فهرس المحتويات

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)

مقدمة المرکز

باتت الثقافة في عصر الثورة المعلوماتيّة الهائلة والذكاء الاصطناعيّ، سلعةً رخيصةً سهلة التناول؛ ممّا أدى إلى صياغة منظومة الإنسان المعرفيّة على نحوٍ تملّ الإطالة والإسهاب، وتجنح إلى الوجبات المعرفيّة السريعة الجاهزة؛ هذا ما يُنذر بظهور الكسل المعرفيّ والضعف البحثيّ، وانزياح العقل رويدًا رويدًا عن وظيفته الأساسيّة في التفكير والتنظير لصالح التقنيّة الافتراضيّة الحديثة، مع ما لها من إيجابياتٍ، وسلبياتٍ ربما تفوق تلك الإيجابيات.

إذ بعدما تصبح الأوعية المعرفيّة الافتراضيّة متاحةً لكلّ شخص، يصبح العلم أسيرًا في دهاليز الخوارزميّات التي نسجتها الإمبرياليّة المعرفيّة والثقافيّة المهيمنة على العالم، ويكون لعبةً جوفاء لا تُنبئ عن مدى توغّل صاحبها في الحقل المعرفي المبحوث، ومدى تخصّصه فيما يكتب، ويقول، وربما لا يعدو الأمر أن يكون أوراقًا مصقولةً منمّقةً بنماذج التقنية الافتراضيّة، ومعلومات متناثرة ــ وربما موجّهة بأيدٍ خفيّة ــ جمعها الذكاء الاصطناعي من هنا وهناك، لتُعطي إجابةً سريعةً يطلبها عقلٌ خاملٌ استسلم لراحة الكسل العلمي.

من هذا المنطلق، واستجابةً لضرورة المرحلة، وحفاظًا على النشاط العلمي وأثرائه بالدراسات الجادّة والعميقة والمختصرة ارتأينا إصدار سلسلة «أوراق بحثيّة»؛ لتكون منارًا بحثيًا رصينًا، يهدي الباحثين في دروب العلم والمعرفة، وذلك من خلال تقديم كرّاساتٍ معرفيّةٍ مختصرةٍ في شتّى المواضيع العلميّة والبحثيّة.

وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الخَلْقِ محمَّدٍ وآلِهِ الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ.

(7)
(8)

المقدمة[1]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على النبيّ الأمين محمدٍ وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين.

قبل الدخول في بيان المرتكزات ونحوها، نذكر أنّ كلمة «الإلحاد» في اللغة تعني الميل عن القصد، أو الميل عن الحقّ[2]. وقد اشتهر المعنى الأوّل في كتب اللغة، فليراجع.

وأما المعنى الاصطلاحي - وهو ما يهمنا فعلًا في ما نحن فيه - فإنّ «الإلحاد» كلمةٌ قد تطلق على معانٍ متعددةٍ في مقام التداول والجدل، والمعنى المنظور لنا هنا هو أنّه موقف اعتقاديّ سلبيّ إزاء مبدأ الكون، في مقام الجواب على سؤال: من الذي أوجد الكون؟ فهل وجد من خلال حقيقةٍ غير كونيةٍ (وجود غير طبيعي/ميتافيزيقي)، أو أنّ ثمّة قوانين طبيعية هي التي كانت مسؤولةً عن إيجاده ومجرياته وتفصيلاته؟ والإلحاد - كما الألوهية - موقفٌ تجاه الجواب على هذا السؤال، إذ يتمثّل بجوابٍ إنكاري للوجود الماورائي والاعتقاد بعدمه، وإنّ الكون إنّما كان نتيجة قوانين طبيعيةٍ صرفة، فتستبدل عنده فكرة الإله الذكي بفكرة القانون الكوني.

وعليه، فيكون تفسير الملحد لـ«بداية الكون» مشابهًا لتفسيره للمجريات الطبيعية المتضمنة في هذا الكون، من ظواهر فيزيائيةٍ وكيميائيةٍ وما شاكلهما،

(9)

فكلاهما يتم تفسيره لديه وفق القانون الطبيعي، فكما أنّ الكواكب تتحرك على أساس قوانين خاصّة، فكذلك هناك قوانين كونية هي التي انتجت وجود هذا الكون.

وعليه، فإنّ المقصود من الإلحاد في هذا المقال، هو اعتقاد إيديولوجي ينكر الإله الصانع للوجود الماثل، بل لكلّ وجودٍ مفروض. ويتضمّن هذا التعريف ركنين رئيسين:

 الأوّل: إنّ الإلحاد هو من سنخ الإعتقادات، أي من طبيعة الأفكار والمواقف الاعتقادية، فكما أنّ الإلهي يعتقد بالإله الواحد، فإنّ الملاحدة يعتقدون بعدمه، فمثلًا إنّك تارةً تعلم بإنّ زيدًا ذو أخلاقٍ جيدةٍ، وأخرى تعلم بأنّه ليس بذي أخلاقٍ جيدةٍ، وثالثة لا تعلم بأنّه ذو أخلاقٍ جيدةٍ أو غير جيدة، فالأوّل والثاني عبارةٌ عن اعتقادٍ وتصديقٍ بخلاف الثالث؛ إذ لا يملك إزاء أخلاقية زيدٍ اعتقادًا وتصديقًا. والذي يمثّل الحالة الأولى بالنسبة إلى مبدأ الكون هو «الإلهي»، إذ يمتلك اعتقادًا بأنّ الإله هو الذي أوجد الكون، والذي يمثّل الحالة الثانية هو «الملحد»؛ إذ يمتلك اعتقادًا بالإنكار، وأمّا الحالة الثالثة فيمثّلها «اللاأدري». وكثيرًا ما يقع الخلط والالتباس في تشخيص الفارق بين الملحد واللاأدري. والنتيجة، أنّ كلًّا من الإلهي والملحد ينتميان إلى أصحاب الاعتقادات بخلاف اللاأدري.

الثاني: إنّ متعلق الاعتقاد الإلحادي هو إنكار وجود اللّه سبحانه في قبال الإلهي الذي متعلق اعتقاده هو ثبوت وجود الصانع. فهنا ركنان: الأوّل أنّ الإلحاد هو موقفٌ اعتقادي، والثاني هو أنّ هذا الاعتقاد متعلّقٌ بإنكار الصانع الذكي.

وينبغي التركيز فعلًا على الركن الأوّل، ولا مجال للتغافل عنه كما يفعل ذلك قسمٌ من الملاحدة، إذ يغضّون الطرف عن كون الإلحاد اعتقادًا، هروبًا من بعض الإشكالات التي قد يُطالب بعلاجها، وعلى سبيل التوضيح يقال: إنّ الذي يعتقد بشيءٍ ويدّعي أمرًا فلا بدّ أنْ يقيم عليه شاهدًا إمّا لنفسه أو للمجتمع العقلائي، ولا يكفي إبراز الدعوى وإشهارها من دون أنْ تكون

(10)

مشفوعةً بالدليل، فمن يدعي أنّه مختص في الفيزياء فيتوجب أنْ يقدّم الشهادة على ذلك كالوثائق الرسمية الثبوتية، ومجرد أنْ يدعي أنّه متخصصٌ في هذا الجانب أو ذاك بلا مبرر إثباتي فلا قيمة له، وقد قام المجتمع العقلائي على ضرورة إبراز الشاهد في مجال الدعاوى، وكلما زادت خطورة الادّعاء كان إبراز الشاهد إوجب وإكثر إلزامًا.

ومن هنا فإنّ الذي يدعي أنّ اللّه تعالى غير موجود، وأنّ الكون نتاج القانون الطبيعي فعليه أنْ يُبرز الشاهد والدليل على ذلك، لا سيما أنّ هذا الادّعاء هو ادّعاءٌ كبيرٌ وخطيرٌ؛ ممّا يقتضي أنْ يكون الشاهد على هذه الدعوى ممّا ينبغي أنْ يتسم بالقوّة والوضوح والرصانة الموضوعية. إذا، فما دمت تعتقد فعليك الإثبات وإبراز الدليل، وما دام اعتقادك خطيرًا فيتوجب أنْ تتناسب قوّة الدليل مع قوّة الدعوى.

وهذه المطالبة بإبراز الدليل كانت وما زالت تمثّل اشكاليةً كبيرةً في منظومتهم الإيديولوجية؛ لعدم امتلاكهم للرؤية الواضحة تجاه الإلحاد كموقفٍ اعتقاديّ، وسيأتي أنّه من الصعب جدًا من الناحية المنهجية والموضوعية والعلمية إثبات الإلحاد ولو بدرجةٍ اعتقاديةٍ متدنّية. فكان هذا مدعاةً للتغاضي عن كون الإلحاد اعتقادًا وحاولوا أنْ يغيّروا من مسار التعريف، فبدلًا من أنْ يكون الإلحاد اعتقادًا بإنكار الإله الصانع قالوا: إنّه عدم الاعتقاد بالإله الصانع. والتعريف الثاني يقدم الإلحاد على أنّه موقفٌ غير اعتقاديّ بخلاف التعريف الأوّل؛ وذلك تخلّصًا من المطالبة بإقامة الشاهد والدليل على ما يدعونه. مع أنّ هذا التعريف ليس تعريفًا للإلحاد، وإنّما هو تعريفٌ للاأدرية كما علمت آنفًا.

وبكلمةٍ جامعةٍ، إنّ كلّ من يدّعي ادّعاءً في جميع المجالات وعلى كلّ الأصعدة فإنّه مطالبٌ بالدليل على ما يدّعي وسيأتي أنّ الإلحاد بجميع اتجاهاته لا يملك الحجّة المعرفية ولا الفلسفية ولا العلمية. فمثلًا إنّ الإلحاد معرفيًا لا يعتقد إلّا بالمصدر الحسّي في حين أنّ الحواس الخمس لا تبرر

(11)

الاعتقاد بالأشياء التي لم تنلها، فإنّ العين إذا لم تتمكن من رؤية موجودٍ معيّنٍ فلا يعني أنّ هذا الشيء غير موجودٍ واقعًا، وإلّا فكثيرٌ من الكائنات الدقيقة غير مشاهدةٍ بالحسّ مع أنّها موجودةٌ واقعًا بنحوٍ يقيني.

ونستفيد ممّا تقدم، أنّ الإلحاد ليس موقفًا نفسيًا وحالةً مزاجيةً شخصيةً ليُقاس مثلًا- على باقي الفنون كالرسم والموسيقى والطبخ، وما إلى ذلك، بل كما ذكرنا هو موقفٌ اعتقاديّ يحتاج إلى ما يثبته. وممّا يؤسف له أنّ بعض كبار الملاحدة يصدّر الإلحاد على أنّه من قبيل الأمور النفسية والمزاجية والشخصية، فكما أنت تعجبك الموسيقى أو الطعام الفلاني، فكذلك أنا يعجبني أنْ أكون ملحدًا، وهذا ليس شيئًا ينطق به عوام الملاحدة، بل بعض رؤسائهم من قبيل ما طرح في اللقاء الرباعي فيما يُسمّون أنفسهم بـ «الفرسان الأربعة»، إذ يتضح هناك ضحالة الفكر وضعف الحجة، وقد أساؤوا للإلحاد بأفكارهم قبل أنْ يُسيؤوا للإلهيين، فإنّ هذه المواقف الاعتقادية ليست أمورًا مزاجيةً بوسع الإنسان أنْ يختارها أو حالات نفسية محضة قد تعجب الإنسان أو لا تعجبه كالرغبة بتصميم الدار بهذه الطريقة مثلًا دون تلك الطريقة، بل إنّك مرغمٌ على الاعتقاد بالإله أو عدم الإله وفق قواعد البحث العلمي، وعليك إبراز الحجة العلمية أو الفلسفية على ذلك، فإنّ هذا هو شأن الاعتقادات، إذ ليس بوسع أحدٍ أنْ يغيّر من نتيجة معادلةٍ في علم الرياضيات - مثلًا- بدعوى أنّه يعجبه ذلك، بل إنّ الإنسان ملزمٌ بالنتيجة الواقعية لا أقل من ذلك ولا أكثر.

ثم، لو كانت الاعتقادات أمورًا مزاجية فلماذا تكتبون الكتب وتعقدون الندوات وتقيمون الحوارات في إبطال فكرة الإله الذكي؟ فليكن هذا أمرًا مزاجيًا، وإنّ كلّ شخص له أنْ يختار ما يشاء مزاجه!

والخلاصة، أنّ الإلحاد هو اعتقادٌ وليس أمرًا غير اعتقاديّ، كما أنّه ليس أمرًا اختياريًّا ومزاجيًّا، وبوسع كل أحدٍ أنْ ينتقي العقيدة التي يرغبها بمحض حالته النفسية.

وأما الركن الثاني، وهو أنّ متعلق الاعتقاد الإلحادي (إنكار الإله). فهنا

(12)

أجد نفسي ملزمًا بتوضيح الفرق بين الملحد والربوبي، فإنّ الربوبي هو شخصٌ يعتقد بوجود اللّه تعالى، ولكنّه ينكر الأديان، أمّا الملحد فيعتقد بإنكار الإله دون أنْ يكون له موقفٌ من إنكار الأديان في نفسها، بمعنى أنّ الملحد قد لا تكون له مشكلة مع الأديان، وإنّ إنكاره لها إنّما كان من ناحية إنكاره لوجود اللّه سبحانه، ولو سألناه هذا السؤال: على تقدير وجود اللّه تعالى هل تعتقد بالأديان؟ لأمكن أنْ يدّعي بعض الملاحدة صحّة الدين ولا مانع من الاعتقاد به عندهم، وهذا في قبال الربوبي فإنّه لا يعتقد بالأديان بغض النظر عن الاعتقاد بوجود اللّه سبحانه وعدمه.

وهذا التفريق مهمٌّ وندفع به الخلط الذي وقع به معظم الملاحدة حيث يناقشون فكرة الإله من خلال عدم صحة الأديان مع أنّ إنكار الأديان لا يستلزم إنكار وجود اللّه تعالى، كما أنّه لا يصح منهجيًا للملحد أنْ يناقش الأديان وهو يبني على عدم وجود اللّه سبحانه؛ لأنهّ سوف يكون الإنكار أمرًا طبيعيًا؛ فإنّه من المعلوم أنّ صحة الأديان متفرعةٌ ومتوقفةٌ على الاعتقاد بالإله الصانع. نعم، يمكن للملحد أنْ يناقش الأديان ولكن بعد افتراضه وجود اللّه تعالى ولو على سبيل التقدير فيقول مثلا: لو سلّمنا بوجود اللّه فيرد على الأديان كذا وكذا، ويكون حينئذٍ في الموقف نفسه الذي يقفه الربوبي. وهذا الخلط أيضًا قد وقع به كبار الملاحدة حيث يناقشون فكرة الإله من خلال اقتطاع نصٍّ دينيّ والإشكال عليه من دون بيان مرتكزاته وما يستند عليه، على أنّ نقد الدين لا يعني بحال بطلان فكرة الإله على ما أشرنا إليه آنفًا.

إذا، فيتوجب أنْ تكون هناك تراتبيةٌ في مقام النقاش؛ فأولًا يجب أنْ تُبحث فكرة وجود اللّه تعالى، ثم تبحث صحة الأديان. ومن هنا تعرف الارتباكات المنهجية في مناقشة الإعجاز وعدم تعقّله من قبل الملاحدة؛ فإنّهم يسلّطون نقدهم عليه بعد أنْ استبعدوا فكرة مسؤولية الإله في إيجاده، ومن الواضح أنّ حذف عنصر «التدخل الإلهي» من المعادلة ينتج بشكلٍ طبيعي عدم معقولية المعجزة، ولكن هذه المناقشة خاطئةٌ منهجيًّا، فإنّ المعجزة في الأديان متقومةٌ

(13)

بالتدخل الإلهي فلا تصحّ إلّا معه، وإذا ما افترضنا أنّ اللّه قد تدخّل في إيجاد المعجزة فسوف يصبح وجودها أمرًا طبيعيًا اعتياديًا. وينبغي أنْ يكون هذا واضحًا حتى عند الملحد؛ لأنّ الملاحدة عمومًا لا ينكرون علم اللّه وقدرته غير المحدودة على تقدير وجوده، وعليه فإنّ افترضنا وقدّرنا وجوده سبحانه فلا معنى لمناقشة معقولية الإعجاز.

ثم ينبغي أنْ نشير في هذه اللمحة إلى أنّ نظرنا فعلًا وإنْ كان موجّهًا إلى الإلحاد بعنوان أنّه معاصرٌ إلّا أنّ تقسيم الإلحاد إلى قديم ومعاصر قد لا يكون تقسيمًا دقيقًا في الحقيقة، ذلك أنّ الإلحاد ليس إلّا الاعتقاد بإنكار وجود اللّه تعالى، وهو موقفٌ واحدٌ لا يختلف بين زمان وزمان، وإنْ كان في كلّ زمانٍ قد يمارس الملاحدة نوعًا من الأدلّة التي قد تختلف عن الأدلّة في زمانٍ آخر، وقد تتوافق مع المعطيات العلمية المطروحة في زمانهم، فمثلًا كان الإلحاد قديمًا يعتمد على بعض الأساليب العقلية في إنكارهم للوجود الإلهي، وكانوا يقولون مثلًا بأزلية الكون، أمّا في هذا الزمان فلا يعتقدون بذلك.

 

(14)

مرتكزات الإلحاد المعاصر

ثم، ينبغي أنْ نبحث عن الأسس والمرتكزات المعتمدة عند الملاحدة، فإنّ لصاحب كلّ فلسفةٍ أو إيديولوجية أو فكر، مباني ومرتكزاتٍ معتمدة عنده في تحقيق فلسفته أو إيديولوجيته أو فكره، فإنّه حتى يتم تحقيق مسألةٍ من مسائل فلسفة أو فكر معيّنٍ لا بدّ أنْ تعتمد على بعض الأسس، ونطلق عليها في مقالنا بـ«المرتكزات»، فعالم الطبيعة مثلًا كالفيزيائي أو الكيميائي لديه مصدرٌ معتمدٌ في تحقيق مسائله من قبيل الحس والتجربة، وعالم التأريخ مصدره في تحقيقاته التاريخية هو الاعتماد على الوثائق التاريخية المنقولة، وهكذا.

ومقصودنا بمرتكزات الإلحاد - حينئذٍ - تلك الأسس التي يعتمدها الملحد في إثبات إلحاده، فمثلًا على أي أساسٍ يعتمد في إثباته لإنكار الوجود الماورائي؟ وما هي المباني والمصادر التي بنى عليها في سيره الاستدلالي؟ وهذا السؤال يتوجّه إلى الإلهي، بل إلى كلّ صاحب معتقدٍ وفكرٍ أو موقفٍ حتى اللاأدرية، فما هي الأسس المعتمدة عند الإلهي في إثبات وجود الصانع الذكي؟ وما هي الأسس المعتمدة عند اللاأدري في التزامه بالموقف اللاأدري؟ فهناك مبانٍ ومرتكزاتٌ معتمدةٌ عنده، كما أنّ هناك مرتكزاتٍ في الجانب الآخر، ولابدّ من محاكمة هذه الأسس والمرتكزات وفق الأسلوب الموضوعي القائم على الحياد وعدم الانحياز.

ولمّا كان الملاحدة ليسوا جميعًا على وتيرةٍ واحدةٍ من ناحية هذه المرتكزات، فيجدر بنا أنْ نسلّط الضوء على المرتكزات المشتركة بينهم، أو بين الأعم الأغلب منهم، وما سوف نذكره عنهم يُعدّ من المرتكزات الرسمية - إذا صح التعبير- لديهم.

 

(15)

المرتكز المعرفي

المرتكز المعرفي: المقصود من هذا المرتكز هو ما يكون الباحث فيه معتمدًا على أسسه المعرفية التي حقّقها - أو ينبغي أنْ يُحقّقها - في علم نظرية المعرفة. والمقصود من علم المعرفة إجمالًا، العلم الذي يبحث عن طبيعة المعرفة من حيث مصادرها وحدودها وطبيعتها وما إلى ذلك. فهل إنّ مصادر المعرفة في الذهن البشري منحصرةٌ في الحواس الخمس، أو إنّ هناك مصادر معرفية أُخر تمدّ الإنسان بطيفٍ آخر من المعرفة غير المعرفة الحسية، من قبيل المصدر العقلي؟ ثم ما هي حدود المصدر المعرفي؟ فمن المعلوم أنّه ليس كلّ مصدرٍ معرفيّ له إمكانية اكتساب كلّ معرفة، فمثلًا الحسّ ليس له مكنة اكتساب علوم الرياضيات، كما أنّ التحليل والاستنتاج العقلي المعمول به في علم الرياضيات ليس له صلاحية اكتساب المعلومات الحسية. وأيضًا، ما هي طبيعة وجود «المعرفة البشرية»؟ وهل إنّها وجودٌ ماديّ على حد سائر الوجودات المادية، أو إنّها وجودٌ ماورائي مجرد من عالم المادة؟

وبالنسبة إلى الإلحاد، فإنّ له مرتكزاتٍ معرفيةً خاصّة، قد اعتمدها في إثبات إلحاده، ومن أهم هذه المرتكزات المعرفية ما اعتمده في موضوع مصادر المعرفة، إذ لم يقبل بغير المصدر الحسي طريقًا إلى معارفه ومعلوماته، ورفض المصدر العقلي، فكانت المعطيات المعرفية المعتمدة لديه لا تخرج عن دائرة ما تناله الحواس الخمس من مشمومات وملموسات ومرئيات ونحوها، فأنكر كلّ الموجودات الماورائية الميتافيزيقية؛ وذلك لأنّها ببساطة ليست من الأمور الحسية.

وهذا المصدر - أعني المصدر الحسّي - ليس حكرًا على اتجّاهٍ معيّنٍ من ناحية الاعتقاد به، بل هو معتمدٌ عند الإلهيين أيضًا، لكنّ الإلهي يعتمد على مصادر معرفية أخرى بالإضافة إلى المصدر الحسي. كما إنّ هذا المصدر ليس خاصّة الإنسان، وإنّما تشترك معه جميع أو معظم الحيوانات، على ما هو ظاهر للعيان. بل بعض الحيوانات تمتاز بقوة بعض الحواس لديها بما يفوق ما عند الإنسان بكثير.

(16)

وعليه، فالملحد يعتمد في تحقيق أفكاره على المصدر الحسّي، لكن هل هناك مصدرٌ آخر معتمد لديه؟ أشرنا آنفًا أنّه لا يؤمن إلّا بالمصدر الحسي، ونفى المصدر العقلي، أو أسقط موضوعيته عن الاعتبار على خلافٍ بين بعض المدارس المنطقية وهذا بخلاف المدرسة العقلية التي تعتمد على المصدر العقلي وتقرّر أنّ هناك منافذ أخرى للذهن البشري يستمد من خلالها بعض المعطيات المعرفية التي ليست هي من قبيل المعطيات الحسية، فليست هي من الألوان أو الأصوات أو الروائح أو ما شابه ذلك، وإنّما هي معطيات غير مشوبة بالأمور الحسية، من قبيل علوم الرياضيات التي ليست هي من قبيل المعرفة الحسية، وإنّما الذي يدركها مصدرٌ آخر، وهو الذي يعبّر عنه بالصدر العقلي، كذلك من المعطيات غير الحسية المعاني العامة كمعنى الفرح والهم والحزن ونحوها، فإنّ هذه معلوماتٌ ومعارف موجودةٌ داخل الذهن البشري مع أنّها ليست من المعطيات الحسّية.

وبالنسبة إلى الاتّجاه الحسي الذي يؤمن به الملاحدة عاجزٌ فعلًا عن تفسير المعطيات المشار إليها، إذ إنّها من جهة ليست حسّية جزمًا ومن جهة أخرى هم لا يقبلون بغير الحس مصدرًا، فوقعوا في إشكالية من هذه الناحية، فعلم الرياضيات الذي هو من العلوم التجريدية غير الحسية - باتفاق الجميع - لا بدّ أنْ يسقط عن الاعتبار على حسب مبانيهم، مع أنّه لا قائل بذلك منهم، بل شعر كبار فلاسفتهم بنوعٍ من الإحراج في مقام تفسير هذا التناقض.

كذلك؛ من الإشكاليات المحرجة لهم أنّ « الأسس» التي قام عليه الفكر البشري لا تمثّل أمورًا حسيةً وهم يعترفون بذلك، من قبيل «اجتماع النقيضين محال» فهذه قضيةٌ عقليةٌ وليست حسية، إذ إنّها ليست من الأمور الملموسة أو المرئية أو المشمومة أو ما شابه، ولنا أنْ نتساءل: هل إنّكم تؤمنون بهذه القضية أو لا ؟ فإنْ قلتم: «نحن نعتقد باستحالة اجتماع النقيضين»، فهذا اعترافٌ واضحٌ ببعض المعطيات غير الحسية. وإنْ قلتم: «نحن لا نعتقد بهذا القضية

(17)

وإنّ النقيضين يجوز اجتماعهما» فهذا يعني انهيار الفكر البشري بكامله، حتى إلحادهم سوف لا يثبت؛ لأنّ كلّ فكرةٍ تؤخذ بعين الاعتبار سوف يقال بشأنها: إنّ نقيضها صحيح وجائز، وحينئذٍ يكون الاعتقاد بالإله اعتقادًا صحيحًا الذي هو نقيض الاعتقاد بعدمه!!

وأمّا الإلهيون ففي سعةٍ من هذه الإشكالية؛ لأنهم لا يقصرون نوع المعرفة البشرية بالحسيات ولا يلتزمون بانحصار المصادر بالمصدر الحسّي، بل يتعدّون إلى غيره كما عرفت قبل قليل.

 والنتيجة أنّ المرتكز المعرفي الذي اعتمد عليه الإلحاد في إنكاره للوجود الإلهي ليس صحيحًا، ومناقش فيه من الجهات التي ذكرناه كما أنّ هناك إشكاليات أخرى أعرضنا عن ذكرها للاختصار.

وإذا فشل الإلحاد في تقديم المرتكز المعرفي سوفيطال الفشل باقي المرتكزات؛ وذلك لاعتمادها على هذا المرتكز، ولكن سوف نتجاوز هذه الإشكاليات ونقوم باستعراض ومناقشة المرتكزات الأخرى.

المرتكز المنطقي

المرتكز المنطقي: المقصود من «المنطق» في هذا العنوان؛ الطريقة التي يسلكها الذهن في استنتاج الأفكار والوصول إلى نتائج معينة، فمثلًا إذا اردت أنْ أعرف أنّ هذا القماش جيدٌ، فيمكن للذهن أنْ يستدلّ على ذلك من خلال مشاهدة ما يماثله بالنوع مسبقًا، وكان مثلًا قد رآه جيدًا، فينتقل من الحكم الثابت في القماش المشاهد سابقًا إلى إثبات الحكم نفسه للقماش الذي نريد التعرف عليه، ويُطلق على هذه الطريقة من الاستدلال وآلية انتقال الذهن إلى النتيجة في عرف المناطقة بـ«التمثيل».

وعليه، فالطريقة المنطقية إذا ما سلكت من قبل الذهن فسوف تولّد معرفة من معرفة أخرى، وهذه المعرفة الأخرى التي يعتمدها الذهن هي من المعارف المحقّقة سلفًا أو الواضحة حدّ البداهة، ولا يعني هذا أنّ كلّ طريقةٍ منطقيةٍ

 

(18)

هي طريقةٌ موضوعيةٌ ومضمونةٌ في مقام الاستنتاج والاستدلال، بل بعض الطرق زائفةٌ وبعضها غير ناضجٍ كما أنّ هناك طرقًا منطقيةً صحيحة، فخذ مثلًا أنّ طريقة «التمثيل» ليست من الطرق المنطقية الصحيحة وإنْ كان الناس في تعاملاتهم الحياتية يجرون عليها ويعملون بها، وإلّا فكون هذا القماش جيدًا لا يستلزم بحال أنْ يكون شبيهه له الحكم ذاته.

ومن الطرق المنطقية المذكورة في كتب المنطق، طريق التتبع والاستقراء، إذ تتبع موارد معينة في موضوعٍ ما، يبرر الحكم الكلي على ذلك الموضوع، من قبيل تتبع تمدد الحديد عند تسليط حرارةٍ عليه في موارد متعددةٍ ومواطن مختلفةٍ فينتهي الذهن إلى إثبات حكمٍ عامٍّ كليّ، وهو «أنّ كلّ حديدةٍ تتمدّد بالحرارة» فنلاحظ أنّ الذهن انتقل من موارد خاصّة محدودةٍ إلى الحكم الكلّي العام؛ ولذا يقال عن الاستقراء: «إنّه انتقالٌ من الخاصّ إلى العام». وأمثلته في حياتنا الاعتيادية والعلمية كثيرةٌ جدًّا، فمثلًا تتبع العقاقير الطبية بتجربتها على بعض الأشخاص، ومن ثم تعميمها على المستوى العام البشري، وهكذا في مجالات الفيزياء والكيمياء والاجتماع والنفس والاقتصاد، وما إلى ذلك.

وهناك طريقٌ ثالث، وهو طريق الملازمات العقلية[1]، ويُعبّر عنه بطريق القياس العقلي أو الطريق الاستنباطي. ويفترض في هذا الطريق أنْ تكون هناك ملازمةٌ بين قضيتين، فينتقل الذهن من إحداهما إلى الأخرى من قبيل التلازم بين وجود النار وجود الحرارة، فإذا شاهد الإنسان النار انتقل ذهنه إلى الحرارة، ومثله إذا علمنا أنّ هناك مثلثًا فسوف ينتقل الذهن إلى أنّ مجموع زواياه تساوي 180 درجة؛ وذلك لوجود تلازمٍ بين كون الشكل مثلثًا وبين امتلاكه درجة 180. فنلاحظ أنّ الانتقال الذهني كان عبر الملازمات العقلية وليس هو كالطريقين الأوّل والثاني.

وبعد أنْ استبعدنا الطريق الأوّل من ناحية عدم ثبوت القيمة العلمية له، يبقى الحديث عن الطريق الثاني الاستقرائي والثالث العقلي، وبالنسبة إلى

(19)

الملاحدة لا يعتقدون بالطريق العقلي وإنّما يتم اعتمادهم منطقيًا على الطريق الاستقرائي، وعندما ذكرنا أنّ الإلحاد له مرتكزٌ منطقيّ في إثبات مدعاه فنريد أنّه يعتمد الطريق الاستقرائي في إثباتاته، والسبب الذي دعاهم إلى الاقتصار على هذا الطريق هو أنّهم يعتمدون معرفيًا على المصدر الحسّي كما عرفت، والاستقراء إنما هو تتبع وملاحظات حسية، ولمّا كانت الماورائيات ليست مشاهداتٍ حسية، فلا تخضع حسب فهمهم إلى الطريق الاستقرائي، ومن هنا فإنّهم رفضوا الماورائيات وادّعوا أنّها لا تستند إلى حجة منطقية فإنّ الحجج المنطقية عندهم منحصرةٌ فقط بالحجة والطريق الاستقرائي المعتمد كليًّا على الملاحظات و الأمور الحسية.

أمّا بالنسبة إلى الإلهيين فإنّهم لا يرفضون طريق الاستقراء ولكن لا على أنّه السبيل المنطقي الوحيد في الإثبات، بل هناك الطريق العقلي، وهو طريقٌ موضوعيّ وسليمٌ ومعمولٌ به في جملةٍ من العلوم كعلم الهندسة والرياضيات والفيزياء ونحو ذلك، ويعتني الإلهيون بهذا الطريق المنطقي في إثبات وجود اللّه سبحانه عبر سبلٍ كثيرةٍ، مثل أنّ عالم المادة عالمٌ مركبٌّ من أجزاء، وكلّ شيءٍ يكون كذلك فهو حادثٌ وله بداية، كما أنّ العلم الحديث يقضي ببداية الكون ويحدّد عمرًا زمنيًا له، وإذا كان الأمر كذلك فالعقل ينتقل من الكون الحادث إلى ضرورة أنّ له مُحدِثًا لا ينتمي إلى الطبيعة الكونية، وإلّا فإنّ الملازمة العقلية قاضيةٌ أيضًا باستحالة أنْ يوجد شيءٌ من لا شيء.

ويمكن أنْ يُناقش الإلحاد وعموم المدرسة المادية، بعدة أمورٍ نذكر منها ثلاثة:

الأوّل: إنّ العلاقة بين الأثر (المُسبَب بالفتح -) والمؤثّر (السبب) من العلاقات المعمول بها والمعتمدة في المجتمع العلمي من الناحية العملية؛ فإنّ معظم الاكتشافات العلمية يسلك فيها من الأثر إلى مؤثره، وكذا إنّ كلّ تعاملاتنا وعلى جميع المستويات يسلك فيها هذا المسلك، فالطبيب عندما يكتشف أنّ في المريض فيروسًا معينا إنّما اعتمد في اكتشافه على بعض الآثار

(20)

الناتجة من ذلك الفايروس، ولو لم تكن في ذهن الطبيب علاقة السببية لما صحّ منه هذا التشخيص، بل لتعطل علم الطب وباقي العلوم لعدم ثبوت علاقة بين أيّ شيءٍ مع أيّ شيءٍ آخر على تقدير الإنكار. فلو التزمنا بما التزم به الملاحدة وعموم المدرسة المادية من عدم ثبوت علاقة السببية العقلية لما استقرّ حجرٌ على حجر، ولتوقفت العلوم جميعًا، وعمّت الفوضى على المستويين الكوني والاجتماعي.

الثاني: عندما يقول الملحد أنّ طريق الملازمات العقلية طريقٌ غير صحيحٍ، وإنّ طريق الاستقراء هو الطريق الصحيح. نقول لهم: كيف علمتَ أنّ طريق الاستقراء طريقٌ صحيح؟ فإنْ لم يأتِ بدليلٍ على هذا المدعى فسوف لا تكون قيمة لدعواه. وإنْ جاء بالدليل فنسأله هل هذا الدليل سببٌ وعلةٌ لإثبات صحّة طريق الاستقراء أو ليس سببًا لذلك؟ فإنّ قال: هو سببٌ له. قلنا: إذا اثبت السببية والتلازم العقلي. وإنْ قال: ليس سببًا، قلنا: إذا لا ينفع في الإثبات.

الثالث: إنّ دعواهم من كون طريق الاستقراء ليس له القدرة على إثبات الوجودات الماورائية مجانبةٌ للصواب، بل يمكن أنْ يكون الاستقراء طريقًا لإثبات الوجود الإلهي كما ساق إثبات ذلك السيد الشهيد الصدر (قده) في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء، وطبقّه فعليًا في كتابه المُرسِل والرسول والرسالة، وسوف نشير إليه إنْ شاء اللّه تعالى.

المرتكز العلمي

المرتكز العلمي: المقصود بهذا المرتكز يتّضح بعد بيان المراد من «المنهج العلمي»، إذ يُراد به الخطوات التي تتبع لضمان الوصول الى نتائج مقبولةٍ في دائرة العلوم غير الزائفة، فإنّ العلوم حسب منظور المهتمين بمناهج البحث العلمي، تنقسم إلى قسمين:

الأوّل: العلوم الحقيقية (الموضوعية): وهي نوع العلوم التي تعتمد على أسسٍ مقبولةٍ عند العقلاء وذات أهدافٍ واضحة، وإنّ أدوات التحقيق فيها معترفٌ بها من الناحية العقلائية والعلمية، وهذا مثل العلوم الطبيعية، فإنّها

(21)

تعتمد على مناهج تجريبيةٍ واضحة، واختباراتٍ ظاهرةٍ ونتائج ملموسةٍ، وتستهدف أغراضًا مقبولةً في المجتمع العلمي العقلائي.

وكذا مثل علم المنطق والرياضيات اللذين يعتمدان منهج الملازمات العقلية، وإنّ النتائج المترقبة فيهما نتائج حقّة. وكذا من العلوم الحقيقية الموضوعية العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع والاقتصاد والقانون وغيرها، فجميع هذه العلوم تعتمد على مناهج موضوعية، ولها نتائج مقبولة وذات أهدافٍ مرضية.

الثاني: العلوم الزائفة (غير الموضوعية)، وهي بخلاف العلوم الحقيقية كعلم قراءة الكفّ والشعوذة ونحوهما، ويُعبّر عن هذه العلوم بأنّها زائفة؛ لأنّها لا تعتمد على منهجٍ واضحٍ ومعروف، كما أنّها قائمةٌ في كثيرٍ من الأحيان على التزوير والخداع، وليس لها أهداف معتمدة في العرف العلمي والعقلائي، فهي علوم مزيفة عن الحقيقة.

وينبغي أنْ نستبعد العلوم الزائفة من دائرة البحث العلمي والموضوعي، وإنّما يتم الاعتماد على القسم الأوّل من العلوم فقط.

وإذا كان المعتمد هي العلوم الحقيقية فيتوجب العمل- في خصوص بعض العلوم1 - بخطوات المنهج العلمي في قبال ما يتبع في دائرة العلوم الزائفة. وإنّ كلّ ما سنتحدّث عنه في بيان المرتكز العلمي عند الإلحاد - استعراضًا ومناقشةً - إنّما يكون في دائرة العلوم الحقيقية لا الزائفة.

هذا، وقد وقع الاختلاف بين الإلهيين والملاحدة في بعض العلوم، في أنّها من العلوم الحقيقية أو الزائفة، بل إنّ الملاحدة أنفسهم قد اختلفوا في بعض العلوم من ناحية أنّها حقيقية أو ليست حقيقية. فمثلًا إنّ علم الأخلاق والقانون ممّا اختلف فيهما الملاحدة، فبعضهم قال: إنّها من العلوم الزائفة، إذ ليست هناك معياريةٌ للأخلاق يمكن أنْ تُعتمد بناءً على إنكار وجود اللّه، كذلك لا ملزم للالتزام بقانونٍ يفرض على الإرادة البشرية أيًّا كانت الجهة التي صدر منها القانون، فإنّ علم الأخلاق والقانون إنّما يقيّدان إرادة الإنسان

(22)

ويمنعان من حريته، وبعبارة بعض كبار الملاحدة «لو لم يكن اللّه موجودًا فافعل ما شئت»، وكلّ الفلسفات الإلحادية العبثية والفوضوية لا يعيرون وزنًا وأهميةً للقانون و الأخلاق فضلًا عن الاعتراف بالأديان والعلوم العقلية، إذ يجعلونها جميعًا من العلوم الزائفة.

وهناك من الملاحدة من يلتزم بإنّ علم الأخلاق والقانون من العلوم الحقيقية، ولكن سيأتي أنّ هؤلاء عاجزون عن تقديم معياريةٍ موضوعيةٍ لذلك، وسيتضح أنّ الإلحاد لا يجتمع مع ثبوت علم الأخلاق والقانون.

وبعد أنْ تعرّفنا على ما هو المراد من المرتكز العلمي عند الملاحدة وأنّه المنهج المعتمد ذاته من قبلهم في إثبات مقاصدهم عبر خطواتٍ تتبع وصولًا إلى النتيجة التي يرومون إثباتها، وهي إنكار وجود الصانع. نتساءل عن ما هي هذه الخطوات التي تتبع من قبل الباحث العلمي، ملحدًا كان أو غيره، للحصول على النتيجة العلمية؟

في الحقيقة، إنّ هذه الخطوات محلّ اختلافٍ بين علماء المنهج العلمي من ناحية عددها، ومن ناحية التقديم والتأخير في ترتيبها. وأيًّا كان، فإنّا ذاكرون ما يهمنا منها في موضوع بحثنا، ولا نجد حاجةً إلى تحقيق العدد والترتيب، وما سوف نذكره يمثل أحد الآراء في المسألة.

خطوات منهج المرتكز العلمي

الخطوة الأولى: الملاحظة.

الخطوة الثانية: الفرضية.

الخطوة الثالثة: الاختبار العلمي أو التجريبي.

ولكي يتضح المعنى نذكر مثالًا علميًّا ونطبق عليه هذه الخطوات، فإذا رأى طبيبٌ مريضًا، ووجد ارتفاعًا في درجة حرارة بدنه، فهنا قد لاحظ الطبيب شيئًا ورصده في المريض، وهذه هي خطوة «الملاحظة»، وهي الخطوة الأولى، حيث الرصد وملاحظة الحدث، وهذا على حدّ ملاحظة الظواهر الطبيعية والكونية كملاحظة الفيضانات والزلالزل ونحو ذلك.

 

(23)

وبعد ذلك يفترض الباحث تفسيرًا مؤقّتًا حول ما لاحظه وشاهده، فيقول مثلًا: إنّ ارتفاع درجة الحرارة كان بسبب الإرهاق والتعب أو التهاب أو وجود فايروس معين وهكذا. وهذه تُسمّى «بالفرضية»، وهي عبارة عن تفسيرٍ أو أكثر للظاهرة الملحوظة من قبل الباحث، وهي الخطوة الثانية.

ومن ثم يأتي دور الخطوة الثالثة، اعني «الاختبار العلمي» فمثلًا إنّ الطبيب في المثال المذكور يعطي علاجًا يتناسب مع كون الفرضية والتفسير المؤقّت هو عبارةٌ عن التهابات مثلًا، وبعده يكتشف أنّ الفرضية كانت صحيحةً أو خاطئة.

هذه - مُلخّصًا - خطوات المنهج العلمي، تبدأ بالملاحظة، ومن ثم تفرض الفرضية، وبعد ذلك يكون الاختبار العلمي، وهي متبعةٌ في جميع المجالات العلمية والإنسانية. نعم لا تتأتى هذه الخطوات في بعض العلوم كالعلوم العقلية الصرفة مثل الرياضيات؛ لأنهّا ليست من العلوم التجريبية، فلا تخضع لخطوات المنهج العلمي.

والنتيجة أنّ المرتكز العلمي للملحد ما هو إلّا توظيف خطوات المنهج العلمي في إثبات معتقده، من خلال الملاحظة والفرضية والاختبار. ولكن كيف حصل هذا التوظيف؟ وبعبارةٍ أخرى: كيف طبّق الملحد خطوات «الملاحظة والفرضية والاختبار»، وانتهى به التحقيق إلى إثبات الإلحاد؟

ينبغي أنْ ننبّه قبل الدخول في الجواب على هذا السؤال، أنّ هذه الخطوات مطروحةٌ عند علماء المنهج العلمي من أجل رسم الطريق أمام كلّ باحث، وكلٌّ حسب اختصاصه، وليست نتاجًا إلحاديًا، وإنّما الملاحدة حاولوا الاستفادة منها في تفكيرهم.

كما ينبغي أنْ نبيّن أنّ الملاحدة على قسمين من جهة امكانية الاستفادة من هذه الخطوات في إثبات الإلحاد:

الأوّل: يرفض أنْ تكون مسألة إثبات الصانع ممّا تخضع لخطوات المنهج العلمي، بدعوى أنّ الإله ميتافيزيقي ماورائي، فكيف يخضع للملاحظة

(24)

والاختبار التجريبي؟ وبناءً على هذا الرأي تكون مسألة إثبات الإله أو إنكاره مسألةً غير علمية، وإذا قُدِّر أنْ تبحث فينبغي أنْ تبحث في مجالٍ آخر، كالفلسفة أو ما يكون من قبيلها، وهذا رأي الملاحدة القدماء.

الثاني: من يلتزم بإمكان تطبيق المنهج العلمي بخطواته المذكورة على مسألة وجود الإله الصانع، ومن يقول بذلك فإنّه يلتزم بعلمية مسألة وجود اللّه تعالى ويجعل العلم والمنهج العلمي من محدّدات الإثبات لهذه المسألة، بل ذهب كثيرٌ من الملاحدة إلى أنّ مسألة وجود الإله ليست سوى مسألة علمية، وأنّ العلم هو الوحيد الذي له حقّ أنْ يقرر مصيرها، من قبيل ريتشارد دوكنز من الملاحدة. وممّن قال بإمكان التطبيق من الإلهيين السيد الشهيد الصدر.

ونحن نعترف بأنّ فكرة وجود اللّه تعالى فكرةٌ علمية، وأنّ خطوات المنهج العلمي تثبت هذه الفكرة حتمًا حيث يكون الراجح هو ذلك. وأمّا كيفية تطبيق خطوات المنهج العلمي فتكون بهذا النحو:

أولًا نرصد الظاهرة، ثم نذكر التفسيرات المعقولة لها، وبعدها يتم الاختبار، ومن الأمور التي يمكن رصدها في المقام هو ظاهرة التنظيم المنتشر في أرجاء الكون ولنا وقفةٌ معها ستأتي إنْ شاء اللّه تعالى - ومن ثم نذكر تفسيرين لهذه الظاهرة الأوّل هو أنّ الذي كان مسؤولًا عن هذا التنظيم هو الإله الصانع الذكي وهذه فرضيةٌ صحيحةٌ ومقبولةٌ عند الجبهتين الإلحادية و الإلهية. والفرضية الثانية، فرضية القانون الطبيعي والصدفة، والخطوة الثالثة هي اختبار صحة هذه الفرضية أو تلك.

ويجدر بنا أنْ نذكر أنّه بعد الانتهاء من تحقيق فرضية من الفرضيات، فإنْ حصلت هذه الفرضية على درجةٍ تصديقيةٍ عاليةٍ وتامةٍ كأن تكون 100%، أو ما يقاربها، فيعبّر عنها حينئذ بالحقائق العلمية، من قبيل دوران الأرض حول نفسها، وهي قضايا لا تقبل النفي والجدل، ولها قيمةٌ عاليةٌ جدًّا، وتكون من القضايا المرجعية في باب الجدل والحوار، وينبغي أنْ يعترف بها الجميع، ومنكرها لا محالة لا يُعبأ به ولا يلتفت إليه. وأما إذا اكتسبت درجةً تصديقيةً

(25)

دون ذلك، كأنْ تكون بدرجةٍ تصديقيةٍ مقدارها 70%، فيعبّر عنها بالنظرية، وهي قضيةٌ مقبولةٌ علميًّا ومعترفٌ بها إلى حدٍّ ما، ولكنّها ليست على حد الحقائق العلمية، ومن الممكن أنْ ترفض متى ما اصطدمت معال حقائق، ولا ينبغي أنْ تكون سببًا في رفض أفكار مهمةٍ وخطيرةٍ ما دامت هي أمورٌ ظنيةٌ لم يحسم أمرها بصورةٍ يقينية، فإنّه يتوجب أنْ تلاحظ «النظرية» عند مقارنتها مع بعض الأفكار بدرجة الاحتمال ودرجة أهمية المحتمل، فمثلًا إذا احتملنا ولو بنسبة 5% أنّ هذا الطعام قد وضع فيه سمٌّ قاتلٌ، فهنا يتوفر عندنا درجةٌ احتماليةٌ ضعيفةٌ، ولكن المحتمل بدرجةٍ عاليةٍ من الأهمية والخطورة، ومن الناحية العقلائية والعلمية يحكم بترك هذا الطعام لزومًا رغم أنّ احتمال عدم سُمّيّته يمثل 95%، فكذلك الأمر في النظريات فإنّ درجة احتماليتها وإنْ كانت عاليةً إلا إنهّا إذا اقترنت بأهمية المحتمل فيتوجب ترك العمل بها.

 وأما إذا فشل الاختبار العلمي فيبقى التفسير المطروح للظاهرة تحت مسمى الفرضية، ولا يرقى إلى النظرية أو الحقيقة العلمية.

هذه أهم المرتكزات التي يعتمدها الملحد في بيان موقفه السلبي تجاه فكرة وجود الصانع الحكيم، وسيظهر ضعف الاعتماد عليها كحجةٍ مقبولةٍ وقادرةٍ على اثبات مدّعاه.

سمات الإلحاد المعاصر

وممّا ينبغي استعراضه البحث عن السمات «الإيديولوجية» و«الإعلامية» للإلحاد المعاصر، والمقصود من «السمات» أهم ما يتميز به الفكر والتفكير الإلحادي على المستوى الإيديولوجي وما يتميز به الخطاب الإلحادي وإظهار نفسه للآخرين على المستوى الإعلامي.

إنّ من الأفكار والتوجهات ما تتسم بالموضوعية والرصانة إيديولوجيا، وبالإمانة والإنصاف إعلاميًا، فتجدهم ينساقون بالبرهان نحو معتقداتهم وأفكارهم، ولا يتحرجون من التنازل عن أفكارهم متى ما وجدوا الدليل على خلاف متبنياتهم، كما تجدهم في أعلى درجات الأمانة في تقديم أنفسهم

(26)

للآخرين، ولا يحمّلون أفكار الخصوم ما لم تحتمل أفكارهم، ولا يمارسون عملية الكذب والتزوير في سبيل تصدير أفكارهم وتلميعها، وبأيّ وسيلةٍ كانت.

وفي الجانب الآخر تجد ما هو عكس ذلك تمامًا، فتجد ضعف المباني المعتمدة، والالتزام بالأفكار الزائفة والخروج عن الموضوعية في غالب الأحيان، كما تلاحظ الكذب والتزوير في خطابهم وجدلياتهم. كما إنّ من الاتجاهات ما تكون ملفّقةً بين هذا وذاك.

ونريد هنا تسليط الضوء على السمات التي يمكن رصدها للإلحاد المعاصر بصورةٍ عامة، من الناحيتين الإيديولوجية والإعلامية. وإنّما اخترنا البحث عن السمات الإعلامية بالإضافة الى الايديولوجية؛ فذلك لإنّ الإعلام يمثّل وجه الأكار في حالات فهم الآخر، أو تفهيمه، ومن غير الإعلام المنصف لا يمكن أنْ نتعرف على مضامين الأفكار بصورتها الدقيقة.

أهمية البحث في سمات الإلحاد

 تتمثل أهمية هذا المبحث بالأمور الآتية:

1. إنّ التعرّف على سمات الإلحاد يعني ببساطة التعرّف على طريقة تفكير الملحدين؛ وهذا يُمكّننا من الوقوف على القواسم المشتركة لتكون نقاط إلزامٍ عليهم، وتوفّر الحجة لدى الطرف الآخر، ومن دون ذلك يتشتت الحوار وتضيع الحجة، فلا يصل النقاش إلى الهدف المطلوب. فمثلًا من السمات الإيديولوجية للملاحدة هي الاعتماد على خطوات المنهج العلمي، وكانت الخطوة الأولى منها هي «الملاحظة» فقد يسيء الملحد فهم هذه الخطوة - كما هو حال كثيرٍ منهم - ويتوهم أنّ المراد من الملاحظة «خصوص ما يباشره الحس» من عينٍ أو أذنٍ أو نحوهما مع أنّه ليس المراد من هذه الخطوة هذا المعنى، وإنّما تشمل أيضًا بعض الأشياء التي لا يدركها الحس مباشرة من قبيل بعض القوى الطبيعية كقوة الطاقة الكهربائية، وكذلك قوة الجاذبية وفق نيوتن - فإنّ هذه القوى نرصدها عن طريق رصد آثارها لا أنّها تلاحظ

 

(27)

حسيًّا بالمباشرة. فإذا ما أوضحنا للملحد هذا المعنى فيمكن بعد ذلك أنْ نبني النقاش في المرحلة اللاحقة.

كذلك، بالنسبة إلى خطوة الفرضية التي هي تفسيرٌ مؤقّت، فإنّه لا يجب أنْ يكون الشيء الذي به حصل التفسير من الأشياء المدركة بالحس مباشرة، بل يمكن ألّا يكون كذلك ودونك فيزياء الكوانتم.

إنّ التعرّف على طريقة تفكير الملحد، وكيف يبني أفكاره من الأسس المعتمدة لديه، تضعنا في المكان المناسب لاكتشاف الأخطاء، ومواطن الخلل في تفكيره.

2. إنّ معرفة سمات الإلحاد لها أهميتها من ناحية احترازية، إذ يتوجب على الباحث أنْ يأخذ الحيطة من تمرير بعض الأفكار عبر ما يسلكونه عادةً في مساحات تصدير معتقداتهم، وهذه الأهمية ترتبط بالسمات الإعلامية. ومن المعلوم ما للإعلام من دورٍ تأثيريّ على الجمهور المستهدف، سواء كان الإعلام سياسيًا أم عقديًا أم غيرهما، إذ يمارس في الجانب الخطابي ما من شأنه أنْ يؤثّر في متبنيات الجمهور وعقائده وسلوكياته، ويحاول هؤلاء في العادة أنْ يستعرضوا الإلحاد على أنّه فكرٌ إنساني وخلقي، وأنّه إذا ما سيطر على الجماعة البشرية، فإنّ البشرية سوف تأخذ طريق الخير والأمان، ويتغافلون عن المجازر التاريخية التي حدثت على يد فئةٍ من داعمي الإلحاد، مع التركيز على أخطاء سلوكيات خصومهم.

3. إنّ من موارد أهمية هذا المبحث هو التركيز على نقاط القوة والضعف في مجمل أفكار الملحدين، ذلك أنّ الاتجاهات الفكرية غالبًا ما تشتمل على موارد عقدية هي نقاط القوة فيها كما إنّ هناك موارد تمثّل نقاطًا حرجةً عليهم، وتحتاج إلى تدعيم وتأسيس واضح، وقد يشعر أصحاب الفكر بفراغٍ برهاني على معتقدٍ أو فكرة، وربما تكون هذه الفكرة هي من الأصول المهمة وأركان إيديولوجيتهم.

4. ممّا يرتبط بأهمية هذا المبحث، هو تمييز الجوانب العلمية

(28)

«الموضوعية» القابلة للنقاش عن الجوانب الذاتية والإعلامية، فما أكثر ما يلتبس الجانب الموضوعي بالجانب الذاتي، فإذا ما تعرّفنا على أن ّهذا الاتجاه كالإلحاد مثلًا يخلط بين الجانبين وأنّ هذه من سماته المتكررة، فيلزم العمل على فرز ما يطرحونه وتشخيص الخطابيات الإعلامية عن الأفكار العلمية.

أولًا: السمات الإيديولوجية

وأمّا أهم السمات الإيديولوجية للإلحاد فهي:

الأولى: الخلط بين الديني وغيره، إذ يخلطون بين أفكار ينبغي أنْ تناقش بعد التسليم بوجود اللّه تعالى وأخرى تناقش قبل ذلك، أو بغض النظر عن الاعتقاد بالإله الصانع. وقد ذكرنا سابقا أنّ الملحد إذا ما ناقش في بعض تفاصيل الأديان كالفقه الديني أو معاجز الأنبياء فيتوجب أنْ نُلزمه بافتراض وجود اللّه تعالى، ومن ثم يتأتى طرح الإشكال فتتم مناقشته؛ وذلك لأنّه ليس من الصحيح منهجيًّا أنْ تستشكل في جوانب دينيةٍ مبنيةٍ على فكرة الوجود الإلهي في الوقت الذي تعزل هذه الجوانب عن فكرة الإله. فمثلًا من المغالطات الاستشكال على المعجزة في سياق إنكار الوجود الإلهي؛ فإنّه من الواضح حتى الإلهي لا يتقبل الأمور الاعجازية منفصلةً عن التدخّل الإلهي، فخذ على سبيل المثال، فلق البحر وإحياء الموتى تكون ضربًا من الأساطير إذا ما عزلت عن التدخّل الإلهي، وهذا متفقٌ عليه، ولكن أيضًا من المتفق عليه أو الذي يجب أنْ يتفق عليه، أنّ التدخّل الإلهي إذا ما افترض فإنّ هذه الظواهر تضحى أمورًا طبيعية اعتيادية، وليست نسبتها إلى اللّه تعالى نسبةً إعجازية، وإنّما هي إعجازيةٌ بلحاظ المقدور البشري؛ ولذا فإنّ الملاحدة لا يرفضون إمكان حصول هذه المعاجز من قبل الإله الصانع؛ ذلك أنّ اللّه تعالى عندهم على تقدير وجوده، كلّي العلم وكلّي القدرة وكلّي الإرادة.

نعم، بالنسبة إلى الربوبي له أنْ يستشكل مباشرةً على أيّ فكرةٍ ترتبط بالدين بعد أنْ افترضنا أنّه ممّن يسلم بالوجود الإلهي.

إن ّالملحد غالبًا ما يتعدّى مساحته إلى مساحة الربوبي، فيستشكل

(29)

بإشكالاتٍ هي خارج مساحته المرسومة له منهجيًّا وإيديولوجيًا، فيلتبس ذلك على المتلقي فيحسبه إشكالًا موضوعيًا. وهذه سمة من سمات الإلحاد المعاصر.

الثانية: من سمات الإلحاد في هذا الزمان سطحية فهم الإلحاد من قبل أغلب الملاحدة، وعدم معرفة أكثرهم بالمباني الدقيقة التي يرتكز عليها الإلحاد، سواء منها المعرفية أم المنطقية أم العلمية، كما يجهلون واقع الطريق المنطقي، وكيفية تطبيق خطوات المنهج العلمي، حيث تجد اعتقاد كثيرٍ من الملاحدة ناتجًا من أسبابٍ نفسيةٍ أو اجتماعيةٍ ذات ظروفٍ خاصة، وليس نتيجة البحث الموضوعي غير المنحاز؛ ولأنّهم سطحيون في اعتقادهم قد تجد التهافت والازدواجية في أفكارهم، بل قد يتكلّمون فيما يناقض مباني الإلحاد من حيث لا يشعرون.

الثالثة: إنّ الملاحدة يدعون أنّ إيديولوجيتهم إنسانيةٌ فيحاولون بقدر الإمكان التركيز على الأخلاقيات العامة فتجد في عباراتهم الحرية واحترام الرأي وحب الإنسان والطبيعة وما شابه ذلك، مع أنّهم لا يملكون معيارًا واحدًا يصحّحون فيه هذه الدعاوى، وسيأتي الكلام حوله لاحقًا. على أنّ دعوى الإلحاد لهذه الإنسانية يتناقض مع مبانيهم ومرتكزاتهم، من رفض كلّ ما يقيد إرادتهم واختيارهم.

الرابعة: من سمات الإلحاد المطالبة بالحرية المطلقة، والتي هي تساوي الإباحية المطلقة، رغم أنّها مخالفة للسنن القانونية البشرية التي يزمرون بها، حيث يطلق العنان لإرادة الإنسان بأنْ يفعل ما يشاء كيف يشاء أنّى يشاء.. ومثل هذا الموجود يمثل كائنا خطيرًا على البشر؛ لأنّه يهدد البشر على المستوى الإيديولوجي، فإنّه إذا كان يؤمن بالحرية المطلقة فهذا يعني أنّه يجيز لنفسه كلّ شيء، إذ من الممكن أنْ يقتلني لمصلحته الخاصة، ويكذب علي من أجل حفنة من المال، ويفعل أيّ شيءٍ قبيح من أجل ذلك، فلا ملزم له يمنعه من ممارسة أفعاله ما دام أنّ ما يفعله يصب في صالح حياته الشخصية، بل ولماذا

(30)

أصلًا يتوجب عليه أنْ يمتثل للقانون مع مصادمته لمنافعه الذاتية.

الخامسة: من سمات الإلحاد تطرفهم في إنكار الماورائيات، وغالبًا هذه السمة موجودة بين عوام الإلحاد لا سيما ملاحدة الشرق، وإلا فإنّ كبار الملاحدة لا يمانعون من احتمالية وجود الماورائيات حتى ريتشارد دوكنز الملحد الشهير ليس متيقنًا من عدم وجود اللّه وإنّما يحتمل ذلك احتمالًا كبيرًا.

ثانيًا: السمات الإعلامية

وأمّا السمات الإعلامية للإلحاد، فهي:

الأولى: تحريف فكرة الإله الماورائي وتقديمه للمتلقي على أنّ هذا هو الإله الذي تقصده الأديان ويعتقد به الإلهيون، ويكون ذلك عبر وسائل متعدد كالرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للإله الواحد وتصويره بصورةٍ خاطئةٍ بهدف تنفير القارئ أو المشاهد منها.

وهذا الأسلوب مشينٌ جدًّا، وطريقة رخيصة في تصوير الأفكار، ولا ينبغي أنْ يفعله المنصف الباحث عن الحقيقة.

الثانية: من السمات تصنيفهم لأتباع الأديان بأنّهم من أصحاب الأفكار القديمة، ويلبسونهم لباس التأخّر والرجعية في الوقت الذي يزعمون لأنفسهم الحداثة والتقدّم، وهذا له عاملٌ نفسيّ مهمٌ وخطيرٌ لا سيّما إذا كان المتحدّث له أسلوبٌ خطابيّ جيّدٌ ومؤثّر، إذ يخيل للإلهي أو المتدين بأنّه من أصحاب الاعتقادات القديمة، والحال أنّ الصراع بين جبهتي الإلحاد والإلوهية ليس وليد الساعة حتى يتهم الإلوهي بأنّه رجعي قديم، بل أما أن يكون كل منهما قديم أو كلاهما حديث أو أن المسألة لا ترتبط بعامل الزمن بقدر ما تتعلق بتوفر القناعة والتدليل عليها.

الثالثة: من السمات الإعلامية للإلحاد المعاصر التركيز على نماذج متفرقة من النصوص الدينية، وعزلها عن السياق الذي صدرت فيه، ومن ثم انتقاد الدين بأكمله، بل قد يتم التركيز على بعض الفقرات من دينٍ معيّنٍ وتوجيه النقد إلى تمام الأديان! وكثيرًا ما يحصل هذا النمط من الأسلوب.

 

(31)

ويندرج في هذه السمة محاولات تسقيط الدين من خلال بعض سلوكيات المتدينين، وكأنّ هذا السلوك هو الانعكاس للأفكار الدينية، لاسيما فيما يرتبط بالأفعال المرهونة بالعادات والتقاليد والرسوم العنصرية أو القومية.

الرابعة: من سمات الإلحاد الإعلامية، التصريح المتكرر من قبلهم بأنّ هناك تناقضًا بين العلم والدين، وغالبًا ما يثار في سبيل إثبات ذلك التناقض الواقع في مضامين وأفكار الدين المسيحي، ومن ثم تعميمها على باقي الأديان، ولو من ناحية دعوى أنّ الأديان جميعها على سبيلٍ واحد.

ويصاحب - عادةً - دعوى التناقض سواء في الدين المسيحي أم غيره، سوء فهم للنص الديني وتلقيه بصورةٍ ناقصةٍ غير مكتملة. هذه أهمّ السمات التي يمكن ذكرها في هذه العجالة.

(32)

 

نقاط حرجة في التفكير الإلحادي

إنّ الاتجاهات والأفكار الخاطئة تعيش جملةً من التناقضات أو التهافت الداخلي، ذلك أنّها إما أنْ تتناقض مع أفكارٍ مسلمةٍ أو تتناقض داخليًا مع متبنيات يعتقدون بها. وهذا بخلاف الأفكار الصحيحة فلأنّها تعتمد على الحجة الصحيحة فهي لا تتناقض إلّا مع الأفكار الخاطئة، فإنّ صراط الحقّ هو صراطٌ واحدٌ أمّا الصراط الخاطئ فمتعدد، فمثلًا إنّ المثلث عندما تكون مجموع زواياه يساوي 180 درجة، وهذه قضيةٌ حقّةٌ صائبةٌ فإنّ ما عداها من القضايا من قبيل أنّ مجموع زواياه يساوي 160 درجة، أو 190 درجة، أو غير ذلك تمثّل قضايا خاطئة، وكما ترى أنّها قضايا متعددةٌ وكثيرةٌ، بينما لو لاحظنا القضية الصادقة لوجدناها قضيةً واحدةً لا يقبل الحق غيرها، بمعنى أنّها لا تكون النتيجة في يوم بهذا الشكل، وفي يوم آخر تكون بشكلٍ آخر، فزوايا المثلث تساوي فقط 180 درجة، ولا تقبل درجةً غيرها.

إذًا، الصراط الحقّ صراطٌ واحدٌ، أما الصراطات الخاطئة فمتعددة، وهذا واضحٌ منطقيًا، فإنّ الأفكار الحقّة لا يمكن أنْ تصطدم مع أفكارٍ حقّة، بل الحقّ ينسجم دائمًا مع ما هو حقّ انسجامًا كاملًا، كما إنّ المبرهنات الإثباتية السليمة للفكرة الصحيحة يجب ألّا تتناقض مع مبرهناتٍ إثباتيةٍ سليمةٍ أخرى، بينما الأفكار الخاطئة فلأنّها تعبيرٌ عن شيءٍ غير واقعيّ، ومزيف فمن الطبيعي أنْ تتناقض مع أفكارٍ أخرى في داخل ذهنية الباحث الواحد أو أفكار أخرى هي بديهيات العقل البشري.

وما نريد أنْ نصل إليه في هذه المقدمة، هو أنّ الإلحاد المعاصر يبتلى بتناقضاتٍ وازدواجيةٍ في تبني الأفكار، وهو من هذه الناحية على حد كلّ فكرةٍ خاطئة، كما سيتبين ذلك.

(33)

ثم، إنّ عموم الأفكار سواء كانت حقّةً أم خاطئة، تواجه نوعين من الإشكاليات:

الأوّل:  نوع من الإشكاليات يمكن التعبير عنها بأنّها «إشكاليات اعتيادية»، وهي إشكالياتٌ متوقعةٌ ومترقب ظهورها وتوجهها على كلّ فكر، ولا يخلو فكرٌ مهما كانت قوته وسلامته من الابتلاء بهذا النوع من الإشكاليات، فإنّ البشر وبمقتضى اختلافهم في درجة الإدراك وسعة العلم وجودة الفهم، وكذا اختلافهم الاجتماعي والتربوي وغير ذلك. يختلفون أيضًا في قبول الأفكار والقناعة بها. وعادةً ما نجد أنّ الفكر الذي يواجه هذا النوع من الإشكاليات، له القدرة عن الاجابة عنها.

الثاني:  نوع من الإشكاليات التي تمثّل نقاطًا حرجةً للفكر الخاطئ بحيث يتهاوى عندها ذلك الفكر ويفتقد المكنة من الإجابة عليها، وإنْ أُوتي ما أُوتي من البيان والحجة، وهذا النوع من الإشكاليات هو الذي يطيح بالأفكار، ففرقٌ بين إشكاليةٍ تتوجه إلى بعض التفاصيل التي يمكن أنْ يجاب عنها أو ينتهي كلّ شخصٍ إلى قناعته الخاصة، وبين إشكاليةٍ تؤدّي بأصل الفكر، وتمثّل نقطةً حرجةً بالنسبة إليه، بنحو تجد الفكر صامتًا إزاءه لا يستطيع جوابًا.

إنّ النوع الثاني «الإشكاليات الحرجة» هو ما نريد أنْ نستعرضه ونوجهه إلى الإلحاد، وسوف ترى أنّ الملحد عاجز تمامًا عن الجواب عنها، وإذا ما قدر أنْ يجيب فإنّما يجيب بما هو أسوأ من أصل الفكرة التي يعتقدها.

النقاط الحرجة

النقطة الأولى: (الجواب عن سؤال: من- أو- ما ) المسؤول عن انبثاق الشرارة الأولى لبداية الكون؟ فعندما يكون الكون له بداية وأنّ له عمرًا محدّدًا فهذا يعني أنّه لم يكن موجودًا ثُمّ وجِد، كان عدمًا صفريًّا، ثم صار ماثل الوجود، وهنا يُطرح السؤال الآتي: كيف حصل البروز والظهور إلى الوجود؟ ومن كان مسؤولًا عن الانبثاق، بنحوٍ اتّصف بالوجود بعد أنْ كان لا شيء مطلقًا؟!

(34)

وقبل الجواب عن هذا السؤل، ننبه إلى أنّ هناك نقاطًا مشتركةً بيننا وبين الملحد، ونركز هنا على اثنتين منها:

الأولى: إنّ الإلهي والملحد يعتقدان بالمعطيات العلمية وبالمنهج العلمي الذي يتمثّل بخطواتٍ ثلاثٍ قد ذكرت سابقًا وهي الملاحظة والفرضية والاختبار. فكلاهما يؤمن بالقضايا العلمية لا سيّما التي حصل منها التأكد ووصل إلى درجة الحقيقة العلمية.

الثانية: من المشتركات أيضًا بين الإلهي والملحد أنّه لا يمكن التسوية بين الوجود والعدم، أعني أنّه لا يمكن أنْ يوجد شيءٌ من العدم الصفري، وهذا في الحقيقة محلُّ اعتقادِ عامّةِ الملاحدة، قدماءً ومحدثين، فإنّ خروج الكون من العدم الصفري يعني ببساطة أنّ 1=0 حيث يمثّل الصفر العدم الصفري ذاته، ويمثّل الواحد الوجود عينه.

وإذا كان الأمر كذلك، فإنّه على أساس النقطة الأولى، يتوجب على الإلحاد الذي يدعي أنّه مع العلم ومع المنهج العلمي أنْ يعتقد بأنّ الكون له بدايةٌ وفق ما يقرّره العلم الذي ينصّ على أنّ هناك انفجارًا عظيمًا قد حصل قبل(13,7) مليار سنة، أي إنّه وقبل هذا التحديد الزمني لم يكن هناك كونٌ أصلًا، بل كان هناك الصفر والعدم، وفي الحقيقة إنّهم يؤمنون بذلك.

وهنا يأتي دور الإشكال، فإنّه وبحسب النقطة الثانية من عدم إمكان التسوية بين الوجود والعدم، وإنّ العدم لا يصلح بحال أنْ ينتج الوجود، كيف للملحد أنْ يفسّر خروج «النقطة المفردة» التي هي بداية الكون وأوّل الانفجار العظيم من العدم الصفري؟ كيف يمكن إثبات أنّ الواحد يساوي صفرًا؟ إنّ هذا يصطدم جدًّا مع ما يتعقدون به من جهة، ومع مسلمات الذهن البشري من جهةٍ أخرى.

في حين أنّ الإلهي لا يواجه إشكالية من هذا القبيل، فإنّ الكون الذي لم يكن موجودًا ومن ثم وجد إنّما تأتي وجوده من وجودٍ آخر، وإذا أردنا أنْ نرمز إليه رياضيًا فيمكن لنا أنْ نرمز إليه برقمٍ واحدٍ مثلًا فتكون المعادلة 1=1 وهي معادلةٌ صحيحةٌ تمامًا.

(35)

هذه الإشكالية تمثّل نقطةً حرجةً في التفكير الإلحادي، فإنّه قبل الانفجار العظيم، لا مادة لا طاقة لا زمان لا مكان. لأنّ هذا هو شأن العدم، يحدّثنا أحد كبار الملاحدة ميتشيو كاكو عن هذه المرحلة: «لم يكن هناك شيء في البداية لا مكان ولا زمان ولا مادة ولا طاقة» فهم - إذًا يعترفون بأنّه لم يكن هناك شيءٌ أصلًا؛ ولذا حاولوا في هذه المرحلة ومنهم ميتشيو كاكو افتراض بعض المبادئ الكمية، ولا نريد الخوض في حقيقة تفسير هذه المبادئ ولكن سوف نعبّر عنها بالقوانين أو الحالات الفيزيائية الكوانتية، التي تجعل العدم حسب تعبيره أمرًا غير مستقر، وهذه المحاولة أسوأ من فكرة «خروج الشيء من العدم»، فإنّ التعبير بالعدم غير المستقر تعبير متناقض، إذ كيف تفترضه عدما وفي الوقت نفسه تجعله أمرًا غير مستقر؟! إنّ عدم الاستقرار من خصائص الموجود المادي كأنْ يقال: إنّ الالكترون غير مستقر أو إنّ الجاذبية غير مستقرةٍ أو نحو ذلك، ولا يمكن أنْ يكون حالةً أو صفةً في عدم.

ثم، كيف تفرضون قانونًا من دون أنْ تكون هناك مادة؟ فإذا ما افترضنا أنّ هناك قوانين قبل الانفجار العظيم فلا بد أنْ تفترضوا أنّ هناك مادةً وإلا فليس القانون شيئًا موجودًا بمعزلٍ عن حقيقةٍ وجوديةٍ ماثلة.

إنّ افتراض القانون يلازم افتراض أنّ هناك شيئًا، وأنّ افتراض العدم الصفري يلازم أنّ هناك لا شيء أصلًا. وهذا التهافت والتناقض مثّل نقطةً حرجةً في التفكير الإلحادي؛ ولذا فإنّ بول ديفيز، وجون جريبين، وهما من أصحاب الاختصاص نقد كلّ منهما هذا الطرح ولم يقبلا به البتة، وقالا: إنّ الفيزياء غير قادرةٍ على تفسير نشوء الكون... وقرّرا أنّ الاختصاص المناسب للحديث عن هذا الموضوع هو الفلسفة والأديان، أمّا الفيزياء فإنّها عاجزةٌ عن توضيح ذلك؛ لأنّ الفيزياء كعلمٍ من العلوم لها موضوعٌ وهو الذي يمثّل محور أبحاثها، وهذا الموضوع هو «المادة والطاقة»، وحيث لا مادة ولا طاقة قبل الانفجار العظيم فلا كلمة لعلم الفيزياء.

كذلك ينقل عن آرثر ادينجتون وهو من علماء الفيزياء قوله: «فكرة أنّ

(36)

الطبيعة ظهرت فجأةً تبدو لي محرجة»، هؤلاء العلماء لا يتحدثون وفق خلفياتٍ مؤدلجةٍ وإنّما يتكلّمون حسب المعطى الفيزيائي البحت. وكذا ينقل في كتاب رحلة عقل عن انتونيو فلو أنّ من أسباب تركه الإلحاد هي فكرة النشوء من العدم.

وبعبارةٍ واضحة: إنّ القانون سواء كان الجاذبية أم أيّ شيءٍ مفروض، يجب ألّا يُفرض إلّا مع فرض وجود شيءٍ ماديّ وإلّا فلا قانون في الفراغ «اللاشيئية»؛ ذلك لأنّ القانون ليس شيئًا وجوديًا بمعزلٍ عن المادة، بل ما هو إلّا سلوك المادة، إذ يلاحظ العلماء هذا السلوك في الوجودات الطبيعية، ويصاغ على أساسه القانون لا أنّ القانون متقدّم وجودًا على المادة. وعلى هذا الأساس قامت الرياضيات الفيزيائية وتمكّن العلماء من التنبؤات عمّا يحصل للجسم المادي مستقبلًا، وما ذلك إلّا لأنّ السلوك الذي يسلكه الجسم كان سلوكًا محدّدًا وليس فوضويًا، ولذا يمكن القول: إنّ العالِم إذا ما أحاط بجميع الشرائط والأسباب فإنّه من الممكن أنْ يكشف عمّا يتّجه نحوه الجسيم؛ وذلك بمساعدة القانون والذي هو ليس إلّا سلوك المادة.

ثم، هنا إشكاليةٌ أخرى يمكن أنْ نوجّهها إلى الملحد، وهي: أنّ الملحد حسب المفروض يؤمن بالمنهج العلمي وخطواته المشار إليها سلفًا، ولنا أنْ نتساءل: كيف تمت له الملاحظة والرصد لبداية الكون ومن ثَمّ افترض الفرضيات، وذكر أنّ قبل الانفجار العظيم كانت هناك قوانين مثلًا؟ فهل لاحظ تلك المرحلة وشاهدها بالحس؟! اللّهم إلّا أنْ يدّعي الملحد بما تقدم ذكره من أنّ مفهوم الملاحظة لا يراد به خصوص المشاهدة الحسية المباشرية بل هو أعمّ من ذلك، وحينئذٍ سوف تتوجه فرضية الإله الماورائي.

النقطة الثانية (بداية الحياة): ولا أريد من بداية الحياة الحديث عن فرضية التطور الدارونية، فإنّ هناك مرحلتين، يتوجب التمييز بينهما وكثيرًا ما يقع الخلط فيهما، وهما:

الأولى: مرحلة الانتقال من المادة غير العضوية إلى المادة العضوية،

(37)

من الكون الفيزيائي إلى الوجود البيولوجي، من الجماد إلى الحياة؟ وهذه المرحلة سابقة لمرحلة التطوّر الداروني.

الثانية: مرحلة الانتقال من المادة الحية إلى مادةٍ حيةٍ أخرى أكثر تعقيدًا حسب فرضية التطوّر الداروني.

والنقطة التي نريد الحديث عنها هنا، والتي تمثّل فكرةً حرجةً على الملاحدة هي المرحلة الأولى، المُعبّر عنها في الاصطلاح البيولوجي بـ«التخلق التلقائي»، وكيفية نشوء الحياة من المادة غير الحية.

هذا الانتقال ينبغي أنْ يخضع لظروفٍ معقدةٍ وشروطٍ مكثفة، يعرفها علماء الأحياء، وهم فعلًا مختلفون في حقيقة وكيفية الظهور والتخلق التلقائي، إذ يحتاج هذا النحو من التعقيد إلى ظروفٍ معقّدةٍ جدًا لا يستوعبها عمر الأرض بتمامه، وقد صرّح بذلك كبار الملاحدة من قبيل ريتشارد دوكنز، وعندما سأل عن تفسير الحياة مع اعترافه بعدم استيعاب عمر الأرض لظهور الحياة، قال: لعله هناك كائنات فضائية هي التي زرعت الحياة في الأرض، وبعبارةٍ أخرى: إنّ الحياة الأولى لم تنشأ من الأرض وإنّما جاءت من مكانٍ آخر وموجوداتٍ حيّةٍ غير أرضية. وكما يلاحظ أنّ هذه الخيالات والأوهام إنّما تُصنع وتُصدَّر بعد ضيق الخناق والمكابرة على الحقيقة المستطيلة على تمام الوجود بكل تفاصيله.

وأيًّا كان، فإنّ الإلحاد يواجه عقبةً لم تُعالج بعد في منظومته الفكرية، وهي في إعطاء تفسيرٍ معقولٍ علميًّا لنشأة الحياة من المادة غير الحية، بل يواجه العلماء صعوبةً بالغةً في اكتشاف الآلية التي كانت سببًا في هذا الانتقال، وأهل الاختصاص يعلمون ذلك جيدا، ذلك أن هذه الحالة الانتقالية هي حالة معقدة جدا، إذ كيف نتجت من المادة الفيزيائية والتفاعلات الكيميائية التي هي مجرد عناصر طبيعية صامتة المادة العضوية الحية؟! أوجب هذا جدلًا بين العلماء، وإحراجًا بالنسبة إلى الملاحدة. والسبب في هذه الصعوبة هو أنّ المادة الفيزيائية وفق الوضع الذي تعيشه الأرض منذ بداية تكونها إلى زمان ظهور

(38)

الحياة لم تكن صالحةً أبدًا لأنْ تكون سببًا في النشأة الحياتية.

ومن هنا طُرحت عدة فرضيات، تهدف إلى تفسير ذلك، بعد اقصاء الفرضيات الإلحادية القديمة الزائفة والتي تقرر أنّ الحياة نشأت عن طريق الصدفة، فإنّ عموم ملاحدة هذا الزمان يعتقدون جزمًا أنّه لو كان الأمر كما وصف قديمًا وإنّ الحياة ظهرت بشكلٍ دفعي لكان احتمالية فرضية الإله هو الراجح.

الفرضيات المفسرة

وعلى كلّ حال، فهناك فرضياتٌ حديثةٌ طرحت لتفسير هذه المعضلة، نذكر منها:

الفرضية الأولى: من دون أنْ نتعمق في تفصيلها طرح في عشرينيات القرن العشرين العالم الروسي أوبارين، والبريطاني جون هالدون فرضيةً أرادا بها تفسير نشأة الحياة، مفادها: أنّ في الجو الأولي للأرض كان هناك برق مكثّف، وغازات معينة - غير غاز الأوكسجين، وأنّ البرق مرّ عبر الغازات فكوّن بطريقةٍ ما «وحدات البناء الكيميائية للحياة - لا وحدات الحياة» وحسب الفرض أنّ هذه الغازات خاليةٌ من غاز الاوكسجين.

 وفي خمسينيات القرن العشرين أُجريت تجربة يوري ميلر التي تهدف إلى تصحيح فرضية «أوبارين - هالدون» من أجل أنْ تنقلها من مستوى الفرضية إلى مستوى النظرية المحقّقة تجريبيًا، وهي في أصلها أطروحة دكتوراه قدّمها الطالب ميلر، وأشرف عليها أستاذه يوري، وتفيد هذه التجربة أنّ بعض الوحدات البنائية للحياة - لا الحياة تنتج عبر تمرير شرارةٍ كهربائيةٍ من خليط من الغازات، وعدّا هذه التجربة محاكيةً للجو الأولي للأرض، أي قبل  3.5 مليار سنة!! إذ أحضرا غازاتٍ مماثلةً لذلك الجو الأولي، وبدل البرق مرروا طاقةً كهربائيةً، فنتجت بعض الوحدات البنائية للحياة، لا الحياة.

وفي الحقيقة، هناك مشكلةٌ في كلّ من الفرضية والتجربة. أمّا المشكلة

(39)

في الفرضية فهي على ما أوضحه العلماء المختصون ونحن نبينه بنحوٍ مبسّطٍ بالقول: نحن نعيش الآن في هذا الجو الأرضي المعاصر ونسبة الأوكسجين فيه 21% مع أنّ الأوكسجين الذي هو ضروري للحياة وإنتاج الطاقة، هو في واقع الأمر - باتفاق علماء الحياة مفسدٌ جدًّا في صناعة المركبات العضوية، فالأوكسجين له دورانِ إذا صح التعبير دورٌ ايجابيّ للحياة وذلك بملاحظة أننا نتنفس الأوكسجين، ونستفيد منه في إنتاج الطاقة، ويجعلنا نستمر في الحياة. ودورٌ سلبيّ وذلك في صناعة المركبات العضوية والحياة، فمثلًا في مقام صناعة الخلية لا بدّ ألّا يكون هناك أوكسجين موجودًا، وإلا فسدت عملية إنتاج الحياة، ومن أجل ذلك فإن الخلايا عندما تنتج خلايا أخرى تُقصي الأوكسجين في عملية الإنتاج، حيث تزيح بعض أجزاء الخلية الأوكسجين في عملية التصنيع الحيوي، وهذا أمرٌ معروفٌ في علم الحياة.

ومن هنا، واجهت الفرضية مشكلة في مرحلة الجو الأولي للأرض، فهل فعلا كان خاليا من الأوكسجين أو كان هناك نسبة منه فيحول دون التصنيع الحيوي؟ فإنه إذا ما افترضنا وجود الأوكسجين فيستحيل وجود الحياة، ممّا اضطرّ أصحاب الفرضية أنْ يقولوا: إنّ الجو الأولي للأرض لم يكن مشتملًا على غاز الأوكسجين الحر، وإنّما كان مليئًا بغاز الميثان والأمونيا وغيرها. وإلّا فلو مرّ البرق بغاز الميثان مع وجود الأوكسجين فسوف يؤدّي هذا إلى الاحتراق فلا تحصل عملية إنتاج.

وقد ناقش عددٌ كبيرٌ من العلماء هذه الفرضية وتلك التجربة، وخَلُص العلماء إلى أنّ التجربة لا تحاكي أبدًا الجو الأولي للأرض؛ لأنّه كانت بانتظارهم مفاجأةٌ ليست بصالح الفرضية ولا التجربة، وهي أنّ الأوكسجين فعلًا كان موجودًا في ذلك الجو القديم، نعم الذي نجهله إنّما هو نسبة وجوده بالقياس إلى باقي الغازات الأخرى. يقول جون كوهين وهو من علماء الحياة في مجلة العلوم: «نبذ كثيرٌ من الباحثين اليوم في أصل الحياة تجربةَ عام 1952م؛ لأنّ الجو الأولي للأرض يختلف تمامًا عن الجو المصطنع في

(40)

تجربة يوري ميلر». وكأنّهم اختاروا بعنايةٍ دقيقةٍ غازاتٍ معينةً واستبعدوا غازاتٍ أخرى، ونزعوا الأوكسجين ومرّروا شرارةً كهربائية...  وبعد ذلك لم توجد الحياة وإنّما توجد مركبات إذا ما توفرت أجوا مناسبة، وتحقّقت شرائط وظروفٌ معقدةٌ سوف تنتج كائنًا وحيد الخلية بسيطًا بقدرٍ كبيرٍ من البساطة إلى حدٍّ يفوق الخيال.

وقد ذهب كثيرٌ من علماء البيوكيمياء إلى أنّ تجربة يوريميلر حتى لو كانت محاكيةً للجو الأولي للأرض فإنّها لم تنتج سوى بعض المركبات التي ليس لها إمكانية إنتاج الحياة؛ ولذا فقد اُستبعدت الفرضية في مجال البحث العلمي الحديث، ممّا دفع ببعض الباحثين للبحث عن فرضياتٍ أخرى.

واللافت أنّ الملاحدة في هذا الزمان لا سيّما بسطائهم وعوامهم ما زالوا يطرحون هذه الفرضية رغم اتفاق المختصين على بطلانها، أو على الأقل أنّ معظمهم حكم بفشلها. بل قد يطرح ذلك أكابر الملاحدة رغم علمه ببطلانها، وبالنسبة للمتلقي البسيط عندما يسمع بهذا الطرح أو يجده في كتاب، يتصور أنّ هذا هو منتهى البحث العلمي.

الفرضية الثانية: وهي من ناحية التقبل العلمي أكثر صعوبةً من الأولى، حيث تقرر أنّ المسؤول عن نشأة الحياة هو الـ«آر أن أي»، وهو مركبٌ يشبه الـ«دي ان اي» كيميائيًا، ومن الناحية الوظيفية، تستخدمه كلّ الخلايا في عملية تصنيع البروتينات الداخلة في المادة الحية.

والغريب في هذه الفرضية، أنّه لم يفسر أحدٌ كيف وجِدَ الـ«آر ان اي» أصلًا قبل وجود الخلايا التي يصنع فيها؟! فإنّ الـ«ار ان اي» حتى يكون مسؤولًا عن صنع البروتينات يتوجب أنْ يكون في مادةٍ حية. ومن هنا رفض العلماء هذه الفرضية لاحتياج الـ«آر ان اي» للمادة الحية أساسًا.

ثم، كيف وجد الـ«آر ان اي»؟ جاء في كتاب أيقونات التطور للدكتور جوناثون ويلز. «لم يُفسّر أحدٌ كيف وجد الـ«آر ان اي» قبل وجود الخلايا الحية التي يصنع فيها؟ «وينقل عن بعض علماء البيوكيمياء« إنّ جزيء

(41)

الـ«آر ان اي» ليس مرشحًا مقبولًا ليكون وحدة البناء الأوّلية للحياة، وعليه فالراجح أنّه لم يوجد منه كميات ذات بالٍ في الأرض القديمة، وحتى لو أمكن وجود جزيئات الـ«آر ان اي» فإنها لن تدوم طويلا في ظل الظروف التي مرت بها الأرض في طورها المبكر؛ لأنّ الـ«آر ان اي» حتى يوجد ويبقى لا بد أنْ تحتضنه مادةٌ حيةٌ لا أنّه يصنع الحياة». ومن هنا يستنتج بعض علماء البيوكيمياء الذي نقل عنهم في كتاب أيقونات التطور أنّ التفسير الأكثر منطقيةً هو أنّ الحياة لم تبدأ بالـ «آر ان اي».

ومن ثم يقول جونثان ويلز: بالنسبة إلى رواية الـ«آر ان اي» تصل إلى طريقٍ مسدود، وهذا كما حدث في الفرضية السابقة، فإنّ الباحثين في أصل الحياة قد عجزوا عن شرح كيفية تكون وحدات البناء الجزيئية للحياة على سطح الأرض. ومن ثم يقول: وحتى لو نجحوا في اكتشاف أصل وحدات البناء فسيبقى أصل الحياة غامضًا، إذ يستطيع الكيميائي أنْ يخلط كلّ الوحدات الكيميائية البنائية للحياة في أنبوب اختبارٍ فإنّه لن نحصل على خليةٍ حيةٍ، فمعضلة أصل الحياة عسيرةٌ للغاية، لدرجة أنّ بعض العلماء كالباحث الألماني كلاوس دوز عام1988 يقول: إنّ النظرية الحالية عبارةٌ عن مخططٍ للجهل لا يقدّم أي تبصراتٍ جديدةٍ حول العملية التطورية، ومن المرجح أنّ هذا الجهل سيمكث.

وعليه، فإنّ معضلة أصل الحياة هي معضلةٌ كبيرةٌ، لم يتمكن العلماء من إعطاء تفسيرٍ معقولٍ لها، فوجد الملحد نفسه في مأزقٍ وإحراجٍ تجاه هذه المسألة، حتى دوكنز استبعد نشأة الحياة في ظلّ تلك الظروف الأرضية، واحتمل أنّ الموجودات الفضائية هي من زرعت الحياة على هذه الأرض، وافترضوا بعض الأساطير والخرافات حول قصة الحياة الأولى.

ونحن بدورنا نتساءل عن أصل وجود الكائنات الفضائية، فإنّه لم يتحقّق إلى الآن ثبوت الحياة على غير كوكب الأرض وفق الوكالات الفضائية الرسمية. ولو سلمنا أنّ هناك كائناتٍ فضائيةً فمن أثبت أنّ هذه الكائنات تملك

(42)

من المقدرة العلمية بنحوٍ تصنع الحياة مثلًا؟ إذ من الممكن أنّ هذه الكائنات المشكوك وجودها أصلًا قد جلبوا حياةً جاهزةً في كوكبهم إلى الأرض، لا أنّه قد تم تصنيعها من قبلهم. ثم من قال: إنّ لديهم تطورًا علميًّا فائقًا إلى الحد الذي تكون عندهم مركباتٌ فضائيةٌ غير متناهية السرعة وتقاس بسرعة الضوء؟ وأيضًا، يقال: إنّ هذه الكائنات كيف وجدت أصلا؟ هذه فرضياتٌ أشبه بالخرافات من كونها فرضياتٍ علمية.

النقطة الثالثة: إشكاليةٌ ترتبط بفرضية التطور الأحيائي الداروني، وهذه الفرضية لها صياغات متعددة، وهي على العموم تقرّر أنّ الأحياء الناضجة المنتشرة فعلًا من إنسان وغيره جميعًا قد نشأت من أصلٍ واحدٍ أو أصولٍ محدودة، وهذا يكون عبر التدرج الزمني الطويل، وكلما توغلنا في القدم كانت الأحياء السلف أبسط إلى أنْ تصل إلى الأحياء البسيطة جدًّا، كتلك الوحيدة الخلية مثلًا، وهكذا.

وهنا حاول الملاحدة أنْ يفرضوا تناقضًا بين فكرة الألوهية وفرضية التطور، بزعم أنّ وجود الكائنات الحية بالشكل الذي نشهده فعلًا ليس من صنع إلهٍ ذكي وإنّما من فعل التطوّر الداروني.

وقبل بيان رأي بعض أهل الاختصاص في هذا الشأن، لا بدّ أنْ نُذكّر بأنّ فرضية التطور حتى على تقدير التسليم بها فهي لا تتنافى مع فكرة الإله الذكي، وأنت إذا تتبعت أكثر القائلين بفرضية التطور تجدهم من العلماء الإلهيين، دينيين أو ربوبيين، فإنّه لا توجد ملازمةٌ بين الاعتقاد بالتطورية وإنكار الإله الصانع كما يوهم كلام الملاحدة المتلقي الساذج، بل وجدنا بعض القائلين بالتطور ممّن جعل هذه التطورية أحد الأدلّة على وجود المصمم الذكي بدعوى أنّه هو الذي أبدع في هذا الخلق وأودع فيه آلية التدرج الدقيق من الأبسط إلى الأعقد.

وأيًّا كان، فهناك عقباتٌ تحول دون الاعتقاد بفرضية التطور، نذكر منها: ما يُعبّر عنها بمشكلة أو معضلة الانفجار الكامبري الذي يخالف فكرة التدرج

(43)

من الأبسط إلى الأعقد، إذ وجد العلماء أنّ السجل الأحفوري للأرض لا يتناسب مع التطورية المذكورة؛ لأنّهم وجدوا في طبقةٍ من الأرض أنّ هناك كائناتٍ بسيطةً وحيدة الخلية، والتي قالوا عنها: إنّها البدايات الأولى للكائنات الحية، وأمّا في الطبقة التالية لها فالمفروض وفق فرضية دارون أنْ تكون هناك كائناتٌ حيّةٌ أعقد من الأولى بشيءٍ يسيرٍ جدًّا وهكذا. فالكائنات الأبسط تكون في الطبقات الأدنى، والكائنات الأعقد تكون في الطبقات الأعلى، وما بينهما يكون التدرج، ولكن المشكلة الكبيرة أنهّم وجدوا في العصر الكامبري كائناتٍ ناضجةً وضخمةً مع أنّها مسبوقةٌ بطبقةٍ تشتمل على كائناتٍ بسيطةٍ ودقيقةٍ جدا، ووجدوها في بقع من الأرض متعددة لا في بقعة واحدة فحسب، فكيف حصل الانتقال من كائن وحيد الخلية إلى كائن ناضج كبير على حد كائنات هذا الزمان؟ وقد تحدث عن هذه الإشكالية بتفصيل كتاب ايقونات التطور فراجع. ومن علماء الأحياء الملاحدة من قبيل ريتشارد دوكنز قد اعترف صراحة بهذه المشكلة. وألّف عالم الأجنة السويدي سورين لوفتروب كتابًا بعنوان الدارونية تفنيد الأسطورة، وقد وصفها بأنّها «أكبر خدعة في تاريخ العلم»، وكتب عالم الأحياء المجهرية ميشيل دانتون كتابًا ينتقد فيه الدارونية بعنوان التطورية في مأزق، وكذلك عالم الأحياء مايكل بيهي أصدر كتابه  صندوق دارون الأسود، وما إلى ذلك.

ومن الطرائف أنّ بعض المتشدّدين التطوريين حاول تزييف الحقائق من أجل دعم الدارونية، وأكبر المخادعين في هذا الشأن هو الألماني الأحيائي أرنست هيجل الذي قام بتزييف صورة الأجنة وترتيبها بطريقةٍ معينةٍ، وقال: إنّها تدعم الدارونية، ومن ثم اعترف بهذا التزييف وقام بفضح غيره من المزوّرين.

وعلى هذا الاساس اعتقد جماعةٌ من أهل العلم والاختصاص بفرضيةٍ علميةٍ أخرى غير فرضية التطور في نشوء الحياة، وهي فرضية المصمم الذكي، وأدرجوها في بعض المناهج الدراسية في بعض ولايات أمريكا.

ومن هنا تعرف أنّ العلماء وإنْ كانوا على قسمين إزاء فرضية التطور وإنّ

(44)

القسم الأكبر منهم على الاعتقاد بها إلّا إنّ أحدًا لم يبت بها، ويجعلها من صنف الحقائق على المستوى المدارس العلمية الرسمية.

هذا، وهناك عقبات أخرى تحول دون صحة فرضية التطور، نكتفي بما ذكرنا.

النقطة الرابعة: ممّا يشكّل عائقًا كبيرًا في منظومة التفكير الإلحادي، «المعيارية في الأخلاق والقانون»، وبداية وقبل بيان الإشكالية، لا بأس أنْ نبيّن ما الأخلاق؟ وما القانون؟

لقد وقع الاختلاف بين المدارس البشرية في تعريف ماهية الأخلاق والقانون، ومصدر كلٍّ منهما، ومساحة تطبيقهما، والغاية المترقبة من كليهما، وبأيّ شيءٍ يتحدّد الجزاء على مخالفتهما، ويمكن مراجعة كتب القانون ذات العلاقة بمبحثنا من قبيل فكرة القانون للدكتور دينيس لويد، وهو قانوني بريطاني معروف، وهذا الكتاب هو من ضمن سلسلة «عالم المعرفة».

وعلى كلّ حال، هناك فوارق على مستوى التعريف والدلالة، وفوارق على مستوى المنابع والمصادر لكلٍّ منهما. وفوارق على مستوى التطبيق والمساحة التي لا بدّ فيها من الامتثال والطاعة، وهكذا.

وبصورةٍ عامة، ومن دون التركيز على التدقيق الاصطلاحي، ومن أجل أنْ نفهم ما نهدف إليه، نقول: إنّ الأخلاق المنظورة في هذا المقال هي الصفات المثالية ومضاداتها، ومصدرها فطرة الإنسان، وتهدف إلى وضع الفرد وفق النموذج المثالي، وهي من قبيل، العدل والظلم، والصدق والكذب، ونحوهما من هذه الصفات، ممّا يستشعره الإنسان في دخيلته، حيث مصدرها الطبيعة الإنسانية، فإنّ الإنسان من طبييعته يحكم على هذا الفعل المعين أنّه حسن أو قبيح، ولا يحتاج هذا إلى جعل بشري أو تنبيه ديني، وهذا هو المعروف عند الفرقة الاثني عشرية من أنّ قضايا الحسن والقبح لم تجعل من قبل جاعلٍ، ولم تُعتبر من قبل مُعتبِر، وإنّما يدركها العقل من عنديات نفسه.

وعليه، فإنّ مصدر هذه الصفات الأخلاقية ضمير الإنسان وحسه السليم

(45)

الذي يفرض الحكم على هذه الصفات، من غير فرقٍ بين إنسانٍ وإنسان، سواء كان يعيش في مجتمع متحضّرٍ أم متخلّفٍ، فإنّ كل إنسانٍ يعترف بأنّ العدل حسن والظلم قبيح.

وأمّا المراد من القانون فهي بنودٌ مصدرها بعض سلطات الدولة وليس الضمير الإنساني، كالسلطة التشريعية المسؤولة عن ذلك، ويختلف هدفها عن الأخلاق حيث لا تهدف إلى صنع أنسانٍ مثالي، بل هدفها تنظيم المجتمع والحدّ من الاعتداءات والمشاكل المجتمعية، بنحوٍ تضع جزاءً لكلّ مخالفة، غرامةً ماليةً أو عقوبةً بدنيةً أو حبسًا أو ما شابه حسب اختلاف القوانين بين الدول، فتكفل هذه القوانين للإنسان حياةً مستقرةً وآمنة.

وذكر فقهاء القانون أنّ البنود القانونية وإنْ كانت موضوعاتٍ بشريةً إلّا إنّ مصدرها الأم العنصر الأخلاقي نفسه، ذلك أنّه من الحسن أنْ يكون هناك تنظيم في الجماعة البشرية التي تمتاز عن أنواع الكائنات الحية الأخرى، بميزاتٍ تخصّهم وتخرجهم من النظام الأحيائي الغابِيّ.

ثم، إنّ القوانين التي تنظم حياة الإنسان إنّما تتأتى بدافعٍ من الضمير الإنساني، وإلّا لو كان المجتمع البشري متحرّرًا من قوانين مفروضة، غير مقيّدٍ بأيّ قيدٍ لإرادته وسلوكه لعمّ الخراب وأكل بعضه بعضًا، ولأصبحت الحياة الغابِيّة هي السائدة. ومن هنا فلابدّ من قانونٍ مفروضٍ على المستوى التشريعي، ولابدّ من إرادةٍ نافذةٍ على المستوى التنفيذي حتى يحدّ الإنسان من الاعتداء على النوع الإنساني.

 إنّ القانون والأخلاق يشتركان في بعض البنود، من قبيل التجسس الدولي فهي صفةٌ ذميمةٌ في علم الأخلاق، وجريمة ٌفي علم القانون، وكذلك القتل بلا مبررٍ فهو قبيحٌ جدُّا في علم الأخلاق، ويعد جريمةً كبيرةً في علم القانون.

وهناك أمورٌ تُعدّ من القبائح الأخلاقية إلّا إنّها ليست جريمةً قانونيًا مثل الكذب الشخصي، كمن يُحدّث مجموعةً من الناس كذبًا عن نفسه وبأنّه فعل كذا وكذا، فهذا قبيحٌ أخلاقيًا، ولكنه لم يرتكب جريمةً قانونيًا، وهكذا مثل

(46)

بعض مصاديق الغيبة فإنّها تُعدّ من الناحية الأخلاقية والدينية قبيحةً إلّا إنّها غير مُجرَّمةٍ قانونيًا.

وهناك موارد ليس فيها حزازةٌ أخلاقيةٌ بل قد تُعدّ حسنةً أخلاقيًا، ولكنّها مخالفةٌ للقانون، فهنا يفترق القانون عن الأخلاق من قبيل الأفعال غير القانونية إلّا إنّها بحدّ ذاتها تُعدّ أفعالًا أخلاقيةً نشأت من منطلق الرحمة مثلًا، وهذا مثل شخص أراد أنْ ينقذ حياة إنسانٍ غريقٍ ولا يمكنه ذلك إلّا إذا استعان «بنجّادة» شخصٍ آخر لا يوافق على إعارتها إليه، وقد أخذها منه من دون إجازةٍ، فهنا قد فعل فعلًا أخلاقيًا إلّا إنّه قد ارتكب مخالفةً قانونيةً بتعديه على ملك الآخرين، وقد يُجرّم ويعاقب عليه في بعض القوانين.

إذًا، القانون والأخلاق قد يشتركان في بعض البنود، ويفترق كلٌّ منهما عن الآخر ببنودٍ أخرى. نعم، الأخلاق والقانون يتسمان بطابعٍ واحد، هو الذي يهمنا في هذه الأبحاث، وهي أنّ كلًّا منهما ممّا ينبغي فعله إذا كان جيدًا، وممّا ينبغي تركه إنْ كان سيئًا، فكلاهما يهتمان بالسلوك الإنساني، وهذا السلوك لم يتحقّق فعلًا، ولكنهما يحثّان على تحقّقه أو تركه، وهو بخلاف العلوم التجريبة فإنّها تحقّق وتختبر شيئًا موجودًا ناجزًا فعليًّا، كالتفاعلات الكيميائية أو رصد الظواهر الكونية أو ما شاكل.

وهنا نتساءل: هل يمكن للعلوم التجريبية أنْ تحقّق في المسائل الأخلاقية والقانونية أو لا يمكنها ذلك بدعوى أنّ المسائل الأخلاقية والقانونية خارجةٌ عن مساحة التحقيق التجريبي؟ أو قل: هل تنطبق خطوات المنهج العلمي من الملاحظة والفرضية والاختبار، على الصفات المثالية الأخلاقية والبنود القانونية؟ ومن الطبيعي أنْ يكون الجواب أنّها لا تنطبق، وهذا رأي قد أجمع عليه العلماء والفلاسفة والاتجاهات من دون شاذٍّ في البين، والسبب في ذلك أنّ الأمور الأخلاقية ليست شيئًا موجودًا في الخارج ناجزًا متحقّقًا، بل هي دعوةٌ وتوجيهٌ للفعل الإنساني بأنْ يكون بهذا النحو ولا يكون بذلك النحو، فلا تخضع للملاحظة؛ لأنّها أساسًا غير موجودةٍ حتى تلاحظ، فلا معنى بعد

(47)

ذلك للفرضية والاختبار. وهكذا الأمر في الأمور القانونية.

ومن هنا وقعت المدارس المادية عمومًا، والملاحدة على وجه الخصوص في مأزق؛ ذلك أنّه إذا كان المعتمد معرفيًا هو «الحس»، والمنظور منطقيًا هو «الاستقراء»، فبأيّ معيارٍ يتم تحقيق المسائل الأخلاقية؟ فهل يمكن لهم أنْ يجيبوا على هذا السؤال وفقًا للمرتكزات المعتقد بها عندهم، من معرفيةٍ ومنطقيةٍ وتجريبية؟ سوف ترى أنّهم عاجزون تمامًا عن الإجابة؛ وذلك لأنّ هذا السؤال منهجيًا خارج مساحة دائرة مرتكزاتهم المشار إليها سابقًا؛ ممّا شكّل عقبةً كبيرةً لهؤلاء، إذ إنّ جميع مرتكزاتهم قائمةٌ على أساس المرتكز المعرفي عندهم وهو الحس، مع أنّ المسائل الأخلاقية والقانونية ليست أمورًا حسية، وبالتالي فلا يمكن للملحد أنْ يجيب على هذا السؤال، لعدم امتلاكه الادوات المنهجية المناسبة له.

وهنا يأتي دور الإشكالية، ونطرحها بشكلٍ عامّ بما يأتي، وهي أنْ نطالب هؤلاء بمعيارٍ واضحٍ نحدّد على أساسه أنّ هذا الفعل حسن وذاك قبيح. وكذا القانون الذي يهيمن على السلوك البشري من أعلى المستويات إلى أدناها، فحتى في الأسرة والقبيلة والعلاقات الاجتماعية ونحو ذلك هناك مفروضاتٌ قانونية. فما هو الملزم للالتزام بالقانون؟ ولماذا يجب أنْ التزم بما تفرضه القوانين؟

هناك محاولاتٌ طُرحت من قبل الملاحدة وغيرهم للتخلّص من هذه الإشكالية. إلّا إنّه يجب أنْ تعلم أنّ كلّ المحاولات المطروحة إنّما هي بعد تجاوز الإشكال المعرفي الذي أشرنا إليه قبل قليل، فإنّه إشكالٌ مُحْكمٌ وثابت. ومن هذه المحاولات ما طرحه الفيلسوف الانكليزي برتراند رسل، وتسمّى بنظرية الخوف، وهو يعترف أنّ الصفات الأخلاقية وكذا البنود القانونية لا يوجد لها معيارٌ على وفق المنظور الحسي التجريبي. وإنّما عالج الإشكالية على أساس منظورٍ آخر، وهو أنّ الإنسان إذا ما رفض الأخلاق والقوانين فإنّه سوف يخسر الشيء الكثير، ويكون أكثر الناس أذيةً، بعد ملاحظة أنّ هذه عاقبة

(48)

من لا يعترف بالقانون؛ ولذا تسمّى هذه النظرية بالنظرية العواقبية، وتتلخّص فلسفته في الجانب الأخلاقي بعبارةٍ مشهورة تنقل عنه، وهي: «لو أجزتُ سرقةَ بقرة جاري، فإنّه سوف أجيزُ للمجتمع كلّه سرقة بقرتي»، فأنا الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، وهكذا إذا أجزت لنفسي الخداع والكذب والقتل ونحو ذلك، وعليه فيتوجب العمل بالأخلاق والقانون حتى يحفظ الفرد نفسه ويأمن شر غيره. إذًا الخوف من سرقة المجتمع وكذبه وقتله إيّاي وغير ذلك يدفعني إلى أنْ ألتزم بالأخلاق.

وهذه النظرية لم تحظَ بقولٍ حسنٍ حتى بين الملاحدة، وقد أُخذ عليها مؤاخذات كثيرة، من أهمها: أنّها تسمح للقوي أنْ يستغل الضعيف مادام هو في مأمنٍ منه؛ لأنّه لا يخشى منه شيئًا، ممّا يعني أنّه لا أخلاقية في العلاقات عمومًا دولية أو اجتماعية بين القوي والضعيف. نعم، الضعيف لأنّه يخشى الضرر من القوي يحاول أنْ ينشر الأخلاق حتى لا يلاقي الضرر من الأقوياء، فتكون الأخلاق من ذرائع الضعفاء. ومن هنا اُستشكل على هذه النظرية بما فعلته الولايات المتحدة في اليابان من إطلاق القنبلة الذرية، فإنّه لا يعدّ هذا الفعل على وفق النظرية المذكورة فعلًا قبيحًا؛ لإنّ الولايات المتحدة لم تكن تخشى أصلًا ضررًا من اليابان، ومادام الأمر كذلك فلا ينعت فعلها هذا بالقبيح، وإذا قدر أنّ طرفًا يتوسّل بالأخلاق فإنّما هي اليابان التي لم تكن بحالٍ تحسد عليه؛ لأنّ العلاقة كانت هي علاقة القوي مع الضعيف، علاقة المتضرر مع الطرف الذي هو في مأمن منه.

وهكذا كلّ أفعال الظالمين الأقوياء المتسلطين على شعوبهم، سوف لا تكون قبيحةً حسب هذا المعيار الزائف، فإنّ هؤلاء الظالمين في مأمنٍ من أذية شعوبهم، بل كلّ فعلٍ سيء يصدر من القوي تجاه الضعيف لا يندرج في حقل الأفعال القبيحة.

ومن النظريات التي طُرحت في إبداء المعيار الأخلاقي والقانوني النظرية النفعية البرجماتية التي تفيد أنّ الشيء إنّما يكون أخلاقيًا لشخصٍ فيما إذا

(49)

كان يعود بالمنفعة له، وغير أخلاقي إذا ما جلب ضررًا وخسرانًا. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الحسن هو الذي فيه مصلحةٌ شخصية، والقبيح هو ما كانت فيه مفسدةٌ شخصية، فمثلًا إنّ الكذب في المعاملات التجارية ما دام يدرّ ربحًا فهو حسن، وإذا كان الصدق يسبب خسرانًا فهو قبيح، فإنّ الميزان ليس سوى النفعية وعدمها.

وبعضهم طرح النظرية النفعية بنحوٍ آخر، مفاده: أنّ المعيار على أساس السعادة الشخصية والألم الشخصي بغضّ النظر عن وجود المصلحة وعدمها. والصحيح أنْ تكون هذه نظريةً أخرى مختلفةً عن النظرية النفعية.

وما تزال النظرية النفعية هي المشهورة بين الإلحاد، وبعض الاتجاهات الفلسفية الأخرى، وإنّ الأخلاق تدور مدار المصالح والمفاسد الشخصيتين.

وهذه النظرية مع مصادمتها للواقع الذي يعيشه الإنسان في داخله، فإنّها أيضًا تجيز للإنسان القوي الذي مصلحته في قتل الإنسان الآخر أنْ يقتل ما شاء من البشر ويكون فعله حسنًا مادام فيه مصلحةٌ شخصية، وتجيز للظالم أنْ يقتل ويسفك ويهتك ويفعل ما يشاء إذا ما كانت هذه الأفعال سببًا في استقرار حكمه.

ولازم هذا انهيار النظام الأخلاقي والقانوني على حدّ ما ذكرناه في النظرية السابقة، غايته أنّ تلك النظرية كانت تجيز الأفعال القبيحة من منطلق الخوف والعواقبية، وهذه تجيزها من منطلق النفعية والمصلحة الشخصية.

وهكذا في نظرية السعادة والألم؛ لأنّ الحسن والقبح سوف يدور مدار الألم والسعادة الفردية لفلان من الناس، فقد تكون السعادة بسفك الدماء كما شاهدنا هذا في بلداننا وسمعناه في بلدان أخرى، حيث يتشفّى ببعض الناس ويشعر بالسعادة تجاه ما يشاهده من الألم.

والنتيجة: إنّ هناك مأزقًا وقع فيه الملحد إزاء إعطاء معيارٍ أخلاقيّ واضح، ممّا حدا ببعض الاتجاهات الإلحادية أنْ ينكروا قيمة الأخلاق والقوانين في المجتمع البشري، ويلتزموا بالعبثية كما في الفلسفة الوجودية، فقد ذهبت

 

(50)

بعض المذاهب إلى أنّ القيمة الأخلاقية تلازم وجود الإله، وحيث إنّ اللّه غير موجودٍ فلا معنى للأخلاق والقيم والقانون، وستكون الأخلاق عبارةً عن لغوٍ وعبث، وهذا هو الصحيح وإلّا فما هو الشيء الذي يلزمني بالفعل الأخلاقي والقانوني؟ ولماذا أضحي بملذاتي وحياتي؟ وبالتالي سوف يكون الفرد المعتقد باعتقادات كهذه عنصرًا خطيرًا في المجتمع.

ومن هنا فنحن نعتقد أنّ مضادات الأخلاق والقيم أمورٌ:

 منها: أنْ تعتقد أنّ الإنسان مجبورٌ على أفعاله، كما ذهب إلى هذه النظرية من الملاحدة الماركسية على تفسيرٍ للجبر التاريخي ومن الفرق الدينية بعض الاتجاهات العقائدية الخاطئة كالأشاعرة ممّن يؤمنون بفكرة الجبر.

ومنها: أنّ الربوبية التي تعتقد بوجود اللّه تعالى هي تعتقد أيضًا بأنّ اللّه لا يتدخل بشؤون البشر، وعلى هذا الأساس فلا تكون هناك قيمةٌ للأخلاق والقانون.

ومنها: إنكار الوجود الإلهي من باب أنّ «من أمن العقاب أساء الأدب»؛ فإنّه إذا لم تعتقد بوجود اللّه تعالى فلا معنى للالتزام بكلّ مقيّدٍ للحرية الإنسانية، وسوف تنتصر العبثية على الهدفية، والفوضى على النظام.

إنّ من الآثار المترتبة على إنكار المعيار الأخلاقي انهيار المنظومة الأخلاقية بكاملها فتتساوى الفضيلة والرذيلة، والحسن والقبح وهكذا. وسيباح للشخص أنْ يفعل ما يشاء من خبائث الأفعال، وهذا مرفوضٌ بالحسّ العام البشري؛ ولأنه كذلك يحاول هؤلاء الملاحدة أنْ يصطنعوا معايير معينةً بغية الحفاظ ولو بقدرٍ ما على شكل النظام العام من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى إظهار إيديولوجيتهم بوجه لطيف أمام الأتباع والخصوم.

ومع ذلك هناك دعوات من الملاحدة ومن أشباههم في هتك القانون الفطري والطبيعي في الإنسان من قبيل الدعوة للمثلية، أو الارتباط بالمحارم، أو نحو ذلك، وهذا ينسجم مع إنكار المعيار الأخلاقي؛ ولذا فإنّ «لورانس كراوس» عندما سُئل عن زنا المحارم قال: أنا لا أجد فيه بأسًا. وقد جوبه

(51)

كلامه بالرفض من قبل عوام الملاحدة، وإلّا فإنّ كلامه ليس خاطئًا على وفق المعيار الأخلاقي المطروح عندهم.

وقفةٌ مع بعض الملاحدة

ولا بأس الآن أنْ نعطف المقال في استعراض ومناقشة بعض نصوص زعماء الإلحاد، لكي لا يخلو البحث من استشهاداتٍ نصوصيةٍ لأفكار الخصم، وليعرف الباحث مدى المستوى الفكري لهؤلاء. ولأنّه لا يمكن استيعاب جميع النصوص المعبّرة عن أفكارهم؛ نقتصر على بعضٍ منها.

أولًا: التطور الكوني

النموذج الأوّل: نموذج التطور الكوني، وهو عبارةٌ عن فرضيةٍ طرحها الملحد ريتشارد دوكنز في بعض كتبه ومرئياته، ونسبها إلى ستيفن هوكنج الفيزيائي المعروف. وقد عبّر عنه دوكنز بـ «التطور الداروني الكوني».

وقبل بيان هذا النموذج يحسن بنا أنْ نفرق بين أمرين: الوجود البيولوجي (الحي)، والوجود الكوني (الفيزيائي). فالأوّل يقبل التكيّف والتغير والنمو والتكاثر بنحوٍ عام، وله إحساس في الأغلب. أما الثاني فهو وجود جمادي متمثّل بعناصره الطبيعية الكيميائية بما تشتمل على ذراتٍ وبنيةٍ فيزيائيةٍ خاصّة؛ ولهذا هو لا يقبل التكيف والنمو والتكاثر.

وهذا يعني أنّ الموجودات البيولوجية الحية لها خصائص مختلفة عن الموجودات الكونية، على اختلاف في المعيار المحدد للكائن الحي سواء بين علماء الحياة أم الفلاسفة، ولا يهمنا البحث فيه، وإنّما غاية ما نريد معرفة الفارق العام بين هذين النوعين من الموجودات.

وهنا برزت إشكاليتان؛ الأولى: في تطوّر المادة الكونية إلى مادةٍ بيولوجية، وهذه الإشكالية هي التي تطرقنا إليها سابقًا، وكانت تمثّل إحدى نقاط الإحراج للملاحدة.

الثانية: وهي أنّه بداية الانفجار العظيم حسب ما يقرّره العلماء المختصّون في هذا الجانب كانت نقطة صغيرةً جدّا تختزل هذا الكون بأكمله، وقد

(52)

انفجرت وامتدت متوسعةً ولا تزال منذ13.7 مليون سنة، وحتى هذه اللحظة التي نتحدث فيها. فالمجرات والطاقات المنتشرتان في هذا المتسع العظيم كله، كان في أوّل الزمان المشار إليه آنفًا مُختزَلًا في تلك النقطة المفردة (البيضة الكونية).

وهنا واجه الملحد إشكاليةً في كيفية حصول هذا النظم الدقيق الملفت مع ما فيه من قوانين صارمةٍ ودقيقةٍ إلى حدٍّ كبيرٍ مع نظامٍ خاصٍّ في التصميم الذري وما فوقه وما دونه، وقد كُتبت كتبٌ ومدوناتٌ علميةٌ مختصّةٌ في هذا الشأن، أي كيفية مجيء ذلك كله من تلك النقطة الصغيرة.

وهذه الإشكالية هي محطّ اهتمامنا الآن، أعني في كيفية حصول الأنظمة المعقدة المفصلة، من البساطة والاختزال. وقد حاول الجواب عن هذه الإشكالية العصية بعضهم، والتي أيضًا تُعدّ من نقاط الإحراج عند الملاحدة، حتى أنّ بول ديفيز الذي كان من كبار الإلحاد قد انصرف عن الإلحاد بسببها، أو كانت هي أحد الأسباب الرئيسة لذلك، ودوّن في كتابه اللّه والفيزياء الحديثة، والتدبير الإلهي، والجائزة الكونية الكبرى بأنّ هذا الكون قد صُمّم من أجلنا، وعقد عنوانًا خاصًّا ومناسبًا لذلك، أوضح فيه أنّ هناك يدًا هي المسؤولة عن هذا التصميم.

وهنا جاء دوكنز قائلًا وناسبًا هذا الطرح لـستيفن هوكنج بأنّ التطوّر الكوني الذي حصل إنّما هو على غرار التطور البيولوجي الداروني، فكما أنّ هناك تطورًا على المستوى الاحيائي من الكائن الأبسط قبل كذا مليار سنة إلى الكائن الأعقد، فكذلك هناك تطورٌ كونيٌّ من النقطة المفردة إلى هذا الذي نشهده ونلاحظه أمامنا. وأنا شخصيًا لم أعلم له موافقًا على هذا الذي يذكره، كما أنّي اطلعت على كثيرٍ من تراث ستيفن هوكنج، وشاهدت كثيرًا من مرئياته، فلم ألحظ هذه الفكرة المنسوبة إليه.

وقبل الاستطراد في بيان ومناقشة الموضوع علينا أنْ نتذكر ما طرحناه سابقًا في موضوع «السمات الإعلامية» من كون الملحد كثيرًا ما يُروّج

(53)

لإلحاده من خلال استخدام الإسقاطات المفاهيمية، حيث يلبس المروّج «شيئًا معينًا» مفهومًا من المفاهيم، إما للترويج له أو عليه، كمن يُلبس الدين لباس الرجعية والتخلّف، أو يصب مفاهيم الحضارة والتمدّن على الملابس الفاضحة لاسيّما في النساء؛ ولأن الإعلام من طبيعته التأثير على السواد من الناس تجد أنّ المتدينين يقفون موقف الدفاع وصد التأثير الإعلامي بدل أنْ يكشفوا أنّ هذه أساليب رخيصةٌ، وغير موضوعية، بل بعض المتدينين يحاول أنْ يغيّر من أفكار الدين خجلًا من عدم مواكبة الحضارة الحديثة!!  فيتنازلون عمّا هو ديني من أجل إرضاء الطرف الآخر الذي هو - أساسًا لا يرضى عنه إلّا أنْ يتخلّى عن كامل معتقده.

كذلك من الإسقاطات المفاهيمية تقديم فكرٍ معينٍ على أنّه فكر إرهابي. ومنها تلبيس الانحلال الأخلاقي والإباحية المطلقة لباس الحرية، إلى آخره.

والآن نرجع إلى دوكنز الذي كثيرًا ما يستخدم الخطاب الإعلامي على حساب توظيف الخطاب العلمي، إذ أراد أنْ يسقط مفهوم الدارونية والتطورية على التوسّع والتعقيد الكوني، لكي يتخيل البعض بسبب هذا الإسقاط المفاهيمي أنّ هناك تطورًا كونيًا على حدّ ما هو حاصل في الكائنات الحية. والحقيقة التي يسلم بها علماء الفيزياء قاطبة، أنّ الكون مغلقٌ لا يُستحدث فيه شيءٌ جديدٌ ولو مثقال ذرة، ولا ينعدم منه شيء ولو مثقال ذرة، فالموجود منذ بداية الانفجار العظيم ما يزال هو في نفسه على المستوى البنيوي الفيزيائي، فالموجود الآن يساوي 100% ما هو موجود في النقطة المفردة.

وعندما يقول دوكنز: إنّ هناك تطوّرًا، فهذا يعني أنّه حصل انتقالٌ من الأبسط إلى الأعقد مع أنّ الكون لم يزدْ ولم ينقص كما علمت، وهذا بخلاف التطوّر الأحيائي على تقدير التسليم به فإنّه يكون بحصول الزيادة الكمية والمادية في الكائن المتطوّر إذا ما قايسناه بسلفه السابق أو الأوّل، فأين الحوت الأزرق من الكائنات الدقيقة المجهرية؟! ومن الواضح أنّ هذا لا يتأتى في الموجود الكوني الطبيعي.

 

(54)

ويبدو أنّ دوكنز بعد أنْ شعر بإحراجٍ إزاء التعقيد الفيزيائي حاول جاهدًا أنْ يفسّر ذلك بالطريقة التي فسّر بها دارون التطوّر الاحيائي، فقال:  » على الرغم من أنّ نظرية الانتخاب الطبيعي محصورةٌ بتفسير العالم الحي فإنّ باستطاعتها أنْ ترفع مستوى الوعي والإدراك والقابلية للمقارنة عندنا، ممّا يساعد على فهم الكون نفسه»، فكأن التطور الإحيائي يثير الذهن البشري لعلاج مشكلة التعقيد الكوني.

ومن الواضح كما نبهنا على الفارق بين الوجودين البيولوجي والفيزيائي، وقلنا: إنّ الأوّل وجود يتكيف، ينمو، يتكاثر، وما إلى ذلك من خصائص الحياة، بخلاف الوجود الفيزيائي فلا يمكن فيه التكيّف وخصائص الحياة. فهذا من الخلط المنهجي للفارق المحوري بين موجودٍ قابلٍ للتطوّر وآخر لا يمكن فيه ذلك، فإنْ كان هناك قانونٌ يجري على المستوى الأحيائي لا يعني أنّه يجري على المستوى الكوني، فيجب ألّا يحصل الخلط بين الأمرين. والغريب أنّه يصدر هذه الخزعبلات على أنّها رأي العلم وهي بالإضافة إلى خروجها من اختصاصه، لا تمثّل سوى رأيه الشخصي.

ثم لا يوجد عندنا مقولةٌ منطقيةٌ أو علميةُ تفيد أنّ أمرًا إذا كان جاريًا في موضوع فإنّه يبعث رسالةً إلى إمكان تطبيقه في موضوعٍ آخر، إذ ليس من الصواب أنْ نتعامل مع الموضوعات المتباينة بالطريقة نفسها وبنظرٍ واحد، وإنّما ذلك يتبع التحرّي والوقوف على الخصائص في كلٍّ منهما. وكذلك أنّه استخدم إسقاطًا مفهوميًّا للتغرير وإقناع المتلقي الساذج، وذلك بتلبيس مفهوم التطوّرية للتعقيد الكوني، لا سيّما أنّه يتحدّث بلسان العلم والعلماء.

هذا، ونعلم من الطرح الذي يبديه دوكنز أنّه يعتقد ضمنا أنّ النظام الكوني ذو تصميمٍ دقيقٍ ومعقّدٍ ورائع، وإلّا ما كان ليطرح هذا الطرح الزائف، وأنّ هناك سيرًا من الأبسط إلى الأعقد، وبما أنّ تطبيق دوكنز كان خاطئًا فهو مطالبٌ في الحقيقة بتفسيرٍ واضحٍ للمشهد الكوني المعقّد والدقيق؛ ولهذا فهو يقول: «يحتمل أنّ الخلية الأولى كانت على أغلب الظن غير مشتملةٍ على الـ«دي أن

(55)

أي»، بل على موروثاتٍ هي أبسط بكثيرٍ منه، وذلك أنّ الـ«دي أن أي» تقنيةٌ وراثيةٌ متطوّرة. وحينما سُئل «دوكينز» عن كيفية نشوء الحياة واحتمال وجود المصمّم الذكي»، قال: «من المحتمل أنّه في وقتٍ سابقٍ في مكانٍ ما تطوّرت حضارة، في الغالب بوساطة بعض الطرق الداروينية إلى مستوى عالٍ جدًّا من التقنية، وصمّموا شكلًا من أشكال الحياة وربّما بذروه في كوكبنا إلّا أنّ هذه إمكانية...  إمكانية مثيرة، وأنا أفترض بأنّ من المحتمل أنّ نجد دليلًا عليها. إذا نظرت في تفاصيل الكيمياء الحيوية وعلم الأحياء الجزيئي فقد تجد توقيع مصممٍ ما، وأنّ المصمم قد يكون مخلوقاتٍ أكثر ذكاء ًمنا في مكانٍ آخر في الكون». وكما يلاحظ مدى اعتقاد الرجل بدقة النظام الكوني، وأنّه ممّا يحتاج إلى يدٍ ذكيةٍ، وتملصه من ذلك باختراع فكرة الكائنات الفضائية!

ثانيًا: نفي البديهيات

 النموذج الثاني: نموذج نفي البديهيات، والبديهيات هي الأصول والمبادئ للفكر البشري، فإنّ الإنسان عندما يفكر في قضيةٍ ما، فإنّما يفكّر بها من خلال بعض القضايا وهذه القضايا مثلًا قد ثبتت في رتبةٍ سابقةٍ عبر قضايا أخرى، وهكذا حتى ينتهي الأمر إلى قضايا لا تحتاج إلى استدلالٍ وإثباتٍ، بل هي ثابتةٌ بذاتها مسيطرةٌ في نفسها على القناعة البشرية، فارضةٌ أمرها بكلّ وضوحٍ وقوة، وهي التي تسمّى بالبديهيات من قبيل «إنّ الشيء الموجود لا يخرج من العدم»، و«إنّ كون الشيء ثابتًا لا يجتمع في آنٍ واحدٍ مع كونه منفيًا»، و«إنّ الشيء لا يحمل إلّا طبيعةً وحقيقةً واحدةً» كزيدٍ من الناس لا يكون إلّا إنسانًا، ولا يصحّ في الوقت نفسه أنْ يفرض فرسًا أو ما شاكله. إنّ إنكار تلك البديهيات يلازمه سقوط جميع أفكارنا عن الاعتبار، إذ لا تستند عندئذٍ إلى وجهٍ إثباتيّ صحيح.

ثم هناك ما هو أعمق من البديهيات وأشدّ تجذرًا في الفكر البشري، وهي التي يمكن أنْ نعبّر عنها بـ«أصول الإدراك البشري»، من قبيل أنْ يكون هناك واقعٌ تُقاس عليه الأفكار فتكون صادقةً إذا ما طابقته، وكاذبةً إذا لم تطابقه،

 

(56)

مع التشخّص والتعين الثابت للجسيم بخلاف الطبيعة الجسيمية، وعلى هذا التقدير الموجي سوف تنتفي فكرة التعيّن والتشخص.

وهذا الكلام لم يلتزم به علماء الفيزياء، فإنّ كون الجسيم كالإلكترون تارةً يكون موجةً وأخرى يكون جسيمًا ليس في آنٍ واحدٍ، ومع وحدة الظروف، بل مع اختلافها وتعدّد الشرائط، وهذا أمرٌ مُسلَّمٌ به عند الإلهيين أيضًا، وقد أكد هذا المعنى الرياضي والفيزيائي روجر بنروز. كما أنّ السلوك الموجي لا يعني بحال المساوقة مع عدم التشخص، بل هو متشخّصٌ في ما يسلكه من سلوكٍ موجيّ محدّد.

وكذلك قد أدعي أنّ الإلكترون ينتقل لحظيًا بين مكانين، ولا يمر بوسطٍ على حد الاجسام الكبيرة. وهذا ادّعاءٌ زائفٌ، ولم يقل علماء الفيزياء ذلك، أعني أنّهم لا يقولون: إنّ الجسيم انعدم، ومن ثم وجِدَ في مكانٍ آخر، ثم الحسّ غير قادرٍ على إدراك أنّ هذا قد انعدم، غايته أنّه قد اختفى، وظهر لا أنّه انعدم ووجد.

وأيضًا ممّا ذكروه مبدأ الارتياب لهايزنبرغ، وهو لا ينفي بديهية من البديهيات؛ لأنّ غاية ما يفيده هذا المبدأ عدم التحديد العلمي، لا عدم التحديد الواقعي.

ثالثًا: إشكالية الشرّ

 إنّ الحديث عن إشكالية الشرّ هو الحديث عن مسألةٍ قد تبدو من نقاط الإحراج الموجَّهة إلى الإلهيين، وتُعدّ من النماذج العامة المطروحة في أكثر كتب الملاحدة، وتتلخص بأنّ الإلهي يعتقد أنّ الإله خيرٌ وكامل، وأنّه يتمتع بصفاتٍ فاضلةٍ وعاليةٍ، فكيف يتأتى منه الشرّ أو يرضى به في هذا العالم؟

لم تكن إشكالية الشرّ وليدة هذا العصر؛ وإنّما طرحها الإلهيون منذ زمانٍ قديمٍ وأجابوا عنها، وقد عبّر عنها فئةٌ من الملاحدة بـ«معضلة الشرّ» أو بإشكالية الشرّ. ومعالجة الإلهيين لها تتمثّل بعدّة وجوهٍ منذ زمان الفسفة اليونانية والدورة الفلسفية الإسلامية والفلسفات الحاضرة الغربية، فتحصل

 

(58)

منها أجوبةٌ متعدّدةٌ وكثيرة، وكلّ مشربٍ فكريّ كان له نمطٌ من الجواب. ومن الأجوبة المشهورة عليها الجواب المنقول عن أفلاطون وأرسطو وكذا أجوبة علماء الكلام الإسلامي. وسوف نتجاوز فعلًا ما طُرح من أجوبةٍ في التراثين الفلسفي - اليوناني والإسلامي والغربي الحديث - والكلامي، ونستعرض جوابًا آخر يعتمد على مقدماتٍ يعترف بها الملاحدة حميعًا، وهذه هي الخصوصية في جوابنا، فتكون هذه المقدّمات هي القاسم المشترك بيننا وبينهم ومحل الاتفاق الذي يقبله الطرفان. كما هي منهجيتنا في هذا المقال حيث نعتمد على المقدّمات المشتركة، ومن ثم نأتي نطرح الرؤية الصحيحة التي ينبغي أنْ تُتبع.

 وبدايةً، نستعرض المقصود من الشرّ ونبيّن أقسامه، لنرى مدى معارضتها لخيرية الإله وكماله. نقسّم الشرّ إلى قسمين - وأنّ جميع الإشكاليات التي طرحوها ترجع إلى هذين القسمين:

الأوّل: الشرّ الأخلاقي: وهو الفعل الذي يتمثّل بالسلوك الإنساني، من حيث كونه مضرًا بالإنسان الآخر، أو الأشياء التي ينتفع منها البشر، من قبيل قتل الإنسان للإنسان الآخر من دون مقابلٍ أو مبرر، فهذا قد ارتكب شرًّا أخلاقيًا في سلوكه وتعديه على الآخرين، ومنه كلّ أذيةٍ يفعلها من سرقةٍ أو غشٍ أو غصبٍ، أو أيّ تعدٍّ من هذا القبيل. وجميع الحماقات البشرية التي من هذا القبيل تنتمي إلى الشرّ الأخلاقي، كالحروب والنزاعات وسلب الحقوق ومضايقة الشعوب.

الثاني: الشرّ الوجودي (الطبيعي): وهو الشرّ الذي يرتبط بالحوادث المضرّة بالإنسان، أو كلّ شيءٍ يعود بالنفع عليه، من قبيل ما يحدث من زلازل وفيضانات وحرائق طبيعية، ونحو ذلك، إذ يموت جمعٌ من أفراد الإنسان، وتتلف مزارعهم، وتهدم بيوتهم. فهذه تنتمي إلى الشرّ الوجودي الطبيعي.

إنّ الأمثلة التي يطرحها الملاحدة للشرور إنّما تنتمي إلى أحد هذين القسمين، والفارق بينهما يمكن أنْ نجمله بما يأتي على أنّ بعض الفوارق

(59)

مترتبةٌ على بعضٍ آخر:

1. إنّ الشرّ الأخلاقي يرتبط بسلوك الإنسان، بمعنى أنّ الفعل الإنساني نفسه هو موضوع ومحور هذا القسم من الشرّ، وكذلك هو موضوع الخير، فيقال: إنّ هذا الفعل الصدار من زيدٍ هو فعل خيّرٍ أو شرير. أمّا موضوع الشرّ الوجودي هفو الحوادث أو الوجودات الطبيعية التي لا يتدخل الإنسان في حصولها، من قبيل الزلازل، فلأنّها تضرّ بالإنسان أو بممتلكاته يقال: إنّها شرورٌ وجوديةٌ تكوينية، وإلّا فمن دون أنْ تعود بمنفعةٍ أو مضرةٍ على الإنسان كأن تحدث في مناطق غير مأهولةٍ بالسكان فلا يقال عنها: إنّها خيرٌ أو شر.

2. إنّ منشأ الشرّ الأخلاقي الإرادة والاختيار، فإنّه بإرادة الإنسان واختياره يسلك السلوك السيء، فيسرق ويكذب ويقتل ونحو ذلك، فليس الشرّ الأخلاقي ضربًا من الجبر السلوكي، ولا يدرأ عنه الجزاء القانوني في جميع القوانين الدولية، فمادام قد صدر منه الفعل بإرادته واختياره فهو مسؤولٌ عمّا يقع عليه من جزاء، في حين أنّ الشرّ الوجودي منشؤه قوانين عالم الطبيعة المتحكمة في سلوك المادة، فمثلا أنّ القانون في السوائل يميل إلى تساوي سطحه الأعلى، لا أنّه متفاوت الطبقات بنحو يكون في جانب طبقته أعلى منها في الجانب الآخر. كذلك الحجر إذا ما استند إلى حجرٍ آخر فإنّه يبقى ثابتًا على هذه الحال ما دام لم يحصل فراغٌ بينه وبين غيره من الأحجار، كما في بناء الدور. وحصول ظاهرة الزلازل خاضعةٌ إلى هذه الفكرة ببساطة حيث يوجد تخلل في بعض طبقات الأرض لعدّة أسبابٍ فتتحرك الصفائح فتؤدّي إلى حركة القشرة الأرضية، وهذا يخضع إلى قانونٍ طبيعيّ عام، وليس منحصرًا بظاهرة الزلزلة، ولا يمكن ألّا تحدث ما دامت شروط وقوعها متوفرةً بتمامها، وأيضًا إنّ الماء إذا ما ارتفعت درجة حرارته إلى درجة المئة في حالاتٍ معينة سوف يغلي حتمًا، ولا يمكن ألّا يغلي؛ لأنّ الأمر ليس اختياريًا قصديًا، ومثله أنّ النار إذا ما أصابت ثوبًا سوف تحرقه بمقتضى تلك القوانين المودعة فيها، إلى آخره من سلسلة العلاقات الطبيعية بعضها مع بعضها الآخر.

 

(60)

فإذا حصلت حرائق في بلدةٍ مثلًا فاحترق بعض الناس أو بعض حاجياتهم؛ فإنّ هذا الاحتراق إنّما يستند إلى تلك القوانين الصارمة؛ ولأنّ تلك القوانين أثرت على حياة الناس أو حاجاتهم يقال: إنّه قد حدث شرّ.

وخلاصة هذا الفارق، أنّ الشرّ الأخلاقي يستند إلى الإرادة والاختيار، أمّا الشرّ الوجودي يستند إلى القانون الطبيعي.

3 . إنّ الشرّ الأخلاقي له قيمةٌ في نفسه، وذلك بملاحظة أنّ الفعل الإنساني عادةً ما يحمل هذه القيمة من حسنٍ أو قبح، وهذا بخلاف الأمر الوجودي التكويني فليس له قيمةٌ من هذا القبيل؛ لأنّ شريّته أو خيريته إنّما هي بلحاظ تأثيره على الإنسان، فالشرّ الوجودي ليس في حقيقته وصفًا للظاهرة نفسها بقدر ما هو وصف للظاهرة بلحاظ تأثيرها على الإنسان.

4 . إنّ الشرّ الأخلاقي يخضع إلى معايير الحسن والقبح، بمعنى أنّ هناك معايير في الفعل الإنساني نحكم من خلالها على الفعل بأنّه حسن أو قبيح. أمّا بالنسبة إلى الشرّ الوجودي فلمّا كان لا يحمل قيمةً أخلاقيةً في نفسه فلا معنى لوجود معايير الحسن والقبح فيه، وإنْ كان يوصف بالخيرية والشرّية، فالأمطار في بعض المواسم الزراعية تؤذي بعض أنواع الزرع كالحنطة والشعير، مع أنّها تنفع محاصيل زراعية أخرى، فبلحاظ المحاصيل الأولى يقال عنها: إنّها شرٌّ ولا يقال عنها: إنّها قبيحة، وبلحاظ الثانية يقال: إنّها خير، ولا يقال: إنّها حسنة، وما ذلك إلّا لأنّ الحسن والقبح وصفان للسلوك والأفعال لا للظواهر والقوانين.

أضف إلى ذلك، أنّ الشرّ الأخلاقي تخضع أحكامه القيمية إلى جملةٍ من الموازنات، فليس دائمًا يكون الفعل حسنًا أو قبيحًا بنحوٍ مطلق. فمثلًا أنّ الكذب قبيحٌ والصدق حسن، ولكن إذا افترضنا أنّ الصدق يؤدّي إلى قبحٍ أشدّ كالقتل مثلًا فسوف يكون الصدق قبيحًا بملاحظة ما يستلزمه والكذب كذلك هو الحسن. وهذه الموازنات لا تتأتى في الظواهر والقوانين الطبيعية.

هذه أهم الفروق بين الشرّينِّ الأخلاقي والوجودي، وهناك فوارق أخرى سوف تتضح من خلال البحث.

(61)

الجواب على إشكالية الشرّ

والآن نشرع في بيان الجواب على إشكالية الشرّ، ونبدأ بالجواب الأوّل.

الجواب الأوّل

يبتني هذا الجواب على مقدّمتين، هما محل اعتراف الملاحدة قاطبة: الأوّل: مصلحة الاختيار الإنساني. والثانية: مصلحة ثبات قوانين الطبيعة. هاتانِ مصلحتانِ لا يمكن التنازل عنهما بحال، ويوافقنا الملاحدة في ذلك، فافتراض أنّ يكون الإنسان مختارًا فيه مصلحةٌ عاليةٌ تميزه عن الآلات والجمادات، وهذه المصلحة هي التي تبرر توصيف الفعل الإنساني بجميع الأوصاف القيمية، بل الإنسان لا يكون كائنًا ذا خصوصياتٍ خاصّة ما لم يكن مختارًا وقاصدًا لأفعاله، وإلّا فسوف لا يفترق عن كلّ مادةٍ فيزيائيةٍ وموجود جمادي آلي، مع أنّ هذا مرفوضٌ بشريًا، إذ إنّ الأمر لو كان كذلك لما فرضت القوانين وأنشأت الدول والحكومات، ولانهارت معايير الحسن والقبح، والخيرية والشرّية، ولمّا صحّ أصلًا الاعتراض على الشرّ الأخلاقي.

وكذا، إنّ ثبات القوانين في الطبيعة مبدأٌ عظيمٌ في كلٍّ من المنظومة الوجودية وحياة الإنسان، أي على المستوى التكويني والبيولوجي، فكما أنّ العنصر الكيميائي إذا تفاعل مع آخر ينتج قهرًا مركبًا جديدًا، فكذلك إذا تناول الإنسان عقارًا طبيًا فإنّ هذا الدواء سوف يتفاعل حتمًا مع بدنه، ويؤثّر عليه نحوًا من التأثير. وبكلمةٍ جامعة: إنّ قوانين الطبيعة هي قوانين صارمةٌ وحتميةٌ بالمعنى الذي أفدناه، ولا تتغير إلّا إذا تغيّرت بعض الشرائط والظروف. ولا يختلف الحال في جريان القانون بين الحالات الصغيرة كإناء الماء، والحالات الكبيرة كالفيضانات، بين احتراق الورقة الصغيرة، واحتراق مدينة بكاملها.

إذًا، هنا مبدآن: مبدأ الاختيار وهو يرتبط بسلوك الإنسان، ومبدأ ثبات القانون الطبيعي وهو يتعلّق بالظواهر الطبيعية. وهذان المبدآن محل اعتراف الملحد ولا يسعه إنكارهما، إذ إنّ إنكار الاختيار يستلزم إنكار الشرّية من رأس، فلا يبقى محلٌّ للإشكال، وهذا يؤدّي إمّا للالتزام بالاختيار الإنساني،

(62)

ولازمه وقوع الشرّ الأخلاقي، وإمّا إنكار الاختيار، ولازمه انتفاء الشرّ الأخلاقي.

وهكذا، بالنسبة إلى ثبات القوانين، فلو أنكرها الملحد فهذا يعني أنّ النار التي تحرق في هذا اليوم، فهي لا تحرق غدًا، وأنّ الماء الذي كان يغرق فاليوم هو لا يغرق، والصعقة الكهربائية التي تفتك بالإنسان، قد لا تفتك به في وقتٍ آخر، والعقاقير الطبية التي تعالج اليوم الإنسان هي غدًا مادة سامة. وحينئذٍ سوف تعمّ الفوضى ولا يبقى حجرٌ على حجر، ويستلزم ذلك انهيار العلم بكامله، فلا فيزياء ولا كيمياء ولا غير ذلك؛ لأنّ الجميع مبني على هذه القوانين، ومن ثَمّ فلا تبقى للملحد حجةٌ على شيء، مع أنّه يزعم أنّه من أهل العلم واتباع المنهج العلمي.

والنتيجة، أنّ الشرّ الأخلاقي هو لازمٌ لمبدأ الاختيار، فإنّ افتراض الاختيار نفسه يساوق افتراض إمكانية صدور الشرّ من الفاعل المختار. في حين، أنّ الشرّ الوجودي هو لازمٌ لمبدأ ثبات قوانين الطبيعة، ومن دون هذا الثبات سوف ينهار العلم بكامله.

وقد يقال: إنّ هذا الكلام صحيحٌ على مستوى الشرّ الأخلاقي، ولكن قد يقال: إنّه ليس الأمر كذلك على مستوى الشر الوجودي؛ لإمكان أنْ يتدخل اللّه تعالى فيمنع وصول الشرّ الوجودي إلى الإنسان المؤمن، أو الفقير أو المحتاج، فإذا لامست النار ثوب الفقير فإنّ اللّه تعالى يمنع تأثير الإحراق، وإذا غرق الطفل البريء فإنّه تعالى يمنع موته، وهكذا.

والجواب واضح، فإنّه لو افترضنا ذلك وإنّه تعالى سوف يمنع كلّ شرٍّ وجوديّ، فسوف يتراءى للإنسان بأنّ قوانين الطبيعة غير ثابتة، بل لا قوانين طبيعية، لعدم علمه بتشخيص التدخلات الإلهية، فيرى النار تحرق ولا تحرق، والماء يغرق ولا يغرق، والكهرباء تصعق ولا تصعق، والعقار دواء وداء، وكلّ شيءٍ سيراه يعطي أثرًا والأثر المعاكس له.

وعليه، فالاعتقاد باختيار الإنسان من جهة، وبثبات قوانين الطبيعة من

(63)

جهةٍ أخرى وهما محل اعتراف كل من الإلهي والملحد هما لازمان للشرور الأخلاقية والوجودية. وكما يلاحظ أنّ معالجة إشكالية الشرّ تنسجم تمامًا مع فكرة وجود اللّه تعالى حيث الاعتقاد بالاختيار الإنساني وبثبات القوانين. أمّا بناءً على الإلحاد، فنسأل ما هو المعيار في كون الشيء شرًّا؟ ومن الواضح أنّه لا يوجد معيارٌ عند الملاحدة للشرّ، ولا للحسن والقبح، ولا لكلّ شيءٍ قيمي، فإذا كانت هناك معضلةٌ للشرّ فهي على مبنى الإلحاد لا غير.

الجواب الثاني

والجواب الآخر على إشكالية الشرّ عبارةٌ عن مبرهنةٍ مختصرة، ومضمونها موجودٌ في علم الكلام الإسلامي، ولكن سوف نصيغها بصياغةٍ أخرى، وهي تبتني على بعض المقدّمات:

الأولى: هل إنّ الإله على تقدير وجوده، هو عالمٌ بعلم غير متناهٍ، وقادرٌ بقدرةٍ غير متناهيةٍ، وحكيمٌ بحكمةٍ بالغة، أو لا؟ يتفق الإلهيون والملاحدة عمومًا على الجواب بـ«الإثبات». فالإلهي المعتقد فعلًا بالإله يعتقد بصفاته المذكورة، والملحد المنكر له سبحانه يعتقد أيضًا بهذه الصفات على تقدير وجود اللّه تعالى.

الثانية: هل يتوجب أنْ يعرف الإنسان بكلّ الأغراض الإلهية؟ وما يجول في ذات اللّه؟ ومن الواضح بناءً على المقدّمة الأولى أنّه لا يلزم منه ذلك، بمقتضى أنّ علم الإنسان محدودٌ متناهٍ، وعلم اللّه مطلقٌ ولامحدود، وكثيرًا ما يجهل الفرد أغراض أصحاب الاختصاص الآخرين من أبناء نوعه، فكيف والعالم هو اللّه تعالى؟ ولو سألنا أيّ ملحدٍ من الملاحدة عن نسبة علم الإنسان إلى علم اللّه على تقدير وجوده، لأجاب بإنّ النسبة هي الصفر؛ لأنّها نسبة المتناهي إلى غير المتناهي. ومن ثَمّ فالإشكال منتفٍ، ولا معنى له من رأس.

وبهذا تعالج هذه الإشكالية التي طالما روّج لها من لا خبرةَ له في تحليل القضايا وتحقيقها بالشكل المناسب.

ضرورة الاعتقاد بالإله

البحث فعلًا يرتبط بتقرير وبيان أنّ الاعتقاد بوجود اللّه سبحانه يمثّل ضرورةً

(64)

منطقيةً ومعرفيةً وعلمية. وتوضيح ذلك يتمثّل بمقدّمتين:

الأولى: أنّ كلّ دعوى تدعى ينبغي أنْ تكون مشفوعةً بالدليل، وأنّ درجة أهمية الدعوى تناسبها درجة قوة الدليل، فإذا كانت الدعوى هي من الدعاوى الاعتيادية، فلا تحتاج إلى تكلفاتٍ استدلاليةٍ خاصّة، بخلافه إذا كانت الدعوى استثنائيةً فتحتاج إلى دليلٍ استثنائي كما ينقل عن الرياضي المعروف «لابلاس»، من «أنّ الدعاوى الاستثنائية تحتاج إلى أدلةٍ استثنائية»، بمعنى أنّ الدعوى كلما اتّسمت بالأهمية والخطورة فإنّها تحتاج إلى دليلٍ من نوعٍ خاص، فمثلًا من يدعي أنّه طبيبٌ يحتاج إلى وثيقةٍ يثبت بها ذلك، ومن يدّعي اتصاله بالسماء فيحتاج إلى دليلٍ من نوعٍ خاصٍّ واستثنائي.

الثانية: أنّ التفاوت في النظام الإدراكي لكلّ انسانٍ من ناحية دقة فهمه، ودرجة ذكائه، ومدى قبوله للأفكار «درجة قناعته». هذا التفاوت يصنع نوعًا من التفاوت في قبول الأفكار.

وبعبارةٍ أخرى: إنّ كلّ فردٍ منا يمتلك منظومةً إدراكيةً خاصةً به، فكلٌّ له درجةٌ من الفهم؛ لذا فإنّ الناس يختلفون في مدى استيعابهم للأفكار، فهناك من الأشخاص من يستوعب الفكرة بمجرد أنْ يتلقاها، وهناك من يستوعب الفكرة ولكن بعد البيان والتكرار والتوضيح، وهناك ما دون ذلك. كما أنّ البشر يختلفون في درجات الذكاء وهو أعني الذكاء غير الفهم والاستيعاب، إذ قد تجده يتلقى الفكرة بنحوٍ جيد، ولكنّه قد لا يحمل من الذكاء والتحقيق بحيث يرصد مواطن القوة والضعف في ما تلقاه واستوعبه. وأيضًا إنّ البشر قد يختلفون في درجات الاقتناع والاعتقاد بالفكرة، فقد تجد إنسانًا يحمل فهمًا جيدًا وذكاءً متميزًا، ولكنه ليس من السهل أنْ يقتنع بفكرةٍ من الأفكار، في قبال جماعةٍ من الناس، وهم الأكثر قد يقتنعون بأضعف الحجج.

والمقصود، أنّ الإختلاف في الفهم والذكاء والقناعة، وكذا في المؤثّرات الخارجية من قبيل التربية، أو العلاقات الاجتماعية، أو التأثر باستاذٍ أو صديقٍ أو

(65)

في مجتمعٍ ذي تقاليد وثقافةٍ معينة، ونحو ذلك. ذلك كله يؤدّي إلى الاختلاف في مستوى قبول الأفكار، ومن هنا تعلم أنّ الناس على أصنافٍ ثلاثة:

1. الذي يقطع بفكرةٍ بمجرد سماعها ولو عن طريق الإعلام غير الموثوق، مع أنّه لا مبرر موضوعي يستوجب حصول القطع، فإنّ اليقين بفكرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع العلم بكذب كثيرٍ من أخباره يعني أنّ الإنسان المتيقن غير متثبتٍ في قناعته.

2 . الذي يشكّ ويتردّد في قبول الأفكار وإنْ كانت من مصدرٍ موثوقٍ مثلًا، حيث تجده يدقّق ويشكّك، فيوسوس تجاه كلّ ما يعرض عليه من أفكار.

3 . الذي يكون سويًّا في قبول الأفكار وحصول درجة القناعة، ففي المواطن التي ليس فيها تعضيدٌ احتمالي جيد فهو يحتمل، وفي مواطن يتوافر فيها القرائن والمؤيدات فهو يطمئن مثلًا أويتيَقن، وهكذا.

وبعد بيان المقدّمتين أعلاه، والتي ينبغي أنْ تكونا محل اعتراف كلٍّ من الإلهي والملحد، نقول: إنّ فكرة وجود اللّه تعالى هي من الأفكار المهمة والخطيرة في حياة الإنسان لما يترتب عليها من آثارٍ كبيرةٍ كما عرفنا قبل قليل، ومن ثَمّ ينبغي أنْ يناسبها الدليل المثبت لها أو المنكر.

وسيتبين أنّ هذه الفكرة تفرض نفسها على الفكر البشري مهما اختلفت درجات الفهم والذكاء والقناعة وعلى المستوى المنطقي والمعرفي والعلمي...  وهذا لا يمانع أنّ بعض الأشخاص قد لا يستجيبون لهذه الضرورة لبعض الموانع والأسباب، كما قد يحدث أنّ أشخاصًا أنكروا بديهيات العقل البشري.

وأمّا كيف نثبت أنّ هذه الفكرة ضروريةٌ فهذا ما سوف نقرره بالبيان الآتي:

الضرورة المنطقيّة

لمّا كان المنطق الطريق الذي يسلكه العقل وصولًا إلى النتائج، فلابدّ أنْ تكون تلك النتائج متوافقةً مع طريقها المنطقي، وقد أشرنا فيما سلف أنّ الطرق المنطقية متعدّدة، وأهمها طريقان: طريق الملازمات العقلية وطريق

 

(66)

الاستقراء، ونريد أنْ نقرر هنا أنّه سواء آمنا بطريق الملازمات العقلية أم طريق الاستقراء فإنّ فكرة وجود اللّه تعالى تفرض نفسها في الحالين معًا.

أمّا على الطريق الأوّل فقد تقرر سابقا أنّ خروج الشيء من العدم أمرٌ مستحيل، لا يعتقد به إنسانٌ قط حتى الملاحدة، دون الإصغاء إلى شاذٍّ هنا أو هناك، وهذا ينتج أنّ الكون الذي له بداية وكان عدمًا صفريًّا يستحيل أنْ يخرج من لا شيء، بل يجب أنْ يكون هناك موجودٌ غير كوني هو الذي أوجده. وقد تحدّثنا عن هذا الموضوع فيما سبق. فإذًا، نحن ومن خلال قانون الملازمة العقلية نقضي بلا بديّة أنْ يكون هناك إلهٌ هو الذي أوجد الكون من العدم.

وهذا، من غير فرقٍ بين استحالة خروج هذا الكون العظيم بما له من اتساعٍ وعظمةٍ من العدم وخروج النقطة المفردة التي كانت تختزله، فكلّه في حكم الملازمات العقلية شرع سواء.

وأمّا على أساس الطريق الثاني، وأخصّ منه حساب الاحتمالات. فنقرر فيه أنّ الحساب الاحتمالي عبر تراكم الاحتمالات نحكم فيه بقضيةٍ إثباتًا أو نفيًا، كمعرفة أنّ فلانًا عالم أو جاهل، فنستقصي قرائن العلمية من خلال حديثه وكتابته ومحاوراته وسعة معلوماته، ونحو ذلك فنكتشف عبر هذه القرائن أنّه عالمٌ مثلًا حيث تتوافق من ناحية قرينيتها على العلمية فتتصاعد القيمة الاحتمالية لقضية «زيد عالم»، وإنْ كانت كلّ قرينةٍ بمفردها وبمعزلٍ عن باقي القرائن ممّا يحتمل معها الخلاف، ولكنّها في حال تجمعها تقوي الجانب الاحتمالي إلى أنْ يبلغ درجاتٍ عاليةً من التصديق والاعتقاد. وهذا الطريق هو المعتمد في مطلق العلوم التجريبية والإنسانية.

ثم، إنّ هذا التراكم الاحتمالي تارةً يؤدّي إلى اليقين، وأخرى إلى الظنّ، وثالثةً إلى مجرد الاحتمال الضعي. ويتبع هذا نوعية القرائن من ناحية شدّة ارتباطها بالحدث وكمّها العددي، ودرجة الوثوق بها.

وبهذا المنهج نفسه الذي يستخدمه الطبيب وعالم الاجتماع والإنسان البسيط، يفرض وجود اللّه كفكرةٍ ضروريةٍ لا مناصّ من التسليم بها،

(67)

والاعتقاد بثبوتها، وذلك عبر تجميع القرائن المتضمنة أمورًا منظمةً ودقيقةً في هذا العالم كالثوابت الكونية وقوانين الطبيعة، وهو أمرٌ معلوم عند علماء الفيزياء الكونية، ولك أنْ تراجع كتاب فقط ستة أرقام: القوى العظمى التي تُشكِل الكون للفيزيائي المعاصر مارتن ريس. وكذلك هناك مركّباتٌ معقّدةٌ في هذا الكون تُسمّى بـ«المعقّدات غير القابلة للاختزال»، وهذه حتى توجد تحتاج إلى وجودٍ جميع أجزائها بنسبٍ خاصّةٍ ولا يمكن أنْ تأتي بالتدريج أو التدرج من الأبسط إلى الأعقد، مع أنّ تشكّل وجودها دفعةً واحدةً بطريق الصدفة ضربٌ من الخيال الجامح، فلابد أنْ يستند وجودها إلى مصممٍ ذكي سبحانه وتعالى، وفق حساب الاحتمالات.

وعليه، فالاعتقاد بفكرة وجود اللّه تعالى ضرورةٌ منطقيةٌ بمعنى أنّ المنطق الحاكم على الذهن البشري يتجه لا محالة لإثبات هذه الفكرة، وأنّ الممانعة من تطبيقها تستلزم الممانعة من تطبيق المنطق على كلّ موردٍ رياضي وفلسفي أو علمي تجريبي أو إنساني.

الضرورة المعرفية

أمّا من الناحية المعرفية ففكرة الاعتقاد بالإله الذكي فكرةٌ ضروريةٌ سواء آمنا بخصوص المصدر الحسي أم آمنا بالمصدر العقلي.

 أمّا بناءً على الاعتقاد بالمصدر العقلي فواضح كما أوضحنا ذلك في الملازمات العقلية. وعموم المدارس المادية يدركون ذلك بوضوح، وإنّما أنكروا ثبوت الإله لأنّهم لم يعتقدوا بالمصدر العقلي كأحد مصادر المعرفة الإنسانية، ومن الواضح أنّ العقل كما لا يساوي بين الواحد والصفر فهو لايساوي بين الوجود والعدم؛ ولذا قلنا فيما سبق: إنّ تلقائية خروج الكون من العدم غير مصدّقةٍ في أيّ منظومةٍ إدراكيةٍ إنسانية.

وأما بناءً على المصدر الحسي ففكرة وجود اللّه سبحانه فكرةٌ حاضرةٌ وماثلةٌ فيه، وقد تسأل: إنّ اللّه تعالى لا يمكن أنْ يُدرك في تجربةٍ أو مختبرٍ أو يُنال في حسّ، فكيف يمكن أنْ يكون إثباته ملزمًا على أساس المصدر الحسي؟ والجواب أنّه ليس المقصود من الملاحظة الحسية حتى عند علماء

 

 

(68)

الطبيعة ما ينال بالحس مباشرةً، بل يشمل نيل الآثار والإحساس باللوازم المترتبة على صاحب الأثر كمن يحسّ بأثر الطاقة الكهربائية فيعلم بوجودها، ومن يحسّ بحركة الكوكب المعين بمسار خاص فيعلم أنّ هناك كوكبًا أو نجمًا آخر قد أثر فيه، وهكذا عمل العلماء في مجالاتهم فإنّهم عن طريق الآثار يرتّبون أفكارهم ونظرياتهم، وليس المقصود عند علماء المنهج العلمي من خطوة «الملاحظة» خصوص الإحساس المباشر للموجود؛ وإلّا سوف تتعطل العلوم وتجمد البحوث العلمية.

ثم، إنّ الإحساس بالأثر ينقل ذهنية الباحث إلى وجود المؤثّر بغض النظر عن الطبيعة الوجوديةِ للمؤثِّر سواء كانت من موجودات عالم الطبيعة أم من الماورائيات، فإنّ البحث عن واقع وحقيقة وجود المؤثِّر ليس شأنًا حسيًّا، وليس بإمكان الحسّ أنْ يعطي موقفًا حول طبيعة هذا الوجود، فشأن العين أنْ تبصر الآثار المرئية وشأن الأذن أنْ تسمع الآثار السمعية. وما إلى ذلك، أمّا إنّها تتعدى إلى مسببات هذا الأثر وتقضي بأنّه مادي أو مجرد من عالم المادة، فليس لها صلاحية ذلك معرفيًا ولا منطقيًا.

ولمّا كان الإنسان في ضوء خطوات المنهج العلمي يلاحظ تنظيمًا منتشرًا في أرجاء هذا الكون ودقةً في تفاصيله ومجرياته، فينتقل ذهنه إلى وجود المنظِّم على حدّ انتقال الذهن في عالِم الطبيعة لاكتشاف فكرة فيزيائية أو كيميائية، بلا فرق بينهما من هذه الناحية، وإنّ رفض الاستنتاج في أحدهما يلازمه رفض الاستنتاج في الآخر، ولا مبرر للتفكيك بين المجالين إلّا إذا كان التعسف هو الحاكم واللامنطقية هي الطريق.

إنّ الإنسان إذا رصد تنظيمًا بسيطًا في خلاء ينتقل ذهنه مباشرةً إلى أنّ هناك صانعًا ذكيًا هو الذي صنع هذا الشيء، فلو افترضنا أنّ المركبات الفضائية الاستكشافية في المريخ قد رصدت خاتمًا متواضعًا من حيث الهيأة والصياغة، وأرسلت صورته إلى الأرض، فماذا يا ترى تتوقع أنْ يحدث في كوكبنا من ردّة فعل؟ من المتوقع جدًّا أنْ تهتز الأرض بأثقالها من هذا الحدث

(69)

العظيم؛ لأنّه ببساطة يكشف عن وجود صانعٍ ذكيّ له، فكيف بدقّة ما نراه ونشهده في هذا الكون؟!

الضرورة العلمية

ومن الناحية العلمية نجد فعلًا أن فكرة وجود اللّه تعالى ماثلةً وضروريةً في خطوات المنهج العلمي، فتطبيق هذه الخطوات نفسه من قبل العالِم في مجال اختصاصه، يأتي تطبيقها في إثبات وجود اللّه تعالى حذو القذة بالقذة، ابتداءً من الملاحظة، ثم افتراض الفرضية، وبعدها الاختبار العلمي. فإذا لاحظنا التعقيد غير القابل للاختزال، وافترضنا إزاءه ما يمكن أنْ يكون تفسيرًا له من فروض، ومن هذه الفروض أنّ الموجِد له «الإله الذكي»، ومنها أنّ الموجِد هو «الصدفة والاتفاق». فسنجد الفرض الثاني ليس مجرد أنّه فرضٌ مستبعدٌ بحساب الاحتمالات بل أنّه ملحق بالأوهام والخيالات، وقد اعترف بذلك بعض المتزمتين بالإلحاد، وحاول أنْ ينكر وجود معقّداتٍ غير قابلةٍ للاختزال مكابرًا على ما هو معروف في الأبحاث العلمية الحديثة!! فتقترب الفرضية الأولى وترجح بدرجةٍ تصديقيةٍ عاليةٍ جدًّا.

وهكذا فيما لو لاحظنا بداية الكون، بل في هذه المسألة تثبت صحّة الفرضية الأولى وزيف الفرضية الثانية بوضوحٍ صارخ، فإنّ فرضية التلقائية أو الصدفة لا معنى لها كما تقدّمت الإشارة إليها قبلًا.

والنتيجة ممّا ذكرنا أنّ فكرة وجود اللّه حاضرةٌ على جميع هذه المستويات ونحن يكفينا صحة تطبيقها في مجالٍ واحدٍ منها، ولا نحتاج إلى تكلّف التطبيق في جميعها، فمثلًا نحن في مجال الملازمات العقلية نمتلك ما يربو على عشرة براهين، ويكفي لإثبات مقصودنا أنْ نطبّق باب الملازمات العقلية على واحدٍ منها. كذلك في باب حساب الاحتمالات هناك تطبيقاتٌ كثيرةٌ لإثبات وجود اللّه سبحانه، وهكذا؛ ولذا قلنا: إنّ فكرة وجود اللّه تعالى تفرض نفسها على الفكر البشري، وإنّها مستطيلةٌ على حياة الإنسان، وإنّ الطابع العام في إيديولوجيات الإنسان هو الاعتقاد بها منذ أقدم العصور إلى عصرنا الفعلي،

(70)

فمنهم من يعتقد بها عبر الأدلّة الفطرية والإحساسات الداخلية، ومنهم من يعتقد بها عبر الأدلّة البرهانية العقلية، ومنهم من يعتقد بها من خلال حساب الاحتمالات، ومنهم من خلال الأدلّة الأخلاقية، ومنهم غير ذلك. وذلك كلّه يشير إلى أنّ خطورة المسألة هي التي فرضت هذا التعدّد الاستدلالي المختلف حسب اختلاف الناس.

فتحصل ممّا تقدّم أنّ الإلحاد لم يصل إلى قناعته ومعتقده إلّا بعد الاختراقات المنهجية، وعدم المُداقّة في إبداء رؤيةٍ معرفيةٍ واضحةٍ كما عرفت.

 والحمد للّه رب العالمين.

 

 

(71)

المصادر

1.ابن منظور. لسان العرب. بيروت: دار صادر، 1416ق.

2.الكفوي، أبو البقاء. الكليّات. بيروت: مؤسسة الرسالة.

3.بنروز، روجر. العقل والحاسوب وقوانين الفيزياء. ترجمة: محمد وائل الأتاسي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1998م.

4.دوكينز، ريتشارد. وهم الإله. ترجمة: بسام البغدادي. 2009م.

5.ديفيز، بول و جون جريبين. أسطورة المادة؛ صورة المادة في الفيزياء الحديثة. ترجمة علي يوسف علي. الهيئة المصرية العامة للكتاب.

6.شريف، عمرو. رحلة عقل. القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2011م.

7.ويلز، جوناثان. أيقونات التطور؛ علم أم خرافة. ترجمة: موسى إدريس. دار الكاتب للنشر والتوزيع.

8.كاكو، ميتشيو. رؤى مستقبلية. ترجمة: سعد الدين خرفان. الكويت: سلسلة عالم المعرفة، 2001م.

(72)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف