فهرس المحتويات

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)

مقدمة المركز

باتت الثقافة في عصر الثورة المعلوماتيّة الهائلة والذكاء الاصطناعيّ، سلعةً رخيصةً سهلة التناول؛ ممّا أدى إلى صياغة منظومة الإنسان المعرفيّة على نحوٍ تملّ الإطالة والإسهاب، وتجنح إلى الوجبات المعرفيّة السريعة الجاهزة؛ هذا ما يُنذر بظهور الكسل المعرفيّ والضعف البحثيّ، وانزياح العقل رويدًا رويدًا عن وظيفته الأساسيّة في التفكير والتنظير لصالح التقنيّة الافتراضيّة الحديثة، مع ما لها من إيجابياتٍ، وسلبياتٍ ربما تفوق تلك الإيجابيات.

إذ بعدما تصبح الأوعية المعرفيّة الافتراضيّة متاحةً لكلّ شخص، يصبح العلم أسيرًا في دهاليز الخوارزميّات التي نسجتها الإمبرياليّة المعرفيّة والثقافيّة المهيمنة على العالم، ويكون لعبةً جوفاء لا تُنبئ عن مدى توغّل صاحبها في الحقل المعرفي المبحوث، ومدى تخصّصه فيما يكتب، ويقول، وربما لا يعدو الأمر أن يكون أوراقًا مصقولةً منمّقةً بنماذج التقنية الافتراضيّة، ومعلومات متناثرة ــ وربما موجّهة بأيدٍ خفيّة ــ جمعها الذكاء الاصطناعي من هنا وهناك، لتُعطي إجابةً سريعةً يطلبها عقلٌ خاملٌ استسلم لراحة الكسل العلمي.

من هذا المنطلق، واستجابةً لضرورة المرحلة، وحفاظًا على النشاط العلمي وأثرائه بالدراسات الجادّة والعميقة والمختصرة ارتأينا إصدار سلسلة (أوراق بحثيّة)؛ لتكون منارًا بحثيًا رصينًا، يهدي الباحثين في دروب العلم والمعرفة، وذلك من خلال تقديم كرّاساتٍ معرفيّةٍ مختصرةٍ في شتّى المواضيع العلميّة والبحثيّة.

وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الخَلْقِ محمَّدٍ وآلِهِ الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ.

(7)
(8)

 

الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (385- 460هـ)

السيرة الذاتية

ولد الشيخ الطوسي رحمه‌الله في مدينة طوس من توابع خراسان عام 385هـ، درس العلوم الدينيّة في إيران وبعدما استكمل المقدّمات والسطوح هاجر إلى بغداد للحضور عند كبار العلماء، فوردها عام 408هـ، وحضر عند الشيخ المفيد رحمه‌الله ونهل من منهله، وبعدما توفي الشيخ المفيد عام (413هـ) انتقل إلى السيّد المرتضى رحمه‌الله فحضر عنده واستفاد منه إلى أن توفّي السيّد المرتضى عام (436هـ) فأصبح هو المعتمد ومرجع الشيعة آنذاك.

تخرّج على يد الشيخ الطوسي رحمه‌الله في بغداد والنجف ثلّة من العلماء الأجلّاء، وأجاز الكثير منهم بالرواية، وقرأ بعضهم جميع مؤلّفات الشيخ عليه، وأخذ منه إجازة فيها، وما انفكّ رحمه‌الله من البحث والتدريس والتأليف طول حياته إلى أن وافته المنيّة عام 460هـ في النجف الأشرف ودفن هناك في جوار أمير المؤمنين عليه‌السلام.

قد خلّف الشيخ الطوسي تراثًا فقهيًّا وروائيًّا وكلاميًّا وتفسيريا ضخمًا، أصبح مورد استفادة جميع الأجيال وإلى يومنا الحاضر، وما يعنينا هنا الاقتصار على تراثه الكلامي، وهذا التراث وإن كان من نتاج فترة مكوثه في بغداد، ولكن بما أنّه يُعدّ الحجر الأساس للدرس الكلامي في النجف الأشرف، وبما أنّ الشيخ مؤسّس الحوزة العلميّة في هذه المدينة المباركة، نورد تراثه الكلامي ضمن تراث هذه المدرسة الكلامي.

 

(9)

مؤلّفاته الكلاميّة

كان لعلم الكلام دور بارز في الحفاظ على الهويّة الشيعيّة والدفاع عنها، لذا نراه ركنًا أساسيًّا في الدرس الحوزوي، وما انفكّ الفقهاء والعلماء من آثار كلاميّة في مختلف المواضيع ذات الأهميّة في زمانهم، وكلّما اشتدّ الخلاف العقدي والمذهبي اشتدّت الحاجة إلى علم الكلام.

وبما أنّ القرن الخامس كان مليئًا بالمجادلات الكلاميّة، قد اهتمّ علماء هذه الفترة بعلم الكلام بشكل كبير، ومنهم الشيخ الطوسي حيث ترك لنا تراثًا كلاميًّا ضخمًا وصل بعضه إلينا وفقد بعضه الآخر، وفيما يلي نورد سردًا توضيحيًّا لكتبه الكلاميّة بحسب ما هو متوفّر وموجود.

- الاقتصاد فيما يجب على العباد

ألّفه الشيخ الطوسي رحمه‌الله بطلب من بعض تلامذته، وذكره بعنوان «الشيخ الأجلّ أطال اللّٰه بقائه» حيث طلب منه: «إملاء مختصر يشتمل على بيان ما يجب اعتقاده ومعرفته، ويلزم العمل به والمصير إليه، ممّا لا يخلو منه مكلّف في حال من الأحوال، وأن أُقرّب ذلك بأدلّة واضحة، وبراهين نيّرة، لا أُطوّل القول فيها فيملّه، ولا أُقصّر عن الإتيان على الفرض فيحصر دونه، وأُتبع ذلك بما يجب العمل به من العبادات على وجه الاختصار، ممّا لا يُستغى عنه»[1].

فالكتاب يشتمل على قسمين:

قسم في العقائد وقسم في المسائل الفقهيّة، وقد حاول الشيخ فيهما رعاية الاختصار، إذ «الكتب المعمولة في الأصول والفروع كثيرة، غير أنّها مبسوطة

(10)

جدًّا أو مختصرة لا تأتي على الغرض»[1]. فحاول الشيخ حلّ هذه المشكلة بكتابه الوسطي هذا.

وقد رسم الشيخ رحمه‌الله في بداية الكتاب خارطته العامّة، إذ في الحصر العقلي يتبيّن أنّ ما يلزم المكلّف أمران: علم وعمل، ويقصد بالعلم المباحث العقديّة التي تناولها في القسم الأوّل، ويقصد بالعمل المباحث الفقهيّة الخاصّة بأعمال العباد.

والخارطة التي ذكرها الشيخ في مستهلّ كتابه كالتالي:

«الذي يلزم المكلّف أمران: علم وعمل، فالعمل تابع للعلم ومبني عليه، والذي يلزم العلم به أمران: التوحيد والعدل. فالعلم بالتوحيد لا يتكامل إلّا بمعرفة خمسة أشياء أحدها: معرفة ما يتوصّل به إلى معرفة اللّٰه.

والثاني: معرفة اللّٰه على جميع صفاته.

والثالث: معرفة كيفيّة استحقاقه لتلك الصفات.

والرابع: معرفة ما يجوز عليه وما لا يجوز.

والخامس: معرفته بأنّه واحد لا ثاني له في القدم.

والعدل لا يتمّ العلم به إلّا بعد العلم بأنّ أفعاله كلّها حكمة وصواب، وأنّه ليس في أفعاله قبيح ولا إخلال بواجب. ويتفرّع من ذلك وجوب معرفة خمسة أشياء:

أحدها: معرفة حسن التكليف وبيان شروطه وما يتعلّق به.

والثاني: معرفة النبوّة وبيان شروطها.

والثالث: معرفة الوعد والوعيد وما يتعلّق بهما.

والرابع: معرفة الإمامة وشروطها.

والخامس: معرفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(11)

وأنا إن شاء اللّٰه أُبيّن فصلًا فصلًا من ذلك على أخضر ما يمكن وأوجزه، وأُردف، بما يجب العمل به من الشرعيات على هذا المنهاج»[1].

وبخصوص الفقه يتطرّق إلى: الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد[2].

- تمهيد الأصول

ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست تحت عنوان: «شرح ما يتعلّق بالأصول من جمل العلم والعمل»[3] ويظهر أنّ غلبة عنوان تمهيد الأصول عليه جاء من قبل النجاشي، حيث ذكر ضمن تأليفات الشيخ الطوسي رحمه‌الله كتاب: تمهيد الأصول وهو شرح جمل العلم والعمل[4].

كتاب جمل العلم والعمل رسالة كلاميّة مختصرة للسيِّد المرتضى رحمه‌الله أستاذ الشيخ الطوسي، وقد طلب البعض من الشيخ شرح هذه الرسالة بالتفصيل، حيث قال: «سألتم -أيّدكم اللّٰه- إملاء شرح ما يتعلّق بالأصول من جمل العلم والعمل، وبيان أدلّته وإيضاح براهينه والإفصاح عن حججه، وقلتم: إنّ هذا المختصر قد اشتمل على جميع أصول الدين، غير أنّه من الإيجاز إلى حدّ لا ينتفع به إلّا المبرّز في علم هذا الشأن، وأنّ المبتدئ به لا ينتفع به كثير النفع إلّا بعد بيان أوضاعه، والكشف عن أغراضه»[5].

فاستجاب الشيخ لهذا الطلب، وقام بذكر أدلّة كلّ محور ومعتقد مع شرح واف لفقراته، من دون إطناب مملّ ولا إيجاز مخلّ، مع الاعتماد على أقوى الأسئلة التي ربّما تطرح على الأدلّة والإجابة عليها.

(12)

وقد بدأ كتابه بموضوع وجوب النظر حيث أهمله السيّد المرتضى، ثمّ تطرّق إلى مباحث التوحيد وبيان حقيقة الواجب وصفاته وكذلك مباحث العدل، حيث استغرقت هذه المباحث معظم الكتاب، وفي آخر الكتاب تطرّق إلى موضوع النبوّة والإمامة من دون ذكر الأصل الخامس من أصول الدين أي مباحث المعاد تبعًا لأصل الرسالة التي لم تذكر المعاد.

علمًا بأنّ النسخة المطبوعة من كتاب تمهيد الأصول والمتداولة في الأسواق ناقصة، وتنقطع من أوائل مباحث إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام.

- مقدّمة في المدخل إلى علم الكلام

سمّاها الشيخ الطوسي في الفهرست هكذا (مقدّمة في مدخل إلى علم الكلام)[1] ووصفها بأنّها لم يُعمل مثلها، ولأهميّتها قام بشرحها وذكر شرحه لها في الفهرست أيضًا، وأشار النجاشي إلى هذا الشرح وسمّاه (رياضة العقول)[2] ولأهميّتها أيضًا شرحها القطب الراوندي وسمّى شرحه جواهر الكلام في شرح مقدّمة الكلام.

أمّا المقدّمة فهي في شرح مصطلحات المتكلّمين، وما يتعلّق بمسائل لطيف الكلام وحقيقة الوجود وأعراضه وصفاته وأفعاله، وقد ألّفه الشيخ بطلب بعض من سأله «إملاء مقدّمة تشتمل على ذكر الألفاظ المتداولة بين المتكلّمين وبيان أغراضهم منها، فإنّ لهم مواضعات مخصوصة ليست على موجب اللغة، ومن نظر في كلامهم ولا يعرف مواضعتهم لم يحظ نظائر من ذلك، وإذا وقف على مرادهم ثم ينظر بعد ذلك في ألفاظهم تحصّلت بغيته وتمّت منيته»[3].

(13)
- تلخيص الشافي

كتب السيّد المرتضى رحمه‌الله كتاب الشافي في الإمامة ردًّا على القاضي عبد الجبار المعتزلي، وما قاله حول الإمامة في كتاب المغني.

وقد وصف الشيخ الطوسي كتاب أستاذه بقوله: «ورأيت كتاب الشريف الأجل المرتضى ذي المجدين... محتويًا على أكثر أدلّة أصحابنا المعتمدة، وأنّه قد بلغ في تصنيف هذا الكتاب الذروة العليا، والغاية القصوى، وأنّ كلّ ما أُلّف فعليه ينزل ومنه يأخذ وبساحته يحلّ، مع ما ضمّنه من استيفاء شبه المخالفين القديمة والحديثة، والإبانة عن وهيها بغاية ما يمكن من التلخيص، ونهاية ما ينبغي أن يكون عليه من التهذيب»[1].

ولكن رغم هذا رأى الشيخ الطوسي لزوم تلخيص هذا الكتاب وإعطاء تحرير جديد له، وذلك لعدّة أمور:

1. أهميّة موضوع الإمامة، حيث أنّها «أهمّ الأمور وأولاها، وآكد الفرائض وأحراها للمكلّف بعد النظر في طريق معرفة اللّٰه تعالى وصفاته وتوحيده وعدله[2] لأنّ الإخلال بها يوجب الإخلال بالتوحيد والعدل، لأنّها لطف للمكلّفين والإخلال بها يوجب الشكّ في العدل الإلهي.

2. إنّ علماء الشيعة وإن كتبوا الكثير عن الإمامة وردّ الشبهات، غير أنّه «قد تجدّد من شبهات القوم ما يحتاج معها إلى ترتيبات أُخر، وإلى حلّ ما استدركوه على متقدميهم: من تهذيب الطرق مع زيادات أوردوها بنا، حاجة إلى الكشف عن عوارها، والإبانة عن توهّمهم وأغلاطهم فيها»[3]. فهذا هو السبب الثاني.

(14)

3. إنّ كتاب السيّد المرتضى رغم جودته وإطرائه من قبل الشيخ -كما مرّ- غير أنّه «قد سلك مسالك المناقضين لكتب خصومهم، ومناقشتهم على جميع ما يوردونه من شبههم، ولم يقصد فيه قصد المصنّفين الذين يرتّبون الأدلّة على حدتها، ويستوفون أسئلة خصومهم عليها والجواب عنها، وإن كان قد اقتصر في أوّل كلّ فصل على ذكر الدليل والطريق، وذكر كثير من الأسئلة عليه، لكنّه لم يستوفه تعويلًا منه على ما يذكره من بعد في النقض على من نقض عليه. وإذا كان الأمر على ما وصفناه، لم يقف على هذا الكتاب إلّا من برز في العلم، ولا يستمتع به إلّا من حاز طرفًا منه، والمبتدئ لا ينتفع به انتفاع ما يوجبه مثل هذا الكتاب»[1].

4. طلب بعض العلماء من الشيخ «تلخيص هذا الكتاب، وإسقاط ما تكرّر منه، وردّ كلّ شيء منه إلى نظيره، والجمع بين متفرّقه، وترتيبه ترتيب المصنّفين»[2].

هذه العوامل دعت الشيخ الطوسي رحمه‌الله إلى القيام بتلخيص هذا الكتاب وتحريره من جديد مع بعض الإضافات المستحدثة التي لم يتطرّق إليها السيّد المرتضى، وبهذا: «لم يبق بعده من شبه المخالفين شيء إلّا ويحتوي عليه، إمّا تصريحًا بالردّ عليه والإبانة عن وهيه، وإمّا تلويحًا وتنبيهًا على ما يكون جوابًا لما لعلّه يخطر لبعض الناس من الشبه»[3].

وقد احتوى كتاب تلخيص الشافي على أمّهات المسائل المتعلّقة بالإمامة، بدأ من ضرورتها وإثباتها بالدليل العقلي والنقلي، مع ذكر أهمّ الأدلّة على إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام وردّ الشبهات وانتهاء بالإمام المهدي عليه‌السلام وغيبته.

(15)
- كتاب الغيبة

يتطرّق هذا الكتاب إلى موضوع غيبة الإمام صاحب الزمان عليه‌السلام، ألّفه الشيخ الطوسي بطلب أحد تلامذته في «إملاء كلام في غيبة صاحب الزمان وسبب غيبته، والعلّة التي لأجلها طالت غيبته، وامتداد استتاره مع شدّة الحاجة إليه وانتشار الحيل، ووقوع الهرج والمرج، وكثرة الفساد في الأرض، وظهوره في البرّ والبحر، ولِمَ لم يظهر وما المانع منه وما المحوج إليه، والجواب على كلّ ما يُسأل في ذلك من شبه المخالفين ومطاعن المعاندين»[1].

- مسائل كلاميّة

هذا الكتاب رسالة كلاميّة مختصرة أشبه بفهرسة مختصرة لأهمّ المسائل الكلاميّة، وتقع الرسالة في 34 مسألة، يبدأ الشيخ الطوسي رحمه‌الله بمباحث معرفة اللّٰه تعالى والتوحيد والصفات، ثمّ يعرج على العدل والنبوّة والعصمة، وأخيرًا مسائل الإمامة والإمام المهدي عليه‌السلام، وينتهي بموضوع المعاد، مستعينًا بأدلّة العقل والنقل.

- رسالة في الاعتقادات

وهي رسالة اعتقاديّة مختصرة، تمتاز بذكر أصول الدين الخمسة أي التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة والمعاد، ولزوم التوصّل إليها بالدليل لا بالتقليد.

ثمّ يقوم الشيخ الطوسي بتعريف مختصر لكلّ واحد من هذه الأصول ويقول: «فحدّ التوحيد هو إثبات صانع واحد موجد للعالم ونفي ما عداه، والعدل هو تنزيه ذات الباري عن فعل القبيح والإخلال بالواجب، والنبوّة هي الأخبار الواردة عن اللّٰه تعالى بغير واسطة أحد من البشر، وإنّما الواسطة ملك من الملائكة وهو جبرئيل عليه‌السلام، والإمامة رئاسة عامّة لشخص من الأشخاص

(16)

في أمور الدين والدنيا وهو علي بن أبي طالب عليه‌السلام فيكون معصومًا بنصّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، والمعاد إعادة الأجسام على ما كانت عليه»[1].

ثمّ بعد هذه التعاريف الموجوزة يقوم الشيخ بالاستدلال على ما قاله ويذكر 25 دليلًا على صحّة مدّعاه، مستعينًا بأدلّة العقل والنقل.

- رسالة في الفرق بين النبيّ والإمام

يظهر أنّ هذه الرسالة جواب لسؤال وصل إلى الشيخ الطوسي يتضمّن الفرق بين النبيّ والإمام، وهل هما يتّحدان في شخص أو يفترقان؟

يرى الشيخ الطوسي أنّ النبوّة والإمامة أمران يجوز الانفكاك بينهما ويقيم على مدّعاه أدلّة وشواهد قرآنيّة، ليقول في نهاية رسالته المختصرة هذه: «فبان هذه الجملة انفصال إحدى المنزلتين من الأخرى، وأنّ من قال إحداها يقتضي الأخرى على كلّ حال فبعيد من الصواب»[2].

- المفصح من الإمامة

رسالة مختصرة في إثبات إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام وأولاده عليهم‌السلام عن طريق النقل، كتبها الشيخ الطوسي بطلب من أحد تلامذته حيث سأله: «إملاء كلام في صحّة إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام صلوات اللّٰه عليه من جهة النصوص المروية في ذلك، وبيان وجه الاستدلال منها، وإيراد شبه مخالفينا المعتمدة على كلّ دليل، بغاية ما يمكن من الإيجاز والاختصار على حدّ يصغر حجمه وتكثر منفعته، وأن أُردف ذلك بالكلام في صحّة إمامة الاثني عشر من جهة النظر والاستدلال ومن جهة ما روي في ذلك من الأخبار المعتمدة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله [3].

(17)

حاول الشيخ سرد الأدلّة النقليّة من القرآن والسنّة لإثبات إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام، فذكر آية الولاية وحديث الغدير، ولكن للأسف لم تصل إلينا نسخة الكلام كاملة وتنتهي النسخة الموجودة إلى حديث الغدير.

- الكتب المفقودة

1. شرح المقدّمة

كتاب المقدّمة في علم الكلام من الكتب الكلاميّة المختصرة للشيخ الطوسي، ونظرًا لأهميّتها وكثرة تداولها بين الناس قام الشيخ بشرحها[1].

2. المسائل الرازية في الوعيد

أشار إليه الشيخ في الفهرست ضمن كتبه ومؤلّفاته[2].

3. المسائل الحلبيّة

ذكرها الشيخ الطوسي في الفهرست ضمن كتبه ومؤلّفاته[3]، كما أشار إليها في رسالة في الفرق بين النبيّ والإمام[4]، ويظهر أنّها في مباحث الإمامة.

4. كتاب في الإمامة

ذكره الشيخ في رسالة الفرق بين النبيّ والإمام[5]، ولم يوضّح لنا أكثر من هذا، وهل هو نفس كتاب تلخيص الشافي أو المفصح أو كتاب آخر.

(18)
5. كتاب في الأصول كبير

هكذا ذكره في الفهرست ولم يتمّه إذ قال: «خرج منه الكلام في التوحيد وبعض الكلام في العدل»[1].

6. شرح الشرح في الأصول

لم يرد اسمه في الفهرست، وذكره تلميذ الشيخ الطوسي الحسن بن مهدي السليقي حيث قال: «أملى علينا منه شيئًا صالحًا ومات ولم يتمّه ولم يصنّف مثله»[2].

وبما أنّ السليقي من تلامذة الشيخ في النجف، يظهر أنّ هذا الكتاب حصيلة جهد الشيخ الطوسي الكلامي في أخريات حياته، وللأسف لم نعثر عليه لنقارن بينه وبين سائر كتبه الكلاميّة.

7. مسألة في الأحوال

ذكرها الشيخ في الفهرست ووصفها بأنّها مليحة[3].

(19)

المنهجيّة والآراء

أوّلًا: المنهجيّة

ينتمي الشيخ الطوسي رحمه‌الله إلى الكلام العقلي الذي أسّسه الشيخ المفيد وأرسى دعائمه السيّد المرتضى رحمه‌الله ، وتأثير الشيخ الطوسي بالسيّد المرتضى أكثر من الشيخ المفيد لكثرة إرجاعاته إليه وشرحه لكتاب الجمل.

ورغم اعتماد الشيخ الطوسي على الكلام العقلي، وجعله المحور الأساس في جميع المسائل الكلاميّة، غير أنّه لا يترك سائر أدوات وآليات المنهج الكلامي العامّ، فتراه يتمسّك بالسمع والإجماع والعرف واللغة لإثبات المباحث الكلاميّة كلًّا بحسبه. وفيما يلي شرح موجز لمنهج الشيخ الطوسي وبعض تطبيقاته:

1. العقل

يعرّف الشيخ الطوسي العقل بأنّه «مجموع علوم إذا اجتمعت كان الحيّ عاقلًا، وإذا حصل بعضها أو لم يحصل شيء أصلًا لم يكن عاقلًا. والعلوم التي تسمّى عقلًا تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أوّلها العلم بأصول الأدلّة، وثانيها ما لا يتمّ العلم بهذه الأصول إلّا معه، وثالثها ما لا يتمّ الغرض المطلوب إلّا معه ... والذي يدلّ على أنّ ذلك هو العقل لا غير أنّه متى تكاملت هذه العلوم كان عاقلًا، ولا يكون عاقلًا إلّا وهذه العلوم حاصلة .... وسمّيت عقلًا لأن لمكانها يمنع من كثير من المقبحات فشبّهت بعقال الناقة التي يمنعها من السير، ولأنّ العلوم المكتسبة مرتبطة بها، ولا يصحّ حصولها دونه، فسمّيت عقلًا تشبيهًا أيضًا بعقال الناقة»[1].

(20)

فالعقل عند الشيخ هو القوّة الاستدلاليّة المودعة في جميع البشر الناشئة من العلوم والمعارف، لذا نراه عند الاستدلال على عقليّة بعض المسائل الكلاميّة، سيشهد باشتراكها عند جميع البشر مؤمنًا كان أو ملحدًا[1].

كما أنّ الأمور البديهيّة والضروريّة تسمّى عقلًا عند الشيخ أيضًا، ففي مقام الاستدلال على قبح تكليف ما لا يطاق يقول: «لأنّه مركوز في العقل ... والعلم بقبح ذلك ضروري، لاجتماع العقلاء على ذلك»[2].

وفي مقام تعارض العقل والنقل يفتي الشيخ الطوسي بعدم وجود التعارض بينهما بل «إنّ الشرع لا يأتي إلّا بما يوافق العقل، إلّا أنّ ما يقتضيه العقل على ضربين: أحدهما يعلم مفصّلًا بالعقل ولا يحتاج فيه إلى بعثة الرسل، والآخر يعلم بالعقل مجملًا فالشرع يأتي به مفصّلًا... فعلى هذا لا يخالف العقل السمع، وإنما كان منافيًا لو أثبت ما نفاه العقل أو نفى السمع ما أثبته العقل، والأمر بخلافه»[3].

فالمقدّم عند الشيخ هو الدليل العقلي لعدم تطرّق الاحتمال والاشتباه إليه، خلافًا للخبر لأنّه كلام والكلام تدخله الحقيقة والمجاز والعمل بظاهره وتركه[4] ولذا نراه يقدّم العقل على ظواهر النصّ إذا كانت مخالفة لأدلّة العقول ويقول: «الظواهر تبنى على أدلّة العقول، ولا تبنى أدلّة العقول على الظواهر»[5] ومن هنا يقوم بتأويل ما ظاهره منافيًا لعصمة الأنبياء في القرآن الكريم، لأنّ أصل العصمة أصل عقلي ثابت وضروري لا يدخله الاحتمال والاشتباه.

(21)
2. النقل

لا يقلّل الشيخ الطوسي أهميّة النقل بل يعتمد عليه كثيرًا إذ هو أساس الفقه وعماده، نعم يبقى دور النقل محدودًا في الاعتقادات، ويقتصر على ما لا طريق للعقل إليه مثل مباحث المعاد، أمّا مباحث التوحيد والعدل وإثبات أصل النبوّة والإمامة وإثبات أصل لزوم المعاد فلا يكون إلّا بالعقل، وبهذا يقول: «أمّا السمع فلا يجوز أن يكون طريقًا إلى معرفته، لأنّ معرفة السمع مبنيّة على معرفة اللّٰه تعالى وتوحيده وعدله، فكيف يُعلم الأصل بالفرع؟»[1].

طبعًا لا يرى الشيخ الطوسي ضيرًا في الاستشهاد بالنقل فيما طريقه العقل، وعلى سبيل المثال يقول في بداية كتاب الغيبة وسبب استشهاده بالنقل بعد العقل: «وأُردف ذلك بطرف من الأخبار الدالّة على صحّة ما نذكره، ليكون ذلك تأكيدًا لما نذكره، وتأنيسًا للمتمسّكين بالأخبار، والمتعلّقين بظواهر الأحوال، فإنّ كثيرًا من النّاس يخفى عليهم الكلام اللّطيف الذي يتعلّق بهذا الباب، وربّما لم يتبيّنه، وأجعل للفريقين طريقًا إلى ما نختاره ونلتمسه»[2].

نعم هناك أمور عقديّة لا تعرف إلّا بالسمع كلزوم انقطاع التكليف[3]، وإدراك استمرار الثواب[4]، واستحقاق العقاب[5]، وسقوط العقاب بالتوبة[6]، وغيرها من المسائل.

ثمّ انّه لا إشكال في قبول الخبر المتواتر عند الشيخ في المسائل العقديّة، إنّما الإشكال في الخبر الواحد، فإنّه يتمسّك به إذا كان صادرًا من جهة موثوقة

(22)

ويقول: «إنّ الخبر الواحد إذا كان واردًا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، وكان ذلك مرويًا عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أو عن أحد الأئمّة عليهم‌السلام وكان ممّن لا يُطعن في روايته، ويكون سديدًا في نقله، جاز العمل به، والذي يدلّ على ذلك إجماع الفرقة الحقّة»[1].

كما أنّ الخبر الواحد المقبول عند الشيعة والسنّة مقبول عند الشيخ الطوسي، فإنّه يقول عند حديثه عمّا روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله«أعددت شَفاعَتِي لِأهلِ الكَبائرِ مِن امَّتي»[2] فإنّه يقول: «وهذا خبر تلقّته الأمّة بالقبول، فلا يمكن أن يقال أنّه خبر واحد»[3].

ويستدلّ على قبول هكذا أخبار متّفق عليها بين الفريقين بقوله: «إنّ نقل الطائفتين المختلفتين المتباينتين في الاعتقاد، يدلّ على صحّة ما قد اتّفقوا على نقله، لأنّ العادة جارية أنّ كلّ من اعتقد مذهبًا وكان الطريق إلى صحّة ذلك النقل، فإنّ دواعيه تتوفّر إلى نقله، وتتوفّر دواعي من خالفه إلى إبطال ما نقله أو الطعن عليه والإنكار لروايته، بذلك جرت العادات ... ومتى رأينا الفرقة المخالفة لهذه الفرقة قد نقلت مثل نقلها، ولم تتعرّض للطعن على نقله ولم تنكر متضمّن الخبر، دلّ ذلك على أنّ اللّٰه تعالى تولّى نقله وسخّرهم لروايته، وذلك دليل على صحّة ما تضمّنه الخبر»[4].

والقرينة الأخرى التي يستشهد بها الطوسي للعمل بالخبر الواحد في العقل اشتمال الخبر الواحد على الإخبار بالشيء قبل كونه وقبل تحقّقه، ثمّ إذا تحقّق ذلك الموضوع علمنا صحّة الخبر وإن كان واحدًا[5].

(23)

أمّا الخبر الذي يختصّ به المخالف في الاعتقاد فغير معتبر عند الشيخ كما يقول: «المعلوم من حالها [أي الطائفة الشيعيّة] الذي لا يُنكر ولا يُدفع، أنّهم لا يرون العمل بخبر الواحد الذي يرويه مخالفيهم في الاعتقاد ويختصّون بطريقه»[1].

3. الإجماع

من الأمور التي يتمسّك بها الشيخ لإثبات بعض المسائل العقديّة إنّما هو الإجماع، إجماع الشيعة تارة وإجماع المسلمين تارة أخرى. أمّا إجماع الشيعة كما في اتّفاقهم على كفر الخارج على أمير المؤمنين عليه‌السلام [2] أمّا إجماع المسلمين كما في إجماعهم على كفر من قال بأنّ اللّٰه محبّ للقبيح[3]، أو إجماع المسلمين على إثبات صفة المتكلّم لله تعالى[4]، وإجماعهم على أنّ الكواكب جماد غير حيّة[5].

أمّا وجه حجيّة الإجماع فهو العقل عند الشيخ الطوسي، بدليل: «إنّ الامة لا يجوز أن تجتمع على خطأ، وأنّ ما يجمع عليه لا يكون إلّا حجّة، لأنّ عندنا أنّه لا يخلو عصر من الأعصار من إمام معصوم حافظ للشرع يكون قوله حجّة يجب الرجوع إليه، كما يجب الرجوع إلى قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله[6].

وبعبارة أخرى: «المعصوم إذا كان من جملة علماء الأمّة، فلا بدّ من أن يكون قوله موجودًا في جملة أقوال العلماء، لأنّه لا يجوز أن يكون منفردًا مظهرًا للكفر، فإنّ ذلك لا يجوز عليه، فإذًا لا بدّ من أن يكون قوله في جملة

(24)

الأقوال، وإن شككنا في أنّه الإمام، فإذا اعتبرنا أقوال الأمّة ووجدنا بعض العلماء يخالف فيها، فإن كنّا نعرفه ونعرف مولده ومنشأه لم نعتدّ بقوله لعلمنا أنّه ليس بإمام، وإن شككنا في نسبه لم تكن المسألة إجماعًا»[1].

4. اللغة

من الأمور الأخرى التي تدخل ضمن المنهج الكلامي المستخدم من قبل الشيخ الطوسي، الرجوع إلى أهل اللغة في تعيين بعض المصاديق والمعاني، ففي مبحث رؤية اللّٰه تعالى واستدلال المثبتين لها بقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)[2] يرد الشيخ هذا الاستدلال بالاعتماد على اللغة ويقول: «وليس النظر بمعنى الرؤية في شيء من كلام العرب، ألا ترى أنّهم يقولون: نظرت إلى الهلال فلم أره، فيثبتون النظر وينفون الرؤية»[3].

وكذلك الاستشهاد بكلام أهل اللغة في تفسير معنى الولي والأولى والمولى بمعنى الأولى بالتصرّف والرئاسة المستشهد بها في آية الولاية وحديث الغدير لإثبات إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام[4].

5. العرف

أمّا العرف فهو السبيل المستخدم أيضًا في المنهج الكلامي لإثبات بعض التفاصيل وشرح المعاني وعلى سبيل المثال «النبيّ في العرف هو المؤدّي عن اللّٰه تعالى بلا واسطة من البشر»[5] والرسول رغم اشتماله على معنى الإرسال

(25)

للمرسل في اللغة، غير «أنّ العرف قد خصّص هذا اللفظ فيمن كان رسولًا من قبل اللّٰه تعالى»[1]. وأيضًا «المعجز في العرف عبارة عمّا يدلّ على صدق من ظهر على يده واختصّ به، وليس المراد بذلك مقتضى اللغة، لأنّ مقتضاها في اللغة عبارة عمّن جعل غيره عاجزا كالإقدار، والقديم تعالى هو المختصّ بالقدرة على الإعجاز والإقدار، والمعتبر في هذا الباب العرف دون اللغة»[2].

هذه أهمّ الموارد التي استخدمها الشيخ الطوسي؟ره؟ في منهجه الكلامي.

ثانيًا: آراؤه الكلاميّة

1. مباحث الإلهيّات
أ. معرفة الله تعالى

يبتدأ الشيخ الطوسي رحمه‌الله مباحثه الكلاميّة بوجوب معرفة اللّٰه تعالى، ويرى أنّها أوّل فعل واجب على المكلّف[3].

ثمّ انّ هناك طرقًا مختلفة للوصول إلى معرفة اللّٰه تعالى، يذكرها الشيخ ويردّها ليثبت أنّ الطريق الوحيد والصحيح إلى المعرفة إنّما هو النظر دون الضرورة أو الإدراك أو المشاهدة أو السمع أو الخبر أو التقليد.

أمّا الضرورة فإنّها لو صحّت للزم اشتراك جميع العقلاء في معرفته تعالى كما يشتركون في معرفة ان الواحد لا يكون أكثر من الاثنين، والحال نرى اختلاف العقلاء في معرفة اللّٰه، ولم يكن الإدراك أيضًا طريقًا إلى معرفته، لأنّه تعالى ليس بمدرك بشيء من الحواس ولا يمكن مشاهدته، ولم يكن أيضًا السمع، لأنّ معرفة السمع مبنيّة على معرفة اللّٰه تعالى، فكيف يُعلم الأصل

(26)

بالفرع؟ ولم يكن الخبر أيضًا لأنّ الخبر الموجب للعلم هو الذي يكون عن طريق المشاهدة والإدراك كالإخبار عن البلدان ونحوها، والله تعالى لا يُدرك بالمشاهدة، والتقليد أيضًا غير وارد لأنّه قبل النظر لا يعرف المحقّ من المبطل فكيف يقلّد هذا دون ذاك، كما أنّ قبول قول الغير من غير حجّة ودليل قبيح عقلًا، فلم يبق لنا سوى النظر[1].

ولا يقصد الشيخ من وجوب النظر، المناظرة والمحاججة والمخاصمة والمحاورة التي تجري على ألسن المتكلّمون، كي يقال أنّها لم تكن موجودة على عهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والصحابة، بل يقصد بالنظر الفكر في الأدلّة الموصلة إلى التوحيد والعدل والنبوّة، والقرآن مليء بالحثّ عليه، كما في قوله تعالى: (وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ الله مِنْ شَيْءٍ)[2] وقوله تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)[3] وغيرها من الآيات الكثيرة التي يسردها ويردفها بأقوال الأئمّة عليهم‌السلام سيّما أمير المؤمنين عليه‌السلام[4].

أمّا الدليل الذي يقيمه الشيخ على وجوب معرفة اللّٰه تعالى، هو أنّ العاقل إذا علم استحقاق العقاب والذمّ على فعل القبيح، واستحقاق الثواب والمدح على فعل الطاعات كان هذا داعيًا له إلى الترك أو الفعل، «والعلم بالثواب والعقاب لا يتمّ إلّا بعد معرفة اللّٰه تعالى، فلا بدّ من معرفته، لوجوب ما لا يتمّ اللطف إلّا به»[5].

وبعد هذا يؤكّد الشيخ الطوسي رحمه‌الله على كفاية المعرفة النظريّة الإجماليّة، وذلك: «من فكّر في نفسه فعلم أنّه لم يكن موجودًا ثمّ وجد نطفة ثمّ صار علقة

(27)

ثمّ مضغة ثمّ عظمًا جنينًا في بطن أمّه ميتًا، ثمّ صار حيًا فبقي مدّة، ثمّ ولد صغيرًا فتتقلّب به الأحوال من صغر إلى كبر، ومن طفولة إلى رجولة، ومن عدم عقل إلى عقل كامل ثمّ إلى الشيخوخة وإلى الهرم، ثمّ إلى الموت، وغير ذلك من أحواله، علم أنّ ها هنا من يصرفه هذا التصريف، ويفعل به هذا الفعل، لأنّه يعجز عن فعل ذلك بنفسه، وحال غيره من أمثال حاله من العجز عن فعل ذلك، فعلم بذلك أنّه لا بدّ من أن يكون هناك من هو قادر على ذلك مخالف له، لأنّه لو كان مثله لكان حكمه حكمه، ويعلم أنّه لا بدّ أن يكون عالمًا من حيث أنّ ذلك في غاية الحكمة والاتّساق مع علمه الحاصل بأنّ بعض ذلك لا يصدر ممّن ليس بعالم، وبهذا القدر يكون عالمًا بالله على الجملة»[1].

فهذه المعرفة الإجماليّة كافية عند الشيخ الطوسي، ومخرجة الإنسان من التقليد، أمّا المعرفة التفصيليّة فإنّها مخصّصة لمن طرأت عليه الشبهات، فحينئذٍ يلزم عليه التفتيش والخوض في التفاصيل لحلّ هذه الشبهات ولا يكفي الإجمال[2].

ب. إثبات وجود الله وتوحيده

يتمسّك الشيخ الطوسي كغيره من المتكلّمون ببرهان الحدوث في مقام إثبات وجود اللّٰه تعالى، حيث يقوم بإثبات حدوث جميع الأجسام عن طريقين:

«أحدهما أن ندلّ على أنّها ليست قديمة، فيُعلم حينئذٍ أنّها محدثة، لأنّه لا واسطة بين القدم والحدوث.

والطريق الثاني: أن نبيّن أنّها لم تسبق المعاني المحدثة، فيعلم أنّ حكمها حكمها في الحدوث»[3].

(28)

وبيّن رحمه‌الله الحدوث بوجه آخر وقال: «والدليل على أنّ العالم محدث لأنّه لا يخلو من الحوادث، وكلّ ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، والحوادث هي الحركة والسكون»[1].

ثمّ بعد ثبوت حدوث الأجسام يقوم الشيخ بإثبات أنّ لها محدثًا، فيقول: «إذا ثبت حدوث الأجسام بما قدّمناه، فالذي يدلّ على أنّ لها محدثًا هو ما ثبت في الشاهد من أنّ الكتابة لا بدّ لها من كاتب، والبناء لا بدّ له من بانٍ، والنساجة لا بدّ لها من ناسج وغير ذلك من الصنائع، وإنّما يوجب ذلك فيها لحدوثها، فيجب أن تكون الأجسام إذا شاركتها في الحدوث أن تكون محتاجة إلى محدث»[2].

والمحدث هذا واجب الوجود لذاته عند الشيخ  رحمه‌الله«بمعنى أنّه لا يفتقر في وجوده إلى غيره ولا يجوز عليه العدم»[3].

وبعبارة أخرى لا بدّ من تقسيم الموجود إلى قسمين: واجب الوجود وممكن الوجود، «فواجب الوجود هو الذي لا يفتقر في وجوده إلى غيره ولا يجوز عليه العدم وهو اللّٰه تعالى، وممكن الوجود ... الذي يفتقر في وجوده إلى غيره ويجوز عليه العدم، وهو ما سوى اللّٰه تعالى وهو العالم، فلو كان البارئ تعالى ممكن الوجود لافتقر إلى مؤثّر، والمفتقر ممكن، فيكون الباري تعالى واجب الوجود بهذا المعنى، وهو المطلوب»[4].

ومن خلال إثبات كونه واجب الوجود يثبت أنّه قديم أزلي بمعنى أنّ وجوده لم يسبقه العدم، وباق أبدي بمعنى أنّ وجوده لم يلحقه العدم[5] ويثبت

(29)

من خلاله أيضًا توحيده تعالى ويقول: «والدليل على أنّه تعالى واحد لأنّ معنى الواحد هو الفرد بصفات ذاتيّة لا يشاركه فيها غيره، فلو كان الباري تعالى معه إله آخر لاشترك في الذات والصفات، والمشارك ممكن، والله تعالى واجب الوجود فهو واحد»[1].

ت. صفاته تعالى

وبعدما يتمّ إثبات الباري تعالى وتوحيده، يقوم الشيخ الطوسي ببيان صفاته تعالى ويبدأ بالقدرة لأنّها الأساس لباقي الصفات «إذ لا يمكننا أن نتكلّم في شيء من صفات القديم تعالى من كونه عالمًا وحيًا وموجودًا وغير ذلك إلّا بعد أن نثبت كونه قادرًا، لأنّ الطريق إلى إثباته أفعاله، والفعل -أوّل درجة- يدلّ على كونه قادرًا لا غير، وإنّما يدلّ على الصفات الاخر أمور زائدة على مجرّد وجود الفعل، فلأجل هذا بدأنا بالكلام في كونه قادرًا»[2].

ووصف القدرة تثبت له تعالى لصدور الفعل منه «فإذا كان صانع العالم صحّ منه الفعل وجب أن يكون قادرًا»[3]. ثمّ بعد إثبات صفة القدر لله تعالى يقوم الشيخ الطوسي بإثبات سائر الصفات بالاعتماد عليها ومن خلال الاستدلال العقلي سوى صفة الكلام حيث يثبتها بالسمع دون العقل، لأنّ العقل لا يدلّ عليه وإنّما يدلّ على أنّه قادر للكلام لأنّه جنس من الأفعال، وهو قادر على جميع الأجناس[4].

وفي نهاية مباحث الصفات يتعرّض الشيخ الطوسي إلى موضوع رؤية اللّٰه تعالى، فيتمسّك بالعقل والنقل لنفي رؤيته، أمّا العقل فيقول: «أنّه لو كان مرئيًّا

(30)

لوجب أن نراه مع صحّة أبصارنا، وارتفاع الموانع المعقولة، وحصول كونه موجودًا، لأنّا إنّما نرى المرئيّات بهذه الشروط لا غير، ولو رأيناه لعلمناه، لأنّ من كمال العقل العلم بما ندركه ونراه»[1].

ودليل آخر على عدم جواز رؤيته بالبصر: «إنّ من شرط صحّة الرؤية أن يكون المرئي نفسه أو محلّه مقابلًا للرائي بحاسّة أو في حكم المقابل، و المقابلة تستحيل عليه لأنّه ليس بجسم، ومقابلة محلّه أيضًا فيستحيل عليه، لأنّه ليس بعرض»[2].

وأمّا الدليل النقلي على نفي الرؤية قوله تعالى: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ)[3] والدليل على المدعى منها أوّلًا: إنّ اللّٰه تعالى تمدّح بنفي الإدراك عن نفسه في هذه الآية، فإثباته يعدّ نقصًا له، كما في قوله: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) (البقرة: 255) حيث إثبات المنفي أي السنة والنوم يكون نقصًا، وثانيًا: أنّ الإدراك في الآية جاء بمعنى الرؤية، لأنّه نفى عن نفسه ما أثبته لنفسه: «وهو يدرك الأبصار»[4].

وقد استدلّ بعض مثبتي الرؤية بقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)[5] لإثبات مدّعاهم، ويردّهم الشيخ الطوسي بأنّ النظر المذكور في الآية يعني الانتظار أي لثواب ربّها منتظرة، كما في قوله: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ)[6] أي منتظر، مضافًا إلى أنّ النظر في اللغة لم يرد بمعنى الرؤية، ألا ترى أنّ العرب يقولون نظرت إلى الهلال فلم أره،

(31)

فيثبتون النظر دون الرؤية[1].أن واستدلّوا كذلك بقول موسى عليه‌السلام كما في القرآن: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ)[2] والآية لا تدلّ أيضًا على جواز الرؤية بدليل: 1. أنّه سأل الرؤية لقومه بدلالة قوله تعالى: (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً)[3]، 2. الآية تدلّ على عدم الرؤية بدليل الجواب: «لن تراني» ولن تفيد التأييد 3. علّق اللّٰه تعالى الرؤية على شيء مستحيل وهو استقرار الجبل في حال حركته، وما علّق بالمحال لا يكون الا محالًا 4. ربّما أراد من الرؤية العلم الذي لا يدخله الشكّ كما في دعوة إبراهيم عليه‌السلام: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ  ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)[4] وللأنبياء أن يسألوا ذلك ولا يقدح في نبوّتهم[5].

2. مباحث العدل

العدل هو الأصل الثاني من أصول الدين الخمسة عند الإماميّة، ويتعرّض إلى أفعال اللّٰه تعالى وأنّها حسنة ليس فيها قبيح، وأنّ اللّٰه تعالى منزّه عن الإخلال بالواجب وفعل القبيح مع قدرته عليه: «وهذه الجملة إذا ضبطتها كفاك في العلم بحسن جميع أفعاله، وإن لم تعلم تفصيلها من التكليف والآلام وحسن البعثة والتعبّد بالشرائع وغير ذلك ممّا هو فعله أو مفعول بأمره»[6].

أ. الحسن والقبح

بما أنّ موضوع العدل يتعلّق بأفعال اللّٰه تعالى يبدأ الشيخ الطوسي بتعريف

(32)

الفعل أوّلًا، وهو «ما وُجد بعد أن كان مقدورًا»[1] ثمّ يقسّمه الى حَسَن وقبيح.

فالحسن هو كلّ فعل إذا فعله العالم به أو المتمكّن من العلم به مختارًا لا يستحقّ عليه الذمّ. أمّا القبيح فهو كلّ فعل إذا وقع من عالم بقبحه أو متمكّن من العلم بقبحه، استحقّ الذمّ.

والعلم بقبح القبائح يكون عقليًّا وشرعيًّا عند الشيخ الطوسي، فالعقليّات من قبيل قبح الظلم والجهل، وما يعلم بالشرع فهو كلّ ما لا يمكن معرفته بالعقل كقبح شرب الخمر ونحوه حيث لا مجال للعقل في العلم بذلك[2].

وما يدلّ على أنّ بعض القبائح والمحاسن عقليّة، أنّ العقل يدرك قبحها أو حسنها بمجرّده، يقول الشيخ الطوسي: «إنّ كلّ عاقل مفطور العقل يعلم بقبح الظلم وقبح الجهل والكذب والعبث، فلولا أنّ طريق ذلك العقل لما وجب شمول العلم لجميع العقلاء، ولكان يقف على من علم صحّة السمع. وفي علمنا باشتراك جميع العقلاء من موحّد وملحد ومقرّ بالنبوّات وجاحد لها في العلم بذلك، دليل على أنّ طريق ذلك العقل»[3].

ثمّ انّ العدل الذي يعني عدم الإخلال بالواجب وعدم فعل القبيح من قبل الباري تعالى، يتوقّف على إثبات أنّه تعالى قادر على فعل القبيح أوّلًا، وأنّه لا يفعله ثانيًا.

ولأجل إثبات هذا الأمر يقيم الشيخ الطوسي عدّة أدلّة، منها أنّ الفعل الحَسَن والفعل القبيح كلاهما من جنس واحد، وعلى سبيل المثال الضرب للتأديب حسن والضرب من غير استحقاق ظلم وقبيح، فجنس الضرب واحد، وكما أنّ اللّٰه تعالى قادر على الحَسَن قادر على القبيح أيضًا للاشتراك في الجنس.

(33)

والدليل الآخر أنّه خالق لكمال العقل فينا، وهو مجموع علوم، والقادر على الشيء يجب أن يكون قادرًا على ضدّه، وضدّ العلم الجهل والجهل قبيح.

وأيضًا أنّه تعالى قادر على تعذيب العاصي قبل توبته وهو حسن، فإذا أسلم قبح عقابه غير أنّ إسلامه هذا لم يسبّب إخراج اللّٰه تعالى عن كونه قادرًا على عقابه، فثبت أنّه تعالى قادر على فعل القبيح[1].

أمّا الدليل على أنّه لا يفعل القبيح مع قدرته عليه، علمه بقبح القبائح وعلمه بأنّه غنيّ عنه، والعالم بقبح القبيح وبأنّه غنيّ عنه لا يجوز أن يختاره، ومضافًا إلى كونه تعالى لا يفعل القبيح مع قدرته عليه، لا يريد القبيح أيضًا على أيّ وجه، بدليل:

1. أنّه تعالى نهى عن جميع القبائح، والنهي يدلّ على كراهية المنهي عنه، فلو كان مريدًا لشيء من القبائح لكان مريدًا كارهًا له على وجه واحد وهو فاسد.

2. لو أراد القبيح لكان محبًّا له راضيًا به، وأجمع المسلمون على كفر القائل بذلك.

3. ما ورد من الآيات الكثيرة الدالّة على ذلك، من قبيل قوله تعالى:(وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ)[2] وقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)[3] وقوله تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا)[4] إخبار عن قدرته وأنّه قادر على إلجاء الخلق على الهداية، ولكنّه لا يفعله لأنّه قبيح وينافي التكليف وينقض الغرض[5].

(34)
ب. القضاء والقدر

يتفرّع من الموضوع أعلاه موضوع القضاء والقدر، وأنّ أفعال العباد هل هي بقضاء اللّٰه وقدره أم لا؟

في البدء يشرح الشيخ الطوسي معنى القضاء في اللغة والقرآن، ويذكر له أربعة معان: 1. الخلق والإحداث 2. الحكم والقضاء 3. الأمر والإلزام 4. الإعلام والإخبار. وبعدما ينفي المعاني الثلاثة الأولى يستقرب المعنى الرابع ويقول: «أمّا القضاء بمعنى الإعلام والإخبار، فإنّه يجوز أن يقال على ضرب من التقييد، لأنّ اللّٰه أخبر وأعلم ما لنا في فعل الطاعة من الثواب، وما علينا بفعل المعاصي من العقاب، فجاز أن يضاف إلى اللّٰه القضاء على هذا الوجه»[1].

وأمّا بخصوص القدر فكذلك أيضًا حيث يكون بمعنى التقدير كما قال تعالى: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ)[2] فالقول بأنّ أفعالنا بقدر اللّٰه تعالى يعني أنّه قدّر ما عليها من الثواب والعقاب.

وبعد بيان هذا يذهب الشيخ الطوسي ويؤيّد النظريّة القائلة بأنّ كلّ واحد منّا مُحدث لأفعاله، بدليل وجوب وقوعها بحسب دواعينا وأحوالنا وانتفائها بحسب صوارفنا وكراهيّتنا، فلولا أنّها من فعل الإنسان لما وجب ذلك، حالها حال سائر الأمور التكوينيّة كالقصر والطول وما شاكل[3].

والدليل الآخر انّه يحسن مدحنا على الأعمال الحسنة وذمّنا على الأفعال القبيحة، ولكن لا يحسن المدح أو الذمّ على الطول أو القصر وما شاكل. ودليل آخر أنّه يُحسن ان يأمر بعضنا بالقيام والقعود وكذلك النهي عنهما، ولا يحسن

(35)

أن يأمره بالطول والقصر ولا ينهاه عنهما، مضافًا إلى وجود آيات كثيرة تدلّ على فعلنا كقوله تعالى: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[1] وقوله تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)[2] وعليه: «فمن نفى الفعل عنّا فقد خالف العقول والقرآن»[3].

وبهذه الوجوه يردّ الشيخ الطوسي نظريّة الكسب عند الأشاعرة، أي إثبات صفة للفعل زائدة على الحدوث، وهذا شيء لا يُعقل بمعنى أنّه لا يمكن تصوّره، فالفعل إمّا أن يُنسب إلى العبد ليكون مختارًا وإمّا إلى اللّٰه تعالى ليكون ضروريًّا، ومن غير المعقول إثبات صفة زائدة على الحدوث أو الضرورة هنا تُسمّى بالكسب[4].

ت. التكليف

يعرّف الشيخ الطوسي التكليف -تبعًا للسيِّد المرتضى- أنّه إرادة المريد من غيره ما فيه كلفة ومشقّة[5].

ثمّ يبحث الشيخ الطوسي حول: 1. صفات المكلِّف 2. صفات المكلَّف 3. صفات الفعل الذي يتناوله التكليف 4. ما الغرض من التكليف؟

أمّا صفات المكلِّف تعالى فيجب أن يكون حكيمًا مأمونًا منه فعل القبيح والإخلال بالواجب ليعلم انتفاء القبح عن هذا التكليف، ويجب أن يكون قادرًا على الثواب الذي عرّض بالتكليف له، ولا بدّ أن يكون له غرض في التكليف وابتداء الخلق ليحسن التكليف، ويجب أن يكون المكلِّف عالمًا بتكامل شرائط التكليف في المكلَّف[6].

(36)

أمّا صفات المكلَّف فهو الحيّ، لأنّ من ليس بحيّ لا يحسن تكليفه ويُسمّى الحيّ إنسانًا ثمّ يشرح الشيخ اختلاف المتكلّمون في حدّ الحيّ، هل هو هذه الجملة المناسبة المشاهدة دون أبعاضها، أو أنّه ذات ليس بجوهر ولا عرض ولا حال في هذه الجملة أو هو جوهر في القلب، أو هو الروح، أو غيرها من الأقوال، مع أنّ الشيخ يختار القسم الأوّل[1].

ويلزم أن يكون المكلّف قادرًا ليتمكّن من فعل التكليف، ولا يكون التكليف بما لا يطاق، وأن يكون عالمًا أو متمكّنًا من العلم به، وأن يكون متمكّنًا من الآلات التي يحتاج إليها في الأفعال التي تتعلّق بالتكليف، ويجب أن يكون المكلّف مشتهيًا نافرًا أي نافرًا بالطبع ممّا كلّف فعله ومشتهيًا لما كلّف الامتناع منه لتحقّق المشقّة، ويجب أن تكون الموانع مرتفعة، ويجب أن لا يكون مجبورًا فيما كلّف[2].

أمّا صفات الفعل الذي يتناوله التكليف، فلا بدّ أن يصحّ إيجادها للمكلّف على الوجه الذي كلّفه، ولا بدّ أن يكون الفعل ممّا يُستحقّ به المدح والثواب[3].

وأمّا الغرض من التكليف فهو تعريض المكلَّف لمنزلة عظيمة جليلة لا يمكن الوصول إليها إلّا بالتكليف[4].

ث. اللطف والأصلح

ذهب الشيخ الطوسي إلى وجوب اللطف على اللّٰه تعالى، وعدم وجوب الأصلح في ما يتعلّق بالدنيا.

(37)

أمّا اللطف فهو «عبارة عمّا يدعو إلى فعل الواجب ويصرف عن القبيح»[1] ويشترط في اللطف أن يكون معلومًا وإن لم يكن مُدركًا، وأن يتقدّم الملطوف فيه حتّى يصح أن يدعو إليه، ولا بدّ أن يكون بينه وبين الملطوف فيه مناسبة وإن لم تُعلم بالتفصيل[2].

والدليل على وجوب اللطف كما يبيّنه الشيخ الطوسي: «إنّ أحدنا لو دعا غيره إلى طعامه وأحضر الطعام، وغرضه نفع المدعوّ دون ما يعود إليه من مفسدة أو غيرها، وعلم أو غلب على ظنّه أنّه متى تبسّم في وجهه، أو كلّمه بكلام لطيف، أو كتب إليه رقعة، أو أنفذ غلامه إليه وما أشبه ذلك ممّا لا مشقّة عليه ولا حطّ له عن مرتبته حضر، ومتى لم يفعل ذلك لم يحضر، وجب عليه أن يفعل ذلك ما لم يتغيّر داعيه عن حضور طعامه، ومتى لم يفعله استحقّ الذمّ من العقلاء، كما يستحقّ لو أغلق بابه في وجهه، فلهذا صار منع اللطف كمنع التمكين في القبح، وهذا يقتضي وجوب فعل اللطف عليه تعالى، لأنّ العلّة واحدة»[3].

أمّا الأصلح في باب الدنيا فهو الأنفع الذي لا يتعلّق به لطف فإنّه لا يجب على اللّٰه تعالى إذ لو وجب لزم استمرار الأنفع إلى ما لا نهاية لأنّ اللّٰه لا يخلّ بالواجب، ولكن بنفس الوقت فإنّ القابل للمنافع -أي الإنسان أو غيره من المخلوقات- متناه ومحدود، فيلزم الإخلال بالواجب حينئذٍ وهو محال على اللّٰه تعالى، أو يلزم أن نقول أنّه لا يقدر إلّا على متناه أدّى القول بتناهي مقدورات اللّٰه وهو كفر.

ودليل آخر بأنّ الأصلح لو كان واجبًا لما استحقّ اللّٰه تعالى الشكر بما

(38)

فعله من الإحسان ولا العبادة، لأنّ الواجب لا يستحقّ به الشكر وإنّما يستحقّ بالتفضّل المحض. وأيضًا لو كان واجبًا لزم أن يكون له أصل في العقل ويشترك فيه جميع العقلاء ضرورة إيصال المنافع إلى الغير، والحال أنّ الأمر ليس كذلك[1].

ج. الآلام والأعواض

يتعلّق الكلام حول الآلام بموضوع حسنها أو قبحها، ويرى الشيخ الطوسي أنّ الآلام بعضها حَسن وبعضها قبيح، فالآلام القبيحة ثلاثة: ما كان ظلمًا أو فيه مفسدة أو عبثًا، والباقي حسن. وبعبارة أخرى أنّ «الآلام لا تحسن إلّا لنفع يوفّى عليها، أو دفع ضرر أعظم منها، أو الاستحقاق، أو يكون واقعًا على وجه المدافعة، فمتى خلا من ذلك أجمع كان قبيحًا»[2].

وإذا ثبت الألم وعدم انفكاك الإنسان عنه، يأتي دور العوض الذي هو حصول النفع إلى المألوم، فما يفعله اللّٰه تعالى من الآلام أو يأمر به وجوبًا أو ندبًا فلا بدّ فيه من العوض[3].

3. مباحث النبوّة

الأصل الثالث من أصول الدين الذي يتطرّق إليه الشيخ الطوسي هو النبوّة، ويرى أنّ النبيّ في العرف هو المؤدّي عن اللّٰه تعالى بلا واسطة من البشر، أمّا الرسول في اللّغة يفيد أنّ مرسلًا أرسله بشرط تحمّل الرسالة، والعرف خصّص هذا اللفظ لمن أرسله اللّٰه تعالى حصرًا، فلذا لو أطلق الكلام وقيل الرسول لا يفهم منه سوى أنّه رسول من قبل اللّٰه تعالى، وإذا أردنا استعمال

(39)

الكلمة في غير ذلك لا بدّ من التقييد بأن يقول رسول زيد أو فلان[1].

أ. حُسن البعثة

أمّا سبب حسن البعثة ووجوبها أنّ الأنبياء «يؤدّون إلينا ما هو مصلحة لنا في التكليف العقلي، ولا يمكننا معرفة ذلك بالعقل، ولا يمتنع أن يعلم اللّٰه أنّ في أفعال المكلّف ما إذا فعله دعاه إلى فعل الواجب العقلي أو صرفه عن القبيح العقليّ، أو ما إذا فعله دعاه إلى فعل القبيح أو الإخلال بالواجب، فيجب أن يعلمنا ذلك، لأنّ الأوّل لطف لنا، والثاني مفسدة، ويجب عليه تعالى إزاحة العلّة من المكلّف في فعل اللطف، ولا يمكن إعلام ذلك إلّا ببعثة الرسل ليعرّفونا ذلك»[2].

ثمّ يردّ الشيخ على قول البراهمة بأنّ الشرع لا يأتي إلّا بما يوافق العقل، إلّا أنّ ما يقتضيه العقل على ضربين، أحدهما يُعلم مفصلًا بالعقل ولا يحتاج فيه إلى بعثة الرسل، والآخر يُعلم بالعقل مجملًا، فالشرع يأتي به مفصّلًا[3].

ب. المعجزة

إنّ الطريق إلى معرفة النبيّ لا يكون إلّا بالمعجز، والمعجزة في العرف عبارة عمّا يدلّ على صدق من ظهرت المعجزة على يده واختصّ بها، والمعجزة تدلّ على النبوّة بشروط أربعة:

1. أن تكون خارقة للعادة.

2. أن يتعذّر على الخلق جنسها أو صفتها المخصوصة.

3. أن تكون من فعل اللّٰه تعالى أو جاريًا مجرى فعله.

(40)

4. أن تتعلّق بالمدّعي على وجه التصديق لدعواه[1].

ثمّ انّ المعجزة وإن اختصّت للدلالة على صدق النبيّ، غير أنّ الشيخ الطوسي يرى جواز صدورها من قبل الإمام عليه‌السلام أيضًا، لأنّ فائدة المعجزة تصديق من ظهرت على يده، فيجب جواز ظهورها على يد الامام إذا ادّعى الإمامة[2] نعم لا ينحصر إثبات الإمامة بالمعجزة خلافًا للنبوّة، إذ يمكن إثبات الإمامة من طرق أخرى دونها[3].

ت. العصمة

من المباحث المهمّة التي تطرح في موضوع النبوّة مسألة العصمة وحدودها، والشيخ الطوسي تبعًا لباقي علمائنا يقول بوجوب عصمة النبيّ من القبائح صغيرها وكبيرها قبل النبوّة وبعدها، على طريق العمد والنسيان وعلى كلّ حال[4].

والدليل الذي يقيمه الشيخ الطوسي على ذلك أنّ القبائح توجب التنفير عن قبول قولهم: «ولا يجوز أن يبعث اللّٰه تعالى نبيًّا ويوجب علينا اتّباعه وهو على صفة تنفّر عنه، ولهذا جنّب اللّٰه تعالى الأنبياء الخُلق المشينة والأمراض المنفّرة والفظاظة والغلظة، لما كان ذلك منفرًا في العادة»[5].

وبعدما يثبت الشيخ الطوسي هذه القاعدة العقليّة في لزوم العصمة، يتطرّق إلى الآيات الموهمة لصدور الذنب من الأنبياء؟عهم؟ في ظاهرها، ويقوم بتأويل تلك الآيات من منطلق هذه القاعدة، إذ يقول: «الظواهر تبنى على أدلّة العقول

(41)

ولا تبنى أدلّة العقول على الظواهر، وإذا علمنا بدليل العقل أنّ القبيح لا يجوز عليهم، تأوّلنا الآيات إن كان لها ظواهر»[1].

ث. نبوّة رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله

إنّ رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله خاتم الأنبياء وقد نسخت شريعته سائر الشرائع، ودليل نبوّته المعجزة، وأهم معجزة دالّة على صدق دعواه: القرآن، لذا يركز الشيخ الطوسي عليه ويبسط القول فيه نوعًا ما أكثر من باقي المعاجز، ويرى الشيخ أنّ الاستدلال بالقرآن لا يتمّ إلّا ببيان خمسة أمور:

1. ظهوره صلى‌الله‌عليه‌وآله  بمكّة وادّعاء النبوّة.

2. تحدّيه العرب بهذا القرآن، وادّعاؤه بأنّ اللّٰه أنزله عليه وخصّه به.

3. انّه لم يعارضوه في وقت من الأوقات.

4. انّهم لم يعارضوه للعجز عن ذلك.

5. إنّ هذا التعذّر خرق للعادة[2].

أمّا جهة إعجاز القرآن فهناك أقوال مختلفة يذكرها الشيخ الطوسي؟ره؟ ويختار أحدها ويقول: «أقوى الأقوال عندي قول من قال: إنّما كان معجزًا خارقًا للعادة لاختصاصه بالفصاحة المفرطة في هذا النظم المخصوص، دون الفصاحة بانفرادها، ودون النظم بانفراده ودون الصرفة»[3].

والدليل على ذلك أنّ القرآن جمع الفصاحة المفرطة والنظم الذي ليس في كلام العرب مثله، فإذا عجزوا عن معارضته وجب أن يكون اعتبار الإعجاز هما الفصاحة والنظم.

ثمّ يعتذر الشيخ الطوسي عن نصرة القول بالصرفة في كتاب تمهيد

(42)

الأصول، ويقول لأنّه كان بصدد شرح كتاب أستاذه الجمل لذا لا تحسن مخالفته: «من حيث شرحت كتابه فلم يحسن خلاف مذهبه»[1].

4. مباحث الإمامة

الأصل الرابع من أصول الدين هو الإمامة، وقد أولاه الشيخ الطوسي أهميّة قصوى وألّف عدّة كتب ورسائل في موضوع الإمامة، وما وصل منها إلينا كاملًا هو كتاب تلخيص الشافي حيث استوفى فيه ما يتعلّق بها، وسنحاول أن نوجز الكلام في بيان آراء الشيخ حول الإمامة ضمن عدّة نقاط:

أوّلًا: في وجوب الإمامة وصفات الإمام.

ثانيًا: في إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام.

ثالثًا: في أحكام البغاة.

رابعًا: في إمامة سائر الأئمّة عليهم‌السلام .

خامسًا: في الغيبة.

اولًا: وجوب الإمامة وصفات الإمام

يعرّف الشيخ الطوسي الإمام بقوله: «قولنا: إمام، يستفاد منه أمران: أحدهما أنّه مقتدى به في أفعاله وأقواله من حيث قال وفعل، لأنّ حقيقة الإمام في اللغة هو المقتدى به، ومنه قيل لمن يصلّي بالناس إمام الصلاة. والثاني أنّه يقوم بتدبير الأمّة وسياستها وتأديب جناتها والقيام بالدفاع عنها، وحرب من يعاديها، وتولية ولاية الأمراء والقضاة وغير ذلك، وإقامة الحدود على مستحقّيها»[2].

يرى الشيخ الطوسي أنّ أهمّ الأمور بعد توحيد اللّٰه وصفاته وعدله، هو

(43)

الإمامة التي لا يتمّ التكليف بدونها ولا يحسن مع ارتفاعها، إذ الإخلال بها يعود بالضرر على ما حصل له من معرفة اللّٰه وتوحيده[1].

أمّا الدليل على وجوب الإمامة فعدّة أمور:

أ. تجب الرئاسة لكونها لطفًا في أفعال الواجبات والامتناع من القبائح، إذ الناس متى كان لهم رئيس منبسط اليد يمنع القوي من الضعيف ويؤدّب الظالم ويردع المعاند، فحينئذ يكثر الصلاح ويقلّ الفساد، وعند عدم وجوده يكثر الفساد ويقلّ الصلاح، فالرئاسة تجب لتحقيق المصالح الدينيّة التي هي ارتفاع الظلم وكثير من القبائح، وإن حصل في الأثناء تحقيق مصالح دنيويّة أيضًا فعلى نحو التبعيّة[2].

ب. الدليل الآخر الذي يقيمه الشيخ الطوسي على وجوب الإمامة: «إنّا قد علمنا أنّه ليس جميع أحكام الحوادث التي نحتاج إلى معرفتها عليها أدلّة قاطعة من تواتر ولا إجماع، وإذا كنّا مكلّفين للعمل بالشرع وجب أن يكون لنا طريق يوصل به إلى معرفته، ونعرف الصحيح ممّا اختلفت أقوال الأمّة فيه، وليس ذلك إلّا قول معصوم مأمون عليه السهو والغلط، فنرجع إليه ونعوّل عليه».

ت. والدليل الثالث الذي يقيمه الشيخ على وجوب الإمامة «إنّا قد علمنا أنّ شريعة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لازمة لكلّ من يأتي فيما بعد إلى قيام الساعة، وما هذه صورته فلا بدّ لها من حافظ، لأنّه إن لم يكن لها حافظ لم يمكن من يجيء فيما بعد الوصول إلى ما كلّفه وتعبّد به، وإذا ثبت أنّه لا بدّ لها من حافظ فلا يخلو أن يكون الحافظ لها جميع الأمّة او بعضها، ولا يجوز أن يكون الحافظ لها جميع الأمة لأنّ الأمّة يجوز عليها الغلط والسهو وتعمّد الباطل، إذا فرضنا أنّه ليس

(44)

فيها معصوم، فلا بدّ مع ذلك من حافظ يؤمن من جهته التغيير والتبديل ليتمكّن المكلّفين من الوصول إلى ما كلّفوه[1].

ث. والدليل الآخر الذي يقيمه الشيخ على وجوب الإمامة في كلّ زمان «أنّا علمنا ضرورة أنّه ليس جميع أدلّة الشرع ظاهرة مطابقة لحقائق اللغة، بل نعلم أنّ في القرآن والسنّة متشابهًا ومحتملًا، وأنّ العلماء من أهل اللغة قد اختلفوا في المراد به، وتوقّفوا في كثير منها، ومالوا إلى طريقة الظنّ في مواضع، فلا بدّ والحال هذه من مبيّن للمشكل ومترجم للغامض، يكون قوله حجّة كقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله»[2] وهذا هو الإمام المعصوم عليه‌السلام.

ثمّ بعد هذا يتطرّق الشيخ الطوسي إلى ما ذهب إليه أهل السنّة من التمسّك بالآيات والروايات لإثبات نظريّتهم في كفاية الأمّة وعدم حاجتها إلى الإمام المعصوم، من قبيل قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ)[3] أو قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)[4] وقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)[5] وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى خَطَإٍ»[6] ويقوم الشيخ بمناقشة هذه الأدلّة وعدم كفايتها لتحلّ محلّ الإمام المعصوم عليه‌السلام[7].

أمّا صفات الإمام فيجعلها الشيخ الطوسي على ضربين: 1. ما يجب أن يكون عليها الإمام عقلًا كالعصمة والأفضليّة والعلم بسياسة الأمور، 2. ما يجب أن

(45)

يكون عليها لما يرجع إلى الشرع كالعلم بالأحكام والشجاعة وما شاكل[1].

بيان ذلك:

1. العصمة

مسألة العصمة تترتّب على تعريف الإمامة ووجه الحاجة إليها، فإذا كان الإمام لطفًا في ارتفاع القبيح وفعل الواجب، علمنا أنّ جهة الحاجة إليه من حيث ارتفاع العصمة عن الناس وجواز فعل القبيح وترك الواجب، فيلزم أن يكون الإمام معصومًا من فعل القبيح لتحقيق وجه الحاجة إليه[2].

وبعبارة أخرى: «يجب أن يكون الإمام معصومًا من القبائح والإخلال بالواجبات، فإنّه لو لم يكن كذلك لكانت علّة الحاجة قائمة فيه إلى إمام آخر، لأنّ الناس إنّما احتاجوا إلى الإمام لكونهم غير معصومين، ومحال أن تكون العلّة حاصلة والحاجة مرتفعة، لأنّ ذلك نقض للعلّة. ولو احتاج إلى إمام لكان الكلام فيه كالكلام في الإمام الأوّل، وذلك يؤدّي إلى وجود أئمّة لا نهاية لهم أو الانتهاء إلى إمام معصوم ليس من ورائه إمام وهو المطلوب»[3].

ودليل آخر يقيمه الشيخ على العصمة، أنّها لازمة لأنّ الإمام مقتدى به في جميع الشريعة، فاذا كان كذلك وجب ان يكون معصوما، والا لم نأمن صدور القبيح منه، والحال أنّ اللّٰه أمرنا بالاقتداء به، ولا يجوز الاقتداء بما هو قبيح، فدلّ هذا على أنّ الإمام المقتدى معصوم[4].

(46)
2. الأفضليّة

يبحث الشيخ الطوسي وجوب أن يكون الإمام أفضل الناس من وجهين: 1. أن يكون أكثر ثوابًا منهم 2. أن يكون أفضل منهم في الظاهر في جميع ما هو إمام فيه.

ثمّ يستدلّ على ذلك من خلال القول بعصمته، فكلّ من قال بالعصمة قطع بلزوم أن يكون أفضل الخلق ثوابًا، وأيضًا فالإمام يستحقّ من التعظيم وعلوّ المنزلة في الدين ما لا يستحقّه أحد غيره، وهذا يدلّ على كونه أكثر ثوابًا، ويدلّ عليه أيضًا أنّ الإمام حجّة في الشرع، فوجب أن يكون أكثر رعيته ثوابًا كالنبي.

أمّا الدليل على الشقّ الثاني ولزوم الأفضليّة في الظاهر، ما تمليه الضرورة من قبح تقديم المفضول على الفاضل المتسالم عليه عند العقلاء، وإذا كان اللّٰه تعالى هو الناصب للإمام فيجب أن لا ينصّب إلّا من هو أفضل في ظنّنا وعلمنا[1].

3. الأعلميّة

يرى الشيخ الطوسي لزوم أعلميّة الإمام أوّلًا في السياسة وشؤون العباد ومصالحهم، وثانيًا عالمًا بجميع الشريعة لكونه حاكمًا فيها. والدليل أنّ العقل يحكم بذلك اذ لا يحسن مثلًا من حكيم من حكماء الملوك أن يولي وزارته والنظر في شؤون العباد من لا يحسنها ويسبّب ضياعها، وإذا فعل ذلك استحقّ الذمّ من العقلاء. هذا في باب السياسة[2].

أمّا لزوم كونه عالمًا بجميع الشريعة وأحكام الدين، لكونه حافظًا لها وحجّة في الدين، فلو جاز عدم معرفة بعض الأحكام، لم نثق بوصول جميع

(47)

الشرع إلينا وهذا ينقض الغرض، ويقدح في كون الإمام حجّة، مضافًا إلى أنّ جهله لبعض الأحكام يوجب التنفير عن قبول قوله، وهو منزّه عن ذلك[1].

والدليل الآخر على لزوم الأعلميّة في الدين كونه مقتدى به في جميع الدين، ولا يصحّ الاقتداء في الشيء بما لا يعلمه[2].

ثمّ يتطرّق الشيخ الطوسي إلى أمر خلافي بين علماء الشيعة في سعة علم الإمام عليه‌السلام خارج هاتين الدائرتين (السياسة والدين)، فيرى عدم لزوم أعلميّة الإمام فيما ليس رئيسًا فيه ولا مقدمًا فيه كالصناعات والمهن والعلم بالغيب إذ لا تتعلّق هذه الأمور بالدين، وإذا وقعت مرافعات إلى الإمام من قبل أرباب الصناعات رجع إلى أهل الخبرة، فما صحّ عنده عنهم حكم فيه بما هو عالم به من الحكم من جهة اللّٰه تعالى، وإذا اختلفت أقوال أرباب الصنائع رجع إلى أعدلهم، وإن تساووا كان مخيّرًا في الأخذ بأيّ أقوالهم شاء[3].

ولكن مع هذا لا ينفي الشيخ قول سائر العلماء تمامًا بل يجوّزه ويقول: «وفي أصحابنا من يقول أنّه يعلم ذلك بالنصّ من قبل اللّٰه تعالى، ورووا في ذلك أخبارًا، وهذا وإن كان جائزًا فليس ممّا يلزمه وجوبًا، لأنّ المعتمد ما قلناه أوّلًا»[4].

4. أشجع الناس

يلزم أن يكون الإمام أشجع الناس، لأنّه الرئيس عليهم والقائد في الحروب «فلو لم يكن أشجع لجاز أن ينهزم فينهزم المسلمون بانهزامه، فيكون فيه بوار المسلمين والإسلام، فإذن يجب أن يكون أشجعهم وأربطهم جأشًا وأثبتهم قلبًا»[5].

(48)
5. لزوم النصّ

بعدما أثبت الشيخ الطوسي هذه الصفات التي مرّت للإمام، يقرّ بأنّ معرفتها يحتاج إلى نصّ، سيّما في موضوع العصمة، إذ «لما كانت العصمة لا تدرك حسًّا ولا مشاهدة ولا استدلالًا ولا تجربة ولا يعلمها إلّا اللّٰه تعالى، وجب أن ينصّ عليه ويبيّنه من غيره على لسان نبيّ»[1].

ونفس هذا الاستدلال يأتي في باقي الصفات نوعًا ما أيضًا، فالأفضليّة والأكثريّة في الثواب، لا يمكن التوصّل إليها بالأدلّة والمشاهدة، فلزم فيها النصّ، وكذلك الأعلميّة بجميع أحكام الشرع دقيقها وجليلها لا يكون إلّا عبر النصّ، إذ لا طريق إلى ذلك بالامتحان والمشاهدة للزوم أن يكون الممتحن أعلم منه وهو خلف[2].

ثانيًا‌: إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام

يعتقد الشيخ الطوسي كغيره من الإماميّة أنّ الإمام بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله  بلا فصل إنّما هو أمير المؤمنين عليه‌السلام، ويستدلّ على إمامته عليه‌السلام من طريقين: 1. طريق القسمة العقليّة 2. طريق النصّ.

أمّا القسمة العقليّة فتبتني على الاستدلال التالي المبتني على المقدّمات السابقة: أوّلًا: ثبوت وجوب الإمامة، ثانيًا: لزوم عصمة الإمام، وثالثًا: أنّ الحقّ لا يخرج من أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ عندما ننظر إلى أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله نرى انقسامهم إلى ثلاثة أقوال:

1. القول بإمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام 2. القول بإمامة أبي بكر 3. القول بإمامة العبّاس، وعليه تبطل إمامة أبي بكر والعبّاس للإجماع على عدم عصمتهما،

(49)

فتثبت إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام لعصمته، وإمامته هذه تثبت بالنصّ النبويّ عليه[1].

وبنفس الاستدلال نستدلّ على إمامته عليه‌السلام من خلال الأفضليّة والأعلميّة والأشجعيّة، إذا الإمام كما قلنا يلزم أن يكون الأفضل والأعلم والأشجع، ولا تتحقّق هذه الصفات إلّا في أمير المؤمنين عليه‌السلام فهو الإمام[2].

أمّا النصّ فيشير الشيخ الطوسي إلى مجموعة نصوص من القرآن والسنّة، تدلّ على نصّ القرآن ونصّ السنّة النبويّة على إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام بعد رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله  بلا فصل وتبطل إمامة غيره.

أمّا القرآن فأقوى ما يدلّ على إمامته عليه‌السلام عند الشيخ الطوسي قوله تعالى:(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)[3] والمراد من (وليّكم) من كان متحقّقًا بتدبيركم والقيام بأموركم وتجب طاعته عليكم، كما تدلّ اللغة على هذه المعاني، والمراد من (الذين آمنوا) أمير المؤمنين عليه‌السلام حيث تصدّق في الصلاة وهو راكع كما ثبت في الروايات الصحيحة عند الفريقين «وفي ثبوت هذين الوصفين دلالة على كونه عليه‌السلام إمامًا لنا»[4].

وقد أثار المخالفون مجموعة شبهات لصرف الآية عن دلالتها الظاهرة والواضحة على إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام، من قبيل التصرّف في معنى (الولي) أو الشبهة في شأن نزولها، أو كيفيّة التصدّق وهل كان نفقة أو زكاة وغيرها من الشبهات التي ردّها الشيخ الطوسي ببيان واف وكاف[5].

أمّا النصوص فيقسّمها الشيخ الطوسي إلى 1. الفعل 2. القول، فالأوّل كلّ ما دلّ وصدر عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله ممّا يدلّ على تعظيم أمير المؤمنين عليه‌السلام وتبجيله وتقديمه على سائر الأمّة.

(50)

أمّا النصوص القوليّة فيقسّمها الشيخ إلى: 1. النصّ الجلي وهو ما عُلم سامعوه من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله مراده منه باضطرار وإن كنّا لا نعلم ثبوته الآن والمراد منه إلّا بالاستدلال من قبيل قوله: «فَسَلِّمْ عَلَى عَلِيٍّ‌ بِإِمْرَةِ اَلْمُؤْمِنِينَ»[1] أو «هَذَا خَلِيفَتِي فِيكُمْ مِنْ‌ بَعْدِي، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا»[2]. 2. النصّ الخفيّ وهو الذي فهموا مراد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله منه بالاستدلال[3].

من أهمّ النصوص المستدلّ بها حديث الغدير الذي وصفه الشيخ الطوسي بقوله: «الخبر المعروف الذي لم يدفعه أحد من أهل العلم معتدّ به»[4] كما يصفه بالتواتر[5].

ونصّ الحديث أنّ رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال عند منصرفه من الحجّ عند وصوله إلى غدير خم وبعدما جمع الناس، وبعد خطبة طويلة: «أَ لَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ؟» فَقَالُوا اَللَّهُمَّ بَلَى، فَقَالَ بعد إشارة إليه: «فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ اَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ وَاُنْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاُخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ»[6].

أمّا وجه الاستدلال بتقريب الشيخ الطوسي: «أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله استخرج من أمّته في ذلك المقام الإقرار بفرض طاعته، ووجوب التصرّف بين أمره ونهيه بقوله: ألست أولى بكم منكم بأنفسكم.

وهذا القول وإن كان مخرجه مخرج الاستفهام فالمراد به التقرير، وهو جار مجرى قوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)[7] فلمّا أجابوه بالاعتراف والإقرار رفع بيد أمير المؤمنين عليه‌السلام وقال عاطفًا على ما تقدّم: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَهَذَا مَوْلاَهُ‌ -وفي رواية: فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ - اَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ وَاُنْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ

(51)

وَاُخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ» فأتى صلى‌الله‌عليه‌وآله بجملة يحتمل لفظها معنى الجملة الأولى التي قدّمها، وإن كان محتملًا لغيره لوجب أن يريد به المعنى المتقدّم الذي قرّرهم به على مقتضى استعمال أهل اللغة وعرفهم في خطابهم، وإذا ثبت أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله أراد ما ذكرناه من إيجابه كون أمير المؤمنين عليه‌السلام أولى الأمّة من أنفسهم، فقد أوجب له الإمامة، لأنّه لا يكون أولى بهم من أنفسهم إلّا فيما يقتضي فرض طاعته عليهم ونفوذ أمره ونهيه فيهم، ولن يكون كذلك إلّا من كان إمامًا»[1].

وبطبيعة الحال قد أورد المخالفون مجموعة شبهات لصرف دلالة الحديث على الإمامة بعد أن لم يتمكّنوا من ردّ أصل الخبر، وقد أجاب عليها الشيخ الطوسي بجواب كاف[2].

والحديث المتواتر الآخر الذي استشهد به الشيخ الطوسي لإثبات إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام إنّما هو حديث المنزلة، حيث قال صلى‌الله‌عليه‌وآله لأمير المؤمنين عليه‌السلام : «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ‌ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي»[3].

ثمّ قال رحمه‌الله في وجه ثبوت الإمامة من هذا الحديث: «فأثبت له جميع منزل هارون من موسى إلّا ما استثناه لفظًا من النبوّة، وقد علمنا أنّ من منازل هارون من موسى أنّه كان مفترض الطاعة على قومه، وأفضل رعيّته، ومن شدّ اللّٰه به أزره، فيجب ان تكون هذه المنازل ثابتة له، وفي ثبوت فرض طاعته ثبوت إمامته»[4].

وهناك أدلّة أُخرى يستشهد بها الشيخ الطوسي لإثبات إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام من قبيل استخلاف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله له على المدينة لمّا ذهب إلى تبوك ولم يعزله، ومنها إجماع أهل البيت عليهم‌السلام على ذلك وإجماعهم حجّة بدليل حديث الثقلين وحديث السفينة، ومنها ما يدلّ على عصمته عليه‌السلام في آية التطهير

(52)

وآية العهد والمعصوم إمام وغيرها من الأدلّة[1].

فهذه الأدلّة بمفردها ومجموعها تدلّ على إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام بعد رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله بلا فصل، قد أشبعها الشيخ الطوسي بحثًا وردًّا للشبهات المثارة حولها، نعم هناك شبهات عامّة تطال أصل مسألة النصّ، أوردها المخالفون اعتراضًا ونقضًا، منها:

1. لو كان النصّ صحيحًا لوجب أن يقع العلم به لكلّ من سمع الأخبار، كالعلم بالكعبة وصيام شهر رمضان ونحوهما، ولم يكن النصّ كذلك في صحّة العلم.

الجواب: يعتقد الشيخ الطوسي بمساواة مسألة النصّ وسائر الأمور التي نعلم بها قطعًا كالكعبة والصوم، غير أنّ هنا فرقًا طفيفًا وهو أنّه ما كان هناك داع إلى كتمان شيء من كون الكعبة قبلة أو وجوب صيام شهر رمضان، ولا كان هناك تكذيب لأصل وجودهما ووجوبهما بل سلم جميع المسلمين بذلك فارتفع الشكّ، ولكن موضوع النصّ رغم وضوحه يختلف حيث عورض بالمخالفة في أصله وفرعه لذا كثر الشكّ فيه. ثمّ هنا جواب نقضي من حيث طروء الشكّ والشبهة حتّى فيما تسالم المسلمون عليه من قبيل تفاصيل الوضوء والصلاة وكيفيّتهما[2].

2. لو كان النصّ صحيحًا لما خالفته الصحابة، ولما صدر منهم ما صدر من المنازعة والمواقف المختلفة حول الإمامة، وإلّا لزم القول بارتدادهم، وهذا يقدح في النبوّات.

وفي مقام الجواب ينقل الشيخ الطوسي كلام ابن قبة حيث قال ما نصّه: «انّ الناس بعد رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكونوا بأسرهم دافعين للنصّ وعاملين بخلافه مع علمهم الضروري به، وإنّما بادر قوم من الأنصار لما قبض الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى

(53)

طلب الإمامة، واختلفت كلمة رؤسائهم بينهم، واتّصلت حالهم بجماعة من المهاجرين فقصدوا السقيفة عاملين على إزالة الأمر عن مستحقّه والاستبداد به، ... فلمّا رأى الناس فعلهم وهم من وجوه الصحابة وممّن يحسن الظنّ بمثله وتدخل الشبهة بفعله، توهّم أكثرهم أنّهم لم يتلبّسوا بالأمر، ولا أقدموا عليه إلّا بعذر يسوّغ لهم ذلك ويجوّزه، فدخلت عليهم الشبهة واستحكمت في نفوسهم ولم ينعموا النظر في حلّها، فمالوا ميلهم وسلموا لهم، وبقي العارفون بالحقّ والثابتون عليه غير متمكّنين من إظهار ما في نفوسهم، فتكلّم بعضهم ووقع منه النزاع ما قد أتت به الرواية...»[1].

3. لو كان النصّ صحيحًا لما جاز من أمير المؤمنين عليه‌السلام حضور مجالسهم ومبايعتهم، والصلاة خلفهم، وأخذ عطاياهم، ونكاح سبيهم وإنكاحهم ابنته.

الجواب: أما البيعة إذا كانت بمعنى الرضا والتسليم فلم تتحقّق، أمّا إذا أُريد منها الصفقة فذلك قد وقع لكن بعد مماطلة وممانعة وتقاعد طويل عرفها الجميع، وإنّما دعاه ذلك الحفاظ على الإسلام والنفس.

أمّا حضور مجالسهم فإنّه ما كان يقصدهم بل كان يذهب إلى مسجد رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله ويجلس فيه فيقع الاجتماع معهم هناك، مضافًا إلى تعمّده في الحضور لإصلاح الأمور والإجابة على بعض الأسئلة التي ترد إلى أهل الإسلام ولم يعرف القوم جوابها.

أمّا الصلاة خلفهم فلا دليل على أنّه صلّى مأتمًا بهم، بل صلّى مظهرًا للاقتداء لغلبة القوم على الأمر وتمكينهم من الحلّ والعقد، فعدم إظهار الإقتداء كان يعني المخالفة والمنابذة فاضطر إليه.

أمّا أخذ العطايا فما أخذ عليه‌السلام إلّا حقّه، ولا اعتراض على من أخذ ما يستحقّه، أمّا نكاح السبي فإنّه لم يستبح ذلك بالسبي بل كان يعتقها ويتزوّجها بمهر، كما دلّ عليه النصوص أيضًا.

(54)

إمّا إنكاحه ابنته لعمر فلم يكن إلّا بعد توعّد وتهديد ومراجعة ومنازعة، والذي تولّى أمرها العبّاس حيث طلب من الإمام ردّ أمرها إليه فزوّجها العبّاس من عمر[1].

ثالثا: أحكام البغاة

يحكم الشيخ الطوسي على الخارج على أمير المؤمنين عليه‌السلام بالكفر، ويستدلّ على ذلك بإجماع الشيعة وإجماعهم حجّة لدخول المعصوم فيه، وأيضًا لأنّ المحاربين له كانوا منكرين لإمامته ودافعين لها، ودفع الإمامة وجحدها كدفع النبوّة وجحدها، وقد ورد رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال لعليّ عليه‌السلام: «حَرْبُكَ يَا عَلِيُّ‌ حَرْبِي، وَسِلْمُكَ سِلْمِي»[2]. ويناقش الشيخ جميع الأدلّة التي أقاموها لإثبات توبة القوم ويقول: «ما تدّعيه المعتزلة من الأخبار في توبة طلحة والزبير وعائشة، فهي كلّها أخبار آحاد لا يُلتفت إليها وليس أيضًا ممّا فيها تصريح بالتوبة، وأدلّ دليل على عدم التوبة أنّهم لو تابوا لسارعوا إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام والدخول في عسكره والجهاد معه[3].

رابعًا: إمامة سائر الأئمّة عليهم‌السلام

مع قطع النظر عن النصوص العامّة والخاصّة الواردة عن رسول اللّٰه صلى‌الله‌عليه‌وآله على أعيان الأئمّة عليهم‌السلام ، والنصوص الواردة عن الإمام السابق على الإمام اللّاحق، يستدلّ الشيخ الطوسي بإمامة الأئمّة عليهم‌السلام بدليل شامل وعامّ وهو صفات الإمام التي أثبتها في بداية كتاب الإمامة بالدليل العقلي، فيقول:

«إذا ثبت أنّ الزمان لا يخلو من إمام، وأنّ من شرطه أن يكون مقطوعًا على عصمته، ويكون أكثر ثوابًا عند اللّٰه تعالى، وأعلمهم بجميع أحكام الشريعة، سهل الكلام على إمامة إمام بعد أمير المؤمنين عليه‌السلام، لأنّه نعتبر أقوال الأمّة في عصر كلّ إمام فنجده بين أقوال:

(55)

قائل يقول: لا إمام، وما دللنا به من أنّ الزمان لا يخلو من إمام يُفسد قوله. وقائل يقول بإمامة من لا يقطع على عصمته، بل لا يجعلها من شرط الإمام. وذلك يبطل بما قدّمناه من وجوب القطع على عصمة الإمام.

وقائل يقول بإمامة من يدّعي عصمته، لكنّه يذهب إلى إمامة من لا يدّعي النصّ عليه ولا المعجزة، وقد بيّنّا أنّه لا طريق إلى معرفة المعصوم إلّا بأحد هذين، فقوله يفسد أيضًا بذلك.

ومن ادّعى النصّ إمّا صريحًا أو محتملًا، فإنّه يذهب إلى إمامة من علمنا موته كالكيسانيّة القائلين بإمامة ابن الحنفيّة، والناووسيّة والواقفة على جعفر بن محمّد عليه‌السلام والفطحيّة القائلين بإمامة عبد اللّٰه بن جعفر الصادق، وكالواقفة القائلين بإمامة موسى بن جعفر وأنّه حيّ لم يمت. وأقوال هؤلاء تبطل بما علمنا من موت هؤلاء ظاهرا مكشوفًا....

وهذه الجملة إذا اعتبرتها في إمام إمام، من عهد الحسين بن عليّ وإلى عهد القائم بن الحسن عليهم‌السلام، وجدتها صحيحة لا يمكن الطعن عليها إلّا بالمنازعة في بعض الأصول التي ذكرناها، ومتى نازعوا في شيء من ذلك كان الكلام في تصحيح ذلك الأصل أولا ثم في فرعه»[1].

خامسًا: في الغيبة

إنّ موضوع إمامة الإمام المهدي عليه‌السلام فرع ثبوت أصل الإمامة وإمامة آبائه الطاهرين عليه‌السلام، وبعد ثبوت هذا الأصل يتمّ الكلام في موضوع الغيبة وسببها، وقد تصدّى الشيخ الطوسي رحمه‌الله لهذا الموضوع أيضًا في كتبه الكلاميّة، وخصّص للغيبة كتابًا مستقلًّا لأهميّة الموضوع وكثرة شبهات الخصوم.

وبما أنّ الشيخ الطوسي بحث الأدلّة العقليّة على وجوب الإمامة والرئاسة وكذلك إمامة سائر الأئمّة عليهم‌السلام بشكل مستوفى، لا يتوقّف كثيرًا في موضوع إثبات إمامة صاحب العصر والزمان عليه‌السلام، بل يكتفى بالإشارة الإجماليّة

(56)

إلى الأدلّة العقليّة السابقة في وجوب الرئاسة وعصمة الإمام ليستدلّ على انحصار الإمامة في الإمام المهدي عليه‌السلام، ومضافًا إلى الأدلّة العقليّة، يستشهد الشيخ الطوسي بالأدلّة النقليّة الدالّة على إمامة صاحب الزمان عليه‌السلام، منها حديث الأئمّة الإثني عشر الوارد عند الفريقين، فإذا «ثبت ذلك فكلّ من قال بذلك قطع على الأئمّة الإثني عشر الذين نذهب إلى إمامتهم وعلى وجود ابن الحسن عليه‌السلام وغيبته، لأنّ من خالفهم في شيء من ذلك لا يقصر الإمامة على هذا العدد، بل يجوّز الزيادة عليها»[1].

ومنها الروايات الكثيرة الدالّة على وجود الغيبة للإمام الثاني عشر عليه‌السلام، مع ذكر صفات الغيبة وما يحدث فيها «فوافق ذلك على ما تضمّنته الأخبار، ولولا صحّتها وصحّة إمامته لما وافق ذلك، لأنّ ذلك لا يكون إلّا بإعلام اللّٰه تعالى على لسان نبيّه»[2].

ومنها الأخبار الدالّة على أنّه سيخرج في هذه الأمّة مهدي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا[3].

ومنها الأخبار الواردة في ولادته عليه‌السلام ومن شاهده ورآه[4].

أمّا سبب الغيبة والوجه فيها، فيذكر الشيخ الطوسي عدّة أمور:

1. إذا ثبتت إمامته عليه‌السلام وعصمته «علمنا أنّه لم يغب مع عصمته وتعيّن فرض الإمامة فيه وعليه، إلّا لسبب اقتضى ذلك وضرورة قادت إليه، وإن لم يعلم الوجه على التفصيل»[5].

2. السبب الأساسي للغيبة عند الشيخ هو خوف الإمام على نفسه من قتل الظالمين له، ومنعهم إيّاه من التصرّف في الأمور :فإذا حيل بينه وبين مراده

(57)

سقط فرض القيام بالإمامة، وإذا خاف على نفسه وجبت غيبته ولزم استتاره، كما استتر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله تارة في الشعب وأُخرى في الغار، ولا وجه لذلك إلّا الخوف من المضارّ الواصلة إليه»[1].

ويقول الشيخ الطوسي في مقام الدفاع عن هذا الدليل والجواب عن شبهة المخالفين عن سبب عدم استتار الأئمّة السابقين مع خوفهم من أعدائهم، يقول: «ما كان على آبائه عليهم‌السلام خوف من أعدائهم مع لزوم التقيّة والعدول عن الظاهر بالإمامة ونفيها عن نفوسهم، وإمام الزمان كلّ الخوف عليه، لأنّه يظهر بالسيف ويدعو إلى نفسه ويجاهد من خالفه عليه، فأيّ نسبة بين خوفه من الأعداء وخوف آبائه لولا قلّة التأمّل.

على أنّ آباءه عليهم‌السلام متى قتلوا أو ماتوا، كان هناك من يقوم مقامهم ويسدّ مسدّهم [بمن] يصلح للإمامة من أولادهم، وصاحب الأمر عليه‌السلام بالعكس من ذلك، لأنّ من المعلوم أنّه لا يقوم أحد مقامه ولا يسدّ مسدّه»[2].

3. أورد المخالفون شبهة مصير الأحكام الشرعيّة وإقامة الحدود في الغيبة، وأجاب الشيخ بأنّ الحدود المستحقّة باقية في جنوب مستحقّيها، فإن ظهر الإمام ومستحقّوها باقون أقامها عليهم بالبيّنة أو الإقرار، وإن كان فات ذلك بموته كان الإثم في تفويتها على من أخاف الإمام وألجأه إلى الغيبة ... الحدّ إنّما يجب إقامته مع التمكّن وزوال المنع»[3].

5. مباحث المعاد

رغم أنّ الشيخ الطوسي رحمه‌الله جعل المعاد الأصل الخامس لأركان الإيمان في رسالته الاعتقاديّة، لكنّه لم يفرد له فصلًا مستقلًّا تحت هذا العنوان، بل اكتفى بذكر بعض مسائله ضمن مباحث الإلهيّات والوعد والوعيد. وإليك بيانه:

(58)

يعرّف الشيخ الطوسي المعاد بأنّه «إعادة الأجسام على ما كانت عليه»[1]. والسبب أو الدليل على ذلك ما يحكم به العقل من لزوم انقطاع التكليف للوصول إلى الثواب، لأنّه قال انّ سبب التكليف هو التعريض للثواب، فإذا لم ينقطع التكليف لم يصل المكلّف إلى الثواب، وانقطاع التكليف يتحقّق بالموت والفناء.

علمًا بأنّ الثواب لا يصحّ أن يكون مقترنًا بالتكليف، «لأنّ من شأن الثواب أن يكون خالصًا صافيًا من الشوب والتكدّر حتّى يحسن إلزام المشاق له، فلو كان مقترنًا بالتكليف -والتكليف لا يعرى من المشاق- لأدّى إلى حصول الثواب على خلاف الوجه المستحقّ ويقترن به الغموم والمضارّ. ولأنّه لو كان الثواب مقترنًا بالتكليف لأدّى إلى أن يكون المكلّف ملجأ إلى فعل الطاعة، لأنّ المنافع العظيمة تلجئ إلى فعل ما ضمنت عليه»[2].

ثمّ استدلّ الشيخ على فناء الأجسام والجواهر بالسمع كقوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ)[3] وقوله: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ)[4] أمّا المقدار الذي سيعود يوم القيامة بعد الفناء هو بُنية الحياة عند الشيخ الطوسي أي: «التي متى انقضت خرج الحيّ من كونه حيًّا، ولا معتبر بالأطراف وأجزاء السمن، لأنّ الحيّ لا يخرج بمفارقتها من كونه حيًّا...

ومن قال: تجب إعادة الحياة دون الجواهر فقوله باطل، لأنّ المستحقّ للثواب والعقاب هي الجملة التي تركّبت من الجواهر، وكيف يجوز التبدّل بها فيؤدّي إلى أيصال الثواب والعقاب إلى غير المستحقّ، والصحيح ما قلناه»[5].

ثمّ انّ العفو عن العقاب حسن والدليل عليه أنّ العقاب «حقّ اللّٰه تعالى إليه

(59)

قبضه واستيفاؤه، لا يتعلّق بإسقاطه إسقاط حق للغير منفصل منه، فوجب أن يسقط بإسقاطه كالدين، فإنّه يسقط بإسقاط صاحبه»[1].

أمّا التوبة فإنّها تسقط العقاب تفضّلًا من قبل اللّٰه، دلّ على ذلك السمع إذ العقل لا يدلّ على أكثر من أنّها طاعة يُستحقّ بها الثواب لا أكثر[2].

وينقل الطوسي عدم الخلاف في شفاعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والشفاعة هي: «إسقاط المضارّ المستحقّة»[3].

ثمّ ينقل الشيخ الطوسي إجماع الأمّة على عذاب القبر، ويشير إلى منكر ونكير وإنّ المساءلة والمحاسبة في الموقف مع علم اللّٰه تعالى، قد يكون لغرض صحيح كظهور الفرق بين أهل الجنّة والنار، وتمييز بعضهم عن بعض. وينقل الشيخ أيضًا الإجماع على شهادة الجوارح ونشر الصحف، والقرآن صريح في ذلك. كما ينقل مختلف الأقوال في الميزان والصراط من دون أن يعطي رأيه المختار.

أمّا التكليف في الآخرة فمرفوع للمثابين والمعاقبين على سواء، كما أنّ معارف أهل الآخرة ضروريّة وهم ملجأون إلى أن لا يفعلوا القبيح، وهم مخيّرون في أفعالهم والقرآن قد دلّ على ذلك في قوله: (وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ)[4].

(60)

المصادر

1. آقا بزرگ الطهراني، محمّد محسن. الذريعة في تصانيف الشيعة، ط الثانية، دار الأضواء، [د.ت].‏

2.الحافظ البرسى، رجب بن محمّد. مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين عليه‌السلام. التحقيق والتصحيح: عاشور، على. بيروت: أعلمي، 1422هـ.‏

3.الصدوق، محمّد بن علی(ابن‌بابویه). معاني الأخبار. قم المقدسة: جامعه مدرسين حوزه علميه قم، 1361ش.‏

4.الطوسی، محمّد بن حسن‎.‎‏ الاقتصاد فيما يجب على العباد. طهران: مکتبة چهل ستون العامة و مدرستها، 1400هـ.‏

5.ـــــــــــــ. العدة في أصول الفقه. التحقيق: محمّد رضا انصاری قمی، ط1، قم المقدسة: تیزهوش، 1417هـ.‏

6.ـــــــــــــ. الغيبة. التحقيق والتصحيح: تهرانى. عباد اللّٰه و ناصح، على احمد. ط1. قم المقدسة: دار المعارف الإسلامية، 1411هـ. ‏

7.ـــــــــــــ. تمهيد الأصول(في علم الكلام). التحقيق: المركز التخصصي لعلم الكلام الإسلامي التابع المؤسسة الإمام صادق عليه‌السلام. قم المقدسة: نشر الرايد، ‏‏1394ش.‏

8.الطوسي، محمّد بن الحسن. الاقتصاد فيما يجب على العباد. ط1. قم: ‏دليل ما. ١٤٣٠هـ.‏

9.ـــــــــــــ. تلخيص الشافي. تقديم: بحر العلوم، حسین. 4ج. قم المقدسة: نظر محبين، 1382ش.‏

10.ـــــــــــــ. الرسائل العشر‎. قم المقدسة: مؤسسة النشر الإسلامي، [د.ت]. ‏

11.ـــــــــــــ. فهرست كتب الشيعة وأصولهم. ط1. قم: ‏منشورات مكتبة المحقق الطباطبائي. ‏‏١٤٢٠هـ.‏

12.ـــــــــــــ. المقدمة في علم الكلام. تحقيق حسن أنصاري ‏و زابينه اشميتکه. ط1. تهران: ميراث ‏‏مكتوب. ١٣٩٢ش. (مطبوع مع شرح ‏المقدمة لنجيب الدين الحسيني).‏

(61)

13.الرازي، منتجب الدين. الفهرست. مكتبة السيّد المرعشي، 1366ش.‏

14.المفید، محمّد بن محمّد. الأمالي. قم المقدسة: بنیاد معارف اسلامی، 1430هـ.‏

15.ـــــــــــــ.الفصول المختارة من العیون و المحاسن. قم المقدسة: المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، 1413هـ.‏

16.ـــــــــــــ.الإرشاد في معرفة حجج اللّٰه على العباد، ج1، قم المقدسة: کنگره‌ جها‌نی‌ هزاره‌ شیخ‌ مفید، 1413هـ.‏

17.الطبرسى، فضل بن حسن. إعلام الورى بأعلام الهدى. طهران: اسلاميه‏، 1390هـ.

18.النجاشی، احمد بن علی. رجال. التحقيق:السيّد موسى الشبيري الزنجاني. قم المقدسة: مؤسسة النشر الإسلامي، [د.ت].

 

(62)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف