فهرس المحتويات

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)

مقدمة المرکز

باتت الثقافة في عصر الثورة المعلوماتيّة الهائلة والذكاء الاصطناعيّ، سلعةً رخيصةً سهلة التناول؛ ممّا أدى إلى صياغة منظومة الإنسان المعرفيّة على نحوٍ تملّ الإطالة والإسهاب، وتجنح إلى الوجبات المعرفيّة السريعة الجاهزة؛ هذا ما يُنذر بظهور الكسل المعرفيّ والضعف البحثيّ، وانزياح العقل رويدًا رويدًا عن وظيفته الأساسيّة في التفكير والتنظير لصالح التقنيّة الافتراضيّة الحديثة، مع ما لها من إيجابياتٍ، وسلبياتٍ ربما تفوق تلك الإيجابيات.

إذ بعدما تصبح الأوعية المعرفيّة الافتراضيّة متاحةً لكلّ شخص، يصبح العلم أسيرًا في دهاليز الخوارزميّات التي نسجتها الإمبرياليّة المعرفيّة والثقافيّة المهيمنة على العالم، ويكون لعبةً جوفاء لا تُنبئ عن مدى توغّل صاحبها في الحقل المعرفي المبحوث، ومدى تخصّصه فيما يكتب، ويقول، وربما لا يعدو الأمر أن يكون أوراقًا مصقولةً منمّقةً بنماذج التقنية الافتراضيّة، ومعلومات متناثرة ــ وربما موجّهة بأيدٍ خفيّة ــ جمعها الذكاء الاصطناعي من هنا وهناك، لتُعطي إجابةً سريعةً يطلبها عقلٌ خاملٌ استسلم لراحة الكسل العلمي.

من هذا المنطلق، واستجابةً لضرورة المرحلة، وحفاظًا على النشاط العلمي وأثرائه بالدراسات الجادّة والعميقة والمختصرة ارتأينا إصدار سلسلة (أوراق بحثيّة)؛ لتكون منارًا بحثيًا رصينًا، يهدي الباحثين في دروب العلم والمعرفة، وذلك من خلال تقديم كرّاساتٍ معرفيّةٍ مختصرةٍ في شتّى المواضيع العلميّة والبحثيّة.

وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الخَلْقِ محمَّدٍ وآلِهِ الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ.

(7)
(8)

 

المبحث الأوّل: المرأة وحقّ الزّواج في الإسلام

تمهيد

 لقد بُني الزّواج في الإسلام على أساس تشريعيّ كامل، وله أحكام وقواعد، وآداب وسنن، وفي ظلّه التزامات وحقوق، ومخالفتها توجب العقوبة والجزاء، فقد ورد عن النّبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «مَا بُنِيَ فِي الْإِسْلَامِ بِنَاءٌ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَعَزُّ مِنَ التَّزْوِيجِ»[1]. وهذا الرّباط المقدّس حينما يعقد في ظلّ تلك الأحكام، والآداب، والسّنن، ينتج منه العديد من الآثار الإيجابيّة على كلّ من الرّجل، والمرأة بالدّرجة الأولى، والمجتمع بالدّرجة الثّانية، حيث ينسدّ من خلالها باب المفاسد والرّذائل، ولا يترك مجالًا لعدم الاستقرار، والاضطراب، والانحراف الّذي يؤثّر سلبًا على سعادة الفرد، والمجتمع، واستقرارهما. فالزّواج بالشّكل الّذي أقرَّه الإسلامُ حَفِظَ للمرأة كرامتَها ومكانتها، وللرّجل شرفَه وعِرضَه، وجعل من هذه العلاقة سياجًا يحمي الطّرفين من الخطأ، وجعل من هذه الأسرة نواةً لبناء مجتمع مسلم طاهر عفيف. وقد عبّرت النّصوص الإسلاميّة عن تعلُّق كلّ من الرّجل والمرأة بالآخر، وضرورة وجودهما معًا لتحقيق الأنس والسّكن والطّمأنينة، وقد استخدم القرآن للتّعبير عن هذه العلاقة الحميمة بينهما مصطلح اللّباس حيث قال سبحانه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (البقرة: 187)؛ فاللّباس يرمز

(9)

إلى السّكينة[1]، وقد شبّه اللّيل به، ما يعني أنّ العلاقة بين الرّجل والمرأة هي مثل اللّيل مولّدة للسّكينة. فضلًا عن ذلك فإنّ اللّباس له وظائف كثيرة منها: أنّه يُغطّي العورات، ويقي جسد الإنسان من برد الشّتاء، وحرّ الصّيف، ويُقلّل من خطر الأمراض الّتي قد تُصيب الجسد كما يُعدّ في وقتنا الحاضر أهمّ مقوِّم لجمال الفرد، وأهمّ رمز لهويّته القوميّة، والمهنيّة، وأحيانًا طبيعة شخصيّته. ويمكن أن يؤدّي الرّجل والمرأة الوظائف نفسها اتّجاه بعضهما حيث يستطيع كلٌّ منهما أن يَستر عيوب الآخر، ويقيه من المخاطر والضغوطات، ويجعله متمتّعًا بالجمال والنّمو[2] .

ظاهرة العزوبة وآثارها الاجتماعيّة وموقف الإسلام منها

أوّلًا: واقع العزوبة في المجتمع العربيّ

تشير الدّراسات الاستطلاعيّة، والإحصاءات الاجتماعيّة إلى أنّ نسبة العزوبة في العالم العربيّ والإسلاميّ في حال ارتفاع ملحوظ من حيث العدد والعمر، وهي أرقام تعتبر سببًا مثيرًا للقلق؛ لما يترتّب على حياة العزوبيّة من آثار سلبيّة، ونتائج خطيرة تترك بصمتها على كلّ الواقع الثّقافيّ، والسّلوكيّ، والنّفسيّ، والاجتماعيّ، والاقتصاديّ، والسّياسيّ... للفرد، والأسرة، والمجتمع، والدّولة.

فبعض الدّراسات في بعض الدّول العربيّة لاحظت أنّ نسبة العزوبة لدى الذّكور في الفئة العمريّة ما بين الـ30 و34 عامًا تقدّر بـ: 46,5%، بحيث يكون قد مرّ على الشّاب، أو الفتاة ما يقارب الـ15 إلى 20 سنة على بلوغه البيولوجيّ، والّتي تترافق متغيّرات فيزيولوجيّة من حيث وظيفة الأعضاء

(10)

الجنسيّة، وما يحدث معها من تحوّلات في المكوّنات النّفسيّة، والمجتمعيّة للشّابّ، والفتاة من حيث خطّ علاقته بالجنس الآخر، ممّا يجعله يعيش تحت ضغط النداء الفطريّ للغريزة الجنسيّة، بحيث تغيب الضّوابط الأخلاقيّة للسّلوك الجنسيّ في كثير من الأحيان، خصوصًا حيث يكثر الاختلاط بين الجنسين في المجتمع عامّة، سواء أكان في المؤسّسات وسوق العمل، أو الأسواق التّجاريّة، أو الجامعات، أو الشّوارع، أو المقاهي، والمطاعم، وغيرها... بالأخصّ في عصر العولمة، والانفتاح الكونيّ بين الحضارات، والثّقافات المختلفة الّذي تجاوز الحدود الجغرافيّة المصطنعة للدّول بعد أن حوّلت وسائلُ الاتّصال والإعلام، ومواقع الإنترنت، والتّواصل الاجتماعيّ الكرةَ الأرضيّةَ إلى قرية كونيّة واحدة.

ثانيًا: نتائج العزوبة على المجتمع الإنسانيّ

إنّ ظاهرة العزوبة للذّكور ترتبط ارتباطًا وثيقًا بظاهرة العنوسة عند النّساء، بل يصحّ أن يقال إنّهما وجهان لعملة واحدة، فالعنوسة هي الوجه الآخر لظاهرة العزوبة عند الذّكور، فبقاء الشّباب الذكور في دائرة العزوبة، وعدم إقدامهم على بناءً الحياة الزّوجيّة، يغذّي العنوسة عند الفتيات، لأنّه مقابل كلّ شاب لا يتزوّج ستفقد فتاة ما فرصتها في الزّواج، وعليه فهناك علاقة اطراديّة بين العزوبة والعنوسة، فكلّما ارتفعت نسبة العزوبة للذّكور، ارتفعت في مقابلها نسبة العنوسة للإناث.

ونشير إلى بعض النّتائج بنحو سريع:

أوّلًا: ما يتعلّق بمستوى الأمن الأخلاقيّ، أي ما تتركه العزوبة على الحال الأخلاقيّة للشّباب من جهّة انحرافهم، واتّجاههم نحو إقامة علاقات جنسيّة تتجاوز الضّوابط الأخلاقيّة، وتقع خارج الموطن الشّرعيّ للجنس، وهو

(11)

الزّواج، كالاستمناء، والزنا، وتصفّح المواقع الإباحيّة...، خصوصًا أنّ الإنسان خُلق للآخرة، فهو ليس مشروعًا دنيويًّا، بمعنى أنّ الهدف الرّئيس الّذي ينبغي أن ينشده الإنسان في حياته، ويضعه نصب عينيه هو الآخرة وليس الدّنيا.

وثانيًا: ما يتعلّق بمستوى الأمن الاجتماعيّ، حيث إنّ عزوبة الشّاب تجعله يندفع نحو ممارسات غير أخلاقيّة -كالتّحرّش- في الأحياء، والشّوارع، والمؤسّسات.

ثالثًا: ما يتعلّق بالأمن النّفسيّ، أي الحالة النّفسيّة الّتي يعيشها العازب الذّكر، أو الأنثى من عدم الإحساس بالطّمأنينة، والاستقرار، والسّكن من النّاحية النّفسيّة، وما يتركه ذلك من بصمة خطيرة على المستوى النّفسيّ من حيث الغضب، والعصاب، والتّوتّر، والقلق، والاضطراب، ممّا ينعكس على مستوى التّحصيل الدّراسيّ، وعلى خطّ علاقة الشّاب بأهله في المنزل، وعلى إنتاجيّة الشّاب في العمل، وغير ذلك.

رابعًا: ما يتعلّق بالأمن الاقتصاديّ، حيث إنّ عدم قدرة الشّاب على تأمين تكاليف الزّواج قد تدفع بعضهم إلى استعمال أساليب غير مشروعة من أجل جمع المال، وتلبية احتياجات الزّواج، كالسّرقة، أو الرّشوة، أو التّجارة بمواد غير مشروعة.

خامسًا: ما يتعلّق بالأمن الوطنيّ، أي خسارة الوطن للكفاءات الشّبابيّة، وذلك أنّ رغبة الشّاب في الزّواج، وعدم قدرته عليه قد تجعله يتّخذ خيار السّفر، والهجرة من أجل بناءً مستقبله، وهذا يجعل الوطن يفقد العديد من الكفاءات، والطّاقات الشّبابيّة الّتي يحتاجها الوطن في مرافقه المختلفة.

(12)
ثالثًا: العزوبة في اللّغة والاصطلاح الشّرعيّ

يُقال في اللّغة العربيّة: رَجلٌ عَزَبٌ أي: لا أهل له، وامرأة عَزَبة أي: لا زوجَ لها، والجمعُ: أعْزاب.

والعزَّاب: الّذين لا أزواجَ لهنّ من الرّجال والنّساء.

وتعزَّب الرّجل: أي تَرَك النّكاح، وكذلك المرأة تعزَّبَتْ.

ويقال: ليس لفلان امرأة تُعَزِّبُه أي تُذْهِبُ عُزُوبته بالنّكاح.

وأصل عَزَب تأتي بمعنى: غاب وبعد وانقطع وذهب وفات وخفي[1].

ولعلّه منه أُخذ وصف من لا زوج/ زوجة له بالعازب؛ وذلك لأنّه تنحّى وابتعد من الزّواج.

قال أحمد بن فارس: «عزب العين والزاء والباء أصل صحيح يدلّ على تباعد وتنحٍّ. يقال عزب يعزب عزوبًا، والعزب الّذي لا أهل له، ... والمعزابة الّذي طالت عزبته حتّى ما له في الأهل من حاجة...»[2].

أمّا العزوبة في الاصطلاح الرّوائيّ حسب تتبّع، واستقراء الرّوايات لا تقابل الزّواج الدّائم، بل العزوبة في مقابل النّكاح الحلال، فلا تشمل كلمة العازب حسب استعمال الرّوايات لمعنى العزوبة: المتزوّج بالزّواج الدّائم، والمتزوّج بالزّواج المنقطع، والنّاكح بملك اليمين[3].

الأدلّة الرّوائيّة

1. عن الربيع بن سبرة، عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجّة

(13)

الوداع. فقالوا: يا رسول اللّه، إنّ العزبَةَ قد اشتدّت علينا.

قال النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذِهِ النِّسَاء».

فأتيناهنّ. فأبين أن ينكحننا إلّا أن نجعل بيننا وبينهنّ أجلًا.

فذكروا ذلك للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. فقال: «اجعلوا بينكم وبينهنَّ أجلًا»[1].

وقال الفخر الرازيّ: «واتفقوا على أنّها -أي المتعة- كانت مباحة في ابتداء الإسلام، رُويَ أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا قدّم مكّة في عمرته تزيّن نساء مكّة، فشكا أصحاب الرّسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طول العزوبة.

فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «استمتعوا من هذه النّساء»[2].

فهذه الرّواية تفيد أنّ الزّواج المنقطع، وهو ما يسمّى بالمتعة، يقع خارج دائرة العزوبة، وأنّ الإنسان يخرج بالزّواج المتعة عن العزوبة.

2. عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه‌السلام فَقَالَ لَهُ هَلْ لَكَ مِنْ زَوْجَةٍ فَقَالَ لَا فَقَالَ أَبِي وَ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا وَ أَنِّي بِتُّ لَيْلَةً وَ لَيْسَتْ لِي زَوْجَةٌ ثُمَّ قَالَ الرَّكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا رَجُلٌ مُتَزَوِّجٌ أَفْضَلُ مِنْ رَجُلٍ أَعْزَبَ يَقُومُ لَيْلَهُ وَ يَصُومُ نَهَارَهُ ثُمَّ أَعْطَاهُ أَبِي سَبْعَةَ دَنَانِيرَ ثُمَّ قَالَ لَهُ تَزَوَّجْ بِهَذِهِ ثُمَّ قَالَ أَبِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  اتَّخِذُوا الْأَهْلَ فَإِنَّهُ أَرْزَقُ لَكُمْ.

 عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عليه‌السلام  مِثْلَهُ وَ زَادَ فِيهِ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَأَنَا لَيْسَ لِي أَهْلٌ فَقَالَ أَ لَيْسَ لَكَ جَوَارِي أَوْ قَالَ أُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ قَالَ بَلَى قَالَ فَأَنْتَ لَيْسَ بِأَعْزَبَ»[3].

(14)
ابعًا: ما هو موقف الإسلام من العزوبة؟

إنّ موقف الإسلام من العزوبة يمكن أن يُفهم تارة على ضوء الأسلوب المطابقيّ المباشر لمدلول الرّوايات، أي أنْ يكون اللّفظ المستعمل للدّلالة على الموقف من العزوبيّة هو نفس لفظ العزوبة، والعازب، والأعزب، أي الرّوايات الّتي صرّحت بهذه الألفاظ، وتحدّثت عنها.

وأخرى يفهم على ضوء الأسلوب المفهوميّ لمدلول الرّوايات، وهي النّصوص الّتي لم تذكر في منطوقها مفردات العزوبة بشكل صريح، بل تحدّثت عن الزّواج، وفضله، والحثّ عليه، ويفهم منها الموقف من العزوبة بطريقة غير مباشرة.

وقد عقدنا هذه الفقرات للبحث عن المدلول المطابقيّ لموقف الإسلام من العزوبة، أمّا المدلول غير المباشريّ فسيظهر خلال بعض الدّروس اللّاحقة.

النّصوص الرّوائيّة الدّالّة على كراهة العزوبة

- عن النّبيّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «خِيَارُ أُمَّتِي الْمُتَأَهِّلُونَ وَ شِرَارُ أُمَّتِي الْعُزَّابُ»[1].

- وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «شِرَارُ أُمَّتِي عُزَّابُهَا»[2].

- وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ وَ الْعُزَّابُ إِخْوَانُ الشَّيَاطِينِ»[3].

- وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ وَ أَمَّنَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى رَجُلٍ تَأَنَّثَ وَ امْرَأَةٍ تَذَكَّرَتْ، وَ رَجُلٍ تَحَصَّرَ وَ لَا حَصُورَ بَعْدَ يَحْيَى»[4].

(15)

- وعن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال: «قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : رُذَالُ مَوْتَاكُمُ الْعُزَّاب»[1].

- وعن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «إِنَّ أَرَاذِلَ مَوْتَاكُمُ الْعُزَّاب»[2].

- وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «شِرَارُ مَوْتَاكُمْ الْعُزَّابُ»[3].

- وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ وَ أَرَاذِلُ مَوْتَاكُمْ عُزُّابُكُم»[4].

- وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «لَوْ خَرَجَ الْعُزَّابُ مِنْ مَوْتَاكُمْ إِلَى الدُّنْيَا لَتَزَوَّجُوا»[5].

- وعنهة صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ الْعُزَّابُ»[6].

- وبناء على هذه النّصوص الرّوائيّة وغيرها ذهب الفقهاء إلى كراهة العزوبة.

قال الشّيخ محمّد حسن النّجفيّ المعروف بالشّيخ الجواهريّ: «العزّاب -بالضّم والتّشديد-: الّذين لا أزواج لهم من الرّجال والنّساء، وعن بعضهم أنّ العزب من لا أهل له، فيخرج عنه المتسرّي، بخلاف الأوّل.

والرّذل: الدّون الخسيس، وبالضّم ما انتفى جيّده. والمستفاد من الحكم بالرّذالة رجحان التّزويج، وكراهة العزوبة، فإنّها لا تزيد على الخسّة والضعة، وهي لا تقتضي التّحريم وإن كانت لا تنافيه. نعم، قد يقتضي ذلك لفظ الشّرار، لكنّه محمول على المبالغة في أمر التّزويج، والتّشديد في كراهة العزوبة، أو على من أفضت به العزوبة إلى الوقوع في المحرّم في وجه،...، أو أنّ المراد بالعزّاب خصوص من لا يعتني منهم بالسّنة، ولا يبالي بكمالات الشّرع الشّريف، ولا ريب في أنّه من الأشرار»[7].

(16)
خامسًا: هل كلّ أعزب يعتبر من الأشرار والأرذال؟

إنّ ظاهر الرّوايات المتقدّمة يفيد التّعميم، والكلّيّة بالنّظر إلى كلمة العزّاب، حيث إنّه قد يقال إنّ الألف واللام فيها تفيد الاستغراق، أو توجب التّعميم والشّركة، فيكون المعنى أنّ كلّ عازب هو من شرار الأمّة، وأراذل الأموات، في حين أنّ بعض المؤمنين العزّاب هم من خيار الأمّة، وأعلى الأموات في الدّرجات الكماليّة، فكيف يُوصف العازب بالدّونيّة، والخسّة، والضّعة، والرّذالة، في حين أنّه قد يكون واصلًا إلى أعلى مراتب كمالات الشّريعة، وأسماها وأرفعها؟!

ويتبيّن من مجموع كلمات الشيخ الجواهريّ أنّ وصف الإنسان العازب بالرّذالة والشرّيّة ليس بالنّظر إليه في ذاته بالنّظر الاستقلاليّ، وبغضّ الطّرف عن العوارض والطّوارئ، أي ليس هذا الوصف ثابتًا له من حيث كونه إنسانًا مؤمنًا يعتني بالسّنّة النّبويّة، ويبالي بكمالات الشّريعة الإسلاميّة، بل المراد خصوص من كان من العزّاب لا يبالي بالشّريعة، بحيث تؤدّي به العزوبة إلى الوقوع في ارتكاب المحرّمات الجنسيّة من الزّنا، والاستمناء، واللّواط، وغيرها من ألوان الذّنوب الجنسيّة.

إلّا أنّ حمل مفردة العزوبة في النّصوص الرّوائيّة على هذا المعنى هو في الحقيقة خلاف ظاهر النّصوص، ولا يمكن أن يُصار إليه إلّا بنوع من التّجوّز والكلفة، وإلّا فإنّ كلّ من لا يبالي بكمالات الشّريعة، ولا يعتني بالسنّة، ويقع في المحرّمات الجنسيّة، فهو من الأشرار والأراذل، حتّى ولو كان متزوِّجًا.

إلّا أن يُقال إنّ حملها على العازب، وتخصيصها به، أو التّأكيد عليه هو من باب كون العازب هو العنصر الغالب الّذي يقع في المحرّمات الجنسيّة دون المتزوِّج الّذي يتحصّن بالزّواج، ويحرز به نصف دينه. فلعلّ أغلب العزّاب بفعل عزوبيّتهم يقعون في المحرّمات الجنسيّة فيما يتعلّق بعلاقتهم بالمرأة،

(17)

حتّى ولو كانوا في المجالات الأخرى يعتنون بالشّريعة، خصوصًا إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ العفّة الجنسيّة في مقام السّلوك ليست من الأمور السّهلة في حياة الإنسان، فالعازب من المؤمنين قد يقع في فخّ الحرام تحت ضغط الغريزة الجنسيّة الّتي تدفعه إلى ارتكاب المحرّمات الجنسيّة، فلا تكون الرّوايات في مقام التّعميم، وإعطاء صفة الكلّيّةِ، بل في مقام بيان الأكثريّة والأغلبيّة.

ويؤيّده ما جاء عن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «أنّهَ قَالَ لِرَجُلٍ اسْمُهُ عَكَّافٌ أَ لَكَ زَوْجَةٌ قَالَ لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَ لَكَ جَارِيَةٌ قَالَ لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَ فَأَنْتَ مُوسِرٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ تَزَوَّجْ وَ إِلَّا فَأَنْتَ مِنَ الْمُذْنِبِينَ»[1].

وكأنّ ثّمة علاقة تربط بين العازب، والذّنب الجنسيّ؛ لأنّ العازب أكثر عرضة لمؤاخاة الشّيطان من المتزوّج، ولعلّه من هنا كان أكثر أهل النّار العزاب، وعليه يتمنّى العزاب العودة إلى الدّنيا من أجل التّوبة، ومن أجل أن يُقدِم على الزّواج؛ لما في الزّواج من تحصينٍ للنّفس، وكمالٍ للدّين، كما يفيده قول النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم السّابق: «لَوْ خَرَجَ الْعُزَّابُ مِنْ مَوْتَاكُمْ إِلَى الدُّنْيَا لَتَزَوَّجُوا»[2]، حتّى لا ينال عقوبته في الآخرة.

ولكن هيهات للعازب ذلك، ﴿حتّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: 99-100).

فليبادر العازب إلى الزّواج قبل فوات الفرصة، حيث لا ينفع النّدم.

عن عبد اللّه بن عباس قال: سمعت رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: «... فَبَادِرُوا الْعَمَلَ وَ أَنْتُمْ فِي مَهَلِ الْأَنْفَاسِ وَ جِدَةِ الْأَحْلَاسِ قَبْلَ أَنْ تَأْخُذُوا بِالْكَظْمِ فَلَا يَنْفَعَ النَّدَم»[3].

(18)

ونختم الفقرة بنصّ آخر لرواية عكاف، عن عكاف بن وداعة الهلاليّ قال:  «أَتَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فَقَالَ لِي يَا عَكَّافُ أَ لَكَ زَوْجَةٌ قُلْتُ لَا قَالَ أَ لَكَ جَارِيَةٌ قُلْتُ لَا قَالَ وَ أَنْتَ صَحِيحٌ مُوسِرٌ قُلْتُ نَعَمْ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِِ قَالَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنْ إِخْوَانِ الشَّيَاطِينِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ رُهْبَانِ النَّصَارَى وَ إِمَّا أَنْ تَصْنَعَ كَمَا يَصْنَعُ الْمُسْلِمُونَ وَ إِنَّ مِنْ سُنَّتِنَا النِّكَاحَ شِرَارُكُمْ عُزَّابُكُمْ وَ أَرَاذِلُ مَوْتَاكُمْ عُزُّابُكُمْ إِلَى أَنْ قَالَ وَيْحَكَ يَا عَكَّافُ تَزَوَّجْ تَزَوَّجْ فَإِنَّكَ مِنَ الْخَاطِئِينَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِي قَبْلَ أَنْ أَقُومَ فَقَالَ ص زَوَّجْتُكَ كَرِيمَةَ بِنْتَ كُلْثُومٍ الْحِمْيَرِي»[1].

(19)
سادسًا: ماذا عن مرحلة العزوبيّة القهريّة؟

قد تُثار في المقام إشكاليّة في محلّها، ومفادها: أنّه لا شكّ أنّ كلّ إنسان يمرّ بفترة يكون فيها أعزب، ففي السّياق الطّبيعيّ المرتبط بإقدام البشر على الزّواج، فإذًا ذلك لا يكون من حين البلوغ، بل يحصل الزّواج في العادة بعد سنّ البلوغ بعدّة سنوات، وفي الحدّ المتوسّط في مجتمعاتنا المعاصرة يقارب الـ10 سنوات، فالسّؤال الّذي يطرح نفسه هنا هو أنّه هل يُعتبر هذا الأعزب من شرار الأمّة، وأراذلها قبل الزّواج، وإذا مات يُصنّف في أراذل الأموات، رغم أنّه قد يكون من نيّته الزّواج، ويجهد في تأمين متطلَّباته؟!

في الجواب عن هذا السّؤال نذكر ما أفاده أيضًا الشّيخ الجواهريّ، حيث قال: «...ثمّ المراد بالعزب الّذي هو من الأشرار، والأراذل من ثبت له وصف العزوبة على الدّوام، أو في غالب الأزمنة والأحوال، بحيث يضمحلّ خلافه في جنبه، ومقتضاه استحباب أن يكون له أهل يتمكّن منها غالبًا، وليس المراد من ثبت له الوصف في الجملة ولو نادرًا؛ لأنّ جلَّ النّاس، أو كلّهم عزّاب بهذا التّفسير، إذ قلَّ ما يتّفق لأحد دوام التّأهّل من ابتداء البلوغ إلى حين الوفاة لا يتخلّله عزوبة أصلًا، وخصوصًا إذا فسّرنا العزوبة بما يشمل الانقطاع من الأهل أيضًا، ولا من كان على صفة العزوبة حال الموت خاصّة؛ إذ يلزم منه أن يكون المتأهّل الّذي اتفقت له العزوبة عند موته من الأشرار، والعزْب الّذي يتّفق له التّأهّل كذلك من الأخيار، وهو بعيد جدًّا، فالاعتبار إذًا بالغلبة كما ذكرناه، إمّا في كلا الأمرين، أو في خصوص العزوبة عملًا بمقتضى الأصل»[1].

فيظهر من كلام الشيخ الجواهريّ أنّ المراد بالعازب في الرّوايات الّذي وقع موصوفًا لصفات أراذل، شرار، ... ليس الإنسان بمجرّد بلوغه، وإلّا فإنّ كلّ إنسان هو عازب في لحظة من لحظات حياته، إنّما المراد هو من يعيش

(20)

حالًا غالبة من العزوبة، بحيث يمرّ على عزوبته وقت طويل حسب المعايير العرفيّة، والشّرعيّة من دون أن يُقْدِمَ على الزّواج.

سابعًا: نوم المتزوّج أفضل من عبادة العازب

تلك النّصوص الّتي استعرضناها سابقًا تفيد كراهة العزوبة على ما ذكره الفقهاء، وهي ناظرة إلى العزوبة بحدّ نفسها، وبالنّظر الاستقلاليّ، وبغض النّظر عن الزّواج، إلّا أنّه توجد نصوص أخرى تنظر إلى العزوبة بعين مقارنة لها بالزّواج، وبالقياس معه، وتقيم حالة من المفاضلة بين العازب، والمتزوّج، بحيث تبرز فضل المتزوّج على العازب من حيث العبادة، منها:

عن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «الْمُتَزَوِّجُ النَّائِمُ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْعَزَبِ»[1].

وعن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال: «رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا مُتَزَوِّجٌ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً يُصَلِّيهِمَا أَعْزَبُ»[2].

وعنه عليه‌السلام قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  عليه‌السلام فَقَالَ لَهُ هَلْ لَكَ مِنْ زَوْجَةٍ فَقَالَ لَا فَقَالَ أَبِي وَ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا وَ أَنِّي بِتُّ لَيْلَةً وَ لَيْسَتْ لِي زَوْجَةٌ ثُمَّ قَالَ الرَّكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا رَجُلٌ مُتَزَوِّجٌ أَفْضَلُ مِنْ رَجُلٍ أَعْزَبَ يَقُومُ لَيْلَهُ وَ يَصُومُ نَهَارَه»[3].

يظهر بشكل واضح من مجموع هذه الرّوايات أنّ عبادة المتزوّج أفضل من عبادة العازب، ففي حين يجهد العازب نفسه في الصّلاة، والصّيام، وقيام اللّيل، فإنّ المتزوّج يحصل على مراتب كماليّة، وأجر، وثواب أفضل مما يحصل عليه العازب بـعشرات الأضعاف، وليست هذه الرّوايات لمجرّد

(21)

المفاضلة بين المتزوّج والعازب، وإلّا فإنّ أهل البيت لا يفاضلون بين البشر للمفاضلة فقط، ولا يقارنون بين أصناف الإنسان من أجل مجرّد عمليّة المقايسة، بل وراء هذه المقارنة، والمفاضلة شيء آخر، ألا وهو حثّ العازب من أجل أن يقدم على الزّواج، حتّى لا يفوته شيء من الكمال والأجر.

ثامنًا: تزويج العازب مهمّة رساليّة عامّة

إنّ النّصوص الرّوائيّة لم تأتِ في سياق حثّ العازب على الإقدام على الزّواج بنفسه فقط؛ لأنّ الرّوايات لم تنظر إلى كون الزّواج بالنّسبة إلى العازب وظيفة فرديّة للشّخص بحدّ ذاته، بل ترى الرّوايات أنّ زواج العازب وظيفة مجتمعيّة أيضًا، أي كما أنّ على الفرد العازب أن يباشر للزّواج، كذلك على المجتمع أن يقوم بدورٍ ما في تزويج العزّاب، لأنّه كما اتّضح سابقًا أنّ خطر النّتائج السّلبيّة المترتّبة على العزوبة ليس فرديًّا، وشخصيًّا فقط، بل له ارتدادات، ومفاعيل تهدّد الأمن الاجتماعيّ أيضًا، من هنا كان على المجتمع أن يتدخّل في إيجاد حلول لهذه الأزمة المجتمعيّة وهي العزوبة.

النّصوص الرّوائيّة الّتي تحثّ على تزويج الأعزب

عن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  قال: «مَنْ عَمِلَ فِي تَزْوِيجِ حَلَالٍ حَتَّى يَجْمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا زَوَّجَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ خَطَاهَا وَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا عِبَادَةُ سَنَة»[1].

وعن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  قال: «وَ مَنْ عَمِلَ فِي تَزْوِيجٍ بَيْنَ مُؤْمِنَيْنِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا زَوَّجَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَلْفَ امْرَأَةٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ كُلُّ امْرَأَةٍ فِي قَصْرٍ مِنْ دُرٍّ وَ يَاقُوتٍ وَ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ خَطَاهَا أَوْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا فِي ذَلِكَ عَمَلُ سَنَةٍ قِيَامٍ لَيْلُهَا وَ صِيَامٍ نَهَارُهَا وَ مَنْ عَمِلَ فِي فُرْقَةٍ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَ زَوْجِهَا كَانَ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ

(22)

وَ لَعْنَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرْضَخَهُ بِأَلْفِ صَخْرَةٍ مِنْ نَارٍ وَ مَنْ مَشَى فِي فَسَادِ مَا بَيْنَهُمَا وَ لَمْ يُفَرِّقْ كَانَ فِي سَخَطِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَعْنَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ حَرَّمَ (اللَّهُ عَلَيْهِ) النَّظَرَ إِلَى وَجْهِهِ»[1].

وعن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال: «مَنْ زَوَّجَ أَعْزَبَ كَانَ مِمَّنْ يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[2].

وبناء على الرّوايات الّتي تقدّمت ذهب الفقهاء إلى استحباب السّعي في تزويج الإنسان العازب.

قال السّيِّد عليّ السيستانيّ: «يستحبّ السّعي في التّزويج والشّفاعة فيه وإرضاء الطّرفين»[3].

تزويج الأئمّة للعزّاب

إنّ منطق النّبيّ ومنهاج الأئمّة عليهم‌السلام لا يقوم على مجرّد بيان الأطروحة النّظريّة، بحيث يدعون النّاس إلى خُلُقٍ ولا يأتون مثله، فكانوا يسعون في تهيئة كلّ الظّروف، والبيئات الحاضنة الّتي تسمح للآخرين أن يتزوّجوا لكونهم لا يملكون مقدّرات الزّواج، فلم يكن الأئمّة عليهم‌السلام يدعون النّاس لتزويج الآخرين قولًا، بل يقومون بأنفسهم بتزويج الآخرين.

عن أبي عبد اللّه عليهم‌السلام  قال: «إنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام أُتِيَ برَجل عَبثَ بذَكَره -استمنى- فَضَرَبَ يَدَهُ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ زَوَّجَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ»[4].

وعنه عليه‌السلام قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ  عليه‌السلام فَقَالَ لَهُ هَلْ لَكَ مِنْ زَوْجَةٍ فَقَالَ لَا فَقَالَ أَبِي عليه‌السلام وَ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا وَ أَنِّي بِتُّ لَيْلَةً وَ لَيْسَتْ لِي زَوْجَةٌ

(23)

ثُمَّ قَالَ الرَّكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا رَجُلٌ مُتَزَوِّجٌ أَفْضَلُ مِنْ رَجُلٍ أَعْزَبَ يَقُومُ لَيْلَهُ وَ يَصُومُ نَهَارَهُ ثُمَّ أَعْطَاهُ أَبِي عليه‌السلام سَبْعَةَ دَنَانِيرَ ثُمَّ قَالَ لَهُ تَزَوَّجْ بِهَذِه‏...»[1].

تاسعًا: قراءة مختصرة في أسباب البقاء على العزوبة

إنّ الحديث عن الأسباب الّتي تجعل الشّباب والبنات يبقى في دائرة العزوبة، وعدم الخروج منها إلى بناءً الحياة الزّوجيّة يحتاج إلى دراسة استطلاعيّة تستقرئ آراء الشّباب، وله مستويات مختلفة، فهناك المستوى الّذي يتعلّق بالحال الفرديّة للإنسان العازب على مستوى سعيه لتحقيق أهدافه الشّخصيّة، سواء أكانت أهدافًا اقتصاديّة، كالسّفر من أجل العمل، وتأمين المستقبل الماليّ، أو كانت أهدافًا علميّة، كإكمال مرحلة دراسيّة معيّنة لنيل شهادة الدّكتوراه في الدّراسات الجامعيّة العليا مثلًا، أو أهدافًا مهنيّة، ... إلخ، وهناك المستوى النّفسيّ الّذي يتعلّق بالحرّيّة، من جهّة لكون حياة العزوبة تبقي الشّاب أكثر حرّيّة في حياته من حيث المواقف، والقرارات في الحياة الّتي لا تقف عند حدّ أخذ رأي الشّريك الآخر في نظر الاعتبار، وبالفرار من تحمّل أعباء مسؤوليّة الزّواج، حيث إنّ الزّواج يفرض نمطًا معيّنًا من الحياة فيه تعدّد أدوار، ومسؤوليّات، ووظائف للزّوج، من حيث مسؤوليّة علاقته بزوجته، وبالعمل أكثر لتأمين المال، وبتربية الأطفال وبـ...، أو عدم وجدان الشّريك المناسب للحياة الزوجيّة من حيث توفّر الصّفات المرغوبة في الزّوج أو الزّوجة.

مضافًا إلى المستوى الّذي يرتبط بالواقع الاجتماعيّ الاقتصاديّ، كعدم القدرة الماليّة على الزّواج، حيث يقول الشّاب إنّه لا يستطيع تحمّل أعباء الزّواج، وتكاليفه في زمن يعمل الإنسان فيه ليل نهار من أجل تأمين مصاريفه

(24)

اليوميّة الخاصّة فقط، فضلًا عن أنّ الشّاب أصبح جزءًا من الشّبكة الاقتصاديّة للأسرة، فهو يعاون أهله في الإنفاق الاقتصاديّ على منزل العائلة...، فضلًا عمّا صار إليه أمر الزّواج اليوم بسبب شياع ثقافة الاستهلاك القائمة على التّباهي، والتّفاخر، والتّظاهر، والتّملّك، من مهور باهظة، وحفلات زفاف فاخرة، والغلاء الفاحش للوحدات، والشّقق السّكنيةّ شراءً وإيجارًا، وطول لائحة احتياجات الأثاث المنزليّ، فضلًا عن الأسباب العديدة الّتي تحتاج إلى دراسة اجتماعيّة تعتمد منهج الاحصاء، والمقابلة، والتّحقيق.

والخلاصة أنّه ثمّة عوامل عدّة لعدم إقدام الشّاب على الزّواج، ومنها:

1. العامل التّربويّ: بسبب ثقل المسؤوليّات الّتي تترتّب على الزّواج من الحفاظ على الأسرة، والتّربية العامّة للطِّفل.

2. العامل الوظيفيّ: بسبب بناءً المستقبل المهنيّ، والطّموح الوظيفيّ لتحقيق الذّات، والشّعور بتقديرها، كأن يريد الشّاب السّفر للعمل في الخارج من أجل تأمين مستقبله العمليّ مع اعتقاده أنّ الزّواج مانع عن ذلك.

3. الامتناع بسبب إرادة إتمام مسيرة الرّحلة العلميّة الأكاديميّة، كأن يريد تجاوز مرحلة الماجستير، أو الدّكتوراه مثلًا، فيرى أنّ الزّواج يُشكّل حجر عثرة في شقّ طريقه نحو النّجاح العلميّ، فيمتنع عن الزّواج ريثما يُحقّق هدفه العلميّ.

4. الامتناع بسبب العامل الماليّ-الاقتصاديّ، إمّا في الجانب الإيجابيّ، بمعنى إرادة ادّخار المال لأجل مشاريع أخرى أهمّ من الزّواج من وجهة نظره، كبناء منزل، أو شراء منزل، وإمّا في الجانب السّلبيّ، أي عدم توفّر الإمكانات الماليّة، والقدرات الاقتصاديّة اللّازمة لتأمين متطلّبات الزّواج.

(25)
1. مناقشة العزوف عن الزّواج بسبب العامل التّربويّ

هذا الشّكل من العزوف في الحقيقة هو وليد عامل نفسيّ تعيشه الطّبيعة الإنسانيّة نتيجة الأنس بما اعتادت عليه، وألِفَته في مسار حياتها من جهّة، والخوف، والشّعور بالوحشة، والغربة من كلّ جديد، فتعمل بطريقة دفاعيّة لمقاومة أيّ تغيير قد يطرأ على حياة الإنسان؛ وبسبب مقاومة التّغيير يعزف عن الزّواج بوصفه عنصرًا مستجدًّا يريد اقتحام حياته لإحداث تغييرات، وخلق ظروف جديدة، في تصوّر نفسه -كما هي الحال أمام أي تحدٍّ جديد يواجهه الإنسان وهو أمر طبيعيّ- عاجزًا ضعيفًا، ويشعر بالإرباك، والاضطراب، والقلق، والخوف اتّجاه ما قد يواجهه مع الوضع الجديد، ويحسّ بالقصور عن تحمّل المسؤوليّات اللّازمة لمواجهة هذا المتغيّر، خصوصًا أنّه لم يخض هذه التّجربة سابقًا.

وبناء عليه، ينبغي للإنسان:

أ. أن يعلم أنّ هذا الشّعور لا يتفرّد به هو فقط، بل كلّ إنسان يمرّ به في السّياق الطبيعيّ لنموّه، وتطوّره في الحياة.

ب. يُمكن للإنسان أن يُقاوم مقاومة التّغيير من خلال تنمية الحسّ بالمسؤوليّة في نفسه بالتدرّب عليه خطوة وقائيّة مسبقة، من خلال التّدرّب على كيفيّة مواجهة عنصر الخوف في ذاته بالعمل على قيادته، والتّحكّم به، والسّيطرة عليه، فيكون أقدر على اتّخاذ القرارات اتّجاه أيّ مستجدّ يواجه حياته من دون تردّد وقلق. فيقتحم ما يخاف منه بالإقدام عليه حتّى مع الخوف، ومن هنا ورد عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، قال: «إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيهِ فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْه»[1].

ج. أن يتعرّف بالمطالعة، والاستشارة، والاستماع للتّجارب عن كيفيّة التّعامل مع الزّواج، ويدرّب نفسه على ذلك.

(26)

أمّا الحدّ من الحرّيّة، فهو على نحو جزئيّ أمر صحيح ودقيق، وهذا ما تفترضه مسؤوليّات بناءً الأسرة من زواج وإنجاب، وبطبيعة الحال التّعوّد على العزوبيّة، وهامش الحرّيّة الواسع الّذي كان يعيشه فيها سيجعله يشعر بالقلق بمجرّد تصوّر فقدان لذّة حياة العزوبيّة، وعلى الإنسان أن يعلم أنّ هذا ثمن طبيعيّ ينبغي أن يدفعه لينال لذّة الإحساس بالزّوجيّة وبالأبوّة، أو الأمومة من جهّة، وثانيًا أن يعلم أنّ هذا ثمن طبيعيّ للانخراط في أيّ مؤسّسة، وليس في الأسرة فقط، فمن يتوظّف في مؤسّسة سيخسر هامشًا كبيرًا من حرّيّته الشّخصيّة، إمّا بسبب دوام العمل، أو الأنظمة، والقوانين المرعيّة، أو لزوم الوجود في مكان محدّد... لكن لماذا يضحّي بحرّيّته مقابل ذلك؟ الجواب بعينه يمكن الاعتماد عليه في الإقبال على الزّواج. وثالثًا: عليه أن يعرف أنّ هذا إنّما قد يحصل في البداية، لكن بعد الاعتياد على المناخ الجديد يمكن إعادة ضبط السّاعة بنحو يعيش فيها بشكل طبيعيّ.

2. مناقشة العزوف عن الزّواج بسبب العامل الوظيفيّ

إنّ الجواب عن هذا السّبب له شقّان: الأوّل متعلّق بالزّوج، والثّاني بالزّوجة، على نحو الشّأنيّة.

أمّا الشقّ الأوّل: فإنّ السّؤال الّذي ينبغي أن يطرحه على نفسه هو: لماذا أخرج إلى سوق العمل وأُعاني وأُكابد؟ أليس من أجل مستقبل سعيد، وهل يمكن أن يحصل المستقبل السّعيد دون الزّواج ودون بناءً الأسرة؟ وهل بناءً وتحقيق الطّموح الوظيفيّ أولى؟!

أمّا الجواب عن الشّقّ الثاني، فيحتاج إلى التّعرّض إلى مقدّمة بنيويّة تُحدّد الجواب عن مانعيّة هذا السّبب، انطلاقًا من طرح سؤال بات يتمتّع بأهمّيّة خاصّة في هذا العصر الّذي أصبح خروج المرأة فيه إلى سوق العمل شائعًا

(27)

في المجتمعات الإسلاميّة، وهو: ما هو الدّور الرّئيس في الرّؤية الإسلاميّة للمرأة في ضوء نداء الفطرة الدّاخليّة، هل العمل الإنتاجيّ هو الدّور الأساس؟ أم الزّواج، والحمل، والإنجاب، وتربية الأطفال، والعناية بالمنزل، وتدبير شؤونه وإدارته؟

والجواب: إنّ ثمّة مبدًا عامًّا يعتبر البناء التّحتيّ الّذي ينبغي أن تقوم عليه حياة المرأة وفق المقاصديّة الإسلاميّة لها، وهو مبدأ العدالة لا المساواة في تقسيم الأدوار، وتوزيعها بحسب طبيعة الذّكورة، والأنوثة في أحبّ بناءً إلى اللّه تعالى. ومن ضمن الأدوار أنّ الزوج يتكفّل بالإنفاق الاقتصاديّ، والماليّ، وبالتّالي بالعمل الإنتاجيّ، في حين أنّ المناخ العام للرّؤية القرآنيّة، وسنّة النّبيّ، وأهل البيت يمكن الاستظهار منه أنّ الوظيفة الرّئيسة للمرأة -الزّوجة الّتي تتناسب مع طبيعتها هي تدبير شؤون المنزل الدّاخليّة، وتربية أطفالها.

وبناءً على هذه القاعدة الأساس الّتي ترسم الموقع الوظيفيّ للمرأة في الحياة، فإنّ الأولويّة في حياة المرأة ليست للعمل، بل الزّواج الحمل، والإنجاب، وتربية الأطفال، ورعاية الأسرة، ولو تعارض الطّموح الوظيفيّ، والعمليّ مع الزّواج، وبناء الأسرة تُقدِّم المرأة ما يتناسب مع طبيعة دورها في الحياة، أي الزوجيّة، والأمومة على أيّ شيء آخر.

الثّاني: على فرض كون العمل، لسبب أو لآخر، أولويّة عند المرأة، فإنّ وضع هذه الفرضيّة التّعارض بين الزّوجيّة، والأمومة، والعمل الإنتاجيّ على محكّ التّجربة مع الواقع يُكذّبها، فهناك العديد بل الكثير من نماذج المرأة العاملة النّاجحة، وهي زوجة وأم. نعم، لا شكّ في أنّ هذا يقتضي تضحية، وجهدًا، وبذلًا، وعطاءً إضافيًّا من وقتها وطاقتها.

وإن كان ولا بدّ للمرأة من العمل الإنتاجيّ بوصفه خيارًا أخيرًا واضطراريًّا، فعليها البحث عن عوامل تُساعدها على الحفاظ على الأمرين معًا، العمل،

(28)

والزّواج، وتربية الأطفال... الّتي يُمكن أن تُشكّل حلًّا جزئيًا في تقديم يد العون للزّوجة في المواءمة بين فرصتها في بناءً طموحها الوظيفيّ، وبين تحقيق زوجيّتها، وأمومتها.

 3. مناقشة العزوف عن الزّواج بسبب طلب العلم

لا شكّ في أنّ العلم له موقعيّة خاصّة في مصفوفة القيم الإسلاميّة، يقول تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ﴾ (آل عمران: 18). ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الّذينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11). ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (فاطر: 28). ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الّذينَ يَعْلَمُونَ وَالّذينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)... إلخ.

وانطلاقًا من أهمّية العلم، وفضله في الرّؤية الإسلاميّة قدّمه بعض الفقهاء على الزّواج عند التّعارض، والتّزاحم فيما بينهما.

يقول الشّهيد الثّاني عند البحث عن الآداب المختصّة بالمتعلّم: «آدابه في نفسه، وهي أمور: ... الرّابع: أن يترك التّزويج حتّى يقضي وَطَرَه -أي حاجته- من العلم، فإنّه أكبر شاغل، وأعظم مانع، بل هو المانع جملة... وهذا أمر وجدانيّ مجرّب واضح، لا يحتاج إلى الشّواهد، كيف مع ما يترتّب عليه على تقدير السّلامة فيه من تشويش الفكر بهمّ الأولاد والأسباب... ولا يغترّ الطّالب بما ورد في النّكاح من التّرغيب، فإنّ ذلك لا يُعارضه واجب أولى منه، ولا شيء أولى، ولا أفضل ولا واجب أضيق من العلم...»[1].

وكذلك ذكر الجواهريّ هذا المعنى في السّياق نفسه[2].

وبناءً عليه، يكون تحصيل العلم أولى، وأفضل، وأوجب من الزّواج، وينبغي تقديم العلم على كلّ فضيلة، وإيثاره على كلّ طاعة.

(29)

لكن في حقيقة الأمر، يقع النقاش حول مسألة المقارنة بين العلم والزّواج من عدّة جهّات:

لا شكّ بنظر العقلاء في أنّ العلم، والمعرفة بالنّظر إليه في ذاته هو كمال للنّفس البشريّة أعظم، وأشدّ درجة من الكمال الّذي يحصّله الإنسان بالزّواج. لكن، الرّؤية الإسلاميّة لا تقوم على النّظر إلى الأعمال، والمقارنة بينها من حيث الحسن الفعليّ فقط[1]، بل إنّ اعتبار أيّ عمل قيميًّا يتبع الحسن الفاعليّ[2] أيضًا، بمعنى أنّ لنيّة العامل، وقصده دورًا مهمًّا في إعطاء العمل قيمة محدّدة، فالعلم يتّصف بالحسن بمقدار ما ينوي به الإنسان التّقرّب إلى اللّه تعالى، وكذا الزّواج، وعليه فإنّ أفضليّة العلم على الزّواج لا يُنظر إليها من حيث الحسن الفعليّ فقط، فقد يكون طلب العلم أفضل ذاتًا من الزّواج، ولكن بالنيّة، والقصد القربيّ يُصبح الثّاني أفضل وأسمى وأكمل من الأوّل.

أيّ علم هو الّذي يُعتبر أفضل من الزّواج؟ هل مطلق العلم الّذي يشمل مثلًا تحصيل العلوم السّياسيّة، أو الاقتصاد، أو الهندسة، أو الطبّ، أو المعلوماتيّة...؟ إنّ الّذي يظهر من النّصوص القرآنيّة، والرّوائيّة أنّه ليس مطلق طلب العلم هو الّذي يحظى بتلك الميزة، وإنّما هو خصوص نوع معيّن يُطلق عليه اسم العلم الدّينيّ، وهو الّذي أشار إليه الإمام الصّادق عليه‌السلام في قوله: «وَجَدْتُ عِلْمَ النَّاسِ كُلَّهُ فِي أَرْبَعٍ أَوَّلُهَا أَنْ تَعْرِفَ رَبَّكَ وَ الثَّانِي أَنْ تَعْرِفَ مَا صَنَعَ بِكَ وَ الثَّالِثُ أَنْ تَعْرِفَ مَا أَرَادَ مِنْكَ وَ الرَّابِعُ أَنْ تَعْرِفَ مَا يُخْرِجُكَ مِنْ دِينِكَ»[3].

(30)

هذا كلّه على فرض التّعارض، ولكن قد يُناقش في أصل كون الزّواج يُشكّل عقبة في طريق طلب العلم، وبالتّالي يتمّ تقديم التّحصيل العلميّ عليه؛ لأنّه أولى وأهمّ، إذ يُمكن عمليًّا الجمع بين طلب العلم، وبين بناءً الأسرة، وخير شاهد على ذلك هو التّجربة العمليّة، فإنّ استقراء سيرة حياة أكثر كبار علمائنا يُفيد أنّهم قد تزوّجوا في سنٍّ مبكرة، ولم يحجبهم الزّواج، والإنجاب، وتربية الأطفال عن طلب العلم، والسّعي فيه، وبذل الجهد، وشقّ طريقهم نحو تحصيل العلوم، والبحث، والتّدريس، والكتابة، والتّأليف بل والقيام بمسؤوليّات التّبليغ، والإمامة والدّعوة...[1]. وهنا نعود للتّذكير بقاعدة أنّ الجمع بين الخيارات الّتي تبدو متعارضة مهما أمكن هو أولى وأفضل من الطّرح، وتقديم بعض الخيارات بنحو يسدّ الباب أمام خيار آخر. وعليه فالجمع بين الاشتغال بالعلم والزّواج أولى وأفضل.

تزاحم الزّواج مع طلب العلم الواجب

ما تقدّم الحديث عنه هو في فرض صورة التّعارض بين العلم المستحبّ، وبين الزّواج، أمّا في صورة التّعارض بين العلم الواجب، وبين الزّواج، فلا بدّ من معالجة المسألة من خلال عرض صورتين:

الأولى: أن يكون طلب العلم واجبًا على نحو عينيّ، فهنا ممّا لا شكّ فيه يُقدّم طلب العلم على الزّواج. هذا في صورة وجود تعارض فعليّ مستحكم.

الثّانية: أن يكون طلب العلم واجبًا على نحو كفائيّ؛ وذلك لأنّ العلوم الّتي تُساهم في حفظ النّظام العامّ، وبه يكون قوام حياة المجتمع الإسلاميّ، هي واجبة كفايةً على عموم المسلمين، فهنا قد يُقال إنّ طلب العلم على هذا النّحو مقدّم على الزّواج لكونه مستحبًّا، إلّا أنّه في الواقع معالجة المسألة على هذا

(31)

النّحو ليس دقيقًا وشاملًا، لأنّ الحديث عن استحباب الزّواج هو حديث عنه بالعنوان الأوّليّ، وبالمعنى الفرديّ الخاصّ، ولكنّ الزّواج قد يصبح واجبًا بالعنوان الثّانويّ مع الخوف من الوقوع في الحرام، وحينها يقع التّزاحم نوعًا بين ما هو واجب كفائيّ، وبين ما هو واجب عينيّ، وتخضع حينها لقواعد معالجة التّزاحم في مثل هذه الصّورة.

4. مناقشة العامل الماليّ/ الاقتصاديّ

إنّ أغلب الأسباب الّتي يتمسّك بها الشّباب في بقائهم على العزوبيّة ترجع إلى هذا العامل، يمكن تصنيف هؤلاء إلى نوعين:

الأوّل: أن يكون الإنسان معسرًا، وغير موسر بالفعل، أي أنّه فقير لا يملك ما يقدر به على الزّواج.

الثّاني: أن يكون الإنسان موسرًا، أي أنّه يملك ما يستطيع أن يتزوّج به.

لا شكّ أنّ بناءً الزّواج يحتاج إلى تكاليف ماليّة، ونفقات اقتصاديّة، وهذا الأمر من الوضوح، والبداهة بحيث لا يستطيع أحد أن يغمض عينيه عنه، واللّه عزّ وجلّ لا يكلّف الإنسان إلّا بقدر استطاعته، ولا يحمّله فوق طاقته، ومنطق القرآن، ومنهج النّبوّة قائم على هذا، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286)، فالإنسان الّذي لا يملك قوت نفسه لا يمكن أن يُلام بسبب عدم إقدامه على الزّواج، فإقدامه على الزّواج خلاف الطّريقة العرفيّة، ويؤكّد هذا ما تقدّم عن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  في بعض الرّوايات، حيث سأل عكاف: «أَفَأنتَ مُوسِر؟».

وعن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال: «الْكُفْؤُ أَنْ يَكُونَ عَفِيفاً وَ عِنْدَهُ يَسَارٌ»[1].

لكن على هذا الإنسان ألّا يعيش حال اليأس، والإحباط بحيث ينزع من

(32)

ذهنه نيّة الزّواج، فإنّ هذا النّوع من الاعتقاد يخالف الإيمان بالتّوحيد الأفعاليّ، فإنّ من صلب عقيدتنا الإيمان بأنّه لا فاعل في الكون، ولا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه تعالى، ومن الصّفات الفعليّة لله سبحانه أنّه رزّاق جواد كريم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات: 58)، ومن عداه تعالى هم وسائط ومعدّات ووسائل في الرّزق، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *...* اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه﴾ (العنكبوت: 60-62).

ولهذا على الإنسان أن يدعو اللّه تعالى بأن يفتح له أبواب الرّزق في سبيل أن يتزوّج، ومن علم اللّه عزّ وجلّ منه صدق نيّته في الزّواج كان اللّه عند حسن ظنّه به، وأعانه على الزّواج، عن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  قال: « لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ ظَنَّ بِهِ خَيْراً إِلَّا كَانَ عِنْدَ ظَنِّهِ بِه»[1]، وفي الحديث القدسيّ عن اللّه تعالى: «أَنَا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ بِي»[2].

وعن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «حقّ على اللّه عون من نكح التماس العفاف عمّا حرم اللّه»[3].

كما أنّه على المؤمن السّاعي إلى الزّواج ألّا يدفعه استبطاء، وصول الرّزق إليه إلى اللّجوء لممارسة الأعمال التّجاريّة المحرّمة، أو تحصيل المال من غير الطّرق المشروعة.

عن الإمام الباقر عليه‌السلام  قال: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: ...وَ لَا يَحْمِلْ أَحَدَكُمْ اسْتِبْطَاءُ شَيْ‏ءٍ مِنَ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِغَيْرِ حِلِّهِ؛ فَإِنَّهُ لَايُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِه»[4]، فمن اتّقى اللّه تعالى فلا بدّ من أن يحقّق

(33)

اللّه له وعده بأن يرزقه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: 2-3).

وعن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ امْرَأَةً تُعْجِبُهُ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ عِنْدَ أَهْلِهِ مِثْلَ مَا رَأَى وَ لَا يَجْعَلَنَّ لِلشَّيْطَانِ إِلَى قَلْبِهِ سَبِيلًا وَ لْيَصْرِفْ بَصَرَهُ عَنْهَا فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَ يَحْمَدُ اللَّهَ كَثِيراً وَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  ثُمَّ لْيَسْأَلِ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهُ يُبِيحُ لَهُ بِرَأْفَتِهِ مَا يُغْنِيه»[1].

وعن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال: قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَرْأَةِ الْحَسْنَاءِ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ الَّذِي مَعَهَا مِثْلُ الَّذِي مَعَ تِلْكَ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ فَمَا يَصْنَعُ قَالَ فَلْيَرْفَعْ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَ لْيُرَاقِبْهُ وَ لْيَسْأَلْهُ مِنْ فَضْلِه‏»[2].

هذا بالنّسبة إلى الإنسان الفقير الّذي لا يملك شيئًا ممّا يقدر به على الزّواج، ولكن من كان يملك شيئًا يستطيع أن يقدِم به على الزّواج، ولو بالكفاف، أو المعدّل الطبيعيّ، بمعنى أنّه يمكنه الزّواج، ولكن ليس بمقدار ما تفرضه عليه نظرة المجتمع من المتطلّبات الّتي قد تكون للتّباهي، والتّفاخر أكثر منها للحاجة الحقيقيّة في بناءً الزّواج، عليه ألّا يجعل نظرة المجتمع، وما تطلبه من أمور ثانويّة، وهامشيّة هي الحاكمة عليه في موضوع الزّواج، فليتزوّج بالقدر المتوفّر بما يؤمّن المتطلّبات الرّئيسة الضّروريّة لبناء حياة زوجيّة، وإلّا فإن أراد أن ينتظر تأمين، وتوفير فرصة زواج بما يتطابق مع نظرة النّاس ورؤيتهم فلعلّه لا يتزوّج أبدًا.

عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام  قال: «ابن آدم، إنْ كُنْتَ تريدُ من الدّنيا ما يَكفيك، فإنّ أيْسَرَ ما فيها يَكفيك،... وَ إِنْ كَانَ مَا يَكْفِيكَ لَا يُغْنِيكَ فَكُلُّ مَا فِيهَا لَا يُغْنِيكَ»[3].

(34)

ولذا أشار الإمام الصادق عليه‌السلام  إلى ذلك في قوله: «وعنده يسار»، ولم يقل موسرًا، ولعلّ ذلك من باب أن يملك جزءًا، وبعضًا ممّا يقدر به على الزّواج، وليس من الضّروريّ بمكان أن يملك كلّ ما يقدر به على الزّواج، فإنّ من ملك البعض رزقه اللّه تعالى البعض الآخر، فإنّ اللّه سيجعل بعد عسر يسرًا.

قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ (الطلاق: 7).

السّعي في طلب الرّزق

هذا كلّه بالنّظر إلى كون الإنسان المُعدَم، أو الفقير، أو المتوسّط الحال لا يملك من أمر نفسه شيئًا في كونه فقيرًا، بحيث إنّ الظروف الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، وغيرها هي الّتي تفرض عليه أن يكون فقيرًا؛ لأنّه يعيش بين مطرقة غلاء الأسعار، وسندان انخفاض الإنتاج الخارج عن إرادته، وغير الواقع تحت سلطته، أمّا الإنسان الّذي يفقر نفسه بحيث يتقاعس عن العمل، ويتكاسل عن الإنتاج، فهو الّذي يتحمّل المسؤوليّة، بل ويضيف إلى لائحة ذمّه بالعزوبة ذمًّا آخر بالتّكاسل، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يبغض العبد الكسول العاطل عن العمل، والّذي يلقي كلّه على غيره، ويعيش على معونة النّاس.

عن عليّ عليه‌السلام  قال: «أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ جِيفَةٌ بِاللَّيْلِ بَطَّالٌ بِالنَّهَار»[1].

وعن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال: «لا خَيرَ في مَن لا يُحِبُّ جَمعَ المالِ مِن حَلال، يَكُفُّ بِهِ وجهَهُ، وُيقضِي بِه دَيْنَهُ، وَيَصِل بِه رَحِمَهُ»[2].

وعنه عليه‌السلام قال: قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ أَلْقَى كَلَّهُ عَلَى النَّاسِ»[3].

(35)

وعن عبد اللّه ابن أبي يعفور قال: قال رجل لأبي عبد اللّه عليه‌السلام: «وَاللَّهِ إِنَّا لَنَطْلُبُ الدُّنْيَا وَ نُحِبُّ أَنْ نُؤْتَاهَا فَقَالَ تُحِبُّ أَنْ تَصْنَعَ بِهَا مَا ذَا قَالَ أَعُودُ بِهَا عَلَى نَفْسِي وَ عِيَالِي وَ أَصِلُ بِهَا وَ أَتَصَدَّقُ بِهَا وَ أَحُجُّ وَ أَعْتَمِرُ فَقَالَ عليه‌السلام لَيْسَ هَذَا طَلَبَ الدُّنْيَا هَذَا طَلَبُ الْآخِرَةِ»[1].

فالعمل من أجل كسب المال للزّواج هو ليس طلبًا للدّنيا، بل طلب للآخرة لكي يعفّ الإنسان نفسه عن الحاجة إلى الآخرين.

عن الإمام الباقرعليه‌السلام قال: «إِنِّي لَأُبْغِضُ الرَّجُلَ أَوْ أُبْغِضُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ كَسْلَاناً [كَسْلَانَ‏] عَنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ وَ مَنْ كَسِلَ عَنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ فَهُوَ عَنْ أَمْرِ آخِرَتِهِ أَكْسَل»[2].

وفي الدّعاء عن الصّادق عليه‌السلام: «وأعوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَالفَشَلِ والعَجزِ وَالتَّفريطِ والعَجَلَةِ وَالتَّضييعِ وَالتَّقصيرِ وَالإبطاءِ»[3].

بل إنّ الأنبياء أنفسهم كانوا يعملون، وكان أهل البيت يشتغلون ليكسبوا رزقهم، ولم ينتظروا أن يرزقهم اللّه من غير التّمسّك بالأسباب، والمسبّبات الطّبيعيّة، فإنّ اللّه أبى أن يجري الأمور إلّا بأسبابها.

عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال: «أَبَى اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ الْأَشْيَاءَ إِلَّا بِأَسْبَابٍ فَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَباً»[4].

وسبب الرّزق والمال هو العمل والنّشاط والتّجارة والشّغل و...

قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (الملك: 15).وعن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال: «إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ كَانَ يَقُولُ مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ عليه‌السلام  يَدَعُ خَلَفاً أَفْضَلَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه‌السلام حَتَّى رَأَيْتُ ابْنَهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ عليه‌السلام فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِظَهُ فَوَعَظَنِي فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ بِأَيِّ شَيْ‏ءٍ

(36)

وَعَظَكَ قَالَ خَرَجْتُ إِلَى بَعْضِ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ فِي سَاعَةٍ حَارَّةٍ فَلَقِيَنِي أَبُو جَعْفَرٍ  مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ  عليه‌السلام وَ كَانَ رَجُلًا بَادِناً ثَقِيلًا وَ هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى غُلَامَيْنِ أَسْوَدَيْنِ أَوْ مَوْلَيَيْنِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي سُبْحَانَ اللَّهِ شَيْخٌ مِنْ أَشْيَاخِ قُرَيْشٍ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا أَمَا إِنِّي لَأَعِظَنَّهُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ بِنَهْرٍ وَ هُوَ يَتَصَابُّ عَرَقاً فَقُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ شَيْخٌ مِنْ أَشْيَاخِ قُرَيْشٍ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا أَ رَأَيْتَ لَوْ جَاءَ أَجَلُكَ وَ أَنْتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مَا كُنْتَ تَصْنَعُ فَقَالَ لَوْ جَاءَنِي الْمَوْتُ وَ أَنَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ جَاءَنِي وَ أَنَا فِي طَاعَةٍ مِنْ طَاعَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَكُفُّ بِهَا نَفْسِي وَ عِيَالِي عَنْكَ وَ عَنِ النَّاسِ وَ إِنَّمَا كُنْتُ أَخَافُ أَنْ لَوْ جَاءَنِي الْمَوْتُ وَ أَنَا عَلَى مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقُلْتُ صَدَقْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَرَدْتُ أَنْ أَعِظَكَ فَوَعَظْتَنِي»[1].

أمّا من يعمل، وينفق ما أنتجه على أمور هامشيّة، فقد أخطأ بحقّ نفسه، ويتحمّل المسؤوليّة عن عدم تقدير معيشته.

عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام  أنّه قال: «لَا يَصْلُحُ الْمُؤْمِنُ إِلَّا عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَ حُسْنِ التَّقْدِيرِ فِي الْمَعِيشَةِ وَ الصَّبْرِ عَلَى النَّائِبَةِ»[2].

وعنه عليه‌السلام : «ِالرِّفْقُ فِي تَقْدِيرِ الْمَعِيشَةِ خَيْرٌ مِنَ السَّعَةِ فِي الْمَالِ وَ الرِّفْقُ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ شَيْ‏ءٌ وَ التَّبْذِيرُ لَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْ‏ءٌ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ»[3].

فعلى المؤمن أن يحسن إدارة حياته، والتّخطيط لها، فإنّ إدارة الحياة، والتّخطيط لها جزء من المنظومة الإيمانيّة، فحسن التّدبير، والاقتصاد في المعيشة دليل على حسن العقل.

عن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْفَقْرَ وَ لَكِنْ أَخَافُ عَلَيْهِمْ سُوءَ 

(37)

التَّدْبِيرِ»[1]

 الرّزق مع الزّواج

ما ذكرناه سابقًا يشكّل مقدّمة تمهيديّة، وبالعودة إلى النّصوص الخاصّة المرتبطة بمسألة الفقر والزّواج، فإنّنا يمكن أن نذكر بعض الرّوايات الواردة عن النبيّ، وأهل البيت عليه‌السلام حول هذا الموضوع، منها:

قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «اتَّخِذُوا الْأَهْلَ فَإِنَّهُ أَرْزَقُ لَكُم»[2].

وعن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ص فَشَكَا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ فَقَالَ تَزَوَّجْ فَتَزَوَّجَ فَوُسِّعَ عَلَيْهِ»[3].

وعن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال: «أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ فَشَكَا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ فَقَالَ لَهُ تَزَوَّجْ»[4].

ذمّ ترك التّزويج مخافة الفقر

ما تقدّم حتّى الآن كان بالنّسبة إلى النّوع الأوّل من الأشخاص الّذين يبقون على العزوبة أي بسبب فقرهم، والحديث الآن سيكون عن النّوع الثّاني، وهم من يملك مالًا للزّواج، ويكون موسرًا، ولكنّه لا يقدِم على الزّواج مخافة أن يكون الزّواج طريقًا إلى الفقر، وهذا الاعتقاد يمثّل نوعًا من سوء الظّنّ باللّه تعالى، ويتنافى مع القيم الأخلاقيّة للدّين، والرّوح الإيمانيّة للمؤمن، وفي ذلك روايات منها:

عن النّبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «مَنْ تَرَكَ التَّزْوِيجَ مَخَافَةَ الْعَيْلَةِ فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّه»[5].

(38)

وعن الإمام الصّادق عليه‌السلام: «مَنْ تَرَكَ التَّزْوِيجَ مَخَافَةَ الْعَيْلَةِ فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى‏: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النور: 32)».[1]

وعن محمّد بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليه‌السلام قال: «قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : مَنْ تَرَكَ التَّزْوِيجَ مَخَافَةَ الْعَيْلَةِ فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى‏: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِِ﴾[2].

وهذه الأحاديث تصلح أيضًا للنّوع الأوّل بأن يكون المعنى المراد منها أنّ مَن كان الفقر حاجزًا له عن الإقدام على الزّواج، فقد أساء الظّنّ باللّه تعالى كما ذكرنا في الفقرات السّابقة.

(39)
(40)

 

المبحث الثّاني: التّرغيب بالزّواج في القرآن والسّنة

أوّلًا: ثمرات الزّواج على الحياة الإنسانيّة

الزّواج مصدر لزوّج بمعنى قرن، يُقال زوّج الشّيء بالشّيء، أي قرنه به[1]. وصار يُطلَق على اقتران الرّجل، والمرأة وفق الكيفيّة، والشّروط الشّرعيّة، أو الوضعيّة المحدّدة، بمعنى إيجاد الرّابطة والعُلقة الزّوجيّة بينهما.

ويعتبر الزّواج الارتباط المشروع بين الرّجل والمرأة، وهو طريق التّناسل، والحفاظ على الجنس البشريّ من الانقراض، وهو باب التّواصل الفعّال، والمشروع بين الذّكر، والأنثى، وسبب الأُلفة والمحبة، والمعونة على العفّة والفضيلة؛ فبه يتحصّن الجنسان من جميع ألوان الاضطرابات النّفسيّة، والانحرافات الجنسيّة.

قال اللَّه -تعالى-: ﴿وَمِن ءَايَٰتِهِٓ أَن خَلَقَ لَكُم مِّن أَنفُسِكُم أَزوَٰجًا لِّتَسكُنُوٓاْ إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21).

ويعدّ مرحلة مُهمّة من مراحل تکوين الأسرة، بل هو الوسيلة الوحيدة لتشكيل الأسرة، وهو حدثٌ مفصليٌّ، وثابتٌ أکثر من أيّ تقليد، أو حادثة تمرّ في حياة الإنسان، سواء أکانت فرديّة، أم معيشيّة، أم اجتماعيّة. ويحظى بنوع من القدسيّة في الدّيانات السّماويّة، ويتمتّع بقيمة عالية جدًّا.

ثانيًا: الاندفاع نحو الزّواج شعور فطريّ

إنّ الزّواج ليس أمرًا عارضًا ومستحدَثًا، بل هو «من السّنن الاجتماعيّة الّتي لم تزل دائرةً في المجتمعات الإنسانيّة، أيُّ مجتمع كان، على تاريخ هذا النّوع

(41)

إلى هذا اليوم. وهو في نفسه دليل على كونه سنّة فطريّة، على أنّه أقوى دليل على ذلك كون الذّكر، والأنثى مجهّزَيْن بحسب البنية الجسمانيّة بوسائل التّناسل والتّوالد، والطّائفتان الذّكر، والأنثى في ابتغاء ذلك شَرْع سواء، وإن زيدت الأنثى بجهاز الإرضاع، والعواطف الفطريّة الملائمة لتربية الأولاد. ثمّ إنّ هناك غرائز إنسانيّة تنعطف إلى محبّة الأولاد، وتَقْبَل قضاء الطّبيعة بكون الإنسان باقيًا ببقاء نسله، وتذعن بكون المرأة سَكنًا للرّجل وبالعكس، وتحترم أصل الوراثة بعد احترامها لأصل الملك والاختصاص، وتحترم لزوم تأسيس البيت...»[1].

ثالثًا: اهتمام القرآن بمسألة الزّواج

اهتمّ القران الكريم اهتمامًا بالغًا بمسألة الزّواج، حيث بلغ عدد الآيات الّتي تتحدّث عن الزّواج أكثر من خمسين آية، وهذا يدلّ بشكل واضح على أهمّيّة الزّواج، وضرورته في الدّين الإسلاميّ، وأنّ القرآن الكريم قد حرص على تشريع هذا النّظام المتكامل في الحياة الزوجيّة بما ينسجم مع السّنّة التّكوينيّة لطبيعة خلق الذّكر والأنثى، وحاجاتهما الفطريّة إلى الالتقاء والتّكامل، والتّناسل من خلال الزّواج. ولا مجال لتفصيل، وشرح هذه الآيات هنا كونها تحتاج إلى دراسة مستقلّة[2].

وقد حثّ اللَّه -تعالى- في كتابه العزيز المؤمنين على الزّواج، وألّا يمنعهم خوف الفقر عنه، حيث إنّه -تبارك وتعالى- هو مُغني الفقراء من فضله ﴿وَأَنكِحُواْ ٱلأَيَٰمَىٰ مِنكُم وَٱلصَّٰلِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَآئِكُم إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضلِهِ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ (النور: 32)، بل ويفهم من هذه الآية أنّ على المؤمنين السّعي في تزويج إخوتهم من المؤمنين، والمؤمنات لما في ذلك من فائدة على الإسلام والمسلمين.

(42)

ويُعتبر الزّواج في الدّستور الإلهيّ ميثاقًا غليظًا[1] ينبغي الحفاظ عليه، فإنّ الکلام الّذي يؤدّى في العقد من طرف، ويقبله الطّرف الآخر يشير إلى قوّة هذا الارتباط[2]. فإنّ عقد الزّواج هو العقد الاجتماعيّ الأکثر صلابة، وقد أشارت بعض آيات خلق الإنسان إلى ذلك الانجذاب النّفسيّ الموجود في سريرة الرّجل والمرأة، فيتقبّل کلٌّ منهما عناء هجرة أقربائه ليعيش مع شخص آخر لا يعرفه، ويوفّر له الطّمأنينة، والرّاحة النّفسيّة.

رابعًا: الزّواج في أحاديث النّبيّ وأئمّة أهل البيت عليهم‌السلام 

يُفهم من الرّوايات الكثيرة الّتي تحثّ على الزّواج في السّنّة المطهّرة حرص النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، والأئمّة المعصومين عليهم‌السلام على إرساء قواعد نظام الزّواج، وأسسه في الإسلام، على قاعدة بيان، وتفصيل ما جاء في القرآن الكريم من أصول تشريعيّة.

ويمكننا تصنيف هذه الرّوايات إلى طوائف:

الأولى: النّصوص الّتي ترغّب بالتّناسل وإنجاب الأطفال

إنّ للزّواج تأثيرات إيجابيّة على الرّجل والمرأة وعلى المجتمع، فهو الوسيلة المشروعة للإنجاب وتكثير النّسل.

عن النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «مَا يَمْنَعُ الْمُؤْمِنَ أَنْ يَتَّخِذَ أَهْلًا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ نَسَمَةً تُثْقِلُ الْأَرْضَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه‏»[3].

وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى بِالسِّقْطِ»[4].

 ورُوِيَ عن الإمام الصّادق عليه‌السلام  أنّه قال: «إنّ رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: تَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ غَداً فِي الْقِيَامَةِ حَتَّى إِنَّ السِّقْطَ لَيَجِي‏ءُ مُحْبَنْطِئاً[5] عَلَى بَابِ

(43)

الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ ادْخُلِ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ لَا حَتَّى يَدْخُلَ أَبَوَايَ الْجَنَّةَ قَبْلِي»[1].

الثّانية: النّصوص الّتي تؤكّد كون الزّواج سنّة نبويّة

- عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال: «تَزَوَّجُوا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كَثِيراً مَا كَانَ يَقُولُ مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَتَّبِعَ سُنَّتِي فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِي التَّزْوِيجَ وَ اطْلُبُوا الْوَلَدَ فَإِنِّي أُكَاثِرُ بِكُمُ الْأُمَمَ غَدا»[2].

- وفي الخبر النّبويّ المرويّ في كتب الفريقَيْن: «النِّكَاحُ سُنَّتِي فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»[3].

- وعن الإمام الصّادق عليه‌السلام، أنّه قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تَزَوَّجُوا وَ زَوِّجُوا أَلَا فَمِنْ حَظِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِنْفَاقُ قِيمَةِ أَيِّمَةٍ[4] وَ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ بَيْتٍ يُعْمَرُ فِي الْإِسْلَامِ بِالنِّكَاحِ وَ مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ أَبْغَضَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ بَيْتٍ يُخْرَبُ فِي الْإِسْلَامِ بِالْفُرْقَةِ يَعْنِي الطَّلَاقَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه‌السلام  إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّمَا وَكَّدَ فِي الطَّلَاقِ وَ كَرَّرَ فِيهِ الْقَوْلَ مِنْ بُغْضِهِ الْفُرْقَة»[5].

الثّالثة: النّصوص الّتي تظهر البعد الروحيّ والعباديّ للزّواج

رُوِيَ عن رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قولـه: « مَنْ تَزَوَّجَ أَحْرَزَ نِصْفَ دِينِهِ وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ أَوِ الْبَاقِي‏»[6].

وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  قولـه: «مَا اسْتَفَادَ امْرُؤٌ مُسْلِمٌ فَائِدَةً بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَفْضَلَ مِنْ زَوْجَةٍ مُسْلِمَةٍ تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا وَ تُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَهَا وَ تَحْفَظُهُ إِذَا غَابَ عَنْهَا فِي نَفْسِهَا وَ مَالِهِ»[7].

وعن الإمام الباقر عليه‌السلام أنّه قال: «رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا الْمُتَزَوِّجُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ

(44)

رَكْعَةً يُصَلِّيهَا أَعْزَب»[1].

الرّابعة: النّصوص الّتي تؤكّد أنّ الرّزق مع الزّواج

- عن الرّسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  أنّه قال: «مَنْ تَرَكَ التَّزْوِيجَ مَخَافَةَ الْعَيْلَةِ فَقَدْ أَسَاءَ ظَنَّهُ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُول‏: ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (النور: 32)»[2].

- وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِراً مُطَهَّراً فَلْيَلْقَهُ بِزَوْجَةٍ وَ مَنْ تَرَكَ التَّزْوِيجَ مَخَافَةَ الْعَيْلَةِ فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ»[3].

- وعن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام: «قال رسول اللَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: اتَّخِذُوا الْأَهْلَ فَإِنَّهُ أَرْزَقُ لَكُم»[4].

وغير ذلك من الأحـاديث الكثيرة في هـذا الموضوع، والّتي تنبّئ عن قداسة الزّواج في الإسلام، وأنّه ممّا يقرّب إلى اللَّه سبحانه.

الخامسة: النّصوص الّتي ترغّب في تزويج المؤمنين

رُوِيَ عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث طويل أنّه قال: «...مَنْ عَمِلَ فِي تَزْوِيجٍ بَيْنَ مُؤْمِنَيْنِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا زَوَّجَهُ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ امْرَأَةٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ كُلُّ امْرَأَةٍ فِي قَصْرٍ مِنْ دُرٍّ وَ يَاقُوتٍ وَ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ خَطَاهَا فِي ذَلِكَ أَوْ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا فِي ذَلِكَ عَمَلُ سَنَةٍ قِيَامٍ لَيْلُهَا وَ صِيَامٍ نَهَارُهَا...»[5].

ورُوِيَ عن الإمام موسى بن جعفر أنّه قال: «ثَلَاثَةٌ يَسْتَظِلُّونَ بِظِلِّ عَرْشِ اللَّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ رَجُلٌ زَوَّجَ أَخَاهُ الْمُسْلِم‏...»[6].

يقول السّيّد عليّ السيستاني دام‌ظله: «يستحبّ السّعي في التّزويج والشّفاعة فيه وإرضاء الطّرفين»[7].

(45)
خامسًا: الزّواج في كلمات الفقهاء

قال المحقّق الكركي رحمه‌الله في جامع المقاصد: «النّكاح مستحبّ، ويتأكّد في القادر مع شدّة طلبه، وقد يجب إذا خشي الوقوع في الزّنا، سواء الرّجل والمرأة»[1].

وقال الشّهيد الثّاني رحمه‌الله في شرح اللّمعة: «النّكاح مستحبّ مؤكّد لمن يمكنه فعله، ولا يخاف بتركه الوقوع في محرم، وإلّا وجب، وفضله مشهور بين المسلمين محقّق في شرعهم»[2].

ويقول السّيّد علي السيستاني دام‌ظله: «النّكاح من المستحبّات المؤكّدة، وقد وردت في الحثّ عليه، وذمّ تركه أخبار كثيرة، فعن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: من تزوّج أحرز نصف دينه، وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: ما استفاد امرؤٌ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله، وعن الصّادق عليه‌السلام أنّه قال: ««رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا الْمُتَزَوِّجُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً يُصَلِّيهَا أَعْزَب»[3] إلى غير ذلك من الأخبار»[4].

سادسًا: قدسيّة العلاقة الزّوجيّة

الزّواج في نظر الإسلام رباط مقدّس، يُبنى على أساسٍ تشريعيّ كامل، وقواعد، وآداب، وسنن، وفي ظلّه التزامات وحقوق، ومخالفتها توجب العقوبة والجزاء. وهذا الرّباط المقدّس حينما يعقد في ظلّ تلك الأسس والقوانين، يسدّ من خلالها باب المفاسد والرّذائل، ولا يترك مجالًا لعدم الاستقرار، أو الاضطراب، أو الانحراف الّذي يؤثّر سلبًا على سعادة المجتمع واستقراره.

إنّ الزّواج بالشّكل الّذي أقرَّه الإسلامُ حَفِظَ للمرأة كرامتَها ومكانتها،

 

[1]. المحقق الكركي، جامع المقاصد، 12: 8.

[2]. الشهيد الثاني، الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة، 5: 85.

[3]. الكليني، الكافي، 10: 581.

[4]. السيستاني، منهاج الصالحين، 3: 7.

(46)

وللرّجل شرفَه وعِرضَه، وجعل من هذه العلاقة سياجًا يحمي الطرفَيْن من الخطأ، وجعل من هذه الأسرة نواةً لبناء مجتمع مسلم طاهر عفيف.

ولهذا، لا بدّ أن تحقِّق إجراءات الزّواج تلك الغايةَ، وقد راعى الإسلام ذلك بالفعل، فجعل لإتمام الزّواج مراحلَ ومراسمَ، فهناك الخِطبة، ثمّ عقد الزّواج، فالزّفاف. وكلّ هذه المراحل هي من باب تكريم هذا العقد بكلّ آثاره الحقوقيّة، وإعطائه قوّةً ونفوذًا في المجتمع، بل تُعدّ الکثير من السّلوکات الأسريّة -في الإطار الإسلاميّ- أمورًا عباديّة، وحتّى إنّ بعضًا منها ضمن ظروف خاصّة أعلى شأنًا من بعض التّعبّدات.

وإنّ من شأن هذا التّقديس لأمر الزّواج أن يشجّع الفرد بأن ينظر إلى الواجبات الزّوجيّة، والسّلوك الأسريّ بعنوانها فرائض دينيّة ملقاة على عاتقه، وهکذا يُصبح تنظيم الأمور المعيشيّة الدّنيويّة طريقًا إلى الکمال المعنويّ، والأخرويّ للإنسان.

لذلك يوصي الإسلام الأفراد -عند اختيار زوجاتهم وإقامة المراسيم- أن يقرنوا سلوکهم بالصّلوات، والدّعاء، والتّوکّل على اللَّه[1]، لأنّ الزّواج مقرون بالأمور المعنويّة، وغاية ذلك تعبيد الطّريق لنموّ الإنسان وتكامله، وتأتي هذه الرّؤية مقابل النّظرة الّتي ترى أنّ النّموّ المعنويّ يتحقّق بعيدًا من الزّواج.

(47)
(48)

 

المبحث الثّالث: الأهداف العليا للزّواج في ضوء النّصوص الدّينيّة

أوّلًا: الزّواج هو الخيار الملائم للطّبيعة البشريّة

الإسلام ليس منهجَ اعتقاد، وإيمان، وشعور في القلب فحسب، بل هو منهج حياة إنسانيّة واقعيّة، يتحوّل فيها الاعتقاد، والإيمان إلى ممارسة سلوكيّة في جميع جوانب الحياة. فتقوم العلاقات على التّراحم، والتّكافل، والتّناصح، وتكون القيم الأخلاقيّة، كالأمانة، والسّماحة، والمودّة، والإحسان، والعدل، هي القاعدة الأساس الّتي تنبثق منها العلاقات الاجتماعيّة، وهو ما يلزم الأفراد بالكثير من الواجبات اتّجاه بعضهم بوصفهم أفرادًا، واتّجاه المجتمع بوصفه كيانًا اجتماعيًّا يحتضن جميع أفراده، وبذلك تتمظهر العلاقة بين النّاس بأكمل صورها.

وللحياة الزّوجيّة -كما للرّوابط الاجتماعيّة الأخرى- العديد من الأهداف، والغايات الّتي تنعكس على الزّوجَيْن والأسرة والأرحام، إيجابًا أو سلبًا، بحسب مراعاتهما للحقوق والواجبات، والتزامهما بالقيم الّتي يجب أن تنظّم الحياة الزّوجيّة والأسريّة.

يقول السّيّد محمّد باقر السيستاني مبيّنًا أهمّيّة الزّواج وأهدافه: «إنّ الزّواج حاجة فطريّة للإنسان وفق سنن خلقه، فقد فطر الإنسان من النّاحية الجسديّة، والغريزيّة، والنّفسيّة على أن يتكامل مع الجنس الآخر ليكوّنا معًا أسرة واحدة يعيشان معًا هذه الحياة، ويكون أحدهما صاحبًا للآخر، وعونًا له وسترًا. وتلك حاجة لا يشذّ عنها أيّ إنسان سويٍّ بحسب تكوينه البدنيّ، واقتضاءاته العاطفيّة والاجتماعيّة.

فالإنسان يحتاج بعد البلوغ الجسميّ تدريجًا إلى ما يفي بحاجته الغريزيّة

(49)

المتجدّدة، كما أنّه يحتاج بعد استقلال شخصيّته عن والديه، وإخوته، وسائر ذويه إلى أن تكون له حياته الخاصّة مع آخر من الجنس الثّاني ليكوّنا لأنفسهما حياة مستقلّة وفق ذوقهما يكونان هما محورها، ومدارها، وصاحبَي التّصميم، والمسؤوليّة فيها، وتتيح لهما هذه الحياة أن يسترسلا بعضهما مع بعض في اقتضاءات فطريّة إنسانيّة خاصّة يلتزمان فيها حدودًا مرعيّة مع الآخرين.

وتأخير الزّواج عن موعده، أو الامتناع منه نوع من الكبت النّفسيّ لمقتضيات الفطرة، وسنن تكوين الإنسان، وأيّ كبت نفسيّ لداعٍ فطريّ لن يوجب استئصال هذا الدّاعي طبعًا، بل يؤدّي مضافًا إلى العناء، والشّقاء إلى خروج هذا الدّاعي عن اتّجاهه الّذي وجّه إليه في الفطرة، والاندفاع إلى سلوكات شاذّة، ومنحرفة، وخاطئة، وتمظهرات غريبة ووضيعة، وغير لائقة، كما تدلّ عليه تجارب الحياة، وتؤكّدها الدّراسات النّفسيّة.

فالزّواج هو الخيار الملائم للنّفس الإنسانيّة، والّذي يستجيب فيه الإنسان لرغباته الطّبيعيّة استجابةً مناسبة، ويستثمر هذه الرّغبات، والطّاقات المنبعثة منها في بناءً أسرة متكاملة يسعى ركناها، وهما الرّجل والمرأة إلى توزيع حاجات الحياة عليهما، ويكون أحدهما عونًا للآخر، ويهتمّان بما فُطرا عليه من الامتداد، والبقاء من خلال ذرّية يسعيان إلى تكوينها، وسعادتها، وصلاحها.

إذًا من وظيفة كلّ فتى، أو فتاة في هذه الحياة -بعد بلوغ مرحلة المراهقة- أن يفكّر في تكوين حياة زوجيّة ملائمة تستجيب لحاجاته الفطريّة في اتّزان، واستقامة، وسكون، ووقار، ويهتمّ باختيار شريك مناسب، ويكافح في سبيل إنجاح هذه الحياة، وإزاحة معكّراتها من أنواع الأولويّات الخاطئة النّاشئة عن المقارنات، والمنافسات، والنّزعات المادّيّة، والبعد عن واقع الإمكانات المتاحة، والبدائل المتوقّعة، والعواقب المحتملة.

إنّ الإنسان المؤمن ليجد في الدّين دليلًا مقنعًا، وباعثًا على الاستنارة، والرّشد، والتّبصّر في هذا الاتّجاه ومحفّزًا له على اختيار الزّواج طريقةً تضمن له السّعادة في هذه الحياة، بل وفيما بعدها، لما يقيه عنه الزّواج من الأفعال

(50)

الخاطئة، أو التّعقيدات النّفسيّة الّتي توجب محاذير من نوع آخر مثل سوء الأخلاق، وسوء الظّنّ، ومحادّة الآخرين وغيرها»[1].

ثانيًا: أهداف الزّواج وغاياته العليا

ويمكن لمن يتتبّع الآيات، والرّوايات الفقهيّة، وغيرها أن يستنتج أنّ للزّواج في الإسلام العديد من الأهداف، نكتفي بذكر بعضها:

1. إشباع الغريزة الجنسيّة في الحلال

من الأهداف الرّئيسة للزّواج تلبية الحوائج الجنسيّة، إذ إنّ ظهور هذه الحوائج، وتشديدها کفيلان بإجبار الفرد على أن يتزوّج بأقصى سرعة ممکنة. فالزّواج هو السّبيل الشرعيّ لإشباع هذه الرّغبة.

والإسلام ينهى بصرامة عن کبت هذه الرّغبات وقمعها، أو سلوك طريق الرّهبانيّة.

فعن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «لَمْ يُرْسِلْنِي اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّهْبَانِيَّةِ وَ لَكِنْ بَعَثَنِي بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ أَصُومُ وَ أُصَلِّي وَ أَلْمِسُ أَهْلِي فَمَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَنَّ بِسُنَّتِي وَ مِنْ سُنَّتِيَ النِّكَاح»[2].

كما نجد في أحاديث الأئمّة الأطهار عليهم‌السلام التّقريع الشّديد لأولئك الّذين امتنعوا عن الزّواج: «رُذَالُ مَوْتَاكُمُ الْعُزَّابُ»[3]، و«إِخْوانَ الشَّياطِين»[4]، و«شِرَارُ أُمَّتِي عُزَّابُهَا»[5].

من هنا، ونظرًا إلى اهتمام الإسلام بتلبية کلّ الحوائج الطّبيعيّة، بما فيها الحوائج الجنسيّة، فإنّ من الجدير أن يتمّ الزّواج في البداية في فترة الشّباب الّتي تُمثّل ذروة الحوائج الجنسيّة، وليس من الجيّد أبدًا أن يؤجَّل إلى مراحل عمريّة متأخّرة لما في ذلك من تداعيات سلبيّة.

(51)

وهذا ما أشارت إليه بعض الرّوايات، منها: «... إِنَّ الْأَبْكَارَ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ إِذَا أَدْرَكَ ثَمَرُهُ فَلَمْ يُجْتَنَى أَفْسَدَتْهُ الشَّمْسُ وَ نَثَرَتْهُ الرِّيَاحُ وَ كَذَلِكَ الْأَبْكَارُ إِذَا أَدْرَكْنَ مَا يُدْرِكُ النِّسَاءُ فَلَيْسَ لَهُنَّ دَوَاءٌ إِلَّا الْبُعُولَةُ وَ إِلَّا لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِنَّ الْفَسَادُ لِأَنَّهُنَّ بَشَر...»[1].

2. توليد الطّاقة الإيجابيّة: المودّة والرّحمة والسّكينة

من الأهداف المُهمّة للزّواج توفير الرّاحة النّفسيّة، والسّكينة القلبيّة للزّوج، والزّوجة تحت غطاء العلاقة العاطفيّة، والاجتماعيّة المتبادَلة بينهما.

وتُبيّن دراسة الأحوال النّفسيّة للفتاة والفتى -قبل الزّواج- الدّور المؤثّر للزّواج في تحقيق الطّمأنينة النّفسيّة. فالفرد الرّاشد يُصيبه -بفعل ضغوط حوائجه الجنسيّة- نوع من التّوتّر والاضطراب، بحيث يصعب ضبط تأثيره على سلوك الإنسان.

لذلك، فإنّ حاجة المرء إلى الودّ والحبّ، وتقاسم الحياة مع شخص آخر تُمثّل أحد الدّوافع الرّئيسة للزّواج. من هنا، فإنّ الحبّ المتبادل، والتّعاطف، وتقبُّل الآخر، أمورٌ لا غنى عنها في الحياة الزّوجيّة.

وفي الواقع، ليس هناك أمرٌ آخر يُمكنه أن يُعالج الرّغبات المتناقضة، والهائجة لفترة الشّباب كما يُعالجها الزّواج، وهذا ما يؤكّده القرآن الكريم في الآيات الّتي تتحدّث عمّا يحقّقه الزّواج من سكينة، واطمئنان للزَّوجَيْن.

قال -تعالى-: ﴿وَمِن ءَايَٰتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِّن أَنفُسِكُم أَزوَٰجًا لِّتَسكُنُوٓاْ إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَومٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21)، وفي آية أخرى يقول: ﴿هُوَ خَلَقَكُم مِّن نَّفسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنهَا زَوجَهَا لِيَسكُنَ إِلَيهَا﴾ (الأعراف: 189).

وعن أبي عبد اللَّه عليه‌السلام أنّه قال: «ثُمَّ ابْتَدَعَ لَهُ حَوَّاء... فَقَالَ آدَمُ عليه‌السلام عِنْدَ ذَلِكَ يَا رَبِّ مَا هَذَا الْخَلْقُ الْحَسَنُ الَّذِي قَدْ آنَسَنِي قُرْبُهُ وَ النَّظَرُ إِلَيْهِ فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ

(52)

تَعَالَى يَا آدَمُ هَذِهِ أَمَتِي حَوَّاءُ أَ فَتُحِبُّ أَنْ تَكُونَ مَعَكَ تُؤْنِسُكَ وَ تُحَدِّثُك ...»[1].

وقد استخدم القرآن للتّعبير عن العلاقة الحميمة بينهما مصطلح «اللّباس»، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُم وَأَنتُم لِبَاسٞ لَّهُنَّ﴾ (البقرة: 187).

فاللّباس يرمز إلى السّكينة، وقد شُبِّه اللّيل به، ما يعني أنّ العلاقة بين الرّجل والمرأة هي مثل اللّيل مولّد للسّكينة. فضلًا عن ذلك، فإنّ اللّباس له وظائف كثيرة منها: أنّه يُغطّي العورات، ويقي جسد الإنسان من برد الشّتاء، وحرّ الصّيف، ويُقلّل من خطر الأمراض الّتي قد تُصيب الجسد. كما يُعدّ في وقتنا الحاضر أهمّ مقوِّم لجمال الفرد، وأهمّ رمز لهويّته القوميّة، والمهنيّة، وطبيعة شخصيّته أحيانًا. ويمكن أن يؤدّي الرّجل، والمرأة الوظائف نفسها اتّجاه بعضهما، فيستطيع كلٌّ منهما أن يَسترَ عيوب الآخر، ويقيه من المخاطر والضّغوطات، ويجعله متمتّعًا بالجمال والنّموّ[2].

وعليه، فإنّ الزّواج يؤدّي بما يُمثّله من غطاء حميم دورًا مُهمًّا في تخفيف القلق، والاضطراب، والارتباك، لكلٍّ من الزّوج والزّوجة، ويؤمّن لهما الدّعمَيْن النّفسيّ، والعمليّ لمواجهة توتّرات الحياة.

كما تُشير الدّراسات إلى أنّ النّساء بوصفهنّ أمّهات وزوجات، يُمثّلن عاملًا مُهمًّا في التّشجيع، وخلق روح النّشاط والحيويّة، فالزّوجة مثلًا يُمكنها أن تكون مصدر سعادة كبيرة في الأسرة، وبالتّالي عاملًا أساسًا في منع حصول الاكتئاب. وإنّ جوّ الأنس، والتّرابط الرّوحيّ لا يقتصر على الزّوجَيْن فحسب، بل ينسحب على الأبناء أيضًا.

فتُشير الدّراسات إلى أنّ ثمّة تعلّقًا كبيرًا ما بين الأمّ وطفلها، وكذلك تأثيرًا متبادلًا بين الوالدَيْن وأطفالهما، فابتسامة الطّفل تنقل الفرحة إلى قلبَيّ الوالدَيْن، وتُظهِر البسمة على وجهَيْهِما. لذا، فإنّ الحياة الأسريّة هي بيئة مثاليّة لتوفير الأنس، والطّمأنينة، والتّعلّق. وحريٌّ بالذّكر، أنّ دراسة النّماذج

(53)

المختلفة لتعلّق الأفراد الكبار، وطريقة حبّ أحدهما للآخر، تكشف عن مدى العلاقة الحميمة الّتي كانت سائدة في أسرتهم.

3. تنمية البعد الرّوحيّ والمعنويّ لهويّة الإنسان

إحدى النّتائج الإيجابيّة، والمُهمّة للزّواج هي نموّ شخصيتَي الرّجل والمرأة، وكمالهما المعنويّ. فعلى الصّعيد المعنويّ، يُحرز الفرد نصف دينه كما تُشير الرّوايات[1]، ويكون أجر أعماله العباديّة أضعاف أجر الفرد الأعزب[2].

كذلك، فإنّ الزّواج يصون عفّة المرء وأخلاقه: « هُوَ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَ أَعَفُّ لِلْفَرْجِ وَ أَكَفُّ وَ أَشْرَفُ»[3]، و«مَا لِلشَّيْطَانِ سِلَاحٌ أَبْلَغُ فِي الصَّالِحِينَ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا الْمُتَزَوِّجُونَ أُولَئِكَ الْمُطَهَّرُونَ الْمُبَرَّءُون»[4]، و«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِراً مُطَهَّراً فَلْيَتَعَفَّفْ بِزَوْجَةٍ»[5].

وتعبير اللّباس في القرآن الكريم يُشير إلى هذا الأمر، لأنّه يعني وقاية الزّوجَيْن من التّلوّث بالمفاسد الأخلاقيّة[6]. وهذا ما يستدْعي نموّ شخصيّة الإنسان معنويًّا، بينما يُلاحظ أنّ الفرد الأعزب يظلّ دائمًا -جرّاء الضّغوطات الجنسيّة- مهدّدًا بشبح الانحراف الأخلاقيّ الّذي يجلب معه الشّعور بالذّنب، واستبطان الدّونيّة لنفس الإنسان وكرامته.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الفرد حتّى لو تمكّن من ضبط نفسه أخلاقيًّا، سيظلّ بعيدًا من النّموّ، والاستكمال اللّذَيْن ينطوي عليهما الزّواج؛ لأنّه خالف الطّبيعة البشريّة، خاصّة طبيعة أكمل النّاس، أي الأنبياء، والأولياء عليهم‌السلام. ومن المناسب الإشارة هنا إلى أنّ وجود أشخاص منهم أي الأنبياء، والأولياء غير

(54)

متزوّجين كنبيّ اللَّه عيسى ويحيى عليها‌السلام، ومريم بنت عمران عليها‌السلام، ليس دليلًا على إمكانيّة وصول الإنسان إلى الكمال المعنويّ من دون زواج؛ لأنّ هؤلاء ليسوا أشخاصًا عاديّين، وما حصل مع السّيِّدة مريم عليها‌السلام من إنجاب عيسى عليه‌السلام من دون أن يمسَّها بشرٌ معجزة إلهيّة خاصّة.

4. تحصيل ملكة العفّة والطّهارة الرّوحيّة

وفي السياق ذاته، من الأهداف الّتي يؤكّدها الإسلام مسألة المحافظة على العفّة، والأخلاق الفرديّة والاجتماعيّة: «أَفْضَلَ الْعِبَادَةِ عِفَّةُ الْبَطْنِ وَ الْفَرْج»[1]، لأنّ الشّباب غالبًا ما يفشلون في ضبط رغباتهم الجنسيّة، الأمر الّذي يدفعهم إلى التّورّط في ممارسات غير أخلاقيّة، وغير شرعيّة. فالزّواج هو خير سبيل للوقاية من هذه الممارسات والمحافظة على العفّة، وعلى الأخلاق الفرديّة والاجتماعيّة: « مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى طَاهِراً مُطَهَّراً فَلْيَلْقَاهُ بِزَوْجَتِه»[2].

لذا يرى الإسلام في الزّواج ضرورة حيويّة للّذين يتمتّعون برغبات جنسيّة جامحة: «تزوّج وإلّا فأنتُ مِنَ الْمُذْنِبِين‏»[3].

وتُلقى لائمة عدم الزّواج على الفرد نفسه، وعلى الّذين قصّروا في تيسير أمر زواجه. وقد ورد في أحاديث الأئمّة الأطهار عليهم‌السلام أنّ عدم زواج شخصَيْن يملکان المواصفات اللّازمة، ومنها: التّديّن، والتّحلّي بالأخلاق والتّقارب، سيؤدّي إلى الإثم، واستشراء الفساد في الأرض: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَ دِينَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَ فَسادٌ كَبِير»[4].

5. تأمين البيئة الحاضنة للنّموّ الصّالح للأولاد

إنّ بقاء الجنس البشريّ، وتربية أجيال للمستقبل هدفان مُهمّان للزّواج شدّد عليهما الإسلام. فقد شجّع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المسلمين على الإقدام على الزّواج

(55)

مؤكِّدًا مسألة التّناسل، ومعتبرًا إيّاها موضع اعتزاز له.

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «تَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ غَداً فِي الْقِيَامَة...»[1].

وإنّ أغلب النّاس يَوَدّون أن يستمرّ جنسهم البشريّ، وأن يكون لهم أبناء. وهذا الشّعور موجود عند المرأة أكثر منه عند الرّجل، لأنّ رغبتها بالإنجاب تكون أشدّ من رغبة الرّجل بالغالب.

كما اهتمّ الإسلام كثيرًا بحاجة المرء النّفسيّة إلى الأبناء، فيُلاحظ وجود عدد كبير من الأدعية الّتي كان يعلّمها الأئمّة عليهم‌السلام لأصحابهم بهدف الإنجاب؛ لأنّ الولد زينة الحياة، وسبب من أسباب السّعادة والهناء للوالدَيْن.

فقد ورد في الحديث: «مِنْ سَعَادَةِ الرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وُلْدٌ يَسْتَعِينُ بِهِم»[2].

وتشير الدّراسات إلى أنّ حرمان الأطفال عاطفيًّا من حماية كلا الوالدَيْن، أو أحدهما ينطوي على تداعيات لا يمكن جبرها. ويمكننا ملاحظة ذلك في الدّراسات الّتي تجري حول العوائل المفكّكة أو المنفصلة؛ إذ تُشير إلى ارتفاع معدّلات الأمراض النّفسيّة والسّلوكيّة، والانتحار، والإدمان بين العوائل الفاقدة لأحد الأبوَيْن. وتُشير هذه الدّراسات إلى ارتفاع معدّل الطّلاق، وازدياد نسبة تعرّض الولد للأمراض النّفسيّة أيضًا، والأمراض الّتي تتعلّق بالمشروبات الكحوليّة، والمخدّرات إلى ضعفَيْن.

وتؤيّد الدّراسات الآثار السّلبيّة لغياب الأب في نموّ الرّجولة، والنّجاح في الدّراسة، والشّهامة الاجتماعيّة للابن. وترتفع نسبة الغضب، وعدم الثّقة بالنّفس، والاضطرابات النّفسيّة، واللّجوء إلى الإجرام، والاكتئاب عند هؤلاء[3].

(56)

 

المصادر

1.ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، بيروت: دار الفكر، 1979.

2.ابن ماجة، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة، بيروت: دار الفكر، 1998.

3.ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت: دار صادر، 1990.

4.ابن‌شعبة، حسن بن علی، تحف العقول، آل علی عليهم‌السلام، قم، 1387 هـ.ش.

5.احمدى ميانجى، على، مكاتيب الأئمة عليهم‌السلام،‌ محقق/مصحح: مجتبى‏ فرجى، قم: دار الحديث، 1426 هـ.

6.الجوهري، أبو نصر، الصحاح، دار العلم للملايين، بیروت، ط4، 1407ق.

7.الحرّ العاملي، أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي، وسائل الشيعة، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1991.

8.ابن أبي جمهور الحسائي، محمد بن علي، عوالي اللئالي، قم: مؤسسه سيد الشهداء عليه‌السلام، 1362هـ.ش.

9.الخميني، روح اللّه، تحرير الوسيلة، قم: مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1990.

10.الرازي، فخر الدين، التفسير الكبير، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط3، 1420 هـ.

 

(57)

11.الرضي، الشريف، نهج البلاغة، بيروت: دار المعرفة، 2007.
12.الري‌شهري، محمد، ميزان الحكمة، قم: دار الحديث، 1989.

13.السبزواري، محمد، معارج اليقين في أصول الدين، قم: منشورات الرضي، 1985.

14.السيستاني، السيد علي، منهاج الصالحين، دار المؤرخ العربي، مكتبة الفكر، 1434ق.

15.الشهيد الثانى، زين الدين بن على،‌ منية المريد في أدب المفيد والمستفيد، قم: مكتب الإعلام الإسلامي‌، 1409 ق‌.

16. ــــــــــــــــ، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية. قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1997.

17.الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1407هـ.

18.الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، ثواب الأعمال، قم: جماعة المدرسين، 1984.

19. ــــــــــــــــ، الخصال، قم: جماعة المدرسين، 1983.

20. ــــــــــــــــ من لا يحضره الفقيه، قم: جماعة المدرسين، 1981.

21. ــــــــــــــــ، معاني الأخبار، دار المعرفة للطباعة والنشر، المقنع، مؤسسة الإمام الهادي ، ١٤١٥ هـ.ق.

22.الصنعانی، عبدالرزاق بن همام، المصنف، بيروت: المجلس العلمی، 1403 هجری قمری، 1983 میلادی،

 

(58)

23.الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت: مؤسسة الأعلمي، 1997.

24.الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1995.

25. ــــــــــــــــ، مكارم الأخلاق، بيروت: دار إحياء التراث، 1990.

26.الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، قم: مكتبة المرتضوي، 1983.

27.الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1407هـ.

28.العاملي، بهاء الدين(الشیخ البهائي)، الكشكول، بيروت: دار صعب، 1982.

29.الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، قم: مؤسسة الهجرة، 1409هـ.

30.القاضي النعمان، دعائم الإسلام، القاهرة: دار المعارف، 1963.

31.الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1986.

32.المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار عليها‌السلام، بيروت: مؤسسة الوفاء، 1404هـ.

33.محبّي، سيدة فاطمة، «الغرب وظاهرة الأسر ذات الوالد الواحد»، مجلة المرأة، ترجمة: هاجر حسيني؛ فاطمة بختياري، العدد 24 (2002)، ‌صص 68-75.

34.المحقق الحلي، نجم الدين جعفر بن الحسن، شرائع الإسلام، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1990.

35.المحقق الكركي، علي بن الحسين، جامع المقاصد في شرح القواعد، قم: مؤسسة آل البيت عليها‌السلام، 1408هـ.

36.مصطفوى، حسن، التّحقيق في كلمات القرآن الكريم، مركز نشر آثار العلامة المصطفوي، 1393هـ.

 

 

(59)

37.المكارم الشيرازى، ناصر، تفسير نمونه، قم‌: مدرسه الامام على بن ابى طالب عليه‌السلام، 1379 هـ. 

38.المكارم الشيرازي، ناصر وآخرون، الأمثل في تفسير كتاب اللَّه المنزل، بيروت: مؤسسة الأعلمي، 1995.

39. النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، قم: دار الكتب الإسلامية، 1981.

40.النوري، حسين، مستدرك الوسائل، قم: مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام، 1987.

41.الهاشمی الشاهرودی، السید محمود؛ «التعليم والتزكية وظيفة المتعلمين»، مجلة المنهاج، العدد 74 (2004): 16.

(60)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف