باتت الثقافة في عصر الثورة المعلوماتيّة الهائلة والذكاء الاصطناعيّ، سلعةً رخيصةً سهلة التناول؛ ممّا أدى إلى صياغة منظومة الإنسان المعرفيّة على نحوٍ تملّ الإطالة والإسهاب، وتجنح إلى الوجبات المعرفيّة السريعة الجاهزة؛ هذا ما يُنذر بظهور الكسل المعرفيّ والضعف البحثيّ، وانزياح العقل رويدًا رويدًا عن وظيفته الأساسيّة في التفكير والتنظير لصالح التقنيّة الافتراضيّة الحديثة، مع ما لها من إيجابياتٍ، وسلبياتٍ ربما تفوق تلك الإيجابيات.
إذ بعدما تصبح الأوعية المعرفيّة الافتراضيّة متاحةً لكلّ شخص، يصبح العلم أسيرًا في دهاليز الخوارزميّات التي نسجتها الإمبرياليّة المعرفيّة والثقافيّة المهيمنة على العالم، ويكون لعبةً جوفاء لا تُنبئ عن مدى توغّل صاحبها في الحقل المعرفي المبحوث، ومدى تخصّصه فيما يكتب، ويقول، وربما لا يعدو الأمر أن يكون أوراقًا مصقولةً منمّقةً بنماذج التقنية الافتراضيّة، ومعلومات متناثرة ــ وربما موجّهة بأيدٍ خفيّة ــ جمعها الذكاء الاصطناعي من هنا وهناك، لتُعطي إجابةً سريعةً يطلبها عقلٌ خاملٌ استسلم لراحة الكسل العلمي.
من هذا المنطلق، واستجابةً لضرورة المرحلة، وحفاظًا على النشاط العلمي وأثرائه بالدراسات الجادّة والعميقة والمختصرة ارتأينا إصدار سلسلة (أوراق بحثيّة)؛ لتكون منارًا بحثيًا رصينًا، يهدي الباحثين في دروب العلم والمعرفة، وذلك من خلال تقديم كرّاساتٍ معرفيّةٍ مختصرةٍ في شتّى المواضيع العلميّة والبحثيّة.
وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الخَلْقِ محمَّدٍ وآلِهِ الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ.
(7)
شهدت عقود القرن العشرين، لا سيّما الأخيرة منها، اهتمامًا ملحوظًا وكبيرًا بالدين والظاهرة الدينيّة، على مستوى المعرفة وعلى مستوى السّلوك. وبفعلِ كثيرٍ من التحوّلات الثقافيّة، والسياسيّة، اهتمّت الدراساتُ الغربيّة بالمعرفةِ الدينيّة فهمًا وتفكيكًا ونقدًا، بنحوٍ لو أراد الباحث في هذا الشأن إجراء مسحٍ، وإحصاءٍ لعديد الدراسات الغربيّة المنجزة، لأعجزته كثرتُها، وتنوّعُها!
وعلى غِرَار العالَم الغربي، شهد العالَمُ الإسلامي كتاباتٍ انصبّت على الاهتمام ذاته، وقدّمت تصوراتٍ ونظراتٍ مختلفة في شأن المعرفة الدينيّة، تتعلّق بحقانيّتها، ونسبيّتها، ودرجة الوثوق فيها، ومصادرها، وآليّات وطرق تفسيرها وتأويلها. وحاول أصحاب تلكم الدراسات -وفق المُدّعى- إعادة صياغة عقليّة المسلم في التعامل مع المعرفة الدينيّة، واكتشاف الثغرات المنهجيّة، واقتراح منهجيّاتٍ جديدة للتفكير الديني، تبتغي كشف النواقص، والحؤول دون اجترارها، والوقوع في محاذيرها. ورافق كلّ ذلك ردّاتُ فعلٍ مختلفة، مرحّبة ورافضة.
في ضمن هذا السياق يأتي الدّكتور نصر حامد أبو زيد (1943- 2010م)، ويقدِّم دراساتٍ متعدِّدة في مجالاتٍ مختلفةٍ، وقد خصّ كتاب نقد الخطاب الديني لبيان آليّات الخطاب الديني، ومنطلقاته الفكريّة، مركّزًا على دراسة أنماط الدلالة في النّصوص الدينيّة، وكيفيّة إنتاجها وقراءتها.
كانت حصيلة قراءة كتاب نقد الخطاب الديني، مجموعة ملاحظاتٍ ومؤاخذاتٍ، توزّعت بين مناقشاتٍ منهجيّة، وأخرى تخصّ قضايا ومسائل أثارها الدّكتور في طيِّ كلامه، قادتني فسحةٌ من الوقت إلى تدوينها على الورق، آملًا أنْ تعمَّ فائدتها.
وهنا قد يُثار سؤال مفاده: أنّنا وبعد كلّ الرُّدود والأعمال التي تناولت كتاب نقد الخطاب الديني، والزوبعة التي أحدثها، ما الّذي يمكن تقديمه في دراسته مجدَّدًا؟ وما هي مبرّرات معاودة البحث في إثاراته؟
وفي الواقع، ثمّة مجموعةٌ من المبرّرات التي تسوّغ لنا هذه الدراسة، أوّلها المبرّر المعرفي الاجتهادي؛ لأنّ دعاوى نقد الخطاب الديني، وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين من الزمان على ظهورها، ورواجها، ما زالت حاضرةً ومؤثّرةً في مساحةٍ كبيرةٍ من دائرة المثقّفين والمتعلّمين، وتمثّل تحدّيًا وسلاحًا تُواجَه به المنظومة الدينيّة في جوانبها كلّها، ومن ثَمَّ فالضّرورة المعرفيّة، والإيمانيّة، تُحتِّمان الدرس الاجتهادي والنقدي.
وثاني المبرّرات، أنّنا بحاجةٍ إلى دراسةٍ تتناول إثارات الكتاب، منطلقة من بيئةٍ جديدة، وإطارٍ مختلف، عن البيئة والإطار اللّذين صارا ساحةً للصخب حول الدّكتور نصر حامد، وكتابه.
وثالثُها: لا شكَّ في حاجة المعرفة الدينيّة، وطرقِ وآليّاتِ الفهم الديني للمراجعة وإعادة النّظر، والدّرس النقدي، حتّى يتوصّل الباحث في هذا الشأن إلى الوقوف عند الأمراض والآفات التي تعاني منها، وتفتُك فيها، ومن ثَمَّ المسير باتجاه معالجتها، ومكافحتها.
ومن دون شكّ تمثّل مراجعة أفكار خصوم الفكر الديني وإثاراتهم، لونًا بارزًا من ألوان الدرس للمعرفة الدينيّة؛ ذلك أنّ الإثارات حتّى الخاطئة منها
(10)تضخّ الدّماء في أوْردة البحث المعرفي، وتوجب التأصيل للمسائل الفكريّة المختلفة بالاستدراك، وتتميم النواقص، رغم ما تخلّفه أحيانًا من آثارٍ سلبيّةٍ في جوانب أُخرى، فالإثارة وردّ الإثارة تمثّل عنصرًا مهمًّا في حركة المعرفة الدينيّة، وفي خروجها عن حالة الجمود والتكرار، وغيرهما من الآفات التي تبتلى بها هذه المعرفة. وهذا يُحتِّم أن يكون التعامل مع الإثارات -أيًّا كانت- بروحٍ علميّةٍ متفائلة، وفي أبسط مراجعة لتاريخ العلوم، والتطوّرات الأساس في المعرفة، نلاحظ إسهام الإثارات الخاطئة في تطوير الحقول المعرفيّة، فهل غاب عنّا ما تركته إثارات الحركة الأخباريّة من تطوير وتنضيج لعلم أصول الفقه الشيعي!
نعم، الخشية على المعرفة الدينيّة هدفٌ مشروع، ولا يمكن لمتديّنٍ، ولا لحريصٍ على المعرفة أن يختلف في ذلك، فهذه الخشية أمرٌ نبيل، لكن المرفوض أنْ نتحوّل من مرحلة الخشية إلى مرحلة الانسداد في المعرفة الدينيّة، وإلى تصنيم كلِّ الأفكار والرؤى التي يجمعها وصف الفهم الديني، وإلى تحنيط العقل، وسدِّ باب الاجتهاد عمليًّا.
إنَّ فتح باب الاجتهاد - وهو غير مختصٍّ بالفقه بل يشمل الجوانب الأُخرى، لا سيّما التي تمثّل البناء التّحتي في المعرفة الدينيّة - مِنّةٌ من المشرّع الحكيم، وما امتنّ به المشرّع على عباده لا يمكن تعطيله، ولا تخصيصه؛ إذ لسان فتح باب الاجتهاد آبٍ عن التخصيص والتقييد. وإذا كان مِنّة من المشرّع الحكيم فلا يملك الناس، مهما كانت منزلتهم، أن يُحنّطوه ويضربوا عليه بأقفال الانسداد بداعي الخشية على المعرفة الدينيّة. علاوةً على أنّ خطر الانسداد في المعرفة الدينيّة، لا يقلّ سوءًا عن عمليات العبث غير المنهجي بهذه المعرفة، تحت ذريعة ممارسة الاجتهاد، وحقّ الفهم!
(11)
هذه ثلاثة مبرّراتٍ، وقد توجد غيرها من قبيل تحريك الرّاكد، ومعاودة السؤال، في ظلّ الفوضى المعرفيّة التي نعاني منها، تمثّل مسوّغًا مُلِحًّا للتوقّف عند هذا الكتاب، عرضًا ودراسةً ونقدًا. وأُنبّه هنا إلى أن نقد الأفكار الأساس في هذا الكتاب سيتخذ الطريقة المُركَّزة في عرض الملاحظات، وتسجيل المؤاخذات، وبيان التهافت، ويبتعد قدر الإمكان عن التماهي مع التفصيل والتوسّع.
(12)
يمثّل كتاب نقد الخطاب الديني بحثًا تقدّم به الدّكتور نصر حامد أبو زيد، إلى جامعة القاهرة ليحصل على رُتبة أُستاذ. ولم يكن يعرف، أو كان يعرف، أنّ هذا البحث سينتج معركة!
يتألّف الكتاب من مقدّمةٍ وثلاثة فصول، جاء الفصل الأوّل بعنوان الخطاب الديني آليّاته ومنطلقاته الفكريّة، والثاني التراث في التأويل والتلوين قراءة في مشروع اليسار الإسلامي، والثالث قراءة النصوص الدينيّة دراسة استكشافية لأنماط الدلالة.
والفصل الثاني في حقيقته سجالٌ وجدالٌ مع مشروعاتٍ يساريّةٍ مصريّة، تغلب عليه المماحكات الجزئيّة، والمناكفات السياسيّة، ولا يشكّل أهميّةً في أطروحة الكتاب، ولسنا معنيين به. على أننا في الأصل نتحفّظ على أُطروحات اليسار؛ لذا نركّز الحديث على المقدّمة والفصلين الأوّل والثالث.
أُشير هنا إلى وجودِ نكهةٍ ضبابيّةٍ في عنوان الكتاب، وعدم وضوح، فماذا يقصد بالخطاب الديني؟ هل هو خطاب الدين نفسه؟ أم خطاب المتديّنين في عرض الدين وترويجه والتنظير له؟ لأنّ المفردة تناسب المعنيين وتستعمل فيهما بلا مشاحّة. ولا شك في أنّ الخطاب كآليّةٍ مشترك بين الدين وبين المعرفة الدينيّة أو الفكر الديني؛ لأنّ الخطاب هو مجموعة الركائز والمميّزات
التي يعتمدها تيّار ما للتعبير عن ذاته والترويج لها، فهو مفردات التعبير عن الذّات، وعند إضافته للدّين يكون الآليّات التي يعتمدها الدين للتعبير عن ذاته والترويج لها؛ لذلك نحتاج أنْ نعرف على وجه الدقّة المقصود بالعنوان. على أنّ الدّكتور أبو زيد أجرى مقابلةً في بعض كلماته بين الخطاب الديني والخطاب الصوفي، كما سنعرف.
ثمّة ملاحظة أخرى تتعلّق بالعنوان والمعنون، وهي أنّ العنوان مطلقٌ غير مقيّد، وهو لا يطابق المعَنون؛ إذ يفهم من إطلاق العنوان أنّ مؤلِّفه بصدد نقد الخطاب الديني بنحوٍ عامٍّ في منطلقاته، وآليّاته، وقد أكدّ الدّكتور نصر هذا المعنى في بداية الفصل الأوّل، فكتب: «تعتمد هذه الدراسة مجمل الخطاب الديني موضوعًا لها، وذلك دون الأخذ في الاعتبار تلك التفرقة المستقرة إعلاميًّا، بين المعتدل والمتطرّف في هذا الخطاب».
بينا يركّز واقع الكتاب على نقد توجهاتٍ معيّنة، هي الحركات السنيّة ذات الطابع السّلفي، ممثّلةً بسيّد قطب، وحركات اليسار الإسلامي، ممثّلةً بحسن حنفي. ومن الواضح أنّ هذه التوجّهات، ومع صرف النظر عن الموقف منها، فكرًا وعقيدةً وممارسةً، وتقييمنا لمجمل تحرّكاتها، لا تمثّل الخطاب الديني كليًّا.
كما أنّها وإنْ تشاركت في بعض المنطلقات والآليّات الفكريّة مع حركات ومشاريع أخرى، إلّا أنّها تختلف في منطلقاتٍ وآليّاتٍ غير قليلة؛ فاتّخاذ النصوص مرجعيّةً ومنطلقًا في الخطاب الديني يختلف بين السنّة إلى الشيعة، من مدارس الحديث في المذهبين إلى أصحاب علم الأصول فيهما. ومن ثَمَّ فطريقة عرض الدّكتور، وبلغته الإطلاقيّة والجزميّة، تبسيطٌ لمسألةٍ معقّدة،
وإيهامٌ للقارئ غير المطّلع أنّ هذه المسألة عميمة البلاء في الخطاب الديني كلّه، والواقع خلاف ذلك، كما ألمحنا.
عرض الدّكتور أبو زيد في مقدّمة الكتاب موضوع المدّ الإسلامي، أو الصحوة الإسلاميّة، وذكر ثلاثةَ اتجاهاتٍ في هذا المجال بالنسبة إلى تقييم هذه الظاهرة: اتجاه ينظر إليها بإيجابيّة، ويمثّله رجال الأزهر ورجال الدين من المعارضة. واتجاه يرى في الظاهرة خصوصيّةً تعكس الرفض للتبعيّة، لكنّها تكتفي بالجري وراء الجذور والأصول، ويمثّل هذا الاتجاه اليسار السياسي والفكري. والاتجاه الثالث رافض لشعار (الإسلام هو الحل)، ويُمثّله العَلمانيّون. وفيها مطالب تستحق الوقوف:
من جملة الأمور التي ذكرها الدّكتور في المقدّمة، قوله: «ولأنَّ النِّزال غالبًا ما يتمّ بآليّات السجال الأيديولوجي، دون البدء في تحقيق وعي علمي بطبيعة النّصوص الدينيّة، وبطرائق قراءتها وتأويلها، تظلُّ الغلبة على هذا المستوى من السجال للخطاب الديني على الخطاب العقلاني. وقد آن الأوان للخروج من هذا المأزق، والتخلّص من عُقدة التأويل، والتأويل المضاد للنّصوص؛ بتحديد طبيعة النصّ الديني، وآليّاته في إنتاج الدلالة، وهذا هو المشروع الاستكشافي الذي يحاولُه الفصلُ الثالث. وهو مشروع في حالة تخلّق يحتاج إلى جهودٍ كثيرةٍ مخلصة، ودائبةٍ كيما يتحقّق، وينهض على أساس علميّ مكين».
هو مأزقٌ حقًّا أنْ يُصدِّر الدّكتور أبو زيد للقارئ والمتلقّي، هذه الثنائيّة والمقابلة بين الخطاب الديني والخطاب العقلاني، في محاولة للإيهام والاحتكار! وكأنّ الخطاب الديني بمجمله لا يُعنى بالعقل من الأساس، ولا يهتم به، ولا يعتبره، وأنّ العقلانيّة لا توجد إلّا في الخطاب العَلماني! صدقًا كيف ساغ له أنْ يختزل كلَّ هذا التاريخ من الجدل حول العقل والعقلانيّة، وفي كلّ الاتجاهات والمدارس، والتجلّيات الفكريّة المختلفة، في ثنائيّة ساذجة يُقابَل فيها بين الخطاب الديني والخطاب العقلاني!
لا أُريد الخروج عن رسم الاقتضاب، والوقوف عند إشكاليّة العلاقة بين الدين والعقل، الإشكاليّة المزمنة قديمًا وحديثًا، وعرض جوانبها المختلفة، وسائر التصوّرات عنها فيما يرتبط بدور العقل في إثبات القضايا الدينية، وتسويغها والدفاع عنها، وشرحها وبيانها ونقدها، وغير ذلك، مرورًا بتصوّرات المدارس الإسلاميّة بأجنحتها الفكرية المختلفة، فلهذا كلّه مظانّه، لكنّي أردت الإشارة إلى طبيعة الأحكام المرتجلة، والمبتسرة، والمختزلة، والتعميمات الفاقدة للمعطيات التي أطلقها الدكتور نصر حامد في هذا الشأن، جريًا على عادة وسائل الإعلام!
على أن الدّكتور في حديثه عن المنطلقات الفكرية، كتب نصًا يناقض الثنائيّة التي قرّرها في المقدّمة، وقد جاء فيه: «وقد ظلّ الخطاب الديني في تاريخ الثقافة الإسلاميّة - بتيّاراته واتجاهاته المختلفة- حريصًا على نفي أيّ تعارضٍ يمكن أنْ ينشأ - بحكم حركة الواقع المستمر وثبات النّصوص- بين الوحي والعقل. واتفق الجميع تقريبًا على أنّ النقل إنّما يثبت بالعقل، والعكس ليس صحيحًا، العقل هو الأساس في تقبّل الوحي، ثم كان الخلاف فيما بعد ذلك: هل يستقل العقل بعد أنْ قام بدوره في إثبات النقل، أم يظلّ يمارس فاعليته
(16)في فهم النّصوص وتأويلها، لكن هذا الخلاف ظلّ خلافًا نظريًّا، واستمر الخطاب الديني يحرص على إثبات (موافقة صريح المعقول لنريح المنقول) كما عنون ابن تيمية أحد كتبه الهامّة، وهو الفقيه السنّي الأصولي المحافظ. وقد ساهم علماء أصول الدين والفقه في تأسيس مجموعةٍ من المبادئ المهمّة - كالقياس ومراعاة المقاصد والمصالح المرسلة- في مجال فعاليّة العقل الإنساني في فهم النّصوص وتأويلها، وظلّت الثقافة العربيّة الإسلاميّة حيّةً نشطةً طالما ظلّ تأسيس العقل شاغلها الأساسي..».
زِد على ذلك، أنّ ما ذكره الدّكتور من تحديد طبيعة النصوص الدينيّة، وآليّات إنتاج الدلالة فيها، كما ذكر أنّه حاول ذلك في الفصل الثالث، ليس فتحًا، ولا حاسمًا للنزاع؛ لأنّنا في المحصّلة أمام قضايا غير تجريبيّة، وغاية ما يمكن أنْ يوصف به هذا المسعى أنّه رؤيةٌ اجتهاديّةٌ على أقل تقدير، وهي غير ملزمةٍ للآخرين؛ ولذا لم يتحقّق الهدف منها، وفي مقابلها رؤى اجتهادية، تقوم على تأسيس دلالي ولُغوي. اللّهم إلّا إذا كان يدّعي لرؤيته المطابقة للواقع، فهذا شأنٌ آخر! لكنّه يرفض إلغاء المسافة بين الذّات والموضوع، كما ستعرف.
وفي نصوص أُخرى من المقدّمة، تحدّث عن النهضة، والعَلمانية، وعلاقتهما بالإسلام، فقال: «لا خلاف على أنّ الدين، وليس الإسلام وحده، يجب أنْ يكون عنصرًا أساسيًّا في أيّ مشروعٍ للنهضة. والخلاف يتركّز حول المقصود من الدين: هل المقصود الدين كما يطرح ويمارس بشكلٍ أيديولوجي نفعي
من جانب اليمين واليسار على السّواء، أم الدين بعد تحليله وفهمه وتأويله تأويلًا علميًّا ينفي عنه الأسطورة، ويستبدله بما فيه من قوّةٍ دافعةٍ نحو التقدّم والعدل والحرّية؟».
ثم قال:«والعَلمانيّة في جوهرها ليست سِوى التأويل الحقيقي، والفهم العلمي للدّين، لا ما يُروّج له المبطلون من أنّها الإلحاد الذي يفصل الدين عن المجتمع والحياة ». يمثّل هذا النّص حديثًا في الهواء الطلق من جانب، وتزويرًا من آخر!
بدايةً، وحتّى لا نضيع في متاهة المفردات السيّالة، لا بُدَّ من تحديد المقصود من النهضة وطبيعتها، وغايتها وأهدافها، وعناصرها ومقوّماتها، ثُمَّ نعرف هل الدين جوهريٌّ فيها أم ليس جوهريًا! أمّا إطلاق الكلام في الهواء الطّلق كما صنع الدّكتور فلا يفيد أحدًا، ولا يُنتج معرفةً، ولا يختلف عمّن انتقدهم من اليمين واليسار! ذلك أنّ كلّ حضارةٍ فيها جانبٌ مادّي يتمثّل في وسائل المعيشة وأساليب الحياة والتِّقانة، وفيها جانبٌ فكريّ وخُلْقِي، وهو يرتبط بروافد كثيرةٍ تُسهم في تشكيله، فالدين وأعمال المفكّرين والتقاليد الاجتماعيّة، وغيرها، تسهم جميعًا في بلورة الجانب الفكري في كلّ حضارةٍ ونهضة. وإذا كان من السهولة مطالبة الإنسان بترك اعتماد الوسائل البدائيّة في توفير متطلّبات الحياة، أي تغيير الجانب المادّي، إلّا أنك لا تستطيع بتلك السهولة أنْ تُقنعه بترك فكرةٍ، أو اعتقادٍ، أو تقليدٍ ورثه من أسلافه، واستحكم في عقله ووجدانه وسلوكه؛ لأنّه يرى في تلك الأفكار والتقاليد ذاتَه، وهويّته، ومقوّم وجوده.
أمّا دعوى أنّ العَلمانيّة هي التأويل الحقيقي، والفهم العلمي للدّين، فهي
طُرفةٌ أطلقها الدّكتور نصر حامد، وهذه الطُرفة لا يستسيغها الخطاب العَلماني نفسُه:
أوّلًا: لا تتحدّد العَلمانيّة بفصل السّلطة السياسيّة عن السّلطة الدينيّة، وإنّما هذا الفصل نتيجةٌ وهدفٌ في العَلمانيّة، بشهادة مفكّرين عَلمانيين، كما ستعرف.
ثانيًا: إذا كان النزاع بين العَلمانيّة والدين (الإسلام)، في كيفية إدارة الشأن العام، وطبيعة التشريعات ومصدرها، فكيف تكون العَلمانيّة التي تريد إزاحة الدين عن الشأن العام تأويلًا علميًّا للدّين؟!
لا شك في أنّ العَلمانيّة ترتبط بآليّة التفكير عند الإنسان، وبمرجعيّته الوحيدة والنهائيّة في شتّى مجالات الحياة العامّة، وهي مرجعيّةٌ دنيويّةٌ لا دينيّة. وأحد أغراض العَلمانيّة فصل السّلطة الدينيّة عن السّلطة السياسيّة، فهذا الفصل من أغراض العَلمانيّة وليس العَلمانيّة نفسها، فهي تريد إزاحة الدين عن المجالات العامّة كالنظام السياسي، والاجتماعي، والثقافي، وأنْ يعتمد الإنسان في تدبير هذه المجالات على عقله وخبرته بصورةٍ مستقلّةٍ عن الدين، فهي (تُحرِّر) الإنسان من الدين في المجالات العامّة.
وربطًا بهذا، يتّضح خطأ الفكرة التي ترى أنّ العَلمانيّ قد يكون متديّنًا، لكنّه يعتقد بضرورة فصل الدين عن الدّولة، وبعدم إمكان تطبيق تشريعاته في الحياة! والوجه في خطئِها أنّ المنظور في العَلمانيّة ليس جانب التطبيق، وإنّما المرجعيّة الفكريّة، والتسويغ لمظاهر الحياة الاجتماعيّة وقوانينها، فهي تؤكّد على أنْ تكون دوافع العمل بعيدةً عن اللّٰه والإيمان، وضرورة أنْ يكون الإيمان بالأفكار ورؤى الحياة (عقليًّا) صرفًا، أمّا لو آمن الإنسان بفكرةٍ لا تسويغ لها سِوى الإيمان وقول الإله فليس عَلمانيًّا!
(19)
ولذلك يستغرب بعض الكُتّاب العلمانيين، من محاولاتِ تبرير الموقف العَلمانيّ بالاستناد إلى نصوصٍ دينيّة، ويراها من التناقض الصارخ مع العَلمانية! وهو محقٌّ في استغرابه؛ إذ ترفض العَلمانيّة أنْ يكون الدين مبرِّرًا ومسوّغًا لأيّ شيءٍ في الحياة الزمنيّة، فكيف يكون الدين نفسه مسوّغًا للعَلمانية نفسها! فلُبُّ العَلمانيّة تأليه الإنسان تشريعًا، وإعطاؤه المركزيّة في قبول أيّ شيءٍ أو رفضه، فإذا شاء صار، وإذا لم يشأ لم يصر.
أمّا محاولة الدّكتور نصر حامد تصدير العَلمانيّة بوصفها الفصل بين السُّلطتين، فغير دقيقة؛ وللتدليل على ذلك، أكتفي هنا بعيّنةٍ من كلماتٍ لكُتّاب عَلمانيين:
1. قال الدّكتور عبد الكريم سروش: «وجميع هذه الكتابات على اختلافها تشترك في عنصرٍ واحدٍ من العناصر الفرعيّة للعَلمانيّة، وهو: فصل الدين عن الدّولة، أو على حدّ تعبيرهم: فصل state عن church، ويعتبر ذلك بمثابة العلّامة التي ترمز إلى العَلمانيّة. وكما قلنا إنّ هذا المعنى يعتبر من الثمار الفرعيّة للعَلمانيّة، ولكن بما أنه يشكّل العنصر البارز والملموس من ثمار هذه الشجرة، ولذلك يشار إليه بالبنان. ولكن التوقّف على هذا العنصر وحصر العَلمانيّة بهذه المقولة يُفضي إلى التوغّل في الخطأ».
2. وقال عادل ضاهر: «إنّ الغرض من هذا الكتاب هو المساهمة في إزالة هذا النقص الفاضح في فكرنا العَلماني؛ ولذلك فإننا نحاول هنا أنْ نبيّن بصورةٍ منهجيةٍ، ولأول مرّة، ما هي الاعتبارات الفلسفيّة التي يقوم عليها، أو ينبغي أنْ يقوم عليها الموقف العَلماني. وما نفهمه بالعَلمانيّة هنا، كما سنوضّح
في الفصل الثاني، هو شيءٌ أعمق من القول بفصل الدين عن الدولة، أو بمنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء. إنّ العَلمانيّة بحسب فهمنا لها، وكما سنوضّح من خلال فصول هذا الكتاب، هي موقفٌ شاملٌ ومتماسكٌ من طبيعة الدين، وطبيعة العقل، وطبيعة القيم، وطبيعة السياسة».
3. وقال أيضًا: «الفهم السائد للعَلمانيّة في أوساطنا المثقّفة، وغير المثقّفة المؤمنة بالعَلمانيّة، والمناهضة لها، هو فهمٌ سطحي جدًّا يقوم على تعريف العَلمانيّة بالأغراض التي استهدفت تحقيقها الحركات العَلمانيّة في الغرب. إنّه لا ينظر إلى العَلمانيّة من منظور كونها في المقام الأوّل موقفًا من الإنسان والقيم والدين، ولا من منظور كونها موقفًا أبستمولوجيًا، أي موقفًا من طبيعة المعرفة العملية ومن طبيعة علاقتها بالمعرفة الدينيّة. فلأن هذا الموقف لا يتجاوز فهم العَلمانيّة من خلال الأغراض التي قامت الحركات العَلمانيّة في الغرب لتحقيقها، تصبح القضية الجوهرية التي تثيرها العَلمانيّة، من هذا المنظور، قضية تحديد وضبط العلاقة بين السلطة الزمنية والسلطة الدينيّة، بين الدولة والكنيسة (أو المؤسسة الدينيّة، كائنة ما كانت). إلّا أنّ القضية الأخيرة، كما سنحاول أنْ نبيّن في الفصل الثاني، ليست على أهميّتها القضية الجوهرية. إنّ القضية أعمق من هذه بكثير، إنّها قضية تتعلّق بما هو الموقف الصحيح من طبيعة الدين، وطبيعة الإنسان، وطبيعة القيم، وبكيف يجب أن نفهم العلاقة على المستوى الأبستمولوجي بين الدين والقيم».
4. وفي كتاب ما العَلمانيّة: « ويمكننا أنْ نُجيب بشكلٍ مختصرٍ عن السؤال: ما العَلمانيّة؟ بتلخيص لمحتوى الكتاب، والدراسة التالية ليست إلّا تأسيسًا
عقلانيًّا للإجابات المتعلّقة بهذا السؤال، تأسيسًا يستند إلى قراءة للنصوص المؤسسة للعَلمانيّة من الزاوية الفلسفيّة. وسنتبّنى أمرًا بسيطًا كنقطة انطلاق، حتّى لو كانت العَلمانيّة لا تنحصر - كما سنرى فيما بعد - في مسألة العلاقة بين المجال السياسي ومجال الاعتقادات الدينيّة، بل أكثر من ذلك مسألة حريّة الاعتقاد أو عدمه، إلّا أنّ هذه العلاقة هي المؤسِّسة للعَلمانيّة وتفتح الباب لتناولها بشكل أكثر وضوحًا».
وجاء في هذا الشأن أيضًا: «إنّ العَلمانيّة هي طريقة تصوّر وتنظيم تعايش الحريّات، خاصّة حريّة الرأي والعبادة والاعتقاد؛ لهذا فهي تحتل مكانًا في الحقل السياسي الكلاسيكي، ممّا يستدعي مقارنتها بأشكالٍ أخرى لتصور وتنظيم التعايش بين هذه الحريات، فعلى الرغم من تشابه العَلمانيّة جزئيًّا مع التسامح فإنّ طريقة التنظيم العلماني تختلف عنه كآلية فكريّة».
وجاء كذلك: «تفترضُ العَلمانيّةُ أنّ القانون لم يكن ليوضع إلّا نتيجة لعلاقة نقديّة للفكر الإنساني مع نفسه. هذا الموقف سُجّل في المأثور الفلسفي المعروف لمثول الفكر، دون الاحتياج للجوء إلى عالَم آخر ليعطي نسخة حديثة، ومعاصرة، لهذا الفكر على شكل نظريّة الثقافة».
وإذا كانت المسألة بهذا النحو عند العَلمانيين أنفسهم، فكيف يدّعي الدّكتور نصر بتبسيطٍ فجٍّ أنّ العَلمانيّة هي «التأويل الحقيقي، والفهم العِلمي للدّين»؟!
حقًّا كيف تسوغ دعوى أنّ العَلمانيّة «التأويل الحقيقي، والفهم العِلمي
للدّين»، والحال أنّ العلاقة بينهما هي علاقة إزاحةٍ وضِدّية، فهما يتنازعان للسيطرة على أرضٍ واحدةٍ هي الشأن العام؛ إذ تريد العَلمانيّة أنْ تزيح الدين وتحلّ محلّه، وتتمدّد إلى جميع أبعاد شؤون الحياة! ألا يدخل تصدير العَلمانيّة للقارئ العام بهدفٍ من أهدافها، في خانة النِّفاق والدّجل الذي يمارسه الخطاب العَلماني!
إنّ العَلمانيّة رؤيةٌ ماديّةٌ صرفة، تنظر إلى الإنسان بمعزلٍ عن مبدئه وآخرته، وتُلاحِظُه بعيدًا عن خالقه، ومحدودًا في الجانب المادّي الصّرف، فهي محتضنةٌ للنزعة المادّية، ومُشبعةٌ بها بحكم ثلاثة عوامل رافقتها منذ ولادتها وانطلاقتها، وهي: المذهب التجريبي في المعرفة الذي شاع مع بدايات العصر الصناعي، واحتكر المعرفة بالحاصلة من التجربة فحسب، وسيادة نزعة الشكّ والاضطراب الفكري نتيجة انقلاب الرؤى المتعلّقة بالكونيّات، إضافةً إلى روح السّخط والتمرّد والانقلاب على نمط الدين الذي كان شائعًا ومتسلّطًا في أوربا، والذي جمّد العقول والأفكار، وتملّق إلى الظالمين والمستبدّين، وكَبَتَ روحَ البحث والتطلّعَ عند الناس، فولدت العَلمانيّة رؤيةً ماديّةً، جرّدت الإنسان عن مبدئِه ومنتهاه، وفَصلت دنياه عن آخرته، ونَظَرت إلى الحياة الدّنيا والسُّلوك فيها بشكلٍ منفصلٍ عن الآخرة؛ لذلك فهي تعمل على دفع الدين عن متن الحياة إلى هامشها، فكيف يقال هي «التأويل الحقيقي والفهم العلمي للدّين»! بل هي متعارضة مع الدين دومًا وأبدًا.
يمثّل الفصل الأوّل لُبّ الكتاب وجوهره، وأفكاره الأساس. وفيه نقطتان: الأوّلى في بيان آليّات الخطاب الديني، والثانية في بيان المنطلقات الفكرية
(23)للخطاب الديني. وقبل الشروع في النقطتين توقّف الدّكتور نصر عند مدخلٍ أو توطئةٍ لأبحاث الفصل، رفض فيها التمييز بين الخطاب الديني المعتدل والمتطرّف، وذكر أنّهما درجتان لخطابٍ واحدٍ، هو الخطاب الديني بآليّاته ومنطلقاته، وليسا نوعَي خطاب، ويتمركز الفرق بينهما في نقطة تكفير الحاكم والمجتمع. قال: «تعتمدُ هذه الدراسةُ مجملَ الخطاب الديني موضوعًا لها، وذلك دون الأخذ في الاعتبار تلك التفرقة المستقرّة إعلاميًّا، بين المعتدل والمتطرّف في هذا الخطاب. والحقيقة أنّ الفارق بين هذين النمطين من الخطاب فارقٌ في الدرجة لا في النّوع. والدليل على ذلك أنّ الباحث لا يجد تغايرًا أو اختلافًا من حيث المنطلقات الفكريّة، أو الآليّات». «إنّ الخلاف بين المعتدلين والمتطرّفين يكمن إذن في تكفير الحاكم والمجتمع، وإنْ كنّا سنكتشف بعد قليل أنّ هذا الخلاف خلافٌ هامشيّ، وليس خلافًا جوهريًّا ».
وهنا نلاحظ:
1. معنى هذا الرفض أنّ الاختلاف بين المعتدل والمتطرّف تفاوتٌ صُوْرِي، وهو بهذا يعتمد أُحاديّة التصنيف، وفيه يجانب الموضوعية العلميّة، وحقائق الواقع ممثّلة في خطاب وسلوك. والسؤال: هل يوافق الدّكتور على رفض وجود معتدلٍ ومتطرّفٍ في الخطاب العَلماني بعد اتّحادهما في المنطلقات والآليّات؟ وأيّ جوابٍ مفترضٍ يشمل الخطابَ الديني؛ إذ حكم الأمثال في ما يجوز وما لا يجوز واحد. والتطرّف والاعتدال في أيّ خطاب، دينيًّا كان أو غير دينيّ، نابعان من البيئة والتربية، وعوامل الاجتماع، وتدافعات الواقع، ولا يمكن اختزاله في المنطلقات والآليّات.
ولا غرابة في تسجيل مثل هذه الأحكام الجاهزة والمتسرّعة؛ فقد تحوّل (التنوير) عند دُعاته إلى لاهوتٍ عَلماني حديثٍ يُمارس أشكال الأُحاديّة والتسفيه لخصومه، ويختزلهم في وصفٍ ومسمّى واحدٍ، سعيًا في سبيل الاستحواذ والسيطرة على المُناخ الفكري والثقافي، والواقع!
ويروق لي في هذه النقطة تحديدًا، نقل بعض نصوص الدّكتور جورج قَرْم من كتاب (المسألة الدينيّة في القرن الواحد والعشرين)، التي سلّط النقدَ فيها على أولئك الذين يغضّون الطّرف عن مختلف العوامل التي تسهم في إنتاج العنف، ويذهبون صوب البحث في النّصوص والخطاب، والمنطلقات والآليّات والآيات! فقال: «في كلِّ حالٍ لا شيء يُبرِّر الخلط بين الإسلام، الدين التوحيدي ذي التقاليد الفقهيّة الكلاميّة السياسيّة والفلسفيّة التي لا تقلّ نفوذًا عن تقاليد الدينَيْن التوحيديَّين الآخرين، وبين العنف الإرهابي. وسنرى في خاتمة هذا الكتاب، أنّ العنف الإرهابي الذي يرفع راية الدين إنّما يجري في سياقاتٍ محلّيةٍ بالغة التنوّع ولأسبابٍ مختلفة، الأمر الذي يجعل (التحليلات) التي تقوم بإدراجها كلّها في ظاهرةٍ واحدةٍ، تحليلاتٍ لا جدوى لها سوى الإثارة».
وقال في نصٍّ آخر: «لكنّما السعي إلى إيجاد أسباب الإرهاب (العابر للقوميّات) المعاصر في القرآن، أو في الشريعة، يبدو سورياليًّا تمامًا. فما هذا البحث سوى ثرثرةٍ تحول دون استيعاب المشكلات الحقيقيّة وهي دنيويّة كلّيًا: احتلال عسكري، استيطان في فلسطين، تهميشات اجتماعيّة عميقة، توزيع مجحف تمامًا للمداخيل والثروات في اقتصادات الريع النفطي، أنظمة استبداديّة تُمارس الخلط بين السياسي والديني (الأمر الذي يستثير أيضًا ردّة
فعل سياسيّة- دينيّة)، وأخيرًا ثقل الخطاب الغربي، المغذَّى إلى حدٍّ كبير بمصطلحات دينيّة منذ بضعة عقود».
وأخيرًا: «في زمن الكفاح ضدّ إرهاب اليسار المتطرّف، هل تم الانكباب يومًا على أهميّة النصوص الماركسيّة الهوى التي كانت تنتجها تلك الحركات؟ والحال، لماذا ينبغي اليوم أنْ نأخذ كثيرًا على محمل الجدّ النصوص المزدانة بآياتٍ قرآنيّةٍ يتزيّن بها الإرهابيّون الذين يضعون أنفسهم تحت راية إسلاميّة؟ في مكافحة العنف الإرهابي ليس المهم تحليل المعجم الإيديولوجي الدِّيني، بل تحليل القلق الاجتماعي والسياسي والوجودي الذي يعبّر عنه العنف.
فوق ذلك وهذا ما ننساه في الأغلب، لهذه الظواهر خصائص شديدة الاختلاف بحسب المكان والسياق الاجتماعي-السياسي: إنّ هجمةً إرهابيّةً في مدينة الرياض لها طبيعةٌ مختلفةٌ عن هجمةٍ في تل أبيب أو ضد مستوطنين إسرائيليين، وهذه مختلفةٌ عن هجومٍ على مركز شرطة في العراق، المختلف بدوره عن هجومٍ أعمى في مدريد أو في لندن.
إنّ رفض هذه الملاحظ الحسّية السليمة يعني القيام بلعبة المنظّرين لحرب عسكرية بين الحلف الأطلسي ومنظمة القاعدة، المجهولة الارتباطات والتكوين، ويعني المساهمة في إبقاء الأمر الواقع الحالي الذي يُقلق البشريّة قاطبة».
2. أهمل الدّكتور نصر استحضار الرؤية الشيعيّة في مختلف مواضيع الكتاب، التي تطرّق فيها إلى رؤية الخطاب الديني، وهو إهمالٌ غير مبرّر. ولا شكّ في أنّ في الخطاب الشيعي توجهات ورؤى لو اطّلع عليها الدّكتور
أبو زيد، لغيّرت بعض قناعته ونظرته للخطاب الديني، توجّهات من أمثال مرتضى مطهّري، ومحمّد باقر الصّدر، وغيرهما. لكن الخيلاء العَلماني الذي يرفض التفرقة بين المتطرّف والمعتدل، هل يستطيع التنازل عن كبريائه والنظر إلى بيئةٍ غير بيئته، لرؤية ما يزلزل الحسم الفكري في ذهنه!
ذكر الدّكتور نصر حامد أن آليّات الخطاب الديني خمس، نعرضها بصورةٍ مجملةٍ، مركّزين على لُبّ الأفكار فيها، مع التعليق عليها بما تستحقّه.
هذه هي الدعوى الأوّلى للدّكتور نصر، فهو يفترض أنّ الخطاب الديني يعتمد آليّة التوحيد بين الفكر الديني وبين الدين، والحال هما متمايزان متغايران. كتب: «منذ اللحظات الأوّلى في التاريخ الإسلامي- وخلال فترة نزول الوحي وتشكّل النّصوص- كان ثمّة إدراكٌ مستقرٌ أنّ للنصوص الدينيّة مجالات فعّاليتها الخاصّة، وأنّ ثمّة مجالاتٍ أخرى تخضع لفاعليّة العقل البشري والخبرة الإنسانيّة، ولا تتعلّق بها فعاليّة النّصوص. وكان المسلمون الأوائل كثيرًا ما يسألون إزاء موقف بعينه ما إذا كان تصرّف النبي محكومًا بالوحي أم محكومًا بالخبرة والعقل. وكثيرًا ما كانوا يختلفون معه، ويقترحون تصرّفًا آخر إذا كان المجال من مجالات العقل والخبرة. الأمثلة على ذلك كثيرة وتمتلئ بها كلّ وسائل الخطاب الديني وأدواته: من كتبٍ ومقالاتٍ وخطبٍ ومواعظ وبرامج وأحاديث. ورغم ذلك يمضي الخطاب الديني في مدّ فعاليّة النّصوص الدينيّة إلى كلّ المجالات، متجاهلًا تلك الفروق التي صيغت في مبدأ (أنتم أعلم بشؤون دنياكم). ولا يكتفي الخطاب الديني
(27)بذلك، بل يوحّد بطريقةٍ آليّةٍ بين هذه النّصوص وبين قراءته وفهمه لها. وبهذا التوحيد لا يقوم الخطاب الديني بإلغاء المسافة المعرفيّة بين الذّات والموضوع فقط، بل يتجاوز ذلك إلى ادّعاء ضمني بقدرته على تجاوز كلّ الشروط والعوائق الوجوديّة والمعرفيّة، والوصول إلى القصد الإلهي الكامن في هذه النّصوص».
إذن، دعوى الدّكتور: أنّ الخطاب الديني يوحّد بين الدين والفكر الديني. وهنا نسأل: ما المقصود بالدين؟ أجاب الدّكتور في الفصل الثالث، وقال: «ولا بُدَّ هنا من التمييز والفصل بين الدين والفكرِ الديني؛ فالدين هو مجموعةُ النّصوصِ المقدّسة الثابتة تاريخيًّا، في حين أنّ الفكرَ الديني هو الاجتهاداتُ البشريّة لفهم تلك النّصوص وتأويلها، واستخراج دلالتها. ومن الطبيعي أنْ تختلف الاجتهاداتُ من عصر إلى عصر، بل ومن الطبيعي أيضًا أنْ تختلف من بيئةٍ إلى بيئة».
لا شكّ في أنّ هناك توجّهاتٍ وباحثين، يعاملون كلَّ استنتاجٍ توصلوا إليه بعد البحث النظري، في مجال الفكر والعقيدة والفقه، بوصفه الدين الذي نزل مِن عند اللّٰه تعالى، وهذا السّلوك مورد تحفّظ، ولا نرتضيه (في الجملة) وفق مُبرّرات موضوعيّة، ولكن الفكرة التي ذكرها الدّكتور يلاحظ عليها:
1. لا نسلّم أنّ الدين يغاير الفكر والمعرفة الدينيّة دومًا وبالجملة، وإنّما نعتقد بذلك إجمالًا (في الجملة)؛ لأنّه في موارد المستقلّات العقليّة، والإدراكات البديهيّة التي يتكفّل العقل إثباتها، والمرتبطة بالتوحيد، والعدل، والمعاد، تكون المعرفة الدينيّة مساوقةً للدّين. وحينئذٍ، فالمعارف التي يدركها
العقل بتلك الشاكلة تكون من صلب الدين وجزءًا منه، وليست معرفةً دينيّةً مغايرة للدّين، إذ الإيمان بالإله الواحد بوساطة البرهان العقلي جزءٌ من الدين وأساسُه، وليس معرفةً دينيّة. بمعنى لا يصح أنْ ندّعي أنّ قضيّة (اللّٰه واحد) فكرٌ دينيّ بشريّ، وليست دينًا!
2. من حقّنا أنْ نسأل عن المراد من كون الواقع غير إدراك الواقع؟ وبتعبيره (المسافة المعرفيّة بين الذّات والموضوع)؟ فهل يقصد به المعنى الذي قرّره الفيلسوفُ الألماني عمانوئيل كانط من الفرز بين الشيء في ذاته والشيء كما يبدو لنا، والذي يلازمه إنكار التطابق بين ما في الذهن وما في الخارج والدخول في نفق النسبيّة المطلقة! وتكون النتيجة حينئذٍ أنّ إدراك الواقع والعلم به متعذّر، بل يكون للقوالب الذهنيّة والماهيّات الموجودة في الذهن من أصل خلقته، والتي لم يأخذها من الخارج، الدور الأساس في تشكيل الواقع الخارجي. أمّا العلم به فهو الناتج عن تلك العملية التي يمتزج فيها ما هو ذاتي (القوالب الذهنية)، وما هو من الخارج، وهو ظاهر الشيء. وبناءً على هذا لن يكون الدين في متناول الإنسان أبدًا، ولن يصل إليه دومًا، وإنّما يملك عنه ظاهره فقط!
لاشكَّ في أنّ الواقع يختلف عن إدراكه (العلم به)، من حيث الآثار وسنخ التحقّق، ولكن لا يعني مثل هذا الاختلاف قطع الصِّلةِ الماهويّة، والارتباط بين الواقع والعلم به على نحوٍ يجعلهما مختلفين دومًا، أو شيئين منفصلين عن بعض. على أنّ رفض مقولة كانط، لا يلازمه أنْ تكون معارف الإنسان وعلومه مصيبةً ومطابقةً للواقع دائمًا وأبدًا، على تفصيل يترك إلى نظريّة المعرفة.
3. رأى الدّكتور نصر أنّ الدين عبارةٌ عن النّصوص المقدّسة الثابتة تاريخيًّا. وهنا نلاحظ: أنّ إحراز كون (النصّ الفلاني) من نصوص الدين أو
لا، يتوقّف على جملة معارف بشريّة، من قبيل علم الرجال، والدراية، وأصول الفقه (بحث حجية خبر الواحد مثلًا).
وحينئذٍ، فإنْ أحرزنا ذلك دخل النصُّ في الدين، وإنْ لم نحرز خرج عن كونه من الدين، ممّا يعني أنّ الدين نفسه الذي عدّه الدّكتور نصر حامد ثابتًا مقدّسًا، قد خضع للتغيّر بالزيادة والنقصان من باحثٍ إلى آخر، وطاله الاجتهاد أيضًا!
وفي سبيل إيضاح الفكرة أكثر، نقول: إنّ النصّ الذي نسبته بعض كتب الحديث السنّي إلى النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم، والقائل: «أنتم أعلمُ منّي بشؤون دنياكم»، والذي استند إليه الدّكتور نصر في كلامه السابق، لتقرير جهالة النبي (حاشاه) بأمور الدنيا، يعدّ من الدين وفق تعريف الدّكتور، لكن بما أنّ البحث العلمي الموضوعي يوصلنا إلى عدم ثبوت النسبة للنبيّ، وأنّه موضوعٌ على لسانه، فمعنى ذلك أنّ الدين نفسه قد نقص منه هذا النصّ، وخضع للاجتهاد ولم يكن ثابتًا، ومرجع هذا النقص مجموعة من المبّررات العلميّة التي أسهمت في تكوينها علومٌ بشريّة، مثل علمي الرِّجال والحديث، فكيف يُدّعى أنّ الدين ثابت لا يتغيّر! وأنّ المتغيّر هو الاجتهاد في الدين فقط!
وبجملةٍ ثانية: إذا كان الباحث يؤمن في علم أصول الفقه بحجيّة خبر الواحد، فهذا الإيمان يقوده إلى توسعة دائرة النّصوص التي هي الدين، أي توسعة الدين نفسه؛ لأنّ الدين هو النّصوص عند الدّكتور نصر. أمّا إذا كان لا يبني على حجيّة خبر الواحد تمسّكًا بأصل عدم حجية الظنّ من جهة، وعدم
تماميّة ما يدّعى من أدلّة على التعبّد بالظن، أو مَن يبني على الحجيّة لكنّه لا يؤمن بصدور أخبار آحاد معيّنة لمشاكل في طرق وصولها، فعدم إيمانه يُنتج سقوط عددٍ كبيرٍ من النّصوص الدينيّة أي أجزاء الدين عن الاعتبار، وخروجها عنه. فكيف يدّعي الدّكتور أنّ الدين ثابتٌ ولم يطرأ عليه تغيير، وأنّ التغيير يختصّ بالاجتهاد البشري! وأنّ مجال الاجتهاد هو المعرفة الدينيّة وليس الدين نفسه!
4. بناءً على ما تقدّم، تعريف الدين بالنصوص المقدّسة خاطئ جدًّا، ولا يمكن قبوله بحال، وهذا الخطأ متداول بين المثقّفين، ويشترك فيه الدّكتور أبو زيد مع الدّكتور عبد الكريم سروش، فهو يرى كذلك أنّ الدين نصوص!
والصحيح أنّ الدين مجموعةٌ من الحقائق والقضايا، والقيم، والتشريعات التي طُولب الناسُ بالإيمان والالتزام بها. ويُعدّ الإيمان بالنصّ الديني (القرآن الكريم) من أجزاء الدين وقضاياه الاعتقاديّة، فكيف يكون الدين هو النصّ؟ وحينئذٍ يكون الدين ثابتًا، وليس متغيّرًا.
إن النصّ الديني ليس مرادفًا للدّين، والعلاقة بينهما علاقة الكاشف بالمنكشف؛ فالنصّ الديني كاشف عن تلك القضايا والقوانين التي طُلب من الإنسان الإيمان بها، أما المنكشِف فهو القضايا والحقائق والقيم والقوانين، التي تشكّل بدورها الدين.
نعم، تمثّل النّصوص الدينيّة أهم مصادر الدين، لكنّها ليست المصدر الوحيد في الكشف عنه، فإلى جانب النصّ هناك المستقلّات العقليّة والمدركات البديهيّة. والفرق بين الدين والنصّ الديني كالفرق بين الخطاب والحكم، الذي هو مدلول الخطاب.
5. وصف الدّكتور أبو زيد الفكر الديني بالاجتهاد البشري، وهو يقول ذلك في مقابل الدين المقدّس الثابت. وكأنّه جاء بالفتح، أو يريد الانتقاص من الفكر الديني، والتقليل من شأنه! ونحن نتّفق مع الدّكتور أبو زيد، وغيره، في أنّ الفكر الديني والمعرفة الدينيّة بشريّة، لكنّنا نقول ذلك (في الجملة)، أي على مستوى الموجبة الجزئية، ونرفض التعميم الذي أطلقه (على نحو الموجبة الكليّة).
وبغية الإيضاح أكثر نقول: توصيف المعرفة الدينيّة بالبشريّة فيه احتمالان:
تارة يقصد به أنّ نمو المعرفة بالدين لا يكون إلّا على أيدي البشر، ولا توجد إلّا عندهم، وفقًا للأدوات والوسائل التي يمتلكونها، وهذا المعنى تامٌّ وصحيح. وتارةً أخرى يراد ببشريّة المعرفة الدينيّة، أنّ صفات الإنسان وخصائصه تنعكس على المعرفة التي يمارسها، من قبيل الكره والحسد والتعصّب والأهواء، والمؤثّرات القَبْليّة، والظروف والمناخات الثقافيّة التي يعيشها الباحث الديني. ومعناه اكتساب المعرفة الدينيّة الهويّة البشريّة، من قصور عن إدراك الحقائق، وصعوبة الوصول إليها، وسائر أحوال الإنسان وشؤونه. ومن ثمَّ لا تخضع المعرفة الدينيّة للقوة العاقلة فقط وإنّما لسائر قوى الإنسان وميولاته وحالاته النفسيّة، والمؤثّرات الثقافيّة، فالبشريّة في هذا الاحتمال معناها غير المعصومة، في مقابل الدين المعصوم المقدّس.
وهذا الاحتمال تحديدًا هو مراد الدّكتور نصر، ولذا قرّر أنّ الاجتهادات تختلف من عصرٍ إلى عصر، ومن بيئةٍ إلى بيئة، ومن واقعٍ تاريخيّ وجغرافيّ وعرقيّ إلى غيره، ومن مفكّرٍ إلى آخر في البيئة الواحدة، ولأجله انتقد فهمي هويدي؛ لأنّه قال لا يوجد تعدّد إسلامات، كما سيأتي.
ويلاحظ: أنّ هذا المعنى غير تامٍ في نفسه بنحوٍ مطلق، كما سيتضح. ومن
جهةٍ ثانية، فإنّ استعمال هذا التوصيف (اجتهاد بشري) لوسم الفكر الديني، كثيرًا ما يكون مضلّلًا، خصوصا لمّا يطرح في سياق الانتقاص من المعرفة الدينيّة، والفكر الديني.
ومن جهةٍ ثالثة، نرى أنّ الصحيح في مقاربة المسألة الفصلُ بين (بشريّة) المعرفة الدينيّة، وبين (حجّيتها) و(تبريرها). بمعنى أننا وإنْ سلّمنا ببشريّة المعرفة الدينيّة (إجمالًا)، لكن لا يلازمه الإذعان بحجيتها جميعًا، وكونها مبرّرة، وإنّما ينبغي أنْ ينصب البحث على أي معرفةٍ بشريّةٍ هي المبرّرة والحجة؟ وأيّها لا يتسم بالحجية والتبرير؟ وأيّها لا تكون قريبةً من مقاصد وأهداف الدين ومراداته؟
أمّا طرح الكلام على عواهنه، وإطلاقه في الهواء الطلق، والقول إنّ الفكر الديني اجتهادٌ بشري، فهو تضليلٌ وتزييفٌ ليس إلّا.
لا شك في أنّنا مُخطِّئةٌ نرفض التصويب، فاجتهاد المجتهد قد يصيب الواقع، وقد لا يُصيبه، وهذا الاجتهاد وإنْ كان فعلًا بشريًّا، ولكنّنا نؤمن أنّ الشريعة أعطته الحجيّة بالنسبة إلى المجتهد، وبالنسبة إلى مَن يرجع إليه من غير المختصين في شؤون الشريعة، إلّا أنّ التمسّك بتوصيف (البشري) وإغفال جانب (الحجيّة)، و(التبرير)، سلوكٌ غير منهجي، ومُضَلِّل، يهدف إلى التقليل من قيمة وحقيقة الاجتهاد في أرجاء الشريعة، لغاية سلب الاعتبار عنه، ومساواته مع تعامل آحاد المثقّفين في الشأن الديني.
كما يلاحظ، أنّ الدّكتور نصر لم يقدّم برهانًا، أو شواهد تجريبيّة، على صحّة تعميم توصيف (البشري) على الفكر الديني كلّه، وغاية ما يمكن إثباته بمدّعاه أنّ بعض الفكر الديني (بصرف النظر عن مساحته) هو اجتهادٌ بشريّ غير معصوم، أما التعميم فيحتاج إلى برهان.
والحقّ كثيرًا ما يستعمل الدّكتور نصر مغالطةَ التعميم، وإلّا هل تصح دعوى أنّ تحريم نكاح الأم في الإسلام المستند إلى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم﴾ (النساء: 23)، اجتهادٌ بشريّ وفكرٌ دينيّ، وليس جزءًا من الدين! وغير هذا المورد أمثلة كثيرة، لا سيّما الضّرورات العقديّة، والفقهية، فهناك خطابات استعملها القرآن الكريم في تبليغ جملة من التشريعات، واضحة صريحة، قاطعة لا يلفّها إجمالٌ أو إبهام، ولا تفسح مجالًا لتعدّد التفسير أو اجتهاد المجتهدين، كما نجده في الخطابات التي تُشرّع وجوب الصلاة، والصيام، والزكاة، والميراث، وآيات الأحكام الجزائيّة كالقذف، والزنا، والقتل، وغيرها.
من هذا نعرف، أنّ الدّكتور كان قاصرًا عن إدراك كلمات فهمي هويدي، حين قال الأخير: « ليس هناك إسلامٌ تقدّميّ وآخر رجعيّ، وليس هناك إسلامٌ ثوريّ وآخر استسلامي، وليس هناك إسلامٌ سياسيّ وآخر اجتماعيّ، أو إسلامٌ لسلاطين وآخر للجماهير، هناك إسلامٌ واحدٌ، كتابٌ واحد، أنزله اللّٰه على رسوله، وبلّغه رسوله إلى الناس ».
ويعقّب الدّكتور نصر قائلًا: «وهو قول ينقضه تاريخ الإسلام ذاته، ذلك التاريخ الذي شهد تعدّدًا في الاتجاهات التيارات والفرق، التي قامت لأسبابٍ اجتماعيّةٍ اقتصاديّةٍ سياسيّة، وصاغت مواقفها بالتأويل والاجتهاد في فهم النّصوص. ولكن هذا الإصرار على وجود إسلامٍ واحدٍ ورفض التعدديّة الفعليّة، يؤدّي إلى نتيجتين بصرف النظر عن نوايا هذا الكاتب أو ذاك:
النتيجة الأوّلى: أنّ للإسلام معنى واحدًا ثابتًا لا تؤثر فيه حركة التاريخ، ولا يتأثّر باختلاف المجتمعات، فضلًا عن تعدّد الجماعات بسبب اختلاف
لمصالح داخل المجتمع الواحد. النتيجة الثانية: أنّ هذا المعنى الواحد الثابت يمتلكه جماعةٌ من البشر - هم علماء الدين قطعًا- وأنّ أعضاء هذه الجماعة مبرّأون من الأهواء، والتحيّزات الإنسانيّة الطبيعية.
وهذا التعليق غريبٌ جدًّا؛ إذ كيف غاب عنه فهمُ كلامٍ لم يكتب بلغةٍ اصطلاحيّةٍ ولا علميّة، وإنّما كُتب بلغةٍ عامّة! فهذا الكاتب، أعني هويدي، لا يقصد إنكار وجود واقع فعلي معاش تتعدّد فيه الإسلامات اجتماعيًّا، وسياسيًّا، وفكريًّا، فهناك إسلامٌ تركي، وإسلامٌ سعودي، وإسلامٌ ماليزي، وإنّما يقصد الإسلام الذي جاء به النبيّ من عند اللّٰه تعالى، الإسلام كما هو، هو مجموعة من القضايا الاعتقاديّة والأحكام والتعاليم، بصرف النظر عن كيفية تلقّي المسلمين لهذه القضايا، ومقدار اقترابهم منها، وتجاربهم معها، فهذا حديث آخر!
وإذا لاحظنا تتمّة كلام هويدي، تكون المسألة في غاية الوضوح، فقد قال: «وبعد البلاغ صارت الأمانة في أعناق الناس، ومن مسؤوليّاتهم، فإذا تعدّدت الاجتهادات يمينًا ويسارًا، وإذا تراوحت الممارسات صعودًا وهبوطًا أو سقوطًا، وإذا أحسن البعض فهم الإسلام أو أساء، فذلك شأن المسلمين أوّلًا وأخيرًا، وينبغي ألا يُحمَل بأي حال على الإسلام».
علاوةً على أنّه وفق تعريف الدّكتور نصر للدّين بالنّصوص المقدّسة، فالمُفترض ألا يتعدّد الإسلام إذا كان هو النصّ المقدّس الثابت تاريخيًّا! فكيف يُنكر على هويدي رفضه تعدّد الإسلام؟
هذه هي الآليّة الثانية في الخطاب الديني وفق مدّعى الدّكتور، فالخطاب الديني يُرجع كلَّ الظواهر في العالَم، وفي كلِّ المجالات إلى مبدأ واحد، هو الحاكميّة الإلهيّة، لذا يقول: «إنّ الحديث عن إسلامٍ واحدٍ ثابت المعنى لا يبلغه إلّا العلماء، يمثّل جزءًا من بنية آليّة أوسع في الخطاب الديني، وليست هذه الآليّة من البساطة والبداهة التي تبدو بها في الوجدان والشعور الديني العادي والطبيعي، بل نجدها في الخطاب الديني ذات أبعاد خطيرة تهدّد المجتمع، وتكاد تشلّ فاعليّة العقل في شؤون الحياة والواقع. ويعتمد الخطاب الديني في توظيفه لهذه الآليّة على ذلك الشعور الديني العادي، فيوظّفها على أساس أنّها إحدى مسلّمات العقيدة التي لا تناقش. وإذا كانت كلّ العقائد تؤمن بأنّ العالَم مدينٌ في وجوده إلى علّة أولى، أو مبدأ أوّل - هو اللّٰه في الإسلام- فإنّ الخطاب الديني، لا العقيدة، هو الذي يقوم بتفسير كلّ الظواهر، الطبيعية والاجتماعية، بردّها جميعًا إلى ذلك المبدأ الأوّل. إنّه يقوم بإحلال (اللّٰه) في الواقع العيني المباشر، ويردّ إليه كلّ ما يقع فيه. وفي هذا الإحلال يتم تلقائيًّا نفي الإنسان، كما يتم إلغاء القوانين الطبيعيّة والاجتماعيّة، ومصادرة أيّة معرفةٍ لا سند لها من الخطاب الديني، أو من سلطة العلماء».
أما نتيجة هذه الآليّة في الخطاب الديني؟ فهي أنْ تبدو أجزاء العالم مشتتة، وتبدو الطبيعة مبعثرة، إلّا من الخيط الذي يشد كلّ جزءٍ من العالَم، أو من الطبيعة إلى الخالق والمبدع الأوّل. ولا يمكن لمثل هذا التصوّر أنْ ينتج أية معرفةٍ علميةٍ بالعالم، أو بالطبيعة، ناهيك بالمجتمع أو بالإنسان.
(36)وأمّا مصدر هذا التصوّر؟ فهو امتداد للموقف الأشعري القديم، الذي ينكر قوانين السببية في الطبيعة والعالَم لحساب جبريةٍ شاملة، تمثّل غطاءً أيديولوجيًا للجبرية الاجتماعية والسياسيّة في الواقع.
وفي الواقع، وفّر علينا الدّكتور نصر عناءً كبيرًا في هذه النقطة تحديدًا؛ لأنّه يتحدّث عن تفكيرٍ عند اتجاهٍ من المسلمين هو الاتجاه الأشعري، وهو غير ملزمٍ للتوجّهات الأخرى، في هذه المسألة المعروفة التي اختلفت فيها أنظار المذاهب والمدارس الفكريّة، قديمًا وحديثًا.
من الواضح أنّ الدّكتور - في هذه الفكرة بالتحديد- لم يكلّف نفسه عناء البحث والمراجعة، لمعرفة التوجّهات الأخرى، ومن غير الصحيح التمسّك بموقف الأشاعرة للهجوم على الخطاب الديني بلغة إطلاقية، وبمغالطة التعميم، ومحاولة إظهار توجّهات المدارس الفكرية الغربيّة بصفة المظلوم، الذي لم يُفهم حقًّا وصدقًا من قبل رجال الخطاب الديني! رغم أنّها تمثّل (اجتهادات العقل الإنساني في محاولته لتفسير الظواهر الطبيعيّة، أو الاجتماعية، وفهمها)، وفق تعبيره!
وفضلًا عن هذا، تحافظ الرؤية الفلسفيّة التي نؤمن بها، على رجوع تسلسل العلل والمعلولات إلى مبدأٍ واحدٍ متعالٍ، وتحافظ من جهةٍ أخرى على فاعليّة الإنسان وحركة عقله في الكشف عن القوانين المودعة في عالَم الطبيعة، والتي يجهد علماء الطبيعة في مختلف المجالات أنفسهم في الكشف عنها، ولا نؤمن أنّها لا تؤخذ إلّا من سندٍ في الخطاب الديني.
ويطيب لي أنْ أختم هذه النقطة بنصٍّ أقتبسُه من الفقيه الكبير، والمفكّر
الفذّ السيّد محمّد باقر الصّدر، حيث أجاب عن تصوّرات الدّكتور نصر قبل عقودٍ من الزمان، وقال في كتاب (فلسفتنا) تحت عنوان تصحيح أخطاء: «أنّ المفهوم الإلهي للعالَم لا يعني الاستغناء عن الأسباب الطبيعيّة، أو التمرّد على شيءٍ من حقائق العلم الصحيح، وإنّما هو المفهوم الذي يعتبر اللّٰه سببًا أعمق، ويحتّم على تسلسل العلل والأسباب أن يتصاعد إلى قوّة فوق الطبيعة والمادّة. وبهذا يزول التعارض بينه وبين كلّ حقيقةٍ علميّةٍ تمامًا؛ لأنّه يطلق للعلم أوسع مجال لاستكشاف أسرار الطبيعة ونظامها، ويحتفظ لنفسه بالتفسير الإلهي في نهاية المطاف، وهو وضع السبب الأعمق في مبدأ أعلى من الطبيعة والمادّة. فليست المسألة الإلهيّة- كما يشاء أنْ يصوّرها خصومها- مسألة أصابع تمتد من وراء الغيب، فتقطر الماء في الفضاء تقطيرًا، أو تحجب الشمس عنا، أو تحول بيننا وبين القمر، فيوجد ذلك المطر والكسوف والخسوف، فإذا كشف العلم عن أسباب المطر وعوامل التبخير فيه، وإذا كشف عن سبب الكسوف، وعرفنا أنّ الأجرام السماويّة ليست متساوية الأبعاد عن الأرض، وأن القمر أقرب إليها من الشمس فيتّفق أن يمرّ القمر بين الأرض والشمس فيحجب نورها عنّا، وإذا كشف العلم عن سبب الخسوف وهو: وقوع القمر في ظل الأرض، الذي يمتد وراءها إلى مسافة 900 ألف ميلٍ تقريبًا. أقول: إذا كملت هذه المعلومات لدى الإنسان، يُخيّل لأُولئك الماديين أنّ المسألة الإلهيّة لم يبقَ لها موضوع، وأنّ الأصابع الغيبيّة التي تحجب الشمس أو القمر عنّا عوَّض عنها العلم بالتعليلات الطبيعيّة، وليس هذا إلّا لسوء فهم للمسألة الإلهيّة، وعدم تمييز لموضع السبب الإلهي من سلسلة الأسباب».
(38)اعتماد سلطة التراث هو ثالث آليّات الخطاب الديني وفق الدّكتور نصر، وهو اعتمادٌ بنحوٍ لا يُناقش! حيث يوحّد الخطاب الديني بين التراث والسّلف وبين الدين معتمدًا على الآليّات السابقة!
وحين اختلط المنبع القرآني بثقافاتٍ أخرى، توجّه الخطاب الديني صوب منهجٍ انتقائي من التراث، موظفًا اجتهادات مساويًا إيّاها بالإسلام رغم خطورتها. ومن أمثلتها ما يورده سيّد قطب في نصوصه بشأن حدّ السرقة، حيث يقول أبو زيد متحدّثًا في شرط المسروق الذي يقام فيه الحدّ: «أنْ يكون في مكانٍ مغلق»، أو بتعبير الفقهاء: «أن يكون محرزًا وأنْ يأخذ السارق من حرزه، ويخرج به عنه». وهذا معناه أنّه لا يُعدّ سارقًا يقام عليه الحد كلّ من يهرب من البلاد، بعد أنْ يستولي على أموال المواطنين مادامت هذه الأموال لم تكن مُحرَزة!
«وثمّة شرط آخر أشدّ خطورة، وهو ألّا يكون للسارق في المال المسروق نصيب، أي أنّ يكون المال مملوكًا ملكيّةً خاصّةً للمسروق منه. وبدهي أنّ هذا الشرط لا يتوافر في بيت مال المسلمين، أو الخزينة العامة، فكلّ من يستولي على بعض هذا المال العام - أو كلّه - لا يقام عليه الحد؛ لأنّ (له نصيبًا فيه ليس خالصًا للغير). وهكذا ينحصر مجال تطبيق حدّ السرقة على النصّابين وصغار اللّصوص، وهذا هو الإسلام الذي يطرحه الخطاب الديني على الناس، ويبشرهم بأنّه قادرٌ على حلّ مشكلات الواقع».
وهنا يجب أنْ نلاحظ الأمور الآتية:
لا يُفرّق الدّكتور بين الاستعانة البيانيّة بلغة الفقهاء، وبين كونها مصدرًا للدّين والفقه والشريعة، خصوصًا من أمثال سيّد قطب غير الفقيه، الذي يضطر حين يريد بيان مسألة فقهيّة إلى الاستعانة بما ذكره الفقهاء بلغتهم، لكن هذا لا يعني أنّها تُعامل بلا نقاش، أو نقدٍ ممّن يمتلك أدوات الفقه.
تعامل الدّكتور مع مسألة حدّ السّرقة وضوابطه وقيوده بتبسيطٍ لا مثيل له، لكنّه متوقّعٌ جدًّا من شخصٍ لم يدرس الفقه دراسةً تخصصيّة. وهذا واضحٌ من عدم تفريقه بين ضوابط انطباق عنوان السّرقة من الناحية القانونيّة الفقهيّة، وبين حكم التعامل مع الأموال الأخرى إذا لم ينطبق عليها عنوان السّرقة، فتوهّم جواز الأخذ وعدم العقاب في حال لم ينطبق فيه عنوان السرقة! والحال لا توجد مثل هذه الملازمة، أي لا ملازمة بين عدم تحقّق عنوان السّرقة من الناحية الشرعيّة، وبين جواز الأخذ وعدم العقوبة، كما هو الحال بالنسبة إلى قطّاع الطرق، ففي قطّاع الطرق لا ينطبق عنوان السّرقة!
لكن هل يعني عدم انطباق عنوان السّرقة جواز سلب الناس وأخذ أموالهم، وأنّه لا عقوبة؟ والجواب بالسّلب، فالمسألة على العكس من ذلك تمامًا، ولا علاقة لها بالإنسان، كما عزف الدّكتور على هذا الوتر.
والحقّ، أنّ أمثال هذه الأحكام الارتجاليّة، والتبسيط، والدعاوى الإنشائيّة، حاضرةٌ بشكل كثيفٍ في الكتاب.
لم يكن الدّكتور نصر أمينًا في نقل حكم المسألة، فطبيعة طرحه للمسألة توهم القارئ أنّ المتجاوز على المال العام يترك بلا عقوبة، وهو غير صحيح، وكان الأجدر به نقل تتمّة كلام سيّد قطب، حيث ذكر: «والذي يسرق من بيت مال المسلمين لا يقطع؛ لأنّ له نصيبًا فيه فليس خالصًا للغير كذلك.. والعقوبة في مثل هذه الحالات ليست هي القطع، وإنّما هي التعزير.. والتعزير عقوبة
(40)دون الحدّ بالجلد، أو بالحبس، أو بالتوبيخ، أو بالموعظة، في بعض الحالات التي يناسبها هذا، حسب رأي القاضي، والظروف المحيطة».
وهذا الفرع موجودٌ في الفقه الشيعي، قال الفقيه السيّد أبو القاسم الخوئي: «ألّا يكون المال مشتركًا بينه وبين غيره، فلو سرق من المال المشترك بقدر حصته، أو أقل لم تُقطع يده، ولكنّه يعزّر. نعم لو سرق أكثر من مقدار حصته وكان الزائد بقدر ربع دينار من الذهب قُطعت يده. وفي حكمِ السرقة من المال المشترك السرقةُ من المغنم أو من بيت مال المسلمين».
والمسألة، كما أوضحت في النقطة الثانية، أنّ الفقهاء أكثر دقّة ممّا يتصوّر الدّكتور نصر، فلأن الأحكام الشرعيّة تثبت للعناوين وهي الموضوعات للأحكام، فهم يبحثون عن ضوابط تحقّق الموضوع بشروطه حتّى يثبت له حكمه الخاص؛ لأنّ الحكم مُناط به، وهو في محلّ البحث عنوان السّرقة والسّارق ليثبت في حقّه القطع، فإذا وجد العنوان ثبت حكمه، وإلّا فلا، لكن الانتفاء لا يعني ولا يلازمه عدم وجود عقوبةٍ في حال الاعتداء على الأموال، كما توهّم الدّكتور نصر، إلّا أنّها عقوبة تثبت بسبب عنوانٍ آخر غير عنوان السّرقة الذي فرضناه منتفيًا.
وإذا كان الحال على هذه الشاكلة، فكيف يتوقّع الدّكتور نصر، وأمثاله، أنْ نتعامل مع مخرجات البحث التخصصي في الدراسات الدينيّة، بالمعنى المعروف في الحوزات والمعاهد الدينيّة، بالقدر نفسه من التعامل مع مخرجات البحث الثقافي كما يطرحه الدّكتور وغيره! وأنْ نضع الجميع في سلّةٍ واحدةٍ تُسمّى بالفكر البشري تضليلًا. فهل يجوز التعامل بالمساواة بين
مَن شاخ في هذه العلوم، وغاص في أعماقها، وأفنى عمره في تفاصيلها، وبين السّابح على ضفافها!
المدّعى هنا، أنّ هذه الآلية تتلاحم بنحوٍ عفويّ مع آلية توحيد الفكر والدين، وبها يتم تكفير وتجهيل الخصوم، مع ما يوافق مزاعم امتلاك الحقيقة الشاملة، والرفض لكلّ قولٍ لا يستند إلى تأصيل إسلامي. وفي الواقع، يحتاج هذا الموضوع إلى معالجةٍ خاصّة، علاوةً على اشتراكه بين المتديّن وغير المتديّن، فالحسم الفكري واليقين الذهني ظاهرة تُصاب بها كلّ مدارس الفكر، بصرف النظر عن توجهاتها، ومعالجتها تحتاج إلى ولوج ميدان نظريّة المعرفة، فضلًا عن ميادين أخرى.
ومن جانبٍ آخر لا يمكن التعامل مع هذه المسألة تعامل الدّكتور نصر، الذي اتّسم بالبساطة والاختزال، وإنّما لا بُدَّ من تفصيل الموضوعات فيها لنعرف أي موضوع يمكن التنظير فيه دون تأصيل إسلامي، وأيّها لا يمكن ذلك.
على أنّ الدّكتور أبو زيد لم يسلم من هذه الآليّة، وهاك نماذج من ذلك:
1. أكد الدّكتور في أكثر من موضع، وبطريقةٍ ساخرة، على أن كُتّاب الخطاب الديني يجهلون النظريات العلمية، والأفكار والثقافات التي يوردونها في سياق نقدها، في نرجسيّةٍ واضحةٍ لإبراز حيازته الفهم الدقيق، متبعًا آليّة الحسم الفكري واليقين الذهني، فمن الطرائق التي باتت معروفةً هذه الأيام لإبراز المقدرة العلمية اللجوء إلى تسخيف فهم الآخر، واتّهامه بالقصور، أو التقصير، دون ذكر شواهد على ذلك
فتارةً يورد نقدًا كتبَه سيّد قطب ضدّ الاشتراكيّة أو الشيوعيّة، ويشكّك في فهم قُطب لحقيقة هذين الاتجاهين بشكل واضح. ويدَّعي تارةً أخرى أنّ الخطاب الديني يقوم بعملية اختزال لتلك النظريات والأفكار بغية إظهارها بشكلٍ منفّر، كحيوانيّة الإنسان بالنسبة للداروينيّة، واختزال الفرويديّة في وحل الجنس. وثالثة يؤكِّد: «أنّ الدّقة العلميّة ليست مطلبًا في الخطاب الديني»! ورابعة يجزم - وقد عاب الجزم في الخطاب الديني- مؤكّدًا: «أنّ رجال الدين وعلماءه ليسوا من أهل الاختصاص في مجال مناقشة القيمة الأدبيّة للروايات، والكتابة الأدبيّة»!
ومن الواضح أنّ هذه الدعاوى، وإنْ كانت ممكنةً ومتحقّقةً ومقبولةً في الجملة أي بنحوٍ جزئي، ولكن تعميمها من الخطأ الفادح، ويفتقد مثل هذا التعميم لمبرّرات قبوله، فهل نسي الدّكتور أنّ سيّد قطب - مثالًا - كان ناقدًا أدبيًّا، وأديبًا أريبًا، قبل أنْ يكون كاتبًا إسلاميًّا! على أنّها دعاوى قابلة للانعكاس على الدّكتور نصر، سواء في النظريات العلميّة والفكر الحديث، ودقّة فهمه له، أم في الفكر الإسلامي.
إنّ دعوى عدم الفهم وافتقاد الدقّة سيّالة؛ إذ بإمكان كلّ خصمٍ أنْ يدّعيها في حقّ خصمه، وما لم تُقدَّم مبرّراتٌ علميّةٌ بلغة الشواهد والأرقام على عدم الفهم، تدخل مثل هذه الدعاوى في خانة التسفيه الأيديولوجي. علاوة على أنّها لا توصل إلى مقاربة تلمّ الشمل، أو تُضيّق من هوّة الخلاف، أو تحلّ مشكلًا، أو تنتج معرفةً، بقدر ما تدخل الجميع في دوائر الاتّهام، والجدل
المستدام. ويمكن، من باب المساجلة، أنْ نذكر نماذج من كتابه لم تحظ بالدقّة:
من الموارد النادرة التي جاء فيها ذكر الشيعة، ادّعى الدّكتور: «أنّ الاجتهاد الفقهي الشيعي في مسألة الإرث، يساوي بين الذّكر والأنثى في الميراث، أو على الأقل جعل البنت الوحيدة تحجب كما يحجب الذّكر».
لا أُريد عرض مسألة الحجب، والدخول في افتراضاتها وتفاصيلها، إذ المطلب المتعلّق بحاجبيّة البنت صحيح إجمالًا، فلو كان للميّت بنتٌ أو ابنٌ ولم يكن معهما وارثٌ آخر من طبقتهما (الزوج والأبوان)، فالبنت المنفردة أو الابن المنفرد يحجب الإرث عن الطبقتين الثانية (الأجداد والجدّات وإنْ عَلَوا، والأخوة والأخوات وأولادهم وإنْ نزلوا)، والثالثة (الأعمام والأخوال وإنْ علوا وأولادهم وإنْ نزلوا). فالمساواة بهذا المعنى أي حاجبيّة البنت منفردة، والابن منفردًا، لبقية الطبقات صحيحة. لكنّ دعواه أنّ الفقه الشيعي يساوي بين الذّكر والأنثى في مسألة الميراث، لا مستند لها، وعلى خلاف الفقه الشيعي؛ لأنّ الفقه الشيعي في هذه المسألة لم يخرج قيدَ أنملةٍ عن قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ الله فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾(النساء: 11). وهو موقفٌ مبثوثٌ في المدوّنات الفقهية الشيعيّة في باب المواريث، ولو كلّف الدّكتور نفسه مراجعة كتب الفقه الشيعي، لوقف عند المسألة التي تقول: «إذا اجتمع الابن والبنت منفردين [أي لا يوجد وارث آخر من طبقتهم وهم الأب والأم والزوج]، أو الأبناء والبنات منفردين، كان لهما أو لهم تمام التركة، للذّكر مثل حظ الأنثيين».
من جملة الأخطاء العلميّة التاريخية التي وقع فيها الدّكتور، دعواه أنّ
المعتزلة يقولون بأنّ الصفات عين الذّات، في المسألة الخلافيّة المعروفة في التوحيد الصّفاتي. وفي أدنى مراجعة لمدوّنات علم الكلام، نعرف أنّ المعتزلة يقولون بنيابة الذّات عن الصفات، بمعنى أنّ ذاته تعالى نائبةٌ مناب الصفات، فيترتب على مجرّد ذاته ما يترتب على الذّات مع الصفة، وقالوا: خاصيّة العلم مثلًا إتقان الفعل، وهو أي إتقان الفعل يترتّب على ذاته تعالى بلا صفة علم حقيقيّة. والذي دعاهم إلى هذا القول هو خشية الوقوع في إشكاليّة تعدد القدماء فيما لو قالوا: بثبوت الصفات له، وكونها قديمة بقدم الذّات. قال الدّكتور بدوي في (مذاهب الإسلاميين)، تحت عنوان ما اتفقت عليه المعتزلة: «ونفوا الصّفات القديمة أصلًا، فقالوا: هو عالمٌ بذاته، قادرٌ بذاته، حيٌّ بذاته، لا بعلمٍ وقدرةٍ وحياةٍ هي صفات قديمة، ومعانٍ قائمة؛ لأنّه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخصّ الوصف لشاركته في الإلهيّة ».
وهذا المعنى مبثوثٌ في مدوّنات علم الكلام، ويمكن لكلّ أحدٍ مراجعته.
2. اتبع الدّكتور آليّة الحسم الفكري واليقين الذهني في تفسير الصّراع الذي دارت رحاه بين معسكر الإمام علي أمير المؤمنين عليهالسلام ومعسكر معاوية، ووسمه جازمًا بالصراع السياسي الاجتماعي، وأفرغه من كلّ بعدٍ عقائديّ ودينيّ.
يتنكّر الدّكتور - في هذا الحسم الفكري- لنصوصٍ تاريخيةٍ كثيرةٍ تؤكّد الجانب الديني والعقائدي في ذلك الصراع، وتصفه بالصراع مع الفئة الباغية، والقاسطين، وصراع تأويل التنزيل، وهي مضامين أكّدها الإمام عليّفي ساحة
المعركة، إذ كان ينبري أفراد لسؤاله عن مسائل كلاميّةٍ وعقديّة، وكان بعض أصحابه يعترضون، لكنّه يقول إنّنا نقاتل القوم من أجل ذلك.
ومن اللّافت هنا، أنّ الدّكتور نقل نصًّا للإمام عليّ عليهالسلام يعارض فكرته في تحويل الصراع إلى سياسي، حيث نقل عن (تاريخ الطبري) قول الإمام وهو يخاطب معسكره: «عباد الله امللّٰه امضوا على حقّكم وصدقِكم [في] قتال عدوّكم؛ فإنَّ معاوية وعمرو بن العاص.. ليسوا بأصحاب دينٍ ولا قرآن. أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالًا وصحبتهم رجالًا، فكانوا شرّ أطفال وشرّ الرجال.. ويحكم إنّهم ما رفعوها لكم إلّا خديعةً ودهنًا ومكيدةً ».
ادّعى الدّكتور نصر، أنّ الخطاب الديني يعيش وهم التطابق بين المعنى الإنساني وبين النّصوص الأصليّة، والتوحيد بين الفكر والدين، وهو في الحقيقة توحيد بين الإنساني والإلهي، وتوهّم الوصول إلى القصد الإلهي، وأنّ الماضي يجب حلوله في الحاضر. وهذا ينتج ألّا يتصالح المسلم مع واقعه! ويقول: «وإذا كنّا في مجال تحليل النصوص الأدبية وهي نتاج عقلٍ بشريّ مثلنا، لا نزعم تطابق التفسير مع النصّ أو مع قصد كاتبه، فإنّ الخطاب الديني لا يكتفي بإهدار البعد التاريخي الذي يفصله عن زمان النص، بل يزعم لنفسه القدرة على الوصول إلى القصد الإلهي».
تُشَمُّ من نصوص الدّكتور في هذا الموضوع، رائحة أنّ الدين وشريعته تاريخيّة، وإنْ حاول الخروج من المأزق بمأزقٍ آخر هو الجوهري وغير
الجوهري في الدين، الذي لا تُعرف له ضابطة حاسمة! وسيأتي في مسألة النصّ التعليق على فكرة الوصول إلى القصد والمراد، لكن من المهم هنا تسجيل بعض النقاط:
ماذا يقصد الدّكتور من التصالح مع الواقع؟ هل يراد من ذلك أنْ يخضع المسلم للواقع مهما كان بكلّ ظروفه الاجتماعيّة وتيّاراته الفكريّة، ويستسلم له حتّى لو كان يخالف عقيدته وثوابت إسلامه! والمسلم حينئذٍ يكون بالتسمية وليس مسلمًا حقيقيًّا. فهل يراد للمسلم أنْ يكون على شاكلة ذلك القسّ الذي يأتيه الناس نهارًا إلى الكنيسة للاعتراف بخطاياهم، لكنّه يشاركهم ليلًا حفلةَ الرقص والسُّكر!
نعم، لا شك في أنّ من الحكمة أنْ يوازن الإنسان بين الأهم والمهم في تعاطيه مع مشكلات حياته، ويراعي نظام الأولويّات وهذا من الواقعيّة، لكن من دون أنْ نخلط بين الواقعيّة وبين الاستسلام للأمر الواقع؛ فالواقعيّة لا تعني الاستسلام للأمر الواقع مهما كان، وأنْ نتعايش معه كيفما كان، وإنّما الواقعيّة أنْ نستمر في محاولة تغيير الواقع بأدوات الواقع، وأنْ نجترح كلّ يومٍ منفذًا وطريقةً لدفع الواقع الفاسد ورفع أنقاضه، دون أنْ نستسلم له، وأنْ نتماهى مع خطواته، ثم نقول: هذه واقعيّة! وإذا كانت ثمّة خطوةٌ تستنفد وجودنا وقدرتنا دون أنْ تُنتج شيئًا ملموسًا، فالواقعيّة تقتضي تركها والتحوّل إلى خطوةٍ ثانيةٍ لتحقيق الأهداف نفسها التي رسمناها مسبقًا، وسعينا إلى تحقيقها بخطواتنا السابقة.
أما مسألة الجوهري وغير الجوهري، أو الجوهري والعرضي، الفكرة التي ذكرها الدّكتور نصر، وغيره من الكُتّاب المحدَثين الإيرانيين، فهي في الواقع لم تستند إلى تأصيلٍ نظريّ حاسم، يبيّن لنا الضابطة التي على أساسها نعدّ
(47)شيئًا جوهريًا في الدين، ويكون على أساسها شيءٌ آخر عرضيًّا. هل يراد أنّه كلّما انحرفت مسيرة البشريّة، وارتكبت شيئًا، وتنازلت عن شيءٍ، فلا بُدَّ من مسايرتها ومشايعتها في ذلك! فهل الستر بالنسبة إلى المرأة جوهري في الدين أو غير جوهري؟ وهل حرمة أكل الميتة والدم ولحم الخنزير والربا جوهريّ في الدين أو عرضي؟ وهل الجوهري هو العبادات دون المعاملات؟ وهل الجوهري هو العقيدة دون الشريعة؟ وهل الجوهري هو المنسجم مع مزاجنا الشخصي والعرضي ما تأباه التربية الأوربيّة؟
وهكذا، عشرات الأسئلة التي ترد على هذا الخطاب الشِعري، الذي يطلقونه في الهواء الطلق بعنوان الجوهري والعرضي في الدين.
ومن المهم أن نُلاحظ هنا، أنّ تبنّي الفصل الكلّي بين الدين وبين المعرفة الدينيّة، وإمكان القراءات المختلفة للدّين، بحكم أنّ النصوص صامتة، وأنّ القارئ والمفسّر يتأثّر في تلقّيه للنصّ بظروفه الاجتماعيّة، وثقافة عصره، واستعداده النفسي، يُنتج نفي الرسالة الأساس والأصليّة للنصّ، وتكون عملية الفرز والفصل بين الجوهري والعرضي في الدين عبثيّة ليس لها معنى!
وإذا كانت هناك رسالةٌ جوهريّةٌ في الدين، تمثّل ذاتيّاته، وما دونها عرضي بنحو يتمكّن فيه الدين من التعايش مع كلّ واقع اجتماعي، وسياسي، وثقافي، ويكون المسلمُ فيه متصالحًا مع واقعه دون إهدار للبعد التاريخي، فما الحاجة في أنْ يبعث الله تعللّٰه تعالى الأنبياء بشكلٍ واسعٍ جدًّا، ويتحمّلوا كلّ تلك المعاناة والمشاق والقتل من أجل تغيير الأوضاع والبُنيات الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة؟
لا شكّ في أنّ هذا التنظير يؤدّي إلى نقضِ أغراض الرسالة الإلهيّة، وعدّ الدين عبثًا ولغوًا، وإلى حيرةِ البشر وضلالهم! والنزول بالإسلام وتقليصه إلى مستوى التجربة الذاتيّة الشخصيّة!
(48)
ذكر الدّكتور في سياق حديثه عن إهدار البعد التاريخي مفهوم الجهل مثالًا، وادّعى أنّ الجهل في لغة ما قبل الإسلام يعني الخضوع لسطوة الانفعال والاستسلام لقوة العاطفة، دون الاحتكام إلى رزانة العقل وقوّة المنطق. وبما أنّ الإسلام يمثّل النقيض، وكلمة الجاهليّة تدلّ على المرحلة التاريخيّة التي قبل الإسلام، فمعنى ذلك أنّ الإسلام يمثّل جوهريًا موقف الاحتكام إلى العقل والمنطق، حتّى في فهم نصوصه ذاتها. ولكن عبر تطبيق آليّة إهدار البعد التاريخي، يعدّ الخطاب الديني الجاهليّة هي الاعتداء على سلطان الله، وللّٰه، والاحتكام إلى العقل! أي صارت الجاهليّة نقيض الحاكميّة، وهي الخضوع لحكم البشر في مقابل الخضوع لحكم الله !للّٰه !
وهنا يلاحظ، أن الدّكتور يخلط بين المعنى الموضوع له وبين المستعمل فيه؛ فلو سلّمنا أن مفردة الجهل تستعمل في الاستسلام لقوة العاطفة قبل الإسلام، فلا يعني ذلك كونه المعنى الوحيد والموضوع له، وأبسط مراجعة لمعاجم اللّغة توقف القارئ على ذلك، كما سيأتي.
زِد على هذا، مَنْ ينكر أنْ يكون العقل أداةً في فهم النصوص الدينيّة حتّى يأتي الدّكتور ليشجب هذا الإنكار؟ وكيف ساغ له أنْ يدّعي بكلِّ حسمٍ وإطلاقيّة أنّ الخطاب الديني يعدّ الجاهليّة هي الاحتكام للعقل! وكيف ساغ له مثل هذا التعميم، وهناك مدارس إسلامية تعدّ العقل من جملة الأدلّة إلى جانب القرآن والسنّة، بل ولا يثبت الشرع إلّا بعقل! بل جعلت بعضُ النّصوص الدينيّة العقلَ الحُجّةَ الباطنة.
والمنطلقات الفكريّة للخطاب الديني، كما ذكر الدّكتور أبو زيد، اثنان:
غلب الطابع السياسي على تعاطي الدّكتور مع مسألة الحاكميّة؛ لذلك لن نتوقّف عندها كثيرًا، لكنْ ثمّة نقاطٌ جديرةٌ بالتعليق على نحو المماحكة؛ إذ قال الدّكتور أبو زيد: «كانت دعوة الإسلام في جوهرها دعوةٌ لتأسيس العقل في مجال الفكر، والعدل في مجال السّلوك الاجتماعي، وذلك بوصفهما نقيضين للجهل والظلم». والسؤال: هل هذا المعنى الذي قرّره الدّكتور دينٌ أم فكرٌ دينيّ؟ ألا يُعدّ هذا توحيدًا بين الدين والفكر الدينيّ البشريّ؟
ثم ذكر أنّ مسألة ثبوت النقل بالعقل ممّا يتّفق عليه الجميع تقريبًا، وإذا كان هذا المضمون من الفكر الدينيّ، فهذا معناه أنّ الدّكتور يتّفق في هذه الآليّة مع الخطاب الديني، وأنّ تعميماته السابقة غير صحيحة. ومن ناحية أخرى لا يمكن اختزال مسألة العلاقة بين الوحي والعقل، أو العقل والنقل، بالشكل الذي طرحه الدّكتور أبو زيد، واتّخذ منه متراسًا للهجوم على خصومه الفكريين.
وأختم بملاحظتين على طريقة تعاطيه مع مسألة الحاكميّة:
1. يُلحظ في طريقة تعاطي الدّكتور نصر مع مسألة الحاكميّة غلبة الأيديولوجي على حساب المعرفي، فقد تركت الخلفيّة العَلمانيّة أثرها في
مجمل الرؤية التي قدّمها لمسألة الحاكميّة، ودور النصّ وتاريخيّته ومجاله، وحصر التحاكم إلى النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم في النّزاعات الشخصيّة، دون النّزاعات الكبرى السياسيّة والاجتماعيّة!
2. جنح الدّكتور في أكثر من مورد، إلى محاكمة النوايا، وتفسير خبايا النفوس عند تفسيره لتبنّي بعض رجال الخطاب الديني مقولة الحاكميّة. مع أنّ الخوض في النوايا، وخبايا النفوس، يفقد البحث قيمته العلميّة والمعرفيّة، وينقله لصالح الأيديولوجي، فضلًا عن افتقاد هذا الخوض الوسيلةَ المُثبِتة، لأنّ الخبايا لا يطّلع عليها إلّا علّام الغيوب.
المدّعى الأساس في هذا المنطلق: أنّ المفاهيم التي تُطرح عبر منطوق النصوص الدينيّة تاريخيّة، وتاريخيّة النصّ نتيجة لتاريخيّة اللّغة التي صيغ بها. قال الدكتور: «إنّ النصوص دينيّةً كانت أم بشريّةً محكومةٌ بقوانين ثابتة، والمصدر الإلهي للنصوص الدينيّة لا يخرجها عن هذه القوانين؛ لأنّها تأنسنت منذ تجسّدت في التاريخ واللّغة، وتوجّهت بمنطوقها ومدلولها إلى البشر في واقعٍ تاريخيّ محدّد.
إنّها محكومةٌ بجدليّة الثبات والتغيّر، فالنّصوص ثابتةٌ في المنطوق، متحرّكةٌ متغيّرةٌ في المفهوم. وفي مقابل النّصوص تقف القراءة محكومة أيضًا بجدليّة الإخفاء والكشف».
طرح الدّكتور أبو زيد هذا المدّعى بوصفه حقيقةً واضحةً! وفي المقابل يرى الخطابُ الدينيُّ ـ كما ادّعى أبو زيد ـ : «أن النّصوص الدينيّة بيّنةٌ بذاتها، ناطقةٌ عن نفسها، هذا رغم أنّه على المستوى النظري ـ خاصّة حين يحاور الشباب ـ يبدو مدركًا للفاصل الزمني واللّغوي بين عصر النصّ وبين العصور
التالية، وما يثيره ذلك وَحده من إشكاليّاتٍ في الفهم والتأويل تؤدّي إلى خلافاتٍ لا مجال لتجنّبها».
والملاحظ هنا:
1. تقدّم أن الدّكتور يعدّ الدين هو النّصوص، وإذا كانت النّصوص تاريخيّةً في منطوقها، فالدين تاريخيّ بلا إشكال، فالنتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين.
2. إذا عدَّ بعضُ الكتّاب الإسلاميين النّصوصَ الدينيّةَ بيّنةً بذاتها، فهذا لا يسوّغ تعميم الدعوى لكلّ الخطاب الديني، وطرحها بشكلٍ يفهم منه المتلقّي أنّ الخطاب الديني بتيّاراته المختلفة يقبل ذلك! ألم يقل القرآن الكريم إنّ هناك آيات محكمات هنّ أم الكتاب وهناك متشابهات! فأيّ باحثٍ يرفض أنْ تكون بعض آيات القرآن محكمةً وبعضها متشابهة!
وفي علم الأصول قسّموا الدلالة إلى ثلاثة أقسام: صريحة وظاهرة ومجملة، ولا يوجد من يدّعي أنّ (كلّ النصوص الدينيّة بيّنةٌ بذاتها). ولو كانت (كلّ) النصوص بيّنةً بذاتها لما وجدنا الاختلاف في الفَهم والاستنباط، وتفسير القرآن الكريم، ولما بقيت حاجةٌ إلى الأبحاث الدلاليّة ومباحث الألفاظ، وأبحاث الظهور في علم أصول الفقه! لكنّها سيرة الدكتور في إطلاق الدعاوى الإنشائيّة، والتعميمات دون مبرّرٍ موضوعيّ!
لا شكَّ في أنّ لغة الدين عامّةً هي من سنخ لغة البشر، ولا توجد لغةٌ خاصةٌ بالدين بمعزلٍ عن واقع اللّغة الإنساني، فقد اعتمد النصّ الديني كتابًا وسنّةً قوليّةً على المؤدّى المباشر للمفردات والتراكيب اللغويّة العربيّة، والتي تتّسم إجمالًا بالوضوح، والبيان، وإنْ شابها في موارد ملابساتٌ وإشكاليّاتٌ لأسبابٍ ذاتيّةٍ أو عرضيّة، إلّا أنّ هذه كلّه لا يسلب صفة الوضوح والبيان عن لغة النصّ الديني.
وسيأتي في عنوان (معضلة النصّ القرآني) عرض هذه الإشكاليّة بنحوٍ أوفى.
3. من الغريب أن الدّكتور الذي يدّعي العقلانيّة، ويعدّ العَلمانيّة التأويل العلمي للدّين يستعين بالرؤية الصوفيّة لابن عربي في معالجة إشكاليّة نُدرة النصّ الصريح رغم أنّها ـ أي الرؤية الصوفيّة ـ لا تمتلك مبرّراتٍ عقليّة! وعلى خلاف المزاج الثقافي الذي ينتمي إليه أبو زيد.
ثُمَّ ذكر الدّكتور نصر، وقال: «والفاصل الزمني على أهميّته وأهميّة الإشكاليّات التي يثيرها، ليس هو المشكل الوحيد، فاللّغة في النصوص ولو كانت معاصرةً للقارئ ليست بيّنةً بذاتها؛ إذ يتدخّل أُفق القارئ الفكري والثقافي في فهم لغة النصّ، ومن ثم في إنتاج دلالته. ولعلّه من قبيل التكرار المهم أن نستدعي قول الإمام علي: «اَلْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ»، أو نستدعي قوله الذي سبق الاستشهاد به: «اَلْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ دَفَّتَيْنِ لاَ يَنْطِقُ وَ إِنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ اَلرِّجَالُ». ولكن الخطاب الديني يُخفي من التراث هذا الجانب المهمّ والخطير في فهم طبيعة النصّ، وهو الفهم الذي سمح بالتعدّدية».
ولكن هل النصوص غير ناطقة، وأنّ الإنسان هو الذي يتدخّل في إنتاج دلالتها، ويؤثّر أفق القارئ الفكري، والثقافي في فهم لغة النص بالشكل المتطرِّف الذي ادّعاه الدكتور أبو زيد؟
في مناقشة ذلك نورد الأمور الآتية:
1. لا نسلّم أنّ النصوص صامتة لا تنطق ولا تتحدّث دلاليًّا. وأغرب من ذلك القول بأنّ القارئ والمتلقّي هو الذي يخلع على النصوص المعاني
ومحمولاته المسبقة، فذلك يوقعنا في نسبيّة معاني الألفاظ، فضلًا عن إنكار الدلالات الوضعيّة التي تتسم بالثّبات النسبي. وهذا المعنى، فضلًا عن مخالفته طريقة العقلاء في تعاملهم مع النّصوص، وطريقة الحكيم في إيصال مقاصده عبر الألفاظ، يقودُ إلى لوازم عبثيّةٍ من نقض أغراض الرسالة الدينيّة، وعبثيّة نزول الدين، فالنصوص غير صامتة، كما أنّ المؤلِّف لا يموت! وفي الواقع يمثّل الاعتقاد بصمت النصّ الديني خطأً كبيرًا، وهو بدوره أوقع الدّكتور في أخطاءٍ جمّة؛ فالألفاظ أوعيةٌ لها معانيها الموضوعة لها، وهي تدلّ عليها بدلالةٍ ثابتةٍ نسبيًّا، ومن ثمَّ لا يمكن تحميلها معاني أخرى لا تناسب طريقة العقلاء في التفاهم. على أنّ العلاقة بين الألفاظ والمعاني في النصوص علاقةٌ توافقيّةٌ اجتماعيّةٌ، فما لم يتم مثل ذلك الاتفاق (وأيًّا كان سبب حصول العلاقة بين اللفظ والمعنى) لا تستقرّ العلاقة ولا الدلالة، وبفعل هذه العلاقة نفهم معاني محدّدةً من ألفاظٍ معيّنةٍ؛ إذ لا نطلق كلمة الميكروب على السائل عديم اللّون والطعم والرائحة!
نعم، النصّ وسيطٌ لغويّ ينقل مراد المتكلّم، وكلّما تقدم الزمان بالنص قد يشوبه الغموض، نتيجة اختفاء قرائن حاليّة أو مقاليّة، أو حدوث استعمالٍ جديدٍ للمفردات، ومن ثَم يصار إلى سوء الفهم، ولذلك جهد علماء أصول الفقه ومنذ عهدٍ قديم في تحليل عمليّة الدلالة، وضبط معايير ومقاييس فهم النصّ في مبحث حجيّة الظواهر.
2. أنّ الاتجاهات التأويليّة والهيرمونطيقيّة الحديثة التي ترى صمت النّصوص، لا تقصر ذلك على النصّ الديني، وإنّما يشمل هذا الصمت كلّ نصٍّ، ومن ثمَّ يكون الفكر الديني نفسه خاضعًا لقاعدة صمت النّصوص؛ إذ من الواضح جدًا أنّ المعرفة الدينيّة وفهم الباحث للدّين، إنّما يُنقلان بوساطة النصوص والألفاظ والعبارات، وبما أنّ النّصوص والعبائر صامتةٌ غرثى متعطّشة للمعاني بمقتضى تلك القاعدة التأويلية؛ لذا تكون المعرفة الدينيّة
صامتةً غرثى متعطّشة للمعاني، وعند ذلك لا يصحّ التمييز بين الدين والمعرفة الدينيّة على أساس أنّ النصوص وهي الدين صامتة، وأنّ الإنسان هو الذي يخلع عليها الدلالة!
3. حين قال الدّكتور: «يتدخل أفق القارئ الفكري والثقافي في فهم لغة النص، وفي إنتاج دلالته»، فهو يخلط بين أمرين: الأدوات والوسائل، والأحكام القبْلية؛ لأنّ بعض المعارف ليس لها أيّ دورٍ سوى ما تمثّله من أداتيّةٍ ووسيلةٍ في فهم محتوى النصّ الديني، ولا تسهم بأيّة حالٍ في تشكيل محتوى النصّ. وتتمثّل هذه الأداتيّة في قواعد المنطق، وقواعد العقل البديهيّة، والقواعد العقلائيّة في التخاطب والتفاهم وإيصال مراد المتكلم، وكذلك الحال بالنسبة إلى بعض قواعد علم أصول الفقه وعلوم اللغة. فهذه العلوم جميعًا تمثّل أدوات ووسائل يستعان بها من أجل إدراك محتوى النصوص الدينيّة والخطابات الشرعيّة، ولا يمكن من دونها الوصول إلى معرفة مراد المتكلم. ومن ثمّ تحتاج الممارسة البحثية في الدين هذه الأدوات ولا تستغني عنها، وهي وإنْ كانت تقع في رتبةٍ سابقةٍ على الممارسة البحثيّة في الدين، إلّا أنّها لا تشكّل قبليّاتٍ بالمعنى المذموم؛ لأنّ القبليّات المذمومة هي الأحكام المسبقة. أمّا الأدوات والوسائل، فلا يمكن مطالبة الباحث الديني أنْ يفرّغ ذهنه منها، وأنْ يواجه النصّ الديني بذهنٍ عامّي خالٍ؛ لأنّها مطالبةٌ عبثيّةٌ ولا معنى لها.
نعم، الباحث في الشأن الديني، بل في كلّ الشؤون المعرفيّة، مطالبٌ بتفريغ ذهنه من الأحكام المسبقة، التي تسهم في صياغة محتوى النصّ وفق رأي المفسِّر وقناعاته المسبقة، وهذا المعنى هو الذي وردت فيه النصوص الناهية عن تفسير القرآن بالرأي. فهي تنهى عن تفسير القرآن بالقناعة المسبقة والأحكام القبليّة، دون التفسير المسبوق الأدوات، والبديهيّات العقليّة، والقضايا العقلائيّة، والدلاليّة.
من النّصوص اللّافتة في كلمات أبو زيد في هذا المجال، أعني فيما يرتبط بالنصّ الديني، ما ذكره في أنّ فهم الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم لا يطابق الدلالة الذاتيّة للنصّ الإلهي، إذ قال: «ومن الضروري هنا أن نؤكّد: أنّ حالة النصّ الخام المقدّس حالةٌ ميتافيزيقيّةٌ لا ندري عنها شيئًا، إلّا ما ذكره النصّ عنها، ونفهمه بالضّرورة من زاوية الإنسان المتغيّر والنسبي، النصّ منذ لحظة نزوله الأوّلى أي مع قراءة النبيّ له لحظة الوحي، تحوّل من كونه نصًّا إلهيًّا، وصار فهمًا نصًّا إنسانيًّا؛ لأنّه تحوّل من التنزيل إلى التأويل. إنّ فهم النبي للنص يمثّل أولى مراحل حركة النص في تفاعله بالعقل البشري، ولا التفات لمزاعم الخطاب الديني بمطابقة فهم الرسول للدلالة الذاتيّة للنصّ، إنّ مثل هذا الزعم يؤدّي إلى نوعٍ من الشرك من حيث إنّه يطابق بين المطلق والنسبي، وبين الثابت والمتغيّر، حين يطابق بين القصد الإلهي والفهم الإنساني لهذا القصد ولو كان فهم الرّسول. إنّه زعم يؤدّي إلى تأليه النبيّ، أو إلى تقديسه بإخفاء حقيقة كونه بشرًا، والتركيز على حقيقة كونه نبيًّا».
إنّ هذا النصّ من أكثر النّصوص غرابةً؛ لأنّه:
1. ما المقصود من الدلالة الذاتيّة للنصّ؟ هل يراد بها اتّجاه الصيْمري الذي ادّعى أنّ دلالة الكلمات على معناها دلالةٌ ذاتيّةٌ طبيعيّة، بغير جعل جاعلٍ ولا اعتبار مُعتبِر، ولا يمكن مِن ثَمَّ تعليلها بأيّ شيءٍ خارج ذاتها! ومن الواضح أنّ هذا التوجه مرفوضٌ من غالب الباحثين الذين خاضوا أبحاث الدّلالة، قديمًا وحديثًا، وبكلّ توجهاتهم المعرفيّة، فليس للنّصوص دلالة ذاتيّة.
2. بعد الإيمان أنّ الألفاظ قوالب تنشأ بينها وبين المعاني علاقةٌ بسبب
لوضع، والتباني اللّغوي والاجتماعي، فحينئذٍ لا يوجد إشكالٌ في أن يتوصّل الإنسان إلى فهم القصد الإلهي الحقيقي في النصّ القرآني؛ فما دام القرآن الكريم قد نزل بلغة العرب، وجرى على ما يفهمونه من كلماتهم وتراكيبهم التي استعملها وجاراهم فيها، فأين المشكلة في أنْ يسعى الباحثون لفهم المراد الجدّي والحقيقي الإلهي، بل هو غاية المفسّرين للقرآن الكريم؛ فهم يسعون إلى فهم المداليل الجِديّة، والحقيقيّة للآيات الشريفة.
3. من اللّافت هنا ما عدّه (النصّ الخام)، ووسمه بوصفه «حالة ميتافيزيقيّة لا ندري عنها شيئًا، إلّا ما ذكره النصّ عنها». لكن ما المقصود بالنصّ الخام؟ ذكر الدّكتور في هامش الكتاب أنّ النصَّ الخام مفهومٌ يطرحه حسن حنفي كثيرًا في كتاباته ويعني به «النصّ بمعزلٍ عن أيّ تأويلٍ أو تفسير، وهي حالةٌ افتراضيّةٌ محضة، لا تختلف كثيرًا عن حالة النصّ الميتافيزيقية».
ومن الواضح أنّ النصّ الخام بهذا المعنى ليس حالةً ميتافيزيقيّة، وإنّما هو من الوجود الكتبي، أو اللّفظي. وإذا قلنا إنّ القرآن نزل بلغة العرب بألفاظها ومعانيها، ولم يجترح لنفسه طريقةً خاصّةً، ولم يجرِ على الأسلوب الرمزي، كما تدّعى بعض التوجّهات الباطنيّة والمغالية، فكيف يقال حينئذٍ: لا ندري عنه شيئًا؟! إذ الدراية باللّغة العربيّة والعلاقات الوضعيّة والعُرفيّة فيها، تستلزم الدراية بالنصّ القرآني بوصفه نصًّا عربيًّا، وإلّا انتقض الغرض من نزوله بلغة العرب. نعم القرآن في وجوده المفارِق قبل نزوله بلغة العرب على شكل ألفاظ لا ندري عنه شيئًا، وكما قال هو عن نفسه:﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيم﴾(الزخرف: 3- 4).
4. أما دعواه أنّ فهم النبيّ لا يطابق الدلالة الذاتيّة للنصّ، ففيه جرأةٌ كبيرة. وفضلًا عن الجرأة هناك خلطٌ بين الجانب الوجودي وجانب الفهم الدّلالي؛ إذ ما ذكره من الشرك وتأليه النبيّ إنّما يتصوّر لو قلنا بالمطابقة والإحاطة
الوجوديّة بين الثابت والمتغيّر، والمطلق والنسبي، وإحاطة الممكن المحدود بالواجب اللّا متناهي وجودًا، وهي إحاطةٌ ممتنعة. وأمّا فهم القصد الإلهي، والوصول إليه بوساطة الألفاظ والقوالب الجُملية التي توسّل بها الوحي الإلهي لإيصال مقاصده إلى البشر، فلا معنى لتصوّر مثل هذه اللوازم من الأساس فيها. ولستُ أدري إنْ كان يقصد بالتغيّر حتّى في الإدراك، الذي هو أمرٌ غير مادي، ومن أفعال النفس! إلّا إذا كان يبني على ماديّة الفكر والإدراك عند الإنسان! زِد على هذا، أنّ تلقّي النبيّ للوحي بلفظه ومعناه، ليس من قبيل العلم الحصولي وإنّما سنخ آخر من الإدراك.
هذه المآزق كلّها تورّط فيها الدّكتور نتيجة الارتجال، وإطلاق الأحكام من دون تأنٍّ، ودون تحقيقٍ لمجموعة مسائل مترابطة.
من الملاحظات الواضحة في مفاصل الكتاب، وتحديدًا في الفصل الأوّل منه، الانتقائيّة؛ ففي الوقت الذي انتقد فيه الدّكتور الكتّاب الإسلاميين المصريين ووسمهم بالانتقائيّة، نجده سلك هذا المنحى ومارس الانتقائيّة بصورةٍ فجّةٍ جدًّا. وأكتفي هنا ببعض الشواهد:
أ. حتّى يعزّز أبو زيد دعواه في أنّ قراءة النصّ تتأثّر بالأفق الفكري والثقافي للقارئ، ليثبت إسهام القارئ في إنتاج دلالة النصّ، ارتكز إلى نصٍّ يُنسب إلى الإمام عليّ أمير المؤمنين عليهالسلام يرتبط بناطقيّة القرآن وصمته: «إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ دَفَّتَيْنِ لاَ يَنْطِقُ وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ اَلرِّجَالُ»، حيث اكتفى به لتعزيز فرضيّته، وفي المقابل تغافل عن المقولة الأخرى المنسوبة للإمام عليهالسلام التي قال فيها: «وَكِتَابُ اَللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نَاطِقٌ لاَ يَعْيَا لِسَانُهُ». إنّ أسئلة العصور،
والأفق الفكري والثقافي للقارئ، لا تُحدّد مضمونَ الإجابة، ولا تزُق المعاني في النصوص، ولا تُنتج دلالتها، وإنّما تفتح الآفاق للقارئ والمتلقّي للنصّ ليس إلّا، ولذلك قال أمير المؤمنين عليهالسلام عن القرآن «استنطقوه»، أي هو يمتلك جواب أموركم، لكنّه يحتاج إلى الإثارة والاستنطاق. وهذا معناه عدم إمكان الاستناد لهذا النصّ وحده لتقرير قاعدة صمت النصّ القرآني، أو أن الرّجال هم الذين يُنتجون دلالته حسب خلفياتهم الفكريّة والثقافيّة؛ لأنّه قال في الحديث الآخر: «نَاطِقٌ لاَ يَعْيَا لِسَانُهُ»، لكن الدّكتور انتقى النصّ الأوّل لتعزيز فرضيّته! ويبدو أنّ التسارع، والهمّة في نقد أفكار الخطاب الديني، ممثّلًا بالمودودي وسيّد قطب، لم يتركا مجالًا لمراجعة الموقف بشكلٍ علميّ، وشامل!
ب. في سياق حديثه عن إهدار البعد التاريخي، ذكر مفهوم الجهل، وادّعى أنّ الجهل في لغة ما قبل الإسلام يعني: «الخضوع لسطوة الانفعال والاستسلام لقوة العاطفة، دون الاحتكام إلى رزانة العقل وقوة المنطق». واستشهد لمدّعاه هذا بأبياتٍ من الشّعر، كقول بعضهم:
ألا لا يجــهلن أحـــدٌ عـلينا
فنجــهلُ فوقَ جـهل الجاهلينا
وقول الآخر:
أحلامــنا تزن الجـبال رزانةً
وتخالنـا جِنًّا إذا مــا نجهلُ
واستنتج: «فالجهل هنا ينصب على السّلوك المنافي للعقل والمنطق، وهو
كما يُفهم من سياق الاستخدام في شعر ما قبل الإسلام، العدوان الذي لا سبب له ولا مُبرِّر من جهة العقل والمنطق».
أشرتُ سابقًا إلى وجه الإشكال في هذه الفكرة، وأزيد الآن أنّ الدّكتور مارس انتقائيّةً واضحة، وركن إلى عدم المتابعة؛ إذ تُوقِف أبسط مراجعة لمعاجم اللّغة التي تنقل الاستعمال الباحث على أنّ ما ذكره الدّكتور يمثّل استعمالًا لمفردة الجهل، وليس الاستعمال الوحيد، ولا المعنى الموضوع له. قال الخليل في العين: «جهل: الجهل نقيض العلم، تقول: جهل فلان حقّه، وجهل علَيَّ، وجهل بهذا الأمر. والجهالة أنْ تفعل فعلًا بغير علم. والجاهليّة الجهلاء: زمان الفترة قبل الإسلام». وقال ابن فارس في معجم مقاييس اللّغة: «جهل: الجيم والهاء واللّام أصلان أحدهما خلاف العلم، والآخر الخفّة وخلاف الطمأنينة. فالأوّل الجهل نقيض العلم، ويقال للمفازة التي لا علم بها مجهل. والثاني قولهم للخشبة التي يُحرّك بها الجمر مجهل، ويقال استجهلت الريحُ الغُصن إذا حرّكته فاضطرب..». وقال الرّاغب في المفردات: «جهل: الجهل على ثلاثة أضرب، الأوّل: وهو خلو النفس من العلم، وهذا هو الأصل.. والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه. والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقّه أن يُفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا، أو فاسدًا».
وهذا المعنى واضح جدًّا في قواميس ومعاجم اللّغة في أبسط مراجعة، وقد تضمّن الشّعر الجاهلي مفردة الجهل بهذا المعنى، قال زهير بن أبي سلمى:
فأقبلتُ في السّاعين أسألُ عنهم سؤالكَ بالشيءِ الذي أنتَ جاهلُه
وفضلًا عن ذلك، فالجهل بمعنى الخضوع لسلطة الانفعال يرجع في
حقيقته إلى عدم العلم؛ إذ من جهل تعدّى طورَه وتجاوز الحدود. وكثيرًا ما حلّت المصائب بالبشر نتيجة الجهل بحقيقة الأفعال، ونتائجها ومآلاتها، رغم صدورها من أفراد يحملون عناوين برّاقة!
زِد على هذا، لو قمنا بعملية استقراء في القرآن الكريم لاستعمال مفردة الجهل، نجد الآيات أرجعت كلّ السّلوكيّات والموبقات الفرديّة والجماعيّة، والتجاوزات والعدوان، والاعتقادات الشركيّة والوثنيّة، إلى الجهل بمعنى عدم العلم والمعرفة، وعلّلتها به، وهاك نماذج منها:
ـ في مجال الشذوذ الجنسي:﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)(النمل: 55)، فهنا وصف إتيان الذكور عبر الفعل الشاذ وهو سلوك، بالجهل.
ـ وفي العلاقات غير الشرعيّة: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ)(یوسف: 33).
ـ وعن العقائد والطلبات المزاجيّة: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ)(البقرة: 118).
ـ وعن العصبيّة: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ)(الفتح: 26).
وغيرها من الموارد التي عرضها القرآن الكريم، ويمكن الوقوف عليها بأدنى مراجعة. فللجهل تأثيرٌ خطيرٌ وهو مصدر الشّرور؛ لذلك كان من أهم أهداف بعثة الأنبياء عليهمالسلام اجتثاث جذور مرض الجهل من المجتمع، ومن دون علاج هذا الوباء الفتّاك الذي قد يتمظهر بأشكال برّاقة، لا يمكن أنْ تسود القيم الدينيّة والإنسانيّة، (رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)(الجمعة: 2).
نعم، لا يعني الجهل بالضّرورة أن يكون الإنسان غير متعلّم، أو غير متوفّر على معلوماتٍ نظريّة، فقد يتّخذ الجهل صورةً ثقافيّة، ويكون على شكل
تنظيرٍ ومقولاتٍ، ولكنّها جاهليّة! وما أشدّ الجاهليّة وأكثر الجهل الذي انتشر في عصرنا تحت مسمّيات التمدّن، والتحرّر، والثّقافة! وفذلكة الموقف: أنّ الدين يوم جاء بمنظومته أراد من البشر أن ينقادوا إليه على مستوى الفكر والعمل، وعدّ كلَّ أخذٍ وتلبّسٍ بفكرةٍ وعملٍ مخالفٍ جاهليّةً وجهلًا؛ ولهذا وصف القرآن طائفةً من المسلمين بالجاهليّة في أعقاب معركة أُحد بسبب تصوّراتهم المغلوطة: (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ، وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)(آل عمران: 154)، فالظنُّ بالله على غير الحق ظنٌّ جاهليّ. وهو السّبب في وصف الآخذ بالطاعة متقدّمًا والعاصي متأخّرًا: (لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ)(المدّثر: 37)، فالتأخّر والتقدّم في اللحاظ القرآني وصف لجهة الإعراض والأخذ بالمعارف والتعاليم الإلهيّة.
ج. حتّى يؤكّد أبو زيد دعواه في أن للنّصوص الدينيّة مجالات فعّاليتها الخاصّة، وأنّ ثمّة مجالات أخرى تخضع لفاعليّة العقل البشري والخبرة الإنسانيّة، وأنّ الخطاب الديني يعمل على مدّ فعّالية النّصوص إلى كلّ المجالات! ذكر أنّ الخطاب الديني يتجاهل الفروق بين المجالات والتي صيغت في مبدأ: (أنتم أعلم بشؤون دنياكم!).
وفي هذا المورد تحديدًا، نجد تعانقًا بين الانتقائيّة وبين غلبة الأيديولوجي على حساب المعرفي؛ فلأنّ هذه المقولة المزعومة تناسب نظرةَ أبو زيد للنبوّة، وتلائم الإطار العَلماني، استعان بها واتخذها كأمرٍ مُسَلّمٍ غير خاضع للنقاش في ثبوته التاريخي، ومضمونه ولوازمه، ولم يعمل فيها مبضع التدقيق الذي مارسه في النّصوص الروائيّة عند حديثه عن النصّ في منطلقات الخطاب الديني! بل نجد اليقين الذهنيّ والحسم الفكريّ الذي عدَّه من آليّات الخطاب الديني!
ولستُ أدري هل كان آحاد معاصري النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم يعرفون حاجة النخيل
إلى التأبير، وهو يجهل ذلك -حاشاه- رغم كونه ابن البيئة العربيّة؟ وإذا كان النبيّ يعرف أنّ الآخرين أعلم منه في شؤون الدنيا فَلِمَ تدخّل في أمورٍ لا تعنيه وليست من اختصاصه؟ ألم يكن ملتفتًا إلى أنّ الناس تطبيقًا لقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(الحشر: 7)، يهتمّون بكلّ كلمةٍ تصدر عنه ويرتّبون عليها الأثر؛ لعلمهم أنّه:(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم: 3-4)؟ ولِمَ يُعرِّض النبيّ الناسَ إلى الضّرر الجسيم لعدم خبرته بهذه القضايا، ثم لا يَضْمنُها لهم؟! ألم يأمر النبيّ - كما في الخبر الصحيح في كتب أهل السنّة - عبدَ الله بنللّٰه بن عمرو بن العاص بأن يكتب كلّ ما يسمعه منه، حيث أوْمَأ بأُصبعه إلى فِيهِ وقال: «اُكْتُبْ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ». فكيف يتناسب هذا مع ذاك؟!
والحقّ، أن الدّكتور نصر ليس أحسن حالًا من جورج طرابيشي نظيره في الخطاب العَلماني، الذي جعل هذه المقولة الزائفة دليلًا على وجود بذور العَلمانيّة في الإسلام! ولا أحسن حالًا من عبد الكريم سروش الذي اتّخذ منها ذريعةً لتأييد مدّعاه في جهل النبيّ بعلوم عصره، وجعل من سكوت بعض العلماء والمسلمين لقرونٍ عن هذه الروايات، ومعايشتهم لها، أداةً للقول بعدم منافاة هذا الاعتقاد للإيمان والنبوّة!
هذه عيّنةٌ من موارد هي شواهد على انتقائيّة الدّكتور نصر، وكيفيّة تعامله مع المسائل بتبسيط! وكيف اهتم بمقولة هي وفق رؤيته من «النّصوص الفرعيّة»، التي (خضعت لآليّات الانتقال الشفاهي)، وفيها «إشكاليّة أكثر
تعقيدًا»، وهي أقرب إلى «مجال النّصوص التفسيريّة من حيث إنّها رُويت بالمعنى لا بلفظ النبيّ»، إضافة إلى «ما هو معروف من أسبابٍ وملابساتٍ كثيرةٍ أدّت إلى الزيادة في جسد الحديث بالوضع والانتحال». لكنّه مع هذا كلّه عاملها بيقينٍ ذهنيّ، وحسمٍ فكريّ، متجاوزًا كلّ الشِّعارات التي حشرها في كتابه حشرًا، والتي حدّثنا فيها عن ضرورة «الإبداع لا مجرّد الاجتهاد، والاكتشاف لا مجرّد ترديد أقوال القُدماء»!
هو التناقض الصارخ في الخطاب العَلماني، الذي يعلن تشكيكه بالحديث النبوي، وعدم وثوقه بروايته، لكنّه يتلقّف منه ما يُناسب آيديولوجيّته، ومنطلقاته الفكريّة، في توجّهٍ نفعيٍّ صارخٍ!
ابتدأ الدّكتور نصر حامد الفصل الثالث بتأكيد أنّ الفكر الديني، شأنه شأن أيّ فكرٍ بشري، هو نتاجٌ طبيعي لمجمل الظروف التاريخيّة، والحقائق الاجتماعيّة لعصره. وعدّ أنّ الفكر الجدير حقًّا باسم الفكر هو الفكر الإيجابي، الذي يتصدّى لحقائق العصر الذي ينتمي إليه بالتحليل، والتفسير، والتقويم.
من المهم هنا التأكيد على قبول هذه الفكرة على وجه الإجمال، أي بنحو الموجبة الجزئيّة بتعبير أهل المنطق، لكن هذا الادّعاء الكبير في كلام الدّكتور، وبهذه السِّعة والشمول يحتاج إلى إثبات، وإثبات هذه القضية الكليّة له سبيلان:
إمّا عبر الاستقراء التام، وهو شبه مستحيل ومتعذّر. وإمّا عبر البرهان العقلي القائم على أساس الضّرورة والملازمة، وهذا بدوره (بهذا الشكل)
ليس موجودًا، ويخلو كلام الدّكتور نصر من الأمرين معًا. ويبدو أنّه لا يجد نفسه ملزمًا بمثل هذا التدليل؛ لأنّ القضية وفق دعواه أصبحت «في حكم الحقائق المسَلَّم بصحتها، والتي كافح رواد النهضة والتنوير طويلًا من أجل إقرارها، وتثبيتها في تربة ثقافتنا»!
نعم، الحقيقة مقدّسة، ويفترض بالجميع مراعاة هذه القداسة، وإذا كان الدّكتور نصر يدّعي أنّ الفكر الديني المعاصر أخفى هذه الحقيقة، وأهال عليها تُراب النسيان، لحساب (إطلاقيّةٍ تقاربُ حدودَ القداسةِ ينسبها إلى نفسه بطريقة غير مباشرة)، فقد وقع في الشراك ذاته، وفيما نعاه على الفكر الديني، ونسبَ القداسةَ إلى نفسه بشكلٍ مباشر! فأيّ قداسةٍ أوضح من تقرير مدّعاك بوصفه من الحقائق المُسلًّم بها! أليست الحقائق مقدّسة؟
في سعي إلى احتكار الحقيقة المقدّسة، والهجوم على مناوئيه في الخطاب الديني، وتعزيز خطابه العَلماني، اتخذ الدّكتور نصر حامد من فكرة الأسلمة سلاحًا للنفخ في متبنّياته. والأنسب إثبات كلامه: «نشير إلى مظاهر الإطلاقيّة والقداسة في المحاولات التي تُبذل في شكل مؤتمراتٍ وندواتٍ ولقاءاتٍ ومؤلّفات، موضوعها جميعًا ما يطلقون عليه اسم (الأسلمة)، في جميع مجالات النشاط الإنساني.
وإذا كانت الدعوة إلى أسلمة القوانين بالاحتكام إلى الشريعة الإسلاميّة أمرًا مفهومًا في سياق تاريخنا الثقافي، رغم الخلاف حول مجالات التطبيق وآليّاته، فإنّ الدعوة إلى أسلمة العلوم والآداب والفنون، دعوةٌ ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب. إنّها دعوةٌ تؤدّي إلى تحكيم الفكر الديني الخاضع لملابسات الزمان والمكان والموقف الاجتماعي في مجالاتٍ فكريّةٍ، عقليّةٍ إبداعيّة، لم تتعرّض
لها النّصوص الدينيّة، وإنْ حاول الفكر الديني دائمًا بطرقٍ تأويليّةٍ ملتويةٍ أنْ
يستنطق النّصوص الدينيّة، بما يراه في المجالات المشار إليها».
يثير هذا النصّ مجموعةً من المسائل والإشكاليّات، وجريًا على طريقتنا في هذا المضمار النقدي، نتوقّف عندها على شكلِ ملاحظات مكثّفة:
1. بدايةً نسجّل تحفّظنا على مشروع أسلمة العلوم الذي بدأت بواكير صَرْعَتِه منذ عقود، وعُقدت لأجله مؤتمراتٌ وصدرت مقرّراتٌ ومؤلّفاتٌ ودوريّات. وينطلق تحفّظنا من فكرةٍ منهجيّةٍ تتمثّل في أنّ العِلم كائنٌ محايدٌ لا يتحيّز إلى دينٍ أو مذهبٍ أو جماعة، وهو يبتغي كشف ضرورات الواقع، وأحكام التكوين والطبيعة، وفق أساليب ومناهج معيّنة. وفي المقابل لم يتّخذ الإسلام عقيدةً وشريعةً موقفًا رسميًّا من كشف ضرورات الواقع التكويني، ولم يطرح تفسيراتٍ نهائيّةً للمعرفة والكونيّات؛ ولذلك نرفض ما يعرف بالمنطق الإسلامي، والإبستمولوجيا الإسلاميّة، وعلم الاجتماع الإسلامي، وعلم النفس الإسلامي.
نعم، قرّر الإسلام مجموعة أصولٍ وضوابط في التعامل مع الاجتماع البشري، والنفس الإنسانيّة، لكنّها ليست علومًا، وإنّما تمثّل وجهته في كيفيّة تدبير المجتمع وتربية الإنسان بما ينسجم مع رؤيته لطبيعة الوجود والحياة؛ لذلك ميّز الفقيه والمفكّر السيّد محمّد باقر الصّدر مقدّمة كتابه القيّم اقتصادنا، بين المذهب الاقتصادي في الإسلام، وبين علم الاقتصاد، والمدّعى وجود مذهب اقتصادي في الإسلام، وليس علم الاقتصاد.
وعلى كلّ حال، فأسلمة العلوم هدف عند طيفٍ من الباحثين في الشأن الديني، ومهما ذكروا له من مبرّراتٍ وضرورات، يبقى موقفًا اجتهاديًّا لهم، رغم خطئه، وابتلائه بتحميل النّصوص الدينيّة ما لا تحتمله، وتورّطه بالتأويل
وهو قاعدة الاستثناء، ولا يمكن بالمحصّلة الحديث عنه بإطلاقية، بوصفه عنصرًا مشتركًا بين كافة التوجهات الإسلاميّة!
2. من الغريب أنّ الدّكتور نصر وسَم الفكر الديني بالخضوع لملابسات الزمان والمكان، وسكت عن الآداب والفنون، وكأنّها من ضرورات التكوين وحقائق العلوم غير الخاضعة للزمان والمكان! والحال أنّ الفنون والآداب تتأثّر بالمزاج الثقافي والقيمي السائد في المجتمعات، فَلِمَ جاز للدّكتور أنْ يتعامل مع الفن والآداب بإطلاقيّةٍ مرتفعةٍ على الزمان والمكان، لكنّه تعامل مع الفكر الإسلامي بوصفه خاضعًا لملابسات الزمان والمكان! وإذا كان يحقّ للآخرين تصدير أحكامهم القيمية ورؤاهم عبر الفن والأدب، فلِمَ لا يسوغ لنا أن نضمِّن الفن والأدب رسالتنا في الحياة، ورؤيتنا للإنسان والاجتماع!
وإذا كان الأدب هو تعبيرٌ إنسانيٍّ عن الهواجس والعواطف، والأفكار والخواطر، شِعْرًا ونَثْرًا وبكلّ أشكال النثْر؛ فمثل هذا التعبير يناسب كلّ مضمونٍ ومادّةٍ، وبصرف النظر عن توجّه صاحبه والتزامه الديني من عدمه. وأين المشكلة في أنْ يعبّر المسلمُ عن هواجسه وعواطفه وأفكاره نثرًا وشعرًا منضبطًا بالأحكام القيميّة الدينيّة! وأنْ يتّخذ من الفنون خير وسيلةً لإيصال محتواه الداخلي الإيماني ورؤيته العَقديّة! ويبدو أنّ المشكلة في الالتزام الديني نفسه، فالمطلوب أنْ تتفلّت هذه المجالات من الضوابط والقيم، وتكون محكومةً بقانون الهوى وما يُراد ويُشتهى فقط!
وإذا كان الدين من المكوّنات الأساس في المجتمع والحياة، ولا يمكن لأيّة قوّةٍ عزله أو فصله عنهما، فالمفروض أنْ ينعكس الدين بقيمه وتعاليمه وعقيدته في الفنّ؛ لأنّ الفنّ كما يقولون انعكاسٌ لحياة الناس. والحقّ لا قيمة للفنّ، كلّ فنّ، ما لم يوظّف في خدمة الأفكار والقيم، ولا قيمة للفنّ ما لم يُشخّص مشاكل الواقع الحياتي للإنسان على مستوى الأفكار، وعلى مستوى السّلوك، وما لم يحاول معالجتها عبر الوسائل الفنّية. ولا قيمة للفنّ ما لم
يكن معبّرًا عن هويّة المجتمع. أمّا الفنّ من أجل الفنّ، أو الفنّ الذي يستهدف أوّلًا وآخرًا إبراز الجسد في مفاتنه، وتقديم العلاقات الجنسيّة غير المشروعة بوصفها واقعًا من أجل سلب المهابة عنه، وكسر الحاجز القيمي والحساسيّة الأخلاقيّة في المجتمع تجاهه، فمثل هذا العمل لا يعبّر عن الفنّ، وغاية ما يمثّله الهبوط في الأداء، والانسلاخ عن القيم والأخلاق. ولا شكّ في أنّ الفنّ وسيلةٌ بليغةٌ في التبليغ، وإيصال الرسائل الهادفة والهادية للإنسان.
وإذا كانت هناك مشكلة مع نمطٍ من التيارات المتطرّفة في تعاملها مع الفنون والآداب، فهذه المشكلة لا تُسوّغ هذا الخطاب الإطلاقي، والوقوع في شراك مغالطة التعميم.
3. من اللّافت أنّ الدّكتور جعل من المدّعى برهانًا! إذ لا شك في أنّ نصر حامد وهو يكتب هذا المقطع كان أمينًا لإيمانه العَلماني، فهو يصدر من الرؤية التي ترى أنّ هذه المجالات من فاعلية العقل الإنساني، وليس للدّين موقفٌ منها، أو لم تتعرّض لها النصوص الدينيّة. ومن الواضح أنّ هذه النقطة بالتحديد هي موضع الخلاف بين العَلماني والمتديّن، فكيف تُجعل الدعوى برهانًا، والنتيجة مقدّمةً؟!
على أنّنا لو افترضنا عدم تعرّض النّصوص لها بنحوٍ واضح، وبعناوينها، فلا يلزم منه عدم إمكان استنباط حكمها من النّصوص الشرعيّة، اعتمادًا على أدلّةٍ لفظيّةٍ مطلقة، أو عامّة، أو على أقل تقدير تمسّكًا بقواعد الإباحة والحلّية والبراءة. أو المطلوب أنْ يكون سلوك الإنسان في الحياة بعيدًا عن موقفه الإيماني، وما يتطلّبه من رعاية ضوابط الشريعة؟!
ولستُ أدري لِمَ جاز للدّكتور أنْ يمارس كلّ أشكال التأويل للدّين ونصوصه، وفق الرؤية التي يصدر عنها، فشرّق وغرّب، ولكن لا يجوز في المقابل للفكر الإسلامي، وباحثيه، استنباط حكم هذه المجالات من النصّ الشرعي، وإذا ما حاولوا وسَمنا ذلك بـ(طرق تأويليّة ملتوية)!
وفي الواقع، أنّ كلَّ شيءٍ اعتبره الدّكتور نصر هِنةً، أو عابَه على الخطاب الديني الذي دخل معه في صراع، قد وقع فيه نفسه، ولم يسلم من إشكاليّاته!
ذكر الدّكتور نصر بعد كلامٍ طويلٍ، وقال: «ولعلّنا الآن أصبحنا في موقفٍ يسمح لنا بالقول بأنّ النّصوص الدينيّة نصوصٌ لُغويّةٌ، شأنها شأن أيّة نصوصٍ أخرى في الثقافة، وأنّ أصلها الإلهي لا يعني أنّها في درسها وتحليلها تحتاج إلى منهجياتٍ ذات طبيعةٍ خاصّةٍ تتناسب مع طبيعتها الإلهيّة الخاصّة. إنّ القول بإلهيّة النّصوص والإصرار على طبيعتها الإلهيّة تلك، يستلزم أنّ البشر عاجزون بمناهجهم عن فهمها، ما لم تتدخّل العناية الإلهيّة بوهب بعض البشر طاقاتٍ خاصّة تمكّنهم من الفَهم، وهذا بالضبط ما يقوله المتصوّفة. وهكذا تتحوّل النّصوص الدينيّة إلى نصوصٍ مستغلقة على فهم الإنسان العادي - مقصد الوحي وغايته- وتصبح شفرةً إلهيّةً لا تحلّها إلّا قوّة إلهيّة خاصّة، وهكذا يبدو وكأنّ الله يكللّٰه يكلّم نفسه ويناجي ذاته، وتنتفي عن النصوص الدينيّة صفات الرِّسالة والبلاغ والنّور».
من الأمور اللّافتة في تعامل الدّكتور نصر حامد مع مسائل الفكر الإسلامي، أنّه يذكر أشياءً بوصفها إبداعًا توصّل إليه، وفتحًا غفل عنه روّاد الخطاب الديني أو تغافلوا، ولستُ أدري إنْ كانت هذه الظاهرة شعوريّة أو غير شعوريّة! ولا أدلّ على ذلك من النصّ الماثل أمامنا؛ فقد قرّر الدّكتور فيه شيئًا وكأنّه وِترٌ في الفكر، وأوحديٌّ في علوم القرآن وقواعد التفسير والدّلالة، والحال مغاير لذلك؛ لأنّ لُغة النصّ القرآني من المسائل التي تعرّض لها الباحثون في علوم القرآن، واختلفت فيها أنظارهم.
لا شك في أنّ القرآن الكريم جاء باللّغة العربيّة السائدة المتداولة وقت
نزوله، رغم إبداعه دلالاتٍ لمفردات من قبيل المؤمن، والمنافق، والكافر، والعرش، والكرسي. لكن هل التزم القرآن الكريم باللّغة السائدة عند عامّة العرب؟ بمعنى أنّنا حين نريد تفسير جميع المفردات والاصطلاحات القرآنيّة فلا بُد أنْ نلتزم بالمعنى اللّغوي والعرفي في عصر نزول القرآن؟ أم أنّ لُغة القرآن رمزيّةٌ وإشاريّةٌ وليست لغةً عرفيّةً عامّة؟ أو هي لغةٌ واقعيّة؟
ويتركّز البحث في لُغة القرآن حول الخصوصيّات القرآنيّة بلحاظ الكلمات والتراكيب والجُمل، فهل تدلّ المفردات والتراكيب الجُمليّة في القرآن الكريم على المعاني العرفيّة التي يعرفها الناس بحكم الوضع؟ أو تدلّ على مسمّياتٍ خاصّةٍ حقيقيّةٍ اتّبع القرآن في إيصالها الأُسلوب الرمزي والإشاري؟
وهذا البحث قديمٌ وحديث، فقد تناوله الباحثون منذ القديم، وكان محطّ اهتمام أهل اللّغة، والأدب، وعلوم القرآن، وتركوا في هذا المجال مؤلّفاتٍ وآثارًا قيّمة ومهمّة، ولا غنى عنها لكلّ باحثٍ في هذا الشأن.
وبالعودة إلى السّؤال عن لُغة القرآن قُدّمت نظريّات، منها نظريّة العرف العام، وحاصلها: أنّ القرآن الكريم لم يسلك في إيصال مفاهيمه أُسلوبًا وطريقةً خاصّة، كالفلسفي، والعرفاني، والعلمي، والرّمزي، وإنّما استعمل المفردات المتعارفة عند الناس، وسار على أساس النّظام اللّغوي الذي ألِفَه العرب. ومنها نظريّة تقول بالتركيب من عدّة أساليب. وقدّم أهل الباطن - قديمًا وحديثًا - النظريّة الرمزيّة والتأويليّة، وهناك توجّهاتٌ خاصّةٌ افترضت أنّ اللّغة القرآنيّة خاصّة بأهل البيت عليهمالسلام.
وقدّم باحثون آخرون نظريّة العرف الخاص بالقرآن الكريم، المركّبة من العرف العام مع الدّلالات والاصطلاحات الخاصّة، وهي واقعيّةٌ غير أسطوريّةٍ ولا خياليّة. وتحقيق المسألة موكولٌ إلى الدّراسات القرآنيّة.
أمّا الاتجاه المعروف بين الباحثين في هذا المجال، سنّة وشيعة، فيرفض أنْ تكون لغة القرآن رمزيّةً إشاريّة، أو خاصّةً بمجموعةٍ من الناس، ويتّخذون
موقفًا مناهضًا ومتشدِّدًا من اتجاهات الباطن والغلو، التي حوّلت القرآن الكريم إلى معمّياتٍ، ورموزٍ وإشاراتٍ، لا يفهما إلّا مَن أفاض الله عللّٰه عليه الموهبة!
وإذا كان الحال على هذه الشاكلة، فأيّ فتحٍ، أو إضافةٍ في دعوى الدّكتور: «أنّ أصلها الإلهي لا يعني أنّها في درسها وتحليلها تحتاج إلى منهجيّاتٍ ذات طبيعةٍ خاصّةٍ تتناسب مع طبيعتها الإلهيّة الخاصّة»، أو في دعواه: «إنّ القول بإلهيّة النصوص والإصرار على طبيعتها الإلهيّة تلك، تستلزم أنّ البشر عاجزون بمناهجهم عن فهمها ما لم تتدخل العناية الإلهيّة بوهب بعض البشر طاقاتٍ خاصّة تمكّنهم من الفهم، وهذا بالضبط ما يقوله المتصوفة»! فالباحثون في الشأن القرآني سنّةً وشيعةً لا يَدَّعون الأوّل، ويرفضون قول المتصوّفة، فلِمَ الإصرار على الأسلوب الموهِم للقارئ! فهل مِن التّنويرِ والتّجديدِ، وإعادةِ التأويل، إيهامُ المُتلقّي، ومجانبةُ الأمانةِ في عرْض المسائل؟!
وإذا كان بعض الباحثين قد ذكروا علمَ الموهبة، واكّدوا عليه بوصفه من شروط المفسِّر، فلا تسوغ نسبةُ ذلك إلى كلّ توجّهات الفكر الإسلامي؛ لأنّ ما يسمّى بعلم الموهبة إنْ كان من قبيل الشهود الباطني فلا يُقبل من غير المعصومين عليهمالسلام على أنّه لا يوجد معيارٌ خاصٌّ وواضحٌ لعلم الموهبة، فيمكن أنْ يدّعيه كلُّ واحدٍ لنفسه، وأنْ ينفيه عن الآخر. وما لا معيار له لا معياريّة له، ولا يُقبل بوصفه من شروط المفسِّر للنصّ القرآني.
يوقفك كلّ هذا على ما ذكرناه قبْلًا، في أنّ الدّكتور يذكر أشياءً يتصوّرها وترًا في الفكر، والحال هي من الواضحات في المعرفة الدينيّة، أو هي آراء خاصّة بأصحابها.
زِد على ذلك ما يأتي:
1. ثمّة ارتباك وتنافٍ بين نصوص الدّكتور نصر، فتارة يدّعي ويقول: «إنّ
القولَ بإلهيّة النّصوص، والإصرار على طبيعتها الإلهيّة تلك، تستلزم أنّ البشر عاجزون بمناهجهم عن فهمها ما لم تتدخّل العناية الإلهيّة بوَهب بعض البشر طاقاتٍ خاصّة تمكّنهم من الفَهم، وهذا بالضبط ما يقوله المتصوّفة. وهكذا تتحوّل النّصوص الدينيّة إلى نصوصٍ مستغلقة على فهم الإنسان العادي - مقصد الوحي وغايته - وتصبح شفرةً إلهيّة، لا تحلّها إلّا قوّة إلهيّة خاصّة، وهكذا يبدو وكأنَّ الله يكللّٰه يكلّم نفسَه ويناجي ذاتَه، وتنتفي عن النّصوص الدينيّة صفات الرِّسالة والبلاغ والنّور».
لكنّه صرّح قبل هذا النصّ، وقال: «إنّ النّصوص لا تنفك عن النّظام اللّغوي العام للثقافة التي تنتمي إليها، لكنّها من ناحيةٍ أخرى تُبدع شفرتها الخاصّة التي تعيد بناء عناصر النظام الدلالي الأصلي من جديد. وتقاس أصالة النّصوص وتتحدّد درجة إبداعيّتها بما تُحدثه من تطوّرٍ في النّظام اللّغوي، وما تحقّقه نتيجة لذلك من تطوّرٍ في الثقافة والواقع معًا. وعلى ذلك يمكن القول: إنّ النّصوص ترتبط بواقعها اللّغوي الثقافي، فتتشكّل به من جهة، وتُبدع شفرتها الخاصّة التي تعيد بها تشكيل اللّغة والثقافة من جهةٍ أخرى».
وهذان النصّان متنافيان؛ فإذا كان النصّ الإلهي - كأيّ نصٍّ آخر- قد أبدع شفرته الخاصّة، وأعاد بناء النّظام الدّلالي من جديد، فهذا يلازم تحوّله من لغة الدّلالة العامّة إلى لغة الدّلالة الخاصّة، وبعد هذا التحوّل لا يكون متاحًا لعامّة الناس مقصد الوحي وغايته، وعندها تنتفي عنه صفات الرِّسالة والبلاغ والنّور. وهكذا وقع الدّكتور في المأزق الذي هرب منه، وكرّر بصياغةٍ أخرى ما يقوله المتصوّفة، وأهل الموهبة! والباطنيّون وأصحاب الرموز!
2. أكّد الدّكتور في حديثه المذكور آنفًا قائلًا: «النّصوص الدينيّة نصوصٌ لغويّةٌ شأنها شأن أيّة نصوصٍ أخرى في الثقافة، وأنّ أصلها الإلهي لا يعني
أنّها في درسها وتحليلها تحتاج إلى منهجيّاتٍ ذات طبيعةٍ خاصّةٍ تتناسب مع طبيعتها الإلهيّة الخاصة».
وأنّ «الإصرار على طبيعتها الإلهيّة تلك، تستلزم أنّ البشر عاجزون، بمناهجهم، عن فهمها ما لم تتدخّل العناية الإلهيّة». تقدّم منا تعليق على بعض جوانب هذا الكلام، ونزيد هنا: ثمّة خلط وعدم وضوح في الحديث عن مصدر النّصوص الدينيّة. صحيح أنّ القرآن الكريم لفظًا ومعنى هو وحي الله اللّٰه النازل على قلب النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم، وأنّ دوره التبليغ والتلاوة وإيصاله إلى الناس بصريح آيات القرآن.
لكن لمّا يقال إنّ هذه النّصوص بمفرداتها وجملها وتراكيبها إلهيّة، فلا يقصد أنْ هذه المفردات والتراكيب الجُمليّة الاسميّة والفعليّة وغيرها لم تكن عند العرب، وأنّ الوحي ابتدعها وزجّها داخل لغتهم! فمثل هذا الكلام لا يدّعيه أحد؛ إذ لا إشكال في أنّ المفردات القرآنيّة عربيّةٌ ومتداولةٌ عند عرب الجزيرة، ولم يبتدعها القرآن من العدم، وإنّما جاء بالمفردات العربيّة التي انتخب أكملها وأحسنها، وركّبها في شكلٍ جعل العرب عاجزين عن مجاراته، ولا أظنّ أنّنا نحتاج إلى تنظيرٍ فلسفيّ وعقليّ محضٍ لإثبات هذا المطلب.
ومن الطبيعي حينئذٍ أننا لا نحتاج إلى نظامٍ لغويّ ودلالي إلهي حتّى نفهم النصّ القرآني، فلست أعرف مصدر هذه الملازمات المغروسة في ذهن الدّكتور نصر. وإذا كان هناك مَنْ يدّعي مثل هذه الحاجة فعهدتها عليه، وليس مُلزمًا لغيره، ولا يمكن عدّه توجّه الفكر الديني الوِتر والرسمي!
3. تقدّم عند الحديث عن النصّ في منطلقات الخطاب الديني، أن الدّكتور نصر تجرّأ على فهم النبيّ للوحي، وقال: «إنّ فهم النبيّ للنصّ يمثّل أولى مراحل حركة النصّ في تفاعله بالعقل البشري، ولا التفات لمزاعم الخطاب الديني بمطابقة فهم الرّسول للدّلالة الذاتيّة للنصّ. إنّ مثل هذا الزعم يؤدّي
إلى نوعٍ من الشرك من حيث إنّه يطابق بين المطلق والنسبي، وبين الثابت والمتغيّر، حين يطابق بين القصد الإلهي والفهم الإنساني لهذا القصد ولو كان فهم الرّسول». وإذا كان الرّسول وهو السفير الإلهي لا يفهم ما سمّاه الدلالة الذاتيّة للنصّ، فهذا ينتج ما أشار إليه الدّكتور بقوله الآخر: «وهكذا تتحوّل النّصوص الدينيّة إلى نصوصٍ مستغلقةٍ على فهم الإنسان العادي - مقصد الوحي وغايته - وتصبح شفرةً إلهيّةً لا تحلّها إلّا قوّة إلهيّة خاصّة، وهكذا يبدو وكأنَّ الله يكللّٰه يكلّم نفسه ويناجي ذاته، وتنتفي عن النّصوص الدينيّة صفات الرِّسالة والبلاغ والنّور». فأيّ قيمةٍ لنصٍّ دينيٍّ إلهيٍّ لا يفهمه السفير الإلهيّ كما هو عليه؟ والنصّ الذي لا يفهم الرّسول دلالته الذاتيّة هو شفرةٌ لا تُحلّ إلّا بقوّةٍ إلهيّةٍ، هو مناجاةٌ بين مبدع النصّ ونفسه! ولن يكون مُلزمًا للبشر، بل تنتفي عن إنزاله الغرضيّة والهدفيّة. هي لُعبة أنْ يُنزل الله نصللّٰه نصًّا لا يفهم دلالته الذاتيّة حتّى سَفيره، ثم يطالبنا بفهمه والعمل بمقرّراته! وإذا كان الدين هو النّصوص، وكانت النّصوص بشريّة، والقارئ هو الذي يُنتج دلالة هذه النّصوص وفق ما يمتلكه من أُفقٍ فكريّ وثقافي، ووفقًا لعصره وبيئته وظروف تاريخه، ولم تكن في النّصوص ما سمّاه دلالة ذاتيّة، ولم يكن حتّى فهم الرّسول يطابق القصد الإلهي، فأيّ قيمةٍ تبقى لمثل هذا النصّ (الدين)؟! ألا تعبّر مثل هذه النّصوص عن ضياع في فوضى النسبيّات يكون كلُّ شيءٍ فيها مقبولًا وصحيحًا؟
وإذا كانت كلّ القراءات ممكنةً، ونسبيّةً، فكيف يمكننا تفضيل واحدةٍ منها على باقي القراءات؟ ومَن هو الحكم والمرجِع في تحديد الصحيح والخاطئ منها، والجيّد والرديء من الفَهم؟ والحقُّ أنّ هذه الرؤية - إذا جاز إطلاق الرؤية عليها- لا تجني على النصّ الديني فقط، بل تجني على اللّغة، لُغتنا التي نتكلّم بها ونتواصل عبرها مع الماضي والحاضر والمستقبل، اللّغة التي نعبّر بها عن آلامنا وأفراحنا وهواجسنا ومشاعرنا وفكرنا، ستغدو شيئًا
(75)فارغًا لا يلدُ شيئًا ولن يلد. نعم نكون أمامَ ثرثرةٍ لا نهائيّةٍ من الادّعاء والادّعاء المضاد! وإذا كان الحال على هذه الشاكلة، فلستُ أعرف الغاية التي من أجلها كتب الدّكتور نصر (نقد الخطاب الديني)، وقدّمه لنا! فهل يمكن أنْ نصل إلى مقصده وندرك مغزاه ومراده؟
في أُخريات الكتاب أثبت الدّكتور نصًّا يستحق الوقوف عنده، قال: «ويُغفل الخطاب الديني بُعدًا آخر في النصّ الديني لعلاقة الله باللّٰه بالإنسان - خاصة الإنسان المؤمن- هي علاقة الحب، التي تنبّه لها الخطاب الصوفي وألحَّ عليها. ولسنا نريد هنا أنْ نُساجل الخطاب الديني بقدر ما نسعى إلى بلورة وعيٍّ بأنماط الدلالة في النّصوص الدينيّة».
ويجب أن نؤكّد هنا ما ذكرناه سابقًا في أنّ عنوان الكتاب يتضمّن نكهةً ضبابيّةً؛ إذ كيف ساغ للدّكتور أن يُجري مقابلةً بين الخطاب الديني وبين الخطاب الصوفي! فهل الخطاب الصوفي لا يندرج في الخطاب الديني؟ أليس المنحى الصوفي واحدًا من تيّارات المعرفة والفكر الإسلامي، بصرف النظر عن موقفنا منه، وتحفّظنا عليه منهجًا، ومفرداتٍ، وسلوكًا.
أما علاقة الحب مع الله، اللّٰه، البعد الذي أغفله الخطاب الديني! فنشير هنا إلى أنّ القرآن الكريم ذكر كلمة الحب في توصيف العلاقة بين الله تعللّٰه تعالى والإنسان مرّاتٍ عديدة، من قبيل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه)(البقرة: 165)، وقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)(آل عمران: 31)، وقوله تعالى:(يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)(المائدة:: 54)، وقوله تعالى:(وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ)(البقرة: 177)، وغيرها.
وفي المقابل، ذكر القرآن الكريم كلمة العباد في توصيف علاقة الإنسان
بالله تعالى مرّاتٍ عديدة، من قبيل قوله تعالى: (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ)(الزخرف: 68)، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ)(الزمر: 17)، وقوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ)(الزمر: 10)، وقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)(البقرة: 186)، وقوله تعالى: (وعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا)(الفرقان: 63)، وغيرها.
ولا يصح في تبليغ الدين، وبيان علاقة الإنسان بالله تعالى، التأكيدُ على علاقةٍ بعينها دون أُخرى، كما نجده هذه الأيام من سيادةِ خطاب المؤاخذة والعقاب على خطاب الرحمة والعفو عند جماعةٍ من الناس، وسيادةِ خطاب الرّحمة والعفو والمغفرة على خطاب المؤاخذة، كما تُروّج له جماعةٌ أخرى، فكما أنّ الله رحللّٰه رحيمٌ غفورٌ ودودٌ محبٌّ لخلقه هو شديد العقاب.
وإذا كان الخطاب الصّوفي - كما سمّاه الدّكتور - ركّز على علاقة الحبّ فقد أغفل في الوقت نفسه علاقةَ العبادة، والمؤاخذة، كما أغفل خطابٌ آخر علاقة الحبِّ وركّز على علاقة العبادة وإنْ كانت بلا روح.
والصحيح أن يتم التأكيد على العلاقتين وإظهارهما، إذ لا انفصال بينهما؛ فالحب يستتبع العبادة والانقياد لله تعالى. ويبقى لكلِّ مقامٍ مقال، تبعًا لاختلاف الظروف والمُتلقّي.
1.القرآن الكريم
2.الشريف الرضي، محمّد بن حسين، نهج البلاغة (صبحي الصالح)، مؤسسة دار الهجرة، قم، 1414ق.
3.ـــــــــــــــــــــ، نهج البلاغة، ضبط نصّه: الدّكتور صبحي الصالح، دار الحديث للطباعة والنشر، قم، الطبعة الثالثة، 1426هـ
4.ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد، مؤسّسة الرسالة، لبنان، الطبعة الأوّلى، 1416هـ.
5.ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللّغة، تحقيق: عبد السلام محمّد هارون، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، 1404هـ.
6. أبو زيد، نصر حامد، نقد الخطاب الديني، المركز الثقافي العربي، المغرب- بيروت، الطبعة الثالثة، 2007م.
7.الأصفهاني، الرّاغب، المفردات في غريب القرآن، ضبط: هيثم طعيمي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأوّلى، 2002م.
8.ـــــــــــــــــــــ، مقدّمة جامع التفاسير، حقّقه وقدّم له وعلّق حواشيه: د. أحمد حسن فرحات، دار الدعوة، الكويت، الطبعة الأولى، 1405هـ.
9.بدوي، عبد الرحمن، مذاهب الإسلاميين، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأوّلى، 1996م.
10.الخوئي، السيّد أبو القاسم، منهاج الصالحين، مؤسسة الإمام الخوئي، الطبعة الثانية والثلاثون، 1424هـ.
11.الرازي، فخر الدين، المحصول في علم الأصول، علّق عليه ووضع حواشيه: محمّد عبد القادر عطا، دار الكتب العلميّة، بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ.
12.السجستاني، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأوّلى، 1420هـ.
13.سروش، عبد الكريم، التراث والعَلمانيّة، البنى والمرتكزات، الخلفيّات والمعطيات، ترجمة: أحمد القبانجي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الأوّلى، 2009م.
14.ـــــــــــــــــــــ، القبض والبسط في الشريعة، ترجمة: دلال عبّاس، دار الجديد، بيروت، الطبعة الثانية، 2010م.
15.سيّد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الرابعة والثلاثون، 1425هـ.
16.السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، اعتنى به وعلّق عليه: مصطفى شيخ مصطفى، مؤسسة الرسالة ناشرون، لبنان، الطبعة الأولى، 1429هـ.
17.ـــــــــــــــــــــ، المزهر في علوم اللّغة وأنواعها، شرحه وضبطه وصحّحه وعنون موضوعاته وعلق حواشيه: محمّد أحمد بك ومحمّد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمّد البجاوي، مكتبة دار التراث، القاهرة، الطبعة الثالثة.
18.الصّدر، السيّد محمّد باقر، اقتصادنا، مركز الأبحاث والدراسات التخصصيّة للشهيد الصّدر، قم، الطبعة الأوّلى، 1424هـ.
19.ـــــــــــــــــــــ، فلسفتنا، مركز الأبحاث والدراسات التخصصيّة للشهيد الصّدر، قم، الطبعة الأوّلى، 1424هـ.
20.ضاهر، عادل، الأُسس الفلسفيّة للعَلمانيّة، دار الساقي، بيروت، الطبعة الثانية، 2015م.
21.الطبري، محمّد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1979م.
22.طرابيشي، جورج، هرطقات عن الديموقراطيّة والعَلمانيّة والحداثة والممانعة العربيّة، دار الساقي بالاشتراك مع رابطة العقلانيين العرب، بيروت، الطبعة الأوّلى، 2006م.
23.العَك، الشّيخ خالد عبد الرحمن، أصول التفسير وقواعده، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثانية، 1406هـ.
24.الفراهيدي، الخليل، العين، تحقيق: د. مهدي المخزومي، د. إبراهيم السامرائي، مؤسسة دار الهجرة، إيران، الطبعة الثانية، 1409هـ.
25.قرم، جورج، المسألة الدينيّة في القرن الواحد والعشرين، تعريب: د. خليل أحمد خليل، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الأوّلى، 2007م.
26.القزويني، محمّد بن يزيد، سنن ابن ماجة، تحقيق: بشّار عواد، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأوّلى، 1418هـ.
27.الكليني، محمّد بن يعقوب، الكافي، دار الحديث للطباعة والنشر، قم، الطبعة الأولى، 1430هـ.
28.كنسلر، كاترين، ما العَلمانيّة، ترجمة: محمّد الزناتي، جيوم ديفو، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2017م.
29.مجلّة نصوص معاصرة، مجلّة فصليّة تعنى بالفكر الديني المعاصر، السنة الرابعة، صيف وخريف 2008م.
30.معرفة، الشّيخ محمّد هادي، التفسير والمفسرون، الجامعة الرضويّة للعلوم الإسلاميّة، مشهد، الطبعة الثانية، 1425هـ.
31. مفید، محمّد بن محمّد، الإرشاد، ج1، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، قم، 1413ق
32.النيسابوري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأوّلى، 1424هـ.
33. هويدي، فهمي، القرآن والسلطان، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1999م.