الدکتور عبد الهادي الحكيم
لقد بذل البريطانيون جهدا كبيرًا في احتلال العراق وواجهوا تحديات عسكرية وسياسية كثيرة، وقد كان احتلال العراق جزءا من إستراتيجية بريطانية أوسع لتأمين مصالحها في الشرق الأوسط.
يبين هذا البحث أسباب الاحتلال البريطاني للعراق ودوافعه والمظالم التب تعرض لها العراقيون من البريطانيين، وكيف حفزت المرجعية الدينية والحوزة العلمية جماهير النجف للقيام بالثورة لاسترداد الحقوق، ودفع الظلم، وصولًا للاستقلال والحرية؛ فقد أيقنوا أن لا جلاء للمحتل إلا بالثورة المسلحة، كل ذلك التحرك اكتسب مشروعيته الدينية من خلال فتوى الجهادية للثورة بعد أن استنفذت شتى الوسائل السلمية.
لقد تمثّلت المعارضة السلمية ب انعقاد مؤتمر النجف والذي تمخض عنه
تأسيس جمعية في سائر العراق، تعمل على توحيد الصفوف، وبث رسالة الزعيم الروحي الى سائر رؤساء العشائر المتضمنة التكافل والعمل الجماعي السلمي، والتأكيد على عدم الرجوع الى الثورة المسلحة إلا بعد استنفاذ المساعي السلمية، كما تعرض الباحث الى عرض المحتل على المرجعية العليا التفاوض المشروط بدلا عن الثورة المسلحة الذي انتهى الأمر بقبوله بعد جملة من تبادل الآراء والاستشارات، بشرط يبقى الحذر قائم والاستعداد مستمر.
وقد أفشل مجاهدو الثورة العراقية الكبرى مساعي الاحتلال بوضعهم تحت الانتداب والوصايا، أو إلحاقهم بالهند، تلك السياسات التي دعت إلى تغيير التركيبة السكانية عبر الهجرة الهندية والاسترالية والمصرية إليه.
إن كلّ تلك المساعي قد احبطها العراقيون بتلاحمهم مع المرجعية، فكان للعراق ما أراد بتأسيس دولة مستقلة عام 1921م.
ذلك كان أبرز أغراض البحث ومحتوياته، ونظرًا لأهميّة المبحث الذي أشبعه الباحث الكريم بصحّة التوثيق، ودقّة التحليل تم مفاتحة سماحة السيد الدكتور عبد الهادي السيّد محمّد تقي الحكيم بانتخاب بعض المطلب في كتابه (قيادة المرجعية الدينية لثورة العشرين؛ وقائعها ومبدئية مواقفها من المحتلّ وتابعيه وشكل نظام حكمها مع مقارنته بنظرية سماحة السيد السيستاني ورؤاه العمليّة) الذي يقع ضمن سلسلة (الحوزة العلمية في النجف الأشرف) فوافق متفضلًا بعد تبادل للآراء وعرض البحث المنتخب عليه.
الكلمات المفتاحية: الاحتلال البريطاني، المرجعية، ثورة العشرين، فتوى المرجعية.
أغرى موقع العراق الاستراتيجي وأطمعت ثرواته الكبيرة بريطانيا الاستعمارية، فسال لعابها لاحتلاله مقررة أنه لا يمكن التفريط به بحال من الأحوال، ولا يمكن السماح لإحدى الدول الاستعمارية الأخرى أن تسيطر عليه فتهدد مصالحها في المنطقة كلها للخطر.
ونظرًا لـ«كون العراق حلقة من حلقات المواصلات البريطانية المؤدية إلى الهند؛ فقد حاولت بريطانيا منذ نهاية القرق (كذا) الماضي وقبل فتح قنال السويس أن تشق طريقًا إلى الهند مارًّا بالعراق، فكانت هناك محاولات لتأسيس شركة لمدّ خطوط حديدية من الاسكندرونة إلى البصرة، ولفتح خط المواصلات النهرية على الفرات. وقد قضى فتح قنال السويس على هذه الخطط. ثم جاءت ألمانيا بمشروع سكة حديد بغداد فقاومته بريطانيا بكل شدة، وبتقدم فن الطيران والمواصلات الجوية أصبح العراق حلقة مهمة من حلقات المواصلات الجوية بين بريطانيا والهند وأستراليا. زد على ذلك أمل الإنكليز بمدّ سكة حديد حيفا - بغداد، وفتح المجال لنقل البضائع والمسافرين بواسطته.
ولا تبغي بريطانيا بتأسيس قاعدتين قويتين للطيران في العراق وبعقدها معاهدة دفاعية مع العراق سنة (1347هـ/1930م) حفظ خطوط مواصلاتها
فقط، بل كانت ترمي أيضًا إلى منع كل دولة أخرى من التقرب من الخليج الفارسي والمحيط الهندي والاستيلاء على سواحلها» هناك، وقد أشار إلى ذلك صراحة السير برسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق بعد انتهاء عمله في العراق بقوله في محاضرة له سنة (1327هـ/1929م) جاء فيها: لقد «كان من أولويات سياستنا أن لا نسمح لأية قوة أوربية لكي تجد لها موطئ قدم عند رأس الخليج العربي أو بالقرب منه». وخاصة بعد أن ظهر وجود النفط بالقرب من نهر كارون على مسافة مائة ميل شمالي خليج البصرة، حيث «تأسست شركة النفط الإنكليزية الفارسية والتي تمكنت في سنة (أواخر 1332هـ وما بعدها/1914م وما بعدها) أن تموّن الأسطول البريطاني ب(75%) من الوقود الذي يحتاجه، ومع أن آبار النفط والأنابيب تقع في إيران إلّا أنها قريبة من الحدود. وكانت إيران وقتئذ حكومة ضعيفة ومن المحتمل أن تقع فريسة باردة بين يدي تركيا ما لم نقم نحن بالدفاع عنها».
إن العراق يكتسب أهمية بالغة بـ«موقعه الاستراتيجي كقاعدة للطريق البري إلى الهند، ومجاورته لإيران التي ظهرت فيها آبار البترول الغزيرة، فضلًا عما في شمال العراق من حقول النفط الغنية، ثم ازدادت أهمية العراق بعد الحرب نظرًا لاستخدام أراضيه كقاعدة جوية للطيران التجاري والحربي».
كما كان للشركة الإنكليزية الفارسية فرع هو شركة نفط خانقين، وقد منح
لهذا الفرع حق امتياز استخراج النفط من ضواحي خانقين العراقية. كما كان لشركة النفط العراقية -المتكونة رؤوس أموالها من إنكليزية، وفرنسية، وأميركية، وهولندية- حق امتياز استخراج النفط في شمال العراق وشرق دجلة. وهناك امتيازات نفطية أخرى للمستعمرين في العراق لا مجال لذكرها.
يقول كوكس المندوب السامي البريطاني السابق في العراق مؤكّدًا أهمية العراق للمصالح الاستراتيجية البريطانية: إنّ بريطانيا بخسارتها للعراق «ستتعرض حقول النفط الفارسية مرة أخرى للخطر، كما أن الحقول العراقية التي توجد دلائل كثيرة على توفرها ستنتقل إلى أيدٍ مُعادية. وإنّ تجارتنا مع العراق التي تبشر بالخير ستتضرر أيضًا»؛ ذلك أن العراق كان أحد الأسواق المستوردة والمستهلكة للبضائع البريطانية، وأحد المصادر للمواد الخام لبريطانيا في القطن والجلود وإن كانت بكميات قليلة آنذاك إلّا أنها واعدة. كما بات في الإمكان «استثمار روؤس (كذا) الأموال البريطانية للقيام بمشاريع مهمة أهمها بعض مشاريع الريّ التي تلتزمها شركات بريطانيا، أو إمكان عقد قروض للعراق في بريطانيا وما أشبه ذلك».
لقد أكدت العديد من تصريحات المسؤولين البريطانيين والمؤرخين الأهمية الاستراتيجية لاحتلالهم العراق، فمن ذلك مثلًا تصريحات المس بيل في (21
رجب 1338هـ/10 نيسان 1920م) بعد اندلاع ثورة العشرين بقولها: «أشعر شعورًا جازمًا بأننا إذا تركنا هذه البلاد وشأنها فإن ذلك سيعني أننا يجب علينا أن نعيد النظر في وضعنا في آسيا بأجمعه. وإذا ذهب العراق من أيدينا فإن إيران ستذهب بصورة لا مناص منها، ثم تعقبها الهند. وسيحتل المكان الذي تفرغه الشياطين السبعة، ويصبح وضعه أسوأ بكثير من أي وضع كان عليه قبل مجيئنا»[1]، إضافة إلى ما انتهى إليه نائب الحاكم الملكي العام السابق في العراق ولسون محذّرًا من «أن أي تقليص في سلطة الحكومة... سينطوي على كارثة واسعة بالنسبة للمصالح التجارية البريطانية والمحلية».
إضافة إلى أن الاحتلال البريطاني أو «الانتداب على العراق يعطي الإنكليز إمكانية استخدام هذا البلد كرأس جسر للتدخل المعادي للسوفيت».
وهناك داعٍ آخر غير ما تقدم ربما دعا المحتلين الإنكليز إلى الإصرار على استمرار احتلال العراق والبقاء فيه وعدم الانسحاب منه رغم كثرة ما كبّدهم المجاهدون العراقيون من خسائر فادحة بالأرواح والمعدات خلال ثورة (1920م)، ذلك الداعي والسبب هو أن الإنكليز: كانوا يعتقدون أن خروجهم من هذا البلد سيخلق لهم أوضاعًا معقدة وقلقة وهشة في الدول المجاورة، ويمكن إجمال هذه «الأوضاع المزعجة» في كل من الدول الآتية حسب ما نقله الباحث الحائري عن تقارير مسؤولي وزارة الخارجية البريطانية، وهي:
1- سوريا 2- فلسطين 3- الحجاز 4- مصر 5- السودان 6- إيران».
مشيرًا إلى جملة ما ستتعرض له بريطانيا في كل دولة من الدول المذكورة أعلاه بتفصيل وصفه التقرير «بالأوضاع المزعجة» في المنطقة حال انسحابها من العراق.
وإذا كان تأثير انسحاب بريطانيا من العراق مفهومًا كونه سيخلف وضعًا مزعجًا أو«عواقب غير محمودة»، لبريطانيا في كل من سوريا وإيران والحجاز لأنها دول محاددة له، ولكن تأثيره يبدو غير واضح على مصر والسودان. فأما تأثيره على مصر فقد ورد في التقرير أنه «سيتمخض عن الانسحاب البريطاني إدراك مصري بعجز البريطانيين عن الحفاظ على سيطرتهم على العراق. ومن شأن هذه الحقيقة أن تشجع المصريين بكل تأكيد على اجتثاث النفوذ البريطاني
في مصر»، أما في السودان فسيؤدي إلى «تأييدهم الحركة الوطنية المصرية لفظيًّا».
غير أن ما يهمني التركيز عليه هنا -إضافة لما تقدم- هو ذكر أن نجاح ثورة العشرين بتحرير العراق من الاحتلال البريطاني سيؤدي إلى زعزعة استمرار وجود الإنكليز في فلسطين، ناهيك عن تهديد مصالحهم الاستعمارية فيها.
يذكر: أن الحكومة البريطانية كانت أكدت -في المادة السابعة من اتفاقية (سايكس- بيكو) الموقعة في لندن بين الحكومتين الفرنسية والبريطانية في (16 أيار (مايو) 1916م/13 رجب 1334هـ) - على حقها في ربط بغداد بحيفا بخط حديدي تنشئه هي وتملكه وتديره بل وتستغله دائمًا لنقل العسكريين على طوله في أي وقت تشاء. تم عادت فأكدت ثانية في المادة نفسها على ضرورة أن ييسر هذا الخط ربط بغداد بحيفا، ما يشير إلى مدى الأهمية التي توليها بريطانيا بربط العراق بحيفا المحتلة.
وفيما يلي ما ورد في المادة السابعة من الاتفاقية الخاص بموضوعنا محل البحث وهو: «يحق لبريطانيا العظمى أن تنشئ وتدير وتكون المالكة الوحيدة لخط حديدي يصل حيفا بالمنطقة (ب) -بغداد- ويكون لها ما عدا ذلك حق دائم بنقل الجنود في أي وقت كان على طول هذا الخط. ويجب أن يكون معلومًا لدى الحكومتين أن هذا الخط يجب أن يسهل اتصال حيفا ببغداد».
وإذا كانت قد «ظلت هذه الاستنتاجات في نطاقها السري ولم يطلع الشعب
العراقي على توصياتها»؛ فإن المفروض بالباحثين في ثورة العشرين والقضية الفلسطينية -فضلًا عن الجامعات ومراكز البحوث المعنية- الاهتمام بها بحثًا ودراسة وتحليلًا.
غير أني -حسب اطلاعي السريع- لم أعثر على بحث مفصل يربط بين الإصرار على عدم الانسحاب من العراق خلال ثورة العشرين والقضية الفلسطينية، عدا إشارات وتنويهات هنا وهناك وهي نادرة، منها الإثارة المهمة للباحث الحائري، رغم كثرة ما كتب وقيل ونشر وأُشهِر وأعلن وأذيع عن كليهما.
لقد استطرد الباحث الحائري وهو يتحدث عن أحد أسباب إصرار الإنكليز على عدم الانسحاب من العراق ناقلًا عن تقارير سرية لمسؤولي وزارة الخارجية البريطانية قولها: «إنّ خروج بريطانيا من العراق سيتبعه حتمًا خروجها من شرق الأردن أيضًا».
ويعقب الباحث على ذلك بقوله: «إن خروجهم -الإنكليز- من العراق وشرق الأردن سيهدد مصالحهم في فلسطين»، وسيترتب على ذلك «أنّ التحرك التركي على فلسطين سيكون أسهل»، كما سيقطع خط مواصلاتهم العسكرية والاقتصادية الرابط بين العراق وفلسطين المحتلة، ما سيؤدي بشكلٍ مّا إلى تهديد وجودهم ومصالحهم في فلسطين، وربما انتهاء انتدابهم البغيض عليها، وإرجاع من جلبوهم من الصهاينة الغرباء وأسكنوهم فيها إلى بلدانهم الأصلية.
إنّ الاحتلال ومضاعفاته وما رافقه ولحقه من حالة معاشية قاسية ومن إذلال كبير للمواطنين، وإضافة إلى تلك الممارسات الخارجة عن دين وقيم وطبائع وأعراف وتقاليد وعادات المجتمع العراقي؛ أدّت بطبيعة الحال إلى أن ينشط الوطنيون الواعون يتقدمهم العلماء الأعلام فيسعون إلى تحرير العراق من الإنكليز المحتلين عن طريق تنظيم حركة سياسية عسكرية سرية أسموها «جمعية النهضة الإسلامية» قوامها ثلة من العلماء الأعلام كالسيد محمد علي بحر العلوم«رئيسًا للجمعية»، والشيخ محمّد جواد الجزائري أحد كبراء رجالاتها، وكانت
عليهما تدور رحى الجمعية ومن أفكارهما تستمد. وقد مرّت على الجمعية أشهُر عديدة وهي تسعى وراء الستار للانتقام من السلطة الأجنبية المحتلة والوصول إلى غاياتها الشريفة، «فقررت إيقاد نار الثورة في النجف وكربلاء والكوفة وأبو صخير والجعارة وقبائلها، وذلك بواسطة النجفيين المنبثّين في نفس تلك المدن، وأيضًا بناء على مواعيد وعد بها بعض زعماء تلك القبائل على أن تقع الثورة في يوم واحد هو يوم (27 جمادى الأولى سنة 1336هـ/10 آذار سنة 1918م)، وفعلًا أوفدت الأحزاب السيد إبراهيم لتنفيذ القرار في كربلاء»، غير أن «سلطة الاحتلال كانت قد أحست في الوقت المناسب بالثورة وتغلغلها بين العشائر، فأسرعت لاتخاذ التدابير والاحتياطات الكافية لحصر الحركة في محلها والحيلولة بينها وبين اشتراك القبائل فيها».
ومما يؤكد أن التخطيط لمعركة النجف من قادة الثورة كان أوسع مدى من السيطرة على مدينة النجف الأشرف فقط، ما دوّنه الحاكم السياسي البريطاني لمنطقة النجف بقوله: «لقد بينت المحاكمات بأن حركة النجف التي نجم عنها مقتل مارشال لم تكن إلّا جزءًا من حركة كانت ترمي إلى اغتيال جميع الحكام السياسيين في المنطقة، وكان بالإمكان أن تنجح هذه الحركة لو لم يتسرع النجفيون بالقيام بها».
ثم وقبل أن تعمّ فروعها طبقات النجفيين في مدن الثورة المتفق عليها، دفع الحماس المتزايد وخطر انكشاف أمر الثورة المحتمل فريقًا من أفراد الجمعية
السرية إلى إضرام نار الثورة قبل أن يحصلوا على آراء كبار أعضاء الجمعية، وكان على رأس هذا الفريق وأكثرهم حماسًا عسكريًّا هو الحاج نجم البقال، فنهض الثوار بقيادته، فنهضوا نهضتهم فجر يوم الثلاثاء (6 شهر جمادى الثانية سنة 1336هـ/ 19 آذار 1918م) وهجموا على دار الحكومة، ودخلوا غرفة الحاكم فمذ شعر بالخطر استل مسدسه وقبل أن يعمل شيئًا عاجله أحدهم بطلقة نارية أردته قتيلًا وجرحوا آخرين.
لقد كان للقسوة المفرطة التي تصدى بها المحتلون الإنكليز لإخماد ثورة النجف الأشرف ضد احتلاهم لها سنة (1336هـ/1918م) أثر كبير في إخماد الثورة، وزاد الطين بلة ما مارسه جيشهم الغازي من حصار قاسٍ على المدينة المقدسة امتد لأكثر من أربعين يومًا مُنع خلالها وصول الماء والغذاء إلى السكان المحاصرين، وقد وصف المؤرخ النجفي الشيخ جعفر محبوبة المُعايِش للحدث والشاهد عليه حالة النجفيين حينها بقوله: «لقد أضر الجوع والعطش بالأهلين والغرباء الزائرين.. وقد عمّهم الخوف الشديد، حيث إنّ الجند محيط بالمدينة، ولم يعلم ما يؤول إليه الأمر من الهتك أو الأسر أو القتل»، كما وصفها المؤرخ النجفي السيد محمّد علي كمال الدين الشاهد على الحدث أيضًا بقوله: «لقد عمّت المجاعة جموع الأهلين.. واختفت من الأسواق جميع المواد الضرورية والكمالية، واضطر بعضهم إلى ذبح الحمير للاستفادة من لحومها، وكيلا تهلك جوعًا، وقد
بيع الحمير في السوق علانية.. أما الماء فقد منّ الله برحمته فأنزل أمطارًا متوالية، فلم يبلغ الظمأ بالناس مبلغ الجوع ولم يضطر الأهلون كثيرًا إلى مياه الآبار.. المُرّة المذاق، على أن الجيش الإنكليزي عمل على ردم الآبار وقناتها التي كانت تصل النجف بالفرات.. ومع ذلك يوجد من الفقراء المرضى من هلك جوعًا، وكذلك ماتت جميع الطيور والقطط، وقد شاهدت القطط وهي تأكل التمر.. ولم أنس منظرها المحزن وهي تتقلب في الطرقات وتموء بأصوات كسيرة وتقلب نظراتها بين المارة وكأنها تستجديهم مما أصابها من آلام الجوع.. وهي تعالج سكرات الموت جوعًا».
ويصف الشيخ علي الشرقي المعاصر للحدث حاجة النجفيين الماسة إلى الماء الصالح للشرب بقوله: «كانت المحنة بالماء عظيمة وعظيمة جدًا، وكان النجفيون عندما تغشاهم غمامة ولو صغيرة نصبوا الحبائل والشراك لصيد حتى القطرة الواحدة، أما شباك ذلك الصيد فهي كل أواني البيت ولو كانت ملعقة صغيرة، ولم يبق في البيت مكان مكشوف إلّا ووضعوا آنية فيه، ترى تلك الأواني المبسوطة وكأنها أكف الابتهال للاستسقاء، وبعد انقشاع الغمامة تراهم للمبالغة في الحرص على القطرة يعصرون الأواني عصرًا، فقد تكون الحصيلة رشفة وقد تكون جرعة ماء».
لِما تقدم وغيره فقد سعى المراجع والعلماء وأنجال العلماء في (12 جمادى
الآخرة 1336هـ/25 آذار 1918م) برفع شكوى إلى القائد العام للجيوش البريطانية ببغداد ذيّلها المرجع اليزدي بتوقيعه، جاء فيها: «نحن العلماء في النجف الأشرف نرفع الشكوى عنا وعن عامة الفقراء والمساكين والمجاورين في هذه البلدة المقدسة.. مسترحمين رفع هذا الأسر والحصار عن الأبرياء والضعفاء الذين لا جناية لهم ولا تقصير ولا رضاء. وأشد البلاء قطع الماء فإنه من العقوبات التي لا تسوغ في جميع الأديان البشرية، فإن لم تكن رحمة للرجال، فنسترحم الرأفة على النساء والأطفال.. وقد أشرفت النفوس على التلف والهلاك من الجوع والعطش وتعطيل الأسواق، وهذه المعاملة ضربة على جملة العالم الإسلامي جارحة لعواطف عامة المسلمين.. فالمأمول إعمال التدابير الحازمة في رفع هذه الغائلة على وجه لا تهلك الضعفاء والأبرياء بإصدار العفو العام وتأمين البلاد».
ويصف السيد محمّد علي كمال الدين المعايش للواقعة شراسة وقساوة اقتحام الجنود الإنكليز للنجف المقدسة بعد حصارها الممض من قبل الآلاف من جيش الاحتلال، متحدثًا عن طريقة اقتحام جنود الإنكليز المدججين بالسلاح لأزقتها وشوارعها وبيوتها بحيث إنهم ما تكاد تقع أعينهم «على أي شخص صغيرًا كان أو كبيرًا، رجلًا أو امرأة إلّا رموه بالرصاص.. فاضطرب الناس أشدّ الاضطراب وأصابهم الهلع كل الإصابة، ومما جرى.. أن الإنكليز عمدوا إلى تخريب جميع الأبنية والبيوت المشادة في إيوانات السور وعددها لا يقل عن خمسمائة بيت، وكذلك جميع البيوت في خارج السور، ومنها محلة كاملة تدعى
محلة عطية أو (الثلمة).. وعدد دور هذه المحلة لا يقل عن خمسمائة بيت أيضًا، فيبلغ عدد الدور المخربة خلال هذين اليومين أكثر من ألف دار.. ولا تسل عما ذهب فيها من التلف والضياع والنهب في الأثاث.. ومن هنا فإننا لا نستطيع أن نبخس الجيش الإنكليزي أشياءه من البطش والقسوة، فهو لا يقل شأنًا عن جيوش هولاكو وتيمورلنك ونيرون».
زد على ذلك أن الجيش الغازي لم يحترم قدسية النجف الأشرف في نفوس العراقيين، ولم يتوقف عن انتهاك حرمتها الدينية باعتبارها مثوى للإمام عليّ أمير المؤمنين عليهالسلام وإمام المتقين، ولا يهتم بمركزيتها الشعبية والشيعية في قيادة الأمة كونها حاضنة للحوزة العلمية ومرجعيتها الدينية العليا في بلد غالبيته العظمى من الشيعة الموالين لها والمطيعين لأوامرها والمنتهين عن نواهيها، والأدهى من ذلك والأمرّ أنهم انتهكوا الحرمات وعذبوا المدنيين والمدنيات رغم علمهم ببراءتهم وبراءتهن «فكووا أيدي النساء بالحديد لحملهن على الاعتراف بمخبأ المختبئين، ومن هؤلاء النساء اللائي التي كويت أيديهن بالجمر كانت أم... أحد رؤساء محلة البراق التي اضطرت تحت هذه القسوة أن تدلّ على مخبأ ابنها».
وكان الضابط الإنكليزي «قائد الكوفة لمّا وقف على الدم الإنكليزي المسفوح، قال: إن كل قطرة من هذا الدم الغالي تساوي أربعمائة نجفي، ومنها جواب القائد العام على برقية علماء النجف حينما أبرقوا قائلين إن النجف زاوية دينية لا ميدان حرب، أجابهم إن التصميم لهو تصميم بريطانيا، وإن قصاص البلدة لم يبتدئ بعد، ومنها أنهم لم يرفعوا الحصار حتى ثأروا بالمشانق ونسف البيوت والمنافي
وثقيل الغرامات».
وإذ رفضت قوات الاحتلال الاستجابة لتظلمات مراجع النجف الأشرف العظام وشيوخها ووجهائها الكرام تفاقمت نقمة النجفيين والفراتيين بل العراقيين ضد الإنكليز، بعدما اعتقلوا من ثوار المدينة المقدسة «ما يقرب من مائة وخمسين رجلًا، وقد حكم على أحد عشر منهم بالإعدام شنقًا، وعلى البقية بالنفي إلى الهند» من قبل محكمة مشكلة من ثلاثة ضباط بريطانيين برئاسة الكولونيل لجمن.
وقد كان الإنكليز طلبوا من المرجع الأعلى السيد اليزدي مغادرة النجف الأشرف بعد أن شددوا الحصار عليها، فأبى الخروج منها إلّا بعد رفع الحصار عن المدينة المقدسة وأهاليها قائلًا: «نحن مع أبناء وطننا إن عاشوا عشنا معهم، وإن هلكوا هلكنا معهم، وكان الإنكليز يلتمسون أن يقبل ما يرسلون إليه من الماء والأطعمة واللحوم وغيرها فيأبى أشد الإباء».
وبعد رفع الحصار القاسي على مدينة أمير المؤمنين عليهالسلام« انتقل -السيد اليزدي- إلى الكوفة كما انتقل إليها شيخ الشريعة وغيره من العلماء والأعلام الذين أبوا إلّا أن يشاطروا الأهلين آلام الحصار والعذاب».
لقد هام النجفيون على وجوههم بعد رفع الحصار المطبق عليهم، فنزلوا ضيوفًا على إخوانهم وأهاليهم في مدن الفرات المختلفة وغيرها، «فكنت لا تكاد تطرق آنذاك مدينة ولا قرية في الفرات الأوسط إلّا وتجد النجفيين أمامك، النساء يحدثن بما لقين من هول الكارثة وهن باكيات معولات، والرجال يستعرضون الحوادث بقلوب مكلومة»، قاصّين عليهم بشاعة ما لاقوه من هول فجائع الإنكليز المحتلين، ومحدثينهم عن ظلامة من عانوا من الرعب والخوف والقلق، ومخبرينهم عمّن مات منهم جوعًا وعطشًا، فزادت نقمة الفراتيين على الإنكليز نقمة، وأشتد امتعاضهم من المحتلين امتعاضًا، وتفاقم بغضهم لهم ولأعمالهم المخالفة لأبسط حقوق الإنسان بغضًا وكراهية وحقدًا.
ويزعم الباحث النجفي المعاصر للحدث أن «ثورة النجف هذه أخرت ساعة الصفر للثورة العراقية -ثورة العشرين- ما يقرب من عشرين شهرًا حيث كان مقدرًا لها أن تكون في (أواخر صيف 1918م) على أقرب تقدير عندما يستكمل الرؤساء عدتهم، ويتم حصاد جميع الحاصلات، فتختزن التموينات الكافية، ولا يباع شيء منها لجيوش الاحتلال، ولكنها.. وقعت قبل أن تنضج كما كان يعتقد حجة الإسلام شيخ الشريعة الذي تولى زعامتها بعد وفاة الإمام الشيرازي».
وإذ كنت لا أتفق تمامًا مع ما ذهب إليه المؤرخ الأسدي لعدم عثوري على مصدر آخر يدعم قوله، فإني أذهب بكل ثقة حسب تتبعي إلى ما ذهب إليه غير واحد من المؤرخين النجفيين وأخص بالذكر منهم الباحث النجفي الشيخ جعفر محبوبة
المتخصص ب(ماضي النجف وحاضرها) والمعاصر للحدث بقوله: «نستطيع أن نقول بلا مجازفة أن ثورة النجف هذه هي الخطوة الأولى للقضية العراقية، والبذرة الوحيدة لنتاج الفكرة الفراتية، واتجاهها نحو استقلال العراق». ومثيله في معاصرته للواقعة الشيخ علي الشرقي بقوله: «إذا كان ما يصح أن يسمى بمقدمة الثورة، أو ما يستحق أن يأتي المؤرخ على تفاصيله وبواعثه بالتفصيل فهو ثورة النجف في وجه الإنكليز، وذلك سنة (1336هـ/1918م).. تلك الثورة التي دبّرت لتشمل جميع جهات الفرات، ولكن يقظة الإنكليز قد حددت الثورة وحصرتها في النجف» كما تقدم.
لقد عدّت الباحثة اليابانية كيكو ساكاي جمعية النهضة الإسلامية صاحبة الثورة -المتقدم ذكرها- أنّها «الحزب السياسي الأول الذي أخذ فيه علماء الشيعة الدور القيادي، وقد تلته منظمات مشابهة في كربلاء والكاظمية. ففي كربلاء كان محمد رضا ابن مرجع التقليد محمد -تقي- الشيرازي قد شكّل الجمعية الإسلامية في كربلاء، وقام أبو القاسم الكاشاني بتنظيم الجمعية الإسلامية في الكاظمية. وتمّ إنشاء الحزب النجفي السري من قبل العلماء ورؤساء القبائل في عام 1919 في النجف بعد انهيار النهضة بسبب القمع البريطاني. كانت السمات الرئيسة لتلك الأحزاب الإسلامية هي أن كل أعضائها كانوا من الشيعة».
كما عدّ بعض الباحثين ثورة النجف ضد الإنكليز «أول ثورة لمدينة عربية
ضد الاحتلال البريطاني، وشنق من أبناء المدينة أحد عشر شخصًا، وهم بهذا أول عراقيين يشنقون، وأول مجموعة عراقية تجاوز عددها المائة شخص تساق إلى المنفى، وأول سجناء سياسيين يستقبلهم سجن بغداد».
وتبعًا للثورة ومآسيها وللقسوة المفرطة فيها فقد ازداد يأس العراقيين من تنفيذ وعود الإنكليز، واشتد قنوطهم من نقضهم لعهودهم، إضافة إلى ما ناءت به ظهورهم من ثقل الضرائب التي فرضها الإنكليز عليهم بعد أن رفع المحتلون «ضرائبهم إلى ثلاثة أضعاف عما كانت عليه قبل الاحتلال البريطاني».
ومما زاد الطين بلة «أن -هناك- قرى قصفتها الطائرات في أكثر من مناسبة بسبب مصاعب في جباية الضرائب»[3]، ناهيك عما عاناه العراقيون من سوء إدارة وتعنت وصلف حكامهم العسكريين الذين اعتبروا «حاجات الأهلين ثانوية تخضع لتوفير حاجات الجيش أولًا، وفي بعض الحالات كان لا يسمح بدخول الأطعمة -إلى- الأسواق لبيعها إلّا بعد أن تكون حاجات السلطات العسكرية قد تأمنت أولًا، وكان الأهلون يُمنعون من الوصول إلى المياه النقية المضخوخة، وكانت العائلات تُرغم على إخلاء منازلها، كما أن أراضيها كانت تُصادر، وأحيانًا من دون دفع إيجار أو بدل، وكان التضييق على تنقلات الأشخاص والبضائع
جائرًا، وكان العمال وبأعداد كبيرة تتزايد يومًا عن يوم يُرغمون على ترك حقولهم وقُراهُم وعلى مغادرة عيالهم ليعملوا في مشاريع عسكرية عن طريق السخرة» في الأعمال العسكرية والمدنية، ولم يقتصر الأمر على مئات منهم ولا على آلاف من هؤلاء المعبَّئين قهرًا وجبرًا، بل قدّر عددهم بتسعين ألف عامل مضطهد، حيث «كان هؤلاء (العمال البؤساء) و(الفلاحون نصف العراة) مضطرين إلى العمل تحت ظروف لا إنسانية (ومثيرة للأسى)، وذلك باعتراف قادة الإنكليز أنفسهم»، مضافًا إلى ذلك كله «عدم السماح بنقل الجنائز إلى العتبات المقدسة، وتعالي الموظفين على الأهلين، ومعاملة الناس بالخشونة وإذلال المراجعين، ووقوف الحجّاب في وجه مختلف الطبقات، يسمعونهم قارص القول»، وأمثال ذلك من قبيل ما اعترف به نائب الحاكم الملكي العام في عهد الاحتلال البريطاني للعراق السير آرلولند ولسون، من استياء الناس من أساليب الاحتلال العسكري، وضرب له مثلًا بقوله: «كانت بعض أوجه الاحتلال العسكري مثل الاحتفاظ بعدد كبير من الدور الخاصة لإسكان الجند موضع استياء الناس» وغيرها كثير.
وإذا كان لي أن أُجمِل علاقة الإنكليز المحتلين بالمواطنين العراقيين فسأجملها أولًا بما لخصه صاحب كتاب (دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث) بقوله: «إن القيود التي فُرضت على الأهلين لم تكن تختلف كثيرًا، إن كانت فعلًا
تختلف، عن القيود المفروضة على العدو».
وسأُجملها ثانيًا بالنظرة الاستعلائية من المحتلين الإنكليز للعراقيين بما ذكره الشيخ علي الشرقي بقوله: «وإليك صورة من غطرسة الإنكليز. لقد كنا في اجتماع يضم علية من العراقيين للمفاوضة في إطلاق بعض المساجين السياسيين، وخرجت أتجول في حديقة البيت الذي اجتمعنا فيه فجاء ضابط إنكليزي قائلًا: انظر ذلك القسم الجميل من الورد. قلت: نعم، ويوجد مثله في حدائق بعض الأشراف عندنا، وسرعان ما صدمني ذلك المتغطرس بقوله: وهل يوجد عندكم أشراف، فأجبته مغضبًا لا يعرف الفضل إلّا ذووه، الشريف يعرف أن في العراق أشرافًا، يا هذا علامَ هذه الشتيمة؟! فسكت ولم يحر جوابًا. ومن ألوان تلك الغطرسة ما اتفق لي وأنا في منزل من بيوت الكاظمية التي مررت بها في عهد الاحتلال، وبينما أنا أسمر مع بعض النزلاء هناك ولم أكن أعرفهم.. ويتفق وجود جاسوس أمي بين القوم لا يفهم أهداف الكلام فيَنُثُّ بالخبر إلى مركز الاستخبارات والمباحث، وما أشعر إلّا والطلب عليَّ في أماكن متعددة حتى وقف عليَّ بعض الشرطة فأذهب معه إلى إنكليزي فظّ شرس يسألني.. وبعد الإجابة قال لي: أنتم تقولون (كلّم الناس على قدر عقولهم) وهؤلاء حمير.. قلت إنهم بشر.. فقال وهل في العراق بشر.. قلت.. إنهم مثلكم، فلم هذا الشطط في القول؟! ويستمر في مذمته قائلًا: اصبروا علينا سوف نعطيكم الاستقلال.. فقلت.. الاستقلال يؤخذ ولا يعطى، وانصرفت عنه».
ومن أمثال هذه الإهانة قول الحاكم السياسي ديلي لشيوخ العشائر وزعمائهم
بعد أن طلب منهم التوقيع على ورقة الوصاية البريطانية على العراق: «أنتم عندي لا تساوون هذا العرنوص، وأشار بيده إلى عرنوص من الدُّخن كان أمامه».
ويمكن أن ترجع هذه النظرة العُلْوية من جيش الاحتلال لنفسه تجاه العراقيين المحتلين، إلى ما وصفهم به ضابط الاستخبارات البريطاني (العقيد لاحقًا) لورنس بقوله: «يرى الإنكليز في الشرق أنهم كائن مختار لا يُجارى، ومن الوقاحة محاولة تقليده».
بهذه النظرة الاستعلائية الفوقية جاء الإنكليز ليحتلوا بلد عليّ والحسين عليهالسلام، ويستعمروا شعبًا أبيّ الضيم ينهج نهج إمامه الحسين عليهالسلام، ويقتدي بقوله: «ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السلّة والذلّة، وهيهات منا الذلّة، يأبى اللهُ ذلك لنا ورسولُه والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهُرت، وأنوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبيّة من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام».
ولعل ما أشعر المرجعية أكثر فأكثر بمخططات بريطانيا الاستعمارية في العراق والمنطقة؛ تفاصيل الاتفاقية البريطانية - الإيرانية المعلنة خطوطها في (رجب 1337هـ/نيسان 1919م)، بحيث «تستأثر بريطانيا بإمداد السلاح والتدريب العسكري وتقديم المستشارين الإداريين. وإذ استشعر المجتهدون الثلاثة الكبار الشيرازي والأصفهاني وإسماعيل الصدر بالقلق من تعاظم النفوذ البريطاني في إيران؛ وجّهوا رسالة إلى رئيس الوزراء الإيراني كتبوا فيها: إن المعاهدة المقترحة تلغي استقلال إيران، وحثوا رئيس الوزراء على الامتناع عن توقيعها. وقد رفض
أعضاء المجلس الإيراني المصادقة عليها لأسباب منها ضغوط المجتهدين».
ثم كان مما زاد الطين بلة مجيء خبر إعلان بريطانيا انتدابها على العراق ليلة (النصف من شعبان من عام 1338هـجرية/1920م) فرسّخ قناعة تراكمت مسبباتها تدريجيًا على مدى سنوات من الاحتلال، مفادها أن الإنكليز لا يفكرون بالجلاء عن العراق، وأنهم من أجل ذلك مستعدون لاقتراف أبشع الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية، وبناء على ذلك وغيره فليس من حلّ أمام الفراتيين والشعب العراقي الحر إلّا بإعلان ثورة سلمية لاستنقاذ حقوقه الدينية والوطنية كاملة غير منقوصة، وإن أبى المحتلون منحها لهم بالطرق السلمية، فسيأخذونها بالثورة المسلحة.
كل ذلك وغيره يعني باختصار: أن لا جلاء للمحتل البريطاني بالطرق السلمية مهما تعددت أنواعها وطال زمنها، وأن الثورة الشعبية السلمية أو الحمراء هي الخيار الوحيد المتبقي أمام الأحرار العراقيين لتحرير بلدهم من نير المحتل الغاصب، وتشكيل نظام الحكم الذي أنضجته حركة المشروطة الدستورية، ولذلك بات على زعماء الثورة وموجهوها في المدن والحواضر استنهاض أبناء الريف معهم وتفجير طاقاتهم الخيّرة، خاصة وأن رجال «الريف العراقي هم الأهل الخلّص، وهم أهل السلاح، وفيهم النخوة، وعندهم مركز الثقل، وسرعان ما اتصل المخلصون من النجفيين بزعماء الريف وأفهموهم أن لا غنى لهم عن أبناء المدن لأنهم أهل العلم والعارفون بأساليب السياسة
والتفكير ففيهم الأهلية للقيادة، كما أفهموهم بأن لا غنى لأبناء المدن عن أبناء الريف لأنهم أهل القوة وذوو التقاليد والعادات النافعة، فلا بدّ من أن يتساند الطرفان، ويشد بعضهم البعض، وهكذا أحكمت حلقات السلسلة، وكثر تردد الريف على النجف، وكثرت الاجتماعات والمؤتمرات».
ومن أجل الإعداد «للغرض المقدس» أو للثورة المسلحة التي بات لا مفرّ منها، ينبغي تشكيل حزب سياسي في النجف الأشرف ليقود تلك الثورة ويطبق شكل النظام المختار متى انتصرت فيها، فكان (حزب الثورة العراقية).
لقد بدأت أولى مراحل الإعداد لتشكيل هذا الحزب سنة (1336هـ/ 1918م) وسط مكتبة تعنى ببيع ونشر الجرائد المصرية والسورية أسسها الأستاذ عبد الحميد زاهد في أحد أواوين الصحن الحيدري الشريف، واعتاد على ارتيادها المثقفون المتنورون والأدباء والشعراء وخاصة من مُتبنّي الحركة الدستورية (المشروطة) ليتبادلوا الأفكار ويقلبوا الآراء في مستجدات السياسة والثقافة والأدب.
ثم بعد أن دخل الحزب مرحلة أكثر تطوّرًا ونضجًا نقل مقر نشاطه إلى غرفة السيد محمّد علي كمال الدين إحدى غرف مدرسة دينية كبرى يقطنها الطلبة عادة لدراستهم تدعى (مدرسة الشيخ محمّد كاظم الخراساني) المرجع المجاهد ورأس الحركة الدستورية في النجف الأشرف كما تقدم، وتقع المدرسة في محلة الحويش إحدى محلات النجف الأربع: العمارة والبراق والمشراق والحويش.
ويعدد السيد محمّد علي كمال الدين أسماء الأعضاء الذين انضموا إلى (حزب الثورة العراقية) بعد أن يقسمهم حسب مكانتهم إلى طبقات ست:
أولًا: «الطبقة الأولى المفكرة والمجاهدة التي سيّرت جميع الطبقات منذ فكرتها الأولى، والتي بدأت في سنة 1918م، ونشطت نشاطًا كبيرًا في ثورة العشرين، وهم:
1. الشيخ عبد الكريم الجزائري.
2. الشيخ محمّد رضا الشبيبي.
3. السيد محمّد سعيد كمال الدين.
4. السيد محمّد رضا الصافي.
5. الشيخ باقر الشبيبي.
6. السيد حسين كمال الدين.
7. الشيخ محمّد جواد الجزائري.
8. الشيخ علي الشرقي.
9. السيد سعد صالح.
10. السيد أحمد الصافي.
11. السيد محمّد علي كمال الدين.
ثانيًا: الطبقة الثانية: وهي طبقة روحية عليا تولت معظم الأعمال خلال الثورة إلى انتهائها، وهم:
1. الشيخ عبد الكريم الجزائري.
2. الشيخ جواد الجواهري.
3. الشيخ عبد الرضا الشيخ راضي.
4. الشيخ مهدي الشيخ محمّد كاظم الخراساني.
أما الشيخ الجزائري فهو أهم عضو في الطبقتين الروحية والمتجددة، أو هو همزة الوصل بين جميع الطبقات، بل كان أيام الثورة محور الحركة ومجرى التفكير للثورة والثوار والعلماء المجتهدين والمثقفين. يقول جعفر الخليلي المعاصر لتلك الحقبة متحدثًا عنه: إنه «كان في الطليعة من حيث اتصال الخارج به، ومن حيث زيارة الوجوه له، وما كان له من قيمة في تكوين الرأي العام وتوجيهه
والوقوف به مواقف مشرفة في دنيا الوطنية والتحمس لقيام المشروطة في إيران، والانقلاب العثماني، والمطالبة باللا مركزية للعراق في العهد العثماني، والتحفيز لطلب الاستقلال التام بعد الاحتلال البريطاني»، يسانده في جهاده عديدون، يتقدمهم الشيخ جواد الجواهري، وزعماء القبائل، مع بعض أفراد الطبقة الأولى.
ثالثًا: الطبقة الثالثة:
1. الحاج محسن شلاش.
2. الشيخ محمّد حسن الجواهري.
3. عبد الأمير الشكري.
4. محسن أبو عجينة.
5. يوسف أبو عجينة.
6. السيد علي الحلي.
7. الشيخ عبد الغني الجواهري.
8. الشيخ عبد الحسين مطر.
رابعًا: الطبقة الرابعة، وعددهم اثنا عشر عضوًا أذكر منهم: عبد الحميد زاهد، السيد علوان الخرسان، والحاج سعيد مرزة، والسيد جواد زيني..
خامسًا: الطبقة الخامسة، وعددهم ثمانية عشر عضوًا، منهم: السيد ضياء الخرسان، والشيخ محمّد علي قسام، والشيخ حسين الصحاف، والشيخ عبد الحسين الحلي.
سادسًا: الطبقة السادسة، وعددهم عشرة أعضاء، أذكر منهم: الشيخ سعيد الخليلي، والشيخ حسين الحلي، والشيخ محمّد الخليلي، والشيخ نعمة الشيخ كاظم الشهير بالسوداني.
ويضيف: «وهناك طبقة... كان لهم الأثر الفعال في تشجيع الحزب العامل لأنهم من الطبقة المسلحة، وإليك المفكرين منهم، وهم: 1. السيد هادي زوين 2. السيد كريم السيد سلمان 3. السيد كاظم السيد سلمان 4. عبد الرزاق عدوة 5. محمّد أبو شبع 6. رسول تويج 7. تومان عدوة 8. حمود الحار 9. الحاج محمّد عبد الله الهندي 10. عبد الصاحب هويدي.
وقد تبع السيد هادي من نجفيي الحيرة المسلحين وغيرهم ما لا يقل عن ألف مسلح، وتبع محمّد أبو شبع ورسول تويج ما لا يقل عن خمسمائة مسلح من نجفيي الكوفة، وتبع الباقين ما لا يقل عن مائة وعشرين مسلّحًا باسم الجيش الوطني المحارب».
وقد انضم إلى هذا الحزب «زعماء قبائل الفرات الأوسط وساداته، أمثال: السيد علوان الياسري، والسيد كاطع العوادي، والشيخ عبد الواحد سكر الفرعون، والشيخ علوان الحاج سعدون، والشيخ غثيث الحرجان، والشيخ شعلان أبو الجون.
ونتيجة لتوسع نشاط الحزب فقد سمّى له معتمدين «في معظم مدن العراق
فمعتمده في بغداد محمّد جعفر أبو التمن والسيد محمّد الصدر والوسيط إليهما غالبًا الشيخ محمّد باقر الشبيبي وأخوه جعفر الشبيبي، ومعتمده في الرميثة والسماوة الشيخ رحيم الظالمي، وفي كربلاء الشيخ أحمد الشيخ محمّد كاظم الخراساني والحاج محمّد حسن أبو المحاسن. وفي الحلة الشيخ مهدي البصير والسيد محمّد الباقر، ومحمد السيد موسى كمال الدين، وفي الدغّارة السيد كاظم فوزي، وفي عفك والهاشمية والجزيرة السيد كاظم العوادي، وفي الغراف الشيخ علي الشرقي، غير أن الأخير لم يستطع تنفيذ خطة الحزب في إثارة الغراف عندما وقعت الثورة الأمر الذي أسخط بعض أعضاء الحزب عليه. ومعتمد الحزب في الناصرية الشيخ عبد الحسين مطر، وفي سوق الشيوخ الشيخ محمّد حسن حيدر، وفي البصرة الشيخ عبد المهدي مظفر، وفي الحيرة وأبو صخير السيد هادي زوين،
وفي الكفل وما جاورها عبد الأمير الشكري، وفي الكوفة محمّد أبو شبع ورسول تويج.
وبواسطة هؤلاء المعتمدين كانت صِلات الحزب والمكتب دائمة مع معظم البلاد».
لمّا كان العراقيون الشيعة وهم الغالبية العظمى من سكان العراق، يأتمرون بأمر مراجعهم وزعمائهم في أغلب ما يتصل بشؤون حياتهم الخاصة، وكل ما يتصل بشؤون حياتهم العامة، فهم لا يصدرون فيها إلّا عنهم، ولا يهبّوا للجهاد إلّا بأمرهم؛ لذلك فما أن قرر المرجع الميرزا محمّد تقي الشيرازي الهجرة من سامراء عبر الكاظمية إلى كربلاء في (12 جمادى الأولى 1336هـ/23 شباط 1918م) رغبة منه بسكنى كربلاء، وليس تلبية لرغبة زعماء الثورة النجفيين، خلافًا لما نقله بعض المؤرخين من أن زعماء الثورة في النجف الأشرف دعوه للسكنى فيها أول الأمر، فاستجاب لهم، فأعدّوا لوازم إقامته في النجف، ثم عدلوا عن ذلك فاختاروا له السكنى في كربلاء، فأقرّهم على ذلك، وهو خبر
متداول ولكنه غير صحيح، والصحيح: هو عزم سماحته ابتداء على السكنى في كربلاء دون غيرها، حرصًا منه على قيامه بواجبه الديني في نشر العلوم الدينية فيها من جهة، وتنفيذًا لوصية والده له بسكنى كربلاء من جهة أخرى. وهو ما ورد صريحًا في نص نجله الشيخ عبد الحسين الحائري كما في أدناه.
وما أن حطّ سماحته ركابه في بلدة سيد الشهداء الإمام الحسين عليهالسلام -كما يقول الشيخ علي الشرقي المعاصر للحدث- حتى «تهافت الساعون إلى كربلاء ينسلّون من سائر الأنحاء العراقية، وقرروا تأسيس جمعية سياسية دينية يرأسها ذلك الزعيم وتنتشر فروعها في العراق، وانصرف الجميع إلى العمل، مقررين: أن يجتمع زعماء الريف، وهم أهل السلاح، وعليهم المعوّل في الملمّات للحضور في النجف يوم السابع والعشرين من رجب، وهو موسم ديني معروف تحجّ له الشيعة من سائر الأطراف، فالاجتماع فيه لا يثير ريبة الحكام الإنكليز، ويتحسس الإنكليز خصوصًا الحاكم في النجف، فيوعز إلى حكام الأطراف أن يبرقوا إلى رجال مناطقهم بالعودة حالًا، ونردّ على هذا الكيد بأنْ عرّفنا الأصحاب أن يقولوا إن الموسم الديني لا تساعد تقاليدنا على تركه، وسوف ينتهي الليلة، وغدًا
نعود، وفي تلك الليلة ينعقد الاجتماع، ويتكلم المتكلمون باسطين آراءهم، وكان التصميم على الوقوف في وجه الإنكليز بأن يحرجوهم ليخرجوهم».
ويضيف الشيخ الشرقي الحاضر في الاجتماع المنعقد في دار المرحوم السيد علوان الياسري في النجف الأشرف ناقلًا أن «رأي النجفيين وأهل كربلاء العصيان المدني؛ لأن الزعيم (المرجع الأعلى الشيخ محمّد تقي الشيرازي) -الذي «درس منهج الزعامة وسيرها في المجتمع الإسلامي من أستاذه المربي الوحيد» الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي- لا يوافق على العصيان المسلح في الوقت الحاضر، ورأي الفراتيين الثورة المسلحة وإشمام الإنكليز رائحة البارود؛ لأن الإنكليز لا يحسبون حسابًا لغير السلاح، كما ولا تحلّ مثل هذه العقد إلّا بالتضحية، ورأي المنتفك والغراف بين بين، وبعد الاستماع إلى كافة الآراء تتم الموافقة بالإجماع على القيام مبدئيًا بما يشبه العصيان المدني، وتنفيذًا لذلك قرروا:
أولًا: تأسيس جمعية باسم الجامعة الإسلامية مركزها كربلاء ولها فروع في كل العراق ويرأسها الميرزا الشيرازي.
ثانيًا: توزيع منشور بتوقيع الشيرازي يأمر بالوحدة وجمع الشمل والتساند في كل المهام.
ثالثًا: جعل يوم الجمعة يوم الشعب تعطل فيه المكاسب ويترك البيع والشراء وتنصب المنابر في الساحات العامة ليتبارى الخطباء فوقها بما يستلزم الإثارة والتحضير».
وقد أضافت رسالة طويلة أرسلها الشيخ علي الشرقي إلى الباحث جعفر
الخليلي مُقرَّرَين إضافيين للاجتماع نشرهما الخليلي ضمن نشره لرسالة الشيخ الشرقي موقّعة باسم (فتى الفرات) هما:
«رابعًا: يوعز إلى قسم من أفراد العشائر بعدم الطاعة التامة للحكومة في شؤون الجباية، وعدم الاتصال بالحكام، والظهور بحالة تشبه ما سمي أخيرًا في الهند بالعصيان المدني.
خامسًا: الخروج بالنهضة من نطاقها الضيق وتعريف سائر الأقطار العربية بأهداف العراق».
وقد حضر الاجتماع المهم جمع من رجال الدين يأتي في مقدمتهم الشيخ محمّد رضا نجل المرجع الأعلى الشيرازي، والميرزا أحمد نجل الشيخ محمّد كاظم الخراساني، وقسم من زعماء العشائر كالسيد علوان الياسري، والحاج عبد الواحد آل سكر، والشيخ خيّون العبيد، وبعض التجار والوجهاء، مثل: الحاج محمّد جعفر أبو التمن، وآخرون، منهم: السيد حسين كمال الدين، والشيخ علي
الشرقي -(ولا أشك أبدًا أن الشرقي هو كاتب الرسالة ومرسلها إلى ناشرها جعفر الخليلي)- وكثير من رجالات العراق الآخرين، وتم الاتفاق بين المجتمعين على تأجيل القيام بالثورة المسلحة في الوقت الحاضر كما تقدم، وعلى العمل في التمهيد لها عن طريق التوعية الوطنية والدينية، حتى إذا صار الناس مستعدين للثورة متى آن الأوان قاموا بها، «وحينئذ يمكننا أن نقدم القرابين للغرض المقدس ونبلو البلاء الحسن».
ويبدو من خلال التمعّن في النصّين المتقدمين لثلاثة من المشاركين في ثورة العشرين والشاهدين على أحداثها، وهم كلٌّ من: السيد محمّد علي كمال الدين، والشيخ علي الشرقي، والأستاذ حسن الأسدي -كما يظهر من خلال التدقيق في أسماء أعضائها، سواء من كان منهم من كبار العلماء والمجتهدين، أم من فضلاء الحوزة العلمية، أم من الوطنيين الآخرين من مختلف الطبقات السياسية والاجتماعية وغيرهم- أنّ غالبية المتحمّسين للثورة إضافة إلى المراجع هم من دعاة الحركة الدستورية (المشروطة) أو مؤيديها، أو الموافقين على أطروحتها، بل فيهم العديد من ناشطيها الأوائل ممن وردت أسماؤهم في قائمة أثبتها سماحة السيد هبة الدين الشهرستاني في مذكراته خلال حديثه عن خلية عمل لحركة المشروطة كانت تجتمع سنة (1326هـ/1908م) مهمتها «تدبير الأعمال ورسم الخطط بصورة سرية في سراديب النجف خشية العوام وحاشية السيد اليزدي فهم فريق من الأحرار المخلصين».
بل قد يصح القول بأن المراجع وكبار العلماء والمجتهدين والفضلاء من دعاة الحركة الدستورية أو مؤيديها أو الراضين بأطروحتها هم أُسّاس ثورة العشرين وعمادها، ومنظّروها وقادتها، والداعون إليها، ناهيك عن غير الحوزويين من طبقات الشعب الأخرى ممن كانوا داعمين لحركة المشروطة وتنظيرها لشكل نظام الدولة الدستورية.
لقد تتبعتُ سير المجتهدين وكبار العلماء المشاركين في ثورة العشرين، بأشكال المشاركة كافة، بما فيها العمليات العسكرية، سواء أكان هؤلاء من كبار مجتهدي النجف الأشرف، أم من كربلاء، أم من الكاظمية، أم غيرها؛ فوجدتُ غالبيتهم -إن لم يكونوا كلهم- من دعاة الحركة الدستورية (المشروطة) وكبار رجالها، فهم من داعميها أو مؤيديها، أذكر منهم على سبيل المثال: المراجع من مفجري الثورة وقادتها كل من: الميرزا محمّد تقي الشيرازي أحد المراجع والمجتهدين العشرة الذين وقّع نيابة عنهم المرجع الخراساني في رسالته التي جاء فيها «فواجب المسلمين أن يقفوا دون أي حركة ضد المجلس» المتقدم ذكرها، وغيرها، وهو الذي «عوّل عليه عامة الدستوريين والأحرار» في تطبيق مشروعهم الدستوري بعد انتصار ثورة العشرين، وشيخ الشريعة الأصبهاني، والسيد أبو الحسن الأصفهاني من خاصة وتلامذة زعيم حركة المشروطة وأحد الفقهاء المرشحين
من قبله لمجلس الشورى الإيراني لضمان عدم تشريعه ما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية، والشيخ محمّد حسين النائيني الساعد الأيمن لزعيم المشروطة في رسائله السياسية وتنظيراته الفكرية ومؤلف أهم كتاب عنها، والشيخ مهدي الخالصي، والسيد إسماعيل صدر الدين، إضافة إلى عدد غير قليل من المجتهدين
وكبار العلماء والفضلاء، منهم كل من: السيد مصطفى الكاشاني، ونجله السيد أبو القاسم الكاشاني الموصوف في تقرير بريطاني بأنه «يمارس تأثيرًا مهلكًا على الميرزا في كربلاء»، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ حسن علي القطيفي، والسيد هبة الدين الشهرستاني، والسيد محمّد علي بحر العلوم، والشيخ محمّد رضا الشيرازي نجل مفجر الثورة وقائدها، والشيخ محمّد رضا الشبيبي، والسيد محمّد رضا الصافي، والشيخ محمّد باقر الشبيبي، والشيخ محمّد جواد الجزائري،
والشيخ علي الشرقي، والسيد محمّد علي كمال الدين، والسيد سعيد كمال الدين، والسيد حسين كمال الدين، والشيخ جواد الجواهري، والشيخ مهدي نجل المرجع زعيم المشروطة الشيخ محمّد كاظم الخراساني، والشيخ إسحاق الرشتي، والشيخ عبد الحسين مطر، والسيد مسلم زوين، والشيخ أحمد نجل المرجع زعيم المشروطة الشيخ محمّد كاظم الخراساني، والشيخ محمّد حسين الحلي، والشيخ حسين الحلي، والشاعر الشيخ محمّد حسن أبو المحاسن، والخطيب والشاعر الشيخ محمّد مهدي البصير، والشيخ محمّد حسن آل حيدر، والشيخ كاتب الطريحي، والشيخ عبد الغني الجواهري، والشيخ محمّد رضا كاشف الغطاء، والشيخ جعفر حيدر، وغيرهم ممن لا يسعني استعراض أسمائهم والتعريف بهم خشية الإطالة.
وليس أدلّ على أنّ قادة الثورة وزعماءها الدينيين والمدنيين -بمن فيهم شيوخ العشائر والوجهاء والوطنيين وقادة الرأي في المدن الثائرة- كانوا من متبنّي الحركة الدستورية (المشروطة) أو داعميها أو الداعين إليها؛ ممّا نصت عليه بيانات ورسائل المراجع الموجهة للعراقيين ولزعماء العالم، وما حوته المضابط المصرحة بمطالبهم المقدمة لقوات الاحتلال البريطاني، من أنهم يطالبون بالاستقلال التام العاري عن كل تدخل أجنبي في ظل دولة عربية إسلامية يرأسها ملك عربي مسلم مقيد بمجلس تشريعي وطني .
بعد أن قرر المرجع الأعلى والمجتهدون وتبعهم الوطنيون بأن لا بد من السعي لتحرير العراق من نير الاحتلال البريطاني، تحريرًا تامّا عاريًا عن أي شبهة لتدخل أجنبي مهما كان، وأن تحرير العراق من نير الاحتلال وتنجيز حق تقرير المصير للشعب العراقي يجب أن يكون بالطرق السلمية أولًا وبالذات؛ لذلك نشطت المساعي الشعبية على الصعد كافة للضغط على الإنكليز من أجل تحقيق مطالب الشعب الحقة بالطرق السلمية، وقد تمثلت أوائل هذه النشاطات والمبادرات بعقد مؤتمر كبير في النجف الأشرف تولى وضع خطة تفصيلية للعمل السياسي السلمي، وكما يلي:
لعل من أوائل مظاهر تبنّي المسعى السلمي لتحقيق المطالب الحقة، ما صدر عن مؤتمر عقده زعماء الثورة في النجف الأشرف ليلة (16 نيسان 1920م/ 27 رجب 1338هـ) وهي ليلة المبعث النبوي الشريف، مستثمرين «تلك المناسبة لاستقدام أعضاء ذلك المؤتمر.. وفي جنح الظلام يتسلل المخلصون إلى دار المرحوم السيد علوان» الياسري حيث انعقد المؤتمر بحضور كبار زعماء الثورة، وبحضور الميرزا رضا نجل الإمام الشيرازي.
يقول الشيخ علي الشرقي أحد المؤتمرين: «وكانت زبدة المخض المقررات الآتية:
1. تأسيس جمعية في سائر أنحاء العراق باسم الجامعة الإسلامية، تعمل على توحيد الصفوف ولمّ الشمل وتحفيز الجماهير.
2. تشكيل فروع لهم في المدن تعمل على فرض عطلة في كل يوم جمعة، وأن يحتشد الناس في الأماكن العامة حيث تنصب المنابر ويعلوها الخطباء المسعّرون والمنبّهون تحت شعار الوعظ الديني.
3. يوعز إلى قسم من أفراد العشائر بعدم الطاعة التامة للحكومة في شؤون الجباية، وعدم الاتصال بالحكام، والظهور بحالة تشبه ما سُمّي أخيرًا في الهند بالعصيان المدني.
4. بث رسالة من الزعيم الروحي إلى سائر رؤساء العشائر تأمر بالتساند والتكافل والعمل الجماعي السلمي على إنقاذ المسلمين وتخليص البلاد من محنتها.
5. الخروج بالنهضة من نطاقها الضيق وتعريف سائر الأقطار العربية بأهداف العراق على الأخص القطر الحجازي وسيده الملك حسين.
هذه هي مقررات المؤتمر.. قبل وقوع القبض على نجل الميرزا الشيرازي، وقبل وقوع الثورة بكثير»، حيث :«كانت الخطة.. أن تكون ثورة سلمية طويلة الأمد ذات عناد وصلابة، ومفاوضات ومراوغات، بدون قتال»؛ لأن المرجع الأعلى يريدها سلمية. رغم ورود تقرير سري للشرطة البريطانية عن حوادث أسبوع ينتهي في (16 شعبان 1337هـ/17 أيار 1919م) موقّع من د. ل. موركان معاون مدير الشرطة المركزي ببغداد، ورد فيه ما نصه:
«يقال إن أهالي الكاظمية ينوون إرسال سيد صالح وعدد من العلماء إلى النجف وكربلاء في القريب العاجل من أجل التحريض على الثورة».
ويبدو أن التقرير السري غير صحيح، أو أن أهالي الكاظمية لم يرسلوا من نووا إرسالهم إلى النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، أو أنهم أرسلوا ولم تنجح مهمتهم في المدينتين.
لقد وجه كل من سماحتي المرجعين الشيخ الشيرازي وشيخ الشريعة الأصبهاني زعماء وشيوخ وقادة الثورة إلى المطالبة بحقوق الشعب بالطرق السلمية ما أمكن ذلك، فقد تجلى ذلك بوضوح في نص الفتوى التاريخية وإبلاغها لهم من قبل المرجع الأعلى مباشرة في اجتماع ليلة النصف من شعبان كما تقدم، ثم بالرسائل الصادرة عنهما إلى القادة والشيوخ والزعماء وكذلك إلى وكلاء المرجعية في المدن المختلفة لحث مواطنيها وأهل الحل والعقد فيها على السير بالطريق السلمي إلى أقصى مداه، وحثهم كذلك على إرسال مطالب شعبهم إلى المحتل عبر المضابط المكتوبة -وقد تقدم الحديث عنها في فصل سابق-، موجبين عليهم سلوك الطريق السلمي حتى نهايته قبل اللجوء إلى الثورة المسلحة، بحيث ظهر سلوكهم الخيار السلمي والسعي إليه واضحًا جليًّا لدى زعماء الثورة وقادتها في متبنّياتهم، معبرين عنه بأحاديثهم ورسائلهم التي كتبوها إلى المحتلين الإنكليز، وبتجمعاتهم السلمية الكبيرة والمتتالية وخاصة في ما اصطلح عليه بتجمعات (المولد/التعزية) كما سيأتي ذكرها في المبحث الثاني اللاحق.
كل ذلك وغيره من أمثال الرسالة المتقدم ذكرها التي بعث بها المرجع شيخ الشريعة الأصبهاني إلى الحاكم السياسي العام في (8 شوال 1338هـ/25 حزيران 1920م)، لذا فسأقتصر على ذكر وثيقة واحدة -إضافة لما تقدم ذكره من وثائق- كمثال على مدى اتباع الثوار وانصياعهم إلى أوامر مرجعيتهم وعدم الخروج عنها حتى في الظروف العسكرية الطارئة ما دام الحل السلمي ممكنًا، كما تجلى ذلك في الرسالة التي وجهها قادة جبهات الثورة في الفرات الأوسط إلى الضباط الإنكليز المحاصرين من قبل الثوار في حامية الكوفة، متحدثين فيها عن الحكومة البريطانية قائلين: إنها «اضطرتنا للخوض في نار الحروب طلبًا لحقوقنا الطبيعية في الحياة بعدما دافعنا بكل ما وسعنا عن عدم نشوبها، كما لا يخفى عليكم».
لِما تقدم وغيره؛ لم يلجأ المرجعان الشيخ الشيرازي وشيخ الشريعة الأصبهاني إلى الإذن باستعمال القوة الدفاعية، إلّا بعد اليأس التام من تحقيق مطالب العراقيين المشروعة بالطرق السلمية.
أما المرجع الأعلى الشيخ الشيرازي فتكفي فتواه التاريخية المتقدم ذكرها للتدليل على عدم إذنه الشرعي برفع السلاح بوجه المحتلين المعتدين، إلّا بعد استنفاد كافة الطرق السلمية لتنجيز الاستقلال التام للعراق وتخليصه من أي احتلال أو انتداب للأجنبي على أراضيه ومواطنيه.
وقد أكد ذلك مرارًا وتكرارًا وأثبته في رسالته التي أرسلها إلى الميجر بولي
حاكم الحلة وكربلاء في (5/6 شوال 1338هـ/23 حزيران 1920م) جوابًا على كتاب الحاكم البريطاني المؤرخ (22 حزيران 1920م)، وهي من أواخر رسائله إليهم، وسيأتي ذكر نصها لاحقًا.
ثم بيّن المرجع الأعلى الخلف شيخ الشريعة الأصبهاني هذا الأمر بوضوح تام بعد وفاة المرجع الأعلى السلف الشيخ الشيرازي، بكتابه إلى عموم المسلمين رفقة رسالته إلى المجاهد الشيخ عبد الحسين مطر ممثله ووكيله في المنتفق (الناصرية) في (10 ذي الحجة 1338هـ/25 آب 1920م) بقوله: «إن مبدأ هذه الحرب مطالبة العراقيين بحقوقهم المشروعة واستنجاز ما وعدتهم الحكومة البريطانية، سالكين الطرق السلمية، فقابلتهم الحكومة بالضغط والغلظة والإهانة وتبعيد الأجلّاء، فانجرّ إلى الحرب الحاضرة دفاعًا عن أنفسهم وأعراضهم، بعدما علموا أن الصبر على أفاعيل الحكومة ونواياها فوق الطاقة، فبعد أن صار ما صار، وجب على كل مسلم دفع الشر والضرر عن إخوانه حسب قدرته، بوجاهته، أو بلسانه، أو بخطه، أو بماله، أو بنفسه. وحرم التقاعد عن نصرتهم».
ولم يكتفِ سماحته بذلك، بل عقّب عليه تأكيدًا على موقفه بتحقيق الحقوق المشروعة بالطرق السلمية، فكتب سماحته بعد ذلك كتابًا طويلًا إلى نائب الحاكم الملكي العام في بغداد بتاريخ (2 محرم الحرام 1339هـ/16 أيلول 1920م) جاء فيه: لقد «أنذرناكم قائلين لكم تداركوا الأمر قبل خروج علاجه من مقدورنا، ولا شك أنكم تعلمون أن تداركه بإعطاء العراقيين حقوقهم التي طالبوكم بها سلمية، فأبيتم إلّا اغتصابها، وجعلتم أصابعكم في آذانكم حذرًا من أن تسمعوا
مُطالِبًا بها، وأخذتم بعد الوعود بالوعيد، وبعد التأميل بالتضليل، واستعملتم الشدة والغلظة، فنفيتم، وقتلتم، وسجنتم، وأخفتم... فدافعوكم قيامًا بواجبهم، وهاجمتموهم تبعًا لهوى نفوسكم، فوقفوا موقفًا واحدًا حذّرناكم عاقبته، وأنذرناكم سوء منقلبه، أنا والسلف المرحوم آية الله الشيرازي الذي سقتم مساق تعزيتي بفقد نفسه الزكية بنسبة المصائب التي انتابت العراقيين إلى آرائه المقدسة، فإنكم (كذا) ما وقفتم على كتاباته إلى جميع الجهات، وإلزام العموم بلزوم الهدوء والسكون، والمطالبة السلمية بحقوقهم المشروعة، وجئتم بها نكراء، بلغ سيلها الزبى، وضاقت لها حلقتا البطان، وأرسلتم بواخركم المشحونة بأسباب الدمار وآلات النار، وقدمتم العساكر، وكتّبتم الكتائب، إخضاعًا لتلك الأمة المظلومة، وسحقًا لحقوقهم المهضومة».
لقد سعت المرجعية الدينية سعيًا حثيثًا لإبلاغ عصبة الأمم وبريطانيا والدول الكبرى الأخرى وبعض دول الجوار، بحق العراقيين باستقلال بلادهم وتقرير مصيرهم بأنفسهم بالطرق السلمية. حيث أشار كلا المرجعين الشيخ الشيرازي وشيخ الشريعة الأصبهاني في أدبيّاتهم عبر أكثر من رسالة إلى عصبة الأمم، وإلى الرئيس الأمريكي، وإلى رؤساء الدول الكبرى الأخرى، وبعض ملوك دول الجوار، مؤكدين فيها على سلوك الطريق السلمي لتنجيز حق الشعب العراقي في الاستقلال وتقرير المصير، ومن أمثلة ذلك:
1. إبلاغ عصبة الأمم والولايات المتحدة الأمريكية بسلوك الطرق السلمية لتحقيق الاستقلال
لقد أرسل المرجع الأعلى الشيخ محمّد تقي الشيرازي رسالة إلى (عصبة الأمم) عن طريق الشريف حسين في (7 رمضان 1338هـ/ 25 مايس 1920م)، ثم أعقبها برسالة ثانية إلى (عصبة الأمم) أيضًا للغرض نفسه عن طريق إيران في (27 ذي القعدة 1338هـ/12 آب 1920م).
كما بعث المرجعان الشيخ الشيرازي وشيخ الشريعة الأصبهاني معًا برسالة إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بواسطة سفيرها في طهران بتاريخ (5 جمادى الأولى سنة 1337هـ/ 6 شباط 1919م).
ثم بعثا بعدها بأيام رسالة أخرى موقّعة من كلا المرجعين أيضًا إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في (12 جمادى الأولى 1337هـ/ 13 شباط 1919م) بمناسبة انعقاد مؤتمر باريس.
وإثر وفاة المرجع الأعلى الشيخ الشيرازي خلال ثورة العشرين، وتقلّد المرجع شيخ الشريعة الأصبهاني زمام المرجعية العليا، عاد سماحته فكرر التواصل مع الدول الخارجية من خلال إبلاغه المنظمة الدولية (عصبة الأمم) بمعاناة الشعب العراقي المضطهد في رسالته التي بعثها إلى الحكومة الهولندية، وأرسل نسخًا منها إلى الملك حسين ملك الحجاز، وحكومات أمريكا، وفرنسا، وروسيا، وتركيا، وألمانيا، وإيران، في (1 محرم 1339هـ/ 15 أيلول 1920م).
2. إبلاغ المحتلين الإنكليز بتبنّي المرجعية للمسعى السلمي إلى آخر مدى ممكن
أما إبلاغ ذلك إلى قادة الإنكليز المحتلين فقد تكرر الطلب منهم مرات عديدة
منذ الفتوى التاريخية في صبيحة يوم النصف من شعبان (1338هـ) إلى أن حان حين اليأس من إمكانية تحرير العراق سِلمًا قبيل اشتعال لهيب الثورة حتى عرف عنه المحتل الغاصب ذلك بوضوح، بل أثبته في رسائله إليهم.
ونظرًا لأهمية التدليل على مسعى المرجعية للحل السلمي وصولًا به إلى نهاية المطاف ولحين اليأس حتى في أشد الأيام حراجة لها بعد اعتقال نجل المرجع الأعلى وأكثرهم أهمية للثورة ومعه عدد من زعماء الثورة، ومع ذلك كله، لم ينثنِ المرجع الأعلى عن تبنّي الخيار السلمي، بل سعى سماحته حتى صد مسعاه كما سيأتي.
ثم جدد السعي المرجع شيخ الشريعة الأصبهاني، متمّمًا به مسعى سلفه المرجع الأعلى الشيخ الشيرازي، فسعى مجددًا -والثورة على أبواب الشبوب- إلى فتح حوار مع الغزاة، مقرِّرًا من دون قنوط أن يتبادل مع قادة المحتلين الإنكليز رسائل تضمنت إطلاق سراح زعماء الثورة المنفيين والمعتقلين، وفي مقدمتهم العالم المجاهد الشيخ محمّد رضا الشيرازي نجل مفجر الثورة المرجع الأعلى الشيخ الشيرازي، متعهّدًا سماحته ببذل غاية جهده في المحافظة على السلم والأمن، وتهدئة الأمور، فيما إذا تمت الاستجابة لمطالب المواطنين الحقة، وتمثل هذا المسعى السلمي التفاوضي برسالة بعثها سماحة شيخ الشريعة الأصبهاني إلى نائب الحاكم الملكي العام في العراق بتاريخ (8 شوال 1338هـ/ 25 حزيران 1920م) قبيل إعلان الثورة في الرميثة بأيام، جاء فيها: «أبدي لكم أنكم قد عرفتم وجربتم في هذه المدة الطويلة التي حدثت فيها هذه المظاهرات والاجتماعات، أنّ أهل العراق سالكون سبيل السلم والهدوء والسكون، ويطالبون بما يريدون
في حقوقهم حسب مواعيدكم من أول الأمر، وبموجب ما تقرر لدى الدول المعظمة من حرية الشعوب، وكان طلبهم على وجه المعقول المشروع، خاليًا من القلق والمشاغبات، خالصًا من إثارة أي فتنة أو فساد... مؤكدًا كل ذلك بما برز قولًا وكتبًا كِرارًا ومرارًا من آية الله الشيرازي دامت بركاته ومن بقية العلماء الأعلام من إيجاب السكون العام عليهم، وإلزامهم بترك كل ما فيه الإخلال بالأمن، لهذا أفتينا بوجوب السكون، وحرمة الثورة والفساد، وقد برهنوا في حركاتهم ومظاهراتهم المتواصلة على تمسكهم بالنظام والقانون والانقياد لفتاوى العلماء.
إلاّ أنه بلغنا خبر عجيب كان يصعب علينا تصديقه حتى تحقق من القبض على نجل آية الله الشيرازي وجماعة من أهل كربلاء والحلة، لا ذنب لهم إلّا مطالبة ما يطلبه إخوانهم».
ونظرًا لأن السياسة البريطانية حينها كانت ترتئي القضاء على الثوار المسالمين المطالبين بحقوقهم المشروعة بالقوة والعنف، فقد جاء رد نائب الحاكم الملكي العام المؤرخ في (22 شوال 1338هـ/ 9 تموز 1920م) على رسالة شيخ الشريعة المتقدمة مخيبًا للآمال، فهو لم يكتفِ برفض مطالب المرجع الحقة وخاصة مطلبه بإطلاق سراح المنفيين والمعتقلين من الثوار المسالمين دون ذنب، بل ذهب إلى أنهم «معروفون بالفساد وسوء الأخلاق» فأجابه المرجع شيخ الشريعة على رسالته غير اللائقة بما يلي:
أخذنا برقيتكم يوم 22 شوال، فنقول لكم: إنّنا لم نشفع أبدًا برجال معروفين بسوء الأخلاق والفساد، وإنما تشفّعنا بالأحرار الأبرياء الذين سُجِنوا وأُبعِدوا لغير ما جُرم. على أنّ الحكومة إذا كانت تعتبرهم جُناةً مجرمين فعليها أن تسلّمهم إلى القانون يُجري حكمه فيهم، ثم إنّ الشيخ محمّد رضا نجل آية الله الشيرازي بين المنفيين، فهل تستطيع الحكومة أن تقول إنه معروف بالفساد؟! ولولا اهتمام والده بالسكينة العامة والنظام والأمن لرأينا الحال على غير ما هي عليه الآن».
ويختم المرجع شيخ الشريعة جوابه باليأس من موافقة الحكومة المحتلة في تحقيق مطالب الشعب العراقي المشروعة بالحرية والاستقلال سِلمًا، بقوله: «وعلى كُلٍّ فإنّ معالجة الحالة الحاضرة بالإصلاح أمر غير مقدور»، ما دام الإنكليز قد حسموا أمرهم باستعمال القوة العسكرية الضاربة يوم قالوا لوفد المرجع الأعلى الشيخ الشيرازي الساعي للحل السلمي، بأن الشيخ الشيرازي: «هو الذي بذر هذه البذرة وهذا يوم حصادها».
وكان المرجع شيخ الشريعة الأصبهاني قد كتب إلى الحاكم الملكي العام ببغداد رسالة في (21 شوال 1338هـ/ 8 تموز 1920م) ردًّا على كتابه المؤرخ في (2 تموز 1920م) يشرح له فيها بوضوح كافٍ أسباب توجّه الناس إلى الثورة المسلحة، ليس لأنهم يئسوا من تحقيق مطلبهم العادل بالاستقلال التام الناجز بالطرق السلمية فحسب، بل لأن الحكومة المحتلة لا تكفّ عن ملاحقة الأحرار
المطالبين بحرية واستقلال شعبهم سِلمًا، ونفيهم، وإهانة وتوبيخ واحتقار زعمائهم، وتعذيبهم، والاعتداء البدني واللفظي عليهم، ومجابهة مظاهراتهم بالعنف والقوة والآليات المدرعة، بقوله: «والآن قد بلغ الأمر إلى ما كُنّا نكره وقوعه، وجعل الناس يقولون بأنّ حضرة آية الله الشيرازي دامت بركاته يأمرنا بالسكون والمحافظة على الأمن العام، والحكومة كل يوم تلقي القبض على جماعة منا بلا ذنب ولا سؤال ولا جواب حتى ستقضينا عن آخرنا.. والسبب الوحيد في هياج الناس أنهم يعتقدون أن القبض على من قُبض عليهم ليس إلّا لمطالبتهم بالحقوق المشروعة، وهو أمر يشترك فيه كل العراقيين، فإذا قُبض على نجل آية الله دامت بركاته وهو بريء من كل ذنب خالٍ من كل فساد، فمَن الذي يأمن بعد ذلك على نفسه؟!».
ويستمر سماحته فيطرح على المحتلين الحلول الممكنة لتخفيف حدة التوتر وتجنب الانزلاق بالوضع إلى ما هو أسوأ، بقوله: «وفي هذه المدة الطويلة قد عرفتم مسلكي: أن أطلب دائمًا راحة العباد وتأمين البلاد. والذي أراه طريقًا وحيدًا في تسكين التشويشات، وضبط الأمن العام، وإعادة الأحوال على سابقها، أن تساعدونا وتقبلوا شفاعتنا في إطلاق سراح المنفيين، واستعمال المودة لسائر المتظاهرين، حتى من ينسب إليهم بعض التشويشات، حتى يسعنا التسكين، ومطالبتهم جميعًا بالانقياد والطاعة... فإذا رأينا ورأوا من الحكومة احترام الحقوق القانونية، ومعاملة المسلمين معاملة مودة وشفقة، صار لنا كل الأمل بقدرتنا على إعادة الأحوال إلى سابقها، وتسكين الناس على الطاعة والانقياد».
وفي مبادرة منه لتهدئة الثائرين عسى أن ينجح مسعاه مع نائب الحاكم الملكي العام، وجّه سماحته في اليوم نفسه رسالة إلى المؤمنين ورؤساء العشائر وزعماء القبائل، جاء فيها: «إنّ اللازم فعلًا السكون، وترك مضادة الحكومة، وسلوك الطرق السلمية، والاقتصار على مطالبة الحقوق الشرعية، من غير ثورة، ولا فتنة، حتى نقدر على استدعاء المواد السابقة الذكر من الحكومة. وإياكم أن تقابلوا الحكومة بقول أو فعل ينافي مطلوبنا ومطلوبكم، وأرجو من جميعكم عدم الخروج عن هذه الخطة».
ومن المهم في هذا المجال القول بأن مسعى استنقاذ الحقوق سِلمًا، ذلك المسعى الذي تبنّته مرجعية ثورة العشرين قد اعترف به المحتلون الإنكليز أنفسهم.
فقد جاء في رسالة جوابيّة بعثها اللفتنت كولونيل السير أ. ت. ولسون إلى المرجع شيخ الشريعة الأصبهاني في (8 شوال 1338هـ/ 25 حزيران 1920م) ردًّا على رسالة للمرجع الأصبهاني، قوله: «إنّ الحكومة في العراق منذ الاحتلال وإلى الآن تعدّ سيادتكم كأحد أركان السلم، ومن لا يترك عمل أي خير لمنفعة الأهالي».
بعد أن تمادى المحتلون في غيّهم وتعنّتهم وجورهم ونكثهم لعهودهم وخلفهم لوعودهم، وبعد أن امتلأت صدور العراقيين غيظًا وحنقًا عليهم، وإثر حصارهم فاقتحام قواتهم لمدينة النجف الأشرف المقدسة واعتقالهم وإعدامهم ونفيهم لعشرات الثوار منهم، وبعد توهينهم واعتقالهم ونفيهم لكبار شيوخ العشائر الوطنيين، ناهيك عن الضرائب الباهظة، وعمليات السخرة، وغيرها من المظالم والانتهاكات التي لا تحتمل، مظالم وانتهاكات لخّصها سماحة المرجع شيخ الشريعة الأصبهاني في رسالة بعثها إلى السير ولسون في (2 محرم 1339هـ/16 أيلول 1920م) جوابًا على رسالة تلقاها منه كما ستأتي لاحقًا.
بعد ذلك كلّه؛ جاء الإذن من المرجعية العليا بجواز اللجوء إلى الثورة المسلحة متى ما فشلت المساعي السلمية كافة بعد أن قرر المحتلون تصعيد خطواتهم التعسفية الجائرة بالإقدام على اعتقال قسم من قادة الثورة وزعماء حركتها وفي مقدمتهم الشيخ محمد رضا الشيرازي نجل المرجع الأعلى وعضده الأيمن في (5 شوال 1338هـ/22 حزيران 1920م). وقد تمظهر ذلك الاعتقال وتوابعه في النقاط التالية:
أقدمت قوات الاحتلال على اعتقال الشيخ محمد رضا نجل المرجع الأعلى الشيخ الشيرازي الذي كان من أشد المعارضين للاحتلال البريطاني للعراق
تأثيرًا، وأكثرهم نشاطًا في تثوير الجماهير، وحركة، ودأبًا، وتحشيدًا، وتعبئة، وصلابة، وقوة، ضد غزوهم للعراق، ولمناصرة الثورة العراقية الكبرى. ولمن أراد أن يتعرف على دوره الأساس في الإعداد لثورة العشرين ليس عليه إلّا مراجعة سجلات الوثائق البريطانية، ليقف على مدى حقد قادة الاحتلال البريطاني عليه.
ولم يكتفِ المحتلون باعتقال كبير مستشاري المرجع الأعلى فحسب، بل عمدوا إلى اعتقال عدد من كبار الوطنيين في كربلاء المقدسة معه.
يقول الشيخ محمد الخالصي أحد الرجال المطلوب اعتقالهم مع الشيخ محمد رضا الشيرازي، متحدثًا عن ذلك اليوم: حيث حشّد فيه المحتلون «أفواجًا من الجند، وعددًا وافرًا من المدافع والرشاشات والسيارات المدرعة والطيارات، للقبض علينا... فحاصروا كربلاء... وعُقد مجلس في دار آية الله الشيرازي ليلًا ليعين التكليف الشرعي في الحرب، أو التسليم لِما يريد الإنكليز. فقال الشيرازي:
إن الاستسلام للإنكليز غير سائغ... ولذلك قرّ رأيهما -المرجعين الشيخ الشيرازي والخالصي- في ذلك المجلس على ما يلي ملخّصًا وهو: وجوب تمسك العراقيين بحقوقهم، وإدامة المظاهرات، والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى أن يكون حجة بيد الإنكليز لمحاربة العراقيين، وعدم استعمال السلاح إلّا إذا استعمله الإنكليز، فيجب على العراقيين استعمال السلاح حينئذ دفاعًا، ولمّا أصبح الصباح اجتمعنا في دار الشيرازي، فوردت لنا جميعًا أوراق دعوة مختومة بختم ميجر بولي حاكم الحلة، يدعونا فيها للحضور في دائرة حاكم كربلاء للمذاكرة».
وكان على رأس من استدعاهم الميجر بولي نجل المرجع الأعلى الشيخ الشيرازي، وأحد عشر من كبار وجهاء كربلاء، رغم نصيحة المرجع الأعلى له بالكفّ عن مسعاه لكي لا يكون سببًا لإراقة الدماء، فلم يستجب الحاكم الإنكليزي للنصيحة، وقرر الشيخ محمّد رضا والمطلوبون معه تسليم أنفسهم استجابة لطلب المرجع الأعلى منهم ذلك، أو بناء على قناعتهم، أو موافقتهم على نصيحة من نصحهم بذلك على اختلاف في الروايتين، فنقلتهم السيارات المصفحة العسكرية إلى الحلة، ومنها إلى البصرة، فجزيرة (هنجام) الهندية، مبعدين منفيين.
وقد كان الميجر بولي الحاكم السياسي للحلة وكربلاء قد بعث رسالة إلى سماحة المرجع الأعلى الشيخ الشيرازي في (5 شوال 1338هـ/22 حزيران
1920م) قبل ساعة من اعتقال نجله الشيخ محمّد رضا الشيرازي بقليل، جاء فيها: «إنّ قسمًا من قواتنا قد وردت إلى هذه الأنحاء لأجل حفظ الأمن وإلقاء القبض على عدد من الأشرار الذين يقصدون الإفساد ونهب الأموال وإلقاء الرعب في قلوب الأهلين».
وإذ وصل الكتاب إلى يد المرجع الأعلى جمع سماحته مستشاريه للتداول في الأمر، وقبل أن ينفضّ مجلس التشاور وصلت إلى المرجع الأعلى الشيرازي من الميجر بولي ورقة استدعاء نجله الشيخ محمّد رضا، ومعه بضعة عشر وجيهًا من وجهاء كربلاء بدعوى المذاكرة.
وقد جاء في كتاب المرجع الأعلى الشيرازي جوابًا على رسالة الميجر بولي في (5/6 شوال 1338هـ/23 حزيران 1920م) قوله: «قرأنا كتابكم وتعجبنا غاية العجب من مضمونه، حيث إنّ جلب العساكر لمقابلة الأشخاص المطالبين بحقوقهم المشروعة الضرورية لحياتهم من الأمور غير المعقولة! ولا تطابق أصول العدل والمنطق بوجه من الوجوه... وإن نظريتنا في أمور المملكة أصلح وأنفع من سَوق الجيوش واستعمال القوة الجبرية، وأدعوكم عجالة لأبلغكم أنّ توسلكم بالقوة في قبال مطالب البلاد واستدعاءاتها مخالف للعدل، ولإدارة البلاد. وإذا امتنعتم عن المجيء في هذه المرة أيضًا فستصبح وصيتي للأمة بخصوص مراعاة السلم ملغاة في ذاتها، وأترك الأمة وشأنها، وبهذه الصورة تقع مسؤولية نتائج السوء عليك وعلى أصحابك.
وفي الختام لي الأمل أن تؤثر فيك هذه النصيحة كي لا يقع ما يفسد النظام والأمن، ولكي لا تكونوا سببًا لإراقة دماء الأبرياء».
لم يقتصر أمر الحكام الإنكليز على اعتقال نجل المرجع الأعلى وعلماء النجف الأشرف ووطنييها فحسب، بل اعتقلت السلطة المحتلة عددًا من علماء ووطنيي النجف الأشرف وصحفييها وفق الباحث أمين سعيد، وهم كل من: «السيد سعيد والسيد حسين كمال الدين، والسيد أحمد الصافي، والسيد ضياء الخراساني (كذا)، وعبد الحميد زاهد»، كما «كبست -السلطة المحتلّة- في النجف على دور (كذا) بعض أعضاء الجمعيات وفتشت أمتعتهم فزاد ذلك في استياء الأهلين، فاغتنم قادة الحركة الفرصة، وطبعوا المناشير بالدعوة إلى القيام بالثورة، ووزعت في أنحاء الفرات، وأفصح الخطباء بذلك في جميع المحافل والمجتمعات».
ما أن انتشر خبر اعتقال الشيخ محمّد رضا الشيرازي ومن معه من زعماء الثورة في كربلاء والمداهمات العنيفة لقادة الثوار والوطنيين في النجف الأشرف، حتى التهبت مشاعر الناس في المدن والأرياف وفي مقدمتهم زعماء الثورة من
شيوخ العشائر حنقًا وحقدًا على الإنكليز، وبدأت مقدمات ساعة قدح شرارة الثورة تتوالى، والغضب على المحتلين يتفجر في المدن والأقضية والنواحي في الفرات الأوسط وبغداد خاصة، والمنتفك، وديالى، وبدرجة أخف في غيرها المناطق أيضًا. فما كان من شيوخ وزعماء الفرات الأوسط إلّا أن بعثوا برسالة إلى مندوبي بغداد والكاظمية موقعة من قبل (16) ستّة عشر شيخًا وزعيمًا وطنيًّا في (11 أو 12 شوال 1338هـ/28 أو 29 حزيران 1920م) كما سيأتي، مطالبين فيها بإطلاق سرح المعتقلين دون إبطاء، وإلّا فالحرب؛ ذلك أنّ الصبر نفد بعد أن قدّمنا مطالبنا بالطرق السلمية مرة وثانية فلم يستجب لها المحتلون.
كما بعثوا برسالة أخرى إلى زعماء الرميثة في اليوم نفسه، يبلغونهم فيها بمضمون رسالتهم السابقة إلى مندوبي بغداد والكاظمية المطالبة بإطلاق سراح الوطنيين المعتقلين فورًا، وإلّا فالحرب.
لقد سعى الجهاز الإعلامي للثورة جاهدًا في أكثر من بيان ومقال وافتتاحية صحفية إلى التأكيد على أن قرار اللجوء للثورة المسلحة للتحرير والاستقلال سنة (1920م) لم يُتخذ إلّا بعد اليأس التام من قبول المعتدين الغزاة لمطالب المرجعية الدينية وشيوخ الثورة والوطنيين، وإذا كان لي أن استشهد بمثال على ذلك فليس هناك أدل من الاستشهاد بافتتاحية العدد الثاني من صحيفة (الفرات)، الصادر في (28 ذي القعدة 1338هـ/7 آب 1920م) بقلم رئيس تحرير الصحيفة ولسان الثورة المجلجل، وهذا بعض مما ورد في الافتتاحية. يقول الشيخ محمد باقر الشبيبي: «أدرك العراقيون أنّ المطالبات القانونية والمظاهرات السلمية لا تجدي نفعًا، ولا تسترجع حقًّا، سيّما (كذا) وأنّ صدى الاحتجاج العادل لا ينعكس إلى
الأندية السياسية في العالم لاستئثار الإنكليز بكافة أدوات الوصل في البلاد، فلا بريد، ولا برق، ولا صحافة، مضافًا إلى الاعتقاد السائد بأنّ الأمم التي جاهرت بالمبادئ العالية فحاربت دون تنفيذها وتعميمها، لا تسمع أصوات المظلومين. إمّا لأنها أصبحت لا تستطيع ذلك، وإمّا لأنّها باعت مبادئها بثمن بخس فرضيت بالانتداب على قطعة أرض ورفضت باقي البلاد.
لقد فكّر عقلاء الأمة وكبارها فيما يجب أخذه من التدابير للتخلص من الاحتلال القتّال؛ فصمموا على الدفاع عن حياتهم بعد أن قامت السلطة العسكرية بإجراء الحركات الحربية قاصدة إخضاع الأمة بالقوة».
انهالت على المرجع الأعلى الشيخ الشيرازي رسائل الزعماء والشيوخ منددة باعتقال نجله الأكبر ومطالبة إياه بالسماح لهم بالثورة المسلحة.
يقول الشيخ محمّد الخالصي كاتب المرجع الأعلى الشيرازي «إن بعض رؤساء القبائل كتب إليه -الشيخ الشيرازي- بعد القبض على ولده: (إنّ أعمال الإنكليز في القبض على ولدك قد بلغت الغاية في القسوة والظلم وهتك الحرمات، فمُرْنا أن ندافع عن أنفسنا بالسلاح). فأرسل لي الكتاب وأمرني أن أكتب في جوابه ما ملخصه: (إنّ ابني ومن معه أُبعدوا في سبيل القضية العراقية، فلا يُنسِيَنّكم إبعادُهم قضيّتَكم، ولا تشتغلوا بطلب عَودهم عن المطالبة بحقوقكم، ولا تجعلوا القبض عليهم سببًا لحمل السلاح، فتلهيكم القضايا الشخصية عن المطالب
العامة، وإياكم أن تجرّدوا سيفًا ولو رأيتموني بيد الإنكليز، إلّا أن يسوق الإنكليز جيشًا لمحاربتكم بسبب إصراركم على المطالبة بحقكم المغصوب، فهناك يجب الدفاع، ولا تذكروا في دفاعكم إلّا القضية العراقية، والاستقلال الناجز التام).
فكتبتُ هذا بأمره، وما زلتُ أكتب في أجوبة المكاتيب التي ترد من رؤساء القبائل ما يقرب من هذا، فيوقّعه ويأمرنا بإرساله».
وطبيعي لمثل سماحته وهو المرجع الأعلى أن يفصل بين الموضوعين الخاص والعام؛ بين اعتقال نجله الأكبر وهو موضوع خاص بشخصه الكريم، وبين القضية الوطنية العامة وهي الاستقلال التام الناجز؛ لذلك رفض سماحته طلب بعض الزعماء والشيوخ القيام بالثورة إذا كانت لسبب اعتقال نجله، بل زاد على ذلك فحذّرهم بقوله المتقدم أعلاه: «إياكم أن تجرّدوا سيفًا ولو رأيتموني بيد الإنكليز، إلّا أن يسوق الإنكليز جيشًا لمحاربتكم بسبب إصراركم على المطالبة بحقكم المغصوب، فهناك يجب الدفاع».
ومن الطبيعي أيضًا أن يرفض زعيم الأمة الموافقة على إطلاق بعض المعتقلين والمنفيين دون بعض، حتى وإن كان المطلق سراحه هو نجل المرجع الأعلى والساعد الأيمن لأبيه في إدارة ملف ثورة العشرين.
وقد صرح بذلك سماحة الشيخ عبد الكريم الجزائري خلال التفاوض مع حكام المدن والأقضية من الإنكليز المجتمعين بممثلي المرجعية والثوار في الكوفة، ردًّا على ذكر أحد حكام الإنكليز لقضية اعتقال ونفي نجل المرجع الأعلى، بعد أن طلب من وفد المرجعية أن يخففوا الأمر على سماحة الشيخ الشيرازي، فأجابه
الشيخ الجزائري قائلًا: «إنّ الإمام الحائري لم يبلغ مرتبته الحالية إلّا لأنّه ينظر إلى أفراد المسلمين كافة كأولاده، فأيّ ولد يعنيه الحاكم؟ أهو نفي الحاج مخيف، أم إبعاد أحرار كربلاء؟ أم نفي المتظاهرين في الحلة؟».
وإذ لم تلقَ رسالة المرجع الأعلى أُذُنًا صاغية من دول عصبة الأمم، واستمرت وتائر عنف المحتل بالتصاعد ساعية لاعتقال زعماء الثورة وشيوخها الآخرين هذه المرة؛ كتب كبار الثوار إلى مرجعهم الأعلى يضعونه بصورة ما جرى قائلين: إنّ الأمر بات يدور بين الثورة أو الاستسلام للإنكليز. فأجابهم مرجعهم بقوله: «إنّي فديت استقلال العراق بولدي، ومَن عَزّ عليّ، وأنا مستعد بأن أفديه بنفسي، وهي قصارى ما أملك، أما أنتم فإن أصرّ الإنكليز على غصبكم حقكم، وقابلوا التماسكم بالحرب، فيجب عليكم الدفاع بجميع قُواكم، ويحرم الرضوخ لهم والاستسلام».
كما «كتب الشيخ عبد الحسين النجل الثاني للإمام الحائري كتابًا إلى السيد قاطع العوادي، وآخر إلى الشيخ سماوي الجلوب، يخبرهما فيه بالأمر الواقع. ويرجوهما العمل على إنقاذ المنفيين من أيدي المحتلين».
بعد تأزّم الوضع اقترح ولسون زيارة بيرسي كوكس إلى العراق وهو في طريقة إلى لندن بعد استدعائه من قبل حكومته ليتولى إدارة ملف العراق بدل
ويلسون، فوصل كوكس العراق، وقبل مغادرته كتب «إلى وزارة الهند بالرسالة الآتية (22 حزيران-1920م)... الوضع صعب جدًّا من دون شك... غير أنّ المطلب الملحّ العاجل هو إبقاء الوضع تحت السيطرة والحيلولة خلال الثلاثة أو الأشهر الأربعة القادمة دون وقوع أي انفجار في المناطق. واتخاذ إجراءات من شأنها أن تجلب المعتدلين إلى العمل المكشوف بجانبنا في الوقت نفسه مع منعهم عن الاشتغال مع المتطرفين في عمل مشترك».
بيد أنّ جلب المعتدلين للعمل المكشوف لم يكن اقتراحًا واقعيًّا بحال، ولا الحيلولة دون انفجار الوضع لأشهر قادمة؛ ما قرّر معه ولسون بعد سفر السر بيرسي كوكس مباشرة إلى إجراء مفاوضات سرية مع بعض القريبين من الثوار للاطلاع على ما يمكن الاطلاع عليه علّها تنفع.
يقول آرنولد ويلسون: «كان من الضروري أن تبقى هذه المفاوضات مكتومة؛ لأنّ الزعماء كانت ثقة الجمهور قليلة بهم، وكانوا يعرفون بأنهم لو شك أحد في كونهم كانوا على اتصال بي فسوف يُتّهمون بالخيانة، ونجد من جهة أخرى أنّ العنصر المستعد للتفاهم بينما يكون غير قادر مثل المعتدلين في جميع أنحاء العالم، أو غير راغب في توريط نفسه توريطًا كليًّا بسياسة حكومة اليوم؛ فإنّه ينظر شزرًا لأية مفاوضات مكشوفة تجري مع الأقلية الثائرة، فدُبّر اجتماع يتم في منتصف الليل... في بيت صديق مشترك هو عبد القادر باشا الخضيري. وذهبت برفقة رسول عربي يوثق به، ولم يكن يعرف بالمكان الذي كنت أقصده والنية التي كنت أنتويها غير شخصين آخرين. وقد حضر ثلاثة ممن كانوا على اتصال وثيق بزعماء الوطنيين... وكان خصومي ينصتون باهتمام... فأجابوا بأنهم يعتبرون كل ما قلته صحيحًا ولكنهم أضافوا إلى ذلك قولهم:
ّ قبول أي شيء غير الاستقلال التام بالنسبة لهم في العراق يعتبر كارثة... فأنذرتهم... ورجوت منهم أن يتصوروا إراقة الدماء التي تنطوي عليها هذه السياسة، فأجابوا: إنّ ذلك سيكون ثمنًا بخسًا يدفعونه لقاء الاستقلال، ورددت على ذلك بأنّ الثورة قد تؤخر تحقيق آمالهم عقدًا من السنين، فأجابوا بأنّ المعروف في عالم السياسة أنّ الحرية بالنسبة إلى للأمم تؤخذ ولا تعطى، وأنّ الثورة سواء أكانت ناجحة أم لا ليست فقط أحسن طريقة لدفع قضية الحرية إلى الأمام، وإنّما هي الطريقة الوحيدة لذلك، ثم أنهوا حديثهم بقولهم: إنّ الأمم الأوربية تخضع للقوة على الدوام، فقد خضعت لها بريطانيا العظمى في قضية أفغانستان، وضعفت في مصر، وخضعت حتى في الهند، وقد ملّت الأمة البريطانية من الحروب، وسوف لا تقدم مزيدًا من الضحايا، ومتى منح الانتداب وسويت شروطه فإنّنا سوف نخسر فرصة الحصول على الاستقلال التام، فليس يرضينا شيء أقلّ من ذلك، وليس هناك شيء آخر يستحق الفوز به... وقد أنهيت الحديث بتطمينهم أنّنا لا بدّ من أن نفعل جميع ما بوسعنا للمحافظة على الأمن والنظام».
لقد نقلتُ حديث ولسون بطوله ليس فقط لأهميته ووضوح قناعات الثوار بالثورة حتى وإن فشلت لأنها الطريقة الوحيدة للحرية والاستقلال التام كما قالوا؛ ولا لأنّ ولسون عبّر عن قناعات الثوار المخالفة لقناعاته وسياساته بموضوعية كما يبدو؛ بل لأنه عبّر عن متبنّيات المرجعية العليا ومستشاريها بعد الثورة بوقف العمليات الحربية والتفاوض تحت الاحتلال جوابًا على رسالة ويلسون إلى المرجع الأعلى شيخ الشريعة الأصبهاني كما سيأتي الحديث عنها مفصلًا لاحقًا.
قرر المرجع الأعلى الشيخ الشيرازي من أجل استنفاد المساعي السلمية كافة -رغم كل ما تقدم من الاعتقالات والنفي وغيرها- إرسال وفد عنه إلى نائب الحاكم الملكي العام ولسون في بغداد لمفاوضته في أمر إيقاف القتال حقنًا للدماء. وقد اختار لهذا الغرض رجلين هما: السيد هبة الدين الشهرستاني والميرزا أحمد نجل المرجع الشيخ محمّد كاظم الخراساني، وأرسل معهما رسالة إلى نائب الحاكم الملكي العام ولسون، يعرض فيها سماحته بعض الشروط من أجل إيقاف القتال عند حدّه، قبل أن تنظمّ العشائر الأخرى إليه، وهذه الشروط هي: سحب القوات الإنكليزية من منطقة القتال، وإعلان العفو العام، وإعادة المنفيين. فذهب الرسولان إلى بغداد وهما يحملان رسالة المرجع الأعلى الشيرازي، واتصلا بالقنصل الإيراني العام ليكون وسيطًا لهما عند ولسون ومترجمًا.
وقد اهتم القنصل الإيراني بالأمر وذهب إلى ولسون طالبًا منه تعيين موعد لمقابلة الرجلين المرسلين من قبل المرجع الأعلى الشيرازي. غير أن ولسون رفض مقابلتهما»، ورفض حتى استلام كتاب آية الله، فمكثا في بغداد ما يقارب العشرة أيام دون جدوى، بل زاد على ذلك فقال للقنصل الإيراني الوسيط: «إنّي لا أصدق برسالة الشيرازي؛ لأنه هو الذي بذر هذه البذرة، وهذا يوم حصادها، كما أنّي لا أوافق على إطلاق سراح ابنه. فعاد الرجلان إلى كربلاء خائبين».
وإذ طرق الخبر مسامع قادة الثورة «دعا الزعماء ورؤساء القبائل أن يحملوا
العلماء والمندوبين في النجف على إبلاغ ما جرى إلى الإمام الشيرازي، وعرض استعدادهم لأخذ استقلال البلاد بالقوة، فكتب المندوبون والعلماء إلى الشيرازي كتابًا بذلك، وأطلعوه فيه على حقيقة الحال، ومبلغ استعداد الرؤساء لإشهار السيوف بدل الأقلام، لتحقيق أماني البلاد، وأخذ الحقوق المشروعة بالقوة، وأرسلوا الكتاب مع رسول يعلم نوايا القوم».
وكان قد كتب سماحته قبل وفاته بأقل من أسبوع رسالة إلى عصبة الأمم في (27 ذي القعدة 1338هـ/12 آب 1920م) أرسلها إلى جنيف عن طريق طهران، ذكر فيها ما لاقاه العراقيون من الإنكليز المحتلين خلال مطالباتهم السلمية بحقوقهم المشروعة، فـ«ثار ثائر الحكومة الإنكليزية، فقامت معتمدة على قوتها دون الحق ففتكت بالعراقيين فتكًا ذريعًا، وأخذت تهاجم بطياريها ومدافعها، حتى أعدمت من أعدمته، ونفت، وسجنت من أرادته، وأحرقت دورًا وهدمتها، ونهبت أموالًا وصادرتها، وعملت أعمالًا لا تأتلف وروحَ المدنيّة المزعومة فيها، بل إنّ الأعمال التي جاءت بها يأباها كل إنسان. عند ذلك قام العراقيون مدافعين عن أنفسهم وشرفهم بعد أن يئسوا من إصغاء حكومة بريطانيا لهم حتى للتفاهم معهم بصورة سلمية... فأنقذوا أمة تأبى أن تعيش دون أن تأخذ حقها الصريح المعترف به».
سأبدأ أولًا بتحديد مقصودي بالفتوى التاريخية، ثم أثر الانتداب في صدورها.
أقصد بالفتوى التاريخية هي تلك الفتوى التي أصدرها سماحة المرجع الأعلى الشيخ محمد تقي الشيرازي وقادت إلى اشتعال لهيب ثورة العشرين، وجاءت بالنص التالي: «مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالباتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطالبهم». وسيأتي الحديث عنها لاحقًا.
لقد أغلقت تمامًا جميع المساعي والمبادرات السلمية بوجه المراجع وزعماء الثورة وقادتها لاسترجاع الحقوق المشروعة للشعب العراقي وفي مقدمتها التحرير التام وحق تقرير المصير، خاصة بعد مؤتمر سان ريمو الذي عقده المجلس الأعلى للحلفاء في سان ريمو بإيطاليا بتاريخ (25 إبريل 1920م/6 شعبان 1338هـ)، والذي كان من ضمن مقرراته تقاسم الحلفاء لأرث الدولة العثمانية، فتقرر وضع العراق تحت الانتداب البريطاني، ووضع سوريا تحت الانتداب الفرنسي، ثم أعلنت بريطانيا فرضها الانتداب على العراق بموجب مقررات المؤتمر في (3 مايس 1920م/14 شعبان 1338هـ) ونشرته صحف بغداد، وبذلك فقد وقع ما كان يخشاه العراقيون، فـ«الانتداب تلك الكلمة المقيتة، قد أينع الآن، والحكم البريطاني المباشر الفعّال متواصل، ولم يعد للاستقلال الحقيقي أية دلالة، ولا أي
أمل مبكر»، وهو ما ارتآه لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا حينها بقوله: إن الانتداب ليس سوى بديل عن الاستعمار القديم. وقد جاء في بلاغ (ويلسون) وهو يشرح الانتداب للعراقيين بما بدا له -لجهله بنفسية وطباع العراقيين- أن الانتداب سيكون محبّبًا لهم فزاد الطين بلة بقوله: «يترتب على الدولة الوصية أن تجعل نفسها ذلك الحارس العاقل النبيه... فيأخذ بيد شعبها ويسير به نحو الرقي ويدرّبه تدريبًا يجعله صالحًا للجلوس في مصاف شعوب العالم... وكما يستبشر الوصي ويفرح بنمو القاصر الموصى به حتى يبلغ سنّ الرشد ويصبح رجلًا حرًّا مستقلًّا، كذلك تستبشر الدولة الوصية وتبتهج عندما ترى المعاهد السياسية آخذة بالرقي والتقدم حتى تصبح حرة مستقلة قوية الدعائم ثابتة الأركان»، وكأن العراقيين قُصّر لا يستطيعون تمييز ما يضرهم وما ينفعهم بحيث لا بد لهم من وصي عليهم يبلغ بهم سن الرشد العقلي والنفسي!
ومثله ما جاء في خطاب ألقاه المستشرق البريطاني (مارغوليوث) في اجتماع عقد مع الزعماء العراقيين المعارضين من سكنة بغداد وضواحيها، وكان من جملة حاضريه المعارض السياسي علي البازركان الذي نقل عن (مارغوليوث) قوله
في الاجتماع: «بأن العراق بلد اعتاد على الحكم الأجنبي الغريب عنه، وأنه لا يستطيع أن يحكم نفسه بنفسه، لذلك وجب على العراقيين أن يختاروا الإنكليز، ليكونوا عليهم أولياء وأوصياء».
وقد أثارت دعوى البريطانيين بوجوب قيمومتهم على العراقيين ووصايتهم عليهم مشاعر وغضب العراقيين وامتعاضهم الشديد، ومنه ما ورد على لسان الشيخ محمد الخالصي في الاجتماع التاريخي الحاشد في صحن العباس عليهالسلام مساء يوم (25 رمضان 1338هـ/12 حزيران 1920م) بقوله: «أيها السادة إن الله قد وصفكم بكتابه بصفتين بأنكم الأعلون... وحكم على من هذه صفته أن لا يهين ولا يحزن، كذلك أنتم في كتاب الله، وقد جاءتكم بريطانيا بخيلها ورجلها وعزمها وشكيمتها تقول: أنتم الأدنون ونحن الأعلون، لذلك يجب أن نكون قيّمين على شؤونكم وإدارتكم وأموالكم وأنفسكم... هكذا أرادت بكم تلك الدولة القاسية التي لا ترى غيرها في العالم، وتحسب صنوف البشر عبيدًا أرقّاء مذللين... تنصب بريطانيا عليكم قيّمًا دوليًّا وهي الوصي وهي القيّم، فهل أنتم مجانين حتى تفتقروا إلى الولي وإلى القيّم؟!». وقد تصاعدت وتائر ذم الوصاية إلى عامة المواطنين بطبقاتهم الاجتماعية كافة، حتى بات «الناس يعلنون تذمرهم واستياءهم من الانتداب قائلين: (هل نحن أطفال لكي نحتاج إلى وصي يرعى شؤوننا؟!)، وانتشر بين التلاميذ في المدارس «نشيد» يتضمن رفض «الحماية والوصاية» ويشبهها بـ«الأسر» و«العيش بذل».
أما وفق نظر العراقيين فإضافة إلى ما تقدم أقول: إنهم كانوا «ينظرون إليه نظرهم إلى الاستعمار»، أو يعتبرونه «مرادفًا للاستعمار والسيطرة»، أو «توسعًا استعماريًّا باسم جديد»، أو هو «إلحاق مستور، وأيّد الفرنسيون هذا الاعتقاد بالعمل»، بل قال «السير برسي كوكس الذي كان حينذاك المندوب السامي البريطاني في العراق: إن الانتداب كان بنظر العراقيين (لعنة)».
لقد كان القرار البريطاني صريحًا بفرض الانتداب على العراق، ووافق عليه الشريف فيصل، مع موافقتهما معًا على أن يغطى الانتداب بغطاء معاهدة تمويهًا وتلافيًا للسخط الشعبي من لفظ الانتداب.
لقد أكدت أكثر من وثيقة في سجل الوثائق البريطانية على ذلك، وفي مقدمتها ما تقدم، ومنها ما أوضحته نص المسودة الأصلية المرسلة من وزارة الهند إلى مجلس الوزراء البريطاني في (30 ذي القعدة 1338هـ/ 15 آب 1920م) متضمنة الخطوط التي يسمح للسير بيرسي كوكس باتباعها بعد تعيينه مندوبًا ساميًا في العراق، ومن هذه التعليمات: «أن يمنح الشريف فيصل إمارة العراق بشرط... أن يكون الشريف فيصل مستعدًا من حيث المبدأ بقبول بريطانيا دولة منتدبة، ويوافق على تشكيل انتداب على وفق الخطوط المرسومة... ومن المحتمل أن الشريف فيصل (كذا) في ضوء تجربته مع الحكومة الفرنسية في سوريا يمكن في أثناء قبوله من حيث المبدأ بالانتداب ببريطانيا الدولة المنتدبة
أن يلحّ على التعبير عن شروط الانتداب في شكل معاهدة. وإذا كان الأمر كذلك فإن حكومة جلالته -البريطانية- ستكون مستعدة لتنفيذ الاقتراح».
وكان قد صرح به نصّ برقية أخرى سابقة بعثها وزير الخارجية لشؤون المستعمرات البريطاني إلى المندوب السامي البريطاني في العراق برقم (304) في (24 ذي القعدة 1338هـ/ 9 آب 1921م) بقولها: لـ«قد قبل فيصل الانتداب وحتى يستبدل بعلاقة أخرى يجب عليه أن يعمل بموجبه».
غير أن ذلك يحتاج إلى مقدمات، منها: أن «تتشكل الحكومة العراقية على نحو وافٍ ووجود شخص لنا يصوغ المعاهدة... يجب أن يتبع ذلك تصديق رسمي للمعاهدة».
ويذكر السيد محسن أبو طبيخ أحد زعماء وشيوخ ثورة العشرين الذين قصدوا مكة بعد انتهاء الثورة أنّ الشريف فيصلًا بعد وصوله لمكة إثر اتفاقه مع الإنكليز على تسنّمه عرش العراق لم يكتفِ فيصل بقبول الانتداب كما ورد في الرسالة البريطانية الرسمية أعلاه، بل زاد على ذلك بأن أقرّ واعترف صراحة أمام قادة الثورة العراقيين المهاجرين إلى الحجاز بعد رجوعه من لندن، وقبيل سفره للعراق، ردًّا على استفهامهم منه بسؤالهم له: ما إذا كان «سيشكل حكومة في العراق حرة تتمتع بالاستقلال التام الناجز، أم أنها حكومة مقيَّدة؟ فقال: مقيدة بالانتداب الإنكليزي».
ونظرًا لعلم الشريف فيصل بموقف العراقيين المعادي والكاره للانتداب بشدة، بل بموقف كل الشعوب الحرة منه حتى هو نفسه، غير أنه ضعف فقدم
مصلحته الشخصية على قناعاته الواقعية، فقد بدأ يلح على تغطية الانتداب البغيض لدى العراقيين بغطاء معاهدة تمويهي، وقَبِل الإنكليز منه ذلك، بل ربما هُم من اقترحه عليه حسب لونكريك كما تقدم. رغم أن فيصل وصف الانتداب للعراقيين في خطبة له خلال حفل تكريمي أقامه للوفود العراقية التي حضرت مهرجان استقبال الملك في البلاط الملكي بتاريخ (19 جمادى الأولى 1350هـ/2 تشرين الأول 1931م) بقوله: «إن كلمة الاستعمار كانت قد أصبحت ممقوتة في نظر الشعوب الغالبة والمغلوبة، ومن أجل التوفيق بين الاعتراف الاسميّ بحقوق البلدان المنسلخة عن تركيا، وتنفيذ مبادئ الفتح؛ ابتُدِع أسلوب جديد سُمّي بالانتداب؛ ليستر من جهة حق الفاتح، ويؤمل من جهة أخرى المغلوب بإمكان الحصول على استقلاله».
وقد قال فيصل قبل ذلك متحدثًا عن الانتداب واصفًا إياه بإنه «عار على كل أمة تريد الحياة، أرجو من الأمة أن تعلم أن رئيسها أو حاكمها أو ملكها الذي انتخبته هو على هذا المبدأ: لا يرضى أن يقال إنّ المملكة التي هو رئيسا (كذا) تحت قيود مملكة أخرى. فالأمة التي عاشت قرونًا عديدة ومدّنت العالم لا يمكن أن تتقيّد بهذه القيود. وأريد أن لا يكون رفض الأمة للانتداب مقتصرًا على القول فقط».
ورغم كل ما قاله فيصل عن سوء الانتداب، ورغم كل أحاديثه المموهة
للعراقيين عن رفضه للانتداب، وعن تحقيقه المخادع لاستقلال العراق، فقد صارحهم مرة في المأدبة الملكية التي أقامها للوفود القادمة من جميع أنحاء العراق في مهرجان استقبال الملك المنعقد بتاريخ (19 جمادى الأولى 1350هـ/2 تشرين الأول 1931م) محدّثًا إياهم -بعد عشر سنوات من تربعه على عرش العراق- عن «الانتداب الذي سيلغى». وفعلًا فإن الانتداب استمر حتى إبرام المعاهدة العراقية-البريطانية المذلة، حيث أصدر مجلس عصبة الأمم قرارًا بإلغاء الانتداب على العراق في (2 جمادى الثانية 1351هـ/3 تشرين الأول 1932م).
لقد وصف السيد محمّد علي كمال الدين المعاصر للحدث صدمة إعلان الانتداب يومها بأنه: أوقع العراقيين في حيرة ويأس شديدين، حيث تلقى العاملون في الحقل السياسي في جميع المدن العراقية هذا البيان بشيء كثير من الوجوم والتصميم.
لقد وصل كوكس إلى بغداد في (27 محرم 1339هـ/11 تشرين الأول 1920م) ليطبق بنود انتداب بريطانيا على العراق الذي وافق عليه فيصل «بكل ما يشتمل عليه ذلك الانتداب من وصاية مهما تمّ تفسيرها فهي وصاية»؛ لأن الانتداب في حقيقته «ليس سوى إهانة تحطّم الكرامة القومية للعراق في نظر جميع المسلمين في كل مكان». وصل كوكس و«لم تكن كربلاء والنجف وطويريج والرميثة وهيت والسماوة والكوفة وديالى وأربيل قد خضعت للحكم
-البريطاني- المباشر، وأما في الموصل فلا يزال القلق مستمرًّا بتأثير الدعوة الكمالية»، ومع ذلك فقد جاء خطاب المندوب السامي البريطاني لوجوه كبار السياسيين العراقيين صريحًا في عدم الجلاء عن العراق مهما كلفهم الأمر.
يقول الشيخ موسى العصامي المعاصر للحدث: «حدثني كثير من الزعماء والأعيان عن كوكس.. قالوا: اجتمعنا به في دار الاعتماد فأول كلمة فاه بها أن قال: يا أهل العراق، اتركوا حديث إنّا نخرج من بلادكم، وندعها لكم بعد تلك الحرب الطاحنة التي وقعت بيننا وبين الترك، وغير هذا اطلبوا أي مشروع من المشاريع النافعة، فإنّا مستعدون لمدّ يدّ المساعدة لكم بكل ما أمكن، وسنحت به الظروف».
لقد كانت النجف الأشرف طبعًا من بين أهم المدن العراقية الرئيسة التي تلقت هذا البيان المفزع بأسوأ الانطباعات، ووضعت حدًّا لمحاولاتها السلمية في تحقيق المطالب الوطنية؛ لذلك طبعت عشرات ألوف المناشير في مطابعها الحجرية والحديثة تحض على الثورة ضد الإنكليز، وجرى توزيعها في جميع أنحاء العراق، ثم كتبت مئات الرسائل والكتب إلى زعماء عشائر الفرات الأوسط ووجوه بغداد» أيضًا.
ونتيجة لموجة الغضب الشعبي العارم ضد الانتداب وضد إصرار الإنكليز على عدم الجلاء عن العراق ومنح شعبه الحرية في تقرير مصيره، فقد «بذل
الإنكليز جهودًا حثيثة لإطفاء هذا الاستياء والغليان، حتى وصل الأمر بهم إلى إلقاء القنابل على بعض مجالس العزاء الشعبية المكتظة بالمشاركين، وكما يقول أحد كتّاب التقارير الرسمية الإنكليزية: (لقد تمكنت الضربات الجوية البريطانية بمفردها خلال 15 يومًا أن تضع حدًّا لتحركات القبائل)» الثائرة ضدهم.
ولعل من الصدف المؤثرة إعلان بريطانيا انتدابها على العراق في نفس يوم اجتماع عشرات الآلاف من الوافدين إلى كربلاء لزيارة (النصف من شعبان 1338هـ/ 4 مايس 1920م)، وهو ما استدعى إلى عقد اجتماع عاجل بين كبار القادة الوطنيين العراقيين من العلماء والشيوخ وغيرهم في دار السيد أبو القاسم الكاشاني الملاصقة للصحن الحسيني الشريف حضره أربعة وعشرون زعيمًا، وكان من جملة من حضره: المجتهد الشيخ عبد الكريم الجزائري، والحاج جعفر أبو التمن، والسيد نور الياسري، والسيد علوان الياسري، والشيخ عبد الواحد آل سكر وغيرهم، وتقرر فيه إيفاد ممثلين عنهم إلى المرجع الأعلى الشيخ محمّد تقي الشيرازي لمفاتحته في أمر الثورة المسلحة، واستحصال موافقته على ذلك.
يقول الشيخ جعفر محبوبة المؤرخ المعاصر للحدث: إن زعماء الفرات الأوسط المجتمعين بسماحة المرجع الأعلى الشيخ الشيرازي تلك الليلة هم كل من: السيد محسن أبو طبيخ، والسيد نور الياسري، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ شعلان أبو الجون، والشيخ غثيث الحرجان، خلافًا لرواية أخرى أوردها د. علي الوردي ذاهبًا فيها إلى أن الخمسة المختارين لمقابلة المرجع الشيرازي هم كل من «عبد الكريم الجزائري وجعفر أبو التمن ونور الياسري وعلوان الياسري وعبد الواحد الحاج سكر»، ولعل الرواية الأولى هي أصوب لتثبت الراوي.
وفيه نقطتان رئيسيّتان، هما:
1. وقفة على فتوى المرجع الأعلى الميرزا الشيرازي بالثورة المسلحة
يمكن للقارئ الكريم غير المتخصص -فضلًا عن غيره- أن يلحظ أن الفتوى المباركة لثورة العشرين قد اشتملت على مقاطع ثلاثة:
أولها: أن المرجع الأعلى بدأ بإيضاح المقدمة الشرعية الملزمة لفتواه، وهي حق العراقيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم، إضافة لكونها مبدأ أساسيًّا في القانون الدولي ينظر إليه كقاعدة آمرة ملزمة، ورتّب على هذه المقدمة الشرعية بأن (ألزم) العراقيين شرعًا كفقيه ومرجع أعلى ب(وجوب) مطالبتهم جميعًا بحقوقهم الثابتة بالاستقلال الباتّ الناجز العاري عن كل تدخل أجنبي مهما كان، وبأي صورة من الصور، وبحريتهم التامة كشعب في تقرير مصيرهم وتحديد المسار والخيارات السياسية التي يراها مناسبة له.
ثانيها: «يجب» على الشعب العراقي ضمن مطالبته بحقوقه المشروعة «رعاية السلم والأمن».
ثالثها: إذا فشلت المساعي السلمية للعلماء والشيوخ والوطنيين من ممثلي الشعب العراقي في تحقيق حقوقه الشرعية والوطنية كاملة غير منقوصة؛ حينئذ «يجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطالبهم» المشروعة في الاستقلال التام العاري من كل تدخل أجنبي بأي صورة من الصور، ومن ثَمّ تقرير العراقيين لمصيرهم بأنفسهم.
وتحتاج الفتوى المباركة إلى وقفة تفصيلية تحليلية، أدعو الباحثين إلى خوض
غمارها وسبر أغوارها وقراءة تداعياتها على العراق وبريطانيا والمنطقة.
وقبل أن أنهي حديثي عن هذا الاجتماع التاريخي الخطير الذي صدرت على إثره الفتوى التاريخية، يحسن بي أن أذكر أمرين:
الأمر الأول: أن صدور الفتوى المتقدمة لا يعني سوى الإذن الشرعي باللجوء إلى الثورة المسلحة إذا فشلت جميع المساعي السلمية لانتزاع الحقوق المشروعة للشعب العراقي فشلًا تامًّا، من دون أن يعني صدور الفتوى البدء بتنفيذها عمليًّا من خلال إشعال فتيل الثورة المسلحة، بل ترك موضوع تحديد يوم إشعال فتيل الثورة إلى المستجدات اللاحقة والظروف الطارئة.
الأمر الثاني: أستغرب حقًّا من رأيين للدكتور القومي الاتجاه وميض عمر جمال نظمي، ذكرهما تعقيبًا على الاجتماع الذي عقد ليلة النصف من شعبان بقوله عنه:
1: إنه «كان بمثابة التصديق الرسمي على التحالف القومي-الديني-العشائري» وهو وصف غير واقعي، وغير موفق، بل غير وارد أصلًا.
2: زعمه بأن «انتفاضة الفرات الأوسط بدأت في الرميثة... وذلك قبل صدور أي فتوى أو إيعاز ديني»، علمًا بأن الفتوى المتقدمة المشهورة ليست هي الفتوى الوحيدة من المرجع الأعلى الميرزا الشيرازي، فقد وردت فتوى أخرى لسماحته أيضًا بالنص التالي:
-إلى إخواننا المسلمين في العراق سلمهم الله.
غير خفي على أحد أن موقف المسلمين في مثل هذا قد بلغت صعوبته وحراجته
مبلغًا لا يسع العلماء الأعلام أن يسكتوا عنه، كما لا يسع العشائر المتحفزين إلّا بذل النفس والنفيس في سبيل هذه النهضة الدينية والحركة الواجبة الإسلامية.
فالواجب اليوم على عموم المسلمين أداء فريضة الدفاع عن حوزة الدين المبين، وصيانة المشاهد المشرفة عن لوث الكافرين، ومحافظة نواميسكم الأطهار عن تعديات الكفرة، والقيام بواجب الوعظ والتشويق والنفر والحث والترغيب والترهيب، والله ولي التوفيق إنه سميع مجيب».
يقول الشيخ محمّد الخالصي كاتب رسائل المرجعية العليا: «كانت فتاوى آية الله الشيرازي تجدد روح الجيش كلما ضعفت، وكان على بيّنة من أمره في فتاواه وأحكامه، لم تُرِبْهُ ريبة، ولم يخالجه شك، ولا تأخذه فيها لومة لائم، وإليك مثلًا منها: كنا جلوسًا بين يديه في داره إذ وردت إليه من الهندية هذه المسائل والحرب بيننا وبين الإنكليز على قدم وساق:
مسائل:
أ. من منعاه والداه عن حرب الإنكليز/ هل يجب عليه إطاعتهما أو الحرب؟
ب. هل يجب على من لا يطيق حمل السلاح، أو لم يحسن استعماله أن يشترك في الحرب؟
ت. هل يجب تغسيل من مات قتيلًا في ميدان الحرب، أو تكفينه أو يدفن بثيابه؟
فأمرنا أن نكتب الجواب الآتي:
أ. يحرم على الوالدين منع ولدهما عن الحرب، فإن عصيا ومنعاه، فيحرم على الولد إطاعتهما، ويجب عليه قتال الإنكليز والدفاع عن حوزة المسلمين؟
ب. من لم يحسن استعمال السلاح يجب عليه التعلم فورًا، ومن لم يطق حمل السلاح يجب عليه معونة المجاهدين بما يتمكن، ولو بتضميد الجرحى وحملهم، ونقل الماء والطعام إلى المجاهدين، وغير ذلك.
ت. من مات في هذه الحرب فهو شهيد، لا يغسّل، ولا يكفّن، بل يُصلّى عليه ويدفن بثيابه، كمن قتل بين يدي الإمام».
ويضيف كاتب رسائل المرجعية قائلًا: «هذه كانت فتاواه في محاربة الإنكليز دفاعًا عن بيضة الإسلام، مع أنه كان متّبعًا طريقة الاحتياط في جميع المسائل، حتى كان مقلدوه في مشقّة العمل لكثرة احتياطاته، إلّا أنه رأى الاحتياط هنا في القطع بالحكم والصراحة التي لا تقبل التأويل في هذه المواضع التي يبتني عليها حفظ الإسلام ومجد المسلمين. ومن لم يعرف حقيقة الدين الإسلامي ومغزى شرائعه لعله يرى ذلك خلاف الاحتياط».
يُذكر أنه قد عقدت جلسة مهمة في كربلاء -وفق توثيق أحد معاصريها من القريبين إلى مصدر القرار- بتاريخ (3 شوال 1338هـ/20 حزيران 1920م) في دار السيد نور الياسري في محلة باب السلالمة وحضرها الميرزا محمّد تقي
الشيرازي شخصيًا مع نجليه عبد الحسين ومحمد حسن، والسيد أبو القاسم الكاشاني، والسيد حسين القزويني، والسيد هبة الدين الشهرستاني، ومرزا أحمد الآخوند الخراساني، والشيخ محمّد كاظم الشيرازي، والسيد هادي الخراساني؛ للتداول في أمور الثورة.
وفي عصر اليوم سافر السيد نور من كربلاء للديوانية، ولا أعلم ما جرى في حينه بينه وبين الميرزا وأصحابه».
وتبدو أهمية الاجتماع وخطورته من السرية الشديدة له، ومن حضور المرجع الأعلى شخصيًا فيه، خلافًا للمألوف من أن تعقد الاجتماعات التي يحضرها سماحته في داره عادة، وكذلك من حضور نجلي المرجع الأعلى وكبار مستشاريه وقادة وزعماء الثورة في كربلاء والفرات الأوسط فيه، ثم من إحاطته بالكتمان الشديد والسرية التامة، ولولا الشهادة الحسية المروية في مذكرات خطية لما عرفنا بالاجتماع وخطورته، وكما تستفاد أيضًا مما لحقه من احتفال ثوري كبير كان دعا إليه نجله الشيخ محمّد رضا الشيرازي، وما تبعه من اعتقاله وثلة من قادة الثورة في كربلاء بعد الاجتماع بيومين.
وتستفاد خطورة الاجتماع من سفر السيد نور الياسري عصر يوم الاجتماع إلى الديوانية دون تأخير.
وعلى الرغم من الوضوح التام المعزز بالوثائق والوقائع بأن التحرير التام الناجز للعراقيين هو مطلب المرجعية العليا، وأن حثها للمواطنين على التظاهر والتجمع والمعارضة السلمية النشطة كان بسبب تلبية العراقيين القوية لدعوة
رجعيتهم التي يلتزم بدعوتها غالبية الشعب العراقي ومن الشيعة بالخصوص، وأن تعدد التجمعات وانتشارها في المدن العراقية الكبرى ومنها العاصمة بغداد كان بطلب من المرجعية والوطنيين، مع كل ذلك وغيره وهو كثير، فإن ولسون «راح يعتبر مطاليبهم بالاستقلال الناجز للأمة العراقية بأنها مطاليب (عصابة متهوسة)».
سعى الكولونيل أرنولد تالبوت ولسون نائب الحاكم الملكي العام في العراق إلى مدّ الخطوط مع المرجعية العليا في النجف الأشرف بعد أن توهج لهب الثورة ضد الاحتلال الإنكليزي توهجًا خطيرًا، فبات قائد قواتها يخشى امتدادها إلى عشائر دجلة والمنتفق نتيجة نشاط وكلاء المرجعية الدينية والوطنيين فيها، بل بات يخشى امتداد لهب الثورة إلى بغداد نفسها، بعد أن كان الثوار قد قاربوها ولمّا، بعد أن دقوا أبواب حدودها من جهة الحلة إثر وصول طلائع مجاهديها إلى المحمودية واليوسفية.
لذا كتب الكولونيل ولسون نائب الحاكم الملكي العام البريطاني مجدّدًا إلى المرجع الأعلى الخلف شيخ الشريعة الأصبهاني رسالة طويلة في (5 ذي الحجة 1338هـ/ 20 آب 1920م) معزيًا بوفاة المرجع الأعلى الشيخ الشيرازي وعارضًا التفاوض لإنهاء الحرب.
حينها تدارست المرجعية ومستشاروها وشيوخ عشائرها وقواد الثورة الموقف فاختلفوا على رأيين.
ونظرًا لأهمية الوقوف على حقيقة ما جرى، ولوجود أكثر من رأي في هذا
الشأن بين قسم من مستشاري المرجعية العليا وشيوخ العشائر حينها، يحسن بي أن أتحدث بشيء من التفصيل عن رسالة ولسون الداعية للتفاوض، ووجهة نظر كِلا طرفي زعماء الثورة المختلفين حولها سواء أكانوا من مستشاري المرجعية العليا أم من بعض شيوخ العشائر المقاتلين، ثم أعرض أنموذجًا لرأي أحد مؤيدي التفاوض وأناقشه لأنتهي إلى الرأي الراجح من الرأيين المختلفين وأدلل عليه ببيان أسباب الرجحان.
(88)
وفي المبحث ست نقاط سأتناولها تباعًا:
تحدثت سابقًا عن ورود رسالة تحريرية من السير ولسون مؤرخة في (5 ذي الحجة 1338هـ/ 20 آب 1920م) موجهة إلى المرجع الأعلى الخلف شيخ الشريعة الأصبهاني عارضة التفاوض لإطفاء لهب الثورة بعد ما عاناه المحتلون من شدة وصعوبة وخسارة وصفها معاصرها الشيخ جعفر محبوبة بقوله: «لمّا شعرت الحكومة المحتلة بحراجة الموقف، وظهر لها من الدلائل أن الثورة ستعم جميع البلاد العراقية فتكلفها حينئذ خسائر كثيرة»؛ جاءت رسالة نائب الحاكم الملكي البريطاني العام في العراق إلى زعيم الثورة، يطلب منه فيها بعد التعزية بوفاة المرجع الشيخ الشيرازي عقد مفاوضات لوقف الحرب، مبتدئًا رسالته بالثناء على عدالة بريطانيا، وتسامحها الديني، وقوتها، وغناها، مهددًا بوصول الرجال والذخيرة والعتاد لدعم قواتهم الغازية، ومؤكدًا على عزم المحتلين بمحاسبة شيوخ الثوار وقادتهم وغيرهم من الذين «ضللوا الناس» للاشتراك في الثورة، خاصة وأن أسماءهم معروفة عنده، زاعمًا أنه قد عيّن الكولونيل هاول ناظر المالية نائبًا عنه ليدخل في المفاوضات والمراسلات التي لا بدّ أن تجري قبل أن تنتهي المنازعات، قائلًا: بما أن «حضرتكم مشغولو البال في الأمور الدينية والمسائل الروحانية على الأغلب، فلهذا نرجوكم أن تعيّنوا معتمدًا أو معتمدين لكي يلاقوا الكولونيل هاول في محل مناسب ويتباحثوا معه في هذه المسألة المهمة».
وإذ تسلم المرجع الأعلى شيخ الشريعة الأصبهاني الرسالة، «استدعى إليه حاشيته ومستشاريه للمداولة في الأمر، ولمّا اجتمع هؤلاء عنده وعرض عليهم الرسالة انقسموا حولها إلى فريقين: فريق يستحسن المفاوضة مع الإنكليز، ويرى أن الثوار قد نفد ما لديهم من ذخيرة، وأن الإيمان وحده لا يكفي تجاه الجيوش الإنكليزية الجرارة»، كما «أنّ المجهودات الكبيرة التي بُذلت لإثارة عشائر دجلة قد خابت، وما دام طريق هذا النهر في قبضة الحكومة فلا بدّ لها من أن تتغلب على الصعوبات التي تواجهها في سائر أنحاء القطر».
وقد تبنّى هذا الرأي بعض القادة من الشيوخ يأتي في مقدمتهم السيد محسن أبو طبيخ كما سيأتي تفصيلًا.
في حين ذهب الرأي الثاني إلى: «أنّ الإنكليز قد جُرّبوا من قبل، وأنّ المفاوضات والمذاكرات والاحتجاجات قد جرت كلها في ظروف مختلفة منذ بضعة شهور فلم تسفر عن نتيجة».
وقد تبنّت هذا الرأي «اللجنة الحيدرية، وكانت تمثل السلطة الشيعية العليا وعلى رأسها المجتهد الأكبر، وتتألف من أبو القاسم الكاشاني، وأبو الحسن الأصفهاني، وميرزا عبد المحسن ابن الشيرازي، وأحمد ملا كاظم الخراساني،
والسيد نور الياسري، وكان المتكلم باسم اللجنة الحيدرية السيد أبو القاسم الكاشاني قد أعلن أنّ اللجنة ترفض الصلح مهما يكن نوعه، كما أنها ترفض الهدنة مع جيش الاحتلال والإدارة المدنية، مشيرًا إلى أن أي تسوية سلمية من شأنها أن تمنح الإنكليز الفرص المناسبة لإعادة تنظيم أنفسهم على أسس أمتن من ذي قبل، وأن تضعهم في مركز القوة بحيث يُملون شروطهم».
ورأت (اللجنة الحيدرية) مرجعها وأعضاؤها من كبار العلماء والزعماء بنظرة استراتيجية مستقبلية بأن: «من الخير أن تفشل الثورة، ويعرف الجميع أنها قد فشلت بنتيجة فقدان السلاح والذخيرة، من أن نرضخ للإنكليز بداعي الاستسلام لِما يسمونه بالأمر الواقع، هذا فضلًا عمّا يُرجى من تأثير الاحتجاجات في مسامع الدول الكبرى، فيتغير موقف الإنكليز بعض التغير على الأقل».
بعد النقاش وتبادل وجهات النظر بين المرجعية ومستشاريها والشيوخ والقادة من متبني الرأيين بمن فيهم من كان في جبهات القتال؛ تقرر رجحان رأي الرافضين للتفاوض، فأقرّه المرجع الأعلى، على أن تكتب فيه رسالتان: رسالة إلى الرأي العام شديدة اللهجة، وأخرى جوابية إلى وكيل الحاكم الملكي العام ولسون بأسلوب أقل حدة تناسب مقام كاتبها المرجع الأعلى، فكان ممّا جاء في الرسالة الجوابية الطويلة لولسون، ما سأقتطعه منها على طوله لأهميته.
جاء في رسالة المرجع الأعلى الجوابية إلى السير ويلسون:
«مرة بعد أخرى بثثنا نصائحنا.. وأنذرناكم قائلين لكم تداركوا الأمر قبل خروج علاجه عن مقدرتنا، ولا شك أنكم تعلمون أن تداركه بإعطاء العراقيين حقوقهم التي طالبوكم بها مطالبة سلمية، فأبيتم إلّا اغتصابها، وجعلتم أصابعكم في آذانكم حذرًا من أن تسمعوا مطالبًا بها، وأخذتم بعد الوعود بالوعيد، وبعد التأميل بالتضليل، واستعملتم الشدة والغلظة، فنفيتم، وقتلتم، وسجنتم، وأخفتم، وأضمرتم العداء الذي أظهرتم آثاره، وطلبتم نفوس أولئك المظلومين وأموالهم، وما يجب الدفاع عنه من حرمهم، فدافعوكم قيامًا بواجبهم، وهاجمتموهم تبعًا لهوى نفوسكم، فوقفوا موقفًا حذرناكم عاقبته، وأنذرناكم سوء منقلبه... وقد جاء في كتابكم: (إن الحكومة الإنكليزية المعظمة قد اعتمدت دائمًا على الأركان الثلاثة: وهي الرحمة والعدل والتسامح الديني)، فأما الرحمة فهي مقابلتكم للأمة العراقية عند مطالبتها باستقلالها بسوق الجيوش الجرارة عليها، وقتل الرؤساء، ونفي العلماء والمندوبين والزعماء، ورمي النساء والأطفال بأنواع النيران، وحرق بيوت وأموال ومزارع جميع من امتنع عن الإقرار بوصاية الإنكليز وطالبكم بتأسيس الحكومة العربية العراقية... وأما العدل -ف-بالقتل والإعدام لغير جرم وبدون محاكمة، والنفي والتبعيد لمجرد التفوّه بطلب الاستقلال، والزج في السجون لأقل شبهة، وعدم قبول استماع دعاوى ما على إنكليزي، وغير ذلك مما لا ينطبق على عقل ولا قانون. وأما التسامح الديني فهو رمي الطائرات والسيارات المدرعة المساجد، وقتل المتعبدين والنساء والأطفال، وتشكيل الإدارة العرفية لمعاقبة من يتصدى إلى عقد مجالس لقراءة منقبة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم في المساجد أو مأتم الإمام الحسين عليهالسلام إلّا بأخذ جواز (باص) وقطع مراسم أعياد المسلمين المعتادة، وغير ذلك مما لو أردنا شرحه لطال.
والأعجب أنكم تطلبون التئام هذا الصدع الذي لا يُجبر كسره، وتقولون نحن لا نريد أن نجازي العراقيين كُلًّا، وإنما نجازي من أسماؤهم عندنا وعندكم معلومة، بزعم أنهم مفسدون، فكأن تعريف الفساد عندكم هو المطالبة بالحق، ونحن لا نعرف من أحوالهم إلّا أنهم طالبوا بحق فمنعتموهم، وأدرتم عليهم رحى الحرب الطاحنة، فدافعوكم عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ولو تركتموهم وحقهم ما سالت منكم ولا منهم قطرة دم... فأنتم السبب، وعليكم التبعة. ورأينا في الأمر أن يُمنح العراقيون استقلالهم التام خاليًا عن كل شائبة، عاريًا عن كل قيد.
أما أمر المفاوضة فلم تتضح لي غايته ولم أثق بحسن نهايته، وعلى كل فهو أمر دقيق يحتاج إلى جلاء وتأمل، ومن الله نسأل حسن الختام.
2 محرم سنة ١٣٣٩
شيخ الشريعة الأصفهاني».
على الرغم من وجود من تبنّى التفاوض من القادة وشيوخ العشائر وبعض المستشارين كما تقدم، إلّا أنهم «اتفقوا أخيرًا على تنظيم مضبطة يوقّعون عليها جميعًا ويوجّهونها إلى الدول الحرة يشرحون فيها حالهم، ويضعون اللوم في اندلاع الثورة على ضباط الإنكليز، ويؤكدون على أنهم لا يطلبون غير الاستقلال والحرية، وهم يرجون من الدول الحرة مساعدتهم في ذلك.
وقد تم تنظيم المضبطة في (1 محرم 1339هـ/ 15 أيلول 1920م). وقد وقع عليها (73) ثلاثة وسبعون رئيسًا وزعيمًا عراقيًا، وكتب عليها المرجع الأعلى شيخ الشريعة الأصبهاني العبارة التالية:
«بسم الله الرحمن الرحيم. هذه الورقة كُتبت بإملاء زعماء العراق ومشايخ عشائره، وهم الموقعون عليها بأسمائهم في: 1 محرم سنة 1339.
حُرّر عن الجاني
شيخ الشريعة الأصبهاني».
لقد كان من جملة الداعين إلى التفاوض مع الإنكليز السيد محسن أبو طبيخ وقد عبر عن رأيه بقوله: «لقد كان رفض التفاوض قرارًا انفراديًا فوّت علينا فرصة تاريخية، هدرت حقوق الثورة، وكان قرارًا تنقصه الحكمة وبُعد النظر». معللًا ذلك بكونه والرافضين «أعرف بحقيقة الوضع منه، ومن القابعين في راحة بيوتهم في النجف، لقد كنا في مركز المتفوق، وكنا نعلم أن الإنكليز حتى لو
انسحبوا من بغداد فسوف لا يتركوننا وشأننا نذلّهم أمام العالم، ولهذا كانت لنا فرصة ذهبية أن نتفاوض معهم ونحن الأعلون، ونحصل على مطاليبنا بقدر أكثر إثر انهيار الثورة».
لو أردنا قراءة رأي الذاهبين إلى عدم التفاوض مع الإنكليز قراءة متأنّية لوجدناه الأصوب بكل تأكيد، ليس لأنّ قادة الثوار كانوا يستعدون لاقتحام بغداد وتحريرها من قوات الاحتلال فقط متى نجح اقتحامهم للحلة التي كانوا يدقون أبوابها بعنف؛ بل لأنّ إنهاء الثورة وإلقاء السلاح من دون تحقيق هدف الثورة الأساس الذي قدّمت الثورة من أجل تحقيقه آلاف الشهداء والجرحى والكثير الكثير من الخسائر في الأموال والمعدات هو الخسارة الكبرى، فلا حل بدون التحرير الكامل وهو ما نص عليه المرجع الأعلى شيخ الشريعة الأصبهاني في ختام رسالته الجوابية لرسالة ولسون الداعية للتفاوض بقوله: «ورأينا في الأمر أن يُمنح العراقيون استقلالهم التام خاليًا عن كل شائبة، عاريًا عن كل قيد». وهو غير وارد وقتئذ؛ لأنه يعني ببساطة إلغاء الإنكليز لقرار الانتداب البريطاني على العراق الذي اتخذته الدول العظمى في اجتماع روما.
لقد اعترف السيد أبو طبيخ أحد الداعين إلى التفاوض بذلك بقوله: «كنا نعلم أن الإنكليز حتى لو انسحبوا من بغداد فسوف لا يتركوننا وشأننا نذلّهم
أمام العالم».
لقد كان رأي السيد أبو طبيخ وغيره من دعاة التفاوض مع الإنكليز حينها كما لخّصه هو نفسه بقوله سوف: «نحصل على مطاليبنا بقدر أكثر مما لم نحصل عليه إثر إنهيار الثورة».
علمًا «أنّ المفاوضات لو كانت قد تمت لَما أجدت نفعًا، ولَما استجاب الإنكليز لأي مطلب من مطاليب الثوار، نظرًا لإصرار بريطانيا عى حكم العراق حكمًا استعماريًا مباشرًا» أو من وراء قناع، ولَباتت المفاوضات وسيلة جديدة للمكر والخداع ونقض العهود وخلف الوعود والاستثمار في الوقت كما سيأتي تفصيلًا في المبحث القادم، خاصة بعد أن تحدد «الموقف الرسمي للحكومة البريطانية كما لخصه هوبر تيانك -الموظف الكبير في وزارة الخارجية- هو أن الطريق الوحيد المفتوح أمامنا هو القتال حتى النهاية».
ثم أي قيمة لمطالب جزئية تحت ظل الاحتلال والانتداب؟! وما هي قيمتها حال قياسها بمطلب تحقيق الاستقلال التام الناجز وإقامة الدولة الدستورية؟! وهو ما أصرت عليه المرجعية العليا ومستشاروها والشيوخ الكبار والوطنيون الأحرار وقادة المجاهدين الثوار وثوارهم في سوح الجهاد كافة.
لقد رفض المرجع الأعلى وكبار مستشاريه التفاوض مع الإنكليز بعد تجريبهم له مرات عديدة، كونهم يحسنون قراءة الواقع الماثل أمامهم، ويجيدون اتخاذ الموقف المناسب تجاهه، لأسباب من أهمها:
لم يكن خلف ساسة الإنكليز لوعودهم التي قطعوها للشعب العراقي وللثوار العراقيين جديدًا عليهم، فقد مارسوا خلف الوعد أكثر من مرة وفي أكثر من قضية سياسية في أكثر من بلد، وقد وثّق سماحة المرجع الأعلى الشيخ الشيرازي خلف الإنكليز بوعودهم بما ورد صراحة بكتاب سماحته الموجّه إلى عصبة الأمم في (27 ذي القعدة 1338هـ/12 آب 1920م) الذي جاء فيه: «إنّ العراقيين طلبوا إنجاز مواعيد الدولتين المعظمتين البريطانية والفرنسوية بمنح الشعب العراقي الكريم استقلاله في إدارة شؤونه، وتدبير مصالحه العامة، وتأييد الدولتين لهذا الشعب الحر في إظهار رغائبه وحكمه الذاتي بتمام حريته، وعندما فاهت الأمة العراقية بطلب إنجاز هذه الوعود المقطوعة من الدولتين المذكورتين ثارت ثائرة الحكومة الإنكليزية فقامت معتمدة على قوتها دون الحق، ففتكت بالعراقيين فتكًا ذريعًا»، كما تقدم.
وأما توثيق المحتلين أنفسهم لخلفهم بوعودهم مع الشعب العراقي ووطنييه، بل لعدم نيّتهم الوفاء بها مسبقًا -وهو الأخطر-، فقد ورد على لسان المستشارة
الإنكليزية غيرترود بيل المعروفة ب(المس بيل) بتاريخ (19 أيلول 1920م/ 5 محرم 1339هـ) بصراحة شديدة من خلال قولها: «لم نُظهر أي علامات على نيّة الوفاء بوعودنا،.. لم نكن ننوي الوفاء بها ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا»، وسأتناول نماذج لعدم وفاء الإنكليز بوعودهم للعراقيين، وكما يلي:
1. خلف الإنكليز بتعهدهم الوارد بمنشور قيادة الجيوش الإنكليزية بعد احتلاهم لبغداد بقولهم صراحة إنّ جيوشنا لم تدخل مدنكم وأراضيكم بمنزلة (قاهرين أعداء) بل بمنزلة (محررين)، وهو مشهور.
2. خلف الإنكليز بوعدهم الوارد ببلاغهم الفرنسي-البريطاني المشترك، الموزّع في طول العراق وعرضه، الصادر في (7 تشرين الثاني 1918م/4 صفر 1337هـ)، المصرح بـ«أن السبب الذي من أجله حاربت فرنسا وإنكلترا في الشرق... إنما هو لتحرير الشعوب التي رزحت أجيالًا طوالًا تحت مظالم الترك، تحريرًا تامًا نهائيًا، وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من اختيار الأهالي الوطنيين لها اختيارًا حرًّا... وليس من غرض لفرنسا وإنكلترا أن تُنزلا أهالي هذه المناطق على الحكم الذي تريدانه، ولكن همّهما الوحيد أن يتحقق بمعونتهما ومساعدتهما المفيدة عمل هذه الحكومة التي يختارها الأهلون من ذات أنفسهم... تلك هي الأغراض التي ترمي إليها الحكومتان المتحالفتان في هذه الأقطار المحررة».
3. خلف رئيس وزراء بريطانيا بوعده بازدهار العراق بعد احتلاله، إذ قال: «نحن دخلنا العراق ونرغب أن نجعله جنة عدن كما كان في الأزمنة الغابرة،
وأن نعيد تلك المدنية الزاهرة التي كانت منتشرة فيه قبل آلاف السنين»، كما نقله عنه الملك حسين في خطابه عند مبايعة الإسرائيليين العراقيين له بالملك في حفل أقاموه له ببغداد في 18 تموز 1921م.
4. خلف الإنكليز بوعدهم بإقامة حكم ذاتي في العراق. وليس أوضح من خلفهم لهذا الوعد ما نصّ عليه قولهم في الفقرة السابقة، وما أوردته المستشارة البريطانية المعروفة في العراق المس بيل بقولها صراحة «إنّ الحقيقة المنطوية في الانتقادات كلها هي أننا كنا قد وعدنا بتأسيس مؤسسات يُمارَس فيها الحكم الذاتي، وإننا لم نتخذ أية خطوة للوفاء بذلك الوعد، ولم نكتفِ بذلك فقط، بل كنا منشغلين بتأسيس شيء يختلف عن الشيء الذي وعدنا الناس به تمام الاختلاف».
وتضيف إلى ذلك قولها: «تقول إحدى الجرائد وهي محقة: إننا كنا قد وعدنا البلاد بتأسيس حكومة عربية لها مستشارون بريطانيون، لكننا أسسنا حكومة بريطانية لها مستشارون عرب. وهو قول ينطوي على كثير من الإنصاف»، وقد ورد هذا المضمون أيضًا في تعليق للورد كرزون وزير الخارجية البريطاني يومذاك على مقترحات ولسون للحكومة البريطانية، يوم أورد في برقية بعثها إلى السير بيرسي كوكس في طهران متحدثًا بها عن وضع العراق قوله: «من الواضح أن نظام الحكم المدني الذي يقام الآن لا يحقق إعلان نوفمبر 1918 المشترك، لا يرضي الطموحات المحلية.. إنه نظام للحكم البريطاني يعمل العرب فيه
مستشارين (وهذا بقدر قليل فقط) بدلًا من أن يكون حكمًا عربيًا مع مستشارين بريطانيين».
وهناك غيرها لا يسع المجال لذكرها.
ثانيًا: الغدر بمن وثق بهم أو منحوه الأمان من زعماء الثورة وشيوخها
لقد غدر الإنكليز بمن وثق بهم من العراقيين أو منحوه الأمان بالأيمان المغلّظة فحضر للقائهم بناء على طلبهم للتفاوض معه على حلّ لمشكلةٍ مّا، فاعتقلوه أو عذّبوه أو نفوه، من قبيل:
1. اعتقال الشيخ محمّد رضا الشيرازي، والثلة من الزعماء والقادة معه في كربلاء بعد ذهابهم إلى مقرهم إجابة لطلبهم اللقاء بهم، فاعتقلوهم ونفوهم إلى هنجام كما تقدم.
2. اعتقال الشيخ سعدون آل رسن رئيس قبيلة الأقرع بعد أن طلبوا منه اللقاء فذهب إليهم فاعتقلوه وسجنوه في الديوانية.
3. إلقاء القبض على الشيخ شعلان آل عطية بعد حضوره عندهم، وسجنه في الديوانية.
4. إلقاء القبض على الشيخ شعلان أبو الجون رئيس عشيرة الظوالم بعد استدعائه إليهم للمداولة، «ولكن هذا الزعيم شعر بقصد الحاكم، فقال لزميله الزعيم الشيخ غثيث الحرجان: (إني غير آمن من شر هذا الحاكم فيجب الاستعداد لتخليصي فيما إذا اعتُقلت أو قرّر نفيي)، وسار الشيخ شعلان إلى
الرميثة يوم الجمعة (13 شوال 1338هـ/ 30 حزيران 1920م) لمقابلة اللفتنت (هيات)، فلما وصل قابله الحاكم بالكلمات القارصة وأسمعه كلامًا مرًّا، فقابله الزعيم بأشد منها، فأمر الحاكم باعتقاله وإرساله إلى الديوانية بأسرع وقت، فمذ وصل إليها زُجّ في السجن».
5. اعتقال الوجيه الكبير الحاج مخيف المجاهد الذي وصفته الوثائق البريطانية بأنه «أنشط المؤثرين في لواء الديوانية ببرنامجه... وهو رجل ذو قدرة معتبرة، ويتمتع بسمعة واسعة بوصفه مسلمًا صالحًا... وحين تأكد نشاطه في الحث على المقاومة المسلحة للحكومة اعتُقل وأُرسل إلى البصرة»، وكان الشيخ الكبير رئيسًا لقبائل عفك وكبير وجوه المنطقة، وقد اعتقل معه الشيخ شعلان العطية المتقدم ذكره؛ «لامتناعهما عن التوقيع على صك الوصاية الإنكليزية» كما اعتُقل معهم الحاج صلال الفاضل الموح أيضًا.
6. منح الأمان بشرف الإنكليز معززًا (بالراي والحظ والأمان والبخت) ثم الاعتقال، وهو ما حصل للمجاهد الشيخ عبد الواحد آل سكر بعد أن صدق عرضهم بالحضور إليهم رغم رفض رفاق دربه الذين كانوا معه وتحذيرهم له من تصديق الإنكليز، ذلك أنّ القائد الإنكليزي كان عرض ذلك على زعماء الثورة بعدما قرروا الهجرة إلى خارج العراق إثر انتهاء الثورة، وهم كل من: السيد نور الياسري، والسيد علوان الياسري، والسيد هادي مكوطر، والحاج
سعدون وأخيه عمران الحاج سعدون، ومرزوق العواد، وشعلان الجبر، فلم تخدعهم دعاوى الإنكليز، ولا وعودهم المخاتلة، ولا عهودهم التي قطعوها على أنفسهم بالأمان بشرف إنكلترا ووثقوها بـ«الراي والأمان والبخت»، ثم نكثوها، لذلك لم يستجيبوا لطلب عدوهم بتسليم أنفسهم تحت غطاء التفاوض والتشاور خلافًا للمجاهد الكبير الشيخ عبد الواحد آل سكر، الذي عزم على اللجوء إلى الحجاز مع صحبه ورفاق دربه من حملة ألوية الجهاد، فاشترى لهذا الغرض أربعين بعيرًا، ولكن الشيخ المجاهد غيّر رأيه إثر وصول رسالة من حاكم لواء الشامية والنجف ومن قائد قوات الفرات الأوسط الإنكليزيين إليه يقولان فيه: «احضر عندنا لأجل بعض المذاكرات، وأنت أمين بشرف حكومة بريطانيا وبالحظ والبخت تأتي سالمًا وتعود غانمًا، وبوجداننا نحن الموقعين بعد المذاكرة ترجع لمحلك إلخ»، فاطمأن لهما، وسلمهم نفسه، درءًا للخطر عن قبيلته، فما كان منهم إلّا أن وصفوه بـ«الخائن»، وأوقفوه في سجن الكوفة، ثم نقلوه إلى سجن الحلة، ثم أُحيل إلى محكمة عسكرية في النجف، قَدّم فيها مثالًا رائعًا من الشجاعة والصلابة والقوة والعزة وحماية الآخرين من زملائه المجاهدين بقوله للمحتلين: إنه هو المسؤول وحده عن قيام الثورة، إذ لم يقم بها أحد غيره، فحُكم عليه بالنفي إلى خارج العراق، ثم سيق إلى سجن الحلة، مقيّد الرجلين بالسلاسل الحديدية «التي كانت تمنعه من أداء الصلاة كما ينبغي، مع العلم أنه كثير التهجد في صلاته. فانتهز عبد الواحد زيارة أحد الضباط البريطانيين للسجن، فصار
يشكو له من هذه المعاملة، وذكر له كيف أنه سلّم نفسه بعد أن جاءه تعهد من الإنكليز بشرف بريطانيا، وبالحظ والبخت على أن لا يمسّوه بسوء، وتساءل عبد الواحد: أين هو شرف بريطانيا..؟ فطلب منه الضابط أن يريه ورقة التعهد، فأخرجها عبد الواحد إليه، فقرأها الضابط، ثم طواها ووضعها في جيبه، وخرج. وفي اليوم التالي عاد الضابط إلى السجن ومعه حداد، وأمر الحداد بكسر السلسلة عن قدمي عبد الواحد، كما أمر بإلباسه الملابس الاعتيادية».
ولم ينتهِ الأمر مع الزعيم المجاهد الشيخ عبد الواحد آل سكر بما تقدم، بل نقلوه مرة أخرى إلى سجن بغداد، ومنه إلى البصرة.
لقد اتضح وعي قادة الثورة وزعمائها برفضهم الثقة بالإنكليز قبل رفضهم عرض الأمان الذي قدمه لهم الإنكليز خلال رحلة سفرهم إلى الحجاز، فقد رفضوا خلال الثورة مقابلة الإنكليز في مراكز الحكومة الرسمية خشية اعتقالهم، وقد تجلّى ذلك في رفض الشيخ عبد الواحد آل سكر نفسه تلبية دعوة حاكم أبو صخير (الكابتن هوبكنز) له للمذاكرة في مقر الحكومة، ما اضطر معه حاكم أبو صخير يومها إلى الذهاب إلى الشامية عند الحاج رايح العطية. وحين تم عقد اللقاء بينهما قال الكابتن (هوبكنز): إنه موفد من حاكم لواء الشامية والنجف (الميجر نوربري)، وأن الحكومة تطلب حضور زعماء الثورة وشيوخها في أبو صخير للمذاكرة معهم، فرفض الشيخ عبد الواحد آل سكر الطلب باعتباره ممثلًا عن زعماء الثورة والمشايخ كلهم في الاجتماع قائلًا للكابتن الإنكليزي (هوبكنز): «إنّ نجل الشيرازي الذي هو أكبر شأنًا منا نفيتموه عندما تمكنتم
منه، فكيف نأمنكم على أنفسنا؟! والأحسن أن تبلغ الحاكم السياسي في اللواء أن يجتمع بنا إذا شاء في المشخاب».
وإذا كانت الخديعة قد مورست وانتهت باعتقال الشيخ عبد الواحد آل سكر وهو في طريق سفره إلى الحجاز كما تقدم، فإن أكثر من مثيل لها سبقها، منها ما تقدم في محاولتهم استدراج الحاج عبد الواحد وزعماء الثورة في (14 شوال 1338 هـ/1 تموز 1920م) المتقدم ذكرها.
ومنها ما سبقتها بأيام، وهي التداول بأمر اعتقال ثلاثة من كبار علماء وزعماء الثورة: أحد أهم مهندسيها، واثنين من أهم مموّليها وقادتها الميدانيين، حيث طرح الحكام العسكريون الإنكليز في الفرات الأوسط في اجتماعهم بالكوفة بتاريخ (10 شوال 1338هـ/ 27 حزيران 1920م)، وهم ضباط مناطق: الحلة والديوانية والكوفة والشامية وأبو صخير والحميدية و الهندية والنجف، فكرة دعوة أحد أهم مفكري الثورة وحركييها المجاهد المجتهد الشيخ عبد الكريم الجزائري، ومعه المجاهد السيد نور الياسري أحد أهم مموّلي الثورة ووجوهها الاجتماعية النافذة القول في عشائر الفرات الأوسط، ومعهما المجاهد السيد علوان الياسري القائد الميداني والداعم لميزانية الثورة بغزير ماله، فنالت فكرة دعوة هؤلاء الثلاثة -إلى اجتماع معهم بدعوى التداول حول الوضع الراهن-، فإذا حضروا يلقى القبض عليهم، ويسفّروا إلى خارج العراق، لكون الشيخ الجزائري همزة الوصل بين العلماء والقبائل، وذلك بعد تصاعد لهب الثورة ليشمل مدن الفرات الأوسط، وقد حضر الاجتماع مع الضباط الإنكليز المكلف
بإدارة مدينة النجف الأشرف من قبل المحتلين المدعو حميد خان، ولولا تحذيره لهم بأن اعتقال هؤلاء الثلاثة سيؤدي إلى إفلات وضع مدينة النجف الأشرف من أيديهم لَما عدلوا عن تنفيذ الدعوة لغرض الاعتقال بعد أن «كتبوا إلى الحاكم الملكي العام في بغداد.. فلم يوافق على إبعادهم، بل طلب إحضارهم وتوسطهم إلى تهدئة الناس».
7. مخطط الإنكليز لاعتقال زعماء الثورة خلال انتظارهم انتهاء موعد إنذارهم للإنكليز، ففي يوم (14 شوال 1338 هـ/1 تموز 1920م) حضر الحاكم نوربري عند الحاج عبد الواحد آل سكر، زاعمًا أنه جاء ليبشره بموافقة الإنكليز على تنفيذ مطالب الزعماء بدءًا بالإفراج عن المعتقلين، وأنهم سينفذون مطاليب الثوار الأخرى قائلًا: «إني أرغب أن تحضر أنت وبقية الزعماء والرؤساء لتطّلعوا على ما جاءني من الحاكم الملكي العام. فأجابه عبد الواحد: أما أنا فمريض.. وأما الزعماء والرؤساء فلا أظنهم يوافقون على الذهاب، أما إذا كان عندكم شيء في صالح العراق فيمكنكم أن تبلغوا الزعماء والرؤساء به عن طريق العلماء والصحف.. فأصرّ عبد الواحد على أنه مريض، ورجع الحاكم خائبًا، إذ ذهبت محاولاته هباء والتي أراد بها جمع الرؤساء والزعماء في النجف بغية نفيهم وإلحاقهم بإخوانهم أحرار كربلاء والحلة، وبعد عودة الحاكم أخبر عبد الواحد إخوانه السيد نور والسيد علوان
والسيد محسن والآخرين من الرؤساء بذلك ليتدبروا أمرهم».
8. مخطط لاحق للمخطط الأول من قبل الإنكليز لاعتقال كبار زعماء الثورة وشيوخها أثناء اجتماعهم بهم بناء على طلب الإنكليز، وإفشال قادة الثوار لذلك المخطط الجديد.
يقول الشيخ فريق المزهر آل فرعون وكان حاضرًا معهم وقد دوّن شهادته بقوله: «بينما كان زعماء ورؤساء العشائر مهتمين بأعمالهم... جاءهم طلب من الحاكم نوربري يطلب فيه الاجتماع معهم في المكان الذي يعينونه، فقرروا أن يكون الاجتماع في مضيف أحد شيوخ عشائر قضاء الحميدية وهو الشيخ مرزوك العواد... اجتمع الزعماء والرؤساء عند مرزوك العواد يوم (20 شوال 1338هـ، الموافق 7 تموز 1920) وهم: عبد الواحد الحاج سكر، علوان الحاج سعدون، السيد محسن أبو طبيخ، مجبل آل فرعون، رايح العطية، سلمان الظاهر، السيد علوان السيد عباس الياسري، محمد العبطان، سلمان العبطان، عبادي الحسين، شعلان الجبر، السيد نور السيد عزيز الياسري، هنين الحنون، ومؤلف هذا الكتاب. ومع كل رئيس عشيرة رجال بكامل أسلحتهم من خيرة الفرسان شجاعة وفروسية، وبينما كانوا ينتظرون قدوم (الميجر نوربري) إذ جاءهم حاكم الشامية الكابتن (مين) ومعه قوة من الشرطة والليفي مؤلفة من سبعين إلى خمسين نفرًا مسلحين بغية الفتك بالزعماء الأحرار... والقضاء عليهم، وعندما رأى حاكم الشامية المسلحين وآمن بأن قوته لا تتمكن أن تقاومهم سقط الأمر من يده واصفرّ وجهه وابتسم ابتسامة الثعلب».
وقد دوّن المؤرخون هذه المحاولة الغادرة، ومنهم د. علي الوردي، إلا أنه ذكر بأن الاجتماع كان في يوم (5 تموز 1920م) وهو غير دقيق، خاصة بعد شهادة حسية من الشيخ فريق المزهر آل فرعون الذي كان حاضرًا في الاجتماع، وذكر الوردي أيضًا أنه: «لوحظ أن رؤساء آل فتلة كان معهم عند قدومهم إلى الاجتماع نحو مائتي مسلح من أتباعهم... ويشير مصدر بريطاني إلى أن النية كانت متجهة إلى اعتقال عبد الواحد آل سكر، وعلوان الياسري، غير أن وجود الأتباع المسلحين منع اعتقالهما».
وينوّه السيد عبد الرزاق الحسني إلى عدم حضور «أحد من رؤساء السماوة هذا الاجتماع»، وهو طبيعي؛ لانشغالهم بعمليات قيادة الثورة في مناطقهم حيث كانت ناشبة في موعد هذا اللقاء.
وينقل الشيخ محمّد مهدي البصير هذه الحادثة مع اختلاف بسيط في الزمان، وأن قوة الإنكليز خرجت وحدها لاعتقالهم، وينقل نتفًا من الحوار الذي دار هناك، فيقول: إنّ اللقاء جرى في «محل قريب من الحميدية، وكان يوم (20 شوال الموافق 7 تموز).. وبينما هم ينتظرون.. إذ وصلتهم الأخبار بأن الحاكم المشار إليه لم يجئ إلى الحميدية، بيد أنه أرسل إليها قوة صغيرة بغية إلقاء القبض عليهم، ولكن هؤلاء لم يعيروا خبر إرسال القوة إلى الحميدية جانبًا من الاهتمام؛ لأنهم كانوا على استعداد تام للطوارئ، ولديهم النجدة الكافية من رجالهم المسلحين، وعلى إثر ورود تلك الأخبار إليهم خرج الكابتن مين حاكم الحميدية لمقابلتهم، فلما ألفاهم قد حملوا السلاح بدأهم بقوله: يخيل إليكم بأنكم قدراء على مقاومة
الحكومة الإنكليزية، وأن بنادقكم هذه ستمنعكم منها، فأجابوه بأن العراق غير الهند، وما دامت البنادق على العواتق فإنهم يستطيعون أن يعملوا كلّ شيء».
لقد كان زعماء الثورة المجتمعون على علم بمخطط بريطانيا القاضي بإلقاء القبض عليهم وتسفيرهم لتقضي على الثورة في مهدها تحت ستار غادر هو دعوتهم للاجتماع بهم ثم إلقاء القبض عليهم وتسفيرهم، إنهم صرحوا بذلك للضابط الإنكليزي مين بعد أن سألوه عن سبب مجيء الميجر نوربري الذي كان الاتفاق أن يكون هذا الاجتماع معه، فأجاب: «حدث عنده شغل مهم أخّره عن المجيء... وعندما تذهبون معي إلى الكوفة أو إلى النجف لمواجهته.
وكان هناك أمر دُبّر بليل يقصد منه إلقاء القبض عليهم ونفيهم مع أصحابهم والقضاء على الحركة ما دامت في أولها، فأجابه الزعماء إنهم غير آمنين من السلطة... وأننا جربنا فآمَنّا أن الحكومة البريطانية لا تريد إلّا نفي الزعماء إلى خارج العراق كل ما تمكنت أن تحتال على بعضهم بإلقاء القبض عليهم، ولذلك نحن لا نرضى أن نسعى إلى حتفنا بظلفنا كما فعل إخواننا في كربلاء، ومن أجل ذلك قررنا أن لا نذهب إلى محل إلّا ونحن على إيمان بالقوة التي معنا هي أكثر من القوة الموجودة هناك، فإن شاء الميجر نوربري مواجهتنا كلنا أو بعضنا فليتفضل إلى أي مكان يُعيّنه من أماكن العشائر، فنحن حاضرون لمقابلته والتفاهم معه».
وهناك غيرها لا يسع المجال لذكرها، وما ذكرته كافٍ للتدليل على تمادي المحتلين بأسلوب المكر والخداع لتحقيق مآربهم بطرق غير شريفة.
لم يكن نقض الإنكليز لعهودهم واتفاقياتهم مع زعماء الثورة وقادتها جديدًا عليهم، فقد مارسوا نقض العهد أكثر من مرة وفي أكثر من قضية سياسية وفي أكثر من بلد، وإذا كان ضيق المساحة المخصصة لذلك لا يسمح لي باستعراض نماذج منها مع غير العراقيين؛ فسأكتفي بالإشارة إلى بعضها كنقضهم لاتفاقية (حسين-ماكماهون)، ونقضهم لعهودهم المعلنة بما صدر في قرارات مؤتمر سانت ريمو وتطبيقاته، حيث سيجد المتابع «أنّ أشد ما فيها تعرُّضًا للنقد (نقض العهد)؛ لأنه كان خليقًا أن يثير مقاومة مسلحة ويتقاضى ضريبة لا يعلم إلّا الله مقدارها من النفوس والآلام» وهو ما كان.
أما نقضهم لعهودهم واتفاقياتهم مع قادة وزعماء الثورة العراقية، فمنها:
1. نقض الإنكليز لهدنة فك الحصار عن قواتهم المحاصرة في (حامية أبو صخير)، تلك الهدنة المنعقدة بتاريخ (29 شوال 1338هـ/ 16 جولاي 1920م)، وقد تقدم ذكرها سابقًا.
2. نقض الإنكليز لاتفاقهم مع قبائل بني حجيم في السماوة بعد أن عرضوا على الثوار إجراء مفاوضات لعقد الصلح بينهما، فقبل الثوار مبدئيًا، «وتم القرار
على توقيع شروط الصلح في اليوم الثاني، وكان ذلك سببًا لتفرّق الثوار ورجوعهم إلى مساكنهم إلّا عددًا قليلًا منهم لم يصل إلى المائة وعلى رأسهم شعلان أبو الجون رئيس الظوالم، فإنهم ظلوا مرابطين في جسر السوير. وعند بزوغ الفجر» خرق الإنكليز اتفاقهم بأن «أوعزت السلطة الإنكليزية إلى جيشها بالهجوم على مراكزهم لينقادوا لهم أذلة صاغرين، فلما عرفوا ذلك وطّدوا العزم على صدّ المهاجمة، وأفلحوا في ذلك، وبعد أن خمدت النائرة دخلوا في المفاوضة، فتقرر صلحهم مع الحكومة على شروط»، وذلك بتاريخ (15 ربيع الأول 1339هـ/ 27 تشرين الثاني 1920م)».
لقد لجأ المحتلّون الإنكليز إلى خداع البسطاء من الناس بأسلوب لا يليق برجل، ناهيك عن ممثلي دولة كبرى تزعم ما تزعم زورًا وبهتانًا؛ ذلك «أنهم -الإنكليز- أبرزوا لجماعة من الأعراب أوراقًا مالية زراعية وطلبوا تواقيع الأعراب فيها، فظهر بعد ذلك أنها أوراق اعتراف بالوصاية الإنكليزية على العراق».
يقول المجتهد السيد محمّد صادق بحر العلوم متحدثًا عن هذا العمل الشائن: «إنهم أبرزوا لجماعة من العرب أوراقًا بالخط الإنكليزي زاعمين أنها أوراق مالية زراعية، وطلبوا توقيع الزعماء عليها، ثم انكشف أنها أوراق اعتراف بالوصاية
للإنكليز على العراق وضايقوا جماعة منها على هذا الاعتراف».
يذكر أن الخداع والكذب حاله حال نقض العهود ليس جديدًا على ساسة الإنكليز ومسؤوليهم، وهناك أكثر من مثل على ذلك، «إذ ليس ثمة ما يسوّغ الرسالة التي أمر القائد هوجارث بحملها إلى الملك حسين في (كانون الثاني عام 1918-م/ ربيع عام 1336هـ) حول الضمانات المتعلقة بوعد بلفور، وليس ثمة ما هو أشد من تلك الرسالة نفاقًا وتغريرًا» وخداعًا ومكرًا.
ليس هذا فحسب، بل زادوا على ذلك يوم أنكروا للشريف حسين أيضًا توقيعهم على اتفاقية سايكس-بيكو في رسالتهم الأخرى التي «أُرسلت إليه بعد شهر، موقعة بإمضاء وزير الخارجية، لتخدعه، فيعتقد أنّ اتفاقية (سايكس-بيكو) ليست سوى اختلاق نسج خيوطه الخيال التركي البلشفي، وحين تتنزل بلاد عظيمة ذات تقاليد ركينة في حسن المعاملة والحنكة السياسية إلى مستوى الخداع... فإنه من اللائق بالعرب أن يتذكروا أن الحرب والعدالة لا يصطحبان»، رغم أنها (اتفاقية سايكس - بيكو) حقيقية وموقعة من قبلهم.
ومن حالات الخداع الأخرى المتعددة ما وصفه ضابط الاستخبارات البريطاني (العقيد لاحقًا) لورنس في أكثر من مكان في كتابه متحدثًا عن دوره في خداع الشريف فيصل وجيشه المتوجه لتحرير سوريا من الأتراك خدمة لسياسة بريطانيا ومصالحها في الشرق العربي، كصريح قوله مثلًا: «كنت أستغل أثمن ما عند العرب: حبّهم للحرية كأداة من أجل نصرة إنكلترا»، وتحدث مرة عن تعلق العرب بالحرية وتضحيتهم بالغالي والرخيص في سبيل نيلها بقوله:»حتى
أنا الأجنبي المخاتل المنافق الذي كان ينفخ في الآخرين الروح الوطنية كنت أحس بشيء من الانعتاق لدى توقفي عند هذه الفكرة... رغم انعدام خلوص النية وسلامة الطوية في لعبتي... كنت ألعب دوري بلباقة».
وقد كان حاول لورنس مرة ترك عمله كمستشار لفيصل والعودة إلى ممارسة مسؤولياته كضابط استخبارات حاله حال غيره من الضباط، فرفضت قيادته قراره رفضًا قاطعًا فكتب عن ذلك يقول: «فُرض علَيّ أن أعود من جديد إلى لبس قناع الخداع في الشرق».
وهناك غير هذه النماذج مما لا يسع المجال لاستعراضها.
لقد اتّبع المحتلّون سياسة التمويه وإخفاء الواقع عن العراقيين، من قبيل:
1. تمويه ولسون على العراقيين بدعوى سعيه لمعرفة رأيهم الحقيقي في شأن حكم بلدهم. وفي الوقت نفسه استدعى الحكّام الإنكليز في الألوية «وطلب منهم الحصول على مضابط بالأجوبة المؤيدة لسياسته» رفقة تعليمات تنفيذية للحصول على المطلوب من المواطنين تحصيله وهو الموافقة على تنصيب حاكم إنكليزي عليهم أو طلب الحماية البريطانية المطلقة وأمثالها، عن طريق اجتماعه بشكل سري بالشخصيات البارزة كلٌّ في منطقته لاستكشاف اتجاهات الرأي العام فيها، «فإذا ظهر له أن الاتجاه سيكون ملائمًا، عقد اجتماعًا كبيرًا يضم جميع الوجهاء والرؤساء في المنطقة، وعليه عند ذاك أن يجمع منهم أكبر عدد من التواقيع، أما إذا ظهر أن الرأي العام في المنطقة منقسم، أو أنه ذو اتجاه غير
مرغوب فيه، فيجب عليه أن يؤجل عقد الاجتماع، ثم يتصل ببغداد لأخذ التعليمات المناسبة».
2. التمويه وإخفاء الواقع بالإخراج الصوري لمضابط تزعم بأن العراقيين يرغبون بالحماية البريطانية عليهم، من أمثال استدعاء حاكم الحلة البريطاني بعض وجوه الحلة إليه «فاجتمع سبعة رجال ورأسهم حضرته، وقرروا طلب تعيين السير برسي كوكس ملكًا على العراق، على أن تبسط الحكومة البريطانية ظل حمايتها عليه».
لقد مارس الإنكليز سياسة الضغط لإجبار العراقيين من قبل قادة الإنكليز بالرضوخ لسياستهم المرفوضة من العراقيين من أمثال قبول «الاعتراف بالوصاية للإنكليز على العراق» متى أمكنهم ذلك، فقد جاء في وثائق مرجعية الثورة أنهم «ضايقوا جماعة منا بالصراحة على هذا الاعتراف»، وهو ما ورد نصًّا في الرسالة التي بعثها المرجع الأعلى شيخ الشريعة الأصبهاني وكبار الزعماء والشيوخ والثوار إلى عصبة الأمم وقادة العديد من رؤساء الدول الكبرى والمجاورة عن طريق السفارة الهولندية في طهران بتاريخ (1 محرم 1339هـ/ 15 أيلول 1920م) مستشهدًا بما قام به الميجر دالي الحاكم السياسي البريطاني للديوانية، حيث استدعى «لفيفًا من رؤساء القبائل في عفك والديوانية لحملهم على توقيع
مضبطة يطلبون فيها الوصاية الإنكليزية على العراق ليوافي بها الحاكم الملكي العام في بغداد» حسب طلبه، فوقّعوا على ذلك مُكرَهين مجبورين. وقد وثّق ذلك أيضًا المحقق السيد محمّد صادق بحر العلوم في كتابه المخطوط (السلاسل الذهبية).
بل زادوا على ذلك حين أخذ حاكم الديوانية بالقوة أختام قسم من زعماء الديوانية ليمضي بها مضبطة تطلب الولاية البريطانية على العراقيين، وهو ما وصفه الزعماء بقولهم: «حتى آل الأمر بهم أن طلبوا منّا خواتيمنا ليمهروا بها ولايتهم علينا والدخول تحت ربقتهم».
لقد حثّ الإنكليز بعض العراقيين المتعاونين معهم على اللجوء إلى الأساليب القذرة ضد بعض من زعماء الثورة وتسليمهم الأداة الجرمية المعدة للتنفيذ.
ومن ذلك ما رواه الحاج صلّال الفاضل الموح أحد كبار قادة جبهة الحلة في مذكراته بقوله: «وصلت إلى دار عمران الزنبور رئيس بني عجيل من عشيرة الجحيش فوجدت وكيله المدعو ملة كاظم فأخبرني بأن عمران ذهب إلى الإنكليز في الحلة على إثر سماعه بورودكم إلى عبد الكريم العجرش، ففهمت أنه ذهب تهرّبًا من الواجب وخيانة للثورة، وعندما رجعت أنا ومن معي من الثوار من
عشيرتي عفك والأكرع، وبعد مرور ثلاثة أيام جاءني كتاب من عجيل العلي السمرمد أمير زبيد في الصويرة فيه: (سمعت أنك ذهبت إلى عشائر تطلب منها نجدة الثوار، وقد انضم منهم من انضم وامتنع من امتنع، ثم وصلت إلى دار عمران الزنبور فلم تجده... وإني علمت أن عمران ذهب لمّا سمع بك تطلب من زبيد الالتحاق بالثوار، ذهب لإخبار الإنكليز بذلك، وقد أعطاه المسؤول الإنكليزي قنينة من السم، وقال له إذا رجع إليك الثوار وخاصة الحاج صلّال فادعُهُم إلى الغداء وضع هذا السم في الغذاء حتى يموتوا ونتخلص منهم، وعليه فإني أنبهك أن لا تمرّوا بعمران وتشربوا وتأكلوا عنده، بل إذا كنت قادرًا فأرسل قسمًا من الثوار ليحرقوا داره، فأنا راضٍ بذلك وليس لديّ أي مانع والسلام)».
ويضيف الحاج صلّال إلى ذلك قوله. «ثم إني قرأت الكتاب على أخي الحاج مهدي وشعلان العطية وسعدون الرسن وحاج مظهر الصكب ونايف الجريان وحنتوش الهيمص وبقية رؤساء الثوار، فاتفقوا جميعًا على حرق داره. وفي الصباح أخذت خمسين فارسًا وذهبت إلى دار عمران الزنبور وبعد أن أخرجنا النساء والأطفال أحرقنا داره، ولم يعارضنا أحد عند حرقها ثم رجعنا إلى الثوار. ولمّا بلغ الإنكليز خبر حرق دار عمران الزنبور استشاطوا غيظًا، وأخرجوا جحفلًا من جيشهم من مدينة الحلة لحرق دار هزّاع المحيميد أحد رؤساء زبيد المخلصين للثورة... وبعد معركة عنيفة تمكّنّا من تخليص دار هزّاع المحيميد بعد أن تكبد الجحفل خسائر فادحة في الأرواح والمعدات».
إنّ السبب الجوهري والأهم لقرار رفض التفاوض مع المحتل الغازي ليس كل ما تقدم على خطورته وأهميته، بل هي المبدئية والنظرة الاستراتيجية المستقبلية للرفض كما صرحوا به هم أنفسهم؛ معللين رفضهم للتفاوض مع المحتل لأنه لا يحقق استقلال العراق استقلالا تامًّا ناجزًا عاريًا من أية شائبة احتلال بأي شكل من الأشكال.
لقد رفض المرجع الأعلى وكبار مستشاريه الواعين طلب الإنكليز بالتفاوض ما دام الطلب لا يحقق لهم هدفهم الأسمى الذي ثاروا من أجله، وهو الاستقلال التام الكامل الفعلي ثم تشكيل نظام حكم دستوري، ذلك أنّ المرجع الأعلى هو المسؤول أمام الله، وأمام رسوله الكريم وأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأمام مبدئه الحق، ووطنه، وشعبه، وشهداء الثورة وجرحاها، والأيتام، والأرامل، والمؤمنين جميعا في العراق، وخارجه، بأن لا يكون موقف المرجعية التي أفتت بالجهاد ضد قوات الاحتلال إلّا الصمود والتصدي والمقاومة للغزو الأجنبي، خاصة بعد كل تلك التضحيات الكبيرة بالأنفس المجاهدة العزيزة التي سالت على مذبح الجهاد والحرية والاستقلال قربة إلى الله سبحانه وتعالى، ناهيك عن الخسائر الفادحة بالأموال والممتلكات.
وأكبر دليل على صوابية رأي المرجعية الرافض للتفاوض مع المحتلين بداعي الاستسلام للأمر الواقع؛ موقف المواطنين من رفض التفاوض، فما أن أُلصقت نسخ من جواب المرجعية العليا «على أبواب الصحن الشريف يومذاك وأبواب المسجد الهندي وفي المحلات العامة -حتى- أثار في النفوس حماسًا غطّى على آراء الآخرين -من دعاة التفاوض-، بل لم يستطع المخالف أن يجهر برأيه يومذاك.
(115)وهذه نبذة من الجواب نقتطفها للاطلاع.. لقد فات السر ولسون أن العرب... أقوياء لا يهمهم ملاقاة الحر والبرد، ولا يبالون بجوع، ولا يضطربون من قصف المدافع وصفير البنادق وصدى قنابل الطيارات، فهم مثابرون ويدافعون عن حقوقهم المشروعة وأوطانهم المقدسة.. فهم يريقون آخر قطرة من دمائهم في سبيل المحافظة على حقوقهم المشروعة، ألا وهي الاستقلال».
ولو نظر طالبو التفاوض أو مؤيدوه نظرة مستقبلية أوسع وأشمل وأبعد نظرًا مما نظروا إليه حينها؛ لندموا على ما قالوه يومها، ولسمعوا من أحرار شعبهم خطأ رأيهم، بل أشد من ذلك حسب رأي الباحث الدكتور علي الوردي الذي وصفهم بـ«الانهزاميين».
ولو أمعنوا النظر في السبب الذي حَدا بمؤرخ عراقي آخر لأن يكتب معتزًّا: «إنّ مكانة ثورة العشرين بالنسبة لتاريخنا لا تختلف كثيرًا عن مكانة (ثورة 1789 الكبرى بالنسبة لتاريخ فرنسا)، فلنولها عشر معشار ما يولونها من اهتمام»، أقول: لو تأملوا سبب كل هذا الاعتزاز لوجدوه لا يعدو عن بذل آبائنا من زعماء ومجاهدي ثورة العشرين الغالي والنفيس في سبيل حرية واستقلال بلادهم استقلالًا تامًّا ناجزًا عاريًا عن أي تدخل أجنبي مهما صغر، ولا يتأتّى ذلك بالتفاوض مع المحتل الغازي تحت ظل الاحتلال والانتداب والولاية الأجنبية على مقدرات الشعب العراقي.
ولو قرؤوا كتاب مؤرخ آخر نطق بلسان كل أحرار العراق؛ لوجدوا رفضًا
قويًّا لموقفهم المتخاذل حين كتب: «إنّ شعبًا أو حركة أو فردًا (يهزم) وهو شامخ رافع للسلاح في وجه الغزاة والأجانب والطغاة، لهو أفضل تاريخيًّا بألف مرة ممن (ينجح) في تحقيق بعض أهدافه، وهو راكع يستجدي الحلول عن طريق المساومات والتنازلات المهينة والخنوع والمذلة»، ذلك هو ما قصده المرجع الأعلى ومستشاروه وعللوا به صراحة رفضهم للمساومة على قضيتهم الكبرى حتى مع إدراكهم بأن قلة العدة والعتاد العسكري قد تضعف قدرة مجاهديهم على إدامة زخم المعركة في جبهات القتال بعد وصول أعتدة عسكرية للمحتلين لا قِبَلَ لهم بها. مع علمهم بأن (رشوة) المحتل لضعفاء النفوس والخونة، ربما تفتُّ في عضد بعض من الزعماء غير المبدئيين.
إنّ موقف العراقيين المبجّل لثورة العشرين ولمرجعيتها وقادتها المجاهدين ووطنييها بعد قرن من الزمان ما هو إلّا نتيجة لإصرار المرجعية وقادة الثوار على مطلبهم الحق بالحرية والاستقلال الكامل الناجز، ثم تأسيس دولة وطنية حرة دستورية بملك مقيد بمجلس نواب منتخب بانتخابات حرة مباشرة، لا يشرّع ما يخالف الشريعة الإسلامية، من دون أية مساومة على القضية الحقة، ولا الإقدام على أنصاف حلول بائسة مع المحتل الأجنبي الغازي، وإذا كان المرجع الأعلى وكبار القادة والشيوخ لم يستطيعوا تحقيق ما قدحوا من أجله زناد الثورة عسكريًّا، فقد حققوا بثورتهم التحرّرية الكبرى الكثير.. مما سيأتي تفصيله لاحقًا.
إنّ تبجيل ثورة العشرين لم يقتصر على العراقيين، بل شمل كثيرًا من الباحثين العرب وغيرهم أيضًا، وإذا كان لي أن اقتصر من مؤرخي العرب على أنموذج
واحد خشية الإطالة؛ فسأذكر ما دوّنه الباحث أمين سعيد عنها مقارِنًا بينها وبين معاصرتها الثورة السورية بقوله: إنّ «اتحاد سكان الفرات قلبًا وقالبًا وانقيادهم إلى زعمائهم ورؤسائهم وانقياد هؤلاء إلى شيوخ الدين وعلمائه، واعتقاد هؤلاء وهؤلاء منذ الساعة الأولى بأنّ القوة هي الوسيلة الوحيدة لاسترجاع الحقوق ولبلوغ الأماني؛ هو الذي صان للثورة العراقية مقامها، وحفظ لها جمالها وجلالها، وضمن لها إدراك ما أدركته من نتائج باهرة بيّضت وجه العرب، وخفّفت من آلامهم. ولا نرتاب في أنّه لو سارت الأمور في سوريا على هذا المنوال، واتبع القوم منذ الساعة الأولى خطة معينة عملوا لتنفيذها وأعدّوا المعدات لتحقيقها؛ لَاتّقوا الكارثة ولكان ربح العرب من حركتهم أعمّ وأجزل».
وأضاف قائلًا: «كتب العراقيون في ثورتهم هذه صفحة خالدة في تاريخ البطولة، ونالوا من إنكلترا كل ما يمكن نيله، وما كانت تنوي أن تحدث حدثًا أو تغير وضعًا في بلادهم لولا قيامهم في وجهها، ومنازلتهم لجيوشها».
علما بأنّ من أسباب عدم نجاح ثورة العشرين في تحقيق كل مطالبها هي الخيانة التي حصلت من بعض العشائر الماسكة بإحدى خطوط القتال نتيجة الرشوة، فقلبت موازين ساحة معركة القتال الكبرى رأسًا على عقب، وتمثل آخر تمظهراتها بالخيانة التي ارتكبتها إحدى العشائر الماسكة لموقع يدعى (القصبة) واقع في منتصف الطريق بين الحلة وطويريج، حيث انسحبت من موقعها المهم ليلًا «وفتحت الطريق للجيش الإنكليزي فاندفع منه إلى مدينة طويريج التي كان يسيطر عليها آل فتلة برئاسة الحاج عبد الواحد آل سكر، فقاتلوا الإنكليز وبذلوا
أرواحهم بسخاء في سبيل إيقاف الرتل الزاحف بقوات كانت مدعومة بالمدفعية والطائرات التي تغلبت على المجاهدين».
إن ما يؤسَف له حقًّا لرجل بمنزلة السيد محسن أبو طبيخ أن يقول عن كبار العلماء المجاهدين من أبناء الثمانين -الذين أكسبتهم قيادة جبهات القتال ضد الإنكليز في البصرة والفرات الأوسط وغيرهما من سوح المنازلة حنكةً وحكمةً وبعد نظر- فيصفهم بـ«القابعين في بيوتهم في النجف»، أولئك الذين حكم التاريخ على رأيهم الرافض للتفاوض تحت ظل الاحتلال والانتداب الإنكليزي بالصحة وبعد النظر.
ومن الغريب كذلك ما أورده السيد أبو طبيخ حول قرار المرجعية برفض التفاوض الذي اتُّخِذ بعد دراسة وتشاور وبحث -وهو ما أورده المؤرخون من أمثال د. علي الوردي كما تقدم، ونص عليه السيد أبو طبيخ نفسهأيضًا في الصفحة السابقة- بأنّه كان «قرارًا فرديًّا»! رغم اعترافه هو أيضًا بموافقة قادة الثوار عليه بعد جدل اشتدّ لساعات النهار في اجتماع عُقد لهذا الغرض حضره كبار قادة العمليات من الشيوخ الكبار ومستشار المرجعية العليا ومبعوثها المجاهد السيد هبة الدين الشهرستاني في بيت الحاج عبد الواحد آل سكر. ثم تنظيمهم مضبطة بذلك، فتوقيع أكثر من (سبعين) من العلماء والقادة والزعماء والسادة والشيوخ عليها -كما تقدم-.
وعلى عكس ما زعمه السيد أبو طبيخ، فإنّ الموافقين على الصلح "كانوا
أقلّيّة»؛ ولذلك كان قرار المرجع الأعلى مع قرار الأغلبية القاضي برفض الدخول في المفاوضات مع المحتل الإنكليزي إلّا بعد تنفيذ مطالب الثورة كاملة، حيث كان شعار هذا الفريق الرافض للصلح هو «لا مفاوضة قبل الجلاء»، وهو رأي زعماء (المجلس الحربي الأعلى) أيضًا؛ ولذلك اعتمده المرجع الأعلى شيخ الشريعة الأصبهاني وعمل به فكتب رسالته الرافضة لنائب الحاكم الملكي العام ولسون المتقدم ذكرها.
ومن الغريب أكثر فأكثر أن يكتب السيد أبو طبيخ في بعض أوراقه عن ثورة العشرين ما يلي: «الثورة العراقية حصلت من سوء تقديرنا للأمور، وتبطّرنا المفرط... إنّ الولاة الإنكليز كانوا يبالغون في تكريمنا واحترامنا.. وكانوا يؤمّنون مصالحنا على أحسن وجه. ولكننا أسأنا لهذا التقدير منهم، وافتعلنا المبررات للثورة والخروج عليهم باسم الاستقلال... بكل بساطة نفس، وقلّة دراية، لإقامة حكومة وطنية عراقية».
ولا أريد أن أذكّر بوصف الباحث حنّا بطاطو للسيد أبو طبيخ غير أنّ ما أورده السيد في النص أعلاه ليس خطأ فحسب، بل خطيئة قد تنمّ عن هشاشة قناعاته السابقة.
وإذا كان تبنّي السيد أبو طبيخ للمفاوضة مع الإنكليز تحت الاحتلال من دون تحقيق الاستقلال التام الناجز خطيئة؛ فإنّ من الغريب لمؤرخ محيط بتفاصيل ما
كان مثل السيد عبد الرزاق الحسني أن يصف رفض المرجع الأعلى وأغلب زعماء الثورة للتفاوض مع الإنكليز تحت ظل الاحتلال بأنه «خطيئة» تارة، وأنّه كان «بعيدًا عن الحكمة والمنطق»أخرى، وكذلك رأي د. عبد الله الفياض الذاهب إلى أن رفض التفاوض دليل «على قلة الخبرة السياسية التي أنيطت بالدرجة الأولى بالروحانيين رغم قلة خبرتهم بأمور السياسة ومراميها البعيدة». ناسيًا تلك الخبرة السياسية المتراكمة التي أثبتتها الأحداث خلال تعاطيهم إياها، تلك الخبرة والدراية التي عبّر عنها المعايش للحدث يومها الشيخ علي الشرقي بقوله: «إنّ رجال الدين قد تمكنت منهم الحركة الفكرية والسياسة، وعرفوا ما يقتضيهم من العمل، فقد مرّ.. أنّ الانقلابات السياسية وشؤون الجهاد جعلت الزعماء الدينيين يمارسون الكثير من هذه الأمور».
إننا لو ألقينا نظرة على بعض ما كان يفكر به أو يرسمه قسم من الضباط والمخططين السياسيين البريطانيين من خطط لوضع العراق، ومنهم السير تي سي ولسون صاحب أرفع منصب بريطاني في العراق خلال الثورة، وقارنّاه بما أجبرهم العراقيون الثوار على التنازل عنه مُكرَهين بفعل الثورة؛ لبان لنا بوضوح ما اضطرتهم الثورة على تغييره رأسًا على عقب.
وفيما يلي بعض من سياسات وخطط الحكام والقادة والمسؤولين والسياسيين الإنكليز لوضع العراق قبل الثورة وأثناءها، من قبيل إلحاق العراق ببريطانيا بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة من خلال ضمّه للهند، أو تغيير تركيبته السكانية من خلال جلب مستوطنين أجانب وإسكانهم فيه عن طريق هجرة أجنبية واسعة إليه، أو إعادة هيكلة العراق، وغير ذلك، وسأتناولها بإيجاز في أربعة مطالب حيث يناول المبحثان الأول والثاني ما ورد من أنّ قناعة نائب الحاكم البريطاني العام في العراق ولسون «قد تيبست دونما أمل في تغييرها، (أعتقد أن بلاد ما بين النهرين ملك لمن غَزَوْها بصفتها محميّة إمبريالية تحت السلطة المباشرة
(122)لبريطانيا)»، سواء أكان ذلك بضمها إلى الهند التابعة لبريطانيا ذلك الوقت، أم بوضعها تحت الهيمنة البريطانية المباشرة. في حين يتناول المبحث الثالث خطط المحتلين لتغيير الطبيعة الديموغرافية للشعب العراقي. أما المبحث الرابع فيستعرض مخطط قوات الاحتلال لإعادة هيكلة العراق. ويقف المبحث الخامس على إعادة رسم خارطة جديدة للعراق مع دول المنطقة الساحلية. وسأتناولها تباعًا مبتدئًا بالمبحث الأول.
لقد كانت السياسة البريطانية تخطط لإلحاق العراق بالهند وضمّه إليه، ليكون تابعًا للهند تبعية «ضمّ وإلحاق»، وهي ما كانت عليه «الفكرة البريطانية الأولى في مستقبل العراق.. وكان مونتياغو وزير الدولة لشؤون الهند على رأس هذه الفكرة». وتبناه صراحة أ. ت. ولسون نائب الحاكم العام في العراق سنة احتلالهم للعراق بقوله في (1335هـ/1914م): أودّ أن أعلن أنه من الضروري ضمّ ما بين النهرين إلى الهند كمستعمرة للهند والهنود، موضحًا: أنّ العراق يقع «في طريق الهند، والويل للبلاد التي تقع في طريق الهند، وأنه على فم الخليج العربي الذي يهمّ الهند، وأنّ الجيش الهندي بذل وضحى في سبيل احتلاله، وكان ضباط ذلك الجيش ورفاقهم السياسيون من مدرسة الهند، لهذه الأسباب كلها يُراد أن يكون العراق تابعًا، أو أن يجزأ فيكون جنوبه وفي الطليعة البصرة تابعًا للهند ولمدرسة الهند. كما سيأتي.
(123)ورغم التطورات السياسية اللاحقة خلال سنوات، فإن فكرة ضم العراق إلى الهند بقيت تعشعش في عقول بعض السياسيين البريطانيين وخاصة مكتب الهند التابع لوزارة الخارجية البريطانية خلال مؤتمر باريس للسلام المنعقد بتاريخ (18 كانون الثاني 1919م/15 ربيع الثاني 1337 هجرية)، حيث «أراد اللوبي الأنغلو-هندي بقيادة السير آرثر هيرتزل تحويل بلاد ما بين النهرين إلى مستعمرة كاملة، ما دام هذا يتماشى إلى حد كبير مع نوايا فرنسا في سوريا».
ويبدو أن مخطط تهنيد العراق لم يكن خافيًا حينها على قسم من العراقيين سياسيين وعسكريين. فهذا السياسي العسكري العراقي المعاصر للحدث جعفر العسكري يقول في مذكراته «إنّ الأساليب الإدارية في العراق حينئذ وأفكار موظفي حكومة الهند وآمالهم القوية بربط العراق بالهند وجعله مستعمرة هندية كانت غير خافية عليّ»، وعلى غيره من الوطنيين العراقيين بطبيعة الحال.
بيد أن الثورة العراقية الكبرى في (1920م) أو كما سماها أحد شهودها بـ«القومة -هي التي- خذلت فكرة تهنيد العراق».
وعلى الرغم من وجود اتجاه آخر مخالف لهذا الاتجاه في السياسة البريطانية يومذاك مؤداه النأي بالعراق عن التبعية للهند، وهو ما تغلّب أخيرًا، واستوجب
من جملة ما استوجب إبعاد العقيد ولسون نائب الحاكم المدني البريطاني في العراق والمتبني لهذا المخطط؛ فإن هناك من يرى بـ«أن سياسة الإنكليز لم تبتعد بروحها عن السياسة الهندية»، يقول الشيخ علي الشرقي الوزير السابق في العهد الملكي والمعاصر للحدث: «لقد كانت ملامح الراجوية تلوح في الاهتمام برؤساء العشائر والكوخات والتمسك بالعادات والعنعنات القديمة.. حتى التشريع العراقي أصبحت تظهر عليه آثار التشريع الهندي».
ويشير الباحث متي عقراوي إلى زمن انتهاء سيطرة السياسة الهندية على العراق، فيكتب تحت عنوان «معاهدة 30 حزيران سنة 1930» ما يلي: «اتجهت السياسة الإنكليزية اتجاهًا جديدًا نوعًا مّا بعد سفر السر هنري دوبس، وانقضى العهد الذي يصح أن يسمى بعهد سيطرة السياسة الهندية على العراق».
ويبدو أن فكرة ربط العراق بالهند -سواء بضمه كله أم جنوبه، أم البصرة فقط أم معها مدن عراقية أخرى- كانت مقلقة كثيرًا، ليس للعراقيين فقط، بل لبعض الدول الكبرى أيضًا، وفي مقدمتها أمريكا، لذلك نص قرار لجنة (كنج-كرين) -التي عينها الرئيس الأمريكي ويلسون أثناء انعقاد مؤتمر الصلح في باريس سنة (1919م) خلال حديثه عن تصفية تركة الدولة العثمانية- على: «الحذر من تهنيد بعض مناطق العراق».
لقد تضمن اتفاق سايكس بيكو الموقّع بين بريطانيا وفرنسا «المبتسر من الناحية الإدارية والذي أثار العويل والصراخ من الناحية الأخلاقية والذي وقّعت عليه كل من بريطانيا وفرنسا في شهر (أيار سنة 1916م-/جمادى الثانية 1334هـ)- وفضحه الروس للعالم في (تشرين الأول سنة 1917) -تضمن خلفًا للوعود ونقضًا للعهود، حيث- كانت هذه المواد قد بدت من الناحية الأدبية في الواقع وكأنها كانت موجهة بكل ثقلها ضد نظام حق تقرير المصير بالنسبة للعراق... -كونها نصّت على أنْ- توضع المناطق الوسطى والجنوبية من العراق تحت الحكم البريطاني المباشر»، والمقصود بـ«القسم الجنوبي وهو الذي يبتدئ من شمال بغداد بمسافة قليلة إلى الخليج الفارسي».
ومن الطريف أن نص اتفاقية سايكس بيكو الوارد في «مذكرة وزارة الخارجية الروسية السرية التي نشرها البولشفيك في جريدة أزفيستيا ونقلتها عنها جريدة المانشستر كارديان في عددها الصادر في 19 كانون الثاني 1918، وهذه المذكرة تشير إلى (مناطق نفوذ) وإلى (استحواذ) الدول الثلاث إنكلترا وفرنسا وروسيا على مقاطعات آسيا العثمانية بعبارات واضحة لا تجدها في رسائل وزارتي خارجية إنكلترا وفرنسا التي كانت موضوعة في قالب ملؤه الحذر. وتذكر المذكرة في الفقرة (3) بأنّ بريطانيا العظمى (تستحوذ على القسم الجنوبي من العراق بما فيه بغداد...)، الأمر الذي يحملنا على الاعتقاد بأن العظمى كانت
تفكر في الاستحواذ والحكم المباشر على جنوبي وادي الرافدين».
بل إنّ العقيد ولسون نائب الحاكم المدني البريطاني في العراق كتب في عام 1914 يقول: «أعتقد أنّ العراق تحت الحكم البريطاني المباشر ستصبح جوهرة متلألئة في التاج البريطاني».
و«راح يلحّ ويشدد القول بأنه لا يوجد شيء ما سوى إيجاد إدارة بريطانية صارمة.. يجب أن يحكمها السير برسي كوكس لمدة خمس سنوات ومن دون أي أمير إطلاقًا»، أو من خلال استمرار الحكم البريطاني للعراق بأي صيغة أخرى من الصيغ، فمن ذلك إرسال العقيد ولسون برقية في (6 ربيع الأول 1337هـ/ 10 كانون الأول 1918م) إلى وزير الهند جاء فيها: «إني أسلم بأنه يجب أن يكون من سياستنا في ظروف السلم أن نحافظ على بلاد ما بين النهرين خاضعة للسيطرة البريطانية». أو بتعبير أوضح ورد في (سجلات الوثائق البريطانية) قوله بعد نشر الإعلان الأنكلو-فرنسي: «إننا في ظروف السلام علينا أن نتولى أمر وجوب بقاء العراق إسفينًا لإقليم تسيطر عليه بريطانيا، غير مماثل سياسيًا لبقية العالم العربي والإسلامي».
كما كتب ولسون أيضًا «لقد ألححت كما فعل السير برسي كوكس في (1917)، على اعتبار ولايات البصرة وبغداد والموصل كوحدة منفردة للأغراض الإدارية
تحت سيطرة بريطانيّة فعّالة»، أو من خلال تنصيب حاكم بريطاني على العراق المسلميساعده ضباط إنكليز في حكم الألوية.
هذا إضافة إلى وجود مخططات بريطانية أخرى من قبيل إبقاء البصرة، والناصرية، وشط الحي، وبدرة بحدودها الغربية والشمالية، تحت الإدارة البريطانية بصورة دائمة، أو فصل البصرة عن العراق ووضعها تحت الهيمنة البريطانية المطلقة المباشرة وأمثال ذلك.
وقد ذكر المؤرخون أنّ احتلال الجزء الجنوبي من العراق كان قد خُطّط له منذ سنوات قبل وقوعه في سنة 1914، بل «يظهر أنّ السلطات البريطانية كانت تتوقع القيام بحركات حربية في جنوبي العراق منذ سنة 1911م، وقد تألّفت لذلك لجنة قدمت اقتراحًا باحتلال الفاو والبصرة... فنرى من ذلك أنّ الإنكليز كانوا يستعدون لاحتلال وادي الرافدين قبل الحرب العامة بثلاث سنوات وربما قبل ذلك بكثير».
لقد وصل الأمر بالمحتلين الإنكليز إلى حدّ أن العقيد أ. ت. ولسون نائب الحاكم البريطاني العام في العراق -المتقدم ذكره- قد كتب دستورًا للعراق أسماه «العراق: دستور المستقبل»، وأرسله بكتاب سري مؤرخ في (5 رجب
1337هـ/ 6 نيسان 1919م) إلى جهاته الإدارية العليا بادئًا إيّاه بما يلي «سيدي جوابًا على برقيتكم في 13 شباط -1919م- تطلبون فيها مقترحات عن إدارة المستقبل في العراق».
لقد بدا ذلك، بل «ظهر بأن عمل الدوائر المدنية البريطانية ومشروعاتها كانت تشير إلى احتلال دائم للعراق». وهو ما نصّت عليه اتفاقية سايكس-بيكو، حيث منحت الحق لبريطانيا باستلحاق العراق كله، أو أي جزء منه تجد مصلحتها في استلحاقه، فالأمر متروك لها وحدها لتقرره حسب ظروفها ومصالحها.
ومن خلال ملاحظة المخططين المتقدمين للعراق يظهر بوضوح أنّ هذا الطرح الأخير يختلف عن الطرح الذي سبقه، ذلك أنّ كِلا السياستين تُبقيان العراق كله أو بعضه تحت السيطرة البريطانية: إما المباشرة، أو من خلال ضمّه للهند التابعة للحكم البريطاني المباشر، وقد ظهر الخلاف بين الساسة الإنكليز حول الانسحاب من مناطق العراق عدا البصرة، أو الجنوب كله وصولًا إلى بغداد أو الإبقاء على العراق كله تحت الانتداب.
فقد أجاب رئيس الوزراء لويد جورج «أثناء جدل بمجلس العموم في مارس 1920 بادر به سلفه ومنافسه زعيم حزب العمال الليبرالي هربرت اتيش اسكويث الذي حث وبدعم من السير طاوزند (نفس الجنرال الذي كان قد استسلم بمدينة الكوت ثم اختير من جديد كنائب بالبرلمان) على قصر سلطة
بريطانيا على منطقة البصرة. وجد لويد جورج أنّ من المستغرب أن يقترح أي أحد التخلي عن الموصل الواعدة والغنيّة بالنفط».
ثم أضاف لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني التفاصيل التالية: ماذا سيحدث إذا انسحبنا؟ بعد التكلفة الهائلة التي تحملناها لكي نحرر ذلك البلد من طغيان الأتراك المهلك... سيكون فعل حماقة لا يمكن الدفاع عنه».
وهو ما نشرته الصفحة الأولى من العدد الأول من جريدة (الاستقلال) النجفية -الناطقة بلسان ثورة العشرين- الصادر في (محرم 1339هـ/ الأول من تشرين الأول لسنة 1920م) بقولها: «وصل كوكس لندن والنزاع قائم بين حزبي أسكويت القائل بتخلية بغداد والانسحاب نحو البصرة، ولويد جورج الذي يرى لزوم استعمال القوة لإخماد ثورة العراقيين الاستقلالية والاحتفاظ بالعراق أبديًا، على الرغم من جميع المعاهدات والتصريحات التي تقضي باستقلاله وتركه لأبنائه». ويمكن للمحلل أن يستنتج خطة الاحتلال البريطاني الدائم للعراق من طريقة عمل «الدوائر المدنية البريطانية ومشروعاتها» التي «كانت تشير إلى احتلال دائم... كما ذكرت الأنباء أيضًا أنّ النساء والأطفال البريطانيين قد أخذوا يتوافدون على البلاد، وكأنهم ذاهبون إلى إحدى المستعمرات البريطانية».
ويبدو أن موضوع إلحاق العراق ببريطانيا كان مطروحًا بقوة بحيث استدعى من (لجنة كنج-كراين)- المتقدم ذكرها سابقًا أن تؤكد في توصياتها الخاصة
بالعراق الصادرة في (28 آب 1919م/1 ذي الحجة 1337هـ) والمرفوعة إلى مؤتمر الصلح في باريس بصريح العبارة ب:«أن لا يضاف أي إقليم جديد إلى الإمبراطورية البريطانية».
سبق أن نقلت نصًّا لنائب الحاكم المدني البريطاني للعراق العقيد ولسون في (10 محرم 1333هـ/28 تشرين الثاني 1914م) جاء فيه «أود أن أعلن أنه من الضروري ضمّ ما بين النهرين إلى الهند مستعمرة للهند والهنود».
وسأنعطف هنا لأنقل تتمة لحديثه تضمّن تغييرًا للتركيبة السكانية لبلاد ما بين النهرين مقترحًا فيه بأن «تقوم حكومة الهند بإدارتها وزراعة سهولها الواسعة بالتدريج، وتوطين أجناس البنجاب المحاربة فيها»، «وتيسير الهجرة من (الهند)، و(أستراليا)، وغيرهما إلى العراق، لإخراجه من صبغته العراقية».
وقد أشارت مذكرة سرية بعثتها القنصلية البريطانية في بغداد إلى الخارجية البريطانية في لندن بتاريخ (19 ذي الحجة 1333هـ/ 28 تشرين الأول 1915م) -الموقفين العسكري والسياسي في العراق- إلى قضية توطين الهنود في العراق فأثبتت تحت عنوان «التوطين» ما يلي: «بتعبيري هذا أنا لا أرفع صوتي
محتجًّا على التوطين النزيه للهنود، ولكن بشرط أن يبقى الجهاز الإداري منوطًا بالعراقيين والبريطانيين. ولا يمكن الاعتراض على ما سيخصص من أراضٍ إلى المزارعين الهنود في مناطق حيث السكان قلة... وعلى الهنود تحت تلك الظروف إمّا أن يستقروا في مجتمعات منفصلة، أو أن يختلطوا بالناس ويصبحوا جزءًا من العراق»، وذلك من أجل «إنشاء مستوطنة هندية في العراق»، أو بعبارة الباحثين كارل إي. ماير وشارين بلير بريزاك: «جعل العراق محميّة بريطانية يستعمرها مهاجرون هنود».
وقد كان «السير ويليام ويلقوقس (أحد مروجي سياسة الاستعمار) قد قال في محاضرة ألقاها أمام الجمعية الجغرافية في القاهرة فيما يتعلق بإحياء وسائط الري القديمة وإعمار العراق: (... يجب جلب الملايين من فلاحي مصر والهند وإسكانهم في تلك الديار لجعلها كنسخة ثانية من مقاطعة بنجاب، ولا يتم إعمار العراق إلّا بتلك العمال والفلاحين)».
وتبدو جدية هذا الطرح وخطورته من خلال وروده ضمن توصيات لجنة (كنج-كرين) -المشار إليها أعلاه- في الفقرة الخامسة من التوصيات بالنص التالي: «وفي بلد كالعراق وافر الغنى بالإمكانات الزراعية والبترول وغيره من المصادر سيلوح حتميًّا خطر الاستثمار والسيطرة الاحتكارية من قبل الدولة المنتدبة عن طريق فرض سيادة المصالح البريطانية، وخاصة عن طريق هجرة
هندية واسعة النطاق، فهذا الخطر يتطلب احترازًا متزايدًا ونزيهًا. وإنّ العراقيين ليشعرون شعورًا قويًّا بحدّة هذا الخطر وبخاصة خطر الهجرة الهندية، حتى لو اقتصرت الهجرة على المسلمين الهنود. فهم يتخوفون من التمازج بشعب آخر من عرق متباين وعادات مختلفة كلية باعتباره يهدد حضارتهم العربية».
أوّلًا: لقد أجملت برقية أرسلها وزير الهند في لندن إلى سكرتير الشؤون في (سملا) مقر نائب الملك في الهند، وإلى الدوائر العسكرية والملكية البريطانية في العراق بتاريخ (29 آذار 1917م/5 جمادى الثانية 1335هـ) بعد احتلال الإنكليز لبغداد، أجملت رؤيته بنقاط محددة جاء في بنودها: الثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسابع، وهي البنود التي تهمنا في هذا العرض، وهي كما يلي:
البند الثاني: «تبقى البصرة، والناصرية، وشط الحي، وبدرة بحدودها الغربية والشمالية، تحت الإدارة البريطانية بصورة دائمة.
البند الثالث: تكون بغداد مملكة عربية يديرها حاكم أو حكومة من أهلها تحت حماية بريطانية، في كل شيء، إلّا الاسم فإنه يبقى عربيًّا، وبطبيعة الحال لن تكون لها علاقة مع الدول الأجنبية التي يجب على قناصلها أن يقدموا براءتهم إلى الحكومة البريطانية.
البند الرابع: تدار بغداد (خلف ستار عربي، كأقليم عربي، بقدر المستطاع) بواسطة وكالة وطنية، وفقًا للقوانين والشرائع الموجودة.
البند الخامس: في حالة ما إذا كانت البصرة لم تلحق ببغداد، فإن رئيس الإدارة العراقية العام يكون (المندوب السامي المقيم في بغداد)، وتكون البصرة تحت إدارة حاكم يرتبط به. أما إذا أُلحقت بها فإن رئيس الإدارة العراقية يسمى آنئذ (حاكم البصرة ومندوب العراق السامي)، على أن يكون له مقر اسمي في البصرة، أما إقامته الدائمة فتكون في بغداد، ويكون له وكيل حاكم في البصرة، ووكيل مندوب في بغداد، فينوبان منابه عند غيابه.
البند السابع: تكون -لـ(أماكن الشيعة المقدسة) إدارة مستقلة، غير خاضعة للهيمنة البريطانية المباشرة، على أن ينتبه إلى عدم إدخال أراضي سقي، أو قابلة للسقي فيها».
يذكر أن بعض أهالي البصرة كانوا طرحوا على المحتل البريطاني خطة فصل البصرة من خلال منحها استقلالًا سياسيًّا عن العراق تحت إشراف أمير العراق، على أن تكون الرابطة بين البصرة والعراق وحدة يطلق عليها اسم (ولايتي العراق والبصرة المتّحدتين).
وقد نقلت المس بيل في رسائلها طلبًا لأهل البصرة عرضوه عليها قائلة بأنه زارها وفد كبيرًا منهم طالبًا مقابلة المعتمد السامي ليعرض عليه مطالب أهل الثغر، وهي تتلخص في أن يكون الملك فيصل ملكًا مشتركًا للعراق والبصرة،
على أن يكون للبصرة مجلس تشريعي خاص مع جيش وإدارة وشرطة، وأن تجبى الضرائب وتصرف من قبلها، وعلى أن تساهم في مساعدة الإدارة المركزية في بغداد مساعدة مالية معقولة، وأن الوفد البصري طلب مساعدتها في تحقيق رغائب البصريين فلم يسعها غير تقديمه إلى المعتمد السامي البريطاني.
ثانيًا: إنشاء دولتين مستقلتين ومنفصلتين في العراق لنجلي الشريف حسين
لقد قدم الكولونيل لورنس إلى وزارة الحرب البريطانية اقتراحًا في (4 تشرين الثاني 1918م/29 محرم 1337هـ) يتضمن أن تنشأ في العراق دولتان مستقلتان منفصلتان تخصص إحداهما للشريف زيد بن الحسين، والأخرى للشريف عبد الله، نجلي الشريف حسين، مضيفًا على المقترح السابق تحديد عاصمتيهما، وكما يلي:
أ. «دولة شمال العراق تكون عاصمتها الموصل وتحت إمارة زيد.
ب. دولة جنوب العراق. تكون عاصمتها بغداد وتحت إمارة عبد الله على أن يمنح الشريف حسين لقب أمير المؤمنين، ويذكر اسمه في الصلاة في المساجد».
إعادة هيكلة العراق ومعه بعض دول المنطقة الساحلية من خلال تقسيمها إلى أقسام تشبه نظام (الراجويات) في الهند، وسأقتبس من القرار ما يخص ربط دول المنطقة بالعراق بهيكلية جديدة وردت في البند التاسع منه وفق ما وردت في برقية وزير الهند في لندن إلى سكرتير الشؤون في (سملا) مقر نائب الملك في الهند،
وإلى الدوائر العسكرية والملكية البريطانية في العراق بتاريخ (29 آذار 1917م/ 5 جمادى الثانية 1335هـ) بعد احتلال الإنكليز لبغداد، وقد تقدم ذكر ما يخص هيكلة العراق وحده منها سابقًا.
البند التاسع: «تُدار الكويت والبلاد العربية الساحلية، بما فيها عمان، من قبل البصرة».
وربما هناك خطط أخرى غير ما تقدم لا مجال لذكرها هنا خشية الإطالة.
هذه بعض خطط البريطانيين -قبل الثورة وأثناءها- التي أفشلتها الثورة وأحبطتها بل وأقبرتها.
غير أني يحسن بي وأنا في ختام هذا البحث أن أشير إلى اقتراح بريطاني غريب طُرح بعد انتهاء الثورة من قبل الدائرة السياسية في وزارة الهند للتداول في (6 جمادى الثانية 1339هـ/15 شباط 1921م) يكشف عن مدى التخبط الذي اعترى المسؤولين البريطانيين ربما نتيجة للكلف السياسية والمادية الباهظة التي تحملتها خزينة الدولة البريطانية بسبب اشتعال نار الثورة؛ ما جعلها في وضع لا يسمح للمحتل باستمرار تحملّها من جهة، وللخسائر الجسيمة البشرية والسياسية التي كابدتها جراء إنهاء الثورة.
أما الاقتراح الغريب الذي أشرت إليه، فهو «السماح لتركيا أن تحكم العراق تحت إشراف بريطاني... وإذا ما أمنوا -أي العراقيون الثائرون ضد تركيا سابقًا من- الانتقام، فلعلهم يفضّلون عودة الأتراك على الخضوع إلى حاكم من الأشراف، أو حتى إدارة عربية تحت حكم أمير تركي».
1. ابو طبيخ، جميل محسن، مذكرات السيد محسن أبو طبيخ (1910 - 1960) خمسون عامًا من تاريخ العراق السياسي الحديث، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان. 2001م.
2. الأسدي، حسن، ثورة النجف على الإنكليز أو الشرارة الأولى لثورة العشرين، منشورات وزارة الإعلام العراقية، بغداد، العراق، 1975.
3. آل طعمة، سلمان هادي، كربلاء في ثورة العشرين.. ط1. بيسان للنشر والتوزيع والإعلام. بيروت. لبنان. 2000م.
4. آل فرعون، فريق المزهر، الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة 1920 ونتائجها، ط1، مطبعة النجاح، بغداد. العراق، 1371هـ/ 1952م.
5. آل كاشف الغطاء، الإمام الشيخ محمد الحسين، عقود حياتي تحقيق: أمير الشيخ شريف الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء. منشورات مدرسة ومكتبة الإمام كاشف الغطاء العامة في النجف الأشرف. العراق. 1433هـ/ 2012م.
6. ألف دي ل. رش، العراق في سجلات الوثائق البريطانية 1914-1966 المجلد الثاني 1918-1921. المحرر الاستشاري:. محرر البحوث: جين بريشود. ترجمة: كاظم سعد الدين. ط 1. بيت الحكمة. بغداد. العراق. 2012م.
7. أمين سعيد، الثورة العربية الكبرى. تاريخ مفصل جامع للقضية العربية في ربع قرن.. مكتبة مدبولي. القاهرة. مصر. 1353 هـ/1934م.
8. أي. أج. بيرن، حرب العراق الصفحة الأخيرة، ترجمة: عزيز داخل. مطبعة الجيش. بغداد. العراق. دون ذكر سنة الطبع.
9. بحر العلوم. السيد محمد صادق، السلاسل الذهبية. مخطوط.
10. البصير، محمد مهدي، تاريخ القضية العراقية، ط1، ج 1. مطبعة الفلاح، بغداد، العراق، 1342هـ/ 1923م.
11.الجبوري، د. كامل سلمان، السيد أبو الحسن الأصفهاني سيرته وأضواء على مرجعيته ووثائقه العلمية والسياسية، ط1، دار الضياء للطباعة والنشر، النجف الأشرف، العراق، 1436هـ/ 2015.
12. ـــــــــــــــــــ، وثائق الثورة العراقية الكبرى ط1. دار المؤرخ العربي بيروت. لبنان. 1430هـ - 2009م.
13. ــــــــــــــــــــ، مذكرات السيد محمد علي كمال الدين من رجال الثورة العراقية 1920. ط1، مطبعة العاني. بغداد. العراق. 1986.
14. جورج أنطونيوس، يقظة العرب، ترجمة: د. ناصر الدين الأسد، و د. إحسان عباس. ط 8. دار العلم للملايين. بيروت. لبنان. 1987م.
15. الحائري، عبد الهادي وآخرين، محمد حسين النائيني وتأسيس الفقه السياسي. فارسي. تعريب محمد حسين حكمت. مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي. ط1. بيروت. لبنان. 2012م.
16. الحائري، عبد الهادي، التشيع والدستورية في إيران. دور علماء العراق الشيعة في السياسة الإيرانية، ترجمة: عبد الإله النعيمي. ط١. معهد الدراسات الشيعية. واشنطن. الولايات المتحدة الامريكية. ٢٠١٥م.
17. حرز الدين، الشيخ محمد حسين بن علي بن محمد، تاريخ النجف الأشرف، ط1. منشورات دليل ما. قم. إيران. 1427 هـ.
18. ـــــــــــــــــ، معارف الرجال، تعليق حفيده الشيخ محمد حسين حرز الدين. نشر مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي. مطبعة الولاية. قم. إيران. 1405هـ/1985م.
19. الحسني، عبد الرزاق، العراق في الوثائق البريطانية 1905-1930: ترجمة وتحرير فؤاد قزانجي، ط، 1دار المأمون للترجمة والنشر. بغداد. العراق. 1989م.
20. حسين جميل، العراق شهادة سياسية 1908- 1930، دار اللام. لندن.
21. الخالصي، محمد بن محمد مهدي، بطل الإسلام الشهيد الإمام الشيخ محمد مهدي الخالصي، ط1. مركز وثائق الإمام الخالصي. طهران. إيران.
22.الخليلي، جعفر، هكذا عرفتهم، انتشارات المكتبة الحيدرية. ط1. قم. جمهورية إيران الإسلامية. 1426 هـ.
23. الخياط، احمد زكي، فيصل بن الحسين في خطبه وأقواله، مدير الدعاية العام. ط1. الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع. بغداد. العراق. 1434هـ/ 2013م.
24. الشرقي، الشيخ علي، الأحلام، ط1. شركة الطبع والنشر الأهلية. بغداد. العراق. 1383هـ/ 1963م.
25. ــــــــــــــــــــ، على هامش الثورة العراقية الكبرى، جريدة الهاتف. النجف الأشرف. العراق. دون ذكر سنة الطبع.
26. عقراوي، د. متي، العراق الحديث. تحليل لأحوال العراق ومشاكله السياسية والاقتصادية والصحية والاجتماعية والتربوية. رسالة دكتوراه في كلية المعلمين. جامعة كولومبيا. نيويورك، تعريب: د. متي عقراوي. ومجيد خدوري. مطبعة العهد. بغداد. العراق: 1936م.
27. العمر، فاروق صالح، حول سياسة بريطانيا في العراق 1913- 1921، مطبعة الإرشاد. بغداد. العراق. 1977م.
28. فاضل حسين، مشكلة الموصل. دراسة في الدبلوماسية العراقية-الإنكليزية-التركية وفي الرأي العام، رسالة الدكتوراه التي قدمها المؤلف إلى جامعة انديانا في الولايات المتحدة الأميركية سنة 1952م. مطبعة الرابطة. بغداد. 1955م. ساعدت وزارة المعارف العراقية على نشره.
29. الفياض، عبد الله، الثورة العراقية الكبرى سنة 1920، ط1، مطبعة الإرشاد، بغداد، العراق. 1963.
30. كارل إي. ماير و شارين بلير بريزاك، اختراع الشرق الأوسط الحديث، صناع الملوك، ترجمة: د. فاطمة نصر. ط1. إصدارات سطور الجديدة. القاهرة. جمهورية مصر العربية. 2010م.
31. كمال الدين، محمد علي، المذكرات (من رجال الثورة العراقية 1920). ط1. تقديم وتعليق كامل سلمان الجبوري. مطبعة العاني. بغداد. العراق. 1986.
32. ـــــــــــــــــــــ، النجف في ربع قرن منذ سنة 1908م، تحقيق وتعليق كامل سلمان الجبوري. ط1. دار القارئ. للطباعة. والنشر. والتوزيع. ودار المواهب للطباعة والنشر. بيروت. لبنان. 1426هـ/2005م.
33.ــــــــــــــــــــ، ثورة العشرين في ذكراها الخمسين معلومات ومشاهدات في الثورة العراقية الكبرى سنة 1920، منشورات دار البيان 52. مطبعة التضامن. بغداد. العراق. 1391هـ/ 1971م.
34. لورنس، أعمدة الحكمة السبعة، ط 1. المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت. لبنان.1963.
35. محبوبة، الشيخ جعفر، ماضي النجف وحاضرها، ط 2. دار الأضواء. بيروت. لبنان. 1406هـ/ 1986م.
36. محمد جواد مالك، شيعة العراق وبناء الوطن، ط1. قسم الشؤن الفكرية والثقافية في العتبة الحسينية المقدسة. كربلاء. العراق.1433هـ/ 2012م.
37. مذكرات العلامة الشيخ موسى العصامي. مجلة آفاق نجفية. العدد 23. النجف الأشرف. العراق. 1422هـ/ 2011م.
38. المس بيل، العراق في رسائل المس بيل 1917- 1926. ط1. ترجمة وتعليق جعفر الخياط. الدار العربية للموسوعات. بيروت. لبنان. 1424 هـ. 2003م.
39. المظفر، كاظم، ثورة العراق التحررية عام 1920م، ط2. 1433هـ/ 2012م. من دون ذكر اسم المطبعة ولا مكان الطبع.
40. الموصلي، محمد طاهر العمري، تاريخ مقدرات العراق السياسية، ط1. المطبعة العصرية. بغداد. العراق. 1343هـ/ 1925م.
41. نظمي، د. وميض جمال عمر، ثورة 1920 الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية في العراق. ط2. المكتبة العالمية. 1984.
42. النفيسي، د. عبد الله، دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، مكتبة آفاق للنشر والتوزيع 2012م. ط 1. الكويت. 1433هـ/ 2012.
43. الوردي، د. علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، طبعة مصورة، انتشارات الشريف الرضي، إيران، 1413 هـ.
د. محمد أمين الكوراني
للحَوزة العلميّة دورٌ كبيرٌ في الدفاع عن بيضة الإسلام، وفي قيادة مشروع حركة التغيير المعاصرة، وهي الأساس في تحريك السواكن في داخل المناخ الاجتماعيّ والسياسيّ، وتجسّد هذا الدور العظيم في كثير ٍمن المواقف وأهمها، تحشيد الحشود الجماهيريّة وتوفير السلاح لهم ضدّ الوهابية، وفتوى الجهاد لطرد الغزاة الإيطاليين عن ليبيا، والجهاد ضد القوات الروسية الغازية عند قصفهم حرم الإمام الرضا عليهالسلام، وفتوى مقاومة الاحتلال الإنكليزي للعراق واشتراكهم ضدّه في ثورة النجف 1918م، وثورة العشرين 1920م، ومطالبتهم في تشكيل دولةٍ وحكومٍة عربيّةٍ، ووقوفهم بوجه المدّ الشيوعي، ورفضهم قتل الأكراد ، والإفتاء بحرمة مقاتلتهم.
وتناول هذا البحثُ العديدَ من القضايا المرتبطة بهذا الشأن، وأهمّها دور المؤسّسة الدينيّة في نهاية الحكم العثماني وبدايات الاحتلال الأجنبيّ، ورسمها معالم ثورة العشرين الكبرى في العراق، ودورها في عصرنا الحاضر في دعم العمل المقاوم للاحتلال الصهيوني في فلسطين.
الكلمات المفتاحية: الحوزة العلميّة، محمّد كاظم الخراساني، الجهاد، التنباك، مقاومة الاحتلال، ثورة العشرين.
تعدّ الحَوزة العلميّة وريثة الرسالة المحمدية، وحلقة وصل بين أئمّة أهل البيت وعلومهم، والمؤمنين بهم وسائر المسلمين. وقد جرى التأصيل الشرعي لها في نصوص الأئمة عليهمالسلام الموثوقة، وسيرتهم العلميّة، فامتدّ تأريخ عطائها من عصرهم إلى عصرنا الحاضر.
اختار الشيخ الطوسيّ مدينة النجف الأشرف دارًا لهجرته عندما خرج من بغداد إثر حوادث السلاجقة في تتبع الشيعة فيها بالتنكيل والتقتيل. فجاور مرقد الإمام علي أمير المؤمنين عليهالسلام ؛ ولأنّ الشيخ الطوسي كان مرجع الشيعة في بغداد بعد وفاة أستاذه الشريف المرتضى، فحين اضطر إلى هذه الهجرة القسريّة، انتقل مركز المرجعيّة معه، وحلَّ أرضَ النجف المقدسة طلاّبُه ومريدو فضله، والتفّ حوله مَن فيها من الفقهاء والطلّاب، ووفد إليها آخرون من حواليها وأطرافها، والبقاع القريبة منها والنائية عنها.
وغدت الجامعة الكبرى للشيعة الإمامية وعاصمة المذهب الجعفري، يتخرّج فيها المئات من المجتهدين والعلماء في كلّ جيلٍ طيلة الألف عام، ومرّت بظروفٍ مختلفةٍ قوّةً وضعفًا؛ لكنّها حافظت على محوريّتها في الحركة الفقهية الحوزوية والجهادية عند الشيعة. غير أنّ الحوزة العلمية في النجف لم تتوقف عن العطاء حتى مع بزوغ نجم حوزة الحلّة، واستمرت في رفد الميدان العلمي عند الشيعة بالعديد من العلماء المرموقين.
من خلال قراءتنا للتاريخ السياسي للعراق والمنطقة، نجد أنّ المؤسّسة الدينية الشيعيّة وعلى رأسها المرجعيّة، هي الأساس في تحريك السواكن داخل المناخ السياسي والاجتماعي، بالشكل الذي يحقّق الاعتدال والإصلاح في المجتمع،
وهذا ما نجده من خلال تتبعنا للدور المتميز لهذه المؤسّسة منذ نهايات الحكم العثماني، وبدايات الاحتلال الأجنبي وصولًا إلى دورها في رسم أحداث ثورة العشرين الكبرى كحلقةٍ تتبعها حلقات أُخر، وإلى يومنا هذا في إصدار فتوى صادعةٍ وتاريخيةٍ بمواجهة الفكر التكفيري وقوات الظلام التي هاجمت مدينة الموصل العراقية وما تبعها من تجاوزات على الأهالي الآمنين في مختلف مناطق العراق.
كانت السلطة العثمانيّة في بغداد تحسب للمرجعية في النجف الأشرف ألف حساب؛ كونها كانت تتمتع بمقامٍ دينيّ وسياسيّ كبير ذي قاعدةٍ جماهيريّةٍ واسعة، ويحظى بتأييد رموزٍ إسلاميةٍ عالميةٍ معروفة؛ ولذلك انتهجت حكومة الأتراك سياسة التّغاضي والتّجاهل بنحوٍ عامّ اتّجاه السياسة العامّة للسلطة الدينيّة في النجف الأشرف.
وقد عاش الشيعة في العراق في العصر العثماني حالةً من الاستقلال النسبيّ، ناشئةً من ارتباطهم بالمرجعيّة الدينيّة، بما تشكّله من استقطابٍ ثقافيّ وروحي وإدارةٍ ماليّةٍ مستقلّة، تؤدّي وظائفها على خلفية مفهوم صلب للشرعيّة. ومن جهةٍ أخرى كان تواجد القبائل العربيّة الشيعيّة على طول نهر الفرات، ضمن تنظيماتٍ عشائريةٍ تقليديّة، سندًا للقيادة الدينيّة بقوّة السلاح. ومن هنا كانت المدن المقدّسة وما يحيط بها من قبائل ترفض الخضوع للحكم العثماني.
ولا شك في أنّ الصّراع التاريخي على العراق بين العثمانيين والدولة الصّفويّة، ثم بين العثمانيين والدولة القاجارية في إيران، قد ركّز هذا الواقع الخاصّ للعراق.
ولمّا بدأت المرجعيّة مسيرتها الجهادية في أوائل القرن التاسع عشر ضدّ الاحتلال العثماني للعراق، كانت قد ورثت إرثًا ثقيلًا من التخلّف والاستبداد. هذا الإرث دفع المرجعيّة إلى قيادة مشروع حركة التغيير المعاصرة بهدف اللّحاق بركب الحضارة الإنسانية المتوثّبة، وقد تحدّد شعار الحركة الإسلاميّة والوطنيّة في محاربة المحتلّ ونيل الاستقلال. ولا شك في أنّ هذه المقاومة ذات النهج الحسينيّ الأصيل كان لها الحقّ المشروع للدفاع عن الدين والوطن والنفس، وأنّها انطلقت ضد النهج القاسي للمحتلّ الهادف إلى تفكيك المجتمع العراقي طائفيًّا وعنصريًّا وتغريبه عن لغته وتراثه؛ ليتسنّى له السيطرة الكاملة على مقدراته وثرواته بعد التحطيم الكامل لكيانه العتيد. ولا ينسى العراقيّون مجزرة كربلاء في زمن الوالي العثماني المملوكي سليمان باشا عام 1802 عندما هجم الوهابيّون على المدينة بصورةٍ فجائيةٍ وقتلوا الناس في الشوارع وفي داخل البيوت، وخرّبوا قبة الإمام الحسين عليهالسلام وسرقوا خزائن المرقد ومجوهراته، ولم يتركوا المدينة إلّا بعد أنْ عاثوا فيها الفساد والدمار.
وفي عام 1808 شهدت الزيارة الأربعينيّة في كربلاء مظاهراتٍ جماهيريةً صاخبةً من عموم سكّان العراق، يتقدّمها رجال الدين الأجلّاء الذين قَدِموا من الحوزة العلميّة في النجف الأشرف؛ احتجاجًا على السلطات العثمانيّة لتقاعسها في صدّ الغزوات الوهابيّة المتكرّرة على مدن العراق. كما هزّت هذه الاعتداءات حماس الغيارى من أبناء الشعب العراقي، وأجّجت مشاعر الاستياء لأقطاب المرجعيّة الدينيّة الذين شدّوا العزم، وأرسلوا أعدادًا كبيرةً من الشباب خريجي
المدارس الدينية إلى المناطق الوسطى والجنوبيّة من العراق بهدف تذكير أفراد العشائر بمعاناة الشعب من جور الاحتلال، وإثارة روح الحماس الوطني في نفوسهم وتحريضهم على التمرّد والعصيان.
من جهةٍ أخرى، كان تواجد القبائل العربية الشيعية على طول نهر الفرات، ضمن تنظيمات عشائريةٍ تقليديّة، سندًا للقيادة الدينيّة بقوة السّلاح. ومن هنا كانت المدن المقدّسة وما يحيط بها من قبائل ترفض الخضوع للحكم العثماني. ولا شك في أنّ الصراع التاريخي على العراق بين العثمانيّين والدولة الصّفويّة، ثم بينهم وبين الدولة القاجاريّة في إيران، قد ركّز هذا الواقع في العراق. وإزاء التّغيرات التي حدثت في الحرب العالميّة الأولى، اكتسحت المنطقة تلك الغزوة الاستعماريّة العسكريّة، حيث راح الإنكليز يخطّطون لتكوين إمبراطوريّةٍ بريطانيّةٍ تمتدّ من الهند إلى مصر إلى ممتلكاتهم في شرق أفريقيا. وكان العراق ضمن هذا المخطّط الإنكليزي.
إنّ الوعي السياسي الجديد في العراق أخذ يتجسّد عبر مواقف سياسيةٍ جريئةٍ تتواتر على رؤية واضحةٍ للموقف المتّخذ، وأصبحت محاربة الاستبداد مبدأً متكاملًا لدى علماء الدين في الحوزة العلمية الشريفة في النجف الأشرف؛ الأمر الذي دفعهم للتعاون مع حزب (الاتحاد والترقي) التركي ضدّ استبداد السلطان عبد الحميد الثاني، واستمر علاقة التعاون بينهم لمدة ثلاث سنواتٍ «انهارت وانتهت مع بروز سياسة التتريك (الطورانية) التي شرع الاتّحاديون بانتهاجها».
إنّ البدايات الأولى في الوعي السياسي لهذه المؤسّسة ظهر في نهاية القرن التاسع عشر، إذ كان هناك سببٌ أساسٌ لهذا النمو متمثّلًا بالفتوى التي أصدرها السيّد محمد حسن الشيرازي في مدينة سامراء بتحريم منح امتياز زراعة التبغ وبيعه للشركة البريطانيّة في إيران عام (1891)، والتي جاءت لتمثّل تيّارًا مضادًّا للنفوذ الأجنبي في إيران، إذ مثّل هذا التصدّي الدور الأساس في التخلّص من الأزمة وتحقيق النصر ضّد المطامح البريطانية.
وبناءً على هذه السياسات البريطانية الهادفة إلى الانقضاض على العراق، وانتزاعه من السيطرة العثمانيّة، حاول الإنكليز مرارًا التواصل مع الشيعة في العراق بوصفهم أقليّةً في الوسط العثماني السنّي بغية استغلال ضعفهم والظلم الواقع عليهم، لاستمالتهم ناحية مشروعهم الاستعماري. وإحدى هذه المحاولات كانت عام1900م، ففي أحد أزقّة سامرّاء أصيب الإمام محمد حسن الشيرازي بحجرٍ طائش وهو صاحب فتوى تحريم التبغ وعندما علم القنصل البريطاني ببغداد بالخبر توجّه إلى سامرّاء لمقابلة الإمام الشيرازي، فرفض مقابلته، وعندما أبلغه القنصل بأنّه مستعدٌ للاقتصاص ممّن أساء له ولو أدّى ذلك إلى إرسال إنذارٍ للحكومة العثمانية، فرفض السيّد الشيرازي عرضه قائلًا: إنّه لا يعتقد بوجود عداء بينه وبين أهل سامرّاء، وإنّ ما حدث كان نتيجة الصّدفة، ولا يرى حاجةً لدسّ أنف بريطانيا في هذا الأمر الذي لا يعنيها؛ لأنّه والحكومة العثمانيّة على دينٍ واحدٍ وقِبلةٍ واحدةٍ وقرآنٍ واحد. ولم يسمح الإمام الشيرازي لأزمة الشيعة في ظلّ الدّولة العثمانيّة أنْ تتحوّل إلى خنجرٍ بريطانيّ يشرخ الوحدة. ولاحقًا وقف
الشيعة إلى جانب العثمانيين في خندقٍ واحدٍ للدفاع عن البلاد عندما بدأ الاجتياح الإنكليزي خلال الحرب العالمية الأولى.
لقد أثبت التاريخ ومنذ قرنٍ من الزمن على الأقل وفي تاريخ العراق الحديث أنّ من أهم أولويات المرجعية الدينيّة، الدفاع عن الوطن، وهو تاريخٌ حافلٌ بهذه المسؤوليّات، ومن خلال قراءتنا للتاريخ السياسي للعراق والمنطقة، لا تطالعنا أيّة شائبةٍ في أنّ المؤسّسة الدينيّة الشيعيّة وعلى رأسها المرجعيّة، كانت الأساس دائمًا في تحريك السّواكن داخل المناخ السّياسي والاجتماعي بهدف الإصلاح في المجتمع منذ بدايات العهد العثماني إلى بدايات الاحتلال الأجنبي، مرورًا برسم أحداث ثورة العشرين كحلقةٍ أولى تبعتها حلقاتٌ أُخر، إلى يومنا هذا في إصدار فتوى صادعةٍ وتاريخيّةٍ لمواجهة الفكر التّكفيري وقوّات الظلام التي عبثت بسوريا والعراق وأقطارٍ أخرى.
وتقول المصادر التاريخية إنّه: لمّا بلغ أهل النجف نبأ توجّه الوهّابيين الغزاة عام 1802م، نحو مدينتهم أعدّ الزعيم الديني الشيخ جعفر كاشف الغطاء بمساعدة العلماء قوّةً جماهيريةً هيّأ لها السّلاح وما يحتاجون من عدّة الدّفاع عن الأرض، ودفع الغزاة عن النجف، فتمكّن الشيخ جعفر وثلّة من العلماء من دفع القوّة الغازية ودحرها. وقد أصدر المراجع العظام فتوى الدّفاع عن ليبيا عندما غزاها الإيطاليون عام 1911م، وفيها يشحذون الهمم، ويستنفرون المسلمين في كلّ البقاع وخصوصًا مسلمي العراق للدفاع والجهاد وردع المعتدي نقتطف منها ما يلي: «...عليكم أيّها المحامون والمدافعون عن الدين والحافظون
لبيضة الإسلام ألا يخفى عليكم أنّ الجهاد لدفع هجوم الكفّار على بلاد الإسلام وثغوره ممّا قام إجماع المسلمين وضرورة الدين على وجوبه.... هذه كفرة إيطاليا قد هجموا على طرابلس الغرب التي هي من أعظم الممالك الإسلامية وأهمها، فخرّبوا عامرها وأبادوا أبنيتها، وقتلوا رجالها ونساءها وأطفالها. مالكم تبلغكم دعوة الإسلام فلا تجيبون؟! وتوافيكم صرخة المسلمين فلا تغيثون؟! أتنتظرون أنْ يزحف الكفّار إلى بيت الله الحرام، وحرم النبيّ والأئمّة عليهمالسلام، ويمحوا الديانة الإسلامية عن شرق الأرض وغربها، وتكونوا معشر المسلمين أذلّ من قوم سبأ.... فبادروا إلى ما اِفترضه الله عليكم من الجهاد في سبيله، واتّفقوا ولا تفرقوا، واجمعوا كلمتكم، وابذلوا أموالكم، وخذوا حذركم، وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم؛ لئلا يفوت وقت الدفاع وأنتم غافلون، وينقضي زمن الجهاد وأنتم متثاقلون. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقد وقّعها من المراجع العظام والفضلاء في النجف كلٌّ من: محمد كاظم الخراساني، وعبد الله المازندراني، وشيخ الشريعة الأصفهاني، وعلي رفيش، ومحمد حسين القمشة، وخدّام الشريعة الغراء: حسن بن المرحوم صاحب الجواهر، والسيد علي التبريزي، ومصطفى الحسيني الكاشاني، ومحمد آل الشيخ صاحب الجواهر، ومحمد جواد الشيخ مشكور، وجعفر ابن المرحوم الشيخ عبد الحسن، ومحمد سعيد الحبوبي.
«... ومع بداية القرن العشرين بدأ علماء الشيعة يشعرون مدى حاجتهم إلى العديد من التصورات والأفكار التي تؤمّن تعاملهم مع مشاكل العصر، التي بدأت تواجه المجتمعات الإسلامية، وخاّصة دول الجوار، وحفزت النقاشات والسجالات حول طبيعة هذه الأحداث والتعامل معها».
وقد مثّل اندحار العثمانيين في العراق ودخول قوات الحلفاء تجدّدَ المشروع الشيعي بقصد استثمار هذه المرحلة، وبناء دولةٍ مستقلّةٍ، وعلى هذا فقد كان الوعي الشيعي حاضرًا في صناعة الواقع العراقي، وصياغة مستقلة حتى تجلّى بظهور العديد من الندوات.
كما أنّ موقف المؤسّسة الدينية لم يكن مقتصرًا على تحريك الأحداث السياسية العراقيّة الداخليّة إبّان تلك المدة، بل تعدّى إلى المساندة الإقليميّة في الأحداث التي تتعرّض لها المنطقة بأسرها، خصوصًا في عام 1911م، عندما اجتاحت القوّات الروسيّة شمال إيران إثر الخلاف المائي الحاصل بينهما، وقيام القوات البريطانيّة باحتلال جنوب إيران، حين برّرت تلك الدولتان بأنّ الهجوم على إيران جاء استنادًا إلى اتفاقية عام 1907م، كما وعمدت القوات الروسيّة إلى قتل علماء الدين في تبريز وإشاعة الرعب في صفوف الناس، وعندها أعلن علماء الدين في العراق وخاصّةً في النجف الأشرف الجهادَ ضدّ القوات الروسيّة
الغازية، ومنهم الآخوند الخرساني الذي أوعز بنصب الخيام خارج مدينة النجف لتعبئة الجماهير استعدادًا لمواصلة الجهاد ضدّ الغزاة.
وعندما قصفت القوات الروسيّة مرقد الإمام علي بن موسى الرضا عليهالسلام اجتمع علماء الدين في مدينة الكاظميّة، وهم السيّد مهدي الحيدري، والشيخ مهدي الخالصي، والسيّد إسماعيل الصدر، والسيّد عبد الله المازندراني، والشيخ فتح الله الأصفهاني، والشيخ محمد حسين النائيني، والسيد علي الداماد، والسيّد مصطفى الكاشاني، والسيّد محمد تقي الشيرازي المقيم في سامراء.
هذه المواقف المشرّفة للمؤسّسة الدينيّة وخاصّةً المواقف السياسية لم تأتِ من فراغ، بل كانت بداياتها متمثلةً بنمو الحركة الإسلامية في المدن الشيعية المقدسة، إذ شكّلت هذه المدن الاتجاه الفكري السياسي والرئيس خلال المدة الممتدة بين أوائل القرن العشرين حتى الاحتلال الإنكليزي للعراق عام 1914م، حيث تمثّل ذلك النمو بعددٍ من المظاهر السياسية والفكرية للتيارات التي تولّدت عنها، وكانت النجف وكربلاء وعلى الرغم من أهميّة المدن الشيعيّة الأخرى قد شكّلتا المركز القيادي الأساسي للحركة الإسلامية ومظاهرها الفكريّة وتياراتها.
وفي هذا الوقت قام كبار علماء المسلمين الشيعة بإصدار فتوى تدعو إلى الجهاد ومقاومة الاحتلال الإنكليزي، وتأييد العثمانيين في الحرب على الرغم من أنّهم كانوا على يقين بأنّ العثمانيين لا يمثّلون الوجه الإسلامي الصحيح إلّا أنّ شرّهم أهون عليهم من خطر الإنكليز الكفّار، حيث قاموا بتعبئة سكّان المدن والعشائر، وحثّهم على الجهاد، وتنظيم تطوّع المجاهدين وقيادتهم إلى جبهة الحرب.
وعبر هذين التطوّرين المهمّين دخلت المؤسّسة الدينية حقبةً جديدةً ومفصليّةً من تطوّرها السياسي والفكري الذي امتدّ نحو عقدٍ من الزمن كانت المواجهة المسلّحة هي السمة البارزة لهذه الحقبة. وقد سجّل المؤرّخون مواقف علماء الشيعة، والمراجع العظام في الدفاع عن الدولة العثمانيّة رغم قناعتهم بطائفيّتها الحمقاء، وعنجهيّتها القوميّة، لكنّهم أمام الغازي الأجنبي أعلنوا الجهاد المقدّس، وتوجّهت الجموع الزاحفة إلى البصرة للدفاع عن الوطن، وشاركت القيادة المرجعيّة في المسيرة، وكان في طليعتهم العلماء الأعلام من النجف. وكان لهم موقفٌ مشرّفٌ في الدفاع عن الوطن.
كانت بريطانيا تدرك مسبقًا أنّها ستواجه مشكلةً كبيرةً في العراق، هي موقف علماء الشيعة من احتلال العراق؛ إذ إنّها كانت تدرك أنّ علماء الشيعة لا يمكن أنْ يتقبلوا الاحتلال البريطاني، وذلك من خلال المواقف التي تبنّوها إزاء الاحتلال الاستعماري للأقاليم الإسلاميّة، وتصدّيهم لأيّ محاولةٍ استعماريّةٍ تستهدف كيان المسلمين السياسي.
كان للفتوى التي أصدرها السيّد الشيرازي في 23/1/1919 الأثر العميق في نفوس الأوساط الشيعية وأوساط المعارضين للاحتلال الأجنبي، وقد تطابقت مع عددٍ من الآيات القرآنيّة التي نصتّ على أنْ يطيع المسلمون أولي الأمر منهم، وتعدُّ هذه الفتوى هي الأولى خلال السيطرة البريطانية الفعلية على العراق، إذ أعطى فيها السيّد الشيرازي رأيًا علنيًا ضدّ البريطانيين الأمر الذي أضفى على الحكم الوطني مباركةً دينيّة، وكان لهذه الفتوى انعكاسٌ إيجابيٌّ كبيرٌ
في نفوس الناس، وبذلك توازن موقف العلّامة الشيرازي في كربلاء مع مواقف رجال الدين في النجف.
وكانت أولى المواجهات المسلّحة هي التي قادها واشترك فيها رجال الدين والعلماء الشيعة ضدّ الاحتلال، والتي شكّلت تجربةً مهمةً ومتقدّمةً لمواجهتينِ مسلّحتينِ هما ثورة النجف عام 1918م، وثورة العشرين عام 1920م، وجدّد السيد اليزدي دعوته للجهاد في خطبة ألقاها في صحن الإمام علي عليهالسلام حرّض فيها الناس على الدفاع عن البلاد الإسلامية، وأكّد وجوب ذلك حتى على الفتى العاجز بدنًا.
لقد كانت مدينة كربلاء في مقدّمة المدن العراقيّة التي استجابت لحركة الجهاد التي قادها العلماء الأعلام حيث إنّ اجتماعًا كبيرًا عُقد في المدينة حضره كبار رجال الدين، كان في مقدّمتهم السيّد إسماعيل الصدر الذي سار بالحاضرين إلى صحن الإمام الحسين عليهالسلام.
أمّا في مدينة الكاظمية فقد كان لها الموقف المشرّف بالوقفة الأصيلة في الدفاع عن بيضة الإسلام والمسلمين، إذ برز فيها مجتهدان كبيران هما السيّد مهدي الحيدري والشيخ مهدي الخالصي قادا الدعوة للجهاد، وأشرفا على تطوّع المجاهدين، فقد بادر الأول بعد احتلال الفاو إلى إرسال برقياتٍ إلى النجف وكربلاء وسامراء عبّر فيها عن رغبته في الاجتماع بهم، ويقصد رجال الدين لبحث أمر الاحتلال فضلًا عن مساهمته الفعّالة في حثّ الناس على الجهاد من
خلال المنبر في الصحن الكاظمي الشريف.
أمّا الشيخ مهدي الخالصي فقد أصدر حكمًا شرعيًّا أوجب فيه على المسلمين (صرف جميع أموالهم في الجهاد، حتى تزول غائلة الكفر، ومن امتنع عن بذله وجب أخذه كرها). هذا فضلًا عن أنّه أصدر رسالةً عنوانها: (السيف البتّار في جهاد الكفّار)، تعرّض فيها إلى مسألة الجهاد في الإسلام وما يترتّب على الأمّة الإسلامية للقيام بشروطه وقواعده وأركانه.
وقد لقت فتاوى العلماء استجابةً واضحةً وكبيرةً من قبل عامة الناس في العراق، حيث انضمّ العديد من الأهالي إلى صفوف المجاهدين، وهذا الأمر يدلّل على عمق الترابط بين الناس ومقلَّديهم داخل المؤسّسة الدينيّة التي كانت الموجِّه الأوّل للأحداث والقائد الأوحد للعمليّات الجهاديّة. هذا فضلًا عن أنّ الصرخة الجهاديّة لم تنطلق من كربلاء أو النجف وحدهما بوصفهما مركزًا للمؤسّسة الدينية، بل إنّ الصرخة كانت في وقتٍ واحدٍ بجميع مدن العراق ذات النفَس الشيعي، وإنْ دلّ هذا الأمر على شيء فإنّه يدلّ على عمق الترابط الروحي والعقائدي بين رجال الدين والعلماء وطلبتهم، خاصةً أنّهم أكثر الناس إدراكا لعظم المسألة التي تحيط بأفكارها وطموحاتها الاستعماريّة في جسم العراق وأهله.
ولم تكن مدينة سامراء بعيدةً هي الأخرى عن الروح الجهاديّة التي اكتنفت مدن العراق من النجف وكربلاء والكاظميّة إذ كان لها دورها المشارك والفعّال
الذي جاء على لسان السيّد محمد تقي الشيرازي الذي أوجب محاربة الكفّار الإنكليز، وأرسل نيابةً عنه نجله محمد رضا إلى الكاظميّة للانضمام إلى المجاهدين.
وعلى أيّ حالٍ نجد أنّ مشاركة رجال الدين والعلماء تمثّل وجهين الأول المشاركة المباشرة في أغلب المعارك التي شنّها المجاهدون ضد الجيش البريطاني. أما الوجه الثاني تمثّل بالوجه الإرشادي والتوجيهي لزعماء العشائر الذين يقودون المجاهدين في عشائرهم.
ولبيان الدور الأساس لرجال الدين والمؤسّسة الدينيّة إبّان ثورة النجف لا بدّ من الرجوع قليلًا للأسباب والدواعي التي أوجبت على المؤسّسة الدينية اعتناق ذلك الدور، إذ شكّلت النجف ومنذ بداية الاحتلال الأجنبي للعراق مركزًا أساسيًا لحركة الجهاد، حيث أقام زعماؤها المحلّيون إدارةً ذاتيةً لتسيير شؤون المدينة، وهي إدارةٌ كانت أشبه بحكومةٍ مؤقّتةٍ، وخلال تلك السنتين الأخيرتين التي تمتّعت بهما المدينة بوضعٍ مستقل.
قام السيّد الشيرازي بتعزيز القيادة الدينيّة في معارضة المشاريع الإنكليزيّة ومقاومة الاحتلال، وحلّ بعض المشاكل التي تواجهها حركة المقاومة الإسلاميّة، وذلك قبل أنْ يتّخذ موقفًا حازمًا وحاسمًا للبدء بمواجهةٍ شاملةٍ ومسلّحةٍ ضدّ الاحتلال، حتى يتمكّن من تحقيق وإنجاح جميع السبل القادرة على تحقيق النجاح في الحالة الثوريّة، كما جعل بشكلٍ أكبر من المؤسّسة الدينيّة عامل جذبٍ لجميع أنظار أبناء الشعب، وتمكّن من حلّ المسألة المهمّة الخاصّة بالتناحر والصراع بين
العشائر، عن طريق خلق التآلف والتقارب في الوجهات المختلفة بالشكل الذي يمكّن من خلال ذلك الاستفادة منهم في مقاومة المحتل.
إنّ التحوّل في موازين التأثير الذي حدث كان من خلال علماء الشيعة ومؤيّديهم من رؤساء العشائر في العراق. وفي الوقت نفسه، ثمّة صلة لا انفكاك عنها مع العالم العربي المتّسع إلى ما وراء حدود العراق؛ جعلت هذه الصّلة ما يحدث في العراق أمرًا يهمّ العرب إلى حدٍّ كبير، وما يحدث للأقطار العربية مصدرًا لإلهام العراقيين.
وعلى الطرف الآخر للعراق، وبالمقابل في لبنان وسوريا، كان هناك علّامتان مجتهدان كبيران من أساطين العلم والاجتهاد خرجا من رحِم الحوزات العلميّة في النجف وكربلاء وغيرهما: المجتهد العلّامة الكبير السيّد عبد الحسين شرف الدين في جبل عامل بلبنان، والمجتهد العلّامة الكبير السيّد محسن الأمين في سوريا. فقد أعلن السيّد شرف الدين يعلن الجهاد ضد الاحتلال الفرنسي بقوله: «.. وكان استقبالنا للاحتلال الفرنسي استقبالًا صاخبًا محتجّا يواجهها بالرفض والمصارحة والميل عنها ميلًا لا هوادة فيه ولا لين». كان السيّد شرف الدين راسخ اليقين، دائب الحركة يدور مع المحتلين مدافعًا أو مطاردًا، وعندما أفتى بالجهاد ضدّهم حكموا عليه بالإعدام وطاردوه، ولم يتزحزح عن مواقفه المبدئية قيد شعرة. وكان يردّد دائمًا أينما حلّ: «لهاشمي لا تعصب سلماته ولا تقرع جنباته... فكيف يلين الهاشمي لحادث، أو يلبس لباس الخوف، حاشا
حفّاظ بني الحسين». تزامن انفجار الثورة في جبل عامل سنة 1920م، ضدّ الاحتلال الفرنسي مع انفجار الثورة في العراق في العام نفسه ضدّ الإنكليز. وما أنْ اندلعت الثورة في جبل عامل حتى تزامن أيضًا إصدار الفتاوى في النجف الأشرف من المراجع الكبار بضرورة التصدّي للاستعمار الإنكليزي في العراق. ثم اندفع المستعمر الفرنسي بحقده، وحكم على السيد شرف الدين بالإعدام، ثم خفّفه إلى النفي وأحرق داريه ومكتبته العامرة بنفائس المخطوطات والكتب.
أمّا في سوريا فإنّ المجتهد الكبير السيّد محسن الأمين العاملي قد تصدّى في العام نفسه 1920م. لقيادة الحركة السياسيّة الكبيرة في سوريا، التي كان لها الأثر البالغ في توطيد عرى الوحدة الوطنيّة في مقاومة الاحتلال الفرنسي، وقد استطاع من خلال ذلك أنْ يجسّد صورة القائد الإسلامي الذي يحمل هموم الأمة، ويدافع عن قضاياها، ويعيش مضحيًا من أجلها، فغدا رمزًا من رموز التحرير في العالم الإسلامي، كما اشتهر بمواقفه الوطنيّة والإسلاميّة المشرّفة، ودفاعه عن القضايا العربيّة في وجه الانتدابين الإنكليزي والفرنسي.
وكما كافح في سبيل استقلال سوريا فإنّه لم ينسَ فلسطين حين أطلق فتواه الجهاديّة يستصرخ الأمة قائلًا: «...أيّها العرب، أيّها المسلمون: إنّ لكم في فلسطين تراثًا، وإنّ لكم في كلّ غورٍ وحزَنٍ دمًا عُجن به ترابها، واختلط به ماؤها ونباتها، وإنّ أربعة عشر قرنًا زاخرًا بالمفاخر والمآثر تحدق بكم اليوم، وأمجادًا من عليا معدٍّ ونِزار، ترفرف أرواحٌ في آفاقكم تستفزّ عزائمكم، وتستصرخ نجدتكم». ومن
فتاواه التي أصدرها في سنة 1928 م، كتابًا تحت عنوان: (التنزيه لأعمال الشبيه) حول الممارسات العنيفة والدمويّة في أيام عاشوراء يستنكر فيه تلك الممارسات، وأيّده عددٌ من العلماء في النجف، ولكن الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء وقف في مواجهة قرار الحكومة العراقية بحظر الشعائر الحسينية، ودافع عنها قائلا: «إنّها أعظم رموز المذهب الشيعي، وإنّها ضروريةٌ لوجوده، وحذّر من أنْ تقييدها سيؤدّي إلى اختفاء التشيع كله».
يبدو من خلال المطالعات للتأريخ السياسي وما تتناقله كتب المؤرّخين ومقالات الباحثين أهميّة ثورة العشرين التي قادها جهابذة العلماء في مدينتي النجف الأشرف وكربلاء حيث نزل إلى ميدان الجهاد معظم عشائر الجنوب، بقيادة العلماء، واستمرّ هذا العطاء بثوراتٍ وحركاتٍ لم يهدأ العراق معها حتى يومنا هذا.
فالدستور الإنكليزي الاستعماري لثورة 1920م، وإبعاد الغالبيّة السكانيّة، لا يُبعد النجف الأشرف عن القيادة الثوريّة، ولا يُطفئ شعلتها الجهاديّة، وستبقى النجف قبلة المسلمين، ومحطّ المراجع العظام والعلماء، والشعب الثائر مهما جار عليها الزمن؛ لأنّ حمايتها بحاميها وهو سيّد الوصيين وإمام المتقين أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام، فهو حامي بيته ومَن يلوذ به والله المعين.
وحول مواقف النجف السياسيّة: فإنّ المرجع الأعلى الميرزا محمد حسن الشيرازي قاد الحركة الوطنيّة في إيران من مقرّه في سامراء العراق، وأفتى تلك الفتوى المشهورة بتحريم استعمال التنباك.
وكذلك في بداية الحرب العالميّة الأولى، رأى مجتهدو النجف الأشرف في
هجوم الإنكليز على العراق تدخّلًا سافرًا على وطنهم، فأفتوا بالجهاد فانخرط الشعب في أثرهم بقيادة المجتهد العالم السيد محمّد سعيد الحبوبي ومعه كتائب العلماء وطلاّب النجف وساروا مدجّجين بالسلاح إلى ساحات القتال في معركة (الشعيبة) وغيرها، ملبيّن نداء الجهاد ضد البريطانيين. وقد جاء النّداء بعد فترةٍ وجيزةٍ من اعتداء الأتراك على بيوت شيوخ بارزين كانوا يقبعون في سجون الأتراك. لكن هؤلاء استُبِقوا بفرض الجهاد ضدّ البريطانيين؛ لكونهم قواتٍ غير مسلمةٍ يقاتلون ضد العثمانيين المسلمين، وإنْ كانوا ظَلَمَة.
وبعد الاحتلال الإنكليزي للعراق وإعلان الانتداب، دعا المرجع الأعلى الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي من مقرّه في كربلاء الشعب العراقي لمقاومة الاحتلال والثورة على الانتداب، فهبّ الشعب حاملًا سلاحه، فكانت الثورة العراقيّة الكبرى التي أرغمت المحتلين الإنكليز على إعلان الحكم الوطني، وقد أكّدت هذه الثورة على التلاحم الجماهيري الديني والعشائري (القبائل)، ممّا أوجد تفاعلًا قويًّا شدّ هذه الجبهة ضدّ الاستعمار، وتصميمًا صادقًا على محاربة العدو مهما كانت قوته، وقد أفتى السيد الشيرازي بأنّ «مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية الأمن والسلم، ويجوز لهم التوسّل بالقوة الدفاعيّة إذا امتنع الإنكليز عن مطاليبهم». وطلب بتشكيل حكمٍ عربيّ إسلاميّ دستوريّ متحرّرٍ من الاستعمار في العراق، وأصبحت الثورة رمز البطولة الوطنيّة العراقيّة في سبيل الدفاع عن الأمة والأرض من أجل غزوٍ أجنبيّ محتل. وتوفّي الشيخ الشيرازي فقاد الثورة خلفه الشيخ فتح الله النمازي المعروف. بشيخ
الشريعة، وقد كانت العشائر في العراق تقف مع صوت المرجعيّة، وكان هذا العامل من جملة العوامل التي جعلت ثورة العشرين تنجح في دحر الاستعمار البريطاني حيث كان لفتوى المرجع الديني الميرزا محمد تقي الشيرازي أثرٌ كبيرٌ في ابن العشيرة وشيخها حيث يعدّها واجبًا مقدّسًا يلتزم به، وبهذا الترابط القوي بين الشعب والمرجع تفجّرت الثورة، وتألّقت تقدمًا، وأنزلت ضرباتها على المستعمر الذي حاول بمخططاته وضع كثيرٍ من الحواجز بينهما، وبذل الأموال لشراء ضمائر بعض ذوي النفوس الضعيفة واستدراجها إليه.
وأصبحت مدينة النجف الأشرف حينذاك غرفة عمليات الثورة، جهادًا ومصدرًا للبطولة والفداء حتى سرت الثورة إلى جميع محافظات العراق، والجنوبية بالذات.
وللدين الدّور الأساس في قيام الثورة؛ لأنّ بذور التشيّع في فكرة التحرّك الثوري مدعاةً لتكون الانطلاقة شيعيّة، وإنْ انضمّ إليها شخصياتٌ سياسيّةٌ ودينيّةٌ غير شيعيّةٍ لما فيها من أصالةٍ عَقَديّة، وصدقيّةٍ في المسيرة. وممّا يدلّل على ذلك صدقيّة الثورة، ونبل الأخلاق العالية واتّباع التعاليم الإسلاميّة وفتاوى المراجع والعلماء، حُسْن معاملة أسرى الحرب البريطانيين بفتوى من المجتهد البارز شيخ الشّريعة إلى حرّاسهم، مبيّنا أنّ المعاملة الحسنة للأسرى (واجب دينيّ ومدنيّ وإنسانيّ). وقد استُخدمت هذه الفتوى لدحض خطاب آرنولد ويلسون في 30 آب 1920م، إلى شيخ الشريعة.
كان لدور العلماء كما أشرنا في تعبئة الجماهير للثورة أثره الكبير في الاستجابة لهم فالشيخ مهدي الخالصي والسيد هبة الدين الشهرستاني، كانا حلقة الوصل
بين القيادة وبين علماء الدين في الكاظمية وجماهيرها، كما أنّ السيّد أبا القاسم الكاشاني كان حلقة الوصل بين القيادة وإيران، والميرزا أحمد الخراساني كان الحلقة بين القيادة وجماهير وعشائر النجف الأشرف، والأخيران كانا حلقة الوصل مع عشائر الفرات الأوسط.
إنّ منهج الإمام الشيرازي في القيادة كان يعتمد على الشورى، ومن هنا فقد شكّل في البداية مجلس شورى للعلماء، كما شكّل فيما بعد وعلى أثر فتواه بجواز حمل السلاح ضدّ الإنكليز مجلسًا لإدارة الحرب ضدّ القوات الإنكليزية، يتشكّل من رؤساء العشائر الثائرة، ومن الوجهاء وكبار زعماء الثورة، كما كان منهج الإمام الشيرازي في الثورة قد تميّز بما تميّزت به الحركة الثورية الإسلامية في ذلك الوقت من المبادئ الثلاثة:
1. الرفض المطلق للاستعمار، ولمهادنته.
2. الوحدة الإسلامية.
3. الاعتماد على الفكر الإسلامي في الحركة.
كما كان الإمام الشيرازي منذ توليه الزعامة الدينيّة والسياسيّة، قد سعى عبر توجيهاته ووكلائه، ورسله، إلى تهيئة الأرضيّة الشعبيّة لتفجير الثورة بوجه الإنكليز، وقد أصدر عدة فتاوى حدّد فيها واجب الشعب في قضيّة الاستفتاء وفي حرمة التعاون مع السلطات المحتلة. ولم يكن الإمام الشيرازي تنقصه الشجاعة في إصدار فتوى يُلزم فيها الشعب بوجوب حمل السلاح، إنّما كانت حكمته تقتضي أنْ يجعل الفتوى كفّ مسلّط على رأس الإنكليز دون استخدامه.
إلاَّ في الحالات التي تُفقد فيها جميع الآمال والحلول. وانتشرت الفتوى على نطاقٍ واسعٍ في كلّ مكانٍ مع مبعوثين خصوصيين من علماء الدين لتحريض الجماهير على حمل السلاح ومقاومة القوات الإنكليزية بالقوة، وكان بعض العلماء والخطباء والشخصيّات الدينيّة من أقدر الناس على تعبئة الجماهير من أمثال أبو القاسم الكاشاني، والسيّد صالح الحِلّي، والسيّد محمد الصدر.
ويلاحظ أنّه من الأمور المعروفة أنّ الزعامة الدينيّة الشيعيّة في العراق التي أدّت دورًا خطيرًا في تفجير وتأجيج ثورة 1920م الوطنية، كانت تنطلق في تفكيرها السياسي من منطلقٍ دينيّ إسلاميّ عامٍ لا يختصّ بطائفةٍ مذهبيةٍ معينة، شيعيّة أو سنيّة، ولا بفئةٍ إثنيّةٍ دون أخرى، عربيّة أو كرديّة أو تركيّة أو غيرها.
لقد ذهب علماء الدين الشيعة، العرب منهم والإيرانيون على رأس قوافل المجاهدين إلى ساحات القتال في الشعيبة، وغيرها لمحاربة القوات البريطانيّة.
يقول الأستاذ عبد الحليم الرهيمي: «في مدينة النجف قام عددٌ كبيرٌ من العلماء بأدوارٍ مهمّةٍ في حركة الجهاد، وكان أبرزهم المجتهد محمد سعيد الحبوبي، وأنّ السيد الحبوبي قام بدور رئيسي في الثورة، حيث كان أول من بادر إلى قيادة مجموعات المجاهدين والتوجّه بهم إلى الجبهة، وقد التفّ حوله عددٌ من العلماء في النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية الذين قاموا بدورٍ فعّالٍ في تعبئة عشائر الفرات الأوسط وحثّها على الجهاد».
أمّا ما يخصّ موقف علماء الدين، فإنّ من أسباب الثورة واندلاع لهبِها في نظر
الكثير من الباحثين والمؤرّخين هو مواقف رجال الدين. ولا يخفى أنّ المجتهدين من علماء الشيعة الإمامية، هم مرجع جميع أبناء هذه الطائفة في تلقّي الفتاوى والأحكام الدينية، وهم يعتقدون أنّ علماءهم نوّاب أئمتهم فلا يخالفون لهم أمرًا، ولا فتوى، ولا حكمًا من الأحكام الشرعيّة.
والنجف أوّل مدينةٍ عراقيةٍ فكّرت بالتخلّص من الاستعمار البريطاني، بالنظر لما قد تشبّعت من روح الحرية والنزوع إلى الديمقراطيّة، بسبب ما كانت تتلقاه من دروسٍ متواصلةٍ عن فلسفة نهضة الإمام أبي عبد الله الحسين بن علي عليهالسلام، وبسبب كونها مهد العلماء ومركز الروحانية؛ ولذا فقد اهتمّ بها الحاكم الملكي العام اهتمامًا عظيمًا. ولثورة العشرين أهمية خاصّة، إذ إنّ 130م، ألف ثائرٍ من الفلّاحين والبدو وسكّان المدن، شهروا السلاح في وجه أقوى دولةٍ إمبرياليةٍ في ذلك الحين، وقاتلوا قواتها المتفوقة عددًا وعدّةً لأكثر من خمسة أشهرٍ بشجاعٍة لم يسبق لها مثيل.
بعد ثورة العشرين كانت من مطالب مراجع الدين وزعماء الثورة تأسيس دولةٍ عربيةٍ وحكومةٍ عربية، لكن السياسة البريطانية حاولت أنْ تتلاعب بهذه الإرادة العراقيّة، عن طريق تمرير معاهدة انتدابٍ تُبقي العراق تحت الانتداب البريطاني، وقد تنبّه المجتهد الأكبر الشيخ مهدي الخالصي إلى هذه اللعبة الخطيرة؛ فأصدر فتواه الشهيرة بتحريم المشاركة في الانتخابات، وجاء فيها: (من دخل أو تداخل أو ساعد فيه فقد حادَّ الله ورسوله، ومن يحادَّ الله ورسوله فإنّ له نار جهنم خالدًا فيها، ذلك الخزي العظيم). وأيّد هذه الفتوى مرجعان دينيّان من مراجع
الدين في النجف الأشرف، هما: السيّد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني، والشيخ ميرزا محمد حسين الغروي النائيني، وقد كان لهذا الموقف السلبي من الانتخابات أثره الكبير في إحجام الجماهير عن المشاركة، وكان ردّ الفعل البريطاني نفي العلماء المعارضين لسياستهم إلى خارج العراق.
إنّ الانتفاضات التي قام بها الشعب العراقي، كانت انطلاقتها من المدن المقدسة ابتداءً من النجف الأشرف. وللنجف دورٌ خاصٌّ في ثورة العشرين حيث دفعت بسريانها ضدّ الاستعمار البريطاني خلال 1920 و1924 و1926 و1927 و1928م. والانتفاضة الجبارة التي حدثت خلال الأعوام 1935 1938م. والتي سجّلت أحداثًا مجيدةً في تاريخ النضال التحرري للشعب العراقي.
بعد أنْ أظهرت ثورة العشرين كوامن المجتمع العراقي، ارتأت الإدارة الاستعماريّة البريطانيّة تشكيل حكومةٍ وطنية الشكل، يمكنها اكتساب بعض التأييد الشعبي لتخفيف حدّة المعارضة العراقيّة، وسحب البساط من تحت أقدام الوطنيين والاستقلاليين الشيعة. وإذا كانت ثورة العشرين مشروعًا سياسيًا بأدواتٍ عسكريةٍ غير منظّمةٍ وغير مدروسة لم تعطِ ثمارها، رغم الإنجازات التكتيكيّة الكبيرة والضربة القويّة التي وجّهتها للوجود البريطاني، وفي العموم، كانت حركةً قصيرة الأجل لم تصل إلى حدّ الاستثمار السياسي بالنسبة للشيعة، رغم تأثيرها العميق في مستقبل العراق الموحّد.
لم يختلف موقف علماء الدين من حركة مارس/ آذار عام 1941م، التي قام بها رشيد عالي الكيلاني، ففي هذه الحركة أصدرت حكومة الثورة في عام
1941م، كراسًا حوى صور فتاوى علماء النجف وكربلاء والكاظميّة وبغداد ومعظمها بخطوطهم الشريفة، دعت أبناء العراق إلى نصرة حركة مارس/ آذار والرفض للنفوذ البريطاني. ولا شك في أنّ الأحداث الجسام التي مرّت بها المرجعية منذ حرب الجهاد وحتى ثورة النجف وثورة العشرين، قد جعلها تركز على مهمتها الرئيسة، وهي المهمة العلميّة والشرعيّة التي من أجلها قامت واستمرت عبر القرون، ولم يكن ذلك بسبب الضغط السياسي الذي مورس عليها من قبل الحكومات الحليفة لبريطانيا؛ لأنّنا نجد لها حضورًا سياسيًّا في ثورة العشائر في الفرات وسوق الشيوخ سنة 1935 وثورة مارس/ آذار سنة 1941م.
ولم تغفل الحوزة العلمية عن قضايا الأمة، وقد رافقت كلّ القضايا والمحن التي مرّت بها الأمة الإسلاميّة فناصرتها بما يمليه الشرع والواجب كالقضية الفلسطينيّة، فمنذ عام 1931م، حينما حضر الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء مؤتمر القدس، وحتى نكبة 1948م، وما تلاها من حروب قامت مع الكيان الصهيوني الغاصب. واستمرّ العراق بعطائه حتى كانت اتفاقية بورتسموث 1948م، التي أحبطها الشعب بثورته ومزّق اتفاقيتها.
وامتدّت أعوام الجهاد حتى عام 1956م، عندما قام العدوان الثلاثي البريطاني والفرنسي والإسرائيلي، على مصر، فكان الشعب العراقي يقف بالمرصاد لحكومة العراق فتظاهر مستنكرًا، وسقط الضحايا في رصاص نوري السعيد، وكان للنجف موقفٌ مشرّفٌ بشجب هذا الاعتداء، فخرجت تظاهرات
في الشوارع والأسواق، واستمرّ الإضراب في النجف أسبوعًا كاملًا اتخذ العنف طابعًا له، فعمدت السلطة إلى القوة، وأطلقت النار على بعض المتظاهرين في مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام فقُتل اثنان، ولم تتوقّف إلّا بعد سقوط النظام الملكي في 14 تموز 1958م، إضافةً لتأييدها لحركات التحرر العربيّة في ليبيا والجزائر والمغرب العربي وغيرها.
وها هو طودٌ شامخٌ من رجالات الحوزة العلميّة في الجانب الآخر، في لبنان، إنّه السيّد عبد الحسين شرف الدين يطلق صرخاته للجهاد والاستشهاد على أرض فلسطين للملوك وللرؤساء العرب. وها هو يهيب بملوك العرب المجتمعين في عمّان قبل النكبة بقليلٍ بنداء، بل بفتوى مدوية: «... الآن، وقد أسفر الصبح لكلّ ذي عين، وأعلن الطائرون إلى الظلّ والماء، تردّدهم في خوض المحنة ودفع الكارثة، أروا الأمّة ما عودتموها عليه يا بني هاشم من هبوبكم للأخذ بكظمها كلّما ارجحنّت الخطوب، وابتسموا لها في ثنايا ليلها الفاجع على مفترق الدروب. وليس ذهاب فلسطين فاجعًا، لولا أنّه ذهابٌ لريح العرب وعزّ الإسلام، وكرامة الإنسان المُسترَقّ في غد هذا الشرق القريب». ثم أعقب النداء ببرقية إلى الملك عبد الله ملك الأردن في اليوم الذي أعلن اليهود فيه قيام دولة إسرائيل وذلك على أثر انعقاد مؤتمر عمّان لإنقاذ فلسطين: «كرامة العرب الجريحة تنظر إلى مؤتمركم من مأساةٍ لا موضع فيها للصبر. تنَمُّرُ الصهاينة يتحدّى رسالة القرآن. انبعثوا على بركة الله بذات محمد. الشعب العربي يجيش بثورةٍ ضارية، فكونوا من وراء تضحيته، يكفكم الله عدوان شُذّاذ الآفاق».
ثم راح السيّد شرف الدين يطلق الفتوى تلوى الأخرى يحثّ الأمة على القتال والاستشهاد من أجل فلسطين: «أيّها العرب، أيّها المسلمون: هذا شهر المحرم الدّامي الذي انتصرت فيه عقيدةٌ وبُعث فيه مبدأ. ألا إنّ قتلة الحسين عليهالسلام، بِكْر في القتلات، فلتكن قدوتنا فيه بِكرًا في القدوات. ولنكن نحن من فلسطين مكان سيّد الشهداء من قضيته. ليكون لنا ولفلسطين ما كان له ولقضيته من مجدٍ وخلود. أيّها العرب أيها المسلمون: لقد حُمَّ الأجل وموعدنا فلسطين. عليها نحيا وفيها نموت. والسلام عليكم يوم تموتون شهداء، ويوم تبعثون أحياء». وفي أواخر أيامه كان السيّد شرف الدين قد شارف على التسعين من عمره وقد وقع العدوان الثلاثي على مصر فأطلق فتواه من إذاعة الشرق الأوسط في القاهرة مدوية، إلى علماء الدين في العالم الإسلامي، جاء فيها: «...أناشد إخواني في الله تعالى علماء الدين في كلّ مكانْ أنْ يقولوا كلمتهم، فتدوي صارخةً توقظ النائمين، وتدفع الواقفين إلى الدفاع عن معقلٍ هو أعزّ معاقلنا تحت راية الحق... وأهيب بالجميع... إلى الاشتراك في معركة المصير هذه، وإعلان الحرب على الاستعمار.... ألا وإنّ الاستعمار الغربي يغزونا في عقر دارنا، معتديًا غاشمًا. ألا ومن مات دون حفنةٍ من تراب وطنه مات شهيدًا».
مرت المنطقة والعراق بالذات بعد نكبة فلسطين بمتقلباتٍ كثيرةٍ سادتها انعطافاتٌ سياسيّةٌ واجتماعيّةٌ عديدة، وما رافقه من موقف المرجعيّة في الدفاع عن الوطن وإبعاد يد الأجنبي عنها، كذلك حرمة الاقتتال الداخلي بين المسلمين وأبناء الوطن الواحد، كالفتوى التي أصدرها السيّد المرجع الحكيم في حرمة مقاتلة الأكراد، وحرمة غزو البلدان المجاورة مثل الكويت.
وفي عام 1959م، وعندما كان المدّ الشيوعي في العراق قد تفاقمت تصرفاته، امتدت الهجمة الشيوعيّة لتطال التيار الديني والمرجعيّة في النجف، وبدأت حالةٌ من المواجهة في النجف بعد وضع علامة (لا) على دُور علماء الدين بغية مهاجمتها ليلًا.
إنّ هذه النماذج من المواقف التي وقفتها النجف الأشرف بمراجعها العظام وعلمائها الأعلام وشعبها المتفاني، جعلتها تكون غرفة عمليّات للمجاهدين للانطلاقة الأولى للثورة ابتداءً من سنة 1917م، بِدء الحركة الجماهيرية ضدّ الاستعمار الإنكليزي، وامتدادًا إلى جميع الأحداث والانتفاضات والحركات التي مرّت على العراق الأبي حتى يومنا هذا.
وفي قمّة صعود المدّ (الماركسي) في العراق، وما شهده من انتهاكاتٍ فاضحةٍ للقيم الدينيّة والأخلاقيّة، انبرت المرجعيّة الدينيّة بفتوى شجاعة بأنّ (الشيوعية كفرٌ وإلحاد)، رافقتها مواقف في كربلاء المقدسة، من لدن المرجع الديني الراحل الميرزا السيد مهدي الشيرازي بمواجهة الإلحاد وتبيين معالم الرموز المقدسة والنماذج العظيمة، عبر إطلاق مشروع الاحتفال العالمي بذكرى مولد الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام في الثالث عشر من شهر رجب، وتكرار البرنامج كلّ عام، ودعوة الأدباء والشعراء والشخصيّات الدينيّة والسياسيّة لحضور هذا المهرجان الكبير في كربلاء المقدّسة. وكانت أول تجربةٍ ناجحةٍ لهذا المهرجان عام 1960م.
وفي مرحلة الستينيّات من القرن الماضي، امتازت المرجعيّة بإرادتها القويّة؛ إذ وقفت ضدّ كلّ المؤامرات، فعمد آية الله السيّد محسن الحكيم المرجع الأعلى الشروع بزيارة العتبات المقدّسة، واستمرت زيارته شهرًا كاملًا، وقد شعرت
دوائر الاستكبار، بمغزى هذه الزيارة وعرفت قوة تأثير المرجعيّة في أوساط المجتمع العراقي، وفي عام 1964م، عُقد مؤتمرٌ بدعوةٍ من عبد السلام عارف للحصول على فتوى شرعيةٍ تسوّغ مقاتلة الأكراد، وقد وجّهت دعوةٌ إلى علماء النجف للحضور فيه إلّا أنّهم قاطعوه، وحضر المؤتمر من غير العراقيين شيخ الأزهر آن ذاك، وأصدروا فتاوى مفادها أنّ الأكراد بغاةٌ يجوز قتالهم، وردًّا على ذلك دعا السيّد الحكيم إلى عقد مؤتمرٍ في كربلاء، أعلن فيه فتواه التي حرّم بها قتال الإخوة الأكراد، كان ذلك أواخر 1964م، فقد زرعت هذه الفتوى حبًّا بين الأكراد والعرب لموقف المرجعيّة النبيل والشجاع الذي حفظ به دماء المسلمين دون النظر إلى نوعيّة المكوّن المذهبي، كما أصدر فتاوى تاريخيّةً وسياسيّةً منها حرمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي، وعند وصول البعثيين إلى السلطة عام 1968م، كانت هنالك مواجهاتٌ مع مرجعيّة السيّد الحكيم، وقد تجنّب حزب البعث الاحتكاك المباشر مع المرجعيّة، وخاصّة أنّ المرجعية كان لها تأثيرٌ واضحٌ وقويٌّ على إرادة الجماهير، فعمد الحزب لتشويهٍ في سيناريو مملوء بالكذب والأباطيل هو اتهامه أحد أولاد المرجع الكبير السيّد الحكيم وهو السيّد الشهيد يوسف الحكيم بالجاسوسيّة لزعزعة الثقة بين أوساط الجماهير وعزل المرجعيّة عنها. وأصدر السيّد محسن الحكيم فتاوى بدعم العمل المقاوم لليهود في فلسطين والدفاع عن المقدّسات الإسلامية في القدس، وموقف الإمام الخميني في هذه القضية كان مبكّرًا منذ بدايات تحرّكه السياسي في الحوزة (1963م)، وكان موقفًا مميزًا بين أقرانه المراجع والمجتهدين، وتجاوز التعاطف مع القضية ليصل إلى مساندة المجاهدين ماليًا من خلال الحقوق الشرعية.
وفي الختام: إنّ النجف الأشرف شارك بجامعته العلميّة وحوزته الدينيّة، وبكلّ ثقله وإمكاناته الفكرية، شعوبنا العربية الإسلاميّة المحنَ التي مرّت بها، وسجّل في كلّ قضيّةٍ مصيريّةٍ لهذه الأمة، طوال العقود المنصرمة موقفًا مشرّفًا أملاه عليه الواجب الأخوي، والغيرة العربيّة، بدايةً من القضيّة الفلسطينيّة، ومرورًا بالقضايا الجزائريّة، والتونسيّة، والمغربيّة، والسوريّة، والمصريّة، وأخيرًا الكويتيّة. وسجّل ذلك كلّه بكلّ فخرٍ واعتزاز في صفحات تاريخ هذا البلد العربي العراقي جهادًا، وفكرًا.
إنّ الشيعة عندما ثاروا قبل ثورة العشرين واستمروا في ثورة العشرين وما بعدها، وطردوا المستعمر الإنكليزي شرّ طردةٍ من بلاد الرافدين فاشترك الشعب مع قيادته العلمائيّة المتمثلة بالمرجعيّة الرشيدة، فإنّهم قد دفعوا ثمن ذلك العمل البطولي؛ حيث نفذّ ما سنّه الإنكليز من دستورٍ طائفيّ بغيضٍ مدركين أنّ كلّ حاكمٍ يستلم زمام الحكم في العراق يسارع إلى تطبيق الدستور ليتجاهل الأغلبيّة السكانيّة في الوقت الذي يصرّح الملك فيصل الأول مؤسّس الدولة العراقيّة في مذكراته التي أصبحت وصيةً بعده بقوله: «إنّ الضرائب على الشيعي، والموت على الشيعي، والمناصب للسُنّي، ما الذي هو للشيعي؟».
المرجعيّة العليا للشيعة في العالم، تلك المؤسّسة الدينيّة والعلميّة المستمرة بالقرب من ضريح الإمام علي عليهالسلام منذ نحو ألف عام، والتي ارتبط حضورها بتاريخ العراق الحديث وبالتحديد منذ الحرب العالمية الأولى ارتباطًا وثيقًا حتى أنّه لا يمكن لأيّ باحثٍ في هذا التاريخ إلّا أنْ يجعلها قطب الرحى في كلّ ما عاشه العراق ودول عدة، وبالتحديد إيران، من أحداث وتطورات. والحديث
عن دور النجف التاريخي وارتباط الشيعة الروحي والسياسي بها يحتاج بطبيعة الحال إلى أنْ يُفرد له فصلٌ خاصّ، ولكن لا بدّ من الإشارة ولو لِمامًا، إلى أنّ هذه المرجعية، التي أجبرت عام 1896م شاه إيران على إلغاء امتياز التنباك مع الإنكليز بعد الفتوى الشهيرة للمرجع الميرزا حسن الشيرازي، والتي أيّدت نظام (المشروطة) في إيران عام 1907م (أي إقامة ملكيّة دستوريّة)، وقادت عام 1915م الحرب ضد القوات البريطانية إلى جانب الإمبراطوريّة العثمانيّة، والتي فجّرت عام 1920م الثورة المشهودة ضد الاحتلال البريطاني، هي اليوم في واقع لا يسمح له بالاضطلاع بأدوارٍ كبرى تضاهي أدوارها التاريخيّة هذه. والمعلوم أنّ المراجع أنفسهم هم الذين كانوا يرسمون أدوار مرجعيّة النجف ويمسكون بيد واحدةٍ المرجعيّة الروحيّة والزعامة السياسيّة. ولعلّ آخر هذه المراجع التي توفّر لها أداء هذا الدور كان السيّد محسن الحكيم (توفي عام 1970م)، فهو منذ أنْ ثُنيت له وسادة المرجعية أواخر عقد الخمسينيّات، بعد وفاة المرجع الشهروردي، دخل في سجالٍ حادٍّ مع العهود التي تعاقبت على حكم العراق، وآخرها عهد حكم البعث. وقد بلغت درجة صدامه معه أنْ أفتى في أواخر أيامه بتحريم الانتساب إلى هذا الحزب، أو التعامل معه. وقد كان هذا العداء، الذي سبقته سلسلة صداماتٍ داميةٍ سببًا في اندفاع حزب البعث العراقي لاحقًا إلى محاصرة المرجعيّة الشيعيّة والقضاء على دورها وحضورها، والذي بلغ ذروته عام 1980م، بإعدام المرجع الشيعي السيّد محمد باقر الصدر وبعده مئات العلماء. وأيًّا كان الأمر، فبعد عام 1980م، تركّزت فاعلية المرجع السيّد الخوئي الذي خلف السيّد الحكيم، في سدّة المرجعيّة على الصمود لإبقاء ما تيسّر من الحوزة العلميّة، على أساس أنّه خيرٌ من زوالها.
1. الأزري، عبد الكريم، مشكلة الحكم في العراق، ط، لندن، 1991م.
2. الأسدي، صادق غانم، المشروع السياسي والجهادي للحوزة العلميّة في العراق.
3. الأمين، محسن، المستشارية الثقافية الإيرانيّة، دمشق،1992م.
4. بحر العلوم، السيّد محمد، النجف الأشرف والمرجعيّة الدينيّة (مجموعة بحوث ومقالات).
5. الجبوري، كامل سلمان، النجف الأشرف وحركة الجهاد، مؤسسة العارف للمطبوعات، ط1، بيروت، 2002م.
6. الحسني، عبد الرزاق، الثورة العراقية الكبرى، ط4، بيروت، 1978.
7. الرهيمي، عبد الحليم، تاريخ الحركة الإسلاميّة في العراق (1900 1924)، ط1، الدار العالميّة للطباعة والنشر، بيروت، 1985.
8. الساعدي، كريم محمد حاتم، الغزوات الوهابيّة على الأضرحة المقدّسة في كربلاء والنجف خلال القرن التاسع عشر الميلادي، موقع مؤسّسة النور للثقافة والأعلام، 29/10/2014.
9. السراج، عدنان إبراهيم، الإمام محسن الحكيم، دار الزهراء، بيروت، 1993.
10. السيد شرف الدين، عبد الحسين، بغية الراغبين، ط1، الدار الإسلاميّة، بيروت.
11. الشريفي، أحمد باقر علوان، كربلاء بين الحربين العالميتين، رسالة ماجستير، معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا، بغداد،2004.
12. صاغية، حازم، صراع السلام والبترول في إيران، ط1، بيروت، دار الطليعة، 1978.
الطريحي، محمد سعيد، المرجعية الدينيّة وقضايا العالم الإسلامي: الغزو الإيطالي للقطر الليبي وحرب طرابلس سنة 1911.
14. عبد الدراجي، عبد الرزاق، جعفر ابو التمن ودوره في الحركة الوطنية في العراق، (بغداد 1978)، رسالة ماجستير مقدمة إلى جامعة بغداد.
15. العلوي، حسن، الشيعة والدولة القوميّة في العراق1914- 1990، دار الثقافة للطباعة والنشر، قم، إيران.
16. عودة، جهاد، تقدير الأزمة الإستراتيجيّة في العالم العربي، الناشر: المكتب العربي للمعارف.
17.الغرباوي، ماجد، الشيخ محمد حسين النائيني منظّر الحركة الدستورية، مؤسسة الأعراف للنشر، ط1، 1999.
18. الكاتب، أحمد، المرجعية الدينية الشيعية (آفاق وتطور) ط2، العراق، 2007.
19. كاشف الغطاء النجفي، الشيخ محمد الحسين، الآيات البينات في قمع البدع والضلالات، دار المرتضى، بيروت لبنان.
20.كاظم، عباس محمد، ثورة 1920، ط1، دار التنوير، بيروت.
21. الكركولي، دراسات في عشائر العراق، 1995.
22. كمال الدين، محمد علي، معلومات ومشاهدات من الثورة العراقية لسنة1920، تقديم علي الخاقاني، ط1، العراق، 1971.
23. كوراني، محمد أمين، الجذور التاريخية للمقاومة الإسلاميّة في جبل عامل، ط2، دار الهادي، بيروت، 2005.
24. ل. ن كونلوف، ثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق، ترجمة عبد الواحد كرم، دار الحرية للطباعة، بغداد،1971.
25. محبوبة، جعفر، ماضي النجف وحاضرها، ط2، دار الأضواء، العراق، 1986.
26. النفيسي، عبد الله، دور الشيعة السياسي في تطور العراق الحديث، ترجمة دار النهار، بيروت، 1973.
27. الوردي، علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ط1، قم، انتشارات الشريف الرضي، 1413هـ.
28. موقع وكالة أنباء براثا، ثورة العشرين في العراق والمرجعية الدينية فيها.
29. سلسلة نحو حضارة إسلامية، ثورة العشرين (عباس محمد كاظم)، عدد18/1984.
30. مجلة العلم النجفية، المجلد السابع، الجزء السادس، تشرين الثاني، 1911.
31. مجلة الموسم، العدد السادس، بيروت، 1990.
32. مجلة الهدى الشهرية،11/9/2014.
33. مجلة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية، العدد (22)، جامعة بابل آب/2015م.
الدكتور محمد باقر البهادلي
شهد العراق في مطلع القرن العشرين تحوّلاتٍ جذريةً بمستوياتٍ متعدّدةٍ، منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ وذلك نتيجة تنامي نفوذ القوى الاستعمارية الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا، وتراجع سلطة الدولة العثمانية. في خضمّ هذه التحوّلات التاريخية، برزت شخصياتٌ سعت إلى الحفاظ على الهوية الوطنية والدينية، والتصدّي لمحاولات الهيمنة الاستعمارية، وكان من أبرزها السيّد هبة الدين الشهرستاني (1884-1967م)، الذي مثّل أنموذجًا متميزًا للعالم والمفكّر والسياسي والمصلح.
يعدّ السيّد هبة الدين أحد أهمّ أعلام العراق في النصف الأول من القرن العشرين، إذ يوصف بالعالم الديني الموسوعي، فلم يكتفِ بالتبحّر في العلوم الشرعيّة والتقليديّة، بل انفتح على المعارف الحديثة والعلوم العقلية والرياضيات والفلك. وقد شكّلت آراؤه الفقهية والفكرية والاجتماعية ركيزةً أساسيةً في جهود
مقاومة الاستعمار الثقافي والاقتصادي، كما أدّى دورًا مؤثّرًا في سياق الحراك الوطني الذي انتهى بثورة العشرين تبعه النضال والدعوة للاستقلال. وفي هذا البحث سنحاول تقديم صورةٍ عن حياة هذا العالم الجليل، وقابليّاته العلمية، وموقفه من مفاهيم الجهاد والمقاومة، ورؤيته تجاه بدايات التغلغل الأوروبي في العراق، وموقفه من دخول القوات البريطانية، وصولًا إلى دوره في الإعداد لثورة العشرين ودعمه لها، وانتهاءً الى دوره المحوري في إرساء قواعد النهضة الفكرية، ودوره في وزارة المعارف الذي يمثّل جهاده ضدّ الاستعمار البريطاني من بوابة الفكر والمعرفة، مع الاستناد إلى الوثائق والمصادر التاريخية ذات الصلة.
الكلمات المفتاحية: هبة الدين الشيرازي، الاستعمار، الشيخ مبدر آل فرعون، عجمي السعدون، الاحتلال البريطاني.
السيّد هبة الدين الحسيني الشهرستاني (1884-1967م) هو أحد أبرز علماء العراق في القرن العشرين، وشخصية تركت آثارًا عديدةً في الفكر الإسلامي والإصلاح الاجتماعي. وُلد في مدينة سامراء يوم الثلاثاء 24 رجب 1301 ه، الموافق 3 مايو 1884م، في عائلةٍ عُرفت بالتقوى والعلم، ممّا كان له أثرٌ عميقٌ في تكوين شخصيته منذ صغره، أظهر السيّد هبة الدين منذ صغره ذكاءً وقّادًا وحبًّا للمعرفة، فتعلّم القراءة والكتابة في سنٍّ مبكرة، وبدأ بدراسة العلوم الشرعية كالفقه والأصول على أيدي علماء مرموقين في سامراء وكربلاء والنجف. لم تقتصر اهتماماته على العلوم الدينية فحسب، بل تجاوزتها إلى العلوم الحديثة والفكر الإصلاحي، ممّا ساعده على تطوير رؤيته الفكرية التي تمزج بين الأصالة والمعاصرة. كانت هذه النظرة الشمولية من أهمّ سماته، حيث سعى إلى ربط التراث الإسلامي بالعلوم الحديثة لمواجهة التحديات التي يفرضها الاستعمار والتغيّرات الاجتماعية في العراق والعالم الإسلامي.
أدّى السيّد الشهرستاني دورًا بارزًا في النهضة الفكرية والإصلاحية، إذ أسّس مجلة (العِلْم) التي شكّلت منصّةً فكريةً لنشر رؤاه الإصلاحية. تناولت المجلة موضوعاتٍ متنوعةً شملت إصلاح التعليم، وتعزيز الوحدة الإسلامية، ومواجهة الاستعمار، ونشر الوعي الفكري والثقافي.
وعدَّ التعليم أساسًا للنهوض بالمجتمع، فعمل على تطوير المناهج الدراسية لتتوافق مع احتياجات العصر، مع الحفاظ على المبادئ الإسلامية. لم يكنc
الإصلاح عنده مقتصرًا على الجانب التعليمي فقط، بل شمل أيضًا جوانب اجتماعيةً ودينية، حيث دعا إلى تجديد الفكر الإسلامي بطريقةٍ تحترم الأصول وتواكب العصر.
كان للسيّد العديد من المؤلّفات والكتابات التي عكست رؤيته الفكرية. كتب في التفسير والحديث والفقه، وأسهم في النظر إلى القضايا الاجتماعية والفكرية من منظورٍ إسلاميّ متجدّد. ركّز في مؤلّفاته على أهميّة فهم النصوص الدينية في سياقها التاريخي والاجتماعي، مع مراعاة الظروف المعاصرة. وقد تميّزت كتاباته بالعمق والوضوح، ممّا جعلها مصدرًا مهمًّا للباحثين والمهتمّين بالفكر الإسلامي.
عُرف السيّد الشهرستاني بتواضعه وحرصه على نشر العلم في أوساط مختلفةٍ من المجتمع العراقي. لم يقتصر نشاطه على المدن الكبرى، بل امتدّ إلى المناطق الريفية، حيث عمل على محاربة الأميّة وتشجيع التعليم بين أبناء الفئات المحرومة. كما اهتمّ بتعزيز القيم الأخلاقية والاجتماعية في المجتمع، وشجّع على الحوار بين مختلف الأطياف الفكرية والدينية.
توفّي السيّد هبة الدين الشهرستاني في عام 1967م بعد مسيرةٍ حافلةٍ بالعطاء العلمي والفكري. وترك إرثًا غنيًا من المؤلّفات والمشاريع الإصلاحية التي لا تزال تُعدّ مرجعًا مهمًّا في الفكر الإسلامي الحديث. يمثّل السيد الشهرستاني نموذجًا للعالم المجدّد الذي نجح في الجمع بين تراث الأمّة وضرورات العصر، وظلّ أثره حاضرًا في الفكر والثقافة الإسلامية.
لم يقصر السيّد هبة الدين مفهوم الجهاد على البعد العسكري واستخدام السلاح، بل صاغه بوصفه مفهومًا مركبًا تتداخل فيه الجوانب الدينية والأخلاقية والاجتماعية. وقد أتاح له تكوينه الموسوعي وانفتاحه الفكري الذي جمع بين الاطّلاع الواسع على التراث الإسلامي والمعارف الحديثة أنْ يقدّم رؤيةً متكاملةً للجهاد، تستند إلى نصوص القرآن الكريم والسُنّة النبوية الشريفة وتراث المعصومين عليهمالسلام، فضلًا عن أحكام الفقهاء. لم يكن الجهاد في تصوّره مجرد صراعٍ مادي، بل بذل جهدًا متواصلًا في سبيل حماية الدين والأمة، وصون استقلالهما.
بهذا المنظور الشامل الذي تحدّده يقظة ذهنه وتوقّد فكره، تتعدّد أبعاد الجهاد لدى الشهرستاني، ويمكن إجمالها في أربعة محاور رئيسة، وسنأتي عليها بشيءٍ من التفصيل:
1. الجهاد الفكري والثقافي: يتمثّل في نشر الوعي وتعزيز المعرفة، والتحذير من الاستلاب الثقافي، وتوجيه المجتمع نحو التمسّك بقيمه الدينية والحضارية الأصيلة.
2. الجهاد الاجتماعي: يقوم على إصلاح المجتمع من الداخل، وترسيخ أواصر التضامن، وتقوية النسيج الأخلاقي، بما يضمن وحدة الصف الداخلي وصلابته.
3. الجهاد السياسي: يرتكز على مقاومة المحتلّ بالوسائل المتاحة، وإفشال خططه الرامية إلى السيطرة والتحكّم بالقرار الوطني، مستلهمًا مبادئ العدالة والحرية.
4. الجهاد العسكري: يأتي كخيارٍ أخير في حال تعرّض الأمة لعدوان أو احتلال ظالم، حيث يصبح الدفاع عن الأرض والعرض والدين واجبًا شرعيًا. وقد أكّد الشهرستاني أنّ هذا الجهاد ينبغي أنْ يكون منظّمًا ومدروسًا لتجنّب الانفعال وتحقيق الأهداف المرجوّة.
في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، تصاعدت مساعي القوى الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا، للتغلغل في العراق. وقد اتّخذ هذا التغلغل أشكالًا متعددةً، تمثّلت في محاولة بسط النفوذ التجاري وإقامة المشاريع الاقتصادية الكبرى، مثل مدّ خطوط السكك الحديدية وإنشاء الشركات التجارية وفتح الوكالات، فضلًا عن محاولة استغلال العوامل الدينية والاجتماعية من أجل تسهيل تغلغلها. هذه الأنشطة جاءت في إطار السباق الاستعماري الأوروبي لزيادة المكاسب الاقتصادية والسيطرة السياسية، بما في ذلك السعي لتوسيع مناطق النفوذ والتحكم في مقدّرات البلاد وشعبها.
تمثّلت إحدى أبرز صور هذا التغلغل في منح الامتيازات للشركات الأجنبية، ومنها حصول الألمان على امتيازاتٍ صناعيةٍ مهمّةٍ كمشروع سكّة حديد بغداد، حيث وقّع عن الحكومة العثمانية وزير الأشغال والتجارة في الحكومة ذهني باشا عام ١٩٠٢م، فيما مثّل الجانب الألماني ثلاث من شركة سكة حديد الأناضول، وهم الدكتور كورت زندر المدير العام للشركة، وجوينر أرثر رئيس مجلس المديرين بالشركة، وهجيونين إدوارد المدير العام المساعد بالشركة.
لم يمرّ هذا التغلغل دون ممانعةٍ أو مقاومة. فقد أدركت النخب الدينية والفكرية حقيقة المخططات الاستعمارية وآثارها بعيدة المدى، ومن أوائل المناهضين لمنح الامتيازات هذه من بين الجمعيات الثقافية كانت الجمعية الإصلاحية في البصرة، التي ضمّنت في منهاجها مادةً صريحةً تتضمّن معارضتها إعطاء الامتيازات للأجانب في البلاد العربية عمومًا. وفي الوقت نفسه برز دور السيّد هبة الدين الشهرستاني، الذي رصد الظواهر الاستعمارية وحلّلها بعمق، مبرزًا الأخطار التي تهدد استقلال العراق وهويته الإسلامية. لم يكتفِ الشهرستاني بتشخيص المشكلة فحسب، بل سعى لتوعية العامة والنخب السياسية والدينية على السواء، محذرًا من خطورة المشاريع الأجنبية التي تُسوّق في ظاهرها كسبًا ماديًا أو عمرانيًا، لكنّها في جوهرها وسائل لإضعاف وحدة المجتمع وتفتيت بناه الداخلية.
في النصوص التي نشرها، أورد الشهرستاني كلامًا صريحًا وواضحًا يبيّن فيه مدى خطورة الاستعمار الأوروبي، مشيرًا إلى أنّ هذه القوى لا تتورع عن استخدام الدين ذريعةً لكسب رضا المسلمين، ومن ثم التسلّل إلى قلوبهم وعقولهم للإسراع في ترسيخ نفوذها. يقول الشهرستاني في هذا السياق متحدّثًا عن الأهداف الحقيقية للمستعمر في جوابه لاستفسار عن دوافع ألمانيا الحقيقية بالتودد الى المسلمين: «إنّ غاية ما تصوّروه من الدواعي المناسبة لحال الحكومة الألمانية، إنّما هو كسب رضا المسلمين وجلب قلوبهم نحوها». ويضيف: «فلاريب أنّ الحكومة - من أيّ جنسٍ تكون - إذا ظفرت على اجتلاب قلوب المسلمين واكتساب مرضاتهم فقد سهل عليها تذليل المصاعب في توسعة نطاق الاستعمار».
ولم يكتف السيّد الشهرستاني بما يكتبه، ولكنّه أخذ باستنهاض الهمم والتعريف بمخاطر الاستعمار بطرقٍ شتّى وأساليب مختلفة، كان أهمها خطبته التي عنونها ب(هذا بلاغ للناس) التي ألقاها في مسجد عمران بن شاهين في عام 1911 حيث يقول: «إنّ أعداءكم الإفرنج يتوسّلون بأخذ الامتيازات التجارية والاقتصادية منكم، وخوض السفن في بطون بحاركم، ومدّ الحديد على متون أراضيكم، تذرّعًا إلى تقوية النفوذ في حكوماتكم، وامتصاص لعابكم، وابتلاع لبابكم». ولم يكتف السيّد الشهرستاني بتبيان أساليب الاستعمار ومخاطره، وما تخفي القوى المختلفة خلف قناع العلاقات الاقتصادية القائمة على منفعة المستعمر فقط، بل ذهب إلى طرح الحلول بضرورة تطوير النظام السياسي والإداري وبناء اقتصادٍ متكاملٍ مبنى على تقوية كفة الصادرات وتنويع الموارد وتمكين الفرد، وكان واعيًا لماهية الحرب الاقتصادية وما يحققه الاكتفاء الذاتي والاقتصاد القوي من عزة ورفعة للبلد حيث يقول في خطبته: «اقنعوا بمنسوجاتكم ومصنوعاتكم، ليكثر منكم الزارعون والصانعون، وتخسر تجارة العدو في أسواقكم، ولتقدروا على نزال الأعداء. نظّموا إداراتكم، وقيّدوا بشورى العقلاء إرادتكم، وقايسوا بين وارداتكم وصادراتكم، وأجروا قوانين الشريعة في البلاد، وساووا في الحكم بين الأفراد». وتتجلّى الرؤية العميقة والقراءة المتكاملة لمخططات الاستعمار فيما يطرحه من شرطٍ لضمان درء خطر الاستعمار من خلال دعوته للوحدة ورفض الانقسام والفرقة بقوله: «اتركوا البغضاء وافتراق الكلمة، وأبدلوا التضاغن بالتضامن، والتعاند بالتعاون، وعوضوا الاختلاف بالائتلاف، والافتراق بالاتفاق، وكونوا يدًا واحدة».
بهذا الطرح الفكري الواعي، قدّم الشهرستاني أنموذجًا للعالم المفكّر المثقّف الذي لا يكتفي بالتعبير عن رفضه للاستعمار، بل يوضح أساليبه الخفية، ويرشد الأمة إلى سبل المواجهة. لقد دعا إلى وحدة الصف، ونبذ الفرقة، واستنهاض الوعي الوطني والقيمي، تحصينًا للمجتمع ضدّ أيّ شكلٍ من أشكال التغلغل الأجنبي. بهذه الرؤية الثاقبة، مثّلت مواقفه صدىً لمشاعر كثيرٍ من أبناء عصره الذين استشعروا الخطر المحدق بوطنهم، وسعوا لبلورة موقفٍ فكريّ وعقائدي رافضٍ للاستغلال والاستلاب، وصولًا إلى قيام وعي جمعي قادرٍ على التصدّي لكلّ محاولات الهيمنة.
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، وجدت بريطانيا في العراق ساحةً إستراتيجية، فتقدّمت قواتها إلى البصرة بحجة حماية مصالحها، وتواصل وجوه البصرة مع علماء الدين في العتبات المقدّسة ومختلف المدن يطلبون المساعدة حيث ورد في إحدى الرسائل (ثغر البصرة، الكفاّر محيطون به، الجميع تحت السلاح، نخشى على باقي بلاد الإسلام، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع).
مع احتلال البصرة في تشرين الثاني سنة 1914، لم يعد الأمر مقتصرًا على التحذير الفكري، بل باتت الحاجة ملحّةً للتحرك العملي. وقف علماء الدين والمثقفون الوطنيون موقفًا رافضًا لهذا الاحتلال، وكان الشهرستاني في مقدمة هؤلاء؛ فقد أدان دخول القوات البريطانية وعدّه انتهاكًا للسيادة الإسلامية والعراقية، ورأى فيه تهديدًا للهوية العربية والإسلامية.
دعا الشهرستاني إلى عدم القبول بالأمر الواقع، والعمل على تعبئة القوى الوطنية والدينية، وحثّ العلماء وشيوخ العشائر على التوحّد لصدّ الخطر. وقد تكرّست جهوده في التوعية بخطورة الاحتلال، وإقناع الأوساط الشعبية بضرورة عدم الاستكانة. مع توالي الأحداث ومواصلة الإنجليز تقدّمهم نحو القرنة، اضطرت الحكومة العثمانية الى عزل قائد الجيش (جاويد باشا)، وتعيين (سليمان عسكري) بدلًا منه.
وأرسلت الحكومة العثمانية وفدًا إلى النجف من بعض الشخصيات لمحادثة المجتهدين الكبار في الأمر. تألّف الوفد في بغداد، وكان يضمّ بعض الشخصيات البغدادية والحكومية ورجال الدين، ومن بينهم محمد فاضل الداغستاني، وشوكت باشا، والشيخ حميد الكليدار سادن حرم الإمامين الكاظميين، ومع تواجد الوفد في النجف عُقد اجتماع في مسجد الهندي حضره العلماء والزعماء وشيوخ العشائر في الفرات الأوسط، وتحدّث في الاجتماع من علماء الدين السيّد هبة الدين الشهرستاني، والسيد محمد سعيد الحبوبي، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ جواد صاحب الجواهر، منوهين بضرورة مشاركة الحكومة المسلمة لدفع الكفّار عن بلاد المسلمين.
ثم تكلّم بعض شيوخ العشائر ومنهم مبدر آل فرعون رئيس عشيرة آل فتله، وممّا قاله: «نّ الأتراك إخواننا في الدين، وواجب علينا مساعدتهم في طرد الأعداء من بلادنا». وقبل أنْ ينفضّ الاجتماع أعلن علماء الدين الجهاد ووجوب الدفاع عن البلاد الإسلامية. ومن أقوال السيد هبة الدين في هذا الأمر: «بعد
توالي برقيات الاستغاثة والاستعانة إلى النجف الأشرف، بالأخص من تجار البصرة وحواليها، ومن علماء البلاد وأكابر أهاليها، بمضامين تصدّع الصخر الأصم» فهيجنا الإيمان، وحرّكنا دافع الوجدان إلى إعلان الجهاد لمحاربة القوات الإنكليزية المحتلّة، وصدّها عن احتلال وطننا العراق ومشاهد أئمتنا المقدسة».
لم يكتفِ العلماء بالفتيا، بل قرروا أنْ يخوضوا الحرب بأنفسهم وشاركوا فيها، ومن الذين شاركوا في هذه الحرب: السيّد محمد سعيد الحبّوبي، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ عبد الرضا الشيخ راضي، والشيخ جواد صاحب الجواهر، والشيخ رحيم الظالمي، والسيد عبد الرزاق الحلو، والسيد محمد رضا الشبيبي، والسيد سعيد كمال الدين، والشيخ علي الشرقي، والسيد هبة الدين الشهرستاني، وقد قام السيّد الشهرستاني برفع العلم الحيدري لاستنهاض المجاهدين فضلًا عن توليه توزيع الأسلحة عليهم.
وقد دعا السيّد هبة الدين إلى بذل كلّ الجهد، والسعي في توحيد كلمة العشائر وعقد الأمل في نتائج أعمال المجاهدين، وأوضح أنّ النهضة للدفاع عن بيضة الإسلام وثغور المسلمين، فيجب الاتحاد تحت لواء القرآن.
تشير الوثائق المتوفرة إلى أنّ عددًا كبيرًا من شيوخ العشائر قد أظهروا استجابةً إيجابيةً ودعمًا كبيرًا لدعوات السيّد هبة الدين الشهرستاني المتعلّقة بتوحيد الصفوف والدعوة إلى الجهاد. ومن بين هؤلاء الشيوخ، الشيخ مبدر آل فرعون
الذي عبّر في رسالته عن استعداده الكامل للتضحية في سبيل الدين وحماية بيضة الإسلام. كما أكد التزامه بوصايا السيد الشهرستاني وأهداف النهضة، مشيرًا إلى جاهزية عشيرته وأفراد قبيلته للانضمام تحت لواء المجاهدين، وأنّ لديه أكثر من ٥٠٠ مقاتل جاهز لمواجهة الإنكليز.
هذا التجاوب يعكس مدى الثقة الكبيرة التي منحها شيوخ العشائر للسيّد الشهرستاني، ودورهم البارز في دعم الحركة الجهادية الهادفة إلى صيانة الأراضي الإسلامية من أيّ تهديد. وما يذكره السيد هبة الدين الشهرستاني في مذكراته يوضح مدى صعوبة وخطورة الأوضاع التي كانت تمرّ بها البلاد نتيجة احتلال البصرة من قبل الإنجليز، وفاعليته في ساحة الجهاد بين كتابة الرسائل إلى العشائر لاستنهاضهم، وزيارتهم في أماكن عدة حيث يكتب في إحدى المخطوطات: «لقد أدركنا مبلغ خطورة الحال علينا بعد احتلال الإنكليز للبصرة، فقمنا زرافاتٍ ووحدانًا نتجوّل بين قبائل الفرات وعشائره، نكاتب ونخاطب ونهيب بأبناء البلاد، ونستنهض الهمم من أبناء العروبة، حتى وفّقنا الله إلى جمع آلافٍ مؤلّفةٍ من أبناء القبائل، وحشدنا منهم جيوشًا مختلفة المشارب بجندٍ رهيبٍ مهيب، واتّجهنا إلى غربي المنتفك، اختيرت هذه المنطقة الجرداء، رغم ملوحة مائها ورداءة مناخها دارًا للحرب؛ بسبب قربها إلى البصرة واتصالها بها، وتقدّم العدو فيها. فنزلنا فيها، وكان معنا ثلاثة آلاف عسكري ما بين جنديّ وضابطٍ من قوات الدولة العثمانية، ومعهم ستة مدافع وثلاثون ألف مجاهد من أبناء العشائر العربية القاطنة حول نهر الفرات ببنادقهم وخيولهم».
وقد بذل رجال الدين في النجف وكربلاء وسامراء والكاظمية كلّ ما بوسعهم لإثارة المقاومة بوجه البريطانيين، ولم تكن قبائل الفرات وحدها التي شاركت في تلك الحملة، وإنّما كان للقبائل القاطنة على شواطئ دجلة أيضًا الدور الفاعل في تهيئة المجاهدين والمشاركة في الأموال. وعندما توجّه المجاهدون إلى الشعيبة أخذ السيّد هبة الدين يدعو للجهاد ومحاربة الغزاة كلّما نزل مكانًا في الطريق، متجوّلًا بين العشائر يتحدّث فيهم عن الدين وفرائضه، وعن الوطن وحرّمته، وعن العرض وقدسيته، ويؤكد على أنّ خروجه للجهاد لا لنصرة العثمانيين، بل للدفاع عن الدين والوطن. وقد وصلت ألوية السيّد محمد سعيد الحبوبي إلى النخيلة في 13 ربيع الأول سنة 1333هـ-22 كانون الثاني سنة 1915م، وضربوا خيامهم هناك بينما وصل السيّد هبة الدين ومن معه في 12 شباط لينضموا إلى ألوية الحبوبي.
وقد كانت خطة القائد العسكري العثماني (سليمان) هجومية يهجم فيها الجيش العثماني والمجاهدون من الجناحين: الجناح الأيمن، يقوم بالهجوم من اتجاه الزبير متجهًا نحو الشمال الغربي، ويكون هدفه القاطع الجنوبي الشرقي من موضع الشعيبة، وكانت القوات في هذا الجناح مؤلّفةً من مجاهدي المنتفك بمعية السيّد هبة الدين وقيادة عجمي السعدون.
والجناح الأيسر، يقوم بالهجوم من اتجاه مزار الإمام أنس، متجهًا نحو الجنوب
الشرقي ويكون هدفه القاطع الشمالي الغربي من موضع الشعيبة، وكانت القوات في هذا الجناح مؤلّفةً من المجاهدين بقيادة السيد محمد سعيد الحبوبي، وعبد الله الفالح السعدون، وخيون العبيد. أمّا المركز فيتألّف من القوات النظامية التي تهاجم جهة الشيبعة زاحفةً نحو الغرب.
وبدأ السيّد هبة الدين باستمالة بعض الهنود المسلمين الذين جنّدهم البريطانيون باسم الحرب ضد ألمانيا، فبدأ يرسل إليهم نصائحه ويعرفهم بأنّهم يحاربون إخوان المسلمين بقوله: «هل تعلمون أنّنا بحمد الله نقاتل في سبيل الحق، وأنتم تقاتلون في سبيل الكفر الباطل، كما قال الله سبحانه في القرآن الكريم: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ﴾. يا إخواننا المسلمين نحن في هذه الحرب نأسف عليكم كثيرًا؛ لأنّ البارود أو السيف يقتل منكم ألوفًا ويقتل منا، لكنّ المقتولين من عندنا يدخلون الجنة يقينًا؛ لأنّهم يجاهدون تحت راية القرآن لنصرة الدين. أمّا المقتولون منكم فإنّهم يدخلون نار جهنم خالدين فيها قد خسروا الدنيا والآخرة. يا إخواننا المسلمين إذا كان الموت اليوم أمرًا لا بدّ منه فلنكن في نصرة الدين. إذا كان القتل أمرًا لا بدّ منه ففوزوا بأسلحتكم على كفّار عسكركم... هذه نصيحتنا نهديها إليكم إتمامًا للحجة عليكم فإنّكم إخواننا في الدين...الخ». والتحق عددٌ كبيرٌ من الجنود الهنود بتأثير العواطف الدينية وقاسوا في سبيل الوصول إلى صفوف المجاهدين مختلف المتاعب.
كانت معركة الشعيبة إحدى المحطّات البارزة في مقاومة الاحتلال البريطاني
للعراق في بداياته، ورغم الحشد الكبير بجهود علماء الدين وشيوخ العشائر إلّا أنّها شهدت نهايةً مأساويةً تمثّلت بانهيار القوات العثمانية والمجاهدين، فإنّ نقص التخطيط وسوء الإدارة العسكرية، إلى جانب الظروف الميدانية الصعبة، قادت إلى فشل المعركة.
فبعد تزايد الضغط البريطاني وتراجع القوات العثمانية، انسحب سليمان عسكري بك مع قواته إلى وادي كويبدة الواقع بين منطقتي النخيلة والشعيبة. كان الوادي بمنزلة الملاذ الأخير بعد فقدان الأمل في تحقيق النصر. إلا أنّ الانسحاب لم يكن منظمًا، حيث تبعثر الجنود، وانخفضت معنوياتهم بشكلٍ كبير، ما زاد من حدّة الفوضى في صفوف القوات.
في لحظةٍ حاسمةٍ ومأساوية، وبعد إدراكه للهزيمة المحقّقة وعجزه عن مواجهة الظروف المتدهورة، قرر سليمان عسكري بك إنهاء حياته. أقدم على الانتحار في وادي كويبدة، محاولًا بذلك التهرّب من تحمل مسؤولية الهزيمة، بعد انتحار سليمان عسكري بك، تراجعت القوات العثمانية بالكامل، وسيطر البريطانيون على المنطقة. تركت هذه المعركة أثرًا بالغًا على سير الحرب في العراق، إذ عزّزت من هيمنة الاحتلال البريطاني وأضعفت المقاومة العثمانية والمجاهدين.
وثّقت مذكرات السيّد هبة الدين الشهرستاني الأسباب التي أدّت إلى الهزيمة، التي كان أبرزها:
- سوء التخطيط العسكري: غياب خطة استراتيجية واضحة لإدارة المعركة أدّى إلى تراجع التنظيم بين القوات.
- نقص الإمدادات: أدّى ضعف تجهيز القوات بالسلاح والذخائر والمؤن إلى إنهاك الجنود وعدم قدرتهم على الصمود.
- فقدان القيادة: كان لانتحار سليمان عسكري بك دورٌ كبيرٌ في تفاقم الانهيار، إذ غابت القيادة العسكرية الفعّالة للقوات النظامية في لحظةٍ حرجة.
بعد دخول القوات البريطانية بغداد في 11 آذار سنة 1917م، انتقل السيّد هبة الدين إلى كربلاء، ليبدأ من هناك مرحلةً جديدةً من النشاط الجهادي ضد الاحتلال. واتّفق ذلك مع انتقال الشيخ محمد تقي الشيرازي من سامراء إلى كربلاء من أجل قيادة حركة المقاومة والإعداد للثورة. ولما استشعر الشيرازي في منتصف سنة 1919م ضرورة تأسيس مجلسٍ استشاريّ يستعين به على إدارة الأمور، بادر إلى ذلك، وتم تشكيل المجلس بعضوية عددٍ من العلماء الكبار، كان السيّد هبة الدين في مقدمتهم، فضلًا عن كونه رئيسًا لكتّاب الثورة في كربلاء.
ولم تكن الثورة حدثًا عفويًا ولد ساعته وظرفه، بل كانت لا تخلو من جذور الحركة القومية التي أدرك فيها القوميون العراقيون في المدن الكبرى ضرورة توثيق الصلة بالمشاعر العراقية، التي ترافقت مع الظروف الاجتماعية والسياسية والانتشار النسبي للتعليم الذي جعل من زعماء العشائر يدركون أنّ مشاكلهم الزراعية قد أصبحت جزءًا من الحياة السياسية الوطنية العامة.
ورجع السيد هبة الدين في بدايات الحركة القومية إلى المطالبة بحكمٍ دستوريّ
في الدولة العثمانية إذ يقول: «عندما بدأ الأتراك يضطهدون العرب، كان علينا أنْ ندافع عن الحقوق العربية». وذكر السيّد كاطع العوادي والسيّد كمال الدين (وهما من القادة في ثورة العشرين) أنّ ثورة العشرين هي استمرارٌ للحركة القومية. ولهذا قلنا: إنّ تضامن الحركة القومية مع الشعور الديني فضلًا عن العوامل الأخرى من أهم مسببات الثورة. وبهذا تكون هذه الطروحات مختلفةً عمّا طرحه الكُتّاب الغربيون من عوامل تحرّك العشائر لمصالح ذاتيةٍ وأمورٍ أخرى قصدًا منها التقليل من قيمة المقاومة المسلحة التي جُوبه بها المحتلِّون من قبل الشعب العراقي.
وبينما كان العراقيون ينتظرون تحقيق الوعود التي أعلنها الجيش البريطاني من أنّه جاء إلى العراق منتدبًا محرِّرًا، لا فاتحًا مُستعبِدًا، صدرت بلاغاتٌ رسميةٌ من سلطات الحلفاء المدنية والعسكرية، أهمها التصريح الفرنسي البريطاني، الصادر في 8 تشرين الثاني 1918 م، الذي جاء فيه: «إنّ الحكومتين الفرنسية والبريطانية اتفقتا على تأسيس حكوماتٍ وطنيةٍ للشعوب الحرّة التي هضم الترك حقوقها وتركت لها الخيار في تأسيسها حسب رغائبها».
بعد ذلك جاء مؤتمر (سان ريمو) ليحطم تلك الوعود والآمال معًا في قرار مؤتمر الحلفاء في 25 نيسان سنة 1920م، الذي يفضي إلى وضع العراق وفلسطين تحت الانتداب البريطاني، وسورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي. إثر ذلك تضاعفت جهود العراقيين في المطالبة بحقوقهم المشروعة، وطفقوا يعقدون
الاجتماعات السرية والعلنية في بغداد والنجف والموصل وكربلاء وغيرها من المدن العراقية لتُعلن شرارة الثورة العراقية الكبرى أو ما تعرف بثورة العشرين. التي كانت استمرارًا لنشاطات بدأت في التحالف القومي الديني الفلاحي أو العشائري، كتلك في التعاون بين جمعية النهضة الإسلامية، التي كانت ترمي إلى مقاومة الاحتلال البريطاني، وحزب حرس الاستقلال الذي أسّسه مجموعةٌ من الشباب والذي كان من أهدافه الاستقلال المطلق للعراق، وبذل الجهود في إدخال العراق ضمن الوحدة العربية، وتوحيد العراقيين كافة بصرف النظر عن طوائفهم ومللهم، وبذل الجهود في إنهاء كافة الخلافات الناشئة عن اختلاف الأديان والطوائف. وفريق من العلماء، المعادين للنفوذ البريطاني الذي كونه الشيخ الشيرازي وابنه الشيخ محمد رضا في كربلاء، أمثال عبد الكريم الجزائري، وهبة الدين الشهرستاني، وصاحب الجواهر، ومحمد علي بحر العلوم، وأقامت هذه التكتلات علاقاتٍ نوعيةً مع جماعة الحرس من خلال اتصالاتٍ مستمرةٍ بوساطة محمد رضا وجعفر أبو التمن.
وقد تألفّت في كربلاء جمعيةٌ سريّةٌ في محلّة باب النجف، غايتها العمل ضد بريطانيا، سُمّيت (الجمعية الوطنية الإسلامية)، وكانت تحت إشراف محمد تقي الشيرازي، وبرئاسة سليلة الشيخ محمد رضا، وعضوية السيد هبة الدين
الشهرستاني، والسيد عبد الوهاب آل وهب، وعبد الكريم آل عواد، والسيد حسن القزويني، وعمر الحاج علوان وأخوته، عثمان، وطلعت الخيّون، وعبد الهادي التبر، ومحمد علي أبو الحب، والشيخ محمد حسن أبو المحاسن. وأخذ أفراد هذه الجمعية يروّجون الاجتماعات، ويبثّون الدعاية الوطنية، ويعقدون لقاءاتٍ بين رؤساء العشائر وزعماء الفرات لإزالة ما أحدثته سياسة الاستعمار من ضغائن، فتوسّع نطاق الحركة الوطنية. وكانت الجمعية تهدف إلى رفض الحكم الإنجليزي والمطالبة باستقلال العراق واختيار ملك مسلم له، وقد أصدر الإمام الشيرازي فتواه المشهورة بهذا الخصوص التي نصها: (ليس لأحدٍ من المسلمين أنْ ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطة على المسلمين). وبعد أنْ أيّدت الفتوى من علماء كربلاء، أرسلت نسخ منها إلى مدن وعشائر الفرات الأوسط بهدف تحريضهم وتشجيعهم للانضمام والالتفاف حول الجمعية وأهدافها. وكانت هذه الفتوى من العوامل التي طورت وأثارت الوعي السياسي في العراق.
وبداية الأمر كان الشيرازي ينصح من حوله - ومنهم السيّد هبة الدين - بوجوب الإخلاد إلى الهدوء والسكينة، وعدم القيام بأيّةٍ حركةٍ تؤدّي إلى الإخلال بالأمن أو انتشار الفوضى. فلمّا أقدمت الحكومة على ما أقدمت عليه من قصف دواوين شيوخ العشائر وبيوت رؤساء العشائر المنتفضة، وأحرقت ديارهم، أصدر الشيرازي فتواه التي نصها: «مطالبتهم بالحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم ضمن مطالبهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة
الدفاعية إذا امتنعت الإنجليز من قبول مطالبهم». وعند صدور هذه الفتوى أصبح أبناء البلاد في حالةٍ أخرى في طبيعة المطالبة بالحقوق، فتطوّرت إلى ثورةٍ مسلحةٍ امتدت من الرميثة يوم 30 حزيران سنة 1920م، وإلى معظم أنحاء الفرات الأوسط، ثم ديالى، وتلعفر، وأريبل، والرمادي.
وقد كان للسيّد هبة الدين دورٌ كبيرٌ في إعلان الجهاد في كربلاء في 6 آب سنة 1920م، والاتصال بشيوخ العشائر والتحرّك لطرد البريطانيين منها، والمساهمة في تشكيل إدارةٍ عربيةٍ بتوجيهٍ من الشيخ محمد تقي الشيرازي للنظر في شؤون المدينة. وكانت هذه الإدارة على شكل مجلسين: المجلس الحربي الأعلى الذي تألّف من رئيسٍ وأربعة أعضاء: السيد هبة الدين - وكان في مقدّمتهم - والسيّد أبو القاسم الكاشاني، والشيخ أحمد الكربلائي، ومحسن أبو طبيخ، ونجل الشيخ محمد تقي الشيخ عبد الحسين. وانتخب هذا المجلس مجلسًا شعبيًا آخر عرف بالمجلس الملي، وكان ينظر في شؤون كربلاء، وما حولها من المناطق الإدارية، ويعمل على تنفيذ متطلّبات المجلس الحربي الأعلى، وكانوا يجتمعون كلّ يومٍ في بناية البلدية في كربلاء للنظر في شؤون الثورة.
كان هذا التنظيم للعلماء بمعية السيد هبة الدين الشهرستاني مهمًّا معنويًّا وتجربةً متميزةً تبعتها باقي المدن كالنجف، حيث أسّس مجموعةٌ من العلماء مجلسًا بالتشكيل عينه لإدارة شؤون النجف، كما تشكّلت إدارةٌ مدنيةٌ من قادة حزب
حرس الاستقلال في بعقوبة، وقامت برفع علم الثورة العربية.
عمل السيد هبة الدين خلال تلك المدّة على التواصل المباشر والتراسل مع الوجهاء والزعماء وقادة الحراك الثوري ضد الإنكليز، وتوضّح الوثائق التي ينقلها لنا التاريخ تواصل السيد مع القادة كعبد الواحد سكر، ومحسن أبو طبيخ، وسيد نور السيد عزيز، والسيد علوان الياسري، وعلوان الشلّال.
ممّا تقدّم، يتّضح الدور المحوري الذي كان يؤديه السيد هبة الدين الشهرستاني في التحضير للثورة العراقية الكبرى وتنظيمها، إذ لم يقتصر جهده على الدعوة إلى الجهاد ومواجهة الاحتلال البريطاني، بل تجاوز ذلك إلى العمل على توحيد الصفوف بين مختلف فئات المجتمع العراقي. اعتمد الشهرستاني نهجًا استراتيجيًّا تمثّل في إشراك العلماء والوجهاء من المدن الدينية، ككربلاء والنجف، في مناقشة الأوضاع الراهنة ووضع خططٍ لمواجهة التحدّيات السياسية والاجتماعية.
كان الشهرستاني من أبرز الداعمين لفكرة تأسيس مجالس استشارية ولجان تنظيميّة تعنى بقضايا الأمة، حيث قدّم رؤيةً شاملةً لنظامٍ دستوريّ يضمن الحقوق الوطنية ويحمي الهوية العراقية. كما حذّر من مخاطر الرضوخ للانتداب البريطاني، عادًّا الثورة مشروعًا يتطلب إعدادًا فكريًا وتنظيميًا لضمان نجاحها، وليست مجرد انفجارٍ شعبي.
وفي سياق تعزيز السيادة الوطنية، ساند فكرة الإدارة الذاتية المؤقّتة عبر المجالس المحلية، إيمانًا منه بقدرة العراقيين على إدارة شؤونهم بعيدًا عن تدخلات المحتلّ. هذا النهج الذي جمع بين الفكر والتنظيم يعكس بصيرة الشهرستاني
وحرصه على تأسيس أرضيةٍ متينةٍ لبناء عراقٍ مستقلٍّ وموحَّد.
مع تصاعد الأحداث واندلاع ثورة العشرين، تحرّكت السلطات البريطانية لقمع الحركة الوطنية، فشنّت حملات اعتقالٍ ضدّ الرموز التي حرّكت الرأي العام. كان السيّد هبة الدين الشهرستاني أحد هؤلاء الرموز. وتشير الوثائق إلى أنّه في ليلة 19 تشرين الأول 1920م، أُلقي القبض عليه من قِبل البريطانيين في مرقد الحر بن يزيد الرياحي، وحكم عليه بالإعدام، ولكن الحكم لم يثنه بالتخلّي عن رسالته؛ إذ عمل على إلقاء الدروس والمحاضرات على من كان معه فحوّل السجن إلى مسجدٍ حسب ما يذكره الخليلي في كتابه.
وقد أُطلق سراحه بعد إعلان العفو العام الذي صدر 30 أيار سنة 1921م، فذهب إلى كربلاء، وكان باستقباله جموعٌ من أهلها مرحّبين بعودة الثائرين سالمين، على وفق ما ينقله السيّد في مذكراته. وذكر السيد هبة الدين أسماء من كان معه من رجال الثورة العراقية في سجن الحلّة المركزي بأرجوزة نظمها أثناء تواجده في السجن.
مع تحوّلات العراق نحو الحكم الوطني، برزت الحاجة الماسّة إلى بناء مؤسساتٍ وطنيّةٍ فاعلةٍ تسهم في إرساء الاستقلال الحقيقي وترسيخ الهوية الوطنية، ومن هذه المؤسسات التي كانت النخبة واعيةً لأهميتها هي قطاع التعليم. عند تشكيل أوّل وزارةٍ في العراق في 25 تشرين الأول سنة 1920م كانت وزارة المعارف التي تعنى بالتعليم مدمجةً مع وزارة الصحة، ولكن مع تشكيل الوزارة العراقية الثانية انفصلت وزارة المعارف عن الصحة، وكان المطلب الأساس هو إسناد الوزارات إلى شخصياتٍ وطنيةٍ تتمتّع برؤيةٍ ناضجةٍ ووعيّ عميقٍ بمصالح البلاد. وكان السيّد هبة الدين الشهرستاني من بين تلك الشخصيات البارزة، إذ اجتمعت فيه صفتان رئيستان: عمق في الفكر وسعة في العلم، من جهة، وصدق في الوطنية والحرص على مصالح البلاد وهويتها، من جهةٍ أخرى.
لقد رأى السيد هبة الدين أنّ قبوله منصب وزير المعارف في الحكومة الوطنية
ثـــلاثةٌ قد اسـمُهم ســلـمان والمـــــسـنانِ والفتـى دُهَان
عمرانُ ذاك الصارمُ المصـقولو عـلوانُ فـيهم سيفُنا المسلول
والبرُّ نجمٌ كالـسماويِّ العابدو لا فـــتى حـرٌّ كعـبد الواحد
عليٌّ المُزعِـــــلُ للأعـــــادي كخادمِ الغـازي كـذا عبـادي
خُضيرُ العاصــي عن التسليم والشهـمُ مـن كان كإبراهـيم
طليفيحُ الحرُّ كذا فــــــرحان متــــعبُ أعدانا هـو الرحمن
عبدُ الجليلِ صِــــنْوهُ العــواد والتاجُ عبدُ الرسـولِ الهـادي
وابنُ عـنينٍ اســــمُه عبـــود وابــنُ الصليلي الفتى حمــود
بتاريخ 27 أيلول 1921 سيتيح له «إسداء خدماتٍ جليلةٍ للمجتمع العراقي»، كما سيُبعد الجوانب الفكرية والغربية التي قد تخترق بنيان الوزارة الناشئة ما جعل من تولّيه وزارة المعارف فرصةً لحماية البلاد من المخططات الاستعمارية وفق رؤيته لمفهوم الجهاد الفكري وفق ما تقدم سابقًا، والارتقاء بالمؤسسة التعليمية إلى مصاف الإرادة الوطنية الصادقة.
ما إنْ قبل السيّد هبة الدين منصبه في وزارة المعارف، حتى شرع بتنفيذ رؤيةٍ إصلاحيةٍ متكاملة. رأى أنّ الوزارة يجب أنْ تكون مثالًا حيًّا للإرادة الوطنية، وانعكس ذلك في محاور عدة من عمله:
حرص السيد الشهرستاني على الحدّ من وجود الموظفين البريطانيين في وزارة المعارف. ورفض تعيين ناظرٍ وخمسة معاونين بريطانيين، وأصرّ على أنْ يتقلّد العراقيون تلك المواقع. وقد كان يعدّ استمرار عمل الأجانب في الوزارة يعرقل مشاريع النهضة الوطنية، ويطيل أمد الهيمنة الثقافية والفكرية. وكان يرى أنّ وظائف وزارة المعارف الفنية والإدارية لا تحتاج إلى أجانب. بهذه الخطوة، وضع حجر الأساس لتمكين الكوادر العراقية المؤهلة، وجعل الوزارة حاملةً للواء الاستقلال الوطني داخل المؤسسات التعليمية. وكان يرى أنّ استقلال
التعليم جزءٌ لا يتجزأ من استقلال الدولة، وأنّه بلا معارف وطنية حرة، لن يكون هناك مجتمعٌ حرٌّ قادرٌ على مواجهة الاستعمار.
بعد هيمنة الإنجليزية لغةً رسميةً في الدوائر الحكومية، أصدر السيّد هبة الدين أمرًا إداريًا صارمًا وعاجلًا بإلزام موظفي وزارة المعارف باستخدام اللغة العربية حصرًا في المكاتبات والعناوين والوثائق. وأمر بتعريب الآلات الكاتبة، وإخضاع كلّ أشكال المراسلات والمعاملات لهذا القرار. وفي تموز 1922 قدم السيد الشهرستاني طلبًا الى رئيس الوزراء لإدخال اللغة العربية مادةً إجباريةً في المدارس الأجنبية وجعل وزارة المعارف هي المسؤولة عن تعليم اللغة العربية فيها. يُظهر هذا الموقف إيمانه بأنّ اللغة العربية ليست مجرد أداة، بل هي حامل الهوية الوطنية وقاعدة النهضة الثقافية، وكان بهذه القرارات قد انتزع زمام المبادرة من نفوذٍ أجنبيّ، واستعاد عنصرًا أساسيًا من عناصر الشخصية العراقية المستقلة.
لم يقتصر جهاده الإصلاحي على الكادر الإداري أو اللغة فحسب، بل امتدّ إلى التعامل مع المدارس الأجنبية في العراق. فقد اقترح إلغاء مساعدة هذه المدارس، رافضًا عدّها وطنيةً ما دامت إداراتها أجنبيةً أو خاضعةً لتأثيرات غير عراقية، مؤكدًا ضرورة توفير بيئةٍ تربويةٍ عراقيةٍ خالصةٍ، ولكن مجلس الوزراء رفض هذا
المقترح بعد ملاقاته انزعاجًا شديدًا من المندوب السامي البريطاني. وبالرغم من رفض المندوب السامي البريطاني لهذه الفكرة، إلّا أنّ جرأة الطرح تعبّر بوضوحٍ عن خطّه المستقل، ورغبته في قطع كلّ صلةٍ تربويةٍ أو ماليةٍ بالكيانات الأجنبية.
لم يغفل السيد هبة الدين عن ضرورة توفير الدعم المالي اللازم للوزارة؛ فطالب الحكومة بزيادة الميزانية المخصصة للتعليم. وفي مذكرةٍ رفعها إلى رئيس الوزراء، قال: «إنّه علم بأنّ نصيب المعارف من ميزانية 1922-1923 هو المبلغ نفسه الذي خُصص للوزارة السابقة، وأنّ ذلك يعني بقاء المعارف على حالها الحاضرة دون أيّ تقدم». وفي المذكرة نفسها وضّح السيّد الشهرستاني خططه في حال زيادة الميزانية المخصصة التي شملت: نشر التعليم في الأرياف بفتح مدرسة في كلّ قرية، وزيادة دور المعلمين، وبالتالي تخريج عددٍ أكبر من المعلمين، وضرورة فتح ثانوية في كلّ لواء، ومنح اللامركزية للبلديات في آليات التحكم بميزانيات تأثيث المدارس وتوفير الاحتياجات
بهذا، وضع الحكومة أمام خيارين: أمّا النهوض بالتعليم وزيادة إمكاناته المالية، وأمّا الركود والتخلّف. ولم يكن الشهرستاني يسعى إلى زيادة الأرقام وحسب، بل إلى تطوير جوهر التعليم وتنويع فرصه، بما يضمن إعداد أجيالٍ مهيّأةٍ لمرحلة الاستقلال والبناء، لكن بسبب الضائقة المالية التي كانت تمرّ بها الحكومة لم تتمكن من تحقيق الزيادة التي قدّمها، لكن مذكرته كانت أساسًا في تطوير سياسات التعليم في العراق خلال الحكومات المتتالية.
ضمن مخططه لإعداد كوادر تعليميةٍ ووطنية، شجّع السيد هبة الدين على إرسال الطلبة المتفوقين للدراسة في الخارج، شريطة انتقائهم بعنايةٍ وحرصٍ على (الالتزام الديني والأخلاقي وطلب العلم). وخاطب الطلبة قبل سفرهم، مانحًا إيّاهم نصائح قيّمةً تضمن عودتهم لخدمة بلادهم بعد إنهاء دراستهم، وتوضح هذه المعاني رسالة الطالب حسن مصطفى البغدادي إلى السيد هبة الدين حين يقول فيها: «... استرحم إتحافي بكتابٍ مملوءٍ من النصائح المفيدة كالوصية التي أوصيتمونا بها عند سفرنا، ، كي نتخذ كتابكم مرشدًا وممثلًا ومراقبًا حاضرًا معنا». هذا الحرص على تهيئة الجيل الجديد يعكس فهمه العميق للتعليم بوصفه مشروعًا وطنيًا طويل الأمد، لا يقف عند حدود الساحة المحلية، بل إنّ وجود المبتعثين يجعلهم سفراء لقضية استقلال العراق.
لم يكن عمل السيّد هبة الدين في وزارة المعارف منفصلًا عن قضايا الاستقلال الكبرى. ففي الوقت الذي كانت فيه الحكومة البريطانية تماطل في منح الاستقلال الكامل، أكد الشهرستاني موقفه الثابت الرافض لأيّ صيغة انتدابٍ تُقيّد حرية العراق. وعندما عُرض موضوع تجديد الانتداب على مجلس الوزراء، ردّ بقوله: «نؤيد رابطة المعاهدة المؤيدة لاستقلال البلاد المصرحة بوجوب احترام سيادتها الوطنية - أمّا الانتداب فلِسنا نستطيع أنْ نقبله لعدم انطباقه على رغائب الشعب العراقي».
فكان جليًا وواضحًا مطلبه في مواجهة الاستعمار وعدم الخضوع، وجهاده السياسي للوصول الى اعتراف حكومة بريطانيا بأنّ العراق دولةٌ مستقلةٌ ذات سيادة، وتعزيز عرش الملكية الدستورية في العراق. على الرغم من جهاده المستمر في وزارة المعارف، ودفعه باتجاه إصلاحٍ جذريّ في المناهج والإدارة والسياسات، فإنّ تمسّك بعض الأطراف بالصيغة الانتدابية وعدم الاستجابة الكاملة لمطالبه الإصلاحية دفعه في نهاية المطاف إلى تقديم استقالته. وفي نص الاستقالة يقول: «إنّ شعبنا العراقي الكريم الذي جاهد في سبيل تكوين حكومته الوطنية لا يهدأ روعه إلّا إذا وجد حكومته حرةً في أعمالها». برغم ذلك، بقي السيد هبة الدين في منصبه حتى تشكيل الوزارة الجديدة، وتأمين استمرارية أعمال المعارف، وبعدها سلّم حقيبة الوزارة لخلفه عبد الحسين الجلبي، تاركًا وراءه إرثًا إصلاحيًا عظيمًا. لقد أرسى قواعد وزارة معارف وطنية، ركّزت على اللغة العربية والتراث الإسلامي والقومي، وعملت على تحصين الأجيال الناشئة من سموم التبعية.
في المحصلة، مثّل جهاد السيد هبة الدين الشهرستاني في وزارة المعارف فصلًا مهمًا في تاريخ العراق الوطني، إذ وضع البذور الأولى لنهضةٍ تعليميةٍ تنسجم مع روح الأمة وقيمها، وتُؤسّس لدولةٍ مستقلةٍ حقًّا، قادرةٍ على بناء مستقبل أجيالها بروح حرةٍ وذهنٍ يقظٍ وقّاد.
تتّضح من مجمل هذا البحث معالم شخصيةٍ فريدةٍ تميّزت بوعيّ دينيّ عميق، ونضجٍ فكريّ موسوعي، ورؤيةٍ إصلاحيةٍ شاملة، تجلّت جميعها في مسيرة السيّد هبة الدين الشهرستاني. فقد واجه الشهرستاني حقبة تاريخية اتسمت بتعاظم النفوذ الاستعماري الأجنبي، وتراجع السلطة العثمانية، واختلال التوازنات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق. وفي مثل هذه الظروف المعقّدة، نهض الشهرستاني بوصفه عالمًا دينيًا موسوعيًا أفلح في توثيق الصلة بين تراث الأمة وأدوات العصر الفكرية والمعرفية، فلم يكتفِ بالتصدي للمحتل على المستوى العسكري أو السياسي وحسب، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، موسّعًا نطاق الجهاد ليشمل الأبعاد الفكرية والثقافية والاجتماعية.
لقد أدرك منذ وقتٍ مبكر أنّ الهيمنة الاستعمارية لا تنحصر في احتلال الأرض، بل تتجاوزها إلى استعباد العقول وتحريف الهوية الثقافية؛ لذلك، عمل الشهرستاني على بناء وعيّ جماعيّ مقاوم، مبنيّ على ركنين أساسيين: وحدة الصف الوطني، والارتقاء بالمستوى المعرفي والثقافي. إنّ حمله لواء التنوير الفكري، من خلال المجلات والمنابر والندوات، وتحذيره من استغلال الدين في خدمة المشاريع الاستعمارية، وتجديد فهم النصوص ضمن سياقها التاريخي والمعاصر، تمثّل جميعها وجهًا آخر لمعركة الاستقلال، لا تقل شأنًا عن المعارك الميدانية.
ولم تكن دعوته لوحدة الكلمة وتحصين الجبهة الداخلية مجرد دعوةٍ مثاليةٍ نظرية، بل تجسّدت فعليًا في توحيد جهود العلماء وشيوخ العشائر وتحريكهم لمواجهة المحتل، وصولًا إلى دوره المحوري في الإعداد لثورة العشرين والمشاركة
(201)فيها. ومع انتهاء تلك المرحلة وبدء تشكيل الدولة العراقية الحديثة، واصل جهاده بوعيّ ثاقبٍ في ميدان أكثر عمقًا وتأثيرًا، وهو التعليم؛ فمن خلال تولّيه حقيبة المعارف، بذل جهده لتعريب المؤسسات التعليمية، وإقصاء النفوذ الأجنبي، وبناء نظام تربوي يعزّز الهوية الوطنية، ويؤسّس لأجيالٍ قادمةٍ تحمي استقلال البلاد بقوتي الفكر والمعرفة.
إنّ تجربة الشهرستاني تلخّص معركةً شاملةً خاضها مفكّرٌ من طرازٍ رفيع: يدفع العشائر إلى ميدان القتال، ويُلهب مشاعر الطلبة على مقاعد الدراسة، ويسعى لإرساء دستورٍ وطنيّ يحمي البلاد من مشاريع الانتداب. بهذا النهج المتكامل، قدّم الشهرستاني نموذجًا للمثقف الفاعل والقائد المؤثر، الذي أدرك أنّ استقلال الأوطان لا يتحقق بإزاحة المستعمر فحسب، بل بتعزيز دعائم الثقافة والهوية واللغة والمؤسسات الوطنية. وبذلك ترك أثرًا بالغًا في فهم طبيعة الصراع الشامل ضد التبعية، واستيعاب أنّ مقاومة الاستعمار تبدأ من الذهن والقلم قبل أنْ تصل إلى البندقية والساحات.
الاستنتاجات:
1. شمولية مفهوم الجهاد: بيّن الشهرستاني أنّ الجهاد ليس قتالًا مسلّحًا فحسب، بل هو منظومةٌ متكاملةٌ من المقاومة الثقافية والفكرية والاجتماعية. فقد رأى أنّ إصلاح التعليم وترسيخ الهوية اللغوية والثقافية يُعدّان شكلًا من أشكال الجهاد ضد الاستعمار الفكري.
2. أهمية الوحدة والوعي الوطني: أدرك الشهرستاني أنّ الانقسامات الداخلية تسهّل على القوى الاستعمارية تنفيذ مخططاتها؛ لذلك دعا باستمرار إلى
نبذ التفرقة وتعزيز التضامن بين مختلف الفئات الدينية والاجتماعية، وعدّ الوعي الوطني الركن الأساس في بناء حصانة المجتمع.
3. الدين قوة محرّكة للمقاومة والتحرّر: استخدم السيّد هبة الدين المرجعيات الدينية في تحريك الجماهير نحو الدفاع عن الأرض والعرض والدين. لم يكن الدين لديه أداة رجعية (كما يصفها بعضهم)، بل قوة تحرّرية تساند قضايا الاستقلال والكرامة الوطنية.
4. التعليم بوابة الاستقلال الحقيقي: رأى الشهرستاني في التعليم المفتاح لتغيير الواقع ومواجهة الاستعمار الثقافي؛ فسعى إلى تكوين نخبةٍ متعلمةٍ وواعية، قادرةٍ على صياغة المستقبل الوطني بمعزلٍ عن الهيمنة الأجنبية، وأدرك أنّ الاستقلال لا يكتمل إلّا عندما تنبعث إرادةٌ وطنيةٌ صادقةٌ من المؤسسات التعليمية.
5. الإصلاح الفكري والإداري شرط للنهوض: لم يكتفِ السيد هبة الدين بالرفض النظري للاستعمار، بل طرح الحلول، وأخذ بزمام المبادرة. فالإصلاح الإداري في وزارة المعارف وتعريبها ومحاربة الامتيازات الأجنبية في قطاع التعليم، وتوظيف الكوادر الوطنية، كلّها تدابير عمليّة تؤكّد أهميّة التحرّك الواعي والمنظّم.
1.أحمد، إبراهيم خليل، تطور التعليم الوطني في العراق 1869 - 1932، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1982.
2.برو، توفيق علي، العرب والترك في العهد الدستوري العثماني 1908 - 1914، القاهرة، 1960.
3.البصير، محمد مهدي، تاريخ القضية العراقية، مطبعة الفلاح، بغداد 1924.
4.البهادلي، محمد باقر، السيد هبة الدين الشهرستاني آثاره الفكرية ومواقفه السياسية، بيروت، مؤسسة الفكر الإسلامي، 2002.
5.الجعفري، رياض صالح، حسين الشعرباف، سيرة وذكريات، بغداد، 1999.
6.الحسني، عبد الرزاق، تاريخ العراق السياسي الحديث، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1979.
7.ـــــــــــــــــــــ، تاريخ الوزارات العراقية، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1988.
8.الخليلي، جعفر، هكذا عرفتهم، مطبعة الزهراء، بغداد،1963.
9.العلوي، محمد مهدي، نابغة العراق أو هبة الدين الشهرستاني، مطبعة الآداب، بغداد، 1929.
10.الفرعون، فريق مزهر، الحقائق الناصعة في الثورة العراقية، مطبعة النجاح، بغداد، 1952.
11.لونكريك، ستيفن همفري، العراق الحديث، ترجمة وتعليق سليم طه التكريتي، مطبعة حسام، بغداد، 1988.
12.المس بيل، فصول من تاريخ العراق القريب، ترجمة جعفر الخياط، بيروت، دار الكتب، 1971.
13.الوردي، علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، مطبعة الشعب، بغداد،1972.
14.الياسري، عبد الشهيد، البطولة في ثورة العشرين، مطبعة النعمان، النجف، 1966.
15.جريدة الاتفاق، السنة الثانية عشرة، العدد 24، صيدا، 1922.
16.جريدة العدل، السنة الثامنة، صفر 1334 هـ.
17.جريدة الزهور البغدادية، صفر 1334 هـ.
18.جريدة المفيد، السنة الأولى، 17 نيسان 1922.
19.مجلة العلم، العدد الأول، جمادى الثاني 1328 هـ، النجف.
20.رسالة مبدر الفرعون إلى السيد هبة الدين الشهرستاني.
21.كتاب السيد هبة الدين الشهرستاني إلى شيوخ العشائر.
22.نداء السيد هبة الدين إلى المجاهدين.
23.مذكرات السيد هبة الدين الشهرستاني، مكتبة الجوادين العامة، بغداد.
24.مذكرات السيد هبة الدين الشهرستاني، بعنوان (سبب انتحار القائد العسكري)، مكتبة الجوادين العامة.
25.مذكرة وزير المعارف السيد هبة الدين إلى رئيس الديوان الملكي، ملفات وزارة المعارف العراقية.
26.مذكرة السيد هبة الدين حول التعليم الوطني، ملفات البلاط الملكي.
م. م رقية حيدر طاهر القاضي
إنّ مفهوم الثورة هو تغييرٌ جذريّ سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، والقائمين بها مصمّمون على التغيير الشامل ورسم هيكل تنظيميّ سياسيّ جديدٍ بوعي وإرادة، ومثل هذه الحركات الثوريّة حدثت في العراق وهي (ثورة العشرين) التي عبّرت عن وحدة وتلاحم أبناء العراق بأثنوغرافيته المجتمعيّة، فلم تكن صنيعة حزبٍ أو كتلةٍ معينةٍ؛ وإنما استنهضتها الروح الوطنية ورفض الظلم والاستبداد الذي مارسه الاحتلال البريطاني.
تتبعت الدراسة الثورة العراقية على الاستعمار البريطاني وعناصرها وجذورها التاريخية والوطنية والقومية، كذلك تناولت أسباب قيام الثورة وعوامل قيامها ومواطن نجاحها، وغير ذلك، بدراسة موضوعية مجردة عن الأهواء والأغراض.
وممّا توصّل إليه البحث وجود دورٌ كبيرٌ للثوّار والمقاومة للاستعمار البريطاني من قبل رؤساء العشائر والأحزاب والحركات الشبابيّة. وانّ السمة الغالبة على الأفكار والخطط والمشاريع للاحتلال البريطاني في العراق هي السعي لتحقيق المصلحة البريطانية قبل كلّ شيء، فجاءت القوانين المدنية والعسكرية والسياسية والقضائية وشكل الحكم ونظامه وفقا لذلك.
الكلمات المفتاحية: المرجعية الدينية، الثورة، الثوار، الاستعمار البريطاني، الثورة العراقية الكبرى.
إنّ مفهوم الثورة هو تغييرٌ جذريّ سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، ومن الثورات الكبيرة التي تركت أثرًا في سفر التأريخ البشري، ومن الحركات الثورية التي حدثت في العراق هي (ثورة العشرين)، إذ إنّها الثورة التي عبّرت عن وحدة وتلاحم أطياف الشعب العراقي بأثنوغرافيته المجتمعية، فلم تكن صنيعة حزبٍ أو كتلةٍ أو طائفة، وحتى لم تكن لها جغرافية محددة مقفلة، بل كانت مساحتها العراق، والعراق كلّه، وهذا الحراك الوطني الشامل هو التصميم على الخلاص والتغيير بالاعتراف بدولة اسمها العراق.
وهنا تبرز أهمية الثورة في إفهام الشعب بنوايا بريطانيا الخبيثة في (تهنيد العراق) وإلحاقه بدول التاج البريطاني، إذ هي شهادةٌ تاريخيةٌ للمشاركة الشاملة للعراقيين وهو البعد الوطني للثورة، كثورة مدينة النجف الأشرف ومعركة الرارنجية، وحصار الكوت، ومعارك العارضيات والهاشميات، ومعارك الكفل والحلة، ومعارك عشيرة زوبع وقطعهم سكك الحديد بين بغداد وسامراء، ومعارك العشائر الكردية؛ لذا لم يكن الكرد في معزل عن ثورة العشرين، فقد تحركت القبائل والعشائر الكردية تضامنًا مع العشائر العراقية الأخرى، وهبّ ثوار كردستان في السليمانية وهولير (أربيل) وعقرة وسنجار وخانقين وكفري،
وفي كفري بالذات وقعت معارك طاحنة بقيادة القائد الكردي إبراهيم خان نهاية 1920م، واستولوا على مدينة كفري، وقتل قائدهم (كوردن).
ومعارك اشتركت فيها عشائر من الكرد الفيليين مع إخوانهم من العشائر العربية في ديالى، ومندلي، وخانقين، وبدره، والحي، والنعمانية، والصويرة، ومعارك سنجار وتلعفر بمشاركة أتراكها ومسيحييها، وكانت الأهازيج والهوسات هي تقنيات الحرب الإعلامية استعملها الثوّار في ثورة العشرين محفّزًا ومصدرًا إعلاميًّا لبطولاتهم، وأرشيفًا احتفظت به الذاكرة العراقيّة لشحذ الهمم وتفاخر الأحفاد بها.
وجاء قيام الانتفاضة العراقية جرّاء عدم إيفاء دول الحلفاء بالوعود المقطوعة للعرب بنيل الاستقلال كدولةٍ عربيةٍ واحدةٍ عن دولة الخلافة العثمانية، بالإضافة إلى حدوث التضخّم النقدي وما أدّى من بعده إلى ارتفاع في الأسعار في العراق، ونقص العدالة والمساواة التي قام الإنجليز بتطبيقها أثناء حكمهم للعراق، ورعونة بعض الحكّام السياسيين ومعاونيهم من الإنجليز الذين تولّوا مناصب الحكم فى ألوية العراق وأقضيته، وتم إعلان الثورة رسميًا في يوم 11 يوليو اجتمع
رؤساء العشائر في المشخاب في مضيف الشيخ عبد الواحد الحاج سكر، وقرروا البدء بإعلان الثورة وفي اليوم التالي تم إعلان الثورة ورفع رايتها وتقدمت جموع العشائر نحو منطقة (أبو صخير) لمحاصرتها.
فكانت ثورة العشرين الكبرى أول حدثٍ في تاريخ العراق يشترك فيه العراقيّون بمختلف طبقاتهم وفئاتهم، فقد شوهدت فيها العمامة إلى جانب الطربوش، والكشيدة إلى جانب اللفة القلعية، والعقال إلى جانب الكلاو، وكلهّم يهتفون (يحيا الوطن)، ولم يشهد العراق خلال حكم العثمانيين، أية معركةٍ اشترك فيها أهل المدن مع العشائر، فقد كان هناك نفور بينهما اختفى أثناء ثورة العشرين، ولم يكن للمعارك السابقة أية صبغةٍ دينيّةٍ إلّا نادرًا، كما لم يحدث أن أفتى العلماء بتأييدها، أمّا ثورة العشرين فقد أفتى العلماء بتأييدها وعدّوها جهادًا في سبيل الله، إذ إنّ مفاهيم الوطنية والاستقلال لم تكن معروفة لدى العراقيين، ومن الممكن عدّ ثورة العشرين المدرسة الشعبية الأولى التي علّمت العراقيين تلك المفاهيم، ومناطقيًا لم يحدث أن امتدّت معركة سابقًا في أنحاء العراق بمثل ذلك النطاق الذي امتدت بها ثورة العشرين.
وذكر السيّد عبد الرزاق الحسني في كتابه الثورة العراقية الكبرى، مقدماتٍ سبق اندلاع الثورة تتعلّق بالوضع الاقتصادي وسوء إدارة الاحتلال المتمثلة باحتياجات الجيش المحلّية، التي تضمّنت السخرة وجمع الطعام وإشغال العقارات ببدلاتٍ ضئيلةٍ، وإذلال الناس وسلب ثروات البلاد، بينما كان العامل الأبرز والأهم هو موقف علماء الدين، وإنّ هناك أوضاعًا اجتمعت مع بعضها
خلال تلك الفترة بين ظروف الحرب العامة، وعنف الموظفين البريطانيين ضد رجال القبائل التي بعثت فيهم روح التكتل وتناسي الضغائن والعصبيات القبلية، لتحلّ محلها العصبية القبلية العامة، ومن جانب آخر تأثّرت المدن بحركة الأحزاب السياسية والحركة الثقافية الكبيرة والحس الوطني الذي بدأ بالنمو حتى قبل الإطاحة بالحكم العثماني، كذلك سلوك البريطانيين كما يصفه علي الوردي وصل إلى حد الرعونة في حالات كثيرة، ومن قبل بعض الحكام بالإضافة لقسوتهم وعدم معرفتهم بعادات وتقاليد العراقيين، أبرزهم الميجر ديلي الذي كان يحكم الديوانية، والكولونيل ليجمن الذي كان يحكم الموصل، ثم تحوّل إلى الرمادي، كما أنّ بريطانيا عملت في العراق وفق سياسة (فرّقْ تَسُدْ)، فكانت تأتي إلى العشيرة وتختار شخصًا منافسًا لرئيسها وتمنحه الإقطاعيّات والأموال وعددًا من الشبانة (الشرطة) لحمايته، بالتالي حاولت شقّ العشيرة إلى نصفين، فاستفادت بعض العشائر، وأخرى تضررت، أما العامة من الطبقات المسحوقة والكادحة فقد عانت من جرّاء سياسات الاحتلال ورفضته تمامًا، ساعدها على ذلك تأييد عددٍ كبيرٍ من رجال الدين، وبدأت شرارة الثورة من الرميثة نتيجة لعدة وقائع هي أحداث دير الزور، وواقعة تلعفر، وأحداث رمضان في بغداد، ونفي نجل الميرزا الشيخ الشيرازي، انتهت بقمع البريطانيين لأهل هذه المناطق بوحشية، ونفي عددٍ كبيرٍ من قادة الاحتجاجات، قبلها بخمسة أيام سمع الميجر ديلي أنّ عشيرة الظوالم رفعت راياتها مظهرة أنّها في حربٍ مع الحكومة، أرسل أبو الجون الخبر إلى ابن عمّه غثيث الحرجان الذي سارع مع عشرة رجالٍ مسلّحين
لتحريره، لتبدأ أحداث ثورة العشرين بسلسلةٍ من المعارك بعد قيامه باقتلاع أخشاب سكة الحديد، واستمرت عشائر الرميثة تقاتل البريطانيين منفردةً وحدها زهاء أسبوعين، بعدها بدأت رايات الثورة ترفع في مناطق عديدةٍ من الفرات الأوسط.
كما كانت هناك بعض الأسباب والعوامل والأمور التي مهّدت وهيّأت لانطلاق الثورة، فكانت أسباب وظروف محليّة ودوليّة متعددة الجوانب، إذ خلقَ البريطانيون بسياساتهم القمعيّة تجاه الشعب العراقي الجو الملائم لاندلاع الثورة منذ قيامهم بقمع انتفاضة النجف (1918م)، ومن ثم تزوير رأي الشعب في الاستفتاء، فضلًا عن إلقاء القبض مرتين على الوطنيين من أعضاء الجمعية الوطنيّة الإسلامية، ونفيهم الى خارج البلد، أدت كل هذه الأعمال وغيرها الى زيادة الاحتقان الشعبي داخل العراق، ومن ثم انفجاره بثورة عارمة شملت مختلف مناطق العراق من الشمال إلى الجنوب. ويمكن إيجاز الأمور التي مهّدت لانطلاق الثورة الكبرى بالآتي:
1. دور المرجعيّة الدينيّة وعلماء الدين في استنهاض الناس للمطالبة بحقوقهم عن طريق القيام بثورةٍ ضد الاحتلال البريطاني أسوةً بشعوب المنطقة، إذ إنّ من أهمّ الأسباب والشواهد على نجاح الثورة هو دعم ودور المرجعية الدينية الذي كان الداعم والمؤثر الأول والأكبر والأهم في انطلاق الشرارة الأولى للثورة؛ إذ عد شيوخ العشائر والثوار من يعمل مع بريطانيا كافرًا، وتضامنوا مع فتاوى المرجعية الدينية في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، منطلقين من تلك
الهتافات نحو إشعال سراج الثورة التي خلّدها التأريخ والى اليوم، كذلك كان انطلاق المظاهرات السلميّة بدعمٍ وتوجيهٍ وإرشادٍ من المرجعية الدينية إذ كان لها دورٌ كبيرٌ في التأجيج للثورة، ومن أهم الأسباب لقيام الثورة واندلاع لهيبها هو موقف رجال الدين، ولاسيّما المجتهدين من علماء الشيعة الإماميّة.
2. الضرائب الباهظة التي فرضتها الإدارة البريطانيّة على سكّان العراق، والتي لم تكن مألوفةً خلال العهد العثماني، هذا أدّى الى تدهور الأوضاع الاقتصاديّة وارتفاع الأسعار.
3. تغيير الوضع الاجتماعي السائد في العراق قبل الاحتلال عن طريق استمالة شيوخ العشائر ودعمها بالمال والسلاح وبكلّ ما يلزمها لكي يكون الشيخ هو المسؤول أمامهم عن الأمن والنظام في منطقته، ممّا أثار عامة الناس على تلك الإجراءات الجديدة.
4. نكث الاحتلال البريطاني بوعوده باستقلال العراق بعد تحريره من العثمانيين، وتسلطه على مقدرات العراق، واستعمال أسلوب القسوة ضد السكان، وإجبار المواطنين على العمل في السخرة، وإصرار الحكّام البريطانيين على إخضاع العراق إلى الإدارة البريطانيّة المباشرة.
5. تنامي الحسّ الوطني لكثيرٍ من العراقيين في مدن العراق المهمّة مثل النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، وبغداد والكاظميّة، وقيام مجموعة من الزعماء المحليين بالتصدّي لقضية العراق ومطالباتهم بالاستقلال.
6. التضييق على الحريّات العامة في العراق، وتحجيم دور الموجهين من رجال الدين، والوعاظ، والخطباء، والشعراء، والكتاب والمعلمين وغيرهم، ولا سيّما بعد فشل الجهود السلميّة في إقناع الإدارة البريطانيّة بالاستجابة إلى مطالب الشعب العراقي، وبدأت بتصعيد سياستها وممارساتها ضدّ المعارضين والناشطين، ففي(21 نيسان 1920م) ألقى الميجر بولي القبض على الشيخ محمد رضا نجل الشيخ الشيرازي وعدد من شيوخ ووجهاء العراق، ثم نفيهم إلى جزيرة هنجامفي الخليج العربي، إلّا أنّ تهديد الشيخ لبريطانيا بإعلان الجهاد عليهم جعلهم يعيدونهم مرة أخرى للعراق.
7. إنّ أخبار الثورة التي قام بها الأحرار في مصر في(آذار1919م)، في وجه الاحتلال البريطاني، ألهبت الحماسة في نفوس العراقيين، فضلًا عن ذلك قيام الحكومة الفيصلية في الشام قبيل انتهاء الحرب العالميّة الأولى، وانخراط معظم الضباط العراقيين فيها، وتمتعهم بالمراكز المهمة في دواوينها، وسعي (حزب العهد العراقي) في دمشق ليكون للعراق حكومة عربيّة.
ويرى السيّد عبد الرازق الحسنيّ «أنّ تلك العوامل أثارت العراق سياسيًّا ولا سيّما بعد أنْ ظهرت نيّات بريطانيا نحو مستقبل البلاد، فتحرّكت الجماهير العراقيّة بكافة طبقاتها وهيئاتها، وممّا دفع هذه الجماهير بحركتها السياسيّة سوء الإدارة المحتلّة بأعمالها فدفعت بالعراقيين نحو الثورة، وكانت بيانات الحملة
العسكريّة البريطانيّة تصور للعراقيين بأنّ بريطانيا احتلّت بلدهم لتخلّصهم من الاحتلال العثماني، إذ نصّ أحد تلك البيانات على الآتي: «بخصوص محافظتها على المراقد المقدّسة على أن يمرّ الحُجّاج أو الزوّار الهنود القادمون من الهند وألّا يعترضهم أحد في طريقهم..».
ويلاحظ أنّ تلك البيانات كان المقصود منها زعزعة الوحدة الإسلامية، وإثارة النفرة بين العراقيين، وفي يوم (14 شباط 1915م)، أذاع السير بيرسيكوكس بلاغًا خطيًّا، وهذا نصه: «إنّ الحكومة البريطانية قد اضطرت ضدّ رغبتها إلى محاربة تركية بسبب الأعمال العدوانيّة التي قامت بها الحكومة التركية، أمّا العرب فإنّ الحكومة البريطانية ليست لها رغبة في أن تعاملهم كأعداء لها، طالما ظلّوا هم أنفسهم أصدقاء ومحايدين، بل إنّ الحكومة البريطانية على العكس ترغب في تحرير العرب من ظلم الترك، وتيسير التقدم لهم، وزيادة رفاههم وصناعتهم». وقد أدّت احتياجات الجيش البريطاني المحلية إلى إصدار عددٍ كبيرٍ من البيانات والإعلانات والأوامر المعقّدة، هيمنت على العلاقات بين الجيش والآهلين، فكانت شديدة الوطأة صعبة التنفيذ.
يشير علي الوردي في كتابهِ (لمحات اجتماعيّة)، إلى أسباب اندلاع ثورة العشرين، بقولهِ: «أصاب البلاد تضخّم نقدي أيام الاحتلال البريطاني، فارتفعت أسعار القمح والرز؛ فولّد مجاعةً، وبالمقابل زادت الضرائب إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه أيام العثمانيين، واتّبع الإنجليز سياسة تقريب شيوخ عشائر وإهمال آخرين؛ فثارت الضغينة بينهم، وامتعضوا من سياسة المُحتل البريطاني، كما أنَّ السياسة البريطانية التي تتوخَّى العدالة والمُساواة في الحكم
القضائي، دفعت الفلاَّحين إلى أن لا ينظروا إلى شيوخهم كما كانوا في الماضي؛ ولهذا زاد كُره الملاَّكين للسياسة البريطانية، وهناك أخيرًا رعونة بعض الحكَّام السياسيين البريطانيين ومعاونيهم وقلَّة خبرتهم، ومنهم ليجمان في الموصل، ومن ثمَّ الرمادي، والنقيب ديلي في الديوانية، حيث اتَّسمت سياستهما بالتعسُّف والاستبداد والفظاظة».
وبذلك تعدّ ثورة العشرين العراقية الخالدة ثورةً تاريخيةً ضدّ الظلم وضدّ الاحتلال البريطاني الذي أراد بأرض العراق وشعبه فسادًا، ولقد بدأت الثورة بادئ الأمر، بتظاهراتٍ سلميّةٍ ضد الاحتلال البريطاني وللمطالبة بالاستقلال، وسرعان ما تحوّلت التظاهرات السلميّة إلى ثورةٍ مسلّحة، نتيجة ممارسات الاحتلال القمعيّة، إذ حاول الاحتلال البريطاني طمس حضارة العراق بجعله تحت الحكم المباشر ثم الانتداب ففي 25نيسان 1920م، أعلنت مقررات مؤتمر سان ريمو والتي تضمنت إعلان الانتداب البريطاني على العراق وفلسطين، والفرنسي على سوريا ولبنان، لقد كان القرار صدمةً قويةً للأوساط الشعبيّة والدينيّة العراقيّة، وكانت قد سبقته تحركاتٌ سياسيّةٌ فجّرها الاستياء من سوء معاملة الإدارة البريطانيّة للعراقيين عمومًا، وكانت المرجعيّة الدينيّة بزعامة المرجع الديني الشيخ محمد تقي الشيرازي قدسسره تشرف على الاتصالات مع الأطراف الداخليّة والخارجيّة للمطالبة بحقوق العراقيين، وجرى عقد العديد من الاجتماعات في المدن العراقيّة الكبرى لاسيّما المقدسة في كربلاء والنجف حضرها عددٌ من العلماء ورؤساء العشائر حضره الشيخ محمد رضا الشيرازي
نجل المرجع الشيرازي، طرحت في تلك الاجتماعات أفكار مختلفة، وكان أقواها فكرة الثورة ضد الاحتلال البريطاني، أجابوا الثوار الشيخ الشيرازي بأنّه إنْ كان يخشى الفوضى، ويعدّ حفظ الأمن أهم من الثورة بل أوجب منها، بأنهم قادرون على حفظ الأمن والنظام، وأنّ الثورة لا بدّ منها وسوف يبذلون ما في وسعهم لحفظ النظام وتوفير راحة العموم، فقال لهم: « إذا كانت هذه نياتكم وهذه تعهداتكم فالله في عونكم»، وبدأت التحركات السياسيّة بدعوة الناس للتظاهر سلميًّا للمطالبة بالحقوق المشروعة، فأصدر الشيخ الشيرازي قدسسره بيانًا يدعوهم فيه للتظاهر السلمي مع المحافظة على الأمن، وقد قامت جماعة كبيرة بتلك المظاهرات، مع المحافظة على الأمن، طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لاستقلال العراق، ولم ينسَ الشيخ الشيرازي أنْ يوصي بغير المسلمين فقال في رسالته: «وأوصيكم بالمحافظة على جميع الملل والنحل التي في بلادكم، في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ولا تنالوا أحدًا منهم بسوء أبدًا، وفقكم الله لما يرضيه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».
انطلقت الثورة من ظروفٍ اجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ عسيرة، فهي تُعد أوّل ثورةٍ في تاريخ العراق المعاصر وشكلت منعطفًا تاريخيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا للشعب
العراقي، وكانت البداية لتأسيس الدولة العراقيّة الحديثة، وهذه الأهمية للثورة تنبع من الظروف المحيطة بها، والتي رافقت انطلاقها، والنتائج التي تمخضت عنها والتي كان لها أثرٌ كبيرٌ على مستقبل العراق السياسي الحديث، وتنبع أهميّتها من الآتي:
1. إنّها أول ثورةٍ وطنيّةٍ ضد المحتل خاضها الشعب العراقي بكلّ طوائفه، وهي تعدّ مفتاح وحدة العراق من الريف الى المدينة، فضلًا عن أنّها أول ثورةٍ في الشرق الأوسط صدمت الاحتلال البريطاني، وكانت مفتاح إعلان العراق دولةً مستقلةً تحت حكم النظام الملكي، بعد سنواتٍ من السيطرة الأجنبيّة عليه.
2. جعلت هذه الثورة بريطانيا تعيد النظر في سياستها التي كانت تعتمد على القوة في السيطرة على الشعوب، تلك السياسة التي كانت أحد أسباب قيام ثورة العشرين في العراق، فقد رأت الحكومة البريطانيّة أنّ سياسة القمع والشدة لا يمكن أنْ تؤدّي إلى نتيجةٍ حاسمةٍ في العراق، والثورة برهنت على أنّ شعبًا مثل الشعب العراقي لن يرضخ للسيطرة الأجنبيّة ممّا قاد إلى قيام بريطانيا بتغيير مندوبها السامي في العراق تحت وطأة الثورة.
3. أفشلت الثورة كلّ خطط الاحتلال التي كانت ترمي إلى جلب أعدادٍ كبيرةٍ من شعوب جنوب شرق آسيا وإسكانهم العراق، من أجل استمرار السيطرة عليه لأطول مدةٍ وربطه في فلك بريطانيا، وكان للثورة دورٌ مهمٌّ في تأسيس
الدولة العراقيّة، إذ تقول المس (جيرترويد بيل)في أوراقها بهذا الخصوص: «لم يكن يدور بخلد أحد ولا حكومة صاحبة الجلالة، أنْ يمنح العرب مثل الحرية التي سنمنحهم إيّاها الآن كنتيجة للثورة».
4. إنّها الثورة التي وحّدت الشعب العراقي كافة تحت قيادةٍ شعبيّةٍ موحدة، وتحت إشراف المرجعيّة الدينيّة بقيادة المرجع الأعلى الشيخ محمد تقي الشيرازي الذي أعطى فتواه بالإذن الشرعي بالجهاد وإعلان الثورة، إذ إنّ الدور الذي خاضته المرجعية الدينيّة في بداية القرن العشرين واضحًا، وقد أيّد الشيخ محمد تقي الشيرازي (قد) الحركة الدستوريّة في إيران عام 1906م، عندما بارك هو ومجموعة من علماء الدين في العراق بفتوى أيّدوا فيها الدستور والمجلس الشعبي الإيراني المنتخب، وبذلك فإنّ الوعي السياسي الجديد في العراق أخذ يتجسّد عبر مواقف سياسيّة جريئة، وأصبحت محاربة الاستبداد مبدأً متكاملًا لدى علماء الدين في الحوزة العلميّة في العراق.
5. ممّا لا يخفى أنّ ثورة عام 1920 من أهمّ الثورات ضدّ القوات البريطانيّة في العراق، وكان وراء اندلاعها أسباب متعددة، من أهمّها سوء الإدارة البريطانية وتعسّفها في إدارة البلاد، فضلًا عن الضرائب الثقيلة التي أرهقت كاهل الشعب العراقي، وسبق قيام ثورة العشرين اندلاع ثورة النجف الأشرف عام 1918م.
ثم تسارعت وتيرة الأحداث التي دعت إلى قيام ثورةٍ شاملةٍ ضدّ البريطانيين، وإنهاء فكرة إلحاق العراق بمحمية عدن، وجعله مستعمرةً تابعةً لها على إثر ذلك، اجتمع بعض من زعماء الفرات الأوسط في بيت الشيخ هادي المكوطر، أحد كبار شيوخ محافظة الديوانية، بعد ذلك خرج الجميع من الاجتماع بفكرةٍ واحدة، هي توعيه الناس وحشد الجهود، وأنشئت جمعية الرابطة الإسلامية للقيام بذلك، وكانت من الأسباب المباشرة لاندلاع الثورة قيام القوات البريطانية بسجن الشيخ شعلان أبو الجون شيخ عشيرة الظوالم في محافظة المثنى (السماوة) بجنوب البلاد، إذ هاجم رجال قبيلته سراي الحكومة وحرروه بعد أن قتلوا بعض البريطانيين، فكان ذلك إيذانًا بإعلان الثورة وانطلاق شرارتها التي احتدّ لهيبها سريعًا لتشمل أنحاء مختلفة من البلاد، ففي الثاني من تموز أعلنت النجف الثورة، وتجمهر الناس حينما وردت الأخبار من الرميثة في الصحن العلوي المطهر ورفعوا العلم العربي، وفي الرابع من تموز فرض الثوار الحصار على مدينة السماوة، ونسفوا خطة السكة لحديد، وعبثًا حاول المستعمرون القضاء على الثورة في مهدها.
تعدّ ثورة العشرين أولى الثورات الوطنيّة الكبرى التي شهدها العراق في تأريخه الحديث؛ إذ اصطدم الشعب العراقي في هذه الثورة وبقوة السلاح مع قوات الاحتلال البريطاني، وألحق بها هزائم منكرة، وأرغم الإنكليز على الاعتراف بحقّه في التحرير والاستقلال، وتقرير المصير.
كما أعطت الثورة دلالات حاسمة:
١. إنّ وحدة الهدف يجب أن تتبعها وحدة الصف العلني، وأنّه من دون هذه
لوحدة لا يمكن لأية ثورة أنْ تضمن النجاح.
٢. إنّ الشعب الثائر يستطيع بوحدة أبنائه واستعدادهم للتضحية أنْ يهزم العدو المحتمل مهما كان لهذا العدو من قوة السلاح، وكثرة الجند ومختلف أساليب الحرب الحديثة.
3. لقد شملت الثورة أنحاء واسعة من العراق قبل الثلاثين من حزيران ١٩٢٠م، الذي عدّه المؤرّخون والكتّاب بداية للثورة، فإنّنا نجد أنّ لهيب الثورة في المناطق الشمالية لم يخمد أواره طوال أيام سنة ١٩١٩، وأوائل سنة ١٩٢٠م، واستمرت الى ما بعد خمود لهيبها في الفرات الأوسط.
4. كان لثورة العشرين وأحداثها اليومية صدى واسع في الصحف العالمية التي قامت بنشر جملة من أحداثها، ومن تلك الصحف العالمية، صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، وهي وإنْ كانت متأثرةً بشكلٍ كبيرٍ بمصدر الخبر المنقول من الصحف البريطانية الصادرة آنذاك كالتايمز اللندنية، والديلي نيوز، وديلي كرونكر، وديلي ميل، وديلي اكسبريس، وديلي ميل القاهرية، بالإضافة إلى اعتمادها التقارير والنشرات الحربية البريطانية، وأخبار مجلس العموم البريطاني، لكن مع ذلك يمكن للفرد المطلع على ما نشرته هذه الصحيفة من أخبار وتقارير حول ثورة العشرين أنْ يستشفّ مدى الأثر الذي أحدثته ثورة العشرين المباركة، حيث نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في مرات عديدة متفرقة بأنّ:
«التقرير من طهران يقول إنّ الموقف في جنوب العراق أصبح جديًا، ويضيف: أنّه قد ذكر في طهران أنّ خط سكة حديد بصرة بغداد قد قطع في ثلاث أماكن.
5. عندما انتقدت سياسة الحكومة البريطانية في العراق في تشرين الثاني ١٩١٩م، من قبل الصحافة والمعارضة بمجلس العموم البريطاني على أساس أنّها تكون عبئًا ثقيلًا على موارد بريطانية المالية وقواتها العسكرية، وطالب المعارضون بالانسحاب من العراق، ردّ رئيس الوزراء المستر لويد جورج على المعارضة بقوله: «إنّ ولاية الموصل العراقية غنية بالنفط، وحالما تنسحب بريطانية من العراق تحمل حلها دولة أخرى»، وفي الثالث والعشرين من حزيران ١٩٢٠، تقدم المستر اسكويث باقتراح يرمي إلى الانسحاب من العراق، وقال: «اذا نظرنا إلى أحوال البلاد وما نحن عليه من الضيق المالي، حكمنا دون تردد أننا ساعون في تكليف أنفسنا فوق طاقتها، اذا أخذنا على عهدتنا صرف ٣٠ أو ٤٠ مليون ليرة على قطر ليس فيه من السكان سوى مليوني، نسمة». فرد عليه المستر لويد جورج بقوله: «أمن المعقول أنّنا بعد كلّ هذه الجهود التي قمنا بها نغادر العراق تاركين كل شيء خوفًا وسأمًا من ثقل حملها؟»، وقد أجابت أكثرية المجلس رئيس الوزراء بالنفي وقالوا: (كلا كلا)، ومن هذا يظهر أنّ السياسة البريطانية في العراق كانت تستهدف البَّقاء في هذه البلاد، وأنّ ثورة العشرين الكبرى كانت من العوامل الرئيسة في تغيير هذه السياسة، أو إكسابها مرونة أكثر من ذي قبل
على الأقل.
6.. لقد بعثت الحرب وسوء الإدارة، وعنف الموظفين البريطانيين في رجال القبائل روح التكتل، وتناسى الضغائن والعصبيات القبلية، وكان العامل الديني هو الأول في إثارة القبائل ضد الإنكليز، وقد ظهر أثر ذلك واضحًا في الشعر الشعبي الذي كان يترنم به أفراد القبائل أثناء القتال مع الإنكليز، كما ظهرت بوادر روح وطنية تضيق عنها روح القبيلة الضيقة، فذكر الشعراء العراق والوطن في شعرهم الشعبي كما ذكروا فكرة التعصب للعروبة، في شعرهم هذا، ولم يظهر أفراد العشائر تحسّسهم لأهداف الثورة بشعرهم الشعبي، الذي يُعدّ أحسن معبّر عن شعورهم الحقيقي، بل ظهر هذا الشعور في المضابط التي نظمها رؤساؤهم كوسيلة لإظهار إسهامهم في الحركة الوطنية، وفي المؤتمرات التي عقدوها للغرض نفسه سواء كان ذلك قبل الثورة أم في أثناء الدور العسكري منها.
7. ومن دلالات الثورة أنّها ولّدت نوعًا من الإحساس بقضية العراق العامة، ذلك الإحساس الذي تعدّى حدود الاهتمام بمشكلات القبيلة ومنازعاتها المحلية إلى الاهتمام بمصلحة الوطن عامة أخذ خلال فترة ثورة العشرين يجد طريقه إلى نفوس الكثيرين من أمراء القبائل وخاصة طبقة الزعماء منهم، وقد أحس المسؤولون الإنكليز بهذا الوعي الوطني وشهدوا آثاره الفعلية، فالجنرال هالدن يقول: «شهدت أشهر صيف سنة ١٩٢٠م نوعًا من اليقظة في الشعور
الوطني الذي كان راقدًا فيما سبق، في نفوس أبناء القبائل العراقية، وأنّ الدعوات الدينيّة وجدت آذانًا صاغية من تلك القبائل، فأسفرت جهود الدعاة عن قيام عددٍ ضخمٍ من الثوار المسلحين ضدّ قواتنا». وإنّ أدوارًا تمهيدية سبقت الثورة المسلحة التي قامت في ذلك الصيف، فحركة الوعي الفكري التي بذرت بذورها في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، وتأسيس الجمعيات والأحزاب قبل الحرب المذكورة وبعدها، والوسائل السلمية التي استعملها المعنيّون بالحركة الوطنية، والحركات العسكرية التي قامت ضد الإنكليز في الشمال، وحركة النجف لسنة ١٩١٨، كلها عوامل ممهدة لثورة سنة ١٩٢٠ .
إنّ الأسباب المحرّكة لتلك الثورة الخالدة والتأريخية كثيرة، وإنْ اختلفت حولها الرؤى والأفكار السياسية، فقد عزاها السياسيون المشاركون فيها من خلال مذكراتهم، أو المؤرّخون والكتّاب أو الصحفيون إلى أسبابٍ عديدةٍ منها أسباب خارجية، ومنها أسباب داخلية متعلقة بشؤون العراق سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم غير ذلك، وأهمها بما يأتي:
لم يكن الانقسام في المجتمع العراقي قد توقف بعد انتهاء الحرب، واستسلام الدولة العثمانية، واحتلال العراق من قبل بريطانيا؛ بل اتّخذ أبعادًا جديدة، وأضيفت إليه عوامل وقوى جديدة، واتّخذ له وجهة أخرى؛ فأصبح الأمر يطرح
نفسه في سؤالٍ على النحو الآتي: من الذي يقف إلى جانب الوجود البريطاني في العراق، ويعدّه ضروريًا لتطور العراق، ومن يقف ضد الوجود البريطاني في العراق، ويدعو إلى نيل الاستقلال والسيادة الوطنية؟
إنّ الفترة بين 1918 و1920 كانت فترة تبلورت فيها المواقف بوضوح بين بريطانيا التي تريد البقاء - وخاصة بعد تسلم (ويلسون) المسؤولية في العراق خلفًا للسير (وليم) وهو الذي كان راغبًا في ربط العراق بالهند ربطًا محكمًا لتبقى مستعمرة دائمة لبريطانيا» وبين غالبية العراقيين في موقفهم الداعي إلى الاستقلال، وإنّ الاختلاف في المواقف بين العراقيين تركّز بالأساس بين أوساط معينة من الشعب العراقي، فلم يكن مستوى الوعي آنذاك يسمح حقًا بالتعرف على نوايا الاستعمار البريطاني، أو أغراضه في العراق، فلم يكن سهلًا مثلًا على الفلاحين الخاضعين لتسلط شيوخهم، والمحرومين من نعمة القراءة والكتابة، أن يصلوا إلى مصادر المعلومات، أو يطلعوا على مجريات الصراع في العراق والمنطقة؛ فيدركوا أبعاد الصراع واتجاهاته.
وكانت هذه الاختلافات في المواقف، تبرز في موضوعات الدعاية العراقية المناهضة للوجود البريطاني، التي اتّخذت في حينها صيغًا مختلفة، تراعي مستوى وانتماء الجماعات التي يراد إيصالُ المعلومة إليها، وأدّى العامل الخارجي العربي والإقليمي والدولي دورًا مهمًا في تنشيط الكفاح الداخلي، وفي تفجير الثورة العراقية، فثورة العشرين التي جاءت استكمالًا لانتفاضة وثورة النجف في عام 1918 وكذلك ثورة السليمانية عام 1919، قد تأثرتا بالعوامل الخارجية
والتي منها: اطلاع الأوساط الأكثر احتكاكًا بالمعلومات القادمة من الخارج عبر الصحافة العربية وغيرها على ما تنشره الصحف البريطانية، وعلى ما يدور من نقاشاتٍ في مجلس العموم البريطاني حول مطالبة العراقيين بالاستقلال، أو حول التحركات السياسية والنضالات المسلحة، التي كانت تؤرق الأوساط البريطانية وسلطات الاحتلال، وتثير جمهرة غفيرة من الشعب البريطاني من دافعي الضرائب، ومن المجندين في الخدمة في العراق، كانت تطالب الحكومة البريطانية بالانسحاب من العراق، ومنح البلاد استقلالها باعتبار الاستقلال مطلبًا عراقيًا ملحًا، وكان هذا النقاش يشجع العراقيين، عندما كان يبث في المضايف والمجالس الدينية والشعبية وكان يحفّز الناس ويدفعهم إلى التفكير بالمشاركة في العمل من أجل هذا الهدف.
كما كانت الأوساط العراقية الواعية على اطلاع على المبادئ، التي طرحها الرئيس الأمريكي ويلسون حول حرية واستقلال الشعوب، والتي روجت لها الدعاية الأمريكية في صراع الولايات المتحدة مع بريطانيا وفرنسا؛ لغاية في نفسها وهي: أنْ تحتلّ الولايات المتحدة موقعًا لها تحت الشمس، وموقعًا لها في المياه الدافئة، ولا شك في أنّ الحركات المناهضة للولايات المتحدة الأمريكية، والصراعات الدولية، والخوف من تطور الأوضاع في غير صالح الدولتين، أرغمت الحكومتين البريطانية والفرنسية على إصدار بيان سياسي، تضمن التأكيد على الرأي الذي أذاعه الجنرال مود عشية احتلاله بغداد، بأنّ المحتلين جاءوا محررين لا مستعبدين، وتنفيذًا لهذه الغايات قد اتفقت كلٌّ من فرنسا
وبريطانيا على تشجيع ومساعدة إنشاء حكومات وإدارات وطنية في كلٍّ من سوريا والعراق، وقد حررها الحلفاء فعلًا، وفي الأقطار التي يسعى الحلفاء إلى تحريرها، والاعتراف بهذه الأقطار بمجرد تأسيس حكوماتها تأسيسًا فعليًا، وكان لهذا البيان الذي صدر في نوفمبر عام 1918 تأثيرٌ إيجابي لصالح النضال ضد الهيمنة البريطانية على العراق، بعكس ما توقعّته كلٌّ من بريطانيا وفرنسا.
ورغم كلّ مصاعب الارتباط بين العراق، وبقية الأقطار العربية والبلدان المجاورة، فإنّ نضال العراقيين بمختلف فئاتهم الاجتماعية، لم يكن معزولًا تمامًا أو منفصلًا عن النضالات السياسية القائمة في تلك الأقطار أو بلدان الجوار كانت لأحداث تلك البلدان تأثيراتٌ مباشرةٌ أو غير مباشرة على الوضع في العراق؛ فثورة 1919 في مصر وتحركات البرجوازية والقوى الوطنية الأخرى في سوريا ولبنان عام 1918، والحركة (المشروطة) في إيران، والحركة الدستورية، كانت لها جميعًا أصداء مدوّية في العراق، كما كان لثورة 1919 المصرية بقيادة سعد زغلول دورٌ محفّزٌ لتلك الأوساط، التي كانت على اطلاع على أخبار الثورة من
جهة، وعلى فكر الثورة من جهة ثانية، وهو الفكر الذي كان يتجلّى في ما تنشره الصحافة المصرية من معلومات وقيم نضالية ضد الهيمنة الأجنبية، ومن أجل استقلال مصر والدول الإسلامية الأخرى، وكانت تلك المعلومات تتسرّب إلى الناس في المدينة على وجه التخصيص، وكانت التحرّكات الفلاحيّة في الريف المصري تنتقل أخبارها إلى الريف العراقي أيضًا فيجري الحديث عنها في مضايف الشيوخ وفي مجالس المدينة، وقد كتب محمد مهدي البصير - نقلًا عن الدكتور علي الوردي -: «إنّ أخبار سعد زغلول والشعب المصري من جهة، وأخبار الملك حسين وأنجاله في الحجاز وسوريا من جهة الأخرى، كانت حديث الخاص والعام في العراق، وقلّما خلا مجلسٌ من ذكرها، كذلك كان للعلاقات بين العراق وإيران، ومجيء الزوار الإيرانيين إلى المدن المقدّسة مثل كربلاء المقدسة، والنجف الأشرف وغيرها من مدن العتبات المقدسة، ومدن جنوب العراق، واحتكاكهم المتواصل بالناس ورجال الدين؛ تأثير خاص سلك اتجاهين هما: تبادل وجهات النظر حول تطور الحياة السياسية في إيران ودور رجال الدين وتجربتهم في النضال من أجل الدستور في الحركة التي عرفت منذ بداية القرن العشرين بالحركة المشروطية، والموقف من الهيمنة البريطانية على إيران من جهة، ونقل أخبار ثورة أكتوبر البلشفية، والثورة الألمانية، ودور العمال والفلاحين في هذه الثورة من جهة ثانية.
ولم تكن كلّ أخبار الثورة، ولا كلّ المعلومات التي تصل عنها واضحةً المعالم بالضرورة أو مفهومة الأهداف؛ إذ إنّ بعض الصحف كانت تشكّك بأهداف
الثورة ومواقفها من العراق أو الدول العربية، ولكن بعضها الآخر كان يشير إلى الدور، الذي لعبته الثورة البلشفية، في نشر المعلومات والوثائق والمؤامرات التي حاكتها، والاتفاقات التي عقدتها قبل ذاك الدول الاستعمارية لتقسيم مناطق النفوذ بينها.
تشير الدراسات التي تناولت هذه الحقبة من تاريخ العراق المعاصر - وكذا المضابط والبيانات التي صدرت حينذاك، والصحف التي عالجت مهمّات الثورة - إلى أنّ الهدف المركزيّ لثورة العشرين تمثّل في تطلّع العراقيين إلى الاستقلال والحرية وإلى التخلص من السيطرة الأجنبيّة البريطانيّة؛ أي في النضال من أجل إقامة الدولة العراقية المستقلة، وهي مفاهيم حديثة - بطبيعة الحال - لم تكن مألوفةً في حياة العراقيين قبل ذلك التاريخ، فجلُّ ما كان يطرحه العاملون في الحقل السياسي حتى ذلك الوقت كان مقتصرًا على الحصول على الحكم اللامركزي في إطار الدولة العثمانية، ومن اللافت للنظر في هذا النضال؛ مساهمة مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية الريفية فيه؛ إذ كان الريف في ذلك الحين، يضمّ السواد الأعظم من سكّان العراق؛ حيث المعاناة اليومية من الضغوط والاستبداد والجهل والمرض والفقر، وهي معاناةٌ كانت منتشرةً بين سكّان كثير من المدن العراقية أيضًا وبين البدو من بعض القبائل والعشائر المتنقلة أو شبه المستقرة، وإذا كانت المدن العراقية تشهد قبل ذاك صراعات بين الريف والمدينة من جهة، وبين البادية والمدينة من جهة ثانية - كانت المدن تتعرض إلى اجتياحات القبائل
المستمرة - فإنّها ولأول مرة تعيش في جوٍّ من التعاون والتنسيق لصالح فكرة الخلاص من الهيمنة البريطانية، وقد ظهر ذلك أول مرة في تاريخ العراق بفضل دور المرجعية ورجال الدين المتميّز في النشاط الجهادي، كما في معارك البصرة، ومعارك التعبئة لثورة العشرين، وتجلّت أهمية رجال الدين في قدرتهم على التأثير على شيوخ العشائر وأفرادها، وفي تمكّنهم من توحيد كلمتهم وجمع شملهم حول مطالب معينة يتوجهون بها إلى سلطات الاحتلال البريطانية، وقد تجلّت نشاطات هذه القوى الاجتماعية السياسية، في فعاليات الأحزاب والجمعيات السياسية، التي تشكّلت في العقد الثاني من القرن العشرين، وهي: حزب العهد العراقي، الذي انشطر عن جمعية العهد التي تشكلت في عام 1913، وجمعية حرس الاستقلال، والجمعية الوطنية الإسلامية ذات الطابع المحلي، وعمدت هذه الأحزاب إلى شرح الأهداف السياسية للفئات الاجتماعية المختلفة، ثم طرحتها في شعاراتٍ محدّدةٍ بغية تعبئة الناس وتحريك الشارع في سبيل انتزاع الاستقلال، وبدلًا من الاستجابة لمطالب العراق ومراعاة مشاعر الشعب ورغبته في الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية؛ أصدرت عصبة الأمم قرارًا مجحفًا أثناء انعقاد مؤتمر سان ريمو بتاريخ 25 نيسان/إبريل 1920؛ وضع بموجبه العراق تحت الانتداب البريطاني، وكان هذا القرار بمنزلة القشة التي قصمت ظهر البعير، وفجرت الثورة في يونيو من العام نفسه.
ومن أهمّ الأسباب الداخليّة التي انطلقت منها الثورة العراقيّة الكبرى هي:
أولًا العامل السياسي: ويمكن تقسيم أهم الأسباب والعوامل التي تدخل مع (العامل السياسي) ضمنًا في النقاط الآتية:
1. سياسة الخِداع عند البريطانيين: إذ عمد الحلفاء بعد الحرب العالمية الأولى الى تسويف موضوع تقرير المصير والاستقلال الذي وعدوا فيه الشعب العراقي شعوب المنطقة قبل الحرب، وتبيّن أنّ الغاية التي أعلنتها بريطانيا وفرنسا لإعلان الحرب في تحرير الشعوب التي كانت تحت الاستعباد التركي ما هي إلّا أكذوبة وخديعة كبرى حيث اتفقت بريطانيا وفرنسا في مؤتمر سان ريمو على اقتسام العراق وسوريا، وفرض الانتداب عليهما؛ ممّا يدلّ على بقاء بريطانيا في العراق كمستعمرٍ جديدٍ، وهذا ما رفضه الشعب العراقي.
2. سياسة القمع وعدم الوفاء بالوعود: إنّ من الأسباب الرئيسة لاندلاع الثورة هو تمادي البريطانيون في سياسة القمع، وعدم إيفائهم بوعودهم للشعب العراقي؛ إذ كُشفت نواياهم في إخضاع العراق للانتداب البريطاني، عندها عقد شيوخ عشائر الفرات الأوسط والمنتفك اجتماعًا في بيت الشيخ هادي المكوطر أحد شيوخ لواء الديوانية، وتدارسوا القيام بثورةٍ شعبيةٍ كبرى، وقد اقترح بعضهم تأجيل الثورة حاليًا لحين للقيام بتوعيةٍ شعبيةٍ لتهيئة أبناء الشعب والعشائر للثورة، لكنّ الأحداث على الساحة كانت تتسارع لتأتي حادثة اعتقال الشيخ شعلان أبو الجون شيخ عشيرة الظوالم في ناحية الرميثة في السماوة يوم 30 حزيران 1920 لتشعل الشرارة الأولى للثورة، فقد قام حاكم لواء الديوانية البريطاني بإرسال مبعوثٍ الى حاكم ناحية الرميثة يطلب منه إرسال رؤساء عشائر الرميثة، وعلى رأسهم الشيخ شعلان أبو الجون، والشيخ غثيث الحرجان، بحجة أنّ عليهم ديونًا للحكومة البريطانيّة عن الأراضي الزراعية لم يسدّدوها، والحقيقة
أنّه أراد الانتقام منهم؛ لأنّهم يحرّضون العشائر للقيام بالثورة ضد البريطانيين والمطالبة باستقلال العراق.
وعندما أرسل حاكم الرميثة من يبلغ الشيوخ للمثول أمامه اتّفق الشيوخ شعلان وغثيث وآخرون أنْ يذهب الشيخ شعلان أبو الجون إلى حاكم الرميثة، ويبقى الآخرون في الانتظار لمعرفة النتيجة، وأرسلوا مع الشيخ شعلان من يرافقه الى حاكم الرميثة، واتفقوا إذا تم إلقاء القبض على الشيخ شعلان، وأُودع السجن فإنّه يقول لمرافقة اذهب لأهلي ليرسلوا لي عشر ليرات، وهي كلمة السر مع الشيوخ ومعنى ذلك أنّ يرسلوا لي عشرة رجال شجعان مسلّحين لإخراجه من السجن. وعند وصول الشيخ شعلان إلى حاكم الرميثة استقبله بعبارات التوبيخ، وأسمعه كلامًا لا يليق برئيس عشيرة الظوالم، فرد الشيخ شعلان عليه بالمثل، وأخبره أنّ سياسة بريطانيا في العراق ستتسبب بمشاكل لا يحمد عقباها، وأنتم في العراق ولستم في الهند، والعراقيون ليس مثل الهنود، فقام حاكم الرميثة الإنكليزي بإدخال الشيخ السجن إلى حين وصول قطار الرميثة الذي يتوجه الى الديوانية؛ ليرسله مخفورًا إلى حاكم الديوانية، عندها أرسل الشيخ شعلان مرافقة إلى عشيرة الظالم ليخبرهم بما حدث لشيخهم، فأرسل الشيخ غثيث الحرجان حسب الاتفاق عشرة رجالٍ أبطالٍ من عشيرة الظوالم برئاسة خبشان الحاج كاطع، وتوجهوا إلى الرميثة، وعند وصولهم السراي(مقر الحاكم) عصر يوم 30 حزيران،1920 قاموا بقتل اثنين من حرس السراي، وأخرجوا الشيخ شعلان، وهم يرددون أهازيجهم (هوساتهم) الشعبية فكانت تلك الشرارة الأولى
لاندلاع الثورة العراقية الكبرى وأحد أسبابها الرئيسة، ثم قام ثوّار الرميثة بقلع قضبان السكة الحديدية بين البصرة والديوانية، وحفروا الخنادق للتهيّؤ لصد هجمات البريطانيين المتوقعة عليهم، ومن الرميثة امتدت الثورة إلى باقي مناطق الفرات الأوسط حيث اجتمع يوم 11 تموز رؤساء عشائر المشخاب في مضيف الشيخ عبد الواحد الحاج سكر، وقرروا إعلان الثورة.
ثانيًا: العامل الديني: وكان العامل الديني من أهمّ أسباب الثورة العظيمة إذ يعدّ من أهم العوامل وأبعدها أثرًا في تشجيع العراقيين على الثورة ضدّ سلطات الاحتلال البريطاني في سنة ١٩٢٠، ويتمثّل هذا العامل بالأحداث والشواهد الآتية:
1. إعلان الجهاد: أعلن المراجع وعلماء الدين الجهاد المقدّس ضد المستعمِر البريطاني، وعدّوا الثورة مجابهةً للظلم، وتحقيقًا للحرية والاستقلال، وهذا هو (الجهاد الأكبر المقدس)، وقاتل عددٌ من العلماء القوات البريطانية في البصرة والناصرية، واستشهد عدد منهم، وقد قام المجتهدون من علماء الشيعة الإماميّة الساكنون في العتبات المقدسة في العراق بدورٍ فعّالٍ في حثّ المسلمين العراقيين على قتال الإنكليز، اذا امتنعوا عن التسليم بحقوق العراقيين المشروعة بالاستقلال، وكان هؤلاء العلماء يتمتعون بنفوذٍ كبيرٍ على الشيعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ويعتقد الشيعة أنّ علماءهم نوّاب أئمتهم فلا يخالفون لهم أمرًا ولا فتوى ولا حكمًا من الأحكام الشرعية، وللمجتهد صلاحية إصدار الفتاوى، وبعد أن فشلت الوسائل السلمية في إقناع السلطات البريطانية بتغيير
موقفها تجاه مطاليب العراقيين المشروعة، استفتى جماعةٌ من الزعماء والرؤساء الإمام الشيرازي في جواز القيام بالثورة ضد السلطات البريطانية، فكتب في الجواب العبارة الآتية: (مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالباتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطالبهم)، وكان لهذه الفتوى الخطيرة وقعٌ عظيمٌ في نفوس العراقيين، ووجدوا أنفسهم في قيدٍ وثيقٍ تجاه الحكم الشرعي.
2. دور المرجعية ورجال الدين: كان الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي (قد) على رأس المدرسة الثانية التي ترى وجوب محاربة الإنكليز؛ لذا أخذ نفوذه ينمو شيئًا فشيئًا حتى تمت له الزعامة المطلقة بعد وفاة اليزدي، فضلًا عن إنّ الإمام الشيرازي كان يعتقد أنّ مساندة الحركة الوطنية أمرٌ يمليه عليه الواجب الديني، وأنّ نجاح هذه الحركة يعني زوال حكمٍ غير إسلامي، وإحلال حكمٍ إسلامي محلّه. وعندما طلب جماعةٌ من العاملين في حقل الحركة الوطنية من آية اللّه الشيرازي أنْ يكتب كتابًا للعراقيين كافة يطلب منهم القيام بالمظاهرات تأييدًا للعاملين بالحركة الوطنية ببغداد؛ كتب في ١٠ رمضان ١٣٣٨هـ كتابًا جاء فيه: (إلى إخواني العراقيين، أمّا بعد، فإنّ إخوانكم في بغداد والكاظمية قد اتفقوا فيما بينهم على الاجتماع والقيام بمظاهرات سلمية، طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لاستقلال العراق إنْ شاء اللّه بحكومة إسلامية)، وقد بذل الإمام الشيرازي (قد) جهده للتوفيق بين طائفتي السنة والشيعة من المسلمين فنجحت جهوده نجاحًا ظاهرًا، وتضافرت جهود الطائفتين للعمل من أجل مصلحة الوطن، ولم ينسَ أنْ يوصي بغير المسلمين، فقال برسالته سالفة الذكر: «وأوصيكم بالمحافظة على
جميع الملل والنحل التي في بلادكم، في نفوسهم، وأموالهم، وأعراضهم، ولا تنالوا أحدًا منهم بسوءٍ أبدًا».
3. مواصلة الثورة: ومن رجال الدين الذين تولوا زعامة الثورة بعد وفاة الشيخ الشيرازي في الثالث من شهر ذي الحجة سنة ١٣٣٨هـ الموافق للثالث عشر من آب سنة ١٩٢٠، شيخ الشريعة الأصفهاني، وقد خطب خطبة طويلة بعد إسناد الزعامة الدينية إليه حثّ فيها الناس على مواصلة الجهاد، وكانت الثورة حينذاك قد بلغت مرحلة شملت جميع منطقة الفرات الأوسط، وامتدّت جنوبًا حتى الناصرية، وشمالًا حتى المحمودية، ثم قامت إدارات موقتة في أهمّ المدن التي احتلها الثوّار، وقد رأت الحكومة أنْ تفتح مفاوضاتٍ مع الثوّار، فوجّهت إلى شيخ الشريعة كتابًا، وكان الشيخ مهدي الخالصي من المجتهدين الذين آزروا الثورة وعملوا على نجاحها، وكان الساعد الأقوى والمفوّض المعتمد لآية اللّه الشيرازي الذي كان يتّكل عليه ويستشيره في القضايا الدينية والسياسية، وكان السيد أبو القاسم الكاشاني من بين رجال الدين الذين أسهموا بالثورة، ولما شبت الثورة في الفرات لحق [الكاشاني ] بكربلاء فكان من مستشاري الإمام الشيرازي، ولا بد من الاعتراف بسهره الشديد على الأمن وراحة الساكنين بكربلاء. كما كان العلّامة الشيخ عبد الكريم الجزائري من الأقطاب الذين دارت عليهم رحى الثورة العراقية الكبرى سنة،١٩٢٠ وكان عضدًا للثوّار، كما كان عونًا لكبار العلماء الذين صدرت عنهم الأحكام المعروفة في وجوب الدفاع عن
حوزة البلاد وكرامتها، وتحقيق حريّتها وسيادتها وحقوقها المشروعة .
ثالثًا: العامل الاقتصادي: لم تكن العوامل السياسية سوى الوجه الثاني للعملة، أمّا وجهها الأول، فتمثَّل بالعوامل الاقتصادية، التي كانت تقف وراء تطور النشاط السياسي، والعمليات المسلّحة المناهضة لقوات الاحتلال البريطاني، التي بادرت إلى استخدام السلاح لإخماد المقاومة، وتتمثّل العوامل والأسباب الاقتصادية التي تسببت بقيام الثورة بالآتي:
1. استغلال ثروات البلاد: إذ أدرك الشعب العراقي أنّ الاحتلال البريطاني سيكون استغلالًا لخيرات البلاد ومواردها وثرواتها، وإنْ جاء مغلّفًا بغلاف التحرير والاستقلال، وفي أعقاب الاحتلال البريطاني حدث اختلالٌ كبيرٌ في الحياة الاقتصادية؛ فقد ارتفعت الأسعار، وقلّت بعض المواد الأساسيّة، وازدادت البطالة، ونشأت طبقةٌ جديدةٌ من أغنياء الحرب في المجتمع، أثّرت على حساب الناس، وبقيت الأغلبية من الشعب في حالة ضنك عيش وفقر.
2. الاستيلاء على المحاصيل وفرض الضرائب: وقد جلبت سنوات الحرب العالمية الأولى معها مشكلات اقتصادية جمة لسكان العراق؛ فإلى جانب المعارك
الحربية التي كانت تجري على الأرض العراقية، ومحاولات الدولة العثمانية تجنيد العراقيين للقتال إلى جانبها في معاركها ضد الإنكليز، واستخدام الإنكليز لأعدادٍ غفيرةٍ من المواطنين في أعمال السخرة في معسكراتهم، وفي شقّ الطرق ونقل السلاح، استخدامًا سيلعب دورًا بارزًا في تقليص الإنتاج الزراعي؛ فإنّ سلطات الاحتلال البريطانية وقوات الجيش العثماني ستمارسان في آنٍ واحدٍ، سياسة الاستيلاء على المحاصيل الزراعية - كشكلٍ من أشكال استيفاء الضرائب لتغطية نفقات الحرب - من دون أنْ تتكفلا بدفع تعويض مالي لأصحاب المحاصيل، أو قد تدفعا تعويضًا ماليًا محدودًا، لا يفي بحاجات أصحابها، وهذا يشير إلى واقع مرير تمرغ فيه سكان العراق، إذ كان إصرار الإدارة البريطانية على تحصيل الضرائب المفروضة على كلّ محصولٍ زراعي، وعلى كلّ محصول بستان تحصيلًا كاملًا، كان أمرًا مكروهًا لدى الفقير والغني على السواء، حتى إنّ القبائل، كقبيلة بني حچيم من لواء المنتق مثلًا، وجدت نفسها سنة 1919 مرغمةً على دفع ضرائب فادحة، وذلك لأول مرة في تاريخها، وكان تحصيل الواردات، في تلك السنة نفسها، في لواء المنتفق، أعلى تحصيل في الفترة الواقعة بين 1916 - 1928، ففي لواء المنتفق مثلًا، ارتفعت ضريبة الدخل على كلّ فردٍ من أقل من خمسة روبيات في سنة 1916 إلى خمس شلنات في سنة 1919، وبعد اضطرابات سنة 1920 عادت وانخفضت ثانية سنة 1922 إلى شلن.
3. هجرة الفلّاحين: إذ أدّتِ العمليات العسكرية في مناطق مختلفة من العراق إلى تدمير المزيد من قنوات الري والبزل، وإلى تخريب المزارع، وتلف المحاصيل
الزراعيّة، وإلى إرغام أعدادٍ كبيرةٍ من الفلّاحين على ترك الريف والهجرة إلى المدن، إذ إنّ أغلب العمليات العسكرية، تركزت في المناطق الزراعية من الفرات الأوسط وجنوب العراق، وقد لعب التجّار الكبار والوسطاء دورهم الطفيلي المعروف، في اغتنام فرصة الحرب؛ فاغتنوا اغتناء سريعًا على حساب الكادحين، واستفادت من هذه الأوضاع مجموعاتٌ قليلةٌ من التجّار والإقطاعيين وکبار الملّاکين، التي تعاونت مع المحتلّين الجدد، وأسهمت بتشديد الاستغلال على الفلاحين، وإذا كانت إجراءات إقرار التشريعات العثمانية بخصوص الأرض الزراعية، التي تم اغتصاب مساحات واسعة منها من الفلّاحين على مدى القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين وتسجيلها بأسماء الشيوخ وكبار موظفي الدولة وأشراف المدن وتجارها؛ قد أثارت سكان الريف، وفجرت ينابيع الغضب في نفوسهم على المحتلين، وشحذت منهم الهمم لمقاومة قوات الاحتلال، فإنّ سلطات الاحتلال البريطانية منذ سنة 1918 قد عمدت إلى ممارسة سياسةٍ مماثلةٍ لسياسة العثمانيين؛ أغضبت الفلاحين والكثير من الشيوخ الذين حرموا من الأرض؛ بسبب مواقفهم الوطنية من سلطات الاحتلال في أثناء الحرب العالمية الأولى أو في الأعوام التي تلتها، فنظموا العديد من المضابط والتحركات المعادية للإنكليز في مناطق عديدة، وبخاصة في الفرات الأوسط والجنوب، وكان لهذه التحركات السياسية دورها في تعبئة الفلاحين، وأبناء المدن وإلى تعميق مضمون التناقضات الاجتماعية مع سلطات الاحتلال، وردًّا على تلك التحركات قامت سلطات الاحتلال بإعداد وتنفيذ حملاتٍ عسكريةٍ شرسةٍ ضدّ الفلاحين من
أبناء العشائر، فكان منها التصدي لانتفاضة تلعفر، وثورة النجف، والسليمانية، ودير الزور، ومنها قمع التحركات الأخرى في بغداد وغيرها من المدن، مما أجّج الوضع العام بأكمله.
4. فتوى الجهاد وثورة الفلّاحين: ومع أنَّ العلاقات ما بين العشائر أو ما بين الشيوخ المستغِلين والفلاحين المستغَلين لم تكن طبيعية، إذ كانت تشوبها التناقضات وضعف الثقة والصراعات، إلّا أنّ المرجعية الدينية والعلماء والأحزاب السياسية أسهموا في تخفيف تلك التناقضات، وتمكّنوا من السيطرة على الصراعات، وزرع الثقة في النفوس من أجل مواجهةٍ مشتركةٍ ضدّ الاحتلال البريطاني، إذ يشير الشيخ (محمد رضا الشبيبي) إلى أنّ ثورة العشرين كانت: «وليدة عاملين خطيرين أولهما الضغط والاستغلال الاقتصادي واستنزاف جهود العاملين في الزراعة خاصة والعراق قطر زراعي قبل كلّ شيء والاستيلاء على مواردها من الخامات بأبخس الأثمان، وردّها بعد استخدامها في الصناعة الحديثة لتصريفها في أسواق هذه البلاد بأعلى الأثمان، وهذا هو جوهر الاستعمار الحديث، أمّا العامل الثاني في اندلاع الثورة فهو ذلك الضغط السياسي أو الحجر على الأفكار والحيلولة بين أبناء البلاد وبين التعبير عن آرائهم والمطالبة بحقوقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم، واختيار حكامهم وحكوماتهم بملء إرادتهم، ثم للمحاولات التي بذلتها السلطة المحتلة لفرض نوعٍ من السيطرة الاستعمارية المباشرة على العراق»، ويتضمن كلام الشيخ محمد رضا الشبيبي هذا تأكيدًا صريحًا على الوعي السياسي والاجتماعي لعددٍ من قادة الثورة يومئذٍ، وفهمهم
للأسباب التي دفعتهم للمشاركة بالثورة، وما خلا ذلك، فإنّ ظروف الحرب، أوجدت بذاتها نوعًا من الحركة التجارية النشيطة نسبيًا في الأسواق المحلية، استفادت منها مجموعاتٌ من التجّار، إلّا أنّها اقترنت بإفقارٍ شديدٍ للكادحين من ذوي الدخل المحدود؛ بسبب نقص فرص العمل، والتشرد وارتفاع أسعار السلع والخدمات (التضخم النقدي)، وكذلك النهب المتواصل والمتنوع للمحاصيل الزراعية والإيرادات من جانب سلطات الاحتلال الإنكليزي، وبعض الإقطاعيين وتجّار الجملة، أنتجت في بعض مناطق العراق مجاعاتٍ بشعة، ومنها المجاعة التي وقعت في الموصل، والتي أودت بحياة الألوف من السكّان.
5. النفوذ الاقتصادي للاحتلال ومصالحهم الاستعماريّة: وبعد استكمال احتلال العراق من جانب القوات البريطانية، عمدت سلطات الاحتلال إلى تنفيذ سياسةٍ تستهدف تحقيق مصالحها الاقتصادية؛ وتعزيز تلك القواعد الاجتماعية، التي تخدم مصالحها على الأمد الطويل، وهي تلك الفئات والعناصر التي سعت قبل ذاك بسنواتٍ إلى بناء علاقات جيدةٍ مع الشركات التجارية البريطانية والقنصليات العاملة في العراق، فعمدت سلطات الاحتلال إلى تعزيز علاقاتها بالبرجوازية الكومبرادورية الجديدة، التي أسهمت بتكوينها، وسعت إلى فرض وجودها وتحصين مواقعها من جهة، وإلى تعزيز علاقاتها بالإقطاعيين، الذين شجعتهم على بسط نفوذهم وتأثيرهم على عشائرهم في المناطق التي يقيمون فيها من جهة أخرى، هذا بالإضافة إلى تعزيز علاقاتها بمجموعةٍ من الضباط العراقيين، التي كانت تعمل قبل ذاك في القوات العثمانية، ثم انقلبت ضد القوات
التركية.
6. اتباع سياسة التفريق: قامت الشركات الاحتلال البريطاني في مشاريعها على اختيار مجموعةٍ من الناس من أبناء العائلات الميسورة والمعروفة؛ لتعيينها في وظائف إداريّة، ترتبط بسلطات الاحتلال وتعمل لخدمتها، وتخضع لإشرافها وكانت هذه الخطوات هي البداية الأولى لتكوين البيروقراطية العراقية الحديثة؛ التي ارتبطت مصالحها - بهذا القدر أو ذاك - بمصالح الوجود البريطاني في العراق، فخدمت مصالحه مُؤْثِرةً إيّاها على مصالح المجتمع العراقي، ولكنّها اعتمدت في بعض الأحيان على من كان يعدّ من المنبوذين في المجتمع؛ فأساءت إلى من كان يعدّ من الأشراف والشيوخ والمحترمين في المجتمع، وقد كان لهذا التصرف نتائج سلبية برزت في علاقة الشيوخ ومجموعاتٍ من الأشراف مع القوات والسلطات البريطانية، وقادت سياسة سلطات الاحتلال البريطانية، التي تضمنت اختيار شيخ من شيوخ العشائر في منطقة معينة، ومنحه راتبًا ثابتًا للمحافظة على أمن المنطقة؛ إلى إثارة إشكالاتٍ سياسيةٍ وصراعاتٍ بين العشائر، التي كانت تقطن في المنطقة ذاتها، والتي لم يتم الاتفاق معها. فكان المال يلعب دورًا كبيرًا في كسب رضا أو كراهية العشائر العراقية، فكانت هذه السياسية تهدف إلى تشديد الخلافات بين شيوخ العشائر؛ ليسهل عليها السيطرة عليهم جميعًا، وهذا ما حصل مع الشيخ (ضاري الظاهر) على سبيل المثال رئيس عشائر (الزوبع) ليكون مسؤولًا عن الأمن والنظام في منطقته، وعمدت تلك السلطات إلى الاعتراف بالتشريعات، التي صدرت في العهد العثماني؛ فأقرّت
عمليات توزيع أراضي الدولة على رؤساء العشائر والشيوخ وكبار موظّفي الدولة في العهد العثماني، لكنّها حرمت الفلاحين والشيوخ الوطنيين - في بعض مناطق الفرات الأوسط بصورة خاصة - المعادين للاحتلال من الأراضي الزراعية، ولم تكتفِ بذلك، بل قامت سلطات الاحتلال البريطانية في هذه الفترة بتوسيع عمليات منح الأراضي الزراعية باللزمة، كما عملت على توسيع نشاط الشركات البريطانية لزراعة المحاصيل الصناعية ولاسيّما القطن، واستولت على مساحاتٍ معينةٍ من أكثر الأراضي الزراعية خصوبةً، ووضعتها تحت تصرّف تلك الشركات، أي إنّ أكثر العوامل التي حرّكت الفلاحين والملّاكين معًا.
7. فرض التبرعات الإلزامية: ومن الأساليب التي مارستها سلطات الاحتلال الاستعمارية في السيطرة على المحاصيل الزراعية والموارد المالية على أساس جباية الضرائب من السكان، وقد تفننت في إيجاد الصيغ والحجج لتحقيق ذلك ومن جملتها فرض التبرعات الإلزامية على المواطنين في المدينة والريف، وتشير بعض المصادر إلى أنّ الضرائب المفروضة على السكان، قد تضاعفت أكثر من ثلاث مراتٍ خلال مدّةٍ وجيزةٍ، كتبت جريدة (المانجستر گارديان) تهاجم الإدارة البريطانية في العراق في سنة 1920، لا لأنّها لم تحقّق آمال العرب في الحرية والاستقلال فحسب، بل لأنّها رفعت ضرائبهم إلى ثلاثة أضعاف عمّا كانت عليه قبل الاحتلال البريطاني، وتنوّعت الضرائب فكان منها: ضريبة النخيل، وضريبة المحاصيل الزراعية المختلفة، وضريبة الملك، وضريبة
الدفنية الخ، ومنها العمل على جمع التبرعات للصليب الأحمر، وبناء الملاجئ للجنود في بريطانيا، وإقامة تمثال لقائد حملة احتلال بغداد الجنرال (مود) الخ، وكتبت جريدة الفرات بهذا الصدد قائلة: «لقد هدمتم هذا الركن بمقالع من السياسة، التي أهلكت الحرث والنسل، وأتت على الأخضر واليابس، فتراب كلّ منطقةٍ يشهد بأنّكم سلبتم الحَبّ حتى من منقار الطائر، واستخرجتم المخ من العظم، وضاعفتم الخراج أضعافًا للزراع، فأصبحوا يسألون الناس إلحافًا وأنتم تسألونهم فوق الجهد، وتكلّفون نفوسهم فوق الوسع، أهذا عدلكم؟!»، وكانت إدارة المعتمد البريطاني تجبي نوعين من الضرائب من السكّان: ضريبة العين، وضريبة النقد، وكانت هذه الضرائب لا تخضع لمعايير سليمة، وتتم على أساس التخمين بالنظر وكان الخاسر دائمًا هو الفلّاح المنتج، وتشير تقارير الحكّام السياسيين في المناطق الزراعية، إلى أنّ جلّ وقتهم قد صرف للاهتمام بالشؤون المالية، التي لم تكن في حقيقة الأمر سوى جباية الضرائب غير المشروعة للإدارة البريطانية، ومن هنا يتبيّن لنا بأنّ الفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحة في الريف والمدينة - وهي تشكّل غالبية السكان - كانت تتعرض إلى عمليات نهبٍ منظمةٍ وجشعةٍ واستغلالٍ شديدٍ من جانب سلطات الاحتلال البريطانيّة، تساوت مع أساليب أجهزة الولاة العثمانيين إضافة إلى استغلال الشيوخ، وكبار مُلّاك الأراضي الزراعية، والبرجوازية التجارية والربوية المتنقلة بين الريف والمدينة، ومن هنا أيضًا يتبيّن بوضوح لِماذا كانت جموع الفلاحين الجيشَ الأساس لهذه الثورة الوطنية.
رابعًا: العامل العسكري: ومن أهمّ الأسباب التي اشتمل عليها العامل العسكري ما يأتي:
1. الثورة لأجل الاستقلال: تشير الدراسات التي تناولت هذه الحقبة من تاريخ العراق المعاصر - وكذا المضابط والبيانات التي صدرت حينذاك والصحف التي عالجت مهمات الثورة - إلى أنّ الهدف المركزي لثورة العشرين الكبرى تمثّل في تطلع العراقيين إلى الاستقلال والحرية، وإلى التخلّص من السيطرة الأجنبية البريطانية؛ أي في النضال من أجل إقامة الدولة العراقية المستقلّة، وهي مفاهيم حديثة - بطبيعة الحال - لم تكن مألوفةً في حياة العراقيين قبل ذلك التاريخ، فجلُّ ما كان يطرحه العاملون في الحقل السياسي حتى ذلك الوقت كان مقتصرًا على الحصول على الحكم اللامركزي في إطار الدولة العثمانية.
2. اشتراك كلّ فئات الشعب واتّحادهم: ومن اللافت للنظر في هذه الثورة الخالدة مساهمة مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية الريفية فيه؛ إذ كان الريف في ذلك الحين يضمّ السواد الأعظم من سكّان العراق؛ حيث المعاناة اليومية من الضغوط والاستبداد والجهل والمرض والفقر، وهي معاناة كانت منتشرةً بين سكّان كثيرٍ من المدن العراقية أيضًا، وبين البدو من بعض القبائل والعشائر المتنقلة، أو شبه المستقرة، وإذا كانت المدن العراقية تشهد قبل ذاك صراعاتٍ بين الريف والمدينة من جهة، وبين البادية والمدينة من جهة ثانية - كانت المدن تتعرض إلى اجتياحات القبائل المستمرة - فإنّها ولأول مرة تعيش في جوٍّ من التعاون والتنسيق لصالح فكرة الخلاص من الهيمنة البريطانية.
3. تأثير فتوى المرجعية في تحشيد الجماهير وتوحيد الكلمة: كما في معارك البصرة، ومعارك التعبئة لثورة العشرين، وتجلّت أهميّة رجال الدين في قدرتهم على التأثير على شيوخ العشائر وأفرادها، وفي تمكّنهم من توحيد كلمتهم، وجمع شملهم حول مطالب معينة، يتوجهون بها إلى سلطات الاحتلال البريطانية، وقد تجلّت نشاطات هذه القوى الاجتماعية السياسية في فعاليات الأحزاب والجمعيات السياسية، التي تشكّلت في العقد الثاني من القرن العشرين، وهي: حزب العهد العراقي، الذي انشطر عن جمعية العهد التي تشكلت في عام 1913، وجمعية حرس الاستقلال، والجمعية الوطنية الإسلامية ذات الطابع المحلّي، وعمدت هذه الأحزاب إلى شرح الأهداف السياسية للفئات الاجتماعية المختلفة، ثم طرحتها في شعارات محددة بغية تعبئة الناس وتحريك الشارع في سبيل انتزاع الاستقلال.
4. وضع العراق تحت الانتداب البريطاني: وبدلًا من الاستجابة لمطالب العراق ومراعاة مشاعر الشعب ورغبته في الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية؛ أصدرت عصبة الأمم قرارًا مجحفًا أثناء انعقاد مؤتمر سان ريمو بتاريخ 25 نيسان/إبريل 1920؛ وضع بموجبه العراق تحت الانتداب البريطاني، وكان هذا القرار بمنزلة القشّة التي قصمت ظهر البعير، وفجّرت الثورة في يونيو من العام نفسه، إذ جاء قرار عصبة الأمم بشأن العراق حاسمًا وجائرًا، وأوردت لائحة
لانتداب شروط الانتداب وحقوق بريطانيا على العراق التي كانت فرضًا لهيمنةٍ عسكريةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ وماليةٍ غير محدودة، وغير محددةٍ بوقتٍ معين، وقد جُوبه هذا القرار، بالرفض الكامل من جانب المجتمع العراقي.
5. الضعف العسكري عند قوات الاحتلال البريطاني: لقد شعر العراقيون قبل اندلاع الثورة الكبرى بضعف بريطانيا العسكري، إذ كانت أغلب الفيالق والجيوش البريطانية في دور التسريح بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وقد غادر العراق قوات بريطانية كبيرة لهذا الغرض، وهناك قوات أخرى تتهيّأ للتسريح، وعند انطلاق الرصاصات الأولى لثورة العشرين كانت قطعات الجيش البريطاني تصطاف في إيران في الوقت الذي كانت الدلائل تشير الى قرب اندلاع الثورة في العراق.
خامسًا: العامل النفسي: ويتمثّل في الأمور الآتية:
1. طبيعة المجتمع العراقي: مع أنّ علاقاتٍ واسعةً وطويلةً نشأت بين مجموعاتٍ من البريطانيين العاملين في الشركات التجارية أو في التنقيبات عن الآثار أو في القنصليات البريطانية ذات النفوذ الواسع والعلاقات المتينة مع العراقيين داخل العراق؛ فإنّ البريطانيين لم يدركوا تمامًا طبيعة المجتمع العراقي العشائري البدوي منه أو الريفي ولم يفهموا أهميّة وضرورة احترام كرامة الإنسان والعشيرة، والابتعاد عن توجيه الإهانات شتمًا أو ضربًا أو تماديًا باللفظ الجارح،
وتجنب الاعتقالات دون مبررات ومسوغات توجبه، إضافة إلى الأساليب المرهقة في جباية الضرائب والإتاوات وما شاكلها.
2. أساليب قوات الاحتلال مع العراقيين: كما أنّهم عمدوا إلى تغيير أساليب التعامل مع العراقيين، كما أنّ المعلومات المتوفّرة عن الأساليب التي استخدمها الحكام السياسيون، والعسكريون البريطانيون، في المناطق التي كانت تحت إشرافهم على العراقيين تشير إلى أنّها كانت أساليب قهريةً ذات طبيعةٍ ازدرائية، تتسم بالتعالي والاحتقار والتعسّف إزاء سكان البلاد من عربٍ وكُردٍ وغيرهم، إذ كان بعضهم يسعى إلى تركيع العراقيين بحجة أنّهم يرفضون الانصياع للقوانين والتعليمات والأوامر، كتب كمال مظهر أحمد بهذا الشأن يقول: «تكرّرت في كُردستان نفس صورة التعنت والتعالي للحكّام والضبّاط السياسيين الإنكليز، الذين أثاروا بتصرفاتهم استياء مختلف الفئات الاجتماعية في الوسط والجنوب، فإذا كان رجال حاكم النجف السياسي (گرينهاوس) يستعملون السوط حينما كان يمر لفتح الطريق أمامه، فإنّ زميله (الميجر سون) كان يعيد الشيء نفسه بفظاظة أكبر في السليمانية، ويفرض غراماتٍ يومية على عددٍ من الناس البسطاء بحجج واهية، بل كان يجبر الجميع على أنْ يرفعوا فروض الطاعة لأصغر موظّفٍ لديه».
3. إهانات قوات الاحتلال للشعب العراقي: جاء في وثيقة لجمعية العهد -
فرع الموصل - بشأن الإهانات التي كانت توجه للمواطنين، التي كانت تزيد من غضبهم وكراهيتهم للإنكليز، ما يلي: «لم تترك الحكومة الاحتلالية شيئًا من أنواع الشدة والقسوة إلّا واستعملته مع الآهلين...». وبذلك فإنّ السيد حسن شبر محقًّا إلى حدّ بعيدٍ حينما أشار في هذا الصدد إلى هذه النقطة: «لقد حاولت الحكومة البريطانية تبرير هزيمتها السياسية وأخطائها الكبيرة في العراق، بإلقاء تبعة ما حدث على أرنولد ولسن نائب الحاكم الملكي العام في العراق، لكنّه تبرير غير مقنع؛ لأنّ ولسن كان ينفذ القرارات الصادرة من لندن لقد تعامل ولسن بحقدٍ وذهنيةٍ استعماريةٍ شديدة العداء للآخر ونقل هذه الذهنية إلى غالبية العاملين معه من البريطانيين في أنحاء العراق، ولكن هذه الذهنية كانت تسيطر أيضًا على العاملين في وزارة المستعمرات في لندن، وعلى ذهنية أولئك المهيمنين على الحكم الاستعماري في الهند، أي إنّ سياسة ولسن الحاقدة، وممارساته القاسية ونزعته الاستعمارية الشديدة، التي يريد من خلالها إحكام السيطرة المباشرة على العراق وقد جعلت الأنظار تتوجه إليه على أنّه المخطئ الأول فلم يكن ولسن يتعامل بمرونة سياسية، إنّما بأسلوبٍ استعماريّ خشن».
سادسًا: العامل الوطني والقومي: ويمثّل في الأمور الآتية:
1. الحركات القومية والاستقلالية: فقد كان للحركات القومية الاستقلالية في سوريا وثورة الشريف حسين في الحجاز تأثيرٌ كبيرٌ على الشعب العراقي؛ ولهذا فقد تجاوبت العشائر مع رجال الثورة في بغداد والمدن الأخرى، وشكّلوا الجمعيات والنوادي القومية للتعبير عن روح التضامن القومي بين العراقيين من
مختلف القوميات والأديان والطوائف وبين إخوانهم في الدول العربية، وكانت هذه الجمعيات سندًا للثورة الكبرى ساعدت في اندلاعها وتعدّ ثورة العشرين الثورة الوطنية التي شاركت فيها كلّ قوميات الشعب العراقي، وكلّ أطيافه وامتدت من الفرات الأوسط الى جنوب العراق وغربه وشرقه وشماله.
2. دور المثقفين والحركات الشبابية: وكان لطبقة المثقّفين وطلاب المدارس العالية دورٌ واسعٌ ومهمٌ في تنمية الروح الوطنية والقومية عند الثوّار وحثّهم على مكافحة الاحتلال البريطاني؛ إذ أسهموا بشكلٍ ملحوظٍ في ظروفٍ مختلفةٍ وأوقاتٍ متفاوتةٍ في الحركة الوطنيّة والأحزاب السياسية، وبتأجيج الثورة والمشاركة فيها؛ ولذا كان من الطبيعي أنْ تستخدم سلطات الاحتلال أسلوب القوة ضد المناوئين لسياستها والمحرضين على مقاومتها، فألقت القبض على كثيرٍ منهم، بينما التحق بعضهم بجبهات الصراع مشاركين الثوّار عملياتهم القتالية، وبعضهم الآخر منهم لجأ الى النجف الأشرف وكربلاء والسماوة، ومن الأمثلة على ذلك لجوء محمود رامز وعارف حكمت إلى النجف، وإرسال قيادة حرس الاستقلال حسين علوان وشاكر محمود الخبيرين بالمدفعية إلى الكوفة؛ ليشرفا على المدفع الذي استولى عليه الثوّار، وبواسطته تم إغراق الباخرة (فايرفلاي)، وحينما حرّر الثوّار المدينة اتخذوا دائرة البريد مقرًا للقيادة ورفعوا العلم العراقي.
تعدّ النجف الأشرف مدينة مرموقة دينيًّا وفكريًّا وحضاريًّا؛ لذا فقد كان لها الدور الواضح في التأثير على رسم السياسية الداخلية في العراق، إذ إنّها تأتي في مقدمة المدن العراقية في صنع القرار السياسي العراقي، وبرز في مدينة النجف الأشرف خلال العقود الأولى من القرن العشرين عددٌ من العلماء ورجال الدين، الذين كانت لهم إسهاماتٌ فاعلةٌ ليس في الحياة العامة لمدينة النجف الأشرف فحسب، بل في العراق عامة، حيث شهد هذا البلد أحداثًا داخليةً وخارجيةً أثّرت تأثيرًا مباشرًا في واقعه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي في إبّان تلك العقود، وكان الشيخ محمد تقي الشيرازي ونجله محمد رضا، والسيد محمد سعيد الحبوبي، والشيخ محمد جواد الجزائري، والشيخ محمد رضا الشبيبي من أهمّ وأشهر أولئك الأعلام الذين كانت لهم مواقف ورؤى سياسية إزاء قضايا فرضها الواقع السياسي وتطوراته في العراق، وبخاصة في سنوات الحرب العالمية الأولى وبعدها بعقود.
وقد أدرك البريطانيون ومنذ دخولهم بغداد في 11 آذار 1917 حساسية الموقف من المراكز الدينية المقدسة، لاسيّما مدينتي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة؛ لذا اتّخذوا قرارًا في بادئ الأمر بالابتعاد عن التواجد العسكري فيها والاستعانة بالموظّفين المدنيين كوكلاء وممثّلين لهم، وفي آب عام 1917 عيّنت الحكومة البريطانية الكابتن بلفور حاكمًا سياسيًا لمنطقة الشامية والنجف، ولم
يجعل مقرّه في النجف الأشرف، بل جعله في مدينة الكوفة، و أبقى (حميد خان) معاونًا له في مدينة النجف الأشرف، ويبدو أنّ مراعاة بريطانيا لذلك ليس لمكانة هذه المدن المقدسة الدينيّة فحسب، بل للتعرف على التوجهات الاجتماعية والسياسية فيها، فضلًا عن ارتباط الناس عقائديًّا بعلماء الدين، فيكون ولاء المجتمع للمرجع الديني أكثر ممّا هو للقبيلة، بل حتى شيوخ القبائل كان ولاؤهم مطلقًا للمراجع العليا في مدن النجف الأشرف وكربلاء المقدسة.
وحدثت مواجهةٌ بين الإدارة البريطانية والسكّان المحلّيين في النجف الأشرف أواخر تشرين الأول عام 1917، عندما جاء أفراد من قبائل عنزة إلى المدينة مع قافلةٍ من الإبل؛ للتزوّد بالحبوب بناءً على أوامر صادرةٍ من السلطات البريطانيّة لحميد خان، لكن قلة المؤن في المدينة بسبب سوء الموسم الزراعي، أدّت إلى إثارة السخط والاضطراب لدى أهالي النجف، الأمر الذي أدّى إلى قيام بعض الأهالي بالشجار معهم والاستيلاء على بعض إبلهم، فأسرع الكابتن بلفور وزار مدينة النجف الأشرف، واجتمع مع رؤسائها، وطلب منهم إرجاع الأمتعة إلى القافلة، فلم ينفّذوا الطلب، ويبدو أنّ عدم تنفيذ طلب القائد البريطاني من قبل رؤساء المحلّات في النجف الأشرف، مثّل أوّل ردٍّ من قبل أهالي النجف الأشرف على البريطانيين، وعدم تنفيذ أوامرهم أو الاكتراث بقوتهم، وفي الوقت نفسه يعدّ تحدّيًا لسلطة الاحتلال وهي في أوجّ قوتها.
وقام الكابتن بلفور بزيارة المدينة مرة أخرى في 19 تشرين الثاني 1917، وطلب الاجتماع مع رؤساء المحلات في البلدة، فلم يحضر سوى عطية أبو كلل
زعيم محلة العمارة، وكاظم صبّي زعيم محلة البراق، وكان اللقاء متوترًا بين الطرفين فحدثت مشادةٌ كلاميةٌ بينهما أدّت إلى قيام بلفور بصفع كاظم صبي الذي بدوره رَّد عليه الصفعة (وهذه هي جزء من الإساءات والإهانات التي قام بها الاحتلال وجنوده مع الشعب العراقي عمومًا والثوار خصوصًا وهي أحد الأسباب الرئيسة التي تسببت في قيام الثورة )، الأمر الذي أدى الى قيام أتباع عطية أبو كلل والأهالي بالهجوم على مقر الحاكم وأشعلوا فيه النار، ممّا اضطر بلفور اللجوء إلى السيّد كاظم اليزدي ليخلصه من هذا المأزق، وقام السيد اليزدي بالتدخل، وأنهى الأزمة، وطلب من بلفور مغادرة المدينة، والعفو عن عطية أبو كلل وكاظم صبّي، فما كان من بلفور إلّا الاستجابة لهذا الطلب.
تراجعت السلطات البريطانية عن موقفها المتشنّج وقرّرت تزويد النجف بالحبوب، ومنع نقلها من منطقة الفرات الأوسط إلى بغداد، وفي الأول من شباط 1918، تم تعيين الكابتن مارشال معاونًا للحاكم العسكري لمدينة النجف الأشرف بدلًا من حميد خان، ويبدو أنّ تراجع البريطانيين هذا يأتي لتعزيز سيطرتهم بعد ما لاقوه من النجفيين، دفع الحماس المتزايد الفريق الثاني من فروع جمعية النهضة الإسلامية إلى إضرام نار الثورة في النجف الأشرف دون علم الجناح الأول، وكان أشدّهم حماسًا الحاج نجم البقال، فقد اجتمعوا في محلة الحويش، وأقسموا بالقرآن الكريم على أنْ يهجموا مجتمعين على مقرّ الحكومة، وأنْ يقتلوا كلّ من فيه من البريطانيين؛ ليكون ذلك أوّل مشروعٍ في سبيل مقاصد الجمعية، مستغلين تجمع الوافدين من أبناء العشائر إلى المدينة لزيارة مرقد الإمام
علي عليهالسلام بمناسبة عيد النوروز، فيسهل ذلك نقل أخبار الثورة إلى مختلف مدن العراق (وهذه الغاية مهمة جدًا تكشف عن مدى وعي الثوار وتخطيطهم الدقيق للثورة وتحركاتها)، وتم تعيين ساعة الصفر، فاقتحم الثوّار خان عطية أبو كلل في فجر يوم الثلاثاء 19 آذار 1918، الذي كان مقرًّا للحاكم البريطاني الكابتن مارشال وأفراد القوة من الجيش، وقتل نجم البقّال الكابتن مارشال، وأصيب الطبيب الذي كان معه، واشتبكوا مع القوة الموجودة في الخان، وقد نقلوا المصابين والقتلى إلى داخل المدينة، وهدأت الحالة.
ولم يعرف البريطانيون بادئ الأمر أنّ مصدر هذا العمل من النجف أو غيرها، وبعد مضي ساعتين من نهار ذلك اليوم دخل رجال الخفر على عادتهم فوجدوا في سوقها أفرادًا من الجمعية حاملين سلاحهم، فحاولوا أخذ بنادقهم فرمى أحدهم رجال الخفر، فقتل اثنين منهم. ووضح عند ذاك لدى الحكومة المحتلة أنّ الثائرين عليهم هم النجفيون، واجتمع في ذلك اليوم أعضاء جمعية النهضة الإسلامية، وقد بلغهم أنّ القوات البريطانية عزّزت مراكزها حول المدينة بجنود أُرسلت من الحلة، واتفقوا على محاربة الإنكليز ومكافحتهم مهما كلّفتهم الظروف، وحسبوا للحرب حسابها وحدّدوا الأعمال الواجبة عليهم، وانقسموا بين الأعمال الليلية والأعمال النهارية، وعيّنوا حصونهم المنيعة في داخل المدينة وخارجها، وواظبوا في ذلك اليوم خوفًا من هجوم الحكومة المحتلة على المدينة المقدسة، وبعد مرور ثلاثة أيام للواقعة قاموا بحفر الخنادق، وأعّدوا الحصون، وعيّنوا لكلّ ليلةٍ عددًا من الرجال للحراسة والرصد، وكان للشيخ محمد جواد الجزائري دورٌ بارزٌ في
توفير الذخائر الحربية، فقد كان يقوم بصنع الذخيرة للثوّار في بيته.
قررت القوات البريطانية حصار المدينة في 25 آذار 1918، وضمّها إلى الإدارة العسكرية، ووضعت شروطًا لفكّ الحصار، منها تسليم الثوّار، ودفع غرامة ألف بندقية، وخمسين ألف ربية، وتسليم مئة شخصٍ من المحلّات الثائرة لإبعادهم عن النجف بصفة أسرى حرب، وقد حاول الثوّار فكّ الحصار عن المدينة، ولكنّهم لم يفلحوا، وقد استمر الحصار( 45) يومًا، وقطع الماء والغذاء عن المدينة، ومنع الدخول والخروج منها، عززت بريطانيا قواتها العسكرية في النجف الأشرف بقيادة الكابتن بلفور، فطوّق المدينة بالجنود والخنادق والأسلاك الشائكة، ووقف رجال جمعية النهضة الإسلامية ومعهم رجال المدينة مدافعين عن مدينتهم، واشتدّ القتال بين الطرفين، الأمر الذي دعا قادتها إلى توجيه مدافعها ورشاشاتها وقواتها المدرعة نحو التل الجنوبي المطلّ على المدينة، ثم قامت بالهجوم عليه، وقام الثوّار بهجمةٍ معاكسةٍ لهجوم الإنكليز، فارجعوا القوات المحتلّة على أعقابها، وفي الوقت نفسه كتبت جمعية النهضة في اليوم السادس لنشوب الحرب عددًا من الكتب إلى القبائل القريبة من النجف تطالبها فيها بواجبها الديني والوطني، وطالبتهم بالهجوم على مدينة أبي صخير؛ لفكّ الحصار عن النجف، وشرعت المدفعية البريطانية بقصف مدينة النجف الأشرف صباح يوم الأحد7 نيسان 1918، ودام القصف لمدة ساعة، فدخلت القوات المحتلة المدينة من جهة التل الجنوبي وتمت السيطرة، وتشكّلت محكمة عسكرية خاصة في 5 أيّار 1918 في دار إقامة بلفور في الكوفة لمحاكمتهم، وأصدر الحاكم
لمدني في بغداد أوامره في 9 أيّار 1918 على ترحيل الشيخ محمد جواد الجزائري الموجود في السجن المدني في بغداد الى الهند مع بقية سجناء الحرب من أهالي النجف الآخرين .
غيّرت ثورة النجف الأشرف اتّجاه البريطانيين في تعيين الحكّام، فبعدما كانوا يعملون على أساس أنْ يكون جميع الحكّام من الإنجليز كما هو الحال في الهند، أصبحوا يعتقدون بضرورة تعيين الحكّام من العرب والعراقيين مع إجراء إصلاحات إدارية، فضلًا عن تغيير خططهم في أساليب الإدارة.
وقد تميّزت ثورة النجف الأشرف عام 1918 بأنّها أول مواجهةٍ وطنيةٍ ثوريةٍ ضدّ الاحتلال البريطاني على الرغم من عدم انتهاء الحرب العالمية الأولى، وكان البريطانيون يدركون خطورة هذه الثورة لما تمثّله مدينة النجف الأشرف من بُعدٍ كبيرٍ في العالم الإسلامي عامة وعند الشيعة على وجه الخصوص؛ فهي مركز المرجعيّة، ومقرّ الحوزة العلميّة التاريخي في العالم الشيعي. وقد أعقب ثورة النجف تطوّارتٌ سياسيةٌ مهمّةٌ على الساحة العراقية تمثّلت بثورة العشرين، وكانت ثورة النجف عام 1918 العامل الأساس في تنبيه العراقيين لأعمال الحكومة البريطانية التي جاءت لاستعمار العراق، على الرغم من عدم تحقّق كافة أهدافها؛ لعدم التزام الجناح العسكري لجمعية النهضة الإسلامية في توقيت إعلان الثورة، فضلًا عن وجود الفارق في القوة العسكرية بين الطرفين، وقيام البريطانيين باجراءاتٍ تعسفيةٍ بحق أهالي المدينة من خلال الحصار الذي أعقبته حملةٌ من الإعدامات والنفي.
وتعدّ هذه الثورة حدثًا مهمًّا من الناحية الاجتماعية والسياسية؛ فهي تعطي صورةً واضحةً من صور المجتمع النجفي في رفضه للاحتلال والوقوف بوجهه، وتعدّ أول ثورةٍ في العراق تُعلن ضدّ الوجود البريطاني.
تواصلت اجتماعات القوى الوطنيّة، فقد عُقد اجتماعٌ مهمٌّ في منزل السيد علوان الياسري في النجف في16 نيسان 1920م، حضره نجل الشيخ الشيرازي (محمد رضا)، وعددٌ من رجال الدين ورؤساء العشائر، وطُرحت في هذا الاجتماع فكرة الثورة المسلّحة ضد البريطانيين لأول مرة، وقد أيّدها بعضٌ منهم، وعارضها بعضٌ آخر، واتفق على تأجيل فكرة الثورة المسلّحة، والعمل على التمهيد لها عن طريق التوعية الوطنيّة والدينيّة، كما قرّر المجتمعون اتّخاذ عددٍ من الخطوات السياسيّة المكملة في مواجهة المحتلّين ومن ذلك:
1. تأسيس جمعية باسم (الجمعية الإسلامية) مركزها كربلاء، ولها فروع في كلّ العراق، يرأسها الشيخ محمد تقي الشيرازي.
2. توزيع منشورٍ بتوقيع الشيخ الشيرازي يأمر بالوحدة، وجمع الشمل، والتعاضد في كلّ المهام.
3. جعل يوم الجمعة يوم الشعب، تًعطل فيه المكاسب ويترك البيع والشراء، وتنصب المنابر في الساحات ليتبارى الخطباء.
وعُقد اجتماعٌ موسّعٌ في النجف الأشرف بتاريخ20 نيسان 1920م، ضمّ عددًا من رجال الدين البارزين، وشيوخ العشائر والوجهاء، قرر خلاله المجتمعون إرسال هادي زوين ومحسن شلاش، وهما من وجهاء مدينة النجف وساداتها إلى بغداد؛ لبحث الوضع السياسي هناك كمندوبين عن منطقة الفرات الأوسط، وإثر ذلك عُقد اجتماعٌ موسّعٌ في بغداد بتاريخ22 نيسان من العام ذاته، حضره أعضاء من جمعية حرس الاستقلال، وبيّن هادي زوين للمجتمعين
عن استعداد أهالي منطقة الفرات الأوسط وتأهبهم لمقاومة البريطانيين، وطلب منهم تحديد موقفهم، فأجابه جعفر أبو التمّن بأنّ البغداديين مستعدّون للسير على نهج علمائهم، وقرّر المجتمعون بعد ذلك إيفاد أبو التمّن مندوبًا عنهم إلى كربلاء للاتصال والاتفاق مع الشيخ الشيرازي خلال زيارة الخامس عشر من شعبان، ثم عُقد اجتماع في النجف الأشرف في (6 حزيران) من العام ذاته فحضره وجهاء المدينة وعددٌ من رجال الدين ورؤساء العشائر القريبة من المدينة، وتم اختيار ستة مندوبين، من أبرزهم الشيخ جواد الجواهري، والشيخ عبد الكريم الجزائري وغيرهم، وعندما سمع الشيخ الشيرازي بهذا الأمر كتب إلى المندوبين الستة رسائل تشجيع على ذلك الاجتماع الذي يهدف إلى المطالبة بحقوق البلاد.
من جهةٍ أخرى أرسل رجال الدين وزعماء العشائر في النجف رسائل رفقت معها رسالة الشيخ الشيرازي إلى بقية الزعماء والرؤساء في الفرات الأوسط، فضلًا عن إرسال رسالةٍ أخرى ذات صيغةٍ احتجاجيةٍ إلى حاكم لواء النجف والشاميّة يحذرونه من خطر اعتقال نجل الشيخ الشيرازي، ووجهوا رسالةَ أخرى إلى مندوبي بغداد والكاظمية طالبين فيها تضامنهم مع قضية إخوانهم في كربلاء والفرات الأوسط، إذ احتجّوا بدورهم على سلطات الاحتلال. أدّت عملية الاعتقال والنفي للنخبة من الثوار من أهالي كربلاء والحلّة الى تأزمٍ واحتقانٍ كبيرين في صفوف العامة، فيما نشر خبر مفاده أنّ الشيخ الشيرازي قرّر مغادرة البلاد، فبدأت تصل الكثير من الكتب والرسائل الى كربلاء ولاسيّما من رجال ووجهاء مدينة النجف، عبّر فيها أصحابها عن تضامنهم وتأييدهم للشيخ الشيرازي.
بإلحاحٍ من الحاكم السياسي الميجر تايلر الذي وجّه دعوةً إلى جميع الزعامات السياسيّة والدينيّة في مدينة كربلاء المقدسة لإبداء رأيهم بالاستفتاء ونتائجه، إلّا أنّ الحاضرين طلبوا منه مدة ثلاثة أيام؛ لأنّهم لا يمثّلون عامة الناس، بعدها عقدوا اجتماعًا في منزل الشيخ محمد تقي الشيرازي تداولوا فيه الأمور السياسيّة التي تمخضت عن الاستفتاء، وقد اختلفت الآراء وتعدّدت وجهات النظر حتى استقر الرأي أخيرًا على مضبطة وقّعها عددٌ من الحاضرين جاء فيها: «وقد اجتمعنا نحن أهالي كربلاء رأينا على أن نستظلّ بظلّ رايةٍ عربيةٍ إسلاميةٍ فانتخبنا أحد أنجال سيّدنا الشريف حسين ليكون ملكًا علينا مقيّدًا بمجلسٍ منتخبٍ من أهالي العراق لتسنين القواعد الموافقة لروحيات هذه الأمة وما تقتضيه شؤونها».
وقد أراد الشيخ الشيرازي مع مؤيّديه وأنصاره من الوطنيين الكربلائيين أنْ يقطع الطريق على أيّة محاولةٍ بريطانيّةٍ لتنظيم مضبطةٍ أخرى مؤيدةٍ لهم، فعندما سُئل عن الطريق والمنهج الواجب اتّباعه في عملية الاستفتاء وكان نصّ السؤال هو: (فهل يجوز لنا انتخاب غير المسلم للإمارة والسلطنة علينا أم يجب علينا اختيار المسلم، بيّنوا تؤجروا ؟)، وكان جوابه: (ليس لأحدٍ من المسلمين أنْ ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين)، صدرت هذه الفتوى في 23 كانون الثاني عام 1919م، وقد أيّدها سبعة عشر عالمًا دينيًا في كربلاء كما أُرسلت نسخٌ عديدةٌ من هذه الفتوى الى عشائر الفرات والجنوب وغيرها، ممّا أدّى الى تأزم الموقف ضد البريطانيين الذين ازدادوا صرامة.
وقد حاول البريطانيون الردّ على المضبطة التي نظّمها الوطنيّون في كربلاء بطريقتين: الأولى هو رفضهم استلام المضبطة بحجة أنّها لم تسلّم في الوقت المناسب، والثانية هو تنظيم مضبطةٍ أخرى بديلةٍ عن طريق بعض مؤيديهم، فتمكّن الحاكم البريطاني للحلة الميجر بوفل من إغراء بعض الأشخاص لكتابة مضبطةٍ مؤيدةٍ للبريطانيين، ولم يستطع البريطانيون اعتماد المضبطة الأخيرة كمضبطةٍ معبّرةٍ عن آراء أهالي مدينة كربلاء؛ لأنّ الموقّعين عليها هم من الناس الذين لا يمثّلون الوجهاء والشخصيات الحقيقية الكربلائية، وكذلك ربما خوفًا من ردّة فعل المرجع الشيخ محمد تقي الشيرازي الذي استطاع بفتواه ضد الاستفتاء أنْ يهدّد مصالح البريطانيين؛ لذلك أهملت المضبطتين معًا، لكن الشيخ الشيرازي أرسل نسخةً من المضبطة الأولى إلى الشريف حسين في الحجاز بيد الشيخ محمد رضا الشبيبي ليستند عليها عند مطالبته البريطانيين بتنفيذ وعودهم التي قطعوها، وعُقد اجتماعٌ سري ليلًا في أيّار 1920م، في كربلاء في منزل السيّد أبو القاسم الكاشاني، حضره عددٌ من شيوخ العشائر ورجال الدين والوجهاء من مختلف مناطق الفرات الأوسط، كجعفر أبو التمن، وعبد الكريم الجزائري، ومحسن أبو طبيخ، عبد الواحد الحاج سكر، وشعلان أبو الجون، وهبة الدين الشهرستاني وآخرين، تداول فيه المجتمعون قضية الثورة المسلّحة ضد الوجود البريطاني في العراق، وتمّ الاتفاق أخيرًا على ضرورة أخذ رأي الشيخ الشيرازي في هذه المسألة الخطيرة، فاختاروا خمسة مندوبين منهم لمقابلة الشيخ الشيرازي وهم: عبد الكريم الجزائري، وجعفر أبو التمن، ونور الياسري، وعلوان
الياسري، وعبد الواحد الحاج سكر، واجتمع المندوبون الخمسة مع الشيرازي في منزله في 4 أيّار 1920م، ويعدّ هذا الاجتماع من أهمّ الاجتماعات التي عُقدت قبل الثورة. فاتح المندوبون الشيخ الشيرازي في الموضوع، فقال لهم: (إنّ الحمل ثقيل وأخشى ألّا يكون للعشائر قابلية المحاربة مع الجيوش المحتلة)، فأكّدوا له أنّ العشائر لها القدرة على القيام بالثورة، فردّ عليهم: (أخشى أنْ يختلّ النظام ويُفقد الأمن فتكون البلاد في فوضى، وأنتم تعلمون أنّ حفظ الأمن أهمّ من الثورة، بل أوجب منها)، فردّوا عليه بأنّهم قادرون على حفظ الأمن والنظام في البلد، عند ذلك أجابهم الشيرازي بقوله: (إذا كانت هذه نيّاتكم وهذه تعهّداتكم فالله في عونكم).
أحدثت الفتوى هيجانًا عامًا في العراق، وبات توقيت إعلان الثورة مجرد أيام، فعقد علماء الدين والشخصيات ورؤساء العشائر اجتماعاتٍ للتداول واتخاذ الخطوات وتوزيع المهام، حتى أعلنت الثورة يوم (30 حزيران 1920م)، وكانت اجتماعات قادة الثوار والتحرر الوطني في تلك الأيام تتوالى في المساجد والدواوين في كربلاء وغيرها من المدن العراقيّة، كما كانت الاتصالات مع رؤساء العشائر تجري على قدمٍ وساقٍ وأجراس الثورة تدق، وأصواتها تتعالى شيئًا فشيئًا لتملأ أسماع العراقيين جميعًا وفي الوقت نفسه كان البريطانيون يزدادون هستيرية وعنفًا في قمع نشاطات الحركة الوطنيّة، إذ منعوا المواليد التي كان يجتمع خلالها الناس وتُلقى الخطب الوطنيّة فيها، فقد أصدر القائد العام البريطاني قرارًا بمنعها، وأنذر بإنزال أشدّ العقوبات بحقّ المخالفين. أدّت
السياسة البريطانيّة هذه الى هياج الرأي العام العراقي، ودفعهم إلى التظاهر ضد الاحتلال البريطاني، ورفع الثوّار المشاركون في التظاهر مذكرة للسلطات البريطانيّة تضمّنت جملةً من المطالب وكان منها:
1. تأليف مؤتمر يمثّل الشعب العراقي، ليقرر شكل الإدارة الوطنيّة وعلاقاتها بالدول الأجنبية.
2. إطلاق حرية الصحافة والمطبوعات؛ ليستطيع الشعب التعبير عن آماله وتطلعاته الوطنيّة.
3. رفع الحواجز البريديّة والبرقيّة بين أنحاء البلاد، وبينها وبين الدول الأخرى.
وكان الشعب العراقي في تلك الأيام ينتظر مَنْ يطلق الطلقة الأولى، لتنبعث شرارة الثورة إلى شتى أنحاء العراق بعد أنْ أقدمت قوات الاحتلال على اعتقال الشيخ شعلان أبو الجون رئيس قبيلة الظوالم المعروف بعدائه للاحتلال البريطاني، وسبب اعتقاله هيجانًا كبيرًا في صفوف العشائر، وفي ذلك الوقت بعث كل من الشيخ الشيرازي ونجله (محمد رضا) رسالتين في 26 أيّار من العام ذاته الى الحجاز، الأولى موجّهة من الشيخ الشيرازي إلى الأمير فيصل بن الحسين، والثانية موجّهة من نجله (محمد رضا) إلى الأمير علي بن الحسين ولي عهد مملكة الحجاز، وأضاف الشيخ (محمد رضا) في رسالته عن عزم أبيه ومجموعة من العلماء على السفر الى إيران لأنّه: «كبر عليه أنْ يرى تحقير المسلمين وازدرائهم من أعدائهم». أرسلت هاتين الرسالتين بوساطة الشيخ محمد باقر
الشبيبي الذي توجّه من كربلاء إلى النجف، ومن ثم استعدّ للسفر من هناك الى الحجاز، لكن الظروف التي كان يمرّ بها العراق حالت دون سفره، ورجع جعفر أبو التمن الى بغداد بعد انتهاء اجتماع كربلاء الأخير، وعُقد في بغداد اجتماعًا موسّعًا حضره يوسف السويدي، والسيد محمد الصدر، وعلي البازركان، وسعيد النقشبندي، وجعفر أبو التمن، حيث قدّم الأخير تقريرًا عن نتائج زيارته الى كربلاء، وقرّر المجتمعون إقامة المظاهرات السلمية ضد البريطانيين، وشارك في تلك المظاهرات عددٌ غير قليلٍ من زعماء الفرات الأوسط، كما أقيمت احتفالاتٌ كبيرةٌ في جوامع بغداد وشارك في تلك الاحتفالات السنة والشيعة معًا، وكانت تلك الاحتفالات قد مثّلت تمردًّا علنيًّا يدلّ على قرب انفجار الثورة في العراق.
وحاول البريطانيّون إفشال تلك الاحتفالات بطريقتين، الأولى دعوة عددٍ كبيرٍ من الشباب إلى حفلاتٍ أقيمت في منزل المس بيل، بهدف إبعادهم عن الاحتفالات الوطنيّة، والثانية بإرسال السيارات المصفّحة وتسييرها في الشوارع لتفريق المتظاهرين، وعندما فشلت جميع تلك المحاولات، أصدر قائد اللواء البريطاني (ساندورز) أمرًا يمنع تلك الحفلات، واجتمع في كربلاء عددٌ كبيرٌ من وجهاء المدينة في( 4 حزيران 1920م) استجابةً لدعوة الشيخ الشيرازي، وقرّروا اختيار مندوبين عنهم لمقابلة السلطات البريطانيّة في العراق، وبعد الحوار والنقاش تم الاتفاق على اختيار الشيخ محمد الخالصي نجل الشيخ مهدي الخالصي، والسيد محمد علي الطباطبائي وغيرهم، إذ نظّم هؤلاء مضبطة صيغت باسم أهالي كربلاء لتمثيلهم أمام السلطات البريطانيّة للمطالبة باستقلال العراق،
فضلًا عن المطالبة بتشكيل دولةٍ عربيةٍ يتزعّمها ملكٌ عربي مسلم مقيّدٌ بدستور، وكتب الشيخ الشيرازي في نهاية المضبطة عبارة (صحيح نافع مفيد إنْ شاء الله تعالى).
وخرجت في كربلاء مظاهرةٌ كبيرةٌ حاشدة في (12 حزيران 1920م)، وفي مساء اليوم التالي خرجت مظاهرةٌ كبيرةٌ أخرى ألقى فيها الشيخ محمد الخالصي خطابًا مثيرًا تحدّى فيه البريطانيين، وكان له أثرٌ كبيرٌ بين صفوف المحتشدين بسبب حسن اختياره للألفاظ والمعاني المثيرة لعواطف المستمعين: «أيها السادة إن الله قد وصفكم بكتابه بأنكم الأعلون وقد جاءتكم بريطانيا تقول أنتم الأدنون ونحن الأعلون، لذلك يجب أن نكون قيمين على شؤونكم وإدارتكم وأموالكم وأنفسكم» وأضاف الخالصي: «نحن لا نريد حربًا مع بريطانيا، ولا مع أحدٍ غيرها من الناس، ولكن الدولة التي تعتدي علينا نقاومها بأرواحنا وأنفسنا». انتشرت عمليات التعبئة والتهيّؤ للثورة في كربلاء الى بقية المناطق الأخرى القريبة منها، وفي ثاني أيام عيد الفطر أي في (19 حزيران) تليت فيه رسالة وردت من الشيخ الشيرازي تدعو العراقيين الى المطالبة بحقوقهم المشروعة بالطرق السلمية، كما أنّهم أعادوا تلاوة رسالة الشيخ الشيرازي لعدة مرات، والتي انتشر صداها بين القبائل في الفرات الأوسط والوجهاء في المدن، واستجاب أهالي الحلة لدعوة الشيخ الشيرازي فتجمعوا بأعدادٍ كبيرةٍ لانتخاب مندوبيهم في اليوم التالي.
أدّى كلّ ذلك إلى قيام السلطات البريطانيّة باعتقال الثوّار، وقادة التجمعات وإرسالهم جميعًا إلى جزيرة (هنجام) في الخليج العربي، وكانت تلك الاعتقالات
ونفي الثوّار والزعماء الوطنيين أحد الأسباب الرئيسة التي سرعت في اندلاع الثورة، وهذا الأمر زاد الطين بلة عندما تحرّكت قوةٌ بريطانيةٌ إلى كربلاء يقودها الحاكم السياسي (بولي) بنفسه في 22 حزيران 1920م، الذي أرسل حينما وصل الى كربلاء كتابًا إلى الشيخ الشيرازي جاء فيه: (إنّ هذه القوة جاءت لحفظ الأمن وإلقاء القبض على عددٍ من الأشرار)، ردّ عليه الشيخ الشيرازي: «إن جلب العساكر لمقابلة الأشخاص المطالبين بحقوقهم المشروعة من الأمور غير المعقولة... ومخالف للعدل ولإرادة الأمة»، وفي نهاية الكتاب هدّد الشيخ الشيرازي البريطانيين إذا لم يرحلوا عن المدينة: (فإنّ وصيتي بخصوص السلم تصبح ملغاةً في ذاتها)، كما حذّر الشيخ الشيرازي الميجر بولي من أنّه إذا استعمل القوة ضدّ حقوق البلاد المشروعة فإنّه: «هو وأمثاله سيتحملون مسؤولية إراقة الدماء».
كذلك أبرق الشيخ الشيرازي رسائل عديدةً أخرى إلى علماء الدين في النجف ورؤساء العشائر يطلب فيها التواصل مع بقية الرؤساء والزعماء والعمل معًا وفق خطّةٍ توقف هذه الأعمال البريطانيّة، من جهةٍ أخرى أرسل زعماء العشائر ورجال الدين في النجف رسائل رفقت معها رسالة الشيخ الشيرازي إلى بقية الزعماء والرؤساء في الفرات الأوسط، فضلًا عن إرسال رسالة أخرى ذات صيغةٍ احتجاجيةٍ إلى حاكم لواء النجف والشاميّة يحذروه من خطر اعتقال نجل الشيخ الشيرازي، ووجّهوا رسالةً أخرى إلى مندوبي بغداد والكاظمية طالبين فيها تضامنهم مع قضية إخوانهم في كربلاء والفرات الأوسط، إذ احتجّوا
بدورهم على سلطات الاحتلال.
أدّت عملية الاعتقال والنفي للنخبة من الثوار من أهالي كربلاء إلى تأزّمٍ واحتقانٍ كبيرين في صفوف العامة، فيما نشر خبر مفاده أنّ الشيخ الشيرازي قرّر مغادرة البلاد، وبدأت تصل الكثير من الكتب والرسائل الى كربلاء ولا سيّما من رجال ووجهاء مدينة النجف، عبّر فيها أصحابها عن تضامنهم وتأييدهم للشيخ الشيرازي، كما كان لنفي (أحرار كربلاء) صدى كبير في كثيرٍ من مناطق العراق الأخرى، ولا سيّما منطقة الفرات الأوسط بين الأوساط العشائرية على وجه التحديد، إذ عُقد اجتماعٌ عشائريّ في منزل عبد الكاظم الحاج سكر في منطقة المشخاب في 28 حزيران، وانتهى الاجتماع بتوجيه عريضةٍ إلى الحاكم السياسي البريطاني لمنطقة النجف والشامية تطالب بإطلاق سراح الثوّار المعتقلين والمنفيين وعودتهم الى بلادهم، كما أرسل المجتمعون رسائل عديدةً الى رؤساء عشائر بني حجيم في الرميثة، ومن أبرزهم الشيخ شعلان أبو الجون، وحاول البريطانيون تخفيف حدة التوتر والاحتقان والغضب الشعبي العارم، فقد أرسل الحاكم السياسي البريطاني إلى أحد شيوخ عشائر آل فتلة وهو (مجبل آل فرعون)، وعُقد الاجتماع في الأول من تموز، حضره عددٌ قليلٌ من شيوخ آل فتلة، وطالب عبد الواحد الحاج سكر البريطانيين إطلاق سراح ثوار كربلاء، كما اجتمع الحاكم السياسي البريطاني مع بعض علماء النجف ومنهم العلامة الجزائري والعلامة الجواهري، وطلب منهم التوسّط لدى الشيخ الشيرازي والتخفيف عليه من(نفي نجله)، فردّ عليه الجزائري أنّ أولاد الشيرازي هم
أحرار كربلاء وأحرار الحلة جميعًا، وأنّ الشيخ الشيرازي ينظر الى جميع العراقيين بصفتهم أولاده وانتهى الاجتماع.
واعترف بعض القادة السياسيين البريطانيين بأنّ اعتقال نجل الشيخ الشيرازي (محمد رضا)، قد حفّز العشائر على التمرّد ضدّهم بسبب الاحترام الكبير الذي كانت تكنه هذه العشائر للمرجعية الدينيّة، وأنّ خوفهم الرئيس يكمن في اجتياح أمواج الحماس الدينية عند العشائر الجنوبيّة من العراق، كما اعترف البريطانيون بأنّ سياسات (آرنولد ويلسن) المتهورة كانت السبب الرئيس لاندلاع الثورة ضدهم، وبذلك فقد أصبحت مدينة كربلاء في عهد الثورة ذات أهميةٍ كبرى وذلك لسببين، هما: وجود المرجع الشيعي الكبير الميرزا محمد تقي الشيرازي فيها، وقرب المدينة من جبهات القتال.
وبعد معركة الرارنجية التي حدثت يوم 25 تموز قررت كربلاء الانضمام إلى الثورة حيث اجتمع رؤساء البلدة بمعاون الحاكم السياسي محمد خان بهادر، وطلبوا منه تسليم كل ما لديه من صلاحيات إلى هيأةٍ وطنيةٍ ينتخبها رؤساء البلدة، فطلب منهم محمد خان مهلة يومين، وقد حاول محمد خان بهادر خلال هذه المهلة الالتفاف على رؤساء البلدة بالاتفاق مع مدير شرطة المدينة ولكن محاولته فشلت وعندئذٍ التجأ كلٌّ من محمد خان بهادر ومحمد أمين، ومعهم عريف بالجيش الإنجليزي لدار الشيخ محمد رشيد الصافي وبعدها تطوّع الشيخ فخري كمونة بحماية الثلاثة، وقام بإخراجهم من المدينة بأمان، وفي اليوم التالي اجتمع رؤساء البلدة ووجهاؤها بالشيخ الشيرازي وتقرر عندئذ تشكيل مجلسين لإدارة
المدينة هما الشعبي والوطني مهمتهما الإشراف على المدينة وجباية الضرائب فيها وتعين الموظفين والشرطة، وبعد وفاة الشيخ محمد تقي الشيرازي في يوم 17 آب تمّ حلّ المجلسين اللذين تشكّلا بعد إعلان الثورة في كربلاء، وبعد وفاة الشيرازي ظهرت الحاجة لتعين متصرّفٍ في مدينة كربلاء يشرف على شؤون الأمن والنظام، وذلك حسمًا للخلافات التي بدت بوادرها بالظهور بين رؤساء ومشايخ المدينة من أجل السلطة فتقرر اختيار محسن أبو الطبيخ متصرّفًا على المدينة حيث جرى تنصيب أبو طبيخ في يوم 6 تشرين الأول، قامت القوات الإنجليزية بشنّ هجومٍ واسعٍ في المناطق الوسطى؛ وذلك لاسترداد ما فقدته من مدن ومناطق وكان لسقوط مدينة الهندية (طويريج) في يوم 13 تشرين الأول بيد القوات الإنجليزية الأثر الأكبر في نشر الخوف والرعب ما بين الأهالي في مدينة كربلاء، عندها قرّر وفد يمثل شيوخ ووجهاء المدينة بالذهاب إلى مقرّ قوات الإنجليزية والمتمركز في مدينة الهندية.
كان لمدينة الحلة باعٌ طويلٌ في الحرب العالمية الأولى حيث استطاع (السيد محمد علي القزويني) تجنيد الآلاف من أبنائها للوقوف صفًّا واحدًا مع الجيش العثماني، وكلّما تقدم الوقت تقدّمت قطعات الحلفاء لاحتلالها مناطق العراق الواحدة تلو الأخرى، فازدادت همّة الحلّيّين ولهفتم وحماسهم بتأييدهم للعثمانيين، وعملوا بجدٍ وقوةٍ من أجل التصدّي للاحتلال البريطاني، ومع استمرار تفاقم الوضع كان الحلّيّون مهتمين في عقد الاجتماعات لوضع الخطوط الكفيلة للتصدّي
للقوات البريطانية، فأصدر رجال الدين والعلماء الفتاوى التي تحثّ الناس على ضرورة الجهاد، ومن أبرز تلك الفتاوى فتوى السيد محمد القزويني التي توجب محاربة البريطانيين لكونهم غير مسلمين وكفّار محتلّين، وقد كان لموقف الحلّيّين من الاحتلال البريطاني للعراق ورفضه من قبلهم الدافع المحرك الأساس لهم للإسهام الفاعل في قيام ثورة العشرين والتخطيط والإعداد والإسهام فيها من قبل العديد من أبنائها، وفي مقدمتهم السيد (كاطع العوادي).
جرت عملية التهيئة للثورة من خلال الاتصالات بين الثوّار في مختلف المناطق، وكانت أولى الاجتماعات التي أعدّت لذلك أواسط شهر آذار، فقد عُقد اجتماعٌ سريّ في مدينة النجف، حضره عددٌ كبيرٌ من العلماء ورؤساء العشائر، ويمكننا القول بأنّ مدينة الحلّة كانت مسرحًا تاريخيًّا للسواد الأعظم من أبناء الوطن، الذين أدّوا أدوارهم المشرّفة واثبتوا أنّ التاريخ يكتب بالنور والدماء، وأحيانًا أخرى يكتب بالقداسة والضمير الديني والوطني الحي.
وقد قرّر الشيوخ من قادة الثورة إيفاد الشيخ شعلان العطية إلى عشائر البو سلطان لحثّهم على الإسهام في الثورة، فذهبوا إلى الشيخ شخير والشيخ حنتوش، فكانت استجابتهما عاليةً، ووعدا بتوجيه عشيرتيهما إلى القتال، ثم ذهبوا إلى الشيخ دليمي البرّاك شيخ عشيرة البو مساعد، فانضمّ إليهم أيضًا، وفي صباح اليوم التالي رجع كلٌّ من الشيخ صلّال الموح والشيخ شعلان العطية إلى بيت الشيخ عدّاي الجريان، فعلموا أنّه سافر إلى الحلة، وحضر كلٌّ من الشيخ نايف والشيخ فارس، وجمعا عشيرتيهما وانضمّا إلى الثورة. وكان الثوّار يطاردون البريطانيين المنسحبين في
القطار مع كامل المعدّات، وفي منطقة الزرفية (ناحية الطليعة حاليًا) عملت النخوة وهي من تقاليد البداوة العربية فعلتها بين رجال قبيلة الجبور، بعد أنْ أُصيب الثوار بهزيمةٍ تجاه البريطانيين، وفي ذلك الحال ظهرت امرأة (عمارية) هي زوجة الشيخ ثعبان المهدي من شيوخ عشائر الجبور، فحسرت القناع عن رأسها (فارعة الرأس)، ودخلت بين فلول العشائر المنهزمة، وصارت تثير فيهم النخوة على الطريقة البدوية، ثم تقدّمت إلى الأمام وبيدها فأس، فانتفضت النخوة في نفوس العشائر، وكرّوا على البريطانيين باستماتة فأجلوهم عن مواقعهم، وقد أصيبت المرأة في أثناء ذلك بقذيفةٍ أدت الى استشهادها. وفي منطقة الجربوعية (الهاشمية حاليًا)، حاصر الثوّار القطار الذي وصل المنطقة لمدة عشرة أيام بعد انضمام عشائر الجبور إليهم، وحدثت معركةٌ عنيفةٌ، وتحوّل الثوار في الجانب الشرقي إلى منطقة الدولاب في الحلة (منطقة السياحي)، وفي منطقة المدحتية، عزّز البريطانيون جيشهم بقوات التحقت بهم كانت في الحدود الإيرانية لمساعدتهم، وإنقاذ جيشهم المحاصر، فتوزّعت العشائر لمواجهة الجيش القادم من الحلة، وتقابلت معه من كلّ صوبٍ وجانبٍ، فكانت معركةً حاميةً استعمل البريطانيون فيها مختلف الأسلحة الخفيفة والثقيلة والطائرات التي أخذت تقصف تجمّعات الثوّار ومواقعهم، وتوجّه جيش الاحتلال إلى مدينة المدحتية فأحرقها، وأحرق ضريح الحمزة رضياللهعنه ، وكان الهدف من ذلك قطع تمويل الثوّار، وفي منتصف الليل خرج الجيش من الحمزة إلى الحلّة، أما الثوّار فقد عبروا إلى الجانب الثاني من النهر، وتوجّهوا حتى وصلوا قرب الحلّة، فعبروا النهر ثانيةً إلى الجانب الشرقي؛ لأنّ القوات البريطانية كانت
في الجانب الصغير من المدينة، فأحاطت قوات الثوّار المؤلفة من عشائر عفك والأقرع والبدير والبو سلمان بالجانب الصغير، أمّا العشائر التي أحاطت بالجانب الكبير من الحلة، فكانت من عشائر الجبور، والفتلة، والخفاجة، وبني حسن، وبقية عشائر الشامية التي جاءت بعد انتصار الرارنجية.
عُدّت معركة الرارنجية (الرستمية)، من المعارك الحلّيّة الكبرى في ثورة العشرين، بل وعدّها كثيرون من أهمّ المعارك التي خاضها الثوّار وانتصروا فيها على القوات البريطانية في ٢٥ تموز١٩٢٠، التي جرت في جنوب مدينة الحلّة، وفيها تكبّد البريطانيون خسائر فادحًة بالأرواح والمعدّات، فقد أدّى سوق قسمٍ من قطعات الجيش من الحلّة إلى الديوانية حصول الثورة في الحلّة، بعد أنْ سيطرت قوةٌ من عشيرة بني حسن على منطقة الكفل جنوب الحلّة في ٢٠ تموز ١٩٢٠، ممّا أثار السلطات المحتلة التي حاولت إظهار قوتها في المنطقة، كان الثوّار يتقدمون وهم يهتفون بأهزوجةٍ تخاطب الشيخ عبد الواحد الحاج سكر بالقول: (جبنالك مدفع يا هيبة).
وتعدّ تلك المعركة واقعةً وطنيةً كبيرةً في تاريخ العراق المعاصر، اعترف بها أعداء العراق قبل غيرهم، وكان من نتائج الانتصار في تلك المعركة جلاء المحتلّين من مناطق عديدة في الفرات الأوسط من مثل (المسيب والهندية) فضلًا
عن التحاق عشائر الدغارة وعفك بالثورة، وقد حمل النيجربولي (حاكم لواء الحلّة السياسي) على الاعتقاد بأنّ إرسال قوةٍ من الحلّة لإجبار تلك القبائل المترددة على الاستسلام لها أو عدم الاشتراك، فطلب إلى (لوكن) قائد القوة المسماة ماتستر في الحلة أنْ يرسل هذه القوة إلى الكفل لإرهاب القبائل المقيمة على الطريق من جهة، والذهاب إلى الكوفة لفكّ الحصار عن القوة المحاصرة هنالك من جهةٍ أخرى، ففي الوقت الذي كانت فيه الباخرة تعيث في الكوفة وتدوي مدافعها في شطّها وهي مغربةً وتارة مشرّقة، كانت الحلّة ما تزال يظهر عليها الهدوء والسكينة ممّا حمل النيجربولي على أنْ يلحّ على الكولونيل لوكن بضرورة الإسراع بإرسال هذه القوة؛ لئلّا يحتلّ الثوّار سدة الهندية، فيكون أمر الفرات، وإنقاص الماء فيه وتعطيل الحركات النهرية بيدهم؛ فيصعب على القوات الإنكليزية الاستفادة من هذا الخط الحيوي.
في ذلك الوقت كان النيجربولي قد أخذ كافة الاحتياطات وحشّد القوات اللازمة استعدادًا للطوارئ؛ لذلك تحرّكت قوة إنكليزية عرفت بفرقة (مانشستر) نحو الكفل بقيادة هاردكاستل، وقد زوّد بأوامر حدّدت المكان الذي سيقف فيه عند المبيت، وحذّر من الإسراع نحو الكفل رغبةً بتعزيزه بنجداتٍ قادمةٍ من الديوانية، ومع هذا فقد جدد الحاكم السياسي في الحلّة ضغطه على القائد، فصدرت الأوامر إلى القائد بالتقدّم، كان الرتل بعرباته الكثيرة التي تجرّها البغال طويل الامتداد بشكلٍ ملحوظٍ، فقد كانت هذه القوة تتألّف من ثلاث سرايا، من كتيبة مانشستر الثالثة والعشرين من سرية واحدة من طلائع السيك، ومن فوجين
من كتيبة خيالة السند 35، ومن بطارية مدفعية ميدان. كانت المعركة قصيرةً وداميةً ألحقت إصاباتٍ كثيرة وكبيرة بكلا الطرفين، غير أنّ قوات الثوّار كانت تقوم بعملية تراجع طويل أثناء الليل استنزفت قوات المحتل، حتى بقيت قوةٌ واحدةٌ تتلقى المضايقة من خيالة الثوار، إلى أنْ وصلت مشارف مدينة الحلّة تمامًا، لقد قتل الثوّار في هذه المعركة (180) ضابطًا وجنديًا إنكليزيًا، وجرح (60) رجل، ووقع في الأسر(160) أسيرًا، زحف الثوّار على القوات البريطانية حتى أصبحوا لا يفصلهم عن الجيش غير نهر الرارنجية فقط، ولمّا كان النهر عميقًا ومملوءًا ماءً، ولا يتمكنون من عبوره، وعلى ضفته اليسرى المدافع والرشاشات والجنود في الخنادق، وقف الثوار، ولم يستطيعوا العبور من المكان الذي هم فيه، إذ لا قنطره هناك غير القنطرة الوحيدة التي نصب فوقها الجيش (15) رشاشة بمعية (200) جندي، لديهم الكثير من المفرقعات اليدوية (الديناميت)، التي صاروا يرمون بها الثوّار إضافة الى نيران البنادق الحامية والرشاشات والمدافع الضخمة. هجم الثوّار على القنطرة هجمةً واحدةً، فقتل منهم ما يقارب العشرين إلّا أنّهم احتلّوها بين دوي المدافع وأزير الرصاص ونار الرشاشات ورعود المفرقعات، ولما احتلّوا القنطرة قتلوا أكثر من فيها من القوات، وغنموا عشرة رشاشات وبنادق كثيرة، وفي الوقت نفسه زحف من جهة الغرب الثوار الذين كانوا على ضفة الشط حتى وصلوا الى الجيش، وهجموا عليها في تلك الناحية ومع قمة عدد (البو عارضي) إلّا أنّهم تصدّوا للجيش البريطاني من جهة الشرق حتى التقوا بالجيش من هناك فالتحم الثوّار من لجهات الثلاثة مع
الجيش حتى سكتت المدافع والرشاشات والبنادق، وحلّ محلها السلاح الأبيض والمقمع، (الفاله والمكَوار)، وبعد أنْ أظهر الثوّار حركة الالتفاف حول القوات البريطانية أظهروا فنونَا حربيةً وتفننًا في القتال ما حيّر عقول الإنكليز وقادتهم، وكانت ملحمةً سجّلها التاريخ بالفخر الشديد للشجاعة التي أبداها الثوّار، وأسفرت عن هزيمة الباقي على قيد الحياة من أفراد الجيش بعد أنْ تركوا خلفهم ما يزيد على الألف قتيل معظمهم من الإنكليز، واغتنموا اثنين وسبعين رشّاشًا، وبكلّ ما كان بمعية الجيش من الخيام، والذي نجى منهم هرب بنفسه وحصل الثوّار على مدافع عيار(81) استعمل بعد ذلك في إغراق باخرة فايرفلاي.
إنّ القوات البريطانية بدأت ترسل القوات العسكرية لملاحقة الثوار الذين يحاصرون الحلّة لأفشال مخططاتهم، فكانت واقعة (ينشه ودويليبه) في يوم 32/ ذي الحجة 1338هـ، وهذه القوات المرسلة مؤلّفةٌ من(3000) جندي بكامل معداتهم العربية مع (4) طائرات، فلّما اقتربت هذه القوات من صفوف الثوّار قاومتها عشائر الأكرع، وعفك، والسعيد، والبو عيسى، والبو مساعد والبو سلطان، فأخذت المدافع تطلق نيرانها والطائرات تقصف والرشاشات ترعد فهجم عليها الثوار فسكتت المدافع وجرى القتال بالسلاح الأبيض والمكَوار والفاله والخنجر فأبلى المجاهدون بلاءً حسنًا، فلم يبقَ أمام الإنكليز إلّا الفرار إلى داخل مدينة الحلة، وهكذا بدأت قوات العدو بالتراجع، فعادت مذعورةً بعد أنْ تركت في ساحة القتال ما يزيد على(170) قتيلًا، وبهذا انهزموا هزيمةً مخزيةً
يلاحقهم الثوار وهم يهزجون بأهازيجهم الوطنية، ويهتفون بالاستقلال التام، وأصبحت هذه الحادثة مثلًا للآخرين، وقد اتّسم هذا اليوم بالضراوة إذ أبدى فيها الثوّار بسالةً مذهلة، وقد أسهمت المرأة العراقية الحلية من خلال أحداث هذه المعركة في حثّ المقاتلين على الصمود والتضحية، ولا بد من الإشارة الى دور العشائر المحيطة بالحلة في معركة ينشه، فقد تقدم صفوف المحاربين، فكانوا في الخطوط الأمامية، وهم رجال عشيرة البو طيف بقيادة عبد علي السبع، والبو نافع بقيادة عزيز المبارك والبو بكري بقيادة حسين الأعشم والبو مساعد بقيادة دليمي البراك وسلمان البراك، وعبد الكريم المجرش وعشيرته الجحيشر والمعامرة بقيادة هزاع المحيميد وبقية العشائر المحيطة بالجانب الشرقي.
شجّعت انتصارات الثوار في معركة الرارنجية المضي في تحرير بقية المناطق المجاورة لها، فتقدمت العشائر الثائرة نحو نهر الطهمازية الذي يبعد عن من مدينة الحلة مسافة أقل من خمسة كيلو مترات، فكان ذلك مدعاة قلقٍ ساور القوات البريطانية؛ فاتّخذت جملة إجراءاتٍ عسكريةٍ تؤّمن لها الحماية، فانتشرت على رصيف النهر في المدينة، ومحطتي القطار والطيران، وقيّدت حرية السكّان في المدينة من خلال منع التجوال بعد المساء، وفي تلك الأثناء استطاعت قبيلة بني حسن من تحرير منطقة طويريج (الهندية)، من دون مقاومة من قوات الاحتلال، كما اتّجهت القبائل الثائرة، لتحرير مدينة (سدة الهندية) بدون مقاومة أيضًا.
بعد ذلك توزّعت العشائر الثائرة في المنطقة لتطويق مركز مدينة الحلة من
مختلف الجهات المحيطة به، وفي ليلة ٣٠/٣١ تموز ١٩٢٠م، قامت العشائر المحيطة بالمدينة بأدوارها في الهجوم، وبدأ الهجوم على الحلة من الجهة الغربية والجنوبية، وكان هجوم الثوّار هجومًا ضاريًا أبدوا فيه بسالةً مذهلةً، وقدموا فيه من التضحيات الشيء الكثير واشتهرت في ذلك الهجوم، عشيرة طفيل لما أبدته من استماتةٍ منقطعة النظير، وكانت في مقدمة المهاجمين وترفع أعلامها فوق سطوح الدار، وظلّت تقاتل بضراوةٍ حتى بعد انسحاب العشائر الأخرى من البلدة، بعد أن تحمّل الثوّار خسائر كبيرةً في تلك المعركة، وتعرضهم لقصف الطائرات البريطانية عند انسحابهم في منطقة الطهمازية.
وكانت تلك المعركة نكسةً حقيقيةً منيت بها الثورة، وشغلت بال السيد الشيرازي كثيرًا، وقد رافق جماعةٌ من الثوّار الحاج صلّال الموح لطلب النجدة من العشائر التي تخلفت عن الثورة، فمروا بعشيرة المعامرة والبو موسى والعزة فانضموا الى الثوار، وأوكلت لهم مراقبة السكة الحديدية غربي الحلة، والقيام بقلعها لئلّا ينسحب العدو إلى بغداد، وفعلًا قاموا بواجبهم خير قيام، وعندما جاءت قوات من البريطانيين من مدينة الحلة لحرق دار الشيخ هزّاع المحيمد شيخ عشائر المعامرة تصدّت لها قوات الثوّار وردتهم خائبين.
واستخدم المحتلّون الحرب النفسية حين أرسلوا رسائل من قائد الجيش البريطاني إلى قسمٍ من شيوخ العشائر الثائرة طالبًا منهم إلقاء السلاح مقابل
مغريات، وعدم تكافؤ القوة بين الطرفين؛ لأنّ العدو امتلك المدافع والطائرات فاضطرّ الثوّار إلى الانسحاب مكرهين كما يدلّ على ذلك تباطؤهم في الانسحاب، وعلى الرغم من تلك النكسة العسكرية فقد توجّهت جموع العشائر الثائرة الى سدّة الهنديّة التي احتلّتها في ٥ آب من دون مقاومة، ثم توجّهت تلك العشائر الى بلدة المسيب واحتلّتها أيضًا، وعدّ القائد العسكري البريطاني(هالدين) ذلك خطرًا على بغداد، لا سيّما بعد أن هاجم الثوّار سكة حديد الحلة بغداد، كما نجح الثوّار في تحقيق انتصاراتٍ عسكريةٍ أخرى في جبهة الحلّة في قرية (بنشة) التي خسرت فيها قوات الاحتلال البريطاني (١٧٠) قتيلًا، ومعركة المجرية التي بلغت فيها خسائر المحتلين (١٢٠) قتيلًا، ومعركة الوند على الرغم من الخسائر في الأرواح، لا سيّما بعد وصول قوات بريطانية، كانت تصطاف في ربوع (كرند) داخل الحدود الإيرانية، على العراق في تموز ١٩٢٠، وانتقلت قيادة تلك القوات الى بغداد، فتعزّز موقفها وكثر الاحتياطي لديها، وأبرق تشرشل وزير الحربية البريطانية الى قائد قواته السر جيمس أيلمر لوثورب هالدين في العراق أبلغه فيها أنّ وزارته قررت وجوب القضاء على الثورة، وتلبية جميع طلباته من الجيوش والطائرات، في ذات الوقت لم تصل الثوار أية إمدادات أو ذخائر أو أموال لا من خارج العراق ولا من داخله، بعد أنْ تجاوز أمد الثورة الشهور، وهبطت كمية المؤن لديهم، فتسرّب الوهن الى قواتهم خاصة، وإنّ قوات الاحتلال قد ركزت فعالياتها العسكرية على الطائرات والمصفحات، في الوقت الذي كان فيه الثوّار قد تسلحوا بالبنادق والسيوف والعصي (المكاوير).
حين احتلت القوات البريطانية الفاو، وواصلت تقدمها نحو مدينة البصرة، وعندما أدرك العراقيون بالخطر البريطاني استغاثوا برجال الدين في المدن المقدسة في النجف وكربلاء والكاظمية ومختلف المدن العراقية الأخرى ببرقيات يطلبون فيها منهم أن ينهضوا بالأمر، ويعلنوا الجهاد ضد البريطانيين، وممّا جاء في إحدى هذه البرقيات المرسلة من شيوخ ووجهاء البصرة الى علماء الدين في المدن المقدسة ما نصه: «ثغر البصرة الكفّار محيطون به، الجميع تحت السلاح، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع». فكان لتلك البرقيات أثرٌ فاعلٌ في نفوس المسلمين واستنهاض هممهم في شتى مدن العراق للتحرك والتطوّع والإفتاء بالجهاد، وأفتى علماء الدين بالجهاد، وكتبوا الى العشائر بذلك، وكان للسيد محمد سعيد الحبوبي دورٌ كبيرٌ في دعوة المسلمين للجهاد ضد الاحتلال البريطاني، فقد أخذ يتجول في المدن والقرى، ويتصل بالزعماء وشيوخ العشائر في المشخاب وفي مناطق المنتفك، حيث اتّصل بشيوخ عشائر آل حميد، والمشلب، والشويلات، وبني ركاب، وبني ميد والطوكية، وعبودة، وخفاجة، والبو سعد، وجموع كبيرة من أهالي قلعة سكر والشطرة، ومدن الغراف من حدود الحي الى الناصرية، محاولًا أن يستنهض هممهم ويدعوهم للجهاد ضد البريطانيين، وقد استطاع بجهوده هذه لمّ شمل القبائل وتوحيد رأيها على مقاومة المحتل، وبذلك فإنّ فتوى الجهاد حقّقت نجاحًا كبيرًا، وكان لها مردود إيجابي واضح.
وممّا يذكر بصدد ذلك أنّ العلامة محمد سعيد الحبوبي عندما أخذ يطوف بين المدن والعشائر العراقية لغرض حثّها على الجهاد، فإنّه عندما مر مدينة قلعة سكر
والتقى هناك بالسيد جواد حمزة الياسري إحدى الشخصيات الدينية والاجتماعية صاحبة النفوذ والمهابة في قلعة سكر، وبعض الوجهاء المعروفين في تلك المدينة كما أنّ السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي كان قد أوعز الى ولده السيد محمد أثناء تكليفه بتبليغ فتوى الجهاد بضرورة تبليغ العشائر القاطنة في طريقه، ومنها ما يخصّ العشائر في مدينة قلعة سكر والمناطق المحيطة بها. ومما لا شك فيه فإنّ توافد رجال الدين الى مدينة قلعة سكر، فضلًا عن وجود ممثل المرجعية الدينية فيها الشيخ حسن الدخيل الحجامي الذي كان على اتصال مع ممثل المرجعية في الشطرة الشيخ عبد الحسين آل مطر، كان لكلّ ذلك تأثيره الواضح على مشاعر الناس، وحثهم على التطوع للجهاد، الأمر الذي زرع بذرة الاستعداد لمقاومة كل أشكال الاحتلال، وظهر ذلك واضحًا عند اشتعال فتيل ثورة العشرين والدور الواضح الذي أبداه أهالي مدينة القلعة في التطوع لمواجهة هذا الاحتلال، وبالفعل فقد توجّهت جموع المجاهدين من أبناء قلعة سكر وعشائرها الى مدينة الناصرية التي أصبحت وقتذاك مركزًا لتجمع المجاهدين، وعندما وصلوا الى الشطرة أواخر كانون الثاني حضر العلماء والعشائر ومشايخها اجتماعًا عامًا كان الهدف منه التأكيد على تمسكهم بتوجيهات المرجعية الرشيدة، والتزامهم بالدفاع عن الوطن والدين والمذهب، والوقوف ضد الاحتلال البريطاني بوصفه محتلًا كافرًا، توجه المجاهدون من لواء المنتفك ومن معهم من مجاهدي قلعة سكر نحو الشعيبة ووصلوا الى ضواحيها في أوائل نيسان، ثم بدأت العمليات العسكرية وقد تحمل لواء المنتفك بعشائره المتنوعة العبء الأكبر في خطة الهجوم وقد ذهب
ضحية هذه المعارك عددٌ كبيرٌ من الشهداء والجرحى، ومن ضمنهم من أهالي مدينة قلعة سكر السيد كاظم الياسري والسيد سلمان الصافي، والشيخ بريس مطرود الركابي، والشيخ كاظم الحاج علي وآخرون.
وبسبب هذه المعارك أدركت القيادة العسكرية البريطانية أنّها غير قادرة على أن تسلك محور نهر الغراف بسبب صلابة موقف عشائر المنتفك في هذه المنطقة؛ ولذلك أطلقت بريطانيا على هذا المحور تسمية (الجسر المكسور)، ولم تستطع القوات البريطانية فرض سيطرتها على مناطق الشطرة والغراف وقلعة سكر، وممّا تجدر الإشارة إليه أنّه بالرغم من الذي واجهته العشائر العراقية في منطقة المنتفك أثناء تصديها للاحتلال البريطاني في معركة الشعيبة والمناطق الأخرى، كان ذلك ومن دون شكّ المحفّز والباعث لحركة الجهاد الكبرى ضد المحتلّ البريطاني والمتمثّلة بالثورة العراقية الكبرى (ثورة العشرين)، التي شملت مختلف المدن العراقية من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، وفيما يتعلّق بالعوامل التي أسهمت بانطلاق تلك الثورة في مختلف مدن العراق ومنها مدن لواء المنتفك وبالذات مدينة قلعة سكر، فهي رغم كثرتها وتنوعها تكاد تكون متشابهة كونها ترتبط بسياسة المحتلّ بشكل مباشر، ورغم اختلاف الرؤى والأفكار السياسية حولها تكاد تنحصر بأسبابٍ داخليةٍ ذات تأثيرٍ مباشر، أو خارجية ذات تأثيرٍ غير مباشرٍ وقد تمثّلت العوامل الداخلية بسوء الإدارة البريطانية العسكرية المحتلة للعراق، واستخدامهم السياسات والأساليب القمعية ضد أبناء الشعب من خلال اللجوء الى إجبار المواطنين على أعمال السخرة لتنفيذ احتياجات الجيش
البريطاني، إلى جانب حماقة ورعونة بعض الحكّام السياسيين ومعاونيهم من البريطانيين، واتّباعهم أساليب العنف في تعاملهم مع الأهالي.
بدأ الغليان الشعبي والتحفّز للثورة في مدينة قلعة سكر يظهر للعيان، ولهذا تعد تلك المدينة أول بلدةٍ تظهر فيها بوادر انطلاق ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني في لواء المنتفك، ومن ثم انتقالها الى بقية مناطق اللواء، لاسيما بعد أن تحوّل الغليان الشعبي من مجرد خلجاتٍ تؤثّر في أذهان الناس إلى نوع ٍمن العمل المنظم الذي يسهم في تجسيد أهداف الثورة، وقد خبر تلك التطلعات الكابتن كراوفورد، الحاكم الإنكليزي لمدينة قلعة سكر وكتب تقريرًا إلى قيادته في الناصرية جاء فيه: «أنّ عشائر قلعة سكر في حالة استعدادٍ واضحةٍ للاشتراك في الثورة، ومن المرجح أن ذلك سوف يحصل في غضون ثلاثة أيام» طالبًا من قيادته مخاطبة الجهات العليا في بغداد لأجل إرسال طائرات للقيام باستعراضٍ جوي فوق المدينة بغية إرهاب الأهالي في المدينة وفي العشائر المحيطة بها، وأشعارهم بقوة بريطانيا ومقدرتها على إسقاط أي محاولة تهدف للثورة ضد وجودها وبعد أن أدرك البريطانيون أنّ اشتعال الثورة في قلعة سكر ربما يعجّل بانفجار الموقف في عموم مناطق لواء المنتفك، عند ذلك استجابت القيادة البريطانية الى طلب الحاكم البريطاني وقامت بإرسال طائرتين في 9 آب، لكن سرعان ما هوت أحداهما على مقربةٍ من قلعة سكر بعد ارتطامها بالأرض قبل إتمام مهماها، فادى هذا الحادث الى
عكس ما أراده الكابتن كراوفورد، إذ صار الأهالي يستهينون بالقوات البريطانية، وعدّوا سقوط الطائرة معجزة ربانية، وتعزيزًا لما يجول في أفكار المجاهدين حينذاك من أنّ (يد الله تعالى مع المسلمين لا مع الكفار)، وكان ذلك أيضًا مدعاة للحماس الوطني المتوثّب، ممّا أثر سلبًا على البريطانيين، وزاد من عزيمة الثوار من أبناء العشائر في قلعة سكر للتحرّك ضدهم؛ لذلك عدّت المدينة الأولى التي ظهرت فيها بوادر الثورة في لواء المنتفك انتاب القيادة العسكرية البريطانية القلق بشأن تأمين الحماية الكافية للضباط والعسكريين والموظفين المتواجدين في قلعة سكر وكيف توفّر لهم وسائل الدفاع عن أنفسهم، بعد أن كثرت حوادث القتل، وأخذ يصعب على الضباط والجنود البريطانيون التنقل من دون سلاح.
في غضون ذلك وردت بعض الأخبار التي تفيد بانسحاب القوات البريطانية من مدينة الديوانية، فتأجّجت الروح الوطنية والحماس المتقد في نفوس أبناء قلعة سكر، وأخذت العشائر تقيم العرضات والأهازيج والتلويح بالسلاح، وبدأت تظهر التجمّعات ويزداد الوضع توترًا، وقد قامت مجموعةٌ من الثوّار على قطع خط التلغراف، وعند ذلك أبرقت القيادة العسكرية البريطانية في الناصرية إلى القيادة المركزية في بغداد طالبة منها إرسال طائراتٍ بالسرعة الممكنة لمعالجة الأوضاع هناك، وأرسلت البرقيات إلى الحاكم البريطاني هناك، وممّا جاء في البرقية: «إذا عجزتم عن إرسال طائراتٍ الى قلعة سكر، فإنّنا مضطرون إلى إخلائها، وإذا سقطت قلعة سكر بأيدي الثوّار فإنّنا مضطرون إلى إخلاء الشطرة أيضًا»، وبالفعل تم أخلاؤها، وعلى إثر مغادرة الحاكم البريطاني المدينة، هجم الأهالي
الثائرون على سراي الحكومة، وتم إحراق بيت الحاكم البريطاني ودار الحكومة، واستحوذ الثوار على أسلحة الشبانة، وقطعوا خطوط التلغراف، ثم أنزلوا العلم البريطاني من فوق السراي، بجهود أغلب أبناء قلعة سكر وعشائرها.
وبذلك فإنّ أهالي مدينة قلعة سكر وعشائرها كان لهم إسهامٌ واضحٌ في مقاومة الاحتلال البريطاني منذ بداية دخوله للعراق، والدليل على ذلك تلبيتهم لنداء الجهاد، وذهاب مجاميع كبيرة منهم إلى القتال في الشعيبة وسقوط أعدادٍ كبيرةٍ من الشهداء والجرحى أثناء تلك المواجهات، وهذا دليلٌ واضحٌ على كون أهالي تلك المدينة قد تولدت لديهم روح الحماس والشعور العالي بالمسؤولية للدفاع عن الوطن، وحماية المقدسات، ومجابهة قوى الشر والكفر المتمثّلة بالبريطانيين، كما نلحظ أنّ في مدينة قلعة سكر والمنتفك والغراف جمعًا كبيرًا من سكان هذه المدن كانوا على درجةٍ كبيرةٍ من الوعي الثقافي والديني والسياسي:
1. ودليلنا على الوعي الثقافي: ما توضّح من خلال اجتماع المصيفي وما تضمنه من نقاط مثلت دليل عمل منظّمٍ للثوّار ومطالبهم الحقّة.
2. وفيما يتعلق بالوعي الديني: فإنّنا نلحظه من خلال الصلة والارتباط واضح بالمرجعية الدينية في النجف الأشرف، ومدى التجاوب الكبير الذي كانوا يحظون به من قبل أهالي تلك المدينة.
3. أمّا ما يتعلّق بالوعي السياسي: فإنّنا نلحظ وجود وعيٍ سياسي ونضوجٍ فكري واسعٍ لدى الشخصيات التي حضرت في هذا الاجتماع، ومنهم ما يمثّل أهالي قلعة سكر.
ويتضح بذلك أنّ مدينة قلعة سكر كانت المدينة التي انتفضت ضدّ الاحتلال
البريطاني، وبفضلها امتدّ لهيب الثورة ليشمل بقية مناطق لواء المنتفك، وممّا لا يقبل الشك أنّ كلّ ما كان يحدث في قلعة سكر من مؤثراتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ لا يمكن عزله بأيّ شكلٍ من الأشكال عمّا يدور في بقية مناطق لواء المنتفك، كون تلك المدينة جزءًا منه؛ ولذلك فهي تؤثّر وتتأثر بما يدور فيه.
الخضر قريةٌ صغيرةٌ تقع على الضفة اليسرى لنهر الفرات. في 30 يوليو وصل إلى هذه القرية السيد هادي المقوطر قادمًا من مدينة النجف؛ ليحرّض سكّان القرية على الانضمام إلى الثورة ضدّ الإنجليز، وقد تمّ له ما أراد؛ إذ بدأت العشائر الساكنة في تلك المنطقة بتخريب خطوط سكك الحديد والتلغراف المارة بالمنطقة، فأمر قائد القوات الإنجليزية في العراق الجنرال هالدين القوات المتمركزة في محطة قطارات الخضر بالانسحاب فورًا إلى مدينة الناصرية، حيث قامت العشائر التي انضمّت للثورة حينها بالهجوم على المحطة، في 13 أغسطس، فأمطرتها بوابلٍ من الرصاص، وقد كان يوجد في المحطة قطارٌ عادي وقطاران مدرعان، ولكن سرعان ما حصل حادث للقطار المدرع الأول، وأدى ذلك إلى مشكلة، فخرجت القوات الإنجليزية بالقطار العادي فقط، وقد وصل هذا القطار إلى محطة أور سالمًا في مساء اليوم نفسه.
كانت حامية مدينة السماوة مؤلّفةً من قسمين أحدهما رئيسي بقيادة الكولونيل (هاي)، وكان يعسكر على النهر في موضع يسمّى شاطي حسيجة بالقرب من المدينة، والثاني كان بقيادة الكابتن (رسل)، وقد كان يعسكر حول محطة قطار المدينة التي كانت تقع بالقرب من سور المدينة، وكانت حامية السماوة بكلا قسميها قد أصبحت مطوقةً بعد انسحاب الإنجليز من قرية الخضر، فأخذ الثوّار يضيّقون على أفراد الحاميتين بالحصار يومًا بعد يوم. وفي يوم 26 آب تحركت من مدينة الناصرية خمس بواخر؛ ثلاث حربية، واثنتان عاديتان، وذلك لنجدة القوات الموجودة في السماوة وبعد معارك ضاريةٍ ما بين الثوّار والبواخر وصلت باخرتان حربيّتان وباخرةٌ عاديةٌ إلى حامية السماوة بعد انسحاب إحدى البواخر الحربية في يوم 27 آب، وعودتها إلى مدينة الناصرية وتمكّن الثوار من الاستيلاء على إحدى البواخر العادية، وقد سقطت المحطة بيد الثوّار بعد معارك طاحنةٍ بينهم وبين القوات الإنجليزية، وذلك عندما حاولت القوات الإنجليزية الخروج من معسكر المحطة بوساطة إحدى القطارات حيث سقط عددٌ كبيرٌ من القتلى من كلا الطرفين إثناء المواجهات، وبعد هذه المعركة قام الثوّار بالحصار على معسكر الحامية الرئيس الذي كان بقيادة الكولونيل (هاي)، وطلبوا منه الاستسلام إلّا أنّ الكولونيل (هاي) رفض الطلب، وقد دام حصار الحامية قرابة الشهرين إلى أن تمّ إنقاذها في يوم 14 تشرين الثاني.
رفعت عشيرة الظوالم وهي فرع من بني حجيم راياتها معلنةً الحرب على الإنجليز، وفي يوم 30 من الشهر نفسه استُدعيَ الشيخ شعلان أبو الجون وهو رئيس عشيرة الظوالم إلى السراي الحكومي في بلدة الرميثة التي تقع في جنوب العراق، وقد لبّى الشيخ شعلان طلب الاستدعاء وحضر إلى السراي في ظهر ذلك اليوم، وقد أبدى الشيخ شعلان كثيرًا من الشراسة في مقابلته مع المعاون الحاكم السياسي في الرميثة الملازم (هيات)؛ ممّا دفع الأخير إلى حجزه وتوقيفه في السراي بقصد إرساله إلى مدينة الديوانية بوساطة القطار، وعند هذا التفت الشيخ شعلان إلى أحد مرافقيه الذي جاء معه طالبًا منه إخبار ابن عمه الشيخ غثيث الحرجان بأنّه في حاجة إلى عشرة ليراتٍ عثمانيةٍ، وأنّها يجب أن ترسل إليه قبل موعد القطار، ولما وصل الخبر إلى الشيخ غثيث عرف أنّ الشيخ شعلان بحاجة إلى عشرة رجالٍ أقوياء من العشيرة بدلًا من الليرات العشر، وبعث الرجال إلى السراي بغية تحرير الشيخ شعلان.
وبعد مهاجة السراي من قبل الرجال العشرة تم تحرير الشيخ شعلان وعاد هو إلى مضارب عشيرته سالمًا، وكانت هذه الحادثة الشرارة التي أطلقت الثورة، وبعد هذه الحادثة حصلت عدة معارك في أهمها معركة البو حسان، والعارضيات الأولى والعارضيات الثانية، وكما تم قصف بلدة الرميثة لأول مرة بالطائرات إثناء المواجهات، وقد كانت هذه المواجهات بين كرٍّ وفرٍّ تارةً للعشائر وتارةً للإنجليز، ولم تنجح جهود الوساطة التي بذلتها العشائر في المنطقة في حلّ هذه المشكلة بين
الطرفين، ومع استمرار المعارك بين العشائر الثائرة، وما بين الإنجليز قرر آية الله السيد محمد تقي الشيرازي القيام وقف القتال، وقرر هو بأن يرسل وفدًا إلى مدينة بغداد لغرض مقابلة آرنولد ويلسون الحاكم السياسي للعراق المعين من قبل الإنجليز لغرض المفاوضة، وقد اختار لهذا الغرض رجلين هما السيد هبة الدين الشهرستاني والمرزا محمد الخراساني، وعند وصول الوفد المفاوض إلى مدينة بغداد اتصل بالقنصل الإيراني؛ لكي يكون وسيطًا لدى الحاكم السياسي آرنولد ويلسون غير أنّ ويلسون رفض الوساطة، فعاد الوفد المفاوض إلى مدينة كربلاء بدون أية نتيجة تذكر، وقد كتب الشيخ فتح الله الأصفهاني برسالتين إحداهما إلى الحاكم السياسي البريطاني آرنولد ويلسون، والأخرى إلى العشائر الثائرة في الرميثة، وذلك في شهر تموز ولكن جهوده لم تفلح في حل المشكلة بين طرفي النزاع.
كانت أولى بوادر الثورة في ديالى قد ظهرت في يوم 6 آب، وبعد يومين هاجمت عشيرة الكرخية دائرة المالية في منطقة مهروت التي تبعد بنحو 11 ميلًا عن محطة بعقوبة، وفي يوم 9 آب هاجمت العشيرة نفسها محطة قطار أبو الهوا التي تقع إلى الشمال من مدينة بعقوبة، وبذلك انقطع حركة القطارات ما بين مدينتي بغداد وخانقين، وفي يوم 11 آب، وصل إلى بعقوبة قوة إنجليزية بقيادة الجنرال يانغ الذي قام بتقسيم قوته إلى رتلين، رتل صغير بقيادة الكولونيل وليامز هدفه تأديب
القرى التي كانت واقعة على يعد 16 ميلًا من سكة الحديد، ورتل كبير بقيادة يانغ نفسه هدفه الوصول إلى مهروت، وقد نجح الكولونيل وليامز في مهمته العسكرية، أما الرتل الذي كان بقيادة الجنرال يانغ، فقد تعرض قبل وصوله إلى منطقة مهروت بمسافة 4 أميال لمقاومةٍ عنيفةٍ من العشائر التي كانت قد أعلنت التمرد على السلطات الإنجليزية، حيث أرسل الرتل إلى بطلب النجدة من سريتي البنادق التي كانت متواجدةً في مدينة بعقوبة، في الساعة 8 من صباح اليوم التالي التأم الرتلان معًا وصارتا قوةً واحدةً، وفي الساعة الواحدة من بعد ظهر ذلك اليوم وصل الرتل إلى بعقوبة حيث انسحبت من المدينة في وقتٍ لاحقٍ إلى مدينة بغداد، أدّى انسحاب الجنرال بجميع قواته إلى بغداد وما أعقبه من انسحاب الحاكم السياسي إلى بعقوبة مع موظّفيه إلى تشجيع العشائر إلى إعلان الثورة، وفي يوم 12 آب اقتحمت عشيرة الكرخية بعقوبة، وأحكمت السيطرة على المدينة، وقام وجهاء بعقوبة بعدها بتشكيل مجلسٍ محلّي لإدارة المدينة، حيث تم اختيار محمود أفندي متولي لكي يكون رئيسًا لهذا المجلس، ويكون برتبة قائمقام، وتمّ اتّخاذ دائرة البريد مقرًّا لهذا المجلس المحلي، ورفعوا فوقه علم الثورة العربية ذا الألوان الأربعة، ولم يستطع المجلس الذي شكّل في بعقوبة من ردع العشائر عن الثورة والعصيان حيث أصبحت جميع القرى التي تقع بالقرب من بعقوبة مسيطرًا عليها من قبل العشائر.
اندلعت الثورة في بلدة دلتاوة (الخالص) في اليوم نفسه الذي اندلعت فيه الثورة في مدينة بعقوبة، أي في يوم 12 آب، حيث قامت عشيرة الكبيشات باقتحام البلدة من جهتها الشمالية، وقام أهالي البلدة وبالتعاون مع عشيرة الكبيشات بحفظ الأمن والنظام، اضطر معاون الحاكم السياسي للبلدة الكابتن لويد ومن معه من موظّفين إلى الاستسلام، وذلك بعد هروب عساكر السراي حيث قام الشيخ عبد العزيز الهويدراوي بحمايتهم، والذي كان أحد وجهاء البلدة، وقد تم السيطرة على دار السراي بعد سيطرة الثوار عليه، وتم إنزال العلم البريطاني ورفع محله علم الثورة العربية، أعلن بعدها محمد أبو خشيم وهو أحد شيوخ الكبيشات أنّ الحكم قد أصبح في يده، وهو يطلب من الأهالي العودة لمزاولة أعمالهم اليومية، وأعلن أبو خشيم كذلك العفو العام، وقد تم استثناء شخصٍ واحدٍ من هذا العفو، وهو أبو العيس لذي كان يشغل منصب الحاجب لدى الحاكم الإنجليزي للبلدة، وكانت العشائر تنفر منه جدًّا، وفي محرم من سنة (1339 هـ) زحفت القوات الإنجليزية لاحتلال دلتاوة (الخالص)، وكان أهالي البلدة مشغولين حينها بالمواكب الحسينية، وبعد معركة ما بين الطرفين تمكنت القوات الإنجليزية من دخول البلدة.
الثورة في شهربان
تم الإعلان عنها في بلدة شهربان (المقدادية) في يوم 14 أغسطس الثورة،
حيث قامت عشيرة بني تميم بالهجوم على البلدة، وتعاون أهل البلدة مع العشيرة على نحو ما حصل في بلدة الخالص، ولكن السراي الحكومي الذي كان يقيم فيه الإنجليز ومن معهم من جنود الشبانة لم يستسلم للثوار، وبعد ساعاتٍ من المواجهة ما بين الطرفين تمكّن الثوّار من السيطرة على السراي الحكومي (القشلة)، وذلك عند حلول وقت المساء، وقد قتل في المعركة هذه خمسة بريطانيين، والذين كانوا موظفين في السراي، وبعد السيطرة على البلدة قام الثوار بقطع خط سكة الحديد المار بالبلدة، وقد وقع في شهربان بعد تمكّن الثوار من السيطرة على البلدة نوع من الاختلاف ما بين وجهاء البلدة، وما بين عشيرة بني تميم، وحصل من جراء ذلك معارك ما بين الطرفين.
في يوم 22 أغسطس قام إبراهيم خان وهو أحد رؤساء عشيرة الدلو ومن معه بالصعود إلى أعلى جبل بابا شاه سوار المطل على مدينة كفري، وأخذوا بإطلاق النيران على السراي الحكومي الموجود في البلدة، قرر معاون الحاكم السياسي للبلدة الكابتن سالمون أنْ يخرج بنفسه إلى الجبل للتفاوض مع إبراهيم خان، وما أن وصل الكابتن سالمون إلى الجبل حتى فوجئ باعتقال الثوّار له، وبعدها هاجم الثوار البلدة، وقاموا باحتلال السراي الحكومي وقاموا بإنزال العلم البريطاني من فوقه.
يتفق أغلب المؤرّخين أنّ ثورة العشرين بدأت عندما أصدر الميرزا الشيخ الشيرازي فتواه الشهيرة التي نصّت على أنّ: (مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز من قبول مطالبهم)، وهذه الفتوى صدرت قبل معارك الرميثة التي بدأت في 30 حزيران 1920م، واستمرت لعدة أيام وقبل الاجتماع الذي عُقد في منطقة الشامية بين زعماء العشائر والقادة البريطانيين في15 تموز من السنة ذاتها، وعلى إثر ذلك انتشرت الثورة في أغلب مناطق العراق الأخرى.
وبعد صدور فتوى الشيخ الشيرازي الأخيرة حاول البريطانيون إقناع زعماء عشائر النجف والشامية بنبذ فكرة الثورة المسلّحة، فعقدوا اجتماعًا مع هؤلاء الزعماء في منزل الشيخ (مرزوق العواد) في منطقة الشامية في 15 تموز 1920م، حضره الحاكم السياسي البريطاني في النجف والشامية، فعرض عليه زعماء العشائر شروطًا لإيقاف القتال هي:
1. منح الاستقلال التام للبلاد وتشكيل حكومةٍ وطنيّةٍ مستقلّة.
2. إطلاق سراح المُبعدين، وعلى رأسهم نجل الشيخ الشيرازي (محمد رضا).
3. رفع كافة مراكز المراقبة والتفتيش والثكنات العسكريّة البريطانيّة في منطقة الفرات الأوسط.
لكن البريطانيين رفضوا تلك الشروط، واضطر الكابتن (مان) أحد القادة العسكريين البارزين في منطقة الشاميّة الى الانسحاب منها الى الكوفة، وبعث زعماء العشائر في منطقة الشاميّة رسالة الى الشيخ الشيرازي تروي له تفاصيل ما حدث، وأنّ الوضع الأمني هو بين الاستسلام لهم أو الحرب ضدهم، فكتب الشيخ الشيرازي في جوابه لهم: (إذا أصرّ الإنكليز على غصبكم حقّكم، وقابلوا التماسكم بالحرب؛ فيجب عليكم الدفاع بجميع قواكم، ويحرم الرضوخ لهم والاستسلام)، وعلى إثر تلك الفتوى قام كثيرٌ من زعماء العشائر بإعلان الثورة ضد البريطانيين ومن هنا يمكننا القول: إنّه لولا فتوى الشيخ الشيرازي لم يستطع زعماء آل فتلة المعروفون بعدائهم للبريطانيين الثورة ضدهم. إذ كان بإمكان البريطانيين إثارة العشائر المناوئة لهم، وكانت أهمّ المعارك التي خاضها الثوار وانتصروا فيها على الاحتلال البريطانيّ في25 تموز 1920م هي معركة الرارنجية (الرستمية) التي جرت في شمال ناحية الكفل، وفيها تكبّد البريطانيون خسائر فادحة بالأرواح والمعدات، وفي مدينة كربلاء - التي تعدّ من أهم مراكز الثورة - كونها مقرّ زعيم الثورة الشيخ الشيرازي فقد وقعت هذه المدينة تحت سيطرة الثوار بعد معركة الرارنجية، إذ ثار الأهالي ضد البريطانيين الذين تأّزم موقفهم، واضطروا الى الانسحاب من المدينة التي رُفع علم الثوار فيها على دار بلديتها، وعندما سيطر الثوار على مدينة كربلاء اجتمع عددٌ من الزعماء في منزل الشيخ الشيرازي، وتداولوا قضية تنظيم إدارة المدينة، وتم الاتفاق على تشكيل ثلاثة مجالس رئيسةٍ لإدارة وتسيير أمور المدينة وهي:
1.المجلس العلمي: ويمكن عدّه المجلس السياسي والإعلامي للثورة، ومن
أعضائه عبد الحسين الشيرازي (نجل الشيخ الشيرازي).
2.المجلس الملي: ويمكن عدّه المجلس الوطني للإدارة العامة، وكان الشيخ محمد حسن أبو المحاسن هو ممثل الشيخ الشيرازي في هذا المجلس.
3.المجلس الحربي: وأبرز مهماته هي تنظيم الخطط العسكرية وقيادة الثوار وتنظيمهم وتعيين قادة الحملات في الهجوم والدفاع، أما أعضاؤه فأبرزهم: علوان الياسري، وعبد الواحد الحاج سكر، ومجبل آل فرعون، وشعلان الجبر، واربح العطية وغيرهم وكانت هذه المجالس تعمل جميعها بإشراف الشيخ الشيرازي حتى وفاته، وممّا لا يخفى أنه كان للشيخ الشيرازي دورٌ قياديٌّ كبيرٌ في الثورة حتى إنّه أشرف على الخطط العسكرية، وكان يقترح بعضها كما كانت الرسائل التي يبعثها الشيخ الشيرازي إلى قادة الثوار العسكريين تتضمن ألغازًا متفقًا عليها بين الطرفين مسبقًا، خوفًا من وقوعها بأيدي البريطانيين، أو عملائهم، وبالتالي تصبح حركات الثوار معروفة، كما تابع أخبار الثورة في المناطق الأخرى، فعندما تقهقر الثوار في الحلة أرسل السيد هبة الدين الشهرستاني للوقوف على حقيقة الأمر، وفي الوقت ذاته أرسل علوان الياسري رسالةً الى الشيخ الشيرازي يشرح فيها الوضع العسكري للثوّار في الحلة، امتدت الثورة الى مدينة الديوانية في30 تموز، ثم ثارت مناطق (عفك) كما وصلت فتاوى الشيخ الشيرازي إلى المناطق الغربية من العراق بوساطة مبعوثه السيد جدوع أبو زيد الذي سافر الى الفلوجة، وفي هذا الصدد قال علي البازكان بصدد ذلك: «تأثرت العشائر التي تقطن أطراف بغداد بفتوى الشيخ الشيرازي؛ فأخذت تشن الهجوم تلو الهجوم على ضواحي بغداد،
الأمر الذي جعل الإنكليز ينشؤون الحصون والمواقع للمحافظة على المدينة». كما اندلعت الثورة في مناطق ديالى التي أصبحت بأيدي الثوار، وامتد نطاق الثورة الى مدينة الناصرية والمناطق القريبة منها في (15 آ ب)، واضطر الحكام السياسيون البريطانيون إلى الهرب منها، كما اندلعت الثورة في مناطق كردستان.
وهكذا فإنّ لهيب الثورة امتد إلى كلّ بقاع الوطن، وانضوى فيها عددٌ كبيرٌ من رجال الدين، وشيوخ العشائر، والمثقّفين، والعمال، والفلاحين الشجعان الذين كانوا عماد الثورة، وكانت الثورة على الرغم من التأخر الذي سببه الاستعمار العثماني الطويل على درجةٍ عاليةٍ من التنظيم والتخطيط والدقة، ويستدلّ على ذلك من التوجيهات التي كانت تصدرها قيادات الثورة إلى القوات المشاركة فيها وبتوجيهٍ من المرجعيّة الدينيّة وعلى رأسها الشيخ الشيرازي، والتي جاء فيها:
1. يجب على كافة الأفراد أنْ يفهموا بأنّ المقصود من هذه الثورة إنّما هو طلب الاستقلال التام.
2. يجب أنْ يهتف الجميع للاستقلال في كلّ ميادين القتال.
3. يجب التمسّك بالنظام، ومنع الاعتداء، فلا نهب ولا سلب، ولا ضغائن قديمة ولا أحقاد.
4. يجب تأمين الطرق، وحفظ المواصلات بينكم وبين مناطق الثورة.
5. بذل الهمة لحفظ الرصاص، فلا يجوز إطلاقه في الهواء بدون فائدة.
6. يجب الاعتناء بالأسرى ضباطًا وجنودًا إنكليزًا كانوا أم هنودًا.
7 . المحافظة على أعمدة الهاتف، والأسلاك لضمان استمرار الاتصالات.
8. الاهتمام بقطع السكة الحديدية، ونسف الجسور، لمنع قوات الاحتلال من استعمالها.
9. الحفاظ على كافة وسائل النقل التي تقع في أيدي قوات الثورة والاستفادة منها.
10. عند تحرير أيّ مدينة، يجب الاهتمام بتشكيل إدارةٍ وطنيةٍ لها، والاهتمام بالأبنية الحكومية، وعدم هدمها أو إحراقها والمحافظة على الوثائق فيها.
11. المحافظة على المستشفيات وأدواتها وأجهزتها والأدوية الموجودة فيها والرفق بالجرحى وإسعافهم، والاهتمام بهم، والعمل على إنقاذ حياتهم.
وكانت هذه هي الوصايا التي عمّمتها قيادة الثورة على قواتها، وهي تمثّل أرقى درجات التنظيم في إدارة شؤون الثورة والحرص على سمعتها، والتحلّي بالخلق السامي في معاملة الأسرى والجرحى والاهتمام بمرافق البلاد من عبث العابثين، وهي تدلّ دلالةً واضحةً على الشعور العالي بالمسؤولية.
مما لا يخفى على أيّ مطّلعٍ على الشأن السياسي العراقي والتاريخي أنّ ثورة العشرين هي الثورة التي عبرت عن وحدة وتلاحم أطياف الشعب العراقي بكل طبقاته المجتمعية، فلم تكن صنيعة حزبٍ أو كتلةٍ أو طائفةٍ، وحتى لم
تكن لها جغرافية محددة مقفلة، بل كانت مساحتها العراق، والعراق كله، إذ هي شهادةٌ تاريخيةٌ للمشاركة الشاملة للعراقيين وهو البعد الوطني للثورة، ولم يشهد العراق خلال حكم العثمانيين، أية معركةٍ اشترك فيها أهل المدن مع العشائر «فقد كان هناك نفور بينهما اختفى أثناء ثورة العشرين، ولم يكن للمعارك السابقة «أية صبغةٍ دينيةٍ إلّا نادرًا، ولم يحدث أن أفتى العلماء بتأييدها، أمّا ثورة العشرين فقد أفتى العلماء بتأييدها واعتبروها جهادًا في سبيل الله، إذ إنّ مفاهيم (الوطنية)، و(الاستقلال) لم تكن معروفةً لدى العراقيين، ومن الممكن اعتبار ثورة العشرين المدرسة الشعبية الأولى التي علمت العراقيين تلك المفاهيم، كما لم يحدث أنْ امتدت معركة سابقًا في أنحاء العراق بمثل ذلك النطاق الذي امتدت بها ثورة العشرين».
1. تأسيس الجمعيات والأحزاب: ومن هذه الجمعيات السرية جمعية النهضة الإسلامية التي اتّخذت من النجف الأشرف مركزًا لها، التي أسهم بعض من رجال الدين والعلماء والزعماء ووجهاء النجف في فعالياتها التي تستهدف مقاومة النفوذ البريطاني في النجف والمناطق المجاورة لها. ويقول عباس علي إنّ هذه الجمعية تأسست في عهد الكابتن مارشال حاكم النجف السياسي، الذي كان لسوء سيرته أثرٌ في إقدام جماعة من النجفيين على اغتياله، ويظهر أنّ لهذه الجمعية صلةً في قضية اغتيال حاكم النجف، وكانت هذه الجمعية «قد
وحدت مساعيها مع الناقمين على سياسة السلطة المحتلة، واستحسنت فكرة اغتيال الحاكم كذريعةٍ للقيام بثورةٍ يمتدّ لهيبها الى جهات مختلفة». وتقول المس بيل بخصوص هذه الجمعية: «عندما استولت الفرقة الخامسة عشر على هيت وغزت عانة، وقع في أيدينا ضابط الارتباط الألماني ومعه جميع أوراقه، وقد دلّت هذه المستندات على وجود (لجنة للثورة الإسلامية) في النجف، كانت غايتها الصريحة جعل النجف مركزًا لخلق الاضطرابات بين العشائر، وكان مائة من رجال الدين أو أكثر متورطين فيها، لكنها لم تكن تضمّ أناسًا ذوي أهميّةٍ من الدرجة الأولى، وكان الرئيس شخصًا من أسرة بحر العلوم العلوية، وكان نشطًا في الدعوة الى الجهاد حتى سقوط بغداد». وقد ورد ذكر لجمعية سرية أخرى باسم (الجمعية الوطنية الإسلامية)، وقد تألّفت عقيب الهدنة في كربلاء، تحت إشراف آية اللّه الشيخ محمد تقي الشيرازي، وتحت رئاسة ابنه الميرزا محمد رضا، وكان هدفها العمل ضد حكومة الاحتلال، ومن أهمّ العاملين فيها السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني، والسيد حسن القزويني، والسيد عبد الوهاب، وعبد الكريم العواد، وعمر الحاج علوان، وشقيقه عثمان، وطليفح الحسون من رؤساء الناصرية وعبد المهدي آل قنبر، ومحمد علي أبو الحب وغيرهم.
2.الأحزاب السياسية: ومن هذه الأحزاب حزب حرس الاستقلال الذي تشكّل حزب الحرس في أواخر جمادي الثانية، ١٣٣٧هـ، ونهاية شباط سنة
١٩١٩، وكان مركزه ببغداد، وقد أورد الحسني أسماء الهيأة المؤسسة، وأسماء الهيأة الإدارية لهذا الحزب، ويقول إنّ الجمعية كانت «تعقد جلساتها، في أكثر الأحايين، برئاسة السيد محمد الصدر، وتسترشد بآرائه وتوجيهاته الثمينة، ومن أهمّ مواد منهج جمعية الحرس (المادة الثانية): تسعى الجمعية المذكورة وراء استقلال البلاد العراقية استقلالًا مطلقًا، أما (المادة الثالثة): تعترف الجمعية بإسناد منصب الملوكية في هذه البلاد الى أحد إنجال جلالة الملك حسين، على أنْ يكون ملكًا دستوريًا ديمقراطيًا، المادة الخامسة - بجب على الجمعية أنْ تفرغ قصارى جهدها في سبيل ضم المملكة العراقية إلى لواء الوحدة العربية، وكان لانضمام جمعيةٍ سياسيةٍ سرّيةٍ عرفت (بجمعية الشبيبة) لحزب حرس الاستقلال أثر في تقوية مركزه من جهة، وفي توحيد مساعي الوطنيين من جهة أخرى، ومن الأعمال المهمة التي انبثقت عن فعاليات حزب حرس الاستقلال هو تأسيس مدرسة باسم (المدرسة الأهلية) في أيلول سنة ١٩١٩، ويورد لنا الأستاذ علي البازركان تفصيلات وافية عن أسباب تأسيس هذه المدرسة، وعن الخدمات التي قدمتها للقضية الوطنية، وانشأ حزب حرس الاستقلال فروعًا له في الكاظمية والحلة والنجف الأشرف والشامية، وغير ذلك من المدن العراقية».
3.الحركات المحلّية: لقد قامت في مناطق مختلفة من العراق حركاتٌ ذات صبغةٍ محليةٍ، نشأ بعضها عن التذمر من الإجراءات الإدارية الصارمة التي فرضته السلطات البريطانية، بما فيها فرض الضرائب الثقيلة التي لم يعتد على دفعها أهل البلاد وخاصةً سكّان المناطق الريفية، وكانت الدوافع الوطنية واضحةً في
بعض هذه الانتفاضات، لا سيما تلك التي حصلت تحت توجيه وإرشاد جمعيات سياسية أمثال بعض حركات الشمال التي قامت بمعونة وإرشاد جمعية العهد في الشام وفرعها في الموصل، وحركة النجف التي كان لجمعية النهضة الإسلامية صلة بها، وكان بعض هذه الحركات ذات هدفٍ استقلاليّ محليّ، وهو التخلّص من السيطرة الإنكليزية أمثال حركة الشيخ محمود في السليمانية.
4. الحركات الثورية في النجف الأشرف: لحركة النجف ضد سلطات الاحتلال البريطانية أسباب يمكن أن نجملها بما يأتي:
أ . تذمّر شيوخ المحلّات النجفية من حكم البريطانيين: عندما قدم الإنكليز للنجف في آب ١٩١٧، وجدوا سلطة زعماء الأطراف النجفية قوية؛ لذا فليس من السهل عليهم أنْ ينشروا نفوذهم هناك دون معارضة، ففَكّروا بالاستعانة بالشيوخ أولًا في حكم النجف، ولكنهم ما لبثوا أن عيّنوا الكابتن بلفور أول حاكم للشامية والنجف، ويقول الشيخ محبوبة: «إنّ جماعةً من النجفيين ألّفوا جمعيةً سريةً قوامها ثلة من الأعلام كالعلّامتين السيد محمد علي بحر العلوم والشيخ محمد جواد الجزائري، وغيرهما وكانت عليهما تدور رحى الجمعية ومن أذكارهما تستمدّ، وقد مرّت على الجمعية أشهر عديدة وهي تسعى من وراء الستار للانتقام من السلطة المحتلة، والوصول إلى غايتها الشريفة، وقبل أن تعم طبقات النجفيين، وتصل الى غيرهم من قبائل العراق دفع الحماس المتزايد فريقًا من أفراد الجمعية إلى إضرام نار الثورة قبل أن يحصلوا على آراء الجمعية».
ب . شيوخ وأبناء العشائر: كانت للقائمين بالحركة صلاتٌ مع العشائر خارج النجف، ويذكر الأستاذ جعفر الخليلي: «أنّ منظّمي الثورة دبّروا الأمر تدبيرًا أعوزه الكثير من الاحتياط والعمل؛ إذ اكتفوا بالاتصال ببعض القبائل على الأخص (العوابد)، و(آل علي)، و(الحواتم)، وادخلوا في اليمين بعض رجالات القبائل مثل مرزوق العواد، ووادي العلي، وسلمان الفاضل، ومشكوف من شيوخ بني حسن، وعددًا كبيرًا من شيوخ النجف وحملة السلاح كالبو كلل، وكاظم صُبّي، وكريم الحاج راضى، وعباس علي الرماحي، والحاج نجم، وقد نتج عن حركة النجف الرئيسة مقتل الكابتن مارشال في ١٩ آذار ١٩١٨، وما كان من الحكومة الإنكليزية ببغداد إلّا أن تضع الحصار على مدينة النجف، ذلك الحصار الذي دام أربعين يومًا ذاقت المدينة خلاله أنواع المشقات، وما رفع الحصار إلّا بعد أنْ خضع الآهلون لشروط الحكومة القاسية التي كان من بينها دفع غرامة قدرها (٥٠) ألف روبية، وتسليم (١٠٠٠) بندقية، وإرسال (١٠٠) شخص للهند كأسرى حرب».
ج . المظاهرات والاحتجاجات ومضابط التوكيل: لقد اتّخذ المعنيون بالحركة الوطنية في العراق خلال هذه الفترة من القيام بالمظاهرات، ومن إرسال مضابط التوكيل لحكومتي الشرفاء في سورية والحجاز وسائل لمقاومة السلطة البريطانية في داخل العراق وخارجه، فيقول الشيخ علي الشرقي: «إنّ السلطة البريطانية في العراق كانت تغالط الشعب فتمنّيه بتشكيل مجالس بلدية، ولكن هذه التدابير فشلت». فقامت مدن العراق بالمظاهرات والاحتجاجات فتململت كربلاء،
وتموّجت بغداد، وصرخت النجف، وتحمّس الفرات؛ فانفلتت الثورة وكانت نارًا وسلاحًا، وكانت مضبطة توكيل الموصل من مضابط التوكيل التي أرسلت من العراقيين إلى الحكومات في سورية بغية تمثيل العراق في المؤتمرات الدولية وخاصّةً مؤتمر الصلح بباريس، وقد كتب معتمد فرع جمعية العهد بالموصل إلى مركز الجمعية بالشام، بتاريخ ٣٠ تشرين الثاني ١٩١٩، يقول: «أرسلنا التفويض الذي طلبتموه كما تجدونه مربوطًا بهذا الكتاب، وكانت المضابط التوكيلية التي أرسلها الشيخ محمد رضا الشبيبي في أواخر حزيران ١٩١٩ من العراق إلى الشريف حسين في الحجاز أكثر المضابط التي نظّمت في هذا الخصوص أهمية لكثرة الموقعين عليه ولأهميّتهم الدينية والسياسية».
أما أهم الإجراءات التي اتّخذها الثوّار في الاستعداد للثورة فهي:
1. وقّع على الفتوى للجهاد سبعة عشر رجلًا من علماء ووجهاء وأشراف مدينة كربلاء المقدسة، وقد تمّ استنساخ هذه الفتوى وتوزيعها في المدن والمساجد والمراكز العامة، وكانت هذه الفتوى حاسمةً في رفض المقترحات والألاعيب البريطانية، وقد أيّد المجتهدون فتوى الشيرازي الذي عدّ من يرغب بحكومةٍ غير مسلمةٍ كافرًا؛ ففي مدينة الكاظمية اجتمع العلماء والوجهاء والأشراف، ووقعوا هذه المضبطة: (بسم اللّٰه الرحمن الرحيم بناءً على الحرية التي منحتنا إيّاها الدول العظمى، وفي مقدمتهن الدولتان الفخيمتان إنكلترا وفرنسا، وحيث إنّنا ممثّلو جمهورٍ كبيرٍ من الأمة العربية العراقية المسلمة، فإنّنا نطلب أنْ يكون العراق الممتدة أراضيه من شمال الموصل إلى خليج فارس حكومةً عربيةً إسلاميةً
يرأسها ملكٌ عربيٌّ مسلمٌ، هو أحد أنجال جلالة الملك حسين، على أنْ يكون مقيّدًا بمجلسٍ تشريعي وطني، والله ولي التوفيق)، وكانت أبرز التواقيع في هذه المضبطة للذوات: محمد مهدي صدر الدين، والسيد أحمد السيد، والحاج عبدالحسين الجلبي، والشيخ عبد الحسين آل الشيخ ياسين، والسيد إبراهيم السلمان، والسيد حسن الصدر، والسيد محسن السيد حيدر.
2. تم توقيع مضبطةٍ من مجموعةٍ من علماء السُنّة والشيعة، جاء فيها: «لما عُلم أنّ الغاية التي ترمي إليها كلٌّ من دولتي بريطانيا العظمى وفرنسا في الشرق هي تحرير الشعوب، وإنشاء حكوماتٍ وإداراتٍ وطنيةٍ، وتأسيسها تأسيسًا فعليًا بكلٍّ من سوريا والعراق حسبما يختاره السكّان الوطنيون، فإنّنا ممثّلو الإسلام من الشيعة والسُنّة من سكّان مدينة بغداد وضواحيها، بما أننا أمةٌ عربيةٌ وإسلاميةٌ قد اخترنا أنْ تكون لبلاد العراق الممتدة من شمالي الموصل إلى خليج العجم دولةٌ عربيةٌ يرأسها ملكٌ عربيٌّ مسلمٌ هو أحد أنجال سيّدنا الشريف حسين مقيّدًا بمجلسٍ تشريعيّ وطنيّ مقرّه عاصمة العراق بغداد».
3. كما أسّس السيد محمد الصدر، حزب حرس الاستقلال (جمعية حرس الاستقلال)، التي ضمّت في عضويتها السيد محمد الصدر، والشيخ يوسف السويدي، والشيخ محمد باقر الشبيبي، وجعفر أبو التمن، وناجي شوكت، والضابط محمود رامز، والمحامي بهجت زينل، وغيرهم، وقد شددّت جمعية حرس الاستقلال على استقلال البلاد العراقية استقلالًا مطلقًا، وركزت على مسألتين مهمتين في هذا الإطار، وهما: الوحدة الوطنية لكلّ العراقيين أولًا، ثم
تأمين العلاقة العضوية بين نضال العراق وبقية الأقطار العربية من أجل الوحدة العربية ثانيًا.
4. تم تشكيل جمعيةٍ سريةٍ مناهضةٍ للاستعمار في كربلاء، وهي (الجمعية الوطنية الإسلامية)، التي ضمّت: السيد هبة الدين الشهرستاني، وعبد الوهاب آل طعمة، والسيد حسين القزويني، والشيخ محمد حسن أبو المحاسن، وعبد الكريم العواد، وعمر العلوان، وعبد المهدي القمبر، وغيرهم، وقد ترأّس هذه الجمعية الشيخ محمد رضا الشيرازي النجل الأكبر للمرجع محمد تقي الشيرازي، وقد أدّت هذه الجمعية دورًا في تعبئة العشائر العراقية المنتفضة وتوجيهها.
5. تم تشكيل (جمعية النهضة الإسلامية) في النجف الأشرف، التي ضمّت: السيد محمد علي بحر العلوم، والسيد محمد جواد الجزائري، والشيخ عباس الخليلي، والشيخ محمد الدمشقي، والسيد إبراهيم البهبهاني، وعباس الرماحي، وكاظم الخليلي، وحسين الصراف، ومحمد شليلة، وقد اعتمدت هذه الجمعية أسلوبًا تنظيميًّا ينحصر في توزيع أعضائها على جناحين، عسكري وتنظيمي، وعلى رأس كلّ جناحٍ عضو ارتباط يشرف عليهما، وقد توزع العمل العسكري على عدة فروع في الكوفة وأبي صخير والحيرة والشامية.
6. تم عقد اجتماع في النجف الأشرف، وكان يضمّ السيد محمد علي بحر العلوم، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ محمد جواد الجزائري، والعديد من زعماء العشائر، وقد اتفقوا فيه على نشر مطالبهم، ومقرراتهم الاستقلالية عن
طريق توزيع نسخ منها، وتوجيه الخطباء لنشرها، كما أوفدوا السيد هادي زوين، والحاج محسن شلاش للاتصال بالبغداديين لأجل الوقوف على آرائهم.
7. أرسل الميرزا الشيرازي رسالةً الى عموم العراقيين يطلب منهم فيها أنْ ترسل كلّ مدينةٍ مندوبين الى بغداد للتفاوض مع الاحتلال البريطاني بشأن الاستقلال، مع الحثّ على الهدوء وعدم الإخلال بالأمن وصيانة حقوق جميع الملل والنحل في البلاد.
8. أخذ أهالي النجف والشامية ينتخبون مندوبيهم لمفاوضة قوات الاحتلال في بغداد، وقد وجّه بعض قادة ثورة العشرين مذكرةً إلى الحاكم السياسي البريطاني في النجف جاء فيها ما يلي: «لما طال انتظار الأمة العراقية لتحقيق وعود الحلفاء الرسمية، ولا سيّما الحكومة البريطانية، وتنفيذ وعودهم الدولية المقطوعة باستقلال البلاد التام، رأت أنّ السكوت عن المطالبة بحقوقها الصريحة لا يجوز لها بوجهٍ من الوجوه، ولا يحسن بالأمة التي عرفت من نفسها الكفاءة على تسلّم أزمّة البلاد، وإدارة شؤونها السياسية والاقتصادية، أن تغض النظر عن المجاهرة بمقاصدها الغالبة ورغائبها السامية، فقررنا أن نطالب الحكومة المحتلة باستقلالنا التام، المؤيّد في بياناتها الدولية، وأن تنفذ بسرعة المطاليب الآتية: إنّنا نطالب أنْ يؤلّف الشعب باختياره، مؤتمرًا عراقيًا قانونيًا، يجتمع أعضاؤه في عاصمة البلاد بغداد، ومهمته تأليف حكومةٍ عربيةٍ مستقلةٍ كلّ الاستقلال، عارية عن كلّ تدخلٍ أجنبي، يرأسها ملكٌ مسلمٌ، ونطلب رفع الحواجز عن ارتباط الشعب العراقي، وتفاهمه مع الشعوب الأخرى، بحرية المواصلات،
وكافة المنشورات والمطبوعات».
إنّ دور الحكومة الفيصليّة في سورية وتأثيرها في حركة العراق الوطنية كان مبالغًا فيه، فعندما يتكلّم العمري عن أثر الحكومة الفيصلية في حركة العراق الوطنية يقول: «إنّ كثيرًا من أهل العراق اعتقدوا بأنّ الدولة العربية المؤسسة في سورية على أثر مبادئ ولسن الشهيرة، قد أصبحت قوية، يستند رجالها الى أحزابٍ سياسيةٍ وطنية، وأنّ هؤلاء، وفي مقدمتهم سمو الأمير فيصل، قد عزموا على تحرير العراق من الاستعباد البريطاني»، ولو بحثنا عن المساعدات الفعلية التي قدّمتها سوريا للعراق أثناء كفاحه مع الإنكليز لوجدناها ضئيلة إن لم تكن معدومة، وقد بيّنا في فصلٍ سابقٍ أنّه لم تصل مساعداتٌ ماليةٌ من سورية للعراق ذات أهميةٍ، ومع هذا فقد أشار الشيخ فريق الفرعون إلى أنّ الملك فيصل قد أرسل ستة وعشرين ألف ليرة ذهبية مع شخصٍ لم يذكر اسمه، وطلب منه أنْ يسلمها إمّا إلى الشيخ محمد تقي للشيرازي، وإمّا الى عبد الواحد الحاج سكر وإمّا إلى السيد علوان الياسري، ولكن الشخص الموما إليه لم يوصل المبلغ إلى أيّ واحدٍ من هؤلاء.
وممّا يجدر ذكره هو أنّ السيد عبد الرزاق الحسني قد سأل جماعةً من السياسيين ورجال الدين الذين اشتركوا بالثورة والزعماء وغيرهم عن مواضيع عديدة، ومن بينها المساعدات السورية للعراق: هل تلقّى الثوّار مساعداتٍ عسكرية أو مالية من بغداد أو من خارج العراق؟ وقد أجاب فخامة ناجي شوكت بالنفي، وكان جواب معالي جلال بابان الذي كان من المشتغلين بالقضايا العامة حينذاك فكان: «لم يحصل العراقيون في ثورتهم هذه أيّ شيءٍ من خارج العراق سواء كانت هذه الذخائر الحربية أو الأسلحة أو النقود ». وقال العلّامة الشيخ عبد الكريم الجزائري الذي كان من أكثر رجال الثورة اطلاعًا على خبايا الأمور: «لم تأت أية مساعدةٍ من الخارج لا مال ولا عتاد». أما جواب الشيخ محمد جواد الجواهري، وهو من المشتغلين بالقضايا العامة حينذاك، فكان: «إنّي من المباشرين والمطلعين إلى ساعة إلقاء القبض علَيّ، فما رأيت وما سمعت، أنّ الثوار استعانوا برجال بغداد أو غير بغداد، لا بإمدادات حربية ولا بأموال نقدية». ويقول السيد عبد الرزاق الحسني: عندما وجهت الأسئلة سالفة الذكر للعلّامة السيد هبة الدين الحسيني أجاب عليها بقوله: «أمّا من خارج العراق فلم يرد أيّ شيءٍ قط لمساعدة الثائرين، لا أسلحة ولا ذخائر ولا أموال». أما جواب الحاج عبد المحسن شلاش، وهو من المشتغلين بالشؤون العامة حينذاك فقال: « لم أرَ، ولم أسمع، بوصول مددٍ أو مالٍ أو غيره الى الفرات الثائر لا من داخل العراق ولا
من خارجه». أما الزعيم المشهور الحاج عبد الواجد الحاج سكر فقال جوابًا عن الأسئلة سالفة الذكر: «فإنّي أطمئنك، وتأكّد من قولي: بأنّه لم يردنا أيّ شيءٍ من المساعدات المالية أو المعنوية لا من العرإق، ولا من خارجه». أما جواب السيد علوان الياسري، وهو زعيم الثورة المسلحة، فهو: «أما الإمدادات التي تطرقتم إليها، لم يصل منها شيءٌ لا من بغداد ولا من خارج العراق، وكانت موارد الثوار الاقتصادية محدودة، وكان الثوار ينفقون على الثورة من أموالهم الخاصة غالبًا»، ويقول الجنرال هالدن: «إنّ الأثرياء من السادة وشيوخ العشائر قدموا مبالغ نقدية وعينية لتموين جيوش الثورة، واستخدمت المبالغ التي قدموها لشراء السلاح والعتاد، ومن الملاحظ أنّ كلّ المبالغ التي أنفقت على الثورة أو جلّها قدّمها العراقيون أنفسهم». وقد لجأ الثوّار الى مختلف الوسائل لتوفير المال اللازم لنفقات الثورة ومن بين هذه الوسائل:
أ. كان الثوار يجبون ضرائب الحكومة من المناطق التي أخلاها البريطانيون، فجبى الثوار من كربلاء مثلًا (٧٠) ألف روبية أو ما يعادل (٨٧٠٠) ليرة إسترلينيّة.
ب . استمر الثوّار على جباية العشور المقررة بصورة منظمة.
ج . فرضوا ضريبةً ثقيلةً على الحبوب التي ترد النجف من أجل الاستهلاك المحلّي، وبلغت هذه الضريبة (٣٠) ألف ليرة.
د . لقد فتح باب التبرع الاختياري في المدن المختلفة وحثّ العلماء في مدينة كربلاء المقدسة والنجف الأشرف الناس على التبرع لهذا الغرض لأسباب دينيةٍ ووطنية، وعندما يعمل الثوّار في منطقة بعيدة عن بيوتهم، أعطى كلّ فردٍ منهم
روبية واحدة لنفقاتهم اليومية، وكان دفع هذا المبالغ الطويلة يثقل كاهل خزينة الثورة؛ لذا كان سكّان المنطقة التي تجري بها العمليات العسكرية يتبرعون بإطعام الثوار الذين يعملون بمنطقتهم، وقد أفتى العلماء بصرف الحقوق الشرعية من أجل الثورة، وكان السيد نور الياسري من بين الذين أنفقوا مبالغ كثيرةً على تمويل الثوار، كما أنّ السيد هادي مكوطر كان قد أنفق مبالغ كبيرة لتمويل الثورة في السماوة.
كان المرجع الديني الأعلى الشيخ محمد تقي الشيرازي مرجعًا دينيًا، ومرشدًا سياسيًا، قاد الحركة الوطنيّة نحو مواجهة الاحتلال البريطاني، والثورة ضدّ سياسة الاحتلال التي أضرّت كثيرًا بالعراقيين ومقدراتهم السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وكان له الأثر الواضح في اندلاع ثورة العشرين الوطنيّة وتحقيق استقلال العراق فيما بعد، كما أنّ دوره تميز بمدتين الأولى بدأت منذ توليه المرجعيّة في أيّار 1919م، واستمرت حتى آذار 1920م، وتميزت المدة الأولى بأنّ الشيخ الشيرازي قام بتعزيز القيادة الدينيّة في معارضة المشاريع البريطانيّة، وحلّ بعض المشكلات التي تواجهها حركة المقاومة الوطنيّة، وذلك قبل أنْ يتّخذ في المدة الثانية موقفًا حازمًا وحاسمًا للبدء بمواجهةٍ شاملةٍ ومسلحةٍ ضدّ الاحتلال
البريطاني تمثّلت في ثورة العشرين التحرريّة، كما نجح الشيخ الشيرازي في حلّ مشكلة التناحر والصراع بين العشائر عن طريق خلق التآلف والتقارب في الوجهات المختلفة بالشكل الذي مكّن ذلك الإفادة منهم في مقاومة المحتل البريطاني، والتهيئة لما ينتظره العراقيون من استقلال.
وكان هناك دورٌ للمرجعية الدينيّة في ثورة العشرين تمثّل بالتعبئة والتوجيه وطرح الشعارات والأهداف التي تعكس المضمون الوطني والإسلامي للثورة، والعمل على بثّ الروح الحماسيّة عن طريق الخطب التي تلقى في المساجد والحسينيات أو عن طريق إصدار المنشورات وتوزيعها في مختلف مناطق العراق، كما كان للفتوى الجهاديّة للشيخ الشيرازي أثرها الكبير في إنقاذ العراق من الاحتلال البريطاني وجعلته يسير في طريق الاستقلال، وكان العراقيون طوعًا لإرادته لا يصدرون إلّا عن رأيه، وكان لا يستبد برأيه، بل يستشير جميع العلماء وأصحاب الفضيلة ليتّخذ القرار الصائب، وكان يرفض التمييز بين مكونات العراق وطوائفه المختلفة، ويعامل الجميع على قدم المساواة بعدّهم مواطنين لهم حقّ العيش الرغيد في بلدهم، ويدافع وينتصر لجميع المسلمين الذين يتعرضون إلى الظلم في مختلف البلدان، سواء كان ذلك في العراق أم خارجه، ولم تعتمد المرجعيّة الدينيّة على الوسائل العسكريّة فحسب، بل لجأت إلى الوسائل الدبلوماسيّة، أي التباحث مع الدول الكبرى، وحثّها للضغط على بريطانيا للإيفاء بوعودها وعهودها مع العراقيين ومنحهم الاستقلال، فقد بعث
الشيخ الشيرازي وشيخ الشريعة الأصفهاني معًا برسالتين إلى كلّ من السفير الأميركي في طهران والرئيس الأميركي وودور ولسن من أجل مساعدة الشعب العراقي «قد رأينا أن نراجع حكومة الولايات المتحدة بتوسطكم، ونستعين بها في تأييد حقوقنا بتشكيل دولة عربية».
وبعث الشيخ الشيرازي في تلك المرحلة العصيبة من أيام الثورة رسالةً إلى جمعية (عصبة الأمم) في جنيف بتاريخ12 آب 1920م، وذكّر الشيرازي في تلك الرسالة بوعود الحلفاء بمنح العراق الاستقلال في إدارة شؤونه وتدبير مصالحه العامة بنفسه، إذ إنّ الدور القيادي للشيخ الشيرازي تميز بمدتين الأولى بدأت منذ توليه المرجعية في (أيار 1919م)، واستمرت حتى(آذار 1920م)، وتميّزت بأنّ الشيخ الشيرازي قام بتعزيز القيادة الدينيّة في معارضة المشاريع البريطانيّة، ومقاومة الاحتلال، وحل بعض المشكلات التي تواجهها الحركة الوطنيّة، في حين اتسمت الفترة الثانية بالمواقف المشرّفة له بمواجهةٍ شاملةٍ ومسلّحةٍ ضدّ الاحتلال البريطاني إبّان ثورة العشرين الوطنية حتى وفاته، إذ لم يكن دور المرجع الديني الأعلى الشيخ محمد تقي الشيرازي في ثورة (1920م) مجرد دور المشارك أو الواعظ أو المحرض، إنّما كان له دورٌ قياديّ بارزٌ ومهمٌ على جميع الأصعدة السياسيّة والاجتماعيّة، بل حتى العسكريّة أحيانًا في الثورة، فقد عدّه معظم المؤرّخين والباحثين ( الزعيم الروحي) للثورة، كما اعترف البريطانيون
أنفسهم بالتأثير القوي للشيخ الشيرازي على سياساتهم وعرقلتها داخل العراق وخارجه.
وفي غمرة أحداث الثورة توفّي الشيخ الشيرازي في يوم (17 آب 1920م)، ويقال إنّه اُغتيل بالسم على أيدي عملاء البريطانيين، وأصدر شيخ الشريعة الأصفهاني الذي تولّى المرجعية بعد وفاة الشيخ الشيرازي بيانًا في ذات اليوم موجّهًا إلى الأمة الإسلامية بصورةٍ عامةٍ والشعب العراقي بصورةٍ خاصّة، ينعى فيه الشيخ الشيرازي، وكان يوم وفاته (رضوان الله تعالى عليه) مشهودًا؛ فقد حضر عددٌ كبيرٌ من العلماء ورجال الدين ورؤساء العشائر، فجرى له تشييعٌ كبيرٌ، ودُفن في الصحن الحسيني الشريف في مدينة كربلاء المقدّسة.
كانت النجف الأشرف في أواخر العهد العثماني قد رفضت حكم السلاطين وتسلّط الظالمين، وحاربت خطل الآراء وزلل الأهواء، وليس ذلك بالأمر الجديد؛ فالنجف صرحٌ حضاريّ من المخزون الثقافي المتجدد، ومنبع من منابع الفكر الإسلامي المتطور، وهي بعد مقرّ المرجعية الدينية العليا للإمامية في العالم، حتى أدرك الاستعمار الغربي خطر هذا البند على مصالحه وقواعده الاستراتيجية، فسلّط عليه الفقر والحرمان، وكابد الشعب الجوع والمرض، وعوملت النجف بالقسوة والسطوة والانتقام، ولقد خاضت النجف من عام ١٩٠٨م معارك
سياسيةً وحربيةً، وانتفاضةً تعقبها انتفاضة، ولشدّ ما انتفضت وناضلت هذه المدينة المقدسة في تأييد النظام الدستوري، وهزيمة الحكم الفردي، وامتد الصراع إلى مقارعة الاحتلال الإنكليزي، وكان فيها قادة الإصلاح الديني ورجال الحكم الدستوري، ولما جاء إعلان الجهاد على أولئك المعتدين، فكثر الضجيج في النجف، وتبادل الزعماء الرأي، إلّا السيد الحبوبي الذي كان في صمتٍ وتفكير، وإذا به يكسر الصمت زائرًا في الأجمة إذ طرح القلم، وتناول السيف تاركًا حلقة الدرس وندوة الأدب، متقدمًا صفوف المحاربين، فكان العَلَمَ للنجف، ومن بعده تكاثرت الأعلام النجفية التي نشرت للدفاع عن العراق بميدانين، أحدهما على حدود الأهواز، والآخر وهو المهمّ، ميدان الحبوبي على أبواب البادية حيث مضارب بني غزوان وحيث هبطت بنو شيبان، وفي السادس عشر من محرم الحرام عام ١٣٣٣هـ الموافق ١٦/تشرين الثاني/ ١٩١٤م.
تحرك السيد الحبوبي للدفاع عن ثغور الإسلام، واتّجه بموكبه نحو الحرم الحيدري المقدّس يستمد من صاحبه الحزم والعزم، خالعًا عباءته مرتديًا جبته، حاملًا سيفه؛ بين ضجيج الجماهير وزعردة النساء ودعوات المبتهلين، وبعد أداء مراسمٍ زيارةِ أمير المؤمنين عليهالسلام ، اتّجهَ والمجاهدون بالعربات نحو سجد الكوفة فوصله، وصلّى فيه ركعتين، ودعا اللّٰه (عزّ وجلّ)، وتوجّه نحو الجسر، وهو شريعة شاطئ الفرات بالكوفة، حيث أُعدَّتْ السفن الشراعية نقل المجاهدين صوب الناصرية، وكان في توديعه العلماء الأعلام ومراجع الأمة، ومن جملتهم
الآية الكبرى الشيخ باقر القاموسي البغدادي (ت١٣٥٢هـ)، وكان السيد أحمد السيد ياسين السعبري أحد المودعين لموكب السيد الحبوبي، ثم التحق بالمجاهدين فيما بعد، وحين العودة إلى النجف، وكان قد نظر بعين البصيرة النافذ فشاهد من جلائل أعمال السيّد ودقته، وروعة إدارته العليا لشؤون الدفاع عن الإسلام، فهو بنفسه يسوي صفوف الصلاة جماعة، وهو يعاني جشوبة العيش بعد اللين، وخشونة المركب بعد الأرائك، ومضايقة السواد بعد المتعلّمين، ويقاسي صعوبة التوفيق بين الآراء عند المنازعات العشائرية، ويتولّى رعاية متطلبات المجاهدين في الأرزاق والعتاد والسلاح.
والنجف الأشرف لا تنسى ذلك اليوم المشهود الذي اجتمع فيه عشرات الألوف من الناس ليستمعوا إلى إعلان السيد الحبوبي عن عزمه على الثورة لمقاومة جيوش الاحتلال، وللوقوف أمامها وجهًا لوجه، وقد استجاب إلى ندائه هذا كثيرٌ من رجالات الأمة البارزين من علماء وزعماء وأحرار، وانضموا إليه في ثورته المقدّسة ويقول العلّامة الكبير الشيخ آغا بزرك: «ولمّا دخل الإنكليز البصرة، وأعلنت الحرب العامة، واشترك بها الأتراك ونادوا بالنفير العام، أسهم في ذلك العراقيون، ونهض معظم علماء الشيعة للجهاد، وأفتوا بوجوبه والدفاع عن بلاد الإسلام ومحاربة الإنكليز وثارت عشائر العراق، ولم يكتفِ المجتهدون بذلك بل خاضوا المعارك بأنفسهم، وهم: شيخ الشريعة الأصفهاني، والسيد علي الداماد، والسيد الحبوبي وغيرهم الكثيرون، وهناك فريقٌ من العلماء منعهم من المشاركة بأنفسهم عجزهم وهرمهم، وتوقّف أعمال الشيعة عليهم»، وهؤلاء
بعثوا أولادهم نيابة عنهم، منهم شيخنا الميرزا محمد تقي الشيرازي (قائد ثورة العشرين)، فقد بعث ولده الشيخ محمد رضا، وكذلك السيد محمد كاظم اليزدي فقد بعث ولده السيد محمد، وغيرهما كذلك، وقد أبلى الجميع بلاءً حسنًا، وكان السيد الحبوبي من أشدّهم اهتمامًا، وأكثرهم حماسًا، فقد قاد جيشًا جرّارًا، وعسكر به في الشعيبة، وقد بلغ عدده تسعين ألف مجاهد.
وهذا يعني أنّ السيد الحبوبي كان للعراقيين كافة، ولم يكن متقوقعًا في زاويةٍ من زوايا النجف، فإنّ من يستجيب له هذا العدد الضخم من المجاهدين في قبال الإنكليز في تلك الظروف الصعبة، ينبغي أنْ يكون قائدًا جماعيًّا تلتف حول رايته مشاعر العراقيين من دون تمييز، وهكذا شأن النجف الأشرف، وكان السيد الحبوبي قد أبحر من شط الكوفة بسفينته الشراعية متجهًا نحو السماوة، وكان كلّما نزل بمكان تحوّلَ بين عشائره داعيًا الناس للجهاد ومحاربة الغزاة، وقد اتّخذ له معاونين من الشباب منهم باقر الشبيبي الذي كان موضع إعجاب شيوخ العشائر لثقافته ولباقته، واستجاب له زعماء العشائر في الفرات وأتباعهم لاسيما في المشخاب، فقد اتصل بالسيد علوان الياسري، والسيد نور الياسري، والشيخ عبد الواحد الحاج سكر، ومبدر آل فرعون وسواهم من الزعماء، وكان الأستاذ الشيخ محمد علي اليعقوبي يقضي شهري محرم وصفر في السماوة مرشدًا منبريًا، وخطيبًا حسينيًا، فزوّده السيد الحبوبي بكتابٍ كريم، يأمره فيه بتحريض عشائر الرميثة وما والاها على الانضمام إلى صفوف المجاهدين، فتمّ له ما أراد، وبقي السيد الحبوبي مرابطًا في الناصرية، ردحًا من الزمن يهدئ الفتن، ويوحد
الكلمة، ويجمّع الجيوش، ويعدّ العدة، ويوجّه المجاهدين، ويرسل المبعوثين إلى الأطراف للالتحاق بالجاهدين، فاستجابت عموم القبائل والأهالي من حدود الحي إلى الناصرية، وأخذت أفواج الجيش ومعداته تترى، والذخائر الحربية ترد في السفن والبواخر من الكوت إلى الشطرة والناصرية، ويتلخّص السبب في هذه الاستجابة إلى عاملين مهمين هما:
1. عمق الوعي الديني والسياسي والوطني في النفوس.
2. كون السيد الحبوبي زعيمًا شعبيًا تلتقي حوله الأطراف العراقية، وتنصاع لأوامره الجماهير، ويعتزّ به الجميع
وهكذا كان السيد الحبوبي في جملة خصائصه متواضعًا، وكان أبيًا تمام الإباء، فهو في جهاده وقد شحّت أموال الجاهدين، وكانت القيادة التركية ترغب بمساعدهم فقدّمت الحكومة التركية خمسة آلاف ليرة ذهبية كمساعدة له على مواصلة جهاده، ولكن السيد الحبوبي أبى ذلك قائلًا: «إنّي مكلّفٌ بالتضحية في مالي ونفسي، فإذا نفذ المال بقيت نوبة النفس اعتبروني جنديًا من الجند، آكل ممّا يأكلون، وأشرب مّما يشربون، وجهاد النفس أفضل، لا أقبل درهمًا واحدًا، وقائد الجيش أعرف بمواقع الصرف، ولا أسمح لكلّ أحدٍ أن يفاتحني في هذ الشأن»، كما أنّ السيد الحبوبي لم يكن مستبدًّا برأيه، بل جمع حوله المستشارين من علية القوم من ذوي الرأي والخبرة والورع والتجربة، وكان في طليعتهم: السيد محسن الحكيم أمين مال المجاهدين، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والسيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني، والشيخ جعفر الشيخ عبد الحسن الشيخ راضي،
والشيخ محمد رضا الشبيبي، والشيخ باقر الشبيبي، والسيد أبو القاسم الكاشاني، والشيخ باقر حيدر، والسيد سعيد كمال الدين، والشيخ رحوم الظالمي، والشيخ حسين الحلي، والشيخ عبد الحسين مطر، والشيخ حسين الصغير، والحاج حسين الشعر باف، والحاج عبود شكر، وقد خصص لكلّ منهم واجبًا محددًا في الخطابة والمراسلة والتحريض والإعداد، وائتمان شؤون المجاهدين، وتموين الجيش المقاتل.
وما كان للسيد الحبوبي في جهاده الإنكليز أنْ يحقّق نصرًا فوريًا أمام تلك الجيوش المدرّبة، والقوّات العسكرية الرتيبة بكلّ آلاتها الحربية وأجهزتها الحديثة، ولكنه دون شك أحرز انتصارًا مستقبليًا حين أذكى روح النضال، وفجّر بركان الثورة، وأيقظ الجماهير من سباتها العميق فقد أعلنت ثورة النجفيين على العثمانيين، وانتهت بطردهم من النجف بعد مرور شهرٍ على واقعة الشعيبة، وذلك في ٨/ رجب / ١٣٣٣هـ/ ١٩١٥م، وتسلّم النجفيون الحكم في البلدة، فحكموها حكمًا ذاتيًا، وقامت ثورة النجف على الإنكليز التي افتتحت بقتل الكابتن (مارشال) حاكم النجف البريطاني صباح الثلاثاء ١٩/ مارس/ ١٩١٨م، والتهبت الثورة العراقية الكبرى في ٣٠/ حزيران/ ١٩٢٠م، التي مهّدت لاستقلال العراق الصوري فيما بعد، وبذلك تكون نهضة السيد الحبوبي في الدفاع عن حمى الإسلام البداية الثورية التي قادت ركب التحرر، ومكافحة الاستعمار، كان المهمّ لدى السيد الحبوبي أنْ يناهض الإنكليز بكلّ ما يستطيع، وأنْ يحرّك المشاعر العامة قدر الإمكان، وأنْ يقود جمهرة المجاهدين بما أوتي من
قوة الشكيمة، وصحّة العزم، ودقة المبادرة، وليكن بعد ذلك ما يكون، حينما انجلت المجابهة عن نكسة المجاهدين نتيجة جهل القيادة العثمانية، وخيانة بعض المتزعمين العشائريين، وحداثة الأسلحة البريطانية، انسحب السيد الحبوبي بما تبقى من معسكره إلى الناصرية، وقال كلمته المشهورة التي رواها عنه السيد محسن الحكيم(قد): «الحمدُ لله الذي عرّفني تكليفي».
اندمج الشيخ الجزائري اندماجًا كلّيًا في حكومة الجهاد الوطني، وشارك مشاركةً ظاهرةً في حركة الحرية والدستور، وحارب إلى جنب المجاهدين الأحرار ضد الاستعمار البريطاني لدى دخوله العراق في ١٩١٤، واستقر في محافظة العمارة عام ١٩١5م، بعد انسحاب العراقيين والعثمانيين من القرنة إثر هزيمة الجيش العثماني، وخطط ووافق ودعم ثورة النجف الأشرف ضد الإنكليز في ١٩/ أذار / ١٩١٨م، وكانت جمعية النهضة الإسلامية بجناحيها العسكري والروحي تسترشد بنور آرائه الصائبة، وساند قائد ثورة العشرين الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي وكان من المقرّبين إليه، وشاور قادة الثائرين في كيفية الانقضاض على الاحتلال البريطاني، والتقى زعماء العشائر في الفرات لإعلان الثورة، وشارك بفاعليةٍ قصوى من أجل حصول العراق على الاستقلال السياسي، وكان أبرز رجالات ثورة العراق هذه في ١٩٢٠م، ومن المخطّطين لها والعاملين في صفوفها، وناضل من أجل وطنه، يقول الأستاذ
علي الخاقاني: «فهو عربي بترعته، ومسلم في دعوته، وجعفري في مذهبه، يريد العروبة والإسلام، والإسلام للوحدة، والمذهب لهداية، والجميع لله سبحانه، جاهد الإنكليز على حدود العراق، وطاردهم في جبهة الحويزة، وبذر البذرة الأولى في تشكيل الحكومة العراقية، فكان موفقًا في جهاده، منصورًا في مطاردته، مباركًا في بذرته».
ولعل الشيخ آغا بزرك طاب ثراه من أولئك القلائل الذين عرضوا لجهاد العلامة الجزائري في صفحاتٍ مشرقةٍ من أضواء نضاله الفكري والبطولي والعسكري والاجتماعي في تكثيفٍ معمّق، وشذرات معبّرة، فقال: «الجزائري- من رجالات العراق البارزين والشخصيات الإسلامية المعروفة، وحياته حافلة بالمفاخر والمآثر والكفاح والجهاد في سبيل ربّه وأمته ووطنه، وفي الحقيقة إنّها سجلٌ يوضّح جانبًا من تأريخ العراق في الخمسين سنة الأخيرة؛ لأنّه شارك في معظم الأحداث مشاركة فعّالة، وعمل على معالجة كثيرٍ من المشاكل والوقائع بحكمة وإخلاص، وقد مرّ عليه نصف قرن وهو أحد أقطاب النجف، ورجال الرأي، وقادة الفكر، وأبطال الجهاد، وأعيان العلماء، وقد لمع اسم الشيخ الجزائري أول ما لمع في معركة المشروطة والاستبداد، فقد كان ممّن انحاز إلى جانب الحجة الخراساني، الذي تزعّم الفريق الأول، وكان من مؤيديه وأعوانه، ويعرف معاصروه دوره في تلك المعركة جيدًا، وعندما أعلنت الحرب العالمية الأولى ودخل الأتراك الحرب إلى جانب الألمان، بادرت القوّات البريطانية في عبادات لاحتلال جنوب العراق، وعندها أفتى علماء النجف الأشرف بوجوب الدفاع
عن بيضة الإسلام، والوقوف في وجه الكفّار، وبالرغم من الظلم والاستبداد الذي عاناه العراقيون زمنًا طويلًا من الأتراك، فقد وقفوا معهم جنبًا إلى جنب، وانتظموا في جبهات حربية قادها المجتهدون بأنفسهم، ونزلوا معها ساحات القتال»، وقد كان الشيخ الجزائري في طليعة العلماء الذين اشتركوا في الصف الأول من المجاهدين، كما عمل على إثارة المتنفذين ودعاهم للوقوف في وجه الإنكليز المحتلين لما كان يتمتع به من كلمة نافذة في الأوساط الدينية والوطنية والعشائرية.
وظلّ كذلك يخوض غمار الأحداث في تلك الظروف الراهنة حتى قامت الثورة العراقية، فكان من رجالها البارزين، وهو أحد الأربعة الذين انتخبهم النجفيون للمطالبة بحقوقهم، وانتدبوهم لتمثيلهم، وعرض مطاليبهم على حكومة الاحتلال البريطاني. انتخب الشعب العراقي من خلال قيادته الروحية في النجف الأشرف خمسة من العلماء والوطنيين ليكونوا مندوبين عن الشعب في طلب الاستقلال، وكان للعلّامة الجزائري دور التوجيه والنصح الكريم لثوّار النجف ضد الحاكم البريطاني الكابتن مارشال عام ١٩١٨م، إذ اخترق الثوّار الحصار المضروب على النجف، وعملوا الاتصالات اللازمة مع بعض الأبرار المتحمسين للثورة، ومن أبرزهم: العلامة الهمام الشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ محمد رضا الشبيي، والعلامة السيد عيسى كمال الدين، والسيد محمد سعيد كمال الدين، والسيد محمد علي بحر العلوم، واتصلوا بغيرهم من الوطنيين المخلصين، والعارفين تمامًا بمقاصد ومرامي الإنكليز، وإنّ على العلماء الأبرار
والوجوه الفاضلة أنْ يبثّوا الوعي بين سواد أبناء البلدة، وكان العلامة الجزائري في طليعة المجاهدين في الحرب العالمية الأولى، وكان إلى جانب الدولة العثمانية في حربها الطاحنة ضد الإنكليز في العراق، ولما تخلّت من العراق الذي أصبح تابعًا للانكليز، انضمّ إلى قادة الرأي العام في العراق في مناوئته سلطات الاحتلال، وبذل النفس والنفيس في إنقاذ العراق من هذه المحنة؛ وكان من أقطاب ثورة العشرين، وكان عضوًا في الثوار، وعونًا لكبار العلماء.
أمّا الأستاذ محمد علي كمال الدين (رحمه الله)، فقد عدّ العلامة الجزائري أهمّ عضو في الطبقتين الروحية والمتجددة في النجف الأشرف اللتين تكونتا لإنقاذ البلاد من الاحتلال، وقد أعطى قائمةً بأسماء رجال الطبقتين من الثوار المطالبين باستقلال العراق وإعلان ثورة العشرين، بل كان أيام الثورة محور الحركة ومجرى التفكير للثورة والثوّار والعلماء والمجتهدين والمثقفين، يسانده في جهاده هذا الشيخ جواد الجواهري وزعماء القبائل مع أفراد الطبقة الأولى، كما أنّ الثورة العراقية بقادتها قد أسّست لها مكتبًا سريًّا في أحد دواوين الصحن الحيدري الشريف، وكان العلّامة الجزائري هو المتحدّث باسم الشعب العراقي أمام الحاكم البريطاني في عدة مواقف حاسمة، وكان قوله الفصل الذي لم يستطع الحاكم السياسي الإنكليزي مقاومته، لا سيّما في الاجتماع الأول الذي مثل به المندوبون العراق أمام السلطة البريطانية، فقد طلب الحاكم السياسي البريطاني لعموم لواء النجف والشامية، عدم الهياج والبلاد، ومنع المظاهرات، فجابهه الجزائري بقوله: «إنّ دوي المحافل في النجف دويٌّ مشروع من كلّ الوجوه، لم
يقصد منه إثارة القلاقل وتعكير صفو السلام، فالنجف لا تريد في قيامها الجديد أنْ تجدد عهد الحركات الأولى، النجف تريد أنْ تحتفظ اليوم بأصول المدنية الحقّة، فإذا كان النداء لطلب الاستقلال، والهتاف لتأييد الحكومة العربية، مخالفًا للقوانين الدولية، فلماذا لا تعدّه الأمم الأخرى كذلك حينما يقع مثله في بلادها، وإنّي أؤكّد لحضرتكم أنَا لا نستطيع كمّ الأفواه وحبس الأصوات، كما إنّا لا نسأل عن وقوع الحوادث والاضطرابات إذا لم تحقق الحكومة تحقيق رغبات الأمة».
قال الحاكم السياسي: قد يتعذر على الحكومة تحقيق أماني الأمة على الفور، فأجاب الشيخ الجزائري: «لابدّ من تنفيذ المطالب المندرجة في الطلب، وإلاّ فإنّ المغبّة سيئة والعاقبة وخيمة»، ولم تنفع كل الاحتجاجات وكذبت وعود البريطانيين وفقد الشعب العراقي الثقة بالمحتلين فصمّم العلماء والزعماء والمتثقفون وأهل الرأي من الشعب على التخطيط إلى الثورة، وكان دور العلامة الجزائري مشرّفًا في الإشارة والإرادة والقيادة والاندماج الكلّي، وانتهت الثورة بتشكيل حكومةٍ عربيةٍ بإشراف دار الاعتماد البريطاني، وكان الاستقلال شكليًا، بإرادةٍ بريطانيةٍ وإدارةٍ عراقيةٍ؛ فكثرت الاضطرابات والمظاهرات والاحتجاجات، وحرّم علماء النجف الأشرف انتخاب المجلس التأسيسي، وعارضوا الحكم البريطاني المغلّف.
إنّ مواقف الشيخ محمد جواد الجزائري إلى جانب مواقف غيره من الأعلام
في مدينة النجف الأشرف هي التي دفعت هذه المدينة أنْ تتخذ موقفًا وطنيًا مضادًا من الاحتلال البريطاني، لا سيّما موقف الشيخ محمد جواد الجزائري في ثورة النجف والوقوف على الإجراءات التعسفية التي قام بها البريطانيون ضد الشعب العراقي، إذ تبنّى الشيخ محمد جواد الجزائري مشروع مقاومة الوجود الأجنبي البريطاني، الذي تمثّل ب(جمعية النهضة الإسلامية) التي كان لها أثرها العملي في مقاومة الاحتلال البريطاني، كما أسس الشيخ الجزائري (نقابة الإصلاح العلمي)، إذ لم تكن فكرة التأسيس النقابي بعد منتشرة في العراق، وكان هذا التأسيس نتيجة سعة اطلاعه وجديته في إنجاز مشاريعه الإصلاحية التي أراد تحقيقها للنهوض بالواقع الديني والاجتماعي للمجتمع الإسلامي في العراق، إذ إنّ الشيخ الجزائري قد استفزته حالة الابتعاد عن الدين الحنيف بسبب تأثيرات الأفكار المادية، وتنامي النشاط التبشيري الديني مع بداية القرن العشرين، فضلًا عن انشغال الناس بمصالحهم الشخصية والدنيوية الضيقة، ممّا قد يؤثر على المجتمع، ويؤدي الى ابتعاده عن التعاليم الإسلامية، والانجرار وراء الأهواء الغربية، وهذا ما دعاه الى تأسيس النقابة.
وكان واحدًا من زعماء التيار الإصلاحي في النجف الأشرف في ذلك الوقت، كما قام مفتي الموصل بإرسال دعوة للشيخ الجزائري بعد عجزه عن القيام بمهامه الشرعية في تلك المناطق لعدم استجابة أهلها له؛ لأنّ أغلب سكان تلك المناطق كانوا على المذهب الشيعي، ممّا قد يؤدّي إلى حدوث بعض المشاكل الطائفية مع بقية أهالي الموصل، الأمر الذي دفع المفتي لدعوة الشيخ الجزائري في
توجيههم للالتزام بالشريعة الإسلامية، والتمّسك بالمذهب الشيعي، والتعايش مع أهالي المناطق الأخرى من الموصل، وفي الوقت نفسه تعدّ هذه الدعوة دلالةً واضحةً على وجود علاقاتٍ طيبةٍ بين علماء المسلمين في العراق آنذاك، وتواصل مع حوزة النجف الأشرف؛ ممّا أسهم في تآخي العراقيين جميعًا.
كما أنّ الشيخ محمد جواد الجزائري بعد مشاركته في ثورة النجف لم يُؤتَ به إلى سجن الكوفة، ولم يحاكم مع الثوار، بل نقل الى السجن المدني في بغداد، فقام الشيخ محمد جواد الجزائري بتسليم نفسه في 30 نيسان 1918 إلى السراي مقر الحاكم في النجف بعد فشل جميع وساطات العلماء وأُودع في سجن الكوفة، وأمر الحاكم السياسي في الشامية بترحيل الشيخ محمد جواد الجزائري من سجن الكوفة إلى سجن الحلة في اليوم نفسه بوساطة اللواء البريطاني في مدينة الكوفة، وأوصى بالإسراع في ترحيله من النجف بحكم منزلته الاجتماعية والدينية في المدينة التي قد تثير غضب الناس وامتعاضهم، وأنْ يكون تحت طائلة الاعتقال، وفي سجن خاص وليس في السجون الاعتيادية، وأصدر الحاكم المدني في بغداد أوامره بترحيل الشيخ محمد جواد الجزائري الموجود في السجن المدني في بغداد إلى الهند مع بقية سجناء الحرب من أهالي النجف الآخرين كأسير حرب كونه من (مثيري الفتن بالمدينة، وقد قام بكتابة الرسائل إلى القادة الأتراك والألمان) بحسب تعبيره، وعلى أثر ذلك أرسل الشيخ محمد تقي الشيرازي رسالةً إلى أرنولد ولسن الحاكم المدني في العراق في 13 أيّار 1918، طلب فيها العفو عن الشيخ الجزائري كونه من العلماء الأعلام وله المنزلة الرفيعة في المجتمع، فلم
يكترث ارنولد ولسن برسالة الشيخ محمد تقي الشيرازي، بل قام بإرسال كتاب في ( 23 أيّار1918)، إلى قائد قوات بلاد ما بين النهرين في الجيش البريطاني في العراق يأمره باتخاذ الإجراءات اللازمة بترحيل الشيخ الجزائري من سجنه في بغداد إلى الهند، وقد أرسل الشيخ محمد تقي الشيرازي رسالةً أخرى الى أرنولد ولسن في 9حزيران 1918، طلب فيها مراعاة الشيخ محمد جواد الجزائري، وإعطاء الأوامر بالرفق والمعاملة بالاحترام التي لا تقلل من مكانته، مؤكدًا له بأنّ العلماء لديهم مكانةٌ عاليةٌ أكثر من البقية عند الاعتقال.
وأرسل رئيس مكتب الحاكم المدني البريطاني في العراق رسالةً جوابيةً إلى شيخ الشريعة الأصفهاني في21 تموز 1918، أخبره باطلاعه على رسالته، واستجابة لطلبه أمر الحاكم المدني بأنْ يبلّغ سماحة شيخ الشريعة بأنّ الشيخ محمد جواد الجزائري ستوقع أقامته في مدينة المحمرة إلى نهاية الحرب، وصدرت الأوامر من مكتب الحاكم المدني البريطاني في العراق في حزيران 1919 إلى الضابط التنفيذي في الجيش البريطاني في المحمرة بإطلاق سراح الشيخ محمد جواد الجزائري، والسماح له بالعودة الى مدينته النجف الأشرف.
لم يكن الشيخ الجزائري عالمًا مجتهدًا ومرجعًا من مراجع الفتيا فحسب، بل كان مجاهدًا صلبًا شهدت له ميادين الجهاد والكفاح الوطني، فضلًا عن مواقفه البطولية التي اتسمت بالجرأة والشجاعة، وتحمّل التضحيات وصلابة العقيدة في مواجهة الأخطار الخارجية التي شهدها العراق.
يعُد الشيخ إبراهيم اليوسف الركابي من الشخصيات العشائرية المهمة في تاريخ المنتفك بشكل خاص، وتاريخ العراق الحديث بشكل عام، ليس لموقفه من القضايا الاجتماعية في محيطه المحلي فحسب، بل لاشتراكه في العديد من المواقف على نطاق العراق، فضلًا عن دوره الريادي في ثورة العشرين واستضافته لمؤتمر المصيفي الذي 1920، ومن ثم انتفاضة بني ركاب عام فيما بعد، كما مثلّ إبراهيم اليوسف منطقته، وعلى الرغم من تعليمه المتواضع إلّا أنّه كان نائبًا نشطًا ومتواضعًا مطالبًا بحقوق الفقراء والفلاحين، وملتزمًا بحضور جلسات المجلس النيابي، وكان الشيخ إبراهيم اليوسف قد عرف بلين العريكة، ولطف المعشر وحصافة العقل وسعة الحلم، وكان يمقت الاحتلال العثماني ومن بعده البريطاني للعراق؛ لذا ناهض الحركات الداعية للوجود البريطاني وحمل لواء المعارضة لهم. توفي في عام 1969.
شهد العراق ظهور العديد من الشخصيات العشائرية التي لعبت دورًا مهمًا في أحداث البلاد السياسية ولا سيما في النصف الأول من القرن العشرين، كما حظيت بعض الشخصيات العراقية ولا سيما العشائرية منها ذات التأثير الاجتماعي الذي انعكس بشكلٍ أو بأخر على المسرح السياسي في أواخر العهد العثماني وبداية عهد الاحتلال البريطاني ومن ثمَّ تشكيل الحكومة الملكية في العراق عام 1921 باهتمامٍ كبيرٍ من لدن الباحثين، وكان الشيخ إبراهيم من مشايخ قبيلة بني ركاب المعروفين ووجهائها كما كانت لديه معرفة تامة بشؤون العشائر، وتمتع
بوعي ونضوجٍ فكريّ ولباقةٍ في إدارة الحديث، وكان أحد الأقطاب الرئيسة في الاجتماع الذي عقد في منطقة المصيفي، كما أسهم في حركة الجهاد في عام 1914 - 1915، وكان له دور متميز فيها، وبعد انبثاق الحكم الوطني في العراق في عام 1921، انتخب لدورتين انتخابيتين في المجلس النيابي. وكان حكيمًا عادلًا، غالبًا ما تناط له مهام حل النزاعات العشائرية، ويقول الأستاذ محمود جواد: «إنّ الشيخ إبراهيم اليوسف كان أحد الأقطاب الرئيسة في مؤتمر المصيفي، كما كان له الدور القيادي في مسيرة الجهاد ضد البريطانيين، ومن أشدّ المساهمين في الثورة العراقية عام 1920، وكانت مدينة قلعة سكر في طليعة مدن المنتفق استجابةً لنداء علماء الدين وقادة الحركة الوطنية»2، إذ تصاعد الحماس لدى بعض زعماء العشائر وشيوخها فعقدوا اجتماعًا في منطقة المصيفي عرف تاريخيًا باسم مؤتمر المصيفي بتاريخ 17 آب 1920 ، وكانت المنطقة تابعة إداريًا لمدينة الرفاعي (الكرادي سابقًا)، ويقطنها الشيخ إبراهيم اليوسف الركابي، وعلى الرغم من أنّ الشيوخ الحاضرين آنذاك لم يضعوا نصب أعينهم أية خطةٍ بشأن الوجود العسكري البريطاني في المنطقة إلّا أنّ ذلك الاجتماع وما تمخّض عنه دلَّ بشكلٍ واضحٍ على النضوج الفكري والوعي السياسي والروح الوطنية لأبناء تلك المنطقة وشخصياتها الوطنية.
عمد الشيخ إبراهيم اليوسف إلى قيادة الثوار، والتقدّم بهم صوب مدينة
الناصرية، فبعد تراجع عشائر الشويلات، وموقف الشيخ خيون العبيد، كاد أنْ يحدث تراجعٌ عام لعشائر الغرّاف لا سيّما بعد تزعزع موقف بعض رؤساء العشائر؛ لذا عمد الشيخ إبراهيم اليوسف إلى معالجة الموقف؛ فطلب من بعض شيوخ العشائر المرابطة مغادرة الشطرة والتوجّه صوب الناصرية وفق ما اتفق عليه في مؤتمر المصيفي سابقًا، ويبدو أنّ المجاهدين قد امتثلوا لرأي الشيخ إبراهيم اليوسف، فتوجّهت جحافلهم باتجاه الناصرية بنحو ألفي مقاتلٍ تقريبًا، وعسكروا عند مدخل الناصرية من الشمال، وفي مزارع عشيرة آل إزيرج، ويذكر أنّ لتلك المزارع فائدة كبيرة للثوار حيث استخدمت الذرة المرتفعة للاختفاء من طائرات البريطانيين، وهكذا استمرت عشائر الناصرية لمدة ستة أسابيع تقريبًا يختبئون نهارًا في البساتين من الطائرات البريطانية، ويهجمون ليلًا على قوات الاحتلال البريطاني المعسكرة في لواء الناصرية، وعمد الشيخ إبراهيم اليوسف إلى تقسيم المقاتلين إلى مجاميع، تكونت كلّ مجموعةٍ من ثلاثين مقاتلًا، وقد وضع على كلّ مجموعةٍ رئيسًا لها، بينما كانت رئاسة تلك المجاميع للشيخ إبراهيم اليوسف نفسه .
كان الشيخ محمد رضا الشبيبي أصدق من صوّر أحداث النجف الأشرف في الثورة على الإنكليز، وكانت ثورة النجف الأشرف ضدّ الاحتلال البريطاني على مرحلتين:
1. المرحلة الأولى: عبّر عنها بالثورة على الإنكليز في النجف، وقد تحدّث الشيخ الشبيبي عن المرحلة الأولى من الثورة بإيجاز، ولكنه غطّى أغلبَ أحداثها الرئيسية بأمانة، عبّر عنها بالثورة العظمى حينما تحدث بكل جزئياتها وتفصيلاتها حدثًا بعد حدث، بما يعدّ وثيقةً تاريخيةً مهمة، وهو بهذا يرى الثورة الأولى هي العظمى في 19/11/1917م.
2. والمرحلة الثانية عبّر عنها بالثورة العظمى في النجف الأشرف، هو ما قام به الحاج نجم البقال في آذار ١٩١٨م، حين وصل السير برسي كوكس الحاكم البريطاني العام إلى النجف عصر الثلاثاء 4/12/1917م، ومعه جماعةٌ من ضبّاط الإنكليز، وشرعوا بالقبض على من له زعامةٌ وكلمةٌ نافذةٌ في قومه في النجف، فتنادى الجناح العسكري لجمعية النهضة الإسلامية، وتعاقدوا على تبييت الإنكليز بقيادة الحاج نجم البقّال، فجر الثلاثاء ٦/جمادى الآخرة/ ١٣٣٦هـ = 19/3/1918م، في حدود الأربعين مسلحًا عن طريق مقبرة النجف، وحققت ثورة النجف الأشرف على الإنكليز نصرًا مستقبليًا، وكان ولسن يريد أنْ يثبت للقيادة الإنكليزية أنّه رجل الموقف رغم ما أصيب به من نكسات، فأحضر
معه الميجر (نوربري) حاكم الشامية، ودعا العلماء والزعماء للحضور في سراي الحكومة، وألقى عليهم خطابًا أوضح فيه وجهة نظر البريطانيين وكانت لغته لغة تهديدٍ ووعيد، وقد أحيط السراي بالشباب النجفي الثائر لئلّا تتغلّب آراء عملاء الإنكليز - وقد أحضروهم- على آراء العلماء والمتحررين، والناس عنى رؤوسهم الطير، فنهض الشيخ محمد رضا الشبيبي فخاطب ولسن باسم العراق: «إنّ الشعب العراقي يرتأي أنّ الموصل جزءٌ لا يتجزّأ من العراق، وأنّ العراقيين يرون من حقّهم أن تتألف حكومةٌ وطنيةٌ مستقلّةٌ استقلالًا تامًا، وليس فينا من يفكّر في اختيار الحاكم الأجنبي».
وحينما انتهى خطاب الشبيبي ثارت ثائرة ولسن بما يصوره مؤرّخ النجف شيخ جعفر محبوبة - وهو حاضر - بقوله: «فغاظ هذا الخطاب البليغ الحاكم فقاطع كلام الشبيبي، وضرب بيده على المنضدة التي كانت عنده، وكلّما حاول أنْ يعرف رأي بقية أركان الجمعية ولأول مرة يدوي اسم الشبيبي محمد رضا في الأوساط دويًا تهتز له الأندية والأوساط النجفية، وكان ذلك يوم جمع الحاكم الإنكليزي الكبير الرؤساء في النجف والعشائر في سراي النجف لاستمالتهم وأخذ موافقتهم على صورة الحاكم الذي يريده الإنكليز للعراق قبل قيام الثورة الكبرى، فهاجت النجف واقتدت بها العشائر، وكان وراء هذا الهياج الشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ عبد الرضا الشيخ راضي، والشيخ جواد الشبيبي، ومن رؤساء القبائل كان السيد علوان الياسري، والحاج عبد الواحد الحاج سكر وغيرهما ممّن أيّدوا الشبيبي، وعدّوه ممثلًا عن النجف والعراق أجمع، وهذا ما حال بين السلطة المحتلة وبين اتخاذ الإجراءات في توقيف الشيخ محمد رضا
(331)
الشبيبي أو نفيه، وكان مستوى التخطيط متبلورًا بين العلماء والوطنيين وزعماء الفرات تهيئة الثورة، إذ بلغ الاستياء من الإدارة البريطانية في العراق أقصاه، وأخذ بالتصاعد نظرًا لغطرسة الإنكليز، فكانت الاجتماعات والاحتجاجات تأخذ طابعًا استراتيجيًا ومركزيًا في التخطيط للإطاحة بالإنكليز.
وأما الهدف من حمل رسالة الشبيبي ووثائقها إلى الحجاز فهو شعور الثوار قبل أنْ يدخلوا المعركة بأنّ الإنكليز يسعون إلى تزييف حقائق الأشياء، وقد جمعوا حولهم الانتهازيين والموالين لهم والعملاء، ممن باعوا ضمائرهم، وقد شاهدوا شباب النجف الثائرين منفيين إلى الهند، والمحكمة العسكرية أعدمت أحد عشر ثائرًا، وكان هذا هدفًا مركزيًا، ويرى الأستاذ جعفر الخليلي أن الشبيبي قد وضع تقريرًا مفصّلًا عن أوضاع العراق بنفسه، وعن مهمته «بالمداولة مع الميرزا محمد رضا الشيرازي - نجل قائد الثورة- والشيخ عبد الكريم الجزائري، وعلى هذا يكون الشبيبي أول من حدّد رغبة الاستقلال، وأول من صوّر أمانيه في قيام هذه الدولة».
لم تمض سنتان على انتفاضة النجف الأشرف حتى انفجرت ثورة العشرين
الكبرى 1920م، إذ تصدّت المرجعية الدينية لهذا الاحتلال، وأعلنت فتاوى الجهاد ضد المحتلّين، فالمرجعية الدينية المتمثلة آنذاك بالميرزا الشيخ محمد تقي الحائري قد عبّرت عن أهداف الثورة الحقيقية، وذلك عندما حاولت السلطات البريطانية تعيين حاكمٍ بريطاني على العراق بشكلٍ ثابتٍ ودائمٍ على أنْ يكون مستشاروه من العراقيين.
أطلق الميرزا فتواه: (ليس لأحدٍ من المسلمين أنْ ينتخب أو يختار غير المسلم للإمارة على المسلمين)، ولمّا تمادى الإنكليز في غيّهم ونهبهم لثروات العراق أصدر سماحته فتوى ثانية أوجب فيها على كل العراقيين استعادة ثرواتهم، وهذا نصّ فتواه: (مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسّل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز قبول مطالبهم)، وسار السيد فتح الله الأصفهاني على خطى سلفه في شحذ العزيمة وثبات الموقف على القتال والجهاد في سبيل الاستقلال، فحمل السلاح في ثورة العشرين في العراق، وذهب مع المجاهدين إلى ساحة المعركة، ثم عاد إلى النجف الأشرف بإلحاح من زعماء الثوار، وبعد إعلان الثورة أصبحت مدينة النجف تحكم نفسها بنفسها ولا تخضع لسلطة الإدارة البريطانية إذ تقرّر في النجف تشكيل مجلسين تشريعي وتنفيذي، وتعدّ مرجعية النجف الأشرف المرجعية الأولى في المجتمع الشيعي العراقي حيثُ يمتد مقلدوها في بقاع مختلفة من العالم، وهذا جعل من المجتمع يرتبط ارتباطًا قويًا بها، ويستجيب سريعًا لما يصدر عنها.
ويؤكّد تاريخ المرجعية الدينية على أنّها ومع الظروف القاسية التي مرت بها بقيت صامدةً تواصل نشاطها وارتباطها، فقد أدّت دورًا مهما لا على مستوى
الشيعة فقط، بل على مستوى المسلمين عامة وفي مدن أخرى، إذ كان َ للحوزةِ العلميةِ الدينية وتوجيهاتها الدور الأساس في انبثاق ثورة العشرين التي تعدّ أول ثورةٍ في تاريخ العراق الحديث، حيثُ شكلت منعطفًا تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا للشعب العراقي، وكانت البداية لتأسيس الدولة العراقية الحديثة، ولا يخفى الدور المرجعي الوطني لعلماء الحوزة العلمية الشريفة في إذكاء الثورة وقيادتها وما يتصل بهذا الدور من أحداث ووقائع، إذ إنّ دور المرجعية الشريفة في أطلاق شرارة ثورة العشرين هي حقيقة وطنية وقف فيها الشعب العراقي برمته وبكل شرائحه الاجتماعية مهتديًا بالقيادة المرجعية الرشيدة لعلماء الأمة فكانت ثورة وطنية إسلامية، إذ انطلقت المظاهرات من تجمع الأعيان والأهالي في جامع الحيدر خانة الذي شهد بداية الثورة في بغداد، ثم مدينة النجف الأشرف أفتى مجتهدو النجف الأشرف بالجهاد في بداية الحرب العالمية الأولى، بعد أن وجدوا في هجوم الإنكليز على العراق تدخلًا سافرًا على وطنهم، فانخرط الشعب في أثرهم بقيادة المجتهد العالم السيد محمد سعيد الحبوبي ومعه كتائب العلماء وطلاب النجف، وساروا مدجّجين بالسلاح إلى ساحات القتال في معركة (الشعيبة) وغيرها.
وبعد الاحتلال الإنكليزي للعراق وإعلان الانتداب، دعا المرجع الأعلى الشيخ ميرزا محمد تقي الشيرازي الشعب العراقي لمقاومة الاحتلال والثورة على الانتداب، فهب الشعب حاملًا سلاحه، فكانت الثورة العراقية الكبرى التي أرغمت المحتلين الإنكليز على إعلان الحكم الوطني، وتوفي الشيخ الشيرازي، فقاد الثورة خلفه الشيخ فتح الله النمازي المعروف بشيخ الشريعة، وكان
الاستعداد على قدم وساق لمواجهة الغزاة الإنكليز بعد قدومهم الى العراق لغزوه 1914، حيثُ قاد هذه المواجهات، واشترك فيها علماء الدين ضد الاحتلال، فشكّلت تجربةً مهمةً، ومقدمةً لمواجهات تلت ذلك، ولا سيّما في انتفاضة النجف الأشرف عام 1918، وثورة العشرين الكبرى 1920، وتميّزت بما حملته من دلالاتٍ فكريةٍ وجهاديةٍ في مواجهة الاحتلال البريطاني لمدن البلاد، وفي مدينة النجف الأشرف أفتى المرجع الكبير محمد كاظم اليزدي بالجهاد، وانطلقت أولى الاجتماعات في النجف الأشرف أواسط آذار 1920، إذ عقُد اجتماعٌ سريّ فيها، حضره عددٌ كبيرٌ من العلماء ورؤساء العشائر، وكان هذا الاجتماع بتوجيهٍ من المرجع محمد تقي الشيرازي ساعيًا من خلاله إلى تحقيق وحدةٍ وطنيةٍ متماسكة، قدر الإمكان أولًا، وإزالة الخلافات وتحقيق التقارب بين مختلف الطوائف العراقية بين السُنّة والشيعة خاصة، ووجّه المرجع محمد تقي الشيرازي (قدس سرّه) العديد من الرسائل إلى عددٍ من الشخصيات والوجهاء ورؤساء العشائر، ومن المذاهب الدينية المتنوعة في البلاد منها على سبيل المثال لا الحصر، رسالة في 25 آذار 1920، إلى الشيخ موحان الخير الله، أحد شيوخ عشائر المنتفك أكد فيها على ضرورة ترك الاختلاف والتعاون على البر والتوافق فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، بدأ الحديث عن ضرورة إشعال نيران الثورة ضد الوجود البريطاني.
بعد ذلك توالت الاجتماعات بين رؤساء العشائر ورجال الدين، ففي 16 نيسان 1920، عقد الزعيم العشائري علوان الياسري، اجتماعًا في منزله الكائن في النجف الأشرف، فطرحت فكرة الثورة المسلّحة ضد البريطانيين لأول مرة.
ولمّا فُرِض الانتداب البريطاني على العراق، بعد إعلان مؤتمر سان ريمو المنعقد بتاريخ 25 نيسان 1920، كان ذلك بمنزلة صب الزيت على النار؛ إذ تم عقد الاجتماعات السرية لمواجهة الأمر بحزم، فقد انعقد في أوائل أيّار 1920 اجتماعًا بدار السيد أبي القاسم الكاشاني، الكائن في مدينة كربلاء المقدسة، حضره عددٌ من شيوخ العشائر ورجال الدين والوجهاء من مختلف مناطق الفرات الأوسط، وقد عدّ هذا الاجتماع انعطافةً تاريخيةً مهمةً من منطلقات الثورة ضد الوجود البريطاني؛ إذ جرى بعده التباحث في أمرين مهمين: قدرات العشائر العسكرية أولًا، وإمكانية حفظ الأمن العام للبلاد ثانيًا، فاسفر الاجتماع في نهايته على موافقة المرجع بالقيام بالثورة، كما وجهت المرجعية في كربلاء المقدسة بقيادة السيد محمد تقي الشيرازي رسالةً إلى عموم أبناء البلاد، أكدت مضامينها على التآزر مع الجهود المبذولة في الكاظمية المقدسة وبغداد، حاثًّا أبناء البلاد كافة في توجيه ممثّليهم إلى العاصمة لعرض مطالبهم وحقوقهم المشروعة في الاستقلال، مشددًا على أنّ ذلك واجب عليهم الاتفاق من أجل تحقيقه مع إخوانهم، إذ كان لدعوى كتاب المرجع الشيخ محمد تقي الشيرازي ومضامينه، استجابة كبيرة من قبل رؤساء عشائر الرميثة.
توفّي الشيخ محمد تقي الشيرازي يوم 17 آب 1920، وأشار بعض إلى أنّه ربما اغتيل بالسم على أيدي عملاء لبريطانيا، وأصدر شيخ الشريعة الأصفهاني بيانًا في اليوم ذاته نعى به (عميد المسلمين) بحسب تعبيره، مؤكّدًا على ضرورة شد العزائم ومتابعة الجد والنشاط من أجل الدفاع عن البلاد، وقد تمت مبايعة السيد الأصفهاني؛ لكي يكون المرجع الأعلى لدى الشيعة بعد وفاة الشيخ محمد
تقي الشيرازي، وتشكّل حزبٌ سياسيّ في النجف أطلق عليه (الحزب النجفي السري)، ضمّ علماء دين وشخصيات اجتماعية معروفة وزعماء عشائر، حظي هذا الحزب بتأييد المرجعية التي نسقت معه في ظروف الساحة وأساليب التحرك، وذكرت مستشارة المندوب البريطاني بيرسي كوكس حينها: «إنّ رجال الدين من العلماء في النجف وبغداد وكربلاء والكاظمية وسامراء كان لهم أثرُ كبير على السكان لاسيّما في المدن المقدسة»، والنقطة الجوهرية والمهمة التي تمحورت حولها مجمل المطالب والأهداف لثورة العشرين التي انفجرت في وجه الاحتلال الإنكليزي بتوجيه وقيادة علماء النجف وكربلاء هي إنهاء الاحتلال البريطاني الجاثم على صدور العراقيين وإقامة حكومة إسلامية في العراق متحررة من السيطرة الأجنبية، ولتحقيق ذلك رفعوا نداء الوحدة بين السنّة والشيعة، ودعوا إلى التآزر وشدّ أواصر التلاحم بين مختلف شرائح المجتمع من عربٍ وأكرادٍ فضلًا عن القبائل العربية؛ لذلك كانت هذه ثورةً وطنيةً خالصة، صنع مقدماتها، وحرّك أغلب أحداثها علماء الحوزة العلمية، فكانت ثورة علمائية بامتياز، تخطيطًا وتنظيمًا، إذ كانت توجيهات المرجعية وفتواها هي العامل والمحرّك الأول للجماهير باتجاه المطالبة بحقوقهم المشروعة، ومواجهة مخططات المحتل، ولم تكن الثورة المسلحة هدفًا للمرجعية الدينية، بل كان هدفها الأوسع والأشمل هو الإصلاح.
ثانيًا: دور شيوخ وأبناء العشائر في الثورة
كان للعشيرة في مراحل مختلفة من تاريخ العراق وحتى السنوات الأخيرة من تكوين الدولة العراقية الحديثة وما بعدها، أهميةٌ استثنائيةٌ في تكوين حياة المجتمع وطبقاته، بل شكّلت في بعض الأحيان كيانًا خاصًا بها، من خلال أدوارها السياسية أو علاقاتها مع بعض العشائر والكيانات السياسية الأخرى، فقد شهد العراق ظهور العديد من الشخصيات العشائرية التي أدّت دورًا مهمًّا في أحداث البلاد السياسية ولا سيّما في النصف الأول من القرن العشرين، كما حظيت بعض الشخصيات العراقية ولا سيّما العشائرية منها ذات التأثير الاجتماعي الذي انعكس بشكلٍ أو بآخر على المسرح السياسي في أواخر العهد العثماني وبداية عهد الاحتلال البريطاني، ومن ثمَّ تشكيل الحكومة الملكية في العراق عام 1921، وممّا لا يخفى أنّ للعشائر العراقية دورًا في ثورة العشرين ولها تاريخ مضيء في مواجهة الاحتلال البريطاني والدفاع عن العراق، حيث أدّت العشائر والقبائل العراقية دورًا مهمًّا في وحدة الموقف وتوحيد الشعب العراقي ضد الاحتلال الإنجليزي بمنهجٍ وطني في الدفاع عن العراق، تنفيذًا لما صدر من علماء العراق بالدفاع عن الوطن وقتال المحتل.
وسبق انطلاق ثورة العشرين مقدماتٌ مهمةٌ وحراكٌ عشائريّ كبيرٌ من خلال شيوخها الذين وضعوا أياديهم ضد التآمر على العراق، كما أنّ هناك العديد من معارك التي تؤكّد هذا الدور والتلاحم العشائري الذي أثبت أنّ جميع العراقيين شاركوا في ثورة العشرين، فمنها معركة الرارنجية، وحصار الكوت، ومعارك
العارضيات الهاشميات، ومعارك الكفل والحلة، ومعارك عشيرة زوبع وقطعهم سكك الحديد بين بغداد وسامراء، ومعارك العشائر الكردية؛ حيث لم يكن الكرد في معزل عن ثورة العشرين فقد تحرّكت القبائل والعشائر الكردية تضامنًا مع العشائر العربية، واشترك الكرد والعرب في ديالى ومندلي وخانقين في القتال ضد الاحتلال الإنجليزي كما أنّ معارك تلعفر وعشائرها التركمانية كانت مشهودة وشرسة وقد هزم فيها جيش الإنكليز، وكانت الأهازيج و(الهوسات) هي تقنيات الحرب الإعلامية استعملتها العشائر كمحفّزٍ إعلاميّ واحتفظت الذاكرة العراقية بهذه الأهازيج وأصبحت تشحذ الهمم فيها وتفاخر الأحفاد بها، كما استطاع رجال عشيرة العوابد من فك الحصار البريطاني عليهم الذي وقف عاجزا أمام صمود وإيمان وشراسة وقوة وتضحيات أبناء العشائر العراقية، وعندما عجز الاحتلال البريطاني عن التصدّي لمقاومي الاحتلال في كثير من المعارك سلك طرق الغدر في محاولة لإخافة العشائر العراقية بعد أنْ يئس من شراء الذمم، فأقدم الاحتلال على ارتكاب جريمته باغتيال العديد شيوخ العشائر، وجرت عملية للتهيئة للثورة، من خلال الاتصالات والاجتماع بين الثوار وشيوخ العشائر في مختلف مناطق الفرات الأوسط، وكان ذلك الاجتماع قد جاء بناءً على توجيه المرجع الديني الشيخ محمد تقي الشيرازي، إذ وجّه الشيخ الشيرازي رسالةً الى أحد شيوخ عشائر المنتفك، أكد فيها: (والواجب علينا جميعًا الاتّفاق والاتّحاد، والتواصل والوداد، وترك الاختلاف)، إذ إنّ هذه الثورة الخالدة التي قدمت فيها العشائر العراقية الأصيلة أروع صور البطولة
والتضحية، إذ استطاعوا رجال العشائر والوطنيون والثوار من فك الحصار البريطاني الذي فرض عليهم، وبالرغم من زيادة العدة والعدد لدى الجيش البريطاني والفارق الكبير في إمكانات التسليح لدى جيش العدو، كلّ ذلك الفارق في الإمكانيات لصالح المعسكر الإنجليزي وقف عاجزًا أمام صمود وإيمان وشراسة وقوة وتضحيات أبناء العشائر العراقية.
وكان لطبقة المثقّفين وطلّاب المدارس العالية دورٌ واسعٌ ومهمٌّ في نمو الروح الوطنية والقومية عند الثوّار، وحثّهم على مكافحة الاحتلال البريطاني إذ أسهموا وبشكلٍ ملحوظٍ في ظروفٍ مختلفةٍ وأوقاتٍ متفاوتةٍ في الحركة الوطنية والأحزاب السياسية، وبتأجيج الثورة والمشاركة فيها؛ ولذا كان من الطبيعي أن تستخدم سلطات الاحتلال أسلوب القوة ضد المناوئين لسياستها والمحرّضين على مقاومتها، وألقت القبض على كثيرٍ منهم، بينما التحق بعضهم بجبهات الصراع مشاركين الثوار عملياتهم القتالية، وبعضهم الآخر منهم لجأ الى النجف الأشرف وكربلاء والسماوة ومن الأمثلة على ذلك: لجوء محمود رامز، وعارف حكمت في النجف وإرسال قيادة حرس الاستقلال حسين علوان، وشاكر محمود الخبيرين بالمدفعية الى الكوفة ليشرفا على المدفع الذي استولى عليه الثوار، وبوساطته تم إغلاق الباخرة (فايرفلاي).
وحينما حرّر الثوار المدينة اتّخذوا دائرة البريد مقرًّا للقيادة ورفعوا العلم
العراقي، إذ كان لفئة المثّقفين العراقيين الأثر الكبير في دفع عجلة التطور الفكري والفني للصحافة عبر تاريخ النضال السياسي، تجلّى ذلك في إصدار المنشورات والصحف قبل الثورة وأثنائها، لا سيّما أنّ المحتلين حاولوا من جانبهم تجريد الفئة المثقفة الواعية من وسائل العمل الفعال بين الجماهير، ومن هذه الوسائل المطالبة بحرية الرأي وإصدار الصحف، فقد طالب رجال الحركة الوطنية منذ بداية الاحتلال البريطاني للعراق بحرية الصحافة والمطالبة بإعطاء بعض الحريات للمطبوعات رغبة بالوقوف على أفكار أحرار العراق،، وفي الاجتماع الذي عقده المندوب المدني مع رؤساء العشائر في الشامية يوم 3 تموز 1920 طالب الثوّار بحرية اطلاق الرأي، إذ يقول محمد مهدي البصير: «إنّ من أهم الأغلاط التي أثارت سخط الشعب على الحكومة، ووقعت في نفوس المفكرين هو وقع خنق الحرية الفكرية ومنع إصدار جريدةٍ سياسيةٍ غير الجرائد الرسمية»؛ إذ وقف بعض المثقّفين ضد السلطات المحتلة؛ لأنّهم حرموا من حرية إبداء الرأي، وعندما تعذّر على الكتّاب والمثقّفين الحصول على موافقة السلطات والحكومة المحتلة في منحهم صحفًا يعبرون فيها عن آرائهم وطموحاتهم في التحرّر والاستقلال وبث التوعية بين أوسع الجماهير الشعبية، اغتنم قادة الحركة الوطنية الفرصة وطبعوا منشورات بالدعوة الى القيام بالثورة، وكانت هذه المنشورات ترسل بالليل وبأساليب مختلفة.
وكانت لفئات المثقّفين الثورين الدور الأكبر في تحريض جماهير الشعب بمختلف طبقاته على سلطة الاحتلال، وجعلت الموقف العام يبدو بوضوح
للجماهير بأنّ القوة هي الوسيلة الوحيدة لاستعادة الحقوق، وقد أصدر عددٌ من المثقّفين قبل وإبّان الثورة المجلّات والجرائد، وكان لها أنْ تؤدّي دورًا كبيرًا في تاريخ العراق السياسي والفكري ومنها: مجلة اللسان إذ حصل المثقّفون العراقيون على امتياز مجلةٍ شهريةٍ صدرت في تموز 1919، ولكن هذه المجلة كانت في حقيقتها تخدم النهضة القومية بأسلوبٍ علمي أدبي، واستقبل الشباب العراقي المتحمّس صدور هذه المجلة بارتياحٍ كبيرٍ، وكانت لها مكانةٌ كبيرةٌ في نفوسهم، وعندما قررت قيادة الثورة إصدار صحفٍ ناطقةٍ باسمها لتنقل أخبار الثورة أولًا بأول، ولتردّ على محلات الدعاية البريطانية ضد الثورة أصدرت قيادة المثقّفين في النجف الأشرف (جريدة الفرات)، وأتبعتها ب(جريدة الاستقلال)، فكانت تلك الصحف تعكس تفهمًا واسعًا لتطوّرات المنطقة، كما كان لها دورٌ أساسٌ في إذكاء نار الثورة، وتنشر مفاهيمها وبثّ الحماس الثوري لدى الجماهير، وبذلك كان لفئة المثقفين دورٌ بارزٌ في الثورة العراقية الكبرى من حيث:
1. دورهم في نهوض الحركة الوطنية والقومية والاستقلالية.
2. نجحت هذه الفئة في إماطة اللثام عن حقيقة الاستعمار البريطاني، وفي فضح السياسة المالية والإدارية التي وقعت عبئًا ثقيلًا على كاهل الشعب العراقي.
3. تمكّن المثقفون من إذكاء روح العداء لمحتل، وبيان انعدام الأواصر الشعبية والأخلاقية والدينية معه.
4. عمل المثقفون على إرساء قاعدة تحالف وتآصر جماهيري واسع شمل العراق كلّه تحت شعاراتٍ قويةٍ واضحةٍ أصبحت الأساس المتين للثورة.
5. نجح المثقّفون في تعبئة الجماهير والوطنيين والثوار من خلال إقامة المناسبات الدينية، واستثمارها في إلقاء الخطب الثورية لاستنهاض الهمم الشعبية.
6. التزم المثقّفون بتحقيق لحقوق السياسية والمدنية للمواطنين، فكان التزامهم بحرية الرأي والصحافة والنشر والتأليف للأحزاب والجمعيات السياسية ضمن الأهداف التي كانت محط أنظارهم، كما لا يمكن إغفال دور المثقّفين في تحريك الثورة وقيادتها.
ومن المطالب التي نادى بها المثقّفون والثوّار والوطنيّون وخاطبوا بها حكومة الاحتلال البريطاني هي:
1. رفع الحواجز عن ارتباط الشعب العراقي، وتفاهمه مع الشعوب الأخرى، بحرية المواصلات وكافة المنشورات والمطبوعات؛ إذ كانوا يدركون تمامًا العلاقة الوطيدة القائمة بين التحرّر من السيطرة الاستعمارية، وبين الحصول على الحرية والديمقراطية والصحافة الحرة.
2. التأكيد على أهميّة إقامة علاقاتٍ مفتوحةٍ ومستمرةٍ مع الأقطار المجاورة؛ لتسهيل وصول الصحافة والثقافة للسكّان، وبخاصّة في الوقت الذي بدأت فيه الإدارة البريطانية بانتهاك الحقوق والحريات، والتضييق على الناس، وعلى الصحافة، وعلى دخول صحف الأقطار العربية والمجاورة إلى العراق.
لم تسمح السلطات الإنكليزية في العراق بقيام أحزابٍ سياسيةٍ علنيةٍ في
البلاد؛ لذلك لجأ المعنيّون في الحركة الوطنية الى تأسيس جمعياتٍ وأحزابٍ سريّة، أهمها: فروع حزب العهد العراقي في بغداد والموصل، وحزب حرس الاستقلال، وكان الحزب الأخير في المدّة التي سبقت الدور المسلح للثورة من أنشط الأحزاب وأكثرها فعاليةً لأسبابٍ عديدةٍ منها:
1. ضمّ هذا الحزب شخصياتٍ ذات شأن، ومؤيّدين مثابرين على العمل السياسي.
2. تظهر أهمية هذا الحزب في أنّه استطاع أنْ يضمّ إليه كثيرًا من أعضاء الجمعيات الأخرى، كجمعية الشبيبة ببغداد، وأعضاء من فرع حزب العهد في المدينة نفسها.
3. يضاف إلى ذلك أنّ لحزب الحرس صلاتٍ في المناطق العراقية الأخرى خاصّة النجف وكربلاء اللتين كانتا من أهمّ مراكز الحركة الوطنية في العراق.
و نظرا لوجود علماء الدين ذوي النفوذ الأكبر في نفوس الجمهور في تلك المرحلة في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة اللتين كانا ملتقى للعاملين في الحركة الوطنية، قاموا بتأسيس (جمعية النهضة الإسلامية)، وهي تنظيمٌ حزبيّ وضع أُسّسه علماء ومجتهدون في11 آذار 1917، وهو اليوم نفسه الذي دخلت فيه القوات البريطانية إلى بغداد، وقد انضمّ إليها معظم رؤساء النجف الأشرف وزعماؤها المحلّيون وبعض رؤساء العشائر، وتشكّلت هيأتها الإدارية من السيد محمد علي بحر العلوم، والشيخ محمد جواد الجزائري، وهما اللذان وضعا الأسس الفكرية والسياسية للجمعية، وحدّدا خطواتها العامة في التحرّك والعمل، فضلًا
عن محمد علي الدمشقي عضوًا، وعباس الخليلي سكرتيرًا عامًّا.
وقد أشارت الوثائق البريطانية إلى أنّ جمعية النهضة الإسلامية أبلغت الحكومة العثمانية برسالةٍ في: 12 كانون الأول 1917، عن تشكيل الجمعية وأسماء أعضائها، وأنّ هدفها وعملها يتفق معهم، وسيكونون على اتصالٍ مع الضبّاط العثمانيين حين الضرورة، وطلب المساعدة على حدّ ما ورد في الوثيقة. على أنّ يقتصر هذا التعاون على الدعم التسليحي فقط، ولا يمسّ ذلك استقلال العراق مستقبلًا. ولم يكن هدف الجمعية هو نفسه هدف العثمانيين، بدليل أنّ النجفيين قاموا بطرد الحامية العثمانية من المدينة، وقد ذكرت المس بيل سكرتيرة المندوب السامي البريطاني في العراق في مذكراتها عن الجمعية ما نصّه: «اتضح لنا فيما بعد عن وجود لجنةٍ للثورة الإسلامية في النجف، كانت غايتها الصريحة جعل النجف مركزًا لخلق الاضطرابات بين العشائر، وكان مائة أو أكثر من رجال الدين متورطين فيها ».
كما كان هناك توجّهٌ إسلاميّ واضحٍ في فكر جمعية النهضة إضافةً إلى قيام علماء من الحوزة العلمية بتأسيسها وقيادتها، ويعد أوّل عمل حزبي إسلامي عرفته النجف الأشرف في قرنها العشرين، لذا يمكن القول إنّ علماء الدين في النجف الأشرف سبقوا المثقّفين الى التنظيم الحزبي الذي يهدف إلى مقاومة الاحتلال البريطاني في العراق. وتواصل أعضاء الجمعية مع علماء النجف الأشرف وكربلاء المقدسة والكاظمية المقدسة، وشيوخ العشائر والأعيان، وكان هدفها تنبيه الرأي العام في العراق على مخاطر الاحتلال البريطاني، وكيفية التخلّص منه
والدفاع عن الوطن. وأصبح عدد أعضائها يتزايد يومًا بعد آخر، واتّخذت من مدينة النجف الأشرف مقرًّا لها، مع اتّخاذها قرارًا بأنّها ستتخذ مقرًّا بديلًا فيما لو استولت القوات البريطانية على المدينة. نشط عمل أعضاء الجمعية وأخذوا بتنظيم اجتماعاتهم بصورةٍ سريةٍ متّخذين دار السيد محمد علي بحر العلوم في محلّة المشراق مقرًّا لهم، حيث يتوافد أعضاؤها تحت جنح الظلام للاجتماع في أوقاتٍ مختلفة، وقد اتّخذوا قرارًا للتصدي لأية صعوبةٍ تعترضهم من أجل تأدية رسالتهم الإنسانية لتخليص المجتمع من الهيمنة الأجنبية، ولو كلّف ذلك حياتهم؛ لذا أصبح للجمعية جناحان:
1. جماعة أهل العلم والوجهاء: ويتداولون بينهم في الدعوة إلى كشف نوايا الحكومة البريطانية، ومفاتحة زعماء العشائر غير المرتبطين بالبريطانيين بالتعاون للقيام بتلك الأعمال، وطلب المعونة منهم لدعم الجمعية.
2. الجناح العسكري: الذي تألّف من ثلاث مجموعاتٍ؛ الأولى بقيادة نجم البقّال، والثانية بقيادة كاظم صبّي زعيم محلة البراق، والثالثة بقيادة كريم سعد الحاج راضي نجل زعيم محلة المشراق، وكلّ ما يقوم به الجناح الثاني يعرض على الجناح الأول لمناقشته والموافقة عليه.
وقد بعثت الجمعية رسالةً إلى الشيخ محمد تقي الشيرازي أطلعته فيها على أعمال الجمعية وتأسيسها، وكان الشيخ محمد جواد الجزائري، والسيد محمد علي بحر العلوم هما المحرّكان الرئيسان لجمعية النهضة الإسلامية، وكانت ميولهما وطنيةً استقلالية، واستمرّا في كسب الأنصار، وبذلا جهدًا كبيرًا في الثورة النجفية، حيث كانا السبب الرئيس لتأييد الناس للجمعية بوصفهما عالمين
فقيهين، ويمتازان بقابلية استقطاب مختلف فئات الشعب، فكانا محور الثورة إداريًا وعمليًا.
أصدر المرجع الديني الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي نداءً موجّهًا إلى أبناء الشعب العراقي عُدّ بمنزلة فتوى دينيةٍ وقرارٍ سياسيّ، يدعوه فيه إلى النضال وتأييد المقاومة المتصاعدة ضد المحتلين الأجانب بالمظاهرات السلمية، ورد فيه ما يأتي: «أما بعد، فإنّ إخوانكم في بغداد، والكاظمية، والنجف، وكربلاء، وغيرها من أنحاء العراق، فقد اتفقوا فيما بينهم على الاجتماع، والقيام بمظاهراتٍ سلمية، وقد قامت جماعةٌ كبيرةٌ بتلك المظاهرات، مع المحافظة على الأمن، طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لاستقلال العراق إنْ شاء الله بحكومةٍ إسلامية، فالواجب عليكم، بل على جميع المسلمين، الاتفاق مع إخوانكم في هذا المبدأ الشريف، وإيّاكم والإخلال بالأمن، والتخالف والتشاجر بعضكم مع بعض، فإنّ ذلك مضرٌّ بمقاصدكم، ومضيّعٌ لحقوقكم التي صار الآن أوان حصولها بأيديكم، وأوصيكم بالمحافظة على جميع الملل، والنحل التي في بلادكم، في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ولا تنالوا أحدًا منهم بسوء أبدًا».
ثم أعقب ذلك بفتوى صريحةٍ ذات أهميةٍ فائقةٍ في مجرى تطوّر أحداث الثورة واستخدام السلاح ضد المحتلين جاء فيها: «المطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالباتهم، رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم
التوسّل بالقوة الدفاعية إذا أمتنع الإنكليز من قبول مطالبهم». وكانت هذه الفتوى صريحةً في مقاصدها، واضحةً في تأكيدها على عددٍ من النقاط المهمّة، التي تعدّ يومئذٍ حقًّا ثابتًا من حقوق الشعوب، إذا ما وجد أنّ المستعمر يرفض الاستجابة لهذا الحقّ المشروع، وأنّ تحقيق هذه الأهداف يتطلّب وحدةً وطنيةً صلدة، بعيدةً عن التفرقة القومية والدينية والطائفية، وبعيدةً عن الاختلافات الفكرية والسياسية، وعن المساس بالناس أو بمصالحهم بسبب الاختلاف في القومية أو الدين أو الطائفة أو غيرها.
رافق انفجار الكفاح المسلّح لثورة العشرين صدور صحفٍ كشفت عن إيمان الثورة بوحدة العراق الوطنية، ففي النجف الأشرف صدرت جريدة (الفرات) يوم 15 آب 1920 التي حثّت الثوّار في مقالاتها الوطنية على مهاجمة البريطانيين، وتدمير قواعدهم العسكرية من أجل استقلال العراق، وقد أسّسها الشيخ محمد باقر الشبيبي أحد قادة جمعية حرس الاستقلال السرية، وحلقة الوصل بين بغداد والفرات الأوسط خلال الثورة، وهي الجريدة العراقية الوحيدة التي نشرت (قرار المؤتمر العراقي) المنعقد في دار البلدية في دمشق في 7 آذار 1920، والذي حدّد حدود العراق الطبيعية، وأعلن استقلاله ضمن هذه الحدود الوطنية، وفي مدينة النجف الأشرف أيضًا صدرت في أواخر أيام الثورة جريدة الاستقلال بعد موافقة قائمقام النجف الذي عينه الثوار، فأظهرت تمسّكها بالاستقلال والوحدة الوطنية، وفي بغداد أصدر عبد الغفور البدري جريدة (الاستقلال) يوم 28 آب 1920، التي أعلنت في عددها الأول عن نهجها الوطني المؤمن بوحدة العراق الوطنية فقالت: «الاستقلال منشور وطني حر يخدم أفكار العرب عامة والعراقيين خاصة، يدافع عمّا يدافعون، ويطلب ما يطلبون، ولا يبالي إذا انزعج منه الخائنون، ولا ينتسب إلّا إلى الوطنية الصادقة، ويصغي لنداء الوطنيين بملء أذنيه، وأمنية الشعب هي غاية ما يتمناه».
وخلال حملتها ضد البريطانيين، نشرت الجريدة سلسلة من المقالات أكّدت فيها بقوةٍ على وحدة العراق الوطنية، ودعت إلى التسامح والإخاء بين أهل
العراق على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، وتوثيق عرى الاتحاد الوطني بينهم، فعدّ البريطانيون ذلك تحريضًا على الفتنة، ممّا أدّى إلى إغلاقها، وحكم على محرّرها وكادرها بأحكامٍ تتراوح بين ستة إلى ثمانية عشر شهرًا، كما أنّ المقالات التي نشرتها هذه الصحف ومنها مقالات وقصائد الكتاب والشعراء والمفكّرين الذين أسهموا في الثورة تظهر سعيهم لإرساء قاعدةٍ شعبيةٍ واسعةٍ تشمل العراق كله بحدوده الطبيعية؛ لتعزيز الوحدة الوطنية من أجل دعم الثورة وتحقيق الاستقلال.
وهكذا أظهرت الصحافة الوطنية أنّ الثورة هي كفاحٌ مسلّحٌ من أجل استقلال العراق ووحدته الوطنية، وتظهر محاضر جلسات المجلس كيف كانت أبيات الشعر الحماسية لإثارة النخوة الوطنية في نفوس الأعضاء، تتضمن كلمات قادة ثورة العشرين خلال مناقشات المجلس، وقد أصدرت جمعية المترجمين العراقيين حديثًا (موسوعة ثورة العشرين الكبرى بأقلام أجنبية)، وذلك ضمن مشروعها لترجمة 100 كتاب، بهدف تعزيز واقع الترجمة والثقافة في البلاد، إذ تتميّز الموسوعة بأجزائها الستة عن جميع المؤلّفات السابقة التي تناولت ثورة العشرين أنّها اعتمدت على أقلامٍ أجنبيةٍ كتبت عن الثورة، مع ما وثّقه الأرشيف البريطاني، ومذكّرات الحكّام السياسيين آنذاك حول هذه الثورة التي شهدها العراق مطلع عشرينيّات القرن الماضي. وما يميز هذه المجموعة أنّها تتحدث عن ثورة العشرين بأقلامٍ أجنبيةٍ صرفة، أي إنّ الموسوعة تقدّم للقارئ والباحث ترجمةً لأفكار الكتّاب والباحثين الأجانب، وأهمّ أحداثها وأبرز قادتها ونتائجها من منظورٍ أجنبي، من دون أنْ يكون للمترجم أو لأيّ طرفٍ عراقي تدخّل
بما تقدّمه هذه الموسوعة من معلومات، ومن خلال استقراء لهذه الدراسات التي تناولت هذه الفترة في تاريخ العراق المعاصر - وكذا المضابط والبيانات التي صدرت حينذاك والصحف التي عالجت الثورة - نجد بأنّه كان للعراقيين نصيبٌ كبيرٌ في تدوين ثورة العشرين سواء كانت على شكل مؤلفات أم على شكل أطروحات رسائل جامعية، أم مذكّرات شخصية للمشاركين فيها. كما كان للصحافة دورٌ كبيرٌ في نقل يومياتها، ونشر البيانات والتصريحات، ومن خلال الاطلاع على هذه المصادر المتنوعة، نلحظ أنّ سلطات الاحتلال البريطاني لم تكن تعتقد بقدرة العراقيين على خوض النضال ضد القوات البريطانية، ولم تكن تتوقع نشوب ثوراتٍ ضدّها أصلا.
تعدُّ ثورة العشرين الكبرى من أهمّ الأحداث في تاريخ العراق المعاصر؛ إذ إنَّ أحداثها تؤلّف مرحلةً قائمةً بذاتها إلى حدٍّ كبيرٍ، كما أنّها تمثّل انطلاقةً لمرحلةٍ جديدة، لا سيما أنَّ نتائج أحداثها أثّرت بشكلٍ واضحٍ في الحياة الفكريَّة
والسياسيَّة، وهي في الوقت نفسه منعطفٌ تاريخيٌّ وسياسيٌّ واجتماعيٌّ بالنسبة للشعب العراقي، وبداية التأسيس للدولة العراقيَّة المعاصرة، ولعلّنا لا نبالغ إذا ما قلنا إنّها أهمّ حدثٍ تاريخي منذ سقوط بغداد على يد المغول في العام 1258، وما تبعه من موجات غزوٍ واحتلالٍ متلاحقةٍ امتدّت عبر قرونٍ طويلة، وكانت لثورة العشرين نتائج عديدة ومتداخلة، بنحوٍ لا يمكن الادّعاء بأنّها فشلت في تحقيق أهدافها الأساسية بالرغم من كون المعركة لم تكن في كلّ الأحوال متكافئةً أو متوازنةً بين الفريقين، والنتائج التالية تشهد على ذلك:
1. كان لفتوى الميرزا الشيخ الشيرازي صدى وتأثير كبيران على بقية المناطق في الفرات الأوسط، فقد نظّم عددٌ كبيرٌ من العشائر الفراتية عددًا من المضابط حسب توجيه وإرشاد الشيخ الشيرازي لترسل الى الحجاز، إذ كان لهذه الفتوى الأثر العميق في نفوس الأوساط الشعبيّة وأوساط الثوار والمعارضين للاحتلال الأجنبي، وتُعدّ هذه الفتوى هي الأولى خلال السيطرة البريطانيّة الفعلية على العراق حين أعطى فيها المرجع الشيرازي رأيًا علنيًّا ضد البريطانيين، وشكّلت هذه الفتوى تحدّيًا مباشرًا للاحتلال البريطاني، وعلّقت المس بيل على هذه الفتوى بالقول: «حرّم المجتهدون في كربلاء والكاظمية على المسلمين أنْ يصوّتوا لغير تشكيل حكومةٍ إسلاميةٍ، فبلغ الاختلاف حدًا أوقف سير الاستجواب»، كما علّقت على عملية الاستفتاء في كربلاء بالقول: «أما في مدينة كربلاء فقد أصدر المجتهدون فتوى بأنّ كلّ شخصٍ يرغب في حكومةٍ غير مسلمةٍ يُعدّ خارجًا عن الدين وبتأثير هذه الفتوى تردّد سكّان المدينة في إعطاء أيّ جواب».
2. في هذه الثورة قدّمت فيها العشائر العراقية الأصيلة أروع صور البطولة والتضحية، وكان من ضمنها معركة الرارنجية، التي صمد فيها الثوار بوجه أقوى جيوش العالم آنذاك، وهو جيش الاحتلال البريطاني، والفارق الكبير في إمكانات التسليح لدى جيش العدو، كلّ ذلك الفارق في الإمكانات لصالح المعسكر الإنجليزي وقف عاجزًا أمام صمود وإيمان وشراسة وقوة وتضحيات أبناء العشائر العراقية، ممّا مكّنهم من فكّ الحصار المفروض عليهم، وتحويل كفة المعركة لصالحهم، كذلك الهجوم الشرس الذي قادته بريطانيا تضمّن قصف المدن والقرى والعشائر بالطائرات والمدافع، وخلال خمسة أشهر من بداية الثورة كانت المؤن والعتاد نفدت، وبحسابات الحروب فإنّ العراقيين تكبّدوا خسائر من الناحيتين البشرية والمادية، إلّا أنّ النتيجة المباشرة للثورة كانت إلغاء مشروع بريطاني قضى باقتطاع الجزء الجنوبي من العراق وربطه بالهند، وعمل عليه ويلسون وغيره من قادة الاحتلال في العراق، وبعد الثورة تم التعجيل بالمطالبة المهمة ما أدّى لقيام الحكومة العراقية ثم استقلال العراق.
3. إنّ ثورة العشرين تعدّ أول ثورةٍ شعبيةٍ اشتركت فيها كلّ الشرائح الاجتماعية وأوّلها العشائر العراقية، وكانت عشائر الفرات الأوسط هي العمود الفقري للثورة، وشاركت فيها عشائر من الجنوب، والوسط وبغداد وأبي غريب وديالى وتلعفر، كما أنّ هذه الثورة أسّست للحراك الشعبي الفطري الذي يؤمن بالكرامة وبالاستقلال، ودلّت على أنّ المجتمع العشائري الأصيل يستند إلى وطنيّته وأرضه، وأنّ ذلك المجتمع على الرغم من بساطته، فقد كان يجنح إلى قانون وبناء دولة، فضلًا عن أنّ قادة الثورة لم يكن لديهم نفس طائفي، وأنّ هذه الانتفاضة لعشائر العراق في ثورة العشرين، كانت دليلًا على التلاحم الوطني ووحدة أبناء البلد، وهي امتدادٌ لتاريخ يعيد نفسه في تحقيق الانتصارات على أرض العراق، وطرد الإرهابيين والانتصار عليهم، كما أنّ وقفة العشائر العراقية المشرفة تجسّدت في مواقفها الوطنية، والتضحيات الكبيرة التي قدّمتها لاحقًا، ففي الزمن الحاضر تصدّت تلك العشائر وقاتلت من أجل وحدة المجتمع العراقي في كلّ أرض العراق، ومساندتها للحكومة الاتحادية والقوات الأمنية في الجيش والشرطة، وتلبية نداء المرجعية الكريمة للدفاع عن الشرف والكرامة وتحرير الأرض، إذ إنّ العشائر العراقية لبت نداء المرجعية في أول فتوى ضد الاحتلال البريطاني، وللمرة الأولى لتنطلق ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني، ولبّت نداء المرجعية في الفتوى الثانية ضد الإرهاب وهو دليلٌ على انتمائها وأصالتها.
4. إنّ ثورة العشرين الخالدة هي تلك الملحمة التي خطّت المسار التاريخي
لنضال العراقيين ضدّ الطغاة، وتسلّط الضوء على رؤية الجيل المعاصر لتلك الثورة حيث رسمت طريق الحرية والدستور، كما أنّها كانت تجسيدًا حيًّا، وتعبيرًا واقعيًا عن اعتزاز العراقيين بحريتهم، فقد تحرّكت العشائر العربية الأصيلة، بعد فتوى المرجعية في النجف الأشرف، لترسم طريق العراق نحو نيل حقوقه في الحرية والدستور، وعدم الخضوع للإرادة الخارجية أو الارتهان لها، وهو ما تحقّق بفضل صمود أبناء شعبنا العراقي، الذي ألهم حينها الكثير من الشعوب العربية لتسعى نحو التحرّر من الهيمنة الأجنبية.
5. لقد حقّقت الثورة إنجازًا مهما في تاريخ العراق الحديث، المتمثّل بتأسيس الدولة العراقية ولأول مرةٍ منذ سقوط الدولة العباسية عام ١٢٥٨م، إذ بقي العراق، ولمدة قرونٍ طوالٍ مسجونًا ومكبلًا بقيود التبعية للمحتلين، وقال ناجي شوكت في مذكراته: «في اعتقادي أنّه لولا هذه الثورة العراقية الكبرى، لما استطاع العراق أنْ يحصل حتى ولا على شبه استقلال، ولا كان من الممكن أنْ يدخل عضوًا في عصبة الأمم، إلى جانب الدول العظمى، التي كانت تتمتع بهذه العضوية، فالعراق الذي أصبح أول دولةٍ عربيةٍ مستقلةٍ، واحتلّ مقامه بين دول العالم، في الوقت الذي لم يكن هناك أيّ بلدٍ عربي يحلم بالاستقلال، إنّما هو مدين لثورته الكبرى هذه».
6. كانت ثورة العشرين تجربةً سياسيةً غنيةً للشعب في مواجهة القوات
البريطانية: أكدت استعداد الجماهير للقتال في سبيل الأهداف التي تسعى إليها، وعبرت في الوقت نفسه عن نشوء نوعٍ من الوحدة الوطنية بين العراقيين في مختلف مناطق العراق، كما أنّها جسّدت فكرة العيش المشترك لقرونٍ طويلةٍ في هذه المنطقة من العالم، والتي ستصبح فيما بعد العراق الحديث بحدوده التقريبية الراهنة، كما أظهرت وجود أهدافٍ مشتركةٍ إلى حدٍّ ما بين تلك القوى، وبين أبناء الشعب العراقي من عربٍ وكُردٍ وأقلياتٍ قوميةٍ ودينيةٍ، وأثبتت الثورة أيضًا أنّ زوال الاختلاف والصراع بين الريف والمدينة، وبين البدو والريف، وبين البدو والمدينة، ممكنٌ حصولُه وتحقُّقه بالصورة التي عرفتها الفترة السابقة من تاريخ العراق، وأصبح معلومًا عند الجميع أنّ اشتراك فئات الشعب، بمختلف قومياته وأديانه وطوائفه بالعمل الثوري ممكن، بل ضروري لمواجهة سلطات الاحتلال البريطانية.
7. برهنت ثورة العشرين على حقائق أخرى مهمة، كما تبلورت خلال الثورة جملةٌ من الأمور المهمّة خاصّة بمستقبل العراق حينذاك، منها - على سبيل المثال - منحت الثورة المجتمع العراقي الإحساس بالكيان الواحد، الذي لم يكن واضحًا في فترة الحكم العثماني، وقد اتّخذ هذا ثلاثة اتجاهاتٍ رئيسة هي:
أ. تضافر جهود العراقيين من العرب والكُرد: إذ شارك العديد من المدن والمناطق الكُردية بنشاطٍ ظاهرٍ مهمٍّ في ثورة العشرين، ومن قبلها في ثورة 1919 في السليمانية.
ب. تضافر جهود الريف والمدينة: وقد توّجت هذه الجهود؛ بالتخلي عن الصراعات التي عرفتها الفترات السابقة.
ج. تضافر جهود الفئات الاجتماعية المختلفة في النضال من أجل الاستقلال والسيادة الوطنية، وازداد هذا الإحساس قوةً أكثر فأكثر، في الفترة التي أعقبت قيام الدولة العراقية الجديدة فكان لهذا التطور أهميةٌ بالغةٌ انعكست على اتجاهات النضال الوطني العراقي.
8. أكّدت هذه الثورة الخالدة استعداد الشعب العراقي قدرته على خوض النضال من أجل حقوقه المشروعة، كما أنّها أحبطت المشروع البريطاني الطامع في جعل العراق جزءًا من التاج البريطاني - كما كان الحال في الهند - وعطل مشروعهم لتوطين عائلاتٍ بريطانيةٍ، وأخرى هندية بأعدادٍ كبيرةٍ في العراق. كما لو كان العراق موطنهم الأصلي، وأكّد لهم أنّ بريطانية تروم جعل العراق جزءًا من الإمبراطورية البريطانية.
9. كان من أهمّ نتائج ثورة العشرين أنْ قرّرت الحكومة البريطانيّة دعوة الأمير فيصل إلى بريطانيا للتشاور في تنصيبه أو أحد أبناء الشريف حسين ملكًا على
العراق، ويقول عبدالرازق الحسني: إنّه في يوم(21 تشرين الأول 1920م) قرّر السير برسي كوكس مشروعه المتضمن أنْ يؤلّف حكومةً مؤقتةً، تكون كالجسر بينه وبين الشعب العراقي، وتأخذ على عاتقها تعبيد الطريق لإقامة الحكم المقرّر، دون أنْ يمّس جوهر السياسة المرسومة، وتكوّنت حكومةٌ عراقيّةٌ مؤقتةٌ على النحو الآتي: السيد عبد الرحمن النقيب رئيسًا لمجلس الوزراء، وطالب النقيب وزيرًا للداخليّة، وساسون حزقيل وزيرًا للماليّة، ومصطفى الآلوسي وزيرًا للعدليّة، وجعفر العسكري وزيرًا للدفاع، والسيد محمد مهدي بحر العلوم وزيرًا للصحة والمعارف، وعبد اللطيف المنديل وزيرًا للتجارة، والسيد محمد علي فاضل وزيرًا للأوقاف، وعزّت باشا الكركوكي وزيرًا للثقافة.
10. كشفت ثورة العشرين عن صورةٍ من صور حقيقة العقل الجمعي العراقي المعبّر عن هويّته الحضارية الوطنية من جهة، والمؤثّر على الساحة العالمية من جهةٍ ثانية، وهذا أمرٌ مهمٌّ لأنّ بريطانيا قد حكمت الهند على سبيل المثال ردحًا من الزمن، فلم يحصل معهم ما حصل مع النسيج العراقي إلّا بعد الثورة العراقية، عليه فمن الممكن عدّ ثورة العشرين مصدرًا رئيسًا من المصادر التي عزّزت روح
ومفهوم الهوية الوطنية في الشرق الأوسط، وقد حققت نتائج نوعية، كما أعطت أهمّ معيارٍ لمفهوم الشخصية الوطنية، وعلى سبيل المثال فإنّ المنصف حينما يتأمّل في هذه الكلمات الواردة في فتوى الشيخ محمد تقي الشيرازي، التي صدرت منه متزامنةً مع اندلاع ثورة العشرين بمدةٍ قصيرة، والتي قال فيها: «المطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز التوسّل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز من قبول مطالبهم»، إذ نلاحظ أنّه استعمل مفردة العراقيين؛ لأنّه وجدها أفضل مفردةٍ تلائم عقلية الشخصية العراقية، ولم يخاطبهم طائفيًّا أو عرقيًّا.
11. تسبّبت الثورة بتغييرٍ جذريّ لنظرة المسؤولين البريطانيين ممّا جعلهم يعيدون لنظر في حساباتهم الاستراتيجية في العراق على إثر الخسائر الهائلة التي تعرّضوا لها، وواجهوا على إثرها انتقادات الساسة البريطانيين في مجلس العموم البريطاني، حيث صرّح رئيس وزراء بريطانيا بأنّه «لا يريد أنْ يجعل من العراق مقبرةً لجيوش بريطانيا»، فقرر حينها وزير المستعمرات البريطاني، ونستون تشرشل أنّ هناك حاجة إلى إدارة جديدة في العراق ونادى لعقد مؤتمر موسع بالقاهرة، في مارس ١٩٢١م، حيث قرّرت السلطات المحتلة أن تكون سيطرة البريطانيين على العراق من خلال وسائل غير مباشرة، وذلك عن طريق تثبيت مسؤولين سابقين ذوي علاقةٍ ودّيةٍ بالحكومة البريطانية، وبذلك قلّ وبنسبة معتدٍّ بها سقف المطامع البريطانية في العراق.
12. كشفت الثورة عن عقلائية الشخصية العراقية في تحركاتها وبراعتها
في كيفية استثمار الظرف الملائم لكل تحرّكٍ من تحركاتها، ولا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال اختزال ثورة العشرين بأيّ قائدٍ من قادتها، أو أيّ فئةٍ من فئاتها، بل هي ثورةٌ عراقيةٌ شعبيةٌ صرفة، عكست صورةً ناصعة البياض من صور الشخصية العراقية الأصيلة ذات الخزين الحضاري الهائل، كما كشفت الثورة عن حقيقة الصراع الطائفي بأنّه فخٌ من فخاخ الاستعمار البغيض، ونزعة من نزعات الأشرار، وحفرة من حفرهم للإيقاع بين الأخوة في الوطن الواحد؛ ولذا أعرض عنه أبناء الشعب العراقي الغيارى، فمن نتائج هذه الثورة أنّها قد أعادت السؤال عن الهوية العراقية التي أصبحت مطلبًا وجزءًا مهمًّا من الوعي الجمعي العراقي؛ لأنّ خضم أحداث الثورة قد حرّك هذا البعد، وستظلّ الثورة البصمة المؤكّدة على أصالة هذه الهوية.
13. كشفت هذه الثورة أنّ العراقيين في ثورتهم الكبرى هذه لم يقوموا متمردين على النظام أو خارجين على القانون كما توهّم الإنكليز، ولم تكن نهضتهم
المسلّحة ثورةً هوجاء لا تستند إلى عقل، ولا يسيّرها منطق، فقد ثاروا في وجه الظلم والاستبداد، وثاروا على الجور والاستعباد، فكانت شؤون ثورتهم منتظمةً انتظام شؤون الحروب الدولية، وكانت أمورهم العامة مرتبة ترتيب الحكومات الراقية، فقد جُبِيَتِ الضرائب في أيامها، وانتظمت المواصلات في أرجائها، وساد الأمان كافة الطرق المؤدية الى جبهاتها، وتألّفت حكوماتٌ محليةٌ في البلاد التي استولى الثوار عليها، وقامت هيئات علمية تشرف على شؤونها، وتموّن القائمين بها، وتجبي ما يقتضي لها من رسوم، وتوصل الأخبار اللازمة إلى من يهمه الأمر أنّى كانوا وحيثما أرادوا، فقد أنشئ في مدينة النجف الأشرف على سبيل المثال عاصمة الثورة مجلس بلدي قوامه ثمانية أشخاص لكلّ محلةٍ من محلّات المدينة.
واستنادًا إلى ما ذكرناه، يمكن القول بأنّ ثورة العشرين شكّلت نقطة تحوّلٍ أساس في سياسة بريطانيا في الشرق الأوسط، وكانت السبب في تغيير سياستها إزاء العراق وفي قيام الدولة العراقية.
في نهاية رحلتنا البحثية التأريخية القيمة هذه التي أبحرنا فيها نحو الأهداف والأسباب والثمار والنتائج التي أينعت من ثورة العشرين المباركة الخالدة. وجدنا في رحلتنا هذه أنّ من حقّ أيّ شعبٍ أنْ يفخر بماضيه المُشرّف، ويستحضره متى ما كان في استحضاره ضرورة تاريخية لشحذ الهمم واستنهاض العزائم، وتاريخ العراق مليءٌ بالشواهد المضيئة التي غيّرت مسار التاريخ، وصحّحته في كثيرٍ من مفاصله المهمة والمصيرية، ومن هذه المحطات المضيئة التي حاول الكثيرون العمل
على طمسها، أو سلبها من أصحابها وصناعها الحقيقيين، هي الثورة العراقية الكبرى ثورة العشرين التي قام بها أبناء الوسط والجنوب فهي إضاءةٌ مُشرفةٌ في تاريخ العراق الحديث، كان للثوار فيها دورٌ لا يُنكر ولا يمكن نسيانه إذ بالرغم من المفارقة التاريخية الغريبة لهؤلاء الثائرين الأبطال الذين ضحّوا بأرواحهم وممتلكاتهم وواجهوا أعتى وأشرس قوةٍ على الأرض آنذاك من أجل ثوابتهم العَقَدية والوطنية، التي لم تخضع يومًا للمساومات أو توضع في كفة التنازلات، ونيل المكاسب على حسابها، إذ إنّ ثورة العشرين الخالدة التي فجّرها أبناء الشعب العراقي ضدّ أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ وقتذاك نعني بذلك (بريطانيا العظمى).
تعدّ أول ثورةٍ شعبيةٍ ووطنيةٍ في تاريخ العراق الحديث، وقد مثّلت أحداثها مرحلةً مهمةً قائمةً بذاتها كما أنّها مثّلت انطلاقةً لمرحلةٍ جديدة، وفي الوقت نفسه مثّلت منعطفًا تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا مهمًا بالنسبة للشعب العراقي، وبداية لتأسيس الدولة العراقية المعاصرة، ولا نجانب الحقيقة إذا قلنا: لولا ثورة العشرين لما استطاع العراق أن يحصل حتى ولا على شبه استقلال، ولا كان من الممكن أن يدخل عضوًا في عصبة الأمم الى جانب الدول العظمى التي كانت تتمتع بهذه العضوية، فالعراق مدينٌ لثورته الكبرى هذه، وبفضلها أصبح أول دولةٍ عربيةٍ مستقلةٍ، واحتلّ مكانه بين دول العالم، في الوقت الذي لم يكن هناك أيّ بلدٍ عربي يحلم بالاستقلال، كما تكمن أهمية هذه الثورة في تضافر جهود أبناء هذا البلد من علماء ومراجع دين وشيوخ عشائر وفلّاحين وموظفين وكسبة ومن مختلف أطيافه وفئاته للوقوف جنبًا الى جنب ضد المحتل البريطاني، إذ لم يكن الأعداد لثورة العشرين حدثًا طارئًا، وإنّما جاء عن تخطيطٍ مسبقٍ مهّدت له أمورٌ
(362)وأحداثٌ كثيرةٌ كانت بمنزلة مقدمات لها، كما أنّ علماء الدين في النجف الأشرف وعلماء ثورة العشرين في منطقة الفرات الأوسط لم يغفلوا خلال أعدادهم للثورة إخوانهم من شيوخ العشائر العراقية؛ وذلك نتيجة لما لمسوه لديهم من مشاعر وطنيةٍ جيّاشةٍ ورغبةٍ جامحةٍ للتخلّص من الأنظمة الاستبدادية، والتعسّف الشديد من قبل قوات الاحتلال، وتوضّح ذلك أيضًا من خلال تشجيعهم، وحثّهم على المساهمة في الثورة ضد الاحتلال البريطاني في محاولةٍ من قادة الثورة توسيع نطاقها الى أقصى ما يمكن الوصول إليه.
ختامًا وجدنا أنّ ثورة العشرين الخالدة بقيت تلامس الوجدان الشعبي العراقي، وتبعث في نفوس العراقيين الهمم، وتجعلهم ذائبين في المشروع التحرري الرافض لكل أنواع الاحتلال، إذ ارتبطت أهمية ثورة العشرين بالظروف التي أحاطت بها ورافقت اندلاعها، وبالنتائج التي انعكست فيّما بعد على مستقبل العراق دولةً وشعبًا.
1. ممّا وجده البحث أنّ ثورة العشرين تعدّ أول ثورةٍ شعبيةٍ اشتركت فيها كلّ الشرائح الاجتماعية، وأولها العشائر العراقية، كما أنّ هذه الثورة أسّست للحراك الشعبي الفطري الذي يؤمن بالكرامة وبالاستقلال، ودلّت على أنّ المجتمع العشائري الأصيل يستند إلى وطنيّته وأرضه، وأنّ ذلك المجتمع على الرغم من بساطته، فقد كان يجنح إلى قانون وبناء دولة، فضلًا عن أنّ قادة الثورة لم يكن لديهم نفس طائفي، وأنّ هذه الانتفاضة لعشائر العراق في هذه الثورة المباركة، كانت دليلًا على التلاحم الوطني ووحدة أبناء البلد، وهي امتدادٌ
لتاريخ يعيد نفسه في تحقيق الانتصارات على أرض العراق، وطرد الإرهابيين، والانتصار عليهم، كما أنّ وقفة العشائر العراقية المشرّفة تجسّدت في مواقفها الوطنية والتضحيات الكبيرة التي قدّمتها لاحقًا، ففي الزمن الحاضر تصدّت تلك العشائر، وقاتلت من أجل وحدة المجتمع العراقي في كلّ أرض العراق، ومساندتها للحكومة الاتحادية والقوات الأمنية في الجيش والشرطة، وتلبية نداء المرجعية الكريمة للدفاع عن الشرف والكرامة وتحرير الأرض، إذ إنّ العشائر العراقية لبّت نداء المرجعية في أول فتوى ضد الاحتلال البريطاني وللمرة الأولى لتنطلق ثورة العشرين ضدّ الاستعمار البريطاني، ولبّت نداء المرجعية في الفتوى الثانية ضد الإرهاب، وهو دليل على انتمائها وأصالتها.
2. ممّا وجده البحث أنّ الأسباب المحركة للثورة كثيرة وإنْ اختلفت حولها الرؤى والأفكار السياسية، فقد عزاها السياسيون المشاركون فيها من خلال مذكراتهم، أو المؤرّخون والكتّاب أو الصحفيون إلى أسبابٍ عديدةٍ سواء كانت سياسيةً أم اقتصاديةً أم اجتماعيةً أم غير ذلك، ومن تلك الأسباب ما هو خارجي، ومنها ما هو داخلي مرتبط بأوضاع وشؤون العراق، ومن أهم الأسباب لقيام واندلاع الثورة هو دور الموجّهين من رجال الدين ووعاظ وخطباء وشعراء وكتاب ومعلمين وغيرهم، وبخاصة كبار المراجع الدينية، من العهود والوعود التي قطعها الحلفاء للعرب خلال الحرب العالمية الأولى، ممّا أدّى الى ضعف، ثم انعدام الثقة بتلك الوعود، وبالتالي إصدار فتاوى دينيةٍ بوجوب الوحدة الوطنية ومقاومة ومحاربة المحتل.
3. ممّا توصل إليه البحث أنّ هذه الثورة المباركة تعدّ أول ثورةٍ في تاريخ
العراق الحديث؛ إذ شكّلت منعطفًا تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا للشعب العراقي، وكانت البداية لتأسيس الدولة العراقية الحديثة، هذه الأهمية للثورة تنبع من الظروف المحيطة بها، والتي رافقت انطلاقها، والنتائج التي تمخّضت عنها، والتي كان لها أثرٌ كبيرٌ على مستقبل العراق السياسي الحديث، وتنبع أهميتها من أنّها أول ثورةٍ وطنيةٍ ضدّ المحتلّ خاضها الشعب العراقي بكلّ طوائفه، ولا يخفى الدور المرجعي الوطني لعلماء الحوزة العلمية الشريفة في إذكاء الثورة وقيادتها، وما يتّصل بهذا الدور من أحداث ووقائع، إذ إنّ دور المرجعية الشريفة في أطلاق شرارة ثورة العشرين هي حقيقة وطنية وقف فيها الشعب العراقي برمته وبكلّ شرائحه الاجتماعية مهتديًا بالقيادة المرجعية الرشيدة لعلماء الأمة، فكانت ثورةً وطنيةً بامتياز.
4. ممّا وجده البحث أنّ المتتبع لأحداث الثورة العراقية الكبرى وتفاصيلها -كما يرويها الكتّاب الأجانب - يتيقن أنّ ثورة العشرين ورغم سيطرة الإنجليز عليها عسكريًا، نجحت في تحقيق أهدافها التي انطلقت من أجلها، بعكس المفهوم السائد من أنّ الثورة فشلت في تحقيق أهدافها، واستسلام قادتها، وهروب آخرين خارج العراق، كما أنّ هذه الثورة مثّلت بداية لمرحلةٍ جديدةٍ من مراحل النضال الوطني ضدّ الاستعمار البريطاني، لا سيّما أنّ نتائجها أثرت بنحوٍ واضحٍ على الحياة السياسية والفكرية في تاريخ العراق المعاصر.
5. ممّا وجده البحث أنّ ثورة العشرين المباركة تمثّل رمزًا مشرقًا في تاريخ العراق الحديث؛ لأنّها قامت على أساس الوحدة الوطنية للعراق، إذ إنّ بواكير التعبير عن الشعور بالوحدة الوطنية في العراق قد ظهرت بشكلٍ واضحٍ قبل
اندلاع الكفاح المسلح للثورة، وممّا لا يختلف عليه اثنان من العراقيين على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم وتوجهاتهم هو أنّ ثورة العشرين تُعدّ من بين أبرز الأحداث التي شهدتها البلاد في تاريخها الحديث، بل لعلّها مثّلت نقطة التحوّل الكبرى بين مرحلتين أو عهدين، وما ميّزها عن سواها من الوقائع والأحداث التاريخية جملة أمورٍ من أهمّها إنّ كّل مكوّنات المجتمع العراقي وشرائحه اشتركت فيها، من علماء ورجال الدين إلى شيوخ ووجهاء وأبناء العشائر، فضلًا عن النخب الثقافية والاجتماعية، من الشيعة والسنّة، ومن أبناء الوسط والجنوب والفرات الأوسط والشمال.
6. مّما توصل إليه البحث أنّ ثورة العشرين كشفت عن صورةٍ من صور حقيقة العقل الجمعي العراقي المعبّر عن هويّته الحضارية الوطنية من جهة، والمؤثّر على الساحة العالمية من جهةٍ ثانية، فمن الممكن عدّ ثورة العشرين مصدرًا رئيسًا من المصادر التي عزّزت روح ومفهوم الهوية الوطنية.
7. ممّا وجده البحث أنّ ثورة مدينة النجف الأشرف قد غيّرت اتجاه البريطانيين في تعيين الحكّام، فبعدما كانوا يعملون على أساس أنْ يكون جميع الحكّام من الإنجليز كما هو الحال في الهند أصبحوا يعتقدون بضرورة تعيين الحكّام من العرب والعراقيين مع إجراء إصلاحاتٍ إدارية، فضلًا عن تغيير خططهم في أساليب الإدارة، إذ تميّزت هذه الثورة بأنّها أول مواجهةٍ وطنيةٍ ثوريةٍ ضدّ الاحتلال البريطاني، وقد أعقب ثورة النجف تطوّراتٌ سياسيةٌ مهمةٌ على الساحة العراقية تمثّلت بثورة العشرين، وكانت ثورة النجف الأشرف العامل الأساس في تنبيه العراقيين لأعمال الحكومة البريطانية التي جاءت الاستعمار
العراق، فهي تعطي صورةً واضحةً من صور المجتمع النجفي في رفضه للاحتلال والوقوف بوجهه، وتعدّ أوّل ثورةٍ في العراق تُعلن ضد الوجود البريطاني.
8. مما نتج عن البحث أنّ أولوية ما عملت عليه المرجعية الدينية في العراق هي تحرير البلد وحفظ الشعب سواء بالواجب الجهادي الذي ظلّ ملاصقًا لها منذ تأسيس العراق وحتى وقتنا الحاضر، أو شتى الوسائل، إذ شهد العراق أحداثًا عصفت به، بدئًا من عملية احتلاله ودخول القوات الأجنبية إلى أرضه إلى وقتنا الحالي تؤكّد على حرصها الشديد على دماء أبناء العراق، ومحاولة الابتعاد عمّا يؤدي إلى إراقة قطرة دمٍ واحدةٍ من دماء أبنائه، إذ لم يكن الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين الخالدة قائد ثورةٍ فحسب، بل كان قائد دين، وعملاق فكر، ومعلم خير وفضيلة، قضى عمره الشريف في خدمة ومصالح المسلمين، برحابة صدر، وانشراح قلب، إذ كان علمًا من أعلام الاجتهاد والمرجعية في العالم الإسلامي.
1. ينبغي عَدّ القادة الذين كان لهم شرف السبق في هذه الثورة المباركة وإشعال نورها ولا سيّما المرجع الأعلى آية الله الشيخ محمد تقي الشيرازي قدسسره، وبقية العلماء الأعلام والثوار والقادة والأحرار، ينبغي عدّهم رموزًا وطنيةً وقدوةً صالحةً في مجتمعنا الإسلامي لمواقفهم النبيلة والوطنيّة المشرّفة في ثورة العشرين، وتوحيد العراقيين كافة خلف راية العراق الواحد، ومواجهة الاحتلال الأجنبي، وتحقيق الاستقلال الناجز، فهذه الرموز الوطنية سطرّت بدمائها وتضحياتها ملحمة الحرية والسيادة، وأسمعوا المحتلّ البريطاني صوت الرفض العراقي لتواجدهم،
فما أحوجنا اليوم إلى استلهام دروس التاريخ لتعزيز وحدة الشعب العراقي، وضمان حريته، وصون كرامته، والحفاظ على سيادته الوطنية، والتكاتف معًا من أجل عراقٍ حرٍّ ينعم بالتقّدم والازدهار يتمتّع فيه العراقيون – دون تمييزٍ وإقصاء- بحياةٍ حرةٍ وكريمة؛ لذلك ممّا ينبغي من باب الوفاء بحقهم تضمين سيرتهم العلميّة والجهاديّة في المناهج الدراسيّة في وزارتي التربيّة والتعليم العالي والبحث العلمي، ولا سيّما في المواد الدراسيّة التي تعنى بالتربيّة الإسلامية والوطنيّة، إذ إنّ من الأهميّة الالتزام بإرشادات المرجعيّة ونصائحها فهي تُعدّ صمام الأمان، وإرشاداتهم فيها من الحلول المثلى لمشكلات العراق المتوالية وتيسير الإصلاح الحقيقي وإعمار العراق وتقدمه.
2.إنّ دراسة أسباب وأهداف ومجرى وقوى الثورة العراقية الخالدة، مع محاولات الاستفادة من مختلف الدراسات التي صدرت عن الثورة ومن الوثائق التي نشرت حتى الآن عن ثورة العشرين، ستساعد الباحثين بلا شك في صياغة العديد من النتائج، واكتشاف قيمٍ وثمارٍ ورواسخٍ وطنيةٍ ومبادئ ثابتةٍ يتربّى عليها الجيل القادم والناشئة، التي لا يخفى مالها من التأثير على مسيرة حياتهم الوطنية والعلمية والمهنية والمستقبلية.
3.إنّ بلدنا العراق العزيز اليوم بأمس الحاجة لمعاني ثورة العشرين لبناء البلد على الأسس التي رسمها أجدادنا في تعزيز الوحدة الوطنية بين العراقيين؛ لذلك ينبغي دعوة الأحرار والمهتمّين بالشأن السياسي والوطني لإحياء الذكرى الخالدة لهذه الثورة الوطنية القيمة عبر الإخلاص لميراثها ومبادئها التي غرست بذور الاستقلال والوحدة والسيادة والكرامة الوطنية، فلا يجوز التفريط بأيّ ركنٍ أو جزءٍ ممّا تركته لنا هذه الثورة الخالدة التي ترفعت عن كلّ ما يفرق أو يقسّم، والتي
رسمت لنا محاور الوحدة، وأكدت لنا ضرورة الاتفاق على وحدة الهدف والمصير والدم العراقي.
(369)
1. أرنولد ويلسن، الثورة العراقية، ترجمة وتعليق: جعفر الخياط، كاليفورنيا، ١٩٧١.
2. الأسدي، حسن، ثورة النجف على الإنكليز، وزارة الإعلام، بغداد، 1975.
3. آل بازركان، علي، الوقائع الحقيقة في ثورة العشرين، الطبعة الثانية، ١٩٩١، شركة مطبعة الأديب البغدادية.
4. آل طعمة، سلمان هادي، تراث كربلاء، ط3، بيروت، 1983م.
5.، كربلاء في ثورة العشرين، ط1، بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، بيروت،2000م.
6. آل وهاب، عبد الرزاق، كربلاء في التاريخ، مطبعة الشعب- بغداد، ١٩٣٥.
7. البصير، محمد مهدي، تاريخ القضية العراقية، الطبعة الثانية، دار اللام- لندن، ١٩٩٠.
8. الجبوري، كامل سلمان، النجف الأشرف ومقتل الكابتن مارشال، بيروت، دار القارئ للطباعة، 2005.
9. الحبوبي، علي فاروق، محمد سعيد الحبوبي ودوره الفكري والسياسي 1849 - 1915، العتبة العلوية المقدسة، النجف الأشرف،2012م.
10. حسن شبر، تاريخ العراق السياسي المعاصر، التحرك الإسلامي (١٩٠٠- ١٩٥٧)، دار المنتدى، بيروت، ١٩٩٠.
11.الحسني، عبد الرزاق، تاريخ العراق السياسي الحديث، مطبعة العرفان، لبنان، صيدا، ١٩٤٨.
12.ـــــــــــــــــــــ، الثورة العراقية الكبرى، الطبعة الرابعة، دار الكتب- لبنان ١٩٧٨.
13. ـــــــــــــــــــــ، العراق في دوري الاحتلال والانتداب، مطبعة العرفان، صيدا - لبنان، ١٩٣٥.
14. حسين باقر مرزه، الشيخ محمد جواد الجزائري ونشاطه السياسي، بيروت، مؤسسة العارف للمطبوعات،2002.
15.الحكيم، حسن عيسى، المفصّل في تاريخ النجف الأشرف، مطبعة شريعت، قم، 2010.
16. الحلي، يوسف كركوش، تاريخ الحلة، القسم الأول- الحياة السياسية، الطبعة الأولى، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف، ١٩٦٥.
17. حميد أحمد حمدان التميمي وعكاب يوسف الركابي، السيد علوان الياسري- الزعامة العشائرية والعمل الوطني- دراسة في سيرته ومواقفه الوطنية في تاريخ العراق المعاصر، العارف للمطبوعات، بيروت، 2013.
18. الخليلي، جعفر، هكذا عرفتهم، دار التعارف، بغداد، 2004.
19. الدجيلي، جعفر، موسوعة النجف الأشرف، دار الأضواء للطباعة، بيروت، 2000.
20. الدراجي، عبد الرازق، عبد جعفر أبو التمن ودوره في الحركة الوطنيّة في العراق 1908- 1945، ط2، دار الرشيد للنشر، بغداد،1980 م.
21. الزبيدي، حسن لطيف، موسوعة الأحزاب العراقية، العارف للمطبوعات، بيروت، 2007.
22. سميسم، علي، المجاهد الجزائري على صفحات الأدب، النجف الأشرف، د. م، 2008.
23. الشرقي، علي، الأحلام، شركة الطبع والنشر الأهلية، بغداد، ١٩٦٣.
24. الطاهر، عبد الجليل، العشائر العراقية، بيروت، 1972.
25. الطهراني، آغا بزرك، طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر في القرن الرابع عشر، النجف،1954م.
26. العزاوي، عباس، عشائر العراق، بيروت، مكتبة الحضارات، د. ت.
27. العلوي، حسن، الشيعة والدولة القومية في العراق (1914- 1990)، مطبعة قلم، قم، 1990.
28. علي بابا خان، دور النجف في الثورة العراقية الكبرى، لندن، مركز كربلاء للبحوث والدراسات،1999.
29. علي عبد شناوة، محمد رضا الشبيبي ودوره السياسي والفكري حتى العام 1965، بيت الحكمة، بغداد، 2003م.
30. العنبكي، قحطان حميد كاظم، تاريخ العراق السياسي المعاصر 1914- 1968، المطبعة المركزيّة، جامعة ديالى، 2016.
31.الفرعون، فريق مزهر، الحقائق الناصعة في الثورة العراقية سنة ١٩٢٠ ونتائجها، الطبعة الثانية، مؤسسة البلاغ، بيروت، ١٩٩٥.
32. الفياض، عبد ﷲ، الثورة العراقية الكبرى، ط1، مطبعة الإرشاد، بغداد، ١٩٦٣.
33. كبة، محمد مهدي، مذكراتي في صميم الأحداث 1918- 1958، ط1، منشورات دار الطليعة، بيروت، 1965م.
34.كمال الدين، محمد علي، ثورة العشرين في ذكارها الخمسين- معلومات ومشاهدات من الثورة العراقية لسنة ١٩٢٠، مطبعة التضامن، النجف، ١٩٧١.
35. محبوبه، جعفر باقر، ماضي النجف وحاضرها، ط2، دار الأضواء، بيروت، 2009.
36. المس بيل، العراق في رسائل المس بيل، ترجمة: جعفر الخياط، دار الحرية للطباعة، بغداد، ١٩٧٧.
37. المظفر، كاظم، ثورة العراق التحرريّة عام 1920، مطبعة الآداب، النجف، 1969م.
38. المفرجي، عدي حاتم، النجف الأشرف وحركة التيار الإصلاحي (1908- 1932) المواهب للطباعة، بيروت، 2005.
39. الوردي، علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، مطبعة المعارف، بغداد،1977.
70. وميض جمال عمر نظمي، ثورة ١٩٢٠، الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية (الاستقلالية) في العراق، ط2، بغداد، ١٩٨٥.
41. الياسري، عبد الشهيد، البطولة في ثورة العشرين، مطبعة النعمان، النجف، ١٩٦٦.
البطيحي، هدى جاسم محمد، السيد محمد سعيد الحبوبي حياته وشعره، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1996م.
علاء عباس نعمة، محمد تقي الشيرازي الحائري ودوره السياسي في مرحلة الاحتلال البريطاني للعراق (1918 - 1920) رسالة ماجستير، كليّة التربيّة/ جامعة بابل، 2005م.
المطوكي، أحمد خزن حمود، الرفاعي في العهد الملكي (1921 - 1985) دراسة تأريخية، رسالة
ماجستير غير منشورة، جامعة ذي قار - كلية الآداب، 2021.
45. المكصوصي، شيماء طالب عبد الله، المنتفق دراسة تاريخية سياسية (1921 - 1939) رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة المستنصرية - كلية التربية، 1998.
46.جريدة الوطن، الى روح العلامة الكبير البطل الثائر المرحوم محمد تقي الحائري(بحث)، العدد السادس عشر، السنة الأولى، بغداد، 28/ 6/1966م.
47. بحر العلوم، السيد محمد صادق، دور النجف في الثورة العراقيّة الكبرى عام 1920 والانتفاضات الوطنيّة الأخرى، الموقع الإلكتروني: https://www.haydarya.com
48. الجزائري، محمد جواد جاسم، الشيخ محمد جواد الجزائري وأثره في ثورة النجف عام 1918 دراسة في الوثائق البريطانيّة، جامعة الكوفة/كليّة الآداب.، الموقع الإلكتروني: http://arts.uokufa.edu.iq
49. حمد جاسم محمد، المرجعيّة الدينيّة والثورات في العراق، ثورة العشرين نموذجا، مركز الفرات للتنميّة والدراسات الإستراتيجية: www.fcdrs.com
50. دور المرجعيّة الدينيّة في ثورة العشرين، الموقع الإلكتروني لوكالة يقين للأنباء بتاريخ30 حزيران 2017م https://yaqein.net/reports
51. الغانمي، باسم أحمد هاشم، دور رجال الدين الشيعة - في الأحداث السياسيّة العراقية (1900-1920) الحلقة الأولى، على الرابط: الموقع: http://fcdrs.com
52. محمد علي جواد تقي، محمد تقي الشيرازي القيادة المرجعية للثورة، مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث، منشور بتاريخ 28 أيلول 2015م على الموقع الإلكتروني: http://shrsc.com
محمد عبد الرحمن عريف
أحاول في هذه الدراسة عرض بعض ما بدأَت به بريطانيا من محاولة لضمِّ العراق لمشروعها في الهند، ودور الكوفة في مقاومة هذا المشروع، متمثّلًا في دور ثوّار الكوفة ودعمهم لثورة العشرين وتمَّ اختيار (مؤتمر الكوفة نموذجًا لهذا الدور).
أحاول كذلك أنْ أعرِّج على بعض جذور تلك المطامع والمصالح في العراق وأهميّة تحققها، وذلك عندما بدأت القيادة العسكريّة البريطانيّة بوضع الخطط العسكريّة لاحتلال جنوب العراق عن طريق الخليج، بعد أن شكّلت حكومة الهند لجنة رباعيّة عام 1911م، جاء في تقريرها في كانون الثاني/يناير 1912م، على ضرورة احتلال العراق، من خلال تنشيط القناصل البريطانيين في بغداد والبصرة والموصل على إعداد المعلومات العسكريّة والاقتصاديّة عن الجيش العثماني وتسليحه وتوزيعه، ووضع الخرائط العامة عن العراق ولا سيّما التوزيع العشائري.
قاومت السلطة المحلية العثمانيّة الاحتلال البريطاني، وأيّدها رجال الدين العراقيين في إصدار فتاوى (مقاتلة الكفار) التي اتخذت اشكالًا متباينةً في الردّ
على الاحتلال، إذ هبّ آلاف العراقيين من عرب وأكراد بقيادة رجال الدين في النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة لوقف الزحف البريطاني على مدن العراق أبرزها موقعة (الشعيبة) في نيسان/ أبريل 1915م، التي تصدَّر المشهد الحربي فيها علماء الدين ومراجع التقليد في الفرات الأوسط فضلًا عن جهود القيادات العشائريّة في المناطق الأخرى، ونددت الجرائد العراقيّة بالاحتلال ودعت المواطنين إلى القتال والتصدّي له بكلّ السبل المتاحة.
الكلمات المفتاحيّة: الكوفة، ثورة العشرين، الاحتلال البريطاني، النجف.
لقد كانت خطّة بريطانيا في العراق الاكتفاء باحتلال ولاية البصرة فقط، ولكن نجاح قوّاتها في احتلال البصرة جعلها تُغيّر خطّتها والتقدم لاحتلال بغداد وفقًا لاعتبارات سياسيّة وجدت فيها تهدئة الحالة في إيران، وإبعاد العثمانيين عن التجمّع العسكري في العراق الذي سيؤثّر مستقبلًا على المحتلّين البريطانيين، فضلًا عن تقوية مركز بريطانيا في الهند من خلال صعوبة اتصال العثمانيّين بأفغانستان وتحريض قبائلها الحدوديّة مع الهند على الثورة ضدّها.
كان واضحًا من السياسة الدوليّة أنّ بريطانيا رسمت لوجودها في العراق ما يضمن بقاءها طويلًا، فعزمت على تهدئة الحال، ووجدت من الأفضل لها كسب ودّ الدول المتحالفة معها في منطقة الشرق الأوسط، فأصدرت وفرنسا تصريحًا في تشرين الثاني/نوفمبر 1918م، خففت فيه من قيودهما على العرب أيام الحرب العالميّة الأولى، وسمحتا بعودة العراقيين إلى بلادهم، وأمَّلتهم على توفير الأمن وفرض النظام والارتقاء ببلادهم خيرًا، وتأسيس حكومةٍ وإدارةٍ
وطنيّةٍ تستمدّ سلطتها من رغبة السكّان الوطنيين، وإعادة القوميّة العراقيّة إلى الحياة، وأنّ غايتهما في العراق وسوريا، الاعتراف بهذه الأقطار بمجرد تأسيس حكومات تأسيسًا فعليًّا. وأن تساعدا على تعميم التعليم والتهذيب وأن تضعا حدًّا للتفرقة التي طالما توخَّاها الأتراك في سياستهم.
ليس احتلال بريطانيا للعراق في أثناء الحرب العالمية الأولى، وليد سياسةٍ آنيّةٍ أوحى بها إشراك الدولة العثمانيّة بالحرب، وإنّما استجابة لمطامع بريطانيّةٍ قديمةٍ بأرض العراق، لأهميّة موقعه الجغرافي ذي الصلة الوثيقة بين ما يجري في شبه القارة الهنديّة ومسارها في الخليج ، فضلًا عن وجود النفط الباعث الأساس الآخر لاتجاه بريطانيا نحو العراق، ولضمان نجاح سياستها على أساس الأسواق الجديدة والمواد الخام فيه، وما أن فكّرت أنّ سياستها ستصطدم بوابل مقاومة القبائل العربيّة الخليجيّة المعارضة لها، حتى أقامت مركزًا تجاريًا لها في البصرة، وعزّزت ذلك بنشاط علاقتها بالدولة العثمانيّة، من خلال بعثة (جسني) لمعرفة صلاحية النقل في نهري دجلة والفرات ومسحهما لأغراض الملاحة ظاهرًا ولأغراض سياسيّةٍ عسكريّةٍ باطنًا، من خلال بسط نفوذها على العراق تمهيدًا لما يتيسّر لها عملها فيه في المستقبل، ساعدتها على ذلك الإرساليّات البريطانيّة الطبيّة والتبشيريّة وفتح دوائر البريد البريطانيّة في بغداد والبصرة.
إنّ السمة الغالبة على الأفكار والخطط والمشاريع للاحتلال البريطاني في العراق أيًّا كانت الجهة التي صدرت عنها الرسميّة فيها أو قرارات القادة
العسكريين هي تحقيق المصلحة البريطانيّة قبل كلّ شيء، فعملت على إصدار القوانين التي تتطلبها الأوضاع المحلّية التي تبنتها اللجان العسكريّة البريطانيّة، يجاريها فيما تصبو إليه بعض شيوخ القبائل في المحكومين بأعرافهم العشائريّة، ثم رسمت سياستها المستقلّة فيما تراه ممكنًا على نظامٍ سياسي هيكلي كليّ للدولة في أنظمةٍ جزئيّةٍ ذات وظائف متخصّصةٍ كالسلّطات التشريعيّة، والتنفيذيّة، والقضائيّة، مبتغية بذلك تحقيق مآربها الاستعماريّة بصورةٍ مماثلةٍ لمحيطها الدولي نظريًّا، اختلفت فيه عن الواقع الفعلي، التي أغاضت العراقيين عندما علموا أنّ بريطانيا أنكرت وعودها وقراراتها لحماية أمن العراق والالتزام بصون الكرامة واحترام العراقيّين، وعملت على إساءة معاملتهم في وطنهم وعظّمت المكانة الاجتماعيّة لعشائر العراق محاولةً منها لفصلها عن الكيان المدني واستخدامهم كسلاحٍ قوي مع المتغيرات الجديدة، الأمر الذي ولّد جراحاتٍ بليغةً ومؤلمةً على المستويات السياسيّة والاجتماعيّة نتج عنها قيام التمردات والثورات.
لقد شخّصت مظاهر السياسة البريطانيّة في منطقة الفرات الأوسط خاصّة، ما خفي منها في دراسة الوثائق البريطانيّة السريّة وما نشر وقتها في الكتب والصحف المحلّيّة، التي أظهرت واقع العراق السياسي والاجتماعي وما نتج عنها في قيام الثورات والانتفاضات المحلّيّة في معظم مناطق العراق وبالأخص مدن الفرات الأوسط وعشائرها وبتوجيهٍ مباشرٍ من المرجعيّات الدينيّة التي كانت رافضةً لسياسة المحتل البريطاني، حتى رضخت حكومة الاحتلال لمطاليب الثوار وأجبرتها على تغيير سياستها في تشكيل الحكومة العراقيّة المؤقّتة
في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1920م، ورسمت لكلّ ما سيحدث لها سياسيًّا باختيارها وقبولها لميلاد المملكة العراقيّة في 23 آب 1921م.
برزت أهميّة موقع العراق في نظر السياسة البريطانيّة مع ازدياد أهميّة منطقة الخليج دوليًّا، وتصاعد الصراعات السياسيّة والاقتصاديّة العالميّة فيها، ولا سيّما أنّ بريطانيا توسّعت تجارتها في منتصف القرن التاسع عشر، وأصبح بوسع المقيم البريطاني في العراق أنْ يحقّق مساعي دولته وطموحاتها بكلمةٍ منه إلى الحكّام العثمانيين في إسطنبول، والتي لم يفتأ بعض زعماء العشائر العراقيّة يطلبون الحماية أو العون من المقيم في التأثير بالولاة العثمانيين أحيانًا.
رسمت بريطانيا طريقًا بريًّا بامتداد نهرَيْ دجلة والفرات، وسيرت باخرتين فيهما، لمعرفة صلاحية النهرين للملاحة، بعد أنْ تخلّت عن مشروع (بالمرستون) في مدّ خطٍّ حديديّ عبر وادي الرافدين عام 1857م، وقد شجّع ذلك الألمان في وضع خطّةٍ لإقامة سكة حديد ترمي الوصول بها إلى بغداد والخليج ، ثم إيجاد قاعدةٍ بحريّةٍ على الخليج، فضلًا عن تغلغلها في الدولة العثمانيّة باعتقادها أنّ العراق رأس جسر سهل المنال لاقتحام الهند؛ لذلك أصبحت سياسة الألمان تشكّل خطرًا على المصالح البريطانيّة في الهند، الأمر الذي حفَّز بريطانيا على سرعة الاندفاع العسكري نحو الشرق الأوسط والعمل على توطيد العلاقات الجيّدة مع دول الخليج وعقد المعاهدات، وقد وجدت هذه الدول فيها صيانةً
لمركزها ضدّ السلطان العثماني والشاه الإيراني على حدٍّ سواء، فضلًا عن بعث بريطانيا إلى العراق دوائر مخابراتها العسكريّة والسياسيّة، عملاء بصفة سائحين ومبشِّرين وآثاريين، لتحصل على معلوماتٍ أدقّ عن العراق من النواحي السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة.
وشيئًا فشيئًا حصل البريطانيون على النفوذ التام في العراق وهابهم الولاة العثمانيّون وأصبحوا ذوي سطوةٍ عالية، وفي الأكثر أداروا وكالات قنصليّات الدول الأخرى في العراق، ولهم ثلاث قنصليّات؛ واحدة في البصرة، وأخرى في بغداد، وثالثة في الموصل، يديرها وكيلٌ سياسيّ، ثم مقيم، وكانت وظيفتا القنصل والمنقّب الأثري تتحدّان في شخصٍ واحد، وكان تحت تصرّف القنصل باخرة تلازمه في أعماله على الدوام.
تمتّع الوكلاء البريطانيّون بحريَّة التنقل في العراق، وحصلوا على امتيازاتٍ كثيرةٍ في الملاحة النهريّة ودوائر البريد الهنديّة، وأصبحت منزلتهم نافذةً ومحترمةً في الأوساط السياسيّة والاجتماعيّة العراقيّة، واستفاد منهم بعض شيوخ العشائر والتجّار، وبذلك حصلت بريطانيا على القسط الأوفر في التجارة بين الشعوب الأوروبيّة في العراق.
وقد رسخّت بريطانيا دوافعها وغاياتها السياسيّة في العراق بوساطة التستّر بإقامة المشاريع الاقتصاديّة وطرح شعارات المصلحة العامّة ومنفعة العراق بإطلاق عناوين التمجيد للعراقيين وخدمة الإنسانيّة، ومحاولات إعادة تذكير العراقيين بماضي بلادهم المجيد وتراث إمبراطوريّة العرب المسلمين فيها، وتبرير
ما قد تقتضيه المشاريع التي سيحققونها من نفقات تضهد خزينة الدولة لإتمام ضبط فيضان نهري دجلة والفرات وإنشاء السدود لمصالح الزراعة، وتنفيذ المشاريع العمرانيّة والصناعيّة، التي من شأنها تنمية الرغبة البريطانيّة في وضع قدمها في العراق، وعلى ذلك سعى البريطانيون إلى إقامة صداقاتٍ حميمةٍ وكثيرة مع العراقيين.
سعت بريطانيا بوساطة شركاتها (لنج، والشركة العثمانيّة للملاحة النهريّة) التدخّل بدبلوماسيّةٍ عاليةٍ في أوساط الحكومة العثمانيّة للحصول على امتيازاتٍ اقتصاديّةٍ كبيرةٍ في ولاياتها ولاسيّما في العراق، منافسين في ذلك الدبلوماسيّة الألمانيّة الناجحة في العلاقات التجاريّة والاقتصاديّة مع العثمانيين، وبحنكة الوكيل البريطاني (كلوديوس ريج) دخل العراق حظيرة النفوذ البريطاني، وتمكّن من السيطرة على الجهاز الحكومي وأن يكون مهيبًا وفي موقع الصدارة والكلمة النافذة في بغداد، وقد سارت العلاقات البريطانيّة العراقيّة من بعده بالشكل الذي حقّق المصالح البريطانيّة في العراق، وكادت الشركات البريطانيّة أنْ تحصل على استغلال المناطق النفطية في الدولة العثمانيّة، إلّا أنّ إصدار السلطان عبد الحميد الثاني (1876 1909م) فرمانًا يقضي بنقل ملكيّة الأراضي النفطيّة في العراق من الخزينة الخاصّة إلى أملاك الدولة، خيّب آمال البريطانيين في عقد ذلك الاتفاق.
وفي وسط تلك التحدّيات الكبرى تجسّد موقف العراقيين الرافض للاحتلال ونظامه الجديد في محاولته تطبيق أسس سياسته في الهند إلى مواقف ثوريّةٍ شديدةٍ؛ فقد التزم الأهالي بفتاوى رجال الدين في البلاد الذي رسَّخت في أذهانهم على أنّ من يعمل مع البريطانيين يعدّ كافرًا، وصاروا يلعنوهم في الشوارع والمقاهي، وكثيرًا ما تحوّل موقف الناس إلى مجابهةٍ مسلّحةٍ منتظمة، ففي مدينة النجف الأشرف قادت (جمعية النهضة الإسلاميّة) السريّة الثورة الشعبيّة ضدّ الاحتلال، التي كان لها وقعٌ كبيرٌ على العشائر في تهيأة وتنظيم القتال في المنطقة.
تفجّرت انتفاضاتٌ شعبيّةٌ ضد البريطانيين في المناطق الكرديّة كلّفتهم خسائر كبيرةً ولا سيّما في السليمانيّة، التي سرعان ما أفصحت بريطانيا بعد أنْ لمست خطورتها على أمن المنطقة وعرقلة سياستهم فيها عن سياستها الجديدة في المنطقة من خلال إخبار الأكراد مضامين كتاب وكيل الحاكم الملكي العامّ الذي نصَّ على ما يأتي: (خوّلتني حكومة صاحب الجلالة أنْ أطمئنكم شخصيًّا بأنّها لا تنوي انتهاج سياسةٍ انتقاميّةٍ نحو الأكراد عن الأعمال التي ارتكبت خلال الحرب، لكنّها مستعدةٌ لمنح العفو العامّ عن الجميع... وترغب حكومة صاحب الجلالة أنْ أطمئنكم بأنّ المصالح الكرديّة سوف لا يُغضّ النظر عنها في مؤتمر الصلح)، والتي لم تضمن للأكراد فيما بعد الوفاء بوعدها وتنفيذ مقرراتها، وسايرت سياسة تركيا في مخطّطاتها تجاههم في سياسة الصهر العنصري والقمع الدموي، وفي كربلاء المقدّسة وبابل وبغداد وغيرها من المدن عقدت الاجتماعات والندوات
التي كان لرجال الدين قصب السبق في قيادتها؛ إذ طالبوا بتشكيل حكومةٍ عراقيّةٍ مستقلةٍ، وإنهاء الاحتلال، وردًا على تلك التحدّيات ألقت القوات البريطانيّة القبض على بعض رجالاتها ونفتهم إلى جزيرة هنجام.
ترك الاحتلال البريطاني بصماته على المجتمع العراقي من الأوجه جميعًا، على أساس (فرّقْ تَسدْ) القائمة على تعزيز ربطه بأسواقها الخاصّة والأسواق الرأسماليّة عامة، من خلال الاعتماد المباشر في أقلّ عددٍ ممكنٍ من رؤساء ومتنفذي العشائر العراقيّة، وأقاموا علاقاتٍ معهم منذ الاحتلال في تركيز القوة الاقتصاديّة (الأرض) والسلطة (الإداريّة) بأيدي الشيوخ.
رأى العراقيّون في الاحتلال البريطاني الغلاء غير المعهود، إذ ارتفع سعر خبزه اليومي خلال سنوات قليلة بمقدار 1.5: 2.5 مرة، والشاي بمقدار ثلاث مرات والسكر بمقدار خمس مرات، وكثيرًا ما أصبحت هذه المواد توزع بالبطاقات.
إزاء ذلك قامت السياسة البريطانيّة على ستر سياستها في إشغال مسؤوليها العاملين في العراق ممّن يفتقرون إلى الخبرة الإداريّة والحنكة السياسيّة والجهل بطبيعة المجتمع العراقي، في أنّ العراقيين غير قادرين على الإدارة بنفسهم، وصار
الموظّفون الأجانب الجدد صارمين في تطبيق الأنظمة والقوانين لا يراعون فيها أحدًا، وكثيرًا ما كانوا يعاملون الناس بعدم الاحترام، على النحو الذي اعتادوا عليه في الهند بغض النظر عن الفرق بين الشخصيّة العراقيّة والشخصيّة الهنديّة، وتحفظت السلطة البريطانيّة على عودة الضبّاط العراقيين من سوريا وتركيا الذين كانوا يؤلّفون نخبة المثقّفين العراقيين آنذاك، قد جعلها هذا الأمر في مأزقٍ سياسيّ واجتماعيّ عندما عزمت على ترشيح الأمير (فيصل) ملكًا على العراق والقبول بشروطه في إدارة الدولة الجديدة، عززه الترحيب الشعبي الكبير بالأمير (فيصل) في معظم مدن العراق.
قلَّد الحكّام البريطانيون أناسًا عوامًا ومنبوذين في المجتمع بعض المناصب الإداريّة، وفي أمور الشرطة ألبستهم سراويل قصيرةً لم يألفها العراقيّون من قبل، وأقامتهم في الشوارع والأزقة، وفرضت على المارة أنْ يسيروا في الجهة اليسرى من الشارع، ومن خالف تلك الأوامر وسلك الجهة اليمنى ولو سهوًا كان يتعرض للإهانة أو يضربه بالسوط جنود الانضباط العسكري، الأمر الذي أزعج الفئات الاجتماعيّة وولّد عندها الاستياء والكره في التعامل أو إنجاز متطلبات الإدارة الناجحة، فضلًا عن سماع الحكام البريطانيين شكاوى الفلاحين من دون الأخذ ببراهين المالكين، ممّا أدى إلى التقليل من مكانتهم في المجتمع وأصبحت طبقتهم مستاءةً من الحكومة، فانضموا إلى التجمّعات والتنظيمات السياسيّة
والسريّة ذات الأهميّة بين الفئات الاجتماعيّة والدينيّة المشتركة.
لقد سار الحكّام البريطانيون على أسلوب هدر كرامات الناس عبر الضرب والإهانة والزجر، وعلى طريقة ما نقلته قصص ألف ليلة وليلة في خروج الملوك، فيتقدم الشرطي أو العسكري بيده عصا وبخطوات سريعة يصرخ بأعلى صوته (قوموا... قوموا) على الجالسين في المقاهي والراجلين في الشوارع ليُحيُّوا الضابط البريطاني المار في منطقتهم، الذي يقوم بدوره بتحية الواقفين بابتسامةٍ ساخرةٍ واستخفافٍ مقيت، ومن لم ينتبه له لانشغاله بحديث مع زميله أو بابتياع حاجة انهالت عليه السياط، من ذلك مثّل سلوك حاكم النجف الأشرف الكابتن (كرين هاوسF. S. Greenhouse)، القسوة والألم والإهانة المنصبة على مجتمع المدينة من خلال إساءته عند السير في الشارع، وهو يدفع أمامه من يستعمل السوط ليضرب به الناس لفسح الطريق أمامه.
كما أجبرت شرطة الإدارة البريطانيّة شيوخ القبائل من العراقيين على النزول من ظهور خيولهم عند دخول المدينة من مسافاتٍ بعيدةٍ، فضلًا عن إصدارهم الأوامر المهينة والمخجلة بإبقائهم واقفين مدةً طويلةً تحت الشمس الحارقة، وإجبارهم بالعمل على جمع فضلات الخيل وإفرازاتها (الروث) إمعانًا منهم بالتنكيل والإهانة، ومن كان منهم يخالف نظام السير في شوارع المدينة وفي الجسر بركوب الحيوانات (الحمير، الخيل والإبل) كان يُعاقب بالضرب المبرح
بعصا غليظة، ففي مدينة الديوانية وهي مدينة عشائرية أمر (الميجر ديلي) أنْ يترجل الخيَّال عن ظهر حصانه قبل وصوله إلى البلدة بخمسمائة متر، ويخلع عقاله، ويسير مشيًا على الأقدام.
أمّا محاكمهم فكانت شاذةً ومنافيةً لأبسط قواعد العدل، فيخبر الحاكم السياسي في الديوانية المتنازعين أنّه سيرمي العملة النقدية المعدنية على الأرض، فإنْ كان وجهها الأعلى صورة (طره) فسيحكم لصالح فلان، وإنْ كان كتابة (كتبة) فسيحكم لخصمه، وانطوت تلك الأعمال على الاستخفاف بعقول الناس وإذلالهم؛ إذ كانت تلك المحاكمات أشد وطأة من سلوك الولاة العثمانيين.
اتّخذت حكومة الاحتلال اجراءاتٍ صارمةً ضد ّ(الأشقياء) وحملة السلاح، فقد حكمت على من يلقى القبض عليه ليلًا وهو حامل سلاحه بالإعدام، وشاهد المواطنون صباح كلّ يومٍ جثثًا معلّقةً على المشانق، فولّدت تلك السياسة ذعرًا بين الناس، وعزموا على التخلّص من أسلحتهم برميها في الأنهر والآبار، أو بدفنها تحت الأرض، وشاع بين الناس أنّ المحتليّن جلبوا معهم القطط القادرة على كشف السلاح المخبوء في البيوت عن طريق الشم.
ركّزت السياسة البريطانيّة على تقويه مقوّمات الإقطاع وترسيخ دعائمه وتنظيم أسسه قانونيًّا من أجل تكوين قاعدةً اجتماعيّةً مضمونةً يمكن الاعتماد والركون إليها في الحكم، وبذلك عملت على إصدار (قانون دعاوى العشائر
المدنية والجزائية) المستمد من النظام الهندي، من خلال الاعتماد على أقلّ عددٍ من أبرز متنفذي الريف، وذلك من خلال تركيز السلطة السياسيّة والإداريّة في أيدي الشيوخ المتعاونين مع سلطات الاحتلال، وبموجب ذلك القانون فصل المجتمع العشائري قانونًا عن المحاكم المدنية، حيث سمحوا بالعمل بالفصل في أمور العدالة بين رجال العشائر، واحتوى القانون على موادّ عقابيّةٍ لم يألفها الناس حتى قبل الإسلام، فقد عرضت المنازعات على محاكم عشائريّة لتحقيق الرضا من خلال دفع دية الدم إلى أهل القتيل أو فصل الاعتداءات بمبالغ يحدّدها المجلس العشائري بحضور الضابط السياسي البريطاني؛ ليكون لحكومة الاحتلال نصيبٌ إيرادي من المبلغ المدفوع لإذلال الشعب العراقي وتمزيق وحدته الاجتماعيّة وحتى الدينيّة.
ونتيجة للموقف المقاوم لمنطقة الفرات الأوسط للسياسة البريطانيّة سار الاحتلال في تلك المنطقة بسياسةٍ خاصّةٍ تمثّلت باختيار بعض الشيوخ الموالين لها دون مراعاة للقواعد المتعارف عليها في وراثة المشيخة، من أن الرئاسة العامة في العشيرة الكبيرة تنحصر حسب العرف العشائري في سلالة الرئيس الأكبر دون أخوته أو أبنائه، لكن الإنكليز اختاروا لرئاسة العشيرة ممّن أبدى لها الصداقة والولاء، أو كانت له صلةٌ سابقةٌ بهم في العهد العثماني بغضّ النظر عن مقامه الحقيقي في عشيرته، وكان لتلك السياسة أثر كبير في اندلاع ثورة العشرين وبروز بعض المواقف المؤيّدة للمحتل البريطاني، فيما شكلت المعارضه الغالبيّة
العظمى لتلك السياسة الهوجاء.
مارست حكومة الاحتلال أساليب أخرى منها سياسة التحبب إلى السكان، وأظهرت تلك السياسة في مدينة بغداد بصورة خاصة في محاولة لدحض الدعاية العثمانيّة ضدهم، فصاروا يظهرون الاحترام للمساجد والمراقد المقدسة، وسمحوا بإقامة الشعائر الدينيّة المختلفة، وزاروا رجال الدين في بيوتهم لكسب ودِّهم معلنين حبهم للإسلام وخدمتهم لرجاله، وبالمقابل نكلت بقياداتهم الدينيّة التي وقفت أمام تطلعاتهم في السيطرة على مقدرات البلاد من خلال الفتاوى التي نبّهت الأهالي إلى خطورة السياسات الاستعماريّة على مستقبل العراق وأهله.
إنّ هذه السياسة التي اتبعتها القوات المحتلة أجّجت من خلالها الطائفيّة المقيتة بين أبناء البلد الواحد في سعيٍ من سلطة الاحتلال لتمزيق وحدة المجتمع العراقي وممارسة سياسة التنكيل بقياداته الدينيّة من خلال كيل الاتّهامات السياسية لهم، أو عدّهم من المحرّضين على إثارة الفتن، وتهويل تلك الأمور في أيام المناسبات الدينيّة المختلفة؛ ليكون تأثيرها ووقعها أكبر في النفوس من أجل بثّ الفرقة بين مكونات أبناء الشعب العراقي.
لقد أشاع المحتلّ البريطاني النعرات الدينيّة والمذهبيّة بأسلوبٍ مقيتٍ في أكثر مدن العراق، حيث أشار التقرير الإداري البريطاني لشهر تشرين الأول 1918م، إلى أنّ الإدارة البريطانيّة تعتزم تعيين قاضٍ سُنّي في مدينة النجف الأشرف، فضلًا عن إصدار تعليماتٍ تجبر العمال العاملين عندها على ارتداء ثيابٍ بحسب انتمائهم
القومي والطائفي، فالعمال السُنّة يرتدون كوفيّةً حمراء وعقالًا أسود، ويرتدي إخوانهم من الشيعة كوفيةً زرقاء وعقالًا أبيض، وربط فئة المسيحيين الدينيّة بوشائج قويةٍ مستغلّين بذلك ما خلّفته مظاهر السياسة العثمانيّة في المجتمع؛ لتمزيق لحمة الشعب العراقي، وإضعافه من خلال تلك السياسة، والواضح أنّ سياستها في إظهار الطائفيّة ستعود عليها بالنفع السياسي الذي ستجده في تعلّق المسيحيين واليهود بحكمها، فضلًا عن تهيئة ورقةٍ رابحةٍ لديها عن طريق بثّ كوامن الفرقة والحقد بين أبناء المذاهب الإسلاميّة، وأصبحت هذه السياسة ورقةً رابحةً تبرزها متى جاءت الحاجة إليها للضغط على المذهبين بوسائل تصطنعها، وكان أبرز أعمالها لإثارة أبناء الطائفة الشيعيّة استحواذ السلطات البريطانيّة على أوقاف الشيعة والإشراف عليها بشكلٍ مباشر.
أجّجت السلّطة البريطانيّة المشاعر العربيّة للمواطنين في زرع النزاعات القوميّة والدينيّة والقبليّة وعمدت إلى إهانة السكّان من كبار السن والأطفال من العرب والأكراد على حدّ سواء، ولم يتورع ضبّاطها في الكف عن ذلك، وحطّم جنودها التراث الآثاري والحضاري في بعض المدن العراقيّة القديمة، وعزمت في شمال العراق على كسب الآشوريين الهاربين من زعمائهم في مدينة عقرة، وأسكنتهم قرب مدينة بعقوبة، والقسم الآخر حلُّوا في بعض المناطق الكردية من أراضي الفلاحين الأكراد التي طردتهم منها، وتعدّ هذه القضية من أوائل قضايا التغيير (الديمغرافي) العرقي والقومي للسكّان، الأمر الذي زاد
في حدة النزاع بين الأكراد و الآشوريين، كما استخدم الجيش البريطاني فوجين من الآشوريين المدربّين في بعقوبة لإخضاع مناطق (العماديّة والكويان وبرواري السفلى والعليا)، وركّزت السلطة البريطانيّة على زرع الشّقاق بين القوميّات والقبائل والأديان المختلفة، عندما دمجت منطقة الأيزيدين بمنطقة جبل سنجار إداريًّا، لتدب النزاع المستحكم بينهما، مبتغيةً بذلك استمرار أعمال العنف والقتال بين المنطقتين، وإبعادهما عن مقاتلتها، ثم تثبيت سياستها عليهما باسم الحفاظ على أمن المنطقتين.
عزمت السلطة البريطانيّة على تمزيق أواصر العلاقات الاجتماعيّة العشائريّة فيما بين أبناء العشائر مما أدى إلى أنْ تدبّ بينهم الحزازات والأحقاد، الأمر الذي وصل في نهاية المطاف إلى حدّ الاقتتال بين تلك العشائر، فقد أقدمت قبيلة عنزة برئيسها (فهد بن هذال) الموالي لبريطانيا على مهاجمة مضارب عشيرة (عطية أبو كلل) قرب السماوة المتهم بقتل القائد البريطاني (مارشال) في النجف الأشرف، الأمر الذي أجبره على تسليم نفسه للسلطات البريطانيّة قبل نهاية نيسان عام 1918م، ولم تفلح السلطة البريطانيّة في تمزيق شمل عائلة (آل كمونة) المتنفذة في كربلاء المقدسة وتأجيج خلافاتها مع أسرة (آل العواد)، فضلًا عن اعتقال كبيرها (فخري كمونة) من لدن السير (بيرسي كوكس) الحاكم الملكي العام، وتهديد شقيقه (محمد علي) بالإقامة في بغداد؛ ليبقى تحت أنظار السلطة البريطانيّة، وقد
انتهت سيادتهما ومكانتهما في كربلاء المقدسة بنفيهما إلى الهند عام 1917م.
صادرت قوات الاحتلال مطبعة الولاية، عند دخولها مدينة البصرة ورأت أنْ تستخدمها في طبع نشراتها وبياناتها لإطلاع السكّان على سير المعارك في العراق، ولتستعين بها على توطيد سلطان سياستها ومتطلباتها، وللحيلولة دون استخدامها من الآخرين ضدهم، وكانت تلك النشرات تقرأ بصوتٍ عالٍ على تجمع حشود الناس في المقاهي، لتؤثّر أخبارها في حمل الناس على (التأثر بالدعاية المؤيّدة للبريطانيين).
ومنعت السلطة المحتلة العراقيين من إصدار الجرائد الوطنية والسياسية، حيث سمحت فقط بصدور الجرائد الرسميّة التابعة للسلطة كجريدة الموصل، ونجمة الكركوكية التي تصدر نصفها باللغة التركية والنصف الآخر بالعربية، وجريدتي العرب البغدادية والأوقات البصرية، وإلى جانبها صدرت جريدة بصرة تايمز باللغة الإنكليزية، وأصدرت مجلةً واحدةً بعنوان (اللسان الأدبية)، وكانت كتابات تلك الصحف والمجلات وسيلةً دعائيّةً للمحتلين؛ إذ كانت السلطة المحتلّة تدفع لتلك الجرائد أجورًا عاليةً لمن ينشر مقالًا أو قصيدة يمجّد فيها الاحتلال ويعظّم قادته؛ وبذلك أخذت القصائد (العصماء) أو المقالات (الرنانة) تنهال على تلك الجرائد، وهي تلهج بمدح سلطة الاحتلال البريطاني، وذمّ الأتراك.
وحملت المقالات أسماء بتواقيع مستعارة، فصحيفة العرب وصفت العرب بأهل الحضارة والعلم والشهامة والوفاء، و«الأتراك أهل عبث وجهل وفساد، وقد عُرفوا بنكث الوعود». ونعتتهم الجريدة بكلماتٍ مقيتةٍ ومشينةٍ وأنّهم ما جاؤوا «الأتراك أي وربك فاتحين، بل مخرّبين عائثين».
وربطت الجريدة بين سياسة التتريك والتجنيد من أنّ «غرض الاتحّاديين في تجنيد الناس بعد تتريكهم كان لغرض أنْ يحولوا دون تعلّمهم علوم الدين وأداء فرائضه، ولكي يهجروا المساجد والجوامع، وعلى العكس من ذلك مجّدت الجريدة بالاحتلال البريطاني وصورته بأنّه كان «بدافع سامٍ محض حينما أقدمت على خوض الحرب في العراق، فقُيِّض لها النصر، ودخلت جيوشها الباسلة بغداد، مصافحة العرب، مصافحة الحبيب لحبيبته».
لقد ولّدت تلك السياسة مجموعةً منافقةً ومتقلبةً في نظر المواطنين العراقيين، قالت عنهم المس بيل: إنّ «الكلمات عند الشرقيين هي مجرد ألفاظ لا تعني شيئًا؛ فقد يقولون اليوم شيئًا وينقضونه غدًا، وهم لا يتركون هذه العادة أبدًا»، وبالمقابل عملت سلطة الاحتلال على كبح حريّة الكلام والاجتماعات وراقبت السياسيين والنخب المثقّفة من خلال جواسيسها، وحدّدت مضامين المناهج الدراسيّة العامة، لتحقيق ما يضمن سياستها وأهدافها في العراق، باعتقادها
بأنّها الوسيلة الوحيدة لنهضة البلاد الثقافيّة والاجتماعيّة مستقبلًا.
كما أفشت بريطانيا في العراق تعاطي المخدرات، وسمحت علنًا بها من غير وازعٍ أخلاقي، إذ أمرت أنظمتها على إصدار تعليماتٍ خاصّةٍ في زراعة (الخشخاش) الذي يدخل في إنتاج (الأفيون)، وسمحت باستيراده وخصّصت رسومًا جمركية يدفعها المستورد، ومنحت إجازاتٍ للبيع العام لتسهيل توصيله إلى جميع أنحاء العراق، ساعيةً من خلال ذلك إلى تحقيق نتائج اجتماعيّةٍ سلبيّةٍ تؤثّر في الروابط الاجتماعيّة، وإضفاء حالة الانتشاء منه بتخدير عقول الشعب وخموله مؤديًا إلى إبعاده عن معتقداته وإيمانه بدينه، وسلوك هاوية الرذيلة والموبقات التي تبعده عن المطالبة بحقوقه وتضعه في الشرك المذموم اجتماعيًّا ودينيًّا.
كانت محصلة سياسة الاحتلال البريطاني تعزيز التناقضات والمشكلات الاجتماعيّة، التي أدّت إلى أن يرزح العراق تحت كابوس أشد وطأة وأكثر خبثًا وتنوعًا عمّا كان عليه في العهد العثماني، وربطته بأسواقها خاصة والأسواق الرأسمالية عامة، وأصبح الاحتلال في نظر العراقيين واقعًا مرفوضًا إلى درجة أنّهم لم يتأثّروا بإجراءاته الإيجابيّة مقارنةً بما سرى عليهم في العهد العثماني، فكان صورةً قاتمةً للمحتل ّالذي فرض إرادته بحكمٍ مركزيّ قويّ أفضى إلى تحقيق أهدافه الاستعماريّة.
وكان قد وصف التقرير الرسمي البريطاني حالة بغداد الاقتصاديّة بالآتي:
«الصعوبات ناشئة عن قلّة وسائل النقل، ولم تتوفر وسائل النقل لتصدير الجلود والصوف والموادّ الخامّ الأخرى التي تجمعت في بغداد قبل احتلالنا، والتي نحن في حاجةٍ ماسّةٍ لها في الوطن، ويصدق ذلك على التمور أيضًا... وعلى هذا فقد تأثّر الوضع المالي في ولاية بغداد في صورةٍ عكسيّةٍ، ولكنّه ما لبث أنْ تحسّن»، ومدّت الإدارة البريطانيّة في وقتٍ قصيرٍ جدًا عام 1918م، خطوطًا حديدية بين بغداد والحلة مع خطٍّ فرعيّ من الحلّة إلى الكفل، وآخر من الناصرية إلى السماوة، فضلًا عن تحسين الطرق الصالحة لحيوانات الحمل فقط لتمكين المركبات من استعمالها، والتي سهّلت عمليّة جباية الضرائب في لواء الحلّة، كما بادرت الإدارة البريطانيّة إلى إلغاء بعض الضرائب مثل ضريبة الأشغال العامة وضريبة التعليم وغيرها من الضرائب الإضافيّة؛ لاعتقادها أنّ الاستمرار في استحصالها سيؤدي إلى استياءٍ تام، وهو ما حصل في أوساط العشائريين في الديوانيّة، واشتكى عشائر عفك عام 1919م من تزايد المقادير المحصّلة وكانت تقاوم الدفع سلمًا، والذي يدل على مدى الاهتمام الواضح من جانب سلطات الاحتلال -ولأهداف استعمارية- بالجانب التجاري والاقتصادي دون الاهتمامات الأخرى لما توفّره لهم تلك العمليّة من أرباحٍ ماليةٍ كبيرةٍ وإنعاشٍ للسوق العراقيّة بعد أنْ حلّت به الأزمة الاقتصاديّة عند دخول جيوش الاحتلال البريطاني لأراضيه.
كان (بيرسي كوكس Persy Kocks) أوّل من شغل منصب المندوب السامي
البريطاني في العراق، ومنحت له السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة، ثم خلفه المقدم (ويلسون) عام 1917م، الذي عيّن موظّفين بريطانيين وهنودًا لإدارة الوحدات الحكوميّة، ورفعت منزلة رئيس الحكّام السياسيين إلى حاكمٍ ملكيّ عامٍّ له صلاحيات المخابرة مباشرة مع الحكومة البريطانيّة، ترسل تقاريره إلى وزير الدولة لشؤون الهند، معتمدين في سلطتهم على القوات المسلحة، والشرطة، ومجموعة من العملاء السريين.
وجدت بريطانيا في توحيد قياداتها مع رؤساء العشائر الموالين لها والعاملين تحت إمرة الضبّاط السياسيين، وسيلةً لحماية طرق المواصلات المارة في مقاطعاتهم، والإسهام في بعض الأعمال الإداريّة والقضائيّة، ومنحتهم لذلك صلاحيّاتٍ واسعةً في اعتقال المجرمين والنظر في بعض الدعاوى القضائيّة، وعلى جمع الضرائب لقاء نسبة معينة، فضلًا عن الاستفادة منهم في تنفيذ السياسة الاستعماريّة في مناطقهم، ومساعدتها في كبح الانتفاضات المحدودة، في حين بقيت عشائر (البدو) متمتعةً بالاستقلال التام ومعفوةً من دفع الضرائب للسلطات البريطانيّة مقابل اعتراف رؤوسائها بالإدارة البريطانيّة المدينة عليهم.
اختلفت سياسة الإدارة البريطانيّة في كردستان، على الرغم من خضوع بعض مناطقها إلى سلطة الضبّاط السياسيين، إلّا أنها لم تتبع السياسة المركزيّة التي اتبعتها في المناطق الجنوبيّة والوسطى من العراق، وقررت تعيين زعماء
القبائل الكرديّة ورجال الدين رؤساء للوحدات الإداريّة، والتي لم تستمر طويلًا حيث أخضعت مدينة السليمانيّة إلى سلطاتها المباشرة بعد إبعاد الشيخ (محمود البرزنجي) عن السلطة عام 1919م.
أعلنت الثورة في مدينة النجف الأشرف يوم 21تموز/ يوليو، بالتشاور بين رجالات الدين وشيوخ العشائر فيها، وعند إعلان الثورة في المدينة انسحب معاون الحاكم السياسيّ للمدينة حميد خان من السراي الحكومي بهدوء وبدون أيّ مشاكل، وأصبحت مدينة النجف الأشرف بعد إعلان التمرّد تحكم نفسها بنفسها، وأصبحت لا تخضع لسلطة الإدارة البريطانيّة المتواجدة في العراق، حيث تقرر في النجف تشكيل مجلسين هما: المجلس التشريعي، والمجلس التنفيذي، على أنْ يكون عدد أعضاء المجلس التنفيذي للمدينة أربعة أشخاص، وهم رؤساء المحلات الأربعة الموجودة في النجف، وعلى أنْ يكون عدد أعضاء المجلس التشريعي ثمانية أشخاص يجرى انتخابهم من المحلّات حيث جرت الانتخابات في يوم 25آب/ اغسطس.
جاءت المفاوضات، وكانت أولى شروط القائد الإنجليزي للوفد هو تسليم الأسرى الذين كانوا معتقلين في خان شيلان بالنجف، فجرى تنفيذ الطلب، وسُلّم الأسرى في اليوم الثاني للقوات الإنجليزية، ولكن الإنجليز لم يعلنوا جميع شروطهم للوفد؛ وذلك لانشغال قواتهم في القتال في مناطق أخرى، وفي صباح يوم 16تشرين الثاني/نوفمبر، تلا الإنجليز على علماء ووجهاء النجف الأشرف
بقية الشروط عليهم، وذلك بعد أنْ قاموا بحشد العديد من قواتهم بالقرب من المدينة، وقد تم تنفيذ جميع شروط الإنجليز، وبعدها دخلت تلك القوات المدينة، وقامت بإغلاق باب السور، فمنعت الدخول والخروج من وإلى المدينة إلّا بإذن منها، وقد استمر هذا الحال لمدة 24 يومًا.
بعد هذا التاريخ اضطرّ رؤساء العشائر المتردّدون إلى الانضمام إلى الثوَّار تحت ضغط الرأي العامّ الذي كان يعدّ كلّ من لا ينضمّ إلى الثورة كافرًا نصرانيًّا، وقام الثوار ومن انضمّ معهم بحصار الحامية الإنجليزيّة الموجودة في الكوفة التي كان يُقدّر عدد أفرادها ب750 فردًا، مؤلّفة من الجنود، والشبانة، والشرطة والموظّفين، وكان يرأس الحامية الميجر نوربري، وقد بدا الحصار الفعلي للحامية في يوم 21تموز/ يوليو، وأناط الثوار بأمر الحصار بعلوان الحاج سعدون رئيس بني حسن، وقد كانت الحامية قد تحصّنت في الخانات المشرفة على النهر كما كانت الباخرة الحربية آير فلاي قد رست في النهر تجاه الحامية لحمايتها، وقد كانت الطائرات الإنجليزيّة تقوم بالإغارة على الكوفة طيلة مدة الحصار من خلال الإغارة على الحامية وفي يوم 24 تموز/يوليو ألقت إحدى الطائرات ثلاث قنابل على جامع الكوفة الكبير، فأدى ذلك إلى مقتل العديد من الناس الذين كانوا متواجدين في الجامع، وقد استمرّ حصار الثوار للحامية الإنجليزيّة زهاء ثلاثة أشهر، وفي يوم 17تشرين الأول/اكتوبر، وعند الساعة الثامنة صباحًا وصلت القوات الإنجليزيّة إلى الأطراف الشماليّة من البلدة، وكان الثوار متجمعين في البلدة، وبعد معركة ما بين الطرفين استطاعت القوات الإنجليزيّة دخول البلدة
عند الساعة التاسعة والنصف من صباح اليوم نفسه، كما تم في اليوم نفسه فك حصار الحامية الإنجليزية، وفي يوم 20 من الشهر نفسه، استعادت القوات الإنجليزيّة المدفع الذي كان الثوار قد غنموه منهم في معركة الرارنجية، والذي كان قد استعمل في قصف الحامية الإنجليزية أثناء فترة حصارها.
نشطت الأفكار القوميّة الهادفة إلى تحقيق استقلال العراق بين المثقّفين العراقيين في المدن، كقوةٍ ثوريّةٍ تقف بحزم في المعسكر المعادي للسياسة البريطانيّة، وساندتهم أعدادٌ كثيرةٌ من الحِرَفيّين والعمّال والتجّار الصغار، مكوِّنين قاعدةً سياسيةً احتضنتها الأحزاب السياسيّة السريّة التي أدّت دورًا واضحًا وفعَّالًا في قيادة العمليّات العسكريّة ضدّ الاحتلال، فضمّت جمعيّة (حرس الاستقلال) في بغداد النخب المثقّفة السياسيّة ورجال الدين من المجتهدين والشيوخ الوطنيين، وأقامت هذه الجمعيّة علاقاتٍ تنظيميّةً مع المرجعيّات الدينيّة ورؤساء عشائر الفرات الأوسط، ورفعت شعار الاستقلال التام للعراق، وأسهمت في تحشيد الشعب العراقي ضدّ الاحتلال البريطاني عام 1920م.
وفي مدينة النجف الأشرف تشكّلت جمعية (النهضة الإسلاميّة) من علماء ورجال الدين فضلًا عن النخب المثقّفة، وكان لها جناحان؛ الأوّل الجناح السياسي الذي يقوم أعضاؤه بالاتّصالات السياسيّة والتنظيميّة بين المواطنين،
والثاني الجناح الفدائي الذي يسعى إلى محاربة سلطات الاحتلال، وكان لهذين الجناحين علاقاتٌ حسنةٌ مع (جمعيّة حرس الاستقلال)، و(الجمعيّة الوطنيّة الإسلاميّة) في كربلاء المقدسة، تحت إشراف آية الله العظمى الشيخ (محمد تقي الحائري الشيرازي)[3]، فضلًا عن وجود حزب (العهد العراقي)، الذي رأى رجاله في المفاوضات مع بريطانيا أمرًا ضروريًّا لنجاح القضيّة العربيّة عامة والعراقيّة خاصة.
بغية تهدئة الحالة السياسية في العراق، ورغبة بريطانيا في تحقيق الاستقلال الشكلي وفقًا لما ذكره التصريح البريطاني الفرنسي في تشرين الثاني 1918م، أظهرت السياسة البريطانيّة أنّ العراقيين غير مؤهّلين لتحمّل الاستقلال الذاتي، ووجوب إجراء الاستفتاء العام خلال المدة من نهاية عام 1918م، وبداية عام 1919م، حول نظام الحكم، الذي دعت له رؤساء العشائر وممّن ارتبطت مصالحهم مع السلطات البريطانيّة، للتصديق على صيغةٍ معيّنةٍ تضمن الشروط التي وضعتها في إبقاء الحكم البريطاني المباشر، وجاءت الأسئلة الموجّهة
إلى سكّان العراق للإجابة عنها، على النحو الآتي:
- هل يرغبون في دولةٍ عربيّةٍ واحدةٍ، تحت الوصاية البريطانيّة، تمتدّ من الحدود الشماليّة لولاية الموصل حتى الخليج ؟
- هل يرغبون في هذه الحالة في رئيسٍ عربي بالاسم يرأس هذه الدولة الجديدة؟
- من هو الرئيس الذي يريدونه في هذه الحالة؟
تفاوتت أراء المواطنين في الإجابة، وظهر للبريطانيين أنّ سياستهم في ضمّ العراق إلى مستعمراتهم، تقاوم بأكثرية الشعب العراقي، ورفضهم للمقترحات، التي وجدت أنّ الفئات السياسيّة العراقيّة المثقّفة وعلماء الدين وشيوخ عشائر الفرات الأوسط، يصرّون على ضرورة النضال ضدّ الاستعمار للحصول على الاستقلال، وعزّزتها فتوى آية الله الشيخ (محمّد تقي الحائري الشيرازي) في كربلاء المقدسة بأن «ليس لأحدٍ من المسلمين أنْ ينتخب ويختار غير المسلم للإدارة والسلطنة على المسلمين». والتي كانت صفعةً قويّةً للسياسة البريطانيّة، نسفت أطماعها وأهدافها في العراق. ولكبح نشاط الحركة الوطنيّة حثّت السلطات البريطانيّة على وضع حدٍّ للجماعات النشطة لمقاومة الاحتلال بإبعادهم خارج العراق وإيداع الآخرين في السجون.
بعد تعاظم الحركة الوطنيّة ونشاطاتها البارزة في معظم مدن العراق، وبغية تهدئة الوضع ألغت السلطات البريطانيّة اللجنة الخاصّة التي يرأسها (بونكهام كارتر Bongham Karter) مدير دائرة العدليّة في العراق، الذي يقترح فيه تشكيل
مجلسين، الأول (مجلس دولة) كسلطةٍ تنفيذيّةٍ يتألّف من رئيسٍ عربيّ يتمتع بنفوذٍ ومنزلةٍ اجتماعيةٍ مرموقةٍ وأحد عشر عضوًا، ستة من البريطانيين وخمسة من العرب، يعيّنهم أو يعزلهم المندوب السامي، يمثّلون دوائر الدولة، وثانيًا المجلس التشريعي تعيّنه هيئات محليّة تكون نفسها منتخبة ومن غير أعضاء مجلس الدولة. يمثّل أعضاء هذا المجلس المدن والمناطق الريفيّة حسب عدد السكان، فضلًا عن تمثيل الطوائف اليهوديّة والمسيحيّة فيه، فيصبح العدد الكلّي للمجلس خمسين عضوًا لسنّ الدستور، ويكون رئيس المجلس من غير المنتخبين إنْ لم يوجد مرشح مناسب للمنصب، وصلاحية المجلس وضع القانون الأساس على غرار قانون الأساس المصري لعام 1913م، بعد إجراء بعض التعديلات عليه، وجعل لمجلس الدولة صلاحية إصدار القوانين وفرض الضرائب، وإضافة جملة مواد متعلقة بواجبات المجلس وصلاحياته التي لا تخرج عن التأثير السياسي البريطاني عليه.
وفي فقرات المشروع الجديد الذي وضعته بريطانيا لنظام الحكم، يحتفظ الموظّفون البريطانيون بسلطاتهم الرسميّة السابقة، ويهيمن (مجلس الدولة) المتكّون من البريطانيين والعراقيّين على السلطة التنفيذيّة، تحت إشراف المندوب السامي في العراق، الذي لم يضمن للعراقيين صدق اشتراكهم في الحكم؛ إذ كان في طيّات المجلس منح حقّ الرفض المطلق (الفيتو) للمندوب السامي حول القرارات، فضلًا عن عدم إعطاء رئيس المجلس العربي حقّ التصويت إلّا بعد تعادل الأصوات بين أعضاء المجلس، والتي كانت مجمل مقررات مجلس الدولة هي صلاحيّة استشاريّة، لتثبيت بريطانيا طريقة الحكم بمشروع الدستور الذي ستصدره في العراق.
جرت اتصالاتٌ واسعةٌ بين (جمعيّة حرس الاستقلال)، وشيوخ العشائر والمرجعيّات الدينيّة، لحثّ الجميع على الاستعداد للثورة، وقيام التظاهرات والاجتماعات الشعبيّة، ورفع شعاراتٍ تدعو إلى إطلاق سراح المعتقلين؛ لذلك اضطر (ويلسون) إلى امتصاص نقمة الشعب على سياستهم من خلال اجتماعه بوفد المفاوضة في حزيران 1920م، الذي ماطل بتنفيذ مطاليب الوفد في إقامة الحكم الوطني المستقل، وتعاظمت إجراءات السلطة البريطانيّة القمعيّة بهذا الشأن، حيث أمضى آية الله الشيخ (الحائري الشيرازي) على دعوة المواطنين للانضمام للحركة في بغداد، وأصبح الوضع السياسي في غاية التوتر عندما أفتى آية الله (الحائري الشيرازي) بالجهاد قائلًا: «المطالبة بالحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسّل بالقوة الدفاعيّة اذا امتنع الإنكليز من قبول مطالبهم»، وبذلك أصبحت الثورة المسلّحة ضدّ بريطانيا عملًا مشروعًا بموجب الشريعة الإسلامية.
لم تكن الحكومة البريطانيّة راغبةً في تغيير سياستها في العراق، وعزمت على إلحاقه بمستعمراتها، فقامت بمناوراتٍ سياسيّةٍ لخداع الشعب العراقي من خلال إجراء بعض التنازلات السياسيّة، وشقّ وحدة الفئات الوطنيّة، بغية الاستفادة من كسب الوقت في تهدئة الحالة، والقضاء على المظاهر المسلّحة وزجّ القيادات الشعبيّة في السجون أو النفي إلى جزيرة هنجام، في الوقت الذي حطّم مؤتمر (سان ريمو) عام 1920م آمال الوطنيين العراقيين بتثبيته قرارات (سايكس بيكو)، باقتسام العراق وسوريا ولبنان وفلسطين بين بريطانيا وفرنسا، ثم إصدار
قرار فرض الانتداب البريطاني على العراق، الذي صدم العراقيين بعقم أملهم في إنشاء دولة عراقيّةٍ مستقلّةٍ، وكشف تنكّر المستعمرين للوعود التي قطعوها على أنفسهم للشعب العربي، ففشل البريطانيون في تهدئة الحالة من خطورة نفور العراقيين من كلمة (الانتداب) بتبريرهم على لسان المندوب السامي (بيرسي كوكس): «إنني أقرر بأنّ الكلمة (منتدب) قد طرحت من قبل الشخص الذي أوصى بها، وهو الرئيس ويلسون... أي إنّه الشخص الذي يتعهّد بتقديم الخدمة إلى الآخر بالنسبة إلى الملكيّة المودعة في يديه من لدن الآخرين، فالكلمة (الآخرون) يقصد بها عصبة الأمم، في حين أنّ كلمة انتداب هي العقد الذي تقدم الخدمة بموجبه، غير أنّ الكلمة في العراق أخذت معناها الآخر الذي يعني طلب السيادة من لدن دولة ما»، ومهما يكن ترتيب العبارات ومضمونها فهي لا تخرج عن معنى الاستعمار.
لم تجدِ نفعًا المفاوضات السياسيّة التي عقدت بين مندوبي الشعب وأصدقاء الحكومة ومواليهم مع نائب الحاكم الملكي (ويلسن) في 28 مايس 1920م، إذ كانت المفاوضات أشبه بالمناظرة التي يعقدها الفرقاء لكسب الجولة ودحر الخصم دون التوصل إلى حلٍّ ينال موافقة الطرفين، وبذلك أظهر للعراقيين أنّ قضيتهم لا تُحلّ إلّا بقيام الثورة المسلّحة التي أعلنت في الثلاثين من حزيران 1920م، والتي توقّع قيامها وكيل الحاكم السياسي البريطاني ضدّ حكومتهم في مضمون رسالته إلى الجنرال هالدن في حزيران 1920م، في قوله: «إنّه من المحتمل أنْ تحدث اضطراباتٌ خطيرةٌ في البلاد خلال الشهرين القادمين». وأكّدتها
(المس بيل) في رسائلها «لقد مرَّ علينا أسبوعٌ مليءٌ بالحوادث، ازدادت فيه دعاة الوطنيين... وكان المتطرّفون يدعون إلى الاستقلال ولا يريدون الانتداب».
أصدرت السلطة البريطانيّة منشور رقم (70)، نُشر نصَّه في جريدة العراق حول تحديد سياستها النهائيّة في العراق من أنّها ستجعل فيه حكومة مستقلّة تضمن استقلالها جمعيّة عصبة الأمم، وإلزامها بتشكيل قانونٍ أساسيّ، واستشارتها أهالي العراق في مسألة تشكيله مع ملاحظة حقوق (الأجناس المختلفة الموجودة في بلاد العراق ورغائبها ومنافعها)، فهو وثيقةٌ رسميةٌ واضحةٌ سوَّغت بريطانيا فيه سياستها الاستعماريّة التي ستربط العراق بالقرارات الدوليّة المهيمنة عليها، وبهذا الشأن لقيت معارضة شديدة من الوطنيين العراقيين، فضلًا عن تطوّر الموقف الحربي في الفرات الأوسط، وظهور الحركات المسلّحة ضدّ القوات البريطانيّة في تلك المناطق.
لقد مارست بريطانيا سياسة الاستبداد في العراق القائمة على اضطهاد سكانه ومعاملتهم بقسوةٍ في ثورة العشرين، ومضت على هذا الأسلوب في محاولةٍ منها لكسب بعض رؤساء العشائر وجعلهم موالين لها خدمة في تحقيق أهدافها ومصالحها، فانضوى بعضهم في الخدمة المدنية عند الضبّاط السياسيين البريطانيين فحققت بذلك سلطةً داخليّةً محكمة، لها نفوذٌ كبيرٌ على المواطنين منفذة أوامرهم، وخولتهم قمع المعارضين، والسيطرة الأمنية في مناطقهم، فالشيخ (عمران السعدون) قائم مقام الهندية رافق معاون الحاكم السياسي البريطاني في مدينة (طويريج) الكابتن (جاردين) في 19 تموز1920م، وسايره في التوسّط إلى مخيم
الكوفة لإجراء الترتيبات لوقف القتال، وانقطعت تلك المفاوضات مع الثوار، إذ أثَّرت سلبًا في العلاقات العشائريّة في المنطقة، وعُلم عند العشائر أنّ ولاء الشيخ (عمران) غير أكيد وحُذِر منه، فضلًا عن معارضته للعشائر التي حررت مدينة الكفل التابعة إداريًّا لقضاء الهندية في 20 تموز، في كبح نشاط الثوار، وهدَّدهم بالتعاون مع البريطانيين في مقاومتهم، وعلى العكس من ذلك عمل الميجر (ديلي Deely) إلى (الحاج مخيف) مكيدة عند حضوره لمقره في الديوانيّة وأمر باعتقاله وسوقه إلى البصرة ثم نفيه إلى جزيرة هنجام مع المنفيين هناك.
كما استخدم المحتلّون أسلوب حجز الأشخاص (رهائن)، إذ عملت القوات البريطانيّة في الديوانيّة على وضع خطّةٍ عسكريّةٍ للانسحاب منها إلى الحلة، فأطلق الميجر (ديلي) سراح الشيخ (شعلان العطية) رئيس عشائر الأكرع بعد أن حجز شقيقه الشيخ (جبل العطية)، وابنه (موجد الشعلان) كرهائن للبر بالوعد الذي قطعه بعدم مقاتلة الجيش المنسحب في حدود قبيلته.
نكثت السلطة البريطانيّة وعدّها بقيادة الميجر (نوربري Noorbery)، ولم تفِ بمواثيقها عندما وقعت اتفاقيّة هدنة مع الثوار في الكوفة في تموز 1920م، باتفاق الإفراج عن المنفيين والمعتقلين العراقيين ووقف القتال في الرميثة، وإجلاء الحكّام البريطانيين من مناطق الفرات الأوسط، وإجراء الاستفتاء والمفاوضات من البريطانيين على أساس منح العراق الاستقلال والحرية مقابل تعهد رؤساء
القبائل في فكّ الحصار عن الحامية البريطانيّة في أبي صخير الذي تم تنفيذه من لدن العراقيين، حيث وافتهم القوة البريطانيّة في مقاتلتهم بعد أن حصلت على مرادها بنقض الاتفاق.
مارست السلطة المحتلّة أساليب أخرى منها التجويع والحرمان من خلال قيامهم بإتلاف المزارع والبساتين وقطع المياه عن مدينة كربلاء المقدسة لإيقاع الأذى في سكانها ومزارعها التي قال فيه الجنرال هالدن (لما كانت كربلاء مسؤولة إلى حدّ غير قليلٍ عن قيام الثورة، فإنّي رغبت في الاستيلاء على ناظم الحسينيّة الذي كان يبعد عن الفرات بمائتي ياردة، لكي أجعل سكان البلدة يشعرون بعذاب الحرمان من الماء)، وتشفَّى بمعاناة ومشقَّات سكان كربلاء المقدسة قائلًا: «فالضغط المعنوي الذي نتج عن إظهار مقدرتي على حرمانهم مَعِين الحياة كان بلا شك عظيمًا»، وسارت سياستهم على حرق بيوت ممن اشتركوا في الثورة في شمال العراق في منطقة دلتاوه ودور الرؤساء الزيباريين والبرزانيين ومصادرة أموالهم، وأتلفت مزارع وحقول قرى قضاء الهنديّة، وحرق مضيفي الشيخ (شمران) رئيس عشيرة آل فتلة والشيخ (جياد المحمد) رئيس البراجع، وقامت بمصادرة وقتل أعدادٍ كبيرةٍ من رؤوس الأغنام والأبقار والخيل في المنطقة، ولم تُعِر اهتمامًا بالقوانين الدوليّة وحقوق الإنسان، فأقدمت على إعدام من أسرته من الثوار دون تحقيق أو محاكمة.
وتم قصف المدن والقرى بقذائف الطائرات والمدافع التي لم يسلم منها حتى المتعبّدون في مسجد الكوفة، وفتكت قنابلهم بأجساد الكثيرين، وقد نشر خبر ذلك الثوار ببلاغٍ نصّه: «جناية الإنكليز على المعابد وإلقاء القذائف النارية على مسجد الكوفة، قُتل النسّاك والمتعبّدون».
استلمت قيادة الاحتلال البريطاني سبعين ألف بندقية من عشائر الفرات الأوسط بعد ثورة العشرين، في حين لم يجمع من عشائر المنتفك أية قطعة سلاح لأسبابٍ استثنائيّة، حيث كان المحتلّون يبتغون من ذلك تحقيق أمرين، الأول بقاء هذه العشائر على ولائها وإخلاصها لهم، والثاني جعلهم قوّةً يمكن أنْ تستغلها في ضرب العشائر الأخرى المعارضة لسياستها في مناطقهم.
اعترف وكيل الحاكم المدني العام (ويلسن) بتقريره السرّي على (انتعاش الروح القوميّة)، وأنّ ثورة العشرين جعلت (الشكّ يحلّ محلّ اليقين) والذي غير فكره السياسي في تحويل العراق إلى هند ثانية، وإقامة حكم بريطاني مباشر، فضلًا عن تزويد الحكومة البريطانيّة مندوبها الجديد للعراق (بيرسي كوكس) الأكثر هدوءً ودبلوماسيةً من سابقه في سياسته مع العراقيين، تبعليماتها السياسية في رسم مستقبل العلاقة بينهم والعراق بموجب معاهدةٍ جديدةٍ لا بصكّ الانتداب القديم، والعمل على تأليف حكومة ٍعراقيّةٍ مؤقّتة تعتمد العراقيين في إشغال مناصبها الوزاريّة، الذي سعى بصعوبة على اختيار
شاغليها ممّن يعرفون ب(المعتدلين) على حد تعبيره، لهم إلمام بالأمور الإداريّة والحكومية، وقام من أجل الحصول عليهم بنشر الإعلانات الرسميّة التي حددت فيها العراقيين ممّن سبق انتخابهم لمجلس الأعيان ومجلس المبعوثان العثماني، فضلًا عن بعثه الكتب الخاصّة للعراقيين الموجودين خارج العراق ممّن لهم دراية في أمور السياسة والإدارة.
فوقع اختياره على حكومةٍ عراقيّةٍ برئاسة (عبد الرحمن النقيب) في 25 تشرين الأول 1920م، الذي وافق على أنْ يعمل تحت إشراف المندوب السامي البريطاني، وكانت بريطانيا تريد لهذه الحكومة أن تكون جسرًا بينها وبين الشعب العراقي لإقامة شكل نظام الحكم الذي تقرّره هي بنفسها، وجعلت على رأس كلّ وزارةٍ مستشارًا بريطانيًا لتوجيه سياستها من خلاله، وبذلك حكمت بريطانيا العراق حكمًا مباشرًا، فعيّنت لكل لواء وقضاء حاكمًا عسكريًا من ضبّاط الجيش البريطاني، ممن لم يمارسوا الشؤون الإداريّة والمدنيّة، الذين اِزدروا الناس واحتقروهم وعاملوهم بخشونة، ووضعوا نظامًا مستمدًا من عادات وأوضاعٍ غير مألوفةٍ عند العشائر العراقيّة،
واعترفت السلطة البريطانيّة بالأساليب الإداريّة الفوضويّة التي مارسها موظّفوها في العراق، من خلال استخدامها «الجنود والضبّاط الذين لم يألفوا الاشتغال في المناصب الإداريّة... ولم يطّلعوا على وسائل الإدارة ويجهلون الأحوال والظروف التي تحيط بهذه البلاد (العراق)... وإنّ فريقًا منهم ضعيف في الإدارة... غير كفؤٍ للقيام بوظائفه، ومنهم من كان يرسل تقريرًا، ويعقبه بآخر، يختلف فحواه عن التقرير الأول»، وبذلك وجدت بريطانيا ترشيح الأمير (فيصل بن الحسين) لعرش العراق الأفضل لأداء مهمتها في العراق، دون اعتراضٍ شعبيّ، لحلّ مشاكلها في العراق، وإبعاد العراقيين عن اللجوء إلى السلاح مرة أخرى، فضلًا عن تعويضه عمّا فقده في مملكة سوريا بنظامه المعتدل الذي سيكون في نظرهم خير ضمانٍ لهم في التصدّي للتيّارين الكمالي والبلشفي الذي ظهر تأثيرهما واضحًا في العراق.
عانى الملك (فيصل) من الثقل السياسي الذي اكتشفه، في التعامل مع إرثٍ ثقيلٍ خلّفه حكمٌ عثمانيّ متخلّف، واحتلالٌ بريطانيّ استعماريّ يشوبه التشابك وعقدة مستعصية، وجد فيصل في تخفيف أثارها «في المراوغة والتلوّن ونقض العهود».
وسط كلّ الأحداث السابقة، وفي يوم 17 تموز/ يوليو عُقد في مدينة الكوفة مؤتمرٌ لعقد هدنةٍ ما بين الثوار في منطقة لواء الشامية والنجف والإنجليز، وقد حضر المؤتمر عن الجانب الإنجليزي الميجُر (توربري) الحاكم الإنجليزي للواء الشامية والنجف. ومثَّل الثوار بالإضافة إلى رؤساء العشائر الموجودة في المنطقة كلٌّ من الشيخين عبد الكريم الجزائري، وجواد الجواهري اللذين كانا مندوبين عن آية الله الشيخ فتح الله الأصفهاني- وقد تم الاتفاق أخيرًا ما بين الطرفين على هدنةٍ تكون مدّتها أربعة أيام ابتداءً من اليوم الأول من شهر ذي القعدة لسنة 1338 هجري الموافق ليوم 17 تموز/يوليو ، حيث تنسحب حامية أبو صخير إلى الكوفة من دون أنْ يصيبها أيّ أذى، وقد تعهّد من جانبه الميجر نوربري بمراجعة الحاكم العام ببغداد حول مطاليب الثوار في اللواء وهي: العفو العام عن جميع العراقيين بمن فيهم أهل الرميثة، اولشامية، والدغارة. وتوقف جميع الحركات العسكرية، وإصلاح سكة الحديد، ونقل القوات العسكريّة من مكانٍ إلى آخر، وإطلاق سراح جميع المعتقلين والمنفيّين، وتشكيل المؤتمر العراقي.
لم تستمر الهدنة الموقعة ما بين الطرفين التي كان أمدها أربعة أيام؛ إذ تم اِختراقها من قبل كلا الجانبين في اليوم الثالث أي في يوم 19 تموز، ويرجع السبب الرئيس في خرق الهدنة من قبل الثوار إلى أنّ الكثير منهم قد ندموا في إعطاء هذه الهدنة، وتخليص حامية أبو صخير من الحصار بعد أنْ كثر عليهم
النقد والتجريح، حيث هاجم ثوار المنطقة خمس شخاتير - قوارب صغيرة- وهي محملة بالمُؤن والعتاد لنقلها لغرض إمداد حامية الكوفة، وفي الوقت نفسه هاجم نفرٌ من أهل الكوفة السراي الحكومي الموجود في المدينة وقاموا بالاستيلاء عليه.
بعد هذا التاريخ اِضطر رؤساء العشائر المتردّدون إلى الانضمام إلى الثوار تحت ضغط الرأي العام الذي كان يعدّ كلّ من لا ينضمّ إلى الثورة كافرًا. وقام الثوار ومن اِنضمّ معهم بحصار الحامية الإنجليزيّة الموجودة في الكوفة التي كان يقدر عدد أفرادها ب 750 شخصًا، مؤلّفة من الجنود (الشبانة)، والشرطة، والموظّفين. ويرأس تلك الحامية الميجر نوربري، وقد بدأ الحصار الفعلي للحامية في يوم 21 تموز، وأناط الثوار أمر الحصار بعلوان الحاج سعدون رئيس بني حسن. وقد كانت الحامية قد تحصّنت في الخانات المشرفة على النهر كما كانت الباخرة الحربية آير فلاي قد رست في النهر تجاه الحامية لحمايتها.
وقد كانت الطائرات الإنجليزيّة تقوم بالإغارة على الكوفة طيلة مدة الحصار على الحامية وفي يوم 24 تموز ألقت إحدى الطائرات ثلاث قنابل على مسجد الكوفة الكبير فأدّى ذلك إلى مقتل العديد من الناس الذين كانوا فيه.
وقد استمر حصار الثوّار للحامية الإنجليزيّة زهاء ثلاثة أشهر، وفي يوم 17
من شهر تشرين الأول وعند الساعة الثامنة صباحًا وصلت القوات الإنجليزيّة إلى الأطراف الشماليّة من البلدة، وكان الثوار متجمعين في البلدة، وبعد معركة ما بين الطرفين استطاعت القوات الإنجليزيّة دخولها، وكان ذلك عند الساعة التاسعة والنصف من صباح اليوم نفسه.
كما تمّ في اليوم نفسه فكّ الحصار عن الحامية الإنجليزية، وفي يوم 20 من الشهر نفسه استعادت القوات الإنجليزية المدفع الذي كان الثوار قد غنموه منهم في معركة الرارنجية، والذي كان قد اُستعمل في قصف الحامية الإنجليزية أثناء فترة الحصار لها.
1. آل بازركان، علي، الوقائع الحقيقيّة في الثورة العراقيّة، مطبعة الأديب، بغداد، 1954م.
2. أمين سعيد، الثورة العربيّة الكبرى، مطبعة القاهرة، القاهرة،1935م.
3. التكريتي، عبد المجيد كامل، الملك فيصل الأول ودوره في تأسيس الدولة العراقيّة الحديثة1921-1933م، دار الشؤون الثقافيّة، بغداد - 1991 م.
4. الجبوري، كامل سلمان، محمّد تقي الشيرازي، القائد الأعلى للثورة العراقيّة الكبرى 1920م، مطبعة برهان، قم -1427هـ/2006م.
5. الحسني، عبد الرزاق، الثورة العراقيّة الكبرى، مطبعة دار الكتب، ط5، بيروت، 1982م.
6. ـــــــــــــــــــــ، تاريخ العراق السياسي الحديث، ط2، المكتبة العصريّة، صيدا 1957م.
7. ، ثورة النجف، ط5، مطبعة العرفان، صيدا، 1983م.
8. خدوري، مجيد، عرب معاصرون أدوار القادة في السياسة، الدار المتّحدة للنشر، بيروت - 1973 م.
9. الريحاني، أمين، ملوك العرب، الأعمال الكاملة، ب-ط، بيروت - 1980 م.
10. الزبيدي، محمد حسين، العراقيّون المنفيّون إلى جزيرة هنجام، ط2، دار الحريّة، بغداد، 1989م.
11. زكي صالح، منشأ النفوذ البريطاني في بلاد ما بين النهرين، بغداد،1949م.
12. ستيفن همسلي لونكريك، أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ترجمة جعفر الخياط، ط6، مطبعة الأديب، بغداد، 1985م.
13.ـــــــــــــــــــــــــ، العراق الحديث من سنة 1900-1950م، ترجمة سليم طه التكريتي، مطبعة حسام، بغداد، 1988م.
14. السر أرنولد ويلسن، الثورة العراقيّة، ترجمة جعفر الخيّاط، ط2، دار الرافدين، بيروت، 2004م.
15. طالب مشتاق، أوراق أيامي، دار واسط للدراسات والنشر، بغداد، 1989م.
16. عبد الجبار حسن الجبوري، الأحزاب والجمعيّات السياسيّة في القطر العراقي1908-1958م، دار الحريّة، بغداد،1977م.
17.عبد الفتاح إبراهيم، على طريق الهند، ط2، دار الشؤون الثقافيّة، بغداد،2004م.
18.العطيّة، غسّان، العراق نشأة الدولة، ترجمة عطا عبد الوهاب، دار اللام، لندن، 1988م.
19. علاء موسى كاظم، الدبلوماسيّة البريطانيّة في العراق 1808-1823م، مجلة آفاق عربيّة، عدد 12 آب 1980م.
20. العمر، فاروق صالح، حول سياسة بريطانيا في العراق1914-1921م، دراسة وثائقيّة، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1977م.
21. العمري الموصلي، محمد طاهر، تاريخ مقدرات العراق السياسيّة، مطبعة دار السلام، بغداد، 1925م.
22. فاضل حسين وعبد الوهاب عباس القيسي وآخرون، تاريخ العراق المعاصر، مطبعة جامعة بغداد، بغداد،1980م.
23. الفرعون، فريق المزهر، الحقائق الناصعة في الثورة العراقيّة سنة 1920م ونتائجها، ط2، مطبعة النجاح، بغداد، 1955م.
24. فلاح محمود خضر، عبد الكريم حسين عبد، سياسة الاحتلال البريطاني للعراق في منطقة الفرات الأوسط 1917-1920م، مجلة كلية التربية الأساسيّة، جامعة بابل، العدد السادس، آذار/ مارس 2012.
25. الفيّاض، عبد الله، الثورة العراقيّة الكبرى سنة 1920م، مطبعة الإرشاد، بغداد،1963م.
26. القزويني، أبو المعز السيد محمد، طروس الإنشاء وسطور الإملاء، تحقيق: جودت القزويني، ب ط، بيروت، 1418ﻫ/1998م.
27. القصاب، عبد العزيز، من ذكرياتي، بيروت ،1962م.
28. كمال مظهر أحمد، الطبقة العاملة الكردية، التكوين وبداية التحرك، مطبعة دار الكتب، بيروت،1981م.
29. ــــــــــــــــــ، دور الشعب الكردي في ثورة العشرين العراقيّة، بغداد، 1978م.
30. ل. ن، كوتلوف، ثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق، ترجمة عبد الواحد كرم، دار الحرية، بغداد،1971م.
31.محبوبة، جعفر، ماضي النجف وحاضرها، ب ط، صيدا - 1353ﻫ.
محمد سلمان حسن، طلائع الثورة العراقيّة، العامل الاقتصادي، الثورة العراقيّة الأولى، ط2، 32.مطبعة النعمان، بغداد، 1958م.
33. المس بيل، فصول من تاريخ العراق القريب، ترجمة: جعفر الخيّاط، ط2، دار الكتب، بيروت، 1971م.
34. هنري فوستر، نشأة العراق الحديث، ترجمة سليم طه التكريتي، مطبعة الفجر، بغداد-1989م.
35. الهيمص، عبود، ذكريات وخواطر عن أحداث عراقية في الماضي القريب، مطبعة الراية، بغداد- 1991م.
36. وميض جمال عمر نظمي، ثورة 1920م، بيروت، 1985.
37. F. O. 371/ 4148 - 13298. War Cabinet- Eastern Committee. Secret. 39th Meeting. November 27,1918. Annex.
38.Edinburgh 1922 -(Haldane (Insurrection in Mesopotamia.
39.Elizebeth Burgoyne (Certrude Bell) -London 1921- vol.
40.Langley K,M,The Industrialization of Iraq,Caambridge,1961
41.lreland، P. W. Iraq. Astudy in Political development، London1937,
42.Reports of The Baghdad Wilayat1917،
43.Wilson، A. T. Mesopotamia، 1917-1920، A clash of Layalties، London1931،
(415)
العلّامة الشيخ يوسف محمد عمرو
تحتلّ النجف الأشرف مكانةً مهمّةً في العراق خاصّة وفي العالم الإسلامي عامّة؛ إذ تضمّ أعظم شخصيّةٍ بعد الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، ألا وهو أمير المؤمنين عليهالسلام ، وتضمّ الحوزة العلميّة المباركة، الحاضرة العلميّة الكبيرة في الوسط الإسلامي، التي خرّجت الكثير من العلماء المجتهدين الكبار، وقد أسهمت في الدفاع عن الوطن والعرض عبر إصدار فتاوى الجهاد، وتحشيد الجماهير لطرد الاحتلال الغاشم، والمشاركة الفعليّة مع المجاهدين، فكان لها كلّ التأثير في مقارعة الاحتلال البريطاني 1920م، وغيرها من المواقف المشرّفة.
تعرّض هذا البحث إلى عدّة محاور، أوّلها: موقع النجف الأشرف، وثانيها: موقف النجف من الغزو البريطاني لولاية البصرة، وثالثها: تأسيس جمعيّة النهضة الإسلاميّة في النجف، ورابعها: قيادة النجف الأشرف للثورة العراقيّة الكبرى سنة ١٩٢٠م.
الكلمات المفتاحيّة: الاستعمار، الحبوبي، اليزدي، النجف الأشرف، الحوزة العلميّة، الغزو البريطاني.
في هذه الأيام التي تُقرع فيها طبول الحرب على جميع الجبهات الإمبرياليّة والاستعماريّة في العالم معلنةً الحرب ضد العراق وشعبه تحت راية الأمم المتّحدة، وتحت شعار تجريد الشعب العراقي من سلاحه، لا بدّ للقارئ من الرجوع إلى تاريخ العراق الحديث، وإلى موقف النجف الأشرف من بريطانيا العظمى ونفوذها في العراق خلال القرن العشرين، عسى أنْ يستيقظ المسلمون من سباتهم العميق، ويعرفوا أنّ العراق أكبر من أنْ يذوب أو يفتت، وشعبه أرقى من أنْ يتحوّل عن هويّته العربيّة الإسلامية، أو موافقه الراسخة بين عشيّة وضحاها.
يقول بیير جان لوزيرارد في كتابه تشكيل العراق المعاصر معينًا موقع مدينة النجف: «تحتلّ النجف الموقع الرابع في ترتيب المدن الإسلاميّة المقدّسة، وتأتي بعد مكة والمدينة والقدس. إنّها مركز كلاسيكي للثقافة الإسلاميّة والتعليم الديني بالنسبة للعالم الإسلامي بأسره، فهي بمنزلة جامع الأزهر في القاهرة أو الزيتونة في تونس أو القيروان في فاس. تقع النجف الأشرف على بعد عشرة كيلو مترات من غرب الكوفة و٨٠ كيلوا مترًا من جنوب كربلاء، إنّ أصل كلمة النجف عربي، وتعني المرتفع الذي يستخدم كسدٍ منيعٍ للماء، إنّ هذا الارتفاع على شكل هضبة هو الذي أعطى اسم النجف، وتسمّى النجف أيضًا مشهد علِيّ، أي المكان الذي دُفن فيه الإمام الأول».
وقد أسهمت قضايا كثيرةٌ في تعزيز مركزيّة النجف الأشرف الدينيّة في نفوس المسلمين، ولعلّ أهمّها:
أولًا: وجود القبر الشريف لمولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام، المستشهد في الكوفة في شهر رمضان سنة ٤٠ هـ، الموافق لعام ٦٦١م، وأوّل من أظهر القبر الشريف وعرّفه للمؤمنين حفيده الإمام جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب عليهالسلام ، والمتوفّى سنة ١٤٨هـ الموافق لعام ٧٦٥م، وأوّل من بنى قبة على القبر الشريف كان الخليفة هارون الرشيد في سنة ١٧٠هـ الموافق لسنة ٧٦٨م، ثم توالت العمارات بعد ذلك عبر تأريخ النجف.
ثانيًا: تأسيس الحوزة العلميّة في النجف الأشرف على يدي شيخ فقهاء الشيعة الإماميّة الشيخ محمد بن الحسن الطوسي في سنة ٤٤٨هـ الموافق لعام ١٠٥٦م، واستمرار هذه الحوزة خلال ألف عامٍ تقريبًا برفد العالم الإسلامي بمئات من الفقهاء المجتهدين، والفلاسفة المتكلّمين، والأدباء والمؤرّخين.
ثالثًا: استقلاليّة هذه الحوزة في الشؤون الماليّة، والسياسيّة عن الحكومات المتعاقبة خلال ألف عامٍ في العراق وإيران، وحملها الراية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين، والدعوة إلى الله تعالى بالكلمة والموعظة الحسنة، والجهاد ضدّ الكافرين والمستعمرين دفاعًا عن حياض الإسلام والمسلمين.
«اضطلعت مدينة النجف الأشرف بدورٍ بارزٍ سياسيًّا في بداية هذا القرن، بقيادة علمائها ومراجعها الشيعيّة العليا، سواء في مقاومة السياسة الطائفية التي كانت تطبقها الدولة العثمانية بحق سكان ولايات البصرة وبغداد والموصل من المذهب الشيعي، أو في الدفاع عن بيضة الإسلام ضدّ القوات البريطانيّة الغازية
التي نزلت في الفاو في عام ١٩١٤م، لاحتلال الولايات الثلاثة، ملبية في قتالها للبريطانيين، نداء الجهاد الذي أعلنه شيخ الإسلام في استانبول في اليوم السابع من تشرين الثاني عام ١٩١٤م، ثم مقاومة الاحتلال البريطاني ونشاطها الفعال في التهيئة والتوعية لثورة العشرين التي عرفت بالثورة العراقيّة الكبرى ومشاركتها في أحداثها، تلك الثورة التي رغم فشلها في طرد البريطانيين من العراق، إلّا أنّها جعلتهم يغيّرون خططهم حول طريقة حكمهم للعراق وتأسيسهم لدولة العراق الحديثة بعد جلبهم فيصل الأول ليتبوّأ عرشها، وينتدبونه على مقدراتها».
بعد إقدام الجيوش البريطانيّة الغازيّة على إحلال مدينة الفاو وتوجهها نحو البصرة في 1 تشرين الثاني ١٩١٤م، استغاث أهالي البصرة بعلماء الدين، ومراجع المسلمين في العتبات المقدّمة (النجف، وكربلاء، الكاظمية)، ومختلف البلدان العراقيّة، ببرقيات يطلبون فيها منهم أنْ ينهضوا بالأمر، ويعلنوا الجهاد المقدّس والنفير العام، ورد في بعضها ما نصّه: «ثغر البصرة، الكفّار محيطون به، الجميع تحت السلاح، نخشى على باقي بلاد الإسلام، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع».
وقد تليت هذه البرقيّة وأمثالها علنًا في المساجد، ونادى المنادي بها في الأسواق، وأخذ الوعّاظ والخطباء يلهبون مشاعر الناس بخطبهم الحماسيّة، ويؤكّدون خطر الإنكليز على الإسلام والمسلمين، كما أتى وفدٌ من بعض الشخصيّات المحترمة من السُنّة والشيعة في بغداد إلى النجف الأشرف، ولدى وصولهم استقبلوا بحفاوةٍ بالغة، ثم عُقد اجتماعٌ حافلٌ في جامع الهندي وهو من أكبر مساجد النجف الأشرف القديمة، حضره كبار المجتهدين والعلماء ورؤساء
العشائر العراقية، حيث خطب فيهم آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحبوبي، وآية الله الشيخ عبد الكريم الجزائري، وآية الله الشيخ محمد جواد الجواهري. وممّا اتفق عليه الخطباء هو وجوب مساعدة أهالي البصرة في طرد الأعداء من بلادنا بعد ذلك ذهب الشيخ حميد الكليدار إلى الكوفة لمقابلة المرجع الديني الأعلى الإمام السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، وعرض أمر الجهاد عليه، فوافق السيد اليزدي على إرسال ولده السيد محمد لينوب عنه في استنهاض العشائر للجهاد، وفي ١٦ كانون الأول ١٩١٦م، صعد اليزدي المنبر في الباحة الكبرى لمقام أمير المؤمنين عليهالسلام في النجف الأشرف، وخطب في الناس خطبةً حثّهم فيها على الدفاع عن البلاد الإسلاميّة، وأوجب على الغني العاجز بدنًا، أنْ يجهز من ماله الفقير القوي. فكان لكلامه أثرٌ طيب رددته الأطراف.
وقد توجّه على أثر ذلك من النجف إلى ساحة الحرب عن طريق الفرات عددٌ من الفقهاء المجتهدين مع أتباعهم، وصاروا ينزلون في المدن والعشائر الواقعة في طريقهم بغية تحريضهم على الجهاد، وكان أعظم أولئك المجاهدين تأثيرًا في الناس هو آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحبوبي، فقد خرج من النجف مع جماعةٍ من أصحابه الكرام، ومن أبرزهم كان أمين سره آية الله السيد محسن الطباطبائي الحكيم، وذلك عصر يوم ١٥ تشرين الثاني ١٩١٤م، حيث تقلّد سيفه، وكانت الطبول تقرع أمامه إيذانا بالنفير العام. وبعد نزوله (رحمه الله تعالى) في كثيرٍ من المدن والعشائر وصل الناصريّة في منتصف كانون الثاني ١٩١٥م، وكان فيها أثناء مكوثه دائب الحركة، حيث كان يتجول بين العشائر المجاورة، ويرسل أعوانه من شبان الطلبة كالشيخ باقر الشبيبي وعلي الشرقي
إلى العشائر البعيدة لحثّهم على الانضمام إلى حركة الجهاد.
كما ذهب وفدٌ من كبار علماء النجف الأشرف أيضًا في ٢٩ تشرين الثاني سنة ١٩١٤م، إلى بغداد لحثّ الناس على الجهاد برئاسة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى الشيخ فتح الله المعروف بشيخ الشريعة الأصفهاني، ومندوبون عن الإمام السيد اليزدي كان أبرزهم: آية الله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وآية الله السيّد علي الداماد التبريزي، وآية الله السيّد مصطفى الكاشاني، والسيّد محمد نجل الإمام السيّد محمد كاظم اليزدي وغيرهم من الأعلام.
وعند وصولهم إلى الكاظميّة كان أهالي بغداد والكاظمية في استقبالهم، وعلى رأسهم كان آية الله السيد مهدي الحيدري، وآية الله الشيخ مهدي الخالصي.
وبعد تلك اللقاءات التأريخيّة في بغداد قام آية الله السيد مهدي الحيدري - وكان شيخًا كبيرًا قد قارب الثمانين من عمره الشريف - بقيادة قوافل المجاهدين والمتطوّعين من أهالي بغداد والكاظميّة إلى مدينة القرنة القريبة من البصرة في جنوب العراق.
وفي معركة الشعيبة وهي تقع على تسعة أميالٍ جنوب البصرة ما بين الأتراك والمجاهدين من جهة، والإنكليز والجيش الهندي والإنكليزي من جهةٍ أخرى، وبعد معارك دامية بين الفريقين استمرت أيامًا أشاع الإنكليز خبرًا أنّ القائد التركي سليمان عسكري بك قد استشهد ممّا أثر على معنويات الأتراك والمجاهدين فانهزموا، وقد تبيّن أنّ ذلك القائد التركي لا زال على قيد الحياة، وعندما علم بانهزام جيشه مع المجاهدين أطلق النار على نفسه ومات منتحرًا.
لقد كان لنتائج معركة الشعيبة الأثر العميق والحزين في نفوس المجاهدين، وقد تسبّب بوفاة آية الله السيّد محمد سعيد الحبوبي حزنًا وكمدًا؛ لما شاهده من
هزيمة للمعسكر الإسلامي في الوقت الذي كان بالإمكان تحقيق النصر على الإنكليز، لولا سوء تقدير وإدارة القيادة العثمانية للعمليات الحربية! وقد صنّف جاويد باشا وهو أحد كبار القادة الأتراك في العراق آنذاك سنة ١٩١٦م، كتابًا بالتركية تحت عنوان (حرب العراق)، أظهر فيه الأخطاء الفظيعة التي اقترفتها القيادة التركيّة العليا في العراق، وأسهب في ذكر معايبها، وطيش المسؤولين الكبار فيها.
والشيء الذي نقرأه ونلمسه في جميع فصول الجهاد التي قام بها مراجع النجف، وكربلاء، والكاظمية الأعلام تحت راية الخلافة العثمانيّة، وفي تلك السنوات العجاف من حياة الأمة الإسلاميّة منذ احتلال الفاو في: 7/11/1917م، ولغاية سقوط بغداد في 11/3/1917م، هو رفضهم لقبض ليرةٍ واحدةٍ من أموال الدولة العثمانية، واكتفاؤهم بتزويد الدولة للمجاهدين بالسلاح، وببعض السفن الشراعيّة، وبقليلٍ من المُؤن. حيث كان فقهاء النجف الأشرف وكربلاء والكاظمية يساعدون المجاهدين من أموال الزكاة، والخمس، والتبرعات، ومن أموالهم الخاصة: فلقد كان آية الله السيد محمد سعيد الحبوبي غنيًّا وله أملاك خاصة، قام برهنها وصرفها على المجاهدين.
كما جاء في سيرة آية الله السيد مهدي الحيدري كبير علماء الكاظميّة وبغداد ما يلي: «أمّا المجاهدون، فبعد أنْ تكاملت جموعهم في العمارة، وعُبّئت القبائل تعبئةً كاملة، تحرّك السيّد مهدي الحيدري (مرة ثانية) إلى ساحة الحرب- وكانت قريبةً من القرنة - قبل بقية العلماء. ونزل في مقر القيادة العسكريّة. وبعد نزول
السيد جاء القائد نفسه لزيارته والسلام عليه، ثم عرض عليه أنّه يريد أنْ يقدّم للمجاهدين ما يحتاجون إليه من المؤن والأموال، فرفض السيّد ذلك رفضًا باتًا، وقال: إنّنا مستغنون عن مساعدتكم، ولو تمكّنا نحن على مدكم بالمال والطعام لفعلنا، فشكر القائد له هذا الشمم العربي والإباء الكريم، ثم استأذنه وقبل يديه وخرج».
بعد سقوط بغداد بأيدي الإنكليز في ۱۱ آذار ۱۹۱۷م، ذلك السقوط الذي وصفه أحد كبار المجاهدين آية الله السيد مهدي الحيدري بأنّه (سقوط الإسلام من السماء إلى الأرض)؛ وذلك لما تمثّله بغداد للإسلام والمسلمين عبر تأريخها الحضاري القديم والحديث، من حملها لراية الإسلام، والدفاع عن المسلمين .فبعد ذلك الحدث الكبير اتّفق قادة المجاهدين من العلماء الأعلام، ورؤساء العشائر في النجف الأشرف على تأسيس حزبٍ إسلاميّ لمواجهة الاحتلال البريطاني في العراق، ومن خلال مشروعٍ إسلاميّ يسعى لإقامة حكومةٍ إسلاميّةٍ، ودعم الجهود الرامية إلى الوحدة العربيّة المستقلة تمامًا عن النفوذ الأجنبي. وقد وضع المشروع علماء مجتهدون منهم: عبد الكريم الجزائري، ومحمد علي بحر العلوم، محمد علي الدمشقي، وعباس الخليلي، وقد اتخذت هذه الجمعيّة النجف الأشرف مركزًا لها، كما انضمّ إليها معظم رؤساء القبائل العربيّة في النجف الأشرف.
قادت هذه الجمعيّة ثورة النجف في آذار ۱۹۱۸، التي صادفت بتوقيتها الذكرى الأولى الاحتلال بغداد من قبل الإنكليز، حيث قام الحاج نجم البقّال،
وهو عضو في الجناح العسكري للجمعية، بقتل الحاكم البريطاني للنجف الكابتن مارشال وجرح مساعده، وهما من الجنسيّة البريطانيّة، بعد ذلك حُوصرت النجف من جميع جهاتها لمدة ٤٥ يومًا من قبل ثمانية الآف جندي بريطاني. وقد انتهت تلك الانتفاضة المباركة بإعدام قادة الجناح العسكري للجمعيّة، ونجاة سكرتير الجمعية الذي حُكم عليه بالإعدام، واستطاع الهرب من المعتقل، ونُفي تسعون عضوًا من أعضائها منهم تسعة إلى الهند، وقد قدرت خسائر البريطانيين في هذه الانتفاضة بسبعمائة قتيل.
ويمكن اعتبار نهضة النجف وانتفاضتها تلك أنّها كانت أول ثورةٍ لمدينةٍ عربيةٍ إسلاميّةٍ ضدّ الاحتلال البريطاني في العالم الإسلامي. كما شُنق من أبناء هذه المدينة أحد عشر شخصًا، وهم بهذا أوّل عراقيين يشنقون من قبل الإنكليز، كما أعطت تلك الثورة أول مجموعةٍ عراقيةٍ تجاوز عددها المائة شخص، يُساق قسمٌ منها إلى المنفى خارج العراق، والقسم الباقي إلى سجن بغداد. وبهذا تكون النجف الأشرف في عام ۱۹۱۸م، أول مدينةٍ إسلاميّةٍ في القرن العشرين تكتب بدماء أبنائها ومجاهديها ملحمة الحريّة والاستقلال للمدن وللشعوب الإسلاميّة، وللجامعات والحوزات العلميّة في العالم الإسلامي، رافعةً راية تنظيم مقاومة الاستعمار من خلال إنشاء الأحزاب والجمعيّات الإسلاميّة.
بعد انتكاسة مشروع جمعيّة النهضة الإسلاميّة في النجف، وقيام الإنكليز بانتهاك حقوق الإنسان المسلم في العراق، وبمئات التعديات على العراقيين،
أفتى الإمام الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي بما يلي: «مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم ضمن مطالبتهم، ورعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسّل بالقوة الدفاعية، إذا امتنع الإنكليزي عن قبول مطالبهم».
كان لهذه الفتوى الأثر البالغ سواء في إثارة مشاعر قبائل الفرات الأوسط، أم المدن المقدّسة، ممّا ألهب لهيب الثورة وزاد من اتساعها وظروفها، فشملت مناطق عديدة مثل المشخاب والشاميّة وغيرها. على أثر ذلك انسحب الإنكليز من النجف في ليلة ٢٨ شوال ۱۳۳۸هـ الموافق ١٥ تموز ۱۹۲۰م، وذلك على أثر إحساسهم بغليان الثورة في الفرات الأوسط. وقد قام أهالي النجف بنهب السراي والاستيلاء على مائتي بندقية وزعت على أحياء النجف الأربعة وصارت النجف، بعد إعلان الثورة فيها، تحكم نفسها بنفسها على الطريقة العشائرية العامّة، كما تم إنشاء حكومةٍ مؤقتةٍ من قبل النجفيين للنظر في الشؤون العامّة التي تتعلّق بشؤون الثورة.
وفي أثناء قيام تلك الثورة المباركة فقد العراق والعالم الإسلامي الإمام الميرزا الشيخ محمد تقي الشيرازي بانتقاله إلى رحمة الله تعالى. وقد استقرّ الرأي في النجف على مبايعة آية الله العظمى الشيخ فتح الله المعروف الشيخ الشريفة الأصفهاني مرجعًا أعلى، وقائدًا عامًّا للثورة وللثوار. وقد انتهز حاكم العراق البريطاني (ويسلون) هذه الفرصة بمحاولة عرض الصلح على شيخ الشريعة الأصفهاني من خلال رسالةٍ مؤرخةٍ في ۲۷ آب ۱۹۲۰م، طبعت منها القيادة البريطانيّة في العراق آلاف النسخ جرى توزيع بعضها بواسطة الطائرات، كما
نشرتها في الصحف التابعة لها في بغداد والموصل، والبصرة.
وقد استدعى الشيخ الأصفهاني حاشيته ومستشاريه للمداولة في هذا الأمر، فانقسموا إلى فريقين، فريق يستحسن المفاوضة مع الإنكليز؛ لأنّ الثوار قد نفد ما لديهم من ذخيرة، وأنّ الإيمان وحده لا يكفي لمقاومة الجيوش البريطانية الجرارة. والفريق الثاني كان يرى أنّ مفاوضة الإنكليز لا فائدة منها، ومن الأفضل أنْ يحارب الثوار الإنكليز حتى آخر طلقةٍ نارية، وحتى يعلم الناس أنّ الثورة أخفقت بسبب نفاد السلاح والذخيرة وهذا خيرٌ من الرضوخ والاستسلام للإنكليز، ولتسمع الدول والشعوب الحرّة في العالم احتجاجات الثوار.
وكانت الغلبة في هذه المشاورات للفريق الثاني، واستقرّ الرأي على أنْ يكون الردّ على ويلسون بأسلوبين: أحدهما بشكل رسالةٍ موجّهةٍ إلى ويلسون من الإمام آية الله شيخ الشريعة الأصفهاني، وهي تعلن الرفض بأسلوبٍ معتدلٍ يناسب مقام الأصفهاني، والثاني بشكل بيانٍ عامٍّ مكتوبٍ بأسلوبٍ شديد اللهجة.
وكان خلاصة تلك المشاورات تنظيم عريضةٍ موجّهةٍ إلى عصبة الأمم وإلى الدول والشعوب الحرّة في العالم، وقّع عليها جميع زعماء المعارضة للحكم البريطاني في العراق، يضعون فيها النقاط على الحروف، ويوضحون فيها تعدّيات الجيش الإنكليزي على حقوق الإنسان في العراق، ويطالبون فيها بالاستقلال والحريّة طالبين من الدول والشعوب الحرّة في العالم مساعدتهم في ذلك.
قال السيّد محمد صادق بحر العلوم ملخّصًا ومؤرّخًا لتلك الثورة المجيدة: «لثورة العشرين أهميّةٌ خاصّة، حيث إنّ ١٣٠ ألف ثائرٍ من الفلاحين والبدو وسكّان المدن، شهروا السلاح في وجه أقوى دولةٍ إمبرياليّةٍ في ذلك الحين،
وقاتلوا قواتها المتفوّقة عددًا وعدةً لأكثر من خمسة أشهرٍ بشجاعةٍ لم يسبق لها مثيل.
وإنّ الانتفاضات التي قام بها الشعب العراقي، والتي انطلقت من المدن المقدّسة ابتداءً من النجف الأشرف، دفعت بسريانها ضدّ الاستعمار البريطاني خلال ۱۹۲۰، و۱۹۲٤، و۱۹۲۷ و۱۹۲۸م. والانتفاضة الجبّارة التي حدثت خلال الأعوام ۱۹۳٥ و۱۹۳۸م، سجّلت أحداثًا مجيدةً في تاريخ النضال التحرري للشعب العراقي. الحدث العظيم الذي حدث في ميثاق النجف ۲۳ آذار ۱۹۳٥م الموجّه من الشعب العراقي إلى مرجع المسلمين الشيعة آنذاك الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.
واستمر العراق بعطائه حتى كانت اتفاقية بورتسموت ١٩٤٨م حيث أحبطها الشعب بثورته، ومزّق اتفاقيتها، وامتدت أعوام الجهاد حتى عام ١٩٥٦م عندما قام العدوان الثلاثي البريطاني والفرنسي والإسرائيلي على الشقيقة مصر، فكان الشعب العراقي يقف بالمرصاد الحكومة العراق فتظاهر مستنكرًا، وسقط الضحايا برصاص نوري السعيد.... ».
وبعد النهاية المأساويّة لتلك الثورة المجيدة، فُجع العراق والعالم الإسلامي بوفاة كبير علماء النجف الأشرف الإمام شيخ الشريعة الأصفهاني قدسسره ، وهو صاحب مدرسة كبرى في الجهاد، وفي مقاومة الاستعمار البريطاني في العالم الإسلامي بظروفٍ مريبةٍ تدعو للتساؤل عن سبب وفاته!
وبعد فإنّ مدينة النجف الأشرف وما تمثّل لكلّ مسلمٍ ومسلمةٍ من معانٍ وقيم، ومُثُلٍ عليا للقيادة العلمائيّة الحكيمة قامت عبر تاريخها القديم منذ أيام الشيخ الطوسي قدسسره في سنة ٤٤٨هـ الموافق لعام ١٠٥٦م، ولغاية سنة ١٣٣٢هـ الموافق لعام ١٩١٤م، بحمل الرسالة الإسلاميّة خير قيام بفتحها لأبواب الاجتهاد في الشريعة الإسلاميّة، وفي آداب اللغة العربيّة، وفي الفلسفة والحكمة، والمعارف الإسلاميّة، ومن أمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر. وما هذا وذاك إلّا الاقتداء بسيّد النجف وإمامها أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام، الذي قال: «العِلمُ مَقرونٌ إلَى العَمَلِ، فمَن عَلِمَ عَمِلَ، ومَن عَمِلَ عَلِمَ، والعِلمُ يَهتِفُ بِالعَمَلِ، فإن أجابَهُ وإلّا ارتَحَلَ عنه».
وأمّا دور النجف الأشرف ومراجعها الأعلام في القرن العشرين منذ سنة ١٩١٤م الموافق العام ١٣٣٢هـ، ولغاية أيامنا هذه في نهاية العام ۲۰۰۲م الموافق لعام ١٤٢٣هـ ، فكان هو حمل رسالتها القديمة في فتح أبواب الاجتهاد في المعارف الإنسانيّة والإسلاميّة مع رسالة الجهاد في سبيل الله تعالى، ومقاومة الاستعمار ونفوذه في العراق وخارجه، بالكلمة والموعظة الحسنة، وبالمقاومة للاستعمار والنفوذ البريطاني والأمريكي في العراق، وإيران ، وأفغانستان ، وكشمير، ولبنان، وفلسطين، وتفصيل الكلام حول هذا يستدعي تصنيف عدة مصنفات في هذا الباب .
ومن أسباب هذا التوفيق الإلهي لعلماء النجف الأشرف ومراجعها الأعلام زهدهم بالدنيا، ورفضهم لأموال السلطات الرسميّة ووزارة الأوقاف وإيمانهم
أنّ الإسلام هو دين التوحيد وتوحيد الكلمة. وأنّ الله تعالى لا يقبل إسلامنا دون إيماننا بالوحدة الإسلامية بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة، ودون رفعنا لراية الجهاد في سبيل الله تعالى، مصداقا لقول الله تعالى : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
1.القرآن الكريم
2. البهادلي، علي، الحوزة العلميّة في النجف، دار الزهراء للطباعة والنشر، لبنان- بيروت، 1993م.
3. الحسني، عبد الرزاق، الثورة العراقيّة الكبرى، مؤسّسة المحبين، إيران- قم المقدسة، الطبعة الأولى، 1426هـ
4. الجبوري، سلمان، حركة الجهاد وموقف النجف ضد الغزو الأجنبي، مؤسّسة العارف للمطبوعات، لبنان- بيروت، الطبعة الأولى، 2002م.
5. الشريف الرضي، محمد، نهج البلاغة لأمير المؤمنين عليهالسلام، تحقيق: قيس بهجت العطار، مؤسسة الرافد للمطبوعات، إيران- قم المقدسة، 2010م.
6. عبده، محمد، شرح نهج البلاغة، دار الجيل للطباعة والنشر، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى. 1996م.
7. مركز كربلاء للدراسات والبحوث، النجف الأشرف إسهامات في الحضارة الإنسانيّة، لندن، الطبعة الأولى، 2000م.