أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

دروس في نقد الإلحاد المعاصر

دروس في نقد الإلحاد المعاصر

تأليف :

د. حميد رضا شاكرين

تعریب :

فريق الترجمة في المركز

مراجعة وتدقيق :

د. حامد فياضي

 

فهرس المحتويات :

الدرس الأول: الإلحاد الجديد وكيفية التعامل معه

1. ماهية الإلحاد ومنشؤه

2. تصنيف الإلحاد

أ. الإلحاد السلبي والإيجابي

ب. الإلحاد النظري والعملي

ج. الإلحاد الفلسفي والعلمي

د. الإلحاد القديم والجديد

3. خصائص الإلحاد الجديد

أ. المنحى الإثباتي

ب. النزعة الهجومية والعداء المفرط للدين

ج. النفور من الفلسفة والاعتماد الحصري على المنهج التجريبي 

د. السطحية، التبسيط المفرط، والتنصّل من المنطق

هـ. المنحى التبليغي وتوظيف الوسائط الإعلاميّة

و. النزعة النظامية والسعي إلى تشكيل مجتمع علماني بالكامل

4. كيفية مواجهة الإلحاد الجديد

أ. الاستحقاقات المعرفية

ب. الاستحقاقات التطبيقية

الدرس الثاني: العلمويّة والإلحاد الجديد(1)

1.التعرّف إلى العلمويّة 

أ. ماهيّة العلمويّة

ب. الخلفيّة التاريخيّة للعلمويّة

ج. مراتب العلمويّة

د. الإلحاد والعلمويّة

2. الأدلّة النظريّة للعلمويّة ونقدها

أ. أسبقيّة المعرفة التجريبية على المعرفة العقليّة

نقد: الارتباط التصديقي بين المعرفة التجريبية والعقل

ب. نجاح المعرفة التجريبية

نقد: الارتباطات والقيود الملازمة للعلم

ج. الارتباط الجوهري بين العلم والطبیعانية

نقد: التعريف الاصطلاحي والوقوع في الدور

الدرس الثالث: العلمويّة والإلحاد الجديد (2)

1. الحجج الأدائيّة للعلمويّة ونقدها 

أ. الوقاية من الجمود العلمي

ب. القابلية العامة للاختبار التجريبي

2. حجج المعترضين على العلمويّة 

أ. المثاليّة المتناقضة ذاتيًّا 

ب. العلمويّة أم معاداة العلم؟

ج. التعارض مع الواقعيّة والأخلاقيّات العلميّة

د. مكانة التفسير الماورائي في العلم 

هـ. الاستبداد والمعايير المزدوجة

و. الانقطاع المعرفي وانعدام لغة التفاهم 

3. الله وقانون الطبيعة

4. الأسس الفلسفيّة للإلحاد

الدرس الرابع: الطبیعانیّة الوجوديّة والإلحاد الجديد 

1. ماهية الطبيعانيّة الوجوديّة

2. أدلّة الطبيعانية الوجودية

3. نقد الطبيعانيّة الوجودية

أ. الدوغمائيّة الاعتباطيّة

ب. عدم إمكانيّة الإثبات من حيث المبدأ

ج. وجود المعارض

د. التناقض الذاتي

هـ. القصور التفسيري

ز. القراءة التوحيدية للتفسيرات الطبيعية 

 الدرس الخامس: الإلحاد الجديد والفيزياء الكوانتية (1)

1. التعرّف إلى النظرية الكوانتية

2. مبدأ عدم اليقين وتفسيراته

أ. عدم اليقين بوصفه جهلًا معرفيًّا مرحليًّا

ب. عدم اليقين بوصفه حدًّا تجريبيًّا ومفهوميًّا

ج. عدم اليقين بوصفه لا تعيّنًا في الطبيعة نفسها

3. النتائج الفلسفية لتفسير كوبنهاغن

أ. نفي الواقعيّة

ب. نفي إمكان التصوير الحسي

ج. رفض النزعة الاختزاليّة 

د. رفض الحَتْميّة

الدرس السادس: الإلحاد الجديد وفيزياء الكوانتية (2)

1. العليّة وعدم التعيّن

2. الله وعدم التعيّن

أ. عدم التعيّن وخلق الكون

ب. عدم التعيّن والتوقّف الوجودي

ج. عدم التعيّن والحوادث الجارية في العالم

د. عدم التعيّن والحوادث الخاصّة

3. سبل الإنسان إلى الله

أ. السبل القائمة على العليّة

ب. الطُرُق غير القائمة على العليّة

الدرس السابع: النظريّات الكونيّة والدلالات اللاهوتيّة

1. أبدية العالم

أ. نظرية الكون الساكن والثابت

ب. نظرية الحالة المستقرّة

ج. نموذج الكون النابض

2. الدلالات اللاهوتيّة لأزليّة العالم

3. الانفجار العظيم وحدوث العالم 

4. الدلالة اللاهوتيّة لنظريّة الانفجار العظيم

أ. المواقف من العلاقة بين الانفجار العظيم والإيمان بالله

ب. تقييم السعة اللاهوتيّة لنظريّة الانفجار العظيم 

الدرس الثامن: رؤية الكون المكتفي بذاته (1)

1. تفسير الكون على أساس تقلُّبات الفراغ

أ. ماهية الفراغ

ب. التقلُّب الكمومي

2. نقد تفسير الكون على أساس تقلُّبات الفراغ

أ. غياب السند التجريبي

ب. التعارض مع علم الكونيات الرصدي

ج. التعارض مع النسبية العامة

د. أنّ الفراغ ليس عدمًا وابتناؤه على فضاء-زمان أساسي سابق

هـ. مغالطة القياس مع الفارق

و. الطابع التناقضي

ز. المطالبة بتفسير الجاذبية وقوانين الطبيعة

ح. الطبيعة الاستدلالية البعدية لعدم اليقين في الزمن والطاقة 

الدرس التاسع: رؤية الكون المكتفي بذاته (2)

1. نموذج هوكينغ-هارتل لانعدام الحدود

2. الدلالات اللاهوتية لنموذج انعدام الحدود

3. نقد حالة انعدام الحدود عند هوكينغ-هارتل

أ. ضعف الدعم التجريبي والنظري

ب. تأمل في الزمن التخيّلي ودلالته

ج. فهم علاقة العلية بشكل تعاقبي

د. تصور الله ككائن زماني

هـ. الخلط بين الترتيب والترتّب

و. الخلط بين انعدام الحدود الفيزيائي والكلامي

ز. الله والقانون الطبيعي

الدرس العاشر: الضبط الدقيق ودلالاته اللاهوتية

1. الله والضبط الدقيق الكوني

2. الضرورة الفيزيائية

3. الأكوان المتعدّدة والضبط العشوائي

 الدرس الحادي عشر: نظرية التطوّر والتوليف الحديث 

1. الخلفية التاريخية لنظرية التطوّر

2. المفاهيم والمبادئ الأساسية للتطوّر 

أ. صراع البقاء

ب. الانتخاب الطبيعي أو بقاء الأصلح

ج. التغيّر والتنوّع

د. الوراثة

هـ. الصدفة والعشوائية 

3. شواهد التطوّر

4. التوليف الحديث (السنتز التطوّري الحديث) 

أ. ماهية التوليف الحديث

ب. إنجازات التوليف الحديث

الدرس الثاني عشر: تحدّيات نظرية التطوّر 

1. تحدّيات فلسفة العلم

أ. الحشو المنطقي

ب. الفجوة التجريبية

ج. انعدام القدرة التنبّؤية 

د. عدم القابلية للدحض

2. القصور العلمي

أ. ضعف الأدلة 

ب. الأدلة المخالفة

3. القصور التفسيري

أ. ظهور الكائنات الحية

ب. نقل المعلومات

ج. أصل الذكاء والوعي

د. القدرة اللغوية

هـ. بقاء بعض الأنواع 

و. الإدراك الأخلاقي والجمالي

ز. مسألة التوجه (الغائية)

ح. عدم كفاية الإطار الزمني

الدرس الثالث عشر: أنماط التعامل مع نظرية التطوّر 

1. الخلقية 

2. التصميم الذكي (ID) 

السوط، آلة فائقة التعقيد وغير قابلة للاختزال 

3. التطوّر الإلهي

4. التطوّر ما بعد الدارويني

الدرس الرابع عشر: المذهب الطبيعانية التطوّرية

1. تصميم بلا مصمِّم ونقده

أ. الانتخاب الطبيعي، بديلًا عن الله

ب. عَمَى الانتخاب الطبيعي

ج. التدرج والانتخاب الطبيعي

د. الصدفة والانتخاب الطبيعي

2. الهدم الذاتي للقراءة الإلحادية للتطوّر

 الدرس الخامس عشر: الداروينية ونقد الإيمان بالله

1. إله سد الثغرات

نقد: ارتكاز التفسير التوحيدي على المعرفة

2. برهان اللااحتمالية

نقد: حصر اللااحتمالية البنيوية في الماديات

3. مسألة تبرير وجود الله

نقد: الكفاية التفسيرية

4. الحياة والهروب من التفسير 

نقد: القياس مع الفارق

5. الله وليد التطوّر

نقد: وجود مغالطات متنوعة في الاستدلال

 

كلمة المركز

لم يَعُد مفهوم الاستراتيجيّة في عالمنا المعاصر محصورًا في إطار الخرائط العسكريّة، التخطيطات السياسيّة أو الحسابات التجاريّة، بل إنّ كلّ ساحة حَيَويّة تَتَطلّب تدبيرًا للمستقبل، وإدارةً للتحدّيات، ورسمًا لآفاق جديدة، باتت مضطرة لا محالة إلى تَبنّي نهجٍ استراتيجيّ. وفي خضم ذلك، فإنّ مجالات الدين والثقافة والاجتماع، الّتي تتعرّض لتلاطم أمواج التيّارات الفكريّة المتنافسة والتحوّلات العالميّة المتسارعة، أضحت بحاجة ماسّة -أكثر من أيّ وقت مضى- للانتقال من ردود الأفعال الانفعاليّة والجزئيّة إلى المبادرات التأسيسيّة والمدروسة.

وانطلاقًا من إدراك هذه الضرورة الحَيَويّة، وبهدف صيانة الحدود العقائديّة، تأسّس «المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة» التابع للعتبة العباسيّة المقدّسة في النجف الأشرف؛ ليكون بمثابة مُرصد ذكيّ يقوم برصد التحوّلات الفكريّة والثقافيّة بدقّة، ويعمل على صياغة الخرائط الاستراتيجيّة في حقل المعرفة الدينيّة. وتتمثّل الرسالة الكبرى لهذه المؤسسة في إعادة قراءة التراث الإسلاميّ العظيم برؤية معاصرة، والإجابة عن الشبهات الناجمة عن تحوّل النماذج المعرفيّة العالميّة من الإيمان بالغيب إلى المادّيّة، وتزويد نُخَب العالم الإسلاميّ بسلاح المنطق والاستدلال في مواجهة الغزو الناعم للمدارس والأفكار المنحرفة.

وقد أثمرت الجهود حتى الآن عن تأليف ونشر أكثر من 300 عنوان من الكتب والمجلّات التخصّصيّة، غطّت مساحة واسعة من الموضوعات الحيويّة مثل: الكلام والعقائد، نقد الاستشراق، الاستغراب ونقد الفكر الغربي، تاريخ العلوم الإسلاميّة، دراسات في المنهج، فلسفة العلم ونظريّة المعرفة، دراسات المرأة والأسرة، نمط الحياة، تاريخ الاستعمار، والفكر الإسلاميّ المعاصر.

يشهد العالم المعاصر صعودًا وانتشارًا لتيّار فكريّ يتّسم بصراحة غير مسبوقة، لا يكتفي بإنكار وجود الله تعالى فحسب، بل يسعى لتخطئة وإنكار أيّ نظام دينيّ أو روحيّ. هذا التيّار، الّذي عُرِف بـ «الإلحاد الجديد»، يُقدّم نفسه كمُمثّل للتفكير العقلانيّ والعلميّ الحديث، مُعتبرًا الدين مصدرًا للجهل والعُنف وتَخَلُّف البشريّة. إنَّ ما يُميّز هذه الموجة الجديدة عن الإلحاد الفلسفيّ الكلاسيكيّ هو نهجها الشَعبَويّ، ونبرتها الهجوميّة، واعتمادها على تفسير خاصّ للعلوم التجريبيّة. يسعى الإلحاد الجديد، مستفيدًا من وسائل الإعلام الجماهيريّ وبلغة بسيطة وجدليّة، إلى التَغَلغُل في الرأي العامّ وتحويل الإلحاد إلى حركة اجتماعيّة-ثقافيّة. إنّ المواجهة الفعّالة لهذا التحدّي تتطلّب مقاربة متعدّدة المستويات؛ مقاربة تشخّص الأسس الفلسفيّة والمعرفيّة لهذا التيّار بدقّة، وتُفكّك استدلالاته الّتي تتظاهر بالعلميّة، وتستفيد في الوقت ذاته من التراث الفكريّ الإسلاميّ لتقديم إجابة عقلانيّة معاصرة.

لقد كان الإلحاد الفلسفيّ الكلاسيكيّ يُركّز بشكل أكبر على عَجز العقل البشريّ عن إثبات الأمور الميتافيزيقيَّة أو على التبعات النفسيّة والوجوديّة للإيمان. أمّا الإلحاد الجديد الّذي ظهر في مطلع القرن الحادي والعشرين، فيَتَّسم بخصائص مُغايَرة. الميزة الأولى والأهمّ هي «العِلمَويَّة» أو التمركز المُفرط حول العلم؛ وهو الاعتقاد الجازم بأنّ العلم التجريبيّ هو السبيل الوحيد المعتبر لاكتساب المعرفة، وأنّ كلّ ما يقع خارج نطاق المنهج العلميّ هو إما بلا معنى أو غير موجود. الميزة الثانية هي النبرة الهجوميّة والإعلاميّة؛ إذ لا يَرَى قادة هذه الحركة أنفسهم فلاسفة مُنعَزِلين، بل نُشطاء اجتماعيّين يقع على عاتقهم واجب إزاحة الدين عن المشهد العامّ بلغة الجدل والسخريّة والتخطئة. ويقود هذا النهج إلى الميزة الثالثة: معاداة الدين. فهم لا يكتفون بمجرد عدم الإيمان بالله، بل يعتبرون الدين ظاهرة خطيرة. وأخيرًا، تتركّز الحُجَج الرئيسيّة لهذا التيّار بشكل أساسيّ على تفسير خاصّ لحَقلَين عِلميَين: البِيُولُوجِيا التَطَوريَّة لتفسير تعقيد الحياة دون الحاجة لمُصمّم، وعلم الكَوْنيّات لتفسير نشأة الكَوْن دون الحاجة لخالق. وهكذا، يرتكز خطاب الإلحاد الجديد على أساس معرفيّ (العِلمَويَّة)، وأساس ميتافيزيقيّ (الماديّة)، وعدّة استدلالات محوريّة (تعارض العلم والدين، معضلة الشر، والنقد الأخلاقيّ للدين).

إنّ واحدًا من أكثر الانتقادات الجوهريّة المُوجّهة للإلحاد الجديد يستهدف ركيزته المعرفيّة، أي «العِلمَويّة». فالادعاء بأن «المعرفة الوحيدة المعتبرة هي المعرفة العلميّة-التجريبيّة» ليس في حدّ ذاته قضيّة علميّة-تجريبيّة، بل هو قضيّة فلسفيّة حول حدود العلم لا يمكن إثباتها بأدوات العلم نفسه. تعاني هذه القضية من «الدحض الذاتيّ»، إذ لا يمكن إثبات صدقها في المختبر. كما أنّ الأساس الميتافيزيقيّ للإلحاد الجديد، أي المادّيّة أو الفيزيائيّة، يواجه تحدّيات غير قابلة للحلّ. فهذه الرؤية الّتي تحصر الواقع النهائيّ في المادّة والطاقة فقط، تصل إلى طريق مسدود عند محاولة تفسير ظواهر مثل «الوعي».

غالبًا ما يعمد الإلحاد الجديد إلى تقديم صورة كاريكاتوريّة لبراهين إثبات وجود الله، رافضًا إيّاها باعتبارها حُججًا لـ «إله الفَجَوات»؛ أي أنّ الدين يحشو الفراغات الّتي يعجز العلم عن تفسيرها بـ «الله». ولعلّ الشبهة الأكثر عاطفيّة، وفي الوقت نفسه الأكثر فلسفيّة، الّتي يطرحها الإلحاد المعاصر ضد الإيمان الدينيّ هي «معضلة الشرّ». كيف يمكن التوفيق بين وجود الشرّ والمعاناة في العالم وبين وجود إله قادر وعالم وخير مطلق؟ وأخيرًا، يَدّعي الإلحاد الجديد أنّ الأخلاق يُمكن أن تُبنى على أُسس موضوعيّة وعلمانيّة دون الحاجة إلى الله. لكنّ الأخلاق العلمانيّة تواجه المشكلة الأساسيّة المُتَمثّلة في «الانتقال من الكائن إلى الواجب»؛ فالعلم يمكنه أن يُقرّر ما هو «كائن»، لكنّه لا يستطيع أن يُملي ما «يجب» أن يكون. وهذا الأمر يُؤدّي في النهاية إلى النسبيّة الأخلاقيّة.

يقوم هذا التيّار، عَبر استغلال المكانة الرفيعة للعلم وموثوقيّته، بإخفاء قضاياه الفلسفيّة والميتافيزيقيّة في غلاف من البيانات العلميّة، موحيًا للمُتَلَقّي - وخاصّة جيل الشباب والشغوفين بالمعرفة الّذين قد يفتقرون للتخصّص الكافيّ للتمييز بين حقل العلم وحقل الفلسفة - بأنّ الإلحاد هو النتيجة المنطقيّة والحتميّة لتقدّم العلم. إنّ هذه المغالطة الكُبرى تُضاعف من ضرورة تقديم ردّ دقيق، علميّ وعقلانيّ.

في المقابل، يمتلك الفكر الإسلاميّ، استنادًا إلى تُراثه الكلاميّ والفلسفيّ والمعرفيّ الغنيّ، قُدرات معتبرة لمواجهة التحدّيات المطروحة. إنّ المواجهة الناجحة لهذه الظاهرة تتطلّب تشخيصًا دقيقًا للتحديات المعرفيّة والفلسفيّة والوجوديّة، ومن ثمّ تحديد ومتابعة أولويات بحثيّة مُحدّدة قادرة على عرض الفكر الإسلاميّ في قالب جديد ومُستَدَلّ ومجيب عن أسئلة العالم المعاصر ولغته. إنّ هذا الجُهد الفكريّ ليس مجرّد دفاع في وجه الشبهات، بل هو فرصة لإعادة التفكير وتعميق وإحياء الأبعاد العقلانيّة والروحيّة للإسلام في عالم اليوم.

يسعى هذا الكتاب، الّذي أُعدّ في قالب «منهج تعليميّ» ووفق هيكليّة تعليميّة، إلى تعريف القارئ خُطوة بخُطوة بتعقيدات هذا البحث، ووضع أدوات التحليل والنقد العقلانيّ في متناوله. وتُعدّ ترجمة هذا الأثر إلى اللغة العربية، نظرًا للتحدّيات الفكريّة المشتركة في العالم الإسلاميّ والحاجة الماسّة لمصادر مُتقَنَة وعميقة في هذا المجال، خطوة أولى نحو تعزيز الأسس الفكريّة والإيمانيّة للمجتمع، وخاصّة لجيل الشباب والجامعيّين.

ختامًا، ومع تقديرنا لجهود المؤلف المحترم والمترجمين وكافّة الأعزاء الذين ساهموا في إنجاز هذا العمل القيّم، نأمل أن يكون نشر هذا الكتاب فاتحة خير لتعميق الأبحاث والدراسات العقلانيّة والدينيّة، وأن يُعِينَ طلّاب الحقيقة في مسار الوصول إلى معرفة معتبرة وحقيقيّة لحقائق الوجود والمعارف الإلهيّة.

 

المقدّمة

الإلحاد الجديد هو اتّجاهٌ معاصر في إنكار وجود الله، يسعى دومًا إلى ترويج رؤيته المادّية للعالم تحت عنوان العلم، ولا سيّما من خلال الفيزياء الكوانتية، والبيولوجيا التطوّريّة، والعلوم الاستعرافية. وهذا التيّار لا يكتفي بتقديم طروحات مغايرة للدين، بل ينخرط في مواجهة حادّة وهجومٍ مباشر على الإيمان والتديّن، ممّا يجعل لفت النظر إلى كيفية التعامل معه، بما يقتضيه من لوازم ودقّة وحساسيّة خاصة، من الأهداف الأساسية لهذا الكتاب. يسعى المؤلّف في هذا العمل إلى تتبّع الأسس المعرفية والأنطولوجية التي يقوم عليها الإلحاد الجديد، وذلك من خلال تحليل أبعاده في فلسفة العلم والرؤية الوجودية، وكشف ابتنائه على قواعد خاطئة، وبيان ما يشوب منظومته من نقاط ضعف. ثم ينتقل إلى ميدانَي الفيزياء والبيولوجيا، ليحلّل التأويلات الفلسفية واللاهوتية التي يستخلصها الملاحدة الجدد من المعطيات العلمية، ويبيّن ما تنطوي عليه من ثغرات ومغالطات وسوء فهم وانحيازات أيديولوجية تفتقر إلى الأساس العلمي والمنطقي الرصين.

وقد سبق للمؤلّف أن نشر دراسةً بعنوان «الإلحاد الجديد: دراسة ونقد في الفيزياء والبيولوجيا المعاصرة» ضمن المجموعة العلمية منطق فهم الدين في مركز بحوث الثقافة والفكر الإسلامي. غير أنّ الحاجة إلى تأليف متنٍ دراسي في هذا المجال، اقتضت إعداد عملٍ جديد يتميّز، رغم بعض أوجه الاشتراك، عن سابقه في عدّة جهات ومضامين.

وقد أُنجز هذا الكتاب بتكليف من «قطب تعميق الإيمان والاعتقادات الدينية» التابع لمكتب التبليغ الإسلامي في الحوزة العلمية بقم، وبالتعاون مع مركز بحوث الثقافة والفكر الإسلامي، وقد خُصِّص للتدريس في المستوى الثالث والرابع من الدراسات الحوزوية، وكذلك في مرحلتي الماجستير والدكتوراه ضمن العلوم العقلية، كفلسفة الدين، والكلام الجديد، وعلم الكلام الإسلامي.

لا شكّ في أنّ هذا العمل، كغيره من الجهود البشرية، لا يخلو من نقصٍ أو قصور، ومدى نجاحه في تحقيق أهدافه رهنٌ باكتشاف نقاط قوّته وضعفه في سياق الدورات التعليمية، وتلقّي الملاحظات والتعديلات المقترحة من الأساتذة والطلبة الكرام. ويَعدّ الكاتبُ نفسه مدينًا لأصحاب النظر الدقيق والعقول الراجحة الذين لا يبخلون عليه بتوجيهاتهم وإرشاداتهم. راجيًا أن يُتقبَّل هذا الجهد المتواضع في ساحة العناية الإلهية، ويُعدّ له زادًا ليوم المعاد.

وفي الختام، أتقدّم بالشكر والعرفان إلى أعضاء اللجنة المركزية لمواجهة الإلحاد الجديد، والمجلس العلمي لمجموعة منطق فهم الدين في مركز بحوث الثقافة والفكر الإسلامي، وسماحة حجّة الإسلام والمسلمين الدكتور محمدتقي سبحاني، الذي أشرف على هذا العمل، وحجّة الإسلام والمسلمين الشيخ عبدالحميد واسطي الذي قام بتقييمه، كما أشكر السادة الدكتور محمدعلي سليماني، والدكتور حسين سعدآبادي، والسيدة الفاضلة خديجة شاكرين، الذين قدّموا لي عونًا وتوجيهًا ثمينًا في مباحث الفيزياء الواردة في هذا الكتاب. ولا يفوتني أن أشكر مؤسّسة «بوستان كتاب» المباركة على ما بذلته في إعداد هذا العمل ونشره، سائلًا الله تعالى للجميع دوام التوفيق والسداد.

وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت وإليه أُنيب.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف