فهرس المحتويات

مقدمة المرکز | 7

المقدّمة | 9

1. احتضان القرآن الكريم للعلوم الإسلاميّة | 13

2. التأسيس القرآنيّ لعلم الكلام | 19

أوّلًا: البعد التأسيسي في الآيات الخمس الأولى من سورة العلق | 21

ثانيًا: دعوة القرآن للتفكير العقليّ ووضع أسس القواعد الكلاميّة | 23

1. دعوة القرآن للتفكير العقليّ | 23

2. إرشاد القرآن للقواعد الكلامية | 26

ثالثًا: إقامة القرآن الكريم للبراهين اليقينيّة على أصول الدين الخمسة | 35

براهين التوحيد | 35

برهان الصديقين | 35

براهين إثبات النبوة | 37

 براهين الإمامة | 38

براهين المعاد | 39

رابعًا: تنبيه القرآن الكريم إلى الأساليب المنطقيّة | 43

1. الموجبة الجزئيّة نقيض السالبة الكليّة | 44

2. أسلوب القياس الاقترانيّ | 44

3. أسلوب القياس الاستثنائيّ المتّصل | 45

4. أسلوب قياس الضمير أو المضمر  | 45

5. قياس الأولويّة | 46

6. استناد القرآن لقاعدة استحالة اجتماع النقيضين | 46

خامسًا: تنبيه القرآن إلى أساليب الجدل | 49

الجدل لغة | 49

الأساليب الجدليّة في القرآن الكريم:  | 51

سادسًا: مناظرات القرآن الكريم | 55

نماذج من حوارات الأنبياء | 55

ردّ القرآن الكريم على شبهات الدهريّين والمشركين | 57

سابعًا: احتواء القرآن على الآيات المتشابهة ووجود التأويل لها | 63

الخاتمة | 67

المصادر | 69

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية أوراق بحثية 1 التأسيس القرآني لعلم الكلام تأليف : الشيخ د. خلدون ابو العيد

التأسيس القرآني لعلم الكلام

(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

(2)

العتبة العباسية المقدسة 

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

 

أوراق بحثية 1

 

التـأسيس القرآني لعلم الكلام

 

تأليف : 

الشيخ د. خلدون ابو عيد 

(3)

العتبة العباسية المقدسة

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

 

التأسيس القرآني لعلم الكلام 

 

تأليف : الشيخ د. خلدون أبو عيد 

الناشر: العتبة العباسية المقدسة / المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

الطبعة : الاولى ، 1447 ق / 2026 م

 

www.iicss.iq

islamic.css@gmail.com

(4)

الفهرس 

مقدمة المرکز7

المقدّمة9

1. احتضان القرآن الكريم للعلوم الإسلاميّة13

2. التأسيس القرآنيّ لعلم الكلام19

أوّلًا: البعد التأسيسي في الآيات الخمس الأولى من سورة العلق21

ثانيًا: دعوة القرآن للتفكير العقليّ ووضع أسس القواعد الكلاميّة 23

1. دعوة القرآن للتفكير العقليّ 23

2. إرشاد القرآن للقواعد الكلامية26

ثالثًا: إقامة القرآن الكريم للبراهين اليقينيّة على

أصول الدين الخمسة 35

براهين التوحيد35

برهان الصديقين35

براهين إثبات النبوة 37

 براهين الإمامة 38

براهين المعاد39

رابعًا: تنبيه القرآن الكريم إلى الأساليب المنطقيّة 43

1. الموجبة الجزئيّة نقيض السالبة الكليّة 44

2. أسلوب القياس الاقترانيّ 44

3. أسلوب القياس الاستثنائيّ المتّصل 45

4. أسلوب قياس الضمير أو المضمر 45

5. قياس الأولويّة 46

6. استناد القرآن لقاعدة استحالة اجتماع النقيضين46

(5)

الفهرس

خامسًا: تنبيه القرآن إلى أساليب الجدل 49

الجدل لغة49

الأساليب الجدليّة في القرآن الكريم:51

سادسًا: مناظرات القرآن الكريم 55

نماذج من حوارات الأنبياء 55

ردّ القرآن الكريم على شبهات الدهريّين والمشركين57

سابعًا: احتواء القرآن على الآيات المتشابهة ووجود التأويل لها63

الخاتمة67

المصادر69

(6)

مقدمة المرکز

باتت الثقافة في عصر الثورة المعلوماتيّة الهائلة والذكاء الاصطناعيّ، سلعةً رخيصةً سهلة التناول؛ ممّا أدى إلى صياغة منظومة الإنسان المعرفيّة على نحوٍ تملّ الإطالة والإسهاب، وتجنح إلى الوجبات المعرفيّة السريعة الجاهزة؛ هذا ما يُنذر بظهور الكسل المعرفيّ والضعف البحثيّ، وانزياح العقل رويدًا رويدًا عن وظيفته الأساسيّة في التفكير والتنظير لصالح التقنيّة الافتراضيّة الحديثة، مع ما لها من إيجابياتٍ، وسلبياتٍ ربما تفوق تلك الإيجابيات.

إذ بعدما تصبح الأوعية المعرفيّة الافتراضيّة متاحةً لكلّ شخص، يصبح العلم أسيرًا في دهاليز الخوارزميّات التي نسجتها الإمبرياليّة المعرفيّة والثقافيّة المهيمنة على العالم، ويكون لعبةً جوفاء لا تُنبئ عن مدى توغّل صاحبها في الحقل المعرفي المبحوث، ومدى تخصّصه فيما يكتب، ويقول، وربما لا يعدو الأمر أن يكون أوراقًا مصقولةً منمّقةً بنماذج التقنية الافتراضيّة، ومعلومات متناثرة ــ وربما موجّهة بأيدٍ خفيّة ــ جمعها الذكاء الاصطناعي من هنا وهناك، لتُعطي إجابةً سريعةً يطلبها عقلٌ خاملٌ استسلم لراحة الكسل العلمي.

من هذا المنطلق، واستجابةً لضرورة المرحلة، وحفاظًا على النشاط العلمي وأثرائه بالدراسات الجادّة والعميقة والمختصرة ارتأينا إصدار سلسلة (أوراق بحثيّة)؛ لتكون منارًا بحثيًا رصينًا، يهدي الباحثين في دروب العلم والمعرفة، وذلك من خلال تقديم كرّاساتٍ معرفيّةٍ مختصرةٍ في شتّى المواضيع العلميّة والبحثيّة.

وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الخَلْقِ محمَّدٍ وآلِهِ الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ.

(7)
(8)

المقدّمة [1]

القرآن الكريم منبع الهداية والنّور، ومصدر المعرفة الذي لا يناقضه مصدر معرفيّ ثابت آخر، كالعقل القطعيّ. والقرآن القدح المعلّى في صناعة نهضة المسلمين وحضارتهم في الميادين العلميّة المختلفة، ومن هذه العلوم الإسلاميّة الأصيلة: علم الكلام الذي يتولّى، من جملة ما يتولّاه، مهمّة الدّفاع العقديّ.

وهذا البحث يتناول محاولة إثبات الجذر القرآنيّ لعلم الكلام وأصالته الإسلاميّة، ونفي شبهة كونه دخيلًا على البيئة الإسلاميّة، والثقافة القرآنيّة، وكونه وليد ترجمة الفلسفة والفكر اليونانيَّيْن في العصر العباسيّ، وما صاحب ذلك من تطوّر فكريّ ثقافيّ شهدته الأمّة الإسلاميّة حينذاك[2].

الدّراسات السابقة: رغم أهمّيّة هذا البحث التأسيسي، لم نعثر في المكتبة دراسات تتوجّه مباشرة لمعالجة هذا الموضوع. نعم، توجد دراسات وأطاريح بحثت قضايا تتعلّق جزئيًّا بالإشكال، ومن هذه العناوين التي حاولنا الاستفادة منها:

ـ الجدل في القرآن: تأليف حسن الشرقاوي، وهو بحثٌ موضوعيّ قرآنيّ عن الجدل ومصاديقه وأقسامه.

(9)

ـ الجدل في القرآن خصائصه ودلالاته - جدال بعض الأنبياء مع أقوامهم نموذجًا: دراسة لغويّة دلاليّة، وهي رسالة ماجستير للطالب الباحث يوسف عمر العساكر، مقدّمة لجامعة الجزائر كلّيّة الآداب.

ـ مناهج الجدل في القرآن: تأليف الدكتور زاهر عواض الألمعي، وهي أطروحته للدكتوراة.

ـ تاريخ الجدل: تأليف الشيخ محمّد أبو زهرة من علماء الأزهر الشريف، وأصل الكتاب محاضرات ألقاها الشيخ على طلّاب السنة الثانية في كلّيّة أصول الدين.

ـ مسائل العقيدة ودلائلها بين البرهنة القرآنيّة والاستدلال الكلاميّ: تأليف الدكتور السيّد رزق الحجر. والكتاب يشتمل على مقارنة منهج المتكلّمين بالمنهج القرآنيّ في موقف نقديّ لمناهج المتكلّمين، التي -برأي المؤلّف- تناسب زمانها وحاجاتها ولا تخلو من الشبهات، كما أنّها لا تكفي لإقناع المخالفين اليوم، فعصرنا -كما يقول المؤلّف- عصر العلم، ومنهج القرآن ذو البراهين السهلة وما تضمّنه من آيات كونيّة هو الكفيل بالحجّة.

تقسيم البحث

يقوم البحث على تمهيد يسعى للتأكيد على احتضان القرآن الكريم للعلوم الإسلاميّة، ومطالب سبعة تّدلل على تأسيس القرآن لنواة علم الكلام وجذوره الأولى من خلال سبعة عناوين، هي: البُعد التأسيسيّ في الآيات الأولى من سورة العلق، دعوة القرآن للتفكير العقليّ ووضع أسس القواعد الكلاميّة، إقامة القرآن الكريم البراهين اليقينيّة على أصول الدين، تنبيه القرآن إلى الأساليب المنطقيّة، تنبيه القرآن إلى أساليب الجدل ودعوته إلى الجدل بالتي هي أحسن، مناظرات القرآن: نماذج من حوارات الأنبياء مع أقوامهم

 

(10)

وإبطال حجج المشركين والدهريّين وأهل الكتاب، وأخيراً احتواء القرآن على الآيات المتشابهة وتأويلاتها. ومن ثمّ ننهي البحث بخاتمة تحتوي نتائج البحث والتوصيات النهائيّة.

المنهج المتّبع في البحث: اتّبع البحث المنهج الاستقرائيّ التحليليّ عبر استقراء الآيات القرآنيّة وتحليلها، مستفيدًا مما كتبه أساطين التفسير وعلوم القرآن عند المسلمين، وغيرها من الكتب الكلاميّة واللغويّة.

 

(11)
(12)

1. احتضان القرآن الكريم للعلوم الإسلاميّة

إنّ القرآن الكريم كتابٌ جامع للعلم والهداية، وقد تحدّثت الآيات الكريمة عن ذلك في غير موضع من القرآن الكريم، منها على سبيل المثال قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (النساء: 166).

«ومعنى (بعلمه) أنّ القرآن من علم اللّه، لا من علم المخلوقين الذي هو عرضة للأخطاء والأهواء»[1].

وقوله تعالى:  ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 9).

«هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم وفيما يهديهم، فيشمل الهدى أقوامًا وأجيالًا بلا حدود من زمان أو مكان؛ ويشمل ما يهديهم إليه كلّ منهج وكلّ طريق، وكلّ خير يهتدي إليه البشر في كلّ زمان ومكان....»‏[2].

وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: 89)، وهذه الآية وإن اشتهر تفسيرها بما يرتبط بأمور الشريعة والحلال والحرام، ولكن السيّد الطباطبائي يقول: «هذا ما ذكروه، وهو مبنيّ على ما هو ظاهر التبيان من البيان المعهود من الكلام، وهو إظهار المقاصد من طريق الدلالة اللفظيّة، فإنّا لا نهتدي من دلالة لفظ القرآن الكريم إلّا على كلّيّات ما تقدّم،

(13)

لكن في الروايات ما يدلّ على أنّ القرآن فيه علم ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، ولو صحّت الروايات لكان من اللّازم أن يكون المراد بالتبيان الأعم مما يكون من طريق الدلالة اللفظيّة، فلعلّ هناك إشارات من غير طريق الدلالة اللفظيّة تكشف عن أسرار وخبايا لا سبيل للفهم المتعارف إليها»[1].

وجاء في تفسير ابن كثير: «قال ابن مسعود: قد بيّن لنا في هذا القرآن كلّ علم وكلّ شي‏ء. وقال مجاهد: كلّ حلال وكلّ حرام، وقول ابن مسعود أعمّ وأشمل، فإنّ القرآن اشتمل على كلّ علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي، وكلّ حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم‏»[2].

يقول الرافعي حول العلوم والمعارف التي ورد ذكرها في القرآن الكريم في كتابه «إعجاز القرآن والبلاغة النبويّة»: «وهو أمر لم يكن أكثره على عهد الصحابة يوم كان العلم فروعًا قليلة؛ إذ كانت الأعلام بيّنة لائحة، وطريق الإسلام لا تزال فيها آثار النبوّة واضحة، ومن ثمّ جعلت العلوم تنبع من القرآن ثمّ تستجيش وتتّسع، وأخذ بعضها يمدّ بعضًا...».

 فاعتنى قوم بضبط لغاته وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه، وعددها، وعدد كلماته وآياته وسوره، وأحزابه وأنصافه وأرباعه، وعدد سجداته، والتعليم عند كلّ عشر آيات، إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة، والآيات المتماثلة... فسمُّوا القرّاء.

واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبنيّ من الأسماء والأفعال والحروف العامّة ... وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها والأفعال واللازم والمتعدّي ... وبعضهم أعرب مُشكلَه ... واعتنى المفسّرون بألفاظه، فوجدوا لفظًا يدلّ على معنى واحد، ولفظًا يدّل على معنيين، ولفظًا يدلّ على أكثر، فأجروا الأوّل على حكمه، وأوضحوا معنى الخفيّ منه، وخاضوا في ترجيح أحد محتملات

(14)

ذي المعنيين ... وأعمل كلّ منهم فكرَه، وقال بما اقتضاه نظره.

واعتنى الأصوليّون بما فيه من الأدلّة العقليّة والشّواهد الأصليّة والنظريّة، فاستنبطوا منه، وسمّوا هذا العلم بأصول الدين، وتأمّلت طائفة منهم معاني الخطاب، فرأت منها ما يقتضي العموم، ومنها ما يقتضي الخصوص، فاستنبطوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز، وتكلّموا في التخصيص والأخبار والنصّ والظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي والنسخ، إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة، واستصحاب الحال والاستقراء، وسمّوا هذا الفنّ أصول الفقه.

وأحكمت طائفة صحيح النظر وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام وسائر الأحكام، فأسّسوا أصوله، وفرّعوا فروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطًا حسنًا، وسمّوه بعلم الفروع، وبالفقه أيضًا. وتلمّحت طائفة ما فيه من قصص القرون السالفة والأمم الخالية، فنقلوا ودوَّنوا أخبارهم ووقائعهم، حتى ذكروا بَدْء الدنيا وأوّل الأشياء، وسمّوا ذلك بالتاريخ.

وتنبّه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال، والمواعظ التي تقلقل قلوب الرجال، فاستنبطوا ما فيه من الوعد والوعيد والتحذير والتبشير، وذكر الموت والميعاد والحشر والحساب... فسمّوا بذلك الخطباء والوعّاظ.

وأخذ قومٌ مما في آية المواريث من ذكر السهام وأربابها، وغير ذلك علم الفرائض، واستنبطوا منها من ذكر النصف والربع والسدس والثمن حساب الفرائض.

 ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالّة على الحِكم الباهرة في الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والبروج، وغير ذلك، فاستخرجوا منه علم المواقيت.

ونظر الكتّاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ، وبديع النظم، وحسن السياق، والمبادئ والمقاطع والمخالص، والتلوين في الخطاب والإطناب

(15)

والإيجاز، وغير ذلك، واستنبطوا منه المعاني والبيان والبديع[1].

وقبل الرافعي لفت ابن القيم لعلم الطبّ وأصوله القرآنيّة، فقال: «وأصول الطب ثلاثة: الحمية وحفظ الصحّة، واستفراغ المادّة المضرّة، وقد جمعها اللّه تعالى له ولأمّته في ثلاثة مواضع من كتابه، فحمى المريض من استعمال الماء خشية من الضرر، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (النساء: 43)، فأباح التيمّم للمريض حمية له، كما أباح للعادم، وقال في حفظ الصحة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرََ﴾ (البقرة: 184)، فأباح للمسافر الفطر في رمضان حفظًا لصحّته؛ لئلا يجتمع على قوَّته الصوم ومشقّة السفر، فيضعف القوّة والصحّة، وقال في الاستفراغ في حلق الرأس للمحرم: «﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (البقرة: 196)، فأباح للمريض أو مَن به أذى من رأسه وهو مُحرم أن يحلق رأسه، ويستفرغ المواد الفاسدة والأبخرة الرديئة التي تولّد عليه القمل، كما حصل لكعب بن عجرة، أو تولّد عليه المرض، وهذه الثلاثة هي قواعد الطبّ وأصوله»[2].

ولعلّ أجمل تعبير عن محفّزيّة القرآن للعقل الإنسانيّ على الإبداع والتحليق في العلوم المختلفة، هو تعبير (الحداء[3])، الذي استخدمه الدكتور عبد اللّه درّاز، حيث قال: «فإنّه جلّت قدرته قد أجرى سنّته في نظام هذا العالم أن يغشى جلائل أسراره بأستار لا تخلو من متعة وجمال، ليكون ذلك من عوامل حفظه.. فلمّا سبقت كلمته أن يصون علينا نفائس العلوم التي أودعها هذا الكتاب الكريم، قضت حكمته أن يختار لها صوانًا يحببها إلى الناس بعذوبته، ويغريهم عليها بطلاوته، ويكون بمنزلة «الحداء» يستحثّ النفوس على السير

(16)

إليها، ويهون عليها وَعْثَاء السفر في طلب كمالها، لا جرم أنّه اصطفى لها من هذا اللسان العربيّ المبين ذلك القالب العذب الجميل[1].

وبالنسبة لعلم الكلام خصوصًا، يذكر السيوطي قول ابن أبي الإصبع  في ردّ الأخير على زعم الجاحظ نفي وجود المذهب الكلاميّ في القرآن الكريم، ويستدلّ ابن أبي الأصبع على وجود المذهب الكلاميّ بأنّ القرآن الكريم يبني النتائج الصحيحة من المقدّمات الصادقة، وأنّ في الآيات السبعة الأولى من سورة الحج خمس نتائج مستنتجة من عشر مقدّمات، كما ذكر السيوطي أساليب جدليّة في القرآن الكريم، كأسلوب السبر والتقسيم وأسلوب مجاراة الخصم... إلخ[2].

بل يقول من لا شكّ في كونه أحد كبار زعماء علم الكلام، وهو الفخر الرازي: «فعلم الكلام كلّه في القرآن‏»[3].

بناء على ما سبق، فحضارة الأمّة الإسلاميّة وعلومها منبثقة عن هدي هذا الكتاب الإلهيّ العظيم، ومن بين هذه العلوم علم الكلام الإسلاميّ، فليس علم الكلام وليد التأثّر بالفكر والفلسفة اليونانيّيْن اللذين عرفتهما الأمّة الإسلاميّة إبان حركة الترجمة في العصر العباسيّ.

(17)
(18)

2. التأسيس القرآنيّ لعلم الكلام

انطلاقًا من تعريف علم الكلام بأنّه: «بيان كيفيّة الاستدلال على تحصيل عقائد صحيحة، جازمة، بترتيب صحّة الشرائع عليها، أو الاستدلال على عقائد وشرائع مخصوصة»[1].

أو التعريف المشهور لابن خلدون بأنّه العلم المتكفّل بالحجاج عن العقائد الإيمانيّة، بالأدلّة العقليّة، والرّدّ على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات[2].

فإنّنا نلاحظ لهذا العلم الشريف جانبين: إيجابيّ وسلبيّ، فالإيجابيّ يتناول إثبات العقائد اليقينيّة الجازمة والدّفاع عنها، والسلبيّ هو ردّ الشبهات، كما أنّ للاستدلال العقليّ دورًا محوريًّا في هذين الجانبين.

وبالتالي، فالقرآن الكريم هو أساس الاعتقاد الدينيّ ومنبعه، ونجد في آياته الكريمة ما يقرّر العقيدة من جهة، ومن جهة أخرى ما يطلق للعقل العنان للتحليق والسموّ في استخدام أساليب الاستدلال العقليّة، وفي عدم الوقوف في آياته العَقَديّة عند الظواهر الظنّيّة والمتشابهات القرآنيّة، بل الولوج إلى التأويل الموافق لمحكماته القطعيّة، وإضافة لما سبق وجدنا ردودًا قرآنيّة مُحكَمة على الشبهات حول العقائد الإيمانيّة، وكان هذا الفتح الإيمانيّ-العقليّ متجلّيًا باديًا للعيان منذ الآيات الأولى التي افتتحها الكتاب الإلهيّ العظيم هديه للبشريّة... .

فنكون قد أثبتنا التأسيس والإرشاد القرآنيّ لعلم الكلام -هذا العلم

(19)

الإسلاميّ العريق- وأصول الاستدلال المتعلّقة به؛ لذا سيتمّ تناول البحث القرآنيّ في ذلك من خلال المطالب السبعة الآتية، كما يلي:

أوّلًا: البعد التأسيسي في الآيات الخمس الأولى من سورة العلق

ثانيًا: دعوة القرآن للتفكير العقليّ ووضع أسس القواعد الكلاميّة

ثالثًا: إقامة القرآن الكريم للبراهين اليقينيّة على أصول الدين الخمسة

رابعًا: تنبيه القرآن الكريم إلى الأساليب المنطقيّة

خامسًا: تنبيه القرآن إلى أساليب الجدل ودعوته إلى الجدل بالتي هي أحسن

سادسًا: مناظرات القرآن الكريم

سابعًا: احتواء القرآن على الآيات المتشابهة ووجود التأويل لها

 

(20)

أوّلًا: البعد التأسيسي في الآيات الخمس الأولى من سورة العلق

قال تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.

هذه السورة -كما هو معلوم- أوّل السور نزولًا، والآيات المذكورة هي أوّل ما نزل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غار حراء. وتشبه هذه السورة سورة الفاتحة من حيثيّتين: براعة الاستهلال (حُسن الابتداء)، واشتمال كلّ منهما على مقاصد القرآن الكريم، يقول ابن حجر العسقلاني: «والحكمة في هذه الأوّليّة أنّ هذه الآيات الخمس اشتملت على مقاصد القرآن، ففيها براعة الاستهلال[1]، وهي جديرة أن تسمّى عنوان القرآن؛ لأنّ عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوّله... وبيان كونها اشتملت على مقاصد القرآن أنّها تنحصر في علوم التوحيد والأحكام والأخبار:

- وقد اشتملت على الأمر بالقراءة، والبداءة فيها ببسم اللّه، وفي هذا إشارة إلى الأحكام.

- وفيها ما يتعلّق بتوحيد الربّ وإثبات ذاته وصفاته من صفة ذات وصفة فعل، وفي هذا إشارة إلى أصول الدين.

- وفيها ما يتعلّق بالأخبار من قوله علّم الإنسان ما لم يعلم»[2].

(21)

وحول هذه الآيات، يقول المفكّر المعاصر محمد أبو القاسم حاج حمد: إنّها طلبت من الرسول قراءتين: قراءة عبر التعلّق باسمه وقدرته المطلقة في الكون (خلق الإنسان)، وقراءة ثانية ليست باسمه، ولكن (بمعيّته)، فلم تقل (واقرأ باسم ربك الأكرم)، بل قالت (اقرأ وربك الأكرم)، وهنا يتجلّى كرم التسخير، فهي قراءة في عالم الصفات المتجلّية في عالم الخلق، وهو عالم موضوعيّ، وبالتالي فمعرفته موضوعيّة لا ذاتيّة؛ ولذا جاءت عبر وسيط خارجيّ هو القلم.

فهاتان قراءتان: ربانيّة وإنسانيّة؛ تتمّ الأولى باللّه، والثانية بمعيّته. والرابط بين العلمين رابطٌ فلسفيٌّ بوحدةٍ منهجيّةٍ، وكلتا القراءتين فريضة ﴿اِقرأ﴾[1].

فالسورة بداية فجر جديد للبشريّة بعد أن عانت ويلات الظلم والجهل، فأشرقت من جزيرة العرب شمس العلم والمعرفة والهداية، إنّها تشبه البيان الأوّل للثورات التغييريّة، فاتحةً عهد الوعي والعلم مع ربطه باسم الحقّ تعالى، بخلاف الحضارة المادّيّة اليوم التي قطعت الصلة بعالم الغيب، فأنتجت حروبًا عالميّة وجرّت الويلات والكوارث على البشريّة.

إذًا، سورة العلق التي هي مفتتح الوحي والقرآن تحدّثت عن أصول الدين، كالحديث عن الخالق وقدرته وأسمائه، وجاء فيها الحديث عن المعاد ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ (العلق: 8). وهو ما عزّزته السور اللّاحقة وفصّلته أكثر، وهذا شكّل دافعًا لإثارة العقل الإسلاميّ للاهتمام بهذه القضايا الكبرى.

(22)

ثانيًا: دعوة القرآن للتفكير العقليّ
ووضع أسس القواعد الكلاميّة

1. دعوة القرآن للتفكير العقليّ

يتحدّث القرآن الكريم -خلافًا لأصحاب نظرية العامل الواحد للمعرفة- عن مصادر متعدّدة للمعرفة الإنسانيّة، هي: الحسّ والتجربة، العقل، الوحي، الإلهام: «فما كان من الجزئيّات التي لها خواص تقبل الإحساس، فإنّها تصريح فيها إلى الحواس، كالآيات المشتملة على قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ‏﴾، ﴿أفَرَأَيْتُمْ﴾، ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ وغير ذلك.

 وما كان من الكلّيّات العقليّة... فإنّها يعتبر فيها العقل اعتبارًا جازمًا... كغالب الآيات الراجعة إلى المبدأ والمعاد المشتملة على أمثال قوله: «لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، لقوم يتذكرون، يَفْقَهُونَ، وغيرها»[1].

وفي قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (المائدة: 31) إشارة للانتفاع بالحسّ[2].

وقد جمعت الآية الكريمة ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (العنكبوت: 35) بين مصدري الحسّ والعقل.

 ونظيرتها في الجمع بين المصدرين قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78)[3].

(23)

ومما دلّ على العلم الإلهاميّ أو اللدنيّ ما قصّه تعالى في قصّة العبد الصالح (الخضر عليه‌السلام  ) مع موسى عليه‌السلام ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (الكهف: 65).

وأمّا العلم عن طريق الوحي، فآياته كثيرة وأجمعها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى: 51).

بناء على ما تقدّم، وعلى كون العقل طريقًا معرفيًّا قرآنيًّا، جاءت الآيات الكريمة التي تحثّ على الفكر وإعمال العقل والنظر، وتمدح العقلاء وتذمّ السفهاء الذين أهملوا عقولهم وركنوا للتقليد في مسائل المبدأ والمعاد.

 ونبيّن فيا يلي بعض المصطلحات التي تُعينُ على كشف المراد:

- المقصود بالنظر أو الفكر: «حركة العقل[1] بين المعلوم والمجهول»[2].

وأمّا العقل: فهو لغة يُقال بمعنيين: قوّة النفس على اكتساب العلم، وناتج تلك القوّة من علم وأصل الكلمة من الإمساك والمنع من قولهم عقال البعير[3]، والعقل هو «الحابس عن ذميم العقل والفعل»[4].

وللعقل نصيب وافر في القرآن الكريم: فالآيات التي تمدح العقل والعقلاء وتحثّ على التفكّر والتأمّل كثيرة، وقد تبلغ بمجموعها أكثر من خمسمئة آية[5]، من قبيل قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ

(24)

بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ (الحج: 46). أو قوله حكايةً عن أهل النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك: 67).

ولمصطلح العقل مصطلحاتٌ أخرى مرادفة له:

- «اللبّ» جاءت كلمة الألباب في القرآن الكريم ستّ عشرة مرّة، منها قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 269).

«اللبّ‏ هو العقل؛ لأنّه في الإنسان بمنزلة اللبّ من القشر، وعلى هذا المعنى استعمل في القرآن، وكان لفظ العقل بمعناه المعروف اليوم من الأسماء المستحدثة بالغلبة؛ ولذلك لم يستعمل في القرآن وإنّما استعمل منه الأفعال مثل يعقلون.

والتذكّر هو الانتقال من النتيجة إلى مقدّماتها، أو من الشي‏ء إلى نتائجه، والآية تدلّ على أنّ اقتناص الحكمة يتوقّف على التذكّر، وأنّ التذكر يتوقّف على العقل، فلا حكمة لمن لا عقل له»[1].

- «النُّهية» ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ (طه: 54 و 128).

فأولو النهى، هم الذين يملكون العقول الراجحة ويستخدمونها وسيلةً للتفكّر في القضايا العقيديّة المتّصلة بخالق الكون والحياة، التي يُستدلّ عليها من دقّة النظام، وعظمة الخلق، ووحدة القوانين الكونيّة.

وهذا هو الخط القرآنيّ في مسألة العقيدة، حيث يؤكّد على المسألة العقليّة في حياة الإنسان، فهو يحثّ العقل على التفكير في القضايا المطروحة في دائرة العقيدة، ليكون العقل هو الأساس في تكوين القناعات الدينيّة، لا الانفعال العاطفيّ؛ وبذلك تتلخّص المعادلة القرآنيّة في أنّ الإنسان كلّما ازداد عقلًا، كلّما انفتح على الإيمان من الباب الواسع، فالإيمان صنو العقل وحليفه؛ ولذا يُلاحَظ قرآنيًّا: «لم يأمر اللّه تعالى عباده في كتابه ولا في آية واحدة أن يؤمنوا به أو

(25)

بشي‏ء مما هو من عنده أو يسلكوا سبيلًا على العمياء وهم لا يشعرون، حتى إنّه علّل الشرائع والأحكام التي جعلها لهم مما لا سبيل للعقل إلى تفاصيل ملاكاته بأمور تجري مجرى الاحتجاجات، كقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (العنكبوت: 45). وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183). وقوله في آية الوضوء: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة: 6)، إلى غير ذلك من الآيات»[1].

2. إرشاد القرآن للقواعد الكلامية

ونُشير هنا لأربع قواعد عقليّة محوريّة في علم الكلام، كان القرآن الكريم سبّاقًا لتقريرها والإرشاد إليها:

أ. قاعدة الحسن والقبح العقليّين: وهي قاعدة بركاتها كثيرة في البحث الكلاميّ، فقد استفيد منها في:

«وجوب النّظر في معرفة اللّه تعالى، وإن شئت قلت: وجوب البحث عن اللّه تعالى، ويدلّل تارة بوجوب شكر المنعم، وأخرى بوجوب دفع الضرر المحتمل عقلًا، وهما من صغريات القاعدة.

إثبات أنّ اللّه تعالى عادل وحكيم، بأنّ العدل والحكمة حسنان، وأنّ للّه الأسماء الحسنى. والظلم والسفه قبيح وهو تعالى منزّه عن كلّ قبيح، وصغرى البرهان -كما ترى- مبنيّة على قاعدة الحسن والقبح العقليّين.

قاعدة اللّطف والأصلح...

البحث حول الأعواض والآلام والإجابة عن مشكلة الشرور بالنسبة إلى عدله سبحانه.

مسألة حسن التكليف ووجوبه.

حسن البعثة ووجوبها.

عصمة الأنبياء والهداة الإلهيّين.

(26)

إلى غير ذلك...»[1].

كما استفيد منها في علم أصول الفقه في بحث ملازمة حكم العقل لحكم الشرع ( كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع )، وكذلك بحث (اجتماع الأمر والنهي) وغيرهما[2].

وثَمّ خلاف في هذه القاعدة بين علماء الكلام حول قضيّة (هل الحسن والقبح عقليّان كما ترى العدليّة، أي المعتزلة والإماميّة؟ أم شرعياّن كما ترى الأشاعرة؟)، وتحقيق ذلك موكول إلى محلّه من كتب الكلام[3].

ما يعنينا ـ في هذا المقام ـ بناء على ثبوت الحسن والقبح العقليّين وإرشاد القرآن لهذه القاعدة، هو إيراد شواهدها:

فمنها ما استفاده الأردبيلي رحمه‌الله من قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 68-69).

«ففيها دلالة على حلّيّة العسل لكلّ من يجد وأخذ النحل لذلك، ما لم يمنع مانع شرعيّ، والاستشفاء بالأدوية وخصوص العسل، وأنّ اللّه يشفي بالدواء وإن كان قادرًا على ذلك بغيره لحكمة، وطلب علم الطبّ، بل علم الكلام والتفكّر في الأفعال والاستدلال بها على وجود الواجب وصفاته، والحسن‏ والقبح‏ العقليّين فتأمّل»[4].

وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (البقرة: 221).

- «﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ﴾، أي حججه، وقيل أوامره ونواهيه وما أباحه وما حرّمه‏

(27)

﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لكي يتذكّروا ويتّعظوا، أو ليكونوا على حال يرجى منهم التّذكر، لما تقرّر في العقول من الميل إلى الخير ومخالفة الهوى... وهو صريح في الحسن‏ والقبح‏ العقليّ بالمعنى المتنازع فيه فتأمّل»[1].

وفي سورة الفاتحة، استدلّ بالحمد فيها: «على الحسن‏ والقبح‏ العقليّين ووجوب الشكر عقلًا قبل مجي‏ء الشرع؛ لأن كون حقيقة الحمد أو جميع أفراده حقّه وملكه على الإطلاق، يدلّ على ثبوت هذا الاستحقاق قبل مجي‏ء الشرع...»[2].

ويردّ الشيخ مغنية على النافين[3] للحسن والقبح العقليّين والقائلين إنّ أفعال اللّه تعالى لا أغراض ولا علل غائيّة لها، بالاستناد إلى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 191)[4].

ومن أوضح الآيات دلالة قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: 7-8).

حيث «يُفهمُ بوضوح من هذه الآيةِ أنّ اللَّه تبارك وتعالى‏ قد أوْدَعَ مسألةَ إدراكِ الحُسْنِ‏ والقُبحِ‏ العقليّين وفَهْمِ الحَسَنِ والسيّئ بشكلٍ فطريٍّ داخل روح الإنسان كي يهديه الطريق نحو السعادة والتكامل»[5].

ب. قاعدة شكر المنعم: يستدلّ المتكلّمون عادة على وجوب البحث في المسائل الدينيّة ومعرفة اللّه سبحانه بهذه القاعدة والتي بعدها[6].

قال العلّامة الحلّي رحمه‌الله : «الحقّ أنّ وجوب معرفة اللّه تعالى مستفاد من العقل، وإن كان السمع قد دلّ عليه بقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾‏ (محمد:

(28)

19)؛ لأنّ شكر المنعم واجب بالضرورة وآثار النعمة علينا ظاهرة، فيجب أن نشكر فاعلها وإنما يحصل بمعرفته. ولأنّ معرفة اللّه تعالى واقعة للخوف الحاصل من الاختلاف، ودفع الخوف واجب بالضرورة»[1].

والمقصود بقاعدة شكر المنعم: إنّه تعالى المنعم الحقيقيّ بنِعمٍ لا تُعدّ ولا تُحصى، وبالتالي فترك شكر هذا المنعم قبيح. وقد أشارت بعض الآيات الكريمة إلى هذه القاعدة المهمّة، بدءًا بسورة الفاتحة وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

ج. «النّعم تشكّل دافعًا ومحرّكًا على طريق العبوديّة؛ لأنّ الإنسان مفطورٌ على البحث عن صاحب النعمة حينما تصله النعمة، ومفطور على أن يشكر المنعم على أنعامه. من هنا، فإنّ علماء الكلام (علماء العقائد) يتطرّقون في بحوثهم الأوّليّة لهذا العلم إلى «وجوب شكر المنعم»، باعتباره أمرًا فطريًّا وعقليًّا دافعًا إلى معرفة اللّه سبحانه»[2].

وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (الأعراف: 102). ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾ أي ما وجدنا لأكثر المهلَكين‏ ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ أي من وفاء بعهد، كما يقال فلان لا عهد له أي لا وفاء له بالعهد وليس بحافظ للعهد، ويجوز أن يكون المراد بهذا العهد ما أودع اللّه العقول من وجوب شكر المنعم‏ وطاعة المالك المحسن واجتناب القبائح...»[3].

وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِِ﴾ (البقرة: 152). فإنّ شكره تعالى من بديهيّات العقل الأوّليّة عند كلّ عاقل[4].

(29)

وردّد القرآن الكريم بصيغة الاستفهام الإنكاريّ: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ (يس: 73)، «فإنّ «لزوم شكر المنعم» أساس لمعرفة اللّه؛ إذ إنّ الشكر لا يمكن أن يكون إلّا بمعرفة المنعم»[1]. ومثله في الاستفهام الإنكاريّ لجاحدي المنعم تاركي شكره، يقول تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 28). وهذا «تقرير وتعجّب، ومعناه أنّ هذا الأمر من حقّه أن يتعجّب منه لغرابته وبُعده عن المألوف من شكر المنعم‏»[2].

كما أنّ أدوات المعرفة نِعمٌ إلهيّة ينبغي استخدامها للتوصّل إلى شكر المنعم، يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: ٧٨). وفي ذلك قيل: «ما ركب فيكم هذه الأشياء إلّا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به، من شكر المنعم وعبادته، والقيام بحقوقه، والترقّي إلى ما يسعدكم»[3].

وهكذا غيرها من الآيات الكريمة الكثيرة في القرآن العظيم المرتبطة بموضوع شكره تعالى، كطريقٍ لمعرفته، والجدير بالذكر أنّ هذه القاعدة ليست قاعدةً عقليّةً محضةً جافّة، بل هي إثارة كذلك للبعد العاطفي في الإنسان[4].

د. قاعدة دفع الضرر المحتمل: ولهذه القاعدة شواهد قرآنيّة متعدّدة نذكر منها:

قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 51). و«المقصود من ﴿يَخافُونَ﴾

(30)

أي يحتملون وجود الضرر، إذ يخطر ببال كلّ عاقل يستمع إلى دعوة الأنبياء لإلهيّين بأنّ من المحتمل أن تكون دعوة هؤلاء صادقة، وأنّ الإعراض عنها يوجب الخسران والضرر، ويستنتج من ذلك أنّ من الخير له أن يدرس الدعوة ويطّلع على الأدلّة.

وهذا واحد من شروط الهداية، وهو ما يطلق عليه علماء العقائد اسم «لزوم دفع‏ الضرر المحتمل‏»، ويعتبرونه دليل وجوب دراسة دعوى من يدّعي النّبوة، ولزوم المطالعة لمعرفة اللّه»[1].

ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 52). «فمفاد الآية أنّ القرآن يدعوكم إلى اللّه ناطقًا بأنّه من عند اللّه، فلا أقلّ من احتمال صدقه في دعواه، وهذا يكفي في وجوب النّظر في أمره دفعًا للضرر المحتمل وأيّ ضرر أقوى من الهلاك الأبديّ، فلا معنى لإعراضكم عنه بالكلّيّة»[2].

ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (يونس: 50). فإنّ «هؤلاء المجرمين الجريئين إن لم يتيقّنوا نزول العذاب، فليحتملوا على الأقلّ أن يأتيهم فجأة، فما الذي يضمن لهؤلاء أنّ تهديدات النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سوف لن تقع أبدًا؟ إنّ الإنسان العاقل يجب أن يُراعي الاحتياط على الأقلّ في مقابل مثل هذا الضرر المحتمل ويكون منه على حذر. وورد نظير هذا المعنى في آيات أخرى من القرآن، وبتعبيرات أخرى، مثل:

﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ (الإسراء: 68). وهذا هو الذي يعبّر عنه في علم الكلام والأصول‏ بقاعدة (لزوم دفع‏ الضرر المحتمل)»‏[3].

ومن اللطيف أن نجد الإمام الصادق عليه‌السلام يحتجّ على أحد الزنادقة -وهو

(31)

عبد الكريم بن أبي العوجاء إذ التقى به في موسم الحج- بهذه القاعدة، وقال له: (.ما جَاءَ بِكَ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ عَادَةُ الْجَسَدِ وَسُنَّةُ الْبَلَدِ وَلِنَنْظُرَ مَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْجُنُونِ وَالْحَلْقِ وَرَمْيِ الْحِجَارَةِ فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ: أَنْتَ بَعْدُ عَلَى عُتُوِّكَ وَضَلَالِكَ يَا عَبْدَ الْكَرِيمِ فَذَهَبَ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ لَهُ عَلَيه‌السّلَام لا جِدالَ فِي الْحَجِ‏ وَنَفَضَ رِدَاءَهُ مِنْ يَدِهِ وَقَالَ إِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ وَلَيْسَ كَمَا تَقُولُ نَجَوْنَا وَنَجَوْتَ وَإِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا نَقُولُ وَهُوَ كَمَا نَقُولُ نَجَوْنَا وَهَلَكْتَ فَأَقْبَلَ عَبْدُ الْكَرِيمِ عَلَى مَنْ مَعَهُ فَقَالَ وَجَدْتُ فِي قَلْبِي حَزَازَةً[1] فَرُدُّونِي فَرَدُّوهُ فَمَاتَ..)[2].

هـ. قاعدة اللطف: والمراد بهذه القاعدة أنّ الواجب -بحسب حكمته تعالى وصفاته العليا- يفعل بالمكلّف ما يؤدّي به إلى الإتيان بالحسن وترك القبيح، وهذا يسمّى لطفًا محصّلًا؛ لأنّه محصّل للطاعة، وإن لم يؤدّ إلى ذلك يسمّى لطفًا مقرّبًا؛ لأنّ من شأنه تقريب العبد إلى الطاعة وإبعاده عن المعصية[3].

ومن الشواهد القرآنيّة على هذه القاعدة:

ـ قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (البينة: 1). فبناء على أحد تفاسير الآية، فهي: «تشير إلى قاعدة اللطف‏ التي يتناولها علم الكلام، وتقرّر أنّ اللّه يبعث إلى كلّ قوم دلائل واضحة ليتمّ الحجّة عليهم»[4].

ـ وفي موضوع بعثة الأنبياء عليهم‌السلام نجد أنّ بعثتهم مترافقة مع دلائل نيّرة، كما عرّف اللّه تعالى مثلًا خليله إبراهيم عليه‌السلام ملكوت السموات والأرض وصولًا لليقين[5]، وكما عرّف تعالى نفسه لموسى عليه‌السلام [6].

(32)

«هذا هو مقتضى قاعدة اللطف... وتتلخّص في تمهيد سبيل الطاعة. فواجب عليه تعالى أن يمهّد لعباده جميع ما يقرّبهم إلى الطاعة ويبعدهم عن المعصية. وهذا الوجوب منبعثٌ من مقام حكمته تعالى إذا كان يريد من عباده الانقياد، وإلّا كان نقضًا لغرضه من التكليف. ومن ثم وجب عليه تعالى أن يبعث الأنبياء وينزل الشرائع ويجعل في الأمم ما يُنير لهم درب الحياة: إمّا إلى سعادة فباختيارهم، أو إلى شقاء فباختيارهم أيضًا.

وطبقا لهذه القاعدة لا يدع -تعالى- مجالًا لتدليس أهل الزيغ والباطل، إلّا ويفضحهم من فورهم‏ ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (الحاقة: 44-45-46)»[1].

كما يستفيد الشيخ معرفة من القاعدة في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (الحجرات: ٧). «فمن لطفه تعالى وعنايته بعباده أن مهّد لهم أسباب الطاعة وقرّبها إليهم، ليتمكّنوا من طاعة اللّه ويجتنبوا الفسوق والعصيان، وذلك بأن زيّن الإيمان والطاعة في قلوبهم، أي أبدى لهم زينة الإيمان بأن رفع عن أعينهم غشاء التّعامي، كما أنّه تعالى كرّه إليهم العصيان بأن أظهر قبحه في أعينهم فكرهوه في ذات أنفسهم. فالمؤمن إنّما يطيع اللّه وهو محبّب له الطاعة، ومن ثمّ فإنّه يقدم على الطاعة في وداعة وطمأنينة ويسر، كما أنّه يجتنب المعاصي في يسر؛ لأنّه عن نفرة لها في نفسه.

وهذه هي قاعدة اللطف‏: تمهيد ما يوجب قرب العباد إلى الطاعة وبعدهم عن المعصية، مستفادة من الآية الكريمة»[2].

(33)
(34)

ثالثًا: إقامة القرآن الكريم للبراهين اليقينيّة

على أصول الدين الخمسة

ونعني بها كلًّا من: التوحيد، العدل، النبوّة، الإمامة، المعاد، وقد تضمّن القرآن الكريم بيانًا لهذه الأصول الخمسة مع إقامة البراهين اليقينيّة عليها، وفيما يلي نعرض لهذه البراهين:

براهين التوحيد

ومن هذه البراهين نذكر الآتي:

برهان التغيّر والحركة: وهو ما مرّ معنا في الآيات التي تتحدّث عن حوار إبراهيم واستدلاله بأفول الكواكب وتغيّرها على حدوثها.

برهان الغنى والفقر: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: 15). وبرهان الفقر والغنى هو المعبّر عنه كلاميًّا وفلسفيًّا بالإمكان والوجوب[1].

برهان العلّة والمعلول: وقد مرّت معنا الآية الكريمة: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور: 35).

برهان الصديقين

 محور هذا الدليل أنّنا بدلًا من دراسة المخلوقات من أجل معرفة اللَّه، نتوجّه للتدبّر في ذاته المقدّسة للوصول إلى ذاته، وكما يقتضيه الدعاء: «يا من دلّ

(35)

على ذاته بذاته»[1]، أي نتّخذ منه تعالى طريقًا للوصول إليه‏[2].

ومن الآيات المشيرة لهذا البرهان قوله تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصّلت: 53).

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 18).

 ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ (البروج: 20).

 ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الحديد: 3).

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (النور: 35)[3].

برهان الفطرة (الطريق الباطنيّ للمعرفة):

ومن الآيات التي تشير لهذا البرهان قوله تعالى:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30).

﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 172)[4].

﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (الروم: 33).

﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. (العنكبوت: 65).

 ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ

(36)

بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (يونس: 22- 23).

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (الزخرف: 9)[1].

براهين إثبات النبوة

الطريقة القرآنيّة في إثبات النبوّة، هي إيراد أدلّة كثيرة تتكاتف لتؤدّي إلى اليقين. ففي إثبات النبوّة الخاتمة مثلًا نجد القرآن الكريم تحدّى العرب والعجم والإنس والجنّ أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 23). وقد كان رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم أربعين عامًا، فلم يحدّثهم بنبوّة ولا رسالة، فهذا الأمر يخضع لمشيئة اللّه فقط: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (يونس: 16). فلمَ الشكّ في أمره مع أنّه قد تجرّد عن كلّ مطمع دنيويّ: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (سبأ: 47). ولمَ الشكّ في أمره وهو أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا يمكن أن يستمدّ من كتاب: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (العنكبوت: 48).

أمّا النبوّات عمومًا، فيذكر السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر ضرورتها بناء على ما قصّه القرآن الكريم من وجود خطّين، هما: خطّ الخلافة الآدميّة الذي يرافقه خطّ الشهادة الضامن له[2].

برهان العدل الإلهيّ (نفی الظلم والعبث عنه تعالى)

(37)

والآيات الدالّة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (يونس: 44).

﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49).

﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ (آل‏عمران: 108).

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (آل‏عمران: 18).

﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ (يونس: 4).

﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (ص: 28).

 براهين الإمامة

ويمكننا تقسيم البراهين القرآنيّة هنا إلى البراهين العامّة الدالّة على الإمامة كسنّة إلهيّة، والبراهين الخاصّة الدالّة على إمامة أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام :

فمن البراهين العامّة ما دلّ على وجود الهادي لكلّ قوم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: 7). وهذا معطوف على ما دلّ على أنّ الإمامة هدايةٌ أمريّة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: 73).

وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24).

ومنها آية الإمامة الإبراهيميّة الدالّة على ثبوت الإمامة كجعل وعهد إلهيّ (لا بالاختيار البشريّ) لمن انتفى عنه مطلق الظلم، قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 124)[1].

وأمّا الإمامة الخاصّة، فدلّ عليها مثلًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

(38)

أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ (النساء: 59).

حيث قرنت الآية الكريمة الأمر بطاعة أولي الأمر بطاعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله المطلقة بما لا ينسجم إلّا مع تفسيرها بمن نصّ القرآن على عصمتهم في آية التطهير: ﴿...إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرًا﴾ (الأحزاب: 33). وبالتالي لا يصحّ تفسيرها بالحكّام أو العلماء أو قادة السرايا أو أهل الحلّ والعقد.

ونظير طاعة المعصومين آية الكون مع الصادقين صدقًا مطلقًا، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119). فالصادقون هم: «الّذين صدقوا في دين اللّه نيّة وقولًا وعملًا، وعن الباقر عليه‌السلام‏ : «كونوا مع آل محمّد»[1].

براهين المعاد

تنوّعت براهين إثبات المعاد في القرآن الكريم، فهناک حوالي 1200 آية ترتبط بالمعاد، بل أحصوا سبعين اسمًا للقيامة، ونذكر فيما يلي سبعة من البراهين القرآنيّة على المعاد:

أ. برهان الفطرة ومحكمة الضمير: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (القيامة: 1-2).

ب. برهان الحکمة: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: 115).

 ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ (الحجر: 85).

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (القيامة: 36-40).

ج. برهان العدالة: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ

(39)

تَحْكُمُونَ﴾ (القلم: 35- 36).

 ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (ص: 28).

 ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 21- 22).

د. برهان الحركة نحو الغاية الكماليّة:

والآيات التي يستدلّ بها على هذا البرهان من قبيل قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (الانشقاق: 6).

﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُُ﴾ (فاطر: 18).

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 156).

﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (القيامة: 12).

﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ (القيامة: 30).

ه. برهان الرحمة:

﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 12).

ر. برهان الوحدة (الفصل في الاختلافات):

﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ (النحل: 38- 39).

﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾(الأنعام: 164).

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (يونس: 93).

 ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الحج: 69).

 

(40)

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج: 17).

ز. برهان تجرّد الروح وبقائها:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169).

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 154).

﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر: 46).

﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (السجدة: 11).

﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الزمر: 42).

كما ذكر القرآن -من باب تقريب المعقول بالمحسوس- ظواهر معروفة للمخاطبين، مثل: إحياء النبات بالمطر من الأرض الميتة، إخراج الحيّ من الميّت وبالعكس، التذكير بخلق الإنسان من نطفة وسائر مراحل خلقه[1].

وجاءت بعض القصص برهانًا على المعاد، كقصّة أصحاب الكهف، وقصة النبيّ عزير[2]، وقصّة إبراهيم والطيور الأربعة[3].

(41)
(42)

رابعًا: تنبيه القرآن الكريم إلى الأساليب المنطقيّة

من المعلوم أن المنطق علم يُبيّن قوانين وقواعد التفكير الصحيحة، بحيث تمنع مراعاة هذه القوانين والقواعد العقلَ من الخطأ[1]. والمنطق علمٌ آليٌّ، ويسمّونه علم الميزان، وهو خادم العلوم وسيّدها[2]. واعتبر أبو حامد الغزالي عِلمَ من لم يدرس المنطق علمًا غير مأمون[3].

وقواعد المنطق قواعد بديهيّة فطريّة، فحتّى من عارضوا المنطق وأثاروا الشبهات والتشكيكات بشأنه[4]، عند مراجعة كلماتهم نجدها مكوّنة من أقيسة منطقيّة، فإنهم: «يعتمدون في استنتاج دعاويهم ومقاصدهم على مثل القوانين المدوّنة في المنطق الراجعة إلى الهيئة والمادّة، بحيث لو حلّلنا كلامهم إلى المقدّمات الابتدائيّة المأخوذة فيه عاد إلى مواد وهيئات منطقيّة، ولو غيّرنا بعض تلك المقدّمات أو الهيئات إلى ما يهتف المنطق بعدم إنتاجها عاد الكلام غير منتج، ورأيتهم لا يرضون بذلك، وهذا بعينه أوضح شاهد على أنّ هؤلاء معترفون بحسب فطرتهم الإنسانيّة بصحّة هذه الأصول المنطقيّة مسلّمون لها مستعملون إياها، جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم»[5].

وإذا كان للمنطق ارتباطٌ كبير بالعلوم عامّة، كخادم لها، لكنّه بالنسبة لموضوعنا -أي علم الكلام- له علاقة أكبر فـ«الْمَنْطِقُ، هُوَ بَحْثٌ عَنْ وَجْهِ

(43)

الدَّلِيلِ وَشُرُوطِهِ وَوَجْهِ الْحَدِّ وَشُرُوطِهِ، وَهُمَا دَاخِلَانِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ»[1].

فموضوع المنطق هو أساسًا التعريفات والحدود التي مادتها التصوّرات، والحجّة والدليل التي مادّتها التصديقات، وكلاهما له صلة بعلم الكلام.

والمتدبّر في آيات الکتاب العزيز يعثر على أساليب منطقيّة، خاصّة في مقام الاستدلال، من ذلك:

1. الموجبة الجزئيّة نقيض السالبة الكليّة

قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ (الأنعام: 91). «فانتقض قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ بناء على قاعدة نقض السالبة الكلّيّة بموجبة جزئيّة»[2].

2. أسلوب القياس الاقترانيّ

(مقدّمتان صغرى وكبرى بينهما حدّ أوسط مشترك يلزم منهما النتيجة):

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (ص: 26). فهذا قياس من الشكل الأوّل، وتقريره كما يلي:

ـ اتّباع الهوى يُوجب الضلال (مقدّمة صغرى)

ـ والضلال يُوجب العذاب (مقدّمة كبرى)

ـ إذًا: اتّباع الهوى يُوجب العذاب (نتيجة)

والمثال الثاني قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (الأنعام: 76). «أي القمر أفل، وربي ليس بآفل، فالقمر ليس بربّي، أثبته بقياس اقترانيّ جليّ من الشكل‏ الثاني‏، واحتجّ بالتغيير على الحدوث، والحدوث‏ على المحدث»[3].

(44)

3. أسلوب القياس الاستثنائيّ المتّصل

وقد ورد في آيات مباركة عدّة، نورد منها الأمثلة الآتية:

قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 82). وطريقة الإنتاج هنا بنفي التالي (الجزاء أو الجواب) لينتج نفي الشرط، أي: ولكنّه لا اختلاف فيه أصلًا، إذًا: القرآن هو من عند اللّه[1].

مثال آخر: قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 22). وطريقة الإنتاج هنا، كالمثال السابق، أي: «استثناء نقيض التالي، ينتج نقيض المقدّم، والمعنى: لكنّهما لم تفسدا، فلم يكن فيهما آلهة غير اللّه»[2].

4. أسلوب قياس الضمير أو المضمر

وهو «القياس الذي تحذف منه النتيجة أو إحدى المقدمات»[3]. ولاحظنا في الأمثلة السّابقة أنّ الأقيسة في القرآن لم تأتِ على هيئة القياس الكلاسيكيّ الكامل، بل اعتمدت هذا الأسلوب أعني قياس الضمير، والحكمة من طيّ المقدّمة أو النتيجة في هذا النّوع من القياس عند المناطقة «اعتمادًا على وضوحها أو ذکاء المخاطب أو لغفلة»[4]، ولكن السبب الثالث -أي الغفلة- هنا مستبعد في كلام الحكيم سبحانه.

وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: 59). فيه قياس ضمير وحذف المقدّمة، أعطى الكلام جمالًا ورونقًا، وجعل الجملة مثلًا مأثورًا، وفي الوقت نفسه وعظًا وردًّا على النصارى[5].

(45)

5. قياس الأولويّة

تعريفه عند علماء أصول الفقه: «هو الذي يسمّى «مفهوم الموافقة»... ويسمّى «فحوى الخطاب»، كمثال الآية الكريمة ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (الإسراء: 22)، الدالّة بالأولويّة على النهي عن الشتم والضرب ونحوهما، ومنه: الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7) الدالّة بالأولويّة على ثبوت الجزاء على عمل الخير الكثير...»[1].

ومن الأمثلة القرآنيّة الأخرى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (النحل: 51). «﴿اثْنَيْنِ﴾ صفة للفظ﴿إِلَهَيْنِ﴾ أو مؤكّد له. وخصّ هذا العدد بالذكر؛ لأنّه الأقل، فيعلم انتفاء اتخاذ ما فوقه بالطريق الأولى»[2].

ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ (يس: 81)[3].

6. استناد القرآن لقاعدة استحالة اجتماع النقيضين

وهذه القاعدة هي أمّ القضايا، وأوّل الأوّليّات، ورأسمال الفكر البشريّ الذي تتوقّف عليها كلّ معلوماته. يقول العلّامة السيّد الطباطبائي رحمه‌الله : «وحكم النقيضين أعني الإيجاب والسلب، أنّهما لا يجتمعان معًا ولا يرتفعان معًا، على سبيل القضيّة المنفصلة الحقيقيّة»[4]، وهي من البديهيّات الأوّليّة التي عليها يتوقّف صدق كلّ قضيّة مفروضة، ضروريّة كانت أم نظريّة، إذ لا يتعلّق العلم بقضيّة إلّا بعد العلم بامتناع نقيضها، فقولنا الأربعة زوج إنّما يتمّ تصديقه، إذا علم كذب قولنا ليست الأربعة زوجًا؛ ولذا سُمّيت قضيّة امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما أولى الأوائل[5].

(46)

ومن الأمثلة القرآنيّة على الاستدلال بالقاعدة المزبورة، قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور: 35).

فالآية تنفي احتمالات عدّة، منها أن يوجد المشركون بلا علّة (بلا خالق ولا مدبّر يدبّر أمورهم) أصلًا، كما أنّها تنفي أن يكونوا خالقين لأنفسهم، وذلك محال للزوم اجتماع الخالقيّة والمخلوقيّة في شيءٍ واحد حينئذ[1].

ومن الأمثلة أيضًا، قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (الطور: 32).

«أي أأنزل عليهم ذكر أم أتأمرهم عقولهم بهذا الكلام المتناقض؟ وهي دعوى أنّ القرآن سحر أو كهانة أو شعر، وقولهم في الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كاهن وشاعر مع قولهم: مجنون، فالشاعر غير الكاهن وغير المجنون، فالأوّل ينطق بالحكمة، والثاني يذكر الخرافات، والثالث زائل العقل»‏[2]. فقولهم: شاعر وكاهن مع قولهم مجنون هو جمع بين النقيضين، والأحلام أي العقول السليمة تأباه.

وثمّة شواهد قرآنيّة أخرى، ولكن المقام ليس للاستقصاء، وفيما أوردنا من أمثلة كافٍ للتدليل على المطلوب.

(47)
(48)

خامسًا: تنبيه القرآن إلى أساليب الجدل
ودعوته إلى الجدل بالتي هي أحسن

ارتبط علم الكلام بصناعة الجدل ارتباطًا وثيقًا؛ لكون الكلام فنًّا دفاعيًّا عن حِمى العقيدة، وقد جاء القرآن الكريم آمرًا بالجدل لكنّه قيّده بقيود، وأشار لجملةٍ من آدابه.

فمن الآيات الآمرة قوله تعالى:﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125).

ويقول تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنکبوت: 46).

الجدل لغة

 «الْجِدَالُ‏: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله من: جَدَلْتُ‏ الحبل... ومنه: الْجِدَالُ‏، فكأنّ المتجادلين يفتل كلّ واحد الآخر عن رأيه. وقيل: الأصل في الْجِدَالُ: الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الْجَدَالَةِ، وهي الأرض الصلبة»[1].

وأمّا اصطلاحًا، فعرّفوه بقولهم: «قياس مؤلَّف من مقدّمات مشهورة أو مسلّمة عند الخصمين، كقولنا العدل حسن، والظلم قبيح»[2].

ومعنى الجدل في الآية الثانية: «الجدل، والمجادلة تكون باللّسان،

(49)

ومقارعة الحجّة بالحجّة، والأصل فيها القوّة، يقال حبل مجدول، إذا كان مفتولًا من حبلين، ولهذا سمى الصقر أجدل، لقوّته وشدّته»...[1].

ف. «أحسن الجدال أن تتبنّى المواصلات بينك وبين مجادلك، فتخرج بذلك عن المفاصلات، فتوصله إن استطعت إلى حقّك، أم ولأقلّ تقدير لا تبعده عنك أكثر مما هو بعيد عنك‏»[2].

وأمّا الآية الكريمة الأولى، فقد احتوت الجدل، وهو منهج علم الكلام، إضافة للدعوة بالحكمة (وهو ما ينطبق على صناعة البرهان وهو القياس اليقينيّ)، والموعظة الحسنة (وهو ما ينطبق على صناعة الخطابة وهو القياس المكوّن من مقبولات ومظنونات)[3].

إنّ القرآن لم يكتفِ بتقرير الجدل، كمنهجٍ إلزاميٍّ للمخالفين، بل تحدّث عن قواعد آدابه[4]، ومنها:

التخلي عن التعصّب والتحلّي بروح الانفتاح، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (سبأ: 24).

التهذيب والأخلاق عند المجادلة (بالتي هي أحسن).

تقرير قاعدة (إن كنت ناقلًا فالصحّة أو كنت مدّعيًا فالدليل)، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111).

﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل: 64).

﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ

(50)

أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران: 93).

الجدال بعلم﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 66).

ونلاحظ شموليّة الجدل القرآنيّ لكلّ شرائح الناس، وأنّه ليس جدلًا جافًّا، وذلك من خلال تأمّل خصائص الجدل القرآنيّ، وهي:

ـ مخاطبته لكلّ الناس حسب مداركهم

ـ متانته وإحكامه

ـ الإرشاد والتوجيه والدعوة بالتي هي أحسن

ـ دعوته إلى الجدل بعلم

ـ مخاطبته للعقل والعاطفة والحسّ

ـ مجادلة الخصوم بما يناسبهم حسب أحوالهم وأوضاعهم

ـ إتاحة الفرصة للتفكير والمناقشة

ـ إعجازه لأنّه كلام الخالق المحيط بالنفس ومصالحها وعلاجها[1]

الأساليب الجدليّة في القرآن الكريم:

أ. أسلوب السبر والتقسيم:

وهو أن نحصر الأمر في قسمين، ثمّ نبطل أحدهما، فنعلم منه ثبوت‏ الثاني[2]. ومن أمثلته القرآنيّة ما جاء في الرّدّ على تحريم الجاهليّة لبعض الأنعام، فحرّموا بعض الإناث كالبحائر والسوائب، وحرّموا بعض الذكور كالحامي، فقال تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: 144)،

(51)

أي: لو كانت العلّة الذكورة لحرّم كلّ ذكر، ولو كانت الأنوثة لحرّمت كلّ أنثى، ولو كانت اشتمال الرّحم عليهما لحرّم الجميع، ولم تتلقّوه من اللّه فلم يبقَ إلّا كونه افتراءً وكذبًا[1].

ويُضيف السيوطيّ أنواعًا أخرى من أساليب الجدل التي أتى بها القرآن الكريم، ونذكر منها:

ب. الانتقال:

وهو أن ينتقل المستدلّ إلى استدلال غير الذي كان آخذًا فيه، لكون الخصم لم يفهم وجه الدلالة من الأوّل، كما جاء في مناظرة إبراهيم الخليل عليه‌السلام الملك الجبار لمّا قال له:﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ (البقرة: 258). فقال الجبّار: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، ثم دعا بمن وجب عليه القتل فأعتقه، ومن لا يجب عليه فقتله، فعلم الخليل أنّه لم يفهم معنى الإحياء والإماتة، أو علم ذلك وغالط بهذا الفعل، فانتقل «إلى استدلال لا يجد الجبّار له وجهًا يتخلّص به منه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ (البقرة: 258)، فانقطع الجبّار وبهت، ولم يمكنه أن يقول: أنا الآتي بها من المشرق؛ لأنّ من هو أسنّ منه يكذّبه.

ج. المناقضة:

وهي تعليق أمر على مستحيل، إشارة إلى استحالة وقوعه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (الأعراف: 40).

د. أسلوب مجاراة الخصم ليعثر:

 بأن يسلّم بعض مقدّماته، حيث يراد تبكيته وإلزامه، كقوله تعالى: ﴿...

(52)

قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ...﴾ (إبراهيم: 10-11).

«فقولهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ...﴾ الآية... فيه اعتراف الرسل بكونهم مقصورين على البشريّة، فكأنّهم سلّموا انتفاء الرسالة عنهم، وليس مرادًا، بل هو من مجاراة الخصم ليعثر؛ فكأنّهم قالوا: ما ادّعيتم من كوننا بشرًا حقّ لا ننكره، ولكن هذا لا ينافي أن يمنّ اللّه تعالى علينا بالرسالة»[1].

(53)
(54)

سادسًا: مناظرات القرآن الكريم

نماذج من حوارات الأنبياء

سرد القرآن الكريم نماذج من حوارات الأنبياء «مع أقوامهم تتضمّن حججًا كلاميّة، ومن هذه الحوارات نذكر ما يلي:

حوار إبراهيم عليه‌السلام مع قومه

ففي قصّة إبراهيم عليه‌السلام وحواره مع قومه، يقول تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (العنكبوت: 16-17). فهنا نجد دعوة للتوحيد، ونفي الشرك، والتذكير بشكر المنعم، وبالتالي عبادته تعالى؛ لأنّ المعاد إليه[1].

ومما ورد أيضًا في قصّته عليه‌السلام قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ* فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ* فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ* فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 75-79). فقول إبراهيم عليه‌السلام: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ قول من يُنصف خصمه مع علمه بأنّه‏ مبطل، فيحكي قوله -كما هو- غير متعصّب لمذهبه، ليكون

(55)

ذلك أدعى إلى الحقّ وأرفع للشّغب‏، ثمّ يبطله بعد بالحجّة[1].

حوار موسى عليه‌السلام مع فرعون

في قصّة موسى عليه‌السلام وحواره مع فرعون، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طه: 50). فهنا استدلال على إثبات الصانع بأحوال مخلوقاته الدالّة عليه[2]. وهذا الجواب أبلغ مما لو قال موسى ربّنا ربّ العالمين؛ لأنّه تضمّن أنّه تعالى ربّ كلّ شيء مع سَوْق البرهان على المدعى[3].

حوار يوسف عليه‌السلام مع صاحبيه في السجن

وفي حوار يوسف عليه‌السلام مع صاحبيه في السجن، يقول تعالى حكاية عن ذلك: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 39-40). فالنبي يوسف عليه‌السلام «أورد الدليل على بطلان ملّة قومهما بقوله: أأرباب، فأبرز ذلك في صورة الاستفهام حتى لا تنفر طباعهما من المفاجأة بالدليل من غير استفهام، وهكذا الوجه في محاجّة الجاهل أن يؤخذ بدرجة يسيرة من الاحتجاج يقبلها، فإذا قبلها لزمته عنها درجة أخرى فوقها، ثمّ كذلك إلى أن يصل إلى الإذعان بالحقّ. وقابل تفرّق أربابهم بالواحد، وجاء بصفة القهّار تنبيهًا على أنّه تعالى له هذا الوصف الذي معناه الغلبة والقدرة التامّة، وإعلامًا بعروّ أصنامهم عن هذا الوصف الذي لا ينبغي أن يعبد إلّا المتّصف به، وهم عالمون بأنّ تلك الأصنام جماد. والمعنى: أعبادة أرباب متكاثرة في العدد خير أم عبادة واحد قهّار وهو اللّه؟ فمن ضرورة العاقل يرى خيريّة عبادته. ثمّ استطرد بعد الاستفهام إلى إخبار

(56)

عن حقيقة ما يعبدون. والخطاب بقوله: ما تعبدون، لهما ولقومهما من أهل. ومعنى إلّا أسماء: أي ألفاظًا أحدثتموها أنتم وآباؤكم، فهي فارغة لا مسمّيات تحتها»[1].

وهكذا الكثير من حوارات الأنبياء  عليهم‌السلام في القرآن الكريم.

ردّ القرآن الكريم على شبهات الدهريّين والمشركين بالربوبيّة ومنكري النبوّة والمعاد

لم يکتفِ القرآن الكريم بذكر البراهين، بل ولإتمام الحجّة قام بالرّدّ على شبهات المنكرين، وهذا المنهج -أي دفع شبهات الخصم- هو من صلب الصناعة الكلاميّة في مقام الجدل مع المخالف وإفحامه وإلزامه. وفيما يلي نذكر ردود القرآن الكريم على بعض الشبهات:

شبهة حول الربوبيّة

فمن الشبهات حول الربوبيّة اتخاذ الشريك والولد، قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الزمر: 3-4). «فمحصّل حجّة الآية قياسٌ استثنائيٌّ ساذجٌ يُستثنى فيه نقيض المقدّم لينتج نقيض التالي، وهو نحو من قولنا: لو أراد اللّه أن يتّخذ ولدًا لاصطفى لذلك بعض من يشاء من خلقه، لكن إرادته اتّخاذ الولد ممتنعة لكونه واحدًا قهارًا، فاصطفاؤه لذلك بعض من يشاء من خلقه ممتنع»[2].

شبهة حول النبوّة

ومن الشبهات التي قصّها علينا القرآن الكريم بشأن النبوّة، شبهة توهّم النبوّة

(57)

لصاحب المال والثروة والمنزلة الدنيويّة، قال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ (الزخرف: 51-53). ففرعون يثير الشكّ في صدق نبوّة موسى بحجّة وضع النبيّ موسى عليه‌السلام  الذي لا ملك له، ولا مال!!! «في حين أنّ الرسل المبعوثين إلى البشر يجب أن يكونوا من جنسهم ليلمسوا حاجاتهم، ويحسّوا بمشاكلهم ومسائلهم ويجيبوهم، وليقدروا على أن يكونوا من الناحية العمليّة قدوة وأسوة لهم»‏[1].

