باتت الثقافة في عصر الثورة المعلوماتيّة الهائلة والذكاء الاصطناعيّ، سلعةً رخيصةً سهلة التناول؛ ممّا أدى إلى صياغة منظومة الإنسان المعرفيّة على نحوٍ تملّ الإطالة والإسهاب، وتجنح إلى الوجبات المعرفيّة السريعة الجاهزة؛ هذا ما يُنذر بظهور الكسل المعرفيّ والضعف البحثيّ، وانزياح العقل رويدًا رويدًا عن وظيفته الأساسيّة في التفكير والتنظير لصالح التقنيّة الافتراضيّة الحديثة، مع ما لها من إيجابياتٍ، وسلبياتٍ ربما تفوق تلك الإيجابيات.
إذ بعدما تصبح الأوعية المعرفيّة الافتراضيّة متاحةً لكلّ شخص، يصبح العلم أسيرًا في دهاليز الخوارزميّات التي نسجتها الإمبرياليّة المعرفيّة والثقافيّة المهيمنة على العالم، ويكون لعبةً جوفاء لا تُنبئ عن مدى توغّل صاحبها في الحقل المعرفي المبحوث، ومدى تخصّصه فيما يكتب، ويقول، وربما لا يعدو الأمر أن يكون أوراقًا مصقولةً منمّقةً بنماذج التقنية الافتراضيّة، ومعلومات متناثرة وربما موجّهة بأيدٍ خفيّة جمعها الذكاء الاصطناعي من هنا وهناك، لتُعطي إجابةً سريعةً يطلبها عقلٌ خاملٌ استسلم لراحة الكسل العلمي.
من هذا المنطلق، واستجابةً لضرورة المرحلة، وحفاظًا على النشاط العلمي وأثرائه بالدراسات الجادّة والعميقة والمختصرة ارتأينا إصدار سلسلة (أوراق بحثيّة)؛ لتكون منارًا بحثيًا رصينًا، يهدي الباحثين في دروب العلم والمعرفة، وذلك من خلال تقديم كرّاساتٍ معرفيّةٍ مختصرةٍ في شتّى المواضيع العلميّة والبحثيّة.
وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الخَلْقِ محمَّدٍ وآلِهِ الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ.
(7)
حازت دراسة تاريخ العلوم اهتمام الباحثين والمحقِّقين في العصور الأخيرة، فانصبَّت جهودهم على دراسة تاريخ مختلف العلوم، واستعراض سَيرها التكامليّ، فأصبح لكلِّ علم تاريخ خاصّ به، يستعرض مسيرته عبر الزمن.
وتنبثق أهميّة تاريخ العلوم، من حاجة الباحث في كلّ علم من العلوم لمعرفة عميقة بنشأتة، والظروف التي أحاطت بتشكّل بذوره الأصليّة: أي كينونته الأولى؛ ومن ثمّ الاطلاع على صيرورته: أي المحطّات الكبرى، والمراحل الأساسيّة التي شهدها في حركة نموّه وتطوّره، ومن ثمّ مآلات هذا المسار وما انتهى إليه واقع العلم اليوم.
ولهذا، لا ينفكّ تاريخ كلّ علم من العلوم عن ثلاثة عناوين مركزيّة: النشأة، والكينونة، والصيرورة.
وإحاطة الباحث بهذه العناوين، تمنحه فرصة أكبر لفهم التحوّلات، أو النقلات الكبرى التي شهدها العلم في مختلف محطّاته التاريخيّة، كما يغدو قادرًا على تفسير النكسات أو التراجعات التي شهدها هذا العلم في محطّة ثانية.
وعندما نتحدّث عن تاريخ العلوم، لا ينحصر الأمر في دائرتي العلوم الإنسانيّة والعلوم التجريبيّة، بل هذا حال العلوم الإسلاميّة التي تتّخذ النصّ الدينيّ محورًا لموضوعاتها ومسائلها.
وهذه المقالة تُعنى بتاريخ علم مخصوص: وهو علم الكلام الذي يعرف القاصي والداني موقعه في البناء المعرفيّ الإسلاميّ، ومكانته التأسيسيّة لسائر العلوم الأخرى، وهي تتوجّه بالذات -بحكم تخصّص الموسوعة- لتاريخ كلام الإماميّة، وتسعى لبناء تحقيبٍ موضوعيٍّ لتاريخ هذا العلم ومحطّاته الكبرى، تحقيب يعبّر بواقعيّة عن المراحل الرئيسة التي شهدها هذا العلم، ويكشف فعلًا عن المسارات التي سلكها، والمآلات التي أدركها.
فالتحقيب، ومهما بذل الباحث من جهود، يظلّ وجهة نظر، ومسألة اجتهاديّة قد تُصيب وقد تُخطئ؛ ولذا نجد في سائر تواريخ العلوم قراءات متعدّدة، وتحقيبات متنوّعة لنفس العلم، بل قد نجد تعدّدًا في تواريخ نفس المدرسة، أو التيّار، داخل العلم أحيانًا. وقد قسّمنا البحث إلى مبحثين أساسيّين:
أوّلًا: مقدّمات لدراسة عصور الكلام الإماميّ
وفي هذا المبحث نعالج القضايا الآتية:
فوائد دراسة تاريخ الكلام
صعوبات التحقيب
نماذج من تحقيبات تاريخ الكلام الإماميّ ومناقشتها
التقسيم المقترح
ثانيًا: من التأسيس إلى الراهن الكلاميّ
وفي هذا المبحث، نُحلّل العصور الثمانية للتقسيم المقترح: من عصر النشأة والتأسيس إلى الراهن الكلاميّ.
ونتوجه الدراسة بخاتمة نضمّنها الاستخلاصات والنتائج.
(10)
هذه المقدّمات تتضمّن عناصر عدّة تمهّد لعرض التقسيم المقترح:
سيمتزج الحديث عن فوائد التأريخ للعلوم عمومًا وأهمّيّته بفوائد تدوين تاريخ علم الكلام خصوصًا، ففي كلّ العلوم نلمس الحاجة إلى البحث التاريخيّ وثماره الجمّة، والتي نرصدها يومًا بعد آخر مع تطوّر الدّراسات الإبستمولوجية، وفلسفة العلوم، ومن ذلك:
فالاجتهاد هو العنوان الأبرز في صون حيويّة العلوم الإسلاميّة واستمراريّة نموّها، واتّقاد شعلة الاجتهاد واستمراريّتها بمثابة الروح التي تنفخ في هياكل هذه العلوم؛ لذلك يستحيل انفصال العلم عن تاريخه. ففي كلّ زمان اجتهاد، وكلّ عصر نظريّات. نعم، كلّ ذلك لا يلغي الثوابت، ولكن منطق الاجتهاد الذي تتبنّاه الحوزة العلميّة مؤسّسة الاجتهاد في هذه العلوم، يُعطي لتلك الثوابت صيغها المتجدّدة، وأبعادها المعاصرة وتجلّياتها.
ربّما نجد عند بعض المدارس الفكريّة المعاصرة مقاربة شبيهة بهذه المقاربة تقوم على مقولة «بنية الثورات العلميّة» لتوماس كوهن، الذي يرى أنّ تاريخ العلم ليس مجموعة متراكمة من المعارف بقدر ما هو طائفة من الكشوف الثوريّة التي تقدّم ما يسمّى بالنموذج القياسيّ، ويعني به نسق الارتباط الكلّي بين نظريّات العلم المختلفة التي يسير العلماء على هداه ويعملون من خلاله إلى أن تجد كشوف ثوريّة جديدة تخالف الآراء السائدة في النموذج العلميّ المعمول به في ظلّ النموذج السائد لتحلّ مكانها نظريّات جديدة ترتّبت على الكشف الجديد».
إنَّ دراسة تاريخ العلم تُساهم مساهمةً جدِّيّةً في فهم نظريّات العلم، واكتشاف الظروف التي أسهمت في تكوُّن النتائج النهائيّة لهذه النظريّة أو تلك، مثلًا: إذا درَسنا نظريّة حكم مرتكب الكبيرة، فيمكن أن نتتّبع تاريخيًّا كيف بدأت هذه المسألة، وكيف انبثقت الآراء الأخرى التي فنّدت مقولة الخوارج بتكفير مرتكب الكبيرة، ثمّ كيف توالت سائر المقولات الأخرى: فردًّا على الموقف المتطرّف للخوارج، تطرّف المرجئة للقول إنّ الإيمان لا يضرّ معه معصية أو كبيرة مهما عظمت، ويتحيّر الموقف المعتزليّ بين هذا وذاك، ليذهب إلى القول بالمنزلة بين المنزلتين، في حين يشخّص الرأي الحقّ في مسلك آخر اهتدى إليه الإماميّة وبعض الفرق الأخرى.
فالمرور تاريخيًّا بآراء الفرق والعلماء، يُمكّننا من امتلاك تصوّر عن الموضوع، وعن مختلف الأقوال فيه، وأدلّة كلّ قول، وبقطع النّظر عن إيمان الباحث ومعتقده في الموضوع.
من جهة ثانية، يمكن الاستفادة من تاريخ العلم أيضًا في إبطال شبهات العصر، فالكثير من الشبهات التي تثار ضدّ الدين، وضدّ الأصول الاعتقادّية منتزعة من تاريخ علم الكلام وتاريخ الأديان، فوحدة العقل الإنسانيّ تفرض هذا التناظر بين الشبهات التاريخيّة والمعاصرة.
يقع اللُّبس في بعض الأحيان بين المصطلحات، فيتوهّم الباحث وحدة مصطلح معيَّن في عصرين أو أكثر، بينما الأمر خلاف ذلك التوهّم، وهذا اللّبس والاشتباه يرجع أحيانًا إلى عدم الاطِّلاع على السير التاريخيّ للمسألة، فتاريخ العلم هو الذي يكشف السياق الذي استُخدم فيه المصطلح خلال العصر الأوّل، وسيحدّد هل يختلف هذا المدلول في العصر اللاحق أم لا؟
ومثاله في تاريخ الكلام: تقسيم الإرادة إلى إرادة تكوينيّة وتشريعيّة؛ فقد جاء هذا التقسيم متأخّرًا نسبيًّا؛ ولأجل ذلك نرى أنّ المتكلّمين الأوائل خلطوا
ولم يفرّقوا بين هذين النوعين، ومن هنا احتدم النقاش: هل أنّ اللّه يريد من العباد المعاصي أو لا؟ خاصّة بين الأشاعرة والمعتزلة.
يمكن أنْ يكتشف الباحث في تاريخ العلوم الإسلاميّة تفاعل هذه العلوم فيما بينها، ومدى تأثير بعضها على بعضها الآخر، أو مديات تأثير بعض النظريّات في مجال معرفيّ على مجال معرفيّ آخر، وهو أمرٌ تفرضه التكامليّة بين العلوم الإسلاميّة، والباحث إزاء هذه الظواهر يستطيع أن يقف عند آثارها وانعكاساتها على البحث العلميّ، كما تُرشده إلى الكثير مِن الإيجابيّات والسلبيّات في هذه العلاقة، وهذا نراه بوضوح في علم الكلام بحكم طبيعة موضوعه، فهو يتصدّى لتنقيح أصول الدين بما تمثّله من بناء تحتيّ لكلّ العلوم الأخرى، فالكثير من المباني الفقهيّة والأصوليّة تأثرت بالقواعد الكلاميّة، كقاعدة الحسن والقبح العقليّين، وقاعدة لا جبر ولا تفويض،... .
لمّا كان تاريخ العلم عادة مزيجًا من أطوار ازدهار وفترات اندحار؛ كان جديرًا بالباحثين الوقوف عند تلك الأطوار، وهذه الفترات، ومعرفة أسباب هذا النمو والتطوّر هنا، وعوامل ذلك التخلّف والتراجع هناك.
ففي دراسة تاريخ الكلام، يُمكننا الوقوف على الأسباب التي أدَّت إلى حالة الجمود والركود في حركة الاجتهاد الكلاميّ بعد الخواجة الطوسي، أو الدور الذي لعبه الاتّجاه الأخباريّ في تراجع الاجتهاد الكلاميّ وظهور الاتجاهات المغالية.
من الظواهر البارزة في تاريخ الكلام، الانشقاقات الفِرَقيّة كظاهرة تاريخيّة مطّردة، بدأت ببروز الخلافات بعد وفاة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ، ومن ثمّ انشقاق الخوارج عن جيش الإمام علي عليهالسلام ، إلى الانشقاقات المتكرّرة في مذهب
(13)
الإماميّة وفي منعطفات تاريخيّة عديدة من حياة الأئمّة الأطهار عليهمالسلام، وتفسير أسباب هذه الانشقاقات هو معطًى من تاريخ العلم وتاريخ هذه الفرق.
تُساهم دراسة تاريخ العلم في وضع رؤيةٍ واضحةٍ لمستقبل هذا العلم، فالفهم العميق لتاريخ العلم ومنحنيات التطوّر والتقهقر التي عرفها العلم طوال مسيرته عبر الزمن، تُنمّي عنصر التنبّؤ العلميّ واستشراف مستقبل العلم. ولا تخفى أهمّيّة دراسة مستقبليّات العلم؛ لأنّها تمنح بصيرةً ثاقبةً تُمكّن العاملين في مجال ذلك العلم من الاستجابة لتحدّيات المستقبل، والاستعداد لمواجهة كلّ القضايا والتساؤلات المتوقّعة، والتخطيط للتعامل مع التحوّلات والتبدّلات المنتظرة على جميع الأصعدة.
تُواجه محاولات استردادات الفترات التاريخيّة لأيّ علم من العلوم الإسلاميّة عمومًا، وعلم الكلام خصوصًا، صعوبات جمّة، يمكن أن نذكر منها:
ندرة المصادر، وشحّة المصنّفات في هذا المجال؛ ما يكشف عن قلّة الباحثين المهتمّين بتاريخ العلوم في نطاق العلوم الإسلاميّة. وفي الحقيقة، يُمثّل هذا الإهمال لتاريخ العلوم، والدراسات التحليليّة النقديّة لمسارها ومآلها عائقًا من عوائق تطوّر هذه العلوم، ودافعًا للنزوع نحو الجمود والمحافظة على السائد، بل للدفاع عن الماضي الذي يغدو مقدَّسًا لا يمكن المساس به؛ لأنّه مع غياب التاريخ، والوعي التاريخيّ بمسار العلم، تشرئبّ الأعناق دائمًا إلى محطّات العلم الأولى، وتشخص الأبصار دومًا إلى جيل المؤسّسين، بقطع النّظر عن ضرورات المرحلة، ومتطلّبات العصر، ومنطق تطوّر الزمن.
وفي الواقع، تسهم دراسة تاريخ العلوم، والتعرّف على أهمّ المراحل التي قطعتها، والتحوّلات المعرفيّة والمنهجيّة التي شهدتها، في دفع عمليّة نموّ هذه
(14)
العلوم وتقدّمها أكثر فأكثر؛ فهي تعمّق في وعي الباحث وشعوره أنّ العلم، ومساره، ومصيره، لا يقف عند عَلمٍ من الأعلام، ولا يتجمّد عند مصنَّفٍ من المصنَّفات، ولا قداسة لحقبة مقابل حقبة أخرى، فحركة العلم لا يمكن أن تخبو؛ فهي في نموّ وتكامل مستمرّين ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾(يوسف: 76).
صعوبة التشخيص الدقيق للمنعطفات التي عرفها تاريخ العلم، فعلم الكلام لم يعرف تقدّمًا تصاعديًّا مطّردًا، كما تُوحي بعض القراءات ذات النزعة التطوّريّة، فالواقعيّة العلميّة والموضوعيّة تفرض علينا أن نعترف أنّ المنحى شهد تطوّرًا، وازدهارًا، كما عرف نكسات موضعيّة، ومن هنا يتوجّب التمييز بين مختلف المنحنيات الصعوديّة، والنزوليّة، في الرسم البيانيّ لمسار العلم.
لا يخفى أنّ انتماء المتكلّم يمثّل عائقًا أمام التجرّد والموضوعيّة في تنقيحه لمسائل العقيدة والاعتقاد. وفي تاريخ الكلام نواجه المشكلة نفسها، فهذه البحوث والدّراسات حول تطوّر علم الكلام -على قلّتها- تنفعل بشدّة بولاء الباحث، وانتمائه العقائديّ، فـابن خلدون (732-808هـ) مثلًا حينما يتحدّث عن تاريخ هذا العلم، يُلغي جهود وتاريخ كلّ ما سوى الأشاعرة، والسلفيّة، عمومًا؛ ويتحوّل تاريخ علم الكلام إلى تاريخ مذهب بعينه. وهذا محمّد عبد الكريم الشهرستاني (467-548هـ) الذي أخذ على نفسه في مقدّمة كتابه الملل والنحل أن ينقل آراء الفرق من مصادرها، ينقلب على نفسه في طيّات الكتاب: فينسب ما هو مشهور وسائد للكثير من الفرق والمذاهب. وهذا الداء للأسف لا يسري فقط في التاريخ العام، بل نجده أيضًا في التاريخ الخاصّ، حيث كثيرًا ما يمثّل الانتماء لمدرسة ما، أو فئة داخل المذهب الواحد، تحدّيًا لموضوعيّة الباحث وتجرّده العلميّ.
ما اكتنف تاريخ الشيعة من التباس وخلط بسبب الظروف السياسيّة التي عاشوها، فهم في جلّ تاريخنا الإسلاميّ كانوا قوّة معارضةً للسلطة والدولة القائمة، والتاريخ عادة تكتبه السلطة، أو من يدور في فلكها على الأقلّ؛ ولذا يمكن القول إنّ القراءة السائدة للأحداث والوقائع في عصر ما، هي رؤية الدولة السائدة في ذلك العصر في الغالب، ومؤرّخوها هم صانعو القراءة الرسميّة لكلّ ذلك.
هذه العقبة يُواجهها المؤرخ المنصف في محاولات وصوله إلى حقائق التاريخ العامّ للشيعة، وأئمّتهم، وفرقهم. وكذلك تواجهنا هذه المشكلة ونحن نؤرّخ لعلومهم، وعلمائهم... .
نتيجة للعوامل السابقة، شكّلت القراءات المتداولة بنفسها عائقًا للوصول إلى الحقيقة، فالعديد من هذه المحاولات تغلب عليها العموميّة، وبعضها الآخر تطرّف، فنسب كلّ العلوم إلى الشيعة، ورّبما سفّه أو بخّس أدوار مذاهب المسلمين الآخرين. وبالمقابل، عمّقت القراءة الإسلاميّة الرسميّة نظرتها للشيعة، (وعمومًا المذاهب غير السنيّة) كحاشية ضالّة عن النصّ الأصليّ! بل انحراف عن إسلام الأمّة! وهذا مدْعاة لغبن تاريخ الشيعة وتاريخ علومهم وعلمائهم في مختلف المجالات.
بالعودة إلى المكتبة الكلاميّة، نرصد محاولات عديدة لتحقيب أطوار تاريخ الكلام الإماميّ، ولكنّنا نعرض بعضها قبل تقديم الرؤية المتبنّاة. والحرص على تعريف القارئ ببعض هذه المحاولات، فيه تأكيد على اجتهاديّة المسألة، وأنّ الدّراسات التاريخيّة في موضوع أدوار الكلام الإماميّ، ورغم كلّ الجهود المحترمة التي بذلها المختصّون، والمهتمّون، ما زالت ميدانًا خصبًا لمزيد من البحوث والدّراسات.
ما ذكره الشيخ السبحانيّ في موسوعته: طبقات المتكلّمين، والتي ضمّن جزءها الأوّل قراءته في تقسيم عصور الكلام الإماميّ:
ففي بحثه المعنون المراحل الأربع التي مرّ بها الكلام الإماميّ، يقسّم أدوار الكلام الإماميّ إلى أربع مراحل: المرحلة الأولى والثانية المتواكبتان (هكذا يصفهما الشيخ السبحاني)، ويُبرز لهما عنوانًا موحّدًا، ويصف طبيعة هاتين المرحلتين قائلًا: «إنّ الشيعة الإماميّة منذ عصر الإماميّن الباقر والصادق عليهالسلام إلى عصر الشيخ المفيد كانوا على منهجين متقاربين لا متضادّين:
ـ منهج جمع الحديث وتدوينه مجرّدًا عن التعمّق والتمحيص إلاّ قليلًا.
ـ منهج تدوين الحديث مع تمحيص السنّة الصحيحة عن الموضوعة.
ويعتبر الشيخ أنّ وضع الطائفتين استمرّ على ذينك المنهجين، إلى أن وصل دور الرئاسة إلى الشيخ المفيد، فأطفأ ثورة الطائفة الأولى وقلع فكرة الجمود على النقل من دون تمحيص ونظر».
ويقول إنّ قم والري هما مركزاً عاصمة الاتّجاه الأوّل، كما كانت الكوفة وبغداد مركزي الاتّجاه الثاني.
ويُسمّي بعض أعلام الكلام من هذين الاتجاهين. فمن الاتجاه الأوّل يذكر: سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعريّ (ت301هـ)، سهل بن زياد (ت255هـ)، محمّد بن الحسن الصفّار (ت290هـ)، أحمد بن خالد البرقيّ (ت274هـ)، أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه القمّيّ (الصدوق) (ت381هـ). ومن أعلام الاتجاه الثاني سمّى: زرارة بن أعين، يونس بن عبد الرحمان، الفضل بن شاذان، محمّد بن حسن النوبختي (ت310هـ)، محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد (ت413هـ).
- المرحلة الثالثة: تجديد المنهج الحديثيّ: حسم الشيخ المفيد النزاع بين الاتجاهين السابقين عندما انتهت إليه رئاسة الإماميّة في الكلام والفقه،
ويرى الشيخ أنّ المفيد قد جمع أصحاب المنهجين على مائدةٍ واحدةٍ بتأليف كتابين: أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، وكتاب تصحيح الاعتقاد.
ويصف جهد المفيد ونتائجه على مسار الكلام الإماميّ قائلًا: «وقد علّق على عقائد الإماميّة للصدوق، وأثبت أنّه ليس من عقائد الإماميّة وإنّما هو نتيجة استخراجه من أخبار الآحاد. وبما أنّ الشيخ ربّى جيلًا عظيمًا كالشريفين المرتضى والرضيّ، والشيخ الطوسي، والكراجكي، والديلمي، وغيرهم، فقد أخذ تلامذة الشيخ زمام البحوث بعد رحيله، وجمعوا الإماميّة على أصول موحّدة، ولم ينجم بينهم خلافٌ معتبر إلى أن ظهرت الحركة الأخباريّة».
ويتحدّث الشيخ السبحاني عن معالم هذه المرحلة: «وعلى كلّ تقدير فقد تأثّرت الأوساط العلميّة بالتيّار الأخباريّ وذاع صيته، وكثر أتباعه، وهم بين متطرّف -كمؤسّسة- (يقصد الشيخ محمّد أمين الاسترآبادي (1036هـ)) يطعن على العلماء، ومعتدل يحترم المخالف. ومن أصول ذلك المنهج: نفي حجّيّة حكم العقل في المسائل الأصوليّة، عدم الملازمة بين حكم العقل وحكم النقل، وادعاء قطعيّة صدور أحاديث الكتب الأربعة، وأنّه عند التعارض يؤخذ بالنقل».
وبرز من هذه المدرسة نخبة من المحدّثين، كالمجلسي الأب (ت1070هـ)، والمجلسي الابن (ت1010هـ) صاحب البحار، والفيض الكاشاني (ت1091هـ)، والحرّ العامليّ (ت1104هـ).
- العصر الرابع: إحياء المنهج العقليّ
يتماهى الشيخ السبحاني هنا مع ما يقوله الأصوليّون ومؤرّخو تاريخ علم الأصول من أنّ المحقّق وحيد الدين البهبهاني (1118-1206هـ) هو الذي كسر شوكة التيّار الأخباريّ، وأعاد للعقل مكانته في البحوث العقليّة الأصوليّة منها والعقائديّة: «أصبح المحقّق البهبهاني رائد الحركة الفكريّة في النصف
الثاني من القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر، ثمّ قاد هذه الحركة لفيفٌ من تلامذته وتلامذة تلامذته، الأمر الذي مكّن من إعادة اعتبار العقل إلى الساحة في مجال الاستنباط والمعارف العقليّة؛ ولذلك ترى ما ألّف حول المسائل الكلاميّة يختلف عمقًا واعتبارًا عمّا ألّف في عهد المجلسيين أو قبلهما أو بعدهما».
وبالخلاصة يبدأ تاريخ علم الكلام عند الشيخ السبحانيّ، وحسب هذا التقسيم من عصر الإمام الصادق عليهالسلام، ولكنّها بداية متأخّرة في تاريخ هذا العلم، حيث سنؤكّد فيما يأتي على تجذّر بذور هذا العلم من لحظة نزول القرآن الكريم، وأنّ عصر التأسيس يبدأ من العصر النبويّ ويمتدّ إلى نهاية عصور الأئمّة، مرورًا بعصر الإمام الصادق عليهالسلام، على تفصيل في محلّه... .
التحقيب الذي ذكره السيّد حسن طالقاني في كتابه تاريخ علم الكلام، وفيه خمس مراحل:
أوّلًا: حقبة الجذور والبراعم الأولى: مدرسة المدينة
ثانيًا: حقبة التنظير: مدرسة الكوفة الكلاميّة
ثالثًا: حقبة تشكّل الجوامع الكلاميّة، وفيها:
أ. مدرسة قم الكلاميّة
ب. مدرسة الري الكلاميّة
ج. مدرسة الحلّة الكلاميّة
رابعًا : حقبة الركود والانحطاط: مدرسة أصفهان الكلاميّة
خامسًا: المرحلة المعاصرة
وفي تفصيله لمعالم هذه المراحل، وشخصيّاتها، وأهمّ مصنّفاتها، والتحوّلات المعرفيّة والمنهجيّة، سعى الكاتب أن يُحيط بأهمّ النقلات الكبرى التي عرفها تاريخ الكلام الإماميّ وانتقال عاصمته من المدينة إلى مدرسة الكوفة، فمدرسة قم، فمدرسة بغداد، فالريّ، ثمّ مدرسة أصفهان.
وهذا التقسيم لم يغفل عن محطّتين مهمّتين: البدايات الأولى لعلم الكلام من جهة، والتاريخ الراهن من جهة أخرى. فتحدّث عن بواكير القضايا الكلاميّة في حقبة الجذور، وكذلك خصّص حقبة للراهن الكلاميّ.
لكنّه في حديثه عن جذور المسائل الكلاميّة، أرجعها إلى ما بعد وفاة رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم ، والحوادث والأسئلة التي واجهتها الأمّة، وفي هذا القول نظر وتأمّل!
ولا يُخفي الكاتب اعتماده بالأساس في التحقيب العام لتاريخ الكلام (بقطع النظر عن الخصوصيّة المذهبيّة) على تقسيم الشيخ محمّد تقي السبحاني؛ حيث حاول الأخير أن يضع إطارًا عامًّا لتاريخ الكلام يقوم على أربع مراحل:
1. مرحلة الأصالة والاستقلال
2. مرحلة المنافسة والاختلاط
3. مرحلة الإدغام والاستحالة
4. مرحلة الإحياء والتجديد
وفي ذلك ما لا يخفى على القارئ اللبيب: فمن الصعوبة بمكان ونتيجة المسارات المختلفة للفرق الإسلاميّة، وتباين منحنيات صعودها وتطوّرها، وتضعضعها وانحدارها، التي تختلف من مدرسة إلى أخرى بشكل فاقع، فكيف نؤرخ لكلام الإماميّة انطلاقًا من إطار عام كليّ وشامل؟ ففي ذلك تأمّل!!
انطلاقًا من الإشكالات الواردة على النماذج المذكورة، يُقترح التحقيب الآتي، الذي لا ندّعي كماله، وخلوّه من العيوب، فيصعب علميًّا أن نجد تحقيبًا دقيقًا خاليًا من أيّ إشكال أو هنات، ولكنّنا ندّعي أنّه الأنسب لمنطق تاريح هذا العلم، والرؤية الإماميّة الخاصّة، وهو يقسّم تاريخ كلام الإماميّة إلى ثمان مراحل:
المرحلة الأولى: عصر التأسيس القرآنيّ والنبويّ
المرحلة الثانية: عصر الأئمّة الأوّل: من الإمام عليّ عليهالسلام إلى الإمام الصادق عليهالسلام
المرحلة الثالثة: عصر الأئمّة الثاني: من الإمام الكاظم عليهالسلام إلى نهاية الغيبة الصغرى
المرحلة الرابعة: مرحلة النضج العلميّ: من بداية الغيبة الكبرى إلى نهاية القرن السادس للهجرة
المرحلة الخامسة: مرحلة الكلام الفلسفيّ من بداية القرن السابع إلى
نهايات القرن العاشر
المرحلة السادسة: العصر الأخباريّ (القرن 11 و12)
المرحلة السابعة: عصر الإصلاح الدينيّ (ق 13 و 14)
المرحلة الثامنة: العصر الراهن (من منتصف القرن الماضي إلى اليوم)
في هذا المبحث، نستعرض هذه العصور التاريخيّة لعلم الكلام، من التأسيس إلى واقع علم الكلام اليوم، في قراءةٍ تحليليّةٍ لهذه المراحل، تحاول استكشاف الملامح العامّة في كلّ عصر، وأهمّ الإنجازات التي تحقّقت، والقضايا التي طُرحت وتبلورت، والمسار العام للعلم صعودًا أو نزولًا، تقدّمًا أو تراجعًا.
في تاريخ علم الكلام تقف أمام اتّجاهين رئيسين: يُفسّر الأوّل ظاهرة الكلام والجدل في القضايا العقائديّة على أساس أنّها حالة انفعال وتأثّر بالفلسفة والأديان الأخرى (المسيحيّة واليهودية خاصّة)، واتجاه آخر يدافع عن «أصالة علم الكلام» وتجذّره في البيئة الثقافيّة الإسلاميّة، مع عدم إنكار العوامل الأخرى كمؤثّراتٍ رديفة.
ومن الذين تأثّروا بالرأي الأوّل، من عدّ الكلام خروجًا عن طابع الالتزام الدينيّ بالنّصّ وبالمأثور، واعتبروه شكلًا من أشكال الانحراف عن جوهر الدين، كجلّ أهل الحديث وبعض الفقهاء الذين رفضوا علم الكلام وصنّفوا مصنّفات في ذمّ المتكلّمين واختلافاتهم، والنهي والتحذير من صناعة الكلام.
والحديث عن عصر التأسيس القرآنيّ والنبويّ ينسجم مع الرأي الأوّل المنافح عن تأصّل الكلام في بيئته النصّيّة وفضائه القرآنيّ والنبويّ؛ فالقرآن الكريم بما حواه من حقائق عقائديّة أساسيّة وتفاصيل مهمّة حول الرؤية التوحيديّة كان منطلق البحث الكلاميّ، بل يمكن القول إنّ لحظة نزول القرآن الكريم تمثّل
لحظة التأسيس، خاصّة مع الالتفات للدلالات الحضاريّة المهمّة للآيات الأولى من سورة العلق باكورة الوحي، والتي تؤسّس لمنهجٍ حياتيٍّ جديد، على قاعدة عقائديّة فريدة تجمع بين الغيب والشهادة؛ بين المادّة والروح؛ بين الطبيعة والوحي.
إنّ الدلالات التأسيسيّة للآيات الأولى من سورة العلق، تكشف الأبعاد العقديّة للبيان القرآنيّ الأوّل وخطورته في سياق الإعلام الإلهيّ ببداية الرسالة الإسلاميّة، وانطلاق النبوّة المحمّديّة. وقد حاول بعض المفكرين استكشاف الدلالات التأسيسية لهذه الآيات وأبعاد تلك الدلالات على التعريف بهوية الرسالة الإسلاميّة والرؤية القرآنيّة، وبقطع النظر عن مدى إصابة هذه المحاولات لتصيّد هذه الدلالات والأبعاد، فإنّه من الواضح أنّ هذه الآيات الأولى من سورة العلق تؤسّس لرؤية حضاريّة جديدة تلخّص بالإجمال هويّة الدعوة ورسالة القرآن، رؤية حضاريّة تقوم على الجمع بين الغيب والشهادة؛ بين الطبيعة، وما وراء الطبيعة؛ بين العقل، والوحي؛... رؤية تؤسّس لتعادليّة وتكامليّة تنقذ الإنسان والبشريّة عمومًا من حدّي الإفراط والتفريط، من الغلواء في الانتماء للطبيعة بمعزل عن الغيب، ومن التطرّف في الانتماء للنسبيّ مقابل الانتماء للمطلق... .
إنّ هذه الإشكاليّة الجوهريّة في فلسفة الحضارات هي فحوى منطوق تلك الآيات الأولى التي منحت الدعوة والأمّة الإسلاميّة هويّتها الحضاريّة المتميّزة مقابل سائر الحضارات التي فشلت في تحقيق هذه الوسطيّة بمعنى من معانيها ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾(البقرة: 143).
ومن هنا، وجد المسلمون في القرآن الكريم منهج الاهتداء الكوني والوجودي، كما وجدوا أصول رؤاهم العقائديّة حول الألوهيّة، والعالم، والإنسان، والنبوةّ، والجزاء...إلخ.
ولمّا كان القرآن في هويّته المتشخّصة كتاب هداية: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي
أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾(البقرة: 185).
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾(الإسراء: 9).
﴿فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾(النمل: 92).
احتلّت أصول الدين، وقضايا العقيدة المساحة الأعظم فيه، حتى إنّ السيّد الطباطبائي في مقدّمة تفسيره استعرض -حسب تقسيمه- المعارف القرآنيّة، فجعلها ثمانية أقسام: ستّة منها تعود إلى السؤال العقيديّ، وقسم يرتبط بالأخلاق الحسنة والقبيحة للإنسان، وقسم ثامن يتعلّق بالسؤال الفقهيّ وآيات الأحكام. وبيّن عناوين الأقسام الستة الأولى كالآتي: المعارف المتعلّقة بأسماء اللّه وصفاته، والمعارف المتعلّقة بأفعال اللّه (الخلق، الأمر، الإرادة، المشيئة، الهداية...) والمعارف المتعلّقة بالوسائط بين الإنسان والباري تعالى (اللوح، والقلم، والعرش، والملائكة...)، والمعارف المتعلّقة بالإنسان قبل الدنيا والنشأة الأولى، والمعارف المتعلّقة بالإنسان في الحياة الدنيا (كخلق الإنسان، ومعرفة الذات، والنبوّة والرسالة، والوحي، والإلهام، والكتاب،...) وأخيرًا المعارف المتعلّقة بالإنسان بعد الدنيا (البرزخ، المعاد، الجنّة، النار...)، ولا نعرف كتابًا سماويًّا كالقرآن حوى تفاصيل المعاد والجزاء الأخرويّ ومنازل الآخرة.
وحوى القرآن الكريم أيضًا إبطال حجج الدهريّين، ومناظرات المشركين والمعاندين، كما لا يخلو من محاججة وردود على أهل الكتاب من نصارى، ويهود، وصابئة، وأتباع الأديان الأخرى. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾(الحج: 178).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(البقرة: 62).
وفي القرآن دعوة للحوار مع أهل الكتاب والاجتماع على كلمة: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّه﴾(آل عمران: 64). كما ردّ القرآن على الدهريّين الذين زعموا ألّا يهلكهم إلّا الدهر مدّعين أنّ العالم موجود بنفسه لا بخالق: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾(الجاثية: 24).
وتوجد شواهد أخرى على ما ندّعي في المضامين القرآنيّة، لعلّ من أبرزها: مئات الآيات الداعية للتفكّر والتعقّل والسير في الأرض، ونبذ إهمال طاقات الفطرة والعقل، والاستكانة لموروث الآباء والأجداد، واستعراض كلّ تلك الشواهد يُخرجنا عن حدود المقالة، أمّا من جهة الشكل، فهناك مؤيّدات أيضًا، منها: اعتماد القرآن أساليب الاستدلالات المنطقيّة، وأقيستها القريبة من الفطرة والسليقة العرفيّة، كما نلاحظ اعتماد القرآن أسلوب الآيات المتشابهات، وعدم إحكام جميع آياته، وهذا كان داعيًا للتفكير والبحث والتنقيب للوصول إلى معاني تلك الآيات، أو لتحديد المنهج المناسب للتعاطي معها، فالمتشابهات كانت من المحفّزات المهمّة للعقل الكلاميّ، ومن هنا يتراءى لنا الجدل المستمرّ حول أفعال الإنسان بين الجبر والتفويض، والصفات الإلهيّة بين التنزيه والتشبيه والتعطيل... .
فالقرآن إذن هو حضن الكلام، وما عرضناه ليس سوى شواهد ومؤيّدات لهذه الحقيقة البديهيّة والتي لا تخصّ الكلام فقط، بل تعمّ جميع العلوم الإسلاميّة: «فالقرآن أصل العلوم كلّها، فعلم الكلام كلّه في القرآن، وعلم الفقه مأخوذ من القرآن، وكذا علم أصول الفقه، وعلم النحو واللغة وعلم الزهد في الدنيا، وأخبار الآخرة واستعمال مكارم الأخلاق».
من المنطقيّ أن تكون لسيرة النبيّ صلىاللهعليهوآله وسنّته أدوارٌ أساسيّة في بناء المعرفة الدينيّة، وعموم العلوم الإسلاميّة، فسنّته مع النصّ القرآنيّ شكّلا المحور الذي تدور مداره هذه العلوم.
وسيرة النبي الفعليّة، منحت العقل المسلم الكثير من المحدّدات والضوابط على مستوى العقيدة والرؤية الكونيّة، والتشريع والتقنين، والأخلاق والسلوك. يقول الشهيد مطهّري داعمًا هذه الرؤية: «إنّ البحوث الاستدلاليّة في الإسلام بدأت مع نزول آيات القرآن الكريم وتفسيرها بالسنّة النبويّة وخطب أمير المؤمنين عليهالسلام سوى أنّ أسلوب البحث حولها كان يختلف عن الأسلوب الذي سلكه المتكلّمون من المسلمين [فيما بعد]».
ومقاربة تأثير سنّة النبيّ صلىاللهعليهوآله وسيرته في المجال الكلاميّ بشكل مختصر يتناسب مع طبيعة هذا البحث، حيث تقودنا إلى جملة من الأدوار والمهام التي أدّاها النبيّ صلىاللهعليهوآله على هذا الصعيد العقيديّ:
أ. التبشير بالرؤية الكونيّة العقديّة وتأسيس الرسالة على التوحيد: «قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا»وأسّس بذلك الاستراتيجيّة العقديّة لأمّة الإسلام متسلّحًا بالمنطق القرآنيّ: بثّ الوعي الكونيّ الجديد.
ب. إنقاذ الناس من تيه الضلال وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
ج. بيان أصول المعتقدات: الروايات التي فصّلت آيات القرآن كانت سند الكثيرين في تفسير مسائل التوحيد والقدر والصفات، كما أنّ الأحاديث حول صفاته تعالى (الصفات الخبريّة) اعتمدها بعض المتكلّمين، وفهمها بطريقته لينسب إلى اللّه النزول، والرؤية البصريّة يوم القيامة... وضع الرِّجل في النار... إلخ.
ودون الخوض في هذه التفاصيل، يمكن القول إنّ الحديث شكّل المرجعيّة الثانية للمتكلّمين في تنقيح قضايا الكلام وأدلّته.
د. إبطال عقائد المشركين والكفّار والدهريّين على النهج القرآنيّ، وهذا ما تُخبرنا به كتب السيرة النبويّة، وروايات النبيّ صلىاللهعليهوآله.
هـ. مناظرة أهل الكتاب وأتباع الأديان الأخرى وتنظيم العلاقات معهم، فسيرته في هذا المقام شكّلت تأسيسًا تشريعيًّا لأصول العلاقات مع الأديان الأخرى، وهنا يمكن اعتبار وثيقة المدينة نموذجًا لعقد اجتماعيّ نبويّ حكم أطراف مجتمع المدينة من مسلمين، وأهل كتاب،... .
و. الإخبار عن مستقبل الأمّة ومستقبل الدين: فالروايات عن الملاحم والفتن، وعن افتراق الأمّة من بعده، وعن أحداث آخر الزمان وملاحمه، وعن ظهور المهديّ عليهالسلام وقيام المجتمع العادل الذي تسود فيه قيم الحقّ والعدل. شكّلت تلك الروايات منطلقات الجدل الفرقيّ، والانقسامات المذهبيّة (ستفترق أمّتي... وروايات المستقبل الموعود... والمهديّ المنتظر عليهالسلام).
ز. التأسيس لإمامة عليّ عليهالسلام، بما هو الامتداد الطبيعيّ لنبوّة النبيّ محمّد صلىاللهعليهوآله، وترسيخ مكانة أهل البيت عليهمالسلام في الأمّة (التخطيط لمستقبل الرسالة وتنصيب الإمام)، وهذا دور خطير أدّاه النبيّ صلىاللهعليهوآله.
وكلّ هذه الأدوار بحاجة إلى بحوث قائمة بذاتها، وإلى دراسات مفصّلة، لكنّنا سنكتفي بدور الرسول صلىاللهعليهوآله في التأسيس لإمامة عليّ عليهالسلام وانبثاق التشيّع، باعتبار أنّ هذه الدراسة هي تحقيب لتاريخ كلام الإماميّة بالخصوص، فلا بدّ من الوقوف على موقف النبيّ صلىاللهعليهوآله ودوره في بعث هذا الامتداد العلويّ لرسالته في التاريخ.
اقترن التشيّع في جذوره الأولى بموالاة الإمام علي عليهالسلام والاعتقاد بإمامته وإمامة أولاده، وهذا الولاء لعليّ عليهالسلام أوّل من زرع بذرته في المجتمع المسلم هو النبيّ صلىاللهعليهوآله، ففي العديد من الروايات يدعو لمحبّته، ويُبشّر محبّيه
بالجنّة ومبغضيه بالنار، كما تواتر عن النبيّ صلىاللهعليهوآله أحاديث كثيرة في التوصية بأهل بيته عليهمالسلام.
ولكن التاريخ ينبئنا أنّ قلّةً قليلةً من الأصحاب عملوا بوصيّة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، ونكثت الأغلبيّة هذه العهود وهذه الجهود التي بذلها الرسول ليوطّد الأمر من بعده لعليّ عليهالسلام دون عقبات وعوائق، حيث توّج جهوده المباركة بالبيعة الكبرى لعليّ عليهالسلام في غدير خم؛ حيث بايعت الوفود الآئبة من حجّة الوداع في مفترق طرق القبائل عليًّا عليهالسلام على الإمرة والطاعة.
ولكن الأحداث أخذت مجرًى آخر بعد وفاة الرسول صلىاللهعليهوآله، ولم يرَ بعض الصحابة بأسًا في (الاجتهاد مقابل النصّ) كما هو ديدنهم دائمًا.
وهنا تتجلّى خطورة هذه النزعة لدى بعض الأصحاب في الاعتراض والردّ على النصوص، والأوامر الواضحة الصادرة من النبيّ، إلى أن بلغت هذه النزعة أوجها بُعيْد وفاة النبيّ، بالاجتهاد أيضًا، في إيجاد بديل لخلافة علي عليهالسلام بحجج شتّى تُضحك الثكلى، فنّدها أنصار عليّ عليهالسلام وأصحابه.
وهذه القراءة الواقعيّة التي تؤيّدها الشواهد الروائيّة والتاريخيّة أفضل ردّ على تلك الطروحات الشاذّة التي حاولت أن تفسّر التشيّع كحالة طارئةٍ على المجتمع المسلم، وفكرة دخيلة على أمّة الإسلام، في الوقت الذي رسّخ القرآن والنبيّ الأعظم صلىاللهعليهوآله مقولة الإمامة، وإمامة علي عليهالسلام بالذّات، وقيادة أهل البيت عليهمالسلام للمجتمع المسلم.
فبعض هؤلاء أرجع التشيع إلى أحداث السقيفة وما أعقبها، والبعض الآخر أحاله إلى زمن خلافة أمير المؤمنين عليهالسلام، وثالث إلى واقعة كربلاء، ورابع إلى زمن الثورة على عثمان، ونسبه آخرون إلى عبد اللّه بن سبأ... وهذه القراءات وإن تباينت في تحديد بداية النشأة، لكنّها تلتقي في النّظر إلى التشيّع كحالةٍ طارئةٍ على المجتمع، وأنّه «مذهب أقليّة» تشكّل ليتمايز عن جمهور المسلمين، حاله في هذا الشأن كحال المرجئة والخوارج، والقدريّة... .
وتمسّك الجمهور في صراعهم المذهبيّ بهذه الأطروحات في نشأة التشيع، ليؤكّدوا أنّهم يمثّلون الإسلام في أصالته، وأنّهم عنوان الفرقة الناجية، وأنّ الشيعة ليسوا سوى فرقة شاذة وضالة شأنهم شأن الخوارج والباطنيّة وسائر الفرق المنحرفة!
وهنا تنقلب الحقائق عند هؤلاء، فيغدو الامتداد الطبيعيّ للإسلام، والتخطيط الإلهيّ لمستقبل الدعوة كما بشّر وأوصى به النبيّ صلىاللهعليهوآله في حياته، وحرص على الأمّة أن تتمسّك به وتنفّذه بعد رحيله، يغدو ذلك هو الانحراف! والاجتهادات في نصب قيادة جديدة وتأسيس مسارات بعيدة كلّ البعد عن هدى الوحي ومقتضيات الإمامة الإلهيّة هي الأصل! بل هي الإسلام الرسميّ!
وتغدو تلك الاجتهادات البعيدة، وما توالد منها من رؤى في القيادة، والفقه، والعقيدة، هي القراءة الرسميّة للدين!
جاء في أصل الشيعة وأصولها: «أوّل من زرع بذرة التشيّع في حقل الإسلام هو صاحب الشريعة الإسلاميّة، أي إنّ بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنبًا إلى جنب، ولم يزل باذرها يتعهّدها، حتّى نمت وأزهرت في حياته، وأثمرت بعد وفاته، [ثمّ يسرد] ما رواه السيوطيّ في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾(البينة: 7). قال أخرج بن عساكر عن جابر بن عبد اللّه قال: كنّا عند النبيّ صلىاللهعليهوآله فأقبل عليّ عليهالسلام ، فقال النبيّ صلىاللهعليهوآله:«والذي نَفسي بيدِه، إِنَّ هَذَا وَ شِيعَتَهُ هُمُ الْفَائِزُونَ يَوْمَ الْقِيَامَة»، وأخرج بن عدي عن ابن العبّاس قال: لمّا نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...﴾ قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لعليّ عليهالسلام:«أَنْتَ وَ شِيعَتُكَ يوم القيامة راضون مرضيّون.» وفي نهاية ابن الأثير، ما نصّه في مادّة قمح في حديث عليّ عليهالسلام قال له رسول اللّه صلىاللهعليهوآله : «سَتَقْدَمُ أَنْتَ وَ شِيعَتُكَ عَلَى اللَّهِ رَاضِينَ مَرْضِيِّينَ، وَ يَقْدَمُ عَدُوُّكَ غِضَاباً مُقْمَحِينَ" ثُمَّ جَمَعَ يَدَهُ عَلَى عُنُقِهِ يُرِيهِمْ كَيْفَ الْإِقْمَاح».
وفي كتابه أعيان الشيعة، يُؤيّد علّامة بلاد الشام هذه القراءة ويسوق لها
الشواهد والأدلّة التاريخيّة، جازمًا أنّ التشيّع نشأ منذ زمن الرسول صلىاللهعليهوآله، وفنّد شبهات وأباطيل القدامى والمحدثين من الخصوم الذين سعوا لنسبة التشيّع إلى المذاهب المبتدعة، فمرّة ينسبونه إلى الفرس، وأخرى إلى مؤامرة يهوديّة على يد عبد اللّه بن سبأ، وثالثة إلى الغلاة... وأثبت أصالة التشيّع وتجذّره في بيئة الدعوة الأولى وبمحضر النبيّ صلىاللهعليهوآله، بل يعتبر النبي صلىاللهعليهوآله هو أوّل من أطلق هذه التسمية.
وحديثنا عن دور النبيّ صلىاللهعليهوآله، في توطيد أرضيّة الولاء لأمير المؤمنين عليهالسلام، يُعدّ من الواضحات لمن امتلك أدنى مراتب الوعي التاريخيّ ودرس نواميس التاريخ وسنن الأنبياء عليهمالسلام، فالوصاية سنّة من سنن الأنبياء، وعبر التاريخ كان لكلّ نبيّ من الأنبياء عليهمالسلام من يعهد إليه استكمال المسيرة وقيادة الأمم من بعده.
ولا يظنّ أحد أنّ الأمر بدعةٌ؛ فكلّ الرسالات العقائديّة الدينيّة السماويّة منها، والوضعيّة أيضًا، تفكّر في مصيرها وفي غدها، وتخطّط لمستقبلها عبر مسارات تشرّعها، أو قيادة تنصّبها، أو مناهج قياديّة تطرحها. وكلّ النبوّات السابقة امتدّت بعد صاحب الرسالة عبر أوصياء يستكملون سيرته، فكيف بنبيّ الإسلام، خاتم الأنبياء ومتوّج كلّ الرسالات السماويّة، وقد ظلّت رسالته العالميّة محفوفة بالأخطار إلى نهاية عمره صلىاللهعليهوآله، حيث كان يتربّص بهذه الدولة الناشئة خطر الفرس والروم من الخارج، وخطر المنافقين من الداخل.
وهذا يفسّر لنا حرص النبي صلىاللهعليهوآله في آخر لحظات حياته الشريفة على إنفاذ جيش أسامة، جاعلًا تحت إمرته كبار الصحابة مثل: أبي بكر، عمر، عبد الرحمن بن عوف، أبو عبيدة بن الجرّاح، أُسيد بن خضير، وسعد بن عبادة.
وقد نصّ على ذلك أكثر من مؤرّخ.
كان الرسول صلىاللهعليهوآله يعلم علم اليقين أنّ الدين الجديد أمامه مهام عدّة وأدوار كبرى في مستقبله القريب، فلا بدّ حينئذ أن يعهد بالأمانة، التي تنوء بها الجبال لشخص أمين تربّى في حضنه، وتعهّده بنفسه برعاية خاصّة وإعداد مبكر، لا شكّ أنّه الإمام عليّ عليهالسلام ومن حوله أصفياؤه وحلفاؤه، كعمّار والمقداد وأبي ذرّ وسلمان، الذين تُحدّثنا كتب التاريخ عنهم في حبّهم وارتباطهم بالإمام عند حياة الرسول صلىاللهعليهوآله. فقد روى سلمان رضياللهعنه حوله: «بايعنا رسول اللّه على النصرة للمسلمين والائتمام بعليّ بن أبي طالب عليهالسلام والموالاة له».
وفي سيرة الرسول صلىاللهعليهوآله واقعةٌ بارزةٌ لها دلالات مهمّة على صعيد الدور النبويّ في التأسيس للإمامة من بعده، وتأكيد منه أنّ الإمامة والوصاية على الرسالة هي من مقوّمات الدين، ومن مهام النبوّة الأولى ومسؤوليّاتها تجاه النّاس. وهذه الواقعة: هي اقتران الجهر بالدعوة وإنذار العشيرة، بالصدع بولاية علي عليهالسلام ووصايته: فعندما نزلت الآية القرآنيّة:﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾(الشعراء: 214) يُروى عن ابن العبّاس عن عليّ ابن أبي طالب عليهالسلام قال رحمهالله دعاني رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، فقال: « يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِيَ الْأَقْرَبِين...» فأعدّ الإمام علي عليهالسلام لهم الطعام والشراب كما أمر الرسول صلىاللهعليهوآله ، وبعد أن أكل القوم وشربوا همّ الرسول بالكلام فبدَره أبو لهب، فقال لقد سحركم صاحبكم، فتفرّق القوم ولم يكلّمهم رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قال: «الغد يا عليّ، إن هذا الرجل سبقني إلى الكلام...» وأعدّ علي عليهالسلام الطعام بمثل ما صنع، وبعد أن أكلوا تكلّم رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فقال: «َقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، َا أَعْلَمُ شَابّاً فِي الْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، وَ قَدْ أَمَرَنِي اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَيْهِ، فَأَيُّكُمْ يُؤَازِرُنِي
على هذا الأمر على أن َيَكُونَ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فيكم؟ قال: فألجم القوم عنها جميعًا، وقُلْتُ: وَ إِنِّي لَأَحْدَثُهُمْ سِنّاً، وَ أَرْمَصُهُمْ عَيْناً، وَ أَعْظَمُهُمْ بَطْناً، وَ أَحْمَشُهُمْ سَاقَا؛ أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكُونُ وَزِيرَكَ عَليه. فَأَخَذَ برقبتي ثُمَّ قَالَ: عَلِيٌّ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِيكُمْ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا. َ فَقَامَ الْقَوْمُ يَضْحَكُونَ وَ يَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَسْمَعَ لِابْنِكَ وَ تُطِيعَ.».
والظاهرة الثانية اللّافتة للانتباه في سيرة الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآله والمتعلّقة بالتأسيس للإمامة: استمرار النبيّ صلىاللهعليهوآله على تثبيت هذه العناوين الثلاثة التي جاءت في (إعلان الدار): «عَلِيٌّ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي فِيكُم فاسمعوا له وأطيعوا» واطّرد تنصيص الرسول صلىاللهعليهوآله على هذه الألقاب الثلاثة: أخي، ووصيّي، وخليفتي.
أمّا لقب «أخي» فركّزه النبيّ أكثر فأكثر عندما استأثر بالإمام عليّ عليهالسلام في المؤاخاة الأولى قبل الهجرة، وكذلك في المؤاخاة الثانية في المدينة عندما آخى بين المهاجرين والأنصار، تاركًا لنفسه عليًّا قائلًا: «يا عليّ أنت أخي في الدنيا والآخرة».
أمّا مفهوم الوصيّ، فقد ورد في عشرات النصوص، بل مئات، وهذا حال المفهوم الثالث (خليفتي)، فقد رسّخ الرسول هذا المفهوم في وقائع كثيرة بالمئات! وفي صيغ لفظيّة عديدة (خلفاء، خلفائي، خليفتي...)، ومن أعظم هذه الوقائع بيعة الغدير، والتي استُكملت بها دائرتا البداية والنهاية: بداية الدعوة ونهاية عصر النبوّة، بين إعلان الدار وبيعة الغدير.
وهكذا عمّقت النبوّة هذه المفاهيم الثلاثة التي أعلنتها أوّل الدعوة
وجذّرتـها طوال حياة الرسول صلىاللهعليهوآله وفي كثير من المواقف، تثبيتًا لعقول المسلمين ووجدانهم وإيمانهم لتقبّل القيادة المستقبليّة، ولكنّ المسلمين انقسموا اتّجاه هذا التخطيط النبويّ البديع لمستقبل الدعوة إلى اتّجاهين:
- الاتجاه الأوّل: تـمسّك بهذه النّصوص وعضّ عليها بالنواجذ ولم يتنازل عنها قيد أنمله.
- الاتجاه الثاني: يمثّله من رأوا مصلحة سياسيّة في تجاوز هذه النصوص وإقصاء الإمام عليّ عليهالسلام باعتبار الجوّ السياسيّ العامّ المضادّ وصغر سنّه، ونصبوا بدلًا عنه قيادة من عندهم، ولعلّهم كانوا يعتقدون أنّ «الخلافة» ومنصب القيادة هي من الأمور التي تقبل البـدليّة، كما هو شأن أمور عديدة في قضايا العبادات.
هذا هو جوهر الخلاف: فريق يتعبّد كلّيًّا بالنصوص ولا يسمح البتّه بتجاوزها، فالنص يتمتّع بالسلطة المطلقة على حركة الإنسان والمجتمع: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾(الأحزاب: 36). وفريق لا يرى للنصّ هذه القدسيّة والهيمنة على الحياة، ولا يمانع من مخالفته إن وجدت مصلحة ما، وعبّر الشهيد الصدر عن هذين الاتجاهين بقوله: «والاتجاهان الرئيسيّان اللذان رافقا نشوء الأمّة الإسلاميّة في حياة النبيّ صلىاللهعليهوآله منذُ البدء هما:
- الاتجاه الذي يؤمن بالتعبد بالديّن وتحكيمه والتسليم المطلق للنصّ الدينيّ في كـلّ جوانب الحياة.
- الاتجاه الذي لا يرى أنّ إيمانه بالدّين يتطلّب منه التعبّد إلّا في نطاق خاصٍّ من العبادات والغيبيّات ويؤمن بإمكانيّة الاجتهاد وتجاوز التصرّف على أساسه بالتغيير والتعديل في النّصّ الدينيّ وفقًا للمصالح في غير ذلك النطاق من مجالات الحياة».
ويؤكّد السيّد محمّد باقر الصدر قدسسره أصالة الاتّجاه الأوّل وضرورته في
التاريخ: «هكذا وُجد التشيّع في إطار الدعوة الإسلاميّة متمثّلًا في الأطروحة النبويّة التي وضعها النبيّ صلىاللهعليهوآله بأمر من اللّه للحفاظ على مستقبل الدعوة، وهكذا وجد التشيّع لا كظاهرة طارئة على مسرح الأحداث، بل كنتيجة ضروريّة لطبيعة تكوّن الدّعوة وحاجاتها وظروفها الأصليّة التي تفرض على الإسلام أن يلد التشيّع». لا بدّ أن يلده لأنّه استمراريّتهُ في الزمن واستطالته في التاريخ، فالتشيّع هو الامتداد العلويّ للإسلام المحمديّ؛ لأنّ عليًّا عليهالسلام وبالنصّ القرآنيّ هو نفس رسول اللّه، أي وجهه الآخر في التاريخ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾(آل عمران: 51).
بوفاة الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآله بدأ عصر الإمامة، الذي يعدّ في المنظور الشيعيّ امتدادًا لعصر النصّ، فسنّة الإمام (قوله وفعله وتقريره) حجّةٌ، كسنّة النبيّ صلىاللهعليهوآله . وموقع الإمامة ليس انتخابيًّا، كما توهّم الجمهور، فهو لا يُسلب عن الإمام حتى لو لم يُمكّن من أداء دوره السياسيّ والاجتماعيّ في قيادة النّاس وإدارة الدولة، فالإمام إمامٌ قام أو قعد، وهذا كلامٌ مستوحى من حديث رسول اللّه صلىاللهعليهوآله عن الحسن والحسين عليهماالسلام: « الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا».
حدّثنا عليّ بن أحمد [ابن محمّد]، عن محمّد بن موسى بن داود الدقّاق، عن الحسن بن أحمد بن الليث، عن محمّد بن حميد، عن يحيى بن أبي بكير قال: حدّثنا أبو العلاء الخفاف، عن أبي سعيد عقيصًا قال: قلت للحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهماالسلام: «يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَ دَاهَنْتَ مُعَاوِيَةَ وَ صَالَحْتَهُ وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَ الْحَقَّ لَكَ دُونَهُ وَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ ضَالٌّ بَاغٍ فَقَالَ يَا بَا سَعِيدٍ أَ لَسْتُ حُجَّةَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى خَلْقِهِ وَ إِمَاماً عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَبِي عليهالسلام قُلْتُ بَلَى قَالَ أَ لَسْتُ
الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآله لِي وَ لِأَخِي- الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ عليهماالسلام إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا قُلْتُ بَلَى قَالَ فَأَنَا إِذَنْ إِمَامٌ لَوْ قُمْتُ وَ أَنَا إِمَامٌ إِذَا قَعَدْتُ يَا بَا سَعِيدٍ عِلَّةُ مُصَالَحَتِي لِمُعَاوِيَةَ عِلَّةُ مُصَالَحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلىاللهعليهوآله لِبَنِي ضَمْرَةَ وَ بَنِي أَشْجَعَ وَ لِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ أُولَئِكَ كُفَّارٌ بِالتَّنْزِيلِ وَ مُعَاوِيَةُ وَ أَصْحَابُهُ كُفَّارٌ بِالتَّأْوِيلِ يَا بَا سَعِيدٍ إِذَا كُنْتُ إِمَاماً مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يجب [يَجُزْ] أَنْ يُسَفَّهَ رَأْيِي فِيمَا أَتَيْتُهُ مِنْ مُهَادَنَةٍ أَوْ مُحَارَبَةٍ وَ إِنْ كَانَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيمَا أَتَيْتُهُ مُلْتَبِساً أَ لَا تَرَى الْخَضِرَ ع لَمَّا خَرَقَ السَّفِينَةَ وَ قَتَلَ الْغُلَامَ وَ أَقَامَ الْجِدَارَ سَخِطَ مُوسَى عليهالسلام فِعْلَهُ- لِاشْتِبَاهِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ عَلَيْهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ فَرَضِيَ هَكَذَا أَنَا سَخِطْتُمْ عَلَيَّ بِجَهْلِكُمْ بِوَجْهِ الْحِكْمَةِ فِيهِ وَ لَوْ لَا مَا أَتَيْتُ لَمَا تُرِكَ مِنْ شِيعَتِنَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا قُتِل».
فمرجعيّة الإمام الدينيّة والفكريّة لا تتزعزع حتى لو أقصي من منصبه الزمنيّ وحيل بينه وبين إمامته السياسيّة، والوظائف الدينيّة للإمام هي الوظائف الدينيّة للنبيّ نفسها، فالأنبياء أنيطت بعهدتهم هذه المهمّة (هداية الناس) عن طريق الوحي من اللّه. أمّا الأئمّة، فهم بدورهم ينهضون لتعليم المجتمع؛ لأنّ رسالة النبيّ تحتاج لكي تستمرّ إلى قيّم يتولّى الإشراف على الرسالة، وقيادة الحياة الفكريّة والروحيّة على الأقلّ، ولا بدّ لأجل ذلك أن يكون منصوصًا من السماء.
«ووجود دور مشترك مارسه الأئمّة ليس مجرّد افتراض يبحث عن مبرّراته التاريخيّة، وإنّما هو ممّا تفرضه العقيدة نفسها وفكرة الإمامة بالذات؛ لأنّ الإمامة واحدة في الجميع بمسؤوليّتها وشروطها». ومن جهة ثانية، توجد خصوصيّة لعصر كلّ إمام؛ ولذلك يتنوعّ أداء الأئمّة عليهمالسلام وتتعدّد أساليبهم، فوحدة الهدف التي تجمع الأئمّة لا تلغي البتّة تنوّع الأدوار.
وقسّمنا تاريخ الإمامة إلى عصرين مختلفين: شكّل الإمام الصادق عليهالسلام الفيصل بين الحقبتين؛ وذلك لأنّه عليهالسلام واكب المرحلة الانتقاليّة في تاريخ الأمّة، وهي سقوط الدولة الأمويّة وقيام الدولة العباسيّة، فهذا التحوّل تزامن مع فترةٍ وجيزةٍ من تخفيف الضغوط على أهل البيت عليهمالسلام وشيعتهم. استفاد الإمام الصادق عليهالسلام من هذا الانفراج النسبيّ ليوطّد أركان المذهب ويستكمل شرح أصوله، «فبعد أن أنجز الأئمّة المرحلة الأولى: (الإمام عليّ، الحسن، الحسين الإمام زين العابدين عليهمالسلام، مهمّة تحصين الإسلام من خطر صدمة الانحراف، والاحتفاظ بالإسلام كتشريع، بدأت جهود أئمّة المرحلة الثانية، بنشاط الإمام الباقر عليهالسلام، فتميّزت جهوده وتمحورت حول إعطاء الكتلة الشيعيّة إطارها التفصيليّ الخاصّ بها، بوصفها الكتلة المؤمنة والمحافظة على الخطّ الحقيقيّ للإسلام.
ولقد تحقّق الهدف الاستراتيجيّ لهذا العصر، ألا وهو: حفظ الدين وهداية الأمّة، وتأسيس الكيان الخاصّ. ولنحلّل أكثر، وبما تسمح به حدود البحث كيف حققّ أئمّة هذا العصر هذا الهدف الكبير؟
تحمّل الإمام الأوّل علي عليهالسلام المسؤوليّة الدينيّة بعد رحيل النبيّ الأعظم صلىاللهعليهوآله، وأدّى في تلك الفترة العصيبة دوره كإمام بالمستوى الذي اقتضته تعقيدات الوضع، فهو يجسّد مثال أطروحة الإسلام الناطق، والنموذج الأعلى والأسمى للذات المنصهرة في بوتقة الرسالة، ولأجل ذلك كان الخلاف حول شخصيّته هو مثار هذه الانقسامات والتشعّبات: فالشيعة باعتصامهم بالإمام عليّ عليهالسلام مثّلوا ما أسميناه بالامتداد الطبيعيّ للأطروحة الإسلاميّة، والخوارج هم الذين خرجوا عنه بعد مسألة التحكيم عند النـزاع مع معاوية بن أبي سفيان، والمعتزلة أنفسهم رغم كونهم تيّارًا عقائديًّا، ولكن جذورهم التاريخيّة تعود إلى جمع من الصحابة اعتزلوا الحرب في الفتنة بين الإمام علي عليهالسلام ومعاوية، وانشغلوا بالعلم والعبادة. وسيشكّل الذين قبلوا بالأمر الواقع وتجاوزوا
التنصيص على إمامته عليهالسلام، وطفقوا يبرّرون ذلك بما أوتوا من قوّة وحجّة، سيشكلون جمهور المسلمين من مرجئة، وقدرية، ومشبهّة، وهي فيما بعد ستذوب في التيّارين الكبيرين: الأشاعرة، والسلفيّة الحنبليّة وامتداداتهما. فعليّ عليهالسلام قطب الرحى، ومركز الخلاف والانقسامات، ولا غرابة في ذلك، فقد تضافرت الروايات أنّه الفاروق، وأنّ الحقّ معه، وهو مع الحقّ، يدور معه حيث دار! وهكذا كان عليّ عليهالسلام قطب الرحى، والإمام الفصل.
واستمرّ الإمامان الحسن والحسين عليهماالسلام في أداء الدور الدينيّ والعقيديّ الذي تُوجبه الإمامة، فكانت مسيرتهما استكمالًا لأدوار الإمام علي عليهالسلام في تحصين الأمّة على المستوى الفكريّ والعقيديّ من الانحرافات الخطيرة التي أدّت إليها مسارات الخلافة بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، تمّت هذه العمليّة التحصينيّة من خلال البيان العقديّ، وتوضيح المبهمات، وتربية الحواريّين، وإعداد الأصحاب، وحلّ المعضلات والإشكالات التي واجهت المجتمع المسلم، ومن خلال المحاربة الفعليّة للجماعات المارقة، والقاسطة، والناكثة مع الإمام علي عليهالسلام، أو البغاة والخوارج مع الإمام الحسن عليهالسلام، أو السلطة الجائرة والغاصبة، والثورة عليها كما هو حال الإمام الحسين عليهالسلام.
وهكذا تحرّكت الأمور شيئًا فشيئًا نحو تشكّل الكيان الشيعيّ، رغم أنّ حركة التشيّع في البدايات باستثناء حالة المعارضة السياسيّة التي ميّزتها لم تنفصل عن السواد الأعظم للمجتمع الإسلاميّ.
لقد تصدّى الأئمّة عليهمالسلام: السجّاد والباقر والصادق عليهمالسلام لبناء القاعدة الفكريّة والشعبيّة للتشيّع، وذلك بعد النكسة التاريخيّة التي شهدتها الأمّة الإسلاميّة بقتل حفيد نبيّها والفتك بأولاده وأصحابه والتنكيل ببناته ونسائه، كان لا بدّ للأئمّة بعد أن نجح الأمويّون في توطيد أركان ملكهم العضوض أن يحفظوا الدين المحمديّ الأصيل من التلاشي، وأن يحصّنوا أكثر فأكثر الطليعة المؤمنة الموالية، فبعد أن فشل الرهان على الأمّة ككلّ بأن تؤدّي مسؤوليّاتها، تعمّق التوجّه المزدوج وترسّخ أكثر عند السجّاد والباقر والصادق عليهمالسلام، وذلك عبر:
- العمل على صعيد الأمّة: حفظ كيانها من المخاطر المحدقة بها في
(38)حدود ما تسمح به الظروف، والاستمرار في توعية عموم الناس وتذكيرهم بمسؤوليّتهم الدينيّة.
- العمل على الصعيد الخاصّ: لبناء الكتلة الشيعيّة واستكمال بيان أصول المذهب وشرح مفرداته.
ولئن اختلف تركيز كلّ إمام حسب الحاجات المستجدّة، فالإمام السجّاد عليهالسلام ركّز على الجانب العباديّ والأخلاقيّ والدعائيّ لحاجة الناس لهذا الجانب بعد ما أصاب أهل البين ما أصابهم، وبعد الأجواء الخانقة والحصار المحدق الذي كرّسته السلطة الأمويّة بعد استشهاد الإمام الحسين عليهالسلام، فالناس كانوا بأمسّ الحاجة إلى هذه الجوانب الأخلاقيّة والمعنويّة التي تساعدهم على مواجهة كلّ تلك الضغوط والاستبداد الذي كرّسته دولة بني أميّة، وأجواء الترف والبذخ التي شاعت مع امتداد فتوحات البلدان واتّساعها وتراكم الثروات، والاستهانة بالدين والقيم، كما تساعدهم على التوبة ونقد الذات ومحاسبة النفس فيما آلت إليه أمور الأمّة. وبروز الجانب الروائيّ والفقهيّ مع الإمامين الباقر عليهالسلام والصادق عليهالسلام ، في زمن انتعش علم الفقه بين المذاهب ورفع الحظر رسميًّا عن تدوين الحديث، فكان لا بدّ للإمامين أن يؤصّلا مدرسة أهل البيت الفقهيّة ويتصدَّيا للمدارس والمذاهب التي توالدت في ذلك العصر مستمدةً أصولها من موروث روائيٍّ فيه من الدسّ والإسرائيليّات ما فيه... ومن الطبيعيّ أن يكون السؤال العقيديّ وبيان مفرداتها، وإبطال العقائد المنحرفة، هو القاسم المشترك في كلّ العصور، فالإمام هو ميزان العقيدة، وهو حافظ الدين والذابّ عن شبهات الملحدين وانتحالات المنتحلين.
ولذا، وعلى امتداد مسيرة هؤلاء الأئمّة الثلاثة، وباختلاف أساليبهم المعتمدة تعمّقت الأطروحة القرآنيّة والنبويّة لأصول الدين، وترسّخت أكثر فأكثر المفاهيم العقديّة العلويّة التي تضمّنتها خطب وروايات الإمام علي عليهالسلام،
وانكشفت زيف الانحرافات الفِرَقيّة والشذوذ في الأفكار والدين، كالخوارج، المشبهة، المرجئة، المجبرة، والمجسّمة.
هذه المرحلة، وإن كانت تمثّل القسم الثاني من تاريخ الأئمّةعليهمالسلام ، ولكنّها تحمل من الخصوصيّات ما يرجّح اعتبارها عصرًا قائمًا بنفسه، وإن كانت من جهة العنوان العامّ هي امتداد لعصر النصّ وفترة الإمامة.
ففي هذا العصر، سيعيش المذهب الإماميّ الذي اكتمل بناؤه، وتجذّرت أصوله مسارًا تاريخيًّا صعبًا في ظلّ محاولات السلطة محاصرة الأئمّة والحيلولة دون امتداد خطّ الأئمّة عليهمالسلام في أوساط الأمة داخل عواصم الدول وفي آفاق البلاد الإسلاميّة.
فكان السجن والتنكيل بالإمام الكاظم عليهالسلام أسلوب هارون العباسيّ في سبيل ذلك، وسياسة الاحتواء بمنح ولاية العهد للإمام الرضاعليهالسلام هي منهج المأمون العباسيّ، أما الجواد عليهالسلام والهادي عليهالسلام والعسكريّ عليهالسلام، فكان نصيبهم من السياسة العباسيّة يقوم على حصارهم وفرض شبه الإقامة الجبريّة عليهم. ومن الطبيعيّ أن ينتهي المطاف بهم جميعًا إلى الاستشهاد؛ لأنّ صمود الأئّمة عليهمالسلام وثباتهم، وتمكّنهم من إجهاض هذه المخطّطات بشتّى أشكالها، دفع طواغيت بني العبّاس إلى اليأس من محاولاتهم واللجوء في الأخير إلى التصفية والقتل.
وهذا شأن مطّرد مع الإمام الكاظم والرضا والجواد وسائر أئمّة عليهمالسلام هذه المرحلة.
وفرضت طبيعة هذه الحقبة التاريخيّة الممتدّة من (148هـ) إلى (329هـ) على الأئمّة الأطهار عليهمالسلام أولويّات جديدة إضافة إلى ثوابت أدوارهم في حياة الأمّة:
أوّلًا: اعتماد أساليب جديدة في التواصل مع الأصحاب وتعميق السرّيّة في العلاقات بالإمام.
ثانيًا: التركيز على تهيئة الناس لغيبة الإمام، والـتأكيد على المفاهيم العقديّة لانتظار الفرج.
ثالثًا: التحذير من الغلاة وسائر المنحرفين داخل المذهب، هذه الظاهرة التي وإن بدأت بواكيرها مع الإمام الباقر والصادق عليهماالسلام ولكنّها تنامت في هذا العصر.
رابعًا: التأكيد على مفهوم زيارة الأئمّة الأطهار عليهمالسلام، وبالخصوص زيارة الإمام الحسين عليهالسلام، والتي غدت شكلًا من أشكال التعبئة الفكريّة والمعنويّة للشيعة. وقد قدّم الشيعة في سبيلها التضحيات الجسام خاصّة في عصر المتوكّل العباسيّ، الذي بلغ به الحقد والعداء إلى تخريب قبر الإمام الحسين عليهالسلام والتنكيل بالزوار.
آل هذا العصر إلى غياب الإمام الثاني عشر عليهالسلام غيبة كبرى بعد أن مهّد لها بغيبةٍ صغرى، اتّخذ فيها سفراء يشكّلون رابط الاتصال مع أصحابه وشيعته، وهيّأ الشيعة لهذا التحوّل التاريخيّ الكبير الذي ينبئ بنهاية عصر النصّ، وبدء عصر جديد، تُوكل فيه مهمّة حفظ الدين، والذود عن العقيدة، وصون هويّة الأمّة، إلى العلماء الربانيّين والمجتهدين الأبرار.
ولما كانت القضيّة المهدويّة، وغياب الإمام هي المسألة الكلاميّة الأبرز في هذا العصر، سنقف عندها نسبيًّا:
فقد واجه الشيعة في آخر هذا العصر صدمةً عقيديّة، رغم التخطيط المسبق والتهيئة المبكرة للشيعة لغيبة الإمام، فالأئمّة الثلاثة: الجواد، والهادي، والعسكريّ عليهمالسلام، ركّزوا أكثر مع أصحابهم نظامَ الوكالة، الذي بدأ مع أئمّة المرحلة السابقة، خاصّة مع الإمام الكاظم عليهالسلام، وعوّدوهم على فكرة احتجاب الإمام من حين إلى آخر والتواصل عبر المكاتيب والتوقيعات.
وقطعًا، لقد خفّفت هذه الإجراءات حدّة الصدمة التي خلّفها غياب الإمام المهدي عليهالسلام، ومع ذلك شكّت فئة في ولادة الإمام المهدي عليهالسلام، واستغلّ بعض الأشخاص الحيرة ليدّعي إمامة ومهدويّة رموز كجعفر بن عليّ الهادي
(ت271هـ) (المشهور بجعفر الكذاب)، ومحمّد بن عليّ الهادي (254هـ) الذي ادّعي أنّه لم يمت وأنّه هو المهديّ... وحتّى الذين ظلّوا على منهج الإماميّة، وعلى عقيدتهم بإمامة محمّد بن الحسن العسكريّ عليهالسلام، وارتبطوا به عن طريق الوكلاء، حتّى هؤلاء واجهوا محنة أخرى: وهي ادّعاء بعض المنحرفين السفارة والوكالة والنيابة عن الحجّة، أو البابيّة (أي أنّهم باب الإمام الغائب)، بل انحرف بعض من كان وكيلًا حقيقيًّا وأصبحوا يدعون الشيعة إلى اعتقاداتٍ شاذّة. وتحمّل الإمام مسؤوليّاته في فضح هؤلاء وحفظ عقيدة الناس وحماية الدين وأصول المذهب من تحريفات هؤلاء: فكانت تصدر من حين إلى آخر تواقيع من الناحية المقدّسة تكذّب هؤلاء المنتحلين وتبطل دعاويهم. «ويكفي للوقوف على هول البليّة والحيرة، وضبابيّة الأمور بالنسبة للشيعة في تلك الفترة مراجعة سريعة لكتاب (الغيبة) للشيخ الطوسيّ، وملاحظة أسماء دعاة السفارة والوكالة ممّن صدرت في حقّهم توقيعات اللعن والذمّ... منهم محمد بن نصير النميري رأس النصيريّة، والحسين بن منصور الحلّاج، رأس الحلّاجيّة، وأحمد بن هلال العبرتائيّ الكرخي، ومحمّد بن علي العزاقر الشلمغانيّ، وغيرهم...».
بقيت نقطتان جديرتان بالبحث في هذا السياق، وهي تهمّ هذا العصر والعصر الذي سبقه، أي مجموع عصري الإمامة:
- خصوصيّات تأسيس المفاهيم العقديّة عند الأئمّة عليهمالسلام.
- الأصول العقديّة وتراث الأصحاب.
من الأدوار العقيديّة الثابتة في عصر الإمامة، شرح المفاهيم الدينيّة عمومًا والاعتقاديّة خصوصًا للناس، والإجابة عن استفساراتهم، وإبطال شبهات الخصوم، ومن هنا كان هذا الموروث الروائيّ الواسع عن الأئّمة الأطهار عليهمالسلام، والذي جمع في مؤلّفات ومصنّفات عديدة تأتي الإشارة إليها لاحقًا.
نعم، ثمّة تفاوت في إبراز هذا العلم المكنون في صدور الأئمّة عليهمالسلام وفي مدوّنتهم الكبرى التي ورثوها إمامًا عن إمام: صحيفة ضخمة من إملاء رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وخطّ الإمام عليّ عليهالسلام؛ لاختلاف الظروف الأمنيّة والسياسّية التي تحفّ بالإمام، ولطبيعة المرحلة التي عاشها كلّ إمام ومتطلّباتها وأولويّاتها الثقافيّة والفكريّة.
وهنا لا بد أن نشير إلى ميزةٍ فارقةٍ امتازت بها مدرسة الأئمة الأطهار عليهمالسلام، وهي عدم مرور الحديث بمرحلة شفويّة، كما هو الحال في المذاهب الإسلاميّة الأخرى. فالحديث في مدرسة الأئمة عليهمالسلام دوّن مباشرة منذ زمن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، والصحيفة التي أشارت إليها الرواية السابقة هي المدوّنة الأساسيّة لهذا الموروث الروائي عن النبي محمّد صلىاللهعليهوآله. وهي تعبّر عن الأصالة العلميّة لهذه المدرسة والاستقلال المعرفيّ، يقول الإمام الصادق عليهالسلام: «مَا لَهُمْ وَ لَكُمْ وَ مَا يُرِيدُونَ مِنْكُمْ وَ مَا يَعِيبُونَكُمْ يَقُولُونَ الرَّافِضَةَ نَعَمْ وَ اللَّهِ رَفَضْتُمُ الْكَذِبَ وَ اتَّبَعْتُمُ الْحَقَّ أَمَا وَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدَنَا مَا لَا نَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ وَ النَّاسُ يَحْتَاجُونَ إِلَيْنَا إِنَّ عِنْدَنَا الْكِتَابَ بِإِمْلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلىاللهعليهوآله وَ خَطَّهُ عَلِيٌّ بِيَدِهِ صَحِيفَةٌ طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فِيهَا كُلُّ حَلَالٍ وَ حَرَامٍ». وفي رواية الكافي عن الصادق أيضًا: «فِيهَا كُلُّ حَلَالٍ وَ حَرَامٍ وَ كُلُّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ حَتَّى الْأَرْشُ فِي الْخَدْش».
وكان ديدن الأئمّة الأطهار أيضًا تشجيع أصحابهم على التدوين والكتابة، فعن الصادق عليهالسلام قوله للمفضّل بن عمر: «اكْتُبْ، وَبُثَّ عِلْمَكَ فِي إِخْوَانِكَ، فَإِنْ مِتَّ فَأَوْرِثْ كُتُبَكَ بَنِيكَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانُ هَرْجٍ لَايَأْنَسُونَ فِيهِ إِلَّا بِكُتُبِهِم». وعنه عليهالسلام: «اكْتُبُوا فَإِنَّكُمْ لَا تَحْفَظُونَ حَتَّى تَكْتُبُو». وعنه أيضًا: «احْتَفِظُوا بِكُتُبِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ سَوْفَ تَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا».
وفي رواية تؤكّد استمراريّة هذا التراث المكتوب من الأصحاب إلى عصور الإمامة المتأخّرة ما ذكره الكلينيّ عن محمّد بن الحسن بن أبي خالد شينولة قال: «قلت لأبي جعفر الثاني: إِنَّ مَشَايِخَنَا رَوَوْا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع وَ كَانَتِ التَّقِيَّةُ شَدِيدَةً فَكَتَمُوا كُتُبَهُمْ وَ لَمْ تُرْوَ عَنْهُمْ فَلَمَّا مَاتُوا صَارَتِ الْكُتُبُ إِلَيْنَا فَقَالَ حَدِّثُوا بِهَا فَإِنَّهَا حَق». بالمقابل، صدرت نواهٍ كثيرة عن الخلفاء بعد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله عن تدوين الحديث بذريعة الخشية من اختلاط القرآن بالحديث، وأُحرقت مدوّنات الحديث وصحفها التي كانت عند بعض الصحابة بأمر من الخليفة الأوّل والثاني، وامتدّ هذا المنع والحظر إلى زمن الخليفة الأمويّ عمر بن العزيز الذي أمر بجمع الحديث وتدوينه، فكانت المحاولات الأولى لجمع الحديث وتدوينه على يد ابن شهاب الزهريّ (ت124هـ).
وهكذا، يسبق الشيعة تاريخيًّا المذاهب الأخرى في تدوين الحديث، «فأهل السنّة قاموا بتأليف كتب الحديث بعد مضيّ أكثر من ثلاثين سنة من فترة الازدهار الحديثيّ الشيعيّ. ويعدّ مالك بن أنس (م 179هـ) [من أوائل] من دوّن في هذا المضمار حيث ألّف (موطّأه)، ودوّن أحمد بن حنبل (م 241هـ) (مسنده)، وألّف البخاري (194-256هـ) (صحيحه)، بينما الشيعة قبل تلك التواريخ، ويتّضح ذلك حينما نعرف أنّ الإمام الصادق عليهالسلام استشهد سنة 148هـ، وكان عند الشيعة آنذاك كتب كثيرة في الحديث».
ومن هنا، امتاز الموروث الحديثيّ الشيعيّ بأنّ الغالب فيه هو الكتابة والحفظ التدوينيّ من زمن الرسول صلىاللهعليهوآله والإمام علي عليهالسلام إلى عصور الأئمّة اللّاحقين عليهمالسلام، أمّا الحديث السنّيّ فالغالب فيه هو الرواية دون الكتابة؛ لذلك كان منهج الأصحاب في الحديث الشيعيّ يختلف عن المنهج الرجاليّ السنّيّ، فالعمدة عند أصحابنا هو التثبّت من حجيّة كتب الحديث، وصحّة طرقها، والوثوق بصحّة النسخة والركون إلى راوي الكتاب، «وبالجملة، إنّ قدماء
أصحابنا كانوا مصرّين على أن يكون لهم طريق مطمئن إلى كتب الحديث، دون الاعتماد على الكتب الواصلة بالوجادة، وهذه الكتب كانت مشهورة بينهم، ولهم طرق متعدّدة إليها، ولكن بعد تصنيف المشايخ الثلاثة المجاميع الحديثيّة، صارت هذه الكتب الأربعة محور عناية أصحابنا، وضعفت عنايتهم بالمصادر الأوّليّة».
وهي القضيّة الثانية التي أردنا التنبيه إليها، وتعدّ ثابتة من ثوابت عصري الأئمّة الأوّل والثاني عليهمالسلام، ألا وهي الأصول الكلاميّة التي صنّفها أصحاب الأئمّة من عصر الإمام علي عليهالسلام إلى نهاية الغيبة الصغرى، ولما كان استقصاء هؤلاء الأصحاب يتطلّب بحوثًا ودراساتٍ قائمةً بذاتها، نكتفي بالإشارة إلى بعض النماذج لهذه الأصول وهؤلاء الأصحاب، فمن أصحاب الإمام علي عليهالسلام مَنْ اشتهر بالتصنيف في الكلام، فضلًا عن الأصحاب الذين صنّفوا في الفقه وعموم الحديث والسيرة والنحو وسائر العلوم، ولعلّ أشهرهم سليم بن قيس الذي روى عن الإمام علي عليهالسلام وعن سلمان الفارسيّ، له كتاب في الإمامة وهو أقدم الأصول التي وصلت إلينا، ويقول عنه محمّد بن إبراهيم النعماني، صاحب كتاب الغيبة: «وليس بين جميع الشيعة ممّن حمل العلم أو رواه عن الأئمّة خلاف في أنّ كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من الأصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت عليهمالسلام وأقدمها؛ لأنّ جميع ما اشتمل عليه هذا الأصل إنّما هو عن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وأمير المؤمنين عليهالسلام والمقداد وسلمان الفارسيّ وأبي ذر ومن جرى مجراهم ممن شهد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وأمير المؤمنين عليهالسلام وسمع منهما، وهو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها وتعوّل عليها». ومنهم الكميت بن زيد الذي عدّه الجاحظ أوّل من ناظر في التشيّع.
عيسى بن روضة التابعيّ مولى بني هاشم، واعتبره صاحب تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام بأنّه: «أوّل من صنّف في علم الكلام وله كتاب في الإمامة، وكان وحيد عصره في علم الكلام، وهو الذي فتق بابه وكشف نقابه...».
علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار له كتاب الإمامة، والاستحقاق: قال عنه ابن النديم أوّل من تكلّم في مذهب الإماميّة، ناظر ضرار بن عمرو، وأبا هذيل العلاف.
«وكان من بين أصحاب الإمام الصادق عليهالسلام من عدّهم الإمام نفسه من المتكلّمين الكبار، من قبيل: هشام بن الحكم، وهشام بن سالم، وحمران بن أعين، وأبي جعفر الأحول المعروف بمؤمن الطاق...».
ومنهم: جابر بن يزيد الجعفي، والمفضّل بن عمر الجعفيّ، وله كتاب التوحيد أو فكر، وقيس الماصر الذي تعلّم الكلام عن الإمام السجاد عليهالسلام وصحب الإمامين الباقر عليهالسلام والصادق عليهالسلام.
أمّا الطبقة الثالثة من الأصحاب المتكلّمين بعد التابعين، فمنهم: فضال بن الحسن، والفضل بن شاذان الذي أخذ عن الإمام الرضا والجواد والهادي عليهمالسلام. و«يبدو أنّ غالبيّة آل نوبخت، وهم كثيرون، كانوا من المتكلّمين، كالفضل بن أبي سهل ابن نوبخت الذي أدار في عهد هارون المكتبة المعروفة بـ(دار الحكمة)، وكان من المترجمين من الفارسيّة إلى العربيّة، وإسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، وابنيه إسماعيل وعلي وحفيده أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي الملقّب بين الشيعة بـ (شيخ المتكلّمين)، والحسن بن موسى النوبختي، وهو ابن أخت اسماعيل بن علي، وعدد آخر من هذه الأسرة».
ويصعب استقصاء الجميع وفي مختلف الطبقات، ولكن ما أوردناه كفيل بإثبات مساهمة أصحاب الأئمّة، وعلى مدى هذين العصرين (عصر الإمامة) في رفد الساحة العلميّة، ونشر روايات أهل البيت عليهمالسلام ومفاهيمهم العقديّة، وتصدّي الكثير منهم لمناظرة المخالفين والخصوم.
في هذه المرحلة، ينتهي عصر النصّ، ويبدأ عصر الغيبة الكبرى. ففي سنة 329هـ انتهت الغيبة الصغرى التي دامت سبعة عقود، وبانتهائها ينتهي نظام السفارة والوكالة، وأحيلت إدارة شؤون الشيعة إلى رواة الحديث والفقهاء المأمونين على حلال اللّه وحرامه.
ولا جدال، أنّ هذا الغياب رغم الإجراءات الاحترازيّة التي اتّخذها الأئمة عليهمالسلام والتحصينات الفكرية التي أسّسوها، ترك أثره، خاصّة مع انعدام الكيان السياسيّ الذي يدافع عن الشيعة، فهم يعيشون في مجتمعات مختلطة، وفي ظلّ حكومات جائرة تضطهدهم وتنكّل بهم، فهذا الغياب أحدث صدمةً كانت لها أصداؤها، لعلّنا نقرأ بعضها في العديد من المصنّفات القريبة من عصر الغيبة عن أسرار الغيبة والحيرة واضطراب الشيعة في مآلات القيادة والإمامة زمن غيبة الإمام.
فعلى مستوى التحصين العقائديّ، «بادر فقهاء الشيعة منذ بدايات أيام الغيبة الكبرى بإصدار رسائل اعتقاديّة جلّها مختصرة وموجزة ومختزلة، تتضمّن مهمّات العقائد في الأصول الخمسة التي تعتبرها الإماميّة ركن الإيمان والاعتقاد، وأنّ من اعتقد بها صنّف في الشيعة الإماميّة، ومن مختصّات هذه الرسائل أنّها تكون مختزلة،... ولكنّها قريبة إلى أذهان عامة النّاس سريعة الحفظ، سهلة التناول، بعيدة عن الاستدلالات العقليّة والفلسفيّة، يفهمها العالم والمتعلّم والصغير والكبير...». كما ألّف بعض الأعلام مصنّفات في موضوعات محدّدة توضيحًا للمعتقد الإماميّ في هذه المسائل، وردًّا على شبهات الخصوم (بعضها من زمن الغيبة الصغرى)، كالتنبيه في الإمامة لأبي
سهل إسماعيل النوبختي (ت311هـ)، والإنصاف لابن قبة (توفي أوائل القرن 4هـ)، الذي كان من المعتزلة وانتقل إلى مذهب الإماميّة، والإمامة والتبصرة لابن بابويه القمّيّ (ت329هـ)، وكتاب التوحيد وكتاب «كمال الدين وتمام النعمة» للشيخ الصدوق (ت381هـ).
كما انبرى العلماء، ولأجل حفظ الموروث الروائيّ للأئمّة الأطهار عليهمالسلام وحفظ المذهب: «فقام فقهاء الشيعة في بداية فترة الغيبة الكبرى بعمليّة جبارة، وهي جمع المتناثر والمتفرّق من تراث الأئمّة الإثني عشر عليهمالسلام ومرويّاتهم، وكانت خطوة مهمّة في طريق تحديد معالم المذهب، ومن خلال فترة قصيرة لم تتجاوز القرن الواحد كانت الشيعة تمتلك أربع مجاميع روائيّة: الكافي للشيخ الكلينيّ (ت329هـ)، ومن لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق (ت381هـ)، والتهذيب والاستبصار للشيخ الطوسي (ت460هـ)[1]. هكذا حافظ علماء الشيعة على المرجعيّة الفكريّة لموروث الأئمّة الأطهار عليهمالسلام، وخطّوا لأنفسهم مسارًا اجتهاديًّا مميّزًا، تعمّق مع مرور الأيام، وتكامل مع مختلف المدارس والاتجاهات التي تعاقبت على الساحة العلميّة التاريخيّة. «وهكذا استطاعت الشيعة -برغم غيبة الإمام- أن تؤسّس لنفسها كيانًا مستقلًّا بعيدًا عن أموال الخلفاء والحكام وإملاءاتهم، بل وتوسّعت دائرة المنتمين إليها والمتمذهبين بمذهبها، فانتشر التشيّع في الآفاق، فصار له وجود، واستطاعوا باستقلاليّة سياسيّة أن يواجهوا التحدّيات التي مرّوا بها في فترة الخلافة العبّاسيّة، وبعد غزو المغول وسقوط بغداد، وانهيار الدولة، ثمّ الدول التي تلتها في الحكم، فخرجوا منها مرفوعي الرأس، وأصبحت لها مدارس وحوزات تعليميّة مستقلّة غير مرتبطة بالأسر الحاكمة»[2].
لقد تعايش في هذا العصر اتّجاهات كلاميّة عديدة، تنوّعت في مناهجها، وأساليب استدلالها، ومن الطبيعي أن نجد هذا التنوّع انطلاقًا من شموليّة
المنهج في مرحلة التأسيس النابعة من منطق القرآن والحديث في التعاطي مع المسائل العقديّة كما مرّ بنا.
فشهد العصر القريب من الغيبة الكبرى تنوّعًا في الذوق الكلاميّ بين مناحٍ روائيّة نصّيّة، وبين اتّجاهات عقليّة. ومن أصحاب الاتجاه الأوّل: أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت (ت350هـ) صاحب كتاب الياقوت الذي شرحه العلامة الحلّي، وأبو محمد حسن بن موسى النوبختي (ت310هـ)، أبو سهل إسماعيل بن علي بن إسحاق النوبختي (ت311هـ)، ومظفر بن محمد البلخيّ (ت 368هـ)، وعمدة هذا الاتجاه الشيخ المفيد (ت413هـ). ومن الاتّجاه الروائيّ: محمّد بن الحسن الصفّار (ت290هـ)، وابن بابويه القمّيّ (ت329هـ)، والشيخ الصدوق (ت355هـ)، وابن قولويه جعفر بن محمد بن جعفر (ت368هـ)... ولعلّ هذا التنوّع في المنهج يعود إلى البيئة التي عاش فيها أصحاب المدرستين، فأصحاب المنحى الروائيّ في الغالب عاشوا في بيئة طابعها الغالب هو التشيّع، ولا يوجد الكثير من المخالفين ما يحفّزهم على النظر والاحتجاج، بينما رموز الاتّجاه العقليّ كانوا يتواجدون في الغالب في مدن كبغداد والكوفة يتواجد السنة وأتباع المذاهب الأخرى ممّا يدعو للجدل والمناظرة.
ولكنّ هذا الاختلاف بين المدرستين كان محكومًا بالاتّفاق على الأصول، وانحصار الخلاف في تفاصيل ترجع إلى طريقة فهم النصّ والرواية في غالب الأحيان، وردود المفيد في كتابه «تصحيح الاعتقاد» على آراء الشيخ الصدوق في كتابه الاعتقادات في دين الإماميّة، تعطينا مشهدًا دقيقًا لحدود هذه الاختلافات.
ولكن الغلبة كانت لمنهج الشيخ المفيد؛ لقوّة حضوره، وتواجده في بغداد، وتتلمذ العديد من الأعلام الكبار على يديه، كالشريفين الرضي (ت406هـ) والمرتضى (ت436هـ)، وأبو الفتح الكراجكي (ت449هـ)، والشيخ الطوسي (ت460هـ).
وهكذا ساد منهج المفيد وامتدّ عبر طلّابه الذين خلفوه في زعامة المذهب وصولًا إلى الشيخ الطوسي، الذي بعد هجرته إلى النجف فقدت بغداد موقعها، وغدت الحلّة مركز العلم، وفي مدرستها امتدّ هذا المنهج وتسامى إلى مراق جديدة.
في هذه المرحلة، تبلورت المدرسة العقليّة الفلسفيّة أكثر فأكثر مستفيدة من جهود أعلام المرحلة السابقة، وعطاؤهم على مستوى الكلام العقليّ، فمدرسة الحلّة التي نضجت فيها معالم الكلام الفلسفيّ أخذت الكثير من مدرسة بغداد وأعلامها الكبار، كالمفيد، والطوسي، والمرتضى... .
ومن أقطاب هذه الحقبة الخواجة نصير الدين الطوسي (ت672هـ)، وابن ميثم البحرانيّ (ت699هـ)، والعلاّمة الحلّي (ت726هـ)، والمقداد السيوريّ (ت826هـ)... .
ويعتبر كتاب الخواجة «تجريد الاعتقاد» الأطروحة التأسيسيّة لهذه النقلة في تطعيم البحث الكلاميّ بالذوق الفلسفيّ، فهي بدايات هذا المنحى الذي سيتصاعد مع بدايات هذا العصر ليبلغ ذروته مع الكلام الفلسفيّ في أرقى صوره مع نخبة من الفلاسفة المتكلّمين كالداماد (ت1041هـ)، وملّا صدرا (ت1050هـ).
شهدت الشيعة في هذه المرحلة ولادة كلام فلسفيّ بحت، وهذه الولادة مدينة لحضور المفاهيم الفلسفيّة من جهة، وقبول كثير من أهمّ العقائد الفلسفيّة من جهة ثانية، فقد بدأ هذا الاتّجاه من ابن أبي جمهور الاحسائيّ (ت بعد 906هـ) وصدر الدين الدشتكي (ت903هـ) وميرداماد (ت1041هـ)، وتـألّق على يد صدر الدين الشيرازي (ت1050هـ). كما أنّ الملا عبد الرزاق اللاهيجيّ الشيرازي (ت1071هـ) والفيض الكاشاني (ت1091هـ) والملّا
مهدي النراقي (ت1209هـ) يعدّون من أهمّ متكلّمي هذه المرحلة.
وعليه، فقد شهد الكلام الشيعيّ (الإماميّ) مرحلةً جديدةً مكّنته من تسليح نفسه أمام الأسئلة الجديدة، ولكن مع هذا قد فَقَد الكلام الشيعيّ أصالته واستقلاله تدريجيًّا، وعقد مستقبله بالفلسفة. هذا التقارب بين الكلام والفلسفة أدّى إلى صعوبة التمايز بين الآثار الفلسفيّة والآثار الكلاميّة. وخلاصة القول إنّ الكلام الشيعيّ وإن لم يُبتلَ بالجمود الفكريّ، كالأشاعرة، بل وجد مناخًا للتجديد المعرفيّ، لكنّه أدّى بالمآل إلى استحالة الكلام في الفلسفة وعدم الاعتناء به في الأوساط العلميّة الشيعيّة.
لقد اعتبر الشهيد مطهّري أنّ نتاجات الفلاسفة الكلاميّة ومساهماتهم في تطوير السؤال الكلامي فاقت من حيث الأهمّيّة والعمق جهود المتكلّمين أنفسهم: «... بل في الحقيقة فقَدَ الكلام استقلاله تجاه الفلسفة، وقاموا ببحثه ومناقشته فلسفيًّا، فحالفهم النجاح أكثر من المتكلّمين الذين اعتادوا دراسة الأمور بالأساليب القديمة، فمثلًا، تجد أنّ صدر المتألهين والحاج ملّا هادي سبزواري، ورغم أنّهما لم يكونا في زمرة المتكلّمين، إلاّ أنّ تأثيرهم الوجوديّ كان أكثر من أيّ متكلّم آخر».
الانقسام في المدرسة الشيعيّة إلى اتّجاه روائيّ وآخر عقليّ قديم الجذور، وامتد هذا الانقسام مع تطوّر وتنامي المذهب الشيعي منذ العصور المبكرة لأصحاب الأئمة؛ حيث يصنّف هؤلاء الأصحاب إلى ذوي النزعة الروائيّة وبعضهم الآخر إلى أصحاب النزعة العقليّة. فلقد لمسنا هذه الثنائيّة منذ البدايات المبكرة لمسارات علم الكلام مع أصحاب الأئمّة، مرورًا بالانتقالات التي شهدها مركز الكلام من المدينة، إلى الكوفة، فإلى قم،
فبغداد، فالحلّة، فأصفهان... وسائر الحواضر الكلاميّة. كان هذا التعايش بين المنهجين موجودًا فدائمًا تحت سقف مذهب الإماميّة، وإن تفاوتت قوّة أحدهما على حساب الآخر، فحتّى لو كان يغلب على المنهج الكلاميّ في مرحلة ما إحدى النزعتين العقليّة البرهانيّة أو الروائيّة الخبريّة، فإنّك تجد إلى جانبها من ينتصر للنزعة الأخرى.
ولهذا يمكن القول إنّ تاريخ الكلام الإماميّ كان محكومًا بهذه التعادليّة، وهذه الوسطيّة بين العقل والنقل، فكلّما مالت الكفّة أكثر من اللّازم إلى طرف توجّهت الساحة إلى الطرف الآخر لترجّح الكفّة الأخرى إلى أن يتحقّق التوازن الذي حكم هذا التاريخ الطويل. وهذا الأمر يعود الفضل فيه إلى العصر التأسيسيّ ودور الأئمّة في تكريس هذه التكامليّة المنهجيّة في التعاطي مع مسائل العقيدة والمعتقد.
ومن هنا نفسّر كيف كانت العودة قويّة نحو الأخبار بُعيد عصر الكلام الفلسفيّ الذي هيمنت عليه الاتجاهات العقليّة البرهانيّة، وشاعت المصطلحات المنطقيّة، والمقاربات الفلسفيّة، وحتى الذوق العرفانيّ أحيانًا، فشهد هذا العصر -القرن الحادي عشر والثاني عشر- تأليف مجاميع روائيّة مهمّة أبرزها:
- بحار الأنوار للعلّامة المجلسي (1037-1110هـ)
- الوافي للفيض الكاشانيّ (1007 -1091هـ)
- وسائل الشيعة للحرّ العاملي (1033-1104هـ)
وكان الهدف مع هذه الموجة الجديدة من التصنيف الروائيّ بعد الموجة الأولى التي رصدناها بُعيد الغيبة، هو نفسه حفظ تراث أهل البيت من الضياع بتتبّع الأصول المعتبرة المهجورة، وتدارك قلّة اعتناء المتأخّرين بكنوز آل محمّدعليهمالسلام . وهذا الاتّجاه من البديهيّ أنّه ينطلق كردّة فعلٍ على التطرّف في اتّخاذ العقل وحده أو الفلسفة أو المنطق سبيلًا للمعارف الدينيّة، وأنّه من الضرورة بمكان أن ينطلق طلّاب العلم من معين نقي: الكتاب والعترة.
وهذا النزاع لم يكن محصورًا في دائرة الدراسات العقيديّة والكلام، بل
ربما أخذ مداه أكثر في المجال الفقهيّ؛ حيث احتدم الصراع بين الأصوليّين والإخباريّين، فانقسم فقهاء الإماميّة مبكرًا إلى فريقين: فريق يعتمد الاجتهاد في استنطاق النصّ، واستنباط الأحكام، وما يستلزمه ذلك من تنقيح للقواعد الأصوليّة، وأدلّة الاستنباط المنظّمة لعمليّة استخراج الأحكام من أدلّتها؛ وفريق يرفض الاجتهاد، ويعتمد في مقام الاستنباط على الأخبار والروايات حصرًا، ونأوا بأنفسهم عن الأدلّة الأخرى، كالإجماع، والعقل، وسائر العناصر الأخرى التي اعتبروا الاتّكاء عليها خروجًا عن الدين. وإنّ احتدام الصراع قد يكون أحد أسبابه هو ظهور السترابادي (ت1033هـ)، حيث: «ظلّت العلاقة بين أعلام مدرسة الحديث والأصول علاقة ودّيّة تواصليّة تضمّها حوزة واحدة، بل ومدرسة واحدة، وانحصرت المناقشات والردود بين جدران المدارس، وقاعات الدرس، وصفحات الكتب والرسائل، ولم تبرز الخلافات إلى الساحة الشعبيّة، بل لم تميّز عامّة الشيعة بين الأصوليّ والمحدّث... إلى أن ظهر الاسترابادي وكانت أفكاره متطرّفة، وارتقى في خطابه إلى مراتب خطيرة من التهجّم على الفقهاء، فحكم عليهم بالخروج عن المذهب ولحوقهم بالعامّة».
تزامنت هذه الانتعاشة للتيّارات الإخباريّة في الساحات الشيعيّة، وكلّ تلك التداعيات التي تحدّثنا عنها في العصر السابق، مع ظهور الدعوات السلفيّة في العالم السنّيّ، وبالخصوص المذهب الوهابيّ (1115-1206هـ)، وهذا أمر يدعو للتفكير والتأمّل في دراسة هذا التزامن بين الظاهرتين، والنزعة الطاغية عند الفريقين إلى الذود بالتراث، واللجوء إلى السلف كلّما هزّت العالم الإسلاميّ تحوّلات كبرى في التاريخ. وهذه المرّة واكبت هذه الانتعاشة المتجدّدة للفكر السلفيّ هيمنة الاستعمار الغربيّ على البلاد الإسلاميّة،
وسقوط الدولة العثمانيّة، وإلغاء ما سمّي بالخلافة الإسلاميّة.
تتراءى لنا في هذا العصر عقود من الجمود والتقهقر عاشها العالم الإسلاميّ، ومن تجلياته الجمود والتخلّف في الفكر، والثقافة، والعلوم، وعمّقت هذه الوضعيّة البائسة الفتن الداخليّة والانقسامات الحادة بين أجنحة الفكر الدينيّ في العالم الإسلاميّ، والتي غذّاها الاستعمار وأذكى سعيرها بإحياء النعرات العرقيّة: عرب، فرس، أتراك، أكراد، فراعنة، برابرة،... والفوراق المذهبيّة والدينيّة: سنّة، شيعة، وهابيّة، و... .
وفي هذه الأجواء المتبلّدة والمكفهرّة، فرض تساؤل كبير نفسه: لماذا تخلّف المسلمون وتقدّم غيرهم؟ وما السبيل لنهضة الأمّة من جديد؟
وإزاء هذا التساؤل المركزيّ، ظهرت اتّجاهات عديدة، شرح كلّ منها أسباب الأزمة، وقدّم نظريّة في النهوض والإصلاح، ومن أهمّ هذه الاتجاهات:
- التيّار التغريبيّ العلمانيّ: يمثّله أساسًا النخب المتفرنجة التي انبهرت بالغرب، وبثقافته، وظنّوا أنّ سبيل نهضة المجتمعات الإسلاميّة هو التماهي مع التجربة الغربيّة، فالحلّ يبدأ من التخلّص من الدين وقيوده، والتحرّر منه، فهو مكمن الداء، وبرّروا ذلك بأنّ الغرب نفسه لم يشهد نهضته ولم يحقّق تقدّمه إلّا بعد أن أقصى الكنيسة وأطلق العنان للعقل، ومكّن العلوم في إدارة الحياة وحلّ المشكلات، فالدين سرّ تخلّفنا والنهضة تبدأ من التخلّص منه.
- تيّار الإصلاح الدينيّ: قامت دعوة هذا الاتجاه على تبرئة الدين والعقيدة الدينيّة من تهمة جرّ الأمة إلى أتون التخلّف، وتعليل تردّي أوضاعها بالفهم الخاطئ للدين والتأويلات الباطلة للمعتقدات، وتكريس مقولات مشوّهة لعقيدة القضاء والقدر، ومسؤوليّة الإنسان تجاه أفعاله، وموقع الإنسان في الكون ورسالته في الخلافة الإلهيّة على الأرض، ونادت دعوات الإصلاح الدينيّ إلى ضرورة بناء العقيدة من جديد وفق المفاهيم الأصيلة، متجاوزين أطر التراث الكلاميّ الضيّق الذي سجن منظومة العقائد في قوالب ثقافة الماضين وأسئلتهم ومشاكلهم، وعلّبته داخل أنساق الجدل العقيم والتراشق
لتفسيقيّ مع الآخر المذهبيّ.
قامت دعوات الإصلاح الدينيّ تنشد تصحيح العقيدة والإيمان الدينيّ، وفهم الإسلام كعاملٍ محفّزٍ لتحمّل المسؤوليّات في الحياة، لا تبريرًا للخضوع والاستسلام لكلّ الأدواء التي تعاني منها الأمّة: داء الاستعمار ونهب ثروات الأمّة، داء الأمّيّة والجهل، داء التخلّف الفكريّ والثقافيّ، داء الاستبداد السياسيّ وغياب الحرّيّات، داء الفقر وتردّي الأوضاع الصحّيّة والمدنيّة بشكل عامّ، داء البطالة وتعطيل الثروات، داء التبعيّة وغياب القرار المستقلّ، داء التشتّت والتفرّق... .
كلّ هذه الأمراض وغيرها، وإن لم تبلور تيّارات الإصلاح الدينيّ حلولًا نهائيّة لها، لكنّها سعت إلى تأسيس القاعدة الفكريّة العقديّة الصلبة التي تنطلق معها الأمّة بروح جديدة، لأداء مسؤوليّاتها في مواجهة كلّ هذه التحدّيات، متسلّحةً بمنطق عقائديّ مغاير.
وفي هذا السياق، نلاحظ تقاربًا نسبيًّا بين مسارات الكلام الشيعيّ مع ما شهده الكلام السنّيّ من حراك، ولعلّ حجم التحدّيات المشتركة، وطبيعة الأزمات العابرة للمذاهب والطوائف التي واجهها الجميع جعلت المسارين يلتقيان في بعض المدارات، وشكّلت تجربة جمال الدين الأفغاني (1254-1315هـ) إحدى مدارات وحدة المسارين في الإصلاح الدينيّ والدعوة إلى النهضة، ووحدة الأمّة، ومقارعة الاستعمار، وإن لم تخلو الساحة كلّيًّا من الخطابات المتشنّجة والمتطرّفة في علاقات المذاهب الإسلاميّة بعضها ببعض: (السلفيّة نموذجًا).
ومن رموز هذه المرحلة في ساحة الكلام الشيعيّ، بمعناه الواسع؛ المجدّد محمّد حسن الشيرازي وفتواه الشهيرة في مواجهة الاستعمار البريطانيّ واحتكار الشركات الربويّة للتنباك في إيران، والشيخ النائينيّ الذي وقف في وجه الاستبداد وانخرط بقوّة في الدفاع عن نظام المشروطة، وبالتالي تقييد صلاحيّات الحاكم عمومًا بسلطة تشريعيّة مراقبة، وكتب في
هذا المجال كتابه تنبيه الأمّة وتنزيه الملّة، الذي يعدّ من الكتابات الرائدة في الفكر السياسيّ المعاصر. وأيضًا، الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (1294-1373هـ) الذي يعدّ شخصيّة إصلاحيّة بامتياز في أبعاد عدّة: العلميّة، السياسيّة الاجتماعيّة، الدينيّة العقديّة، فقد كان من روّاد الوحدة الإسلاميّة، وله صلات مع علماء مسلمين من أقطار عديدة، فلا تزال إمامته لصلاة الجماعة في المسجد الأقصى واقتداء علماء المذاهب الإسلاميّة في المؤتمر الذي انعقد بالقدس سنة 1931م ماثلة في ذاكرة التاريخ، ومن كتبه المميزة التي تكشف عن عمق الروح الإصلاحيّة التجديديّة والدينيّة عنده: الدين والإسلام، وهو كتاب في فلسفة الدين وضرورته والردّ على تشكيكات الملحدين والمشكّكين حول التوحيد والنبوّة، وكتاب أصل الشيعة وأصولها، وهو تعريف بنشأة التشيّع، وأصوله العامّة، ومفاهيمه العقيديّة، وردّ الشبهات التي تثار ضدّه، وقد سعى الشيخ في هذا الكتاب أن تكون مقاربته تقريبيّة مع المذاهب الإسلاميّة الأخرى، دون الخوض في المسائل التي تُثير الخلافات، وقد صدر الكتاب في طبعته الأولى سنة (1351هـ/ 1932م).
ومن مواقفه التي تنمّ عن عمق وعيه وبعد نظره، عدم سقوطه في المؤامرة الأمريكيّة الغربيّة لتوظيف علماء الإسلام والمسيحيّة لمواجهة الشيوعيّة، ففي ردّه على دعوة نائب رئيس جمعيّة أصدقاء الشرق الأوسط في الولايات المتّحدة للحضور في مؤتمر رجال الدين المسلمين والمسيحيّين في بحمدون بلبنان، للبحث في القيم الروحيّة المشتركة بين الديانتين والأهداف المشتركة لموقف الديانتين من الشيوعيّة، خاطبه قائلًا: «...يلزم قبل كلّ شيء أن تعرفوا أنّ لسان العمل أبل وأشدّ أثرًا من لسان القول، وأنّ ألوف المؤتمرات والمذكرات وكلّ الاجتماعيّة والمجتمعات ليس لها أيّ أثر إذا لم تكن الدولة المؤسّسة لتلك المؤتمرات والمذكّرات هي في نفسها منسجمة وملتزمة بالقيم المثلى والنواحي الروحيّة. ولا يندفع خطر الشيوعيّة إلّا بتحقيق حرّيّة الشعوب والعدالة الاجتماعيّة وقلع جذور الظلم
والعدوان وقمع رذيلة الحرص والشره على حقّ الغير والتجاوز عليه. فهل أنتم معاشر الأمريكيّين، ويا حكومة الولايات المتّحدة، ويا دولة الإنكليز، هل أنتم واجدون تلك الصفات؟ وهل عندكم شيء من القيم الروحيّة والمثل العليا؟ وهل أبقيتم للقيم الروحيّة قيمة، وقديمًا قال الحكماء إنّ فاقد الشيء لا يكون معطيًا...». وطفق الشيخ يعدّد جرائم الأمريكان، والدول الغربيّة في حقّ المسلمين، بل في حقّ الشعوب الأخرى أيضًا، ليستنتج قائلًا: «...نريد عقد مؤتمر لبنان للبحث في العلاج لدفع خطر الشيوعيّة، ولكن إذا كانت هذه سيرتكم وسريرتكم مع الأمم عمومًا ومع العرب والمسلمين خصوصًا، فلعلّ كثيرًا من الناس يقول: ألف سلام على الشيوعيّة على شدّة نفورنا منها وبعدنا عنها ومكافحتنا المريرة لمبادئها الهدّامة ومحاربتنا لها بكلّ قوانا...؛ لأنّ الشيوعيّة ما استعمرت من العرب دولة، ولا غصبت منّا بلادًا، ولا ابتزّت منّا مالًا وعتادًا. وهذه الحروب الباردة التي تدسها الشيوعيّة في كلّ البلاد، حتّى في النجف، إنّما هي منكم ومن أجلكم...».
ومن رموز العصر: علماء ثورة العشرين محمد تقي الشيرازي، والسيّد هبة الدين الشهرستاني صاحب مجلّة العلم الرائدة وغيرهم...
بعد أن تكلّل عصر الانبعاث بالنجاح النسبيّ واستطاعت الأمّة أن تحرّر بلادها من الاستعمار، وأن تؤسس ما يُسمّى بالدولة الوطنية. عرفت الأمّة الإسلاميّة عمومًا والبيئات الشيعيّة خصوصًا، تحدّيات جديدة أفرزت قضايا وإشكالات جديدة للبحث الكلاميّ، ولقد كان لها في كلّ منعطف رجالات صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه من الذبّ عن هذا الدين، والاستمرار في العمل على الدفع بواقع هذه الأمّة إلى الإمام، ولا يزال هذا القانون ساريًا إلى اليوم.
فإثر حقبة الإصلاح الدينيّ، وبعد تراكمات معركة التحرير من الاستعمار
المباشر، استمرّ الغرب متسلّحًا بمقدّراته المعرفيّة والعلميّة والتقنيّة والسياسيّة في السعي الحثيث للهيمنة على الشعوب عبر وكلائه المباشرين، ومن خلال الترويج لأفكاره وفلسفته ومنظومة قيمه في العالم الإسلاميّ.
إنّ أغلب القيادات والحكومات التي حكمت بلاد المسلمين بعد حقبة الاستعمار هي من النخب المتغرّبة التي تنتمي للاتجاهات العلمانيّة والقوميّة واليساريّة في الإصلاح، وكان مصير رموز تيّارات الإصلاح الدينيّ في أغلب الأحيان التهميش والإقصاء؛ فسادت الأيديولوجيّات الوافدة، وانتشرت الفلسفات الرائجة في الغرب، وشهد عالمنا الإسلاميّ تبعيّة على مستوى الفكر، يقلدّ الآخر في المذاهب الفلسفيّة والفكريّة، كما يقلّده في لباسه وأدواته وتقنياته، وتصدّيًا لهذا الزحف الأيديولوجيّ للتيّارات العلمانيّة، والماركسيّة، والوجوديّة،... أدّى الكلام الشيعيّ دورًا رائدًا في مقارعة هذه الإيديولوجيّات والمذهبيّات الوافدة، فانبرى جملة من العلماء الكبار للردّ، فكانت مجموعة كتابات، مثل: فلسفتنا، اقتصادنا، للشهيد السيّد محمّد باقر الصدر في العراق، وكتب الشهيد مرتضى مطهّري في إيران، والشيخ محمد جواد مغنية في لبنان،... تجسّد محاولات جادّة لردّ عادية هذه الإيديولوجيّات. وكانت لهذه المواجهة الفكريّة بركاتها العظيمة على كلّ صفوف الأمّة في مشارق العالم الإسلاميّ ومغاربه.
ولم يكتفِ الكلام الشيعيّ بالطروحات السلبيّة ونقد الطروحات والإيديولوجيّات الغربيّة، بل التفت روّاده إلى ضرورة التنقيح المناهجيّ لعلم الكلام وفق مقتضيات العصر، فكانت مشاريع رائدةً على هذا الصعيد، ككتاب الطباطبائي أسس الفلسفة والمنهج الواقعيّ، الذي حاول فيه المؤلِّف تنقيح مسألة المعرفة والإدراك وتفسير طبيعة المعرفة البشريّة وحدودها، مما يؤهّله أن يكون قاعدةً فلسفيّةً متينةً لبحوث كلاميّة معاصرة (صدر الجزء الأوّل من الأسس سنة 1953م).
والمؤلَّف الثاني هو الأسس المنطقيّة للاستقراء (سنة 1971 م) للشهيد الصدر، استطاع المؤلّف في هذا الكتاب أن يؤسّس منهجًا جديدًا في المعرفة
والمذهب الذاتيّ، وأن يثبت أنّ الاستقراء يمكن أن يكون أساسيًّا منطقيًّا مشتركًا للعلوم الطبيعيّة والقضايا الدينيّة من الإيمان باللّه والنبوّة... إلخ.
وهنا تخطّى البحث الكلاميّ أطر الكلام القديم وعاش مواجهةً جديدةً احتاجت إلى أدوات وأدلّة جديدة، وهذا هو الردّ الأقوى حضاريًّا على المستوى الفكريّ في المواجهة مع الغرب، ولكن يبدو أنّنا نجهل إلى حدّ اليوم خطورة وأهميّة هذه الأطروحة.
وبالعود إلى واقع العالم الإسلاميّ ككل، ومع الفشل الذي حصدته التجارب السياسيّة لما يسمّى بالدولة الوطنيّة في مختلف أرجاء العالم الإسلاميّ، والانهزام الحضاريّ لهذه الأنظمة، وفشلها في معركة التنمية والتحديث كما يطلقون عليها، انقاد الكثيرون إلى مراجعات فكريّة، تنامت مع هزيمة 1967م أمام الكيان الصهيونيّ. عزّزت هذه الأحداث التيار الدينيّ، وتصاعدت ظاهرة «الصحوة الإسلاميّة» التي رفعت شعارًا مركزيًّا: (الإسلام هو الحلّ)، وعملت هذه التيّارات، بمختلف مشاربها، على أن تعطي لهذا الشعار مدلولاته الواقعيّة، ومضامينه التفصيليّة.
وهكذا عادت قطاعات واسعة داخل الأمّة أدراجها إلى حاضرة الدين والعقيدة، وتكاثرت الحركات الإسلاميّة والأحزاب السياسيّة التي تتبنّى الإسلام إيديولوجيّةً لها.
وكان لانتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، وقيام الجمهوريّة الإسلاميّة، الأثر العميق على هذه الصحوة وامتدادها.
فالثورة قامت على قاعدة عقديّة جديدة في المنظور الشيعيّ تخطّى معها المذهب الإماميّ أطروحة سادت قرونًا طويلة: «كلّ راية تخرج قبل القائم راية ضلال». لقد تجاوز السیّد الخمينيّ في رؤيته العقديّة السياسيّة هذه المقولات، ونادى بضرورة الحكومة الإسلاميّة، وأنّ قيام الدولة الإسلاميّة في عصر الغيبة، هو الوسيلة المثلى للتمهيد للدولة المهدويّة العالميّة، كانت الثورة
والمذهب الذاتيّ، وأن يثبت أنّ الاستقراء يمكن أن يكون أساسيًّا منطقيًّا مشتركًا للعلوم الطبيعيّة والقضايا الدينيّة من الإيمان باللّه والنبوّة... إلخ.
وهنا تخطّى البحث الكلاميّ أطر الكلام القديم وعاش مواجهةً جديدةً احتاجت إلى أدوات وأدلّة جديدة، وهذا هو الردّ الأقوى حضاريًّا على المستوى الفكريّ في المواجهة مع الغرب، ولكن يبدو أنّنا نجهل إلى حدّ اليوم خطورة وأهميّة هذه الأطروحة.
وبالعود إلى واقع العالم الإسلاميّ ككل، ومع الفشل الذي حصدته التجارب السياسيّة لما يسمّى بالدولة الوطنيّة في مختلف أرجاء العالم الإسلاميّ، والانهزام الحضاريّ لهذه الأنظمة، وفشلها في معركة التنمية والتحديث كما يطلقون عليها، انقاد الكثيرون إلى مراجعات فكريّة، تنامت مع هزيمة 1967م أمام الكيان الصهيونيّ. عزّزت هذه الأحداث التيار الدينيّ، وتصاعدت ظاهرة «الصحوة الإسلاميّة» التي رفعت شعارًا مركزيًّا: (الإسلام هو الحلّ)، وعملت هذه التيّارات، بمختلف مشاربها، على أن تعطي لهذا الشعار مدلولاته الواقعيّة، ومضامينه التفصيليّة.
وهكذا عادت قطاعات واسعة داخل الأمّة أدراجها إلى حاضرة الدين والعقيدة، وتكاثرت الحركات الإسلاميّة والأحزاب السياسيّة التي تتبنّى الإسلام إيديولوجيّةً لها.
وكان لانتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، وقيام الجمهوريّة الإسلاميّة، الأثر العميق على هذه الصحوة وامتدادها.
فالثورة قامت على قاعدة عقديّة جديدة في المنظور الشيعيّ تخطّى معها المذهب الإماميّ أطروحة سادت قرونًا طويلة: «كلّ راية تخرج قبل القائم راية ضلال». لقد تجاوز السیّد الخمينيّ في رؤيته العقديّة السياسيّة هذه المقولات، ونادى بضرورة الحكومة الإسلاميّة، وأنّ قيام الدولة الإسلاميّة في عصر الغيبة، هو الوسيلة المثلى للتمهيد للدولة المهدويّة العالميّة، كانت الثورة
الإسلاميّة في إيران ثورةً فكريّةً عقديّةً، في مساقاتها الشيعيّة بالخصوص، قبل أن تكون ثورة سياسيّة.
ولذلك شهدت العلوم الإسلاميّة عمومًا، وعلم الكلام خاصّة، نقلات كبرى، فالتشيّع يواجه للمرّة الأولى تجربة الدولة، وما يفرضه تأسيس الدولة وإدارتها من نقلات نوعيّة: من فقه الفرد إلى فقه المجتمع؛ ومن عقائد الفرد إلى إيديولوجيّة الأمّة؛ ومن تساؤلات التاريخ وإشكالاته إلى قضايا العصر وشبهاته؛ ومن ضيق المذهبيّة والمحلّيّة إلى أفق الأمّة الإسلاميّة والعالميّة الإنسانيّة. وفي هذه السياقات، انتعشت الدعوات إلى تجديد الكلام وتأسيس الكلام الجديد الذي تعود جذوره إلى العصر السابق (مع الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، والشيخ محمّد جواد بلاغي، وأبو المجد الأصفهانيّ...).
وهكذا تبلورت في خضم هذه النهضة العلميّة اتجاهاتٌ عديدة استوعبت كلّ المدارس الكلاميّة التي ظهرت في التاريخ بشكل أو بآخر، ومن هذه المدارس:
وهي المدرسة التي سادت في التاريخ، منذ العصور الأولى من تشكّل المدرسة الإماميّة الاجتهاديّة مع الشيخ المفيد، والسيّد المرتضى، والشيخ الطوسي، ومن ثمّ العلّامة الحلّيّ والمقداد السيوري... وامتدّت هذه المدرسة مع تيّار الأصوليّين في مواجهة الأخباريّة، ومن أبرز رموزها في الساحة اليوم الشيخ جعفر السبحاني، وإن كان لا يخفى سعيه لتحقيق نوع من التوازن والتكامل بين العقل والنقل والفلسفة. ومن الرموز التي يتجلّى في كتبها هذا التوجّه الفقهيّ الأصوليّ في دراسة علم الكلام: الشيخ آصف محسن، في كتابه صراط الحق، وسائر ما كتبه أعلام المدرسة النجفيّة في الكلام، كالشيخ محمّد حسن المظفر، الشيخ محمّد رضا المظفر، والشيخ مرتضى آل ياسين، والسيّد عبد اللّه شبر،... .
(60)
ونقصد الفلسفة الصدرائيّة بالخصوص، فقد بيّنّا في المفاصل السابقة أنّ الكلام الفلسفي بدأ مبكّرًا في القرن السابع للهجرة على يد الخواجة نصير الدين الطوسي، وتصاعد هذا التوجّه الفلسفيّ في العصور المتأخّرة، خاصّة بعد ظهور الفلسفة المتعالية على يد صدر الدين الشيرازيّ (980-1050هـ)، ومن رموز هذه المدرسة السيّد محمّد حسين الطباطبائي وتلاميذه، كالشهيد مرتضى مطهّري، والشيخ جوادي آملي، والشيخ محمّد تقي مصباح اليزدي، ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ المدرسة الفلسفيّة تضمّ اتجاهات أخرى، كالاتجاه الذي يدمج العرفان النظري لمحيي الدين بن عربي (558-638هـ)، كمدرسة السیّد الخمينيّ وتلامذته. ومن الاتّجاهات الفلسفيّة من اهتم أكثر بنقد الفلسفة الغربيّة وبدا أكثر استقلالًا من نتاج الفلاسفة المسلمين خاصّة الفلسفة السينويّة وفلسفة الحكمة المتعالية، كما بدا أكثر استقلالًا في العرفان بالاعتماد على عرفان القرآن والحديث، كالسيّد محمّد تقي الجعفريّ (1344-1419هـ).
في المدرسة الفقهيّة برزت مبادرات تتخطّى أفق المدرسة العقليّة في البحث العقيديّ، وتجاوز أصول المنطق الأرسطيّ الذي ساد وهيمن على الفكر البشريّ لأكثر من 2000 سنة، وهذا الاتجاه هو الأنسب بلقب التجديد، التجديد المنبني على ثوابت المدرسة، وأصولها الراسخة لا التجديد المنفلت التي اتّسمت به الاتجهات الحداثويّة، ومن هناك كان الوصف المدرسة الاجتهاديّة التجديديّة. ويعدّ السيّد محمّد باقر الصدر النموذج الأسمى لهذه المدرسة ولعلّه الوحيد، فلقد أسّس الرجل نظريّةً جديدةً في المعرفة (المذهب الذاتيّ)، والذي يختلف عن المذهب العقليّ والتجريبيّ، ويعدّ طريقًا ثالثًا في تحصيل المدركات وبناء المعرفة.
ولقد استفاد الصدر من مذهبه هذا في بحوثه الفقهيّة والأصوليّة، ولك
عظمة هذا المذهب الجديد الذي لا يزال يجهله الكثيرون حتّى من داخل الحوزة العلميّة تكمن أساسًا في التحوّلات المعرفيّة التي أحدثها ويحدثها (خاصّة ردم الهوة الموهومة بين المعرفة العلميّة وأساس المعرفة الدينيّة)، وتكمن أيضًا في تطبيقاته الكلاميّة؛ حيث يدور الاستدلال على أصول العقيدة، والكثير من فروعها مدار الاستقراء وتراكم القيم الاحتماليّة، فتكون هذه الطريقة متناغمة مع الطريق الفطريّ للمعرفة، بل مع طريقة القرآن في الدعوة للسير والنظر في عالم الكون والحياة والتاريخ: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾(العنكبوت: 20)؛ ﴿قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾(النمل: 69).
ويمكن إرجاع التحوّلات المنهجيّة التي أسّست لها مدرسة الصدر إلى خمس نقلات أساسيّة: من منطق أرسطو إلى المذهب الذاتيّ؛ ومن المذهب الثبوتيّ إلى المنهج التكامليّ؛ ومن المنهج التجزيئيّ إلى المنهج الموضوعيّ؛ ومن عقيدة الفرد إلى عقيدة المجتمع؛ وأخيرًا من الجدليّة المذهبيّة إلى اليقينيّة الإنسانيّة.
ومن الغريب حقًّا، أن يتجاهل بعض من أرّخوا لتاريخ الكلام الإماميّ خصوصيّة منهج الصدر وفرادة مدرسته كما أوضحنا، وينسب الصدر إلى مدرسة الحلّة! أنّه امتداد لتلك المدرسة، فيقول: «إنّ الكلام الحاضر في المرحلة المعاصرة بين فقهاء مدرسة النجف وأصوليّيها والمتّبع فيها هو تعبير عن التيّار الفكري الذي ساد مدرسة الحلّة. وكمثال على العلماء الذين عملوا على معالجة مسائل هذا العصر من خلال منهج مدرسة الحلّة وطريقتها آية اللّه الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر، الذي قدّم نموذجًا وطرحًا جديدًا للاقتصاد والفلسفة والمباحث الاجتماعيّة، وبيّن بعض المسائل، كالنبوّة
والإمامة ضمن إطار جديد، غير أنّ الهيكليّة الأساسيّة والمنهج الذي استفاد منه كان عبارة عن منهج مدرسة الحلّة نفسه».
نادى هذا الاتجاه بتوظيف نتائج التقدّم العلميّ والمعرفيّ في أوروبا ومحاولة الاستفادة منها في البحث الكلاميّ، فاستعان البعض بفلسفة العلوم والابستمولوجيا، كما استفاد آخر من الهرمنوطيقا وتأويل النصّ الدينيّ، كما استعار آخر معطيات اللّاهوت المسيحيّ المعاصر ونتائج العلوم الإنسانية. كلّ ذلك تحت شعار الكلام الجديد. ورغم أنّ هذا الشعار لم يكن حكرًا على هذا الاتجاه، فالمصطلح قديم نسبيًّا ويعود إلى عصر الإصلاح الدينيّ، حيث ارتفعت الدعوات بتجديد الكلام. وقد تبنّى بعض رموز الاتجاهات الأخرى كالمدرسة الفلسفيّة هذا الشعار، لكن وفق مباني هذه المدرسة وضوابطها. نعم، وقفت مدرسة الاجتهاد الفقهيّ موقف الارتياب من الكلام الجديد، ولم تجد مبرّرًا في منظورها لتجديد الكلام؛ لأنّ العقيدة بأصولها وفروعها ولدت ناجزة. نعم، هي تؤمن بالجديد من الكلام على مستوى المسائل الجديدة، والقضايا المستحدثة، والشبهات المعاصرة، التي تتطلّب أجوبة جديدة.
وبدا نتاج بعض رموز هذا الاتجاه الحداثويّ التنويريّ مشوّشًا مربكًا بعيدًا عن أصالة الكلام الإماميّ وثوابته.
التي يمكن اعتبارها بشكل، أو بآخر، الامتداد المعاصر للمدرسة الأخباريّة، حيث يصرّ روّاد هذه المدرسة على مصدريّة القرآن وروايات المعصومين عليهمالسلام للمعارف الدينيّة، وبذلت هذه المدرسة جهودًا لإحياء طريقة المحدّثين، وهم يعتبرون طريقتهم هي طريقة أصحاب الأئمّة وفقهاء الشيعة على مرّ التاريخ، لا أنّ موقفها من الاجتهاد وعلم أصول الفقه، لا يلتقي مع الأخبارية، فهم من أنصار الاجتهاد الكلاميّ، على طريقة الفقهاء في الاجتهاد في الفروع الفقهيّة.
ومن هنا كان رموزهم الأوائل ممن كان له باعٌ في الأصول: مثل الميرزا مهدي الأصفهاني (1303-1365هـ)، وهو الذي تتلمذ على يد المحقّق النائيني ويحظى بثقته البالغة، ومن تلاميذه أقطاب بارزون، كالشيخ مجتبى القزويني (1316-1386هـ) والشيخ وحيد الخرساني (1339هـ-...) وغيرهما... .
وتقوم هذه المدرسة على مبدأ التفكيك والفصل بين سبل المعرفة الثلاثة: القرآن، والرويات، الفلسفة والعرفان. ومن هنا جاءت التسمية، وهذا التفكيك هو السبيل لتصفية المعارف القرآنيّة وتخليصها من كلّ ما شابها من إسقاطات فلسفيّة، وعرفانيّة، وتنقيتها من كلّ الأثقال التاريخيّة التي تراكمت على مدلولات النصّ من المذاهب الإسلاميّة الأخرى ومن الفلسفات الدخيلة، والمدارس المعرفيّة الهجينة... .
يبقى أن نشير إلى أنّ مصطلح التفكيك جاء متأخّرًا عن نشوء هذه المدرسة (مدرسة خرسان المعرفيّة)، وأن صاحب هذا الاصطلاح هو الشيخ محمّد رضا الحكيمي(1354هـ-1443هـ).
هذه محاولة لدراسة تاريخ الكلام الشيعيّ وأهمّ أدواره، وهي دراسة تحليليّة موضوعيّة تعتمد على تحقيب أدوار علم الكلام في المدرسة الإماميّة، وقد انبنت على فرضيّات عديدة سعينا لإثباتها في هذا البحث، وقادتنا هذه القراءة التاريخيّة لمسارات علم الكلام لتأكيد بعضها وإبطال بعضها الآخر.
وانتهى بنا المطاف إلى مجموعة استخلاصات، غدت بالنسبة لنا حقائق ننظر من خلالها إلى هذا التاريخ المشرق لعلم الكلام في مدرسة الإماميّة، والذي ظلّ حيًّا ومتألّقًا شاهدًا على عصره، مستجيبًا لتحدّياته في أغلب فتراته، بل في أشدّها وأصعبها، حين عصفت بالأمّة والمذهب الفتن الطخياء، والمحن الكأداء.
قد تكون هذه النتائج بالنسبة لآخرين موضع نقاش وسجال؛ لأنّ التحقيب وتقسيم أدوار العلم، مهما حشدنا له من شواهد ودلائل، تظلّ مسألة اجتهاديّة، ووجهة نظر محتملة. قد يجد الآخر في التاريخ ما يؤيّد هذه القراءة، وقد يعثر على دلائل لا تنسجم كلّيًّا معها.
في كلّ الأحوال، رست بنا مسيرة البحث، ومحاولة صياغة الإطار العام لتاريخ كلام الإماميّة إلى النتائج الآتية:
أوّلًا: تاريخ علم الكلام قضيّة حيويّة؛ لأنّه يرتبط بفرع محوريّ في خارطة العلوم الإسلاميّة، فهو العلم الأكبر أو الفقه الأكبر، والعلم الذي يمنح الأمّة هويّتها الحضاريّة ويتولّى مهمّة الدفاع عن هذه الهويّة.
ثانيًا: تنوّعت القراءات في تحقيب هذا التاريخ وتقسيمه، ولا نظنّ أنّ مسيرة البحث في هذا السياق سترسو إلى قراءة نهائيّة، يسلّم بها الجميع،
ويتوقّف عندها البحث في الموضوع؛ لأنّ تحليل هذا التاريخ وتتبّعه وتقسيمه مسألة اجتهاديّة نظريّة تتنوّع فيها الرؤى وتتعدّد الأطاريح.
ثالثًا: رصدنا في الساحة العلميّة بعض المحاولات في التحقيب، إلاّ أنّها لا تخلو من نقائص وأوجه قصور، من هذا المنطلق اقترحنا هذا التقسيم الذي يقوم على ثمانية عصور: عصر التأسيس (القرآنيّ والنبويّ)، عصر الإمامة الأوّل، عصر الإمامة الثاني، عصر النضج العلميّ، عصر الكلام الفلسفيّ، العصر الأخباريّ، عصر الإصلاح الدينيّ، والعصر الراهن.
رابعًا: القرآن حضن الكلام، ففي أجواء الوحي القرآنيّ، ومنذ الآيات الأولى أسس القرآن الكريم رؤيةً عقديّةً جديدة للكون والحياة والحضارة، وطفق، طوال ثلاث وعشرين سنة من التنزيل، يعطي تفاصيل هذه الرؤية وضوابطها، كما تضمّن القرآن الكريم العديد من العناصر المحفّزة (مضمونًا، وشكلًا) للعقل الكلاميّ والدافعة للبحث في قضاياه وإشكالاته.
خامسًا: كان للرسول صلىاللهعليهوآله أدوار تأسيسيّة ساهمت في نشأة هذا العلم وتجذّره في بيئته الإسلاميّة، ومن أبرزها: بيان المضامين القرآنيّة للدين الجديد، وشرح الأصول العامّة للعقيدة الإسلاميّة ومفاهيمها التفصيليّة، ومن الأصول التي أكّد عليها الرسول بعد التوحيد، أصل الإمامة والتي اقترن تأسيسها مع إعلان الدعوة.
سادسًا: لا ينتهي عصر النصّ في المنظور الإماميّ بوفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، بل يمتدّ مع الأئمّة الأطهار عليهمالسلام المنصوص على إمامتهم وقيادتهم الفكريّة والاجتماعيّة والدينيّة، ومن هنا كان عصر الأئمة عليهمالسلام امتدادًا للعصر النبويّ، وشكّلت سيرة الأئمّة وموروثهم الروائيّ، وتجارب أصحابهم الذين أشرفوا على إعدادهم وتربيتهم مرجعيّة غنيّة للمتكلّمين عبر التاريخ.
سابعًا: قسّمنا فترة الإمامة إلى عصرين: حقّق الأوّل منهما هدفًا استراتيجيًّا يتمثّل في تحصين الدين وحفظ الإسلام من الاندراس، وتأسيس الكيان الخاصّ، وحقّق الثاني منهما هدفًا آخر وهو استكمال بناء المذهب والتمهيد
للغيبة الكبرى. وفي كلا العصرين، وامتدادًا لخطّ النبوّة اندكّ التأسيس الكلاميّ مع السيرة المطهّرة للمعصومين، فالعقيدة في حياة هؤلاء ليست مدوّنات يُملونها على أصحابهم، ومفاهيم يبلغونها، ومناظرات يديرونها مع الخصوم فقط، بل كانوا التجسيد الحيّ للعقيدة: فهُم عليهاالسلام قرآن ناطق يمشي في الأسواق، ويتحرّك بين النّاس، وإسلام نابض بالحياة يشعّ بأنواره في كلّ تفاصيل الحياة. وهذا ما يجدر بالباحثين في علم الكلام الالتفات إليه، فهذا الاندكاك يشي بالكثير من الدلالات والإضافات.
ثامنًا: تميّزت مدرسة أهل البيت عليهاالسلام التراث المدوّن، فالنبيّ والأئمّة أمروا أصحابهم بكتابة العلم وتدوين الحديث، وهذا يجعل المدرسة الكلاميّة الإماميّة تتميّز في تدوين أصولها الكلاميّة، وطرق التثبّت من صدور الحديث، عن المدارس الإسلاميّة الأخرى.
تاسعًا: تميّز علم الكلام الإماميّ منذ عصر الأئمّةعليهاالسلام بالتنوّع في الاتجاهات عند الأصحاب، إلّا أنّ وجود الإمام عليهالسلام ومرجعيّته تشكّل الإطار العامّ التي تذوب فيه كلّ تلك التوجّهات: روائيّ، عقليّ، ذوقيّ،... .
عاشرًا: بُعيد عصر الغيبة الصغرى، وبداية الغيبة الكبرى، والتي آلت فيه القيادة الدينيّة والفكريّة في المجتمع الشيعيّ للعلماء والفقهاء العدول، أنجز أعلام تلك الحقبة القريبة من عصر النصّ إنجازاتٍ مهمّةً حفظت الموروث الشيعيّ من الضياع، وشرعت في كتابة النصوص.
الحادي عشر: مرّ تاريخ الكلام في زمن الغيبة الكبرى بخمسة مراحل: عصر النضج العلمي، الكلام الفلسفي، العصر الإخباري، الإصلاح الديني، العصر الراهن. وامتازت كلّ مرحلة بظروفها، ومناهجها، ومصنّفاتها، كما اختلفت التحدّيات الداخليّة والخارجيّة التي واجهها التشيّع في كلّ مرحلة من هذه المراحل.
الثاني عشر: على مستوى استشراف مستقبل الكلام الإماميّ، وفي ضوء ما تنبئ به المسارات المعاصرة في الكلام الراهن، وبعد استقراء الاتّجهات
الكلاميّة المتعايشة اليوم، يلوح لنا التوجّه أكثر فأكثر نحو التكامليّة المناهجيّة المنفتحة على كلّ المناهج، هذا التوجّه المتماهي مع البيئة التأسيسيّة الأولى للكلام: القرآن الكريم والدور النبويّ والعصر الإماميّ الذي كان الإمام فيه سقفًا يجمع هذا التنوّع والتعدّد.
(68)
1.القرآن الكريم.
2.الأمين، محسن، أعيان الشيعة، تح: حسن الأمين، بيروت، دار التعارف، لا. ت.
3.الأنصاري، محمّد رضا، عقيدة الشيعة، النجف الأشرف، دار التفسير، ط2، 2016.
4.باشا، أحمد فؤاد، «إبستمولوجيا العلم ومنهجيّته في التراث الإسلاميّ»، مقالة ضمن كتاب: قضايا منهجيّة في العلوم الإسلاميّة والاجتماعيّة، القاهرة، المعهد العالميّ للفكر الإسلاميّ، ط1، 1996.
5.بن علي، الأسعد، التجديد الكلاميّ عند الشهيد الصدر، قم والنجف، مركز الأبحاث العقائديّة، ط2، 1427هـ.
6.حاج حمد، محمّد أبو القاسم، جدليّة الغيب والإنسان والطبيعة: العالميّة الإسلاميّة الثانية، بيروت، دار الهادي، ط1، 2004.
7.الحاكم النيسابوري، محمّد بن عبداللّه، المستدرك على الصحيحين، تح: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلميّة، ط2، 2002.
8.خداميان آراني، مهدي، فهارس الشيعة، قم، مؤسّسة تراث الشيعة، 1431هـ.
9.الرازي، محمّد فخر الدين، التفسير الكبير، لا.م، دار الفكر للطباعة والنشر، ط1، 1891.
10.الريشهري، محمّد، موسوعة الإمام علي عليهالسلام في الكتاب والسنة والتاريخ، موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام، تح: السيّد محمّد كاظم الطباطبائي، قم، مركز بحوث دار الحديث، 1425هـ.
11.السبحاني، جعفر، معجم طبقات المتكلّمين، قم، مؤسّسة الإمام الصادق عليهالسلام، ط1، 1424هـ.
12.شرف الدين، عبد الحسين، النصّ والاجتهاد، بيروت، دار القارئ، ط1، 2008.
13.الصدر، السيّد حسن، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، قم، انتشارات أعلمي،ط2، 1375هـ.
14.الصدر، السيّد محمّد باقر، أهل البيت وحدة هدف وتنوّع أدوار، قم، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، ط2، 2006.
15._________، بحث حول الولاية، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، ط1، 1977.
16.الصفار، محمّد بن الحسن، بصائر الدرجات، تح: ميرزا محسن، طهران، منشورات الأعلميّ، لا. ت.
17.طالقاني، حسن، تاريخ علم الكلام، ترجمة: حسين جعفر، بيروت، دار المعارف الحكميّة، ط1، 2022.
18.الطباطبائي، محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي، ط1، 1997.
19.الطبري، محمّد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، مصر، دار المعارف، ط2، لا. ت.
20.العسكري، مرتضى، العقائد من القرآن، بيروت، المجمع العالمي لأهل البيت عليهمالسلام ، ط2، 2010.
21.آل کاشف الغطاء، محمّد حسین، أصل الشيعة وأصولها، ط1، بيروت، دار الأضواء، 1990.
22.ــــــــــــــــ، المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون، بيروت، منشورات دار الوعي الإسلاميّ، لات.
23.الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، بيروت، دار المرتضى، ط1، 2005م.
24.المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار الوفاء، لا. ت.
25.المدرّسيّ الطباطبائي، حسن، تطوّر المباني الفكريّة للتشيّع في القرون الثلاثة الأولى، لبنان، دار الهادي، ط1، 1423هـ.
26.المدن، علي، تطوّر علم الكلام الإماميّ، بغداد، مركز دراسات فلسفة الدين، ط1، 2010.
27.مطهّري، مرتضى، مدخل إلى العلوم الإسلاميّة (الكلام)، تر: حسن علي الهاشمي، قم، مؤسّسة دار الكتاب الإسلاميّ، 2007.
28.النعماني، محمّد بن إبراهيم، الغيبة، تح: علي أكبر غفاري، طهران منشورات الصدوق، ط1، 1397هـ.