تأليف :
محمّد رضا الخاقاني
فهرس المحتويات :
القسم الأول: سيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
القسم الثاني: المقالات
1. مصادر السيرة النبوية
2. رواياتٌ في أوصاف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأحواله وسُنَنِه - العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي(رحمه الله)
3. أدوار علم الكلام عند الإمامية: الدور النبوي(13ق هـ - 11هـ) - السيّد هاشم الميلاني
4. صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعدالتهم
5. إطلالة على تاريخ المسجد النبوي الشريف
القسم الثالث: مختارات من الأحاديث النبوية
كلمة المركز
عَنِ اَلرِّضَا(عليه السلام)، قَالَ: «رَحِمَ الله عَبْدًا أَحْيَا أَمْرَنَا»، قُلْتُ: كَيْفَ يُحْيِي أَمْرَكُمْ، قَالَ: «يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا وَيُعَلِّمُهَا اَلنَّاسَ فَإِنَّ اَلنَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلاَمِنَا لاَتَّبَعُونَا».
(الصدوق، عيون أخبار الرضا(عليه السلام)، 1: 307)
يُعدّ هذا الكتاب الحلقة الأولى من سلسلة الأعمال التي يجري إعدادها وتحريرها في قسم الدراسات الشيعية، هادفةً إلى تعريف الجيل الشاب والنخبة المثقّفة بتاريخ ومعارف المعصومين(عليهم السلام) بشكل أعمق. ونظرًا للمكانة السامية للمعصومين(عليهم السلام)، وما تفرضه المتطلّبات والحاجات البحثية المتزايدة، فقد استدعى الأمر اهتمامًا مستمرًّا بتدوين مؤلفات حول المعصومين(عليهم السلام) على مختلف المستويات[1]. وعلى هذا الأساس، سعينا في إعداد هذه المجموعة -قدر المستطاع- لتقديم سَرد موجز وماتِع، يتناغم مع ذهنية ولغة المخاطب المعاصر، مستندين في ذلك إلى مصادر معتبرة ومنهجية علمية رصينة.
جدير بنا أن نتوجّه بجزيل الشكر والامتنان لكافّة الزملاء على جهودهم القيّمة في هذا المشروع، ونخصّ بالذكر الأستاذ محمّد رضا الخاقاني الذي كان له النصيب الأوفر في إعداد وتأليف هذا الأثر. كما نعرب عن تقديرنا لسماحة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد علي الطباطبائي اليزدي، والأستاذ محمّد باقر ملكيان، والأستاذ محمّد رضا فرهمند، الذين ساهموا بشكل ملحوظ في صياغة الخطّة، والبرمجة، والمراحل الأولى للكتابة. والشكر موصول لسماحة الشيخ الدكتور حامد فياضي، مدير مجموعة الدراسات الشيعية، الذي تولّى الإشراف العلمي، وللجناب الأستاذ السيّد محمّد رضا الطباطبائي مسؤول وحدة النشر، وكذلك نتقدّم بخالص الشكر لرئيس المركز المحترم، سماحة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد هاشم الميلاني، الذي لولا دعمه المؤثّر لما وصل هذا البحث إلى خواتيمه.
نأمل، بتوفيق مِن الله تعالى وعناية إمام العصر(عليه السلام)، أن نتمكّن مِن مواصلة هذا السبيل للخدمة في عتبة معارف أهل البيت(عليهم السلام) بخطوات أكثر ثباتًا.
المقدمة
إطلالة على تاريخ تدوين السيرة النبوية
انطلق المسار التاريخي للدين الإسلامي ببعثة محمّد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في السابع والعشرين من رجب عام 610م، ليتحوّل بعدها إلى حراكٍ ذي تأثير عميق في التاريخ اللاحق. وقد بدأ الإسلام انتشاره انطلاقًا من مدينتي مكّة والمدينة، ليمتدّ نفوذه ويشمل الشطر الأعظم من أهمّ حواضر وأقاليم ذلك العصر. وتتجلّى مركزية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في كافة مظاهر الدين الإسلامي؛ فالقرآن، كتاب الإسلام المقدس، أُوحي إليه من عند الله، وكُلّف هو بتبليغه وتعليمه وتبيانه. كما غدت سلوكياته وسيرته، وأوامره ونواهيه، والأحكام الفردية والاجتماعية التي بلّغها لأتباعه، الأساس المتين للمنهج الأخلاقي والعملي للمسلمين على مرّ التاريخ.
ولقد انعكست هذه المركزية للرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في التدوين التاريخي الإسلامي أيضًا؛ فالمجتمع العربي في الجاهلية، الذي انحصر تدوينه للتاريخ في رواية مآثر انتصاراته وأيامه السعيدة، بات يمتلك قائدًا يشكّل مبعث فخر واعتزاز له. ومن هذا المنطلق، تحوّلت حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مادّة للرصد والتوثيق، وعُرفت اصطلاحًا بـ«السيرة النبوية». ويرجّح أن تكون البواكير الأولى للمصنّفات التي تناولت حياة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) عائدة إلى منتصف القرن الأول الهجري[2]. وتلا ذلك قيام محمّد بن إسحاق(ت. 151هـ) بتأليف كتاب السِيَر والمغازي حول تاريخ حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والذي يُعدّ أقدم سيرة متاحة بين أيدينا اليوم[3].
لقد دُوّنت سيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأساليب وبواعث شتّى على مدار خمسة عشر قرنًا منذ انطلاق الدعوة الإسلامية[4]. وبالنظر إلى الدور المحوري للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في الإسلام، فإنّ الاهتمام بتاريخ حياته يبدو أمرًا طبيعيًا وبديهيًا. بيد أن ما يطالعنا في المصنّفات التاريخية للسيرة النبوية هو تقديم صورة «سياسيّة» لحياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو جانب لا يعرض سوى جزء يسير من الرسالة النبوية.
لقد اختزلت هذه النظرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في هيئة قائد سياسي، مغفلةً الجوانب الإلهية، والأخلاقية، والمعرفية لشخصيته الكريمة. وفضلًا عن ذلك، يُلاحظ أنّ التوجّهات السياسيّة والكلامية كان لها أثر بالغ في الحذف، والإضافة، والتلخيص، والبسط في رواية السيرة النبوية، ممّا ترك بصماته على صورة التاريخ المحكي لحياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). ونظرًا لأنّ هذه الآثار كُتبت في الغالب بأقلام أهل السنّة، فإنّ التأثّر بنزعاتهم في مسألة الخلافة وما يتّصل بها يبدو جليًّا في المصنّفات التاريخية. وقد أشار المسعودي(ت. 346هـ) إلى هذا النمط من العصبيّات المذهبية التي أفضت إلى كتمان الحقائق التاريخية وتحريفها[5].
ومن شواهد الكتمان أو الإعراض عن الحقائق التاريخية من هذا القبيل، يمكن الإشارة إلى بضعة نماذج؛ فقد قدّم أبان بن عثمان بن عفان(ت. 105هـ) سيرةً كان قد جمعها إلى سليمان بن عبد الملك(ت. 99هـ) إبان ولاية عهده. فأمر سليمان -بعد استشارة أبيه عبد الملك(حكم 65-86هـ)- بإحراق نسخ الكتاب، بذريعة إسهابه في ذكر فضائل الأنصار[6].
وفي العصور اللاحقة، استمر تيار الطمس على أجزاء من السيرة النبوية على مستويات مختلفة. إذ صرّح ابن هشام(ت. 214هـ) في مقدّمة كتابه بأنّه حذف من التاريخ ما «يُشنع الحديث به» أو «يسوء بعضَ الناس ذكرُه»[7]. وفي مواضع أخرى، تولّى النسّاخ هذه المهمة بأنفسهم؛ فقد ذكر مارسدن جونز[8]، محقّق كتاب المغازي للواقدي(ت. 207هـ)، في مقدّمة الكتاب أنّ أسماء الفارّين يوم معركة أُحُد قد طُمست في بعض المخطوطات واستُبدلت بلفظة «فُلان»، في حين وردت أسماؤهم نقلًا عن الكتاب ذاته في مصادر أخرى مثل أنساب الأشراف وشرح نهج البلاغة[9]. ويستنتج المحقّق من ذلك أنّ تلك الأسماء كانت مثبتة في النسخة الأصلية، غير أنّ النساخ حذفوها واستعاضوا عنها بلفظة «فلان»[10]. ويمكن العثور على نموذج آخر عند الطبري(ت. 310هـ)؛ حيث أغفل في كتابه تاريخ الأمم والملوك ذكر واقعة الغدير، رغم ورودها في العديد من المصادر الحديثية والتاريخية المعتبرة[11].
وقد انسحب هذا المنهج ذاته على الأعمال المعاصرة في مجال «السيرة النبوية» التي أُلّفت وفقًا للفكر السائد لدى أهل السنّة. فعلى سبيل المثال، يخلو أحد أهم الآثار العربية المعاصرة حول السيرة، وهو كتاب حياة محمّد لمحمّد حسين هيكل(ت. 1956م)، من أيّ إشارة لواقعة الغدير[12].
وفي المقابل، دأب علماء الشيعة على وضع مؤلّفات منزّهة عن التوجّهات السياسيّة والكلامية آنفة الذكر التي هيمنت على تدوين السيرة. ومن النماذج المتقدّمة في هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى للفضل بن الحسن الطبرسي(ت. 548هـ)، وكتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة لعلي بن عيسى الإربلي(ت. 692هـ)[13].
أمّا في العصر الحديث، فقد صدرت مؤلّفات عديدة بأقلام علماء وباحثين شيعة باللغتين العربية والفارسية، سعت إلى تقديم صورة لتاريخ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تتضمّن تلك الجوانب التي طالها الإهمال أو الحذف الكلّي جراء النزعات المذهبية والسياسيّة. ورغم نجاح هذه الآثار في تقديم تلك الصورة، إلّا أنّها تعاني من أوجه قصور من عدّة جوانب؛ فبعض هذه الأعمال يعتريها الضعف في المنهجية البحثية، كغياب الإحالات المناسبة إلى المصادر الأولية، أو أنّها -بسبب الإطناب والإفراط في سرد الروايات التاريخية- لا تعدّ مناسبةً لتحصيل إلمام عام وشامل بحياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
وفي مؤلّفات أخرى، جرى الإيغال في التحليلات التاريخية إلى حدّ طغت فيه تلك التحليلات على متن السيرة النبوية ذاتها وهمّشتها. وهناك فريق آخر سعى إلى إسقاط القضايا المعاصرة على السيرة النبوية، فقاموا -طوعًا أو كرهًا- بفرض رؤاهم الخاصّة على تاريخ حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
لعلّ الجهد الأوسع نطاقًا لاستعادة الملامح التاريخية لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بما ينسجم مع المنظومة الفكرية والعقدية للشيعة، يتمثّل في كتاب الصحيح من سيرة النبي الأعظم للعلامة المحقّق السيّد جعفر مرتضى العاملي(ت. 2019م). فقد سعى هذا السِفر القيّم، عبر جهد منقطع النظير، إلى تقديم أدقّ رصد لحياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من خلال استقصاء المصادر التاريخية والحديثية لدى الفريقين. بيد أنّ هذا العمل، نظرًا لضخامة حجمه (ما يربو على ثلاثين مجلدًا) وطغيان الجانب التحليلي على متن السيرة السردي، لا يُعدّ مدخلًا مناسبًا للتعرّف الأولي والمبسّط على سيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
وعلى الضفّة الأخرى، لا يبدو وضع الدراسات الغربية حول السيرة النبوية بأفضل حالًا من الأعمال آنفة الذكر. فقد مرّ الغربيون في تعاطيهم مع السيرة النبوية بمراحل متعدّدة من حيث الرؤية، والمصادر، ونمط التدوين. ففي البدء، كانوا ينظرون إلى المسلمين بوصفهم تهديدًا لنفوذهم وعقيدتهم، فقدّموا صورة منفّرة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وصموه فيها بالبُعد عن الربّ. وقد بلغت هذه النزعة ذروتها إبان الحروب الصليبية، وظلّت النهج السائد في الكتابات الغربية حتّى مشارف القرن التاسع عشر الميلادي.
وشيئًا فشيئًا، ومع تعمّق معرفة المستشرقين وتنامي التبادل التجاري بين الشرق والغرب، أخذت هذه النظرة في الاعتدال بشكل مطّرد. ومع ذلك، لا يزال بالإمكان تلمّس آثار النظرة المتحاملة تجاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وسيرته، وأساس الدين الإسلامي في المؤلّفات المعاصرة المكتوبة بالإنجليزية[14]. وبالجملة، احتلّت السيرة النبوية حيّزًا هامًّا في الدراسات الإسلامية الغربية، بل ويذهب البعض إلى أنّ انكباب المستشرقين على دراسة الحديث والفقه الإسلامي كان يهدف في جوهره إلى فهم أعمق للسيرة النبوية[15].
عقب الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، دُشّن فصلٌ جديد في الكتابات الغربية -لا سيما باللغة الإنجليزية- حول حياة النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم). حيث بادر طيف واسع من الكتّاب، ضمّ أكاديميين وصحفيين ومفكّرين، إلى تأليف أعمال تتناول الإسلام عمومًا وشخصية النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على وجه الخصوص. وباستثناء نزر يسير، فقد اتّسمت غالبية مؤلّفات هذه الحقبة بنظرة إيجابية تجاه حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)[16].
ولئن نجحت هذه الأعمال إلى حدّ ما في تقديم صورة متوازنة عن الإسلام وشخصية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلّا أنّها لم تخلُ من النقائص؛ فضعف الإحالات المرجعية، وافتقار المعايير البحثية الرصينة، وعدم التخصص التاريخي لبعض المؤلفين، وطغيان السمة القصصية على الأصالة التاريخية، وأخيرًا عدم الرجوع إلى المصادر الأصلية، تُعدّ من أبرز أوجه القصور التي شابت النتاجات المؤلَّفة في هذه الفترة.
خصائص هذا الأثر
يسعى هذا الكتاب ليكون خطوةً نحو جبر النواقص المذكورة آنفًا، وليقدّم للمهتمّين بتاريخ حياة وسيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نصًّا يتّسم بالسمات التالية:
مقاربة السيرة النبوية من منظور شيعي: لا تعني كتابة السيرة من منظور شيعي ابتعاد هذا العمل عن قواعد البحث التاريخي؛ ذلك أنّه بُذل جهدٌ في هذا الأثر لاعتماد الروايات المعتبرة الواردة في المصادر التاريخية والحديثية للشيعة أيضًا. كما تمّ التحرّز عند انتقاء الروايات التاريخية عن نقل الأخبار غير المعتبرة، أو الضعيفة، أو المتعارضة. فضلًا عن ذلك، تمّ التركيز على ما قوبل بقلّة الاهتمام أو التغافل التامّ في المصادر التاريخية لدوافع سياسيّة أو مذهبية، بغية تقديم صورة أكثر شمولًا ودقّة عن حياة وشخصية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
نص ذو حجم متناسب للتعرّف على حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): نشهد أحيانًا في الآثار المدوّنة حول السيرة النبوية عرض روايات متباينة للواقعة الواحدة، ممّا قد يصرف القارئ عن الغاية الأساسية المتمثّلة في تكوين صورة كلّية عن حياة وشخصية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). أما الأثر الماثل بين أيديكم، فقد عمد -مع الجمع بين الروايات التاريخية المختلفة وتقديم نصّ متّسق- إلى تناول أهمّ منعطفات حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، محترزًا بذلك عن الخوض في تفاصيل غير ضرورية لا تتناسب الهدف من هذا الكتاب. ويمكن عدّ هيكلية نصّ السيرة وحجمه في هذا العمل متناسبين مع المساقات الأكاديمية للتعرّف الأوّلي والمقدّماتي على حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالاستناد إلى المصادر الأولية.
المصادر الأولية والإحالات المرجعية المناسبة: نشهد في كثير من المؤلّفات حول حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نمطين مِن الضعف في التوثيق: أحدهما عدم الاستناد إلى المصادر في المواضع التي تقتضي ذلك، والآخر الإحالة إلى مصادر متأخرة أو ثانوية. أمّا في النص الحالي، فإنّ كافّة المنقولات التاريخية مستندة إلى مصادر معتبرة، وأولية قدر الإمكان. وتجدر الإشارة إلى أنّه تمّت مراجعة الأبحاث المتميّزة والمصادر المرجعية، كالموسوعات ذات الصلة، في الموضوعات المفصلية والهامّة.
تجنّب السرد والتحليل التفصيلي للروايات التاريخية: يُلاحظ في بعض المصادر المتعلّقة بحياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كثرة التحليلات وغلبة طابعها أحيانًا على متن السيرة. وقد سعينا في هذا الأثر للاكتفاء بسرد الروايات التاريخية المعتبرة، والاقتصار على الإشارة إلى تحليل موجز للوقائع في الحالات الهامّة فحسب. وربما وردت بعض التحليلات المقتضبة في الهوامش، مع إحالة القارئ إلى الآثار ذات الصلة عبر التوثيق المرجعي. وفيما يخصّ تأريخ الحوادث، فقد سعينا لاعتماد التواريخ المشهورة والمعتبرة، وتجنّبنا الخوض في ذكر الاختلافات حول تعيين تواريخ الوقائع المختلفة.
يخاطب هذا الأثر شريحة المثقّفين والنخب، سواء من الشيعة أو السنّة أو غير المسلمين، ممّن لديهم شغف بالتعرّف على حياة نبي الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم). وعليه، فقد دُوّن متن الكتاب بأسلوب مبسّط متحاشيًا المصطلحات التخصّصية المغلقة، لتهيئة الأرضية لاستفادة غير المتخصّصين في مبحث تاريخ الإسلام والسيرة النبوية بأكبر قدر ممكن.
ينتظم هذا الكتاب في ثلاثة أقسام: «سيرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)»، و«المقالات»، و«مختارات من الأحاديث النبوية». وقد اختصّ القسم الأول بتاريخ حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بينما وُضعت في القسم الثاني موادّ بين يدي القرّاء لتعميق الفهم حول بعض أبعاد تاريخ حياة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
ويُستهل قسم «المقالات» بمقالة تحت عنوان «مصادر السيرة النبوية»، بُذل فيها الجهد لتصنيف أهمّ مصادر سيرة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) موضوعيًا والتعريف بها بإيجاز. وقد استعرضت هذه المقالة أكثر من 80 مصدرًا من أهمّ المصادر التاريخية والحديثية والأدبية النافعة في البحث حول السيرة النبوية.
وتلا ذلك مقتطفات من كتاب سنن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للعلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي(رحمه الله)، حيث يتناول هذا الجزء السيرة الشخصية والاجتماعية لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بناءًا على ما ورد في المصادر الحديثية الشيعية.
ثمّ جاءت مقالة «أدوار علم الكلام عند الإمامية، الدور النبوي» لتناقش دور رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في تبيين المعارف الكلامية والعقدية ضمن أصول الدين الخمسة: التوحيد، العدل، المعاد، النبوة، الإمامة.
وبعدها، تسعى مقالة «صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعدالتهم» إلى رسم معالم الجوّ الاجتماعي في العهد النبوي، وذلك ضمن دراسة جذور نظرية «عدالة الصحابة» ونقدها.
وفي مقالة «إطلالة على تاريخ المسجد النبوي الشريف»، عُرض تاريخ أحد أهمّ الأماكن في التاريخ الإسلامي، أي مسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، من البداية حتى الآن. كما تطرّقت المقالة لدراسة الأقسام والأجزاء المختلفة للمسجد النبوي التي شهدت وقائع تاريخية متنوّعة. إنّ مجمل المواد المدرجة في هذا القسم يرمي إلى مساعدة القراء على فهم أفضل لزمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
وخُصّص القسم الثالث لـ«مختارات من الأحاديث النبوية»، حيث انتُخبت فيه أحاديث نبوية من المصادر الشيعية.
طُبع هذا الكتاب في عام 2022م باللغة الإنجليزية، وكنتُ دائماً أتمنّى أن أجعله باللغة العربية كي يفيد مَن يحبّ الإطّلاع عليه. ولله الحمد، سُنحت لي الفرصة كي أراجع الكتاب مجدّداً وأضيف بعضَ ما فاتني في الإصدار الأول، كما حاولتُ أن تكون لغة الكتاب بين الأكاديمي والأدب الروائي المناسب لجيل الشباب، فأتمنّى أن يكون ذلك قريباً ممّا كنتُ أهدفه.
وفي الختام، أتقدّم بجزيل الشكر والامتنان إلى كافّة الزملاء والأصدقاء الذين ساهموا في إنجاز وإثمار هذا العمل. وأخصّ بالذكر سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الدكتور السيّد محسن الموسوي، وسماحة الشيخ الدكتور حامد الفياضي، لما أبدوه من دقّة نظر وملاحظات وتوصيات سديدة. كما أشكر صميم الشكر سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الدكتور السيّد هاشم الميلاني، رئيس المركز المحترم، على دعمه المستمر لهذا المشروع.
آمل أن يقع هذا القليل موقع القبول عند الله سبحانه وتعالى، وأن ينال رضا خاتم النبيين محمّد المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)، إن شاء الله.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين.
--------------------------------------
[1]. أعدّت النسخة الإنجليزية لهذه المجموعة ونُشرت مِن قِبَل المركز نفسه وفق البيانات التالية:
Al-Khaghani, Mohammadreza, ed. Muhammad: Rereading Historical Sources. Najaf: ICSS Press, 2022.
[2]. بالاطلّاع على الأثر القيم لفؤاد سزكين (Fuat Sezgin)، يتبيّن أنّ ثلّة مِن الأعلام، أمثال سعيد بن سعد بن عبادة(ت. ؟) وسهل بن أبي حثمة(خيثمة، خثمة)(ت. في عهد معاوية 41-60هـ)، كانوا مِن أوائل مَن جمعوا موادَّ حول تاريخ حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). انظر:
Sezgin, Geschichte Des Arabischen Schrifttums, 1: 275-76.
[3]. انظر: الذهبي، تاريخ الإسلام، 9: 13. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا النص لم يعدّ كتاب ابن إسحاق الكتاب الأول مطلقًا، بل قدّمه بوصفه أثرًا مستقلًا ومبوّبًا. إذ يشير التقرير ذاته إلى أنّ المواد العلمية سابقًا - سواء الفقهية أو الحديثية أو التاريخية - كانت على هيئة صحف غير مدوّنة وتفتقر إلى الترتيب (غير مرتبة).
[4]. للمزيد من المعلومات حول مصادر السيرة النبوية، انظر مقالة «مصادر السيرة النبوية» في القسم الثاني من هذا الكتاب.
[5]. انظر: المسعودي، التنبيه والإشراف، 198.
[6]. الزبير بن بكار، الأخبار الموفقيات، 331 – 333.
[7]. ابن هشام، السيرة النبوية، 1: 4.
[8]. Marsden Jones
[9]. البلاذري، أنساب الأشراف، 1: 326؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 15: 24.
[10]. الواقدي، كتاب المغازي، المقدمة: 18.
[11]. ذُكرت حادثة الغدير في المصادر التاريخية السابقة للطبري (البلاذري، أنساب الأشراف، 2: 108-112؛ اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، 2: 112). كما قام العلامة الأميني(ت. 1970م) بجمع رواة حديث الغدير من الصحابة والتابعين وعلماء أهل السنة في مختلف العصور، علاوة على دراسته للمؤلفات التي صُنّفت في موضوع الغدير (الأميني، الغدير، 1: 41-325).
[12]. انظر: هيكل، حياة محمّد، 483-493.
[13]. للاطلاع على التعريف بهذين الكتابين، راجع مقالة «مصادر السيرة النبوية» في القسم الثاني من هذا الكتاب.
[14]. للمزيد من المعلومات حول تطور دراسات السيرة في الغرب، انظر:
Buhl et al., “Muḥammad,” EI2 7: 377-88؛ Rubin, The life of Muhammad, xiii-xlvi; Hoyland, “Writing the Biography of the Prophet Muhammad: Problems and Solutions,” 581-602.
وكذلك، انظر: کریمی نیا، سیره پژوهی در غرب، 11 - 20.
[15]. Motzki, Hadith, xviii-xxxiii.
[16]. Ali, The Lives of Muhammad, 222.