تأليف:
الشيخ علي ديلان
فهرس المحتويات:
مرتكزات الإلحاد المعاصر
المرتكز المعرفي
المرتكز المنطقي
المرتكز العلمي
سمات الإلحاد المعاصر
أهمية البحث في سمات الإلحاد
أولًا: السمات الإيديولوجية
ثانيًا: السمات الإعلامية
نقاط حرجة في التفكير الإلحادي
النقاط الحرجة
الفرضيات المفسرة
وقفةٌ مع بعض الملاحدة
أولًا: التطور الكوني
ثانيًا: نفي البديهات
ثالثًا: إشكالية الشرّ
الجواب على إشكالية الشرّ
الجواب الأوّل
الجواب الثاني
ضرورة الاعتقاد بالإله
الضرورة المنطقيّة
الضرورة المعرفية
الضرورة العلمية
مقدمة المرکز
باتت الثقافة في عصر الثورة المعلوماتيّة الهائلة والذكاء الاصطناعيّ، سلعةً رخيصةً سهلة التناول؛ ممّا أدى إلى صياغة منظومة الإنسان المعرفيّة على نحوٍ تملّ الإطالة والإسهاب، وتجنح إلى الوجبات المعرفيّة السريعة الجاهزة؛ هذا ما يُنذر بظهور الكسل المعرفيّ والضعف البحثيّ، وانزياح العقل رويدًا رويدًا عن وظيفته الأساسيّة في التفكير والتنظير لصالح التقنيّة الافتراضيّة الحديثة، مع ما لها من إيجابياتٍ، وسلبياتٍ ربما تفوق تلك الإيجابيات.
إذ بعدما تصبح الأوعية المعرفيّة الافتراضيّة متاحةً لكلّ شخص، يصبح العلم أسيرًا في دهاليز الخوارزميّات التي نسجتها الإمبرياليّة المعرفيّة والثقافيّة المهيمنة على العالم، ويكون لعبةً جوفاء لا تُنبئ عن مدى توغّل صاحبها في الحقل المعرفي المبحوث، ومدى تخصّصه فيما يكتب، ويقول، وربما لا يعدو الأمر أن يكون أوراقًا مصقولةً منمّقةً بنماذج التقنية الافتراضيّة، ومعلومات متناثرة ــ وربما موجّهة بأيدٍ خفيّة ــ جمعها الذكاء الاصطناعي من هنا وهناك، لتُعطي إجابةً سريعةً يطلبها عقلٌ خاملٌ استسلم لراحة الكسل العلمي.
من هذا المنطلق، واستجابةً لضرورة المرحلة، وحفاظًا على النشاط العلمي وأثرائه بالدراسات الجادّة والعميقة والمختصرة ارتأينا إصدار سلسلة «أوراق بحثيّة»؛ لتكون منارًا بحثيًا رصينًا، يهدي الباحثين في دروب العلم والمعرفة، وذلك من خلال تقديم كرّاساتٍ معرفيّةٍ مختصرةٍ في شتّى المواضيع العلميّة والبحثيّة.
وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الخَلْقِ محمَّدٍ وآلِهِ الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ.
المقدمة
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على النبيّ الأمين محمدٍ وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين.
قبل الدخول في بيان المرتكزات ونحوها، نذكر أنّ كلمة «الإلحاد» في اللغة تعني الميل عن القصد، أو الميل عن الحقّ. وقد اشتهر المعنى الأوّل في كتب اللغة، فليراجع.
وأما المعنى الاصطلاحي - وهو ما يهمنا فعلًا في ما نحن فيه - فإنّ «الإلحاد» كلمةٌ قد تطلق على معانٍ متعددةٍ في مقام التداول والجدل، والمعنى المنظور لنا هنا هو أنّه موقف اعتقاديّ سلبيّ إزاء مبدأ الكون، في مقام الجواب على سؤال: من الذي أوجد الكون؟ فهل وجد من خلال حقيقةٍ غير كونيةٍ (وجود غير طبيعي/ميتافيزيقي)، أو أنّ ثمّة قوانين طبيعية هي التي كانت مسؤولةً عن إيجاده ومجرياته وتفصيلاته؟ والإلحاد - كما الألوهية - موقفٌ تجاه الجواب على هذا السؤال، إذ يتمثّل بجوابٍ إنكاري للوجود الماورائي والاعتقاد بعدمه، وإنّ الكون إنّما كان نتيجة قوانين طبيعيةٍ صرفة، فتستبدل عنده فكرة الإله الذكي بفكرة القانون الكوني.
وعليه، فيكون تفسير الملحد لـ«بداية الكون» مشابهًا لتفسيره للمجريات الطبيعية المتضمنة في هذا الكون، من ظواهر فيزيائيةٍ وكيميائيةٍ وما شاكلهما، فكلاهما يتم تفسيره لديه وفق القانون الطبيعي، فكما أنّ الكواكب تتحرك على أساس قوانين خاصّة، فكذلك هناك قوانين كونية هي التي انتجت وجود هذا الكون.
وعليه، فإنّ المقصود من الإلحاد في هذا المقال، هو اعتقاد إيديولوجي ينكر الإله الصانع للوجود الماثل، بل لكلّ وجودٍ مفروض. ويتضمّن هذا التعريف ركنين رئيسين:
الأوّل: إنّ الإلحاد هو من سنخ الإعتقادات، أي من طبيعة الأفكار والمواقف الاعتقادية، فكما أنّ الإلهي يعتقد بالإله الواحد، فإنّ الملاحدة يعتقدون بعدمه، فمثلًا إنّك تارةً تعلم بإنّ زيدًا ذو أخلاقٍ جيدةٍ، وأخرى تعلم بأنّه ليس بذي أخلاقٍ جيدةٍ، وثالثة لا تعلم بأنّه ذو أخلاقٍ جيدةٍ أو غير جيدة، فالأوّل والثاني عبارةٌ عن اعتقادٍ وتصديقٍ بخلاف الثالث؛ إذ لا يملك إزاء أخلاقية زيدٍ اعتقادًا وتصديقًا. والذي يمثّل الحالة الأولى بالنسبة إلى مبدأ الكون هو «الإلهي»، إذ يمتلك اعتقادًا بأنّ الإله هو الذي أوجد الكون، والذي يمثّل الحالة الثانية هو «الملحد»؛ إذ يمتلك اعتقادًا بالإنكار، وأمّا الحالة الثالثة فيمثّلها «اللاأدري». وكثيرًا ما يقع الخلط والالتباس في تشخيص الفارق بين الملحد واللاأدري. والنتيجة، أنّ كلًّا من الإلهي والملحد ينتميان إلى أصحاب الاعتقادات بخلاف اللاأدري.
الثاني: إنّ متعلق الاعتقاد الإلحادي هو إنكار وجود اللّه سبحانه في قبال الإلهي الذي متعلق اعتقاده هو ثبوت وجود الصانع. فهنا ركنان: الأوّل أنّ الإلحاد هو موقفٌ اعتقادي، والثاني هو أنّ هذا الاعتقاد متعلّقٌ بإنكار الصانع الذكي.
وينبغي التركيز فعلًا على الركن الأوّل، ولا مجال للتغافل عنه كما يفعل ذلك قسمٌ من الملاحدة، إذ يغضّون الطرف عن كون الإلحاد اعتقادًا، هروبًا من بعض الإشكالات التي قد يُطالب بعلاجها، وعلى سبيل التوضيح يقال: إنّ الذي يعتقد بشيءٍ ويدّعي أمرًا فلا بدّ أنْ يقيم عليه شاهدًا إمّا لنفسه أو للمجتمع العقلائي، ولا يكفي إبراز الدعوى وإشهارها من دون أنْ تكون مشفوعةً بالدليل، فمن يدعي أنّه مختص في الفيزياء فيتوجب أنْ يقدّم الشهادة على ذلك كالوثائق الرسمية الثبوتية، ومجرد أنْ يدعي أنّه متخصصٌ في هذا الجانب أو ذاك بلا مبرر إثباتي فلا قيمة له، وقد قام المجتمع العقلائي على ضرورة إبراز الشاهد في مجال الدعاوى، وكلما زادت خطورة الادّعاء كان إبراز الشاهد إوجب وإكثر إلزامًا.
ومن هنا فإنّ الذي يدعي أنّ اللّه تعالى غير موجود، وأنّ الكون نتاج القانون الطبيعي فعليه أنْ يُبرز الشاهد والدليل على ذلك، لا سيما أنّ هذا الادّعاء هو ادّعاءٌ كبيرٌ وخطيرٌ؛ ممّا يقتضي أنْ يكون الشاهد على هذه الدعوى ممّا ينبغي أنْ يتسم بالقوّة والوضوح والرصانة الموضوعية. إذا، فما دمت تعتقد فعليك الإثبات وإبراز الدليل، وما دام اعتقادك خطيرًا فيتوجب أنْ تتناسب قوّة الدليل مع قوّة الدعوى.
وهذه المطالبة بإبراز الدليل كانت وما زالت تمثّل اشكاليةً كبيرةً في منظومتهم الإيديولوجية؛ لعدم امتلاكهم للرؤية الواضحة تجاه الإلحاد كموقفٍ اعتقاديّ، وسيأتي أنّه من الصعب جدًا من الناحية المنهجية والموضوعية والعلمية إثبات الإلحاد ولو بدرجةٍ اعتقاديةٍ متدنّية. فكان هذا مدعاةً للتغاضي عن كون الإلحاد اعتقادًا وحاولوا أنْ يغيّروا من مسار التعريف، فبدلًا من أنْ يكون الإلحاد اعتقادًا بإنكار الإله الصانع قالوا: إنّه عدم الاعتقاد بالإله الصانع. والتعريف الثاني يقدم الإلحاد على أنّه موقفٌ غير اعتقاديّ بخلاف التعريف الأوّل؛ وذلك تخلّصًا من المطالبة بإقامة الشاهد والدليل على ما يدعونه. مع أنّ هذا التعريف ليس تعريفًا للإلحاد، وإنّما هو تعريفٌ للاأدرية كما علمت آنفًا.
وبكلمةٍ جامعةٍ، إنّ كلّ من يدّعي ادّعاءً في جميع المجالات وعلى كلّ الأصعدة فإنّه مطالبٌ بالدليل على ما يدّعي وسيأتي أنّ الإلحاد بجميع اتجاهاته لا يملك الحجّة المعرفية ولا الفلسفية ولا العلمية. فمثلًا إنّ الإلحاد معرفيًا لا يعتقد إلّا بالمصدر الحسّي في حين أنّ الحواس الخمس لا تبرر الاعتقاد بالأشياء التي لم تنلها، فإنّ العين إذا لم تتمكن من رؤية موجودٍ معيّنٍ فلا يعني أنّ هذا الشيء غير موجودٍ واقعًا، وإلّا فكثيرٌ من الكائنات الدقيقة غير مشاهدةٍ بالحسّ مع أنّها موجودةٌ واقعًا بنحوٍ يقيني.
ونستفيد ممّا تقدم، أنّ الإلحاد ليس موقفًا نفسيًا وحالةً مزاجيةً شخصيةً ليُقاس مثلًا- على باقي الفنون كالرسم والموسيقى والطبخ، وما إلى ذلك، بل كما ذكرنا هو موقفٌ اعتقاديّ يحتاج إلى ما يثبته. وممّا يؤسف له أنّ بعض كبار الملاحدة يصدّر الإلحاد على أنّه من قبيل الأمور النفسية والمزاجية والشخصية، فكما أنت تعجبك الموسيقى أو الطعام الفلاني، فكذلك أنا يعجبني أنْ أكون ملحدًا، وهذا ليس شيئًا ينطق به عوام الملاحدة، بل بعض رؤسائهم من قبيل ما طرح في اللقاء الرباعي فيما يُسمّون أنفسهم بـ «الفرسان الأربعة»، إذ يتضح هناك ضحالة الفكر وضعف الحجة، وقد أساؤوا للإلحاد بأفكارهم قبل أنْ يُسيؤوا للإلهيين، فإنّ هذه المواقف الاعتقادية ليست أمورًا مزاجيةً بوسع الإنسان أنْ يختارها أو حالات نفسية محضة قد تعجب الإنسان أو لا تعجبه كالرغبة بتصميم الدار بهذه الطريقة مثلًا دون تلك الطريقة، بل إنّك مرغمٌ على الاعتقاد بالإله أو عدم الإله وفق قواعد البحث العلمي، وعليك إبراز الحجة العلمية أو الفلسفية على ذلك، فإنّ هذا هو شأن الاعتقادات، إذ ليس بوسع أحدٍ أنْ يغيّر من نتيجة معادلةٍ في علم الرياضيات - مثلًا- بدعوى أنّه يعجبه ذلك، بل إنّ الإنسان ملزمٌ بالنتيجة الواقعية لا أقل من ذلك ولا أكثر.
ثم، لو كانت الاعتقادات أمورًا مزاجية فلماذا تكتبون الكتب وتعقدون الندوات وتقيمون الحوارات في إبطال فكرة الإله الذكي؟ فليكن هذا أمرًا مزاجيًا، وإنّ كلّ شخص له أنْ يختار ما يشاء مزاجه!
والخلاصة، أنّ الإلحاد هو اعتقادٌ وليس أمرًا غير اعتقاديّ، كما أنّه ليس أمرًا اختياريًّا ومزاجيًّا، وبوسع كل أحدٍ أنْ ينتقي العقيدة التي يرغبها بمحض حالته النفسية.
وأما الركن الثاني، وهو أنّ متعلق الاعتقاد الإلحادي (إنكار الإله). فهنا أجد نفسي ملزمًا بتوضيح الفرق بين الملحد والربوبي، فإنّ الربوبي هو شخصٌ يعتقد بوجود اللّه تعالى، ولكنّه ينكر الأديان، أمّا الملحد فيعتقد بإنكار الإله دون أنْ يكون له موقفٌ من إنكار الأديان في نفسها، بمعنى أنّ الملحد قد لا تكون له مشكلة مع الأديان، وإنّ إنكاره لها إنّما كان من ناحية إنكاره لوجود اللّه سبحانه، ولو سألناه هذا السؤال: على تقدير وجود اللّه تعالى هل تعتقد بالأديان؟ لأمكن أنْ يدّعي بعض الملاحدة صحّة الدين ولا مانع من الاعتقاد به عندهم، وهذا في قبال الربوبي فإنّه لا يعتقد بالأديان بغض النظر عن الاعتقاد بوجود اللّه سبحانه وعدمه.
وهذا التفريق مهمٌّ وندفع به الخلط الذي وقع به معظم الملاحدة حيث يناقشون فكرة الإله من خلال عدم صحة الأديان مع أنّ إنكار الأديان لا يستلزم إنكار وجود اللّه تعالى، كما أنّه لا يصح منهجيًا للملحد أنْ يناقش الأديان وهو يبني على عدم وجود اللّه سبحانه؛ لأنهّ سوف يكون الإنكار أمرًا طبيعيًا؛ فإنّه من المعلوم أنّ صحة الأديان متفرعةٌ ومتوقفةٌ على الاعتقاد بالإله الصانع. نعم، يمكن للملحد أنْ يناقش الأديان ولكن بعد افتراضه وجود اللّه تعالى ولو على سبيل التقدير فيقول مثلا: لو سلّمنا بوجود اللّه فيرد على الأديان كذا وكذا، ويكون حينئذٍ في الموقف نفسه الذي يقفه الربوبي. وهذا الخلط أيضًا قد وقع به كبار الملاحدة حيث يناقشون فكرة الإله من خلال اقتطاع نصٍّ دينيّ والإشكال عليه من دون بيان مرتكزاته وما يستند عليه، على أنّ نقد الدين لا يعني بحال بطلان فكرة الإله على ما أشرنا إليه آنفًا.
إذا، فيتوجب أنْ تكون هناك تراتبيةٌ في مقام النقاش؛ فأولًا يجب أنْ تُبحث فكرة وجود اللّه تعالى، ثم تبحث صحة الأديان. ومن هنا تعرف الارتباكات المنهجية في مناقشة الإعجاز وعدم تعقّله من قبل الملاحدة؛ فإنّهم يسلّطون نقدهم عليه بعد أنْ استبعدوا فكرة مسؤولية الإله في إيجاده، ومن الواضح أنّ حذف عنصر «التدخل الإلهي» من المعادلة ينتج بشكلٍ طبيعي عدم معقولية المعجزة، ولكن هذه المناقشة خاطئةٌ منهجيًّا، فإنّ المعجزة في الأديان متقومةٌ بالتدخل الإلهي فلا تصحّ إلّا معه، وإذا ما افترضنا أنّ اللّه قد تدخّل في إيجاد المعجزة فسوف يصبح وجودها أمرًا طبيعيًا اعتياديًا. وينبغي أنْ يكون هذا واضحًا حتى عند الملحد؛ لأنّ الملاحدة عمومًا لا ينكرون علم اللّه وقدرته غير المحدودة على تقدير وجوده، وعليه فإنّ افترضنا وقدّرنا وجوده سبحانه فلا معنى لمناقشة معقولية الإعجاز.
ثم ينبغي أنْ نشير في هذه اللمحة إلى أنّ نظرنا فعلًا وإنْ كان موجّهًا إلى الإلحاد بعنوان أنّه معاصرٌ إلّا أنّ تقسيم الإلحاد إلى قديم ومعاصر قد لا يكون تقسيمًا دقيقًا في الحقيقة، ذلك أنّ الإلحاد ليس إلّا الاعتقاد بإنكار وجود اللّه تعالى، وهو موقفٌ واحدٌ لا يختلف بين زمان وزمان، وإنْ كان في كلّ زمانٍ قد يمارس الملاحدة نوعًا من الأدلّة التي قد تختلف عن الأدلّة في زمانٍ آخر، وقد تتوافق مع المعطيات العلمية المطروحة في زمانهم، فمثلًا كان الإلحاد قديمًا يعتمد على بعض الأساليب العقلية في إنكارهم للوجود الإلهي، وكانوا يقولون مثلًا بأزلية الكون، أمّا في هذا الزمان فلا يعتقدون بذلك.