وجاءت شبهة استغراب بشريّةِ النبيّ المرسَل في سياق آخر، قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (إبراهيم: 10-11).

وجواب الشبهة: «أنّ المماثلة في البشريّة لا توجب المماثلة في جميع الكمالات الصوريّة والمعنويّة الإنسانيّة، كما أنّ اعتدال الخلقة، وجمال الهيئة، وكذا رزانة العقل وإصابة الرأي والفهم، والذكاء، كمالاتٌ صوريّةٌ ومعنويّةٌ تُوجد في بعض أفراد الإنسان دون بعض، فمن الجائز أن ينعم اللّه بالوحي والرسالة على بعض عباده دون بعض، فإنّ اللّه يمنّ على من يشاء منهم»[2]. ‏

شبهة حول المعاد

الشبهات حول المعاد كثيرة، ومنها مسألة استبعاد المعاد؛ حيث ردّ عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ *

(58)

لَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ (يس: 78-81). ومعنى الردّ أنّه: «كيف تنكرون إحياء العظام البالية، وتقرّون بإحياء الأرض الهامدة وتحوّل الأشجار إلى نار مع أنّ الجميع من باب واحد، وهو انقلاب الشي‏ء من حقيقة إلى ضدّها؟»[1].

شبهة التقليد الأعمى واتّباع الآباء والأجداد

ومن شبهات المشركين، مسألة التقليد الأعمى واتباع الآباء والأجداد، وقد ذكر القرآن الشبهة وأجاب عنها بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 170). فهذا المنطق المحافظ الذي يُلغي العقل لحساب إرث الآباء والأجداد مع ضلالهم حاربه القرآن الكريم، وهذا يختلف عن قضيّة تقليد العالم المختصّ، ورجوع الجاهل في ذلك الاختصاص له، فهذه قضيّة عقلائيّة لا غبار عليها.

ردّ القرآن الكريم على شبهات اليهود والنصارى

وبما أنّ مخالفي الدعوة الإسلاميّة لم ينحصروا بالمشركين، بل شمل الجدل الكلاميّ غيرهم من أهل الكتاب، فقد احتوى القرآن الكريم على كثير من ردود شبهات أولئك أيضًا. ومن هذه الردود نذكر ما يلي:

شبهة إنكار النسخ

من شبهات اليهود مثلًا، شبهة إنكار النّسخ[2]، کما حصل في موضوع القِبلة: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: 142). «وفي هذا إبطالٌ لقول من زعم أنّ الأرض المقدّسة أولى بالتوجّه إليها؛ لأنّها

(59)

مواطن الأنبياء وقد شرّفها اللّه وعظّمها، فلا وجه للتولية عنها، فردّ اللّه سبحانه عليهم بأنّ المواطن كلّها للّه يشرّف منها ما يشاء في كلّ زمان على ما يعلمه من مصالح العباد»[1].

شبهة تأليه المسيح عليه‌السلام

ومن شبهات النصارى، تأليه المسيح عليه‌السلام بحجّة ولادته بلا أب، فردّ عليهم سبحانه بقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: 59). وإبطالًا لاتّخاذه وأمّه إلهين، قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: 75). وهذا «فيه احتجاج على النصارى؛ لأنّ من ولدته النساء[2]، وكان يأكل الطعام، لا يكون إلهًا للعباد؛ لأنّ سبيله سبيلهم في الحاجة إلى الصانع المدبّر، لأنّ من فيه علامة الحدث لا يكون قديمًا، ومن يحتاج إلى غيره[3] لا يكون قادرًا لا يُعجزه شي‏ء. وقيل إنّ ذلك كناية عن قضاء الحاجة؛ لأنّ من أكل الطعام لا بدّ أن يحدث حدثًا مخصوصًا على مجرى العادة»[4].

 شبهة العنصريّة والتفوّق على سائر البشر

قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (المائدة: 18). والآيات الكريمة تتضمّن حجّتين: إحداهما بالنقض، والثانية بالمعارضة؛ حيث إنّه تعالى: أمر نبيّه بالاحتجاج عليهم وردّ دعواهم بالحجّة، وتلك حجّتان:

(60)

إحداهما: النقض عليهم بالتعذيب الواقع عليهم، وثانيتهما: معارضتهم بحجّة تنتج نقيض دعواهم. ومحصّل الحجّة الأولى التي يشتمل عليها قوله: «فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ» أنّه لو صحّت دعواكم أنّكم أبناء اللّه وأحباؤه مأمونون من التعذيب الإلهيّ ولا سبيل إليه فيكم، لكنتم مأمونين من كلّ عذاب أخرويّ أو دنيويّ، لكن ما هذا العذاب الواقع عليكم المستمرّ فيكم بسبب ذنوبكم؟...

وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ حجّةٌ ثانيةٌ مسوقة على نحو المعارضة، ومحصّلها: أنّ النّظر في حقيقتكم يؤدّي إلى بطلان دعواكم أنّكم أبناء اللّه وأحباؤه، فإنّكم بشرٌ من جملة من خلقه اللّه من بشر أو غيره، لا تمتازون عن سائر من خلقه اللّه منهم، ولا يزيد أحد من الخليقة من السماوات والأرض وما بينهما على أنّه مخلوق للّه الذي هو المليك الحاكم فيه وفي غيره بما شاء وكيفما شاء، وسيصير إلى ربّه المليك الحاكم فيه وفي غيره، وإذا كان كذلك كان للّه سبحانه أن يغفر لمن شاء منهم، ويعذّب من شاء منهم من غير أن تمانعه مزيّة أو كرامة أو غير ذلك من أن يريد في شي‏ء ما يريده من مغفرة أو عذاب أو يقطع سبيله قاطع أو يضرب دونه حجابًا يحجبه عن نفوذ المشيئة ومضيّ الحكم. فقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ بمنزلة إحدى مقدّمات الحجّة، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ مقدّمة أخرى، وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ مقدّمة ثالثة، وقوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بمنزلة نتيجة البيان التي تناقض دعواهم: أنّه لا سبيل إلى تعذيبهم[1].

(61)
(62)

سابعًا: احتواء القرآن على الآيات المتشابهة ووجود التأويل لها

قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: 79).

ذكر علماء التفسير وعلوم القرآن أقوالًا عديدة حول المراد من المحكم والمتشابه في الآية الكريمة، مع تسليمهم بوجود معنًى للمتشابه والمحكم يشمل القرآن كلّه، كقوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود: 1). وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (الزمر: 23). فهنا، المراد تشابه آيات القرآن الكريم في الإعجاز والإتقان والهداية، وأمّا آية آل عمران فتقسّم الآيات القرآنيّة إلى محكم ومتشابهٍ. وهنا اختلفت كلمات علماء التفسير وعلوم القرآن، ووصلت الأقوال إلى ستّة عشر قولًا، واختار صاحب تفسير الميزان أنّ المراد بقرينة: «ذكر اتّباع الذين في قلوبهم زيغ لها ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل، كلّ ذلك يدلّ على أنّ المراد بالتّشابه كون الآية بحيث لا يتعيّن مرادها لفهم السامع بمجرّد استماعها، بل يتردّد بين معنًى ومعنى حتّى يرجع إلى محكمات الكتاب، فتعيّن هي معناها وتبيّنها بيانًا، فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة، والآية المحكمة محكمة بنفسها»[1].

ويضرب العلّامة الطباطبائي أمثلة للمتشابهات[2]، کما في قوله تعالى:

(63)

﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏﴾ (طه: 5)، يشتبه المراد منه على السامع أوّل ما يسمعه، فإذا رجع إلى مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: 11)، استقر الذهن على أنّ المراد به التسّلط على الملك والإحاطة على الخلق دون التمكّن والاعتماد على المكان المستلزم للتجسيم المستحيل على اللّه سبحانه، وكذا قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة: 23) إذا أُرجع إلى مثل قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (الأنعام: 103)، علم به أنّ المراد بالنّظر غير النّظر بالبصر الحسّيّ، وكذا إذا عرضت الآية المنسوخة على الآية الناسخة تبيّن أنّ المراد بها حكم محدود بحدّ الحكم الناسخ، وهكذا[1].

وأمّا السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر وتلميذه السيّد الشهيد محمد باقر الحكيم، فيريان رجوع التّشابه للمصداق المراد: «فالتشابه لم ينشأ من ناحية الاختلاط والتردّد في معاني اللفظ ومفهومه اللغويّ؛ لأنّنا فرضنا أن يكون للفظ مفهوم لغويّ معيّن، وإنّما ينشأ من ناحيةٍ أخرى، وهي الاختلاط والتردّد في تجسيد الصورة الواقعيّة لهذا المفهوم اللغويّ المعيّن، وتحديد مصداقه في الذهن من ناحية خارجيّة»[2].

وحول حكمة وجود المتشابه قال البيضاوي: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ أُحكمت عبارتها بأن حُفظت من الإجمال والاحتمال. ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أصله يرد إليها غيرها والقياس أمّهات، فأفرد على تأويل كلّ واحدة، أو على أنّ الكلّ بمنزلة آية واحدة. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ‏﴾ محتملات لا يتّضح مقصودها، لإجمال أو مخالفة ظاهر، إلّا بالفحص والنظر ليظهر فيها فضل العلماء، ويزداد حرصهم على أن يجتهدوا في تدبّرها وتحصيل العلوم المتوقّف عليها استنباط المراد بها، فينالوا بها. وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها، والتوفيق بينها وبين

(64)

المحكمات معالي الدرجات‏[1].

ويذكر الفخر الرازي خمسة وجوه، بعضها متضمّن في كلام البيضاوي السابق، ثمّ ذكر السّبب الأقوى لذلك بقوله: «السبب الأقوى في هذا الباب أنّ القرآن كتابٌ مشتملٌ على دعوة الخواص والعوام بالكلّيّة، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام في أوّل الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيّز ولا مشار إليه، ظنّ أنّ هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالّة على بعض ما يناسب ما يتوهّمونه ويتخيّلونه، ويكون ذلك مخلوطًا بما يدلّ على الحقّ الصريح، فالقسم الأوّل وهو الذي يخاطبون به في أوّل الأمر يكون من باب المتشابهات، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات»‏[2].

فواضح إذًا، أنّ احتواء القرآن على معارف عالية وغيبيّة ووجود المتشابه، كان من محفّزات العقل والتأويل، وبالتالي نشوء علم الكلام.

(65)
(66)

الخاتمة

علم الكلام علمٌ إسلاميٌّ أصيل، نشأ ببركة القرآن الكريم وروايات المعصومين عليهم‌السلام، وتعاهده علماء الإسلام عبر العصور، فسما بنيانه وازدهر، وفي هذا البحث انطلقنا من فرضيّة أنّ القرآن الكريم هو فعلًا حضن الكلام وأرضيّته الأولى التي انبثق عنها وأثبتنا هذه الفرضيّة بمجموعة من الأدلّة والاثباتات نجملها في النقاط الآتية:

- منذ افتتاح نزوله في البيان الأوّل الذي تضمّنته الآيات الخمس الأولى من سورة العلق، أعلن القرآن الكريم موقفًا عقديًّا مغايرًا للسائد يقوم على قراءة جديدة للكون، في نطاق قدرته تعالى وأسمائه وخالقيّته وتقرير المرجعيّة إليه؛ قراءة تجمع بين الغيب والشهادة ؛ وبين الطبيعة وما وراءها.

- حضّ القرآن الكريم في مئات الآيات على التفكّر والتدبّر، كسمة الإنسان المميّزة له، وهو حامل الأمانة وممارس دور الخلافة الإلهيّة.

- الإعلاء من قيمة العقل، وأولي الألباب والنهى، وذمّ التقليد وتعطيل العقل والسفاهة.

- تأسيس للقواعد الكلاميّة: كشكر المنعم طريقًا للمعرفة، وقاعدة اللطف الواجب لذاتٍ حكيمة رحمانيّة، وقاعدة الحسن والقبح العقليّين والتي لولاهما لما قبح شيء منه تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.

- تضمّنه لأساليب التفكير المنطقيّة من الأقيسة الاقترانيّة والشرطيّة، وغيرها من الأساليب التي ترجع إلى فطريّات فطر اللّه تعالى الإنسان عليها، ولاحظنا أنّها لم تأتِ بصورة القياس المنطقيّ الكامل، فحازت هذه الأساليب القرآنيّة الجمال اللفظيّ علاوة على اليقين وإشراك القارئ أو السامع في الوصول للمراد.

 

(67)

- دعوته للجدل مع الآخر بالتي هي أحسن، وعرض هذا الأسلوب في نماذج حيّة منضبطة بضوابط الحقّ والعلم والإنصاف.

- إقامته البراهين اليقينيّة المتعدّدة على أصول الدين الخمسة: التوحيد، العدل، النبوّة، الإمامة، المعاد.

- تضمّنه مناظرات واحتجاجات، كحوارات الأنبياء مع أقوامهم، ودفعه لشبهات المعاندين والمخالفين من مشركين ويهود ونصارى.

- احتواؤه على الآيات المتشابهة التي تحتاج للتأويل وردّها للمحكمات وساطع البرهان العقليّ...

فالقرآن الكريم هو النّواة الأولى لتأسيس علم الكلام الإسلاميّ، وترسيخ جذوره، وتقرير أصالته الإسلاميّة، مادةً ومنهجًا.

وننوّه في الختام مرّة أخرى إلى أهمّيّة الموضوع، وندرة الدراسات حوله؛ لذا نعتبره جديرًا بالتوسّع وكتابة المزيد من الأبحاث والرسائل الجامعيّة سواء في أصل الفكرة، أو في العديد من الجوانب التي أثارتها هذه الدراسة، واستندت إليها في إثبات قرآنيّة التأسيس الكلاميّ. نرجو أن يتصدّى الباحثون والمراكز العلميّة المختصّة لهذه المهمّة، عسانا ننجح في رفد المكتبة الإسلاميّة بدراسات وافية تغطّي بعمق وإحاطة جميع جوانب هذا الموضوع الوسيع.

 

 

(68)

 

المصادر

1.القرآن الكريم.

2.ابن القيم الجوزية، محمّد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين. زاد المعاد في هدي خير العباد. بيروت: مؤسّسة الرسالة، 1415/ 1994.

3.ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمّد بن خلدون الحضرمي. مقدّمة ابن خلدون. بيروت: دار الفكر، 1431هـ/ 2001م.

4.ابن رشد الأندلسيّ. الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1998م.

5.ابن عابدين، محمّد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقيّ الحنفيّ. ردّ المحتار على الدرّ المختار (حاشية ابن عابدين). بيروت: دار الفكر، 1412هـ/ 1992م.

6.ابن عاشور، محمد طاهر. التحرير والتنوير. بيروت: مؤسّسة التاريخ العربيّ، 1420هـ.ق.

7.ابن عطية الأندلسي، عبد الحق بن غالب. المحرّر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز. بيروت: دار الكتب العلميّة، منشورات محمّد علي بيضون، 1422هـ.ق.

8.ابن فارس، أحمد. معجم مقاييس اللغة. قم: مكتب الإعلام الإسلاميّ، 1404هـ.

9.ابن منظور، محمد بن مكرم. لسان العرب. بيروت: دار صادر، 1414هـ.

10.ابن كثير، اسماعيل بن عمر. تفسير القرآن العظيم. بيروت: دار الكتب العلميّة، منشورات محمّد علي بيضون، 1419هـ.ق.

11.أبو زهرة، محمّد. تاريخ الجدل. بيروت: دار الفكر العربيّ، لات.

12.الأردبيلي، أحمد بن محمّد. زبدة البيان في أحكام القرآن. طهران: المكتبة المرتضويّة.

13.الإسترابادي، محمّد بن علي. آيات الأحكام. طهران: معراجي.

14.الألمعيّ، زاهر عواض. مناهج الجدل في القرآن الكريم. ، 1404هـ.

15.الأندلسي، أبو حيّان محمّد بن يوسف. البحر المحيط فى التفسير. بيروت: دار الفكر، 1420هـ.
 

(69)

16.البيضاوي، عبد اللّه بن عمر. أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي). بيروت: دار إحياء التراث العربيّ، 1418هـ.ق.

17.الجرجاني، علي بن محمّد. التعريفات. بيروت: دار الكتاب العربيّ، 1405هـ.

18.حاج حمد، محمّد أبو القاسم. العالميّة الإسلاميّة الثانية. بيروت: دار ابن حزم، 1416هـ/ 1996م.

19.الحكيم، محمّد باقر. علوم القرآن. قم: مجمع الفكر الإسلاميّ، 1417هـ.

20.الحلي، الحسن بن يوسف بن علي بن محمد بن مُطهّر. نهج الحق وكشف الصدق. بيروت: دار الكتاب اللبنانيّ، 1982م.

21.الخازن، علي بن محمد. لباب التأويل في معاني التنزيل (تفسير الخازن). بيروت: دار الكتب العلميّة، منشورات محمّد علي بيضون، 1415هـ.ق.

22.الخطيب، عبد الكريم. التفسير القرآنيّ للقرآن. بيروت: دار الفكر العربيّ، 1424هـ.ق.

23.الخوئي، أبو القاسم. البيان في تفسير القرآن. قم: مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي، لات.

24.دراز، عبد اللّه. النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن. بيروت: دار ابن الجوزي، 2013م/ 1434هـ.

25.دغيم، سميح. موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلاميّ. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 1998م.

26.الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمّد. مفردات ألفاظ القرآن. بيروت: الدار الشاميّة، 1412هـ.ق.

27.الرافعي، مصطفى صادق. إعجاز القرآن والبلاغة النبويّة. بيروت: دار الكتاب العربيّ، 1410هـ/ 1990م.

28.الزحيليّ، وهبة. التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج. دمشق: دار الفكر، 1411هـ.ق.

29.الزركشي، محمد بن عبد اللّه. البرهان في علوم القرآن. بيروت: دار المعرفة، 1990م.

 

(70)

30.الزمخشريّ، محمود بن عمر. الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل. بيروت: دار الكتاب العربيّ، 1407هـ.ق.

31.السيوطي، جلال الدين. الإتقان في علوم القرآن. بيروت: دار الكتاب العربيّ، 1421هـ/ 2001م.

32.شاكر، محمّد. الإيضاح لمتن إيساغوجي. ، لات.

33.الشنقيطي، محمّد أمين. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن. بيروت: دار الكتب العلميّة، منشورات محمّد علي بيضون، 1427هـ.ق.

34.صادقي تهراني، محمّد. الفرقان فى تفسير القرآن بالقرآن والسنة. قم: فرهنگ إسلامي، 1406هـ.ق.

35.الصاوي، أحمد بن محمد. حاشية الصاوي على تفسير الجلالين. بيروت: دار الكتب العلميّة، منشورات محمّد علي بيضون، 1427هـ. ق.

36.الصدر، محمّد باقر. الإسلام يقود الحياة. طهران: وزارة الإرشاد الإسلاميّ، 1403هـ.

37.الطباطبائي، محمّد حسين. الميزان في تفسير القرآن. بيروت: مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، 1390هـ.ق.

38.ــــــــــــــ. بداية الحكمة. قم: مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، 1428هـ.ق.

39.الطبرسيّ، الفضل بن الحسن. تفسير جوامع الجامع. قم: مركز إدارة الحوزة العلمية في قم، 1412هـ.ق.

40.ــــــــــــــ. مجمع البيان في تفسير القرآن. طهران: ناصر خسرو، 1413هـ.ق.

41.طنطاوي، محمّد سيّد. التفسير الوسيط للقرآن الكريم. القاهرة: نهضة مصر، 1417هـ.ق.

42.عدد من المؤلفين. شرح المصطلحات الكلاميّة. مشهد: الروضة الرضويّة المقدّسة، 1415هـ.

43.العسقلانيّ، أحمد بن علي بن حجر. فتح الباري شرح صحيح البخاري. بيروت: دار المعرفة، 1379هـ.

 

(71)

44.الغزالي، أبو حامد. المستصفى في أصول الفقه. قم: دار الذخائر، 1368هـ.ش.

45.ــــــــــــــ. معيار العلم. مصر: دار المعارف، 1961.

46.الفخر الرازي، محمد بن عمر. التفسير الكبير (مفاتيح الغيب). بيروت: دار إحياء التراث العربيّ، 1420هـ.ق.

47.الفضلي، عبد الهادي. مذكرة المنطق. قم: دار الكتاب الإسلاميّ، لات.

48.قطب، سيّد. في ظلال القرآن. القاهرة: دار الشروق، 1425هـ.ق.

49.الكاظمي، جواد. مسالك الأفهام الى آيات الأحكام. طهران: مرتضوي، 1406هـ.ق.

50.الكلينيّ، محمد بن يعقوب. الكافي. طهران: دار الكتب الإسلاميّة، 1407هـ.

51.گلپايگاني، علي ربّاني. القواعد الكلاميّة. قم: مؤسسة الإمام الصادق، 1418هـ.

52.العساكر، يوسف عمر. «الجدل في القرآن خصائصه ودلالاته».   (2004-2005م).

53.مطلوب، أحمد. معجم المصطلحات البلاغيّة وتطوّرها. بيروت: الدار العربيّة للموسوعات، 1427هـ/ 2006م.

54.المظفّر، محمّد رضا. أصول الفقه. بيروت: مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، 1410هـ/ 1990م.

55.ــــــــــــــ. المنطق. بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1433هـ/ 2012م.

56.معرفة، محمّد هادي. التفسير والمفسرون فى ثوبه القشيب. مشهد المقدسة: الجامعة الرضويّة للعلوم الإسلاميّة، 1418هـ.ق.

57.ــــــــــــــ. التمهيد في علوم القرآن. قم المقدّسة: مركز إدارة الحوزة العلميّة في قم، 1410هـ.ق.

58.مغنية، محمّد جواد. التفسير الكاشف. قم المقدّسة: دار الكتاب الإسلاميّ، 1424هـ. ق.

59.مكارم الشيرازي،‌ناصر. الأمثل في تفسير كتاب اللّه المنزل. قم: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب، 1421هـ.ق.

60.ــــــــــــــ. نفحات القرآن. قم: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب، 1426هـ.ق.

(72)
في عصر الثورة المعلوماتية والذكاء الاصطناعي تحولت الثقافة إلى سلعة سريعة رخيصة تغري بالوجبات المعرفية الجاهزة، وتقصي البحث العميق والتفكير الهادئ، فظهر الكسل المعرفي وتراجعت وظيفة العقل لصالح التقنيات الافتراضية و خوارزمياتها الموجهة التي تنتج معرفة مزيفة المظهر قليلة الجوهر. وهكذا غدا العلم أسيرا المحتوى سطحي لا يعبر عن رسوخ علمي أو اختصاص رصين، بل عن عقل خامل استسلم الإجابات عاجلة جمعها فضاء افتراضي واسع. ومن هنا جاءت سلسلة «أوراق بحثية» استجابة لتحديات المرحلة، وحفاظا على روح التفكير والنشاط العلمي، عبر تقديم كراسات موجزة ورصينة تعيد للعقل دوره في التأمل والتحليل وتكون منارًا للباحثين في دروب المعرفة الجادة. http://www.iicss.iq islamic.css@gmail.com
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف