إلى طريقة العقل السليم والمشاعر الراقية لهم في الحياة المعقولة»، لا يمكن العثور على أيّ مجتمع يتخبط في وحل الاقتصاد المختل ويعاني الحرمان من أشكال القدرة، ومع ذلك يستطيع العمل على ترسيخ أسس الحياة المادية والمعنوية لذلك المجتمع، وأن يتمكن ـ من دون الحصول على ذلك النظام الحقوقي الذي يقوم واقعًا على أساس الاحتياجات وعلى حقائق الحياة الاجتماعية ـ من توظيف ثقافة تكاملية حيوية وهادفة؛ إذ من خلال دراسة سجل القوة والسياسة عبر التاريخ نصل ـ للأسف الشديد ـ إلى هذه النتيجة، وهي: أنه كلما كانت السلطة وإدارة المجتمع في يد المتجبرين والساسة الميكافيليين، فإن أول ضحاياها سوف يكون هو الإنسان والقيَم الإنسانية. فإذا كان لازم القوّة والهيمنة السياسية العادية عبارة عن: «أن يكون المقتدر أو السياسي هو الغاية، وسائر الناس وسيلة»، فمن الواضح بداهة أنه كما رأينا في طريقة تفكير أمثال: «جنكيز خان» و«نيرون»، والمثقفين من أمثال: ميكافيللي وتوماس هوبز، فلن يبقى أيّ مفهوم وقيمة للدين ولا للأخلاق ولا للحقوق ولا للاقتصاد الاجتماعي ولا للسياسة، بل ولا حتى لذات الثقافة.

 

(207)

 

المصادر

  1.  آسیموف، آیزاک، دائرة ‌المعارف دانشمندان علم وصنعت، طهران، منشورات شرکت انتشارات علمی وفرهنگی (آموزش انقلاب اسلامی)، 1367 هـ ش.
  2. جكسون، رابرت، «المقدمة» للكتاب: ليبسني، هربرت ج، ومجيد خدوري، حقوق در اسلام، ترجمه إلى اللغة الفارسية: زی‍ن‌ال‍ع‍اب‍دی‍ن‌ ره‍ن‍م‍ا، طهران، منشورات شرکت‌ اقبا‌ل‌ وشرکا‌ء، 1336 هـ ش. 
  3. الجعفري، محمدتقي، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج 5، حقوق جهاني بشر وكاوش‌هاي فقهي، طهران، موسسه تدوین ونشر آثار استاد علامه محمدتقی جعفری، 1393 هـ ش.
  4. حتي، فيليب، تاريخ العرب، بيروت، لبنان، دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع، 2017م.
  5. خليل جبران، جبران، المواكب، مصر،  دار البستاني للنشر والتوزيع، 2009م.
  6. راسل، برتراند، النظرة العلمية، ترجمه إلى العربية: عثمان نوبيه، مراجعة: إبراهيم حلمي عبد الرحمن، المركز القومي للترجمة السلسلة: ميراث الترجمة، 2017 م.
  7. ـــــــــــــــــــ ، جهان‌بيني علمي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن منصور، طهران، آگه، 1378 هـ ش.
  8. روسو، پي‌ير، تاريخ علوم، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن صفاري، طهران، منشورات اميركبير، ط7، 1378هـ ش.
  9. رينگر، رابرت جي، فروپاشي تمدن غرب، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد تقي‌پور، طهران، منشورات رسام، 1365 هـ ش.
  10. سارتن، جرج، سرگذشت علم، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد بيرشك، طهران، منشورات شرکت انتشارات علمی وفرهنگی (آموزش انقلاب اسلامی)، 1377 هـ ش.
(208)
  1. الكليني، محمد بن يعقوب؛ الكافي، تحقيق علي‌أكبر غفوري؛ 15ج، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407ق.
  2. لوبون، گوستاو، تمدن اسلام وعرب، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمدتقی فخرداعی گیلانی، منشورات افراسیاب، ط1، 1378هـ ش.
  3. ـــــــــــــــــــ ، حضارة العرب، ترجمه إلى اللغة العربية: عادل زعيتر، ج 1، مؤسسة هنداوي، 1945 م.
  4. هونكه، سيجريد، شمس الله تشرق في الغرب، ترجمه وحققه وعلق عليه: أ. د. فؤاد حسنين علي، القاهره، دار العلم العربي، 2011 م.
  5. هونكه، زيگريد، فرهنگ اسلام در اروپا، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مرتضى رهباني، دفتر نشر فرهنگ اسلامي، ط3، 1370 هـ ش.
  6. وايتهد، آلفرد نورث، سرگذشت انديشه‌ها، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد الرحيم گواهي، نقد ومناقشة: محمدتقي جعفري، طهران، منشورات دفتر نشر فرهنگ اسلامی، ط1، 1370هـ ش.
  7.  
(209)
(210)

 

 

مساحة الثقافة[1]

السيّد يدالله يزدان‌پناه

في البحث عن مساحة الثقافة سوف نسعى ـ ضمن تقسيم ـ إلى العناصر والأمور المتعددة التي تعدّ جزءًا من الثقافة، والحصول على فهم الثقافة بوضوح أكبر إلى حدّ ما، ومن ناحية أخرى أن هذا البحث يؤدّي إلى فهم سعة مساحة الثقافة، وفي نهاية المطاف فإن بحث مساحة الثقافة بالإضافة إلى الطبقات الثقافية سوف يساعدنا على حلّ مسألة الثقافة. إن هذا البحث يساعد من جهة على رصد ماهية الثقافة، ويمثل من جهة أخرى مقدمة لبحث أسلوب الوجود الذي يُعد من الأسئلة الأساسية في هذه المقالة. ليس المراد في هذا البحث هو تحليل الأمور المعرّفة، وإنما الهدف هو بحث كمية وكيفية سعة ومساحة الثقافة. ولا بدّ من التذكير بأن معنى التبويب المنجز في مساحة الثقافة ليس هو القول بوجود جميع هذه التبويبات في جميع الثقافات وكافة المجتمعات، بل تُرى على شكل نوعي، بمعنى أن الثقافات تشتمل نوعًا ما على التبويبات المعدودة في بحث مساحة الثقافة، وإن كان من المحتمل أن تكون بعض الثقافات بسبب غياب البسط والتفصيل محرومة من بعض المساحات، وإن هذه الاختلافات بدورها سوف تكون مختلفة بما يتناسب مع اختلاف المجتمعات أيضًا. من قبيل أن لا يكون هناك وجود للخط والكتابة

(211)

في مجتمع ما، ويكون القائم عبارة عن الثقافة الشفوية. وبعبارة أخرى: كلما كان المجتمع يحتوي على بسط أكبر[1]، فإن احتمال فهم المعاني من الأمور المختلفة سوف يكون بدوره أكبر أيضًا، وبالتالي إمكان إلحاقها بالحقل الثقافي لتلك المجتمعات. ثم إن إحصاء مساحة الثقافة قد تمّ على نحو استقرائي، وتوجد فيها إمكانية زيادة سعتها ومساحتها. ومن هنا يحتمل أن تكون بعض المساحات المهمة الممتازة من أمور مساحة الثقافة موجودة، ولم يتمّ عدّها في هذه المقالة، حتى وإن كان السعي قائمًا على أساس الاستقراء التام نسبيًا.

تعريف مساحة الثقافة

إن المشاركة المفهومية بين أفراد المجتمع قابلة للتحقق في جميع الأمور المرتبطة بالمجتمع وأبعاد الحياة الاجتماعية للإنسان. يعمل الأشخاص بحسب الاحتياجات، والأذواق، والمعارف، والذكريات، والتأثيرات، والتجارب، والمهارات، وتوزيع الأعمال، والمؤسسات الاجتماعية، وسائر الأمور الأخرى، إلى القيام فيما بينهم بخلق مفاهيم مشتركة في المجتمع، حتى تتراكم هذه الأمور شيئًا فشيئًا بحسب اتساع المجتمع وتراكم التجارب وارتقاء الأفكار واللغات. ومن هنا نواجه مساحة واسعة من الأمور الاجتماعية والثقافية المفهومية. ونحن نسمّي جميع هذه الحقول والمساحات المرتبطة بالثقافة في البيئة الاجتماعية بـ « مساحة الثقافة».

أهمية إحصاء مختلف مساحات دائرة الثقافية

بالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه، فإن إحصاء مساحة مختلف أبعاد الثقافة تحظى بالأهمية من عدّة جهات، وهي:

(212)

1. لو لم يتم وضع الأبعاد الواسعة للأمور الثقافية على طاولة بحث المحقق بشكل جيد، فسوف يتمّ النظر إلى الثقافة والأمور الثقافية بوصفها جزءًا ضئيلًا من المجتمع، بل وسوف يتمّ إنكار الثقافة والمجتمع مع هويتها المتعيّنة بشكل أيسر. ومن ناحية أخرى حيث يتمّ البحث عن الثقافة عادة بين الأذهان والأفكار، فإن الثقافة والمجتمع سوف تتراجع وتنخفض إلى مستوى الأمور الذهنية. وبعبارة أخرى: إن عدم التعرّف على الموضوع بشكل دقيق، يؤدّي إلى رؤية الثقافة بشكل ضعيف ورفيع جدًا، وإن ذات هذا التضاؤل والرؤية المجتزءة تؤدّي إلى إنكار الناحية العامة والاجتماعية المستقلة من الثقافة، وسوف يتمّ الاكتفاء بالتقريرات الفردانية البسيطة عنه.

2. إن الأمثلة التي يذكرها المحققون الرسميون في حقل الثقافة، من أمثال علماء الاجتماع في حق الثقافة، أولًا: لا تشمل الحقول المتعددة من حضور الثقافة. وثانيًا: بسبب عدم البدء بالأبحاث الأنثروبولوجية وعدم أخذ بعض الأبحاث في الثقافة، نشاهد نوعًا من غياب الانضباط المنهجي، من قبيل: أن المجتمع الذي لا يُشير إلى بعض جوانب الثقافة، يعمل فجأة في تضاعيف الأبحاث على التأمل والبحث في أمر مذكور في الأبعاد الأخرى، ويحصلون في هذا الباب على نتائج ثقافية.

3. قد تترتب على إحصاء مساحة الثقافة في بعض الموارد الكثير من الآثار الأخرى، من قبيل: آثار المعرفة الدينية أيضًا، كما لو تمّ التعرّف على مساحة المجتمع والثقافة، سوف يحصل هذا السؤال المهم على جواب مختلف، وهو: هل تكون جهود الأنبياء عليهم‌السلام ناظرة إلى الأفراد فقط، أم ينظر الأنبياء عليهم‌السلام إلى عموم المجتمع وعامة الناس بوصفهم مخاطبين لهم أيضًا؟ كما سبق أن ذكرنا فإن الفارابي وصدر المتألهين كانا يقولان بأن الركيزة الأصلية لنشاط الأنبياء عليهم‌السلام تقوم على أساس إقامة حركة اجتماعية، وأما الأفراد فيكونون مخاطبين بشكل ثانوي ولاحق. تمامًا مثل الشخص الذي يدرك حقيقة المجتمع والثقافة بوضوح

(213)

ويكون قد تسلل إلى أعماقها، وإلا لما كان موقف الأنبياء ونشاطهم وحركتهم على هذه الشاكلة.

الأبعاد المتعدّدة للثقافة

في ضوء التعريف الذي قدّمناه عن مساحة الثقافة، فإنا نواجه مساحات متعددة في الثقافة، ونحن هنا بصدد إحصاء هذه المساحات. وبحسب الدراسة التي قمنا بها، فقد توصلنا إلى معرفة ثمانية من هذه المساحات، وهي عبارة عن:

أ. المساحة الأولى: الأجزاء المتسالم عليها في الثقافة

إن من بين الأبعاد والمساحات الواسعة للثقافة، عبارة عن الأمور التي يعترف الجميع بكونها من الثقافة. إن هذا الاعتراف العام والشامل يثبت في الواقع وضوح وبداهة تعلّق هذه المجموعة من الأمور بالثقافة. وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار هذه الأمور من أوضح الأبعاد الواسعة من الثقافة. إن هذه الأمور عبارة عن: «المعتقدات، والعقائد، والآراء، والقيَم، والمشاعر، والتعلقات العامة».

إن جميع هذه الموارد بقيد التعميم والشمولية تعدّ من الأجزاء الثابتة والمسلّمة للثقافة، وإلا فإن المعتقدات الشخصية والفردية أو مشاعر وقيَم الأشخاص لا تستطيع أن تكون جزءًا من الثقافة. في هذه الأمور يتبلور في الواقع نوع من تراكم المعنى بشكل عام في الفاهمة العامة للمجتمع، ومن هذه الناحية يمكن اعتبارها من الأمور الثقافية. من الواضح أن قدرة ومنزلة كل واحد من هذه الأمور في الثقافة تختلف عن الموارد الأخرى، وإن هذه الموارد لم تؤخذ في الثقافة على وتيرة واحدة، وإن تعيين فوارقها ومراتبها رهن ببيان بحث طبقات الثقافة التي يجب تناولها في سياق الثقافية الواسعة. فيما يتعلق بهذا القسم من الأبعاد بواسطة الهوية المفهومية للمعتقدات والعقائد والمشاعر والتعلقات العامّة، تمّ اعتبار هذه الأمور من الحقائق

(214)

ولكنها لا تحظى بالقبول العام. وحتى هذا الافتراض القائل بظهور محصول ثقافي في المجتمع ـ والذي يعمل على بيان المعنى ويقوم مثلًا بإظهار فكرة ما ـ ويكون في الوقت نفسه «ضدًّا للثقافة»[1] في ذلك المجتمع، لن يكن افتراضًا نادرًا وغير ممكن. إن جميع الأمور البيانية للمعاني العامّة بقيد القبول العام، تعدّ في حدّ ذاتها ثقافة. من الطبيعي أن الرؤية والفهم العام لهذه الأمور يجب أن تحظى بحالة وأجواء ثقافة المجتمع وليست شيئًا آخر غير الثقافة المقبولة، من قبيل الكتاب الذي يشعر الناس أنه يحتوي في الحدّ الأدنى على ما نسبته 90% من التطابق مع ثقافتهم. يعمل المجتمع أحيانًا على إعادة النظر في ثقافته أو ينفصل لأيّ سبب من الأسباب عن ثقافته القديمة. إن المعاني الجديدة المبيّنة تتحوّل بشرط التقبّل العام إلى ثقافة. وعلى كل حال فإن فهم المعنى وإدراكه بدوره من دون شرط القبول، لا يكون ملاكًا للتحوّل إلى ثقافة بأيّ شكل من الأشكال؛ فقد يدرك الأجانب ـ بفعل ارتباطهم وصلاتهم مع المجتمعات الأخرى ـ المعاني والمفاهيم الثقافية لتلك المجتمعات، ولكنهم لم يضعوا ذلك المضمون موردًا للقبول.

الأمور البيانية وتنمية الثقافة

إن الأمور البيانية للثقافة يجب عدم حصرها في مجرّد إظهار وبيان الثقافة فقط. إن هذه الأمور هي في حدّ ذاتها تعدّ جزءًا من الثقافة، فهي من الثقافة الماثلة على أرض الواقع والمتعيّنة والواقعة على مرأى من العين. يحدث نوع من امتداد حقيقة الثقافة من قبل الأمور البيانية للثقافة. يجب القول بأن الأمور البيانية تمثل نوعًا من تنمية الثقافة، وفي هذا البيان تنمو الثقافة. وسبق أن ذكرنا أن المحاصيل الإنسانية ولا سيّما منها الأمور البيانية تستوجب تعيّن المعنى في الخارج.

(216)
أمثلة عن الأمور الآلي في مساحة الثقافة

سوف نبحث فيما يلي بعض المصاديق العامّة للأمور البيانية للثقافة الشاملة لـ «المتون المرجعية»، و«النماذج الاجتماعية»، و«اللغة»، و«المناهج التعليمية»، و«الدين الاجتماعي المكتوب»، وفي نهاية المطاف «أنواع البيانات الفنية»، ونخضعها للدراسة والتحقيق، وسوف نعمل في هذا السياق بشأن هذه المصاديق على ذكر بعض الأوصاف الثقافية / الاجتماعية الخاصة.

النصوص المرجعية

إن النص المرجعي هو النص الذي تحقق القبول الاجتماعي في مورده. لقد تمّ في النصوص المرجعية تقديم عدد من المعاني المقبولة في المجتمع، وتمّ تدوينها على شكل نصّ وأثر مكتوب. بغض النظر عن طرق تحقق هذا التقبل وما هي أسبابه، حتى ولو كان  قد تحقق بواسطة القهر والغلبة الاجتماعية؛ من قبيل أن يتحوّل النص المكتوب في المجتمع الاستبدادي بواسطة الملك الظالم أو النص الذي صادق عليه هذا السلطان الجائر، إلى نصّ مقبول لدى عامّة الناس. ويأتي ذكرنا لهذا المثال من باب التأكيد على أن ظهور الثقافة وانتشارها قد لا يكون مستندًا إلى أدلة وأسباب عقلانية أو منطقية تمامًا. وعلى هذا الأساس فإن النص الديني يحظى من تلقائه بمقبولية اجتماعية في المجتمعات الدينية، كما يحظى القرآن الكريم والروايات المأثورة عن أهل البيت عليهم‌السلام بمقبولية في مجتمعنا.

المرجعية وتبلور الثقافة في النصوص المرجعية

إن المقبولية الاجتماعية في حدّ ذاتها تنقسم إلى قسمين، وهما: المقبولية الإجمالية والمقبولية التفصيلية. ومن العجيب أن المقبولية الإجمالية بدورها لها آثار خاصة في بسط الثقافة ونشرها. في المقبولية الإجمالية والابتدائية لنص مرجعي من قبيل

(217)

النص الديني لا تخضع جميع تفصيلاته للاهتمام والرعاية من قبل عامّة الناس، حيث يقبلون بجميع النص وكل ما ورد في ذلك النص دون الالتفات إلى جزئياته والعلاقة القائمة بين جميع أجزاء ذلك النص. إن هذه المقبولية بالإضافة إلى المقبولية من قبل المفسرين لبيان وشرح ذلك النص المرجعي يؤدّي بدوره إلى القبول من قبل عامّة الناس بالتفصيلات المستخرجة والمبيّنة من قبل أولئك المفسرين أيضًا. وعلى هذا الأساس نواجه تحوّلًا من المقبولية الإجمالية إلى المقبولية التفصيلية، كما نشهد بسطًا للثقافة من الوضع الإجمالي إلى الوضع التفصيلي أيضًا.

إن القوانين والدساتير التي تحصل على المقبولية الاجتماعية، تحظى بمثل هذا الوضع تمامًا. وإن مقبولية المصادر والمراجع من أجل تفسير هذه القوانين في المجتمعات بالإضافة إلى القبول بهذه القوانين، سوف يؤدّي إلى بسط الثقافة.

تفاوت المحصول الثقافي يساعد الثقافة ذات النصوص المرجعية

مع قليل من التدقيق والملاحظة ندرك أن الأمور البيانية من قبيل النصوص المرجعية، لا يمكن اعتبارها مجرّد محصول ثقافي أو عامل مساعد للثقافة، وإن هذه الأمور في حدّ ذاتها ثقافة، وتؤثر في بسط وتبلور الثقافة. ومن هنا تمّ اختيار عنوان المرجعية لمثل هذه النصوص البيانية. وبعبارة أخرى: إن مرجعية هذه الأمور البيانية يؤدّي إلى أن تكون هي ذات الثقافة وأن تعمل على بلورة الثقافة فيما وراءها، ولا تقف عند حدود بيان وإيضاح الثقافة أو البيان الصرف للثقافة. إن الوصول إلى أعماق الثقافة يعدّ من المهام الخاصّة لبعض النصوص المرجعية في الثقافة؛ وذلك لأن البيان والإظهار يؤدّي إلى حدوث الاحتكاك ودعوة الأشخاص إلى إعادة التفكير بعمق، والتأثير فيما وراءها.

النماذج والرموز الاجتماعية

إن النماذج والرموز تندرج بدورها ضمن الأمور البيانية أيضًا. ومن الطبيعي

(218)

أن تكون هناك نماذج ورموز مختلفة في المجتمعات المتنوّعة. بيد أن المهمّ في البين هو أن كل نموذج ورمز يحتوي على نوع من إظهار وبيان المعنى، ويكون مفهومًا ومقبولًا من قبل عامّة أفراد ذلك المجتمع. وبطبيعة الحال هناك في كل رمز حيثيتان حيثية فعليه وحيثية بيانية، ولكن من الناحية العملية تكون هذه الحيثية البيانية هي الغالبة. وفيما يتعلق بمسألة المقبولية العامّة لا يكون مجرّد معرفة الرمز والنموذج بوصفه نموذجًا ورمزًا في المجتمع هو المطروح، وإن المراد من المقبولية العامة بالنسبة إلى الرمز هو مقبولية دلالة هذا الرمز على المعنى؛ إذ الأصل في الرمزية هو دلالته على المعنى الخاص الذي يُشير إليه الرمز والنموذج، وليس ذات الكينونة الرمزية. وعلى أساس هذه النقطة القائلة بأن الأمور البيانية هي ذات الثقافة، تكون الرموز والنماذج بدورها محصولات ثقافية، ولكنها في الوقت نفسه تعدّ جزءًا من الثقافة.

وهناك في المجتمع الكثير من الرموز والنماذج الأخرى التي قد لا يعلم عامة الناس بمعناها، أو أنهم على الرغم من معرفتهم لمعانيها لم يتقبلوها. وبطبيعة الحال فإن هذه الموارد لا تدخل في دائرة بحثنا. والفرضية الأولى من قبيل شعار وعلامة مؤسسة صغيرة قد تمّ تأسيسها مؤخرًا ولها مساحة نشاط محدودة[1]، والفرضية الثانية من قبيل الرموز والنماذج المخالفة للثقافة[2]، والتي لا تنسجم مع ثقافة المجتمع.

وجود المضمون السلبي والإيجابي في النماذج والرموز

إن الثقافة لا تنطوي على مضمون إيجابي فقط، وإنما تنطوي على مضمون سلبي

(219)

أيضًا. ويمكن في الرمز تتبّع آثار هذا المضمون السلبي والإيجابي للثقافة، كما نشاهد في مراسيم العزاء أن اللون الأحمر في الثياب يرمز إلى «الشمر» الشرير؛ بيد أن هذا الرمز وهذه الدلالة لا تقوم ضدّ الثقافة، بل إن الثقافة في هذا المثال هي التي تقوم في الواقع بتقييم الرمز. فإن هذا الرمز يُعدّ من الرموز الداخلية في هذا المجتمع، وإن كان في حد ذاته رمزًا يُشير إلى الشر.

اللغة

إن اللغة تعدّ زاخرة بالظرفيات والإمكانات، لا من حيثيتها الوضعية والجعلية والاعتبارية، بل من حيث اختزانها لمعانيها الثقافية في دائرتها البيانية. من ذلك مثلًا أن عبارة: «إنه الشمر» التي تبدو بسيطة في ظاهرها، هناك معان ثقافية زاخرة، ولا تشمل على مجرّد تشبيه بسيط، وإنما هي زاخرة بالمعاني العامّة والشاملة. وعلى هذا الأساس يتمّ التذكير بحق أنه في تعلّم كل لغة أخرى يتمّ بالتدريج تلقين الكثير من المسائل الثقافية للناطقين بتلك اللغة[1].

اشتمال اللغة على القوّة الزاخرة من الناحية الثقافية

حيث أن هوية اللغة عبارة عن الهوية البيانية، فلا بدّ بطبيعة الحالة من توظيف الاستعارات والتشبيهات والكثير من الأمور الأخرى. وإن أغلب هذه الإمكانيات اللغوية، ضاربة بجذورها في ثقافة تلك اللغة. وتارة يكون حتى المثل الذي ينتسب إلى شخص بعينه أو مكان خاص مقرونًا بالمشاعر الخاصة بالنسبة إلى ذلك الشخص وذلك المكان. وبالإضافة إلى الأمثال الزاخرة بالأحداث الخاصة المرتبطة بتلك الثقافة، هناك في اللغة تشبيهات واستعارات وأمور أخرى أيضًا تعمل على توفير

(220)

المزيد من الظرفيات والإمكانات الثقافية الزاخرة أيضًا. وتارة يكون تعبير أو اسم لعبة مشتملًا على الكثير من الكلمات، من ذلك على سبيل المثال أن لعبة الغميضة ـ وهي لعبة شائعة بين الأطفال في جميع أنحاء العالم تقريبًا ـ تسمّى في اللغة الفارسية بـ «قائم باشك»، ولا يخفى أن هذا التعبير ناظرة إلى اختفاء الإمام الحجة (عجل الله تعالي فرجه الشريف) عن الأنظار بسبب دخوله في مرحلة الغيبة الكبرى. وفي الحقيقة فإن اسم هذه اللعبة في اللغة الفارسية يعكس ذلك البعد من الثقافة وبيان هذه الرؤية الإسلامية الخاصة. إن هذا الزخم والخلفيات الثقافية هي التي تؤدّي في بعض الأحيان عند مواجهة لغة أخرى إلى عدم التفاتنا بوضوح إلى الأسباب التي جعلت هذه الكلمات تدلّ على هذا المعنى الخاص، أو لماذا نشاهد في مورد مصطلح خاص مثل هذا التعاطي في تلك اللغة.

إمكان اختفاء الجذور وتغطيتها بغزارة اللغة

تارة تختفي بعض الجذور اللغوية حتى بالنسبة إلى ثقافتها، وهذا الأمر يُعدّ من الظواهر العجيبة؛ فعلى الرغم من أن هذه الجذور كانت موجودة وحاضرة في بداية تبلور وظهور المفردات وتطوّرت وازدهرت معها، إلا أن هذه الجذور تختفي بمرور الزمن ويطويها النسيان، ولا يبقى منها سوى المعنى المتعارف فقط.

أنواع النصوص العلمية

إن جميع نصوص العلوم الإنسانية والفلسفية والنصوص العرفانية، والأخلاقية، والحقوقية والفقهية والسياسية، تعدّ بأجمعها جزءًا من الثقافة شريطة أن تكون هذه الأمور بالنسبة إلى المجتمع بيانًا للثقافة الحاكمة، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أننا في نموذج الفلسفة لا يمكن ـ بطبيعة الحال ـ اعتبار كل نص فلسفي موجود في مجتمع جزءًا من ثقافة ذلك المجتمع. ولن يكون جزءًا من النصوص البيانية لثقافة

(221)

المجتمع إلا إذا كان معبّرًا عن ثقافة ذلك المجتمع أو في إطار التعبير عنه. وعلى هذا الأساس لو أمكن لنصّ فلسفي أن يعمل على تحليل الفضاء العلماني الذي يُعدّ هو الثقافة المهيمنة على العالم الغربي، فسوف يكون هذا النص جزءًا من ثقافة الغرب قطعًا. ويمكن القول إن هذه هي ثقافة الغرب، وهي الثقافة التي تتجلى على خشبة مسرح المجتمع الغربي بشكل عيني ويمكن أن نراه ماثلًا أمامنا.

أنواع ارتباط الفلسفة بثقافة المجتمع

إن الكتب والنصوص الفلسفية تارة تقع موردًا للقبول من قبل عامّة الناس، وذلك عندما لا تكون هذه النصوص معقدة ومستعصية على فهم العامّة بحيث يمكن لهم إقامة التواصل والارتباط بها، وبعد هذا الارتباط يعتبرونها معبّرة عن ثقافتهم. وتارة تكتب النصوص الفلسفية بطريقة بعيدة عن الفضاء العام بحيث لا يمكن لغير العلماء أن يتواصلوا معها، وفي هذه الحالة لو انتقلت نتائج فهم هؤلاء العلماء لتلك النصوص إلى المجتمع، يمكن الادعاء بأن هذه النصوص تعدّ جزءًا من الثقافة أيضًا.

وحتى إذا لم تكن النصوص بيانًا للأفكار، وكانت تعمل على بيان التطلعات ولو في شكلها التفصيلي، وتمّ القبول بهذه التطلعات والأهداف من قبل الثقافة وعامة الناس، فسوف تكون هذه الأمور جزءًا من الثقافة أيضًا.

وبعد ذلك سوف تتضح مكانة ومنزلة الفلسفة في بحث طبقات الثقافة على نحو أعمق، ولكن تبيّن من خلال النقاط المتقدمة على نحو الإجمال أن الفلسفة تقوم بنشاط عملي على خشبة المسرح الاجتماعي، وإن لم يكن لهذا المسار ذلك الوضوح الكامل.

والخلاصة هي أن جميع الموارد التي يتمّ القبول بها في المجتمع بشكل عام، أو يتم تصوير نوع من المرجعية لها تعدّ جزءًا من الثقافة حتى ولو افترضنا ـ مثلًا ـ أنه تمّ القبول بها في المجتمع من قبل عدد من الأشخاص بوصفهم من

(222)

الوجوه العرفانية، ففي مثل هذه الحالة يكون كلامهم وتفسيرهم وبيانهم مقبولًا من الناحية العملية أيضًا، وبذلك فإن ما ينتجونه سوف يكون جزءًا من الثقافة بطبيعة الحال.

العلوم الإنسانية والحضور في الثقافة في ضوء القبول بها

في مورد العلوم الإنسانية لا بدّ من التأكيد بشكل أكثر على أن المجتمع بكل ما يحتوي عليه من المضامين المشتملة على نوع من التماهي والتناغم أو يتمّ اعتبارها بيانًا لثقافته، يجب اعتبار جميع هذه الموارد جزءًا من ثقافة ذلك المجتمع. ويعود سبب التأكيد على العلوم الإنسانية إلى أن أبحاث هذه العلوم أكثر مساسًا بحقائق الحياة الاجتماعية. خلافًا للعلوم التجريبية التي تشحّ فيها الإلهامات الثقافية ولا يكون لها ظهور في الغالب إلا في دائرة المعرفة والأبستمولوجيا المرتبطة بالعلوم التجريبية. لا ينبغي أن يذهب الظن ببعض الأشخاص إلى اعتبار تبلور كل نظرية في الاقتصاد أو في علم الاجتماع أو في علم النفس أو السياسة جزءًا من الثقافة، بل المهمّ في البين هو مقدار التقبل الاجتماعي المتحقق بالنسبة إلى هذه النظرية ولو على مستوى التماهي والتعاطف. وباختصار فإن العلوم الاجتماعية المقبولة سوف تعدّ في حدّ ذاتها جزءًا من الثقافة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الثقافة المادية الغربية تظهر في مختلف علومها الإنسانية، وإن جميع تلك التفاصيل وكل ذلك البروز والظهور يندرج ضمن دائرة هذه الثقافة.

قلّة ارتباط العلوم التجريبية بالثقافة قياسًا إلى العلوم الإنسانية

حيث أن أساس العلوم التجريبية لم يرتبط بالشكل الثقافي، وفي الغالب ترسّخت بعض الأفكار من قناة المعرفة والأبستمولوجيا المرتبطة بالعلوم التجريبية، من قبيل: الأفكار الوضعية في العلوم التجريبية الغربية، يمكن أن ندعي وجود حظ أقل من

(223)

الناحية الثقافية للعلوم التجريبية بالقياس إلى العلوم الإنسانية بوصفها من الأمور التي تعمل على إظهار وبيان الثقافة، من حيث أن الأمور البيانية تعدّ ثقافة، وذلك لأن العلوم التجريبية غالبًا ما تتبع التجارب التي تنبثق عن الواقعية وتعمل على تقرير تلك الأمور. لا بدّ من التذكير بأن العلوم التجريبية سوف تؤثر في تطوّر التقنية، وسوف تكون لها بعض الأبعاد الثقافية بطبيعة الحال. ومن ناحية أخرى فإن العلوم التجريبية  تتوصل إلى أمور جديدة تؤدّي إلى التوسعة في الحياة، وهذا الأمر بدوره يستوجب التأثير في الثقافة بطبيعة الحال. وإن كانت هذه الأمور من الآثار الجانبية للعلوم التجريبية وليست أثرًا لذات العلم.

الدين الاجتماعي والمقبول على نحو مكتوب

إن الدين[1] المقبول اجتماعيًا في شكله المكتوب يُعدّ جزءًا من الثقافة، وإن المراد من الدين الاجتماعي المقبول هو أن يكون جميع أفراد المجتمع ـ مثلًا ـ يدينون بدين خاص، وذلك بمقدار ما له من القبول بطبيعة الحال. إن هذا الدين الاجتماعي هو غير ذلك الدين في شكله الواقعي والحقيقي.

من قبيل أن يقوم شخص أو مجتمع ما بقبول إسلام لا يوجد فيه أيّ بُعد اجتماعي أو حكومي أصلًا. في الأسلام الواقعي تكون مسألة الحكومة موجودة، بل وحتى يمكن لذلك الشخص أو ذلك المجتمع أن يقبل بأن هذا البُعد الحكومي موجود

(224)

في الإسلام الواقعي، ولكنه لا يأخذ به، حيث يكون اسم هذا الدين هو الدين الاجتماعي المقبول. إن هذا الدين الاجتماعي جزء من الثقافة، وإذا كان شكله غير المكتوب هو المنظور فيمكن إحالته إلى المساحة الأولى من دائرة الثقافة بمعنى قسم العقائد، وأما في البحث الجاري حيث الكلام يدور حول الأمور البيانية، فإن الشكل المكتوب لهذا الدين المقبول اجتماعيًا سوف يندرج بوصفه جزءًا من المساحة الثانية من دائرة الثقافة. من الواضح بداهة أن المعنى المقبول للدين في المجتمع قد يكون بحيث يشمل جميع المساحات والأبعاد، وفي مجتمع آخر يكون من الضمور والضعف بحيث يتحوّل إلى مجرّد دين شخصي. وعلى كل حال فإن سعة دائرة ومساحة هذا الدين رهن بالقبول الذي حظي به والمحتوى الذي تمّ القبول به منه. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الدين الشخصي بدوره يؤثر في جميع حقول الحياة. إن تأثير الاعتقاد بهذا الدين الشخصي سوف يكون على هذا النحو وهو أن أغلب مجالات الحياة سوف يتمّ تنظيمها بواسطة الأشخاص أنفسهم. وفي المقابل لو كان الدين السماوي هو الدين المقبول في المجتمع، فسوف يتعيّن على الشخص في مسرح المجتمع أن ينظر إلى الحكم الإلهي، ولا يقوم بنفسه بتنظيم أيّ شيء أصلًا، وإنما سوف يتبع مقاصد وتعاليم الشريعة في تلك الأبعاد والمجالات. هذا في حين أن الأديان الشخصية لا تتكفل بحل مسائلها؛ وذلك لأنهم قد قبلوا بأن ذلك يحال إلى ذات الأشخاص وأمزجتهم وأذواقهم. ولذلك لا يتمتع الدين الشخصي بتلك السعة التي يتمتع بها الدين الاجتماعي. وفي الأساس فإن كل رؤية مهما كانت منعزلة عن المجتمع تحتوي على معطيات اجتماعية، ناهيك عن الدين الشخصي الذي هو أوسع بكثير من الفكر المنعزل عن المجتمع، ومع ذلك فإن سعة الدين الشخصي أقل بكثير من الدين الاجتماعي[1].

(225)
أنواع البيانات الفنية المقبولة

إن أنواع البيانات الفنية القبولة تعدّ جزءًا من الفن، ومن الواضح أن أنواع البيانات الفنية ـ على شرط أن تكون مقبولة ـ لا تعمل على بيان الثقافة فقط، بل وتذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، وتكون بنفسها جزءًا من الثقافة. ولذلك فإن كل ما يتبلور في الأدبيات والأفلام والرسم وما إلى ذلك من الفنون الأخرى، يكون جزءًا من الثقافة. تعد لوحة عصر عاشورًا للرسام الإيراني محمود فرشجيان مثالًا مناسبًا إلى الحد الذي مهما تمّ رسم ما يُشبهها، تبقى ذات تلك المعاني والأجواء هي التي تخطر إلى الذهن عند رؤية تلك اللوحة الأصلية. وإن كل ما يجري عليه القبول الاجتماعي ويندرج ضمن الذاكرة التاريخية، يكتسب مثل هذه الحالة أيضًا.

ج. البُعد الثالث: الآداب والتقاليد المكوّنة للسلوكيات الاجتماعية

هناك الكثير من الذين يعتبرون الآداب والتقاليد جزءًا من الثقافة، بل وهناك من نصّ عليهما بالاسم في تعريف الثقافة، ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أن الآداب والتقاليد يجب أن تكون واسعة جدًا وشاملة لكل فضاء يمكن له أن يخلق سلوكًا اجتماعيًا عامًا. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن بعض المجتمعات تعتبر جلوس الفتى اليافع على كتف والده سلوكًا غير مؤدّب، إن عدم مراعاة الأدب المناسب في التعامل بين الأب والأولاد يعني أن هذه الآداب والتقاليد تعدّ من خصائص تلك المجتمعات، وعلى هذا الأساس فإنها تكون جزءًا من ثقافتهم. وذات هذا السلوك قد لا يعتبر في مجتمع آخر قبيحًا ومذمومًا حتى بالنسبة إلى الابن البالغ والرشيد، وفي هذه الحالة يمكن القول إن هذا الأدب الخاص ليس جزءًا من ثقافة ذلك المجتمع. وعلى هذا الأساس يجب اعتبار الآداب واسعة جدًا. المثال الآخر: الاحتفاء بأطول ليلة في السنة وهي التي تعرف في أوساط المجتمع الإيراني بليلة يلدا

(226)

والتي تسجّل حضورًا لبعض الاحتفاليات والآداب والتقاليد الخاصة في قطرنا، وإن هذه الآداب والتقاليد تجعل من ليلة يلدا وقواعدها وآدابها جزءًا من ثقافة مجتمعنا. ويبدو أن للآداب والتقاليد فضاء واسعًا خاصًا، يشمل جميع مراحل الحياة ابتداءً من الولادة إلى الموت والمقبرة، سواء أكان ذلك في فضاء الأسرة أو في الفضاءات الأعم والأوسع. يمكن الحديث في هذه المساحة الثالثة عن الآداب الخاصة بطريقة تناول الطعام (من قبيل: أكل الطعام باليد أو بالملاعق والشوكات أو بالأعواد[1] [على الطريقة الصينية])، وارتداء الثياب (من قبيل: الثياب المحتشمة، والثياب غير المحتشمة)، وطريقة الكلام (من قبيل: البدء بالبسملة قبل تناول الطعام، أو افتتاح المائدة بالدعاء)، والاحترام والتوقير (من قبيل: رفع القبعة عن الرأس أو اعتمار القبعة)، والزواج (من قبيل: إقامة مراسم الزواج في الكنيسة أو قراءة العقد الخاص، والاحتفال ليوم واحد أو لعدّة أيام، واتخاذ الزي الخاص لكل من الزوج والزوجة)، وإقامة مراسم العزاء (من قبيل: اللطم على الصدر أو على الرأس أو على اليد أو النواح بطريقة خاصّة)، وبناء البيوت (من قبيل: بناء الجناح الداخلي، والجناح الخارجي)، والتعبير عن السخط أو الحزن (من قبيل التلفّع بلفاع أسود أو وضع شارة سوداء على الصدر أو الكُمّ)، والتشجيع والتأييد والمؤازرة (من قبيل: التصفيق والصفير والاستحسان)، والتصرّف عند اللقاء (من قبيل: التسليم أو الترحيب بشكل آخر)، والتصرّف عند الانفصال (من قبيل: القول وداعًا أو Bye)، وما إلى ذلك من آلاف الموارد الأخرى التي يمكن ذكرها من الأمور المقبولة بشكل عام، وتنعكس على نطاق واسع وعام بشكل واحد على تصرّفات وأفعال الناس.

[1]. Chopsticks

(227)
كتشاف الآداب في تشابه سلوك أفراد المجتمع

إن التشابه السلوكي يعني أن يتصرّف الجميع في مجتمع حول موضوع خاص على طريقة واحدة، الأمر الذي يثبت أن هذا الأمر يندرج في خانة الآداب، وبالتالي يجب عدّ هذه الآداب جزءًا من الثقافة. وعلى هذا الأساس فإن التشابه السلوكي في الموقعيات والمواقف المتحدة سوف يكون كاشفًا عن آداب وثقافة المجتمعات. ومن الطبيعي أن يكون التشابه السلوكي بدوره كاشفًا عن المقبولية الاجتماعية، وهو الشرط والقيد الذي تمّ اعتباره من لوازم الثقافة.

وعلى الرغم من أن الآداب تتجلى على شكل سلوك اجتماعي، وإن السلوكيات تعدّ جزءًا من الأفعال والنشاطات، ولكن حيث تكون هذه الآداب حاملة لمعانيها الخاصة معها، فإن إدراجها ضمن دائرة الثقافة سوف يكون أمرًا معقولًا تمامًا.

د. المساحة الرابعة: المصنوعات الاجتماعية

لقد سبق لنا أن كنا نستعمل المصنوعات الإنسانية في معنى عام يشمل حتى الآثار المنبثقة عن الفعل البياني، والذي يشمل حتى الأمور الاعتبارية أيضًا، بيد أن مرادنا في هذا البحث هو المصنوعات الاجتماعية الأخص والتي تشير نوعًا ما إلى الأشياء المصنوعة يدويًا[1]. ويعود السبب في ذلك إلى التمكن من إحصاء مجالات أدق. تموج النوايا والمفاهيم الإنسانية ـ في بعض هذه الأشياء في المساحة الشعورية لدينا ـ بوصفها أثرًا إنسانيًا؛ وقد سبق في مورد تعامل الأشخاص مع مصنوعاتهم والأشياء التي أبدعوها أن ذكرنا أن الأشخاص يتعاملون مع هذه الأشياء بشكل خاص، وقد ورد التوضيح بشأن مفهومية هذه الأشياء المصنوعة من قبلهم في

(228)

المساحة الإنسانية. والآن يمكن القول من خلال تعميم بوجود مفهوم اجتماعي لهذه الأشياء، واعتبارها نتيجة لذلك جزءًا من الثقافة. والشرط المهم في ذلك هو أن تعدّ هذه المصنوعات الاجتماعية ثقافية بمقدار ما اكتسبه المعنى الإنساني بشكل عام وأخذ عامة الناس يفهمون منها معنى عامًا. وعلى هذا الأساس لا يمكن عدّ جميع المصنوعات ثقافية، بل إن الثقافي منها هو خصوص الذي يدرك منه المجتمع معنى ومفهومًا، وإن حجم تعلقه بدائرة الثقافة يكون بمقدار المعنى المفهوم منها. كما قيل في البحث الفردي إن كل مقدار يعمد فيه الفرد إلى إشباع المعنى في هذه الأشياء، يكتسب صبغة إنسانية.

أمثلة ونماذج عن المصنوعات الاجتماعية

يمكن على سبيل المثال بيان قائمة ببعض المصنوعات الاجتماعية حيث تندرج ضمن دائرة الثقافة. ويُشار هنا إلى بعض المصاديق في هذا الشأن، ومن بينها: «المسجد»، و«العمارة المدنية»، و«المنبر»، و«الأزياء الاجتماعية»، و«التكنولوجيا». إن وزن وسعة هذه الأمثلة مختلف، وإن بعضها يختص بالثقافة الإيرانية أو الإسلامية، وإن كان يمكن للقارئ المحترم حدس بدائلها في الثقافات الأخرى أيضًا. من قبيل المسجد حيث يكون البديل له في الثقافات الأخرى ظواهر من قبيل: المعابد أو الكنائس. ومن بين الأمثلة تمّ الخوض بشكل أكبر حول التكنولوجيا، وبهذه المناسبة ورد ذكر نقاط تفصيلية أكثر، ومن هذا المثال تمّت استفادة تعميم خاص بشأن جميع المصنوعات الاجتماعية.

المسجد

لا ينبغي اعتبار المسجد مجرّد بناء يقوم في بقعة معيّنة، بل إننا نحمل رؤية خاصة عن المسجد. إن لهذا البناء من الناحية الاجتماعية آلية اجتماعية، وأنه قد أشبع في

(229)

ذلك المعنى الخاص. من الواضح بداهة أن هذا البحث غير ناظر إلى جميع ما يحدث في هذا المسجد، وأنه بمقدار المعاني الكامنة والمشبعة فيه ويدركها المجتمع، يمكن اعتبار المسجد بناء ثقافيًا. فأن يتمّ السعي في عمارة المدن الإسلامية إلى بناء المسجد في وسط المدينة، إنما يأتي في الواقع من هذا الفهم العام لمعنى المسجد. وقد كان الموقع الجغرافي لحرم السيّدة فاطمة المعصومة عليها‌السلام في مدينة قم المقدسة في مرحلة ما بحيث تؤدّي جميع الشوارع إلى مرقدها المطهر، وسبب ذلك يعود إلى التأكيد على معنى محورية هذا الحرم وشخصية السيّدة فاطمة المعصومة عليها‌السلام بالنسبة إلى مدينة قم المقدسة. والأمثلة الأخرى عبارة عن سائر الأبنية المدنية من قبيل: المدرسة، والمستشفى وما إلى ذلك حيث يمكن لها ـ  بمقدار المعنى العام الذي يفهمه عامة الناس ـ أن تكون جزءًا من الثقافة.

أنواع العمارة المدنية

تارة يكون جميع بناء المدينة وطريقة صفّ البيوت وسائر أجزاء المدينة بحيث يقع مفهومها الخاص موردًا لفهم عامة الناس. من قبيل الموارد التي يتمّ فيها بناء المدينة أو المجمّع السكني على شكل خاص. وفي جميع هذه الموارد يكون المعنى الكامن فيها قليلًا تارة، وكثيرًا تارة أخرى. وإن المثال الواضح في هذا المورد عبارة عن الاستفادة من مصادر الحرارة والتدفئة المركزية في بعض البلدان والمدن الشيوعية، الأمر الذي يحكي عن معنى خاص[1] وثقافة خاصة لهذه البلدان. من الواضح بداهة أن المعنى المفهوم يجب أن يكون مقبولًا أيضًا. وإن كانت ذات الاستفادة من البنية والرصف الدال على ذلك المعنى، بمنزلة قبول ذات المعنى. وعلى هذا الأساس فإن مصنوعات من هذا النوع، عندما تكتسب حالة اجتماعية،

(230)

سوف يُفهم منها معنى، وإن كانت تقع موردًا للقبول من الناحية الاجتماعية.

في هامش هذا البحث يمكن اعتبار الأساليب المعمارية بدورها جزءًا من دائرة الثقافية، من قبيل أن يكون الأسلوب المعماري في كل مرحلة تاريخية في ثقافة ما بطريقة خاصّة. إن انتشار الأساليب المذكورة يُشير إلى نوع من القبول العام والاجتماعي بالنسبة إلى تلك الأساليب.

المنبر

إن المنبر في الفهم والتقبّل الاجتماعي ليس مجرّد موضع يُتخذ للجلوس عليه، بل تستفاد منه مفاهيم خاصة. والنقطة المهمة هي أنه من الممكن أحيانًا أن لا تتدخل يد الإنسان في صناعة المنبر، كأن يتمّ اتخاذ صخرة مرتفعة ـ على سبيل المثال ـ لتكون موضعًا للوقوف عليها وإلقاء المواعظ الدينية، فتكون هذه الصخرة في الواقع بمنزلة المنبر. وعليه يجب اعتبار هذه الصخرة مصنوعًا اجتماعيًا.

الأزياء الاجتماعية

لا بد هنا أيضًا من تقيد الثقافية بحجم ومقدار الفهم والتقبّل الاجتماعي أيضًا، وإن مجرّد الزي أو البناء لا موضوعية له في البحث. إن زي الشرطة أو المضمّد أو عالم الدين بل وحتى الثياب الخاصة بالعزاء تعد من الثياب الاجتماعية. إن هذه الأزياء تعبّر عن الشؤون الاجتماعية لهذه المجموعات، وتبرز للعيان أدوارهم الخاصّة.

إن البحث عن الأزياء والثياب ونسبتها إلى الثقافة لا يقتصر على بحث الأزياء الاجتماعية، وإنما يشكل مجموع بحث الأزياء والثياب في المجتمعات. إلى الحدّ الذي يمكن القول معه: إن جميع أنواع الثياب والألبسة تحتوي على فضاء اجتماعي خاص، كما أن الحضارة الغربية الراهنة ـ على سبيل المثال ـ تعمل

(231)

على إلقاء معنى خاص من الثياب والأزياء، ووقعت موردًا للقبول. وفي بعض المجتمعات وفي ضوء محورية الدنيا واللذة وطلب الراحة، يتمّ العمل على توجيه ثياب النساء وأزيائهن نحو التعرّي وإبراز مفاتن الجسد، وفي بعضها الآخر بحسب محورية العفاف والكرامة الإنسانية ومضاعفة الاهتمام بالروحانية والمعنوية، حيث اقترنت ثياب النساء بالستر والحشمة، وأخذ يُفهم منها معنى خاص. ومن هذه الزاوية يمكن بيان سياسة فرض خلع الحجاب الخاص في عصر رضا شاه البهلوي في المجتمع الإيراني وآثاره الاجتماعية والعينية من الأبحاث المهمّة الجديرة بالبحث.

وفي مجتمعنا الراهن تعدّ الكوفية مثالًا جيدًا؛ حيث تفيد مفهومًا خاصًا على نحو واضح جدًا.

وبالإضافة إلى بحث الموضات في الثياب بمعنى الأساليب أو الأسلوب المقبول من الناحية الاجتماعية، يجب الاهتمام بالأزياء في المجتمعات أيضًا؛ وذلك لأن كل ثقافة تحتفظ بأزيائها وموضتها الخاصة. من قبيل الثقافة التي تمّ القبول فيها بعشرة أنواع من الثياب في الحقل المفهومي. وبطبيعة الحال فإن أساليب الستر بدلًا من القبول العام قد تواجه رفضًا عامًّا[1].

(232)
التكنولوجيا[1]

يمكن إدراج التكنولوجيا بشكل واضح تحت بحث المصنوعات الاجتماعية. ومن خلال المزيد من التدقيق يمكن العثور على ثلاثة فضاءات مفهومية مختلفة فيما يرتبط بالتكنولوجيا، حيث يتطلب كل واحد منها توجهات وأحكام خاصّة به. وإن هذه الفضاءات الثلاثة تحتوي على المعاني والمفاهيم الموجودة في التكنولوجيا والآداب التي تقترن بها، وفي نهاية المطاف تشمل حتى اللوازم الناشئة عنها.

المفاهيم الكامنة في التكنولوجيا

إن المعاني الكامنة في التكنولوجيات تعدّ في حدّ ذاتها جزءًا من الأبحاث المرتبطة بالتكنولوجيا. إن هذه المعاني تمور في التكنولوجيات وتكون قابلة للفهم. من قبيل المثال المعروف حول السيارات؛ حيث يقال: إن السيارات الشخصية تتناسب مع الثقافة الفردانية للمجتمع الليبرالي، وإن الحافلات ووسائط النقل العامة تتناسب مع الثقافة الاشتراكية. ويمكن في تعميم تصوّر فضاء يعمل فيه بلد ـ مثلًا ـ على مساعدة الطبقة الفقيرة، إن هذه الرؤية يمكن لها أن تحمل معانيها الخاصّة في الفضاء التكنولوجي بشكل طبيعي. كما يمكن أن نرى ما يُشبه هذا الوضع في المصنوعات الأخرى، مثل العمران وشق الطرق، من قبيل: المشاريع التي يتمّ تنفيذها حاليًا تحت عنوان «من الحرم إلى الحرم» بالنظر إلى فضاء قطرنا حيث الأهمية التي تحظى بها العتبات والمواضع المقدسة في مجتمعنا. إن هذه المشاريع تحتوي بشكل واضح تمامًا على معان كامنة تعكس تلك الأفكار والاهتمام بها. ومن الطبيعي أن المراد في هذا التحليل ليس هو التماهي مع الرؤى القائلة بنوع من الخبث الذاتي التكنولوجي، بل بغض النظر عن الناحية الإيجابية أو السلبية للمعاني الكامنة في التكنولوجيا، تكون

(233)

القضية الكلية لوجود المعاني الكامنة في التكنولوجية قابلة للإقرار على نحو عام نسبيًا. بل ويجب حتى القول بأن الاعتقاد بنوع من الخبث التكنولوجي الخفي أو وجود نوع من التنزّل الحتمي في ذات التكنولوجيا بالنسبة إلى الشأن الإنساني، لا يبدو صحيحًا. إن المهمّة الخاصة للتقنيات عبارة عن ارتقاء مستوى الرفاه الاجتماعي أو مستوى العمل الاجتماعي، أجل إن الأمر الذي يجب أن يتمّ العمل على مراقبته من تلك الناحية هو أن بعض التقنيات تحمل معها معان كامنة.

الآداب المقرونة بالتكنولوجيا

إن بعض المسائل الثقافية المنبثقة عن التكنولوجيا، لا تكون بسبب المعنى الكامن فيها بل بواسطة الآداب المقرونة بها. من قبيل جهاز التلفزيون فإنه منذ أن دخل إلى مجتمعاتنا حتى أصبح مركز الثقل في بيوتنا، الأمر الذي شغل الجميع. من الطبيعي أن هذا الأمر لا ينشأ من المعاني الداخلية للتلفزيون، بل ينشأ من الآداب المقرونة بالتلفزيون، سواء أكان لهذه الآداب سابقة في بلدان أخرى أو كانت خاصة بمجتمعنا وتمّ القبول بها على هذه الشاكلة. وعلى كل حال فإن هذه الآداب المقرونة بالتقنية تحتوي على أهمية كبيرة أيضًا. إن هذا التفكيك بين الآداب والمعاني المقرونة بها تكمن أهميتها من حيث أن بعض الانتقادات القاسية والعنيفة جدًا لا تتجه إلى ذات التكنولوجيا، وإنما تعود إلى آدابها. من قبيل أن القنوات الاجتماعية المرتبطة بفضاء الإنترنيت قد حوّل الأشخاص الذين يستخدمون الهواتف المحمولة إلى أشخاص منفصلين بالكامل عن الواقع ومنقطعين تمامًا عمّا يدور حولهم. من الواضح بداهة أن هذه الآداب والسلوكيات قابلة للتصحيح أو أن يتمّ تغييرها، وعلى كل حال فإن هذا الانفصال عن الواقع والمحيط ليس معنى ناشئًا من ذات التقنية، وليس بحيث لا يمكن أن ينفك عنها. ويجب التذكير بأن المراد من الآداب عبارة عن طريقة السلوك العام والذي يحظى بالمقبولية العامّة التي يمكن مشاهدتها بالنسبة إلى هذه التقنيات.

(234)
اللوازم المقرونة بالتقنية؛ التمهيد للتجليات الثقافية الحديثة

إن النوع الثالث من المعاني الناشئة عن التقنيات، لا ينشأ في بعض الأحيان من المعاني الكامنة فيه، ولا من الآداب المقرونة به، بل تنشأ من أن ذات التقنية تشكّل أرضية لمجموعة من التجليات الثقافية المستحدثة. والمثال البارز والمعروف هو اختراع الآلة الكاتبة (الطباعة) التي أحدثت ثورة كبرى في حقل الثقافة. لقد نشطت هذه الصناعة من الناحية العملية في خدمة التنمية الواسعة للجزء البياني من الثقافة، وقد شهد هذا البُعد من الثقافة ازدهارًا منقطع النظير. وبعبارة أخرى: إن الذي أدّى إلى هذه التحوّلات الثقافية الحديثة إنما كان بتأثير اللوازم المقرونة بتقنية الطباعة.

المثال الآخر: وسائل التواصل الاجتماعي التي أدّت إلى نوع من التكثيف الثقافي، كما أدّت في الوقت نفسه إلى الفوضى والتشتت الثقافي أيضًا. والمثال الواضح على ذلك انتشار ظاهرة السفور من قبل الإذاعة والتلفزيون الإيراني بعد انتصار الثورة. يمكن الإقرار والاعتراف ـ دون بحث المضمون السلبي أو الإيجابي لموقف الإذاعة والتلفزيون حول مسألة الحجاب ـ بأن مشاهدة صور المناطق التي ينتشر فيها السفور تمثل بالنسبة إلى الأشخاص الذين يقطنون في أقصى بقاع البلاد نوعًا من الأسوة والنموذج المعياري غير المقصود؛ فإن مجرّد مشاهدة مرور السافرات أمام عدسات الكاميرات أثناء تصوير اللقاءات، حتى وإن لم يكن له صلة ببحث الحجاب والعفاف، يترك في حدّ ذاته تأثيرات ثقافية كثيرة. إن خلق التكنولوجيا لفضاء جعل كل شيء في متناول اليد، يعدّ من لوازم التكنولوجيا.

فضاءان مختلفان لوسائل الإعلام الحديثة؛ الفضاء البياني والفضاء التكنولوجي

إن وسائل الإعلام المطروحة على هامش المصنوعات الاجتماعية، تحتوي في حدّ

(235)

ذاتها على بُعدين، وهما: البُعد المضموني الذي يقع ضمن المساحة البيانية من الثقافة، والبُعد التكنولوجي لها حيث يمكن من جهة ـ باعتبار هذه المساحة ـ بحث الوسيلة الإعلامية على هامش المصنوعات الاجتماعية، ومن ناحية أخرى فقد أوجدت بنفسها وبواسطة هذه المساحة ولوازمها المقرونة بها الكثير من التحوّلات بحيث أن القنوات الاجتماعية الحديثة حاليًا قد عملت على إيجاد علاقات خاصة، حيث كان من نتائجها على المستوى العملي جديّة تبلور الثقافة العالمية الواحدة غير الثقافات الخاصة للمجتمعات[1]. كما تحوّلت كرة القدم لذات هذا السبب إلى معضلة عالمية. وبعبارة أخرى: إن وسائل الإعلام التكنولوجية الحديثة تمتلك القدرة العملية على خلق الهواجس والثقافة العالمية. إن تبلور هذه الثقافة العالمية يعني في بعض الأحيان حذف الثقافات، وتارة بمعنى خلق مجموعة من المشتركات العامّة على المستوى العالمي وبلورة نوع من المعنى المتفاهم عليه عالميًا. إن هذه الثقافة المفهومة لم تكن ظاهرة للعيان حتى ما قبل مرحلة تسلل وتكوين الإنترنيت كثيرًا، وكان يمكن للمجتمعات والأشخاص الابتعاد عن الفضاء العالمي. وحتى بث مختلف الأفلام المنتجة من قبل المجتمعات الشرقية والغربية كانت تعمل في الحدّ الأقصى على خلق نوع من الفهم المشترك، وأما في المرحلة الراهنة فإن الذي يحدث أكثر بكثير من تبلور فهم مشترك وقليل، وإن العلاقات والاتصالات بلغت مستوى التعامل. فكما يوجد هناك حجم كبير بين الأفراد في المجتمع الواحد، فقد عملت وسائل الإعلام المستحدثة على إيجاد تواصل عالمي بين أبناء المجتمعات المختلفة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أننا نرى الكثير من الأطفال  في كافة أنحاء العالم يتعاملون فيما

(236)

بينهم على وتيرة واحدة من خلال لعبة مشتركة. ويجب القول في الأساس إن ذات وسائل الإعلام الحديثة تعمل على بلورة فهم عالمي عام. مع هذا التذكير الهام، وهو أن هذه المساحة تخضع حاليًا للإدارة، وهناك آخرون منشغلون بإدارة بلورة الثقافة العالمية بما يتطابق مع مطالبهم. ولهذا السبب يجب علينا أن نضطلع بدور فعال وأن نقوم بأعمال الإدارة طبقًا لأهدافنا وتطلعاتنا الثقافية، وأن لا نتخلى عن هذه المهمّة كما نغفل عنها حاليًا.

سريان بحث التكنولوجيا إلى جميع المصنوعات الاجتماعية

إن ما تقدّم ذكره حول التكنولوجيا القائمة على وجود المعاني الكامنة في الآداب وما يقترن بها واللوازم الناشئة عن التقنية، قابل للسريان إلى جميع المصنوعات الاجتماعية. في مورد جميع المصنوعات الاجتماعية يمكن مشاهدة هذه الأبعاد الثلاثة، على الرغم من أنه قد لا يُشاهد اجتماع هذه الأبعاد الثلاثة بالنسبة إلى بعض الأشخاص. فقد تكون المعاني الكامنة وكذلك الآداب المصاحبة لها هي وحدها القابلة للرصد، وفي بعض الموارد الأخرى لا يمكن العثور حتى على المعاني الكامنة أيضًا بحسب المتفاهم العام. بل ويبدو حتى إمكان تسرية هذه الأبعاد الثلاثة بشأن بعض الأقسام الأخرى من الثقافة أيضًا، من قبيل تعميم التربية والتعليم في البلدان كان له تأثيرات كثيرة من الناحية العملية، في حين أن مساحة التربية والتعليم لا تندرج ضمن التكنولوجيا ولا يمكن تصنيفها حتى ضمن المصنوعات الاجتماعية.

ه. المساحة الخامسة: التاريخ

لا يمكن للتاريخ بشكل مطلق وبأيّ معنى من المعاني التي نعرفها عن التاريخ أن يكون جزءًا من الثقافة. وإنما التاريخ الذي يرد بيانه وذكره بوصفه واحدًا من رباعي: الثقافة والتاريخ والمجتمع والحضارة، ويعمل على بلورة الذاكرة العامة

(237)

للمجتمع، هو الذي يندرج ضمن الثقافة. إن هذه الذاكرة غالبًا ما تكون واعية ومدركة، ولكن كما سبق أن ذكرنا بشأن اللغة، قد تختفي تطوّراته وجذورها ومناشؤها في الفاهمة العامّة أحيانًا. إن لذكر التاريخ بوصفه جزءًا من مساحة الثقافة تأثيرًا كبيرًا في البحث عن كيفية وجود الثقافة؛ وذلك لأنه يحرر الثقافة من قيود المكان والزمان الحاضر، ويحقق نوعًا من الاتصال بالنسبة إلى الماضي واتصال آخر بالنسبة إلى المستقبل. ثم إن التاريخ بنفسه يؤدّي إلى اتساع كبير لحقل الثقافة، كما أننا حاليًا لسنا منفصلين أبدًا عن الحقائق والأحداث والأفكار التاريخية من قبيل: أنواع المقاومة والصمود، وحتى أنواع الإذلال التاريخي، وإن جميع هذه الموارد موجودة حاليًا في ذاكرتنا الجماعية.

تارة نلاحظ في ثقافة فريدة بحسب الظاهر، عداوة لبعض المجموعات، من قبيل الشعور الذي كان يحمله الفرنسيون تجاه الإنجليز؛ حتى أنهم يتوقون إلى مواجهتهم بشدّة. وربما يعود السبب في ذلك إلى أن اللغة الفرنسية التي كانت تعد لغة عالمية، قام الإنجليز بإسقاطها من عرشها بلباقة وخفة يد خاصّة، وأقامت اللغة الإنجليزية بدلًا منها. إن هذا العداء وإظهاره إنما هو نتيجة لبيان الذاكرة التاريخية لدى الفرنسيين؛ على الرغم من أن الفرنسيين المعاصرين لم يعيشوا في تلك المرحلة، ولا يعلمون بتفاصيل تحوّلاتها وتطوّراتها أيضًا، بيد أن هذا الشعور وهذا النوع من التفكير حاضر في ذاكرتهم بقوّة. وهو أمر نراه بوضوح حتى في تعاطي الفرنسيين مع السائحين الأجانب الذين يتحدّثون باللغة الإنجليزية.

وإن بعض ردود الأفعال التي نشاهدها حايًا في العالم الثالث تجاه الاستعمار يُعدّ جزءًا من الذاكرة التاريخية لشعوب العالم الثالث وناشئًا من تلك الظاهرة. وإن كانت بعض جزئيات وتفاصيل الأحداث قد تضيع في مسار الزمن.

إن الحديث عن الوعي الذاتي لهذه الذاكرة، لا يعني أن اللاوعي التاريخي لا يُعدّ

(238)

جزءًا من الثقافة. يجب عدّ اللاشعور ضمن مساحة الثقافة أيضًا، بيد أن ظهوره يكون على المشهد وفي مواجهة خاصّة يفرضها اللاشعور فجأة ويعمل على إظهارها بوضوح. وتارة تختفي هذه الذاكرة اللاواعية بالمرّة. إن مثال اللاوعي الذي يتجلى ويظهر فجأة، من قبيل: الحروب الصليبية التي قد نشعر أنها قد اختفت في طيات الأزمنة الماضية، ولكن عندما نسمع فجأة ذكرها يجري على لسان رئيس الولايات الأمريكية المتحدة في حينها، يتضح أنها لم تختف تمامًا وأنها لا تزال عالقة في الثقافة، وكل ما هنالك أنها ظهرت على لسانه. وقد سبق لنا أن أوضحنا كيفية حضور اللاوعي، وتقدّم أيضًا أن اللاوعي بحسب الفضاء الشعوري / الإرادي للحياة الإنسانية هو في الواقع واع بشكل من الأشكال ولكن على شكل وعي ذاتي يكتنفه الكثير من الغموض. إنه غموض يعمل على بلورة السلوك والفعل ويؤدّي إلى ردّة الفعل. في كلتا المساحتين التاريخيتين الواعية وغير الواعية هناك شرط في القبول، غاية ما هنالك أن لهذا القبول في الذاكرة اللاواعية شكلًا مجملًا ومستترًا. يمكن القول بأن موت التاريخ لن يكون ممكنًا بالنسبة إلى ثقافة ما، إلا إذا قام مجتمع ما بإلغاء ثقافته ليتمكن من اعتناق ثقافة أخرى، عندها سوف يمكن لموت التاريخ السابق لتلك الثقافة أن يتحقق أيضًا. ولكن مع ذلك وتحت ظل هذا النوع من التصوّر لا ينبغي أن نغفل عن رواسب الثقافة التاريخية القديمة.

المساحة الواسعة للتاريخ

إن ذات التاريخ بوصفه واحدًا من أجزاء الثقافة الواسعة يشمل مساحة واسعة وبلدانًا شاسعة. من ذلك مثلًا أن من بين الأمور التاريخية  عبارة عن المصنوعات الاجتماعية لأسلافنا والتي تندرج حاليًا ضمن تاريخ وأصول الثقافة. أو أن الكثير من الآداب والتقاليد الراهنة إنما هي آداب وتقاليد مأثورة عن الأسلالف، وكذلك يمكن أن نأتي بشاهد من اللغة التي ناطحت بقامتها قامة التاريخ، ولا تزال تواصل حياتها.

(239)
التاريخ والثقافة السابقة الممتدة إلى هذه اللحظة

إن مساحة التاريخ من السعة بمكان، حتى لكأن التاريخ هو الثقافة السابقة وأنه زحف بنفسه إلى الثقافة الراهنة. وبعبارة أخرى: إن التاريخ ليس ذاكرة اجتماعية منفصلة عن سائر مساحات الثقافة وإلى جوارها، ويمكن في التاريخ رؤية جميع الأبعاد الأخرى من الثقافة الأعم من الآراء والعقائد والأساطير والأبنية والآداب والتقاليد والأمور البيانية، والنصوص المرجعية وما إلى ذلك. وبعبارة أدق: إن هذه الأمور التاريخية والقديمة في ظاهرها، قد امتدت إلى راهن الثقافة ولها حضور فيها. وعلى هذا الأساس فإنه في التعاطي مع ظاهرة ثقافية من قبيل مواكب العزاء في عاشوراء، لا ينبغي ملاحظتها بوصفها أمرًا راهنًا؛ إن هذه المواكب ضمن كونها مجموعة من مختلف أبعاد الثقافة، فإن جميع تلك الأبعاد في الوقت نفسه تحظى بجذور تاريخية حيث أظهرت نفسها على الشكل الراهن.

التاريخ بوصفه مادّة للثقافة الراهنة

إن الثقافة الراهنة كأنها حصيلة أخذ التاريخ والثقافة السابقة بوصفها مادة للثقافة الجديدة، وإن إضفاء الصوَر الحديثة عليها في عين التعامل الفاعل مع الماضي والحاضر في إطار التوجيه وردّة الفعل وإعادة الإنتاج وحتى الإضافات الحديثة. تمامًا مثل الشجرة التي كان لها من العمر سنة واحدة، وقد بلغت الآن سنتها العاشرة، فهي عبارة عن ذات ذلك الجذع، وذات تلك الأغصان، وذات تلك الجذور، وقد كبر حجمها الآن واكتسبت شكلًا جديدًا، وذات الجذور تحوّلت إلى جذور أكثر عمقًا، وكذلك ذات ذلك الجذع وتلك الأغصان اكتسبت هذه الصورة والهيئة الجديدة وأضيفت لها في بعض الأحيان أغصانًا أخرى. إن تاريخ الشعب في كل عصر يعيد صياغة نفسه بما يتناسب وذلك العصر. وتارة تظهر الروح الكلية

(240)

للتاريخ القديم نفسها في ظل الظروف والاقتضاءات العصرية، وتارة يقع في جزء منتقى من الروح القديمة على جدول أعمال الشعب والمجتمع في ظل الظروف والشرائط الحديث ويبدأ بالانتشار والاتساع، وتارة تعمل المقتضيات والشرائط الجديدة على إضافة تكنولوجيا جديدة وتارة سلوكيات جديدة إلى التاريخ القديم؛ وهو أمر لم يكن له من أثر أو خبر في السابق.

إن من بين الأبحاث المهمة في حقل التاريخ والثقافة، عبارة عن طريقة قراءة الثقافة الراهنة للتاريخ والثقافة التي سبقتها. إن تعاطي الثقافة الراهنة مع ظاهرة النوروز، أو بشكل عام النظرة إلى الأساطير (من قبيل عوج بن عناق) في الثقافة الجديدة، والتقرير عن الأبطال والرموز الكبرى (مثل أبي الفضل العباس عليه‌السلام في الثقافة الشيعية)، تندرج بأجمعها ضمن هذا البحث. إن هذه الموارد تتبلور نوعًا ما بشكل انتقائي ويعاد خلقها وإنتاجها، وتارة يُشاهد فيها توجيه خاص.

و. المساحة السادسة: الأمور الجعلية والاعتبارية

إن الأمور الجعلية تعدّ واحدة من المساحات المهمّة في دائرة الثقافة، إلى الحدّ الذي لم يتمّ فيه وصف الثقافة في بعض التصوّرات إلا من هذه الزاوية. وكما سبق أن ذكرنا فإن هذه الأمور الجعلية تستمد كثيرًا من الدائرة الخلاقة. إن الإنسان يعيش من خلال الإبداع تجربة الكثير من الأمور الجعلية المتنوّعة، وإن كان عنصر الخلاقية يسري في سائر الأبعاد الأخرى أيضًا.

يبدو أنه على الرغم من أهمية هذه المساحة، ولكن لا ينبغي اعتبارها من السعة بحيث تشمل جميع الأمور الثقافية. لأن خفض الأمور الأخرى بها يقترن بخلل ولا ينسجم مع الرأي الصحيح في هذا الشأن، حيث يجب بحث ذلك في محله[1]. وعلى

(241)

كل حال مهما كان البيان والتوصيف للثقافة، لا يمكن إنكار أهمية ودور هذه الأمور أبدًا. وفي هذا المقام سوف نعمل على تقديم وصف للأمور الجعلية، كما سوف نذكر أمثلة عن الأمور الجعلية والاعتبارية أيضًا.

حقيقة الأمور الجعلية في المساحة الإنسانية

كما تقدّم في المباحث الفردية، فإن الأمور الجعلية من حيث أنها ترد في المساحة الإنسانية تكون واقعية؛ بمعنى أن المواجهة مع المجعولات في هذه الساحة تكون مواجهة واقعية وعلى هذا الأساس يتم حل وفصل الكثير من الأمور المرتبطة بها والقائمة على أساسها. إن الأمور الجعلية في هذه المساحة لها واقعية كما لها آثار حقيقية أيضًا، وإن التسميات الاعتبارية لا تأثير لها في كيفية التعامل معها.

إن الأمور الجعلية من الكثرة بحيث يصعب إحصاؤها، وحتى بعض الأمثلة الآتية هي في حدّ ذاتها تمثّل بابًا واسعًا من الأمور الجعلية، وإن عدّ مصاديقها لن يكون بالعملية السهلة والبسيطة.

مبرر الاستفادة من مفردة الجعل في وصف الأمور الجعلية

إن الإنسان يمتلك القدرة على خلق أنواع الأبنية، وليس أمامه طريق أحادي الاتجاه، ولكنه ينتقي باختياره من بين الخيارات الموجودة خيارًا واحدًا حتى في تطبيق رؤية واحدة، ومن هنا يجعل من اعتبار وجعل هذا الخيار أمرًا خاصًّا. إن بناء النظام الخاص ضمن هذه الأمور التي تتحقق بالجعل والاعتبار. والتوضيح الأكثر في هذا الشأن أنه كما للنحل والنمل نظامها الخاص، فإن لأبناء البشر بدورهم أنظمتهم التي يعملون على بلورتها أيضًا، غاية ما هنالك أن الفرق يكمن في أن الأنظمة المتبعة من قبل الحيوانات والحشرات يسير أبدًا على وتيرة واحدة حيث يتمّ وضع هذا النظام الخاص بها وتطبيقه على أساس ما تقتضيه غريزتها، وأما في

(242)

الأنظمة البشرية فحيث يمتلك الإنسان القدرة على الاختيار، فإنه يعمل على خلق أنواع الأنظمة، وفي هذا الخلق يكون جعله واعتباره هو المهم، وليس قانون الغريزة القهرية. وعلى هذا الأساس تكون الأنظمة البشرية أنظمة جعلية، وذلك إذ يتمّ اعتبارها من قبل الإنسان نفسه. والملفت بشكل أكبر هو أنه بعد كل جعل تتبلور التعاملات الإنسانية في إطار ذلك الجعل، وإن الإنسان يتعامل في ضوء هذه الأمور الجعلية ويعيش في ظلها ويواصل حياته الاجتماعية ويمضي قدمًا. وقد سبق لنا أن أوضحنا مرادنا من الجعل تحت عنوان «الاعتبار والتنمية في الساحة المفهومية» في مباحث النشاط الإنساني في المساحة الفردية.

أمثلة عن الأمور الجعلية التي هي جزء من الثقافة

إن ملاك الأمور الجعلية في مساحة الثقافة عبارة عن أن تحظى بالقبول العام؛ بمعنى أن الملاك في كون الشيء ثقافيًا أن يكون حاصلًا على مثل هذا المعنى العام المتفاهم عليه. إن معنى هذا الكلام هو أن الثقافة في هذه الأمور تقوم بإظهار نفسها على شكل أمور جعلية.

المثال الأول: البنية الاجتماعية العامة

هناك في كل مجتمع تقوم بنية اجتماعية عامّة، حيث يعمل أفراد ذلك المجتمع على إيجادها، والمراد من تعميم البنية عبارة عن القرارات العامّة التي يتخذها المجتمع في إطار كيفية إدارة نفسه، فإن البنية الاستبدادية الملكية ـ على سبيل المثال ـ لها معناها الخاص. إن هذا المقدار من المعنى الذي يظهر نفسه في هذه البنية والذي يتمّ إشباعه فيها، يحكي عن ثقافية هذه البنية. إن المعنى الحاضر في هذه البنية عبارة عن استيلاء الملك على جميع السلطات، ابتداء من السلطة التشريعية وصولًا إلى السلطة التنفيذية والقضائية؛ فجميع الأمور تقع تحت يده وسلطانه. وعلى الرغم من إمكان فهم

(243)

هذا النوع من المفاهيم في الأنظمة القبلية أيضًا، بيد أن هناك في الأنظمة الواسعة والراقية، نرى لازمًا باسم انتقال النشاطات إلى الأفراد والجماعات، كما تعمل في  النظام الاستبدادي الملكي أحيانًا مجموعة بالنيابة عن الملك في تحقيق تلك الأهداف والغايات، ومن الطبيعي أن هذا المعنى المضاف إذا كان موردًا للفهم العام، فسوف يندرج ضمن حقل الثقافة. وأما في البنية المتبلورة على أساس الديمقراطية، فيمكن فهم معنى آخر بشكل واضح.

من الواضح بداهة أن المراد في هذا البحث ليس هو ذات البنية؛ إذ سبق أن ذكرنا أن الأبنية إنما تندرج في حقل البنية الاجتماعية التي هي جزء من المشاركة العينية، التي تقع في مقابل الثقافة، وإن مجموع هذين الأمرين الذي هو عبارة عن المشاركة العينية والثقافة، هو الذي يعمل على بناء المجتمع. وأما المعنى الكامن والمشبع في هذه الأبنية فإنه يؤدّي إلى إمكان فهم الأبنية المعتبرة بوصفها جزءًا من الثقافة. وبعبارة أخرى: إن الأبنية تشتمل على عينية وعلى مفهوم كامن؛ وإن القسم العيني من البنية هو المؤسس للبناء الاجتماعي، وإن قسم المفهوم هو المؤسس للثقافة. وكأنما هو روح قد تجلّت في وجود وبدن. لا ينبغي اعتبار هذا المثال بوصفه أساسًا للعلاقة الحقيقية للثقافة والبناء الاجتماعي، ولكن يتضح الفرق بين هاتين المساحتين من خلال هذا المثال بشكل واضح.

وحتى في الموارد التي يكون المتلقي للمعنى هو العُرف الخاص، فإنه على شرط أن يكون العُرف العام للمجتمع قد قبل بمرجعية هذا العُرف الخاص ـ بأيّ شكل كان هذا القبول حتى ولو بحدّ السيف والقهر والغلبة ـ فإن هذا النوع من المعاني التي تقع موردًا لفهم العُرف الخاص بدورها سوف تكون جزءًا من الثقافة العامّة أيضًا. إن وجود هذه المعاني الكثيرة والمشبعة، ولا سيّما في مورد الأبنية الاجتماعية العامة واضح بشكل كامل؛ وإن الأمثلة التي هي بمنزلة النموذج لإدارة المجتمع،

(244)

وإن كان لها عند العُرف الخاص مفاهيم أكثر ثراء، وتكتسب فهمًا أعمق بيد أن العُرف العام بدوره يدرك أصل مفهوم هذه الأبنية العامّة بشكل واضح أيضًا، إلى الحدّ الذي يمكن معه القول بأن الأبنية الاجتماعية العامة تحظى بجعل اجتماعي. فعلى سبيل المثال لو قام مجتمع على أساس النظام الليبرالي الديمقراطي أو على أساس النظام الشيوعي أو على أساس الديمقراطية الدينية، فسوف يحتوي على معان كثيرة، وينفصل كل واحد من هذه المعاني بمساحته المفهومية عن سائر المعاني الأخرى. تنعكس هذه النماذج العامّة في دساتير المجتمعات وقوانينها بوضوح. إن الدساتير في حدّ ذاتها باعتبار النص المرجعي تكون جزءًا من الثقافة، ولكن بالنظر أن النماذج الأساسية ومثال البناء الأساس الذي يتمّ اعتباره بالنسبة إلى المجتمعات إنما يُستخرج من صلب تلك القوانين على مستوى المجتمع، وإن هذا الظهور والتجلي بدوره يحتوي على مفهوم أيضًا، فمن هذه الناحية سوف تكون جزءًا من الثقافة أيضًا. وفي مقام القياس والمقارنة لا تشتمل الأبنية الجزئية الاجتماعية على كل هذه المساحة الواسعة من النفوذ والإشباع المفهومي أيضًا.

المثال الثاني: البنية الاجتماعية الجزئية

هناك في كل مجتمع بالإضافة إلى التركيبة والبنية العامة المستقرة فيه، هناك أبنية وأنظمة جزئية أيضًا، من قبيل: نظام التربية والتعليم، والنظام الاقتصادي، والنظام السياسي[1]، والنظام الأمني، والنظام الحقوقي، والنظام الاجتماعي وما إلى ذلك من الأنظمة الجزئية الأخرى أيضًا. وعلى الرغم من أن المعاني المشبعة في هذه الأنظمة أقل من الأبنية العامّة، ولكننا مع ذلك نشاهد إشباع المعنى بكثرة في كل واحد

(245)

من هذه الأبنية الجزئية أيضًا. إن هذه المعاني الكامنة تؤدّي إلى إمكان اعتبار الأبنية والأنظمة الجزئية جزءًا من الثقافة أيضًا. من الطبيعي أن يختلف النظام الاقتصادي من مجتمع إلى مجتمع آخر، وعلى هذه الشاكلة يصحّ هذا الكلام بالنسبة إلى سائر الأنظمة الأخرى أيضًا.

المثال الثالث: التشقيقات والتقطيعات الاجتماعية

إن المراد من التشقيقات والتقطيعات الاجتماعية، هو كل نوع من أنواع التقسيمات التي حظيت باهتمام من قبل المجتمعات وتكون لها معان ومفاهيم خاصّة، من ذلك أن العسكريين في باكستان يمتازون من سواهم، حيث يكتسب الانتساب إلى الجيش معان خاصة[1]. أو التقسيم بين ما هو ديني وما هو غير ديني له مفهومه ومعناه في بعض المجتمعات. وكذلك كان لطبقة علماء الحقوق في اليونان القديمة نوعًا من الامتياز والمفهوم الخاص. أو في بعض السلاسل الملكية تحظى طبقات علماء الدين والكهان بامتياز خاص. أو في بعض المجتمعات قد يحصل العلماء على امتياز يرفعهم على غيرهم، بل ومن الممكن أن يُعدّ الانتساب إلى مدينة أو محافظة ذا معنى ومفهوم خاص، أو من قبيل تقسيم الأشخاص ما بين سيد ينتسب إلى سلالة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغير سيد في المجتمعات الشيعية بل وحتى الإسلامية الأعم حيث يكتسب المنتسب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شرفًا ومفهومًا خاصًا. إن جميع هذه الموارد التي تشتمل فيها هذه التشقيقات والتقطيعات على معان مفهومة بشكل عام، سوف تكون جزءًا من الثقافة.

بالنظر إلى الأمثلة أعلاه، لا ينبغي خفض هذه التشقيقات والتقطيعات الاجتماعية إلى ذلك المعنى المنظور في علم الاجتماع عن الطبقية. فقد يتماهى هذان المفهومان في بعض المجتمعات وقد لا يتماهيان، بل يجب القول بأن التشقيقات الاجتماعية أعم بكثير وأكثر اتساعًا من المعنى الخاص من الطبقة والطبقية في علم الاجتماع.

(246)

من الجعل والاعتبار الخاص بذلك الشعب وتلك الأمّة، وإن بعض هذه الألعاب والرياضات لها مفاهيم كثيرة، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ الرياضة الوطنية التي تعدّ من مختصات الإيرانيين وحقل الثقافة الإيرانية وزاخرة بالمعاني والمفاهيم. كما يمكن الإشارة إلى رياضة الفروسية أيضًا. وإن كان في المقارنة بين هاتين الرياضتين تكون الرياضة الوطنية بالنسبة إلى المتفاهم العام أكثر إشباعًا فيما يتعلق بفهمها وإدراكها. في رياضة كرة القدم الناشئة عن الحضارة الغربية، حيث تحظى عرقلة المهاجم الخصم ـ ومنعه من تسديد الهدف بأي ثمن كان حتى ولو على حساب ارتكاب إعاقة خطيرة له ـ بمقبولية من قبل المشجعين للفريق المدافع والمدربين، يمثل دليلًا على نشوئها من رؤية خاصّة وفكر خاص يقع إلى الضد من الأساليب والأفكار البطولية والروح الرياضية الزاخرة بالمروءة. والمثال الواضح الآخر لمفهوم كرة القدم بالنسبة إلى المواطنين في البرازيل حيث يبدو أنها قد أصبحت بمنزلة الهوية لهم. أو النسبة التي نقيمها حاليًا نحن الإيرانيون مع رياضة المصارعة لما تحتوي عليه من المعنى الخاص الكامن فيها.

لا بدّ من التذكير بأن الترفيهات لا تندرج عادة ضمن الجعليات والاعتباريات، على الرغم من أنه قد يكون لكل قطر أو قوم بعض الترفيهات الخاصّة، ولكن يمكن بشكل رئيس وضع الألعاب والرياضات ضمن الأمور الجعلية والاعتبارية. بل من الممكن عدّ الترفيهات من حيث الآداب والتقاليد المقرونة بها أو اللحاظات الأخرى بوصفها جزءًا من الجعليات والاعتباريات. أجل قد يمكن عدّ الترفيهات بلحاظ الآداب والتقاليد المقرونة بها أو باللحاظات الأخرى جزءًا من الجعليات والاعتباريات. من قبيل شيوع الرحلات على الطريقة الفرنسية / الإنجليزية ثم الأمريكية لاحقًا، بعد الثورة الفرنسية الكبرى، واكتسب ثقلًا مفهوميًا مضافًا، من قبيل: «ندوات الذين حصلوا على حق الإدلاء بالأصوات حديثًا»، و«الاعتراض

(248)

السياسي»، و«إحياء اليوم الوطني للاستقلال». وحتى بغض النظر عن هذه المعاني المضافة، فإن كيفية وطريقة التنفيذ قد تحتوي على اختلافات جادّة بغض النظر عن التجوّل والسياحة في الطبيعة في سائر المجتمعات. أو النموذج الآخر في «المهرجان المقدس» أو مهرجان الألوان في الهند الذي يخلق نوعًا من النشاط والبهجة من خلال تقاذف المشاركين بمقادير كبيرة من المساحيق الملوّنة على وجوه وأجساد بعضهم، ولكنه حيث يحتوي على مفاهيم اعتبارية يمكن أن يكون جزءًا من الأمور الجعلية والاعتبارية. بيد أن ذات أصل الترفيه سواء في نموذج الرحلات الغربية أو مهرجان الألوان الشرقي، لا يؤدّي إلى اعتبار مطلق الترفيهات جزءًا من الجعليات والاعتباريات. كما أن للترفيهات تناسبًا مع طبيعة الجغرافيا أيضًا، وإن كان يتمّ ضمّ بعض المعاني الخاصة الأخرى إلى هذه الظرفيات البيئية أيضًا.

المثال السادس: الأساليب والقوانين المطبّقة والمتعيّنة[1] في المجتمع

إن القوانين الاجتماعية السارية في المجتمع وكذلك الطبقات الظاهرة على السطح ـ وإن لم تكن مكتوبة ـ بغض النظر عن منشئها ـ الأعم من أن يكون عبارة عن القوانين المصادق عليها من قبل المؤسسات القانونية أو المحلية أو المتفق عليها من قبل جماعة غير مصرّح بها ـ من حيث أن الناس يتعاطون معها ويكون لها حضور في المشهد، ويفهم منها الناس المعاني، فسوف تكون جزءًا من الثقافة. وبطبيعة الحال فإنه على الرغم من أن هذه المجموعة ترتبط بالنظام الحقوقي، ولكنها غير ذلك النظام الحقوقي. وحتى لو كانت جميع هذه القوانين مأخوذة من النظام الحقوقي، ولكن من حيث أنها متعيّنة وقد تمّ إقحام الجميع فيها وأضحت جزءًا من الفضاء العيني للمجتمع، تنطوي على معنى مختلف عن النظام الحقوقي. ومن هنا تكون هذه الطائفة من الأمور الاعتبارية جزءًا من الثقافة أيضًا.

(249)
المثال السابع: النماذج والرموز

إن النماذج والرموز باعتبار محتوياتها تدخل ضمن مساحة الأمور البيانية في دائرة الثقافة، ولكنها بواسطة الحيثية الجعلية والاعتبارية تكون جزءًا من الثقافة أيضًا. ليست هناك أيّ ضرورة خاصة في أن يكون هناك بين الرموز والمعاني المفهومة منها نوع من النسبة الواقعية والحقيقية، من ذلك ـ مثلًا ـ أن المطرقة التي تمثل في علم الاتحاد السوفيتي السابق رمزًا للطبقة العاملة، كان من الممكن أن تكون رمزًا لشيء آخر. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الإبرة على الرغم من صغرها ودقتها، يمكن أن تتخذ رمزًا للقوّة، ويعود سبب هذا الأمر إلى سقوط الملك الخصم وموته بواسطة حقنه بإبرة، وإن السلالة التي حلت محله قد اكتسبت بعد الإطاحة به سلطة كبيرة، وكان بوسعها أن تعمل على توظيف هذا الرمز للإحالة إلى هذه السابقة التاريخية.

ز. المساحة السابعة: الأمور الطبيعية والبكر

لقد سبق أن ذكرنا أن بعض الأمور الطبيعية والجغرافية تكتسب ـ دون أن يتمّ مسّها أو التصرّف فيها ـ لونًا وصبغة إنسانية من قبل البشر، ودون أن يتصرّف بها أو يتدخل فيها تكتسب معنى خاصًا بالنسبة إلى الإنسان. وبطبيعة الحال فإن ذات هذا المطلب يكون قابلًا للذكر والبيان في الفضاء الجماعي أيضًا؛ فتارة يكتسب شيء أو موضع أو أمر طبيعي بالنسبة إلى المجتمع مفهومًا خاصًا دون أن يحدث فيه أدنى تصرّف أو تغيير. إن هذه الأمور بدورها تكون جزءًا من الثقافة لذات هذا السبب. وإن حجم الثقافية بدوره رهن بحجم المعنى المقرون بها والمستفاد من تلك الظواهر الطبيعية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن قمّة جبل دماوند بوصفها رمزًا خاصًا قد اكتسبت بعد انتصار الثورة الإسلامية دلالة واضحة عامة تفيد مفاهيم ومعان من قبيل: الصمود والشموخ والعزّة وما إلى ذلك. أو تارة حتى ذكر اسم منطقة ما مثل

(250)

«الشلامجة»، عندما يتمّ سماعه ـ بغض النظر عن إحداث أيّ تصرّف فيها ـ ينصرف الذهن إلى مفهوم خاص بسبب اقتران تلك المنطقة بالمقاومة والصمود المقرون بالشهادة والتضحية والفداء. ويمكن أن يكون لدى كل شعب ما يشبه هذه الحالة حيث تكون لديه أماكن خاصة وطبيعية بسبب وقوع حادثة مهمة فيها، فتكتسب مفهومًا إنسانيًا. والمثال على هذا الأمر الصحراء بالنسبة إلى سكان البوادي، أو البحر والغابة بالنسبة إلى المواطنين الذين يقطنون في شمال إيران حيث ينعكس ذلك على لغة وسلوك ونشاط سكان تلك المنطقة بشكل واضح ويكون لها معناها ومفهومها الخاص. أو حتى الأحداث التاريخية تعمل أحيانًا على تحول نقطة صغيرة جدًا وتجعلها زاخرة بالمعاني، من قبيل: «غار حراء» بالنسبة إلى المسلمين؛ حيث أن مجرّد سماعهم لهذا الاسم يكفي لاستحضار الكثير من المعاني. وتارة حتى لون البشرة يمكن أن يحتوي على الكثير من المعاني من قبيل اللون الأسود واللون الأبيض. إن جميع هذه الأمور الطبيعية تكون بمقدار تشبّعها بالمعاني جزءًا من الثقافة. إن هذ النوع من الأمور ليس من المصنوعات الإنسانية، ولم يحدث بشأنها جعل واعتبار، بل اكتسبت صبغة إنسانية في الفضاء الاجتماعي، وأصحبت ذات معنى في الفهم العام والذاكرة العامّة. إن سبب اكتساب هذه الصبغة الإنسانية يعود أحيانًا إلى التقبل الذاتي وتأثر الإنسان بالبيئة المحيطة به وتارة أخرى التعاطي الكبير مع هذه الأمور وتارة يعود إلى أسباب أخرى. وأيًّا كان السبب إذا اكتسبت الظاهرة الطبيعة مثل هذه الحالة، فإنها سوف تعدّ قطعًا جزءًا من الثقافة.

إن تعلق الناس بالوطن يُعدّ مثالًا آخر في هذا الشأن. وعلى الرغم من أن بحث الوطن بدوره في الأساس يتقوّم بالجعل والاعتبار أيضًا، إلا أنه يُعدّ تعلقًا بالجغرافيا والتراب، وهذا التعلق هو الذي يضفي على الوطن مفهومًا بوصفه وطنًا، ولذلك يمكن اعتبار الوطن بدوره جزءًا من الأمور الطبيعية التي تندرج ضمن الثقافة.

(251)

إن الفرق الواضح بن الرموز وهذه المجموعة، هو أن الرموز اعتبارية، والحال أن الأمور الطبيعية التي تتحوّل إلى أمور ثقافية ليست جعلية ولا اعتبارية، وإنما تحضر المعاني ذات الصلة في الفهم العام بواسطة مساحة التقبّل البشري والأنس الحاصل منها.

ح. المساحة الثامنة: النشاطات الاجتماعية

إن المعنى يزخر في كل نشاط اجتماعي، وبمقدار ما يكون هناك حضور للمعنى تكون الثقافة حاضرة أيضًا. ولهذا السبب تقع النشاطات الاجتماعية في دائرة الثقافة. وبعبارة أخرى يمكن القول: إن كل نشاط اجتماعي يمثل نوعًا من الثقافة المتعيّنة. إن ذات النشاط ـ بطبيعة الحال ـ هو مثل الصناعة الذاتية العينية ليس جزءًا من المعنى العام، بل يندرج ضمن دائرة المجتمع، ولكنه يُعدّ ثقافيًا بواسطة المعنى العام المشبع فيه. ومن هنا نشاهد بسبب اتساع رقعة النشاطات الاجتماعية، توسعًا لحجم الثقافة بنفس المقدار أيضًا. ثم إنه مع انساحب مساحة الثقافة إلى بعض الأمور الاجتماعية التي تمثل بحسب الظاهر المساحة التجسيدية للمجتمع، يحدث نوع من تجسّد المعنى في صلب نشاطها، كما يحدث في المساحة الاجتماعية، وكذلك على الرغم من بقاء امتياز البناء العيني والنشاط من الثقافة والمعنى، نشاهد مع ذلك نوعًا من الارتباط في السطح والعينية الخارجية بين هذين الأمرين. والخلاصة هي أن وقوع النشاط الاجتماعي في دائرة الثقافة يعني تقبّل تجسّد المعنى في العمل بشكل اجتماعي.

إن المراد من النشاط الاجتماعي هو نشاط الفرد في المجتمع ونشاط المجتمع بشكل عام، وإن كان المعنى الثاني يمثل المصداق البارز لهذا البحث، إلا أن نشاط الفرد في المجتمع يُعدّ بدوره نشاطًا اجتماعيًا أيضًا.

إن الأمثلة عن النشاط الاجتماعي العام، عبارة عن: التعبير عن الغضب العام والتعبير عن الفرح العام. وتارة يكون سبب هذا الفرح مسألة من قبيل الانتصار في حرب داخلية أو خارجية أو تجاوز أزمة أو أسباب ومناشئ أخرى. وتارة لا نشاهد

(252)

فرحًا اعتياديًا في بعض المجتمعات، وإنما نشاهد نوعًا من تفجّر الفرح العارم حيث يكتسب في ظلّ هذه الظروف مفهومًا مضاعفًا. والنموذج الآخر مراسم العزاء في شهر محرّم الذي يمثل نوعًا من العزاء العام في فضاء عالم التشيّع، أو مسيرة الأربعين التي اكتسبت في الوقت الراهن شكلًا خاصًا.

كما أن لكل مجتمع مجموعة من المشاعر الخاصة به، ويعمل على بيان أفكاره في إطار الأفراح العامّة. والأمر الذي يُشاهد حاليًا ـ على سبيل المثال ـ عند إحراز الفوز في مباريات كرة القدم على المستوى العام في العالم الغربي، يُعدّ من هذا القبيل. إن وجود فلاسفة الثقافة والمهندسين للثقافة هو الذي يحدد ما هو مقدار الفرح الذي يجب أن يتحقق، ولأيّ الأمور يجب أن يحدث. إن الذي يحدث من قبلهم هو نوع من بناء التقاليد والسنن، وإن النشاطات التي تتبلور في إطار هذه التقاليد والأفكار والمشاعر التي يتمّ بيانها تعدّ من خصائص المجتمعات.

أنواع تعاطي النشاط الاجتماعي مع الثقافة

وعلى هذه الشاكلة فإن كل نشاط اجتماعي، إما أن يستوجب ظهور ثقافة موجودة ـ وذلك لأن الثقافة حاضرة في ذلك النشاط ـ أو يؤدّي إلى تعميق الثقافة وترسيخها، أو يستوجب إعادة بناء الثقافة. وبعبارة أخرى: في بعض الأحيان لا يحدث أمر جديد في النشاط سوى أن تلك الثقافة تظهر بواسطة هذا النشاط ويمكن مشاهدته. ولكن في بعض الأحيان يكون لتحقق النشاط الاجتماعي أثر أعمق من ذلك، أو يؤدّي إلى إعادة بناء الثقافة أو يؤدّي إلى تعميقها وترسيخها. ومن خلال التدقيق بشكل أكبر يمكن الادعاء بأن كل نشاط يكون مقرونًا بنوع من التجديد، وعلى كل حال يحدث نوع من إعادة البناء أو تعميق الثقافة[1]، ولكن ربما أمكت

(253)

القول بلحاظ أبسط: إن بعض النشاطات هي ذات سنخ الثقافة القائمة، دون أن يحدث أمر جديد في البين.

نقاط حول مساحة الثقافة

بعد تعداد مختلف مساحات وأبعاد دائرة الثقافة، نستعرض فيما يلي قائمة بأهمّ النقاط ـ وهي في الحدّ الأدنى ست نقاط ـ لتكون بمنزلة التكملة في هذا الشأن، وذلك على النحو الآتي:

إمكان إدراج الأمور الثقافية والاجتماعية ضمن بعض المساحات المختلفة من دائرة الثقافة

إن إدراج بعض الأمور الثقافية والاجتماعية ضمن واحدة من المساحات والدوائر المتنوّعة للثقافة لا يكون من حيث أن كل أمر ثقافي ينحصر ضمن ذلك العنوان، وإنما يأتي هذا التقسيم في إطار الفرز والفصل بين الأقسام. كما يمكن حتى وضع بعض الأمور ضمن هذه المساحات الثلاث أو أكثر. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن اللغة تكون في الحدّ الأدنى جزءًا من الثقافة من ثلاث زوايا، وهي أولًا: بواسطة الحيثية البيانية. وثانيًا: بواسطة الحيثية الجعلية والاعتبارية. وثالثًا: بواسطة جذورها التاريخية. كما أن ذات التاريخ بدوره يندرج ضمن المساحات المختلفة من دائرة الثقافة. وبعبارة أخرى: إن أغلب الظواهر الاجتماعية ينطوي على خليط ومزيج من الأمور والمساحات المذكور. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن تقليد حمل المشاعل في بعض المواكب النجفية، يُعدّ من جهة ظاهرة رمزية، وهو من جهة ثانية يُعدّ من الجعل والاعتبار. وهو من جهة ثالثة يستند إلى التاريخ وإلى الجذور التاريخية أيضًا، وهو في الوقت نفسه يُعدّ من جهة أخرى نشاطًا اجتماعيًا. والمثال الآخر مواكب العزاء في أيام شهر محرّم؛ حيث يكون لها جذور تاريخية، وجذور اعتقادية،

(254)

وهي في الوقت نفسه تعدّ نشاطًا اجتماعيًا. إن طريقة حضور هذه المساحات والأبعاد في الظواهر المركّبة من عدّة مساحات مختلفة تارة يكون على شكل مزيج وخليط حيث يتواجد عدد من المساحات في تلك الظاهرة دون أن يكون لبعضها غلبة على بعضها الآخر، وتارة أخرى على الرغم من حضور عدد من المساحات فيها، تكون إحدى المساحات هي المساحة الأبرز وتمثّل الوجه الغالب من بينها.

وعلى هذا الأساس يمكن الحصول ـ من خلال النظر في كل ظاهرة اجتماعية ـ على مختلف الأبعاد المحتملة من بين المساحات الثمانية، والعمل بذلك على إحصاء نوع من «الخصائص» وتعريفها بشكل أدق، دون أن يحدث بالضرورة نوع من التقليل والخفض إلى منظومة رياضية أو كمية، أو يتمّ نسيان أو تجاهل البُعد الإرادي والفضاء الإنساني من المساحات الثمانية.

ومن الممكن بحسب الغلبة، أن تندرج بعض الظواهر الثقافية في واحدة من المساحات فقط، ولا تبدو سائر المساحات الأخرى للعيان كثيرًا، من قبيل نظرية نيوتن حول قانون الجاذبية في الأرض، حيث تمّ طرحها في بادئ الأمر بوصفها فكرة، واعترضت على التصور الغالب في حينها والذي كان يقول بالحركة الذاتية لكل شيء نحو مكانه الطبيعي، وبعد مدّة حيث أصبحت هذه الفكرة عامّة وشاملة وإلى بيان منعكس، تمكّنت من إعادة بناء وإصلاح سائر المساحات والأبعاد الاجتماعية والعلمية بما يتناسب معها. وبطبيعة الحال لو أن فكرة تحوّلت في كل مرحلة إلى فكرة عامّة وشاملة دون أن يكون لها تأثير في سائر الأبعاد الاجتماعية، سوف نواجه في الواقع نوعًا من الاعتقاد الخالص.

تعقيد الظواهر الثقافية وضرورة الرصد التام لأبعادها

يُشاهد أحيانًا في التحليلات الثقافية أو دراسة الظواهر الاجتماعية والثقافية تبلور تبسيط مفرط، في حين أنه يجب من أجل الوصول إلى الحقيقة رصد جميع

(255)

أبعاد الظاهرة. وبعبارة أخرى: إنه قد تكون هناك مساحات ثقافية متنوّعة في ظاهرة ثقافية تثبت أن المعرفة الدقيقة للتعقيدات الثقافية تتوقف على معرفة جميع أبعادها.

إن من بين نماذج الظاهرة الثقافية المعقدة عبارة عن الرمز؛ إذ يحتوي الرمز على جعل واعتبار، وهو في الوقت ذاته إبراز وبيان، كما هو معتقد، وهو تاريخ، وصناعة اجتماعية أيضًا. من ذلك مثلًا أنه يمكن رصد الكثير من هذه الأبعاد في «الوثن»، وفي الأساس فإنه ما لم يتمّ هذا الرصد بالنسبة إلى الرمز وسائر الظواهر الثقافية المعقدة، لا يمكن لنا أن ندعي المعرفة والإشراف التام على الظواهر الثقافية. من ذلك أنه يمكن ـ على سبيل المثال ـ أن تكون هناك ظاهرة في حالة التبلور حيث تقوم بنشاط الرمز، ولكن بسب عدم التعرّف والوصول إلى حقيقة الرمز، يكون هناك احتمال كبير في أن تتمّ الغفلة عنها. من خلال الإشراف التام على هذه الأبعاد المختلفة للرمز يمكن فهم كيفية تبلور الرمز، ويمكن أن نتعلّم كيفية صناعة الرمز. والنموذج الآخر عبارة عن اللغة نفسها حيث تجتمع فيها أنواع المساحات الثقافية، وهي تشتمل حتى على الحيثية والجهة الرمزية أيضًا، بحيث يمكن القول: إن اللغة مصدر ثقافي بالغ الثراء. وبعبارة أخرى: إن اللغة ليست مجرّد إظهار ما في الضمير فقط، وإنما تحتوي كذلك على مسائل أخرى تبدأ من التاريخ وتنتهي إلى الأفعال والنشاطات. من ذلك أن حنان الأم على وليدها ـ مثلًا ـ عندما تشمّه وتلثمه وهي تشفع ذلك بقولها: «فديتك»، يمثل نوعًا من الأفعال التي تظهر حتى في لغتها وكلماتها أيضًا. وكذلك في الأبعاد الاجتماعية نجد أن الأدبيات التي تبلورت بالنسبة إلى حجّة الله في حقل مسائلنا الولائية، قد عملت على تشكيل مساحة واسعة.

والذي يحظى بالأهمية في هذا الشأن هو أساليب رصد هذه الأبعاد الثقافية الكامنة في الظواهر، حيث يمكن الإشارة إلى ثلاثة أساليب منها في الحد الأدنى:

1. الفهم الارتكازي للثقافة: بمعنى التماهي مع الثقافة وفهمها واستنشاق

(256)

الهواء من رئتها. إن الذين يعيشون ضمن ثقافة ما، يلمسون الجهات المتعدّدة للظواهر الثقافية بكل وجودهم، من قبيل: مواكب العزاء في عاشوراء حيث تسجّل حضورًا بجميع أبعادها في فهم وارتكاز الشيعة. ومن هنا لو تمّ إعداد أسئلة متعددة وتمّ السؤال عنها، سوف يكون الجواب عنها بحسب الارتكاز الذي يغطي جميع جوانبها وأبعادها. وفي هذه الموارد وحدها يجب الاستفادة من القدرة على بسط وتحليل الارتكاز، والعمل على إظهار تلك الجوانب.

2. الفهم من طريق آثار الثقافة: بمعنى أنه من خلال رصد الآثار والنتائج المأخوذة من ظاهرة ما يمكن السؤال والتحقيق بشأن أسباب هذه الآثار، والتوصّل من خلال هذا المسار إلى الأسس والأبعاد التي أظهرت هذه النتائج. من قبيل أن يحتوي حضور بناء بسيط مثل «الكعبة» أو بيت الله، على كل هذه الآثار، وعندها يرد التساؤل عن الأسباب التي أدّت إلى اشتمال هذا البيت على هذه الآثار، وعندها يمكن الوصول إلى الأبعاد المختلفة الكامنة في هذا الأمر. وبعبارة أخرى: إن كثرة الآثار والتأمّل في الآثار يعكس الأسس والأبعاد الكثيرة الكامنة في الظاهرة.

3. النصوص البيانية للثقافة التي تعمل على بيان الثقافة من زاوية المؤسسين لها.

الامتزاج والتأثيرات الإيجابية والسلبية للأبعاد والمساحات الثقافية المختلفة في بعضها

إن المساحات والأبعاد المذكورة ليست بمنزلة الجزر المنفصلة عن بعضها، والتي يكون لها في بعض الأحيات تأثيرات في بعضها من بعيد، أو أن تكون هذه التأثيرات ملحوظة في عدد من الظواهر الخاصّة فقط، بل يمكن الادعاء على شكل قاعدة عامّة أن مختلف مساحات وأبعاد الثقافة تحتوي على نوع من التشابك والتفاعل فيما بينها بحيث أن التغيير في بُعد وساحة يؤدّي إلى متغيّرات إيجابية وسلبية في سائر

(257)

الأبعاد والمساحات الأخرى. وكما أن هذه الأبعاد تجتمع برؤية فردية في شخص واحد، ويكون بينها تعاط فعال، كذلك فإن هذه الأمور عندما تجتمع في الفاهمة العامة سوف تحتوي على تعامل واسع وعجيب فيما بينها، حيث يجب أن يكون ذلك مطمح نظر الباحثين في الشأن الثقافي، وأن يتأمّلوا فيها كثيرًا. إن المراد من هذا الامتزاج والتعامل ليس هو وجوده في الظواهر المركّبة من مختلف المساحات، وحتى في الفرض القائل بأن كل ظاهرة تندرج ضمن مساحة واحدة فقط، فإن التصرّف في ظواهر من هذا النوع سوف يكون مؤثرًا في الظواهر والمساحات الأخرى أيضًا.

إن فهم هذا الامتزاج والإذعان به، يمكن بيانه من خلال بعض الأمثلة بسهولة؛ فحيث يتمّ الحديث عن الارتباط الثقافي لكل نشاط اجتماعي ـ على سبيل المثال ـ في حقل الاقتصاد، يكون ذلك دليل على القبول بأن النشاط الاقتصادي يمكن أن ينطوي على تداعيات ثقافية، وللتصرّف بحذر تجاه هذه الآثار والتداعيات يجب القيام بعملية التواصل والارتباط الثقافي. وبعبارة أخرى: إن التحوّل في بُعد ثقافي واجتماعي ليس بحيث يكون بشكل منعزل ومنفصل وعلى الهامش؛ فبواسطة هذا الامتزاج يعمل تحوّل ما في بعض الأحيان على تضييق مساحة سائر الأبعاد الأخرى، أو أن يعمل على توسيع مساحة بعضها إلى حدّ كبير. إن القبول بهذا الامتزاج هو الذي يجعل ضرورة أخذ التحليلات الثقافية للظواهر بجدية أمرًا لا يمكن اجتنابه.

المثال الآخر هو أن مجرّد بيان المعنى والثقافة يتحوّل في بعض الأحيان إلى تيار اجتماعي، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه من خلال الإنتاج المتراكم من الأفكار الاجتماعية يمكن العمل على إيجاد حركة ونشاط في المجتمع، والقيام من الناحية العملية بجسر الفجوة بين البيان والفعل بذات ذلك البيان. وتارة أخرى على العكس من ذلك؛ بمعنى أنه قد تكون هناك آداب في المجتمع ثمّ تتحوّل إلى بيان للفكر وإظهار للمفهوم والمعنى.

(258)

إن المثال الجزئي والمحسوس، عبارة عن التجربة القائمة على السعي والخطأ في الجمهورية الإسلامية في التماهي وإقامة المماثلة مع النظام الرأسمالي في قسم نموذج الشأن الاقتصادي في بعض الفترات، وهو وإن تمّ على أساس الاختبار والخطأ، ولكنه ترك الكثير من الآثار الثقافية، وقد تمخّض في بعض الأحيان عن الكثير من الاضطرابات الثقافية. ويعود السبب في ذلك إلى ذات هذا التشابك، حيث لا يتوقف التحول في بُعد على ذات ذلك البُعد، وإنما يسري إلى سائر الأبعاد الأخرى أيضًا.

المثال الآخر أنه حيث نعيش في عصر الرخاء ووفرة النعمة والقدرة على تناول الأشياء بسهولة، ظهر نوع من الرفاه النسبي، وقد كان لهذا الرفاه النسبي تأثيره في محو بعض الأفكار، وسوف يحدث تغييرًا في بعض المفاهيم، من قبيل: مفهوم الزهد حيث سيتغيّر فضاءه بشكل كامل. ليس المراد هنا هو نفي الرفاه، وإنما مجرّد الإشارة إلى وجوب العمل على هندسة حجم الرفاه، وإلا فإنه يمكن لذلك بفعل التشابك أن ينطوي على الكثير من الآثار والتبعات غير المطلوبة. إن هذا الرفاه بطبيعة الحال يبدو من مقتضيات عصر التكنولوجيا، حيث يؤدّي التطوّر إلى تحقق الحدّ الأقصى من ذلك الرفاه. وفي إطار المزيد من التوضيح يمكن طرح السؤال القائل: لو تمكن جميع أفراد المجتمع لهذا السبب من بلوغ مستوى من الرفاه البالغ في نسبته تسعين في المئة، فهل يجوز لهم العمل على ترقية هذه النسبة لتبلغ مئة في المئة؟ بعبارة أخرى: يجب الالتفات إلى لوازم هذا التطوّر التكنولوجي، والعمل على هندسة وتنظيم الرفاه الناشئ عن ذلك من الناحية الشرعية والعقلية.

إن ذات هذا الاتساع التكنولوجي بالإضافة إلى إيجاده لنوع من الرفاه العام على نحو نسبي، قد أوجد على المستوى العملي نوعًا من التشابه بين المجتمعات المختلفة. لو كان هناك لكل مجتمع وثقافة حضارة خاصة يمكن تصوّرها، فإن الثقافة والحضارة الغربية قد تمكنت من الناحية العملية من إيجاد الكثير من التشابه

(259)

في مختلف نقاط العالم وبين المجتمعات المختلفة. وهذا الأمر يدلّ على أن الاستفادة من التكنولوجيا قد انطوى على كل هذه الآثار، وإنه بواسطة ذلك التشابك لم يتمّ الاكتفاء بمجرّد الشبه الآلي في حقل الحضارات والثقافات المختلفة، وقد عمل من الناحية العملية في الحدّ الأدنى على إلغاء الأفكار والمفاهيم وجانب من الثقافات من مضمار الفعلية الاجتماعية. من الطبيعي أن تظهر هذه الأمثلة ضرورة الهندسة وفتح المجال أمام تمدّد الثقافة الموالية. مع التذكير بأن سرعة التغييرات التكنولوجية أحيانًا وظهور الحقول الجديدة كان بحيث قضى على فرص النشاط الفعال واتخاذ القرار المناسب أيضًا.

إعادة بناء وتنظيم الثقافة بحسب الظروف الاجتماعية الجديدة (الأعم من الحقيقية أو الوهمية)

لقد سبق أن ذكرنا بعض المطالب حول «الموقع الذي يحتله الإنسان»، وذكرنا هناك أن الإنسان دائمًا يحتل موقعه، وأن الثقافة والمجتمع يتبلوران من خلال تواجد الإنسان في موقعه بالنسبة إلى الأشخاص الآخرين. ويجب أن نضيف هنا أن الفاهمة العامّة إذا اكتسبت أفكارًا أخرى، فسوف تحدث موقعية جديدة، ويقع المجتمع في واقع جديد بالكامل. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن المجتمع الذي لا يؤمن بوجود الله، يتمّ تعريف موقعه من خلال ثنائية الإنسان والطبيعة، وحتى تاريخه يكون متعلقًا به. ولكن ما أن يتدخل الأمر القدسي الأعم من الوهمي (الوثن) أو الحقيقي (الله) حتى تتمّ إعادة النظر في كل شيء وإعادة إصلاح كل شيء. من ذلك أن الإنسان في الرؤية التوحيدية يكون على الدوام في موقع العبودية لله سبحانه وتعالى، ويتعيّن عليه تعريف كل شيء ضمن هذا المفهوم. وبعبارة أخرى: إن ذات ذلك الأمر الذي هو جزء من الثقافة من قبيل الاعتقاد ـ إذا كان ينطوي على صفة

(260)

خاصّة ـ يمكن أن يعمل على تغيير الجغرافيا الثقافية بشكل مضاعف. إن المسجد، وصلاة الجماعة، وليلة القدر، والحج، والثياب الخاصة وما إلى ذلك، تنشأ بأجمعها من الموقع الذي يرى الإنسان المسلم نفسه متواجدًا فيه. وكذلك في التفكير الغربي حيث يغيب كل أمر قدسي ويعتبر الله بوصفه إلهًا شخصيًا، يؤدّي إلى تفسير جميع الأبعاد الاجتماعية والثقافية على نحو آخر، من ذلك أن ظاهرة الإفراط في إظهار الجسم المتفشية في العالم الغربي على نطاق واسع، يعود سببه إلى وضع الإنسان في المحور والمركز. وفي المقابل تكون الأهمية في الفكر الديني لخلافة الله والكرامة، وهذا الأمر يشمل جميع الأبعاد، إلى الحدّ الذي يقول معه الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ[1].

إن الأمر القدسي لا يعمل على إيجاد كل هذا التغيير بالضرورة، وإنما لو أضحت فكرة ما محورية وظهر لها نوع من الانحصار، فسوف تمتلك مثل هذه القدرة التي تمكنها من صبغ جميع المساحات والأبعاد بصبغتها، شريطة أن تصبح عامة وشاملة. ومن الجدير ذكره أن المجتمع إذا اتجه نحو الفضاء الحضاري، فإن شدّة تغيير الموقعية وإعادة بناء الثقافة على نحو شامل سوف تكون أكبر بكثير؛ وذلك لأن حضارة التمدد وامتداد نظام المعتقدات والقيَم بل ومجموع الثقافة في جميع الأبعاد والمساحات العيني.

قد تختلف المسألة من ثقافة إلى ثقافة أخرى؛ بيد أن المسألة الأساسية هي أن يكون الإنسان في موقع الصانع للثقافة، ولكن هناك في الثقافة أمور يمكن لها أن تضع هذه الثقافة في موقعية جديدة حيث يجب الالتفات إليها، والعمل على فهم جميع أجزاء الثقافة وأبعادها على أساس هذه الموقعية الجديدة. ولا بد من التذكير بأنه ليس كل أمر جديد يمتلك مثل هذه القدرة. إن بعض الأمور تمثل جزءًا جديدًا للثقافة

(261)

السابقة، وإن بعض الأمور الجديدة ليست مجرد جزء فقط، بل هي تخلق بُعدًا للثقافة السابقة. وبعبارة أخرى يمكن القول: كما يقوم الإنسان في موقعه بصناعة الثقافة، فإن المجتمع ـ الذي هو ظاهرة إنسانية وبسط للروح الإنسانية ـ بدوره كذلك يعمل من الموقع الثقافي على مضاعفة الثقافة وإعادة بنائها وتنظيمها وتعميقها أيضًا.

لا يصحّ تصوّر أن المساحات الثمانية المذكورة آنفًا تظهر في جميع الثقافات المختلفة على نسق واحد، بل بالنظر إلى الموقع الخاص لكل مجتمع تختلف هذه المساحات والأبعاد بدورها اختلافًا جذريًا أيضًا.

عمق وسعة وعظمة الثقافة

بالنظر إلى تعداد المساحات الثمانية المذكورة بوصفها مساحة ودائرة لحضور ونفوذ الثقافة وكذلك تضاعف الثقافة، يمكن الإقرار بهذا المطلب على المستوى العملي، وهو أنه ليس هناك أيّ أمر أو حركة في المجتمع إلا وهو يحتوي على صبغة ورائحة ثقافية، إلى الحد الذي يمكن معه مشاهدة صبغة الثقافة وشمّ رائحتها في أكثر مساحاة حياة الإنسان فردية. إن بعض علماء الاجتماع بدورهم حيث وجدوا صبغة ورائحة ثقافية في كل مكان ذهبوا إليه وتفقدوه، وقلما وجدوا مكانًا يخلو من الثقافة، لذلك فقد أصدروا حكمًا كليًا وعامًا، حيث قالوا: ليس هناك في الأساس أمر يمكن تصوّره باسم الأمر الفردي، وعليه يجب إلغاء فكرة التصوير الفردي من الذهن. ولكن هناك في البين هذه الإضافة المهمّة جدًا، وهي:

إمكان العبور على الثقافة والتغيير في الثقافة على شكل فردي وجماعي

لا بدّ من الالتفات إلى أن الاستغراق في هذه الشبكة من المعاني العامّة، لا يعني الانفعال في مواجهة الثقافة، ولا يمكن أن نستنتج من ذلك أن الإنسان واقع في قبضة الثقافة بحيث لا يمكنه الخلاص منها، كما ذهب إلى ذلك بعض السائرين على

(262)

النهج الهيجلي. وعليه يمكن للفرد أن ينفصل عن دائرة هذه الثقافة المستقرة، وكذلك يمكن للمجتمع أن يقوم بإرادته الاجتماعية بنوع من التبديل والتغيير الثقافي، ويعمل على إخراج نفسه من الثقافة السابقة؛ بمعنى أن تبدّل ثقافة المجتمع على نحو اجتماعي ممكن ومتصوّر أيضًا. إن من بين نماذج انفصال الفرد عن دائرة الثقافة، هم الأشخاص الذين أنفقوا جزءًا كبيرًا من أعمارهم في الوحدة والعزلة واختاروا الحياة في أعماق الغابات أو على شعاف الجبال، وعلى الرغم من أنهم يحملون شيئًا من آثار الثقافة والفضاء العام، ولكن لا يمكن مشاهدة شدّة وعمق الثقافة في المجال الاجتماعي عليهم، لا سيّما إذا كان الشخص قد ولد ومات لأيّ سبب من الأسباب في عزلة تامّة عن المجتمع، وعليه سوف يكون هذا الشخص منفصلًا عن الثقافة بشكل كامل. إن الانفصال عن الثقافة الموجودة بشكل فردي قد لا يحصل من خلال الاعتزال الاجتماعي بالضرورة، بل إن المصلحين الاجتماعيين ـ مثلًا ـ قاموا أولًا بالانفصال عن الثقافة القائمة، وعملوا على حذف بعض أجزائها في مساحتهم الشخصية دون اعتزال المجتمع، ثم سعوا بعد ذلك إلى استقطاب أفراد المجتمع إلى صفهم. إن إيجاد السنن الجديدة والثقافية في المجتمع يسلك في العادة مسارًا طويلًا؛ وفي مراحل تبلورها، حيث لم تتحوّل بعد إلى سنّة عامة، يمكن مشاهدة ذات هذا الانفصال للظاهرة الجديدة عن الثقافة العامة، وإن حظيت بالقبول من قبل مجموعة من الناس ـ العرف الخاص ـ ويُشاهد نوع من الانعكاس الثقافي فيها، ولكنها لا تعرف بعد بوصفها من المتفاهم العام والثقافة المقبولة.

في انفصال المجتمع عن ثقافته على الرغم من إمكان أن يكون البادئ بهذا المسار في الغالب هم الأشخاص المؤثرون والذين يمتلكون الكاريزما الخاصّة في داخل ذلك المجتمع ويعملون على قيادة مجتمعهم نحو هذا الاتجاه، بيد أن الذين يطلقون شرارة التحوّلات الاجتماعية قد لا يكونون من القادة الاجتماعيين بالضرورة. إن

(263)

جميع الناس أو القسم الأكبر من أفراد المجتمع قد يشعرون بوجود خلل في أمر ما، ويتعيّن على جميع الأفراد أن يتخذوا موقفًا مناسبًا تجاه ذلك الأمر. بل ويجب التصريح بأن تغيير الثقافة السابقة ـ سواء أكان بواسطة القيادة الاجتماعية أو من دونها ـ إنما يكون من خلال مسار الثقافة القائمة، كما أن الحركة الجذرية التي قام بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تغيير الثقافة الجاهلية لم تكن تعني نبذ جميع مفردات الثقافة السابقة، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الكثير من الآداب الجاهلية التي كانت قد تمكنت في اللغة العربية آنذاك، قد تمّ حذفها من قبل هذه الحركة الإصلاحية، في حين أن اللغة العربية قد بقيت هي ذات اللغة وإن كانت قد ازدادت ثراءً وعمقًا، من قبيل الأبناء في الأسرة المهذّبة؛ فإنهم على الرغم من معرفتهم لمفهوم الشتائم الشائعة في مجتمعهم، ولكنهم يتورّعون عن استعمالها ويعملون على حذفها من قواميسهم. وهكذا فإن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الرغم من أنه كان يعيش ضمن هذه الثقافة واللغة، ولكنه عمل من خلال توظيفه لذات إمكانات وظرفيات تلك الثقافة واللغة على تغييرها وتطويرها نحو الأفضل. وفي الأساس فإن فرضية القول بخطأ جميع مفردات ثقافة ما لا تبدو صحيحة؛ وذلك لأن هذا الافتراض يساوق شيطنة جميع أجزاء المجتمع وثقافته، وهذا يعني أن على الجميع أن يفترسوا بعضهم، هذا في حين أن جميع الثقافات لا تخو من شيء من العقلانية التي توفّر الأرضية لإمكانية إحداث الإصلاح فيها والعمل على تهذيبها.

وبعبارة أخرى: إن الإنسان في شبكة المعاني والمفاهيم مستغرَق وغير مستغرَق؛ فهو مستغرَق لأن الناس يتعاملون فيما بينهم بشكل وآخر، وبمجرّد تحقق التعامل يتبلور نوع من المعاني التي يتمّ التفاهم بواسطتها، وهو غير مستغرَق لأن الإنسان يمتلك إرادة ويمكنه بواسطة هذه الإرادة أن يبادر إلى إحداث التغيير في العلاقات الاجتماعية والعمل على إصلاح الثقافة أيضًا. والمجتمع بدوره ليس شيئًا آخر غير

(264)

بسط الروح الإنسانية في حالتها العامة، وتبقى خصيصة هذه الروح ـ بطبيعة الحال ـ باقية في هذا البسط على حالها؛ يمكن للإرادة الجماعية أن تتحقق وأن تبادر إلى إحداث تغيير في الثقافة السابقة.

إن هذه القدرة الإنسانية الكامنة في البُعد الفردي والجماعي ـ بغض النظر عن القبول بها أو عدم القبول بها ـ ظاهرة باسم «الوحي»؛ إذ بعد الإيمان بالوحي يكون الإقرار بهذا المطلب ممكنًا، وهو أن الوحي في مقام الفهم لا يقع في حصار الثقافة، وإنما يمارس دوره خلال المسار في التعامل مع الثقافة القائمة، فيعمل على تبديلها وتهذيبها وإصلاحها وتطويرها وارتقائها. إن الوحي يفوق الزمان والمكان، ومن هنا فإنه يمتلك ظرفية بناء وصنع الثقافات المتعدّدة، وإن كان يحظى بتعيّن وتشخّص خاص، ولا يستجيب لكل ثقافة، ولكنه في الوقت نفسه ثقافة كلية، وليس ثقافة جزئية ومتعيّنة في الزمان والمكان تمامًا، ولكنه يمتلك القدرة على صناعة عدد كبير من الثقافات المعيّنة. من ذلك أن الإسلام ـ مثلًا ـ له لون ونكهة ثقافية خاصة في بلدان الحوض الجنوبي من الخليج الفارسي، في حين أن له في إيران صبغة ورائحة أخرى، وكذلك تجلى في تركيا بشكل آخر. ومن الضروري التذكير بهذه النقطة وهي إنه ليس المراد القبول بأيّ أمر إيجابي وسلبي للثقافات المذكورة باسم الإسلام، وإنما المثال ناظر إلى الموارد التي كانت عين الإسلام ثم اكتسبت في تلك الأصقاع صبغة ونكهة خاصّة.

نتائج[1] وتفريعات بحث مساحة الثقافة

بالإضافة إلى النقاط المذكورة أعلاه هناك نوع من النتائج والفروع ـ المشتملة على سبعة موارد ـ من المساحات والأبعاد المختلفة لمساحة الثقافة، يمكن بيانها على النحو الآتي:

(265)
النتيجة الأولى: الثقافة أمر عيني عابر للذهن

بالنظر إلى الأبعاد والمساحات المختلفة التي تمّ عدّها للثقافة، من الواضح أنه لا يعود بالإمكان بعد ذلك كما نرى في بعض الأفهام والبيانات بشأن الثقافة، اعتبار الثقافة مجرّد ظاهرة بين الذاتي، بل إن الثقافة أمر عيني عابر للذهن. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ حيث تتمّ اعتبار الأمور البيانية ـ من قبيل: النصوص المرجعية مثل الدساتير والقوانين ـ جزءًا من الثقافة، فإنه بسبب التعيّن الخارجي لهذه الأمور، يمكن القول إن الثقافة أمر عيني وخارجي. أو في الأمور الجعلية والاعتبارية من قبيل الأبنية الاجتماعية العامة، لا يعود بالإمكان ادعاء الذهنية، بل الجميع منهمك ومشغول بنوع من التعامل الفعال مع هذا الأمر الثقافي المتعيّن. وكذلك فإن للغة تعيّنًا واضحًا، كما أن التاريخ لا يكون في الذاكرة الجمعية فقط، وإن الآثار التاريخية الباقية والتي تقع موردًا للتفاهم العام بدورها خارجية أيضًا، وتكون موضعًا للتعامل في عالم التعيّن. ربما كانت المصنوعات الاجتماعية من الأمور الواضحة جدًا، حيث أنها تكون ثقافية بواسطة المعاني التي تمور فيها، وفي الوقت نفسه فإنها عينية وخارجية بشكل كامل. كما أن النشاطات الاجتماعية هي الأخرى تمثل نموذجًا آخر لعينية الثقافة؛ وذلك لأن المعنى يمور في صلب النشاط، وليس مجرّد أمر كامن في ذهن  الفاعل فقط، وقد وصل هذا المعنى إلى مستوى العمل الاجتماعي، ومن الواضح أن للعمل الاجتماعي تعيّنًا أيضًا. إن القول بعينية الثقافة لا يعني إنكار الهوية المعرفية للثقافة في صلب المجتمع؛ وكأن عمق الثقافة بوصفها الروح أو العقل المفكر للمجتمع حاضر بشكل مؤثر وبقوّة خلف الكواليس، ولكن في الوقت نفسه لا ينبغي إيقاف الثقافة عند هذا الحدّ. إن الثقافة خارجة عن الفضاء

(266)

الذهني والذاتي[1] البحت، وسوف يكون قابلًا للتعامل بوصفه أمرًا عينيًا[2].

هناك الكثير من النتائج والقيَم الكبيرة التي تترتب على القول بعينية الثقافة. من ذلك على سبيل المثال أنه لا يتعيّن الرجوع إلى ذهن وضمير الأفراد بالضرورة للتعرّف على ثقافتهم. في هذه الرؤية يتمّ بيان إمكان التصرّف الثقافي على نحو أيسر. وكما سبق أن ذكرنا عندما تتغيّر البنية العينية، يكون الأمر كما لو أن نظامًا اقتصاديًا خاصًّا قد تمّ تعزيزه في المجتمع، دون أن يتمّ العمل في البداية على تغيير التفكير في الذهن، فيؤدّي ذلك إلى تركه للآثار الثقافية، وهذا يعني كأن الثقافة مزيج مركّب من الذهن والعين؛ وسوف نشير إلى ذلك في معرض الحديث عن كيفية وجود الثقافة.

النتيجة الثانية: الصناعة المستمرة للثقافة

إن كل ثقافة إما أن تكون على نحو دائم ومستمرّ في حالة بسط وتعمّق بالنسبة إلى حاضنتها السابقة، أو في حالة نشوء ونماء للأمور المعارضة للثقافة بالنسبة إلى الحاضنة السابقة، وعلى كل حال يمكن القول إن الثقافة في حالة تغيّر وتبدّل بشكل مطلق؛ سواء أكان هذا التغير موافقًا للثقافة السابقة أو كان مناقضًا لها. وبعبارة أخرى: إن الثقافة ليست راكدة، ولا يمكن اعتبار موضع خاص بوصفه حدًا للثقافة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ عندما يتمّ عدّ الآثار الثقافية بوصفها جزءًا من الثقافة البيانية، فعلى هذا الأساس فإن صنع كل أثر فني جديد سوف يُعدّ بمنزلة اتساع مساحة الثقافة والبسط الثقافي؛ سواء أكان هذا البسط إيجابيًا أو سلبيًا[3]. أو عندما

(267)

يتمّ اعتبار اللغة جزءًا من الثقافة، يجب القبول بهذا البسط الثقافي أيضًا؛ إذ حتى في العصور الماضية التي كانت تشهد تغيّرات ثقافية وحضارية بطيئة للغاية بالقياس إلى المرحلة المعاصرة، فإن اللغة كانت من الظواهر التي تشهد تغيّرًا وتحوّلًا متسارعًا[1]. وبطبيعة الحال فإن التحوّلات اللغوية تعني حدوث تحوّلات في الثقافة. أو حتى من خلال التأمّل في المصنوعات الاجتماعية من قبيل: الثياب، والأبنية، والتقنيات وما إلى ذلك يمكن بالإضافة إلى القبول بالتغيّر المستمر في هذه الأمور، القول بالتغيير المتواصل في الثقافة. أو حتى تغيير القوانين السابقة، بل إن التأكيدات الخاصّة على تلك القوانين السابقة تؤدّي إلى تبلور مناخات جديدة في الثقافة السابقة. مثال آخر في الأمور البيانية، من قبيل الأفكار المستحدثة. إن المثال المناسب على ذلك عبارة عن الأفكار الفلسفية للعلامة الطباطبائي فإنها بالإضافة إلى عظمتها قد تسللت شيئًا فشيئًا إلى الثقافة وفضاء المثقفين، خلافًا لبعض العلماء الكبار والمفكرين الذين على الرغم من عظمتهم، إلا أن أفكارهم لم تحظ بالاهتمام من قبل المثقفين. وبشكل عام فإن كل رؤية فلسفية جديدة تتحول بالتدريج إلى ثقافة، ثم تترك تأثيرها على الكثير من الأمور الأخرى، وهذا الأمر يدلّ بوضوح على التغيّر الدائم في الثقافة وبسطها. من ذلك أن أفكار كارل ماركس ـ على سبيل المثال ـ قد حظيت باستقبال وترحيب في العالم الغربي، بل وأدّت إلى التحوّلات الاجتماعية الكبيرة لاحقًا، وإن جميع تلك التحوّلات والعقبات السابقة يمكن عدّها بوصفها جزءًا من البسط والخلق المستمرّ للثقافة أيضًا. والملفت بشكل أكبر هو أن النشاطات في المجتمع والتي تقع بشكل مستمر ولحظة بلحظة، هي إما تعميق لتلك الثقافة السابقة أو تغير في الثقافة

(268)

السابقة، وإذا لم يكن النشاط متناسبًا أو لم يكن في حدود المتوقع، يُقال أحيانًا بشأن المجتمع «حسنًا، لم تحدث ردّة فعل»، وإذا استمرّ هذا المسار، دلّ ذلك على تبلور نوع من الفتور والضعف أو التغيير السلبي في الثقافة. وعلى هذه الشاكلة نشاهد أن جميع المساحات والأبعاد التي تمّ عدّها للثقافة حيث تتعرّض للتغيير والتبدّل، وتصبّ هذه الأمور في الثقافة، يمكن القول: إن الثقافة في حالة خلق متواصل باستمرار وعلى الدوام. كما هو الحال بالنسبة إلى التغيير بواسطة الأمور الطبيعية التي لم يتمّ التصرّف فيها، فهي بدورها لها أمثلة واضحة، من قبيل: اكتشاف منطقة جديدة بوصفها منطقة مناسبة للسياحة، ثم تتجه الأنظار إليها وتحدث تعاملات جديدة مع تلك المنطقة. من قبيل الصحراء المستديرة التي بدأت بالاتساع مؤخرًا أو التعامل الجديد الذي تبلور بشأن الخليج الفارسي والذي يتسم بطابع الإصرار على الهوية التاريخية والإيرانية، أو جبل دماوند الذي اكتسب بعد انتصار الجمهورية الإسلامية ـ بالإضافة إلى الأبعاد الأدبية والعاطفية ـ أبعادًا سياسية وثورية. وبذلك يجب التأكيد على أنه في التغيير الثقافي ليس من اللازم أن يتبلور أمر مستحدث في ساحة أو بعد من أبعاد الثقافة، بل حتى لو اكتسبت تلك الأمور السابقة تقريرًا مختلفًا، وتمّ القبول بهذا التصوّر والفهم الجديد في الساحة الاجتماعية العامّة، يكون قد حدث نوع من البسط الثقافي. كما أن الذهاب إلى المسجد قبل الثورة والذهاب إلى المسجد بعد انتصار الثورة ـ على سبيل المثال ـ وإن كان يبدو أمرًا واحدًا وهو الذهاب إلى المسجد على كل حال، ولكن الذهاب إلى المسجد بعد انتصار الثورة قد اكتسب معنى ومفهومًا مختلفًا، وبذلك فقد انحسرت الثقافة السابقة في الذهاب إلى المسجد لصالح الثقافة الجديدة في هذا المورد.

وحتى الأمر الذي يُعرف باسم «الركود الثقافي» يعدّ بدوره تعبيرًا عن التغيير والتبدّل الدائم للثقافة أيضًا؛ فقد وقع واحد من هذين الأمرين: إما حصل تراجع

(269)

وبطء في حركة الثقافة في المسار المتناسب معها، وهذا بدوره يُعدّ تغيرًا في الثقافة، أو فوق ذلك يعمل بالتدريج وشيئًا فشيئًا على حذف ثقافته السابقة، حيث يمكن الحديث بشكل أوضح عن التغيير والخلق المستمرّ والدائم للثقافة.

وأما اليوم فحيث تنتشر وسائل التواصل الاجتماعي ويُعرف عصرنا بعصر الارتباطات، فقد تسارعت وتيرة التغيّر الثقافي إلى حدّ كبير، حتى أن الممثل في مسلسل تلفزيزني لا يكاد ينطق بكلمة في المساء، حتى تجدها في الصباح التالي وهي تتردد على ألسنة الجميع من الصغار والكبار وصولًا إلى النُخب. وبعبارة أخرى: في الماضي التاريخي ربما احتجنا في بعض الأحيان إلى رصد جامع وعميق لكي نفهم التغيير الثقافي، وأما الآن وبتأثير من عصر الارتباطات وانتشار منصات التواصل الاجتماعي فقد أصبحت الثقافة شديدة الهشاشة وتقبل التغييرات بسرعة فائقة.

إن هذا الخلق والبناء الدائم ـ كما سبق أن ذكرنا ـ يؤدّي في بعض الأحيان إلى إلغاء الثقافة وحذفها؛ ومن خلال تبلور الضدّ النوعي للثقافة تزول الثقافة السابقة، وقد تؤدّي في بعض الأحيان إلى تعمّق الثقافة؛ بمعنى أن تعمل الثقافة الجديدة على تقوية الثقافة اللاحقة.

لوازم قبول الخلق الدائم والمستمر للثقافة

إن القول بالخلق الدائم والمستمر للثقافة، تترتب عليه نتائج ولوازم ومن بينها الأمور الأربعة الآتية:

رصد متغيّرات الثقافة والراصدون للثقافة وأساليب الرصد

بالنظر إلى الخلق المتواصل والدائم للثقافة، يمكن القول: إن الثقافة يجب أن ترصد ليمكن الوقوف على متغيّراتها. إن هذه المتغيّرات تكون بادية للعيان بوضوح أحيانًا بحيث يمكن لكل ناظر أن يراها ويدركها، ولكنها في بعض الأحيان الأخرى

(270)

تحتاج إلى رصد من أشخاص وراصدين آخرين أكثر احترافًا، وعلى كل حال فإن فهم المتغيّرات يكون في الحدّ الأدنى[1] مقدورًا من طريقين:

1. الطريق التركيبي (من الأعلى إلى الأسفل): إن الوصول إلى الروح الحاكمة والمهيمنة على كل ثقافة، يؤدّي إلى إمكان إصدار أحكام واضحة بشأن بسط الثقافة، وتعميق الثقافة، وتسريعها، وحجم ومقدار تطوّرها وما إلى ذلك. بمعنى العثور على الأصل والعمل على بسطه إلى شكل جوهري على ما سيأتي ذكره في بحث طبقات الثقافة. من أجل العثور على الروح لا ينبغي توجيه الأنظار إلى الروح فقط، بل يجب النظر في جميع السطوح والمستويات، والتمكن من العثور على الروح في تلك الأبعاد أيضًا، أو في الحدّ الأدنى نحو الأبعاد التي تعكس الروح نفسها بشكل أفضل. إن العثور على روح الثقافة ليس بالأمر المحال أو البعيد عن المنال؛ من ذلك بالنسبة إلى المجتمعات التي تتمتع بالنصوص المرجعية ـ على سبيل المثال ـ والتي تتمحوّر حول الأفراد أو الدين، يكون الرجوع إلى مثل هذه الأمور معبّرًا في الواقع عن تلك الروح الحاكمة على هذه الثقافة والمجتمع. إن العثور على روح الثقافة ـ بما في ذلك من طريق الثقافة البيانية ـ أمر ممكن، على الرغم من أن الثقافة البيانية حتى في التعريف بسائر أجزاء الثقافة وليس مجرّد الروح مجدية للغاية. كما يمكن التعريف بطرق أخرى للوصول إلى روح الثقافة من قبيل: طريق التأويل، بيد أن بيان هذا المسار لا يقع على عاتق هذا البحث.

2.  الطريق التحليلي: إن الالتفات إلى النتائج والمعطيات والمخرجات العينية

(271)

للثقافة هو الذي يمكنه رصد ذلك على نحو يكون من الأسفل إلى الأعلى. لو بحث شخص في مخرجات ونتائج ثقافة ما وأمكنه إحداث فجوة توصله إلى داخلها، والعثور على عناصرها ومكوناتها بطريقة التجزئة والتحليل، فسوف يكون بمقدوره الوصول شيئًا فشيئًا إلى عمق روح الثقافة والعناصر الأولية للثقافة.

وعلى هذا الأساس يمكن ـ بالنظر إلى هذه السعة وكل هذه الظرائف والدقائق ـ توقع أن يتحوّل الرصد الثقافي بوصفه فنًا وحقلًا، وتحول الرصد الثقافي بوصفه فنًا وعلمًا يمكن تأسيسه وتعليمه وتعلّمه. وكذلك يمكن توقع أن يبيّن لنا هذا الفن والحقل ـ على سبيل المثال ـ ما هي المعايير التي يجب الالتفات إليها من أجل رصد الأمور الجعلية والاعتبارية، وما هي المساحات التي يجب المرور بها، وهل يجب الرجوع إلى جميع أفراد المجتمع، أم يكفي الرجوع إلى شريحة صغيرة من المجتمع وما إلى ذلك. إن نتيجة وحصيلة هذا النوع من الحقل هو إيجاد الاقتدار في حقل معرفة الثقافة والتصرّفات الثقافية.

الحصول على المعايير لبيان الثقافة

بالنظر إلى الخلق الدائم وقابلية الرصد الثقافي، يمكن الحديث عن المعايير الناظرة إلى بيان التسارع، وبيان التغيير، وبيان الضد النوعي للثقافة، وبيان البسط والأعماق الجديدة للثقافة، وبذلك إمكان جعل الثقافة قابلة للبيان والتقرير.

إمكان تحليل المتغيّرات الانفجارية للثقافة

يبدو أن بعض الأمور في الثقافة قد حدثت بشكل انفجاري، والحال أن منشأ هذا الأمر يعود إلى الخلق المستمر والدائم للثقافة، بمعنى أنه قد يحدث في بعض الأحيان أن يتبلور مطلب في الفضاء العام على شكل حاجة أو رغبة، وينسحب هذا الأمر إلى مستوى الإنتاج وإعادة التدوير، ويتواصل هذا المسار بالتدريج، حتى

(272)

يحدث فجأة شعور التغيير الانفجاري بالنسبة إلى الوضع الأولي. في حين أن جذور وسوابق هذا الأمر تعود في الواقع إلى إعادة الإصلاح المتكرر والمستمر وكأنه قام بفتح باب مرّة واحدة. وبعبارة أخرى: إن عدم رؤية المراحل العادية للتغيير والخلق المستمر والدائم في مثل هذه الموارد مع إضافة مقارنة النتيجة الحاصلة بالوضعية الأولية، يؤدّي إلى يتبلور الشعور بالانفجار في فهم الأفراد.

أهمية رصد المتغيّرات الجزئية والصغيرة في فهم المتغيرات الثقافية الكبرى

إن أصغر انعكاس للمتغيرات الثقافية ولا سيّما في العصر الراهن يحكي أحيانًا عن المتغيّرات الثقافية الكبيرة والمتسارعة. والمثال الواضح على ذلك كيفية الاهتمام وتزيين شواهد القبور التي نراها في المزارات، وهو أمر يبدو أنه لم يكن ينطوي على أهمية كبيرة، فهو مجرّد تغيير ثقافي بالغ الصغر. إن ذات هذا الأمر الصغير يمكن أن يكون انعكاسًا للكثير من الكواليس والمتغيّرات الثقافية الكبيرة؛ ففي مرحلة كان ترسيم ونحت السبحة للرجال والمشط للنساء معبّرًا عن الكثير من المفاهيم، ولكن بعد مضي ما يقل عن عقدين من الزمن، لم يتم تصوير صوَر النساء المتوفيات على قبورهن فحسب، بل وصل الحدّ إلى إظهار تلك الصوَر وهي تعبّر عن نوع من الانطباع الموزون من قبلهن! إن هذا التغيير الذي يبدو بسيطًا في ظاهره ينطوي على روايات تفصيلية عن المتغيّرات الثقافية العميقة. وهذا الأمر في حدّ ذاته يعدّ نموذجًا عن الرصد من طريق الأسلوب التحليلي والنتائج.

وفي المقابل يمكن للراصد النبيه أن يستطيع بسهولة ـ من خلال التركيز على بعض الأبعاد البيانية للثقافة والأفكار المتبلورة والتيارات المرتبطة ـ توقع إلى أين ستنتهي هذه الرؤية في السنوات العشر القادمة وما هي الأبعاد الاجتماعية التي ستنتهي إليها. وبعبارة أخرى: إن الرصد هنا قد تمّ من خلال الطريقة التركيبة والانطلاق من الجذور والمبادئ.

(273)

والأمثلة الملموسة الأخرى في هذا الشأن، عبارة عن:

1. لقد تمّ اعتبار تسلل دمية «باربي» إلى قطرنا بوصفه مسألة عابرة؛ فهي مجرّد دمية لا أكثر، والحال أن انعكاسات هذه الدمية المتكررة في جميع الأدوات والوسائل الخاصة بالأطفال، من قبيل: الحقائب المدرسية، وبإشكال مختلفة قد حمل معه مفاهيم جديدة إلى المنظومة الفكرية والثقافية لفتياتنا الصغيرات واليافعات.

2. بعد انتصار الثورة الإسلامية لم تكن هناك من الناحية العملية فرص كثيرة للرأسمالية والثقافة المرفهة لكي تبرز وجودها؛ ففي البداية كانت الطبقة المرفّهة تظهر بشكل عادي حتى لا تكاد تميّزهم من الناس العاديين؛ حيث كانوا يسجلون حضورهم في المجتمع دون المزيد من البهرجة، وأما في منتصف عقد الستينات أخذوا يظهرون بالتدريج ويسجلون حضورهم في المجتمع بوصفهم طبقة متميّزة، إن ذات هذا التغيير القليل والصغير كان مؤشرًا على تغيير كبير في تبدّل ثقافة الثورة وجنوحها نحو بعض القيَم المذمومة في تقديس الرفاهية.

النتيجة الثالثة: إنتاج للثقافة في البنية العيني وإنتاج البنية في الثقافة

لقد سبق أن ذكرنا أن البنية والنشاط في حدّ ذاته ليس ثقافة، ولكن حيث يكون هذان الأمران زاخرين بالمعاني، فقد اندرجا بهذا الاعتبار ضمن الثقافة، سواء بالنسبة إلى الأبنية العامة والكلية أو بالنسبة إلى الأبنية الخاصة والجزئية، وسواء بالنسبة إلى النشاطات الفردية في المجتمع أو بالنسبة إلى النشاطات الاجتماعية. وعلى هذا الأساس فإنه على الرغم من أن أبحاث البنية العينية والنشاط تندرج ـ بسبب أن هويتها ليست هوية معنوية ـ ضمن حقل المعرفة وبحث الماهية وكيفية وجود

(274)

المجتمع؛ لأن المجتمع إنما يتبلور من حقلي المشاركة العينية الخارجية والثقافة[1]، بسبب المفهوم الذي تنطوي عليه والمعنى الذي تزخر به، يمكن القول: إن ذلك المعنى والثقافة قد زحفت حتى وصلت إلى مستوى البنية والنشاط، ولذلك فإن البنية والنشاط يتمخضان من رحم الثقافة؛ بمعنى أن كل ثقافة ومفهوم يفرز بنية خاصة. إن القول بأن المعنى يمور في صلب البنية والنشاط، يعني أن الثقافة تتجلّى على شكل هذه البنية أو هذا النشاط الخاص، وأن الثقافة قد أدّت إلى إفراز هذا النشاط وهذه البنية الخاصة. وبطبيعة الحال فإن هذا البناء الثقافي يتحقق على نحو تلقائي وبشكل طبيعي وبواسطة مقتضيات ذات المفهوم والثقافة، حيث أن الأبنية والنشاطات تتبلور على شكل خاص. وقد سبق أن ذكرنا في الأمثلة السابقة بشكل واضح تأثير الأفكار الخاصة في ظهور الأنظمة والأبنية الاجتماعية الخاصة والجزئية والكلية. وباختصار فإن إنتاج الثقافة يؤدّي إلى تبلور النشاط والبنية.

وبعبارة أخرى: حيث أن الثقافة توصل نفسها إلى المساحة الأكثر تعيّنًا في المجتمع، يجب القول على هذا الأساس: إن المعنى والثقافة قد أظهرت نفسها وتجلت على هذه الشاكلة. ومن هنا فإنه بالإضافة إلى وجوب تصوير الثقافة والبنية العينية والخارجية بشكل مستقل، يجب العمل في الوقت نفسه على فهم التداخل والتشابك بين هذين الأمرين أيضًا. يقوم هناك نوع من العينية ونوع من الغيرية بين الثقافة والبنية العينية والخارجية، وإن البنية العينية لا تساوي الثقافة والمعنى. وفي الوقت نفسه هناك نوع من التناسب والانسجام بين هذين الأمرين إلى الحدّ الذي يمكن القول معه: إن هذه البنية وهذا النشاط إنما يحصلان وينتجان عن هذا المفهوم وعن هذه الثقافة.

(275)

إن ولادة البنية بواسطة الثقافة إنما هي جزء من الأمر، والجزء الآخر عبارة عن ولادة الثقافة بواسطة الثقافة نفسها؛ فإن الثقافة تواصل حديثها، وهي تستمر في بيان لوازم كلامها ومفاهيمها تباعًا. إن الفكرة الأولية تشهد بسطًا وتفصيلًا، وهي في مراحل البسط والتفصيل تواصل الإنتاج ومتابعة اللوازم على الدوام أيضًا. وبعبارة أخرى: إن «المعنى» ليس راكدًا، وإن كان في كل مرحلة مع بلوغ خط النهاية والوصول إلى قوّة، تستمر هذه الصيرورة باتساع أكبر.

إن كل ثقافة تعمل على إعادة إنتاج ذاتها وتقوم بإصلاح نفسها وتوسيع دائرتها، وإن جميع هذه الأمور مجتمعة تعمل على بيان المراد من إنتاجية الثقافة. وفي البحث عن عوامل بناء الحضارة لا بدّ من الإشارة إلى هذه الولادة الثقافية التي تستوجب ظهور الحضارة.

العلاقة المتبادلة بين تكوين البنية وتشكيل المجتمع من خلال الثقافة

كما سبق أن أوضحنا في مثال الأسرة، فإنه بالإضافة إلى المعنى الموجود في صلب الأسرة، هناك نوع من المشاركة والارتباط العيني والخارجي بين أفراد هذه الأسرة أيضًا، حيث هو غير المعنى الحاضر والذي يمور في بؤرة المشهد. كما أن كل مجتمع يحتوي على هذين القسمين أيضًا. وعلاوة على ذلك فإن كل بناء عيني بواسطة حضور المعنى ومورانه فيه، يقع ضمن دائرة التعامل مع سائر أجزاء الثقافة، ويترك تأثيره فيها. وقد سبق أن ذكرنا أن تغيير البنية يؤدّي إلى تغيير الثقافة. وعليه فمن خلال ملاحظة هذين الأمرين الآنفين، يتضح أن تأثير الثقافة في البنية والمجتمع لا يكون من طرف واحد فقط، وإن البنية بدورها يمكن أن تترك تأثيرها في الثقافة أيضًا. ومن هنا لا يمكن الاتفاق والتماهي بسهولة ومن دون قيد أو شرط مع بعض التحليلات والآراء التي تعدّ الثقافة هي العامل الرئيس في المجتمع، وترى لها إشرافًا عامًا وشاملًا على المجتمع.

(276)
النتيجة الرابعة: تصاعديّة الثقافة

بلحاظ المقدمات الثلاث يمكن أن نستنتج أن للثقافة حالة تصاعدية وأنها حالة تتضاعف. وهذه المقدّمات عبارة عن:

1. إن المساحات الثمانية للثقافة مترابطة ومتشابكة ببعضها، حيث هذه هي أن النقطة الثالثة من بين النقاط الستة في دائرة الثقافة.

2. إن الثقافة تنطوي على عمق وعلى سعة وعلى عظمة خاصة، وهذه هي النقطة الخامسة من بين النقاط المذكورة.

3. إن الثقافة في حالة خلق وولادة مستمرّة ودائمة، وهذه هي النتيجة الثانية من بين النتائج النهائية لبحث دائرة الثقافة.

بالنظر إلى هذه المقدمات يتضح أن الثقافة غير راكدة وإنما هي متحرّكة، وإن هذه الحركة وتغيير الشكل لا تحدث بخطوة أو بخطوتين، وإنما تحدث على نحو القفزة؛ وعليه نحتاج إلى نوع من المعادلة ذات العشرة مجاهيل، لكي يكون بمقدورها توصيف تبلور المخاض الثقافي الجديد. وبعبارة أخرى: من خلال عدد من المتغيّرات والحركات الابتدائية، تحدث فجأة عشرات آلاف المتغيرات الموردية في مجموع الثقافة. وحتى التغيير الصغير في المجموعة الثقافية الكبيرة تؤثر في المجموعة بأكملها، وتعرّض آلاف الأمور إلى التحوّل، ويمكن التعبير عن هذه المتغيّرات الكثيرة بالمتغيّرات التصاعدية والمضاعفة في الثقافة.

من خلال هذه الخصوصية الموجودة في الثقافة يمكن إلى حدّ ما فهم أسباب المتغيّرات المتسارعة في المجتمعات في بعض الفترات والمراحل التاريخية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه بعد رحيل النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسنة واحدة، شهد المجتمع الديني ما لا يُحصى من التأثيرات في تلك الحقبة وما بعدها. إن هذه الحالة الثقافية الهشّة هي التي تؤدّي إلى هذه التغيّرات على نحو مفاجئ. من قبيل أن تتبلور أدبيات خلال بضعة أيام، ثم تترك بعد ذلك ما لا يُحصى من التأثيرات.

(277)
النتيجة الخامسة: قابلية فهم الثقافة وانتقالها

عندما يمور المعنى وتزخر الثقافة في صلب النشاط والبناء يصبح فهم الثقافة أمرًا ممكنًا. يضاف إلى ذلك أنه عندما يتمّ الاهتمام بالأمور البيانية، فإنه بسبب هوية هذه الأمور البيانية ـ التي هي عبارة عن إظهار الأفكار الأصلية للثقافة، بل وبيان ثقافة المجتمع ـ فإن ذلك يؤدّي إلى إمكان فهم الثقافة. من خلال الأمور البيانية تتوفّر إمكانية تقرير الثقافة، واستنادًا إلى هذه الجذور الأصلية يحظى الإنسان بالمفهوم والمعنى، ولهذا السبب يمتلك القدرة على اكتساب المعنى، وبهذه الخصوصية تنبسط الروح الإنسانية في مساحة المجتمع، يمكن أن نستنتج أن اكتساب الثقافة سوف يكون أمرًا ممكنًا ومقدورًا بشكل كامل. وفي الأمور البيانية نجد هناك حصولًا وتحققًا للمعاني بشكل صريح، بل وفوق ذلك يمكن القول: إن الثقافة يمكن الحصول عليها وفهمها من طريق جميع أبعاد الثقافة، وليس من خلال الأمور البيانية فقط.

إن النتيجة المهمّة جدًا والأصلية من قابلية الحصول على الثقافة، هي أنها سوف تجعل التعليم والتربية في الثقافة أمرًا ممكنًا. وإن التأثير الثقافي والمعياري وإمكان النشر والإشاعة وما إلى ذلك إنما تطلق على الثقافة في ضوء هذه الثقافة. وعلى هذا الأساس فإن من بين الخصائص المهمّة ـ التي يرد ذكرها في التعريف بالثقافة من قبل علماء الاجتماع ـ عبارة عن هذا التعليم والتعلّم؛ بمعنى أن الثقافة أمر اكتسابي وقابل للتعليم[1].

إن النقطة المهمّة للغاية هي أن تعليم الثقافة لا يكون بالضرورة على شكل تعليم رسمي، ويمكن أن يحدث من خلال البناء الثقافي أيضًا. وإن البناء الثقافي يتبلور بشكل رئيس من طريق التكرار والاعتياد والتأثر؛ وقد سبق أن تحدّثنا بشأن الإنسان من خلال الإشارة إلى مفهوم التأثر، وقلنا هناك: إن الإنسان يتأثر ولا سيّما إذا كان عرضة لتكرار أمر بشكل متتابع. وهذه هي المساحة التي يكون فيها التكرار بالنسبة

(278)

إلى عموم الناس مستوجبًا للتقبّل، بخلاف أصحاب الفكر والتحقيق الذين يكون معيار القبول والرفض عندهم هو الدليل. وعلى حد تعبير سماحة آية الله الجوادي الآملي: «بالنسبة إلى الشخص المحقق والفيلسوف لا يكون التكرار معيارًا للقبول، بل المعيار هو نفس الاعتقاد والاستدلال الكامن فيه؛ فهو الذي يستوجب القبول، ولكن بالنسبة إلى عامّة الناس يكون التكرار هو المعيار في القبول». استنادًا إلى هذه المباني القائمة على أساس أن أفراد المجتمع في نقل أمر ما ـ من قبيل الفكر ـ إلى الجيل الآخر، يتمّ القيام بتكرار الأمر في جميع أبعاد الثقافة؛ ابتداءً من العالم الفكري وصولًا إلى المصنوعات وما إلى ذلك. وعلى هذا الأساس يتبلور تيار البناء الثقافي؛ حيث تكون المقبولية العامّة حصيلة ونتيجة للعمل. إن التكرار في مختلف ساحات الثقافة سوف يؤدّي إلى التأثر والأنس والاعتياد والتقبّل على نحو عام وشامل. وبطبيعة الحال فإن تيار البناء الثقافي لا يكتفي بالأمور البيانية فقط، ومع ذلك فإنه بالنظر إلى تسمية العالم المعاصر بعصر الارتباطات ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، يتم توظيف التكرار بأشكال متنوّعة في وسائل الإعلام، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنها تأخذ الفكرة من الرمز وصولًا إلى اللغة والمصنوعات، وتضعها أمام مرأى الناس بأشكال مختلفة حتى يسهل على أفراد المجتمع تقبّلها. من البديهي بالنظر إلى نوع وقوّة الأعمال الثقافية والتعامل الثقافي المناسب، قد يتغيّر حجم وتاريخ تقبّل الثقافة السابقة. وتارة تكون هذه الأمور قد تمّ تنظيمها بقوّة بحيث تنتقل جميع الثقافة في الصغر إلى الجيل الجديد.

هناك كلام وتحليل للشيخ أبو علي ابن سينا ـ بالنظر إلى تعليم الأطفال منذ الصغر وتأثرهم بالثقافة ـ حول الآراء التعارفية؛ بمعنى الآراء الاصطلاحية (المتفق عليها بين عامّة الناس)، والتعارفية (المتعارفة بين الناس)، ويتم التعبير عنه بالعقل المدني والاجتماعي والعقل المشهور. وقد ذكّر بأن أكثر أشخاص المجتمع عند اتخاذ القرار على أساس العقل العملي، يستفيدون من العقل العملي في إنجاز الأمور من

(279)

هذه الآراء المتعارفة والأفكار المشهورة بين الناس. وبعبارة أخرى: إن قرار العقل العملي ينسجم نوعًا ما مع الثقافة، ومن الممكن الحصول عليه في مرحلة الصغر أيضًا. وقد تحدّث آخرون من أمثال الشيخ الإصفهاني عن هذا الفضاء تحت عنوان المصطلحات التأديبية؛ وقد أخذ أصل هذه الفكرة عن الشيخ ابن سينا، ولكنه لم يعكس الصورة التي عرضها ابن سينا عن الحكمة العملية ضمن هذه الأبحاث.

بالإضافة إلى تيار البناء الثقافي، يمكن ذكر الهندسة الثقافية بوصفها داعمة لهذا التيار البنائي. وبطبيعة الحال فإن المجتمعات التي تبادر نوعًا ما إلى الهندسة الثقافية، إنما تهتم بمجرّد الحفاظ على هوية المجتمع والثقافة السابقة، وأما الهندسة الثقافية المبنائية والصحيحة فهي التي تتحقق بعد تقييم الثقافة وتشخيص الثقافة الصحيحة من السقيمة. وفي هذا البين تكون أهمية الأمور البيانية كبيرة جدًا، لا سيّما إذا تمكن المجتمع من صبّ أفكاره الجوهرية في بوتقة فلسفته، لتخرج في الحدّ الأدنى من طريق النُخَب المرتبطين بالفلسفة في المجتمع.

إن النقطة التكميلية هي أن التربية والتعليم والتأثير الثقافي لا تكون مقدورة بشأن ثقافة المجتمعات فحسب، بل وهي مقدورة حتى بشأن الضد النوعي للثقافة[1] أيضًا. ولذلك فإنه من بين الطرق التي يعتمدها الغرب في توسيع دائرة نفوذه وبسط سيطرته عبارة عن تعليم وتربية النُخَب في المجتمعات الأخرى بطرق متعددة،  سواء عبر تخطيط كامل ومدروس وعبر مخاطبين بعينهم أو بشكل عام وكلي. بحيث يمكن بوضوح رؤية بعض الأساتذة والنُخَب في جامعات العالم الشرقي بسبب اعتناقهم لفلسفة الغرب أو تعلّمهم للعلوم الإنسانية الغربية قد اصطفّوا من الناحية العملية في الجبهة الفكرية للغرب، وعندما يتحدّثون يبدون وكأنهم ناطقين باسم

(280)

الثقافة والحضارة الغربية. بل ويسعى بعضهم إلى هدم القيَم والمعتقدات الثابتة في مجتمعاتهم واحدة واحدة بمعول متبنياتهم الغربية، وذلك لأن المعيار والمدار والثقافة التي أصبحوا يؤمنون بها ويعتنقونها هي ذات الثقافة الغربية. كما أن ما يحدث في بعض بلدان جنوب شرق آسيا ـ في ضوء بعض التقارير ـ من خلال تعليم عدد قليل من الأشخاص المؤثرين  والنُخَب وتربيتهم على الطريقة الغربية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، يُعدّ على المستوى العملي بمنزلة غرس بذرة لضمان المصالح الغربية والدفاع عن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في تلك المجتمعات. وعلى هذا الأساس نشاهد كيف يتحول حقل التربية والتعليم الثقافي إلى خطر يهدد الذين يتبنون ثقافة مختلفة عن الثقافة الغربية.

النتيجة السادسة: تأثر الثقافة بالنشاط والبنية

على الرغم من هيمنة الثقافة، يمكن للبنية والنشاط أن يؤثر في الثقافة، سواء على مستوى تعميقها وبسطها أو على مستوى تغيير مسارها أيضًا. وفي المجموع يمكن تصوّر نوع من التأثير من الأسفل إلى الأعلى. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يتمّ في بعض الأحيان توقع نشاط اجتماعي مناسب، ولكن لو تقاعس المجتمع ولم يقم بنشاط مناسب، فإن هذا الأمر سوف يؤدّي إلى خمول الثقافة نفسها، وإن الثقافة سوف تتضرر بسبب عدم تحقق هذا النشاط المناسب. ناهيك عن أن النشاطات يمكن لها أن تعمل من الناحية الإيجابية والتحققية على إحداث الكثير من المتغيّرات في الثقافة.

وفي بعض الأحيان يمكن لمساحة هذا التغيير ـ مثلًا ـ بواسطة التغيير في البنية العامة أو حتى التغيير في النظام السياسي أن تكون بحيث تؤسس لثقافة جديدة وبديلة. وحتى في بعض الموارد التي يكون فيها الحكم الجديد مفتقرًا إلى الشرعية، وفارضًا سلطته بقوّة السلاح أو انتهاج سياسة الاغتيالات أو الانقلابات العسكرية بشرط أن يحافظ على تماسكه، يكون تحقيق مثل هذا التغيير الثقافي الكلي والشامل

(281)

أمرًا ممكنًا. وعلى هذا الأساس يمكن لمساحة تأثير البنية على الثقافة أن تصل إلى حدّ التغيير والتحوّل الشامل بالنسبة إلى الثقافة السابقة أيضًا.

قد يكون التغيير في البنية السابقة قليلًا جدًا في بعض الأحيان، حتى قد لا يشعر المجتمع بحدوث هذا الضدّ النوعي لثقافتهم، ولكن ذات هذا التغيير البنيوي الطفيف يمكن أن ينطوي على آثار وتداعيات ثقافية كبيرة جدًا. إن التغيير البنيوي قد لا يحدث في بعض الأحيان بقصد التغيير الثقافي، ولا يوجد أي معنى توافقي لهذا التغيير البنيوي في الثقافة ليتقبله، ولكن بسبب ذات هذا التغيير البنيوي الذي هو مجرّد تغيير بنيوي بحت، يمكن للثقافة أن تتأثر إلى حدّ كبير. من قبيل أن يتمّ في المجتمع بلحاظ ظروف الحرب أو ظروف ما بعد الحرب مجرّد اتباع نوع من النموذج الجديد في البنية الاقتصادية بغية إيجاد المزيد من الانتعاش، ثم يؤدّي هذا الأمر شيئًا فشيئًا إلى خلق ثقافة مختلفة بعد ذلك؛ كما حدث ما يُشبه هذا الأمر في الظروف الخاصّة التي مرّت بها الجمهورية الإسلامية في إيران خلال الأعوام التي أعقبت الحرب المفروضة حيث كانت المتغيّرات الاقتصادية المتبعة في تلك المرحلة تستند إلى مجرد ضرورة تقوية الاقتصاد فقط.

كما تصدق هذه القاعدة بشأن النشاطات أيضًا، من قبيل أن يقوم شخص لمجرّد الوصول إلى غايته باتباع وسائل غير مناسبة أو غير متناغمة مع ثقافته، ولكنه يؤدّي من الناحية العملية إلى حدوث تغييرات ثقافية. وقد حدث ما يُشبه ذلك في سنوات ما بعد انتصار الثورة الإسلامية؛ فعلى الرغم من كون الرأسمالية والمبالغة في الرفاهية تعدّ ضدًا نوعيًا للثقافة، فإن هذه النشاطات المعارضة قد أدّت في سنوات منتصف العقد السادس إلى حدوث نوع من إحياء الثقافة الرأسمالية وتقديس الرفاهية.

أن يكون سلوك ونشاط ودين الملوك والحكام مؤثرًا في السلوك العام للناس ويلقي بظلاله عليهم حتى قيل: «الناس على دين ملوكهم»، إنما يعود إلى حقيقة أن

(282)

أفعال الحكام ونشاطاتهم تعمل على إيجاد وبناء الثقافة. وبعبارة أخرى: على الرغم من أن هذا السلوك الحكومي الناشز لا يتمّ تعميمه على الثقافة السابقة، بيد أن ذات هذا السلوك سوف يترك تأثيره في مساحة الزمن، وسوف يعمل على تدجين وترويض الثقافة والمناخ العام لكي يتماهى وينسجم معه. أو ظاهرة السفور والتبرّج التي قد تكون في البداية ظاهرة سلوكية فردية بالكامل، ولكنها سوف تتحوّل شيئًا فشيئًا إلى ثقافة تحمل معها ما يوافقها ويتماهى معها.

وقد تنبّه بعض علماء الاجتماع في الغرب إلى التأثير المتبادل بين الثقافة والبنية بشكل واضح[1]، ولا سيّما منهم علماء الاجتماع البنيويين حيث يؤكدون على انتقال الثقافة من طريق العناصر البنيوية والفعلية، بيد أن الذي يحظى بالأهمية هو توضيح وشرح أسباب هذه الظاهرة، ولا سيّما في مجال تأثير البنية على الثقافة.

من الواضح بداهة أن مساحة تأثير المتغيرات البنيوية في الثقافة يستند إلى الكثير من العوامل والعناصر المتنوّعة، وليس الأمر كما لو أن كل تغيير في البنية يحدث تغييرًا كليًا وجذريًا في الثقافة، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه في مقام المقارنة بين تغيير الحكم السياسي وتغيير آداب تناول الطعام، من الطبيعي أنه يجب اعتبار مساحة النفوذ والتأثير الثقافي الأكبر من نصيب التغيير في بنية السلطة السياسية.

والنقطة المهمّة هي أنه لا ينبغي اعتبار تأثير البنية في الثقافة بواسطة امتلاك البنية للثقافة السابقة؛ إذ أن هذا المعنى المنطوي والموّار في البنية والنشاط لم يصل بعدُ بحسب الفرض إلى التفاهم العام، وإن فرض الثقافة المستبطنة في البنية الجديدة على الثقافة السابقة قد تمّ بواسطة ذات البنية، ومن بينها ـ على سبيل المثال ـ الاعتماد على اعتياد الإنسان على الأمور الثقافية. وعلى هذا الأساس فإن ذات البنية والنشاط هو الذي ترك تأثيره في الثقافة، وفرض المفهوم والثقافة المتناسبة معه على الثقافة

(283)

والمفهوم العام السابق. وبعبارة أخرى: إن البنية والنشاط يعملان شيئًا فشيئًا على تأسيس المعاني والمفاهيم، لا أن المعنى وثقافته يعملان منذ البداية على تنقيح الثقافة السابقة؛ وذلك لأن مسار تقبّل هذا المعنى المخالف يحدث من قبل عامّة الناس بشكل تدريجي أيضًا.

إن من بين الأرضيات المساعدة على إيجاد المتغيّرات الثقافية من قبل الأبنية غير المتناغمة، عبارة عن أن المجتمع لا يلتفت بالضرورة وعلى الدوام إلى المعاني والمفاهيم والتداعيات الكامنة في الأبنية والنشاطات. وفي المساحة الإنسانية ـ خلافًا للمساحة الربوبية؛ حيث يكون إمكان كل نوع من أنواع التنافر بمعنى افتراض التناقض ـ الأعم من الفردية والجماعية، لن يكون وجود التنافرات الثقافية والنشاطية (بالنسبة إلى بعضها أو في محيط كل واحد منهما) بواسطة عدم الإشراف التام من قبل الإنسان والمجتمع ليس أمرًا مستحيلًا، بل وإنه يقع على نطاق واسع. من ذلك مثلًا أن التغيرات التي قام بها الشاه رضا خان البهلوي فيما يتعلق بمسألة الثياب والحجاب ربما قرئت على أنها قليلة جدًا، بيد أن ذات هذه المتغيّرات القليلة وذلك في هذا النطاق الثقافي والاجتماعي المحدود (الثياب) أدّى إلى الكثير من المتغيّرات. وحتى الموارد التي يبادر فيها شخص أو أشخاص ببعض التغييرات البنيوية غير المتناغمة بوعي وإدراك منهم، بيد أن هذا الأمر لا يعني بالضرورة الاهتمام التفصيلي من قبل المجتمع وفهمه للتبعات والأمور الناشزة الكامنة فيها. وعلى هذا الأساس فإن المقاومة الثقافية العالية وردود الأفعال المبكرة تجاه التحوّلات الناشزة وغير المنسجمة مع الثقافة تحظى بأهمية بالغة للغاية. يلاحظ في بعض المجتمعات حجم المقاومة الثقافية العالية في مواجهة الضدّ النوعي لثقافتهم، بحيث لم تتغيّر أزياؤهم السابقة في العصر الحديث والراهن حتى ولو بشكل طفيف[1]، وفي بعض المجتمعات

(284)

الأخرى كان مقدار هذه المقاومة منخفض جدًا، وتخضع لظواهر الضدّ النوعي لثقافتها بكل سهولة، بحيث يمكن من هذه الناحية تقسيم المجتمعات والثقافات المختلفة إلى مقاومة وقليلة المقاومة.

على سبيل المثال هناك من يعتبر الثقافة اليابانية بسبب أسس العقيدة الوثنية التي تعتنقها والتي هي نوع من الديانة الإنسيابية والمرنة التي تنسجم مع جميع الأوضاع والتحوّلات، فإنها تفتقر إلى المقاومة الثقافية العالية. ونشاهد في محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية ـ على سبيل المثال ـ بالمقارنة إلى المحافظات الأخرى مقاومة ثقافية أعلى، وربما يعود السبب في ذلك إلى ضآلة تأثير وسائل الإعلام في هذه المحافظة. أو المجتمع الشيعي فإنه على الرغم من احتوائه على الأسس الثقافية القوية، إلا أنه يعتبر مجتمعًا منفتحًا إلى حدّ كبير. ولا سيّما بسبب الطريقة الاجتهادية السيئة وعدم الاستفادة من الظرفيات العالية للاجتهاد في المراحل المتأخرة وطريقة التساهل والتسامح في مواجهة الحداثة وآثارها، والحمل السهل لحكم المباح على معطيات الحداثة، وربما لأسباب تاريخية أخرى من قبيل سياسات الشاه رضا خان البهلوي، حيث أضحى شحّ هذه المقاومة الثقافية مشهودًا على المستوى العملي. وبعبارة أخرى: إن نوعًا من التسامح في تشخيص الموضوع وعدم الالتفات إلى الكليات الحاكمة، من قبيل الروح والفكر الحداثوي في قبال الروح والفكير الإسلامي، يؤدّي من الناحية العملية ومن خلال نمط من القول بأصالة الإباحة إلى نوع من الخمول والضعف في قدرة الثقافة على المقاومة. وهو أمر يُشاهد في نوع نظرة الفقهاء في تلك المرحلة. وبعبارة أخرى: إن ذريعة مواكبة العصر لا ينبغي

(285)

أن تؤدّي إلى التخلي عن التمحيص والتدقيق. من قبيل السياسة التي تمّ انتهاجها في الفترة القريبة الماضية بشأن تحديد النسل والسيطرة على الزيادة السكانية التي اكتسبت نوعًا من التسلل البنيوي، وكانت الحجّة المذكورة فيها أمور من قبيل كيفية ضمان الرفاه للكثير من الناس، وقد أدى ذلك إلى الكثير من التداعيات الثقافية السيئة والسلبية. الأمر الذي كان يبدو ببساطة غير قابل للعودة إلى الوراء، إلى الحدّ الذي أدّت معه تلك الملاحظات البنيوية إلى إيجاد أدبياتها المناسبة، واستوجبت نوعًا من الثقافة العامة ومن بينها الخوف العام من ازدياد عدد الأولاد. وبعبارة أخرى: إن عدم المقاومة الثقافية وتبلور التيار والأمر السلبي في الثقافة لا يمكن الرجوع عنه ببساطة، إلى الحد الذي لم يتمكن فيه حتى أمير المؤمنين علي عليهم‌السلام ـ وهو الإمام المعصوم والمنصوب من قبل الله سبحانه وتعالى ـ من إعادة الأمور ـ في الكثير من الظواهر الثقافية التي أسس لها عثمان بن عفان ـ إلى سابق عهدها وما كانت عليه في سُنة وسيرة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. ومن ذلك صلاة التراويح ـ على سبيل المثال ـ حيث كانت تقام في عصر خلافة أمير المؤمنين عليهم‌السلام على الرغم من اعتراضه عليها.

إن الشهيد مرتضى المطهري رحمه‌الله على الرغم من اعتراضه الشديد على التعصّب المقرون بالجهل، ولكنه في العديد من المواطن الأخرى يبدي ردّة فعل سلبية تجاه تفسير العصبية على أنها تعني التصلب والتشبّث بالعقيدة الحقة، واستنباط التهاون والتحلل من «عدم التعصّب» أيضًا[1]. وبعبارة أخرى: حيث يمكن لـ «العصبية»

(286)

أن تؤدّي إلى مقاومة التغييرات الإيجابية، فهي لذلك تعدّ ظاهرة غير مناسبة وتعتبر معارضة للقيَم بشكل مطلق، ويتمّ التوجه إلى مخالفتها. كما يجب الاعتراف في الوقت نفسه بتأثير هذه العناصر في إيجاد المقاومة الثقافية، بيد أن المقاومة الثقافية المشتملة على عناصرها الأساسية الخاصّة، من قبيل ما لو كانت الرؤية حاضرة مع لوازمها في ذهن الفرد والمجتمع على الدوام، وتكون الأضداد النوعية للوازم تلك الرؤية ماثلة أمام عينيه، وتكون بحسب المصطلح مفهومة لعامة الناس بشكل تفصيلي نسبيًا، فسوف يتبلور لدى المجتمع نوع من الوضوح والإشراف، ولا يعود يتماهى بسهولة مع الظواهر التي يبدو عليها أنها لا تشكل خطرًا أو تتنافى في الواقع وتعارض الثقافة المستقرة، وسوف يبدي ردّة فعل مناسبة تجاهها. إن إيصال المجتمع إلى هذا الموقف الذي يمكنها من الحفاظ على أسس وأفكار المجتمع في ذاكرته، وأن يُحضر في نظره وذهنيته عدم تناغم أضداد الثقافات مع ثقافته، يكون ذلك في الحقيقة والواقع عبارة عن «الأمر المعروف والنهي عن المنكر» في أبعاد ثقافية.

إن تأثير المتغيّرات البنيوية في الثقافة، حتى في المجتمعات التي تمتلك ثقافة وبنية سابقة منسجمة ومتماهية، تعدّ أمرًا محتملًا أيضًا. فأن تكون البنية جزءًا من القسم الأدنى من المجتمع، وكيف يمكن لتغيير صغير في هذا الجزء أن يزعزع ثقافة منسجمة تحتوي على أبنية محكمة ومتينة للغاية، وأن يحدث في بعض الأحيان متغيّرات أساسية، بالنظر إلى هذه النقطة يتضح أن الأبنية على الرغم من كونها من القسم الأسفل والأدنى من المجتمعات، ولكنها تمثل بمعنى من المعاني ناصية المجتمعات، وإن الأشخاص في تعاملهم مع الأمور الأولى التي يواجهونها سوف

(287)

يواجهون ذات هذه الأبنية. إن هذا النوع من المواجهات السريعة والمتكررة مع الأبنية، يؤدّي إلى حدوث تواصل وارتباط سريع مع الحافظة الجماعية، ويعمل على إيجاد تحوّل في الفهم. إن هذا الأمر إنما يكون حيث لا تكون هناك مقاومة ثقافية أو أن تكون قليلة جدًا، وحتى إذا كانت الثقافة المفترضة قوية، ولكنها تكون من حيث المقاومة ـ لأيّ سبب من الأسباب ـ ضعيفة، يمكن للأبنية الجزئية والصغيرة والنشاطات الجزئية بدورها من الناحية العملية أن تحدث في الثقافة تصرفات كبيرة وجوهرية. والأكثر صراحة من ذلك أن الذي يضمن الحفاظ على الثقافة من التحوّلات والمتغيّرات غير المطلوبة وغير المقارنة، عبارة عن وجود المقاومة الثقافية، وإن الاستقامة الكاملة والشاملة لأسس الثقافة المستقرة لا تقع في الدرجة الأولى من الأهمية. إن المجتمع الذي لا يمتلك مقاومة ثقافية هو مجتمع يفتقر إلى الدرع الحصين، وإن كان من حيث القوةّ الثقافية يمتلك سيفًا صارمًا وبتارًا. إن امتلاك المقاومة الثقافية يعني أنه يجب على ذات الثقافة أن تقوم بهذه المقاومة وأن تتخذ الاتجاه المتناسب معها.

إن إيجاد المقاومة الثقافية أمر مقدور، وله أساليب متعدّدة، من قبيل:

1. كما سبق أن ذكرنا فإن أحد الطرق هو أن تكون الأمور الأساسية والأفكار الجوهرية نصب عين المجتمع على الدوام. من قبيل المجتمع الذي يقوم بنحو من الأنحاء على أساس التوحيد، من الطبيعي أن هذا الاستناد والتركيز الكثير على التوحيد سوف يعمل على طرد ونبذ كل أمر يتنافى معه في خضم صيرورة هذا المجتمع؛ وهذا نوع من المقاومة حاضر في بعض الأجزاء الأساسية من ثقافة المجتمع، حيث لا يتحمّل العبور عليه، ويكون هو على الدوام ـ بواسطة الحضور الفاعل لتلك الجهة ـ معيارًا للقياس في الذاكرة العامة. وبعبارة أخرى: إن شدة التقبل العام لرؤية وفكرة ما، تؤدّي إلى حذف وإلغاء الأمور الناشزة، ويمكن القول من الناحية العملية إن شدّة التقبل يعدّ عنصرًا قويًا

(288)

لإيجاد المقاومة الثقافية العالية. وبذلك يمكن اعتبار أحد طرق الهندسة الثقافية من أجل الحفاظ على الهوية الجامعة، عبارة عن إيجاد الاستحكام في هوية وروح تلك الثقافة من أجل بناء المقاومة الثقافية العالية.

2. إيجاد مقاومة بنيوية من قبيل بلورة مجموعة رصد ذات مرجعية أيضًا، وإن هذه المرجعية وملاحظة آرائها، من شأنها أن تعمل على حل وفصل الكثير من المسائل المستحدثة بل والمعارضة لها في بعض الموارد. أو من قبيل ما نجده في باكستان بلحاظ نمط وأسلوب الحياة هناك؛ ففي باكستان من أجل الحفاظ على الأسر الكبيرة التي تضمّ في كيانها الأجداد وصولًا إلى الأولاد والأحفاد حيث يقطنون في بيت واحد، على الرغم من غياب الالتزام بالحجاب بشكل كامل، ولكننا نشاهد على المستوى العملي رعاية للعفاف والطهر بوضوح. وبعبارة أخرى: في هذا النوع من الارتباط والتواصل يتمّ انتقال الثقافة بيُسر، كما يكون الحفاظ على الثقافة من آفاتها وتداعياتها مقدورًا على نحو أيسر.

واستنادًا إلى هذه النتيجة يمكن القول: إذا لم تكن الحضارة ذات ثقافة ملائمة، فإن فضاءها سوف يشهد تلاطمًا واضطرابًا وتكون عرضة للتحوّل، والعكس صحيح أيضًا. وفي الأساس فإن أحد خصائص الحضارة الناجحة هي أن تحيط الثقافة بجميع أبعادها العينية، وتكون هذه الثقافة قد حظيت بانتشار وانبساط مناسب، وإلا فإن الانحرافات الثقافية والحضارية سوف تكون واقعة لا محالة، ويعود السبب في ذلك إلى طبيعة المساحات المنظمة للحضارة[1].

النتيجة السابعة: تجذّر الثقافة في أعماق التاريخ

في ضوء الأبحاث الثقافية الواسعة والأبعاد والمساحات المختلفة لها، يجب الاعتراف بأن الثقافة تمتدّ بجذورها في أعماق التاريخ، ورفعت هامتها من هناك.

(289)

إن المراد من التاريخ ليس هو التاريخ الذي تمّ تقريره من قبل علم التأريخ، بل هو ذلك الأمر الذي يسجل حضوره في الفهم العام وفي الثقافة العامّة. إن التاريخ الذي أصبح ثقافة وصار مفهومًا بشكل عام، يعدّ جذرًا للثقافة الأعم من أن يكون من الثقافة التي يتم الشعور بها أو لا يتمّ الشعور بها[1]. لا ينبغي تفسير وفهم الثقافة ضمن الدائرة الزمنية الراهنة. إن فهم الثقافة، وهوية الثقافة، والتعاطي الثقافي، والتعاليم الثقافية، تمتدّ بجذورها في أعماق التاريخ، وسوف يكون لهذه الجذور التاريخية تأثير مهم بشأن طريقة وكيفية وجودها.

من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الحركة الاجتماعية الواسعة التي نشهدها حاليًا في إيران حول ملحمة عاشوراء، لو تمّت إعادة قراءتها بالنظر إلى الخلفيات التاريخية، فسوف ندرك تبلور هذا الأمر شيئًا فشيئًا طوال التاريخ، وقد تحوّل الآن إلى أسلوب ونشاط اجتماعي بشكل رسمي. إن هذا المثال بسبب ظهوره الاجتماعي الواضح، وكذلك التقبل العام الذي حصل عليه في إيران، يعمل على تحديد ما كان عليه الأمر في خلفياته وفي جذوره الأولى. إن الشعب الإيراني يعمل في الواقع من خلال هذه المواكب على إحياء ذلك الماضي في الوقت الحاضر.

المثال الآخر عبارة عن اللغة حيث لا ينبغي تفسيرها باللحظة الراهنة، فإن اللغة بدورها ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، ولا تزال تلك الأعماق والجذور موجودة حاليًا في صلب اللغة بشكل زاخر ومكثّف. من قبيل لفظ «السلام» في الترحيبات وإلقاء التحيات الشائعة، حيث يمكن تعقب جذورها في الحدّ الأدنى إلى عصر النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وبعبارة أدق: إن الجذور التاريخية قد امتدّت إلى هذا اليوم.

(290)

إن التاريخ ليس بمنزلة محطة عبور لهذه الثقافة، إنما التاريخ والأرومة قد حضرت في الوقت الحاضر، وهي في حالة من النموّ والازدهار في اللحظة الراهنة. من قبيل الشجرة التي لها من العمر عشر سنوات، وصار بالإمكان رؤية تلك الجذور ونمائها في اللحظة الراهنة على هذا الشكل المعاصر.

إن القول بأن التاريخ قد تمّ أخذه في الثقافة بنظر الاعتبار ليس بالأمر الصعب، بيد أن المهم في البين هو أنه لا ينبغي فهم تجذّر الثقافة في التاريخ برؤية ميكانيكية. إن التاريخ حاضر في جميع مواطن الثقافة. إن الثقافة الراهنة على الرغم من كونها ثقافة عصرية ولكنها مشبعة بعبق الماضي وعبير التاريخ. إن الثقافة الراهنة حيثما بلغت وأيًا كان التعامل الذي يتبلور حولها، إنما تتجلى من خلال اشتمالها على تلك الجذور التاريخية، وتكون لها تجليات متناسبة مع متغيّرات الثقافة. إلى الحدّ الذي تظهر معه فجأة تلك الجذور التاريخية في صلب حادثة تبدو معاصرة بالكامل، وتظهر إلى الوجود بوصفها تاريخًا وتتجلى على نحو واضح. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ إشارة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحروب الصليبية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول والتفجير الذي أدّى إلى انهيار برجي التجارة في نيويورك مباشرة، حيث تظهر هذه الإشارة الحضور الجاد للتاريخ الماضي في الحاضر.

 

 

(291)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. ريترز، جورج، نظريه جامعه‌شناسي در دوران معاصر (النظرية الاجتماعية في المرحلة المعاصرة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محسن ثلاثي، طهران، منشورات علمي، ط19، 1393 هـ ش.
  3. مطهري، مرتضى، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج 21 وج 24، طهران، انتشارات صدرا، 1381 هـ ش.

 

(292)

 

 

المفاهيم والأبعاد الثقافية في القرآن الكريم[1]

علي رضا قائمي‌نيا[2]

يمكن لنا أن نذكر في الحدّ الأدنى ثلاثة تعريفات عن المفاهيم الثقافية[3]: أ. إن المفاهيم الثقافية هي المفاهيم التي يتمّ توظيفها في الحياة الاجتماعية، ويكون المجتمع ظرفًا لتحققها. ب. إن المفاهيم الثقافية هي المفاهيم التي تترتب على تحققها تداعيات اجتماعية. ت. إن المفاهيم الثقافية هي المفاهيم التي تحتوي على خطط ثقافية خاصّة.

التعريف الأول: في ضوء هذا التعريف يتم التعريف بالمفاهيم الثقافية مقرونة بظرف تحققها؛ وإن ظرف تحققها هو المجتمع. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن مفهوم «الزواج» مفهوم ثقافي، وظرف تحققه هو المجتمع. وهكذا المفاهيم التي هي من قبيل: «المشاورة»، و«الأسرة»، و«التنافس»، و«المناظرة» ونظائر ذلك.

التعريف الثاني: تارة تطلق المفاهيم الثقافية على المفاهيم التي يترتب على تحققها تداعيات اجتماعية.

التعريف الثالث: في ضوء هذا التعريف يتمّ تحديد المفاهيم الثقافية من خلال الخطط الثقافية. من ذلك ـ مثلًا ـ عندما نستعمل مفهوم «الزواج» في المجتمع،

(293)

يتداعى إلى الذهن طرح مشروع ثقافي خاص في ذلك المجتمع. إن كل مفهوم اجتماعي يشتمل في حدّ ذاته على خطة ومشروع ثقافي خاص به.

إن من بين المفاهيم الثقافية في القرآن الكريم، مفهوم «الأمة»، حيث ورد استعماله في الكثير من الموارد، كما في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ[1].

إن هذه الآية واحدة من الآيات التي تكون دلالة «الأمة» الثقافية فيها واضحة. إن خيرية الأمة تعود إلى هذه النقطة، وهي عبارة عن تأسيس ثقافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها. وبعبارة أخرى: إن مجرّد اشتمال المجتمع على بعض الأفراد الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لا ينهض دليلًا على أن هذه الأمة هي من خير الأمم. بل من خلال الالتفات إلى صدر الآية وذيلها، وأخذ مناسبات الموضوع والمحمول ـ كما يقول علماء الأصول ـ بنظر الاعتبار، ارتبط خير الأمة بأمر أفرادها بالمعروف ونهيم عن المنكر باعتبار ذلك ثقافة.

وهناك في سورة آل عمران هناك آيات تدلّ بوضوح على المعنى الثقافي للأمّة، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ[2].

إن موقع مفردة «الأمّة» في هذا المورد مهمّة جدًا. إن هذه الآية تقارن بين أمّة من أهل الكتاب وبين الآخرين؛ وهي الأمة القائمة، والتي تتلو آيات الله في جوف الليل ... وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتسارع في فعل الخيرات. وهنا يجب أن نفصل بين نقطتين، وهما:

(294)

1. أشخاص من أهل الكتاب يتصفون بهذه الخصائص.

2. الأمة التي تتصف بهذه الخصائص.

لقد تمّت الإشارة في هذه الآية إلى أمّة تتوفّر فيها هذه الخصائص. إن الأمة التي تحمل هذه الثقافة، هي الأمة التي توجد في جنباتها ومفاصلها هذه النماذج الثقافية الخاصة. وهنا ترد المقارنة بين هذه الأمة وغيرها، وليس مجرّد المقارنة بين أفراد من هذه الأمة وغيرهم. إن هذه الأمة تشتمل على النموذج الثقافي المتمثّل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بمعنى أن هذين الأمرين قد صارا بوصفهما مشروعين ثقافيين بالنسبة إلى هذه الأمة. وكذلك فإن المسارعة إلى فعل الخير مشروع وخطة تعمل على توجيه حياتهم وما إلى ذلك.

قد يستفيد بعضهم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من هذه الآيات، كما استفاد ذلك بعض الفقهاء. ولكن لا ينبغي النظر إلى هذه الآيات من زاوية الأحكام الفردية فقط، بل إنها تشير إلى النماذج الثقافية.

قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[1].

وقد فسّر الفيض الكاشاني هذه الآية بمعنى الوجوب الكفائي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾. وعليه لو قامت مجموعة من الناس بهذه المسؤولية، فإنها سوف تسقط عن الآخرين، وإن هذه الآية لم تأمر جميع الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإن المفلحين هم الذين يقومون بهذا الأمر فقط[2].

إن هذا النوع من الآيات بصدد الإشارة إلى النماذج الثقافية للمجتمع الديني.

(295)

وبهذا المعنى كان النبي إبراهيم عليه‌السلام أمّة؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[1].

لقد كان النبي إبراهيم عليه‌السلام وحده أمّة؛ إذ كان النموذج الثقافي الخاص بالأسلام متجسّدًا فيه على نحو تامّ وكامل، ولم يكن من المشركين أبدًا. وبالتالي فإن الأمّة في هذا الاستعمال ترتبط بالنموذج الثقافي الخاص.

الشاكلة الثقافية

لا بدّ أولًا من الالتفات إلى مثال من الآيات؛ إذ يقول تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا[2].

إن الشاكلة بشكل عام تعني تلك التعيّنات الوجودية؛ بمعنى التعيّنات الكامن والماثلة في وجود كل شخص. بيد أن التعيّنات الموجودة في كل شخص تشتمل على أقسام متعدّدة. فهل يمكن لهذه الآية أن تشملها بأجمعها؟ أم هي تشتمل على قسم خاص منها فقط؟

الشاكلة الحياتية / النفسية: إن الشرائط والظروف الحياتية والنفسية للشخص توفّر له تعيّنات خاصّة.

الشاكلة الميتافيزيقية: إن كلمة الشاكلة لغة تعني النية والسجية والعزم والإرادة. ومعنى هذه الآية هو أن كل شخص يعمل على طبق خلقه وسجيته ونيّته. وهذا بطبيعة الحال لا يعني الإكراه والإجبار على ذلك، بل المراد هو أن كل عمل يقوم به أيّ شخص، إنما يعكس طبيعته وسجيته على ذلك العمل[3].

قال العلامة الطباطبائي في شرح هذه الآية في تفسير الميزان: «كل يعمل على

(296)

شاكلته أي إن أعمالكم تصدر على طبق ما عندكم من الشاكلة والفعلية الموجودة فمن كانت عنده شاكلة عادلة سهل اهتداؤه إلى كلمة الحق والعمل الصالح وانتفع بالدعوة الحقة، ومن كانت عنده شاكلة ظالمة صعب عليه التلبّس بالقول الحق والعمل الصالح ولم يزد من استماع الدعوة الحقة إلا خسارًا»[1].

وقد استعان العلامة الطباطبائي في تفسير هذه الآية بالبحث الفلسفي القائل بوجود «سنخية بين العلة والمعلول»، وأشار إلى هذه النقطة قائلًا: «ذكر الحكماء أن بين الفعل وفاعله ـ ويعنون به المعلول وعلته الفاعلة ـ سنخية وجودية ورابطة ذاتية يصير بها وجود الفعل كأنه مرتبة نازلة من وجود فاعله». ثم استند إلى رأي صدر المتألهين القائل بأن المعلول محتاج في وجوده إلى علة، وأنه متعلق بعلته على نحو ذاتي. وإن هذا التعلق ليس متأخرًا عن ذات المعلول، بل هو عين ذاته[2].

يسعى العلامة إلى تعيين دلالة «الشاكلة» على أساس بحث فلسفي؛ فعلى الرغم من وضوح معنى الآية، ولكنها تشتمل على دلالة أخرى لا تتضح إلا في ضوء فضاء النص الفلسفي. يتبيّن من تحليل الآيات أن الإنسان يمتلك نوعين من الشاكلة، وهما أولًا: الشاكلة الخَلقية، والأخرى: الشاكلة الخُلقية. والشاكلة الأولى ترتبط بكيفية خلق الإنسان وبنائه الجسدي ومزاجه. والشاكلة الثانية هي شاكلة بعد شاكلة؛ حيث ترتبط بشخصيته الأخلاقية. وفي هذه الشاكلة هناك تأثير للعوامل الخارجية. مهما كانت شاكلة الإنسان، فإن عمله وسلوكه سوف يحكي عنها. والشاكلة في الآية أقرب إلى المعنى الثاني؛ وذلك لأن سياق الآية يتحدّث عن فوز المؤمنين وشفائهم بالقرآن ويتحدّث عن خسران الظالمين.

(297)

وقد اتجه صدر المتألهين في «مفاتيح الغيب» إلى تفسير ميتافيزيقي لـ «الشاكلة»، حيث قال: «قال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ، أي: لا يعمل إلا ما يُشابهه؛ بمعنى أن الذي يظهر منه يدلّ على ما هو في نفسه عليه، ولا شك في أن العالم عمل الله وصنعته، فعمله على شاكلته، فما في العالم شيء إلا وله في الله أصله ...»[1]. إن صدر المتألهين من خلال استناده إلى هذه الآية قد ذهب إلى القول بأن العمل والصنع الإلهي مشابه لذات الحق تعالى؛ وعلى هذا الأساس ليس هناك من شيء في العالم، إلا ويوجد أصل له في الحق تعالى.

3. الشاكلة الثقافية: إن كل شخص يحصل على تعيّنات داخل ثقافته، وإن أفعاله تتعيّن على أساس نماذج وأشكال تلك الثقافة. وإن هذه التعيّنات هي الشاكلات الثقافية. إن الشاكلات الثقافية نتائج للنماذج الثقافية. إن كل نموذج يقتضي تعيّنًا لنفسه. إن النماذج الثقافية تعمل في الواقع على إنتاج تلك التعيّنات الثقافية وتعدّ شاكلة ثقافية.

إن الإنسان من وجهة النظر الإسلامية يكتسب نوعين من التعيّن الثقافي، وهما: التعيّن الإيماني، والتعيّن الكفري. وإن كل واحدة من ثقافتي الإيمان والكفر تستوجب تعيّنات خاصة بالنسبة إلى الأفعال والسلوكيات.

ولكن أيّ الشاكلتين كانت هي المرادة في الآية أعلاه؟ إن الآية لم ترد في فضاء بيان الشاكلة الحياتية / النفسية وارتباطها بالأفعال. إن الشاكلة الحياتية والنفسية تؤثر في أفعال الناس، والشاكلة الميتافيزيقية بدورها تعود إلى أصل ميتافيزيقي أيضًا، بمعنى أنها تعود إلى السنخية بين العلة والمعلول، ولا تدلّ على شيء أكثر من وجود سنخية وتناسب بين كل علة ومعلولها. ولكنها لا تدل على حقل وموضع تلك العلية أو على خصوص السلوكيات الأخلاقية

(298)

أو تناسب وجود العلة مع وجود المعلول أو غير ذلك. وما إذا تجاوزنا ذلك، فما هي صلة القبول بالشاكلة الميتافيزيقية بهذه الآية، وما إذا كانت هذه الآية بصدد بيان أصل ميتافيزيقي؟

من الواضح أن هناك نوعًا من الاقتضاء والعلية بين الشاكلة الثقافية وبين الأفعال والسلوكيات الصادرة عن الأفراد في تلك الثقافة. بيد أن هذا الكلام ليس تأييدًا لهذه النقطة القائلة بأن المراد من الشاكلة في هذه الآية هي الشاكلة الميتافيزيقية. إذ المراد هو أن الثقافة تصبح على شكل خطط ومشاريع داخلية لدى الأشخاص، وتعمل على توجيه أفعالهم وتضفي عليها معنى خاصًا. إن هذه الآية تعد من هذه الناحية مثل هذه الرواية الشهيرة القائلة: «إنما الأعمال بالنيات». وذلك لأن المراد هو أن النية عبارة عن شاكلة العمل وتعمل على بلورته.

وبذلك يتضح الفرق بين الشاكلة الثقافية وبين الشاكلة الميتافيزيقية. ففي الشاكلة الميتافيزيقية يقع الكلام في أن هناك سنخية بين الفرد بوصفه فاعلًا وبين علة عمله وفعله. وأما في الشاكلة الثقافية فالكلام يدور حول توجيه الإيمان والكفر ـ بوصفهما شاكلتين ثقافيتين ـ لسلوك وحياة الفرد. وهذه النقطة هي غير القول بوجود السنخية بين كل معلول وعلته. إذ يتمّ التأكيد في هذا المورد على دور عناصر الثقافة في العمل، وليس مجرّد الفاعلية والعلية. وبعبارة أخرى: نشاهد بعض الاختلافات بين هذين الأمرين:

1. إن الشاكلة الميتافيزيقية إنما تؤكد على مجرّد السنخية بين المعلول وعلته، ولا ترتبط بحقل خاص. وأما الشاكلة الثقافية فهي ليست بصدد بيان أصل السنخية بشكل مطلق، وإنما تؤكد على دور الثقافة في الأفعال فقط.

2. قد يكون الشخص من القائلين بالشاكلة الثقافية، ولكنه لا يقبل بالشاكلة الميتافيزيقية، بمعنى أنه يقول بأن الشاكلة الثقافية تعمل على توجيه السلوكيات

(299)

وأنماط الحياة وما إلى ذلك، ولكنه في الوقت نفسه يرفض أصل السنخية بالمعنى الفلسفي. وفي هذا المورد إنما يقبل بهذه السنخية في حقل خاص فقط. ولكنه لا يعتقد بذلك في مطلق العلية[1].

ألا يعني القبول بالتعينات الثقافية قولًا بـ «الجبر الثقافي»؟ ثم ألا يعني القبول بوجود نماذج ثقافية اعتقادًا بـ «الجبر الثقافي»؟

ليس المراد من التعينات الثقافية أن الإنسان حبيس للثقافة، وأن للثقافة والنماذج الثقافية تأثيرًا جبريًا على أفكاره وسلوكياته. إن الثقافة تشكل أرضية مشتركة بين أفراد المجتمع كي يعملوا فيها على تفسير تجاربهم، ويعملون على توفير توجيه عام لأفكارهم وسلوكياتهم. إن الثقافة تعمل في الأفراد في حدود التوجيه والإرشاد بل وفي حدود الاقتضاء أيضًا.

هناك مسألتان ترتبطان ببحثنا، ونراهما حاليًا ماثلتين في الدراسات الثقافية، وهما عبارة عن:

1. مسألة البنية والفاعلية.

2. مسألة الثقافة والفاعلية.

وفي العادة نشاهد ثلاثة آراء عامة في حقل الثقافة والفاعلية، وهي كالآتي:

1. النظريات التي تعطي الأولوية للفاعل. من قبيل نظرية الفعل النموذجي المتبادل ومعرفة الأساليب القومية.

2. النظريات التي تعطي الأولوية للأنظمة المفهومية؛ بمعنى النظريات التي تؤكد على قدرة الأنظمة المفهومية في السيطرة على العوامل الإنسانية. من قبيل: الماركسية والعملانية عند بارسونز والبنيوية.

(300)

3. النظريات التي تختار سلوك الطريق الوسط؛ بمعنى النظريات التي تعيّن سهمًا للأنظمة والأبنية، وتعيّن سهمًا آخر للفاعل. ولهذا السبب تندرج نظريات متعدّدة في هذا المجال. وفي العادة يتمّ إدراج نظرية بيير بورديف، وأنطوني غيدنز، ونوربرت إلياس ضمن هذه الطائفة.

من الجدير ذكره أن من بين الأبحاث المهمّة المطروحة بعد اكتشاف النماذج الثقافية على نحو جاد بين علماء الأنثروبولوجيا، هو بحث ارتباط الدوافع البشرية بالثقافة. يرد هذا السؤال القائل: ما هو السبب الذي يدفع الأشخاص إلى القيام بالأفعال؟ بمعنى: ما هي الدوافع التي تحفّز الناس على القيام بنشاطاتهم؟

1. إن الآراء الموجودة في هذا الشأن، على قسمين[1]، وهما:

2. الآراء النفسية: إن النظريات النفسية للدافع إنما تهتم بشكل رئيس بدور الاحتياجات الحياتية والدوافع النفسية في السلوكيات.

الآراء الاجتماعية / الثقافية: يرى داندراد أن الدوافع ترتبط بالنماذج الثقافية. إن النماذج الثقافية قد تمتلك طاقة تحفيزية، إذ ليس لها دور في توصيف العالم فحسب، بل وتشكل دوافع وحوافز لسلوكنا أيضًا. إن بحث ودراسة كل واحد من هذين الرأيين يحتاج إلى مجال آخر.

مستويات الدين

بالنظر إلى النقاط أعلاه، نضع فروقًا بين ثلاثة مستويات مختلفة من الدين، وهي:

1. الدين الاعتقادي: تارة يؤخذ الدين بنظر الاعتبار بوصفه مجموعة من العقائد التي تنطوي على تداعيات سلوكية خاصّة. ويتمّ استعمال الدين في الأبحاث الكلامية بهذا المعنى عادة.

(301)

2. الدين التخطيطي: إن الدين في هذا المستوى عبارة عن الدين بوصفه مجموعة منسجمة ومترابطة من النماذج الثقافية. إن لهذا الدين أبعادًا واسعة جدًا، ويترك آثاره في السلوكيات وفي طريقة التفكير وفي نمط الحياة وما إلى ذلك. إن الدين يحتوي على هذا المعنى والمفهوم من الناحية المعرفية.

3. الدين الثقافي: الدين بوصفه مجموعة من العناصر التي تؤلف ثقافة ما. ونشاهد في هذه المجموعة عناصر اعتقادية وقيَميّة بالإضافة إلى المناسك وغيرها.

هناك علاقة طولية بين هذه المستويات الثلاثة؛ بمعنى أن الدين الاعتقادي موجود في الدين التخطيطي والدين الثقافي، وإن الدين التخطيطي يشكل أصلًا وأساسًا للدين الثقافي.

 

 

مراجعة الكتاب

 

 

1.  الدين الاعتقادي

إن المستوى الأكثر وضوحًا من الدين هو مستواه الاعتقادي. إن الدين يُطلق على مجموعة من المعتقدات. وإن المتدينين إنما يتمّ تعريفهم في هذا المستوى من خلال عقائدهم ومن خلال الأمور الخاصّة التي يؤمنون بها.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ[1].

(302)

إن المراد من الإيمان في هذه الآية هو الاعتقاد. إن هذه الآية تأمر الأشخاص الذين آمنوا بأن ينفقوا. دون الأشخاص الذين يحملون الإيمان على شكل تخطيط ومشروع.

2. الدين التخطيطي (النموذج الثقافي)

يتمّ طرح الدين في بعض الأحيان بوصفه خطة ومشروعًا أو نموذجًا ثقافيًا (أو برنامجًا مفهوميًا خاصًا)، وفيما يلي نرجو التدقيق في هذه الآية: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ[1].

إن المراد من الدين في هذه الآية ليس مجرّد العقائد فحسب؛ بمعنى أنه ليس المراد هو أن العقائد الصحيحة وحدها هي ذات الإسلام عند الله سبحانه وتعالى. بل ويشمل حتى الدين بوصفه نموذجًا ثقافيًا أيضًا. إن الدين بوصفه نموذجًا ثقافيًا عند الله هو النموذج الثقافي للإسلام. بمعنى أن الدين الإسلامي الذي يقدّم إطارًا لجميع التفكير والحياة البشرية على شكل مخطط ومشروع هو المنشود لله سبحانه وتعالى. إن ذات هذا النموذج هو المطلوب لله سبحانه وتعالى؛ إذ أن مجرد الاعتقاد البحت ليس بذي قيمة عند الله تعالى. وإنما المهم عند الله هو الاعتقاد الذي يمنح إطارًا وتوجيهًا لحياة الإنسان بأجمعها. وعلى هذا الأساس فإن المراد من الدين هو «الدين التخطيطي».

قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا[2].

إن المراد من «إسلام الوجه» هو توجيه مركز الاهتمام نحو الحق تعالى؛ بمعنى

(303)

وضع الحق تعالى في مركز الاهتمام. وإنما سُمي الإسلام بالإسلام لأنه يضع الله سبحانه وتعالى في مركز الاهتمام.

إن إسلام الوجه والإحسان ليس من مقولة العقائد البحتة فحسب. بل هو بمنزلة المخطط والمشروع أو النموذج الثقافي للدين.

كما يمكن أخذ مفهوم الإيمان بنظر الاعتبار على ثلاثة مستويات، وهي:

1. الإيمان الاعتقادي: بمعنى الاعتقاد بأمور خاصّة.

2. الإيمان التخطيطي: بمعنى الإيمان الذي بلغ مرحلة التخطيط وصار يمنح إطارًا لجميع أفكار الإنسان وحياته، أو أنه يعمل بوصفه برنامجًا مفهوميًا.

3. الإيمان الثقافي: بمعنى عنصر من الثقافة.

إن المراد من الإيمان في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ[1] هو الإيمان الاعتقادي وليس الإيمان التخطيطي. وذلك لأن الإيمان بمعناه التخطيطي يستدعي العبادة بشكل قطعي. بمعنى أن الشخص المؤمن إنما يعبد الله فقط. وإن عبارة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ في نهاية الآية أعلاه تشكّل قرينة على أن المراد من الإيمان هو الإيمان الاعتقادي.

قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ[2] إن المطروح في هذه الآية هو الإيمان التخطيطي؛ وذلك لأن الإيمان الاعتقادي البحت بالله سبحانه وتعالى لا يستتبع الحبّ الشديد لله بالضرورة. بل إن الأشخاص الذين لديهم إيمان تخطيطي يمنح إطارًا لجميع أبعادهم الوجودية، هم الذين يمتلكون حبًا شديدًا لله سبحانه وتعالى.

(304)

من خلال التفكيك والفصل بين الإيمان الذي له مجرّد شكل ذهني وغير باطني (الإيمان الظاهري)، وبين الإيمان الذي له شكل داخلي وأصبح على شكل نموذج ثقافي (الإيمان التخطيطي / النموذجي)، يكتسب الأمر بالإيمان معنى ثانيًا. إن الإيمان لا ينبغي أن يبقى بوصفه مجرّد أمر ذهني وغير باطني، بل يجب أن يدخل إلى باطن الأشخاص.

وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ...[1].

إن الذي يعمل على بلورة المجتمع الديني، هو الإيمان والعقائد التي تجذرت في الداخل، بمعنى الإيمان والعقائد التي تحوّلت إلى النموذج الثقافي.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[2].

إن الإيمان الظاهري يجب أن يصبح إيمانًا داخليًا. وحتى الإيمان برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجب أن يغدو باطنيًا أيضًا. إن النصوص الدينية تستدعي في بعض الأحيان حلولًا لجعل الإيمان داخليًا، من قبيل انتهاج التقوى، حيث يجب بحث هذا الأمر في فرصة مناسبة.

كما يمكن تحليل آية عدم الإكراه أيضًا بوصفها نموذجًا في هذا الشأن؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[3].

إن الالتفات إلى بعض التحليلات في هذا الشأن، لا يخلو من فائدة. لقد ذكر العلامة الطباطبائي عددًا من النقاط في تحليل هذه الآية[4]:

(305)

1. إن نفي الدين الاعتقادي الإجباري: في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، ينفي الدين الإجباري، لما أن الدين وهو سلسلة من المعارف العلمية التي تتبعها أخرى عملية يجمعها أنها اعتقادات، والاعتقاد والإيمان من الأمور القلبية التي لا يحكم فيها الإكراه والإجبار، فإن الإكراه إنما يؤثر في الأعمال الظاهرية والأفعال والحركات البدنية المادية، وأما الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أخرى قلبية من سنخ الاعتقاد والإدراك، ومن المحال أن ينتج الجهل علمًا، أو تولد المقدمات غير العلمية تصديقًا علميًا.

2. نفي الإكراه بوصفه حكمًا شرعيًا: فإن قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ لا يخلو من احتمالين، أحدهما: أن يكون المراد هو الإخبار عن نفي الإكراه، بمعنى أن تكون هذه العبارة قضية إخبارية حاكية عن حال التكوين. وبطبيعة الحال فإن هذا الحكم التكويني يستتبع حكمًا دينيًا بنفي الإكراه على الدين والاعتقاد. والاحتمال الآخر: أن يكون يكون المراد حكم إنشائي تشريعي؛ بمعنى النهي عن الإكراه على الاعتقاد والإيمان، وهذا هو الذي يشهد به ما عقب عليه الله سبحانه وتعالى من قوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، يعتمد هذا النهي على حقيقة تكوينية، وهي أن الإكراه يؤثر على الأفعال وليس على الاعتقادات القلبية.

3. إن عبارة: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ واردة في مقام تعليل نفي الإكراه والإجبار؛ وذلك لأن الشخص الحكيم والمربي العاقل إنما يلجأ إلى الإجبار والإكراه في الأمور المهمة التي لا سبيل إلى بيان وجه الحق فيها، وأما الأمور المهمة التي تبين وجه الخير والشر فيها، وقرر وجه الجزاء الذي يلحق فعلها وتركها فلا حاجة فيها إلى الإكراه، بل للإنسان أن يختار لنفسه ما شاء من طرفي الفعل وعاقبتي الثواب والعقاب، والدين لما انكشفت حقائقه واتضح طريقه بالبيانات الإلهية الموضحة بالسنة النبوية فقد تبين أن الدين رشد والرشد في اتباعه، والغيّ في تركه

(306)

والرغبة عنه، وعلى هذا لا موجب لأن يُكره أحد أحدًا على الدين.

في مورد البيان أعلاه من قبل العلامة الطباطبائي، هناك بعض النقاط:

1. بناء على هذا البيان، يكون قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ـ على حدّ قول المناطقة ـ من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع. فإن الدين حيث يكون من الأمور القلبية؛ فإنه لا يقبل الإكراه. وأما ظاهر عبارة: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فهي من قبيل السالبة بانتفاء المحمول؛ بمعنى أنه في حالة عدم تبيّن الرشد يكون هناك موضع للإكراه، ولكن حيث تحقق التبيين حاليًا، لا تكون هناك حاجة إلى الإكراه.

2. إن عبارة: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا تدل على الثبات والاستحكام؛ بمعنى أن الشخص قد وصل إلى مرحلة بحيث أمسك معها بالعروة الوثقى، ولم يبق هناك من وجود لشرخ بينه وبين الطريق إلى الله سبحانه وتعالى.

3. إن الطغيان مفهوم اجتماعي؛ بمعنى أن الشخص الطاغي يطغى في المجتمع والعلاقات الاجتماعية.

بالنظر إلى النقاط أعلاه، يكون المراد من الدين في الآية هو «الدين التخطيطي»؛ بمعنى أن الدين إذا وصل إلى مرحلة التخطيط، لن يكون هناك إكراه فيه. وإن عمل الدين في الفرد على شكل تخطيطي، وإنه يمنح إطارًا لجميع أبعاده الوجودية، لن يكون هناك إكراه.

وإليك مثال آخر من القرآن الكريم؛ إذ يقول تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا[1].

يبدو من ظاهر هذه الآية أن أكل الربا قد أصبح عادة وسجية اجتماعية بالنسبة

(307)

إلى اليهود، ولذلك كانوا يأكلون أموال بعضهم بالباطل. ومن هذه الناحية تشير هذه الآية إلى مادّة ثقافية لدى اليهود. وصار أكل المال بالباطل مهارة وذوقًا، بل وحتى نموذجًا ثقافيًا بالنسبة لهم.

3. الدين الثقافي

إن الدين على المستوى الثقافي يتحوّل إلى ثقافة.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[1]. إن الغاية من النفر لطلب العلم عبارة عن تعلم ثقافة الإسلام بجميع تفاصيلها. وعلى هذا الأساس فإن المراد من «الدين» هو الدين بوصفه ثقافة.

بالنظر إلى النقطة أعلاه نقول بوجود فرق بين الدين الثقافي ـ بمعنى الدين الذي يتمّ تعريفه في ضوء نوع من الثقافة أو يكون ثقافة في حدّ ذاته ـ وبين الدين الاعتقادي؛ بمعنى الدين الذي له مجرّد هوية اعتقادية وإن كان يستوجب بعض الأفعال والسلوكيات. إن المراد من الدين الثقافي هو الدين الذي يتمّ تعريفه على مستوى الثقافة، ويتألف ـ مثل الثقافة ـ من عناصر خاصّة؛ من قبيل: المعتقدات والمناسك والتقاليد والعادات وما إلى ذلك. وبعبارة أخرى: كما أن الثقافة تتألف من بعض العناصر ـ في ضوء تعريف تايلور ـ كذلك الدين بدوره يتألف في هذا المستوى من ذات هذه العناصر.

إن الكثير من الأشخاص الذين بحثوا حول العلاقة بين الدين والثقافة أو الذين اهتموا بالبُعد الثقافي من الدين، قد اهتموا بـ «الدين الثقافي» بهذا المعنى. من ذلك أن العلامة الشيخ محمد تقي الجعفري ـ على سبيل المثال ـ قد تحدّث عن ثقافة الإسلام

(308)

بهذا المعنى، وأدرج جميع عناصر هذه الثقافة ضمن مفهوم «الحكمة»:

«إن الثقافة التي أقامها الإسلام عبارة عن الحياة الهادفة التي عملت على تفعيل جميع الأبعاد الجمالية والعلمية والمنطقية والغائية لدى الأفراد بشدّة، وتعمل على بلورة جميع العناصر الثقافية؛ ولا تفصل عنصر الثقافة العلمية عن عنصر الأخلاق الإنسانية العالية، ولا تفصل العنصر الثقافي الفني عن العنصر الثقافي للترشيد الاقتصادي. وتجعل وحدة الثقافة تابعة لوحدة روح الإنسان، وتحول دون تجزئتها وانهيارها. إن عناصر الثقافة الإسلامية التي تسمّى في المصادر المعتبرة بالآداب والخصال والأخلاق بمفهومها العام ومحاسن الأمور، تندرج بأجمعها ضمن مفهوم  عال باسم الحكمة. إن هذه الحكمة تشمل جميع المظاهر والنشاطات التي يمكن لها أن تمدّ الحياة الهادفة لكل شخص ومجتمع بالقوّة والطاقة. إن المؤسس الأول والداعم الرئيس لهذه الثقافة هو الله سبحانه وتعالى الذي زوّد الإنسان بالقلم والبيان والقريحة والذوق وحبّ الكمال والتطلّع إلى كشف الأصول الثابتة في مجرى الأحداث المتدفّقة على الدوام، وجعله يحلق في أجواز السماء بجناحي الإحساس والتفكير»[1].

إن وحدة الثقافة بالمعنى المراد أعلاه، يرتبط بالشمولية (معرفة الوجود) الثقافية. إن جميع أجزاء الثقافة الدينية يجب أن تتصل ببعضها وأن تشكل كلًا منسجمًا من أجل تحقيق الهدف المنشود للدين. إن الوحدة الثقافية وهدفيتها تقوم على أساس كلية الثقافة.

من الواضح جليًا أنه لو تحققت بعض العناصر الثقافية الدينية في مجتمع ديني ولم يتحقق بعضها الآخر، فإن ذلك المجتمع سوف يعاني من تناقض داخلي، وسوف يؤدّي هذا التناقض في نهاية المطاف إلى نفي الدين في مقام التحقق. إذا كانت

(309)

الثقافة الدينية تؤلف كلًا منسجمًا ومترابطًا، فإن فقدان بعض عناصرها في هذه الحالة سوف يؤدّي إلى إخراجها عن الصفة الدينية. إن المجتمع الديني يحتوي على خصوصية «كل شيء أو لا شيء»؛ بمعنى أنه إما أن تتحقق جميع الأجزاء الثقاقية في هذا المجتمع أو جزء منها أو لا شيء منها على الإطلاق. في الصورة الأولى يكون المجتمع متدينًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، وفي الصورة الثانية لا يكون المجتمع قد اكتسب عنوان «التديّن» بعد. وهذا ما تقتضيه الشمولية في الثقافة الدينية. فإما أن يكون هذا الكل «مجموع الثقافة الدينية» متحققًا ويصبح المجتمع متدينًا، أو لا يكون هذا الكل والمجموع متحققًا، فلا يكون المجتمع متديّنًا. وإنما هذا الكل وحده هو الذي يستطيع تحقيق الهدف من الدين. لا يجب على المؤمنين الاعتقاد بجميع أجزاء الدين فحسب، بل ويجب عليهم بالإضافة إلى ذلك أن يعملوا على تحقيق الأجزاء الأخرى من الثقافة الدينية أيضًا.

من الجدير ذكره أن هناك فرقًا واختلافًا بين الانسجام والشمول وبين هدفية الثقافة. إن الشمول يتضمّن انسجام وتناغم الأجزاء الداخلية للثقافة وعناصرها. إن كل ثقافة ـ سواء أكانت دينية أو غير دينية ـ تؤلّف مجموعًا وكلًا منسجم الأجزاء والعناصر. إن الاختلاف بين الثقافة الدينية والثقافة غير الدينية في هذا المورد يكمن في الهدفية. إن الثقافة الدينية ثقافة هادفة، بمعنى أن هذا الكل ينظر إلى غاية، غير النظم الاجتماعي والترابط الثقافي. وأما الثقافات الأخرى فهي تؤلف كلًا منسجمًا قد لا ينطوي على هدف خاص غير النظم الاجتماعي والتلاحم والارتباط الثقافي.

هناك من المنظرين في عصر المعلومات من أشار إلى هذه النقطة وهي أن تسلل وسائل الإعلام الحديثة إلى مختلف المجتمعات والثقافات، الأمر الذي عرّض انسجامها وتماهيها الثقافي إلى الخطر، ولم يعد بمقدورنا الحديث عن الانسجام

(310)

الثقافي كما كان عليه الأمر في المراحل السابقة. إن «الانسجام» تحول إلى حالة من الاستثناء. وقد أشار كاستلز إلى هذه النقطة وهي أن مجموع تداعيات الثورة المعلوماتية والتحولات الثقافية والسياسية والاقتصادية وما إلى ذلك بعد الحرب العالمية الثانية، قد أدّت إلى حالة تحوّلت فيها «التعددية الثقافية» في الأصل والانسجام والتماهي الثقافي إلى «استثناء»[1].

نشاهد اليوم أن البلدان النامية في الوقت الراهن تشتمل على ما لا يُحصى من الثقافات المتعددة وتسعى على الدوام إلى إدارة هذه الاختلافات والفوارق. وقد تكرر وضع البلدان المتطورة في بعض البلدان النامية أيضًا، سواء بشكل تاريخي (مثل إيران على سبيل المثال) وفي الموقعيات المعاصرة (كما في دول البلقان وأوربا الشرقية مثلًا). وعلى كل حال لا يمكن في جميع هذه الموارد في الأفق المنظور تصوّر التخلي عن عنصر «النظم» والتمكن تبعًا لذلك من الاختزال الثقافي في تنظيم المجتمعات الراهنة. والسؤال الرئيس الذي يتمّ طرحه هنا هو كيف يمكن إقامة الانسجام الضروري من أجل بقاء المجتمعات بالنظر إلى تعددية الحقائق في داخلها. إن البحث في هذا المورد يذهب من وجهة نظرنا إلى ما هو أبعد بكثير من مجرّد «الإدارة الثقافية للاختلاف» ممّا يتمّ طرحه في البلدان المتقدّمة، ويحتاج إلى التأمّل والتفكير حول جذور وأسباب ظهور هذه التعددية ولا سيّما التعددية الناشئة عن الهجرة، التي أدّت في العالم المعاصر إلى أوضاع قاسية جدًا، وقد لا يمكن تحمّلها في بعض الأحيان.

يذهب بعض علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الثقافية ـ في ظل العالم القائم على أساس الثورة المعلوماتية ـ إلى الاعتقاد بأنه بسبب امتلاكنا للإمكانات التقنية والصناعية الكبيرة، نظن أن بمقدورنا الذهاب نحو الآفاق البعيدة جدًا في الاختلاف

(311)

الثقافي، دون أن يتعرّض الانسجام الثقافي لإشكالية؛ بل على العكس تذهب هذه المجموعة إلى الاعتقاد بأننا بعد تجاوز الموجة الأولى وهذه الحماسة والإثارة التي أحدثتها هذه التقنيات الجديدة، في طريقنا إلى الدخول في موجة ثانية؛ حيث يتعيّن علينا دراستها من زاوية الآفات بشكل أكبر. إن الذهاب إلى ما هو أبعد من الحد في العثور على الاختلافات وغير المتماهيات الثقافية، من شأنه الإضرار بالخلايا والأنسجة الاجتماعية بشدّة، ويفتح الطريق أمام أنواع وأقسام من اللامعياريات. إن هذه هي الموقعية التي يجب علينا التفكير حولها من الآن، وأن نسعى إلى العثور على حلول عملية لها.

القضايا الأنثروبولوجية

نطلق مصطلح «القضايا الأنثروبولوجية» على القضايا التي تعمل بنحو من الأنحاء على الإحالة إلى الإنسان اللاحق (الإنسان الذي يعيش في صلب الثقافة). بالنظر إلى آيات القرآن الكريم، يمكن لنا أن نفصل بين ثلاثة مستويات، على النحو الآتي:

1. الأعضاء المنتسبين إلى ثقافة واحدة.

2. الثقافة.

3. النماذج الثقافية.

في المستوى الثاني تكون القضايا القرآنية إما قضايا أنطولوجية (وجودية)، أو قضايا أبستمولوجية (معرفية).

القضايا العضوية

نذكر فيما يلي بعض الآيات الواردة في هذه الخصوص:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[1].

(312)

إن هذه الآية تذكر حكمًا بشأن الكفار؛ بمعنى الأشخاص الذين تأصلت في داخلهم ثقافة الكفر. وبعبارة أخرى: إن هذه الآية تشير إلى الأشخاص الذين أثرت فيهم النماذج الثقافية الخاصّة بالكفر، وتحوّل الكفر لديهم إلى أمر داخلي. وهناك آليات خاصّة تتبعها ثقافة الكفر كي تترسخ في داخل الأشخاص وتترسب في وجودهم.

إن هذا النوع من القضيا يرد من الناحية المنطقية على شكل قضية خارجية. بمعنى أنها تظهر حكمًا بالنسبة إلى أفراد ثقافة ما.

القضايا الثقافية

نذكر هنا آية أخرى، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[1].

إن هذه الآية تعمل على بيان قضية ثقافية؛ بمعنى أنها تشير إلى عنصر من ثقافة الكفر، كما تشير ـ بشكل ضمني ـ إلى عنصر من ثقافة الإيمان. وبطبيعة الحال فإننا هنا نريد بالثقافة ذلك المفهوم الذي صرّح به تايلر في تعريفه إذ قال: «مجموعة معقدة من العقائد والمعارف والفنون والأخلاقيات والحقوق والمناسك وغير ذلك من القدرات والعادات التي يكتسبها الناس بوصفهم أعضاء في المجتمع». على الرغم من وجود الاختلاف في أوجه النظر حول تعريف الثقافة، ولكننا في هذا المورد نأخذ هذه المجموعة أو عناصرها بنظر الاعتبار.

إن القضايا الثقافية على عدّة أقسام:

(313)

1. القضايا الاعتقادية (الثقافية / الاعتقادية): القضايا التي تشير إلى عنصر الاعتقاد الجمعي من الثقافة.

2. القضايا السلوكية (الثقافية / السلوكية): القضايا التي تشير إلى عنصر السلوك الجمعي من الثقافة.

3. القضايا الرمزية (الثقافية / الرمزية): القضايا التي تشير إلى الرموز الجمعية والمشتركة في ثقافة ما.

4. القضايا القيَميّة (الثقافية / القيَميّة): القضايا التي تشير إلى القيَم الجمعية والمشتركة في ثقافة ما.

5. القضايا الحقوقية (الثقافية / الحقوقية): القضايا التي تشير إلى العنصر الحقوقي في الثقافة.

6. القضايا المناسكية (الثقافية / المناسكية): القضايا التي تشير إلى مناسك الثقافة.

لقد تمّت الإشارة في سورة الرحمن إلى أحد العناصر القيَميّة من ثقافة الإيمان:

﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ[1].

والآية الأخرى تشير إلى العنصر السلوكي:

﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ[2].

إن من بين عناصر ثقافة الكفر، عبارة عن عبادة الإنسان لما يصنعه بيده. وفي المقابل لا يُعبد في ثقافة الإيمان سوى الله سبحانه وتعالى.

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[3].

(314)

إن هذه الآية على الرغم من اشتمالها على الأمر والنهي بحسب الظاهر، ولكنها في الحقيقة تشير إلى عناصر ثقافة الإسلام: الإنفاق في سبيل الله، والإحسان، وتجنب السقوط في الهلكة.

القضايا التخطيطية (النماذج الثقافية)

إن النماذج الثقافية في ثقافة ما تشكل «القلب النابض» بالنسبة لها. إن ثقافة الحياة والموت واتساعها مدينة لهذه الأمور، وبواسطتها تدخل في وجدان الأفراد وتصبح من متبنياتهم الداخلية. وفيما يلي سوف نشير إلى بعض النقاط المهمّة بشأن النماذج. كما سبق أن أشرنا فإن علماء الأنثروبولوجيا المعرفية قد ذكروا المدعيات أدناه بصوَر مختلفة بشأن النماذج:

1. إن النماذج الثقافية تعمل بوصفها إطارًا؛ بمعنى أنها تعمل على بلورة الأفعال وكيفية السلوك والفكر لدى الأفراد.

2. إن النماذج الثقافية تلعب دور الاستعراض في ذهن أفراد ثقافة ما. بمعنى أن النماذج تستعرض المعلومات الموجودة في ذهن الأفراد.

3. إن النماذج الثقافية تعمل على بلورة رؤية الأفراد بالنسبة إلى الآخرين.

4. إن النماذج الثقافية تعمل على بلورة رؤية إلى العالم وإلى الوجود.

5. إن النماذج الثقافية تعمل على بلورة فهمنا نحن الأشخاص عن الظواهر الاجتماعية.

6. إن النماذج الثقافية تشكّل ركيزة لاستدلال وأحكام الأشخاص.

7. إن النماذج الثقافية تؤثر في عواطف ومدركات الأشخاص.

لقد سبق لنا أن ذكرنا نقاطًا في هذا الشأن؛ حيث يجب اجتناب التفسير النسبي لهذه الادعاءات.

لقد قام بعض الكتاب بتبويب مراتب تأثير ونفوذ الإسلام في ثقافة المجتمع

(315)

ضمن عشر مراتب. وفي هذا التبويب يصل نفوذ وتأثير المعارف والمباني والقيَم الإسلامية في الثقافة من المراتب في الحدّ الأدنى وصولًا إلى المراتب والأكثر تجذّرًا[1]:

1. عدم التعارض التام بين ثقافة المجتمع وبين المباني والقيَم الإسلامية.

2. نفوذ ودخول المضامين الإسلامية في المنتوجات والآثار والنشاطات الثقافية للمجتمع، ومشاهدة المعارف والمباني والقيَم الإسلامية في المصنوعات الفنية والثقافية.

3. نفوذ وتأثير المباني والقيَم الإسلامية في النماذج الثقافية للمجتمع وتبلورها في الشعائر والأعراف.

4. تأثير ونفوذ القيَم والمعايير والقواعد الفقهية والحقوقية للإسلام في الآداب ونماذج الحياة الاجتماعية وتبديل نمط الحياة إلى أسلوب الحياة الإسلامية، حيث لا يعني ذلك اجتناب توظيف أدوات وأساليب الثقافة العصرية، وغض الطرف عن التحوّلات التقنية المعاصرة.

5. تأثير ونفوذ الرؤية والقيَم الأصيلة والإلهية في القيّم الثقافية للمجتمع، وتحويل النظام القيَمي في المجتمع إلى نظام الإسلام القيَمي.

يمكن فهم تحقق هذه المرتبة من خلال آثارها وعلاماتها. إن المستوى الأعمق لهذه المرتبة هو أن يتم تطهير النظام القيَمي الحاكم على المجتمع في عينيّته من القيَم التقليدية والقيَم العصرية بشكل كامل، وأن يؤخذ نموذجه الخالص من القيَم الأساسية للإسلام.

1. نفوذ وتأثير المباني والعقائد التوحيدية الأصيلة والعميقة في المعتقدات والمسلّمات الأساسية لثقافة المجتمع وسيادة العقائد الإسلامية الخالصة في أعمق طبقات ثقافة المجتمع؛ بمعنى أن الثقافة حيث تحظى في هذه المرتبة

(316)

بهداية الإسلام، تكون قد حظيت بدعامة عقلانية ومنطقية، ولا يبقى هناك أي جذور للآراء التقليدية والعصرية فيها.

2. إن من مراتب نفوذ وتأثير الإسلام في الثقافة، عبارة عن التنمية والتربية الفكرية والعلمية والعملية والأخلاقية والإيمانية لـ «أصحاب الثقافة». إن أصحاب الثقافة هم عبارة عن: الساسة والمخططين والمدراء والخبراء والمختصين والعناصر التنفيذية للثقافة بمعناها العام.

إن موقع ودور «الإنسان» في النشاط الاجتماعي والثقافي يعدّ أصلًا أساسيًا. وإن نشاط الإنسان يُعدّ عنصرًا فريدًا لا بديل عنه، ومن دونه لا يحدث أيّ ارتقاء أو انحطاط في الحياة الاجتماعية للإنسان.

3. إن دراسة وبيان الطرق في الهداية الثقافية والأبنية ومنظومات إشاعة الثقافة في المجتمع تقوم على فرضيات ومعطيات ذات دعامة رؤيوية وفلسفية، وما لم تقع تحت ظلّ الهداية الإسلامية، لن تتحوّل ثقافة المجتمع إلى ثقافة إسلامية خالصة. وعلى هذا الأساس فإن الثقافة في هذه المرتبة من مراتب تأثير الإسلام تحتاج إلى الهداية الإلهية وسطوع شعاع المعارف والمصادر الدينية.

4. يمكن للثقافة من جهة أن تتحوّل وأن تنمو وتزدهر بواسطة العلوم الإنسانية. إن تأسيس النظرية التي تنتج الفرضيات المسبقة ومسائل ازدهار المجتمع، على أساس أصول التفكير الإسلامي الخالص، تعدّ من أعمق مراتب تأثير الإسلام ونفوذه في الثقافة.

5. إن أعلى مرتبة من مراتب تأثير ونفوذ الإسلام في الثقافة، عبارة عن وصول الثقافة إلى مرتبة «الفناء». بمعنى اتحاد العناصر المركزية للثقافة مع الإسلام، وليس انحلال الإسلام وذوبانه في الثقافة. إن هذه المرتبة من مراتب الهداية الإسلامية للثقافة تحظى في ضوء نظرية أصالة المجتمع بالإضافة إلى أصالة

(317)

الفرد بتفسير فلسفي واضح، وتعمل على شرح «الحياة الطيّبة» في أبرز مصاديقها الاجتماعية. إن طريقة حل هذا التحدّي لا يكون عبارة عن الإلغاء والحذف الحقيقي للثقافة من الحياة البشرية، بل إن سبيل النجاة يكمن في هداية الثقافة نحو الثقافة التوحيدية والإسلام الخالص.

من الواضح أنه لا يمكن تغيير الثقافة بواسطة هذا النوع من الخوارزميات العامة والكلية. إن النماذج الثقافية في المجتمع من الرسوخ بحيث لا يمكن تغييرها بسهولة من خلال خوارزمية خارجة عن ثقافتها. بل يجب التعرّف على النماذج الثقافية للمجتمع المنشود، والتخطيط من أجل تغييرها على أساس الدراسات الثقافية الدقيقة.

إن الدراسات الثقافية يمكن لها أن تساعد الدراسات الدينية على ثلاثة مستويات، حيث يشير إليها الرسم البياني أدناه:

 

 

 

مراجعة الكتاب

 

 

(318)

من الضروري بيان بعض النقاط بشأن هذا الرسم البياني:

1. إن الرسم البياني أعلاه يُظهر مسارًا دوريًا؛ بمعنى أنه يجب في الشرائط المختلفة مواصلة الطريق من الدراسات الثقافية بالنسبة إلى الكتاب والسنة (والتراث الفكري الإسلامي بشكل عام) إلى الدراسات الثقافية بالنسبة إلى المجتمع والثقافة والعكس صحيح أيضًا. إن هذا النشاط يمثل نوعًا من إعادة قراءة النص الديني في ضوء الشرائط الاجتماعية والثقافية. إن القراءة الثقافية للنص يجب أن تتمّ بالنظر إلى الشرائط والظروف الثقافية للمجتمع. في المجتمعات العلمانية يتم التخطيط الثقافي بالنظر إلى الأهداف والقيَم العلمانية. وأما في المجتمع الإسلامي فإن التخطيط الثقافي يجب أن يتمّ على أساس الأهداف والقيَم الإسلامية التي يتمّ الحصول عليها من سنّة التفكير الإسلامي بشكل عام. وفي هذا التخطيط يجب العمل باستمرار ومن دون توقف على إعادة قراءة النماذج الثقافية السائدة في المجتمع والنماذج الثقافية للدين.

2. إن الدراسات الثقافية بالمعنى العام تمسّ الحاجة إليها في جميع المراحل الثلاثة؛ المرحلة الأولى: في مرحلة اكتشاف النماذج الثقافية الموجودة في الكتاب والسنة ومختلف فروع التفكير الإسلامي (من قبيل: الفلسفة والعرفان والفقه وما إلى ذلك). والمرحلة الثانية: في التخطيط الثقافي من أجل العمل على تحققها. والمرحلة الثالثة: في اكتشاف النماذج الثقافية الشائعة في المجتمع. يجب اكتشاف النماذج الثقافية الشائعة في المجتمع بمساعدة الدراسات الثقافية، والعمل على دراسة وبحث مشاكلها.

وبالتالي لا بدّ من التأكيد على هذه النقطة، وهي أنه يجب الاستفادة من القرآن الكريم ومن جميع أرضيات التفكير الإسلامي من أجل اكتشاف المعرفة الثقافية المنهجية وكذلك اكتشاف المفاهيم الثقافية المنتظمة.

(319)

العوالم الأربعة

هناك من علماء النفس من يقسّم العالم بناء على ملاكات يمكن لها أن ترتبط بشكل خاص بالبحث عن النماذج الثقافية، ومن شأنها أن تقدّم لنا رؤية مفيدة ونافعة في هذا الشأن. إن هذا التقسيم في حدّ ذاته يمثل نموذجًا لتوجيه آرائنا حول وجود الإنسان وعلاقته بالوجود. وبعبارة أخرى: إن هذا التقسيم يمثل أسلوبًا لرسم موقع الفرد في العالم. وبعبارة أوضح: إن هذا التقسيم يشير إلى الأبعاد الوجودية للإنسان، ويُشير إلى نوع وشكل ارتباطه في كل بُعد من هذه الأبعاد. ومن هنا  فإن النظرة النموذجية والتخطيطية إلى هذه الأبعاد يمكن أن تكون نافعة ومفيدة إلى حدّ ما.

إن الأبعاد الوجودية للإنسان تنقسم إلى أربعة عوالم، وهي عبارة عن:

1. في / العالم (أو العالم المحيط / العالم الفيزيقي).

2. مع / العالم (أو العالم الاجتماعي).

3. الذات / العالم (أو العالم الشخصي).

4. فوق / العالم (أو ما بعد العالم / العالم المعنوي).

وفيما يلي سوف نعمل على إيضاح كل واحد من هذه العوالم[1]:

1. العالم المحيط (أو Umwelt): إن المراد من العالم المحيط، عبارة عن ارتباط الإنسان بالعالم المحيط به، حيث تكتسب الحالة الجسدية والمادية مفهومها في هذا الارتباط:

«إن العالم الأول هو العالم المحيط أو العالم الفيزيقي. في هذا البُعد نواجه جميع خصائصنا الجسدية مع العالم، وإن هذا البُعد يُشير إلى جميع تلك الخصائص الجسدية. إن التحدّي الأصلي الماثل هنا يدور حول هذا الموضوع (من قبيل ما هو موجود في التكنولوجيا والرياضة)، وهو بحاجة إلى أن نقبل بالقيود المرتبطة بالحدود الطبيعية

(320)

(ومن بينها القيود المرتبطة بالإنسان والبيئة). إن الأقطاب الحاسمة والمصيرية في الحياة عبارة عن: الحياة والموت، والصحة والسقم، واللذة والعذاب. نحن نقوم بواسطة الجسم تجاه المحيط وجميع العناصر الموجودة فيها، بما في ذلك الأشخاص الآخرين، ببعض النشاطات والنشاط المتقابل وبعض الأفعال وردود الأفعال. إن حواسنا تزوّد مدركاتنا بما يمكّنها من التحليق بأجنحة المعرفة، ونحن نسعى إلى توظيف تلك الأشياء التي ندركها بوصفها أدوات للحفاظ على رفاهنا وأمننا. قد يعمل البحث والتحقيق في العالم الفيزيقي على مساعدة المراجعين في إيضاح صراعهم من أجل إيجاد وحفظ الأمن الفيزيقي لأنفسهم، والشعور بالسيطرة أو عدم السيطرة على أجسادهم، والخوف من الشيخوخة أو النزوع إلى إنكار الاحتياجات الجسدية»[1].

2. العالم الاجتماعي (أو Mitwelt): إن العالم الاجتماعي هو عالم ارتباطنا بالآخرين وشعورنا تجاههم وما إلى ذلك:

«نحن كموجودات لنا علاقة وارتباط وثيق بالموجودات الأخرى. إن هذه الارتباطات تعمل على بلورة بُعد العالم الاجتماعي. إن العلاقات الوثيقة لا تندرج ضمن هذا التصنيف فقط، بل إن مساحة هذه العلاقات تتسع لتشمل حتى الأبعاد الشخصية أيضًا. إن هذا البُعد يرتبط بـ «المواجهات اليومية» التي تشكل جزءًا من العالم العام والكلي. إن بعض الأقطاب في هذه المقولة عبارة عن: الشعور بالتعلق والعزلة، والحب والبغض، والقبول والطرد. ونحن في هذا الحقل بصدد بيان قيَمنا وتحققها من خلال مشاركة مساعي الآخرين؛ ولو حصل أن واجهنا مانعًا في هذا الشأن فسوف نتعرّض إلى التناقض مع الآخرين. إن الارتباط إنما يتحقق في هذا الحقل ليكون وسيلة لنا في الوصول إلى العالم وتزويد التكافل بالقوّة والطاقة.

(321)

إن جهات العالم الاجتماعي التي يُحتمل أن يكون لها دور أصلي في العلاج، عبارة عن: شعور المراجعين تجاه الأشخاص الآخرين ودوافعهم ونواياهم، والشعور بالانفصال والامتزاج الذي يحمله المراجعون تجاه الآخرين الذين تربطهم بهم علاقات وثيقة، وأساليب إقامة الارتباط من قبل الآخرين (على سبيل المثال: من طريق الاقتصاد أو الانصياع للسلطة)، وإلى أيّ حدّ يشعر في عالمه الاجتماعي بالوحدة أو بالكينونة مع الجماعة»[1].

3. العالم الشخصي (أو Eigenwelt): إن هذا البُعد يرتبط بتجاربنا الشخصية وآرائنا ومشاعرنا وتطلعاتنا وأهدافنا وغاياتنا:

«إن هذا البُعد يرتبط بالحقل الشخصي والخصوصي، وهو يمثل جانبًا يشتمل على العثور على الذات والشخصية والتجارب الماضية وإمكاناتنا الفيزيقية بالقوة، بالإضافة إلى مشاعرنا وصفاتنا الشخصية وآرائنا وتطلعاتنا. وإن بعض التلقائيات في هذا المجال عبارة عن الهوية والضياع، والكمال والنقص، والإيمان والشك. إن هذا البُعد يُشكّل مساحة للتعلق والارتباط الوثيق والشعور بالانتماء والمالكية: على الرغم من أننا على علاقة وصلة وثيقة ببعضنا، إلا أن هذا البُعد حيث نعيش تجربة حياة خاصة ومفهومة عمّا هو معروف بالنسبة لنا ويقع موردًا لتأييدنا. وفي هذا الحقل ندرك نقاط قوتنا وضعفنا والقيود والقابليات الكامنة فينا بالقوّة. إن أقرب الأشخاص إلينا ينضوون ضمن هذه الدائرة، بحيث نعيش تجربة الإحساس بالحميمية والأمن أثناء تواجدنا بالقرب من هؤلاء الأشخاص. إن الأبحاث المرتبطة بهذا العالم تدور حول محور هذه الموضوعات: شعور المراجع بذاته، وإدراكه لنقاط قوّته وضعفه، ومستوى ثقته واعتماده، وشعوره بالمسؤولية تجاه الآخرين، وأسلوب المراجع تجاه التعاطي مع الأمور الشاملة والحرية وحق

(322)

الاختيار، وشعور المراجع تجاه التعلق أو الاختلاف وتعرّضه للآفات والأضرار بوصفه فردًا»[1].

4. العالم المعنوي (أو Uberwelt): إن هذا العالم يرتبط بدائرة المعنى والمفهوم ويندرج ضمن هذا البُعد أيضًا:

«إن هذا البعد هو بعد المعنى والقصد، ويرتبط بمجهولاتنا وأفهامنا لبنية الوجود وعلاقتنا بمعتقداتنا أو قيَمنا. وإن هذا البُعد يرتبط بالنسبة إلى بعض الأشخاص بالدين، وبالنسبة إلى بعض الأشخاص الآخرين يرتبط بالمعنويات أو القيَم. إن نماذج من الأقطاب في هذا البُعد تشمل المفهومية وعدم المفهومية، والغائية والعبثية. إن هذا العالم يندرج ضمن طبقة القيَم والتطلعات الغائية. إن هذا العالم هو في الغالب عالم يقع خارج وعي وإدراك المراجعين لنا. إن قيَمنا وتطلعاتنا تميل إلى الإندراج في الرؤيتنا الكونية، وهو أمر قلما نخرجه عن التغطية أو نهتم به بشكل صريح. إن إعادة التعرّف على معنوياتنا منسوخة إلى حدّ ما، بل وتبدو عجيبة وغريبة، وبالتالي فإن الكثيرين منا قد تخلوا عن تطلعاتنا وغاياتنا بالإضافة إلى مذهبنا، وأصبحت قيَمنا في الغالب مغشوشة وباعثة على الدُوار والذهول»[2].

من الضروري الالتفات إلى النقاط أدناه بشأن علاقات وروابط هذه العوالم:[3]

1. لا ينبغي أخذ هذه العوالم بوصفها منفصلة عن بعضها. إن كل إنسان يعيش في وقت واحد في جميع هذه العوالم. وفي الوقت نفسه فإن جميع هذه العوالم في حالة من التغيّر المستمر والمتواصل. ونتيجة لذلك فإن كل عالم يمثل طبقة من وجودنا.

(323)

2. نحن في كل عالم نواجه سؤالًا أساسيًا. وفي العالم المادي يطرح هذا السؤال نفسه: «كيف يمكن أن تكون لنا حياة كاملة، في حين نعلم أننا سوف نموت في أيّ لحظة؟».

 

 

 

 

مراجعة الكتاب

 

 

 

 

النماذج الناظرة إلى العوالم

يمكن مشاهدة النماذج الثقافية في جميع الأبعاد الوجودية الأربعة؛ حيث أن لكل عالم نماذجه الثقافية الخاصّة. وبعبارة أخرى: إن النماذج الثقافية في الدين لا تعمل على مجرّد إعطاء البنية إلى العالم الاجتماعي وظواهر تلك البنية فقط، وإنما تعطي البنية إلى جميع الأبعاد الوجودية للإنسان.

وعليه يمكن تقسيم نماذج القرآن الكريم من هذه الناحية إلى أربعة طوائف:

1. النماذج الناظرة إلى العالم المحيط: ونسمّي هذا النوع من النماذج بـ «النماذج المادية».

2. النماذج الناظرة إلى العالم الاجتماعي: ونسمّي هذا النوع من النماذج بـ «النماذج الاجتماعية».

3. النماذج الناظرة إلى العالم الشخصي: ونسمّي هذا النوع من النماذج بـ «النماذج الشخصية».

(324)

النماذج الناظرة إلى العالم المعنوي: ونسمّي هذا النوع من النماذج بـ «النماذج المعنوية».

وفيما يلي سوف نعمل على توضيح كل واحد من هذه النماذج الأربعة.

النماذج المادية

سبق أن ذكرنا أن العالم الأول هو العالم المحيط أو العالم الفيزيقي. في هذا البُعد نواجه العالم بجميع خصائصنا الجسمانية، وإن هذا البُعد يُشير إلى جميع تلك الخصائص الجسمانية. وإن الألم والعنت إنما يكتسب معناه ضمن هذه المساحة.

قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ[1].

النماذج الاجتماعية

انظر إلى هذه الآية، وهي قوله تعالى:

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا[2].

تحتوي هذه الآية على العديد من النقاط حول النماذج الثقافية، نشير فيما يلي إلى بعضها على النحو الآتي:

إن هذه الآية عبارة عن إخبار يتحدث عن النبي وأصحابه، بمعنى أنها تشير إلى هذه الحقيقة وهي أن الذين تكون قلوبهم معه يكونون أشداء على الكفار رحماء بينهم كما يتصفون بخصائص أخرى، ومن هذه الناحية تكون هذه الآية

(325)

قضية تتحدّث عن الماضي. بيد أن هذه الآية لا تختص بعصر النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. بل تشمل كل عصر يكون في أشخاص يتصفون بهذه الخصائص؛ بأن تكون قلوبهم مع النبي ويكونون أشداء على الكفار رحماء بينهم وما إلى ذلك من الأوصاف والخصائص المذكور في الآية أعلاه.

بالنظر إلى الفقرة أعلاه، يتضح أن المراد من المعيّة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ ليست هي المعية المكانية والزمانية، بل المراد معية حقيقية، بمعنى المعية القلبية. أي الأشخاص الذين تكون لديهم معيّة حقيقية مع النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنهم يتصفون بهذه الصفة في كل عصر وزمان. وبعبارة أخرى: إن هذه الآية ـ على حدّ قول علماء المنطق ـ لا تشير إلى قضية خارجية حدثت في الماضي، وإنما تبيّن قضية حقيقية يمكن لها أن تتحقق في كل عصر من العصور.

هل يدلّ قوله تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ـ مثلًا ـ على مجرّد صفة من صفات المؤمنين الحقيقيين فقط؟ أم هي تشير إلى إطار ونموذج ثقافي مهم؟ لا شك في أن هذا الوصف يُشير إلى نموذج ثقافي بين المؤمنين. إن العلاقات والروابط بينهم تنتظم على نحو خاص حيث يكونون بأجمعهم متراحمين ومتعاطفين فيما بينهم.

3. النماذج الشخصية

إن بعض النماذج إنما ترتبط بالحقل الشخصي والخاص، وتتعلق ببُعد من أبعاد العثور على الذات، والشخصية، والتجارب الماضية، وقابلياتنا الفيزيقية الكامنة فينا بالقوة، بالإضافة إلى المشاعر والأحاسيس والصفات الشخصية، وآرائنا وتطلعاتنا أيضًا.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ[1].

(326)

يرى العلامة الطباطبائي رحمه‌الله أن هذه الآية ناظرة إلى مقام إثبات المعاد. إذ يقول: «أول الآيات يوجه عذاب القرى الظالمة بنفي اللعب عن الخلقة وأن الله لم يلهُ بإيجاد السماء والأرض وما بينهما حتى يكونوا مخلين بأهوائهم يفعلون ما يشاءون ويلعبون كيفما أرادوا من غير أن يحاسبوا على أعمالهم بل إنما خلقوا ليرجعوا إلى ربهم فيحاسبوا فيجازوا على حسب أعمالهم، فهم عباد مسؤولون إن تعدوا عن طور العبودية أوخذوا بما تقتضيه الحكمة الإلهية وإن الله لبالمرصاد. وإذ كان هذا البيان بعينه حجة على المعاد انتقل الكلام إليه وأقيمت الحجة عليه فيثبت بها المعاد، وفي ضوئه النبوة؛ لأن النبوة من لوازم وجوب العبودية، وهو من لوازم ثبوت المعاد»[1].

إن هذه الآية على الرغم من ارتباطها بمسألة خلق العالم والمعاد، وهي قضية «العالم / الأعلى»، ولكنها في الوقت نفسه ترتبط بسائر الأبعاد الوجودية للإنسان أيضًا. وعليه يجب العمل على بيان وتفسير التجارب الشخصية للإنسان في حياته على هذا الأساس والإطار، وهو أن العالم وظواهره ليست لعبًا.

4. النماذج المعنوية

قلنا إن المراد هو النماذج المعنوية من مساحة المعنى، وهي ترتبط بمجهولاتنا وأفهامنا لبنية الوجود وعلاقنا بمعتقداتنا أو قيَمنا. إن هذا البُعد يرتبط بالنسبة إلى بعض الأشخاص بالدين، ويرتبط بالنسبة إلى بعضهم الآخر بالمعنويات أو القيَم. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ[2].

(327)

أن يُنعم على الإنسان تارة وتسلب منه النعمة تارة أخرى، أمر قابل للإدراك بالنسبة إلى الناس طوال الحياة. إن هذه فتنة وابتلاء للإنسان. في الرؤية الدينية تمثل «الفتنة» إطارًا معنويًا يمنح بنية لظواهر الحياة، ويربطها بقيَم خاصّة.

بعض الأساليب

هناك الكثير من الأساليب المتنوّعة للكشف عن النماذج الثقافية. وسوف نقتصر في بحثنا على بعض أساليب كشف النماذج الثقافية في القرآن الكريم.

الالتفات إلى الدور المحوري للكلمة

إن أكثر أنواع تحليل النصوص تحدث عادة على مستوى المفردات والكلمات. في هذا المستوى يتمّ تحليل الكلمات المفتاحية في النص. ومن هنا يُسمّى هذا النوع من التحليل بـ «تحليل الكلمات المفتاحية»[1]. في هذا الأسلوب إنما يركّز الباحث على المفردات والألفاظ التي تستعمل بشكل متعارف في الموضوع مورد البحث في النص (أو في الحوارات). وقد ذهب إلى توظيف هذا الأسلوب كلّ من دوإندارد وكوئين[2].

وفيما يلي نشير إلى بعض الأمثلة في علم الأنثروبولوجيا:

1. لقد تحدّث شتراوس[3] عن حوارات أجريت حول النظام الرفاهي في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد أدرك أن لكلمة «العمل» أهمية خاصّة. وقد عمد في النصوص التي قام بتحليلها إلى اعتبار هذه الكلمة كلمة مفتاحية. وقد التفت في تحليلاته اللاحقة إلى الاستعمالات المختلفة لهذه الكلمة في النصوص المتنوّعة وتنبّه إلى دلالاتها. إن المدلولات المختلفة التي حصل عليها في مختلف

(328)

الاستعمالات عبارة عن: العمل بأجرة، والنشاط الإنتاجي. فقد تنبّه إلى ارتباط هذه المداليل بالرأسمالية والمسؤولية، كما أدرك وجود أسس خاصّة (أخلاقيات العمل) في مورد هذه المفردة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن مدلولها يتداعى مع «المشقة»، ويدل على الجهد والسعي، ويقع إلى الضد مع البطالة والكسل. وفي نهاية المطاف فقد استفاد شتراوس من جميع هذه المعلومات؛ ليحصل على «النموذج الأمريكي للعمل».

إن الرسم البياني أدناه يُشير إلى هذا الأسلوب:

 

 

مراجعة الكتاب

 

2. لقد أجرى بلونت[1] حوارات مع ثلاث مجموعات من السكان المحليين حول أزمة البيئة والمصادر الطبيعية. ثم قام بتحليل نصوص الحوارات، وحصل على عدد من الكلمات المفتاحية التي ورد استعمالها في الإشارة إلى البيئة. وقد نظم هذه الكلمات الثلاث من خلال ثلاثة رسوم بيانية متطابقة مع الحوارات التي ظهرت فيها، وصنع في نهاية المطاف ثلاثة نماذج من خلال الاستفادة من هذه الكلمات الثلاث.

مراجعة الكتاب

(329)

4. لقد استعمل كرونينفيلد[1] أسلوبًا مختلفًا في مستوى الكلمات والألفاظ. فقد عمد إلى تنظيم بحثين مختلفين، وطلب فيهما من الأشخاص المطلعين أن يقوموا بتوصيف مجموعة من الكلمات والمفردات. وكانت هذه الكلمات تستعمل بين أصحاب المراعي وغيرهم، وكانت تؤدّي إلى وقوع التعارض فيما بينهم.

إن مفردة «الوجه» التي سبق أن أشرنا إليها، تحتوي على هذا الموقع في الخطاب والحوار التوحيدي.

النماذج التحليلية والنماذج الاكتشافية

من الضروري الالتفات إلى هذه النقطة وهي أن بالإمكان الحصول على النماذج الثقافية في القرآن الكريم من طريقين، الطريق الأول: من خلال العثور على القضايا التي تحتوي في مختلف الآيات على وظائف نموذجية. والطريق الآخر: من خلال تأسيس النماذج بالنظر إلى المفاهيم والعبارات والخطابات الموجودة في القرآن الكريم. ونحن نسمّي النماذج من النوع الأول بـ «النماذج الاكتشافية»، والنماذج من النوع الثاني بـ «النماذج التحليلية».

من ذلك ـ على سبيل المثال ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[2].

إن هذه الآية تدل على نموذج ثقافي اكتشافي. يجب اعتبار التآخي بين المؤمنين في المجتمع الإسلامي بوصفه نموذجًا ثقافيًا. إن هذا الأصل ليس مجرّد أصل اجتماعي فحسب؛ بمعنى أنه ليس مجرد توصية اجتماعية في الإسلام. إن التآخي يعمل في المجتمع الإسلامي على شكل نموذج ومخطط ثقافي، ويقوم بتوجيه أفعال وأفكار الأفراد وطريقة حياتهم. إن هذا المخطط الذي يعمل على توجيه العلاقات بين أفراد المجتمع، ليس مجرّد توصيف ودعوة بسيطة. بل هي توطين واستبطان لعلاقة خاصة تؤثر في سائر أبعاد الحياة الاجتماعية والفكرية الأخرى. ولهذا السبب تمّ

(330)

طرح نقطتين تبعًا لهذين النموذجين، وهما:

1. وجوب إقامة الصلح والوئام بين الإخوة ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ.

2. انتهاج التقوى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ.

تبعًا للنماذج الثقافية التحليلية نسعى إلى البحث عن بنية المفاهيم الثقافية التي تعمل على بيان مخطط. ومن الواضح أن هذه الغاية تستدعي نقطة دخول مناسبة إلى النصّ القرآني. إن النقطة المهمّة في اكتشاف هذا النوع من النماذج تكمن في العثور على نقطة الدخول المناسبة. وبعد ذلك يجب علينا اتباع المسار الذي تمّ الحصول عليه من خلال العثور على المفهوم المناسب داخل النص، لنصل بالتدريج إلى بنية المفاهيم ذات الصلة.

وبعبارة أدق: من أجل العثور على النماذج الثقافية التحليلية في القرآن الكريم، يجب العمل بالأسلوب أدناه:

1. العثور على المفاهيم الثقافية المحورية في الآيات.

2. العثور على المفاهيم الثقافية المرتبطة بالمفاهيم المحورية في بيان مفاهيم الآيات.

3. اكتشاف بنية العلاقات الموجودة بين هذه المفاهيم.

إن هذا الأسلوب ليس هو الأسلوب الوحيد في اكتشاف النماذج الثقافية التحليلية فقط، ويمكن بيان أساليب أخرى في هذا الشأن أيضًا.

 

 

 

 

مراجعة الكتاب

(331)

نماذج الكفر والإيمان

إن مسألة تعددية الثقافات واحدة من المسائل الجوهرية في علم الأنثروبولوجيا. إن علم الأنثروبولوجيا يبدأ من تعدّدية الثقافات، وإن الأصل البديهي الأول الذي يقوم عليه علم الأنثروبولوجيا عبارة عن هذه المسألة. إن علم الأنثروبولوجيا حيث يحقق بشأن المجتمعات والثقافات الأخرى، يضع التفكير حول «الآخر» بوصفه مسألة أصلية[1].

إن الثقافات في مواجهتها المتبادلة تصل إلى وعي بذاتها وتتعرّف على قابلياتها بشكل جيد. كما أنها في مواجهتها لبعضها تعمل على تحقق قابلياتها. إن من بين الأصول الأساسية للبنيويين أنهم يعتبرون الثقافة بوصفها نصًا يحتاج إلى تفسير. إنهم يعتبرون المواجهات الثنائية المتبادلة[2] بمنزلة الأداة الأصلية والمركزية لها[3].

إن هذين الادعائين يختلفان عن بعضهما. فالادعاء الأول ادعاء معرفي أبستمولوجي، والادعاء الثاني ادعاء وجودي أنطولوجي. إن الثقافات إنما تحصل على معرفة مناسبة عن نفسها في حالة التقابل فيما بينها. ومن هنا فإن المعرفة بالثقافات إنما تحصل على الدوام في «منطق التقابل والمقارنة». إن أبستمولوجية الثقافات تابعة لمنطق التقابل والمقارنة.

إن الثقافات لا تظهر جميع قابلياتها مرّة واحدة. إن نوع وجود الثقافات بحيث لا تظهر جميع قابلياتها في موضع واحد، بل تصل إلى مرحلة الفعلية في التقابل مع سائر الثقافات الأخرى. إن هذا الكلام لا يعني عدم إمكان التعرّف على ثقافة من داخلها، بل المراد هو أن الكثير من قابليات وإمكانات الثقافة إنما تظهر في تقابلها ومواجهتها مع الثقافات الأخرى.

(332)

هناك محورية لتقابل ثقافة الكفر والإيمان في القرآن الكريم، وفي الكثير من النماذج الثقافية لهذين الأمرين تتضح في التقابل والمواجهة مع بعضها. بل إن القرآن الكريم يرى أن هذا التقابل من أكثر المواجهات الثقافية جوهرية طوال التاريخ.

إن طائفة من القضايا القرآنية تشير إلى نماذج ثقافية. وفيما يلي نشير إلى بعض الأمثلة من آيات القرآن الكريم:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا[1].

هناك في هذه الآية عدد من النقاط التي يمكن الوقوف عندها:

1. الدعوة إلى الصبر مع الذين يدعون الله في الليل والنهار، يريدون وجه الله، وعدم صرف الأعين عنهم.

2. عدم إرادة زينة الدنيا.

3. عدم إطاعة الذين أغفل الله قلوبهم.

النقطة الثانية هي أن عبارة ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا تشير إلى نموذج أساسي في ثقافة الكفر، وهي إرادة زينة الدنيا. إن إرادة زينة الدنيا في ثقافة الكفر، وفي المقابل إرادة وجه الله ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ في ثقافة الإيمان، تظهران نموذجين أساسيين. إن تفعيل مفهوم «الزينة» تحظى في هذا الإطار بأهمية خاصّة. إن الحياة الدنيا تمثّل مرحلة من حياة البشر. إن قوام هذه المرحلة بزينتها وجمالياتها. ومن هنا فإن إرادة هذه الزينات تتنافى مع إرادة وجه الله. وإن الإعراض عن وجه الله يستلزم بدوره إرادة هذه الزينات. إن هاتين العبارتين تؤلفان «عبارتين محوريتين» حيث يمكن من خلالهما تشخيص النموذج الثقافي الأساسي للإيمان والكفر.

(333)

إن إرادة زينة الله في ثقافة الكفر وعدم إرادتها في ثقافة الإيمان، تعملان بوصفهما من النماذج الثقافية الأساسية. إن هذه النماذج تؤثر في طريقة تفكير وسلوك وحياة الكافرين والمؤمنين.

وإليك هذه الآية الأخرى التي تعمل على تكميل معلوماتنا حول هذين النموذجين، إذ يقول تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ[1].

يمكن لنا أن نفصل في هذه الآية بين ثلاثة أقسام:

1. القسم الأول: يقدّم معلومات بشأن الحياة في الدنيا، وذلك على النحو الآتي: أ ـ الحياة الدنيا لهو ولعب. ب ـ الزينة. ج ـ سبب التفاخر بينكم. د ـ التكاثر في الأموال والأولاد.

2. القسم الثاني يُشير إلى مَثَل تحدث خلاله عن إعجاب الكفار في قبال الأمور المذكورة أعلاه. إن الكفار ينبهرون بهذه الأمور في حين أن هذا المَثَل من قبيل المطر الذي ينزل فتخضرّ الأرض ويتعجّب له المزارعون. ولكنه يصفرّ بعد ذلك ويذبل.

3. في القسم الثالث تمّت الإشارة إلى شدّة العذاب الإلهي، كما تمّت الإشارة إلى الرضوان والمغفرة في الآخرة، وكذلك إلى هذه النقطة، وهي أن الحياة الدنيا ليست سوى بضاعة خادعة: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور.

في هذا القسم الأخير تمّت الإشارة إلى آليتين لتغيير النموذج الثقافي للكفر، إحداهما: الإشارة إلى مصير الكفر، والأخرى: بيان ماهية الحياة الدنيا التي هي مجرّد بضاعة خادعة.

(334)

إن ثقافة الكفر هي ثقافة التزيين. وإن كل شيء فيه يتمّ تزيينه. في الخطوة الأولى يتمّ في هذه الثقافة تزيين الحياة الدنيا، إذ يقول تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ[1].

إن كلمة «زُيّن» في هذه الآية كلمة محورية ومفتاحية، توصلنا إلى بيان النموذج الثقافي للكفر. وفي هذه الآية هناك مفهوم آخر يرتبط بهذه الكلمة المحورية والمفتاحية، وهو عبارة عن المفهوم المعبّر عنه بكلمة «يسخرون». إن تزيين الحياة الدنيا مقرون بالسخرية من المؤمنين.

في الخطوة الثانية، تمّ تزيين حبّ الشهوات للناس، إذ يقول تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ[2].

من الواضح أن متاع الدنيا يتمّ تزيينه للكافرين؛ وهم الذين لا يبالون بعاقبة الأمور عند الله سبحانه وتعالى.

وفي الخطوة الثالثة، تمّ تزيين أعمال الكفار القبيحة بالنسبة لهم؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[3].

إن الرسم البياني أدناه يُشير إلى نموذجي الكفر والإيمان على نحو مقارن:

(335)

مراجعة الكتاب

 

 

 

لا ينبغي تجاهل هذه النقطة، وهي أنه يجب أخذ كل واحد من المحاور أعلاه بوصفه بُعدًا من الأبعاد الثقافية بنظر الاعتبار. إن إرادة الدنيا لا يمكن اعتبارها بوصفها مجرّد حالة فردية، بل يجب اعتبارها بمعنى الاتجاه القائم في ثقافة ما؛ أي بوصفها نموذج موجود في ثقافة الكفر.

وهكذا نلاحظ أن النموذج الثقافي للكفر يختلف عن الكفر بوصفه ثقافة (مجموعة من العناصر). إن الكفر بوصفه مؤسسًا لثقافة يعمل على توظيف آليات وأدوات خاصة لكي يؤمن بها الأفراد في دخائلهم ووجدانهم. إن هذه النقطة إنما تنشأ من النموذج الثقافي من الكفر.

إن الاهتمام بأسلوب الحصول على النموذجين أعلاه مفيد أيضًا. في الآية الأولى حصلنا على الكلمة المحورية والمفتاحية، وبحثنا تقابلها مع الكلمة الأخرى. وفي الآية الأخرى وصلنا من خلال بيان نسبة الكفار إلى زينة الدنيا وإعجابهم بها في قبال تكاثر الأموال والأولاد. ومن خلال بحث ثلاثة آيات أخرى التي هي عبارة عن صورة متغيّرة لكلمة «تزيين» المحورية والمفتاحية، توصلنا إلى نسب أخرى بين

(336)

الكفار والحياة الدنيا والشهوات والأعمال القبيحة. إن أهم نقطة في هذا المورد عبارة عن اكتشاف الكلمة المحورية والمفتاحية وتتبع مساراتها في مختلف آيات القرآن الكريم.

النتیجة

لقد تحدّثنا في هذا الفصل حول المفاهيم والمستويات الثقافية للقرآن الكريم. وهناك في الحدّ الأدنى ثلاثة تعريفات للمفاهيم الثقافية:

1. إن المفاهيم الثقافية هي المفاهيم التي تستعمل في الحياة الاجتماعية؛ ويكون ظرف تحققها هو المجتمع.

2. إن المفاهيم الثقافية هي المفاهيم التي تترتب عليها تداعيات اجتماعية.

3. إن المفاهيم الثقافية هي المفاهيم التي تشتمل على خطط ثقافية خاصّة.

وقد فرّقنا بين ثلاثة مستويات مختلفة من الدين، حيث تقوم بينها علاقات طولية:

1. الدين الاعتقادي: تارة يؤخذ الدين بنظر الاعتبار بوصفه مجموعة من العقائد التي تنطوي على تداعيات سلوكية خاصّة. ويتمّ استعمال الدين في الأبحاث الكلامية بهذا المعنى عادة.

2. الدين التخطيطي: إن الدين في هذا المستوى عبارة عن الدين بوصفه مجموعة منسجمة ومترابطة من النماذج الثقافية.

3. الدين الثقافي: الدين بوصفه مجموعة من العناصر التي تؤلف ثقافة ما.

لقد أطلقنا مصطلح «القضايا الأنثروبولوجية» على القضايا التي تعمل بنحو من الأنحاء على الإحالة إلى الإنسان اللاحق (الإنسان الذي يعيش في صلب الثقافة). وبالنظر إلى آيات القرآن الكريم، يمكن لنا أن نفصل بين ثلاثة مستويات، على النحو الآتي:

1. الأعضاء المنتسبين إلى ثقافة واحدة: إن هذا النوع من القضيا يرد من الناحية

(337)

المنطقية على شكل قضية خارجية. بمعنى أنها تظهر حكمًا بالنسبة إلى أفراد ثقافة ما. ومن هنا فقد أطلقنا عليها تسمية «القضايا العضوية».

2. القضايا الثقافية: إن هذه القضايا تعمل على بيان أجزاء الثقافة. ومن هنا فقد أطلقنا عليها عنوان «القضايا الثقافية».

3. النماذج الثقافية: إن هذه الطائفة من القضايا تعمل على بيان النماذج الثقافية. ومن هنا فقد أطلقنا عليها تسمية «القضايا النموذجية أو التخطيطية».

يمكن تقسيم نماذج القرآن الكريم من هذه الناحية إلى أربعة طوائف:

1. النماذج الناظرة إلى العالم المحيط: ونسمّي هذا النوع من النماذج بـ «النماذج المادية».

2. النماذج الناظرة إلى العالم الاجتماعي: ونسمّي هذا النوع من النماذج بـ «النماذج الاجتماعية».

3. النماذج الناظرة إلى العالم الشخصي: ونسمّي هذا النوع من النماذج بـ «النماذج الشخصية».

4. النماذج الناظرة إلى العالم المعنوي: ونسمّي هذا النوع من النماذج بـ «النماذج المعنوية».

إن أكثر أنواع تحليل النصوص تحدث عادة على مستوى المفردات والكلمات. في هذا المستوى يتمّ تحليل الكلمات المفتاحية في النص. ومن هنا يُسمّى هذا النوع من التحليل بـ «تحليل الكلمات المفتاحية». في هذا الأسلوب إنما يركّز الباحث على المفردات والألفاظ التي تستعمل بشكل متعارف في الموضوع مورد البحث في النص (أو في الحوارات).

يمكن الحصول على النماذج الثقافية في القرآن الكريم من طريقين، الطريق الأول: من خلال العثور على القضايا التي تحتوي في مختلف الآيات على وظائف

(338)

موذجية. والطريق الآخر: من خلال تأسيس النماذج بالنظر إلى المفاهيم والعبارات والخطابات الموجودة في القرآن الكريم. ونحن نسمّي النماذج من النوع الأول بـ «النماذج الاكتشافية»، ونسمّي النماذج من النوع الثاني بـ «النماذج التحليلية».

في النماذج الثقافية التحليلية نسعى إلى البحث عن بنية المفاهيم الثقافية التي تعمل على بيان مخطط. ومن الواضح أن هذه الغاية تستدعي نقطة دخول مناسبة إلى النصّ القرآني. إن النقطة المهمّة في اكتشاف هذا النوع من النماذج تكمن في العثور على نقطة الدخول المناسبة. وبعد ذلك يجب علينا اتباع المسار الذي تمّ الحصول عليه من خلال العثور على المفهوم المناسب داخل النص، لنصل بالتدريج إلى بنية المفاهيم ذات الصلة. ومن أجل العثور على النماذج الثقافية التحليلية في القرآن الكريم، يجب العمل بالأسلوب أدناه:

1. العثور على المفاهيم الثقافية المحورية في الآيات.

2. العثور على المفاهيم الثقافية المرتبطة بالمفاهيم المحورية في بيان مفاهيم الآيات.

3. اكتشاف بنية العلاقات الموجودة بين هذه المفاهيم.

إن الثقافات لا تظهر جميع قابلياتها مرّة واحدة. إن نوع وجود الثقافات بحيث لا تظهر جميع قابلياتها في موضع واحد، بل تصل إلى مرحلة الفعلية في التقابل مع سائر الثقافات الأخرى. إن الكثير من قابليات وإمكانات الثقافة إنما تظهر في تقابلها ومواجهتها مع الثقافات الأخرى. وإن معرفة الثقافات إنما تحصل على الدوام في «منطق التقابل والمقارنة». وإن أبستمولوجية الثقافات تابعة لمنطق التقابل والمقارنة. هناك محورية لتقابل ثقافة الكفر والإيمان في القرآن الكريم، وإن الكثير من النماذج الثقافية لهذين الأمرين تتضح في التقابل والمواجهة مع بعضها. بل إن القرآن الكريم يرى أن هذا التقابل يُعدّ من أكثر المواجهات الثقافية جوهرية طوال التاريخ.

إن الدراسات الثقافية بالمعنى العام تمسّ الحاجة إليها في المجتمع الديني في ثلاث

(339)

مراحل؛ المرحلة الأولى: في مرحلة اكتشاف النماذج الثقافية الموجودة في الكتاب والسنة ومختلف فروع التفكير الإسلامي (من قبيل: الفلسفة والعرفان والفقه وما إلى ذلك). والمرحلة الثانية: في التخطيط الثقافي من أجل العمل على تحققها. والمرحلة الثالثة: في اكتشاف النماذج الثقافية الشائعة في المجتمع. ويجب اكتشاف النماذج الثقافية الشائعة في المجتمع بمساعدة من الدراسات الثقافية، والعمل على دراسة وبحث مشاكلها.

 

(340)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2.  آدامز، مارتين، مقدمه‌اي بر مشاوره وجودي، (تحقيق: د. محمد مهدي نوروزي)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيّد محسن حجّت‌خواه وپيمان ولدبيگي، طهران، انتشارات ارجمند، 1396 هـ ش.
  3. اسميت، فيليب، درآمدي بر نظريه فرهنگي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن پويان، طهران، دفتر پژوهش‌هاي فرهنگي، 1383 هـ ش.
  4. اياكوو، سوزان، وويكسل كارن ديكسون، درمان وجودي 100 نكته، 100 تكنيك، تحقيق مجموعة: ويندي دراين، ترجمه إلى اللغة الفارسية: شهناز إيزدي اينلو، طهران، انتشارات كتاب أرجمند، 1398 هـ ش.
  5. الجعفري، محمدتقي، فرهنگ پيرو وفرهنگ پيشرو، طهران، انتشارات علمي وفرهنگي، 1392 هـ ش.
  6. ذوعلم، علي، فرهنگ ناب اسلامي، طهران، انتشارات پژوهشگاه فرهنگ وانديشه اسلامي، 1397 هـ ش.
  7. ريوير، كلود، درآمدي بر انسان‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: ناصر فكوهي، طهران، نشر ني، ط8، 1388 هـ ش.
  8. الشعراني، الميرزا أبو الحسن، نثر طوبى أو دائرة المعارف لغات قرآن مجيد، طهران، انتشارات إسلامية، ط2، 1352 هـ ش / 1398 هـ.
  9. فكوهي، ناصر، صد ويك پرسش از فرهنگ، طهران، انتشارات تيسا، 1393 هـ ش.
  10. الفيض الكاشاني، المولى محسن، المسؤوليات الاجتماعية، قم، ذوي القربى، 1426 هـ.
  11. الطباطبائي، السيّد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1393 هـ / 1973 م.
(341)
  1. ملاصدرا، صدرالدين محمد بن إبراهيم ( صدر المتألهين)، مفاتيح الغيب، تصحيح: محمد الخواجوي، طهران، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، 1363 هـ ش.
  2. D'Andrade, Roy and Strauss, Claudia (eds.), Human Motives and Cultural Mmodels, New York, Cambridge University Press, 1992.
(342)

 

 

الأسس الأنطولوجية للثقافة[1]

السيّد حسين شرف الدين

إن من بين الأمور المتفق عليها بين المفكرين في مختلف الحقول المعرفية، من المنشغلين عبر الاتجاهات النظرية والتجريبية بدراسة الثقافة والعناصر الأصلية المحيطة بها، هي أن الثقافة وإمكان خلق الثقافة تعدّ من بين الخصائص الإنسانية الخاصّة والحصرية، والجواب عن هذا السؤال القائل: لماذا كان الإنسان وحده من بين جميع أنواع الحيوانات (وبطبيعة الحال بوصفه الاجتماعي التاريخي) هو الذي نال الحصول على هذه المرتبة المتعالية؟ تمّ الاستناد إلى قابلياته وإمكاناته الوجودية الفريدة والفذّة في المقياس الفردي، ومقتضيات ومستلزمات حياته الاجتماعية في المقياس الجمعي. لا شك في أن دراسة هذه الظرفيات والإمكانات الفطرية والتداعيات الناشئة عن فعليتها في ضوء الحياة الجماعية والعلاقات الإنسانية المتشعّبة، من شأنها أن تكشف عن سرّ هذه الأحجية. وفي المقابل يمكن لبحث وتحليل الثقافة (في مقام التحقق والانضمام) بوصفها من أقدم وأشمل وأعمق المنظومات المفهومية للإنسان الاجتماعي، بعناصرها المتعدّدة والمتنوّعة جدًا، والهوية الحيوية، والأدوار الخلاقة المتعددة الطبقات والمتداخلة لها في مختلف المستويات والأبعاد، يمكنها إلى حدّ بعيد أن تكشف عن الأبعاد الوجودية وتنوّع القابليات والظرفيات، وكذلك

(343)

مقتضيات وتداعيات الحياة الجماعية لخالقها وصانعها. لا شك في أنه بحكم شمولية نظام العليّة، يمكن بيان تبلور وتطوّر الثقافة ـ بوصفها ظاهرة مخلوقة وحادثة ـ ضمن مساحة هذا الأصل أيضًا؛ إذ يتمّ إنكار أي حدث عارض صدفة في حقل الثقافة والتاريخ.[1] وبطبيعة الحال فإن الثقافة بسبب اشتمالها على الماهية الحيوية والمتحرّكة النسبية [ولا سيما في المستويات العليا والطبقات الفوقانية من قبيل: التقاليد والأعراف، والنماذج، والسلوكيات، والتكنولوجيات، والفنون، والسياسات، والسجايا، والقواعد، والضوابط، والمناسك، والتشريفات المذهبية والعرفية (والتي قد لا تكون دينية بالضرورة) و...] سوف تحتاج في بيان أسبابها وصيرورتها إلى سنخين من العلل.[2] إن المراد من المباني الأنطولوجية كل نوع من أنواع العناصر الداخلية والخارجية التي تلعب ـ بشكل وآخر ـ دورًا علّيًا وإعداديًا في إيجاد وتطوّر الثقافة (وعناصرها).

ومن هنا فإن المنشأ بمعناه العام يُشير إلى جميع العلل والأدلة والعناصر والأرضيات والشرائط الذهنية والعينية، والمادية وغير المادية، والطبيعية وما فوق الطبيعية، والثابتة والمتغيّرة، والفردية والاجتماعية، التي تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في إيجاد الثقافة (وعناصرها ومكوّناتها).

إن العناصر المؤثرة في تبلور وازدهار وتطوّر وارتقاء وانحطاط الثقافة، تنقسم في بعض التقسيمات إلى قسمين، وهما: العناصر الداخلية والأنفسية، حيث تعود بجذورها إلى المنظومة الحياتية والعلاقات الوجودية والأسس الفطرية للعوامل الإنسانية والثقافية، والعناصر الخارجية الموجودة والتي تلعب دورًا في العالم الخارج عن دائرة النفوس الإنسانية.

(344)

إن العناصر الداخلية، من قبيل: الفطرة (الأنا العلوية من الإنسان)، والطبيعة (الأنا السفلية من الإنسان)، والعقل (القوّة المدركة لنفس الإنسان)، والعناصر الخارجية، من قبيل: السلطة السياسية، والجغرافيا الطبيعية والتكنولوجية (التي وإن كانت نتيجة للثقافة، بيد أن لها دورًا إعداديًا بارزًا في تفعيل وتوجيه القابليات وعناصرها).

ومن الجدير ذكره أن بعض هذه العناصر على الرغم من دورها العلّي والإعدادي في مسارات إيجاد وتطوّر الثقافة، يتمّ اعتبارها من خارج حقل الثقافة، وتعدّ ببيان آخر من العناصر ما فوق الثقافية، من قبيل: الفطرة، والطبيعة، والعلم والدين. لا شك في أن الثقافة تلعب دورًا محوريًا في ازدهار وتوجيه القابليات الوجودية للإنسان، وتعدّ الأرضية لازدهار وكمال العلم أو الاستفادة من الدين وظرفياته المختلفة؛ بيد أن هذه العناصر تعدّ في الحدّ الأدنى في بعض المستويات من العناصر الخارجية بالنسبة إلى الثقافة.

وكذلك فإن العلاقات الإنسانية بوصفها واحدة من العناصر المؤثرة الأخرى في إيجاد وازدهار الثقافة، تنقسم بدورها إلى قسمين: داخلي وخارجي. إن ارتباط الفرد بذاته (الأبعاد، والأوصاف، والأحوال، والأفعال، والانفعالات الوجودية) وارتباطه بالله وعالم الغيب من نوع الارتباط الداخلي. وإن ارتباطه بسائر الأشخاص والطبيعة والمجتمع (المؤسسات والمنظمات الاجتماعية)، والتكنولوجيا، والإعلام، والشخصيات النموذجية و... تعدّ من نوع الارتباط الخارجي (وهناك نقاشات في هذا التقسيم أيضًا، بيد أننا نحجم عن ذكر ذلك لعدم ضرورته).

ومن الجدير ذكره أن الثقافة بالإضافة إلى حدوثها، تحتاج في مقام بقائها واستمرارها إلى العلل وأن تقوم على الأرضيات التي هي من قبيل: مسار التأهيل الاجتماعي، وبناء المؤسسات، وإعادة الإنتاج، والصيانة والمراقبة والإشراف والسيطرة الجماعية.

(345)

والنقطة الأخيرة هي أن عنوان «الثقافة» في مصطلحات المختصين في الشأن الثقافي، يُطلق في الغالب على القسم المعنوي  والمفهومي للمعطيات البشرية في مسار الحياة الاجتماعية / التاريخية لها. إن المعطيات المادية لهذا السلوك والصيرورة الجماعية التي هي في الحقيقة تمثّل التبلور العيني والمتجسّد للقسم المفهومي منه، تعرف بوصفها «حضارة». ومن الجدير ذكره أن لمفردة الحضارة معاني واستعمالات متنوّعة ومتعددة في مختلف حقول الفكر الاجتماعي. وإن المراد من ذلك هنا هو ذات هذا البُعد المادي المتبلور والمتعيّن والمتجسّم والانضمامي للثقافة. ومن الجدير ذكره أنه بسبب الارتباط الوثيق بين بُعد المعنى والمادّة في مقام العينية والتحقق والتعامل  والترابط والتشابك فيما بينهما، على الرغم من أنه لم يتمّ العمل في هذه المقالة ـ كما في مثل الكثير من أثار الباحثين في الشأن الثقافي والحضاري ـ على الفصل والتفكيك بشكل واضح وصريح بينها، ولكن بمقتضى الغرض من الدراسة والاهتمام والتأكيد، فقد تمّ التركيز بشكل عميق على بُعد المعنى والمفهوم والذي يعني الثقافة بوصفها الروح المولجة في جسد الحضارة.

الثقافة، ماهيتها وأبعادها

لقد تمّ تقديم تعريفات مختلفة لمفردة الثقافة في اللغة العربية (وما يعادلها في اللغة الإنجليزية «كالتشر»، وفي اللغة الفرنسية «كولتور»، وفي اللغة الفارسية «فرهنگ») في المصادر التخصصية للعلوم الاجتماعية. وقد ذهب بعض اللغويين إلى إحصاء ما يقرب من أربعمئة تعريف لها.[1]

إن أغلب علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع يعترفون ـ في مقام تقديم تعريف عن الثقافة ـ بشكل ضمني أو صريح بأنه على الرغم من الجهود والضرورة، ولكن

(346)

من غير الممكن لأسباب كثيرة أن نقدّم للثقافة تعريفًا جامعًا ومانعًا. إن وجود الكثير من التعاريف في المصادر ذات الصلة، يعدّ دليلًا على هذه الصعوبة. إن أغلب علماء اللغة حيث يتخذون من مفردة «الثقافة» عنوانًا مشيرًا للتعريف بمئات العناصر المتداخلة والمرتبطة ببعضها، يكتفون في مقام التعريف بذكر عناصره ومكوناته المحورية فقط. طبقًا لهذا الفهم تكون الثقافة عبارة عن مجموعة متناغمة ومنسجمة نسبيًا من العلوم والآراء والقيَم والسجايا والتوجهات والمعايير والنماذج والطرق والفنون والأساطير والمثُل التي توصّل إليها المجتمع في مسار حياته الاجتماعية / التاريخية وفي ضوء ازدهار طيف من القابليات والإمكانات الداخلية وإقامة العلاقات والارتباطات الخارجية بالتدريج، ويعمل على نقلها ـ بوصفها من المدخرات الاكتسابية والاكتشافية الممنوحة ـ من جيل إلى جيل.[1] إن هذه الثرورة المشتركة تمضي قدمًا كما لو كانت نهرًا جاريًا من أذهان وضمائر الأجيال عبر العصور. وإن ذات هذه الثروات المتراكمة والجارية تترسب بوساطة من الأشخاص في مهد الأطر والنماذج ما فوق الفردية (المؤسسات والأبنية الاجتماعية) أيضًا، وتعمل على توجيه سلوكياتهم الاجتماعية في مختلف الموقعيات. ومن الواضح أن رواسب الثقافة في العالم الأنفسي والآفاقي للفاعلين الاجتماعيين لا يتنافى مع البحث المستمر في ظرف الزمان والمكان.

ولا بأس فيما يلي أن نشير إلى بعض تعاريف «الثقافة»، التي تحتوي ـ بالمقارنة مع غيرها ـ على جامعية وشمولية أكبر. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ ما قاله الأنثروبولوجي لسلي وايت في تعريفه الجامع (المشتمل على العناصر المعنوية والمادية

(347)

للثقافة والحضارة): إن الثقافة منظومة متكاملة يمكن العثور في داخلها على ثلاثة أجزاء أو ثلاثة أبعاد رئيسة، وهي:

الأدوات والفنون الشاملة لأمور وأدوات مادية وميكانيكية وفيزيائية وكيميائية، والمهارات الضرورية واللازمة لاستعمالها وتوظيفها حيث يستفيد منها الإنسان في علاقته وارتباطه مع بيئتها الطبيعية. وإن أدوات الإنتاج، وطرق المعيشة، والأماكن، والوسائل الدفاعية والهجومية تُعدّ من هذا القبيل.

البنية الاجتماعية المشتملة على العلاقات بين الأفراد، والتي تتجلى على شكل نماذج سلوكية. وفي هذا البُعد تندرج أمور من قبيل: الأمور الاجتماعية، وأواصر القرابة، والأمور الاقتصادية، والأمور السياسية، والأمور العسكرية، والأمور الأخلاقية، والتجمعات الدينية، والوظيفية والتخصصية والترفيهية.

النظام الأيديولوجي الشامل للعقائد والمعارف والعلوم التي يتمّ بيانها بواسطة اللغة الملفوظة وسائر الأدوات التمثيلية. وفي هذا القسم تندرج الأساطير والإلهيات والأدبيات والفلسفة والعلم والحكمة العامية والعلوم العامّة[1].

كما ذهب أولسون إلى القول بوجود أربعة أجزاء أصلية للثقافة، وهي: المعتقدات، والقيَم، والمعايير، والتكنولوجيا. أما المعتقدات فإنها تجيب عن السؤال عن «الماهية». والقيَم تجيب عن السؤال القائل: «ما الذي يجب أن يكون؟». والمعايير تجيب عن السؤال القائل: «ما الذي يجب عمله؟». وبالتالي فإن التكنولوجيا تجيب عن السؤال القائل: «كيف يجب إنجاز العمل؟».[2]

وقد تحدّث شاين ـ وهو من المتخصصين في حقل الثقافة ـ بالإضافة إلى المعتقدات

(348)

والفرضيات ـ بوصفها من أعمق طبقات الثقافة ونواتها ـ والقيَم والمعايير ـ بوصفها معيارًا اجتماعيًا ومبنى للحكم بشأن صحّة الأمور وبطلانها ـ عن طبقة ثالثة باسم المصنوعات الثقافية ـ بوصفها طبقة ظاهرة وملموسة تقوم على المعتقدات والقيَم والمعايير الثقافية ـ أيضًا.[1]

وقد عمد عالم الاجتماع الفرنسي غي روشيه ـ في تعريفه اللامنسجم عن الثقافة ـ إلى الالتفات إلى وجوه مختلفة: إن الثقافة تشمل جميع النشاطات البشرية الأعم من المعرفية وغير المعرفية، والعاطفية والشعورية بل وحتى الحسيّة / الحركية أيضًا. وبعبارة أخرى: إن الثقافة عبارة عن الأفعال التي تدوم قبل وأكثر من أيّ شيء آخر في العلاقة والارتباط مع الآخرين. يمكن لهذه الطريقة من التفكير والشعور والعمل أن تصبح رسمية بشكل وآخر، وتتخذ لنفسها شكلًا معيّنًا وخاصًّا بها. إن هذه الأساليب أكثر تجليًا ورسمية في القوانين والشعائر والأعراف والتشريفات والمعارف العلمية والتكنولوجية والعلوم الدينية، بيد أنها أقل تشخّصًا ورسمية في الفنون والآداب والتقاليد وبعض أنحاء آداب المعاشرة ولا سيّما منها تلك التي تجري في العلاقات والروابط الشخصية المتبادلة بين الأفراد الذين يألفون بعضهم. إن هذه الأساليب والقواعد تشترك لزومًا بين عدد من الأفراد؛ بمعنى أن يذهب عدد كبير من الأشخاص إلى اعتبارها من الأمور المعيارية، كما أن هذه الأساليب تنتقل بالوراثة حيث يتعيّن على كل شخص أن يحصل عليها ويجعلها من مختصاته.[2]

التعريف المختار

لقد تمّ تعريف «الثقافة» ـ على ما تقدّم أعلاه ـ بأشكال مختلفة من التعاريف، من قبيل: طريقة وشكل حياة قوم من الأقوام، ومجموعة المعطيات المادية وغير المادية

(349)

أو خصوص المعطيات غير المادية لمجتمع ما طوال حياته الاجتماعية / التاريخية، والنظام المفهومي الأشمل لمجتمع ما. وقد سعى علماء الاجتماع في السنوات الأخيرة إلى تحديد دائرة هذا المفهوم لتقتصر على الأساليب المختلفة، وقد أرادوا بذلك زيادة قوته واعتبار بيانه وتفسيره. ومن الواضح بداهة أن مفهوم الثقافة إذا كان شاملًا لكل شيء وجميع الأشاء ـ الأعم من المادية وغير المادية ـ فإنه لن يستطيع أن يكون معرّفًا لشيء ألبتة، وحيث يكون فاقدًا للحدّ المفهومي سوف يكون كذلك أمرًا فارغًا من المحتوى أيضًا. وفي مقام تحديد دائرة الثقافة، كان هذا السؤال مطروحًا على الدوام، وهو السؤال القائل: ما هي العناصر التي تكون في الأساس مصداقًا للثقافة ويجب أن تكون ملحوظة في تعريف الثقافة؟ إن الغموض الموجود في الجواب عن هذا السؤال قد أدّى ببعض التعاريف لتكون ناظرة إلى مجموع العناصر المادية والنموذجية، ويكون بعضها الآخر ناظرًا إلى مجرّد القسم الثاني بل وحتى مصاديقه أيضًا.

يذهب كاتب السطور إلى الزعم بأن التأمل في هذه التعاريف الكثيرة عن الثقافة يثبت أن هذه التعاريف على الرغم من اختلاف تبويها المفهومي ومساحة شمولها الواسعة، إلا أنها تشترك فيما بينها في بعض الوجوه. وبالاستلهام من هذه الوجوه المشتركة، يمكن تعريف الثقافة على النحو الآتي: مجموعة متناغمة ومتحركة نسبيًا من العناصر المفهومية المترابطة ببعضها والتي تنتظم في إطار مجموعة من الظواهر المختلفة، من قبيل: العلوم والمعتقدات والقيَم والمُثُل والأساطير والتوجهات والمعايير والنماذج والأمثلة والسلوكيات المتبلورة بوصفها طريقة حياة وطبيعة ثانوية وطرق وأساليب كينونة وصيرورة مجموعة من الأفراد المعتمدين على بعضهم، ضمن مساحات مختلفة من المعيشة والحياة، وتعمل بمقتضى ماهيتها على

(350)

خلق أرضية ارتباطهم بأسلافهم وأجيالهم القادمة وتمييزهم من الآخرين.[1]

من الجدير ذكره أن الثقافة ـ بوصفها بيئة حياة للعالم الذهني والعيني للناس ـ تحتوي على طبقات ومستويات مختلفة. وإن الطبقة الأعمق في الثقافة عبارة عن المعارف الأنطولوجية والأنثروبولوجية والقيميّة التي تتكفل بتفسير العالم والإنسان، وتعمل على هداية الأفعال الإنسانية في مختلف المواقع. إن هذه المجموعة تعمل على رسم المعنى الجغرافي للوجود، وتعمل على تعيين موقع الإنسان، وبيان سعادة وهدف الحياة والموت في هذا الوجود أيضًا.[2] وبعبارة أخرى: إن الفكرة الأصلية في كل ثقافة هي أن لكل مجتمع بشري هوية، وإن هذه الهوية بمثابة الأم، التي تكون جميع الآداب والتقاليد والفنون والأخلاق والعلوم والمذاهب من أولادها، وإن هذه الصور الخارجية لها جوهر باطني.[3]

من الجدير ذكره أن مجموع العناصر التي تعمل على بلورة وتشكيل ثقافة ما، تحظى بنوع من التركيب الاعتباري والاعتدال الحيوي وتشمل المجتمع وأعضائه بشكل محيط. إن الناس يعومون في بحر الثقافة المتلاطم دون وعي منهم؛ فهم يولدون في أحضان الثقافة، ويترعرعون ويكبرون في مساراتها ردحًا من الزمن. إن الإنسان كائن اجتماعي يعيش في كنف العالم الحياة الثقافي، ويحصل على رزقه في جميع الأبعاد الوجودية ومساحات الحياة الذهنية والعينية، والمادية وغير المادية، والفردية والاجتماعية، والدنيوية والأخروية من الثقافة بوصفها روحًا مولجة في جسد الفرد والمجتمع. إن الثقافة مهد لازدهار وتفتق الأفكار والمُثُل والروابط والمشاعر والآراء

(351)

والرغبات والإرادات والموقعيات والأدوار والسلوكيات والعلاقات والترجيحات التي يتبناها أفراد المجتمع. وبعبارة أخرى: إن كل أثر يتبلور نتيجة لتدخل مباشر أو غير مباشر من قبل الإنسان الاجتماعي، وتكون له صبغة ثقافية، سوف يكون متضمنًا لنوع من المعنى والمفهوم. وحتى الطبيعة التي تقع موردًا لتصرّف الإنسان تكتسب بالتبع ماهية ثقافية، ويتم تفسيرها وفك رموزها في إطار نظامه المفهومي أيضًا.[1]

منشأ ومنطلق الثقافة

كما سبق أن أشرنا فإن «الثقافة» عنوان عام يشمل تحت مظلته مجموعة كبيرة من العناصر المفهومية المتنوّعة. في بحث المنشأ والجذور نجد أن أدنى ما يتمّ توقعه هو الاكتفاء بذكر العلل والأسباب العامّة المؤثّرة في تبلور وتطوّر هذا الأمر العام، وإن أقصى ما يتمّ توقعه هو الاهتمام في هذه المرحلة بما هو أبعد من الكلية والنظر إلى مناشئ العناصر والمكونات لهذه الأمور. من الواضح أن البحث عن كل واحد من عناصر الثقافة بالنظر إلى خصائصها، يستلزم القيام بسلسلة من الدراسات النظرية التجريبية والتاريخية، وبحث الآراء المذكورة في هذا الشأن؛ وهو أمر يحتاج في بيانه على الشكل المطلوب إلى مجال واسع. وإن هذه المقالة بسبب محدوديتها فقد اقتصرت في اهتمامها على بيان أسباب الثقافة بوصفها أمرًا كليًا (وإن كان ذلك يتمّ في ضوء تجليات مظاهرها العينية والانضمامية). إن الخصائص الديناميكية والماهية الحيوية للثقافة وعناصرها قد أدّت ـ بالإضافة إلى منشأ تكونها وتحققها ـ إلى الحديث عن العناصر المؤثرة في بقائها واستمرارها وتطوّرها في أشكال مختلفة. إن التعقيد الآخر في مسار اكتشاف علاقات العليّة والمعلولية في منظومة الثقافة، عبارة عن أن لعناصرها بعد التبلور والتكوّن في الغالب علاقة ديالكتيكية ومتبادلة مع العلل

(352)

والأسباب الداخلية والخارجية المؤثرة في تكوينها واستمرارها، ويحدث هناك تأثير وتأثر متبادل بينهما. من ذلك إن فطرة وطبيعة الإنسان، من جهة قد تم الحديث عنها بوصفها منشأ للثقافة، ومن ناحية أخرى فإن ازدهارها وتوجهها رهن بإقامة الارتباط مع ثقافة انضمامية. كما أن للطبيعة والمنطقة بدورهما مثل هذا الموقع في نسبتهما إلى الثقافة أيضًا. من الواضح أن هذا التعامل ـ ولا سيّما في أشكاله المعقّدة ـ يضع اكتشاف العلاقات العليّة والمعلولية بين هذه العناصر أمام مشكلة. وعلاوة على ذلك فإن بعض المفكرين يرى أن اكتشاف المنشأ والمصدر في الأمور الإنسانية الاجتماعية أمرًا بالغ الصعوبة والتعقيد.[1]

من الجدير ذكره أن بعض علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا ـ بدلًا من البحث المستقل عن العناصر المؤثرة في تكوين واستقرار واستمرار الثقافة ـ قد تحدّث عن الأرضيات والعناصر المؤثرة في تبلور وحيوية وحركية الحياة الاجتماعية، وقد اعتبروا سائر عناصر الحياة الجمعية بوصفها من المحاصيل، والمصنوعات المشتركة بوصفها من النتائج والتداعيات القهرية لهذا المسار، على صنع المعطيات الحياتية.[2] لا شك في أن الثقافة بوصفها منظومة مفهومية، وروح مولجة في جسد الحياة، وطريقة وأسلوب وتقليد مألوف ومعهود لقوم و... على الرغم من تمايزها من الناحية الذهنية عن المجتمع بوصفها مجموعة مؤلفة من أشخاص لديهم مشتركات مختلفة، لها في تكوينها واستقرارها واستمرارها تبعية وتقوّم وجودي بالمجتمع، وبموازاة تبلور الحياة الاجتماعية، فقد اجتازت مسار تكوّنها وازدهارها التدريجي. والمجتمع بدوره في المقابل لا يمكن له أن يتبلور أو يقوم له قوام ويكون له استمرار إلا بواسطة الثقافة وفي ضوء الإحالة إلى الثقافة؛ وعلى هذا الأساس هناك بين المجتمع والثقافة

(353)

علاقة ديالكتيكية متناوبة ومتبادلة لا انقطاع لها. إن الكائن الإنساني بسبب امتلاكه لبعض الخصائص الفذة يُعد خالقًا للمجتمع ومبدعًا للثقافة أيضًا؛ كما أنه يتأثر بهما بشكل عميق سواء على المستوى الفردي والبنيوي أيضًا.[1] من الجدير ذكره أن علماء الأنثروبولوجيا من التكامليين يذهبون ـ خلافًا للفهم السائد والغالب ـ إلى إسناد إيجاد الثقافة إلى نوع إنساني متأخر ومتكامل، واعتبروا أن الإنسان في المراحل السابقة كان يفتقر إلى ثروة باسم الثقافة. لا شك في وجود انتقادات قاطعة إلى هذا السنخ من النظريات، وهي جديرة بالطرح في محله.

إن الثقافة ـ من وجهة نظر المؤرّخين للحياة الاجتماعية للبشر ـ قد مرّت في مسارها التكاملي إلى الآن، وتبعًا لذلك مختلف مراحل الحياة الاجتماعية للبشر (العصر الحجري القديم، والعصر الحجري الوسيط، والعصر الحجري الحديث، والعصر الزراعي، والعصر المدني، والعصر الصناعي، وعصر المعلومات، و...) بمراحل ذات خصائص وتجليات خاصة، وفي العصر الراهن، ونعني به العصر الصناعي قد ظهرت إمكانيات مذهلة لها، وهي تواصل مسارها التكاملي بسرعة خارقة لا يمكن تصديقها. إن إنتاج المحاصيل الثقافية والحضارية وتطوّرها في كل واحدة من هذه المراحل، يستند إلى أسس متعدّدة تشمل ما هو الأعم من الأسس المشتركة والخاصّة.[2]

المنشأ والأسباب الداخلية للثقافة

لقد ذكر المفكرون المسلمون للإنسان، في طرحهم للمفاهيم الإنثروبولوجية

(354)

الفلسفية والدينية ـ استنادًا إلى القرآن الكريم ـ بالإضافة إلى الطبيعة المادية (الخصائص المشتركة بين الإنسان وسائر أنواع الحيوانات الأخرى ـ حقيقة باسم «الفطرة». إن الإنسان واجد لروح إلهية مجرّدة، وبسبب حصوله على هذه الحقيقة الروحانية، فقد امتاز من سائر موجودات الكون وتحول إلى مخلوق فذ في دائرة الوجود، وأصبح بذلك نسيج وحده. ومن الجدير ذكره أن الإنسان قد تمّ وصفه في القرآن الكريم بصفات من قبيل: خليفة الله، ومسجود الملائكة، والعالم بالأسماء، وحامل ثقل الأمانة، والأبدي، والمكلف والمسؤول، والمتصف بالصفات والخصائص الفذّة والمتعارضة أحيانًا، والقابل للتربية وما إلى ذلك من الصفات الأخرى. ولا شك في أن الإنسان إنما حصل على هذه الصفات والخصائص الفريدة بفضل امتلاكه لحقيقة روحانية وطبيعة إلهية.

1. الفطريات

إن الفطريات تشتمل على مجموعة غير معروفة من الإمكانات والقابليات المعرفية والتوجهات العملية. وهناك اختلافات في أوجه النظر حول كمية وكيفية هذه القابليات الفطرية؛ بيد أن بعضها قد وقع تقريبًا موردًا للإجماع والاتفاق بين علماء النفس من الفلاسفة أو الحكماء الذين يتأملون في علم النفس الفلسفي؛ حيث المفروض المركزي والثابت لديهم عبارة عن تجرّد الروح الإنسانية بقابليات وظرفيات إدراكية وتحريكية خاصة ومنحصرة جدًا. ومن بين هذه الإمكانات يمكن لنا الإشارة إلى العقلانية النظرية (حقل المعرفة المتضمّن للحكمة النظرية، من قبيل: العلم بالنفس والخالق، وحاجة المعلول إلى العلة، والتصديق بالمعاد، والحكمة العملية من قبيل: إدراك حُسن العدل وقبح الظلم، وضرورة التحلّي بالفضائل واجتناب الرذائل)، والعقلانية العملية (في حقل توجهات من قبيل: الولاء والبراء، والمحبّة والعداوة، والإرادة والكراهة، وحبّ الكمال وكراهية النقص)، والإشارة كذلك

(355)

إلى بيان مصداقي لتوجهات من قبيل: الإيمان بالله، وطلب الخلود، والبحث عن الحقيقة، والكمال، والمثالية، والعدالة، والجمال، والتحلي بجميع الفضائل. كما ذكرت للإنسان بعض القابليات بمثابة الأغصان الفطرية الأكثر فرعية أيضًا، من قبيل: القدرة على ادخار العلوم، والإبداع، وإضفاء الاعتبار، وصنع الأدوات والوسائل، واكتناز التجارب، وجمع المكتسبات (المعلومات والتجارب) ونقلها إلى الأجيال اللاحقة، والنزوع إلى التصرّف والسيطرة وتسخير البيئة، والنزوع إلى الحياة المدنية، والجنوح نحو المعنوية والحياة الأخلاقية وما إلى ذلك. وعلاوة على العقل، تعدّ القوى الإدراكية الأخرى، من قبيل: الحواس الظاهرية والباطنية، والخيال والوهم والإلهام والشهود (بواسطة القلب والفؤاد)، والقوى التابعة لها من قبيل: الذاكرة، بوصفها جزءًا من القوى الإدراكية الفطرية أيضًا.

ومن البديهي أن الاتجاهات الفطرية لدى الإنسان تنتهي تحت تأثير الهداية التدبيرية للعقل ـ في حالة عدم الموانع المحيطة ـ إلى أفعال وسلوكيات متناسبة.

وعلى هذا الأساس فإن العنصر الإنساني المحوري الأول في خلق وازدهار واستمرار العالم المفهومي للثقافة، هو الفطرة أو الفطريات؛ ومن هنا يمكن عدّ الفطرة بسطًا وتبلورًا في إطار مجموعة كبيرة من المخلوقات المادية وغير المادية ممّا يتجلى في عالم ذهن الإنسان الاجتماعي وخارجه.[1]

من الجدير ذكره أن الأمور الفطرية تشترك فيما بينها في أربع صفات وخصائص على النحو الآتي: الأمور الاكتسابية (الجبلية والفطرية)، والأمور العامّة (المشتركة بين جميع الناس كافة في جميع الأعصار والأمصار)، والأمور الثابتة (التي لا تتغيّر ولا تتبدّل ولا تقبل الزوال)، والأمور التي لا تقبل الخطأ (في طلب المتعلقات

(356)

والمقتضيات الخاصّة، رغم إمكان أن يقع الفرد أو المجتمع في الخطأ في التطبييق من الناحية العملية، فيقوم ـ على سبيل المثال ـ بإشباع غريزة العبودية لله بعبادة الأصنام والمعبودات الزائفة). كما أن الفطريات عبارة عن أمور بالقوّة قد تزدهر في ضوء الأفعال الاختيارية للفرد وفي الموقعيات والأرضيات الثقافية / الاجتماعية للبيئة والمحيط، وقد تنحرف أحيانًا.[1]

وبدوره قال العلامة الطباطبائي في بيان الدور البنية التحتية والتأسيسي للفطرة في تبلور المجتمع والثقافة: «لا ريب في أن الاجتماع أينما وجد كاجتماع نوع الإنسان وسائر الاجتماعات المختلفة النوعية التي نشاهدها في أنواع من الحيوان فإنما هو مبني على أساس الاحتياج الفطري الموجود فيها الذي يراد به حفظ الوجود والبقاء».[2] وقال سماحته في موضع آخر: «إن الإنسان لمكان احتياجه إلى الاجتماع والمدنية يحتاج بالفطرة إلى جميع ما يحتاج إليه هذا الاجتماع التعاوني».[3] ولا شك في أن الثقافة بجميع عناصرها المتنوّعة، تعدّ جزءًا من هذه الضرورات. وقد تحدّث العلامة الطباطبائي في مواطن من تفسير الميزان عن الهداية التكوينية للإنسان في اختيار حياته الاجتماعية وامتلاكه لجميع القوى والأدوات اللازمة لصنع مسلتزماته الحياتية.[4] كما أشار سماحته ـ في ضوء اعتماده على الآيات ـ إلى دور الإلهام الفطري في هداية الإنسان إلى تشخيص الفجور والتقوى، والخير والشر، والواجبات والمحظورات الأخلاقية، والمنافع والأضرار (والعمل على جذبها أو دفعها)، وبيان العلوم العملية بوصفها واحدة من الأقسام الحيوية في الثقافة.[5] هذا وقد

(357)

أشار العلامة الطباطبائي في مواضع من تفسيره إلى دور العقل السليم والمدركات العقلانية (الأفهام المتعارفة) في هدية الإنسان إلى الحق والصواب، واستجابة دعوة الحق، والسير في الآفاق والأنفس، وتفسير الوحي، وتشخيص الحق من الباطل، والحُسن والقبح، والسعادة والشقاء، والسيطرة على المشاعر والعواطف والميول النفسانية، وضمان جانب ملحوظ من لوازمة المعيشية في مسار الحصول على الكمال والسعادة التي تمثل غاية بالنسبة إليه.[1]

2. الطبيعة أو الطباع (خصائص الأنا الحيوانية لدى الإنسان)

إن الإنسان على الرغم من اشتراكه مع سائر الحيوانات بشكل وآخر في امتلاك الغريزة والطبيعة، ولكنه من حيث امتلاكه لفطرة خاصّة أو ما نسمّيه بالفطرة الإلهية، فإنه يختلف من هذه الناحية عن سائر أنواع الحيوانات على نحو جاد؛ ومن هنا كانت الطباع والإمكانات الطبيعية لدى الإنسان ولا تزال تترك تأثيرًا مباشرًا وغير مباشر في خلق عناصر الثقافة أيضًا. إن المراد من طباع الإنسان مجموعة من القوى والإمكانات النفسية / الجسدية العامّة والمشتركة بين الأفراد (والحيوانات)، ويكون لها ثبات وبقاء نسبي. إن هذه القوى على الرغم من استقلالها الذاتي عن تأثير المحيط المادي والاجتماعي، إلا أنها تكون تابعة لها وتتأثر بها في الفعل والعمل على نحو شديد جدًا. إن هذه القوى والإمكانات تنقسم في تبويب عام وكلي إلى قسمين، وهما: القوى الإدراكية، التي تساعد الإنسان في التعرّف على البيئة والمحيط وطريقة الارتباط به. والقوى الانفعالية، التي تحافظ على التوازن الداخلي وتعمل على تنظيم القابليات الوجودية بالنسبة إلى الأعمال المتطابقة، مثل: الدوافع، والاحتياجات، والمشاعر، والعواطف، والعناصر المرتبطة بها.

(358)

كما تنقسم الدوافع (الغرائز) بدورها إلى قسمين: أصلي وفرعي أو جبلّية ومكتسبة. وإن الدوافع الأصلية والثابتة ـ التي تحتوي في الغالب على أسس (بايولوجية وفسيولوجية) ـ مشتركة بين الإنسان والحيوان. وإن أهم هذه الدوافع والغرائز، عبارة عن: غريزة الجوع (البحث عن الطعام)، والعطش (البحث عن الماء)، ودفع الضرر، والبحث عن الزوج، والبحث عن الملاذ والسكن، والحركة والنوم. إن الدوافع والغرائز الفرعية أو المكتسبة لدى الإنسان والتي هي متعددة ومتنوّعة إلى حدّ كبير، وغالبًا ما تتأثر بالبيئة الثقافية / الاجتماعية. ويمكن الإشارة من بينها إلى غريزة التنافس، وطلب الاستعلاء، والسلطة، وجمع الثروة، وتنمية الممتلكات، والتلاحم مع الآخرين، وحبّ الظهور، وجذب الاهتمام، والانتماء إلى بني جلدته، وخدمة أبناء نوعه، وما إلى ذلك من الغرائز الأخرى.

كما يمتلك الإنسان رغبات ودوافع فطرية مختلفة تعدّ منشأ لمختلف الأفعال والسلوكيات. إن هذه الرغبات تنقسم في تقسيم كلي إلى قسمين، وهما: الرغبات المشتركة (بين الإنسان والحيوان من قبيل: حبّ الذات وصيانة النفس، بالإضافة إلى فروع وتشعّبات، من قبيل: الطعام، والثياب، والسكن، والصحّة، والترفيه، وإشباع الغريزة الجنسية، والدفاع وما إلى ذلك)، والرغبات الخاصّة، من قبيل: الرغبة إلى العزّة والتعالي والعلم والنظم وما إلى ذلك.

من وجهة نظر الأنثروبولوجيا الفلسفية تعدّ النزعة الحقيقية لدى الإنسان عبارة عن «الرغبة إلى الكمال»، وإن سائر الرغبات الأخرى إنما هي تجليات لهذه الرغبة، بما يرتبط بتشخيص مصداق الكمال وحدود معرفة وبصيرة الإنسان.[1] كما ذكرت للإنسان مجموعة من المشاعر تحت عنوان المشاعر الأصلية والفرعية، والمشاعر

(359)

الأصلية هي من قبيل: (الخوف، والغضب، والحب)، والمشاعر الفرعية، من قبيل: (الحسد، والتنافس، والتعاطف). من الواضح بداهة أن المشاعر الفرعية والمكتسبة، بدورها مثل الدوافع الفرعية والمكتسبة تقبل التكثّر والتنوّع المصداقي تبعًا للبيئة الثقافية / الاجتماعية، ولم يتمّ حتى الآن تقديم إحصائية دقيقة بها.

يقول عالم النفس الاجتماعي كلاين بيرغ في بيان الثقافة من خلال الإحالة إلى الأصول والأسس الفطرية: في بيان الظواهر الثقافية العامّة، يتمّ الاستناد إلى الأمور الآتية:

1. الوحدة النفسية للإنسان.

2. اتحاد الاحتياجات الحياتية.

3. اتحاد الصفات الرئيسة للبيئة المادية للإنسان.

وهناك من يُشير ـ بالإضافة إلى ما تمّ ذكره ـ إلى الأمور الثابتة والدائمة، من قبيل: الأمور الثابتة المرتبطة بطبيعة الإنسان والتي تؤثر في نموّ وازدهار جميع الأنظمة الاجتماعية.[1]

3. القدرات الإنسانية

إن بعض الأرضيات والظرفيات الفطرية الإنسانية التي تتبلور مباشرة في الفعاليات المتناسبة، يتم التعبير عنها بالقدرات الفطرية. إن أهم القدرات الإنسانية المؤثرة في إيجاد الثقافة، عبارة عن: القدرة على صنع المثل والاعتبار، والصناعات الفنية، واختراع الأدوات (القدرة على بناء التكنولوجيا)، واختزان التجارب،

(360)

والحفاظ على التجاربل بوصفها أساسًا للتجارب اللاحقة، ونقل التجارب والمكتسبات من طريق التفهيم والتعليم، والقابلية والاستعداد إلى التعلم واكتساب تجارب ومكتسبات الآخرين، من طريق اللغة والخط وسائر طرق الاكتساب والقدرة على الإبداع والخلق والإيجاد، والميل الذاتي والعلاقة الفطرية نحو الإبداع، والشوق اللامتناهي نحو الكمال والتقدّم. كما تمّ ذكر بعض العناصر الأخرى، من قبيل الاحتياجات المتعدّدة والمتنوّعة، وامتلاك الدوافع من أجل السعي وبذل الجهد الحثيث في إطار إشباعها وتلبيتها بوصفها من العناصر المؤثرة في بناء المجتمع، وتأسيس الثقافة والتقدم والتنمية المستدامة بالنسبة إلى الإنسان.[1]

4. القدرة على بناء الثقة والاعتبار (مصنوعات العقل العملي)

إن بناء الثقة والاعتبار، وإن تمّت الإشارة إليه باعتباره قدرة استثنائية وفذّة للإنسان في محور قدراته الفطرية، فإنه بالنظر إلى تأكيد العلامة الطباطبائي على الدور المحوري لذلك في الثقافة، لن يكون طرح بحث مستقل في هذا الشأن من دون مناسبة. إن النواة المركزية للثقافة في فكر العلامة الطباطبائي تستند إلى الأفكار الحقيقية، بينما تستند عناصرها القريبة إلى الأفكار الاعتبارية. إن الأفكار الاعتبارية محاصيل ومصنوعات العقل العملي، بالنظر إلى احتياجات وضرورات ومقتضيات الحياة الجماعية والاجتماعية. إن اعتبارات العقل العملي إنما تكون قابلة للطرح في صلب الحياة الإنسانية والثقافية والاجتماعية والتاريخية ومقتضى الضرورات المعيشية والحياتية. إن الأمور الاعتبارية وإن كانت تكتسب وجودها وهويتها بوساطة من الوعي والإرادة والعزم الإنساني، إلا أنه بعد القبول الجماعي بها والعمل على طبقها، تترب عليها آثار ونتائج عينية وتكوينية. إن اعتبارات العقل

(361)

العملي ـ من وجهة نظر العلامة الطباطبائي ـ تنقسم إلى قسمين، وهما: اعتبارات ما قبل الاجتماع، واعتبارات ما بعد الاجتماع. وإن اعتبارات ما بعد الاجتماع ترتبط بالحياة الاجتماعية للإنسان، وهي التي تشكل موضوعًا للعلوم الاجتماعية.

إن الاعتبارات العملية من لوازم نشاط القوى الفعالة للإنسان (أو لأيّ كائن حي). إن هذه الاعتبارات إنما هي وليدة أو متعلقة بالمشاعر المتناسبة مع القوى الفعالة، وهي من جهة الثبات والتغيير والبقاء والزوال تابعة للمشاعر والأحاسيس الداخلية. وإن هذه المشاعر والأحاسيس بدورها على قسمين، وهما: المشاعر العامة التي هي من لوازم نوعية النوع ومن توابع البنية الطبيعية له، من قبيل: الإرادة والكراهة والحبّ والبغض (بشكل مطلق)، والمشاعر الخاصة التي تقبل التبديل والتغيير؛ ومن هنا فإن الاعتبارات العملية بدورها تنقسم إلى قسمين، وهما:

1. الاعتبارات العامّة الثابتة وغير المتغيّرة، من قبيل: اعتبار الاجتماع.

2. الاعتبارات الخاصة القابلة للتغيير، من قبيل: القبح والجماليات الخاصّة، وأشكال الاجتماعات المتنوّعة. إن بمقدور الإنسان أن يعتبر كل أسلوب اجتماعي جيدًا في يوم وسيئًا في يوم آخر، ولكنه لا يستطيع أن يغض الطرف عن أصل الاجتماع، أو أن ينسى أو يتجاهل أصل الحُسن أو القبح. إن الإنسان في اعتباراته العملية محكوم للطبيعة، وتابعًا لهداية فطرته وغريزته. إن الطبيعة والفطرة تعمل ـ من أجل الوصول إلى أهدافها ـ على توجيه الإنسان نحو الواقع الخارجي، وتربط قواه الفعّالة والمدركة بواقعية الخارج، وإن الإدراك الذي يمكن في الخارج أن يندرج في ظرفه بشكل مطلق، هو العلم لا غير.[1]

لقد أوضح الشهيد المطهري بدوره في هوامشه أيضًا، بقوله: إن الإدراكات الاعتبارية افتراضات قد أسس لها الذهن لغرض رفع وتلبية الاحتياجات الحياتية،

(362)

ويكون لها بُعد وضعي وتعاقدي وافتراضي واعتباري، ولا صلة له بالواقع ونفس الأمر. إن الادراكات الاعتبارية تابعة للاحتياجات الحياتية والعوامل الخاصّة بالبيئة، وتتغيّر بتغيّرها. إن المدركات الاعتبارية وليدة «أصل السعي من أجل الحياة»، وتابعًا لـ «أصل التطابق مع الاحتياجات»، وهي مثل الكثير من الشؤون الجسمانية والنفسانية الأخرى تطوي مسارًا تكامليًا من «النشوء والارتقاء». إن الأفكار الاعتبارية الناشئة عن النفسيات الحيوانية، بمعنى الميول والمشاعرة بمنزلة الأدوات التي عملت الطبيعة على إيجادها من أجل الوصول إلى الهدف والغاية.[1]

إن من جملة خصائص الأفكار الاعتبارية، عبارة عن قابلية تغيير مصاديقها على الرغم من ثبات أصولها. وقد ذهب العلامة الطباطبائي إلى اعتبار أهمية بعض العناصر والمساحات في تحقق هذا التغيير، وسوف نشير إلى بعض الموارد في هذا الشأن:

أ . المناطق الجغرافية ذات المناخات والتضاريس المختلفة من حيث الأنهار والبحار والأنواء الجوية المتنوّعة، لها تأثيرات مختلفة وعميقة في طباع الأفراد، وتترك من هذه الناحية تأثيرات ملحوظة في كيفية وكمية هذه الاحتياجات، وكذلك سوف تكون متمايزة من بعضها في المشاعر والأحاسيس الداخلية والأفكار والأخلاق الاجتماعية، وتبعًا لها المدركات الاعتبارية لها. إن الاختلافات الفاحشة التي نشهدها في الأفكار الاجتماعية وآداب وتقاليد السكان في المناطق المختلفة من بقاع الأرض، ينشأ جانب مهم لها من هذا الموضع؛ كما أن محيط العمل له دخل في اختلاف الأفكار والإدراكات الاعتبارية.

ب. إن كثرة ورود فكرة ما إلى ذهن الإنسان بحيث لا يمكن له أن يبعدها عن ذهنه ويهتم بما سواها، وبطبيعة الحال سوف تبدو في هذه الصورة ـ شئنا أم أبينا ـ فكرة منطقية وصحيحة وحسنة، وسوف يكون خلافها على خلافها. وفي هذه الحالة

(363)

سوف يكون لتوارث الأفكار وتلقينها والاعتياد عليها والتربية ضمن إطارها، دورًا مهمًا في تثبيت وتغيير الأفكار الاجتماعية والإدراكات الاعتبارية.

ج. تكامل المعلومات: نحن في إطار التكامل نعمل على زيادة معلوماتنا بشكل مستمر، وباختصار فإننا منذ الأيام الأولى من فتح أعيننا على عالم المادة، نرث معلومات كثيرة من أسلافنا، ونجعل منها أساسًا لتقدّمنا وتطوّرنا في المستقبل. إن دائرة التنمية آخذة بالاتساع يومًا بعد يوم، وإنها كلما اتسعت سوف نحصل بواسطة التطبيق العملي على فوائد أكبر وأكمل، وسوف نعمل على تذليل الطبيعة الجامحة بشكل أفضل ... ما أكثر الأمور الواجبة التي تركها الإنسان، وما أكثر الحسنات التي عدّها من السيئات حتى وصل إلى هذا اليوم. إن الإنسان لا يتخلى أبدًا عن الفكر الحسن والقبيح أبدًا؛ ولكنه على الدوام ومن خلال تطوّر الحياة يعتبر القبيح حسنًا، والحسن قبيحًا؛ وذلك لأنه لا يقوم أبدًا بتطبيق حياة الأمس على الاحتياجات الراهنة. ومن الواضح أيضًا أن التغييرات الثلاثة المذكورة، قد تؤدّي في بعض الأحيان بواسطة الامتزاجات المختلفة والتلاقحات المتنوعة التي تحدث فيما بينها، إلى أن تتمخض عن سلسلة من النتائج التركيبية أيضًا، وهناك الكثير من النماذج لهذا النوع من التغيير بين الآداب والتقاليد الاجتماعية، وربما قل أن نجد موردًا لم يخضع لتأثير العناصر المختلفة للتغيير، ولم ينبثق عن المصادر المتنوّعة.[1]

ومن الجدير ذكره أن الإدراكات الاعتبارية بوصفها ركنًا للثقافة، تعمل على الإعداد لدور أساسي آخر لتدخّل الدين في الثقافة والعناصر الثقافية. لا شكّ في أن الدين [الأديان الإلهية] قد أدى ولا يزال دورًا كبيرًا ومهمًا وفريدًا من بعض الجهات، في تنظيم منظومة الاعتبارات البشرية، ولا سيّما الاعتبارات العملية وهدايتها في ضوء القواعد والأصول الثابتة للشريعة والاجتهادات العصرية والمتناسبة مع

(364)

مقتضيات زمان ومكان الفقهاء في إطار الشريعة، والتأييد والحماية القاطعة للقيَم الأخلاقية، وكذلك تأييد وإمضاء الأساليب والسيَر العقلائية.

5. الأرضيات والاقتضاءات البيئية

لقد كثر الحديث عن دور وتأثير البيئة الثقافية / الاجتماعية، وكذلك البيئة الطبيعية على شخصية الإنسان، وازدهار القابليات، وبيان الاحتياجات وتلبيتها، وأسلوب الحياة، والنظام الارتباطي، والأخلاق والسجايا الجماعية وما إلى ذلك. وفي خصوص الدور التأسيسي للمجتمع من أجل خلق وتثبيت وانتقال وتغيير العناصر والمحاصيل الثقافية، تمّ الاهتمام ببعض العناصر، وسوف نشير فيما يلي إلى أهمها: بيان الضرورات الجديدة تحت عنوان الضرورات الوظيفية للمجتمع (وهي الضرورات التي لا يمكن للمجتمع أن يتبلور ويستمر من دون تلبيتها)، من قبيل: بيان منظومة من المعتقدات والقيَم والقواعد والنماذج والأمثلة المشتركة وذات الماهية المشتركة بين الأذهان بوصفها مبنى لكل نوع من أنواع التعامل الاجتماعي؛ وتبلور المنظمات والمؤسسات المهتمة بإنتاج وتبادل المحاصيل الثقافية والعناصر المفهومية، من قبيل: التربية والتعليم، والجامعات، والحوزات العلمية، ووسائل الإعلام العامة، والمؤسسات التبليغية، والمؤسسات الفنية، والرياضية، والترفيهية وما إلى ذلك، وظهور الجماعات المؤثرة في إيجاد وعرض الصناعات الثقافية، من أمثال الفلاسفة والمفكرين وعلماء الإلهيات، والأدباء، والفنانين، والإعلاميين، والشخصيات المؤثرة، والحكام والملوك ونظائر هؤلاء، وإمكانية تحقيق وضرورة إقامة الارتباطات الواسعة في مختلف المستويات (من قبيل: الارتباط مع الذات، والارتباط مع الله، والارتباط مع الآخرين، والارتباط مع الطبيعة، والارتباط مع التكنولوجيا، وما إلى ذلك)، والتعاطي الواسع والحتمي بين المؤسسات الثقافية والاجتماعية وما يترتب على ذلك من الآثار الثقافية (من قبيل: السياسة، والدين،

(365)

والتربية والتعليم، حيث يكون لهذه الأمور دور محوري في هذا الشأن)، والبحث عن أرضية الارتباطات الثقافية بين مختلف المجتمعات والتأثيرات الثقافية المتبادلة فيما بينها، والتسلل غير المطلوب وغير المخطط له للأمواج الثقافية لسائر البلدان إلى حياض البلدان الأخرى (تحت عنوان الغزو الثقافي أو نشر الثقافات)، وما إلى ذلك.

وإذا تجاوزنا هذا المستوى العام، فإن أغلب علماء النفس الاجتماعي يذهبون إلى الاعتقاد بأن جميع الإمكانات الأساسية للفرد تقريبًا، ابتداءً من الإدراك الحسّي والانفعالات الأولى، وصولًا إلى الذكاء والعواطف العالية وشخصية الإنسان تقع إلى حدّ كبير تحت تأثير البيئة الاجتماعية والثقافية التي وُلد الشخص فيها وترعرع ونشأ في أحضانها.

لقد اهتمّ العلامة الطباطبائي في الكثير من المواضع بدور شروط ومقتضيات البيئة الاجتماعية في تنوّع النماذج الحياتية والنسبية الثقافية بين مختلف المجتمعات أو المراحل الزمنية المختلفة لمجتمع ما، ودور الأهداف والمقاصد والضرورات الاجتماعية في تبلور النماذج السلوكية (الآداب والتقاليد والأعراف الاجتماعية)، والفضائل والرذائل الاجتماعية.[1] كما اهتمّ سماحته بدور الأرضيات والخلفيات والنماذج التربوية ونوع العادات الجماعية في تبلور الأخلاق والخصال والأمزجة الثقافية،[2] ودور التراث الثقافي وكذلك دور البيئة والسياسات التشجيعية والردعية لها في تحصيل العادات الجماعية وفي ترجيح بعض النماذج والتوجّهات،[3] ودور النماذج والأمثلة التربوية في التأسّي والاقتداء وتبعية سائر أفراد المجتمع والعمل على طبق معاييرها،[4] ودور ضرورات الحياة والمصالح العامة والجماعية في تبلور القوانين

(366)

والسنن الضرورية والتي تمسّ الحاجة إليها، وتشكيل الحكومة وإقامة النظام العام وما إلى ذلك،[1] ودور المجتمع والبيئة الاجتماعية في رضوخ الإنسان الاضطراري للمدنية، والقبول بلوازمها، والعمل نتيجة لذلك على تعديل رغباته وميوله الغريزية في استخدام واستغلال الآخرين، وما إلى ذلك.[2]

نختم هذا القسم برأي لأحد المفكرين في بيان وإيضاح نوع مشاركة القوى النفسانية للإنسان في خلق الصوَر الثقافية ودور الاتصالات الإنسانية المتبادلة في تغيير هذه الصوَر الذهنية والشخصية وتحويلها إلى صوَر علمية مشتركة وجماعية، والحقائق المشتركة بين الأذهان في ضوء السلوك الجماعي، والعمل بالتالي على إيجاد ظاهرة الثقافة: فيما يتعلق بالصوَر والحقائق العلمية [الثقافية] يمكن لنا أن نأخذ ثلاث مراتب بنظر الاعتبار، المرتبة الأولى: مرتبة ذات وحقيقة هذه الصوَر، والتي يتم التعبير عنها بعنوان نفس الأمر (الأمر أو الشيء في نفسه وفي حدّ ذاته). إن صوّر الحقائق العلمية ـ بغض النظر على إدراك الأشخاص ـ روابط ومناسبات وأحكام لا صله لها بزمان أو مكان خاص. وفي المرتبة الثانية يصل أفراد البشر من خلال الديالكتيك والحوار والتفكير والتمرين وبواسطة الحركة والسلوك الجوهري إلى تلك المعاني، ويتحدون بها في ضوء اتحاد العالم والمعلوم. إن الصور العلمية بعد الاتحاد مع الأفراد ومن دون أن تتخلى عن موطنها وموضعها الأول وأحكام ذلك الموضع، تندرج ضمن المرتبة الثانية، أي في مجال الذهن والتفكير، وفي إثر ذلك تندرج ـ بسبب اتحاد الفرد مع فعله وإرادته ـ ضمن مجال السلوك والعمل. وفي المرتبة الثالثة تدخل المعاني والصوَر العلمية بواسطة الأشخاص إلى مجال الحياة المشتركة بين الأفراد، وتكتسب هوية عامة ومشتركة بين الأذهان. إن المفاهيم تخرج في هذا

(367)

المقام من زاوية الذهن وهامش سلوك الفرد، وتدخل في صُلب الحياة والسلوك الاجتماعي، وتعمل على تسخير المعتقدات والعادات والمؤسسات والنشاطات الاجتماعية. وهذه المرتبة هي مرتبة الثقافة. إن الثقافة في الحقيقة هي صورة لتنزل المعنى إلى دائرة الفهم العام والسلوكيات المشتركة والنشاطات الاجتماعية.[1]

6. البيئة الطبيعية والجغرافية

إن التأثير الإعدادي للبيئة الجغرافية والمناخ في السجايا والأخلاق، وأساليب التغذية والطعام، وطريقة الملبس، وإفراز الهرمونات الجنسية، وأوقات الفراغ والترفيه، وطريقة بناء البيوت والسكن، وبناء المدن، والنظام المهني والمعيشي، وأنظمة التمليك، والفقر والغنى العام، ونماذج تخطيط استخدام الأراضي، وأساليب العيش (الإقامة في موطن واحد أو حياة الترحّل)، وأسلوب الحياة، وما إلى ذلك أوضح من أن تكون بحاجة إلى بحث وحوار.[2]

7. الدين والمنشأ السماوي للثقافة

لقد تمّ تقرير النسبة بين الدين والثقافة بأشكال مختلفة تبعًا للتعاريف الخاصة التي يتمّ بيانها لكل واحد منها. إن الآراء العلمانية ـ التي تعمل بشكل رئيس على تقييم الدين بوصفه مؤسسة اجتماعية تتكفّل بضمان وتلبية جانب من الاحتياجات المعنوية للإنسان ـ تعمل على إدراج الدين في هامش الثقافة وتعتبره واحدًا من عناصرها القديمة والعريقة. إن الثقافة في هذا التعريف تكون هي الأصل، ويكون الدين تابعًا، كما تكون الثقافة من الناحية الزمنية متقدمة على الدين. إن الآراء القائلة

(368)

بالمنشأ السماوي والوحياني للدين ـ على الرغم من اختلافها الجوهري عن الآراء العلمانية ـ تختلف فيما بينها في تحليل النسبة بين الدين والثقافة.

إن الدين في هذه الرؤية ـ وإن كان له منشأ إلهي وسماوي ـ يشتمل على اعتبار يفوق الوطنية والقومية، ولا يتعلق بعرق أو جغرافيا خاصّة؛ ولا يُحدّ ببُعد الحياة الاجتماعية والدنيوية للناس، وهو يشتمل على المعتقدات والقيَم المطلقة والثابتة والقواعد والأحكام المتغيّرة أيضًا، وله بالنسبة إلى مستقبل الناس والضرورات والمحظورات المرتبطة بسعادة الأشخاص، مواقف وتعاليم حصرية، وإن جوهره وذاته ـ بوصفها صراطًا مستقيمًا نحو السعادة والفلاح بالنسبة إلى جميع الناس ـ واحدة وثابتة في جميع الأزمنة والعصور، وفي الوقت نفسه يلعب دورًا هاديًا بالنسبة إلى الثقافة. من ذلك أن الإسلام ـ على سبيل المثال ـ بوصفه دينًا سماويًا، له دور توجيهي فذّ بالنسبة إلى الثقافة الاجتماعية التي استقرّ فيها. إن هذا الدين السماوي بشهادة التجارب المعاشة، يعمل في إطار دوره في الهداية على إدخال منظومته الاعتقادية وقيَمه الأخلاقية وقواعده السلوكية بالتدريج، مع الحفاظ على مكانته المقدّسة، إلى باطن ونسيج الثقافة المستهدفة، فيعمل على تأييد وإمضاء بعض العناصر العرفية للثقافة، ويعمل على إصلاح وتهذيب بعضها، ويعمل على تطوير وتكميل بعضها، وإبطال ومحو بعضها الآخر، ويعمل على توجيه الأرضيات والظرفيات لإيجاد بعض العناصر وازدهارها، ويعمل على التمهيد من أجل توطين وتعميق بعضها، ويعمل على تقوية الدوافع من أجل الالتزام العملي برعاية العناصر الأساسية، ويعمل على إعداد وتوفير الضمانة التنفيذية اللازمة والضرورية لتعزيز وتقوية الحدّ الأعلى من الالتزام بالعناصر المحورية، ويعمل على تشديد الحساسيات الثقافية في المجتمع، ويعمل على حشد عناصر من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار الحفاظ على القيَم والأصول الثقافية؛ ويعمل على تشجيع الجميع من أجل المشاركة

(369)

في إيجاد العناصر الثقافية، وحثّهم على حماية وصيانة العناصر المحورية، ويعمل في نهاية المطاف على إعداد الأرضية من أجل استمرارها ونقلها من جيل إلى جيل. وعلى هذا الأساس فإن الله سبحانه وتعالى يُسهم مباشرة بواسطة الدين، وبشكل غير مباشر من طريق الخصائص الحصرية التي أنعم بها على الإنسان والتي تمكنه من إيجاد العناصر الثقافية أيضًا. إن مستند هذا الرأي هو الفهم العام للدين ـ والذي يقبل به أكثر علماء الدين والباحثين في الشأن الدين من المسلمين ـ والدور المحوري والحصري له في تأسيس وتنظيم الحياة الطيّبة في هذه الدنيا بوصفها مقدمة لا محيص عنها من أجل الوصول إلى السعادة الخالدة في الآخرة. ولا شكّ في أن هذا الأمر المهم لن يكتب له التحقق إلا من خلال تعليم المفاهيم، وتربية وتزكية النفوس، وفي كلمة واحدة من خلال تنظيم العالم الأنفسي للناس (في المقياس الفردي)، وفي خطوة لاحقة من خلال التأسيس في مختلف ساحات الحياة وأبعادها من قبيل: الحياة الأسرية، والحياة السياسية، والحياة الاقتصادية، والحياة الحقوقية، والحياة الأخلاقية، والحياة التعليمية والتربوية، والحياة العسكرية والأمنية، والعلاقات والارتباطات، والحياة الصحية والترفيهية وما إلى ذلك، وبكلمة واحدة تنظيم العالم الآفاقي لبني البشر (في المقياس الاجتماعي). إن هذه الآثار إنما سوف تكون ممكنة في ضوء الحضور التامّ والشامل للدين في المجتمع وتجليه وظهوره في رداء الثقافة المقدّسة والجامعة والخطوات الأساسية من أجل ترسيخ إمكاناتها الداخلية في مختلف مجالات الحياة الفردية والجماعية.[1]

وفيما يلي سوف نشير إلى بعض الآراء الناظرة إلى طريقة الارتباط بين الدين والثقافة:

(370)

يقول العلامة الطباطبائي في بيان الموقع المحوري للدين في إيجاد الثقافة وبناء الحضارة: «والحق الذي لا مرية فيه أن الوحي الإلهي كان يعلم الأنبياء السالفين وأممهم أصولا كلية في المعاش والمعاد كأنواع من العبادة وسننا كلية في الخيرات والشرور يهتدي إلى تشخيصها الإنسان السليم العقل من المعاشرة الصالحة والتجنب عن الظلم والإسراف وإعانة المستكبرين ونحوها، ثم يؤمرون بالدخول في المجتمعات بهذا التجهيز الذي جهزوا به، والدعوة إلى أخذ الخير والصلاح ورفض الشر والفحشاء والفساد».[1] ويمكن القول: إن جميع السنن المحمودة ـ سواء منها الاعتقادية أو العملية ـ التي يمكن العثور عليها في المجتمعات البشرية، هي بأجمعها من آثار نبوّة الأنبياء والمرسلين.[2]  إن جميع المعارف والأحكام الإلهية بين الناس ليس من شأنها أن تترشح من الإنسان الاجتماعي من حيث مجتمعه بما له من العواطف والأفكار التي تهديه إلى ما يصلح حياته من الغذاء والمسكن واللباس والنكاح وجلب المنافع ودفع المضار والمكاره، فهذه الأمور التي في مجرى التمتع بالماديات هي التي يتوخاها الإنسان بحسب طبعه الحيواني، وأما المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة الطيبة والشرائع الحافظة بالعمل بها لهما فليست من الأمور التي ينالها الإنسان الاجتماعي بشعوره الاجتماعي وأنى للشعور الاجتماعي ذلك.[3]

يذهب الشهيد المطهري بدوره إلى اعتبار دور الدين فذًّا وفريدًا في ضمان المصدرين المحوريين للثقافة، ونعني بهما: الفلسفة (بوصفها مجموعة من الآراء والتفسيرات والتحليلات النظرية والجوهرية في خصوص الوجود والإنسان والمجتمع؛ بمعنى الحكمة النظرية)، والأيديولوجيا بمعنى المذهب أو بعبارة أخرى:

(371)

الدين والشريعة (بوصفها مجموعة من الواجبات والمحظورات والأحكام والتعاليم القائمة على العقيدة والرؤية الكونية، بمعنى الحكمة العملية). إن الحاجة إلى المذهب والأيديولوجيا ـ بمعنى الحاجة إلى النظرية العامة، وطرح جامع ومنسجم [متضمّن] للغاية الأصلية لكمال الإنسان بما يؤدّي إلى السعادة الشاملة التي تكون فيها الخطوط العريضة والأساليب والواجبات والمحرّمات والحسنات والسيئات والأهداف والأدوات والاحتياجات والآلام والعلاجات والمسؤوليات والتكاليف واضحة ومحددة، وتكون مصدر إلهام للتكاليف والمسؤوليات بالنسبة إلى جميع الأفراد ـ إنما يمكن توقعها من الدين فقط. وفي الواقع إذا كان لدينا رؤية حقيقية بشأن الوجود والخلق، يتعيّن علينا الاعتراف بأن المنظومة العظيمة للخلق لم تهمل هذه الحاجة الكبرى التي هي من أكبر الاحتياجات [الحاجة إلى المذهب والأيديولوجيا]، وقد تمّ تحديد الخطوط الأصلية لهذا الطريق الرئيس من أفق يفوق أفق عقل الإنسان، ونعني بذلك أفق الوحي والسماء.[1] كما أشار الشهيد المطهري كذلك إلى دور الدين في تعزيز دعائم القيَم الأخلاقية في إقامة العهود والمواثيق، وحرية الأشخاص من القيود الاجتماعية (الاستبداد والظلم والعنصرية وما إلى ذلك)، والمساعدة على معرفة الذات وبناء النفس وتنمية الطاقات الإنسانية المتنوّعة الأعم من الجسدية والروحية، والمادية والمعنوية، والفكرية والعاطفية، والفردية والاجتماعية.[2]

وقال الأستاذ علي أكبر رشاد في بيان الدور العلّي للدين: «إن الدين يُعد من جملة أسس الثقافات؛ بمعنى أن الجزء الأكبر من الثقافة يؤخذ من الدين؛ وحتى الثقافات العلمانية بدورها قد تأثرت بدين من الأديان بوعي أو بغير وعي منها.  إن الدين في الحد الأدنى يتساوى مع الثقافة من الناحية الكمية، ويتفوّق عليها من الناحية

(372)

الكيفية. إن الدين بما هو دين وإن لم يكن جزءًا من الثقافة، ولكنه فيما لو تحوّل إلى فكرة ورؤية للمجتمع، وقام بإدارة نشاط مجتمع ما، فإنه سوف يندرج ضمن دائرة ثقافة ذلك المجتمع. إن الدين الانضمامي في الوقت الذي يمكن أن يكون إسلاميًا، فإنه يُعدّ جزءًا من الثقافة أيضًا؛ وذلك لأنه قد تكوّن وظهر في مرحلة زمنية ورقعة أرضية وحاضنة اجتماعية معيّنة».[1]

8. الثقافة وسائر العناصر المؤثرة

لقد ذهب بعض المفكرين إلى التأكيد على عناصر أخرى بوصفها منشأ أصليًا أو تمهيديًا وتكميليًا بالنسبة إلى جميع أو بعض عناصر الثقافة أيضًا، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ العناصر البيولوجية،[2] والاحتياجات الأساسية،[3] والتصوّرات الإنسانية الخلاقة، والميل إلى تطوير الذات والخلاص من الانطوائية، وتلبية الاحتياجات، وتوجيه القيادات الوجودية وما إلى ذلك،[4] والطاقات المدّخرة، والجواذب والدوافع الوجودية، والرغبة إلى البقاء.[5] وهناك من اهتم بظهور الأبطال والعباقرة والأيديولوجيات والفلسفات الاجتماعية، والقادة والزعماء الأقوياء في السياسة وما إلى ذلك، بوصفهم طلائع التحوّلات الثقافية والتحوّلات الاجتماعية.[6] كما ذهب سوروكين إلى اعتبار العناصر أدناه مؤثرة في الإبداع الثقافي: النبوغ ما فوق الحسي وما فوق العقلي، والحاجة الاجتماعية، وأواصر التيارات الثقافية، والحظ (مجموعة الشرائط الاتفاقية المؤثرة في إثارة الأفكار)، والخلاقية والحقيقة الشهودية،

(373)

والنشاطات الفطرية، والتهذيب والتعالي الروحي، والقيَم المعنوية المطلقة، والفلسفة والبعد العالمي الذي يغلب عليه الطابع الديني أو الشهودي.[1]

وهناك مفكرون آخرون قد وجّهوا اهتمامهم في هذا الشأن إلى عناصر أخرى: السعي من أجل الخروج من الوضع الطبيعي بالاعتماد على القدرات الذاتية ولا سيّما منها العقل والتفكير، والسعي من أجل رفع التعارضات الداخلية والخارجية، أو بين مقتضيات البنية الداخلية والعالم الخارجي، وسعي الإنسان من أجل الحصول على الحياة المنشودة.[2]

كما تقدم أن ذكرنا في الأبحاث آنفًا، فإن الثقافة في مقام التحقق والحدوث تستند إلى مجموعة من العناصر، كما تستند في مقام البقاء والاستمرار إلى عناصر أخرى. إن المقالة الراهنة والأبحاث المطروحة فيها قد تكفّلت بالإجابة عن القسم الأول. وأما القسم الثاني فقد تمّ طرحه في الغالب تحت عنوان التأهيل الاجتماعي والثقافي، والضرورات وظائفيه، والبسط والرقابة والسيطرة الاجتماعية، وثبت وضبط العناصر الثقافية، والصيانة الثقافية، والمفاهيم المشابهة في المصادر ذات الصلة. وفيما يتعلق بالإجابة عن السؤال القائل: على الرغم من الجبلّة والفطرة الواحدة التي يشترك فيها جميع الناس؛ فما هو السبب أو الأسباب التي كانت مؤثرة في إيجاد التنوّع في الثقافات الموجودة بين المجتمعات البشرية؟ هناك الكثير من الإجابات التي تمّ إيرادها عن هذا السؤال. وقد ذهب أغلب المنظرين إلى إرجاع سبب هذا

(374)

التنوّع إلى اختتلاف المجتمعات في المقتضيات البيئية (الأعم من المقتضيات الثقافية / الاجتماعية والطبيعية والجغرافية)، والمعتقدات والفلسفات الحياتية، والموقعيات والحالات والأوضاع والفرص والحظوظ التاريخية، وطرق الاستفادة من القابليات والإمكانات وكيفية إدارتها، وبناء الأنظمة والعلاقات البنيوية والخصائص والأنماط النفسية لأغلب الأفراد، والتحرّك والحيوية والنشاط، وطريقة السعي من أجل تلبية الاحتياجات، والقادة الفكريين، والإدارة السياسية، والعقلانية العامة وما إلى ذلك من الأسباب الأخرى.

النتيجة

لقد اتضح من الأبحاث المطروحة في هذه المقالة أن مسار تبلور وازدهار وانتشار ونفوذ واستمرار الثقافة في كل مجتمع، يستند ـ في ضوء الآراء المذكورة ـ إلى أربع مجموعات من العناصر أو المباني  على شكل انفرادي أو تركيبي، على النحو الآتي:

1. المباني الأنثروبولوجية (بمختلف العناوين، من قبيل: الظرفيات الوجودية، والقابليات الفطرية والغريزية المتنوّعة، والقوى الإدراكية والتحريكية ـ من قبيل: العقلانية النظرية والعملية، والحسّ، والخيال، والقوى الشهوية والغضبية والميول المتنوّعة ـ والاحتياجات المادية وغير المادية المتعدّدة، والقدرات الحصرية، من قبيل: الإبداع اللامتناهي، والصراع المستمر، والنزعة إلى التنوّع وطلب الكمال، وبناء الثقة والاعتبار وإضفاء المفهومية، وادخار التجارب والمعلومات ونقلها إلى الآخرين، وتقبل النظم وبناء المؤسسات، والرغبة المستمرة إلى التطابق مع البيئة والمحيط، والإرادة الناظرة إلى تسخير الطبيعة وما إلى ذلك).

2. المباني الثقافية الاجتماعية الشاملة للارتباطات الواسعة والمتنوّعة (من قبيل: الارتباط مع الذات، والارتباط بين الأفراد، والجماعات والمجموعات، وبين

(375)

الثقافات، والارتباط مع الله، والارتباط مع الطبيعة، والتكنولوجيا وما إلى ذلك)، والاحتياجات والضرورات الوظيفية للحياة الجماعية، وارتباط وتعامل العناصر الداخلية للثقافة والمجتمع فيما بينها، والتجارب الناشئة عن السلوك والصيرورة الاجتماعية والتاريخية، والنُخَب والوجوه الثقافية المنتجة والمؤثرة، والمصلحين وطلائع الثقافة وأبطالها، والحكام والولاة من ذوي النفوذ والسلطة، والموقع الاستراتيجي، وإمكان الإشاعة الثقافية أو تبادل التجارب والخبرات وأنواع الإبداع بين المجتمعات والأمم ومختلف الشعوب، والحظوظ والنجاحات التاريخية التي لا يمكن توقعها أو التنبّؤ بها، ونظائر ذلك.

3. المباني الميتافيزيقية والوحيانية (من قبيل: إرسال الرُسل وإنزال الكتب؛ بمعنى الدين أو الأديان السماوية، ودورها المحوري في بيان العقيدة والنظام القيمي، والنماذج والقواعد السلوكية في مختلف حقول الحياة الفردية والاجتماعية، وترتيب منظومة الاعتبارات ولا سيّما الاعتبارات العملية المتناسبة مع مقتضيات الزمان والمكان في إطار الشريعة، والتأييد والدعم القاطع للقيَم الأخلاقية، وتأييد وإمضاء الأساليب العقلائية، والسعي إلى تشذيب المعتقدات الثقافية من الشوائب، وطرح المباني والفرضيات الجوهرية من أجل تنظيم مضامين ووظائف العلوم ولا سيّما منها العلوم الإنسانية وما إلى ذلك).

4. المباني الطبيعية، من قبيل: الشرائط والمقتضيات البيئية والطبيعية والجغرافية.

إن سائر العناصر والأسباب المذكورة تلعب في الغالب دورًا ثانويًا، أو تعود بشكل وآخر إلى الأسباب المذكورة أعلاه.

(376)

 

 

المصادر

  1. ابن خلدون، عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمدپروين گنابادي، طهران، شركت انتشارات علمي وفرهنگي، ط8، 1375 هـ ش.
  2. آشوري، داريوش، تعريف‌ها ومفهوم فرهنگ، طهران، مركز اسناد فرهنگي آسيا، 1357 هـ ش.
  3. أمان‌اللهي بهاروند، سكندر، تأثير فرهنگ بر انسان وطبيعت، طهران، نشر افرند، 1393 هـ ش.
  4. برگر، پيتر وتوماس لوكمان، ساخت اجتماعي واقعيت، ترجمه إلى اللغة الفارسية: فريبرز مجيدي، طهران، شركت انتشارات علمي وفرهنگي، 1375 هـ ش.
  5. بشيريه، حسين، نظريه‌هاي فرهنگ در قرن بيستم، طهران، مؤسسه فرهنگي آينده پويان، 1379 هـ ش.
  6. آگبرن، ويليام، فرانسيس نيمكوف، زمينه جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أمير حسين آريان‌پور، طهران، مؤسسة انتشارات نگاه، ط13، 1380 هـ ش.
  7. پارسانيا، حميد، جهان‌هاي اجتماعي، قم، انتشارات كتاب فردا، 1391 هـ ش.
  8. ـــــــــــــــــــ ، نظريه وفرهنگ در بومي‌سازي جامعه‌شناسي (مجموعة مقالات)، قم، مؤسسة آموزشي وپژوهشي امام خميني رحمه‌الله، 1392 هـ ش.
  9. پهلوان، چنگيز، فرهنگ‌شناسي، طهران، انتشارات قطرة، 1382 هـ ش.
  10. ـــــــــــــــــــ ، فرهنگ وتمدن، طهران، نشر ني، 1388 هـ ش.
  11. تامپسون، جان ب، ايدئولوژي وفرهنگ مدرن، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مسعود أوحدي، طهران، مؤسسه فرهنگي آينده پويان، 1378 هـ ش.
  12. جعفري، محمدتقي، فرهنگ پيرو وفرهنگ پيشرو، طهران، شركت انتشارات علمي وفرهنگي، 1373 هـ ش.
  13. الجوادي الآملي، عبدالله، فطرت در قرآن، قم، نشر إسراء، ط3، قم، 1384 هـ ش.
(377)
  1. ـــــــــــــــــــ ، نسبت دين ودنيا: بررسي ونقد نظريه سكولاريسم، تحقيق وتنظيم: علي‌رضا روغني موفق، قم، نشر إسراء، 1383 هـ ش.
  2. چلبي، مسعود، جامعه‌شناسي نظم، طهران، نشر ني، ط4، 1386 هـ ش.
  3. درئو، ماكس، جغرافياي انساني (دورة من مجلدين)، ترجمه إلى اللغة الفارسية:  سيروس سهامي، طهران، انتشارات رايزن، 1371 هـ ش.
  4. دفتر همكاري حوزه ودانشگاه، فلسفه تعليم وتربيت، طهران، انتشارات سمت، ط2، 1374 هـ ش.
  5. ـــــــــــــــــــ ، مباني جامعه‌شناسي، طهران، انتشارات سمت، 1373 هـ ش.
  6. دورتيه، جان فرانسوا، انسان‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: جلال‌الدين رفيع‌فر، طهران، انتشارات خجسته، 1389 هـ ش.
  7. ديركس، هانس، انسان‌شناسي فلسفي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد رضا بهشتي، طهران، نشر هرمس، 1380 هـ ش.
  8. ذوعلم، علي، فرهنگ ناب اسلامي، قم، پژوهشگاه فرهنگ وانديشه اسلامي، 1397 هـ ش.
  9. رابرتسون، يان، درآمدي بر جامعه، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسين بهروان، مشهد، آستان قدس رضوي،  (به نشر)، ط3، 1377 هـ ش.
  10. روح‌الأميني، محمود، زمينه فرهنگ‌شناسي، تأليفي در انسان‌شناسي فرهنگي ومردم‌شناسي، طهران، انتشارات عطار، 1368 هـ ش.
  11. روشه، گي، تغييرات اجتماعي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: منصور وثوقي، طهران، نشر ني، 1381 هـ ش.
  12. ـــــــــــــــــــ ، كنش اجتماعي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: هما زنجاني‌زاده، مشهد، جامعة فردوسي، ط2، 1370 هـ ش.
  13. ريتزر، جورج، نظريه‌هاي جامعه‌شناسي در دوران معاصر، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محسن ثلاثي، طهران، انتشارات علمي، 1381 هـ ش.
(378)
  1. سروش، عبد الكريم، تفرّج صنع، طهران، انتشارات سروش، 1366 هـ ش.
  2. سعيدي مدني، محسن، شكل‌گيري وتوسعه نظريه‌هاي كلاسيك در انسان‌شناسي، يزد، دانشگاه يزد، 1386 هـ ش.
  3. سوروكين، پ. أ، نظريه‌هاي جامعه‌شناسي وفلسفه‌هاي نوين تاريخ، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أسدالله (أمير) نوروزي، رشت، انتشارات حق‌شناس، 1377 هـ ش.
  4. شجاعي زند، علي‌رضا، عرفي‌شدن در تجربه مسيحي واسلامي، طهران، مركز بازشناسي اسلام وايران، 1381 هـ ش.
  5. صداقت‌زاده، ميثم، تبيين چارچوب مفهومي نظريه فرهنگ از منظر حكمت متعاليه، رسالة على مستوى الدكتوراه في حقل الثقافة والاتصالات من جامعة باقرالعلوم عليه‌السلام، 1394 هـ ش.
  6. الطباطبائي، السيّد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1427 هـ / 2006 م.
  7. ـــــــــــــــــــ ، تفسير الميزان، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيّدمحمدباقر الموسوي الهمداني، قم، دفتر انتشارات اسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، 1363 هـ ش.
  8. كلاين برگ، اتو، روان‌شناسي اجتماعي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: علي محمد كاردان، طهران، نشر انديشه، ط9، 1368 هـ ش.
  9. كينگ، ساموئل، جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مشفق همداني، طهران، انتشارات كتابهاي سيمرغ، ط6، 1355 هـ ش.
  10. گيدنز، آنتوني، جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: منوجهر صبوري، طهران، نشر ني، 1374 هـ ش.
  11. لبخندق، محسن، تبيين فرايند تكوين وتحوّل فرهنگ با تأكيد بر حكمت صدرائي، قم، دانشگاه باقرالعلوم عليه‌السلام، رسالة على مستوى الدكتوراه في حقل الثقافة والاتصالات، 1395 هـ ش.
(379)
  1. لنسكي، گرهارد، وجين لنسكي، سير جوامع بشري، ترجمه إلى اللغة الفارسية: ناصر موفقيان، طهران، سازمان انتشارات وآموزش انقلاب اسلامي، 1369 هـ ش.
  2. لوكاس، هنري، تاريخ تمدن، از نوزائي تا سده ما، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد الحسين آذرنگ، طهران، مؤسسه كيهان، 1368 هـ ش.
  3. مالينوفسكي، برانیسلاف، نظريه‌اي علمي درباره فرهنگ، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد الحميد زرين قلم، طهران، انتشارات گام نو، 1379 هـ ش.
  4. مصباح يزدي، محمدتقي، رابطه علم ودين، قم، مؤسسة آموزشي وپژوهشي امام خميني رحمه‌الله، 1392 هـ ش.
  5. ـــــــــــــــــــ ، جامعه وتاريخ از ديدگاه قرآن، طهران، سازمان تبليغات اسلامي، 1368 هـ ش.
  6. مصلح، علي‌أصغر، فلسفه فرهنگ، طهران، انتشارات علمي، 1393 هـ ش.
  7. مطهري، مرتضى، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج13، طهران، انتشارات صدرا، ط6، 1380 هـ ش.
  8. ـــــــــــــــــــ ، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج15، قم، انتشارات صدرا، ط7، 1390 هـ ش.
  9. ـــــــــــــــــــ ، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج25، قم، انتشارات صدرا، ط5، 1390 هـ ش.
  10. ـــــــــــــــــــ ، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج3 و6، طهران، انتشارات صدرا، ط8، 1380 هـ ش.
  11. ـــــــــــــــــــ ، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج2، طهران، انتشارات صدرا، ط9، 1379 هـ ش.
  12. مونتسكيو، شارل‌‌دو، روح القوانين، ترجمه إلى اللغة الفارسية: علي أكبر مهتدي، طهران، انتشارات أميركبير، ط8، 1362 هـ ش.
  13. نائيني، علي‌محمد، درآمدي بر مديريت فرهنگي، طهران، انتشارات ساقي، 1389 هـ ش.
(380)
  1. ويليامز، ريموند، «به‌سوي جامعه‌شناسي فرهنگ»، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيّدعلي مرتضويان، مجلة فصلنامه أرغنون، العدد: 18، خريف عام: 1380 هـ ش، الصفحات 251 ـ 274.
  2. Dixon, R. B.; The Building of Cultures; New York: Dodd, S. C., 1928.
  3. White, L. A.; The Science of Culture: A study of Man and Civilization; New York: Percheron press, 1949.
(381)
(382)

 

 

دور الثقافة في التدين وشبكة المعرفة الدينية[1]

قدرت الله قرباني[2]

يمتلك الإنسان بعض السمات الذاتية التي تمنحه طبيعة وخُلقًا محددًا، لكن بطبيعة الحال فالإنسان موجود ثقافي واجتماعي؛ تتبلور حياته ونظامه الفكري إلى حدٍّ ما داخل النطاقات الثقافية والاجتماعية، وتخضع لدرجة معينة لتغييرات تدريجية؛ لهذا السبب وضمن التأكيد على التأثير والدور البارز للثقافة في تكوين شخصية الإنسان، يمكن الإشارة إلى الإنسان بوصفه موجودًا ثقافيًا أيضًا؛ أي إن الإنسان موجود يتبلور نظامه الفكري الكلي وطبيعته السلوكية في قالب ثقافيٍ خاص، ويخضع للتغير والتحول. تأسيسًا عليه، تُعد المدنية والتحلي بالثقافة إلى جانب الاتسام بالعقلانية من أهم خصائص الإنسان. وفي الحقيقة تتبلور مدنية الإنسان المتمتع بمقدرة النطق والتفكير، في نطاق ثقافي خاص وحسب، ويصطبغ بلون تلك الثقافة؛ وتأسيسًا عليه تطرح دراسة تاريخ الحضارة، ثقافات تتسم بخصائص مختلفة ومتنوعة، أوجدت كل واحدة منها مجموعة إنجازات حضارية خاصة ومتباينة عن الأخرى. إذ تكمن أهمية هذا الموضوع في أنه حتى بعض مفكري العصر الجديد يخفضون الدين الإلهي والمُوحَى إلى مرتبة الدين الإنساني والثقافي.

(383)

وفي الواقع أفضى التركيز على الدور البارز لمتغيرات الثقافة المعرفية وغير المعرفية إلى ظهور استدلالات جديدة عن الدين والتدين، والتي تندرج في إطارات إنسانية. في هذا السياق يتحدث كانط عن الدين الأخلاقي العقلاني، ويعدُ بول تيليش أن أهم نتاج للدين في العصر الراهن يتمثَّل في محاولة تدارك الأجوبة اللاهوتية التي طرحتها الثقافة حيالها. وتعد لغة الدين هي لغة الإجابة عن أسئلة الإنسان الوجودية والاحتياجات والآلام الكامنة في الثقافة البشرية. ويدأب طالبًا من اللاهوتيين ربط رسالة الكتاب المقدَّس بوضع ثقافة عصرهم[1].

في هذا المقال، سنتناول من خلال منهج فلسفي متمايز نسبيًا، دراسة التأثيرات المختلفة للثقافة بمعناها الأوسع نسبيًا في التدين وشبكة المعرفة الدينية للإنسان؛ على الرغم من أن تأثيرات الدين والفكر الديني في الثقافة تشكِّل مقولة مهمة أيضًا لا يتسع لها المجال في موضوع بحثنا.

ينطلق المقال من فرضية مسبقة مهمة تقول بأن نظام تفكير الإنسان الكلي يخضع لتأثير شبكة الثقافة، ويدرس تأثير الثقافة بمعناها العام في التدين وشبكة المعرفة الدينية. يرجع سبب الاهتمام بدور الثقافة في تطور التدين وشبكة المعرفة الدينية إلى مشاهدة التنوع الواسع للتدين في مختلف مناطق العالم، والذي يبدو أن أهم عامل من عوامل وجود هذا التنوع والكثرة الدينية، يعود مرده دون أدنى ريب إلى اختلاف وجهات النظر والتنوعات الثقافية؛ وتأسيسًا عليه بالنظر إلى دور عامل الثقافة البارز في كُلية التدين وشبكة المعرفة الدينية، يُطرح هذا السؤال المهم حيال مدى هذا التأثير وحجمه؟ فهل الثقافة تؤثر في كلية التدين وشبكة المعرفة الدينية أم إن تأثيرها متغير بناءً على نوع الأديان ونوع الناس وظروف الزمان والمكان المختلفة، وهل غالبًا ما تكون مرتبطة بالهامش وتدور حول نظام التدين وشبكة المعرفة الدينية؟

(384)

للإجابة عن السؤال الآنف الذِّكر، في البداية يُقبل هذا التعريف للثقافة القائل: إن الثقافة عبارة عن مجموعة إنجازات الإنسان المادية وغير المادية أو المعرفية وغير المعرفية التي تبلورت في المجتمع وترتبط بسلوك الإنسان وفكره الكلي[1].

يمكن القول: إن أهم السمات الذاتية للثقافة تتمثَّل في ميزة أنها اجتماعية. وعليه تُبذل مساعٍ من خلال تشريح نظام التدين وشبكة المعرفة الدينية لإظهار أن تأثير الثقافة في كلية التدين جرى بشكل تشكيكي وتدريجي، وبدأ من هوامشها ليمضي قُدمًا باتجاه نواتها ومركزها. إضافة إلى أن تأثيرها في الهوامش والجوانب كان أكثر من جوهر شبكة المعرفة الدينية والتدين، كما أن التأثير في أكثر العناصر جوهريةً يحدث بصعوبة وندرة. طبعًا هذا الموضوع لا يستقيم على كل الأديان؛ لأن دور العوامل المعرفية يتسم بالأهمية حيال انخفاض دور الثقافة أو زيادته.

ماهية التدين وسماته وشبكة المعرفة الدينية

قبل إجراء دراسة حول كيفية ومدى تأثير الثقافة في التدين وشبكة المعرفة الدينية، من المناسب دراسة ماهية وخصائص التدين وشبكة المعرفة الدينية ومستوياتهما المختلفة، حتى يتسنى الحكم حول أي المستويات والطبقات في نظام المعرفة الدينية والتدين تمتثل لتأثيرات الثقافة، وإلى أي مدى يحدث ذلك. وهنا سنحاول في البداية تنحية الدين عن التدين وشبكة المعرفة الدينية. فمقصدنا من الدين، هو مجموعة الاعتقادات (المفاهيم) والأخلاقيات والأحكام الفردية والاجتماعية الدينية المرتبطة بسعادة الإنسان الدنيوية والأخروية؛ في حين أن محور فاعلها وغائيتها هو الله. وتأسيسًا على هذا التعريف، أولًا فالدين يتألف من اعتقاد أو مجموعة اعتقادات ومفاهيم ترتبط بحقيقة ماورائية ومتعالية؛ كما أن هذه المفاهيم تشكِّل أصل الدين وحقيقته، وتتضمن

(385)

أيضًا قسمين آخرين أي الأخلاقيات والأعمال العبادية والاجتماعية. تُظهر محورية الاعتقادات أي المفاهيم الاعتقادية في التعاريف الآنفة أنه إذا لم يتحقق الاعتقاد أو المفهوم الاعتقادي حيال الحقيقة المتعالية في الإنسان، فلن تظهر الرؤية الدينية فيه، وأن أعماله وسلوكياته هي نتاج لكيفية اعتقادات الإنسان المتدين ونظامها؛ لأن هذه الاعتقادات الدينية هي التي تهيئ الإجابات اللازمة للإنسان إزاء أسئلة عقله الرئيسة، وكذلك ترسم كيفية الحصول على خلاصه وسعادته النهائية؛ ثانيًا إيلاء العناية في هذا التعريف لأهمية مجموعة الاعتقادات في تبلور نظام ديني، ليس مجرد اعتقاد وحسب؛ أي إن الدين ليس مجرد اعتقاد صِرْف بحقيقة متعالية مثل الله، بل هو نظام ومجموعة اعتقادات حوله، تمتلك بالنسبة لبعضها تقدمًا وتأخرًا وشدة وضعفًا ومراتب كمالية، وتخلق في الإنسان نوعًا من الالتزام الباطني والأخلاقي بتلك الاعتقادات. كما أن للاعتقادات الدينية مجموعة منشورية وشبكية تقوم بينها علاقات طولية وتارةً عرضية، أي يمكن عدّها تشكيكية[1].

ومن لوازم هذا التعريف، تنحية الدين أو تلك المفاهيم الاعتقادية عن المعرفة الدينية والتدين. وفي هذا السياق مثلًا يعدُّ القرآن الكريم بالنسبة لكل المسلمين، والكتاب المقدَّس بالنسبة للمسيحيين مساويين لنص الدين وأصله، ويحظيان لدى المؤمنين بتلك الأديان بالحيثية والاعتبار الكامل.

إذن فنص الدين بذاته منفصل عن التدين وشبكة المعرفة الدينية؛ بينما شبكة المعرفة الدينية هي مجموعة الأفهام والتفاسير التي يمتلكها المتدينون منذ بداية سُنة دينية حتى الآن من نصوص الدين الأصلية ومفاهيمه الاعتقادية؛ على سبيل المثال تفسر مجموعة أفهام المسلمين وتفاسيرهم للقرآن وسنة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والشيعة حول الأئمة المعصومين عليهم‌السلام منذ ظهور الإسلام حتى الآن، تفسر شبكة المعرفة الدينية

(386)

للمسلمين والشيعة. إذن ثمة تباين مهم بين الدين وشبكة المعرفة الدينية؛ على نحوٍ يكون فيه تأثير الثقافة المقصودة يتمحور في غالبه حول التدين وشبكة المعرفة الدينية وبدرجة أقل بكثير حول المفاهيم الدينية والنصوص الأصلية للدين المُبتغى. طبعًا في السنن الدينية المختلفة، لا تمتلك كل النصوص الدينية درجة الاعتبار والمكانة نفسها؛ مثلًا منزلة القرآن مطلقة لدى المسلمين، بيد أن السنة وكلام الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة الأطهار عليهم‌السلام  تكون معتبرة طالما كان صدروها عن النبي والأئمة المعصومين قطعيًا.

وعليه فالتدين وشبكة المعرفة الدينية هما مجموعة الأفهام والتفاسير والأعمال الدينية المختلفة التي يمتلكها المؤمنون في سنة دينية خاصة حول كُليّة مفاهيمهم الدينية. ويمكن أن تشكّل كلية هذه الشبكة فهمهم أو تعريفهم لذلك الدين. وفي هذا السياق على الرغم من وجود تعاريف وأفهام متباينة حول الدين والنصوص الدينية، في المحصلة يمكن القول: إنه ثمة متغيرين اثنين يشكّلان بنية التدين وشبكة المعرفة الدينية وهما: 1. نوع بنية الاعتقادات؛ 2. الأعمال والشعائر العبادية[1]. إضافة إلى أن كل واحد من هذين المتغيرين اللذين يشكّلان بنية التدين وشبكة المعرفة الدينية، يتمتعان بماهيتهما ووظيفتيهما الخاصة. تفسر الاعتقادات التي تتمتع بجانب نظري أكثر، كيفية رؤية الإنسان المتدين إلى الله، وإلى نفسه وإلى العالم ولا سيما علاقة الله بالإنسان والعالم. وتضطلع المعتقدات الدينية كذلك بدور تأسيسي للشعائر والأعمال أو الأحكام العبادية؛ أي تقوم بتحديد ماهية ونوع الأعمال العبادية والأحكام الدينية وكيفيتها ونتائجها. وتأسيسًا على ذلك تؤسس الاعتقادات الدينية في العقائد الإلهية والسنن الدينية الأصول المهمة لتلك السُّنة الدينية، وتتشكّل بقية الأحكام والشعائر المبنية عليها وحولها كما تتغذّى منها[2].

(387)

تظهر أهمية الشعائر والأعمال والأحكام العبادية جلية للعيان أيضًا. فهي نتاج لنوع المعتقدات والاعتقادات الدينية، وتتبلور بناءً على كيفية الاعتقادات الدينية. تشكّل الأعمال العبادية مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد والإنفاق والإيثار والشهادة ومساعدة المحتاجين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إقامة مجالس العزاء والزيارات وأمثالها، أنموذجًا عن الأعمال والأحكام العبادية الإسلامية المبنية على نظام الاعتقادات الإسلامية، والتي تتباين بالطبع عن النظام العبادي المسيحي واليهودي. ففي المسيحية ثمة أعمال عبادية أيضًا من قبيل الدعاء والتضرع ومراسم العشاء الرباني وغسل التعميد ومراسم الاعتراف بالذنب وأمثالها، يمكن ملاحظة أنها تبلورت بناءً على أساس نظام الاعتقادات المسيحية[1].

وراهنًا يمكن الأخذ بعين الحسبان وجود علاقة شبكية بين هذين المستويين من المعرفة الدينية، أي نوع نظرتنا إلى الاعتقادات والأعمال والشعائر العبادية؛ تشكّل الاعتقادات في التدين وشبكة المعرفة الدينية المتضمنين المتغيرين الآنفي الذكر، مكانة الجوهر والمركز وكذلك الأعمال العبادية والشعائر الدينية، بوصفها مفسِّر نوع التدين، والمكانة المحيطة، ومن ثم الهامش وأطراف شبكة المعرفة الدينية.

يُوضِّح نظام التدين وشبكة المعرفة الدينية حقيقة أن الشعائر والأعمال العبادية ترتبط إلى حدٍّ كبير بنوع الاعتقادات الدينية وكيفيتها، لكن الاعتقادات الدينية مستقلة عن الاثنين أي الشعائر والأعمال والأحكام الدينية[2]. وتكمن النقطة الأهم هنا في أن الاعتقادات والشعائر والأعمال العبادية تتمتع بحدِّ ذاتها بمستويات وطبقات تشكيكية مختلفة أيضًا. والمراد من أن مستويات الاعتقادات الدينية تشكيكية يتمثَّل في أنها لا تحظى من الناحية المعرفية والمرتبة الوجودية بالمكانة ذاتها؛ بل إن بعض

(388)

الاعتقادات تحوز مرتبة وجودية أسمى وتستأثر بمكانة معرفية أمثل. لتحل في المرتبة التالية أيضًا الاعتقادات التي تتموضع في منزلة وجودية ومعرفية أقل وأدنى؛ بتعبير آخر لأن نظام الاعتقادات الدينية تشكيكي، مثل التشكيك في حقيقة الوجود والذي تتمتع فيه الاعتقادات الأساسية بمكانة عقلانية أسمى ومرتبة وجودية أعلى. وعليه فإن الاعتقادات الوسطى، ومن ثم الاعتقادات الهامشية تتمتع بمكانة معرفية- عقلانية ووجودية أدنى. ويمكن أخذ هذه العلاقة نفسها بعين الحسبان بالنسبة للأعمال والشعائر العبادية أيضًا؛ أي يمكن في النظام الكلي لأحد الأديان إيجاد أعمال وشعائر مختلفة تقوم بينها علاقة تشكيكية وسلسلة مراتبية (هرمية). بناءً عليه ففي نظام الاعتقادات الدينية والتدين، يمكن إيجاد ثلاثة مستويات مختلفة من الاعتقادات الأساسية والوسطى والهامشية، وكذلك الشعائر والأعمال الأساسية والوسطى والهامشية الدينية[1]. على سبيل المثال الإيمان بالله ويوم القيامة، يعدُ من صلب الاعتقادات الأساسية، ويندرج الإيمان بالصفات الإلهية، وكيفية الجنة والنار وأمثالها في مجموعة المعتقدات الوسطى، كما يصنَّف الإيمان بقدسية الأشخاص والأمكنة والأزمنة في مجموعة الاعتقادات الهامشية.

حول الشعائر والأعمال الدينية الأساسية، يمكن الإشارة إلى أمور مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد المُصرَّح بها في نص الدين. ويمكن أن تتضمن الأعمال الدينية الوسطى تنوع الأداء المتعاظم للمتدينين حول كيفية القيام بهذه الأعمال أو الأعمال الأخرى كالخمس وإقامة مجالس العزاء، وتعظيم الأموات ونظيرها. كما أن مجموعة الأعمال والشعائر الدينية بأشكالها المتباينة في مناطق جغرافية مختلفة، يمكن عدّها من جنس الأعمال والشعائر الدينية الهامشية. ومن بين الحالات المهمة لهذه الأعمال الدينية الهامشية يمكن الإشارة إلى تنوع مجالس العزاء

(389)

والاحتفالات المذهبية، وتعدد أشكال زيارة البقاع المباركة، وتفاوت تضرع الناس وتوسلهم بالأشخاص والأمكنة والمواقع بغية قضاء الحاجات والاحتياجات المادية والمعنوية، وتنوع الأدعية والابتهالات والحاجات الدينية وأي نوع من الشعائر الدينية المتناسبة مع الأمكنة الجغرافية الخاصة بها، تتمتع بشكلها الخاص والمختلف.

في الحقيقة يُفضي تأثير عامل الثقافة بمعناها العام إلى أن تتمتع كيفية تدين الناس ولا سيما الأعمال العبادية والشعائر الدينية على امتداد القرون المتعاقبة وفي مختلف المناطق، بتنوعات واختلافات بارزة؛ لأن الناس يختارون تباعًا طرق تدين مختلفة بما يتناسب مع المعيشة والنظام الثقافي حتى يحققوا أغراضهم وأهدافهم الدينية المنشودة. ويتمثَّل الشاهد المهم لهذا الطرح في تنوع طرق الزيارة ومجالس العزاء وتعظيم الأموات وأكابر الدين في مختلف الأديان على امتداد القرون المتواترة وفي مناطق مختلفة. ومن بين كل الشواهد ثمة شاهد أشد وضوحًا يتمثَّل في تنوع الطرق المختلفة لإقامة مجالس العزاء للإمام الحسين عليه‌السلام في المجتمعات الشيعية بدءًا من القرون المنصرمة حتى الوقت الراهن في مختلف المجتمعات الشيعية. في نهاية المطاف تنوع الطبقات الثلاثية للاعتقادات والشعائر الدينية لا يعني أن لها مصدرًا غير ديني، بل يعني أن جميعها دينية وتتغذى من النصوص والمفاهيم الدينية، لكن مستوى ومعدل تغذيتها من النصوص والمفاهيم الدينية يختلف وفقًا لمكانتها التشكيكية؛ وعليه تتمتع الاعتقادات والأعمال العبادية والشعائر الأساسية بشكل مباشر وفي مستوى أسمى بسمة دينية، لكن مستوياتها الوسطى -ومن ثم الهامشية- تتناسب مع مستواها التشكيكي، فمعدل نسبتها إلى النصوص والمفاهيم الدينية ينخفض، وفي المقابل تتأثر بشكل أكبر بمقتضيات الثقافة وظروفها.

(390)

كيفية ارتباط التدين وشبكة المعرفة الدينية بالثقافة

راهنًا وبعد توضيح التنوع الشبكي والسلسلة المراتبية والتشكيكية لنظام الاعتقادات الدينية، يتمحور موضوعنا الرئيس حول أن أكثر مستويات الاعتقادات المختلفة والأعمال والشعائر الدينية والعبادية تخضع بدرجات مختلفة لتأثير عامل الثقافة المهم للغاية. وانطلاقًا من أن الإنسان موجود ثقافيًا، يبدو أن الثقافة تعمل عمل الفلتر والإطار الضروري والأساس، إذ تعبُر كل ممتلكات الإنسان المعرفية واعتقاداته الدينية من مصفاة هذا الفلتر، ولا جرم يعلق بها مؤثرات، وتتخذ صبغة ثقافة الزمان والمكان المتعلق بها؛ بعبارة أخرى: إذا اعتبرنا أن الثقافة تشمل الإنجازات المادية وغير المادية والمعرفية وغير المعرفية للإنسان على امتداد التاريخ، فنظام شبكة المعرفة الدينية للإنسان تبلور تمامًا داخل شبكة الثقافة هذه، وطرأ عليه تغييرات وتحولات؛ لهذا السبب نلحظ في تاريخ تطورات أديان مثل الإسلام والمسيحية أن الانتشار التاريخي لهذين الدينين على امتداد القرون السالفة في آسيا وأوروبا وأفريقيا متأثر بالثقافة الخاصة لشعوب هذه القارات، ما أفضى إلى تكوّن أفهام متمايزة حول الإسلام والمسيحية في أشكالهما المختلفة؛ على نحوٍ  اليوم على الرغم من أن المؤمنين بهذه الأديان تجمعهم مشتركات رئيسة وكثيرة، لكن في الوقت نفسه يفرِّقهم اختلافات وأوجه متمايزة تتسبَّب في انقسامهم عن بعضهم.

ملاحظة هذه التباينات البارزة للاتجاهات الدينية في مختلف نقاط العالم، تجعلنا في مواجهة سؤال يُطرح حول سبب كل هذه الكثرة والتنوع الديني بين سكان العالم؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال، وهنا ضمن التأكيد على الدور المؤثر للثقافة في الأفهام والأعمال الدينية المختلفة للمتدينين، فإن عامل الثقافة أيضًا يُقسم إلى قسمين اثنين هما العامل المعرفي، والعامل غير المعرفي. ويتمثَّل المراد من العامل الثقافي المعرفي في الأفهام المختلفة لشعوب العالم حول العوامل المعرفية مثل العقل

(391)

والتجربة والشهود والاستقراء والطبيعة والتاريخ ونظائره ودورها في الأفهام المتكثرة وكيفية تكوين التدين وشبكة المعرفة الدينية. فالمتغيرات مثل العرق والإثنية واللغة والعادات والتقاليد، والاختلافات المناخية والمواطنة والمعيشة وسبل العمل والطبقة الاجتماعية والمكانة الوظيفية تعد من جملة حالات العامل الثقافي غير المعرفي، التي تصنع وتصقل فهم المتدينين للتدين وشبكة المعرفة الدينية. بالمناسبة أدى الدور البارز لهذه العوامل وتنوعها اللانهائي في مختلف مناطق العالم على امتداد التاريخ إلى ظهور أفهام وشعائر دينية لا حصر لها؛ على سبيل المثال على المستوى الإجمالي، فإن فهم شعوب بلدان مختلفة للإسلام المنتشر في إندونيسيا وتركيا ومصر والسعودية وسورية على الرغم من أن أغلبيتهم من أهل السنة، متباين فيما بينه. كما أن فهم شيعة إيران ولبنان وباكستان والعراق واليمن لكلية مذهب الشيعة ليس فقط غير متساوق، بل أصبح متنوعًا ومتعددًا أيضًا.

يمكن ملاحظة هذه الكثرة في الأفهام الدينية في نطاقَي المكان والزمان بدقة؛ أي إن الاختلافات الزمانية والمكانية أيضًا أصبحت تشكّل عاملين مهمين يفضيان إلى تباين الأفهام الدينية وتديّن المتدينين؛ مثال ذلك في إيران، لم يكن فهم الناس في عصر الصفوية والقاجارية والبهلوية والمرحلة المعاصرة لكلية التدين الشيعي، وحتى لنوع شعائرهم الدينية متماثلًا، ولا يزال كذلك. ويُلاحظ هذا التباين في الفهم والعمل حتى بين علماء المراحل الزمنية المشار إليها أيضًا؛ إذ طرأ على فهم علماء الدين لمذهب الشيعة منذ الصفوية حتى الآن تغييرات كثيرة، ويمكن ملاحظة نموذجه الأبرز في الفقه والكلام الجديد. كما لا يمكن إنكار دور عامل المكان أيضًا؛ يعني حتى في مرحلة زمنية معينة، يكون الفهم الذي يمتلكه المتدينون حول سنة دينية ما مختلفًا حول كليّة تلك السنة. وفي الحقيقة أدت التأثيرات المتعاظمة لعوامل الثقافة غير المعرفية أي العرق والعادات والتقاليد المحلية والإثنية والجنسية والطبقة

(392)

والفوائد الوظيفية والمناخ وأمثالها، إلى أن تنصبغ عقائد إحدى السنن الدينية بصبغة تلك العوامل وتظهر بلون الثقافة المرتبطة بها. إذ يمكن تقفي أثر النموذج البارز لتنوع الأفهام وكثرة الشعائر الدينية في كيفية النظرة إلى الانتفاضة العاشورائية في إيران والاحتفاء بها. حيث إن الاسْتِئْنَاس التاريخي للشعب الإيراني بانتفاضة عاشوراء وانتشارها المتعاظم في مختلف جوانب حياة شيعة إيران، قاد تدريجيًا إلى ظهور شعائر عاشورائية مختلفة في النطاق الجغرافي لإيران.

وتأسيسًا عليه فإن أخذ الدور المؤثر لعوامل الثقافة المعرفية وغير المعرفية في كُلّيّة نظام الاعتقادات الدينية بعين الحسبان، يجعلنا تقريبًا إزاء ظاهرة ثقفنة التدين، وكذلك علمنة الدين، حيث إن لكل منهما سماته الخاصة. وهنا ضمن دراسة سمات هاتين الظاهرتين، سنوضح ما حدودهما، وإلى أي مدى يمكن الدفاع عن علمنة الدين والتدين وثقفنتهما؟ إذ إن الإجابة عن هذا السؤال سيمنح وضوحًا أكبر لبحثنا حول مدى تأثير الثقافة في التدين وشبكة المعرفة الدينية.

سمات التدين الثقافي

قلنا: إن التأثير المتعاظم والواسع النطاق للمتغيرات المعرفية ولا سيما غير المعرفية للثقافة على التدين وشبكة المعرفة الدينية، أفضى تباعًا إلى ظهور ظاهرة التدين الثقافي. وفي التتمة سنحاول دراسة سمات هذه الظاهرة ومستوياتها.

يمكن أن يضارع التدين الثقافي معنى عدم الانسياب الكامل والصِرف للدين في كل طبقات المجتمع، على نحوٍ يفضي فيه إلى انزواء أو علمنة أو تفسير الدين والمؤسسات الدينية دنيويًا. طبعًا يتعيّن معرفة التدين الثقافي بمعزل عن التدين الفقهي. فالقيود التي تُشاهد في التدين الفقهي، لا مكان لها في التدين الثقافي؛ وعليه في التدين الثقافي انطلاقًا من أن الدين يجري في محيط ثقافة المجتمع يشكّل أمرًا يرتبط بكل الناس وبرؤى ثقافية مختلفة. إذن فأي نوع من الجدل يدور حول المباحث

(393)

الدينية مثل الجدل المطروح في فلسفة الدين، لا يشكّل خطابًا موجَّهًا للروحانية وحسب، بل هو خطاب لكل فئات المجتمع. ومن السمات المهمة الأخرى للتدين الثقافي مواكبته للحداثة والثقافة الحديثة، إذ يعد جزءًا من ابتكاراتها، ويضطلع بدور بنّاء في إحداث التغييرات؛ وعليه يعد منهج التدين الثقافي، الدينَ مرتبطًا ومماشيًا لتغيرات ثقافة الحداثة الجديدة وتحولاتها، ويعد في الأساس هذه السمة من سمات التدين الثقافي الإيجابية[1].

وحول عوامل التدين الثقافي يمكن الإشارة أيضًا إلى جزء من العوامل والفضاءات بوصفها مقومات التدين الثقافي؛ بما فيها عوامل مثل الخُلق ورأس المال الثقافي والمحيط، والتي يمكن أن تؤثر في تبلور التدين الثقافي. فالمحيط هو المقولة التي بوسعها أن تؤثر بشكل أكبر في الصور المتجرِّدة وتجسيم الدين؛ وانطلاقًا من ذلك يمكن للمناسك والأنشطة العبادية الجماعية أن تحظى في محيطات مختلفة بصور متنوعة. يدفعنا مفهوم الخُلقة أيضًا لتفسير التدين على أساس الطبقات الاجتماعية المختلفة؛ بيد أن مفهوم رأس المال الثقافي وتمتع مختلف الأشخاص به، يعد عاملًا رئيسًا في تصنيف التدين الثقافي[2]. بالارتكاز على مسألة تأثير العوامل السالفة يمكن تقسيم التدين إلى شكلين رئيسين هما: تدين العامة وتدين النخب. ففي تدين النخب، يضطلع العقل بدور محوري في فهم الدين وتصديقه، لكن في تدين العامة، أصبحت كليات العقائد الدينية أو الروايات المقبولة جزئيًا علاوةً على الإدراك البسيط والقائم طبعًا على الذوق أشد بروزًا، وليس ثمة أمارة على التدبر والتعمق العقلي العلمي[3]. في الحقيقة يشكّل تدين العامة مثالًا صارخًا على التدين

(394)

الثقافي أو التفسير الدنيوي للدين، حيث يطرأً فيه على الشعائر والآداب الدينية المبنية على الأخلاق الدنيوية والإثنية والثقافية تغييرات، ويجري تباعًا طرح تعريفها مجددًا. وفق رأي غيرتز؛ يمثِّل تدين العامة الثقافي نوعًا من الوعي الجمعي الذي يكون بمنزلة نظام ثقافي يتعيّن البحث عن الدين فيه على مستوى الكتلة الاجتماعية. ويتسم هذا النوع من التدين بسمات خمس رئيسة وهي عبارة عن:

1. البساطة: يُظهر هذا الوعي الماهيات بوصفها وجودًا بسيطًا، ويفسِّر ماذا تكون ببساطة.

2. العملياتية: بناءً على هذه الميزة، فالوعي الجمعي يخبرنا ماذا نحتاج لنمضي قدمًا.

3. السطحية: بناءً عليه يخبرنا الوعي الجمعي أن ما يكون في الظاهر صحيحًا، فإذن في الحقيقة هو صحيح أيضًا.

4. افتقاد المنهجية: هذا النوع من الأفكار النظرية ليست دقيقة، ولا تقوم على أساس الفكر.

5. إمكانية الاكتساب: بوسع أي كان، وينبغي له اكتسابها[1].

الأهم أن تدين العامة يحاول تبسيط الحقائق. البساطة في البعد المعرفي، ويهتم بتبسيط الإدراك الديني والعقائد المرتبطة بالدين. كما أن تدين العامة تطبيقي وعملي يتطلّع إلى حل مشكلاته من خلال أداة، ويطرح سبلًا في المتناول؛ لكن من الممكن أن يتمسّك في سبيل حل مشكلاته فقط بالأدوات المطروحة في هذا الوعي الجمعي، ويمتنع عن التطرق إلى جذور القضية وأصولها. لا يسعى تدين العامة إلى دراسة الوقائع والحقائق وتمحيصها، بل يصدق على الشيء الذي يراه صحيحًا في الظاهر (السطحية). لأن الاعتقاد الجمعي سطحي؛ وفي هذه الحالة لا يكون الاعتقاد نظريًا

(395)

متمتعًا بدقة استثنائية (افتقاد المنهجية). وتتمثَّل آخر سمة من سمات تدين العامة في سهولة الاكتساب أيضًا (إمكانية الاكتساب)؛ أي بوسع أي كان أن يصل بسهولة إلى مثل هذا الاعتقاد، وليس ثمة حاجة لبذل مجهود عقلي كبير من أجله[1].

الثقافة وعلمنة الدين

أُستفيض سابقًا في توضيح أن أحد أشكال تأثير الثقافة في شبكة التدين يمكن أن يتجسَّد في قالب علمنة الدين. وهنا المراد في الأغلب من العلمنة هو تأثير متغيرات الثقافة المعرفية في نظام الاعتقادات الدينية ومستويات التدين. ويتجلّى هذا الأمر بوضوح على الأخص بظهور الحداثة وتبلور مكوناتها الفلسفية. إذ ثمة حالات مثل تأكيد الحداثة على مركزية الإنسان والعلمانية والدنيوية، وتعريف هذا العالم للسعادة ومعنى الحياة والأخلاق البشرية. في نهاية المطاف أصبحت تنتج رؤية علمانية جديدة إلى الدين. في هذا المنهج، علمنة الدين تعني الآلية التي من خلالها يخضع نطاق نفوذ الدين وميادينه تباعًا لسيطرة العرف، ويُقتاد الدين خطوة إثر خطوة ومرحلة تلو أخرى إلى هامش المجتمع، ويمسي حبيس دخيلة الفرد وعزلة المعابد[2].

وفق المناهج الجديدة فيما يختص بالعلمنة، ولا سيما في العقائد المسيحية، يكون مفهوم العلمنة بمعنى سقوط مكانة الدين وأهميته إلى جانب نوع من أنواع الانتقال من ما وراء الطبيعة إلى الطبيعة، ومن الله إلى الإنسان، ومن الإيمان إلى العقل[3].

وهنا التركيز على البلوغ العقلي للإنسان يفضي إلى انتفاء الحاجة تباعًا للدين، ويتسبَّب التأكيد على مركزية الإنسان بالسهو التدريجي عن دور الله، كما أن انصباب الاهتمام على السعادة والأخلاق الدنيوية يقود إلى إغفال السعادة الأخروية

(396)

والأخلاق الإلهية ذات النزعة الروحية. في المحصلة إما يجري تهميش الدين بشكل كامل أو يتخذ وظيفة ثانوية ضمن قالب اعتقاد شخصي للأشخاص وحسب.

كما ينبغي التأكيد على أن التكنولوجيا الناتجة عن الحداثة تشكّل بالنسبة لنفسها ثقافة، بل أنتجت ثقافة متفوقة، لم تؤثر في كل جوانب حياة الإنسان المعاصر وحسب، بل أحدثت تغييرات وتطورات كبيرة فيها. وفي هذا المجال وبشكل طبيعي لم يبقَ تدين العامة في مأمن من تأثيرات الثقافة المتفوقة الحديثة، ولم تتغير وظيفته وحسب، بل في بعض المَواطن إما اجتثَّ بالكامل أو جرى طرحه مجددًا وفق مكونات الثقافة الحديثة المتفوقة. في الواقع تضطلع الثقافة المتفوقة بدور خلق القيم والرؤى الكونية والإيديولوجيات التي نحتاج إليها وتُملي علينا العيش والتفكير ضمن إطار المعايير التي تحدِّدها لنا.

ووفقًا لأحد المفكرين الغربيين، فنحن نعيش ونتحرك في ركب هذه الثقافة العظمى المتفوقة، وتُنجز كل أعمالنا في سياقها. وتمثِّل الثقافة المتفوقة واقعًا ثقافيًا جديدًا ومرحلة ما بعد الحضارة، وتحظى بأهمية بالغة[1].

في المحصلة، فمن نتائج تأثير المتغيرات المعرفية للثقافة في التدين وشبكة المعرفة الدينية بروز ظاهرة علمنة الدين، والتي تسبَّبت في الواقع بتهميش الدين في الحياة الإنسانية، وتحوله إلى مؤسسة إلى جانب المؤسسات المدنية الأخرى؛ بوصف آخر يشكّل تقلص دور الدين إلى المجال الفردي والعبادي المحض إحدى نتائج علمنة الدين التي تحدث في ضوء تأثير متغيرات الثقافة المعرفية؛ بيد أنه من تبعات تأثير متغيرات الثقافة غير المعرفية وأحيانًا المعرفية، ظهور دين ثقافي، تتبلور فيه ماهية الدين ووظيفته في ضوء المتغيرات المُشار إليها ويتقبّل تغييراته الخاصة.

(397)

مستويات تأثير الثقافة في التدين وشبكة المعرفة الدينية

ربما تعزِّز الموضوعات المثارة سالفًا حول التأثير المتعاظم لمتغيرات الثقافة المعرفية وغير المعرفية في التدين وشبكة المعرفة الدينية، التكهن القائل بأنه نتيجة التأثر بالثقافة تكون كل أبعاد التدين ومستوياته قابلة للتغيير وحتى الاضمحلال. وهنا بهدف التمحيص الدقيق حول هذه القضية، أولًا ينبغي فصل مكانة الأديان الإلهية عن الأديان غير الإلهية، وكذلك فصل مكانة النصوص الدينية عن مكانة الأفهام وتفسيرات المتدينين لتلك النصوص، وفصل مستويات الاعتقادات المختلفة والشعائر والأعمال العبادية عن بعضها أيضًا.

تُظهر التجربة التاريخية لازدهار المعرفة البشرية وتكامل العقل الإنساني وتاريخ الأديان أن الأديان الإلهية والأديان غير السماوية التي تتمتع بجوانب روحية وسامية خليقة بالاهتمام، وقلما تخضع لتأثير المتغيرات الثقافية، بيد أن الأديان الجزئية وذات النزعة الطبيعانية بالكامل و«المأنسنة» و«المحيونة» والمادية، كثيرًا ما خضعت لتأثير العوامل الثقافية. كما أن ما يخضع من الدين بشكل رئيس لتأثيرات الثقافة، هو التدين وفهم المتدينين للنصوص الدينية، وعلى ما يبدو فالنصوص الدينية قلما تتعرض لمثل هذه التغييرات. إذ يفسِّر مآل الأديان الثلاثة الإسلام والمسيحية واليهودية التأثر بالنصوص الدينية، وكذلك فهم المتدينين وتدينهم للظروف والمتغيرات الثقافية. ويشكّل ظهور نسخ مختلفة من العهد القديم لليهود طرأت عليها تغييرات تدريجية على امتداد القرون المنصرمة وتدوين أكثر من 150 نسخة مختلفة عن الإنجيل والتي تظهر بينها تباينات بارزة، وكذلك إنتاج كم وفير من الأحاديث والروايات الإسلامية المنسوبة إلى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة المعصومين عليهم‌السلام  يشكّل نموذجًا وحسب على هذا التأثر بالعوامل الثقافية المعرفية وغير المعرفية، وكيفية تدوين مختلف النصوص الدينية للأديان. طبعًا في هذا الحقل، يتمثَّل الاستثناء الأوحد

(398)

وفقًا لاعتقاد المسلمين في عدم وقوع تحريف في كتابة القرآن وضبطه بوصفه كتاب الإسلام المُوحى به[1]، بينما لا يذهب المسيحيون واليهود إلى مثل هذا الادعاء[2]. وهنا إضافة إلى الاهتمام بهذين النوعين من التأثير، يجري التركيز وإيلاء الاهتمام أكثر للنوع الثالث؛ أي ما يعنينا في نهاية المطاف، هو تأثيرات العوامل المعرفية وغير المعرفية للثقافة في مستويات التدين وفهم المتدينين للنصوص الدينية، والتي تبلور رؤيتهم الكونية الدينية. على الرغم من أن مستوى هذه التأثيرات ومعدلها في المعرفة الدينية ومستويات تدين المؤمنين ليست متشابهة، بل تزداد لدى الدهماء وتنخفض عند علماء وعقلاء الدين. وفي الحقيقة تنصبُّ المساعي لإظهار المستوى الذي بلغته تأثيرات الثقافة على الاعتقادات والشعائر والأعمال العبادية للمتدينين، والتغييرات التي أحدثتها فيها.

من دون ريب تأثيرات الثقافة في القسمين؛ التدين وشبكة المعرفة الدينية، أي الاعتقادات والشعائر والأعمال العبادية محرزٌ ومحتم. وهنا يجري الحديث حول تباين مستوى التأثير، إذ يكون في بعض المَواطن إيجابيًا، وفي بعضها الآخر سلبيًا، ولفهم هذا التفاوتات في البداية يتعيّن إيلاء الاهتمام للتقسيم الوارد آنفًا حول المستويات الأساسية والوسطى والهامشية للتدين وشبكة المعرفة الدينية أو بتعبير آخر، جوهرها وأطرافها وجوانبها. ووفقًا لهذا التقسيم، فالجوهر (النواة) أو المستويات الأساسية لنظام الاعتقادات الدينية في العموم قلما تتعرض للتأثيرات الثقافية. فاعتقادات مثل الايمان بالله وعالم الآخرة، بسبب الاشتراك بين الأديان الإلهية وبعض الأديان غير الإلهية، وكذلك بسبب التساوق مع العقل والفطرة البشرية تقريبًا قلما تعرّضت للتغييرات على امتداد التاريخ؛ على سبيل المثال حتى مع تصرّم القرون المتمادية على

(399)

ظهور الأديان الإلهية وغير الإلهية، اليوم ثمة الكثير من الناس في العالم لديهم مثل هذه الاعتقادات الإلهية، وفي العادة يتمسكون في حياتهم بها. إذ يشير هذا الأمر إلى معقولية ومقبولية هذه الاعتقادات وشموليتها، وأن التنوع واختلاف الآراء الثقافية لمختلف شعوب العالم لم يكن مؤثرًا كثيرًا في كيفية فهمهم لوجود الله والحياة الأخروية[1]؛ لكن بطبيعة الحال هجرة بعض الأشخاص من السنة الألوهية إلى سنة الإلحاد وبالعكس، تعد في هذا السياق استثناءات. كما أن مساعي بعض المتدينين بغية الحفاظ على دينهم وتعزيزه عن طريق الهجرة والمجاهدة الدينية تسترعي الاهتمام أيضًا. في الواقع أفضت التسليمية والعقلانية والتناغم مع الفطرة البشرية إلى حدوث استقرار نسبي لهذه المجموعة من الاعتقادات الدينية.

فيما يختص بالتدين، أي الأعمال والشعائر الأساسية، على الرغم من صعوبة إمكانية إيجاد حالات مشتركة بين الأديان، لكن يمكن ذكر نماذجها داخل السنن الدينية؛ حالات مثل وجوب الصلاة والصيام والحج والزكاة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنفاق وما إلى ذلك، تقريبًا يمكن عدّها من الأعمال والشعائر المشتركة بين مختلف الاتجاهات الإسلامية، حيث إن وجوبها يظهر ميزة أنها أساسية؛ أي إن أكثر فرق المسلمين يؤكدون على الدور الأساس لهذا النوع من العبادات، على الرغم من وجود اختلاف في الرأي بينهم حول كيفية العمل بها؛ لكن الأقسام الوسطى في شبكة المعرفة الدينية التي تشمل الاعتقادات والأعمال والشعائر العبادية، قياسًا بالقسم الأساسي، كثيرًا ما وقعت تحت تأثير الظروف الثقافية المعرفية وغير المعرفية. في هذا المجال يمكن أخذ الاعتقادات والشعائر الدينية المختلفة بعين الحسبان. وثمة حالات مثل الصفات والأفعال الإلهية، علاقة الذات وصفات الله وتنوع الصفات وعلاقتها ببعضها، علاقة الله بالعالم والإنسان،

(400)

دور الله في أفعال الإنسان والعلم الإلهي وعلم الله بالموجودات وبراهين إثبات وجود الله، والتوحيد النظري والعلمي، والتوحيد الذاتي والصفاتي والأفعالي، التوحيد العملي والتوحيد العبادي، الإرادة الإلهية والكلام الإلهي، حدوث وقدم القرآن بوصفها كلامًا إلهيًا، الصفات الثبوتية والسلبية لله، القضاء والقدر؛ تندرج في مجموعة الاعتقادات الوسطى التي تبلورت إلى حدٍّ ما متأثرة بالمتغيرات الثقافية المعرفية وغير المعرفية، وتتعرّض للتغييرات أيضًا[1].

تُوضح دراسة تاريخ الفرق والاتجاهات الإسلامية والمسيحية المختلفة، دور الثقافة في كيفية فهم هذا النوع من الاعتقادات الدينية وتفسيره؛ مثال ذلك، في المسيحية قادت الاختلافات الجغرافية بين فلسطين واليونان وروسيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا إلى تعدد الأفهام حول الاعتقادات المشار إليها آنفًا في السنة المسيحية، والتي بدورها أفضت إلى ظهور ثلاث سنن وهي الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية. إذ تشكّل السجالات الطويلة حول مكانة المسيح وعقيدة الخلاص والتثليث والكفارة بين مختلف الاتجاهات المسيحية في أزمنة وأمكنة مختلفة، نماذج بارزة على تأثيرات العوامل الثقافية في التدين وفهم المتدينين للدين. كما أن مجاورة الإسلام للثقافة الهندوسية في الهند والثقافات الشرقية في ماليزيا وإندونيسيا، والثقافة الأمريكية في أمريكا والثقافة اليونانية في شرق أوروبا، وثقافة الشرق الأوسط في آسيا، جعل شعوب تلك البلدان تدريجيًا متأثرة ثقافيًا بتعاليم الإسلام على نحوٍ يمكن فيه بجلاء على مستوى الاعتقادات الوسطى المذكورة لمس تفاوت التدين وفهم متديني شعوب تلك البلدان؛ على سبيل المثال دخول الاعتقادات الأسطورية الهندية والإندونيسية والماليزية إلى عقائد المسلمين الدينية لتلك البلدان يسترعي الاهتمام، كذلك الأمر بما يختص بالتفاسير اليونانية وراهنًا التفاسير الأمريكية

(401)

وتنسحب هذه الحكاية على الأعمال والشعائر الدينية الوسطى أيضًا؛ أي تتغيّر وفق المتغيرات المعرفية وغير المعرفية للمتدينين. وفي هذا السياق، على الرغم من أن الأعمال الدينية مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج والإنفاق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد من وجهة نظر إسلامية، وموضوعات مثل غسل التعميد ومراسم العشاء الرباني والدعاء والاعتراف بالذنب وأمثالها من وجهة نظر مسيحية محط إقرار ومصادقة النصوص الدينية المتكافئ نسبيًا، لكن بسبب الخضوع لتأثير المتغيرات الثقافية المذكورة، تعرضت طريقة القيام بهذا الأعمال على امتداد تاريخ السنن الدينية لتغييرات مهمة. وفي السنة الإسلامية تباين إقرار الشيعة وأهل السنة حيال الأعمال المُشار إليها ولا سيما الصلاة والحج وكيفية العمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك تأكيد الفقه الشيعي على الخُمس، ومحدودية الأمر في فقه أهل السنة[1] ووجود تفاسير مختلفة حول كيفية القيام بالأعمال الدينية على غرارهم، يشكّل شهادة على الدور المؤثر للثقافة في التدين والرؤى الدينية للمتدينين. وفي السنة المسيحية يُفسِّر اختلاف مسيحيي الثقافات المختلفة حول كيفية القيام بالأعمال العبادية مثل مراسم العشاء الرباني، وغسل التعميد، والدعاء والاعتراف بالذنب، هذا التأثر الثقافي أيضًا. الأهم أنه كلما كان دور العوامل الثقافية أشد قوةً يتعاظم تأثر الآداب والشعائر الدينية أيضًا. طبعًا ازدياد وعي المتدينين ومعرفتهم في بعض المَواطن أسفر عن ضعف دور الثقافة في التدين أي الأعمال العبادية والاهتمام أكثر بجوهر الأديان ومضمونها.

لكن حكاية الاعتقادات والشعائر العبادية الدينية الهامشية تختلف بشكل أكبر عن الحالات السابقة، أي إن الدور الأكبر لعوامل الثقافة المعرفية وغير المعرفية يكون في مستويات هذه الاعتقادات والأعمال العبادية. وفيما يتعلق بالاعتقادات

(403)

يمكن الإشارة إلى حالات من قبيل الاعتقاد بتأثير بعض الأدعية والأوراد، وأهمية كتابة الأدعية عن طريق نصوص تكون دينية أحيانًا، والاعتقاد ببركة وشؤم بعض الأيام والأمكنة والأشخاص، والاعتقادات الخيالية الشائعة بين الناس حول بعض الأنبياء والأئمة وأولياء الله، الاعتقاد بقداسة بعض الأشياء، إجراء مجالس تعظيم لبعض الشخصيات الدينية البارزة على أساس الاعتقادات السابقة وأمثالها، الاعتقاد بالسفر أو عدمه في بعض الأيام، الاعتقاد بدور النذر والقيام به في ظروف مختلفة وخصائص متفاوتة، التنوع المتعدد لمراسم العزاء والاحتفالات الدينية في مختلف السنن الدينية وحالات شبيهة بها. في المحصلة فالاعتقادات الهامشية هي اعتقادات تتموضع في نهاية شبكة الاعتقادات الدينية، وتتمتع بالعقلانية المعرفية بحدوها الدنيا وبميزة تقليدية وتجريبية أكبر، وتتأثر بالظروف البيئية والآداب والعادات والسنن المحلية، وتتمتع بتنوع لا حصر له، وهي عرضة لعديد التغييرات، وتتسم بأنها مؤقتة وتتمتع بميزات محلية وجغرافية، وترتبط بمعيشة الناس اليومية، وتتسم بعدم وجود إجماع واتفاق ووجود تباينات شديدة بين الناس حولها، وضآلة احتمال استنادها إلى النصوص الدينية والإثباتات العقلانية، بسبب نوعية التعددية الدينية وحالات مشابهة لذلك.

تأسيسًا على ذلك كما مرَّ سالفًا فإن خصائص مثل الدنيوية والتقليدية وكونها مؤقتة ومعيشية تعد من أهم سمات الاعتقادات الهامشية. لذلك يكون تغلغل الوشائج والأذواق الثقافية في هذا المستوى من الاعتقادات الدينية في حده الأقصى؛ لهذا السبب تستند هذه المجموعة من الاعتقادات، إلى ثقافة دنيوية ومحلية أو وطنية أكثر من إمكانية استنادها إلى إحدى السنن الدينية؛ إضافة إلى أن فصل الاعتقادات عن الأعمال والشعائر العبادية في هذا المستوى من التدين وشبكة المعرفة الدينية يتسم بصعوبة طفيفة؛ لأنه ثمة أواصر ووشائج كثيرة تقوم بين الاعتقادات والأعمال

(404)

الدينية. وفي هذا المجال، تارةً تتعرض الاعتقادات والأعمال العبادية من بلد إلى بلد آخر ومن محافظة إلى أخرى ومن مدينة إلى ثانية، وكذلك من قرن إلى آخر، أو من قريةٍ إلى قرية أخرى، ومن طبقة ثقافية إلى طبقة ثقافية أخرى، ومن عرق وسلالة إلى عرق وسلالة أخرى، تتعرض لتغييرات وتبدلات كثيرة. وبالنظر إلى تصرّم الزمن، يُلاحظ أن نوع الأعمال العبادية مثل مراسم العزاء والزيارات والتضرعات والاحتفالات الدينية وتعظيم أعلام الدين لدى أُناس القرون الخالية، وفي الوقت الراهن تتسم بالاختلاف. وبالنظر إلى المكان والإثنية، فاليوم يُلاحظ أن الأعمال الواردة أعلاه لا تجري بالطريقة نفسها في الأحياء ولدى الإثنيات المختلفة، بل إن تأثير العوامل المؤثرة للثقافة المحلية والشعبية للناس هي التي تحدِّد نوعية النظرة إلى الأعمال العبادية والقيام بها.

ويمكن تقفي أثر هذه المزية في السنن المسيحية أيضًا. إذ يعد تقديس تمثال المسيح ومريم البتول والبابوية وإجلال الكنائس من الموضوعات المهمة للاعتقادات والشعائر الهامشية التي شهدت في العالم المسيحي تبدلات مختلفة على امتداد القرون الخالية بسبب تأثير الظروف الثقافية[1].

النتيجة

الإنسان عبارة عن موجود أُقحم في ظروف وعوامل ثقافية لم يضطلع بأي دور في كيفيتها وطبيعتها. فالعوامل الثقافية غير المعرفية مثل اللغة والعرق والإثنية والمناخ والجغرافيا والعادات والتقاليد المحلية والوطنية، والطبقة الاجتماعية. المكانة الوظيفية وأمثالها تتدخل في تبلور وتغيير الرؤى والسلوك الإنساني في جوانب مختلفة. بتعبير آخر تعد العوامل غير المعرفية المذكورة مؤثرات يمكن أن تلوِّن

(405)

نوع نظرتنا إلى العالم بأسره. وكلما كان دور العوامل المعرفية الثقافية كبيرًا تضاءل تأثير العوامل غير المعرفية، لكن على أي حال يتعذَّر إنكار دور العوامل المذكورة. إضافة إلى أن مستويات تأثير العوامل المعرفية وغير المعرفية على شبكة المعرفة الدينية ليست متماثلة. وفي هذا المجال تتأثر هوامش شبكة المعرفة الدينية، والتي هي نفسها الاعتقادات والشعائر والأعمال العبادية الهامشية والفرعية، بالعوامل الثقافية أكثر من المستويات الوسطى والأساسية للاعتقادات والشعائر العبادية، بيد أن المستويات الوسطى، ومن ثم المستويات الأساسية أو الجوهر المركزي لشبكة المعرفة الدينية تتأثر بالعوامل الثقافية بشكل أقل. 

يتمثَّل العامل المهم في تعاظم تأثيرات العوامل الثقافية في شبكة المعرفة الدينية في انخفاض مستوى الوعي الديني لدي المتدينين، والذي يضعهم في مستوى التدين التقليدي والشعبي. في مثل هذا التدين، تُؤخذ بعين الحسبان أغلب حالات الدين من منظار المصالح والاعتبارات الثقافية والطبقية، وكذلك الإدراك السطحي للاعتقادات الدينية. وفي المقابل يُفضي تنامي الوعي الديني ولا سيما تطور العقلانية الدينية إلى تقلص دور العوامل الثقافية. طبعًا لا يمكن إزالة مثل هذا الدور بالكامل، وعليه انطلاقًا من أنه ينجم أحيانًا عن تأثيرات العوامل الثقافية في شبكة المعرفة الدينية تبعات سلبية وتداعيات وخيمة، قد تقود إلى علمنة الدين وظهور تفسيرات عرقية وذوقية لعقائد الدين، فالحل الممكن يتمثَّل في مضاعفة الوعي الديني لدى المتدينين وتطور العقلانية الدينية ودعوة المتدينين إلى فهم مشترك لجوهر الدين المركزي؛ وكذلك التذكير بأنه لا ينبغي لمعتنقي الدين تخطئة بعضهم بسبب الاختلاف في فهم العقائد والإدراك المتباين للمسائل الجانبية والهامشية للدين، ويتعين ألا يشنوا هجمات غير علمية، وأحيانًا عنيفة على بعضهم؛ لأن الإيمان بالله ويوم الآخرة والقيام بالعمل الصالح يشكّل جوهر عقائد الأديان الإلهية، والتي

(406)

يمكن أن تتحقق بالنسبة للمتدينين في ظل كل الظروف. هذا الأمر يوضح أهمية منطق فهم الدين؛ أي ينبغي على سائر المتدينين ولا سيما الواعون وعلماء الدين أن يجهدوا ليمنعوا التأثيرات البغيضة للعوامل الثقافية من خلال إعمال المنطق الصحيح لفهم الدين؛ وأن يسعوا إلى كشف السليم من السقيم فيما يتعلق بالمعرفة الدينية والتدين، وأن يلتمسوا صقل الشوائب من الدين، ويمتلكوا إدراكًا ووحدة وتعاطفًا في الايمان بعقائد الدين الراسخة.

في الواقع تعد الرؤية العقلانية للدين، وإيجاد أدوات تهدف لإجراء اختبار منطقي لتمييز العقائد الصحيحة عن الخاطئة، والتركيز على الاعتقادات المركزية والأصلية، من لوازم منطق الفهم الصحيح للدين، والتي تحد بنسبة كبيرة للغاية من التأثيرات البغيضة للمتغيرات الثقافية. على الرغم من أنها لا تزول بالكامل.

 

 

(407)

 

 

المصادر

  1. آشوري، داريوش، تعريف‌ها ومفهوم فرهنگ، طهران، چاپخانه رامین، 1357 هـ ش.
  2. اسماعيلى، هادی وحسام‌الدين آشنا، «دينداری فرهنگى»، راهبرد فرهنگ، المجلد 6، العدد23، خريف 1392، الصفحات 53-76.
  3. براون، كالين، فلسفه وایمان مسیحی، ترجمه إلى اللغة الفارسية: طـاووس ميكائيليـان، طهـران، شـركت انتشارات علمى وفرهنگى، 1375هـ ش.
  4. پاپكين، ريچارد هنري، والآخرون، دين، اینجا واکنون، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مجيد محمدی، طهران، نشر قطره، 1377 هـ ش.
  5. الجوادی الآملی، عبداالله، منزلت عقل در هندسه معرفت دینی، قم، مركز نشر اسراء، 1387هـ ش.
  6. ـــــــــــــــــــ ، دین‌شناسی، قم، مركز نشر اسراء، 1387 هـ ش.
  7. حسام مظاهری، محسن، رسانه شـیعی: جامعه‌شناسـی آیین‌هـای سـوگواری وهیئت‌هـای مذهبی در ایران، طهران، شركت چاپ ونشر بين الملل، ط1، 1387 هـ ش.
  8. رشــاد، علــى‌اكبــر، «منطـق اکتشــاف دیــن وفلســفه معرفــت دینـی»، في: محمدصـفر جبرئيلـى، فلسـفه دیـن وکـلام جدیـد، طهـران، پژوهشـگاه فرهنـگ وانديشه اسلامى، 1386هـ ش.
  9. سيف‌اللهى، سيف‌الله، مبانی جامعه‌شناسی، طهران، مؤسسه انتشارات جامعه‌پژوهان سينا، ط3، 1388هـ ش.
  10. شجاعى زند، عليرضا، «الگوهای عرفى‌شدن جوامع»، اطلاعات سیاسـی واقتصـادی، العدد 171 و172، آذر ودي 1380، الصفحات 108- 123.
  11. ـــــــــــــــــــ ، «مسيرهای محتمل در عرفى‌شدن ايـران»، جامعه‌شناسی ایران، المجلد السابع، العدد 1، ربيع 1385، الصفحات 30 - 65.
(408)
  1. طباطبايى، محمدحسين، قرآن در اسلام، قم، بوستان كتاب، ط5، 1389 هـ ش.
  2. ـــــــــــــــــــ ، تعالیم اسلام، قم، بوستان كتاب، ط8، 1391 هـ ش.
  3. قربانى، قدرت‌الله، «عقلانيت تشكيكى نظام باورهای دينى»، پژوهش‌های اعتقـادی كلامى، العدد 14، صيف 1393، الصفحات 103-128.
  4. مجتهد شبستری، محمد، تأملاتی در قرائت إنسانی از دین، طهران، طرح نو، 1383هـ ش.
  5. مك گراث، آليستر، درس‌نامه الهیات مسـیحی، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمدرضـا بيـات والآخرون، ج2، قم، انتشارات دانشگاه اديان ومذاهب، 1392هـ ش.
  6. ميشل، توماس، کلام مسیحی، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسين توفيقى، قم، انتشارات دانشگاه اديان ومذاهب، 1387هـ ش.
  7. وتشتاین، آرنولد، الهیات در عصر فرهنگ تکنولوژیک، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مراد فرهادپور، ارغنون، العدد 1، ربيع 1373، الصفحات 93-118.
  8. هیک، جان، فلسفه دین، ترجمه إلى اللغة الفارسية: بهزاد سالکی، طهران، انتشارات بین المللی الهدی، 1376هـ ش.
  9. Eller, David, Introducing Anthropology of Religion, First Published, UK: Rutledge, 2007.
(409)
(410)

 

 

النسبة بين العلم والثقافة[1]

حميد پارسانيا[2]

إن النسبة بين العلم والثقافة[3] تعني العلاقة بين العلم والثقافة، وإن هذه العلاقة تقوم بلحاظ الواقع على حقيقة العلم والثقافة، وفي مقام المعرفة تتناسب مع المعرفة التي يكون وجودها قائمًا بالعلم والثقافة. بمعنى أننا إنما نستطيع أن نقدم تعريفًا وبيانًا للعلم أو الثقافة بالنظر إلى نوع التعريف الذي نقدمه للعلم أو الثقافة. ومن هنا فإننا لكي نبيّن النسبة بين العلم والثقافة سوف نعمل أولًا على تعريف العلم والثقافة، لننتقل بعد ذلك إلى بيان النسبة المذكورة بينهما في ضوء ذلك التعريف أو التعاريف التي نقدمها للعلم والثقافة.

مفهوم الثقافة

بالنظر إلى كثرة التعريفات المرتبطة بالثقافة، نرى من الأنسب في البداية أن نذكر التعريف المنشود في هذه المقالة، فنقول: إن الثقافة جزء من المعرفة التي تدخل في الذهنية المشتركة للأفراد أو المجتمع أو عالم الحياة الأشخاص. إن المراد من المعرفة في هذه العبارة ليس هو مجرّد المعرفة الذهنية التصورية أو التصديقية؛ وإنما المراد

(411)

منها هو المعنى العام الذي يشمل الشعور والإحساس والعاطفة والانتماء والعقائد والعادات والآداب أيضًا. إن كل نوع من أنواع المعرفة ـ الأعم من أن تكون في حدود التصوّر البسيط أو أن تكون راسخة في الأعماق الشخصية لوجود الأفراد، وبذلك صار قصارى جهدهم عقد العزم في العمل على خدمة الذات أو التقابل معها ـ عندما تكتسب صورة جماعية، فإنها سوف تندرج ضمن دائرة الثقافة.

إن الثقافة في هذا التعريف تشتمل على العقائد والمعارف والقيَم والمعايير والآداب والعادات التي تنتقل من طريق التعليم والتعلّم وتكتسب صورة جماعية. لو أن الجماعة التي تحققت الثقافة بينها قد اتسعت دائرتها وأصبحت شاملة، فإن الثقافة ستكتسب صورة عامة، وأما إذا كانت محدودة فإنها ستكون ثقافة خاصة أو ثقافة جزئية. وبطبيعة الحال يمكن العثور في الثقافة العامة على ثقافات جزئية وثقافات خاصة أيضًا.

إن الصورة الجماعية عبارة عن قيد يعمل على إخراج المعارف الفردية والخاصة أو الحقائق والأمور الواقعة خارج دائرة معرفة الأفراد من تعريف الثقافة.

كما يمكن بالنسبة إلى كل ظاهرة تدخل في حيّز الثقافة تصوّر مساحتين غير ثقافيتين أيضًا؛ الأولى: أن تدخل في دائرة المعرفة والوعي والإحساس فقط. وبعبارة أخرى: أن تدخل في الحقل الوجودي والشخصي الخاص. إن الشخص الذي يعمل على اكتشاف حقيقة أو يفترض لنفسه قاعدة ويرى لها اعتبارًا، أو أن يتعلق بحب أمر حقيقي أو اعتباري أو ينفر منه، ما دام أنه يكتم هذا الإدراك والإحساس والشعور في نفسه ولا يعمل على إظهاره، ولا يقوم بإدخاله في حقل الوعي الجمعي عند التعاطي مع الآخرين، سوف تقع معرفته خارج دائرة الثقافة.

لو أن أرخميدس عندما توصل في الحمام إلى الكثافة والوزن الخاص بالأجسام، لم يعمل على إظهار اكتشافه، أو لو أظهر اكتشافه ولكن لم يسمع به أحد، ولم ينقله

(412)

إلى تلاميذه، ولم يعمل التاريخ على ضبطه وإثباته، لما انتقلت معرفته هذه إلى الثقافة اليونانية، ولما انتقلت من اليونان إلى سائر الثقافات البشرية الأخرى.

الصورة الثانية أن لا تدخل تلك الظاهرة إلى مساحة الوعي والإدراك الفردي الخاص أيضًا. لقد تم اكتشاف قضية فيثاغورس قبل الميلاد من قبل فيثاغورس، وانتقلت إلى حقل الثقافة البشرية من طريق الدراسة والتعليم، بيد أن صدق هذه القضية الهندسية، لا يتوقف على اكتشافها من قبل فيثاغورس أو دخولها في دائرة الثقافة البشرية. بمعنى أن هذه القضية كانت تحظى بنوع من الحقيقة حتى قبل دخولها إلى حيّز المعرفة الفردية. إن القارة الأمريكية إنما انكشفت للبحار الإيطالي كريستوف كولمبس في فترة زمنية خاصة، ثم انتقلت هذه المعرفة لتجد طريقها إلى الثقافة الأوروبية، وقد أدّى ذلك إلى حدوث تحوّلات ثقافية وتاريخية مهمة أيضًا. بيد أن هذه القارة كانت موجودة قبل أن يعلم بها شخص وقبل أن يتم نقلها من قبل هذا الشخص إلى سائر الأشخاص في أوروبا أيضًا.

يتضح مما تقدم أن كل ظاهرة يمكن أن نتصوّر لها ثلاثة أبعاد في الحد الأدنى؛ البُعد الأول: البُعد الثقافي الذي تكون له هوية بين الذاتية. والبُعد الثاني: البُعد الفردي حيث يقع في حدود المعرفة الفردية والشخصية. والبُعد الثالث: بُعد الحقيقة والواقع وذات الأمر. إن كل ظاهرة في كل واحدة من الأبعاد الثلاثة أعلاه، لها أحكامها الخاصة والمرتبطة بها. كما أن لذات الأمر بدوره مراتب وأقسام، بيد أن الدخول في هذه المراتب يخرجنا عن الحدود التي رسمناها لهذا البحث[1].

(413)

أبعاد ومستويات الثقافة

إن الثقافة التي لها هوية معرفية أولًا، ولها هوية جماعية ثانيًا، تحظى بأبعاد ومستويات متنوّعة، وإن كل ثقافة تشتمل على مجموعة من المعارف المختلفة. إن الأمثلة والعلامات والنماذج والمعايير والقيَم والمعتقدات الجذرية التي تظهر على شكل اللغة والآداب والعادات والحقوق والقوانين والأدبيات والأساطير والعلوم والمعارف والفلسفات والأديان المتنوّعة، تقع كل واحدة منها في جزء أو مستوى من الثقافة. إن الالتفات إلى المستويات والأجزاء المتفاوتة والواسعة من الثقافة، نقطة مهمّة تساعدنا في بيان النسبة القائمة بين العلم والثقافة.

العلم

لكي نفهم النسبة بين العلم[1] والثقافة، يتعيّن علينا كذلك أن نأخذ بنظر الاعتبار التعريف الذي نختاره للعلم والمعرفة أيضًا. هناك الكثير من التعاريف المذكورة للعلم، وإن هذه التعاريف المتعددة أولًا: لها جذور في المباني الفلسفية والمعرفية، ولا تعود إلى تواضع الأفراد وعقودهم.[2] ولهذا السبب فإن العدول عن هذه التعاريف والاتفاق على تعريف واحد للعلم ليس بالأمر السهل. وثانيًا: إن هذه التعاريف المختلفة لها تأثير في كيفية بيان النسبة القائمة بين العلم والثقافة.

إن الخصوصيتين أعلاه لا تصدقان بالنسبة إلى تعاريف الثقافة؛ إذ على الرغم من التعاريف المتنوّعة والمتعددة المذكورة للثقافة، إلا أن اختلاف تلك التعاريف ليس بذلك العمق الجذري، وهو في الغالب ينشأ من النظر إلى الأبعاد المختلفة أو إلى آثار ولوازم الثقافة، أو أنه يعود إلى حدود الوضع والتعاقد، والأمر الآخر أن تلك التعاريف ليست ذات تأثير كبير في بيان النسبة بين العلم والثقافة. ولهذا السبب تمّ

(414)

الاكتفاء في تعريف كاتب السطور للثقافة بشرح التعريف المنشود فقط، وتمّ الامتناع عن ذكر سائر التعاريف الأخرى في هذا الشأن.

يمكن وضع التعاريف المذكورة للعلم ضمن ثلاث مجموعات، على النحو الآتي:

1. التعاريف الوضعية[1] والتجريبية.

2. التعاريف ما قبل التجريبية.

3. التعاريف ما بعد التجريبية.

إن التعريف الوضعي للعلم على الرغم من أن عمره لا يتجاوز القرنين، هو ذات التعريف الذي كانت له الغلبة العالمية في هامش سلطة العالم الغربي، ويتم تعليمه في المؤسسات الرسمية للعلم ومن بينها المراكز التعليمية في إيران للأسف الشديد منذ السنوات الدراسية الأولى على مختلف المستويات بشكل اعتباطي وعلى نحو سخيف؛ بحيث أدّى إلى تعريض سائر مفاهيم العلم ـ ومن بينها المفهوم الذي كانت تأنس به الثقافة والحضارة الإسلامية ـ إلى النسيان بعد تعرّضه للعزل والحجب بواسطة عنوان المعرفة[2] والمدركات غير العلمية.

إن المعنى الوضعي أو التجريبي للعلم لم تتمّ له السيطرة سوى في جزء قصير من تاريخ الثقافة والحضارة الغربية؛ إذ اقتصرت سيطرته على الفترة الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين للميلاد فقط.

إن المعنى اللاحق لتجريبية العلم، هو مفهوم ما بعد حداثوي للعلم. وإن خلفيات تبلور هذا المعنى قد ظهرت بالتدريج منذ منتصف القرن العشرين للميلاد. إن هذا العلم وإن كان يقع في خارج البيئات الرسمي العلمية وفي هامش الصورة الغالبة للعلم الحديث، ولكنه قد سيطر على حقل المباحث الفلسفية للعلم وفلسفة العلم.

(415)

«إن التعاريف ما قبل التجريبية للعلم، هي مجموع التعاريف التي كانت من الناحية التاريخية هي الحاضرة قبل غلبة المعنى الوضعي للعلم في التاريخ والثقافة البشرية».[1] إن هذا النوع من التعاريف قد حظي بالمقبولية في دائرة الثقافات الدينية وفي حقل الميتافيزيقا في اليونان وفي العالم الإسلامي وحتى في مرحلة الظهور الأول للفلسفات الحديثة. إن للعلم في كل واحد من التعاريف أسلوبه ومنهجه الخاص به، ويقع في قبال المعارف الأخرى التي هي على الرغم من مهامها المفيدة والمؤثرة، ولكنها غير علمية، من قبيل: الشعر والخطابة والجدل.

النسب الثلاثة بين العلم والثقافة

إن النسبة بين العلم والثقافة يمكن بحثها من جهتين؛ الجهة الداخلية والجهة الخارجية. بمعنى أن هذه النسبة يمكن أن تقع في داخل العلم أو الثقافة، وتكون مؤثرة في هوية كل واحد منهما، أو أن تقع في خارج هويتهما.

إن كل تعريف يتم القبول به حول العلم، لا يُحدث اختلافًا أو فرقًا في هذا الشأن؛ حيث يترك العلم ـ على كل حال ـ تأثيره في داخل الثقافة، ويقع في مستوى أبعاده وأجزائه، ويترك أثره في هوية الثقافة. إن دخول أو حضور العلم ضمن الثقافة هو من قبيل دخول أو وجود عنصر في وعاء الماء؛ إن العنصر الذي يستقر في وعاء الماء أو السوائل المختلفة يشغل قسمًا من الفضاء الداخلي للوعاء والموقع الذي يكون له داخل ذلك الوعاء، يترك تأثيره في موقعية العناصر الأخرى. إن العلم عندما يدخل إلى دائرة الثقافة ـ بأيّ معنى كان ـ سوف يكون جزءًا من الثقافة. إن الثقافة يمكن أن تحول دون حضور العلم، ويمكنها أن تستوعبه وتأخذه بأحضانها. إن مقاومة أو استقبال الثقافة بالنسبة إلى العلم يعود إلى الخصائص الذاتية للثقافة؛ وعلى هذا

(416)

الأساس فإن خروج العلم من دائرة ثقافة ما يكون بدوره متناسبًا مع هوية تلك الثقافة، وإن وجود العلم وعدمه أو كيفية وجود العلم يقع في نسبة مباشرة مع هوية الثقافة. إن الثقافة المفتقرة إلى العلم تختلف عن الثقافة التي لها حظ من العلم، وإن مراتب سعة وضيق العلم تؤثر بدورها في كيفية الثقافة.

إن الثقافة التي تمتنع عن قبول العلم، سوف تحرم نفسها من امتيازات وجود العلم؛ وسوف تكون هذه الثقافة جاهلة ومرتعًا للسفلة، وإذا كان المراد من العلم هو المعرفة التجريبية والآلية، فإن هذه الثقافة سوف تُحرم من السيطرة على الطبيعة، وإذا كان المراد من العلم هو المعرفة الميتافيزيقية والانتقادية وما إلى ذلك، فإن الثقافة التي تحول دون حضوره، سوف تفقد نعمة الاستفادة من مزايا هذا النوع من العلوم. لا شك في أن الهوية والعناصر الداخلية للثقافة سوف تكون مختلفة مع وجود أو عدم وجود العلم الآلي والعلم العقلاني أو الوحياني.

يتضح مما تقدّم أن تأثير العلم على العناصر الداخلية وهوية الثقافة، لا يمكن إنكاره إجمالًا، وإن التعريفات المختلفة التي يتمّ تقديمها في باب العلم لا يمكن أن تعرّض أصل هذا النوع من الارتباط والنسبة إلى الشك والترديد.

إن تأثير الثقافة على العلم ليس مورد وفاق مثل تأثير العلم على الثقافة؛ إذ أن طريقة تعريف العلم مؤثرة في بيان هذا النوع من النسبة. إن الثقافة ـ في ضوء بعض التعاريف ـ ليس لها أي تأثير داخلي على العلم. وبعبارة أخرى: إن الهوية والبنية الداخلية للمعرفة العلمية، مستقلة عن الثقافات المختلفة. وفي ضوء هذه الرؤية يكون للعلم هوية غير شرقية وغير غربية أو غير دينية وغير أيديولوجية، وإن الثقافة لا تؤثر في البنية الداخلية للمعرفة العلمية أبدًا. ببيان أن الثقافة دون أن يكون لها تأثير في معنى العلم وأسلوبه، إنما يمكنها توظيف قدرتها الاستيعابية في إطار بسط وتنمية العلم أو أن تحول دون توسّعها.

(417)

أما الرأي الثاني، فإنه يعتبر الثقافة عنصرًا مقوّمًا للعلم. طبقًا لهذه الرؤية ـ مع الحفاظ على غلبة واستعلاء الثقافة على العلم ـ كما تكون هناك نسبة للعلم مع الهوية والبنية الداخلية للثقافة، فإن الثقافة بدورها لها تأثير في هوية العلم وتعريفه وبيان مصاديقه أيضًا. وعلى هذا الأساس تكون العلاقة بين العلم والثقافة علاقة داخلية وديالكتيكية؛ بمعنى أن الثقافة تعمل على إظهار هوية العلم، ويقوم العلم بدوره بالتأثير على الثقافة أيضًا.

إن الرأي الأول الذي يقبل باستقلال العلم في قبال الثقافة، ينقسم من حيث سعة وامتداد ونوع التأثير ـ الذي يمكن للعلم أن يتركه في الثقافة ـ إلى رؤيتين؛ وإن العلم في ضوء الرؤية الأولى حتى عندما يدخل في الثقافة بكل ظرفيته إنما يستحوذ على مجرّد جزء من الثقافة بشكل كامل، وأما تأثيره في الأجزاء الداخلية الأخرى من الثقافة فيكون تأثيرًا هامشيًا. وفي الرؤية الثانية فيكون للعلم إمكانية الحكم والاستحواذ والتصرّف في جميع الأجزاء الداخلية لكل ثقافة، ويمكن له الحفاظ على تفوّقه واستعلائه على جميع أجزاء الثقافة أيضًا. إن التعريف الوضعي للعلم يندرج ضمن دائرة الرؤية الأولى، وأما التعاريف العقلانية والدينية للعلم فيتمّ إلحاقها بالرؤية الثانية.

في ضوء ما تقدّم بيانه بشأن نسبة الثقافة إلى العلم، يمكن لنا أن نأخذ ثلاثة أنواع من العلاقة والارتباط بين الثقافة والعلم بنظر الاعتبار، حيث يتبلور كل واحد منها على أساس نوع التعريف الذي نقدمه للعلم، وهذه الأنواع عبارة عن: التعامل الخارجي بين العلم والثقافة، وغلبة الثقافة على العلم، وإحاطة العلم بالثقافة.

التعامل الخارجي بين العلم والثقافة

إن هذا النوع من التعامل والتعاطي يأتي بتأثر من التعريف الوضعي للعلم؛ إن العلم في هذا التعريف عبارة عن نظام معرفي منهجي يشتمل على قضايا قابلة

(418)

للاختبار. إن البُعد الاستقرائي أو التجريبي القابل للاختبار للعلم في هذا التعريف يأتي بيانه بحيث يحافظ على هويته المستقلة عن سائر الحقول المعرفية الأخرى للبشر. إن العلم في هذا النوع من التعريف يكون على الدوام ـ في مقام الكشف في الحد الأدنى ـ مستقلًا عن بيئته الثقافية[1]، وبذلك فإنه يكون بحسب ذاته مستقلًا عن التاريخ والجغرافيا. إن التاريخ والجغرافيا ليسا سوى ظرف لحضور العلم فقط، وإن الثقافة بماهيتها التاريخية والجغرافية إنما هي بمثابة الشرط الذي يوفر الظروف المناسبة لحضوره وظهوره. يمكن للثقافة أن توصد بواباتها بوجه العلم، كما هو الحال بالنسبة إلى الثقافات الأساطيرية، ويمكنها أن تفتح ظرفياتها الاستيعابية أمام تطوير العلم في بعض المجالات أو في جميعها. كما يمكن للثقافة أن تستفيد من العلم بوصفه أداة ناجعة لتطوير وتنمية ذاتها أيضًا. والنقطة الجديرة بالاهتمام والملاحظة هي أن ذات وهوية العلم في جميع الحالات أعلاه ـ أي: سواء كانت خارج الثقافة ولا يمكن لها الدخول فيها (الشكل الأول)، أو عندما تدخل أجزاء منها أو كلها في الثقافة (الشكل الثاني والثالث) ـ لها صورة وسيرة واحدة.

 

مراجعة الكتاب

 

(419)

لقد تم بيان وتحديد السيرة الواحدة للعلم في الأشكال الثلاثة أعلاه على شكل دوائر من دون خطوط متوازية. وإن المناطق التي تحتوي على خطوط متوازية تعمل على بيان الثقافة الناظرة إلى مجموع المعارف غير العلمية من قبيل: الأديان، والأساطير، والقيَم، والمعايير وما إلى ذلك.

إن النقطة المهمة في هذا التعامل هي أن الثقافة حتى عندما تستفيد من جميع إمكانات العلم، سوف تكون مشتملة على معارف تفتقر بحسب ذاتها إلى الهوية العلمية. إن هذا القسم من المعارف، على الرغم من إمكانية حكمه على وجود أو عدم وجود أصل العلم في حقل الثقافة أو يكون في خدمة نشر وتنمية العلم، بل وحتى أن تكون معطياته العلمية مؤثرة في حضوره وبسطه، ولكنه ليس من سنخ المعرفة العلمية، وإن غير علميته يعود سببه إلى محدودية مفهوم العلم بالنسبة إلى القضايا التي تقبل الاختبار وعجز تعريف العلم في تغطيتها واستيعابها.

لا يمكن لأيّ ثقافة أن توجد من دون مجموعة من القيَم والمعايير والأهداف، ومن دون تفسير شامل للكون والإنسان، الأعم من أن يكون هذا التفسير دينيًا وأسطوريًا ومعنويًا وماديًا وتشكيكيًا وعدميًا ولا أدريًا وما إلى ذلك، ولا يمكن لأيّ ثقافة أن تتبلور من دون مجموعة من المعتقدات والتعهّدات والدوافع والتوجهات. وبعبارة أخرى: لا يمكن لها أن توجد من دون مجموعة من أنواع الحب والبغض والجواذب والدوافع، وإن المعرفة في معناها العام تشمل جميع هذه الأمور. والحال أن العلم في معناه الوضعي لا يعمل على تغطية أيّ واحد من هذه الأمور، وهو عاجز عن إبداء الأحكام المسانخة لها.

في ضوء التعريف الوضعي للعلم، يقع العلم على الدوام في تعامل مع الثقافة، وفي هذا التعامل لا يحصل تارة على الإذن في الدخول إلى حقل الثقافة ويتمّ طرده منها، وتارة أخرى يتم السماح لبعض أجزائه أو كلها بالدخول إلى حقل الثقافة،

(420)

وبدخوله وحضوره ضمن الدائرة الثقافية يعمل على إيجاد تغييرات في سائر العناصر الثقافية الأخرى، بيد أن تأثير الثقافة على العلم وتأثير العلم على أجزاء من الثقافة ـ التي لا تكون من العلم ـ هو على الدوام تأثير خارجي، بمعنى أن العلم يعمل دائمًا على الحفاظ على ماهيته وشكله، وإن المعارف غير العلمية الداخلية من الثقافة بدورها لا تكتسب ماهية علمية أبدًا.

غلبة الثقافة على العلم

إن النوع الثاني من هذا الارتباط يكون بحيث ينتهي إلى تغلب وتفوّق الثقافة على العلم، وفي هذا النوع من الارتباط يكون العلم على الدوام جزءًا من الثقافة، ولا يمكن أن نتصوّر له أيّ مقام أو موضع في خارج الثقافة، وبذلك لا يمكن أن تكون له هوية أو منهج مستقل عن الثقافة أيضًا. وبعبارة أخرى: إن العلم في أسلوبه وفي بنيته الداخلية يتأثر بالثقافة دائمًا. لقد تبلور هذا الرأي من الناحية التاريخية بعد أفول نجم الاتجاه الوضعي إلى العلم وفي ظل غياب الرؤية العقلية أو الدينية إلى العلم.

في الاتجاه الوضعي، يكون الأسلوب والمنهج العلمي والعلم بحسب ذاته مستقلًا عن الثقافة. إن الاتجاه الوضعي لحلقة فيينا قد ذهب في نظرته الاستقلالية إلى الحقل المعرفي من العلم إلى الحدّ الذي عدّ معه المعرفة العلمية هي وحدها المعرفة المفهومية، وسائر الحلقات المعرفية الأخرى، من قبيل: المعرفة الميتافيزيقية، مفتقرة إلى المعنى، والقول بأنها ناشئة عن الأخطاء اللغوية. وبالتدريج تمّ في مجموع الأبحاث التي تبلورت على هامش حلقة فيينا تحت عنوان فلسفة العلم، أولًا: تمّ القبول بمجموعة من المعاني الأخرى التي كان لها وجود خارج دائرة العلم. وثانيًا: تمّ القبول بتأثير تلك المعاني في البنية الداخلية للمعرفة العلمية، ونتيجة لذلك ظهرت هذه الحقيقة وهي أن الحلقة المعرفية للعلم قد استندت في بنيتها الداخلية على مجموعة من المعارف التي تكون لها ـ في ضوء التعريف الوضعي للعلم ـ هوية

(421)

غير علمية[1]. وقد تحدّث كوهين[2] عن هذه المجموعة تحت عنوان المثال والنموذج. فهو يرى أن التغييرات النموذجية تؤدّي إلى التحوّل في بنية المعرفة العلمية، وإن هذا النوع من التغييرات ليس من صنف التغييرات التدريجية والمسارية التي تتبلور داخل بنية واحدة. وقد ذهب لاكاتوش[3] إلى القول باستناد المعرفة العلميةإلى الهياكل التي لا تؤدّي إلى التعريف الوضعي للعلم، وقد ركز فايرابند[4] اهتمامه على عدم قياسية المجموعات العلمية المختلفة.

إن الارتباط الداخلي للعلم مع المعاني والمعارف غير العلمية، ضمن طعنه في استقلالية العلم، يعمل كذلك على زعزعة الهوية البنيوية والقيمة التنويرية للعلم أيضًا. إن التنوير يعدّ من بين الخصائص الأصلية للحداثة، وإن الاهتزاز في الماهية التنويرية للعلم يعني حدوث الاهتزاز في أركان الحداثة، ولهذا السبب فإن أبحاث ومسائل فلسفة العلم التي أنكرت استقلال المعرفة العلمية، قد أدت إلى العبور على الأفكار الحديثة وتبلور الفلسفات ما بعد الحداثوية.

إن فلاسفة ما بعد الحداثة، من أمثال: فوكو[5]، وبودريار[6]، وليوتار[7]، ودريدا[8]، على الرغم من الاختلافات الموجودة فيما بينهم، إلا أنهم يتفقون فيما بينهم حول الهوية الثقافية للعلم. إن العلم ـ في ضوء هذا الاتجاه ـ تكون له هوية ثقافية / تاريخية وحضارية، وإن الثقافة بحسب بعض احتياجاتها تعمل على إنتاج معرفة علمية

(422)

متناسبة مع سائر طبقاتها المعرفية. وفي هذه الرؤية يعمل العلم بدوره ـ بوصفه جزءًا من الثقافة ـ على تلبية جزء من الاحتياجات الثقافية الكلية والجزئية. ببيان أنه على الرغم من وجود العلاقة الديالكتيكية المتبادلة بين العلم والثقافة، بيد أن الثقافة في المجموع تكون هي الغالبة على العلم. إن الشكل الرابع أدناه يبيّن نوع العلاقة بين العلم والثقافة: إن العلم في هذا الشكل يكون على كل حال جزءًا من الثقافة ومتأثرًا بالأرضية الغالبة على الثقافة:

الشكل الرابع

 

 

 

مراجعة الكتاب

 

 

 

إحاطة العلم بالثقافة

النوع الثالث من الارتباط، يقوم على أساس إحاطة العلم بالثقافة. في هذا النوع من الارتباط يتم الحفاظ على الهوية المستقلة للعلم؛ إذ لو كان للعلم هوية ثقافية لن يكون بمقدوره أن يحيط بها أبدًا، وسوف يكون مندرجًا تحت عنوانها. إن هذا الرأي يقوم على أساس الاتجاه العقلاني والوحياني إلى العلم. لو كان العقل والشهود والوحي معترف بها رسميًا ـ مثل الحس ـ بوصفها من المصادر المعرفية، فإن المعرفة العلمية لن تقتصر على القضايا القابلة للاختبار فقط، وإن العلم سوف يُخضع الأبعاد والحقول المعرفية الأخرى ـ التي سجّلت حضورها في حقل الثقافة على نحو قسري ـ لإشرافها وحكمها أيضًا. بمعنى أن العلم يستطيع أن يبدي

(423)

رأيه بالنسبة إلى القيَم والمعايير والأهداف والأفهام الشاملة عن الكون والإنسان، وأن يحكم كذلك على المشاعر والعواطف والدوافع والتوجهات أيضًا، ويُخبر عن صدقها وكذبها وعن صحتها وسقمها. ولهذا السبب تكون جميع الثقافات في جميع الحالات في معرض حكم العلم بشأنها، بل ويمكن للعلم أن يصدر حكمه حتى بالنسبة إلى الصوَر الثقافية غير الواقعية أيضًا؛ بمعنى تلك الصوَر التي لن تدخل في دائرة الواقعية الإنسانية، بل والتي لا تدخل حتى في قوالب الأهداف الثقافية على شكل صوَر ثقافية مثالية أيضًا، ويخبر بذلك عن حقيقتها أو بطلانها أيضًا.

إن ثقافة الحق وثقافة الباطل مفهومان، يمكن أن يحصلا على وصفهما وبيانهما المتناسب معهما على أساس هذه الرؤية. إن ثقافة الحق سوف تكون هي الثقافة الصحيحة والصادقة في المعايير العلمية، وسوف تكون الثقافة الباطلة هي الثقافة التي تعدّ في ضوء المعايير العلمية كاذبة وباطلة. ويمكن للحق والباطل من الناحية التاريخية أن تكون لهما واقعية أو لا تكون لها أيّ واقعية، ويمكن لكل واحد منهما أن يتصرّف في جزء من الواقعية الموجودة أو يبسط سلطته على جميع أجزائها. إن العلم في كل واحدة من هذه الصوَر يكون هو الغالب على الثقافة، ويحافظ على إحاطته العلمية بجميع أجزاء الثقافة، أو أن تعمل أحكامه على تحديد مقدارها الحقيقي ومنزلتها الواقعية. ويمكن رسم النوع الثالث من النسبة بين العلم والثقافة على النحو أدناه(الشكل الخامس):

مراجعة الكتاب

(424)

من الناحية التاريخية، كان لهذا الرأي ـ بجميع مراتبه المختلفة حتى ما قبل غلبة الرؤية الوضعية إلى العلم إلى ما قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر للميلاد ـ حضور فاعل. وكان الفلاسفة الأوائل في عصر التنوير يعملون في ضوء المباني العقلانية[1] على نقد مختلف الحقول المعرفية ويحكمون عليها بشكل علمي.

كما كان المفكرون والعلماء في العالم الإسلامي يعملون بدورهم ـ من خلال القبول بمرجعية الوحي والعقل ـ على إخضاع الأبعاد الثقافية المختلفة على طاولة البحث والنقد العلمي أيضًا. إن العلوم النقلية ـ التي حصلت على فرصتها في الظهور على هامش حضور الوحي ـ قد عملت على تغطية أجزاء مختلفة من معايير الثقافة الإسلامية في إطار مختلف الأبواب الفقهية. إن الحكمة العملية في العالم الإسلامي، قد عملت ـ من خلال الاستفادة من معطيات العقل النظري والعملي في تقسيم أنواع المجتمعات ـ على إدراج الصوَر المختلفة للحقائق الاجتماعية ضمن الأنواع المتنوّعة للمدن الجاهلية، وأخذت تبحث عن ثقافاتها المثالية في صورة المدينة الفاضلة التي هي عبارة عن مدينة الحكمة والعدالة.[2]

(425)

 

 

المصادر

  1.  پارسانيا، حميد، سنت، ايدئولوژي، علم، طهران، نشر مركز كفاء، 1380 هـ ش.
  2. ـــــــــــــــــــ ، علم وفلسفه، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ وانديشه اسلامي، ط3، 1383 هـ ش.
  3. الجوادي الآملي، عبد‌الله، تحرير تمهيد القواعد، طهران، انتشارات الزهراء، ط1، 1372 هـ ش.
  4. الطوسي، نصير‌الدين، أخلاق ناصري، طهران، انتشارات خوارزمي، 1356 هـ ش.
  5. الفارابي، أبو‌نصر، السياسة المدنية، بيروت، المطبعة الكاثوليكية، 1964 م.
  6. Feyerabend, P, Against Method, London, Verson, 1988.
  7. Kuhn, T, The Structure of Scientific Revolution, 2nd ed, Chicago, Chicago University Press, 1970.
  8. Lakatos, I, "Falsification and the Methodology of Scientific Research Programs”, In I. Lakatos and A, Musgrave, Criticism and the Growth of Knowledge, Cambridge, Cambridge University Press, 1970.
  9. Popper, K, The Logic of Scientific Discovery, New York, Harper and Row, 1959.
  10. Rorty, R, Philosophy and the Mirror of Nature, USA, Princeton University Press, 1979.

 

 

(426)

 

 

دلالات نظریة الفطرة فی النظریة الثقافیة[1]

محسن لبخندق[2]

«نظرية الفطرة» عنوان لوجهة نظر منتظمةٍ بالنسبة إلى «الإنسان» من جهةٍ وإلی «الله» من جهة أخرى. ترسم هذه النظریةُ للإنسان فطرة إلهیة شاملة غیر قابلة للتغییر ولیست اکتسابیة ومصونة من الخطأ ولا یوجد کائنٌ آخر یتصف بها بهذا الوصف. ولذلك فإن الفطرة هي السمة التي تُميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات. ومن أبعاد هذه النظرية قدرتها على تفسير الارتباط الوجودي بين الإنسان والدين. إن نظرية الفطرة تعتبر الدينَ كتاب الله التشريعي، والإنسان كتابه التکویني، وتقيم بينهما علاقة لا تنقطع.

لقد كانت الفطرة وملحقاتها موضع نقاش بين حكماء ومتصوفة الإسلام، مباشرة أو من خلال موضوعات فلسفية أخرى، لكن عنوان «نظرية الفطرة» ليس له سابقةٌ في أدبنا. ولعله یمکن أن نعتبر مؤسس هذه المدرسة الفكرية هو الحكیم المتأله آية الله الشاه‌آبادي الذي جعل «الفطرة» کمحورٍ للتحليل والبحث لكل جوانب الدين في قلب آرائه. ومن بعده قام تلميذه السيّد الخميني، ومن بعده قام

 

(427)

عظماء مثل الشهيد مطهري وآية الله جوادي آملي وآية الله مصباح وغيرهم بتوسيع هذه النظرية وشرحها.

يقع عنصرُ «الإنسان» في قلب معظم تعريفات «الثقافة». يتفق الخبراء على أن الثقافة ظاهرةٌ إنسانيةٌ. كما يؤكد معظمُ الخبراء على أن الثقافة مرتبطةٌ بالشخص الذي يعيش في مجتمعٍ مّا؛ بمعنی أن الثقافة ظاهرةٌ اجتماعيةٌ. ولذلك فإن وجود الثقافة يرتكز على وجود المجتمع. کما أن أنطولوجيا الثقافة تتفرّع علی أنطولوجيا المجتمع. وبما أن الإنسان هو الذي یصنع المجتمع برمته، فإن الأنثروبولوجيا ستكون مقدمة لمعرفة المجتمع کما تکون سابقة علیها أیضًا.

إن الفطرة، وهي نظرية أنثروبولوجية، إذا واجهت أسئلة مختلفة تَطرحها النظرياتُ الثقافية، فإنها ستُقدّم إجابات مختلفة تمامًا عن الإجابات التي تُقدَّم في النظريات الغربية. يمكن تصنيف موضوعات النظريات الثقافية إلى ثلاث فئات، وهي کما یلی: «ما هي الثقافة؟» و«لماذا الثقافة؟» و«کیف الثقافة؟». تتناول عادةً هذه النظريات في هذه الفئات الثلاثة، «الوصف» و«التفسير» و«تقدیم الحلول العملية»؛ بمعنی أنها لا تكتفي بمجرد تصنیف القضية، بل تقدِّم وجهات نظرها في مجال الحلول العملية أیضًا.

تُحاول هذه المقالةُ من خلال تناول بعض القضايا المطروحة في مجال الثقافة، أن تقدّم إجابات لتلک القضایا علی أساس «نظرية الفطرة». وتكون هذه المواد أحيانًا على سیاق الوصف والشرح، وأحيانًا على سیاق تقدیم الحلول وتحديد السياسات الكلية.

 

(428)

نظرية الفطرة

مفهوم الفطرة وخصائصها

يدل وزن «الفِعلة» في الأدب العربي على النوع[1]. إن مفردة (الفطرة) على وزن (الفِعلة) مأخوذة من جذر (فطر) بمعنی الخلق والإیجاد. ومعناها کیفیة الإیجاد[2]. والفطرة تعني نوعًا من الخلق الخاص بالإنسان الذي یتضمن صبغة إلهية.

فالإنسان بالإضافة إلى البعد الجسدي، له بُعد غير مادي، يسمى بأسماء مختلفة مثل «الروح» أو «النفس المجردة». قام حکماء الإسلام بتصنیف قوی النفس المجردة الإنسانیة في صنفین عامین وهما القوی الإدراکیة والقوی التحریکیة[3]. إن الفطرة بوصفها بیانًا لکیفیة خلق النفس الإنسانية، لها بعدان: الرؤية والنزعة. وللفطرة ميزات تستخرج غالبًا من آية الفطرة[4] وأيضا من بعض الآيات والروايات الأخرى.

الصبغة الإلهیة للفطرة

تُنسب الفطرة إلی الله. ولقد أصبحت هذه النسبة جذرًا للصبغة الإلهیة للفطرة الإنسانیة. فالإنسان في نفسه يعرف ربه أولًا، ويميل إلى الله ويطلبه ثانيًا. ویصدق هذا الميل والرؤیة الفطريان على كل ما له لون إلهي. ولذلك فإن الفطرة تشمل أيضًا معرفة والمیل إلی أسماء الله الحسنى ومظاهره العليا، والتي هی الفجور والتقوى[5].

شمول الفطرة للنوع الإنساني

تشیر آية الفطرة إلی أن الفطرة الإلهیة لا تختص بجماعة أو شعب محدد، بل

(429)

استخدمت فیها كلمة (ناس) التي تشیر إلی شمول الفطرة الإلهیة لجمیع الناس. فالفطريات موجودة في جميع الناس، وإن كانت مختلفة من حيث الضعف والشدة[1] وحتى مسألة كفر الناس وإيمانهم ليست سببًا لعدم شمول الفطرة. لذلك، أولئك الذين يتركون الطريق الإلهي فإن لديهم أيضًا هذا رأس المال الإلهي[2].

الفطرة غير المكتسبة

الفطرة موجودة في صمیم الإنسان ومتأصلة فیها. لذلك فإن جعل الفطرة وإیجادها لیس جعلا وإیجادًا بالذات، بمعنی أن الفطرة لیس لها إیجاد مستقل عن إیجاد الإنسان، بل إنما توجد تبعًا لوجود الإنسان، بمعنی أنه بمجرد خلق الإنسان ونتيجة لهذا الخلق توجد الفطرة أيضًا. کما أن جعل الفطرة في الإنسان لیس جعلًا تألیفیًّا سواء کان الصاقیًّا أو انضمامیًّا، بمعنی أن الإنسان لا یُخلق أولًا ثم تُخلق الفطرة معه أو بعده أو قبله، ثم یتم تألیفهما معًا، بل خلقُ الإنسان هو بعینه خلقُ الفطرة[3]. ولمّا کانت الأمور الفطریة مما تتطلّبها الخلقة، فإنها لا تحتاج إلی التعلیم والتعلّم، على الرغم من أن تقويتها أو توجيهها يتطلب التعلیم[4].

عصمة الفطرة وعدم قبولها الخطأ

إن الفطرة الإلهية للإنسان، بما أنها غير مكتسبة ومتأصلة في الإنسان، فهي معصومة من الخطأ:

«بعد ما اتضح أن الفطرة لا تقبل الجعل إلا بالتبع وأنها شیء جوهريٌّ ذاتيٌّ لا یختلف ولا یتخلّف، فلا مجال لتصرف الوهم والخيال فيها، لأن كتاب جوهرنا

(430)

مكتوبٌ بيد الله تعالى... ولذلك فإن الفطرة معصومةٌ عن الخطأ في متطلّباتها وأحكامها»[1].

ثبات الفطرة وعدم تبدّلها، مع إمکان احتجابها

إن الشؤون الفطرية ثابتةٌ دائمًا عبر التاريخ؛ وليس الأمر بحیث إن الفطرة البشرية کان لها متطلب خاص في وقت ما، ومتطلب آخر في وقت آخر[2]. ولذلك فإن هذا الوديعة الإلهية لا يمكن إلغاؤها بالضغط والإكراه[3]. نعم! ربما تحتجب الفطرة الإنسانية، بمعنى أنها تُدفن في قبر شهواته، ولكن دفن الفطرة في قبر الحيوانية لن يؤدي أبدًا إلى انقراضها، بل ستظل الفطرة الإنسانية حاضرة في أعماق كيانه إلى الأبد[4].

السر فی کون الفطرة مميزة بين الإنسان والمخلوقات الأخرى

لقد خصّص الحكماء الإسلاميون طبائع خاصة للمخلوقات المختلفة، وحدّدوا خصائص وأسماء مختلفة لكلٍّ منها. فإن (الطبیعة) تخص الجمادات[5] کما أن (الغریزة) تخص الحیوانات. بینما الإنسان فإنه بالإضافة إلى فطرته الإلهیة، یتمتع من الطبيعة والغريزة أيضًا[6].

مغايرة الفطرة الإنسانیة لطبيعة الإنسان

إن الفطرة الإلهية للإنسان تختلف عن طبيعته البشرية، سواء في ذلك بُعده

(431)

الطبیعي الجمادي أو بُعده الغریزي الحيواني. الإنسان الذي يتكوّن من جسد مادي ونفس مجردة، تعود طبيعتُه إلى جسده المادي وفطرتُه إلى روحه المجردة[1]. وتخلو فطرته المجردة عن خصائص المادة كالزمان والمكان والتغیير[2].

تعود رذائلُ الإنسان إلی طبیعته، وفضائلُه إلی فطرته. ولذلك فإن في ذات كل إنسان جهادًا، ومن يُسكت نداء الفطرة يقع في فخ الطبيعة ويصبح مجموعة من الرذائل[3]. ووفقًا للاختلاف الطبيعي بين الفطرة والطبيعة، فإن فكرة إمكانية اتباع كليهما في نفس الوقت، ستكون خاطئة ومستحيلة منطقيًّا:

«وبما أنه تبيّن أن حرية الفطرة وراحتها هي في عالم الملكوت، فلا بد أن تکون الطبيعة طبع الفطرة وتبعًا لها، لأنه إذا كانت الطبيعة طموحة وأرادت أن تكون مرتاحة في هذا العالم، فلا بد أن تتخلى بالطبع عن أوامر الله. کما أن حریتها هي في ارتكاب النواهي وتجاوز الحدود الإلهیة، وهذا سيؤدي إلى حظر الحرية والراحة في عالم الآخرة.»[4].

الإنسان له علاقة وثیقة بطبيعته، وذلك لأجل کیفیة خلقه وما تتطلبه حياتُه في هذا العالم، وينبغي له أن ينهض من حضن هذه الطبيعة ويخطو إلى ساحة الحياة الإلهية. وقد تم تحليل هذه المسألة بشكل جيد في الحكمة المتعالیة. بما أن الإنسان علی ضوء الحكمة المتعالیة موجود جسماني الحدوث وروحاني البقاء، فإن استیناسه البدائي بعالم المادة سیكون واضحًا جيدًا:

«بما أن الإنسان جسماني الحدوث، وقد خُلق بعد حدوث البدن، فإنه يقع بين عالمَی الملك والملكوت، ونتيجة لذلك فهو ذو وجهین. ومع ذلك، نظرًا إلی أنه

(432)

مثل الطفل یقع تحت وصاية أمّه وهي الطبيعة وغالبًا ما يرعى في المراعي البهیمیة، فقد أصبح مرتبطًا جدًا بأمه، حتى أنه أهمل والده الملكوتي وحتى غفل عن وجود نفسه»[1].

يمكن أن تكون هذا الأنس والمودة الأولية خطيرة جدًا على البشر؛ لأنه إذا لم يتمكن من التحرر من سياج الطبيعة بمساعدة الحجة الداخلية (الفطرة) أو الحجج الخارجية (الأنبياء والأولیاء الإلهيين)، فسيحصل الإنسان باستمرار على مزيد الأنس والمودة بالنسبة إلی هذا البعد لوجوده. ومن جهة أخرى ثبت في الحكمة المتعالية أن الإنسان جسماني الحدوث وروحاني البقاء، ووفي حركته الجوهرية تصبح طبيعته وسيلة تجلي فطرته، وتخرج روحه من حضن جسده. ولذلك فلا بد من الاهتمام بطبيعة الإنسان، وذلك لأجل کون الجسد مقدمة للروح وکون الطبیعة مقدمة للفطرة. وبهذا یتبین تفسیر تأثير عوامل مثل الطعام الحلال، والنطفة النقية وغيرها مما له دخلٌ تامٌّ في لطافة الروح أو کثافتها وکذا في ظهور الفطرة الإنسانیة، في سعادة الإنسان أو شقائه.

والنتيجة أن المذموم والمدان هو الاهتمام المستقل بالطبيعة، بدلًا من وضعها كمقدمة للوصول إلی أهداف فطرية، کما أن وظيفة الإنسان هي تعديل الطبيعة لسلطة الفطرة[2]. لذلك، اعترف الدين أيضًا بدور الطبيعة وشدد عليه[3].

«الفطرة» ممکنة بالقوة وليس سمة فعلية

لقد وُضعت «الفطرة» داخل الإنسان منذ بداية خلقه، وقد امتلكها الإنسان. لكن هذه الفطرة نشاطها قليل جدًا في البداية، وتدريجيًا ومع مرور الوقت تصبح

(433)

أكثر نشاطًا. ومن ناحية أخرى فإن طبيعة الإنسان تكون أكثر نشاطا في البداية، ويمكن القول بأن العديد من الخصائص الطبيعية للإنسان كانت نشطة منذ البداية. ولذلك فإن الإنسان في بداية الأمر إنسان بالقوة وحيوان بالفعل، وتدريجيًا تظهر فيه مظاهر الإنسانية[1].

وعلى أساس الحركة الجوهرية، تزدهر فطرة الإنسان طوال حياته. وإن جزءًا كبيرًا من هذا الازدهار يقع تحت سلطة الإنسان وإرادته. لذلك، يمكن للإنسان بعد مرحلة، أن يزدهر أو يدفن قدراته الفطرية بإرادته.

تماثل الفطرة والدين في عالمی التکوین والتشريع

من وجهة نظر القرآن فإن هناك علاقة وثيقة بين الفطرة والدين؛ لأن الدين، وهو الكتاب التشريعي الإلهي، موجود داخل الإنسان، ويتجلى هذا الدين في فطرته کكتابٍ تکویني؛ بمعنی أنه إذا كان من الممكن أن تظهر الضوابطُ الاعتبارية الدينیة بشکل تکوینیٍّ، فستكون نفس الفطرة والحقيقة الإنسانية[2].

الدين حقيقة ثابتة لا تتغير في كل زمان ومكان. وهذا الدين الثابت ينسجم مع الفطرة الإنسانية الثابتة والعامة. ولكن كل نبي يُبعث ليبلّغ هذا الدين الثابت إلى قومه وأمته، معه شريعة أيضًا تتناغم مع الطبيعة البشریة المتغيرة والمتحركة. ولذلك فإن دين الله واحد ولكن الشرائع مختلفة[3].

الفطرة وحياة المجتمعات وموتها

إن طاعة الفطرة الإنسانیة هي مصدر كل خير للإنسان، کما أن اجتنابها یمهّد الأرضیة لكل شر. إن الخير والشر في عالم الوجود مفاهيم لهما مفاهيم مماثلة في

(434)

الإطار الديني. وهي ثنائيات، إحداهما رئيسية والأخرى ثانوية. إن الخير والشر، والنور والظلمة، والحق والباطل، هي ثلاثة مفاهيم قرآنية تحكي عما قيل. وإن جامع هذه المفاهيم كلها في مصطلح الحكماء والفلاسفة هو ثنائية «الوجود والعدم».

وكما أن الشر شيء ثانوي وطفيلي، كذلك الباطل والظلمة. وبما أن هذه الثلاثة لها طبيعة عدمیة، كلما أتيحت لها فرصة الظهور، فهذا يعني تقليل شدة الخير والحقيقة والنور، والابتعاد عن «الوجود». إن الإنسان الذي يستطيع أن يختار طريق حركته نحو الفطرة أو الطبيعة، إذا ابتعد عن فطرته الإلهية، فإنه سيسير في طريق الشر والباطل والظلمة، وسيتجه في النهاية نحو العدم.

يذکر القرآن الكريم سنّة من السنن فيما يتعلق بالمجتمعات، وهي ما يمكن فهمها بناءً على هذا التحليل. نجد في کثیر من آیات القرآن أنه تم رسم تيارين تاريخيين وهما في صراع مستمر: التيار الحق والتیار الباطل. إن المجتمع مزيج من الخير والشر، والحق والباطل، لأن الإنسان مزيج من هذین الاثنين. وهذا الصراع بين الحق والباطل يسود دائما في مسرح الوجود الفردي والجماعي[1]. فإذا ساد في مجتمعٍ مّا النور والحق والخير، استمر هذا المجتمع في حياته، وإلا فمع غلبة الباطل والظلمة والشر، هلك ذلك المجتمع؛ لأنه تحرك نحو «العدم». فإذا استمر المجتمع في حياته فإن ذلك يدل على أن الخير والفضيلة ما زالا حيين في ذلك المجتمع. ربما يكون مجتمعٌ مّا مريضًا وإذا بقي مجتمعٌ مریضٌ، فهذا یکشف عن أنه یتأرجح بين طرفي الإفراط والتفریط. إن مرض المجتمعات لا يساوي موتها. ثم إنه في تحليل المجتمعات لا ينبغي اعتبارها غير فطرية تماما على أساس المظاهر وجولنة الباطل الکاذب فیها، بل ینبغی في تحليل أدق، من اعتبار معدّل هذه المجتمعات في کونها متحرکة نحو الحق ومبنيّة على الفطرة[2].

(435)

دلالات نظریة الفطرة فی النظریة الثقافیة

ولسوء الحظ، وعلى الرغم من أهمية مسألة الفطرة، إلا أنه لم يكن هناك جهد علمي كبير لتطوير حضور هذا المفهوم في مبادئ العلوم. والشهيد مطهري، وهو علی الرغم من اعتباره الفطرة أم القضايا الإسلامية، يشكو من قلة الاهتمام بهذه القضية بين المفكرين الدينيين[1].

ويهدف هذا البحثُ إلى الخوض في مجال «النظرية الثقافية» وذلك باستخدام المواد المذكورة سابقًا، وأن یدرس بعض دلالات نظریة الفطرة في مجال «النظرية الثقافية». ولكن قبل الدخول في المناقشة الرئيسية، سيتم الإشارة بشكل موجز إلى ماهية النظرية الثقافية وأبعادها.

تُعدّ (الثقافة) أحد المفاهيم التي لا يوجد إجماع حول معناها، وذلك لأجل طبيعتها السائلة وغير المحددة. ولكن مهما كان التعريف المقبول للثقافة، فإن عنصر (الإنسان) سيكون متواجدًا في قلبه. يتفق الخبراء على أن الثقافة ظاهرة إنسانية وترتبط بالإنسان الذي يعيش في مجتمع ما. ولذلك يتم تحدید الثقافة كظاهرة اجتماعية في معظم التعاريف[2]. ولذلك فإن وجود الثقافة يرتكز على وجود المجتمع. کما أن أنطولوجيا الثقافة تتفرّع علی أنطولوجيا المجتمع. وبما أن الإنسان هو الذي یصنع المجتمع برمته، فإن الأنثروبولوجيا ستكون مقدمة لمعرفة المجتمع کما تکون سابقة علیها أیضًا، سواء في ذلك أن نعتبر المجتمع في قضایا أنطولوجيا المجتمع مرکبًّا حقیقیًّا من أفراد الإنسان أو مرکبًّا اعتباریًّا.

نقصد بـ(الثقافة) في هذا المقال هذا المعنی: «الثقافة هي جزء من المعرفة التي دخلت في العقلية المشتركة للفرد أو المجتمع أو في العالم الحيوي للأفراد. ولا نقصد

(436)

بالمعرفة في هذه العبارة، الوعي العقلي فقط أو التصوري أو التصدیقي؛ بل المراد منها معنى عام يشمل الشعور والعاطفة والميل والاعتقاد والعادات والآداب أیضًا. إن أيّ نوع من الوعي، سواء كان على مستوى تصور بسيطٍ أو ذلك الذي تغلغل في شخصية الناس ووجودهم واتخذ عزمهم وجزمهم في خدمة نفسه أو في معارضته، فإنه عندما يجد شكلًا جماعيًا، فهو یدخل في إقلیم الثقافة.»[1].

تتنوّع النظريات التي تشكّلت حول هذا المفهوم أیضًا، وذلك على وجه التحديد، بسبب الارتباك في تحدید هذه الكلمة. ولذلك، فإن النظرية الثقافية ليست لها مفهوم محدد. نعم! بطبيعة الحال، فإن معظم هذه النظريات تتعامل بشكل أو بآخر مع أبسط القضايا في مجال الثقافة وکذا أعقدها هيكلية في مجال الثقافة. وعلى سبيل المثال، اعتبر أحدُ الخبراء في هذا المجال القضايا المحورية في النظريات الثقافية – وخاصة نظرية الدراسات الثقافية – عبارة عن قضية العقلانية وحدودها، وقضية الثقافة ومكانة الجسد الإنساني فيها، وقضیة خصائص الحقيقة والقيمة، وفي قضیة وجود الحقيقة أو عدم وجودها، و...[2]. کما يعتبر منظّر آخر في مجال الثقافة أن مسألة «طبيعة الإنسان وعلاقتها بالنظرية الثقافية» هي إحدى القضايا المهمة في النظريات الثقافية[3].

ومن الواضح أن هذه القضايا المذكورة هي من أهم القضایا الأساسیة الوجودية والأنثروبولوجية، والتي تجیب عنها الفلسفة الإسلامية بإجابات تختلف كثيرا عن تلك الموجودة في المصادر الغربية. ویدرس العديد من هذه النظريات، بالإضافة إلى المواضيع الأساسية المذكورة أعلاه، موضوعات خارجیة وعملية، مثل صناعة

(437)

الثقافة، والسلع الثقافية، والاستهلاك الثقافي، والأزياء والأدب والفن والعلاقات الجنسية ومكانتها في الثقافة وغيرها.

وبشکل عامٍّ، يمكن تصنيف قضایا النظريات الثقافية من خلال ثلاث فئات، وهي «ما هي الثقافة؟» (مثل تعريف الثقافة، وشرح مکوّناتها، وتحليل الطبقات العدیدة للثقافة، و...) و«لماذا الثقافة؟» (مثل ضرورة دراسة الثقافة، وشرح آثار التركيز على الثقافة و...) و«کیف الثقافة؟» (مواضيع تتعلق بتحليل عمليات التغيّر والتحول الثقافي، والتعرف على العوامل المؤثرة علی الثقافة، وشرح المجالات المفهومية المتعلقة بالثقافة مثل السياسة والاقتصاد و..). تتناول عادةً هذه النظريات في هذه الفئات الثلاثة، «الوصفَ» و«التفسيرَ» و«تقدیم الحلول العملية»؛ بمعنی أنها لا تكتفي بمجرد تصنیف القضية، بل تقدِّم وجهات نظرها في مجال الحلول العملية أیضًا.

ومن الطبيعي أن كل نظرية ثقافية فهي تقوم على مبادئ نظرية خاصة، وبالتالي فمن الممکن بناءًا علی مبادئ نظرية جديدة أن نقدِّم إجابات جديدة على الأسئلة والقضايا المطروحة في مجال الثقافة وبالتالي یمکن توفیر الأساس لتكوين نظريات جديدة.

الفطرة کأمرٍ ضروریٍّ لبقاء الثقافات ودورة حياتها

وبما أن وعاء وجود الثقافة هو المجتمع، فإن حياتها وموتها يعتمدان على حياة المجتمع وموته أیضًا. لذلك، إذا ثبت أن نظریة الفطرة مما یتطلبها بقاء المجتمعات، فيمكن القول بأن بقاء الثقافة أیضًا یتفرع علی وجود القضایا الفطریة. فالفطرة واهبة للحياة، وتجنبها يؤدي إلى السير في اتجاه العدم:

«الباطل شيء فانٍ، محكوم عليه بالموت، وهو يموت من داخل نفسه؛ وكما يقولون اليوم: إن حضارة معينة محكوم عليها بالموت، فهي في تراجع؛ أي أنه يموت من داخل نفسه، يموت تدریجیّا؛ لأن بعض الوفيات تكون تدريجية ولا تحتاج إلى أن تكون دفعیة»[1].

(438)

وتجدر بالإشارة أولًا إلى ضرورة التفريق بين المجتمعات المريضة والمجتمعات الباطلة المهزومة تمامًا، والابتعاد عن التحليل السطحي لمعدّل قبول الفطرة أو رفضها في المجتمع. وثانيًا: أن نعتبر الموت ظاهرة تدريجية، ونعتبر دورة الحياة والبقاء لحياة المجتمعات وموتها. إن الثقافات التي تركت طريق الحقيقة تمامًا ودفعت الفطرة إلى الهامش، دخلت إلى ساحة التدمير. وبطبيعة الحال، هذا الموت تدريجي، وبالتالي، یمکن قبل الموت النهائي أن تجري السنن الإلهية المختلفة، لصالح أو ضرر هذه المجتمعات وثقافاتها. فعلى سبيل المثال: من الممكن أن يقع مجتمع ما في شقاء شدید بحيث يصبح خاضعًا لقانون (الاستدراج)، وبالتالي يبدو أن ثقافته الزائفة حية لسنوات طويلة، ويطول زمن الانحطاط والانحدار للثقافة المذكورة. ولكن علی ضوء التحليل التاريخي العام، هذه الفترة الزمنية غير ذات أهمية بالنسبة إلی تاريخ المجتمعات بأكمله، والثقافة الزائفة تقبل التدمير بالتأكيد.

هنا نقطةٌ أخرى وهي أنه بما أن الثقافات تخرج من قلوب المجتمعات وتعتمد المجتمعات على أشخاص لديهم الطبيعة والفطرة معًا، فإن هناك احتمالية للانحراف الثقافي لأي مجتمع. إن موت الثقافة الزائفة لا يعني أن هذه الثقافة ستُدمر في كل التاريخ ولن يكون لديها فرصة للظهور مرة أخری؛ لأن الطبيعة، التي هي أساس إنتاج الثقافات الزائفة، لن تنعدم أبدًا. كما أن هناك العديد من الثقافات الزائفة عبر التاريخ والتي كانت موجودة في زمان ومكان، وفي الفترة التي تلت انقراضها، عادت ثقافات مماثلة لها إلى الظهور.

ونحو عامٍّ، فإن الانسجام مع الفطرة الإنسانیة ليس ضروريا لحياة الثقافات فحسب، بل إن حياة أي ظاهرة تتعامل بشكل أو بآخر مع الاحتياجات الأساسية للإنسان، بما في ذلك القوانين والعلوم وغيرها، تعتمد على الانسجام مع هذه الوديعة الإلهية[1].

(439)
تستفيد جميع الثقافات من العناصر الفطرية

وبناء على ما تقدم، ينبغي التسليم بأن كل ثقافة تعتمد بالتأكيد علی الحقائق الفطرية. ولن تجد أبدًا ثقافة بدون أدنى آثار للفطرة. ولا يمكن أن نجد جميع أفراد المجتمع منغمسين في الطبيعة، بحيث تكون جميع عناصره الثقافية شريرة وباطلة، وخالية من الخير والحق. وجهة النظر هذه هي نقطة مهمة جدًا في طريقة التفاعل مع الثقافات. وعلى هذا فإن أي ثقافة يمكنها أن تتفاعل مع الثقافات الأخرى من أجل الإثراء الفطري لنفسها أو للثقافة الأخری.

الفطرة وتحليل الأبعاد الأصيلة وغير الأصيلة للثقافات

استنادًا إلى مفهوم «الفطرة»، يمكن تقسيم كل ثقافة إلى قسمين: أصيل وغير أصيل: إن الجزء الأصلي لأي ثقافة هو الجزء الثابت والمستقر، وهي العناصر الفطرية للثقافة. لكن الجزء غير الأصيل في كل ثقافة، والذي لا يعني بالضرورة أن تكون سيئة، يشير إلى البعد الطبيعي للمجتمعات. وبما أن الطبيعة البشرية تتغير، فإن هذا الجزء من ثقافة المجتمعات سوف يتغير. ويشار إليه بـ «غير الأصلي». وأما العناصر الفطرية للثقافات فهي غير قابلة للتدمير، حتى لو تم إخفاؤها أو دفعها إلى الهامش، وذلك لأن الفطرة غير قابلة للتدمير في أفراد المجتمع.

لكن الجزء الطبيعي من الثقافة قابل للفناء. على سبيل المثال: طريقة التغذية والملابس والهندسة المعمارية وغيرها، والتي تعتمد على البعد الطبيعي للإنسان، يمكن أن تتغير وفقًا للمتطلبات التاريخية والجغرافية للأمة.

وقد ثبت في الفلسفة الإسلامية أنه على الرغم من أن للإنسان مجالات مختلفة وقوى مختلفة، إلا أن هذه المجالات والقوى كلها هي مستويات مختلفة لحقيقة

(440)

واحدة تسمى الإنسان: «النّفس في وحدتها کلّ القوي»[1]. وهناك علاقة عكسية بين هذه المستويات المختلفة؛ بحیث يؤثر فعلُ كل مستوى أو كل قوة على الکیفیة الوجودیة للمستويات والقوی الأخری وکذا يؤثر انفعالهما أیضًا[2].

وإذا تمثلت هذه الحقيقة في الثقافة فسوف ندرك أنه لا توجد بالنسبة للفرد والمجتمع قضیةٌ تکون طبيعيةً بحتةً ولا تعتمد على شیء من مجالات الفطرة الإنسانية. وذلك لأن الطبيعة البشرية والفطرة الإنسانیة مظاهر لحقيقة واحدة، وهما مؤثرتان بالتأكيد في بعضهما البعض. ولذلك فإن طريقة التغذية وطريقة اللبس وطريقة العمارة والفن وما إلى ذلك، کلها تعود إلى الفطرة، مع اختلافٍ بینها في الشدة والضعف. ولكن بما أن جانبًا من هذه القضايا يرتكز على الطبيعة الإنسانية والجانب الآخر يشير إلى مجال الفطرة، فإن هناك تغيرًا في هذه العناصر الثقافية أيضًا، وذلك نتيجة لتغير وتحول البعد المادي والطبيعي للإنسان.

وعلى هذا فإن في الإسلام قواعد للبعد الطبيعي للإنسان، ويجب أن يحدث التنوع والتطور في الأمور الطبيعیة في إطار هذه القواعد أيضًا. ولهذا السبب، لا يجوز للمجتمع تناول أي طعام أو ارتداء أي ملابس. کما یکون من الضروري مراعاة أحكام الشريعة في المظاهر الثقافية والحضارية الأخرى مثل الهندسة المعمارية و... أيضًا. وإذا تغیّرت طبيعة مجتمعٍ مّا بتغير ظروف ومتطلّبات الزمان والمكان، ولم يكن هذا التغيّر خارجًا عن المعايير الشرعية والعقلية، فيجب احترام هذا التغيّر، وتكون التغيّرات الثقافية في هذا المجال مقبولة، بل ضرورية؛ لأن طبيعة كل إنسان ومجتمع، باعتبارها جزءا من وجوده، تحترم ويجب احترام متطلباتها.

وأما التغيرات القسرية التي لا علاقة لها بالطبيعة الحقيقية للمجتمعات والأمم،

(441)

فلا شك أنها تضرّ طبيعتها كما تضر فطرتها؛ لأن طبيعة كل فرد ومجتمع لها خلقها الخاص الذي ينبغي احترامه وعدم التصرف بما يخالف طبيعته. ولهذا السبب فإن التغيرات المتعلقة بالثقافة الطبيعية للشعوب والمجتمعات ينبغي أن تتم في إطار ثقافتها الأصلية. وإذا تم استعارة هذه التغيرات من ثقافات أخرى غير مماثلة، فسوف يختل التوازن الثقافي لذلك المجتمع، ولا تقتصر الآثار السلبية لهذه القضية على مجال طبيعة ذلك المجتمع.

وبطبيعة الحال فإن التفاعل الثقافي بين المجتمعات أمر مقبول بل ضروري، ويُقرّه الإسلام أیضًا، لكن مسألة التقليد الأعمى والخارج عن قواعد الثقافة الأصلية مشكلة أخرى غير التفاعل البناء.

ويمكن الحصول على النتائج التالية مما سبق:

أ. الجزء الأصلي من أي ثقافة هی أبعادها الفطرية التي لا تزول بمرور الزمن، رغم أنها قد تضعف.

ب. الأبعاد الطبيعية لکل ثقافة هي الجزء الزائف والثانوي من تلك الثقافة وقابلة للتغيير مع مرور الوقت.

ت. التغيرات الثقافية المرتبطة بطبيعة المجتمع تكون مقبولة إذا كانت هذه التغييرات، أولًا، في حدود الشريعة الإسلامية وأحكام الشريعة، وثانيًا، في إطار الثقافة الأصلية لذلك الشعب وتلك الأمة. وإلا فإن التوازن الثقافي لذلك المجتمع سوف يختل.

الفطرة ومدی قیمة الثقافات المختلفة

كيف يتم تقييم العناصر الثقافية للمجتمعات المختلفة علی ضوء الثقافة الدينية؟ هل الاختلافات الثقافية مقبولة؟ وإلى أي مدى تكون لهذه الاختلافات قیمة؟ للإجابة على هذه الأسئلة لا بد من التمييز بين الاختلافات الثقافية المختلفة:

(442)

مجموعة من الاختلافات الثقافية مرتبطة بالأمور الفطریة ومجموعة أخرى منها مرتبطة بالأمور الطبيعیة. وبما أن الفطریات الإنسانیة غير قابلة للتغيير، فإذا وجدت عناصر غير فطریة في ثقافة ما (مثل ظاهرة المثلية الجنسية)، فإن تلك العناصر باطلة من وجهة نظر الإسلام. ولا يمكن قبولها والموافقة عليها باعتبارها اختلافًا ثقافيًا بين مجتمعين. وبطبيعة الحال، إذا كان مبدأ تلك الفطریات محترمًا ومقبولًا في ثقافة المجتمع ولم يختلف إلا طرق وأساليب تحقيقه، فإن هذه الاختلافات أيضًا ستحترم ولا يوجد سبب لمواجهتها ثقافيًا.

فمثلًا العفة وحصر العلاقة الجنسية في مسألة الزواج أمر فطري، لكن إذا كانت المجتمعات المختلفة تلتزم بهذا المبدأ الفطري ولکن بحسب قوانينها وعاداتها المختلفة، فيجب احترام هذه العادات والقوانين. ولذلك، ووفقًا للشريعة الإسلامية، فإن زواج كل أمة وقبيلة يتم الموافقة عليه وفقًا لأعراف تلك الأمة والقبيلة.

والنقطة الثانية هي أنه إذا كانت الاختلافات الثقافية ترجع إلى الأبعاد الطبيعية للمجتمعات، ففي هذه الحالة أیضًا ستکون للمسئلة حالتان: إما أن تكون العناصر الطبيعية للثقافة المعنية مقبولة في نطاق الشريعة الإسلامية ولا تتعارض معها، أو لا. وإذا لم يكن هناك تعارض، فإن هذا الجزء من ثقافة المجتمع يحترم ويوافق عليه. على سبيل المثال، العناصر الثقافية مثل نمط الملابس، وطريقة قضاء وقت الفراغ، وطريقة طهي الطعام، وكيفية احترام الناس لبعضهم البعض، وما إلى ذلك، إذا لم تكن تتعارض مع مسائل الشريعة، فهي صحيحة. وفي التفاعل مع هذه الثقافات، ينبغي احترام هذا الجزء من الثقافة. أما إذا كانت العناصر الثقافية المذكورة تتعارض مع الشريعة الإسلامية (مثل أكل الخبائث)، فلا تتم الموافقة عليها، ولن تكون لها قیمة. نعم! في حالة التفاعل الثقافي مع مثل هذا المجتمع، ليس هناك حاجة عموما

(443)

لإدانة أو مواجهة هذا المستوى من العناصر الثقافية. وبطبيعة الحال، يجب على المجتمع الإسلامي أن يحمي نفسه من التعرض للأذى في هذه المجالات؛ لأنه على افتراض اتخاذ قرار بشأن التأثير الثقافي على المجتمعات غير الدينية، فإن إصلاح هذا الجزء من قضاياها الثقافية ليس أولوية على الإطلاق.

ولذلك فإن وجهة النظر القائلة بأن جميع المجتمعات بما أنها تستفيد من الفطرة، فيجب اعتبار جميع الاختلافات الثقافية صحيحة، وجميع الثقافات في جميع أنحاء العالم لها قیمة، ولا تتمتع أي ثقافة بالتفوق أو الهيمنة على ثقافة أخرى[1]، كلام غیر صحيح. وهذا الکلام يمكن قبوله إجمالًا في مجال العناصر الطبيعية للثقافات فقط.

الفطرة وتحليل الأزمة الثقافية في المجتمعات

(الأزمة) هي حالة بين الصحة والدمار[2]. تم تعريف (الأزمة) في کتاب [المعجم الفارسي للدکتور معین][3] بالاضطراب والتغيير المفاجئ للحالات. والمفهوم المعاكس لهذه الظاهرة هو (التوازن) الذي يشير إلى حالة مستقرة يستطيع فيها شخص أو مجموعة من الناس أن يعيشوا في ظل سلامها. ثم إن الأزمة في أي مجتمع هي نتيجة للأزمة بين أفراد ذلك المجتمع. وللحصول على تحليل أكثر دقة للأزمات الاجتماعية، من الممكن الاستعانة بتحليل كيفية حدوث الأزمة في العناصر المكونة لذلك المجتمع.

السبب الرئيسي لكل أزمة هو حصول الضغط علی أجزاء من الوجود الإنساني. فإذا وجد الإنسان جزءًا من وجوده تحت ركام الضغوط، فإن حالته تصبح حرجة. إن بعض أنواع الضغوط يمكن تحملها، وإذا كانت شخصية الأشخاص قوية وهادئة فإن هذه الضغوط ستوفّر أيضًا الأساس لنمو الشخص. والمفاهيم الدينية

(444)

كالصبر والرضا والتسلیم تدل على هذا الأمر. لكن بعض الضغوط تسبّب الأزمات بطبيعتها. إن الضغوط التي تصل إلى البعد التبعي للإنسان يمكن أن يتحملها الإنسان، بشرط أن يكون لديه قوة النفس، وأما الضغوط التي تعود إلى البعد الأصلي لوجوده، أي النفس والفطرة، فهي ستسبّب أزمة إذا كانت شديدة.

إذا عَرض الإنسانُ فطرته للأذى، واستمر هذا الضرر إلى درجة دفن هذا الجزء من وجود الإنسان في طبيعته، فسيعاني الإنسان من أزمة في عملیة هذه الظاهرة. وبطبيعة الحال، فإن الطريقة التي خُلق بها الإنسان یسبّب أن يعتاد على هذه الظروف ویستأنس بها أیضًا، وسوف تصبح الأزمة الروحية جزءا من وجوده، ولكن وعيه بأحواله الحرجة لن يزول تمامًا، حتى لو حاول تبرير هذه الظروف لنفسه ولغيره: «بَلِ الإنسانُ عَلي نفسِهِ بَصيَرةٌ وَ لَوْ ألقي معَاذيرَة»[1].

والسبب في هذا الوعی هو نفس كنز الفطرة المدفون في النفس البشرية. ولذلك فإن الإنسان الذي يمر بأزمات، حتى لو اعتاد على هذه الظروف الحرجة، لن يستمتع بهذه الظروف أبدًا، ولن ينعم بالسلام الداخلي. و«الإيمان» الذي هو من جذر «أمن» فيه معنى الأمن والسلام، ومن حرم الإيمان نزع منه السلام حتما: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[2].

لذلك، فإن وجود الأزمة يرتبط ارتباطًا مباشرًا بعدم الإيمان، کما أن عدم الإيمان ليس إلا ابتعادًا عن الفطرة الإلهية. فإن كل أنواع القلق والاكتئاب والجرائم وغيرها، التي هي من علامات الاضطرابات الداخلية، كلها نتيجة لعدم الإيمان في وجود الإنسان. إن بقاء الفطرة وعدم زوالها ليس المبرر الفلسفي للأزمة الإنسانية فحسب؛ لأنه لو زالت هذه الحقيقة الوجودية ولم تبق داخل وجود الإنسان إلى الأبد، فلن

(445)

تقع هناك أزمة للإنسان ولن ينشأ صراع في شخصيته. بل هذه الحقيقة هي تبرير فلسفي لعذاب الإنسان في العوالم والنشئات الأخری أيضًا. وبناءً على بقاء الفطرة داخل وجود الإنسان، فإن ظهور هويته الحيوانية في عالمی الآخرة والبرزخ سيكون أعظم عذاب روحي له؛ لأنه في هذه الظروف ليس مجرد حيوان، بل أصبح إنسانًا حيوانًا وهو يعي ذلك:

«إن تبدّل الصورة الإنسانیة في هذا العالم أو القيامة ليس فقط تبدّل صورته المادیة، بل تتبدّل هويته الإنسانية أيضًا مع الحفاظ على إنسانيته، ثم تَعرض علی صورته الإنسانیة صورةٌ حیوانیةٌ من الحيوانات التي تتناسب مع أخلاقه وملکاته الخاصة به... ولهذا السبب لا يزول حتی بعد هذا التحول شعورُ الإنسان وفهمه الإنساني، وعقلُه وفطرتُه الملکوتیة، بل هذا الإنسان إنسان عاقل يُدرك ما فيه من هوان وذل، ويعاني منه بشدةٍ»[1].

وما تقدّم لا يتعلق بالأفراد فقط، بل إن الأزمات الاجتماعية -الثقافية أیضًا ترجع إلی البعد عن الفطرة. وقد تعود الأزمات المذكورة مباشرة إلى القضايا الروحية والفطرية، مثل المجتمعات التي تتمتع بالرخاء المادي، ولكنها بعيدة كل البعد عن المعتقدات أو الأخلاق الإلهية. وأما إذا كانت الأزمات الثقافية تشكّل ضغطًا على الحياة الطبيعية للمجتمعات (على سبيل المثال، کما إذا تؤدي الأزمة الاقتصادية والفقر في مجتمع ما إلى أزمة ثقافية)، فإن هذه الأزمة سببها أيضًا الضعف الروحي لذلك المجتمع الذي لم يكن لديه الصبر على تحمل الضغوط ولم يمر تلك الحالة بسلام. ولذلك فإن إسناد الأزمات الثقافية إلى البعد الفطري للإنسان هو في كل الأحوال تحليلٌ صحيحٌ.

وبهذه الطريقة يمكن تحليل مستويات مختلفة من الأزمة الثقافية؛ تكون الأزمة

(446)

في بعض الأحيان عميقة وشاملة بحیث تدفع المجتمع إلى حدّ الدمار. إن حال المجتمعات في مثل هذه الأزمات يتوافق مع التحليل الذي قدمناه سابقًا حول موضوع «حياة وموت المجتمعات والثقافات». لكن کل ابتعاد عن الفطرة العامة للمجتمع لا يشكل أزمة ثقافية. وفي كثير من الأحيان تبقى هذه القضية على مستوى المرض الثقافي ولا تتحول إلى أزمة. ومن الممكن أن يكون لمرض ثقافي وجود مؤقت داخل ثقافة ما ويتم علاجه بسرعة، لكن في مجتمع آخر يتجذر هذا المرض، ولكن إذا اقتصر هذا المرض على جزء من المجتمع ولا ينتشر إلى الثقافة العامة وبالتالي لا يتجاوز عن کونه مرضًا ثقافیًّا، فمن الممکن أن تكون نسبة الأبعاد الفطرية للثقافة إلى أبعادها غير الفطرية هي السائدة ولا تجد الثقافة غير الفطرية للمجتمع مكانا لتهديد الحياة الثقافية لذلك المجتمع. وهناك حالات أخرى كثيرة يمكن تصورها لهذه القضیة.

الفطرة وتفوّق الثقافات واعتلائها

إن اعتلاء الثقافات هو مثال للتغيير في الثقافة. وقد قدمت العديد من النظريات لتفسير كيفية تغيّر الثقافات: قد اعتبرت بعضُ هذه النظريات «الصراع الثقافي» سببا للتغيير واعتبرته سببا للحركة الثقافية للمجتمع والتغيير فيه. بینما قد وصف البعض الآخر التغير بأنه عملية خطية في مجرى تطوّر التاريخ، واعتبره ظاهرة جبرية هي نتيجة لحتمية التاريخ والقوانين الطبيعية التي تحكم المجتمعات[1]. وقد اعتبرت بعض النظريات التواصلَ الثقافي والتفاعل بين الثقافات هو العامل الرئيسي للتغيير في الثقافات. تبحث هذه النظريات عن قوانين الحركة الزمانية -المكانية للظواهر الثقافية[2]. وفي كثير من هذه التحليلات تم تهميش العامل الرئيسي للتغيرات في

(447)

ثقافة المجتمع. إن أغلب التحليلات التي يُظهِر كلٌّ منها جزءا من الواقع، لم یَجعل الإنسان، باعتباره العامل الأساسي لتکوین الثقافة، في مركز تحليلاتها.

قلنا سابقًا إن أنطولوجيا الثقافة تقوم على أنطولوجيا المجتمع وأنطولوجيا المجتمع تقوم أيضًا على أنطولوجيا الإنسان. وبناءً على ذلك، فإن الطريقة الأساسية لفهم كيفية حدوث التغيير والتحول في المجتمع والثقافة هي تحليل عملية التغيير والتحول في الإنسان. إن «الحركة والتغيير» قضية أساسية في الفلسفة الإسلامية، وقد تحدثت الفلسفة الإسلامية بالتفصيل عن التغيير والتحول داخل وجود الإنسان أيضًا. وباختصارٍ يمكن القول: إن عامل الحركة والتغير في وجود الإنسان هو دوافعه وميوله التي تنبئ عن احتياجاته الداخلية. وفي الواقع، الاحتياجات الداخلية للإنسان هي تحفيزية وتخلق میولًا. وعندما يصل هذا الميلُ إلى درجة معينة من القوة، یولّد إرادة الإنسان وتُجبره على التحرك لحل تلك الحاجات. وتتكوّن هذه الحاجاتُ نفسها، وبالتالي الميولُ الناتجة عنها، بناءً على الرؤى الإنسانية. فالإنسان یحصل علی دوافعَ بناءً على أفكاره، ويتحرك بناء على هذه الدوافع ويقوم بأفعال:

«الحكماء لديهم قول مأثور: (العاملة تحت  الشوقية والشوقية تحت المدرکة) ومعناه أن القوة العاملة تتأثّر وتسود علیها القوة الشوقية کما أن القوة الشوقیة تتأثّر بالقوة المدرِکة. والمعنى أن القوة المدرکة هي التي تحفِّز القوة الشوقية وتحرّض المیل... کما أن القوة الشوقية تحفِّز القوة العاملة وتحرّضها حتى تؤدي إلى الفعل»[1].

هناك فئتان من دوافع الإنسان: الفئة الأولى، الدوافع التي تعود إلى بعده الطبيعي، مثل غريزة الجوع أو الغريزة الجنسية. والفئة الثانية: الدوافع العائدة إلى فطرته، كحب العلم، والكمال، والرغبة في الجمال، ونحو ذلك. والآن، إذا استجابت ظاهرةٌ مّا لإحدى هاتين الفئتين من احتياجات الإنسان، أصبحت محبوبة للإنسان ویتحرك الإنسان نحوها.

(448)

إن معظم التحليلات التي قُدّمت لتفسير التغيیر والتحول في المجتمعات والثقافات يمكن تأویلها إلی هذا التحليل الأنثروبولوجي. وعندما یتم استعراض «التضاد وإیجاد المضادة» كعامل الحركة والتغيير، فذلك لأن التضاد والصراع يؤدي إلى شعور الشخص بالحاجة ويحفز لديه دافعا، وهکذا التحليلات الأخرى مثل إسناد التغييرات إلى التواصلات والتفاعلات الثقافية و...

بما أن «الفطرة» موجودة دائمًا كأمر ممکن بالقوة في أي مجتمع، فإن جميع الثقافات لديها أفكار ودوافع فطرية للتميز والإرتقاء. ويكفي أن تستيقظ هذه الفطريات وتحفز. ولذلك فإن جمیع المجتمعات تتقبل التميز والإرتقاء. ولا يمكن للمرء أن يشعر بخيبة أمل أبدًا بالنسبة إلی التوجيه الثقافي للمجتمع. وحتى المجتمعات التي تذهب إلى حدود الدمار الثقافي، قد تعود إلى حياتها الإلهية في ظروف خاصة وعند وصول صدمة إلیها. وتدل علی هذا الادعاء القصةُ القرآنية لقوم يونس عليه‌السلام الذين ذهبوا إلى حافة الهلاك والعذاب الإلهي، ثم تابوا إلی فطرتهم الإلهية وکانوا علی عتبة الهلاك.

وانطلاقًا من هذا التحليل فإن مهمة القيادة والإشاد والجهد الثقافي لإصلاح المجتمعات لن تخرج أبدًا من مسؤولية المکلفین. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الوعي بهذه الحقيقة یوجب أن لن يتغلب اليأس من الإصلاح الثقافي علی المسؤولين عن التوجيه الثقافي للمجتمعات.

الفطرة هي أساس التواصلات بين الثقافات

إن التواصلات ظاهرة فطرية. ويميل الإنسان إلى التواصل مع الكائنات الكونية بناءً على فطرته. إن السر في فطریة التواصلات هو ميل الإنسان إلى الكشف عن مشاعره العميقة والتعبير عن قيمه التي تملکها. ولذلك فإن ظهور «اللغة» التي تعتبر العنصر الأساسي للتواصل، ينبغي اعتباره ظاهرة فطرية. ولایخفی أن اللغة

 

(449)

هي أحد مظاهر هذا النزعة الفطرية، ولهذا الموضوع معنى أوسع من مجرد الكلمات: «ومن المحبوبات (الفطریة) الإظهار والتعبير عن المعاني والكمالات الكامنة في باطن الإنسان. ولهذا سمي الكلام بهذا الاسم ولم يجعلوه مشروطًا بوجود الألفاظ»[1].

التفهیم والتفاهم شرط للتواصل. فإذا لم يتمكن شخصان من فهم لغة بعضهما البعض، فلن يكون هناك تواصل. إن اللغة المبنية على الكلمات هي ترتبط بالطبيعة البشرية. ولذلك، فهي تعتمد بشكل كبير على الظروف الزمانیة والمكانیة المتبدلة، ولا يمكن أن نتوقع منها أن توفّر أرضیة للتفاهم والتواصل الكامل بين البشر. ولكي يستجيب الإنسان والمجتمع لهذه الحاجة الفطرية، فلا بد له من أن يتسلح بلغة أخرى تتمتع بالتعلم الكامل في كل زمان ومكان.

الفطرة وإمكانية الحوار والتفاهم بین الثقافات

«الفطرة» هي لغة البشر الثابتة والعالمية والأبدية. وهذه اللغة لیست اعتباریة، على عكس لغات الشعوب والأمم المختلفة، بل هي رأس مالٍ تکوینيٍّ للبشر بحیث لا يستطيع أحدٌ أن يغيّر دلالاتها المعنائیة. إن لغة الفطرة، دون الحاجة إلى أي عقد أو موافقة، لديها القدرة على ربط الناس بعضها بالبعض[2]. واستنادًا إلى هذه اللغة المشتركة، يجد الناس إمكانية التفاهم والتواصل في أي ثقافة وجغرافيا. ولذلك فإن اللغة الوحيدة القادرة على انسجام عالم الإنسانية الواسع هي لغة الفطرة[3].

وعلى أساس القدرة الفطرية للثقافات المختلفة يتم توفير إمكانية الحوار بين الثقافات. إن ذلك الجزء من الثقافات الذي یعتبر البعد الطبيعي للمجتمعات والأمم، يبطئ من سرعة الحوار والتفاهم، وذلك بسبب الاختلاف الجوهري مع

(450)

البعد الطبيعي للثقافات الأخرى. لكن البعد الفطري للثقافات سيوفر منصة لتسريع التواصل بسبب العالمية والتفاهم الجمعي. مضافًا إلی أن الاختلافات الثقافية فيما يتعلق بالأبعاد الطبيعية للمجتمعات، إذا كانت لديها انجذاب للثقافات الأخرى وانجذابها إليها، فإن هذا الانجذاب والميل هو نتيجة فطرة «البحث» و«الاهتمام بالتجديد والإبداع» لدى البشر[1].

الفطرة والتفاهم الجوهري للثقافات مع الثقافة الدينية

بحسب القدرة الفطرية لجميع الثقافات وتفاهمها للغة الفطرة، فإن الدين والثقافة الدينية التي هي مظهر الفطرة البشرية، مألوفة ومعروفة لديها. وعلى هذا فإن الثقافة الدينية تتواصل بسهولةٍ مع الجميع وتدعوهم إلى الحوار. إن القرآن کكتاب الدين، وإن كان يتکلّم باللغة العربیة، إلا أنه في باطنه يستفيد من لغة فطرية وعالمية يعرفها ویأنس بها جمیع الناس. ولذلك فإذا وصلت رسالة القرآن إلى النفوس المستعدة، كان لهذه الرسالة أثرها في أعماق نفوسهم، بغض النظر عن اللون والعرق:

«ما نعنيه بـ «لغة القرآن» في هذا المقال ليس اللغة أو الأدب... بل ما نعنيه بلغة القرآن وطبيعتها الشعبية هو التحدث بالثقافة المشتركة بین الناس. ومع أن البشر غرباء عن بعضهم البعض من حيث اللغة والأدب، ولا يشتركون في الثقافات العرقية والمناخية، إلا أنهم يشتركون في الثقافة الإنسانية، وهي ثقافة الفطرة المستقرة التي لا تتغير، والقرآن الكريم يتحدث مع البشر من خلال هذه الثقافة... تظهر عالمية لغة القرآن الكريم واشتراك ثقافتها في سیماء الاجتماع اللطیف لسلمان الفارسي وصُهيب الرومي وبلال الحبشي وأويس القرني وعمار وأبي ذر الحجازي في الساحة المقدسة للنبي العالَمي محمد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي اشتهر شعاره: «أرسلتُ إلي الأبيض

(451)

والأسود والأحمر»[1] في العالم؛ وذلك لأنه في فناء الوحي والرسالة، وهو مظهر وحدانية الله تعالى الكاملة، فإن «تعدد الوجوه والصور» محكوم عليه بـ «وحدة السیرة» کما أن تعدد اللغة والعرق والمناخ والعادات والآداب والعوامل الخارجية المختلفة الأخرى کلها تخضع لوحدة الفطرة الداخلية»[2].

إن كل شيء فطري مرغوبٌ للإنسان، وكل ظاهرة غير فطرية فهي في ذاتها كريهة له ويتجنبها بطبيعته[3]. إن الدين، الذي هو مظهر الفطرة الإنسانیة، يكون محبوبًا لدى جميع الناس والمجتمعات؛ لأن المجتمعات تجده مألوفا ومناسبا لروحها وفطرتها. ولهذا السبب وُصف الدين بأنه سمحة سهلة[4].

وستقبل الدینَ جميعُ الثقافات، وذلك للطبيعة المتناغمة والمتوافقة للدین مع فطرتها، نعم! بالطبع یتم ذلك إذا أزيلت العوائق الداخلية والخارجية للمجتمع في تلقي رسالة الدين. ومن نماذج هذا التأثير الثقافي هي الفتوحات في صدر الإسلام، عندما اعتنقت الشعوبُ والأمم المختلفة في أقصى بقاع العالم الإسلامَ بحريةٍ بعد تلقيهم رسالة الدين وإزالة الضغوط الخارجية عن حكامهم.

السياسات الثقافية الكلية القائمة على الفطرة
الاهتمام بالتواصلات الاجتماعية والثقافية وبین الثقافات، من أجل ازدهار الثقافة الفطرية

التواصلات على مختلف مستوياتها، بما في ذلك التواصلات بین الأفراد والمجتمعات والثقافات، کلها ضروري لازدهار الفطرة الإنسانیة. وتشير هذه المسألة إلى النظریة القائلة: «الإنسان مدني بالفطرة ومستخدم بالطبع». إن الإنسان

(452)

بالطبع مستخدم؛ بمعنی أنه بقدر استطاعته يقضي الوقت في الهجوم والغزو، وليس في التعاون والتفاعل. إن کل واحدٍ من الناس فإنه یعتدي إلى حدٍّ ما، وبما أنه يرى أن الآخرين يعتدون أيضًا، فإنه يحاول تصحيح هذه التعديات من خلال وضع القوانين. وهذا الکلام يتعلق بطبيعة الإنسان، وليس بفطرته. وذلك لأن الإنسان بفطرته ملتزمٌ بالقانون ومتمدنٌ، لكنه متوحش وعدواني بطبيعته[1]. وبين هذين الاتجاهين هناك جهادٌ أكبر دائمًا. بالطبع، يجب على الإنسان أن يعيش في المجتمع، لكن هذا الميل إلى المجتمع يختلف عن توجهه نحو القوانین، والعدالة، والسعي إلى الحق، وهي أمور فطریة[2].

لذا، فإن التواجد في المجتمع والتواصل مع الآخرين هو أمرٌ فطري للإنسان. وهذه العلاقة هو عامل من عوامل ازدهار فطرته. إن أحد الأبعاد الفطرية للإنسان، والتي تزدهر أثناء تواصله مع الآخرين، هو البعد المعرفي لديه. بعض الحقائق والمفاهيم الفطرية لن يكون لها معنى لدی الإنسان دون التواصل مع الآخرين والحياة الاجتماعية. وكثير من الفطریات المرتبطة بالحكمة العملية هي من هذا النوع:

 «إن بداهة حسن العدل وقبح الظلم وإن لم تکن کبداهة مبدأ امتناع اجتماع النقیضین وبداهة ضرورة ثبوت الشیء لنفسه وامتناع سلب الشیء الشيء عن نفسه وغیرها، وذلك لأنه في مجال الوجودات والأعدام، یکون ثبوت الشیء ضروريًّا لنفسه کما أن اجتماع النقیضین وسلب الشیء عن نفسه محالٌ، حتی إذا لم یكن هناك مجتمعٌ وعلاقات اجتماعية؛ إلا أنه في مجال الموضوعات العملیة لا یتضح معنی العدل والظلم والمفاهیم الاجتماعية والأخلاقية والقانونية والعاطفية إلا إذا تواجَدَ هناك

(453)

مجتمعٌ وعلاقاتٌ اجتماعیةٌ حتی يتضح مفهوم العدل والظلم في هذه العلاقات»[1].

ويذکر الله تعالى حكمة الاختلافات الثقافية زيادةَ الفهم والمعرفة الإنسانية ويعبر عنها بـقوله «لِتَعَارَفُوا»: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَ أُنثَى وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا[2]. ولذلك فإن أحد أسس نظرية المعرفة الفطرية هي التواجد بین العقليات العالمية والتواصلات بين الثقافات، ومنهجه هو الرحلة الداخلیة: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ[3] والتي تتحقق بالرؤية والملاحظة وتجربة حياة الاخرين[4].

ویتضح علی ضوء ما تقدم أن تنمية التواصلات، وخاصة التواصلات بين الثقافات، هي إحدى السياسات التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار من أجل ازدهار الأبعاد الفطرية للمجتمعات. وبطبيعة الحال، فإن التواصلات بين الثقافات، کتطویر السفر والسياحة العالمية في المجتمع الإسلامي، لهما اعتبارات كثيرة تتطلب فرصة أخرى للتعبير عنهما.

التواصلات الثقافية المرتكزة على الدين (الفطرة) تجاه التواصلات الثقافية المرتكزة على الشريعة

في المرحلة الأولى يكون الاعتماد على الدين هو المحور الأساسي للتواصل في التواصلات الثقافية، وخاصة التواصل بين الثقافات، لكن التواصل المرتكز على الشريعة ليس أولوية بأي حال من الأحوال؛ لأن عنصر (الدين) عنصر مشترك، بینما (الشريعة الخاصة) عناصر غير مشتركة. على سبيل المثال: لا ينبغي للمرء أبدًا عند التبشير بالدين للمجتمعات غير الدينية، أن يبدأ بأوامر مثل الصلاة والصيام

(454)

والحجاب وما إلى ذلك. والاعتماد على الشريعة سيجعل لغة الحديث غير فعالة ولن يسمح بالتفاهم بين الثقافتين. وفي المقابل، فإن الاعتماد على مفاهيم مثل الاعتقاد بوجود الله، والتوحيد، والإيمان بالآخرة، والعدل ومكافحة الطغيان، واللطف والأخوة، والإحسان والأخوة وغيرها، التي يتجه إليها جمیع أصحاب الفطرة النقية، هو الركن الأساسي للدعاية الدينية.

ولا يقتصر هذا الأمر على التواصل بين الثقافات مع المجتمعات غير الإسلامية، بل ينطبق هذا الأمر حتى على التواصل بين الثقافات مع المجتمعات الإسلامية. ففي الأنشطة الثقافية داخل المجتمع الإسلامي، يمكن اعتبار هذا الترتيب وتحديد الأولويات ضروريًّا إلى حد ما.

الصحوة الفطرية في التواصلات الثقافية وبین الثقافات

وبما أن الفطرة هي رأس المال الداخلي للإنسان والمجتمعات والثقافات، فإن تفهیم الحقائق الفطرية لا يتطلب الكثير من الجهد؛ ويكفي تذکیر الإنسان بهذه الحقائق. کما أن الطريقة الرئيسية للأنبياء والأولياء في التعامل مع الناس هي التذكير. ولذلك فإن الفطریات الإنسانية في أغلب الأحوال لا تحتاج إلى إقامة برهان أو جدال، بل بمجرد أن تثار تتأكد هذه الحقائق من داخل الناس والمجتمعات، حتى لو كان كفر الناس ونفاقهم لا يسمح بإظهار هذا التصدیق الداخلي. لذلك، يكفي في التواصل الثقافي وبین الثقافات، تقديمُ الحقائق الفطرية للآخرين ببساطة حتى تنفتح لغتهم الداخلية لتصدیق هذه الحقائق. ولذلك فإن تقديم الفطریات والنمذجة في هذا المجال، له الأولوية على أساليب مثل تقديم الحجج أو المناظرات. ومن الأمثلة الواضحة والعملية على هذه القضية اليوم ظاهرةُ الثورة الإسلامية التي تنادي كنموذج فطريٍّ إلى الفطرة الإنسانية. ولم تبذل الثورة الإسلامية قط جهدا خارقا لتصدير نفسها إلى المجتمعات الأخرى، بل إن حدوث الثورة ووصول

(455)

رسالتها الفطرية إلى آذان المجتمعات قد أوجب إيقاظ الفطرة الحرة.

ولا شك في أن أحد أسباب نجاح السيّد الخميني في دفع الثورة الإسلامية إلى الأمام وجعلها عالمية هو ثقته علی الفطرة العامة لأفراد المجتمع. وهي ثقة يفتقدها كثير من العلماء والمفكّرون. وترجع هذه الثقة إلى إيمانه بنظرية الفطرة واستناده إلی هذه النظرية في آرائه العرفانیة والفلسفية والاجتماعية والسیاسیة.

الوحدة المبنية على القيم الفطرية المشتركة مع الثقافة المتفاعلة

إن الاعتماد على النقاط الثقافية المشتركة عند التعامل مع الثقافات الأخرى حتى المجتمعات غير الإسلامية، هو من سياسات الإسلام الثقافية. إن المبدأ في الإسلام هو السلام والوحدة والعلاقات السلمية. إن الإسلام قد شرّع في المرحلة الأولى نوعيةَ التعایش السلمي والعلاقات الطيبة بين المؤمنين، وذلك من أجل تحقيق الحقوق المشتركة لجميع البشر. وفي الخطوة الثانية، أقام العلاقة بين المسلمين وغيرهم من أتباع الأنبياء، مثل المسيحيين واليهود، الذين يقبلون الله والوحي والنبوة. وفي الخطوة الثالثة، ذکر نوعية العلاقة بين المسلمين والموحدين مع غير الموحدين، وبهذه الطريقة خلق وحدة عالمية[1].

ومن أجل تحقيق هذا السلام والتعايش السلمي، وأيضًا بهدف التأثير على الفطرة الإلهية للبشرية، فقد اقترح القرآن آلية «الوحدة حول الحقائق الإلهية المشترکة بین الثقافتين»:

«﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ[2] الخطاب في هذه الآية هو لجمیع أهل الكتاب... بل هو دعوة للجميع للاجتماع على معنى كلمة واحدة؛ بمعنى أن نعمل على أساس تلك الكلمة الواحدة... فيكون معنى هذه الآية كما

(456)

يلي: فلنتمسك جميعًا بهذه الكلمة ولنتكاتف في نشرها والعمل بمتطلّباتها... یدعو الأنبياء عليهم‌السلام البشر إلى السير فرديًا وجماعيًا وفق دعوتهم الفطرية، أي بحسب كلمة التوحيد»[1].

والذي يمكن استفادته من هذه الآيات هو أولًا: أن الإسلام يقوم على السلام. وثانيًا: يقبل التفاعل الثقافي. وثالثًا: إن السياسة الأساسية في التفاعلات بين الثقافات هي الاعتماد على المبادئ والقواعد التي يتفق عليها أطراف التفاعل بحيث تكون هذه النقطة المشتركة أحيانًا أساسًا للمزيد من التفاعلات وأحيانًا هداية للمجتمعات المختلفة.

البستنة الثقافية بدلا من الصناعة الثقافية

إن الإنسان له فطرة إلهية؛ فليست هناك حاجة للضغط وفرض الحقائق والجهود الجبریّة لإحداث تغييرات ثقافية في المجتمعات. ويجب أن يكون الإرشاد الثقافي مشابهًا للممارسات البستانية، التي تريد جلب القدرات الداخلية للنبات إلى منصة الظهور. ووظيفتها هي توفير الأرضیات وإزالة العوائق التي تعترض النمو. وهذه السياسة تتعارض مع وجهة النظر صناعيه للثقافة. ففي النظریة الثانية تعتبر المكوِّنات الثقافية للمجتمع بمثابة عناصر مکوّنة لـ(سیارة) بحیث يجب أن یربط الصانع بعضها بالبعض، کما أن طريقة تکوّن هذه (السیارة) لا علاقة لها بالقدرات الداخلية لمكوناتها. یوجد هذا الموضوعُ بوضوحٍ في الشؤون التربویة التي تعد إحدى الركائز والأسس الأساسية لتكوين ثقافة المجتمع:

«إذا كان لدى الإنسان سلسلة من الفطریات، فإن تربیته يجب أن يتم بالتأكيد مع وضع نفس الفطریات في الاعتبار، کما أن مفردة (التربية) عند ما تستخدم،

(457)

سواء بوعي أو بغير وعي، يقوم على هذا الأساس؛ لأن (التربیة) يعني التنمیة، وهذا يقوم على قبول سلسلة من المواهب، وعلی حد تعبیر مصطلحات اليوم، یقوم علی سلسلة من الخصائص في الإنسان. إن الفرق بين التربیة والصناعة هو أن الصناعة تقوم علی الصنع؛ بمعنی أن الإنسان لديه هدف أولًا، ثم يستخدم سلسلة من المواد والأشياء لتحقيق هدفه، في حين أنه لا يلتفت إلى هذه المادة نفسها، وأنه يجعلها مكتملة أو ناقصة بالعمل الذي يقوم به عليها»[1].

يرفض الإسلام بوضوح محاولة فرض تغييرات مصطنعة وجبریة على المجتمع: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ[2]. ولذلك تعتبر «الحرية» من الأمور الفطریة في الإنسان،کما أن حریة الناس من سياسات الإسلام الثقافية.

حماية الثقافة الفطرية من الأضرار والمخاطر المضادة للفطرة (الغزو الثقافي)

إذا كانت الحرية إحدى السياسات الثقافية الناشئة عن نظرية الفطرة، فإن ذلك يقتضي أن يظل الفضاء الثقافي للمجتمع محصنا ضد القيود الطبيعية التي تؤدي إلى الحد من حرية الفطرة. وبکلمةٍ أخری: لا يمكن السماح للظواهر الثقافية غير الفطرية بأن تكون مكبلة بالفطرة العامة للمجتمع بحجة الحرية الفطرية. إنّ حد حرية الناس في قبول أو عدم قبول الهدایة الفطرية هو حياتهم الفردية. ولا يمكن للناس أن يلوّثوا الفضاء الثقافي للمجتمع بحجة الحرية. ولا يَصدق هذا الأمرُ على السياسات الثقافية المتعلقة بإدارة المجتمع فحسب، بل ينطبق أيضًا على التواصلات بين الثقافات. وبناء على ذلك، لا بد من الصراع مع الثقافات الغازية والمضادة للفطرة ومنع ترويجها.

(458)
التركيز على الأشخاص القريبين من الفطرة في السياسات الثقافية

إن السياسة الثقافية الأخيرة الناشئة عن نظرية الفطرة، والتي نوضّحها في هذا المقال، هي ضرورة الاهتمام الخاص لطائفة من المجتمع تتمتع بنقاء فطري أعلى. إن الإنسان مادام في هذه النشأة الطبيعیة، فإنه سيبتلي بالحجب الطبيعية وذلك بسبب تفاعله مع عالم المادة وأنسه معه. وكلما طال عمر الإنسان في هذه النشأة، كلما زاد احتمال حجب فطرته. ولهذا السبب فإن من هو أصغر سنًا، فإن فطرته تقبل حجابًا أقل. ومن ناحية أخرى: الحد الأدنى من النضج والازدهار النسبي للفطرة ضروريٌّ لفهم وتلقّي التوجيه الفطري. ولذلك فإن الشباب هو أفضل فترة تتمتع بصفتي النقاء الفطري والنضج الفكري. وبسبب هذه الطهارة الفطرية، فإن الشباب يَقبلون الهداية الإلهية أسرع وأسهل. يتطلّب التوجيهُ الأسهل للشباب أن تركَّز البرامج والسياسات على الشباب في التسيیسات الثقافية وبین الثقافات المتعددة.

النتیجة

إذا تم وضع الفطرة، باعتبارها موضوعًا كليًا للأنثروبولوجيا، في نص نظريات العلوم الإنسانية، فإنها ستحقّق العديد من الإنجازات. تم فحص بعض الآثار المترتبة على نظرية الفطرة في النظريات الثقافية فقط في هذه المقالة. ويمكن تحقيق إنجازات مهمة من خلال وضع مفهوم الفطرة كأساسٍ في كل موضوع يتعلق بالنظريات الثقافية، حتى في الحالات الأكثر تفصيلًا مثل الاستهلاك الثقافي وصناعة الثقافة وما إلى ذلك.

 

 

(459)

 

 

المصادر

  1.  آزاد ارمکي، تقي، جامعه‌شناسي فرهنگ، طهران، علم، 1387هـ ش.
  2. اسميت، فيليپ، درآمدي بر نظريه فرهنگي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن پويان، طهران، دفتر پژوهش‌هاي فرهنگي، ط3، 1387 هـ ش.
  3. بارکر، کريس، مطالعات فرهنگي (نظريه وعملکرد)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مهدي فرجي ونفيسه حميدي، طهران، تحقيقات وفناوري، 1387 هـ ش.
  4. پارسانيا، حميد، روش‌شناسي حکمت صدرايي، قم، کتاب فردا، 1390هـ ش.
  5. الجوادي الآملي، عبدالله، ادب فناي مقربان، قم، اسراء، ط3، ۱۳85هـ ش.
  6. ـــــــــــــــــــ ، حکمت نظري وعملي در نهج البلاغه، قم، اسراء، ۱۳78هـ ش.
  7. ـــــــــــــــــــ ، روابط بين الملل در اسلام، قم، اسراء، ۱۳88هـ ش.
  8. ـــــــــــــــــــ ، شمس الوحي تبريزي، قم، اسراء، ۱۳۸۱هـ ش.
  9. ـــــــــــــــــــ ، تفسير انسان به انسان، قم، اسراء ، ۱۳۸4هـ ش.
  10. ـــــــــــــــــــ ، تسنيم، قم، اسراء، ۱۳۸5-1390 هـ ش.
  11. ـــــــــــــــــــ ، اسلام ومحيط زيست، قم، اسراء، ط2، ۱۳۸۶ هـ ش.
  12. ـــــــــــــــــــ ، سرچشمه انديشه، قم، اسراء، ط2، ۱۳۸۶هـ ش.
  13. ـــــــــــــــــــ ، فطرت در قرآن، قم، اسراء، ط5، ۱۳۸7هـ ش.
  14. ـــــــــــــــــــ ، جامعه در قرآن، قم، اسراء، ط2، ۱۳۸8هـ ش.
  15. ـــــــــــــــــــ ، توحيد در قرآن، الطبعة الخامسة، قم، اسراء، ۱۳۸9هـ ش.
  16. حسيني، سيدحسين، «بحران چيست وچگونه تعريف مي شود»، امنيت، العدد 1و2، (خريف وشتاء 1385)، الصفحات 7-51.
  17. خميني، روح الله، شرح چهل حديث(اربعين حديث)، طهران، مؤسسه تنظيم ونشر آثار امام خميني ، ط38، ۱۳۸۵هـ ش.
  18. سبزواري، ملاّهادي، شرح المنظومه، تعليق حسن حسن زاده آملي، قم، ناب، 1380هـ ش.
(460)
  1. شاه‌آبادي، محمدعلي، رشحات البحار، ترجمه إلى اللغة الفارسية: زاهد ويسي، طهران، پژوهشگاه فرهنگ وانديشه اسلامي، ط2، 1387هـ ش.
  2. ـــــــــــــــــــ ، فطرت عشق (الشذرة السادسة من كتاب شذرات المعارف)، شرح فاضل گلپايگاني، طهران، پژوهشگاه فرهنگ وانديشه اسلامي، ط2، 1387هـ ش.
  3. ـــــــــــــــــــ ، شرح رشحات البحار، طهران، پژوهشگاه فرهنگ وانديشه اسلامي، 1387هـ ش.
  4. طباطبايي، محمدحسين، الميزان في تفسير القرآن، ترجمه إلى اللغة الفارسية: سيدمحمدباقر موسوي همداني، قم، دفتر انتشارات اسلامي، ط25، 1387هـ ش.
  5. فکوهي، ناصر، تاريخ انديشه ونظريه‌هاي انسان‌شناسي، طهران، ني، ط2، 1382هـ ش.
  6. فياض، ابراهيم، منظري اسلامي به ارتباطات ورسانه، في: مجموعه مقالات همايش بين المللي دين ورسانه، طهران، طرح آينده، 1386هـ ش.
  7. مالينوفسکي، برونيسلاو، نظريه‌اي علمي درباره فرهنگ، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبدالحميد زرين قلم، طهران، گام نو، ط2، 1384هـ ش.
  8. مصباح يزدي، محمدتقي، آموزش عقايد، طهران، بين الملل، ط5، 1380هـ ش.
  9. مطهري، مرتضي، انسان وايمان، قم، صدرا، ط7، ۱۳۷1هـ ش.
  10. ـــــــــــــــــــ ، نبوت، قم، صدرا، ط2، ۱۳۷4هـ ش.
  11. ـــــــــــــــــــ ، فطرت، قم، صدرا، ط8، ۱۳۷۵هـ ش.
  12. ـــــــــــــــــــ ، مجموعه آثار، ج3، قم، صدرا، ۱۳۸۰هـ ش.
  13. ـــــــــــــــــــ ، مجموعه آثار، ج5، قم، صدرا، 1381هـ ش.
  14. معين، محمد، فرهنگ فارسي، طهران، کتاب پارسه، 1387هـ ش.

 

 

(461)
(462)

 

 

الأمن الثقافي[1]

محمد إسماعيل نباتيان[2]

تطلق الثقافة على مجموعة القيم المُمأسسة في المجتمع والتي تميزه عن سائر المجتمعات الأخرى[3]. «إذ تضطلع الاعتقادات الثقافية بدور مهم للغاية في البُنى والأنشطة السياسية... وتتمثل النقطة الرئيسة الكامنة ما وراء هذا البعد من الأمن، في مقدرة المجتمع على منح الاستمرارية لخاصيته الأساسية (السياسية- الثقافية) في ظل ظروف متغيرة وإزاء التهديدات المحتملة أو الحقيقية»[4]. تأسيسًا على ذلك فالأمن الثقافي يشكِّل مقدرة أحد المجتمعات على حماية سماته الخاصة ضد تغير الظروف والتهديدات المادية والمعنوية[5]. يعد بعض الفقهاء الأمن الثقافي أحد أركان وركائز البنى التحتية والأساسية للأمن[6].

(463)

وجاء في تعريف آخر للأمن الثقافي: «إرساء وضع آمن ومريح يخلو من أي تهديد واعتداء في الإنسان، حيال الدين والأفكار والأخلاق والعادات والتقاليد والقيم والتراث الثقافي والآثار الأدبية وغيرها، بتعبير آخر، فالأمن الثقافي هو تحصين ثقافة الفرد والمجتمع من أي نوع من أنواع التهديد والاعتداء»[1]. كتب أحد الباحثين حول أهمية الأمن الثقافي ومكانته: «يحظى البعد الثقافي للأمن بأهمية بالغة؛ لأن الثقافة في الأساس تعني مجموعة الاعتقادات الثقافية، وتشكِّل أساس السلوك الإنساني وركيزته...؛ وعليه يبدو جليًا للغاية أن الأمن يحتاج إلى بُعد ثقافي ملائم ومتساوق مع المجتمع... وليس ثمة دولة من الدول حققت الأمن من دون امتلاك هوية ثقافية مستقلة»[2].

تتمثَّل إحدى القضايا المهمة المندرجة في مجال الأمن الثقافي، في التأثير المتبادل بينه وبين الدولة؛ بمعنى كل نظام سياسي يتقولب ويتبلور في بُنى المجتمع الثقافية والثقافية- السياسية، ومن جهة أخرى يمكنه أن يلعب دورًا في إنتاج المعايير والقيم الثقافية في المجتمع. وهناك دافعان مهمان يدفعان الحكومات للاهتمام بمجال الأمن الثقافي وأخذه بعين الحسبان في وضع سياساتها: يتمثَّل الدافع الأول في أن الهوية الثقافية الوطنية في أي بلد تشكل جزءًا مهمًا من أُسس الحكومة وهياكلها[3]؛ الدافع الثاني يتمثَّل في استجابة الدولة للحاجة التي تُطرح من قبل المجتمع بوصفها أحد الأدلة على قبول الحكومة؛ وعليه تنخرط الحكومات بغية الإجابة عن ضرورة استمرارية الهوية الثقافية للمجتمع والتي تضمن بقاء شعب من الشعوب، في

(464)

العمل[1]. إذ يحظى هذان الدافعان بأهمية كبيرة في النظام الإسلامي؛ لأن الآصرة العميقة والشاملة لقيم النظام السياسي مع السلوكيات والقيم الثقافية للأفراد والمجموعات وكُلية المجتمع، تُفضي إلى تعاظم التأثير والتأثر بين الحكومة والثقافة[2].

بوجود تعاريف متعددة للأمن الثقافي وبأخذ نطاق علم الفقه بعين الحسبان، يمكن تعريف الأمن الثقافي من منظار الفقه وفق الشكل التالي: «النظام الإسلامي وأفراد المجتمع الإسلامي» من خلال القيام أو ترك القيام بواجبات مثل التقيد بالآداب الشرعية مثل الحجاب والمحرَّم وغير المحرَّم، ونشر وتعظيم الشعائر الإسلامية من قبيل صلاة الجماعة والجمعة، وارتياد المسجد والحسينية، والمشاركة في مراسم العزاء، والهيئات ومناسك الحج والدعوة إلى الإسلام، والتصدي للمحرمات كالارتداد والكتب الضالة والبدعة والغزو الثقافي (قاعدة نفي السبيل) وغيرها، يخلق لنفسه حصانة ليبقى في مأمن من الضرر والاعتداء والتهديدات مثل استحالة الدين والقيم الدينية وانتشار المفاسد الأخلاقية والاجتماعية والغزو الثقافي وسيطرة الكافرين والأجانب الثقافية، حتى يحقق وضعًا ثقافيًا مطلوبًا ومُعرَّفًا في الإسلام بما فيه الحفاظ على الدين المبين، أو يحافظ على الوضع الثقافي القائم.

في محيط الأمن الثقافي، تتحقق إمكانية الحفاظ على الأنماط التقليدية للغة والثقافة والمذهب والهوية والعرُف الوطني بشروط تحول مقبولة[3]. يعتقد فرست وهو من الباحثين في مجال الأمن أن الأمن الثقافي لا يتحقق بشكل مجرد عن طريق انعدام وجود تهديد، إذ يتميز من ناحية كونه مفهومًا إيجابيًا عن باقي مجالات الدراسات الأمنية القائمة على مفاهيم سلبية؛ وفي المحصلة يتحصّل الأمن الثقافي عن طريق

(465)

الرعاية الفاعلة لثقافة ما، وتحسين الظروف السابقة الضرورية لنمو انسجامها وتعزيزه[1]. ويعتقد فرست أن الأمن الثقافي يتمثّل في قدرة أحد المجتمعات على حماية سماته الخاصة ضد تغير الظروف والتهديدات المادية والمعنوية.

دائمًا ما طُرحت في تعاليم أهل البيت عليهم‌السلام مجموعتين من النخب، يمكن عدهما عاملًا يؤمّن الأمن الثقافي وكذلك يهدده في الوقت ذاته أيضًا؛ وهاتان المجموعتان هما، الحكام والعلماء[2]؛ فبانحرافهم يُصاب المجتمع بالانحراف أيضًا. إلقاء نظرة على تاريخ صدر الإسلام تُظهر أن هاتين المجموعتين اضطلعتا بدور رئيس في انحراف المدرسة والثقافة الإسلامية عن الخط الأصيل، وفي المحصلة هيأتا الأجواء لزعزعة الثقافة والتي لا تزال تداعياتها تأخذ بتلابيب المجتمعات الإسلامية. فأشخاص مثل كعب الأحبار وتميم الداري المسيحي، وكذلك الحكام الأمويون اضطلعوا بدور كبير من خلال إيجاد بدع مختلفة، في دفع الثقافة الإسلامية باتجاه مختلف عن خطها الأصيل؛ على نحوٍ يقدِّم فيه الإسلام الأموي للاستبداد والطاغوت والتداعيات الناجمة عنها صبغة دينية، ويقوم بتسويغها وشرعنتها[3].

المفاهيم الفقهية المرتبطة بتأمين الأمن الثقافي والحفاظ عليه

من خلال متابعة أبواب الفقه يمكن استخراج مفاهيم متعددة ترتبط بصناعة الأمن الثقافي؛ إذ يمكن الإشارة إلى أحكامٍ تدور حول تعظيم الشعائر المذهبية ومقام المرجعية ومؤسسة المسجد والوقف والهيئات الدينية والمصادر المالية مثل سهم الإمام والدعوة والحكومة العادلة. وهنا سنتطرق إلى تفسير هذه المفاهيم وتوضيحها.

(466)
تعظيم الشعائر المذهبية

الشعائر جمع «شعيرة» وتعني العلامات والإشارات، والشعائر الإلهية تعني العلامات والمعالم التي دعا الله الناس إليها وأمر بتعظيمها. وفق وصف العلامة الطباطبائي، فإن مصطلح «شعائر الله» هي العلامات التي نصبها الله تعالى لطاعته[1]. لهذا السبب انخرط زعماء الشرك والكفر في دأبٍ دائم لاجتثاث آثار الدين هذه وعلاماته حتى يستأصلوا شأفته. ولهذا السبب يمكن عدّ معجزات الأنبياء الإلهيين من الشعائر الإلهية، وأن تنطع الظالمين لمحو المعجزات مرده إلى ميزة أنها شعائر إلهية[2].

يعد تعظيم الشعائر من القواعد الفقهية، إذ استند بعض الفقهاء في استدلالاتهم إلى آيات وروايات متعددة: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهْوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ[3] و﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ[4].

استند الفقهاء في تعظيم وإجلال الشعائر الدينية إلى روايات كثيرة منها؛ جاء في رواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنه قال: «عظّم شعائر الله»[5]. وبناءً على العمومية الواردة في هذه الآيات، مع وجوب تعظيم الحُرُمات الإلهية، فإن إهانتها بالوجه الأول حرام؛ ويقول المحقق الأردبيلي: إن معنى الآيات الآنفة هو نهي التعدي على الحدود الإلهية والتي هي أوامر ونواهٍ إلهية[6]. وقد أجمع الفقهاء على حرمة الشعائر الإلهية ووجوب تعظيمها؛ لأن ازدراء الشعائر والحرمات الإلهية يعد بمنزلة

(467)

الاستهانة بالله تعالى، وكل حالات الاستخفاف في المحصلة حرام، ولا يمكن إنكار هذا الاجماع.

ثمة أمر يسترعي الاهتمام يتمثّل في أنه مثلما يعد تعظيم الشعائر الإلهية واجبًا، فإن اجتثاث شعائر الشرك واستئصال مظاهره وعبادة الأوثان واجب أيضًا. تأسيسًا عليه يعد الفقهاء أي نوع من المعاملات يرتبط بمظاهر الشرك مثل ابتياع الأصنام والصليب وبيعها والمال المتحصّل نتيجة ذلك حرام ونجس[1]. وللشعائر مهام خاصة إذ توضح هوية وانسجام أتباع المذهب وتعززها؛ ومن جملة هذه المهام والوظائف:

1. خلق تضامن وانسجام بين مجموعة من الناس؛

2. الدور المؤثر للشعائر في تكوين الهوية الإسلامية والمذهبية وتمييزها عن باقي الهويات الأخرى؛

3. الدور التنويري وإحداث التغييرات المنشودة على صعيد المجتمع، والتأثير المباشر في الحالات العاطفية والعقلية للإنسان الذي يغدو مصدرًا لتكوين وترويج القيم والسنن في المجتمع؛

4. وجود مضامين متنوعة في الشعائر يمكن أن يشكّل إجابة عن الحاجات الإنسانية المتعددة الثابتة؛ مثل الحاجة التربوية (إيجاد عُرف عام في الرقابة الاجتماعية)، الحاجة السياسية (مقدرة التحشيد مثل صلاة الجمعة ومناسك الحج)، الحاجات الاجتماعية (خلق روح التعاون والتفاهم والصداقة بين الناس) والحاجة الدعائية (عن طريق المضامين الاعتقادية والمفاهيم الفكرية والأخلاقية المتحصلة من أداء الشعائر)[2]. إذ تُعد تأكيدات أئمة أهل البيت عليهم‌السلام على دور الشعائر والعبادات في حياة الشيعة مؤشرًا إلى دفع مجتمع الشيعة

(468)

نحو اتجاه جرى تعريفه حتى تتجلى الهوية والانسجام والوحدة المذهبية بينهم في ضوء أداء شعائر واحدة. ويمكن القول بمنتهى الجسارة: إن مذهب التشيع والمجتمع الشيعي نجح في ظل شعائره الدينية في البقاء راسخًا في مواجهة أعاصير التعصب العاتية والاستبداد وقمع الخلفاء والسلاطين.

يمكن تقسيم الشعائر الدينية والمذهبية إلى ثلاثة أقسام:

1. الشعائر الزمنية: وهي الشعائر اليومية مثل الصلوات، والأسبوعية مثل صلاة الجمعة، والشهرية مثل شهر رمضان، والسنوية مثل الحج. كما تُؤدى بعض الشعائر المأثورة في أوقات خاصة، مثل عيد الفطر (اليوم الأول من شهر شوال)، وعيد الأضحى (اليوم العاشر من شهر ذي الحجة)، ويوم الجمعة، وليالي القدر، وشهر رمضان، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، وأيام البيض، ويوم دحو الأرض، وليلة النصف من شعبان وغيرها.

2. الشعائر المكانية: المقصود من الشعائر المكانية، أماكنٌ بُنيت بهدف تعليم المعارف الدينية وإقامة الأعمال العبادية وتبجيل وتعظيم أهل البيت عليهم‌السلام وأولياء الله وذريتهم، وأُشيدت هذه الأماكن بأمر منهم أو بوصية من أولئك السادات، مثل المساجد ومشاهد الأئمة الأطهار عليهم‌السلام وزيارات أولاد الأئمة. إذ تهيئ هذه الشعائر في الحقيقة البنى التأسيسية للتجلي والارتقاء الروحي والاجتماعي في مجتمع الشيعة، وتعزِّز أواصرهم بوصفهم مجتمعًا مثاليًا فاضلًا.

يتمثّل الهدف الرئيس والذاتي من بناء المسجد في عبادة الله تعالى فيه، وقد أوصى الله تعالى بذلك ويعده سببًا للهداية: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ[1]. اضطلع المسجد منذ بداية الرسالة بأدوار متعددة في

(469)

الشريعة الإسلامية؛ على نحوٍ تحول فيه المسجد في مدينة النبي إلى قاعدة عبادية وثقافية وسياسية واجتماعية وعسكرية[1]. ثمة عدد كبير للغاية من الروايات التي تدور حول أحكام المسجد وآدابه وشؤونه[2]، حيث أوضح الفقهاء أيضًا في كتاب الصلاة أحكام المسجد مستندين إلى هذه الروايات؛ بما فيها صلاة التحية في المسجد، وتطييب المسجد وتعطيره أثناء الدخول إليه، وخدمته تعد من المستحبات، وتنجسيه حرام، ويتعين تطهيره على الفور[3].

أما المشاهد والمراقد المشرفة فتشمل المراقد الشريفة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمة الأطهارعليهم‌السلام وقبور الأنبياء والصالحين وذرية أهل البيت عليهم‌السلام ، وتعد من جملة الشعائر التي أكد أهل البيت عليهم‌السلام على زيارتها وتعظيمها[4]. وبين المشاهد المشرفة، ثمة مشهد الإمام الحسين عليه‌السلام في كربلاء والذي يتمتع بشأن رفيع ومقام عظيم، إذ وردت في فضل زيارة هذا الحرم روايات كثيرة[5]، كما أن استحباب السجدة على تربته مؤكد[6]. وفي هذا السياق فمنذ قرون الإسلام الأولى، دُوِّنت كتبٌ خاصة بزيارة المشاهد والدعاء؛ مثل: كامل الزيارات لابن قولويه، ومصباح الهدى للشيخ الطوسي، وإقبال الأعمال للسيد ابن طاووس والمزار الكبير لابن المشهدي ومصباح الكفعمي.[7] أفضى اهتمام الشيعة بزيارة

(470)

المراقد الشريفة في بعض الأطوار إلى تشكل مدن كبيرة مثل: مدينة مشهد في خراسان، وكربلاء والنجف في العراق. كما تُشاهد هذه السابقة حتى فيما يتعلق بذرية الأئمة أيضًا، إذ سُميت بعض المدن بأسماء أولاد الأئمة مثل مدينة آستانة الأشرفية في جيلان، والسيّد محمد في العراق. وبسبب الحضور الروحي والمعنوي لأصحاب هذه المشاهد، تخيم ثقافة مذهبية على تلك المدن ما يميزها عن باقي المدن الأخرى.

تتقاطع هذه الشعائر الزمنية والمكانية في مراحل، فتُقيم تجمعًا مذهبيًا ثقافيًا عظيمًا؛ على سبيل المثال يمكن الإشارة إلى الاحتشاد العظيم والمليوني للناس في يوم الأربعين في كربلاء والذي يترافق بإقامة مراسم وأعمال خاصة، ويخلق موجة هادرة في إبلاغ القيم الدينية، ويقيم كذلك سدًا منيعًا في وجه الهجمات على الاعتقادات، ويصون بشكل خاص الدين؛ ولا سيما أن التكرار السنوي لهذه التجمعات الشعبية العارمة، تعزز القواعد الثقافية للمجتمع الشيعي.

شعائر المناسبات: ومن بين المناسبات المرتبطة بأهل البيت عليهم‌السلام تتجلى بشكل أكبر الشعائر الحسينية وإحياء ذكرى المعصومين عليهم‌السلام في قالب عشرة محرم وشهور محرم وصفر على شكل انعقاد اجتماعات أسبوعية وجلسات خلال شهر رمضان. وانطلاقًا من تأكيدات الأئمة الأطهار عليهم‌السلام يُولي الشيعة اهتمامًا خاصًا لإحياء ذكرى شهادة المعصومين عليهم‌السلام ووفاتهم وبعض ذريتهم مثل حضرة السيّدة زينب الكبرى عليهاالسلام وحضرة العباس عليه‌السلام ، وبهذه الطريقة طرحوا وقدَّموا ثقافة خاصة في المجتمع الإسلامي.

تتمثّل إحدى فوائد شعائر المناسبات ولا سيما عشرة محرم وشهادة الإمام الحسين عليه‌السلام في تبلور الهيئات الدينية. فمن دون أدنى ريب تُتيح الهيئات الدينية بالنظر إلى الانتشار الواسع والقوة المالية المستقلة، والمقدرة على صناعة الثقافة،

 

(471)

وإمكانية التحشيد من أجل الميادين الاجتماعية والسياسية والثقافية (حيث لاحظنا هذه النتيجة في الثورة الإسلامية والدفاع المقدَّس بشكل لافت)، وتجذر الهيئات في بطن تاريخ الإسلام والقيم المذهبية، تُتيح إمكانية منقطعة النظير لطرح دور بارز للغاية في تمهيد أجواء الأمن الثقافي في المجتمع الإسلامي.

مؤسسة المرجعية والروحانية

يعتقد الكثير من الفقهاء أن الفقيه الجامع للشرائط ينوب في كل أمور الناس الدينية والدنيوية عن الإمام المعصوم؛ باستثناء حالات يُعد حضور الإمام فيها بشكل مباشر ذا قيمة. تأسيسًا عليه يستلم الفقهاء جامعو الشرائط زمام مناصب القضاء والإفتاء ومعالجة الأمور الحكومية[1]. وفي الأساس تتمثّل رسالة العلماء والمفتين والفقهاء الرئيسة في الأمور الثقافية وصون الدين والتعاليم الدينية. إذ تتمثّل أحد الأمور الثقافية- الدينية للفقيه في المجتمع الإسلامي في إقامة صلاة الجمعة. تضطلع صلاة الجمعة بدور دعائي مؤثر في ترويج القيم في المجتمع، وفي الأساس وجود خطبتين عوض ركعتَي صلاة تسترعي الاهتمام في هذا السياق. أفضت أهمية الدور العبادي والاجتماعي والسياسي والثقافي لصلاة الجمعة إلى اهتمام الفقهاء بها، ووضعوا منذ الماضي البعيد رسائل متعددة في باب صلاة الجمعة وأحكامها[2].

يستند صاحب الجواهر في معرض عدِّه إقامة صلاة الجمعة من مناصب الإمام وشؤونه، مثل القضاء وإقامة الحدود[3]، يستند في استدلاله إلى روايات كثيرة؛ بما

(472)

فيها: «روينا عن علي عليه‌السلام أنه قال: لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلا للإمام أو من يقيمه الإمام»[1].

اشترط المحقق الحلي أيضًا في المعتبر[2]، والشهيد الأول في اللمعة[3]، والشهيد الثاني[4]، والشيخ الطوسي[5] والمحقق الكركي في «رسالة صلاة الجمعة»[6] وجوب صلاة الجمعة بوجود سلطان عادل (إمام معصوم) أو نائبه (فقيه)؛ حتى الفقيه في عهد الدستورية السيّد عبد الحسين لاري عدَّ صلاة الجمعة واجبًا عينيًا في عصر الغيبة[7].

مؤسسة المسجد

بالنظر إلى الدور المهم للغاية والمؤثر للمسجد في الإسلام منذ بداية الرسالة، تحول المسجد تباعًا إلى مؤسسة اجتماعية، فإضافة إلى العبادة[8] كانت تقام فيه أنشطة ثقافية وتعليمية وتحشيد روحي وسياسي عام، وحتى إدارة أمور البلاد والقضاء وحل الخلافات بين الناس. في الحقيقة لم يكن المسجد معبدًا دينيًا وحسب؛ بل كان مؤسسة تقوم بأعمال اجتماعية وثقافية متعددة خاصة. حتى كانت البيانات السياسية للحكومات تصدر من المسجد أيضًا. وفي الأساس كان المسجد أكثر من مجرد مكان، يعمل ضمن هيكلية تضم كوادر بشرية وإمكانات اجتماعية وأحيانًا مصادر مالية

(473)

مستقلة في سبيل حفظ الدين والقيم الدينية ونشرها وتعزيزها في المجتمع، وحتى في بعض المراحل كان يخلق تيارات اجتماعية أو دينية أو سياسية أيضًا[1]. إذ يمكن عدّ استحباب أداء صلاة التحية إبان الدخول إلى المسجد، مؤشرًا إلى حياة المسجد ومؤسسة المسجد. في تاريخ الإسلام، حوّلت الحالة الشعبوية والاستقلال المادي والإداري للمساجد عن الحكومات، حوّلتها إلى مؤسسات مستقلة عن الحكومة الإسلامية، إذ كانت تجري أنشطتها الثقافية والدينية على الدوام وفق ما تراه هيئة أمنائها الشعبية نافعًا[2].

لهذا السبب ثمة عدد كبير للغاية من الروايات، وكذلك الآيات التي تتحدث عن أحكام المسجد وآدابه وشؤونه وكيفية التعامل معه من ناحية التقديس والتكريم وإجراء الإصلاحات الإنشائية، كذلك تعمير المساجد بإقامة العبادات فيها وثواب الذهاب إلى المسجد وإقامة الصلاة والاعتكاف وحتى التوقف فيه[3]. «[رسول الله أرسى دعائم المسجد بوصفه قاعدة لتجمع المسلمين ومركزًا لهم، وأعد من المسلمين جيشًا قارع به المشركين ونافحهم، وكان يرسل دعاةً إلى القبائل والمدن المجاورة للدعوة إلى الإسلام، وأبرم مع يهود المدينة عهدًا لعدم الاعتداء، وكان يقيم حدود الإسلام، ويبتعث حكامًا وولاة إلى المدن والقبائل لجمع الزكاة والضرائب وإدارة أمور المسلمين»[4].

عُرف المسجد في عهد أئمة الشيعة عليهم‌السلام بوصفه مركزًا للمناظرات العلمية والاعتقادية، وكان العلماء من الفرق المختلفة يجرون مناظرات حول أمور مختلفة[5].

(474)

روي عن الإمام الباقر عليه‌السلام أنه قال لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة، وأفتِ الناس؛ فإنّي أُحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك»[1].

إضافة إلى أن المسجد كان يُستخدم حتى بوصفه سجنًا أيضًا: «فخلال عهد نبي الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله وأبي بكر، لم يكن ثمة سجن؛ إذ كانوا يحبسون الأشخاص في المسجد وفي مداخل المنازل ودهاليزها»[2]. كما أنه في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أوثقوا رئيس بلاد اليمامة بأحد أعمدة المسجد[3].

من الجدير ذكره أن مبدأ بناء المسجد[4] وصيانته، وكذلك إقامة صلاة الجماعة وصلاة الجمعة[5] ورفع الأذان[6]، يُعد من الشعائر الدينية، وأحيانًا تُعد حماية الشعائر وحراستها واجبًا وتارة أخرى مستحبةً. إذ تُقام كل هذه الشعائر لجهة حفظ الدين وصيانة القيم الدينية في المجتمع؛ لأنه على طول التاريخ كانت هذه الشعائر تضطلع بدور مؤثر للغاية في الذود عن الدين والقيم الدينية ونشرها.

الهيئات المذهبية

على الرغم من أن الهيئات المذهبية كانت غالبًا تتشكّل بناءً على محورية المساجد، وبالنظر إلى إمكانية وجود اختلاف مكاني لهذه الهيئات وتشكليها في الحسينيات والتكايا وغيرها، وكذلك ارتكازها على المناسبات المذهبية وازدهارها خلال هذه المناسبات، مضافًا إلى وجود تباين في أهدافها مع المسجد، يدفعنا هذا الأمر إلى دراسة الهيئات المذهبية في قالب مستقل.

(475)

يقوم أساس تشكّل الهيئات على تعظيم الشعائر المذهبية (الشيعية)، إذ تُقام هذه الشعائر حول مصائب الأئمة الأطهار عليهم‌السلام ومدائحهم، وتعد من خصائص المذهب الشيعي؛ ولا سيما مراسم عزاء الإمام الحسين عليه‌السلام التي تفضي إلى إحياء الحق، والحفاظ على نهضة عاشوراء حيةً[1].

يتمثَّل أحد أهم أنشطة الهيئات المذهبية في تعظيم مشاهد أهل البيت عليهم‌السلام الشريفة، وإقامة الهيئات في هذه الأماكن والتي تتسبب بدورها في ترويج القيم المذهبية، كما يعد ذلك المشهد الشريف مكانًا نورانيًا وملاذًا للناس لجهة تطبيق دينهم، إذ إن تدوين كتب الزيارات المتعددة منذ الماضي البعيد والإرشادات حول كيفية إجراء الزيارة[2] يندرج في هذا السياق.

حيث إن إيلاء الشيعة اهتمامًا لزيارة المراقد الشريفة وتأكيدات الأئمة الأطهارعليهم‌السلام واهتمامهم بإقامة الهيئات في هذه الأماكن أو مواضع تحيي ذكر أهل البيت عليهم‌السلام ، كانت في الأساس السبب في تبلور العمران وبناء المدن الخاصة حول هذه القبور، وما تبعه من تبلور ثقافة مذهبية خاصة حول تلك الأماكن. لهذا السبب يُذكر هذا النوع من المناطق بأنها مدينة أو قرية مذهبية؛ مثل مدينة مشهد المقدسة في خراسان ومدينة قم ومدينتَي كربلاء والنجف المقدستين في العراق. أفضى وجود هذه الثقافة المذهبية وتشكّلها إلى ترسيخ القيم الثقافية-المذهبية في تلك المدن، وبشكل عادي، يحظى الأمن الثقافي في هذا النوع من المدن بصلابة وهيكلية أكبر إزاء الغزو الثقافي الأجنبي؛ على سبيل المثال الاحتشاد الكبير والمليوني للناس في يوم الأربعين في كربلاء، وفي يوم شهادة الإمام الرضا عليه‌السلام في مشهد والمترافق مع إقامة مراسم وأعمال خاصة وتكرار هذه الاجتماعات الشعبية العارمة كل عام، يخلق موجة هادرة في تبليغ القيم الدينية، ويشكّل سدًا منيعًا ضد الهجمات التي تستهدف اعتقادات الناس[3].

(476)
المصادر المالية اللازمة للأمن الثقافي

تعد الخمس والزكاة والأنفال من الأبواب المهمة في الفقه. وتشكّل حالات وجوبها وإنفاقها ومن يستحقها أحد المباحث المهمة في هذه الأبواب[1]. وتتمتع حالات إنفاق هذه الأموال بشمولية واسعة، إذ تتضمن التعليم والدعوة إلى الدين وصولًا إلى الجهاد. إذ يعد الفقر من جملة شروط مستحقي الزكاة والخمس، حيث وضعت هذه الشروط في الحقيقة بهدف الحد من الفقر ورأب الصدع بين الأغنياء والفقراء. ويبدو جليًا أن الفقر يعد تهديدًا رئيسًا للثقافة، إذ يقلص بشدة قاعدة التلقين الصحيح للقيم والأعراف الدينية في المجتمع. كما أن القسم الرئيس من نصف الخمس المندرج تحت عنوان سهم إمام الزمان عليه‌السلام مخصصة للإنفاق العلمي والثقافي، حيث يُجيز الفقهاء تخصيصها في الحوزات الثقافية مثل إنشاء الحوزات العلمية والمكتبات والمراكز العلمية الكبيرة، وفي الأساس تعد هذه المصادر المالية أحد أسباب استقلال الحوزات العلمية الشيعية عن الحكومات. إذ يُنفق مراجع التقليد نيابةً عن الإمام المعصوم عليه‌السلام هذه الأموال في سياق حفظ الدين ونشر القيم والثقافة الدينية، ليترسخ نظام التفكير الديني.

الدعوة إلى الإسلام

الدعوة تعني طلب المسلمين من غير المسلمين قبول الإسلام أو الحاكمية الإسلامية، والتي تجري بطرق متعددة بما فيها الكلام والكتابة والسلوك. وثمة وجهتَا نظر حول مفهوم الدعوة: إذ يعتقد البعض أن المراد هو دعوة الآخرين إلى قبول الإسلام والقيم الأخلاقية الرفيعة، وفي المقابل، يُنشد البعض الآخر تفسير الآراء والأفكار وحسب. تأسيسًا على وجهة النظر الأخيرة، فالدعوة تعني توضيح

(477)

وتفسير اعتقادات الإسلام وعقائده وقيمه للأشخاص حتى يؤمنوا به بعد معرفة الإسلام. طبعًا يعتقد بعض المفكرين بكلتا الطريقتين؛ أي إن وظيفة المسلمين تتبدى في إفهام حقيقة الدين لغير المسلمين، وكذلك الطلب منهم قبول دين الإسلام واستقطابهم بأي شكل ممكن[1]

غالبًا ما تطرق فقهاء الشيعة إلى مبحث الدعوة وشرحوه في العموم في «كتاب الجهاد». فوفق آراء الفقهاء، تعد دعوة حاكم المسلمين لغير المسلمين قبل وقوع الحرب واجبًا كفائيًا وليس واجبًا عينيًا، ومجرد دعوة غير المسلمين-ولو عن طريق شخص واحد- تعد كافية، وليس لزامًا على الجميع أن ينبروا للدعوة[2].

تتمثّل النقطة المثيرة للاهتمام في سيرة أئمة الإمامية عليهم‌السلام في أن الدعوة لا تجري لزومًا إزاء غير المسلمين؛ بل على سبيل المثال حضرة أمير المؤمنين عليه‌السلام كان في الحروب الثلاث يعكف قبل اندلاع الحرب على الدعوة، لكن ليس دعوة لقبول الإسلام -لأنهم كانوا مسلمين- بل كان يدعو إلى اتباع الحاكم الإسلامي العادل.

استند الفقهاء إلى الآيات والروايات في وجوب الدعوة، إذ نقرأ في القرآن الكريم حول الدعوة الآية التالية:

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ[3].

﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ[4].

(478)

في هذه الآيات، إضافة إلى أمر الله تعالى للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حول مبدأ الدعوة وضرورتها، طُرحت قيم الدعوة الكلامية أيضًا وهي عبارة عن: الحكمة والموعظة والجدل الأحسن؛ كما أن أفضل سبيل للدعوة يتمثّل في اقتران الدعوة الكلامية بالعملية.

فالروايات الدائرة حول الدعوة كثيرة لدرجة أن الشيخ الحر العاملي في كتابه وسائل الشيعة أفرد بابًا بعنوان «وجوب الدعاء إلى الإسلام قبل القتال»[1] وبابًا آخر بعنوان «كيفية الدعاء إلى الإسلام»[2]؛ بما فيه: نقلوا عن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: «لا تقاتل الكفار إلا بعد الدعاء». كما أنه حضرة النبي بعد إرساء الحكومة الإسلامية في المدينة، دعا زعماء البلدان الأخرى وحكامها إلى الإسلام؛ بما فيه الرسائل التي دوَّنها إلى كسرى إيران وقيصر الروم وملك الحبشة واليمن، ودعاهم فيها إلى الإسلام وقيمه الإلهية[3].

أجمع الفقهاء على ضرورة الدعوة قبل اندلاع الحرب، واختلفوا فقط حول أن تكون الدعوة واجبًا كفائيًا أم عينيًا[4]. وتجري الدعوة بطريقتين: الدعوة اللفظية، والدعوة بالسلوك الحسن والتصرف اللائق، إذ يمكن أن تتخذ هاتان الطريقتان باقتضاء الزمان والمكان أشكالًا متنوعة، وراهنًا ظهرت أدوات وفنون كثيرة للغاية في مجال الدعوة والتبليغ، إذ يمكن أن تكون مؤثرة في سياق تطبيق هذه القاعدة الفقهية.

إعمال النظر في مبحث الدعوة في الفقه يشير إلى أن الجهاد والدعوة يسيران في الأساس في طريق واحد، وهو حفظ الدين والقيم الإلهية، وكذلك النظام الإسلامي. في الواقع تعد الدعوة فاتحة للجهاد، ولهذا السبب يعتقد الكثير من

(479)

الفقهاء أن الدعوة تكون واجبة قبل بداية الجهاد، بينما عدوا الجهاد من دون الدعوة غير شرعي[1]. وانطلاقًا من أن الجهاد يعد من طرائق حماية النظام الإسلامي، وبتعبير آخر يشكّل إحدى إمكانيات الفقه لجهة تأمين أمن النظام الإسلامي ضد التهديدات الخارجية، لذا يمكن تعريف الدعوة في هذا السياق أيضًا.

يتمثّل الأمر الذي يسترعي الاهتمام في إمكانية اعتبار الدعوة في المجال الأمني ما بعد التقليدي وحتى الخطاب الإيجابي جزءًا من الأمن. لأن الدعوة اليوم بطرق متنوعة وأدوات متعددة، تهدف إلى خلق رضى لدى الرأي العام للعدو أو الدولة المستهدفة. في الحقيقة يسعى النظام الإسلامي من خلال الارتكاز على مبدأ الدعوة وأداتها، إلى استقطاب الجو الذهني العام للعدو باتجاهه، أو أن يدفعه للشك في نظام العدو السياسي أو يحرّضه عليه، وفي كلا الأمرين، من خلال تغيير الجو الذهني للأفراد والرأي العام، يهيئ الأجواء في بلاد الكفر للانتقال من العداوة للنظام الإسلامي إلى الصداقة أو عدم العداوة، وكذلك يحرّضهم على نظام العدو، ويعد الأجواء للحفاظ على أمن النظام الإسلامي أو إزالة تهديدات العدو التي تستهدف أمن النظام الإسلامي. بتعبير آخر يخلق نوع النظرة إلى الدعوة قبل الجهاد، موجة دعائية وتهيئة نفسية تهدف إلى التأثير في أفكار جنود العدو.

في الحقيقة تضطلع الدعوة بأولوية قصوى بهدف نشر المعارف الإلهية والجهاد الابتدائي، ووفق وصف بعض الباحثين «فجهاد التحرير» هو مواصلة التبليغ بهدف إزالة العوائق التي تحول دون وصول أمواج المعارف الإلهية إلى أسماع العالم: «في البداية يظهر مع تيار دعائي جارف منبثق عن المجتمع الإسلامي، ومن ثم يقوّض المواقف الاعتقادية والقواعد الايديولوجية للخصم الذي يبسط سيطرته على دولة مزدوجة، ويُلحق به الجزء الأكبر من مجتمعه السياسي ضمن تقسيم ثوري يبعث

(480)

على الدهشة. تأسيسًا على ذلك تشكّل الميزة الثورية والتدميرية للكفاح، عقيدة تجعل الخصم يتخبط بغية الهروب من المصير المحتوم، ويفر من ساحة الحرب العقائدية إلى ساحة الحرب العسكرية، وعليه فجهاد التحرير بهذا الترتيب يغيّر شكله إلى مواجهة المسلمين العسكرية مع الخصم»[1].

تتمثل النقطة المهمة الكامنة هنا في لعب المكان والزمان دورًا بارزًا في أصالة الدعوة ونوعها في العلاقة مع مختلف الدول. وعليه على الرغم من أنه في الماضي كان الفقهاء يعدون الجهاد أحد طرق إرسال أمواج الإسلام الإلهية إلى الناس، لكن اليوم بسبب تبعات الحرب المقيتة، تأصلَ مبدأ الدعوة، ومن خلال استخدام أدوات متنوعة في متناول الناس، يمكن إيصال المنطق الإنساني للإسلام إلى العالم.

«يتعين عليكم من خلال الدعاية الصحيحة، تقديم الإسلام كما هو إلى العالم»[2]. كذلك ينبغي عليكم «إعداد مجاميع دعائية، وتدعون الناس إلى الدين»[3]. تتسم رؤية السيّد الخميني حول موضوع الدعوة، برؤية عصرية، ولهذا السبب يوصي سفراء الجمهورية الإسلامية الإيرانية في البلدان الأخرى: «من الأمور المهمة، وجود صحيفة في كل سفارة؛ صحيفة أخلاقية- إسلامية يدرج فيها القضايا التي حدثت في إيران»[4].

وفي هذا السياق يمكن راهنًا إجراء الدعوة في أشكال متنوعة عبر الإنترنت والقنوات الفضائية والإذاعة والتلفزة وغيرها. لا يمكن إنكار الدور الرئيس للدعوة في تمهيد أجواء الرأي العام في دولة ما ترتبط بالنظام الإسلامي، ودفع هذه الأفكار نحو الأهداف المنشودة. ففي الأساس خلق حالة شوق لدى الطرف المقابل

(481)

بغية المواكبة أو خلق حالة خوف ورعب لديه من أجل الانقياد، تعد من تبعات الدعوة وثمارها- سواء قبل الجهاد أو في الظروف التي لا يكون فيها جهاد؛ لكن تهديدات الأعداء تكون في أشكال مختلفة- وهذا التدبير أقل تكلفة بكثير قياسًا بتكلفة الحرب. ويمكن مشاهدة مثل هذا التدبير أيضًا في سيرة الأئمة الأطهار عليهم‌السلام. إذ ابتعث الإمام علي عليه السلام في حرب الجمل، عبدالله بن عباس بغية تنوير الرأي العام للجيش المقابل، وأدلى بتوصيات حيال كيفية مواجهة زعماء الجمل[1].

الالتزام بالآداب الإسلامية

تعد الأحكام المحرمة من الآداب الإسلامية التي تمهّد الأجواء وتشكّل عامل تأمين الأمن الثقافي، مثل النظر إلى غير المحرم والكذب وكيل التهم ووجوب ارتداء الحجاب. فحرمة النظر إلى غير المحرم تعد من الأحكام الاجتماعية[2]. ادعى صاحب كتاب الجواهر وجود إجماع بين الإمامية حول حرمة النظر إلى غير المحرم[3]. فالكذب والاتهام يهددان أمن المجتمع الثقافي ويقوّضان انسجامه، إذ جرى التأكيد على ذلك في الكتب الفقهية[4]؛ كما أن الحجاب الإسلامي للمرأة من الأحكام التي أجمع عليها فقهاء الشيعة والسنة. فاللباس الإسلامي يعد من رموز المجتمع الإسلامي، ولهذا السبب، خلال المرحلة المعاصرة، سعى الاستعمار والمتنورون وعملاء الغرب في الدول الإسلامية إلى كشفه، وفي المقابل خاض الفقهاء والعلماء كفاحًا شاقًا لمواجهة هذا الغزو الثقافي، وصون هذا اللباس. وتبين مؤلفات الفقهاء المعاصرين وآراءهم اهتمامهم الجدي بتحدي الغزو الثقافي.

(482)
تأليف القلوب

 «تأليف» مشتقة من كلمة «ألّف» وتعني الأنس والألفة والصداقة والعطف أيضًا، كما تعني جمع المتفرّقات ووصل شعثها[1]. لكن مصطلح تأليف القلوب في الفقه يعني إيجاد الألفة والعطف في قلوب الآخرين لمقاصد خيّرة مثل الدعوة إلى الدين والبقاء فيه ودفع الشر. طبعًا اليوم مضافًا إلى الأهداف الآنفة، من الممكن توخي تحقيق أهداف أخرى مثل تعزيز البنية الأمنية والدفاعية للبلاد من خلال تأليف قلوب بعض الدول، وتقديم الدعم السياسي للدولة الإسلامية على الصعيد الدولي، ومساندة الدولة الإسلامية ودعمها عسكريًا في حال نشوب الحرب، والتعامل الطيب مع الأقليات المسلمة القاطنة في دولة [غير] مسلمة والحؤول دون وقوع الظلم والإجحاف[2].

تشير النظرة إلى موضوع تأليف القلوب في الفقه ونطاق تطبيقه بوصفه قاعدة فقهية وكذلك حالات الاستخدام، إلى إمكانية دراسة تأليف القلوب أيضًا في مبحث الأمن بمفهومه ما بعد التقليدي (الأبعاد غير العسكرية الأمنية)، وكذلك في قالب الخطاب الإيجابي والذي يشكّل الرضى والقبول أساسه ومعياره.

تأليف القلوب من الناحية الفقهية عبارة عن: دعم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، والإمام عليه‌السلام أو ولي أمر المسلمين، المسلمين أو الكفار اقتصاديًا بهدف استقطابهم من أجل الجهاد والإسلام والدفاع عنه. ومن وجهة نظر الفقه فقد جرى تخصيص ميزانية خاصة وهي الزكاة بهدف تحقق هذا الدعم الاقتصادي. كما جاء في القرآن الكريم، إذ إن إحدى الحالات الثماني لصرف الزكاة هي تأليف القلوب:

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ

(483)

وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[1].

استند الفقهاء من أجل حكم تأليف القلوب، إضافة إلى الآية السالفة، إلى الروايات[2] والدليل العقلي وسيرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضًا. وثمة روايات متعددة توضح سيرة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تأليف القلوب في بعض الغزوات؛ بما فيها غزوة حنين، حيث أعطى أبا سفيان وعينية [بن حصين الفزاري] غنائم أكثر مما أعطى سائر المسلمين[3].

على الرغم من إجماع الفقهاء حول تأليف القلوب بوصفه أحد أشكال إنفاق الزكاة وجوازه أو لزومه في بعض المواضع، لكن اختلفت آراؤهم حول مصداق «الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ»؛ فالبعض ذهب إلى أن هذا الحكم يشمل الكفار فقط[4]، والبعض الآخر قالوا: إن مصاديقه تنسحب على المسلمين[5]، وثمة رهط يعدون أيضًا مصاديق «الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» تنطبق على الكفار والمسلمين[6]. قَبِلَ صاحب الجواهر القول الأخير، إذ يعتقد: «التحقيق بعد التأمل التام في كلمات الأصحاب والأخبار المزبورة ومعقد الإجماع ونفي الخلاف أن «الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» عام للكافرين الذين يُراد ألفتهم للجهاد أو الإسلام والمسلمين ضعيفي العقائد، لا أنَّهم خاصّون بأحد القسمين»[7].

قسّم المحقق الحلي -نقلًا عن الشيخ المفيد- المسلمين الواجب تأليف قلوبهم إلى أربع مجموعات وهي:

(484)

1. قوم حديثو الإسلام، إذا أُعطوا، يُستمال كبراؤهم إلى الإسلام أيضًا.

2. قومٌ في نياتهم ضعف، فيعطون لتقوى نياتهم.

3. قومٌ من [المسلمين] في طرف بلاد الإسلام وبإزائهم قوم من أهل الشرك، فإذا أعطوا رغب الآخرون.

4. قومٌ بإزائهم قوم آخرون من أصحاب الصدقات، فإذا أعطوا جبوها وإن لم يعطوا احتاج الإمام إلى مؤنة في بعث من يجيء زكواتهم.

لا يرى المحقق الحلي بأسًا في هذا التفصيل، ويعده في مصلحة البلد الإسلامي، ونظر المصلحة موكول إلى الإمام[1].

جدير بالذكر أن الشيخ مفيد أضاف مجموعتين إلى المشركين المشمولين بتأليف القلوب:

1. قوم لهم قوة وشوكة، يمكن بتأليف قلوبهم توظيف قوتهم لمصلحة المسلمين أو البلد الإسلامي.

2. قومٌ لا سعة مادية لديهم، وهم مجرد أفراد أو حكومات متنفذة، يمكن توظيف تنفذهم ليصب في مصلحة البلد الإسلامي[2].

كتب السيّد الخميني حول شمولية أصل تأليف القلوب للكافرين والمسلمين:

««الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» وهم الكفّار الّذين يُراد أُلفتهم إلى الجهاد أو الإسلام، والمسلمون الّذين عقائدهم ضعيفة، فيعطون لتأليف قلوبهم، والظاهر عدم سقوطه في هذا الزمان»[3].

كتب الشيخ ضياء الدين العراقي وهو أحد أبرز الفقهاء المعاصرين في تفسير

(485)

جامع حول تأليف القلوب: «وهم الذين يُستمالون للجهاد وإن كانوا كفارًا... المراد من الجهاد في المتن أيضًا معناه الأعم من الدفاع، بل لا اختصاص له به، فيشمل كل من يكون في استمالته دخلٌ في شوكة الإسلام، كافرًا كان أم غير كافر، ولا اختصاص أيضًا لهذا الصنف بالفقراء منهم ولا زمان الحضور»[1].

تشير آراء فقهاء أعلام مثل صاحب الجواهر والسيّد الخميني والشيخ مفيد والمحقق الحلي وآقا ضياء الدين العراقي- الواردة آراؤهم فيما سلف- حول مصاديق «الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» وكذلك مصاديق مصارفها، تُشير إلى أن نطاق مصاديقها ومصارفها واسع للغاية؛ لأن غايتها وهدفها يتمثلان في تعظيم الإسلام وشعائره وصون النظام الإسلامي في ظل ترغيب مجموعة، مسلمين وكفار، بالجهاد أو الأعمال المشابهة لذلك.

اليوم تباينت وتغيرت وسائل وأدوات تعظيم وتعزيز النظام الإسلامي ومكانة المسلمين كثيرًا، ولا ينبغي تناول هذه المقولة بشكل مجرد بنظرة تقليدية للمحافظة على كيان الإسلام بما فيه الجهاد العسكري. فإيجاد القبول والرضى لدى الأشخاص أو المؤسسات أو الأحزاب وحتى الحكومات لجهة زيادة قوة ردع النظام الإسلامي مقابل الحكومات المعادية، يتقبل أساليب متنوعة، حيث يمكن أن يشكّل تأليف القلوب من خلال نظرة جديدة إحدى هذه الأدوات.

الجدير ذكره أن تأليف القلوب لا يجري حول الأجانب وحسب، بل يتخذ مصداقًا لاستقطاب اهتمام المعارضين الداخليين ولفت انتباههم لجهة الأهداف والقيم الإسلامية.

 

(486)
عوامل أخرى

من بين العوامل التي آتينا على ذكرها في مستهل هذا المبحث، جرى تفسير عاملَي الحكومة العادلة ومؤسسة الوقف على التوالي في فصول الأمن السياسي والأمن الاقتصادي بشكل وافٍ وكافٍ. وهنا نشير إليهما بشكل مجمل.

1. الحكومة العادلة: بناءً على ما ورد في تفسير الحكومة العادلة في فصل الأمن السياسي، نشير هنا إلى دور الحكومة العادلة في الأمن الثقافي؛ فكما تكون الحكومة الظالمة سببًا في الضلالة الثقافية، فالحكومة العادلة أيضًا تهيئ الأجواء لنشر القيم الدينية في المجتمع وتعزيزها. وتغدو الحكومة العادلة من خلال الإمساك بالإمكانيات المادية والعينية الواسعة، المرشد والموجّه لثقافة الناس في طريق الحق ودعم حقوق الناس ضد المعتدين عليها؛ كما قال الإمام الصادق عليه السلام: «في ولاية والي العدل وولاته إحياء كل حق وكل عدل وإماتة كل ظلم وجور وفساد»[1].

2. مؤسسة الوقف: يعد الوقف من السنن المستحبة في سيرة الأئمة المعصومين عليهم‌السلام وعند الأكابر والعلماء وعامة الناس؛ وبفضله تأسست الكثير من المؤسسات العلمية والثقافية والدينية والخيرية في العالم الإسلامي[2].

لمؤسسة الوقف تأثير كبير في إنشاء المؤسسات والمراكز الثقافية والاقتصادية والاجتماعية واستمرار حياتها، وشکّلت على مدار التاريخ مصدرًا لحركات مؤثرة.

تدفع استمرارية الوقف مع الإسلام وكذلك دعائمه الدينية، المجتمع لإيلائه اهتمامًا كبيرًا. وفي تاريخ الإسلام ثمة قسم بارز يتعلق بنتائج مؤسسة الوقف على الصعيد الثقافي مثل إنشاء المساجد والحسينيات والتكايا والمدارس وغيرها، وبالنظر إلى أملاك هذه الموقفات واستقلالها المادي، بُذلت مساعٍ لتُنشئ نهجًا ثقافيًا خاصًا

(487)

يقوم على التعاليم الدينية وسعت إلى نشره[1]. وتحولت هذه الأجواء والنهج الثقافي إلى أرضية للحفاظ على الكثير من القيم الإسلامية، وفي الأصل خَلقَ نهج مؤسسة الوقف هذا، أجواءً ثقافية خاصة في المجتمع، تكون متباينة عن الثقافات الغازية، وتهيئ آليات نقل القيم الدينية إلى أفراد المجتمع أيضًا.أ

على الرغم من أن الوقف أمرٌ مستحب، فقد اضطلع بدور كبير في تنمية المراكز العلمية والبحثية والثقافية في العالم الإسلامي، إذ إن بناء آلاف المدارس والمساجد والمراكز الثقافية والمكتبات من نتائج هذا الحكم الشرعي؛ حيث أُنشئت أكبر المراكز العلمية في العالم الإسلامي بدءًا من دار الحكمة والمدرسة النظامية في بغداد والمدرسة النظامية في نيسابور، مرورًا بالأزهر في مصر والقيروان وقم والنجف، بفضل هذه المصادر المالية الشرعية، وتُدار أيضًا بوساطتها.

المفاهيم الفقهية المرتبطة بعوامل تهديد الأمن الثقافي

إلقاء نظرة على أبواب الفقه المتنوعة، تقدِّم أحكامًا وقواعد كثيرة مرتبطة بمسائل تؤثر سلبًا في ثقافة المجتمع الديني. ومن أهم هذه المسائل، كتب الضلال والتشبّه بالكفار والارتداد والبدعة. طبعًا يتمثّل أحد أهم عوامل تهديد الأمن الثقافي في وجود حكومة ظالمة. يقول الإمام علي عليه‌السلام عن الدور المؤثر للحاكم الظالم في الاستحالة الثقافية للمجتمع الإسلامي: «إنَّ شَرَّ الناسِ عندَ اللّهِ إمامٌ جائرٌ ضَلَّ وضُلَّ بهِ، فَأماتَ سُنَّةً مأخوذَةً وأحيا بِدعَةً مَتروكَةً»[2]

كتب روبرت ماندل عن دور الحكومة في ثقافة المجتمع: تلعب العقائد الثقافية، دورًا مهمًا في البنى والمناهج السياسية[3]. لهذا السبب يولي الحكام وعمالهم بالغ

(488)

الاهتمام بالثقافة والاعتقادات الثقافية، ويعللونها في سياق المصالح الظالمة وإضفاء الشرعية على حكوماتهم، ويغيرون السنن الإلهية وفق مصالحهم؛ ويتمثّل النموذج البارز لهذا النوع من السياسات الثقافية للحكام الظالمين، في سياسة بني أمية من خلال إيجاد أفكار الجبرية ونشرها، وتسويغ كل أعمالهم الظالمة في ظل ثقافة ذات نزعة جبرية في المجتمع، يجري فرضها وتقبّلها[1].

لهذا السبب وصف الله تعالى في القرآن الكريم على لسان بلقيس ملكة سبأ، الملوك بالمفسدين وخالقي الفوضى: ﴿قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا[2].

يقوم دور الحاكم الجائر على تشويه الفضاء الثقافي المبني على القيم الوحيية، إذ تعد الروايات، أن مواكبته ومساعدته بمنزلة الخروج من الإسلام: «من مشى إلى ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام»[3].

وهنا نتطرق إلى توضيح العوامل التي تهدِّد الأمن الثقافي:

كتب الضلال

كان الشيخ المفيد في كتاب المقنعة أول من طرح مبحث كتب الضلال في الفقه. وطرح عنوانَي «كتب الكفر» و«كتب الضلال» وأصدر حكمًا بتحريم حفظ كتب الكفر والضلال والتكسب بها: «ولا يحل كتب الكفر وتجليده الصحف، إلا لإثبات الحجج في فساده. والتكسب بحفظ كتب الضلال وكتبه على غير ما ذكرناه حرام»[4].

وحول حكم حفظ كتب الضلال، ثمة ثلاثة أقوال بين الفقهاء:

(489)

1. حفظ كتب الضلال حرام بالمطلق. صاحب الجواهر يقبل هذا القول[1].

2. حفظ كتب الضلال ليس حرامًا. فقد أفتى آية الله الخوئي وآية الله الإيرواني بهذا الأمر. طبعًا يقول هؤلاء الفقهاء أيضًا بحرمة ذلك إذا أدى حفظ كتب الضلال إلى الإضلال، أو أن يكون الحفظ بقصد الإضلال[2].

3. إذا ترتب على حفظ هذه الكتب مفسدة أو ضلالة، فهو حرام. يعتقد الشيخ الأنصاري بهذا القول[3]؛ طبعًا إلّا من حيث ترتّب على حفظ الكتب مفسدة الضلالة قطعًا أو احتمالًا قريبًا. وللإمام الخميني رأي أيضًا شبيه برأي الشيخ الأنصاري[4].

كتب صاحب الجواهر بعد نقل قول كاشف الغطاء حول كتب الضلال:

«إن ما سمعته من الدليل لا يقتضي الاختصاص بذلك بل مقتضاه الحرمة في كل ما كان به ضلال، قلَّ أو كثر، وضع لذلك أو لا»[5].

وبغية تعزيز رؤيته أفاد من آراء الفقهاء السابقين حول حكم حرمة الموارد الضالة، في الكتب التي أُلّفت بدافع آخر، حيث يكتب: «فالمراد حينئذ من الكتب كل كتابة ضلال أي غير رشاد: وعليه فالمراد من الكتب الضالة، كل كتاب مضل بمعنى غير مفيد ».[6]

وحول المقصود من الضلال، كتب آية الله سبحاني في تصنيف مطالب الشيخ الأنصاري:

1. المراد من الضلال هو الباطل، فکلّ کتاب کان مشتملًا علی الباطل والکذب

(490)

فهو کتاب ضلال، سواء أکان مشتملًا علی ما یخالف العقیدة والأحکام أم لا.

2. المراد من الضلالة مقابل الهدایة، فکلّ کتاب أوجب الضلالة وإن کانت مطالبه في حد نفسها حقًا، کبعض المطالب العرفانیة. والحاصل: أنّ المراد کل کتاب أوجد فسادًا فی العقیدة الدینیة.

3. کلّ کتاب وضع لغرض الإضلال وإغراء العوام، وما تترتب علیه الضلالة، سواء أکان معدًّا لذلك أم لا[1].

وتأسيسًا على ذلك تشمل كتب الضالة كل كتاب ومرقوم يترتب عليه الضلال؛ سواء كان غرض المؤلف الإضلال أم لا، أو الاستدلال لإثبات المدعى من عدمه؛ وسواء كانت الموضوعات محقة أو لا وبأي لغة وأسلوب يجري ذلك، سيدخل في هذا الحكم[2].

يجدر بالذكر أن الروح الكلية التي تحكم المسألة، تدل على دفع الفساد في مختلف جوانب حياة الانسان، وتبدو المسألة في الأغلب موضوعًا اجتماعيًا. وعليه من المناسب أن نجعل تعريف الشيخ الأنصاري معيارًا لذلك، وكل شيء يوجب الضلال، يكون محكومًا بحكم كتب الضلال.

فيما يتعلق بكتب الضلال، تكمن المسألة المهمة في طرق الاستفادة التي يفرضها حكم الحرمة عليها. من دون ريب تأليف وتدوين وكذلك حفظ واقتناء كتب الضلال محرم، وأجمع الفقهاء على ذلك.

كما أن ممارسة العمل الاقتصادي بكتب الضلال الذي كان يجري في الماضي في المكتبات وعمليات النسخ وموضوع كسب المال عن طريف اقتناء وحفظ الكتب غير جائز؛ لهذا السبب يجري بحث كتب الضلال في مبحث المكاسب المحرمة. عد

(491)

الشيخ مفيد التكسب بحفظ كتب الضلال واستنساخها حرام: «والتكسب بحفظ كتب الضلال وكتبه على غير ما ذكرناه حرام»[1].

وعليه مضافًا إلى حرمة التأليف والحفظ والاقتناء، يعد التكسب بكتب الضلال بما فيه نسخها وطباعتها حرام أيضًا.

ثمة حالة أخرى من الاستفادة المحرمة من كتب الضلال، تتمثّل في تعليمها وتلقينها. وقد أشار الشهيد الأول لأول مرة إلى هذا الأمر في كتاب اللمعة[2]. ورفعها الملا أحمد النراقي بتقييد «المعروف من مذهب الأصحاب بلا خلاف بينهم» إلى حد حرمة النسخ والحفظ، ولاحقًا طُرح مبحث حرمة تعليم وتعلّم الكتب الضالة بشكل جدي؛ حتى صاحب الجواهر عدّ مطالعتها وتدريسها حرام[3]. في الحقيقة بعد أن ثبُتت حرمة الكتب الضالة، والمراد من الضالة الإضلال، بكل تأكيد يمكن أن يشكل تعليم الضلالة وبوصف أدق الإضلال عن طريق التعليم، مصداقًا جليًا للإضلال[4].

تأليف كتب الضلالة وتدوينها يعد أحد متعلقات حكم الحرمة، وفي هذه الحالة إذا كان حفظ هذه الكتب حرامًا، فبالطريقة الأولى ينبغي أن يكون تأليف هذا النوع من الكتب وتدوينه محرمًا.

تتمثّل إحدى المسائل المرتبطة بكتب الضلال، في إتلافها. إذ يؤكد الشهيد الثاني في كتاب المسالك على إتلاف هذه الكتب ويكتب: «بلا تقية إتلاف كتب الضلالة واجب؛ في حال تعذر فصل أقسام الكتاب المضلة»[5]. وفي الأساس يعد صاحب

(492)

الجواهر حفظ كتب الضلال محرمًا بسبب وجوب إتلافها، لأن الكتب الضالة تندرج تحت عنوان «الوضع للحرام» وعنوان «ما من شأنه ترتب الفساد عليه». وعليه فحكم حرمة هذه الكتب أولى من حرمة هياكل العبادة المبتدعة[1]. كما عدَّ الفقهاء المتأخرون إتلاف كتب الضلال واجبًا أيضًا[2].

استند الفقهاء للاستدلال على حرمة كتب الضلال إلى آيات وروايات متعددة؛ بما فيها الآيات التالية، الآية /6/ من سورة لقمان: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ. كما استند الفقهاء إلى الآيات 30 من سورة الحج و166 من سورة النحل أيضًا.

كتب صاحب الجواهر عن مستندات كتب الضلال: «بل قد يُستفاد حرمته أيضًا ممّا دلّ على وجوب اجتناب قول الزور ولهو الحديث والكذب والافتراء على الله»[3].

ومن المستندات الروائية لحرمة كتب الضلال يمكن الإشارة إلى رواية تحف العقول عن الإمام الصادق عليه‌السلام حيث يقول: «وكل منهي عنه مما يتقرب به لغير الله تعالى أو يقوى به الكفر والشرك من جميع وجوه المعاصي، أو باب يوهن به الحق، فهو حرام محرمٌ بيعه وشراؤه وإمساكه ومِلكُه وهبته وعاريته وجميع التقلب فيه إلا في حال تدعو الضرورة فيه إلى ذلك»[4].

يعتقد صاحب الجواهر أن كتب الضلال تدخل في رواية الإمام الصادق عليه‌السلام[5].

وفي الاستدلال على حرمة كتب الضلال، استندوا أيضًا إلى حكم العقل، فالشيخ الأنصاري كان أول فقيه يستدل على ذلك، إذ يقول: «يدل عليه مضافًا إلى حكم

(493)

العقل بوجوب قطع مادة الفساد»[1]. ويدل كلام المعصوم عليه‌السلام على ذلك في رواية جاءت في كتاب تحف العقول.

يستدل المحقق الأردبيلي على حرمة هذه الكتب بسبب انطوائها على البدعة: «لعل دليل التحريم... أنها مشتملة على البدعة، ويجب دفعها من باب النهي عن المنكر»[2].

كما أن صاحب الجواهر استند في حرمة كتب الضلال إلى وجوب جهاد أهل الضلال، وعدّ التصدي لآثار الضلال التي تؤدي إلى اتساع رقعة فكر الضلال، أولى من مواجهة المضلين أنفسهم[3].

تكمن النقطة المهمة للغاية حول حكم كتب الضلال، في مصداق الكتب التي يبدو أنها تشمل كل مكتوب ومؤلف مختصر أو مفصل؛ وعليه ليس ثمة ضرورة لتكون كتابًا حتى يتخذ حفظها حرمةً؛ بل ينسحب الأمر حتى على صفحة إعلان وصحيفة ومطبوعة وغيرها. كما أنه في الوضع الراهن يمكن للمجتمعات من خلال تنقيح المناط، عدّ حالات مثل الأفلام والفيديوهات وبرامج الحاسوب والإنترنت والأقمار الصناعية مندرجة تحت هذا العنوان الكلي[4].

ما عُرض من أدلة حيال حكم الكتب الضالة يقتضي وجوب إتلاف (تحريم الحفظ) كل الأشياء التي تؤدي إلى الضلال و«الكتب» ليست موضوعية؛ ولذلك إضافة إلى الكتب، كل شيء من شأنه أن يضل، فحفظه حرام، مثل المزار والمقبرة والمدرسة؛ وانطلاقًا من ذلك من الأمثل أن يجري اختيار عنوان عام وواسع حتى يشمل كل المصاديق. فربما هدف الفقهاء من اختيار هذا العنوان (كتب الضلال)

(494)

بيان المثال، وليس تقييد الموضوع؛ لأن أكثر ما طُرح في هذا الباب وابتلي به، هو «الكتاب». والكتاب المقصود هنا هو الكتاب الذي «من شأنه أن يضل أو يوجب الضلالة».

ليس ثمة قول وكلام مخالف بين الفقهاء حول دور كتب الضلال بوصفها تشكّل تهديدًا للأمن الثقافي وتخالف المقصد الشرعي «حفظ الدين». إذ إن كتب الضلال سواء بالمعنى الخاص والمقتصر على كتب الضلال أو بالمعنى العام والمتحول، تشمل كل شيء يُفرض عليه صفة الاضلال، بدءًا من الكتاب والمجلة وصولًا إلى وسائل الإعلام الحديثة الضالة والإنتاج والحفظ والاقتناء والنشر والطباعة والتكسب بها، وحتى تعليمها حرام؛ لأن المناط في تحريم هذا الكتب هو الإضلال المستتر أو الظاهر في كل هذه الإنتاجات الثقافية. هذا وسعى الشارع المقدس من خلال تكليف المؤمنين بحكم الحرمة، في الوهلة الأولى لیحول دون اضطلاع كتب الضلالة بدور، وجهد في الوهلة الثانية لتقليص عمق تأثيرها ونطاقه.

ومن خلال إلقاء نظرة على الأحكام وآراء الفقهاء ومقاصد الشريعة، في هذا الصدد يمكن تتبع هذا الهدف.

التشبه بالكفار

ما يستهدفه الغزو الثقافي هو المعتقدات والقيم وسلوكيات المجتمع، وتحاول الثقافة الغازية أن تخلق تغييرًا بنيويًا في ثقافة ذلك المجتمع ومعتقداته. فالغزو مرتبط نسبيًا بشكل مباشر بتقبل الضرر[1].

تمتلك الثقافة في أي مجتمع، ميزات مثل أنها مكتسبة وتتسم بالقبولية وتمنح هوية للمجتمع[2] فتجعله أكثر استعدادًا لقبول الغزو؛ فالغزو الذي يمكن إحصاء

(495)

هذه الميزات له: في العادة يكون غير مرئي وغير محسوس؛ وطويل الأمد ومستمرًا؛ ومتجذرًا وعميقًا؛ ومتعدد الجوانب وشاملًا؛ ولديه برامج وأدوات كثيرة، وبطيئًا وصامتًا[1].

تستخدم الثقافة الغازية بغية المضي قدمًا بأهدافها في المجتمعات الإسلامية، الأساليب التالية: نشر الأفكار غير الإسلامية والمناوئة للإسلام وترويجها، ونشر الأفكار الالتقاطية، وإزالة التقديس، ونشر العلمانية وإضعاف القواعد الاعتقادية لدى الشباب. كما تهدف إلى نشر الحداثة، والعلموية والعقلانية المتطرفة، ونشر ثقافة السفور، وترويج الموضة الغربية وغيرها[2]، يجري التغلغل الثقافي عن طريق عرض موضات ملابس متنوعة، والأحذية والقبعات والمكياج، وصور عديدة لديكورات المنازل، وإنشاء المباني والأنظمة الآلية، والسلع الفاخرة والكمالية، والأفلام والمجلات والمطبوعات المستوردة، ويكون ذلك بنحوٍ متساوق بالكامل مع آمال الشعب المتعرض للاختراق وأمنياته ورغباته.

يقول محمد حسين كاشف الغطاء أحد الفقهاء المعاصرين، حول مخاطر الغزو الثقافي للغرب: «ترسخت الروح الغربية في جسم الشرق وجسد العالم الإسلامي، واستلبت منه كل العواطف القيمة والمشاعر الروحية والشرف المعنوي، والفخر والاعتزاز والاستقلال. ولم تكف هذه الروح الغربية حتى أخذت الإنسان المشرقي إلى موضع جعلته يسخر فيه من دينه وقرآنه، ورمى التزاماته وراء ظهره»[3].

أهم مبحث فقهي تناول موضوع الغزو الثقافي هو «التشبه بالكفار». فالتشبه يعني قيام شخص من ناحية السلوك أو طريقة اللباس –من ناحية الجنس، والدين

(496)

أو غير ذلك- بتقليد تصرفات تختص بجمع من الناس، فيصبح مثلهم، مثل ارتداء ملابس النساء من الرجل وعكس ذلك، وتعليق الصليب على أعناق المسلمين. وانطلاقًا من هذا العنوان جرى الحديث عن أمور متنوعة مثل الصلاة والحج والجهاد والتجارة والأطعمة والأشربة.

بعض أنواع التشبه محرم، وبعضها مكروه والبعض الآخر مستحب. ومن مصاديق التشبه الحرام، تشبّه المسلمين بالكفار في استخدام الرموز الدينية الخاصة بهم مثل الصليب الذي يعد من شعائرهم[1]. أما التشبه المكروه، فيتمثل في تشبّه المسلمين بالكفار في الملبس؛ ومن جملة مصاديق هذا النوع من التشبه الذي أتى الفقه على ذكره، اعتمار البرطلة (نوع من القبعات الخاصة باليهود) وعقد الخصر بشيء يشبه الزنار[2]. ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأحوط يتمثل في ترك هذا النوع من التشبّه[3]، وبعضهم قال بتحريمه[4]. والتشبّه بالكفار في السلوك والتصرف والذي يتخذ في الظاهر تشبهًا بهم، على الرغم من أن دافع الفاعل، ليس هذا التشابه، مكروه[5]. فقد جاء في الحديث القدسي: «قل لعبادي لا تلبسوا ملابس أعدائي، ولا تطعموا مطاعم أعدائي، ولا تشبّهوا بأعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي»[6].

طُرح في إيران بشكل جدي موضوع التشبّه بالكفار ولا سيما أواخر العهد القاجاري، وفي شكل تقليد الثقافة الغربية، ولهذا السبب أولى الفقهاء المعاصرون هذه المسألة اهتمامًا بالغًا. ومن جملة الفقهاء الذين اهتموا بهذا الموضوع، وتبنوا

(497)

حكمًا شديدًا ضده، كان الفقيه عارف والميرزا جواد آقا الملكي التبريزي: «وظني أن هذا أغلظ صور المخالفة، وأقبحها على العاقل لأن التشبّه بأعداء الله، والتلبس بلباسهم في حضوره، بعد نهيه بالخصوص، كأنه مبارزة ومعاندة له في حكم العقل... فالتلبس بلباس الكفار في بلاد المسلمين، مع كونه منكرًا عندهم، لا يكون إلا من مناسبة ذاتية، وإلا فالعرضيات هناك تقضي بتركه، وذلك كتلبس بعض أهل زماننا بلباس الإفرنج، فإنهم يتشبهون بالإفرنج بقصد الوجه فيما يضرهم في دنياهم أيضًا، بل قد رأى أن بعضهم من جهة التشبّه بهم، يعالجون شعرهم الأسود بالدواء ليكون أصفر ويشبه الإفرنج»[1].

نهى آية الله لاري وهو من الفقهاء البارزين في عهد الثورة الدستورية، عن التشبه بالكفار حتى في حلاقة اللحية أيضًا[2]، ويعتقد: «لأن كل هذه الملابس تجعلكم شبهين بلباس الكفار وتثير شهوة الأشرار والأراذل والفجار، لازم تغييرها وواجب تبديلها على الفور»[3].

تعد حرمة التشبه بالكفار في اللباس والتزين والسلوك المتأثر غالبًا بالثقافة الغربية، من الآراء التي يعتقد بها أغلب الفقهاء المعاصرين: «في العموم التشبه بالكفار حرام، ويتعين على الشباب المسلمين تجنب التزين بالشكل المذكور وارتداء هذا النوع من اللباس»[4].

وعدّ بعض الفقهاء التشبه بالكفار وفق شروط موجبًا للارتداد: «من دون ريب التشبه بالكفار واتباعهم، في حال كان الدافع الدخول في هيئة الكفار والخروج من هيئة المسلمين، حرام؛ لأنه إذا أدرك المتشبه أن هذا العمل يعني العدول عن

(498)

الإسلام، فارتكابه يوجب الارتداد»[1]. ثمة آيات أخرى تدل على أن اتباع الكفار يوجب الضلال والفساد[2].

وحرم السيّد الخميني حتى شراء السلع التي ينجم عنها غزو ثقافي وبيعها أيضًا: «كل ما يتنافى لباسه مع العفة والأخلاق الإسلامية أو نشر الثقافة الغربية التي تعد معادية للثقافة الإسلامية، غير جائز استيراده وبيعه وشراؤه وارتداؤه، وفي هذا المورد يتعين الرجوع إلى المسؤولين المعنيين حتى يتصدوا لذلك»[3].

الارتداد

الارتداد يعني العودة من الدين (هو الكفر بعد الإسلام). يقسم الارتداد من الناحية الفقهية إلى قسمين: الارتداد الفطري والارتداد الملي. المرتد الفطري يعني الشخص الذي كان على فطرة الإسلام وولد من أبوين مسلمين، ورجع عن الإسلام؛ لكن المرتد الملي يعني الشخص الذي يكون مسلماٌ في البداية، ومن ثم اعتنق الإسلام؛ ثم ارتد بعد إسلامه[4].

تشكّل أحد المباحث المهمة في الارتداد، معيار الارتداد وضابطه. فالمرتد هو شخصٌ أنكر إحدى ضروريات الدين بشكل من الأشكال الثلاثة التالية:

بسبب العناد، أو الاعتقاد، أو السخرية. وفي الأشكال الثلاثة، لا اختلاف في أحكامه[5].

وحول تأثير الارتداد في الأمن الثقافي، يتعين القول: إن الارتداد مضافًا إلى أنه يعزل الفرد عن الدين والقيم الدينية، يصبح سببًا لضعف اعتقاد الآخرين، ويعد

(499)

الأجواء لاختراق اعتقادات الناس وتقليص مقدرة الدين في ميادين عديدة. فقد تجلى هذا الأمر أيضًا في صدر الإسلام، إذ کان بعض اليهود وبهدف إضعاف دين الإسلام، يسلمون في الصباح ومن ثم يتركون الإسلام ويرجعون إلى اليهودية، حتى يقولوا للآخرين إن الإسلام ليس كما يتصورنه أو مثلما جاء في التوراة[1]. لذلك فارتداد مسلم -سواء بمعرفته بهذه العواقب أو جهله- يشكّل عامل تهديد للأمن الثقافي للمجتمع الإسلامي. ومن جملة المصاديق التاريخية للتصدي الشديد لمسألة الارتداد، يمكن الإشارة إلى تمرد المرتدين وإعداد العدة للهجوم على المدينة في أعقاب رحيل النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمعروفة «بحروب الردة».

البدعة

البدعة نوع من الخروج عن الحدود المقبولة لسنة تاريخية مستمرة؛ سنةٌ تتضمن الأسس المعرفية والقيمية والمثالية الخاصة التي جرى التأكيد على حفظها. وعليه فإنها نوع من النزعة نحو الخروج من النطاق المعرفي أو المعياري المتواصل لسنةٍ ما.

بالنظر إلى المصادر الروائية الشيعية، للبدعة ثلاثة قيود رئيسة: 1. نوع يتمثّل في السيطرة على أحكام الدين وعقائده (التصرف بالزيادة أو النقصان)؛ 2. تترافق مع الإشاعة والدعاية والدعوة؛ 3. لا يوجد في أسناد الشرع، دليلٌ عام أو خاص على جوازها. يظهر الاتصاف بالبدعة في مناخ السجالات، إذ يكون طرف ذلك السجال قائمًا على المقولات الدينية. وفي العادة تتمثّل البدعة في تيارين اثنين: تيار المتدينين المنتقدين، وتيار غير المتدينين[2].

في الواقع البدعة هي الابتداع في الدين؛ في وقتٍ لا تكون فيه موجودة في الدين، ويجري إظهارها بوصفها أحد الطرق الشرعية. باختصار؛ تتمتع البدعة العملية

(500)

بميزتين: الأولى؛ ليس لها أساس وأصل في الشريعة، الثانية؛ تَعرضُ طريقًا شرعيًا.

كتب العلامة المجلسي في رواية عن الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخصوص ضلالة كل أنواع البدعة: «البدعة كل رأي أو دين أو حكم أو عبادة لم يرد من الشارع بخصوصها ولا في ضمن حكم عام، وبه يظهر بطلان ما ذكره بعض أصحابنا تبعًا للعامة من انقسام البدعة بانقسام الأحكام الخمسة»[1].

الأمر الذي يسترعي الاهتمام يتمثّل في أنه للبدعة ثلاث تبعات سلبية على المجتمع الإسلامي وهي:

1. تسبّب في ترك السنن: «ما أُحدثت بدعة إلا تُرك بها سنة فاتّقوا البدع»[2].

2. تطرح البدعة الوجه المزيف للدين، إذ يخلق ذلك في بعض الأحايين نفورًا لدى المخاطبين.

3. تتسبب في استحالة الدين؛ بنحوٍ لا يلحظ فيه حتى المتدينين أيضًا استحالة الدين التدريجية؛ لأن البدعة أحيانًا تتسلل بتؤدة وهدوء إلى الدين والمتدينين، مثل حركة النمل تحت جنح الظلام على الحجر الأسود.

يمكن مشاهدة البدعة ودورها المخرب في مواضع كثيرة في الروايات، حيث سعى أهل البيت عليهم‌السلام من خلال التعريف بالبدعة ودورها الظاهر والباطن، إلى جعل الشيعة على الأقل في مأمن من أضرارها: «ما هدم الدين مثل البدع»[3]، لأنه «ما أُحدثت بدعة إلا تُرك بها سنة فاتقوا البدع»[4]، «أما أهل البدعة فالمخالفون لأمر الله ولكتابه ولرسوله، العاملون برأيهم وأهوائهم»[5]، و«من أتى ذا بدعة، فعظّمه فإنما سعى في هدم الإسلام»[6].

(501)

وصف حضرة أمير المؤمنين عليه‌السلام في أحد أحاديثه صانعي البدع بأنهم أعلام الظلم، يُضلون ويضَلُ الآخرون بسببهم أيضًا؛ هؤلاء يحيون البدع ويميتون السنن: «إن البدع لظاهرة لها أعلام. وإن شرَّ الناس عند الله إمامٌ جائرٌ ضَلَّ وضُلَّ به، فأمات سنةً مأخوذةً، وأحيا بدعةً متروكةً»[1].

ألقى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسؤولية مواجهة أصحاب البدع على كاهل العلماء، حيث يقول: «إذا ظهرت البدع في أمتي، فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل، فعليه لعنة الله»[2].

وفي ذمه لأصحاب البدع، يعد النبي الأكرم البدعة سببًا في غش الناس وخداعهم وتفضي إلى ابتعادهم عن الرحمة الإلهية: «من غشّ أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، قالوا: يا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ وما الغشّ؟ قال؛ أن يبتدع لهم بدعة فيعمل بها»[3].

وروي عن الصادقين عليهما‌السلام أنهما قالا: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار»[4].

يمكن أن يكون الدور المخرِّب للبدعة عميقًا وواسع النطاق على الدين وتعاليمه وقيمه، وربما يواجه أصل الدين بسببها تحديًا أيضًا؛ كما حدث في الدين المسيحي. لهذا السبب، عندما يتحدث النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أصحاب البدع، يتناولهم بتقبيح شديد. ونقل الإمام الصادق عليه‌السلام عن نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي، فأظهروا البراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم»[5].

(502)

ويقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذلك في تقبيح صاحب البدعة حتى تسفيه أعماله العبادية وأفعاله الخيرة: «لا يُقبل لصاحب بدعة صلاة ولا صومًا ولا صدقةً ولا عمرة ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا و... »[1].

اتخذ الفقهاء موقفًا متشددًا حيال كتب تعليم البدع ودعوا الناس إلى تجنبها. كتب السيّد جواد العاملي في مفتاح الكرامة: «أما كتب البدع في هذه الملة فهي أصنافٌ منها كتب الجبر ونفي الغرض المفردة التي ليس معها غيرها... وكتب الخوارج أصولًا وفروعًا والفتاوى المفردة لأحد، فهذه حالها حال ما تقدمها»[2].

وبهدف مواجهة أهل البدع، حفلت الروايات بأساليب عديدة، بما فيها المقاومة السلبية (السلمية) ضد تحركاتهم حتى يُكشف النقاب عن وجوههم؛ لأنه طالما ليس للبدعة راغبون ومحبون، فلن ينجذب صاحب البدعة إلى هذا الاتجاه. يقول أمير المؤمنين علي عليه‌السلام في ذم مماشاة أهل البدع: «من مشى إلى صاحب بدعةٍ فوقره، فقد مشى في هدم الإسلام»[3]. كذلك يقول: «لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم، فتصيروا كواحدٍ منهم»[4].

في الحقيقة إذا لم يكن ثمة راغب ومناصر بين الناس لصاحب البدعة، ولم يلقَ كلامه آذانًا مصغية، فلمن سيبتدع دين بعد ذلك. ويقول النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الصدد: «من أعرض عن صاحب بدعة بُغضًا له، ملأ الله قلبه أمنًا وإيمانًا»[5].

يُشير الإمام الصادق عليه السلام في رواية نقلًا عن نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى السبل

(503)

الجسدية والنفسية للتصدي للبدعة في الدين[1]، وفي الواقع تعد الطرق التي أشار إليها الإمام الطرق ذاتها التي يجري من خلالها دحر التهديدات وتأمين الأمن الثقافي في المجتمع الإسلامي؛ بما فيها البراءة من أصحاب البدع، والإكثار من سبهم، والقول فيهم والوقيعة حتى يتقلص تأثير بدعهم، وتجنب نشر كلامهم الناضح بالبدعة، وممارسة الضغط عليهم كيلا يطمعوا في الفساد والبدعة في الإسلام، وتحذير الناس منهم ليبقوا في مأمن من عواقب بدعهم[2].

وفي هذا السياق، بعد أن آلت الخلافة إلى الإمام علي عليه‌السلام ، ولجهة دحر الأخطار الناتجة عن جماعتين من أصحاب البدع، أي الحكام الظالمين والعلماء الفاسدين، دأب جهده ليذود عن حوض الدين وقيمه السامية، ويناهض الانحرافات الفكرية والبدع التي أوجدتها تلك الجماعتين في المجتمع الإسلامي بعد رحيل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وجعل أمير المؤمنين عليه‌السلام هذا الأمر الجلل في عداد مهام الدولة النبوية، حيث يقول: «أظهر به الشرائع المجهولة، وقمع به البدع المدخولة، وبيَّن به الأحكام المفصولة»[3].

كذلك يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام مخاطبًا الخليفة الثالث عثمان بن عفان، قائلًا؛ بأن وظيفة الذود عن حوض الدين يُعد بالنسبة للدولة الإسلامية من أفضل العبادات: «فاعلم أن أفضل عباد الله إمام هُدِي وهَدَى، فأقام سنّة معلومة وأمات بدعة مجهولة»[4].

(504)

النتيجة

الأمن الثقافي يعني خلق وضع آمن ومريح يخلو من التهديد والتعرض في الإنسان ضد الدين والاعتقادات والقيم وغيرها. تأسيسًا على ذلك يمكن تعريف الأمن الثقافي من وجهة نظر الفقه على الشكل التالي: «النظام الإسلامي وكل أفراد المجتمع الإسلامي» يصنعون من خلال أداء الواجبات من عدمه حصانة لأنفسهم حتى يبقوا في مأمن من الأذى والتهديدات الماثلة أمامهم، ويصلوا إلى حالة ثقافية مناسبة أو يحافظوا على الحالة الثقافية المطلوبة القائمة. في الحقيقة الأمن الثقافي بمنزلة مقدرة أحد المجتمعات على الحفاظ على سماته الخاصة ضد تغير الظروف والتهديدات المادية والمعنوية.

تشتمل مختلف أبواب الفقه على مفاهيم كثيرة غايتها حفظ الدين واعتقادات الناس ومعتقداتهم. وفي الأساس حفظ الدين يعد أحد المصالح الشرعية الخمسة التي بُنيت عليها الأحكام الفقهية، ويمكن عدّ حفظ الدين بمنزلة حفظ الأمن الثقافي في النظام الإسلامي؛ لأن الثقافة في النظام الإسلامي قائمة على أساس القيم الدينية. تتضمن بعض المفاهيم الدينية بخصوص التهديدات التي تستهدف الأمن الثقافي؛ مثل الكتب الضالة والارتداد والبدعة. وبعضها الآخر، تتضمن العوامل أو الآليات التي تنتج الأمن الثقافي أو تحافظ عليه؛ مثل التقيد بالآداب الإسلامية كالحجاب والمحرم وغير المحرم، والدعوة إلى الإسلام وتخصيص مصادر مالية للتنمية الثقافية وتعزيز الأمن الثقافي مثل: الوقف والخمس.

 

 

 

(505)

 

 

المصادر

  1. القرآن الکریم.
  2. نهج البلاغة.
  3. ابن شعبة الحراني، حسن بن علي، تحف العقول، قم، دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعه مدرسین، 1363 هـ ش.
  4. احسان‌بخش، صادق، آثار الصادقین، قم، دار العلم، 1366 هـ ش.
  5. احمدی میانجی، علی، مکاتیب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قم، دار الحدیث، 1419ق.
  6. اخوان کاظمی، «راهبردهای عقلانی تمدن وفرهنگ اسلامی وتضمین امنیت فرهنگی»، فصلنامه مطالعات راهبردی، المجلد2، العدد مسلسل3، العدد1، ربیع 1378 هـ ش، الصفحات 75-104.
  7. الأردبيلي، أحمد بن محمد، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، 14ج، قم، دفتر انتشارات اسلامی وابسته به جامعه مدرسین حوزه علمیه قم، 1403ق.
  8. آشنا، حسام‌الدین ومحمدصادق اسمعیلی، «امنیت فرهنگی؛ مفهومی فراسوی امنیت ملی وامنیت انسانی»، راهبرد فرهنگ، المجلد2، العدد5، ربیع 1389 هـ ش، الصفحات 73 -90.
  9. آل کاشف الغطا، محمد‌حسین، آوای بیداری (ویژه‌نامه روزنامه جمهوری اسلامی)، فروردین 1372هـ ش.
  10. الأنصاري، مرتضی بن محمد امین (تستری نجفی)، کتاب المکاسب، 6ج، قم، کنگره جهانی بزرگداشت شیخ اعظم انصاری، 1415ق.
  11. بابایی طلاتپه، محمد باقر، مبانی استراتژی فرهنگی از دیدگاه امام علی عليه‌السلام ، طهران، دانشکده فرماندهی وستاد دوره عالی جنگ سپاه پاسداران، 1384هـ ش.
  12. برزگر، ابراهیم، تاریخ تحول دولت در اسلام وایران، طهران، سمت، 1392هـ ش.
  13. البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن، 2ج، قم، دار الكتب الإسلامية، ط2، 1371ق.
(506)
  1. البصري البحراني، زين الدين محمد أمين، كلمة التقوى، 7ج، قم، سيد جواد وداعي، ط3، 1413ق.
  2. بمانيان، محمدرضا وپرهام بقایی وآرین امیرخانی، «رهیافتی بر نقش موقوفات در ساماندهی فضاهای شهری»، فصلنامه مدیریت شهری، العدد21، خریف 1387هـ ش، الصفحات 59-72.
  3. بوزان، باری، مردم دولت‌ها وهراس، ترجمه إلى اللغة الفارسية: پژوهشکده مطالعات راهبردی، طهران، پژوهشکده مطالعات راهبردی، 1378هـ ش.
  4. بیرو، آلن، فرهنگ علوم اجتماعی، ترجمه إلى اللغة الفارسية: باقر ساروخانی، طهران، کیهان، ط2، 1370هـ ش.
  5. التبريزي، الميرزاجواد، استفتائات جديد، 2ج، قم، [بلا ناشر]، [بلا تاریخ].
  6. جاودانی شاهدین، حمید، «درآمدی بر شناخت ابعاد تهاجم فرهنگی ونحوه مقابله با آن»، فصلنامه علمی- پژوهشی حوزه ودانشگاه، سنة9، العدد35، صیف1382هـ ش، الصفحات 85-39.
  7.  جعفریان، رسول، تاریخ سیاسی اسلام، ج1: سیره رسول خدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قم، دلیل ما، ط3، 1385هـ ش.
  8. ـــــــــــــــــــ ، رسائل حجابیه: شصت سال تلاش علمی در برابر بدعت کشف حجاب، قم، انتشارات دلیل ما، 1380هـ ش.
  9. جمعی از مؤلفان، مجله فقه اهل البیت عليهم‌السلام (عربی)، 52ج، قم، مؤسسه دایره المعارف فقه اسلامی بر مذهب اهل بیت عليهم‌السلام ، [دون تاريخ].
  10. ـــــــــــــــــــ ، مجله فقه اهل بیت عليهم‌السلام (فارسی)، 56ج، قم، مؤسسه دایره المعارف فقه اسلامی بر مذهب اهل بیت عليهم‌السلام ، [دون تاريخ].
  11. الحر العاملي، محمدبن حسن، وسائل الشيعة، 30ج، قم، مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام ، 1409ق.
  12. حسينی الجرجاني، مير‌أبو‌الفتح، تفسير شاهي، 2ج، طهران، انتشارات نويد، 1404ق.
(507)
  1. الحكيم الطباطبائي، السيّدمحسن، دليل الناسك، النجف، مدرسة دار الحکمة، ط3، 1416ق.
  2. الحکیم، السیدمحمد باقر، نقش اهل بیت عليهم‌السلام در بنیان‌گذاری جماعت صالحان، ترجمه إلى اللغة الفارسية: کاظم حاتمی طبری، 8ج، قم، مجمع جهانی اهل بیت عليهم‌السلام ، 1390هـ ش.
  3. الحلي، الحسن بن يوسف المطهر، تذكرة الفقهاء، 14ج، قم، مؤسسة آل البيت؟عهم؟، 1414ق.
  4. ـــــــــــــــــــ ، مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، 9ج، قم، دفتر انتشارات اسلامی وابسته به جامعه مدرسین حوزه علمیه قم، ط2، 1413ق.
  5. ـــــــــــــــــــ ، منتهى الطلب في تحقيق المذهب، 15ج، مشهد، مجمع البحوث الإسلامية، 1412ق.
  6. خمینی، سیدروح الله، تحریر الوسیله، 2ج، قم، مؤسسه مطبوعات دار العلم، [دون تاريخ].
  7. ـــــــــــــــــــ ، ترجمه تحرير الوسیله، ترجمه إلى اللغة الفارسية: علی إسلامی، 4ج، قم، دفتر انتشارات اسلامی وابسته به جامعه مدرسین، ط24، 1425ق.
  8. ـــــــــــــــــــ ، توضيح المسائل، 2ج، قم، دفتر انتشارات اسلامی وابسته به جامعه مدرسین حوزه علميه قم، ط8، 1424ق.
  9. ـــــــــــــــــــ ، صحیفه امام، طهران، مؤسسه تنظیم ونشر آثار امام خمینی، 1389هـ ش.
  10. الخوئي، السيّدأبو‌القاسم، مصباح الفقاهة، [دون مكان]، [دون ناشر]، [دون تاريخ].
  11. ره پیک، حسن، «آسیب‌پذیری‌های داخلی وتهاجم فرهنگی»، فصلنامه علمی- پژوهشی مطالعات راهبردی، العدد3، ربیع 1378هـ ش.
  12. الساعدي، محمد، المساجد وأحكامها في الشريعة الإسلامية (دراسة فقهية مقارنة)، 2ج، طهران، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، 1430ق.
(508)
  1. السبحاني، جعفر، المواهب في تحرير أحكام المكاسب، قم، مؤسسة الامام الصادق عليه‌السلام، 1424ق.
  2. سلطانی، محمد علی، «حکم فقهی کتب ضاله در گذر زمان»، مجله آینه پژوهش، العدد36، شتاء 1374هـ ش، الصفحات 46-26.
  3. السيوري الحلي، مقداد بن عبدالله، كنز العرفان في فقه القرآن، 2ج، قم، انتشارات مرتضوي، 1425ق.
  4.  شريعت‌مدار جزائري، سيدنورالدين، «امنيت در فقه سياسي شیعه»، فصلنامه علوم سياسي، المسلسل 3، العدد9، صیف 1379هـ ش، الصفحات 31-5.
  5. شریعتی، روح الله، قواعد فقه سياسي، قم، پژوهشگاه علوم وفرهنگ اسلامی، 1387هـ ش.
  6. شکوری، ابو‌الفضل، فقه سیاسی اسلام، قم، مرکز انتشارات دفتر تبلیغات اسلامی، ط2، 1377هـ ش.
  7. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، تحقيق وتصحيح على اكبر كلانتر، 10ج، قم، كتاب‌فروشي داوري، 1410ق.
  8. ـــــــــــــــــــ ، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، 2ج، قم، انتشارات دفتر تبليغات إسلامي حوزه علمية قم، 1402ق.
  9. ـــــــــــــــــــ ، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، قم، بوستان كتاب، 1380هـ ش.
  10. ـــــــــــــــــــ ، شرح اللمعة (الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية)، تصحيح سلطان العلماء، 2ج، قم، انتشارات دفتر تبليغات إسلامي حوزه علمية قم، 1412ق.
  11. ـــــــــــــــــــ ، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، 15ج، قم، مؤسسة المعارف الإسلامية، 1413ق.
  12. صافی گلبایگانی، لطف الله، جامع الاحکام، 2ج، چ4، قم، انتشارات حضرت معصومه عليها‌السلام، 1417ق.
(509)
  1. صالحی امیری، سیدرضا وافسر افشاری نادری، «مبانی نظری وراهبردی مدیریت ارتقای امنیت اجتماعی وفرهنگی در طهران»، فلصلنامه راهبرد، سنة 20، العدد 59، صیف1390هـ ش، الصفحات 76-47.
  2. الطباطبائي، السيّدمحمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، دار الأعلمي، 1417ق.
  3. الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، 2ج، مشهد، نشر مرتضى، 1403ق.
  4. الطوسي، محمد بن حسن، الخلاف، 6ج، قم، دفتر انتشارات اسلامی وابسته به جامعه مدرسین حوزه علمیه، 1407ق.
  5. ـــــــــــــــــــ ، المبسوط في فقه الامامية، 8ج، طهران، المكتبة الرضوية لإحياء الآثار الجعفرية، ط3، 1387ق.
  6. ـــــــــــــــــــ ، النهاية في مجرد الفقه والفتاوي، بيروت، دارالكتاب العربي، ط2، 1400ق.
  7. العاملي، السيّد جواد بن محمد، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، 23ج، قم، دفتر انتشارات اسلامی وابسته به جامعه مدرسین حوزه علمیه قم، 1419ق.
  8. العراقي، آقا ضياء الدين علي، شرح تبصرة المتعلمين، 5ج، قم، دفتر انتشارات اسلامی وابسته به جامعه مدرسین حوزه علمیه قم، 1414ق.
  9. عیاشی سمرقندی، محمد بن مسعود، تفسیر عیاشی، طهران، المكتبة العلمية الإسلامية، 1380ق.
  10. فارسی، جلال‌الدین، حقوق بین الملل اسلامی، طهران، انتشارات جهان‌آرا، 1344هـ ش.
  11. الكراجكي، أبوالفتح محمد بن علي، كنز الفوائد، تحقيق عبد الله نعمة، قم، دار الذخائر، 1410ق.
  12. الكليني، محمدبن يعقوب، الكافي، تحقيق علي أكبر غفوري، 15ج، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407ق.
(510)
  1. کلوری، سید رضا، «عاملیت بدعت وتحجر در عرفی‌شدن دین»، فصلنامه قبسات، سنة 16، خریف 1390هـ ش، الصفحات 41-72.
  2. لاری، سیدعبد الحسین، مجموعه مقالات، قم، مؤسسه المعارف الاسلامیه، 1418ق.
  3. لرنی، منوچهر، آسیب‌شناسی امنیت، طهران، پیام پویا، 1383هـ ش.
  4. المامقاني، عبدالله، مناهج المتقین فی فقه أئمة الحق واليقين، قم، آل البيت عليهم‌السلام ، 1404ق.
  5. ماندل، رابرت، چهره متغیر امنیت ملی، ترجمه إلى اللغة الفارسية: پژوهشکده مطالعات راهبردی، طهران، پژوهشکده مطالعات راهبردی، 1377هـ ش.
  6. المجلسي، محمدباقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسسة الطبع والنشر، 1410ق.
  7. المحقق الحلي، جعفربن حسن، المعتبر في شرح المختصر، 2ج، قم، مؤسسة سيدالشهداء عليه‌السلام، 1407ق.
  8. المحقق الحلي، جعفربن حسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، 4ج، قم، مؤسسة اسماعيليان، ط2،  1408ق.
  9. مروارید، علي أصغر، سلسلة الينابيع الفقهية، بيروت، دار التراث، 1410ق.
  10. مفيد، محمد بن نعمان، المقنعة، قم، کنگره جهانی هزاره شیخ مفید، 1413ق.
  11. مكارم شيرازي، ناصر، دائرة المعارف فقه مقارن، قم، انتشارات مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام، 1427ق.
  12. ملکی تبریزی، میرزاجواد، أسرارالصلاة، ترجمه إلى اللغة الفارسية: رضا رجب زاده، طهران، انتشارات پیام آزادی، ط4، 1420ق.
  13. منتظری، حسین‌علی، مبانی فقهی حکومت اسلامی، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمود صلواتی وابو الفضل شکوری، 8ج، قم، مؤسسه کیهان، 1409ق.
  14. مهاجرنیا، محسن، اندیشه سیاسی متفکران اسلامی، 3ج، طهران، پژوهشگاه فرهنگ واندیشه اسلامی، 1389هـ ش.
(511)
  1. الموسوي العاملي، محمد بن علي، مدارك الأحكام، 8ج، بيروت، مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام 1411ق.
  2. میرمعزی، سید حسین، نظام اقتصادی اسلام، طهران، پژوهشگاه فرهنگ واندیشه اسلامی، 1391.
  3. نائینی، میرزامحمد حسین، تنبيه الأمة وتنزيه الملة، تحقيق سيد جواد ورعي، قم، بوستان كتاب، 1424ق.
  4. النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، 43ج، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط7، 1404ق.
  5. نوبهار، رحیم، «یادگارهای ماندگار: نقش نظام اسلامی در مدیریت مساجد ومیزان اختیارات واقف در اداره امور مسجد»، فصلنامه وقف میراث جاویدان، العدد 23-24، خریف وشتاء 1377هـ ش، الصفحات 55-43.
  6. النوري، المیرزا حسین، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، 18ج، بیروت، مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام ، 1408ق.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(512)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف