فهرس المحتويات

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)

 

مقدّمة المركز

تهدف هذه السلسلة إلى قراءة حقبة الاستعمار وما بعده، وتحديد أوجه الأهداف التي تحرّك في ضوئها، وبيان الأضرار التي أحدثها في بنية البلدان المستعمَرة، في شتّى الشؤون السياسيّة والاقتصاديّة والمدنيّة والتعليميّة والاجتماعيّة والدينيّة، وموقفه من المؤسّسات الدينيّة، وعلماء الدين، وحملة الفكر، والقادة الجماهيريين.

ولا يُنكر بأنّ الاستعمار اتّخذ بعض الاجراءات التي أسهمت في تطوير بعض القطاعات المدنيّة، وحقّقت منافع محدودةً وعابرةً؛ غير أنّ هذه الإجراءات لم تكن سوى أدواتٍ وظيفيّةٍ خضعت في جوهرها، لمنطق المشروع الاستعماري وأهدافه الكلّيّة. وهذا ما تسعى إبرازه هذه السلسلة، عبر تسليط الضوء على الأهداف المضمرة للمنظومة الاستعماريّة، وبيان ما خلّفته من معاناةٍ مركّبةٍ لدى الشعوب التي خضعت لهيمنتها، ولا سيّما ما أحدثه الغزو الثقافي من آثارٍ بعيدة المدى في الهويّة الثقافيّة والدينيّة والاجتماعيّة، وما ترتّب عليه من إضعافٍ لمفهوم المواطنة، وتشكيكٍ بالقيم، وتغريبٍ للوعي الجمعي، وتمزيق الوحدة بإيجاد الاختلافات وتنمية الانقسامات وبثّ الفرقة، وتعميق الاختلاف الطائفي والعنصري والقومي والديني وافتعال الأزمات، وتكوين ثقافةٍ بديلةٍ تقوم على تعظيم ثقافة المحتلّ، وتهويل قوته العسكريّة والسياسيّة، لصناعة أجيالٍ تؤمن بعظمة المحتلّ وقوته، وتوهين القدرة الذاتيّة على النهوض، ومن ثم إشعار العالم الإسلاميّ والعربيّ بالضحالة والعجز.

ولا تغفل السلسلة عن دور المقاومة الدينيّة والفكريّة والعلميّة والأدبيّة

(9)

والميدانيّة وكذلك السياسية في مناهضة مشروع الاستعمار، وبيان الروح الوطنية التي تحلّى بها أبناء البلد.

هذه السياسات والمواقف تسعى السلسلة إلى قراءتها قراءةً واعيةً موضوعيّةً، وقراءة دواعي المحتلّ لإيجادها، وآثار ذلك حتى الوقت الراهن؛ للخروج بصورةٍ واضحةٍ عن السياسة الاستعماريّة، وما تُخلِّف من خرابٍ مُستدامٍ في واقع الشعوب؛ ممّا يسهم في فهم الآخر والواقع، وتكوين وعيٍ وطنيّ مستقلٍ للحاضر والمستقبل.

وفي هذا السياق يأتي كتاب (موقف عشائر جنوب العراق من الاحتلال البريطانيّ للعراق 1914 - 1918م) لمؤلّفه الدكتور حسن موات الفرطوسي، دراسةً تاريخيّةً توثيقيّةً تسلّط الضوء على الدور الوطني والجهادي للعشائر التي رفضت الاستعمار البريطاني في البصرة والعمارة والمنتفق خلال حقبةٍ زمنيّةٍ مفصليّةٍ من تاريخ العراق. يتألّف الكتاب من ثلاثة فصولٍ رئيسةٍ تبحث في التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة التي رافقت تغلغل النفوذ البريطاني حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.

بدأ المؤلّف بتتبع أصول عشائر الجنوب وموقفها من السلطة العثمانيّة (1869-1914م)، موضّحًا كيف أدّت سياسات (الالتزام)، و(الطابو) العثمانيّة إلى إضعاف الاتّحادات العشائريّة، ممّا مهّد الطريق لتغلغل النفوذ البريطاني.

ثم انتقل لبيان المواجهة العسكريّة المباشرة بين عامي 1914 و1918م، حيث يوثّق استجابة العشائر لفتوى الجهاد التي أطلقها علماء الدين. ويفنّد الكتاب الاعتقاد البريطاني بأنّ العشائر ستدعمهم نكايةً بالعثمانيين؛ إذ أثبتت الوقائع انخراط عشائر الجنوب في معارك طاحنة مثل (الشعيبة)، و(القرنة)، و(سوق الشيوخ)، مقدّمةً الغالي والنفيس للدفاع عن أرضها.

 

(10)

واختتم الباحث بتوضيحٍ حول الإدارة البريطانيّة للمناطق المحتلّة، مستعرضًا القوانين العسكريّة والماليّة التي فُرضت لترسيخ السيطرة، مثل (نظام دعاوى العشائر 1916). كما كشف عن استخدام سلطات الاحتلال لسياسة (فرّقْ تَسُد)، والترغيب والترهيب لكسب ود بعض الشيوخ، مع إهمال الخدمات الأساسيّة كالتعليم والصحة.

خلص الكتاب إلى أنّ عشائر جنوب العراق مثّلت (قوّةً ثالثةً) فاعلةً أربكت حسابات الدولتين العثمانيّة والبريطانيّة على حدٍّ سواء، مؤكّدًا حالة الوعي الوطني المبكّر الذي تجلّى في مقاومة كلّ أشكال السيطرة الأجنبيّة.

 

 

 

                                   المركز الإسلاميّ للدراسات الإستراتيجيّة

                                             العراق / النجف الأشرف

 

 

(11)
(12)

 

 

مقدّمة

 (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗمَا كَان حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيل كُــــــلِّ شَيْءٍ وَهُـــدًى وَرَحْمَةً لِّقَــوْمٍ يُؤْمِنُونَ)

سورة يوسف، الآية 111

شكّلت عشائر جنوب العراق جزءًا مهمًّا من المجتمع العراقي، وقد تمكّنت من تشكيل اتحادات وأمارات أثرت في مجرى الأحداث، وذلك بفضل الظروف التي مر بها العراق بعد سقوط الدولة العباسية.

سعت الدولة العثمانية ومنذ بداية احتلالها للعراق 1534 للاستفادة من تلك القوة؛ إذ أصبحت السلطة العثمانية تعتمد على تلك العشائر في بسط الأمن ومجابهة الأخطار الخارجية، وفي بعض الأحيان تحوّلت تلك العشائر إلى عدو ومصدر قلق لها، وبما أن عشائر العراق، ومنها عشائر الجنوب خاصة، لم تألَف الخضوع لسلطات الاحتلال، فقد لجأت الأخيرة إلى إيجاد نظام يسهّل السيطرة عليها، فقد أوْلَت السلطة العثمانية الاستفادة من نظام الالتزام والطابو في إنهاء هذه الاتحادات وبسط سيطرتها عليها، مما أدى إلى نشوب صراع عسكري مستمر.

لا شكّ في أن الصراعات بين سلطات الاحتلال العثماني والعشائر العراقية، فضلًا عن أسباب أخرى، أدّت إلى إضاعف سيطرة العثمانيين على جنوب العراق، مما أدى إلى تغلغل النفوذ البريطاني في العراق، والذي تعرض هو الآخر إلى مقاومة من تلك العشائر.

(13)

وإثر نشوب الحرب العالمية الأولى 1914-1918 وإعلان الحرب بين الدولة العثمانية والبريطانية، كانت العشائر تمثّل قوة ثالثة مقلقة للطرفين (العثماني- البريطاني) لها مكانتها على الأرض، كما كانت القيادة البريطانية تتوقّع الحصول على مساعدة تلك العشائر في حربها ضد العثمانيين، بسبب اضطهادهم لتلك العشائر، إلّا أن الروح الوطنية لتلك العشائر أثبتت عكس ذلك؛ إذ سارع أبناؤها إلى بذل الغالي والنفيس من أجل صدّ الاحتلال البريطاني لأرض الوطن، وقد كان لها دور كبير في مقاومة الاحتلال البريطاني للعراق؛ إذ اعتمدت السلطات العثمانية على تلك العشائر بشكل رئيسي في صد الاحتلال البريطاني للعراق.

تناولت الدراسات الجامعية في العراق الكثير من جوانب تاريخه الحديث والمعاصر، فاعتنت بدراسة الشخصيات البارزة التي كان لها دور واضح في مجريات الأحداث، كما بحثت في دراسة الحركات والأحزاب السياسية، وتناولت علاقات العراق العربية والدولية، كما أنها عَنَت في المدة الأخيرة بدراسة بعض المؤسسات التي كان لها شأن في تطور العراق، مثل التربية والتعليم، والصحة، إلا أن أحدًا لم يسلّط الضوء على موقف عشائر جنوب العراق من الاحتلال البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى 1914-1918 بشكل تفصيلي، ومن أجل ذلك جاء اختيار موضوع الدراسة لتسليط الضوء على الدور الوطني والجهادي لعشائر العراق في التصدي للاحتلال البريطاني ورفض السيطرة العثمانية وتحرير البلاد من كل أنوع السيطرة الأجنبية، وعبّرت الرسالة عن حالة الوعي لدى أبناء العشائر في التصدي لكل أنواع الاحتلال منذ بداية القرن العشرين.

تبدأ الدراسة بعام 1914 الذي شهد هجوم القوات البريطانية على العراق في 5 تشرين الثاني 1914، كما شهد تصدي عشائر جنوب العراق لها، وسعي سلطات الاحتلال البريطاني للقيام بعدد من الإجراءات الإدارية لتنظيم السيطرة وتسخير كافة

(14)

الإمكانات الاقتصادية والبشرية في البلاد لصالحها، وتوقّفت الدراسة عند نهاية عام 1918، وهو العام الذي انتهت فيه القوات البريطانية من احتلال العراق، وتمكّنت من إنهاء الحكم العثماني فيه.

والجدير بالإشارة أن الباحث اضطر أحيانًا إلى تجاوز جانب التسلسل التاريخي من أجل المحافظة على وحدة الموضوع، محاولًا تحقيق الفائدة العلمية قدر الإمكان، وأما بخصوص مصطلح عشائر جنوب العراق، فقد أطلقه الباحث على عشائر (البصرة، العمارة، المنتفق) فقط؛ باعتبار ان تلك العشائر تتداخل في هذه الألوية الثلاثة، فضلًا عن أنها شكّلت ولاية البصرة في مدة الدراسة.

وتطلّبت دراسة الموضوع تقسيمه على مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، حيث تم استعراض أهم الاستنتاجات التي توصّلنا إليها، هذا فضلًا عن عدد من الملاحق، إلى جانب خلاصة باللغة الإنكليزية.

خُصّص الفصل الأول كمدخل لاستعراض أهم عشائر جنوب العراق وموقفها من سلطة الاحتلال العثماني والنفوذ البريطاني 1869 - 1914، وقد قُسِّم الفصل على ثلاثة مباحث؛ تضمّن الأول منها تعريفًا بأهم عشائر جنوب العراق وأصلها القبلي؛ أما المبحث الثاني، فقد سلّطنا فيه الضوء على موقف عشائر جنوب العراق من سلطة الاحتلال العثماني خلال المدة 1869 - 1914، بينما عالج المبحث الثالث تغلغل النفوذ البريطاني في العراق والطرق التي اتّبعتها حكومة بريطانيا في تثبيت مصالحها وتوسيع في العراق، وموقف عشائر جنوب العراق من هذا النفوذ.

وتناول الفصل الثاني الاحتلال البريطاني 1914- 1918 للعراق ودور عشائر جنوب العراق في التصدي لهذا الاحتلال من خلال مشاركتها الفاعلة في المعارك ضد قوات الاحتلال البريطاني، وقسم إلى ثلاثة مباحث، تطرق الأول منها إلى موقف

(15)

عشائر جنوب العراق من الاحتلال البريطاني للبصرة 1914 - 1918، إذ سلّط الضوء على دور أبناء العشائر في المعارك التي حدثت في لواء البصرة، وكيف دخلتها القوات البريطانية، وموقف القوات العثمانية في ذلك الوقت، ومصير تلك العشائر؛ بينما تضمّن المبحث الثاني موقف عشائر لواء العمارة من الاحتلال البريطاني 1914 - 1918، وتطرّقنا إلى دور أبناء تلك العشائر في معارك البصرة وعلى جبهة الحويزة، فضلًا عن دفاعهم عن مدنهم؛ وفي المبحث الثالث تم تسليط الضوء على موقف عشائر لواء المنتفق من الاحتلال البريطاني 1914 - 1918 وكيف قاومت عشائر المنتفق هذا الاحتلال، وكيف انتصرت عليه في بعض المعارك، كما بقيت أجزاء من اللواء عصية بوجه الاحتلال، وذلك حتى احتلال بغداد عام في 11 آذار 1917.

أما الفصل الثالث، فقد عُنِيَ بدراسة الإدارة البريطانية في عهد الاحتلال 1914 - 1918 وموقف عشائر جنوب العراق منها، إذ ناقشنا فيه تشكيل الإدارة المدنية البريطانية والكيفية التي تمت بها إدارة هذه المناطق، وأهم الإجراءات الإدارية المتَّخذة من قبل هذه الإدارة، وقد قسم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث؛ خُصِّص المبحث الأول للحديث عن تشكيل الإدارة العسكرية والسياسية 1914-1918 من أجل بسط الأمن في المناطق المحتلة من خلال تأسيس مؤسسات عسكرية وسياسية تسهل عملية السيطرة على أبناء المناطق المحتلة، وتضمن حماية قوّاته المنتشرة فيها، فضلًا عن إجراءاتها الفعّالة في كسب ود شيوخ العشائر العربية إلى جانبها في محاولة منها لترسيخ ما خطّطت له في مرحلة الحرب العالمية الأولى، وقد ناقشنا في المبحث الثاني الإدارة القضائية والمالية والكيفية التي أدارت بها الإدارة المدنية المجتمع العشائري في جنوب العراق، ومحاولتها وضع قوانين تسهّل حكم المناطق المحتلّة وفق ما تراه مناسبًا لسلطات الاحتلال البريطاني، كما عملت على تنظيم الإدارة المالية من أجل

(16)

توفير نفقات قوّات الاحتلال الموجودة في البلاد وتقليل الأعباء المالية عن الحكومة البريطانية، وركّز المبحث الثالث على الجانب الاجتماعي في الإدارة المدنية؛ إذ أشار هذا المبحث إلى الطرق والوسائل التي اتّبعتها سلطات الاحتلال في سبيل الحصول على اليد العاملة لتنفيذ مشاريعها الخاصة لخدمة جيش الاحتلال، وتطرق إلى الخدمات الصحية والتعليمية، وما مدى عناية سلطات الاحتلال فيها؛ إذ تعرّضت هذه المؤسسات إلى إهمال كبير، ولم تتمكّن من تلبية طموح المواطنين ولو بشيء بسيط.

ولـمّا كان الهدف من هذه الدراسة تحرّي الحقائق العلمية لرسم صورة صادقة عن الموضوع، كان لا بد من الرجوع إلى المصادر الأصلية كي يكون عرض الوقائع وتفسيرها سليمًا وصحيحًا؛ ولذلك فقد استقت الدراسة مادتها العلمية من مجموعات متنوعة من الوثائق والمصادر المتنوعة العربية منها والأجنبية، وقد قدمت هذه المادة في مجملها معلومات قيمة ومهمة غطّت جوانب الرسالة المتعددة.

اعتمدت فصول الكتاب ومباحثه على مجموعة كبيرة من المصادر والمراجع والدراسات العربية والأجنبية، يأتي في مقدمتها عدد من الوثائق غير المنشورة المحفوظة في دار الكتب والوثائق الوطنية في بغداد، التي أمدّته بمعلومات قيمة، كما استند البحث على مجموعة من الوثائق المنشورة أيضًا، في مقدمتها وثائق وزارة الخارجية البريطانية (Foreign Office).

في حين تُعدّ الوثائق العراقية والبريطانية من المصادر التي شغلت أهمية استثنائية بالنسبة إلى موضوعات الرسالة، ومنها كتاب (تقرير سري لدائرة الاستخبارات البريطانية عن العشائر والسياسة) الذي ترجمه الدكتور عبد الجليل الطاهر، وقد بيّن هذا التقرير الأحوال الاجتماعية والسياسية للعشائر العراقية وعلاقتها بالإدارة البريطانية عام 1917م، و(وثائق الثورة العراقية الكبرى ومقدماتها ونتائجها 1914-1923)

(17)

الذي أعده وقدّمه الجبوري، كامل سلمان في خمسة أجزاء، إذ أفاد الدراسة الجزء الأول الذي بين فيه فتاوي الجهاد، والرسائل التي وجّهها رجال الدين إلى عشائر جنوب العراق للاشتراك بالجهاد، وكتاب (دليل الخليج) لمُؤلَّفه ج. ج لوريمر الذي أغنى الفصل الأول بأدق التفاصيل من المعلومات التاريخية.

فضلًا عن ذلك، رفدت الدراسة بعدد من المصادر العربية، ولاسيما الكتب ذات العلاقة بموضوع الدراسة، ويأتي في مقدمتها كتابَا(عشائر العراق) و(تاريخ العراق بين احتلالين) للمؤرخ العراقي عباس العزاوي، فقد احتويا على معلومات قيمة ومفصّلة عن العشائر وما طرأ من تطورات في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، وكتاب الدكتور الوردي، علي (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) الذي نقل صورة تاريخية عن الأوضاع الاجتماعية التي كان يعيشها الفرد العراقي، ومن ضمنها عشائر جنوب العراق. ومن المصادر المهمة الأخرى من تاريخ العراق كتاب (الأوضاع القبلية في ولاية البصرة أثناء الحكم العثماني الأخير 1908-1918) لمؤلّفه الدكتور السعدون، خالد حمود وكتاب (البصرة في عهد الاحتلال البريطاني 1914 -1918) لمؤلفه الدكتور حميد أحمد حمدان التميمي، فقد احتوى الكتابان على معلومات كثيرة في غاية الأهمية عن تاريخ القبائل في ولاية البصرة. فضلًا عن كتاب (موجز تاريخ العمارة) لمؤلِّفه محمد باقر الجلالي وكتاب (تاريخ العمارة وعشائرها) لمؤلِّفه عبد الكريم الندواني، وتأتي قيمة هذين الكتابين من أن مؤلفهما محمد باقر الجلالي الذي كان موظفًا إداريًّا في متصرفية لواء العمارة، فاعتمد على كثير من الوثائق المتوفرة لديه، أما عبد الكريم الندواني فقد كان من الشخصيات التي عاصرت الأحداث في لواء العمارة.

فضلًا عن كتاب الدكتور علي ناصر حسين (الإدارة البريطانية في العراق 1914-1921)، وكتاب العيساوي، عبد العال وحيد عبود ( لواء المنتفق 1914-1921)،

 

(18)

وكذلك كتاب (تاريخ مقدّرات العراق السياسي) لمؤلِّفه محمد طاهر العمري الموصلّي، حيث وفّرت هذه الكتب كثيرًا من التفاصيل القيمة للدراسة.

وأسهمت كتب المذكرات المتعددة هي الأُخرى في الكشف عن بعض الحقائق التاريخية، ولاسيما مذكّرات ضبّاط شاركوا في الأحداث التي دارت في جنوب العراق، وخاصة (مذكرات طونزند) لمؤلِّفه طونزند، قائد حملة احتلال العمارة، الذي احتوى على معلومات في غاية الأهمية تخص الجوانب السياسية والعسكرية، وكذلك (مذكّرات تحسين القصاب) لمؤلِّفه تحسين القصّاب، أحد الضباط العراقيين الذي كان في الجيش العثماني في العراق، فضلًا عن كتاب ( حرب العراق) لمؤلِّفه شكري محمود نديم، ومذكرات أُخرى أفادت الرسالة، وقد تعامل الباحث معها بما ينسجم مع ما تقتضيه المنهجية العلمية للبحث.

وقد أدّت الكتب الأجنبية المعرَّبة وغير المعرَّبة دورًا مهمًّا في رفد الدراسة بالمعلومات التاريخية والوثائقية، سيما أن قسمًا من مؤلِّفيها عاشوا في تلك المرحلة بوصفهم مسؤولين بارزين في الإدارة البريطانية، ولا يمكن لأيّ باحث في تاريخ العراق الحديث والمعاصر أن يستغني عنها، مثل كتاب «بلاد ما بين النهرين بين ولاءين» بجزئيه الأول والثاني لمؤلِّفه أرنولد ويلسن، وكتاب «العراق دراسة في تطوره السياسي 1920-1932» لمؤلِّفه فيليب ويلارد أيرلند، وكتاب «تاريخ العراق الحديث 1900-1950» لمؤلّفه ستيفن همسلي لونكريك، وكتاب «نشأة العراق الحديث» للمؤلف هنري فوستر، وكتاب «فصول من تاريخ العراق القريب» لمؤلِّفته المس بيل، و«كتاب معارك السفن الحربية على ضفاف دجلة» لمؤلِّفه أنفايس إمبرال ونفر دنن، فضلًا عن كتاب (البدو شمال ووسط الجزيرة العربية والعراق الجنوبي) للمؤلِّف الألماني ماكس فرايهير أوبنهايم حيث احتوى كتابه على معلومات مهمة حول عشائر جنوب العراق.

(19)

وشكّلت الإطاريح والرسائل العلمية المنشورة وغير المنشورة حيّزًا في مرجعيات الدراسة، حيث إن البحث سيكون ناقصاً من دونها، ونذكر منها رسالة الباحث محمد أحمد محمود حول (أحوال العشائر العراقية العربية وعلاقتها بالحكومة 1872 - 1918 ) وأطروحة الباحث شاكر حسين دمدوم حول (الشطرة في أواخر العهد العثماني1881-1917 ) وأطروحة الدكتور عمار يوسف عبد الله عويد العكيدي حول (السياسة البريطانية تجاه عشائر العراق 1914-1945).

ولم تكن صورة البحث لتكتمل من دون الرجوع إلى الصحافة العراقية وما ذكرته أو نقلته عن العشائر العراقية أو الاحتلال البريطاني؛ إذ شكلت المعلومات الواردة فيها رافدًا أساسيًّا آخر أمدّ الرسالة بمعلومات وافية عن موضوع دراستنا في جميع فصول الرسالة ومن أهم الصحف والمجلات التي استُعملتْ صحيفة (زوراء)، و(مجلة لغة العرب)، و(صدى بابل).

فضلًا عن عدد من البحوث والمقالات التي يمكن الرجوع إليها بالتفصيل في قائمة المصادر الملحقة بالكتاب.

وهنا لا بدّ من التطرق إلى بعض الصعوبات التي اعترضت طريق الدراسة، لعل أبرزها عدم الاطلاع على بعض الوثائق الخاصة بمرحلة الاحتلال، بسبب فقدان معظم هذه الوثائق، لاسيما تلك الموجودة في مركز دراسات الخليج العربي (البصرة)، ودار الكتب والوثائق (بغداد) أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.

وفي الختام، لا بد من القول إننّي لا أدّعي بأن هذه الدراسة قد بلغت حد الكمال، فذلك طموح ليس من السهل تحقيقه، ولكننا بدأنا الخطوة الأولى على طريق البحث الأكاديمي. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الطيبين الطاهرين.

(20)

الفصل الأول:
موقف عشائر جنوب العراق من السلطة العثمانية والنفوذ البريطاني 1869 - 1914م

إن دراسة موضوع عشائر جنوب العراق تحتاج إلى التعرّف على جملة مفاهيم، في مقدّمتها التعرّف على معنى القبيلة والعشيرة والفخذ والبيت، فضلًا عن معرفة أهم عشائر جنوب العراق، وذلك لكي يتسنّى لنا الخوض في هذا الموضوع.

القبيلة هي جمع من الناس ينتمون إلى جد واحد، وهي أصغر من الشعب[1]، ويكون لها مضاربها الخاصة، ويحق لأفراد القبيلة التنقّل بها، على أن لا يضروا بمصالح الآخرين، وهي تتكوّن من مجموعة من العشائر[2].

أما العشيرة، فانها مجموعة كبيرة من الناس يجمعهم الجد المشترك والنسَب الواحد، وتجمعهم صلة الدم؛ إذ يعدّون عشائرهم المجتمع الكبير الذي ينصهرون فيه ويقدّمون له ولاءهم، وتتألّف العشيرة من عدة أفخاذ، والفخذ يتكوّن من عدة عوائل من جدّ قريب لا يكاد يتجاوز الجد الخامس في الأغلب، وهي تعيش مجتمعة في مكان واحد، وقد يتفرّع الفخذ الواحد إلى عدة بيوت بسبب زيادة النفوس، وبالتالي فإنّ ما كان يُعرف بالفخذ يسمى بالعشيرة[3].

(21)

كان العراق منذ القدم محط أنظار العشائر العربية التي تبحث عن الماء والكلأ؛ إذ نزحت من الجزيرة العربية قبائل عدة تجاه العراق، وذلك في المرحلة التي سبقت الإسلام، وتجدّدت هذه الهجرة بأعداد كبيرة في صدر الإسلام عندما بدأت الفتوحات الإسلامية.

وعندما امتدّت سلطة الدولة الإسلامية على جميع اراضي العراق، أخضعت كافة العشائر لسلطاتها، إلّا أنّ مدّة التدهور السياسي الذي شهدته البلاد، بعد انهيار الخلافة العباسية عام (656هـ-1258م)، وتعاقب موجات الغزو الأجنبي، حتى مطلع عام 1534م حين خضعت بغداد للسيطرة العثمانية، جعلت الأوضاع العامة مضطربة؛ إذ لم تكن هناك سلطة مركزية قوية قادرة علــى تحقيق هيمنة فعلية على السكان[1].

وفي ظلّ هذه الأحداث فُقدَت السلطة التي تضمن الحماية للأفراد وممتلكاتهم بصورة حقيقية، فتعزّزت التجمعات القبلية، وأصبحت القبيلة صورة مصغّرة عن الدولة، حيث توفّر لأفرادها قدرًا من الأمن والحماية، وشكّلت نواة لحركة أوسع داخل العشائر في العراق، تمثّلت باتحادات وتحالفات العشائر[2]؛ إذ تكوّنت من اجتماع عدة عشائر تحت سلطة قبيلة معيّنة، كما تولى شيوخها السلطة العليا لهذا التكتّل القبلي. وهي بالفعل حالة أكثر تطورًا، حيث تعدّت نطاق القبيلة الواحدة إلى قيام اتحاد كبير، وتركّزت في المنطقتين الجنوبية والوسطى من العراق،

(22)

فــي حين استطاعت العشائر فـــي المنطقة الشمالية مــــن إقامة إمارات قبلية[1].

وتمكّنت عشائر جنوب العراق من تكوين تحالفات قوية وصعبة المراس لم تألف الخضوع للسلطة السياسية[2]، منها اتحاد قبائل المنتفق وبني لام، الذي أصبح محور التجمّع القبلي، وترك هذا الاتحاد تأثيرًا واضحًا في تاريخ المنطقة الإقليمية، إذ تعدّدت في إطارها تبعية العشائر القادمة إلى هذه المنطقة، ووجب عليها تقديم الولاء لهذين التكتّلين[3].

(23)

المبحث الأول
عشائر جنوب العراق وأصلها القبلي

أولًا: عشائر البصرة:

يرجع تاريخ البصرة[1] إلى الفتح الإسلامي لمدينة الأبلة والخريبة عام 14هـ؛ إذ كان يفترض أن تكون معسكرًا لجيش المسلمين وعوائلهم، لكن سرعان ما تحوّل المعسكر إلى مدينة كبيرة، وبُني فيها مرفأ تقصده السفن التجارية القادمة من الهند والصين، وزادت أهميتها، حتى أسماها المسلمين «خزانة العرب» و«قبة الإسلام»[2].

يقع لواء البصرة جنوب العراق، ويحدّها من الشمال العمارة، ومن الجنوب الخليج، ومن الشرق بلاد فارس، ومن الغرب صحراء الشامية[3].

وبالرغم من سقوط الدولة الإسلامية ووقوع البلاد تحت الحكم الأجنبي

(24)

الذي تعاقب عليها مدة من الزمن، حافظت البصرة على مكانتها المميزة التي جعلت منها ساحة صراع بين المحتلّين الطامعين بخيراتها، فتناوبت على حكمها عدة قوى، أهمها الفرس والعثمانيون؛ إذ انفرد الأخيران في حكمها منذ عام 1546م، ولأهمية مدينة البصرة جعلها العثمانيون ولاية[1] عثمانية تتبع لها الكثير من الأراضي المجاورة[2]. أما أهم العشائر في البصرة فهي:

1. ربيعة:

تعدّ من العشائر العدنانية الكبيرة والقديمة التي هاجرت بعض عشائرها في صدر الإسلام من الجزيرة العربية إلى العراق، ونالت مكانًة مقبولة، انتشرت عشائرها في لواء المنتفق والعمارة ولواء البصرة في القرنة[3] والأحواز[4].

وعلى الرغم من انفراط وحدتها في شبه الجزيرة العربية بسبب الانتشار، إلّا أنّها تمكّنت من إعادة تنظيم نفسها والتوحّد من جديد تحت اسم جدهم الأعلى ربيعة، وبهذا تشكّلت عشيرة ربيعة في العهد الأموي في البصرة من بكر وعبد القيس[5].

(25)

2. عشيرة الأمارة:

وهم أحد بطون قبيلة ربيعة العدنانية، وفيهم رئاسة القبيلة التي يجتمع تحتها راية جميع عشائر ربيعة، وبحدود القرن السادس عشر نزحت عشيرة الأمارة من شمال بغداد إلى المدائن بسبب الفيضانات والكوارث الطبيعية، وبعد عشرات السنوات توجّهوا إلى جنوب العراق ليستقرّ بهم الحال في المْدَيْنَة شمال القرنة التابعة إلى لواء البصرة، ونظرًا إلى ما يمتلكونه من مؤهّلات القيادة، فقد تمكّنوا بعد مدّة وجيزة من أن يصبحوا زعماء لعشائر المْدَيْنَة، وبذلك أصبحت جميع عشائر الصيامر خاضعة لمشيخة الأمارة[1].

3. عشائر الصيامر (السيامر):

وهم حلف عشائري كبير، تشكّل من العشائر الساكنة في منطقة الجزائر بين الحمار والشافي على ضفة الفرات التابعة إلى قضاء المْدَيْنَة، وتتبّع عشائر الصيامر ثلث بني مالك المنتفقية[2]. أمّا زعامة عشائر الصيامرة، فترجع إلى عشيرة الأمارة، وثمّة أكثر من رأي حول أصل تسميتهم؛ إذ يشير بعض الباحثين إلى أن تسميتهم جاءت نسبتةً إلى مدينة سامرّاء، مسكنهم الأول، قبل أن يهاجروا إلى المْدَيْنَة؛ بينما يقول آخرون إنهم يرجعون إلى السومريين، فيما يذكر رأي ثالث بأن تسمية العشائر بالصيامر جاءت نسبتةً إلى قرية الصيمر التي اندرست وبقيت على شكل تلٍّ يقع شرق المْدَيْنَة، وهو تلٌّ قديم يعود تاريخه إلى السلالات السومرية[3].

(26)

ويعتقد الباحث أن الرأي الأخير هو الأقرب إلى الحقيقة، كون عشائر الصيامرة هم عشائر متعدّدة مختلفة الأنساب، لا تربط بين بعضها بعضًا القرابة أو الجد الواحد، وإنّما حتّمت عليهم الظروف القاهرة وخطر العشائر المجاورة لها إيجاد مثل هذا الترابط، وذلك لكي تحتفظ بكيانها واستقلاليتها، فتحالفت العشائر التي تسكن منطقة المْدَيْنَة، لتكوّن عشيرة كبيرة قادرة على الدفاع عن نفسها ومقارعة العشائر الكبيرة آنذاك.

4. عشيرة بني منصور

وهي من العشائر الكبيرة التي تسكن القرنة شمال البصرة[1]، ولها تاريخ كبير في المنطقة، كانت ضمن حلف بني مالك في المنتفق، وهم أحد فروع قيس عيلان المضري العدناني[2]؛ أما تسميتهم، فقد جاءت نسبةً إلى جدّهم الأقدم منصور بن عكرمة بن قيس عيلان. وفي حدود القرن الثاني عشر الميلادي نزحت عشيرة بني منصور من موطنها الأول، شبه الجزيرة العربية إلى العراق، لتستقر على الضفة الغربية من نهر الفرات، متّخذة من القرنة والمْدَيْنَه مسكنًا لها[3].

5. عشيرة الحلاف

وهم مجموعة من العشائر مختلفة الأصل، والتي يرجع نسب بعضها إلى ربيعة وبعضهم الآخر إلى تميم، تحالفت مع بعضها لحماية كيانها من التهديد الخارجي، ومن هنا جاءت تسميتها، يسكنون في القرنة والمْدَيْنَة والهارثة وكرمة علي، مجاورين لبني منصور[4].

(27)

6. عشيرة الشرش

وهم مجموعة من العشائر التي جمعها ووحَّدها حلف عشائري عُرف بالشرش[1]، نسبةً إلى القصب والبردي الذي يُعرف بهذا الاسم، وكان يستخدمه أبناء العشيرة في عبور المناطق المغمورة بالماء، وبمرور الوقت تمازجوا وتصاهروا؛ مما زاد من قوّة وحدتهم وتحالفهم، وهم جزء من عشيرة الحلاف[2].

7. بنو تميم

تعدّ قبيلة بني تميم من أكبر قبائل العرب في الجزيرة العربية، وهي من العشائر المضرية العدنانية، وتنتسب إلى تميم بن مُر بن أدَّ بن طانجة بن إلياس بن مضر العدناني، وهي أحد العشائر الأربعة التي حصلت على خمسها من الأرض عند بناء البصرة بعد الفتح الإسلامي، ثم انتشرت عشائرها على عموم العراق، ويسكنون على ضفاف شط العرب ومناطق مختلفة من البصرة أيضًا[3]...

(28)

8. عشيرة السعد:

وهي من العشائر العربية القحطانية التي سكنت القرنة شمال البصرة، يرجع أصلها إلى فرع آل كرم الله القحطانية التي كانت تسكن قرب الحجاز؛ أما اسم العشيرة، فقد جاء نسبةً إلى (سعد) الجد الأعلى لشيخ العشيرة كباشي السعد[1].

9. أسرة آل النقيب (الأسرة الرفاعية):

وهي من الأسر المهمة التي لها دور في تاريخ البصرة[2]، تنتسب إلى أحمد بن أبي الحسين من قبيلة رفاعه العربية[3]، لها مكانتها الدينية منذ عهد الدولة العباسية؛ إذ توارثت مشيخة الطريقة الصوفية، والمسماة على اسمها في جنوب العراق، والبصرة بشكل خاص، ومما زاد من مكانتها لدى العراقيين ترأسها نقابة الأشراف؛ إذ أصبح المنصب حكرًا عليهم طيلة العهد العثماني تقريبًا، وأصبح لقب النقيب أكثر تداولًا لرجالات هذه الأسرة، وخاصة في القرن التاسع عشر الميلادي، حتى كاد يختفي لقب الرفاعي؛ والسبب يكمن في ارتباط لقــــب النقيب بمجريات الأحداث السياسية في العهد العثماني[4].

(29)

ثانيًا: عشائر لواء العمارة:

تأسّس لواء العمارة[1] في حدود عامي 1861-1862م[2]، وأُلحِق إداريًا بولاية البصرة منذ تطبيق قانون الولايات لسنة 1864م في العراق حتى نهاية السيطرة العثمانية على مدينة العمارة سنة 1915م[3]، وكان تأسيسه لأغراض عسكرية، للقضاء على تمرّد عشائر البو محمد وبني لام، والمحافظة على طريق دجلة النهري الذي يربط بين بغداد والبصرة وكانت مهمة الجيش في العمارة القضاء على تمردات العشائر وجمع الضرائب وتوطيد سلطة الحكومة العثمانية[4].

اتّسم الوجود الاجتماعي والسكّاني في لواء العمارة والمناطق القريبة منه والمحاذية له بالطابع العشائري على نحو مطلق في القرون الثلاثة الأولى من الحكم 

(30)

العثماني[1] للعراق؛ إذ يسكن لواء العمارة قبائل متعدّدة استطاع بعضها تكوين تحالفات قبلية عُرفَت باسم بني ربيعة وبني لام والبو محمد، وقد استطاعت من خلاله أن تبسط نفوذها على لواء العمارة والمناطق المجاورة له، كما كانت بعض هذه العشائر تشكل جزءًا مهمًّا من هذه التحالفات القبلية[2].

انعكس هذا الوجود الاجتماعي على واقع الحياة اليومية في العمارة؛ إذ أكسبها عادات وتقاليد العشيرة أكثر من واقع المجتمع المتمدّن.

1. عشيرة بني لام[3]:

وهم من العشائر الطائية العربية، وكانت تسكن الحجاز في جبال آجا وسلمى، وأصل موطنها اليمن، وهي سبقت عشائر شُمّر في سكن العراق، وذلك في القرن الثامن الهجري[4]؛ إذ نزلت في ربوع سقي دجلة الجنوبي وشواطئ أنهار الكرخة والطيب والدويريق[5]، قادمة من موطن سكناها شمال الحجاز،

(31)

يدفعها في ذلك البحث عن الماء والكلأ المتوفرة في العراق والحروب والمنازعات القبلية، ثم توالت بطون أخرى من هذه القبيلة نحو العراق حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي[1].

وبحدود عام 1647 تمكّن الشيخ حافظ بن الشيخ براك[2] بحنكته وكياسته من توحيد صفوف قبيلته، ويعقد تحالفات مع عدد من العشائر المجاورة له في تلك المنطقة، فيكون تحت إمرته اتحاد قبلي ضخم عُرف فيما بعد بمشيخة أو أمارة بني لام، استطاع بعد أن هزم قبيلة ربيعة وأبعدها عن المنطقة أن يبسط نفوذه على منطقة واسعة يحدّها شمالًا مركز لواء الكوت وجبال بشتكوه، وجنوبًا صدر نهر الكحلاء[3]، ثم جانب نهر المشرح الأيسر حتى الأهوار الفاصلة ما بين العمارة والحويزة وغربًا نهر دجلة، وشرقًا نهر الكرخة[4].

(32)

2. عشيرة البو محمد:

وهي من العشائر العربية القحطانية التي يرجع نسبها إلى قبيلة العزة من زبيد، وتسميتها جاءت نسبة إلى شيخها محمد بن سعد المروح العزاوي الزبيدي، نزحت في عام 1512 من منطقة دلي عباس في (محافظة ديالى حاليًا) نتيجة لنزاع شيخها مع أبناء عمه، فغادر قاصدًا العمارة؛ إذ رحب بنو مالك بهم، ومنحها شيوخ المنتفق إقطاعات كبيرة[1]، واستقروا في لواء العمارة في منطقة أم جمل قرب المجر الكبير، لتكون سدًّا منيعًا يقف أمام بني لام ويعرقل تحرّكاتهم[2].

وبعد أن تمكّنت قبيلة بني لام من إجلاء المنتفق من لواء العمارة، والتزمت الأراضي من ولاة بغداد، أصبحت قبيلة البو محمد تابعة لبني لام، تدفع لها ضرائب الالتزام عن الأرض التي تستثمرها، وفي مطلع القرن التاسع عشر تعاظم هذه القبيلة، وأصبح لها دور بارز في لواء العمارة؛ ما مكّنها من أنْ تنتزع النفوذ على جنوب لواء العمارة من قبيلة بني لام، باسطةً نفوذها على جانب نهر دجلة من جنوب مدينة العمارة حتى ناحية العزير، وجانب نهر المجر الكبير وتفرّعاته وأهواره، والجانب الأيمن لنهر الكحلاء وتفرّعاته وإلى داخل هور الحويزة، وتشمل الحدود الإدارية لمدن قلعة صالح والمجر الكبير والكحلاء والعزير[3] .

3. عشيرة البو دراج:

يرجع نسبها إلى قبيلة ربيعه القاطنة في لواء العمارة[4]، استقرّ البو دراج في المنطقة الواقعة بين ناحية كميت الحالية وجزيرة السيد أحمد الرفاعي على نهر

(33)

 

الغراف، وبين نهري البتيرة والمدلول في الجهة اليمنى لنهر دجلة شمال مدينة العمارة، محتمية بنفوذ مشيخة المنتفق[1]؛ إذ لم يمانع شيوخ المنتفق من إدخال «البو دراج» في اتّحادهم منذ القرن السادس عشر، واعتمدوا عليهم بخاصة في القرن الثامن عشر في مواجهة عشائر بني لام[2].

4. عشيرة آل فرطوس:

هي إحدى عشائر الفضول الطائية، التي انتقلت من الجزيرة العربية إلى الشام، ومن ثم دخلت العراق في العهد العثماني؛ إذ نزلت في منطقة الفضل في بغداد، برئاسة شيخها (غزي بن فضل) التي اتخذت التسميه منه، ومن ثم توجهت باتجاه جنوب العراق، سكنت عشيرة الفرطوس في جنوبي العراق في مناطق المدينة والناصرية والعمارة، إذ دخلت عشائر الفرطوس في العمارة بحلف مع عشيرة البو محمد واستقروا في قضاء المجر الكبير، وكان لها دور بارز في مقاومة الاحتلال العثماني، ثم الاحتلال البريطاني للعراق[3].

5. عشيرة آل أزيرج (آل أزيرق):

تنتمي عشيرة آل أزيرق إلى قبيلة زبيد، وفي عام 1614 نزحت من بابل إلى المنتفق وسكنت الغراف[4]، وفي منتصف القرن السابع عشر الميلادي هاجر الشيخ عطوان بن ربيع بن محمود بن عبية بن سهلان الأزرقي مع مجموعة من أفراد عشيرته إلى العمارة؛ بسبب التزام الأرض من قبل مشيخة المنتفق الذين

(34)

كانوا يشجّعون على نزوح عشائر الغراف إلى الجانب الأيمن من نهر دجلة لقطع الطريق أمام قبيلة بني لام وقوات الحكومة؛ إذ استقرّ على ضفاف نهر المجر الصغير المنحدر من الجانب الأيمن لنهر دجلة جنوب مدينة العمارة[1].

ويسكن أغلب أفراد هذه العشيرة في المنتفق بين الناصرية والشطرة، وكان لها مكانة ودور كبير في أحداث المنطقة[2].

6. عشيرة السواعد

يرجع أصلها إلى قبيلة زبيد، تنتسب إلى جدها الأكبر سعد بن حسين[3]، وقد نزحت عشيرة السواعد من جنوب الفرات إلى مناطق العمارة في الربع الأول من القرن التاسع عشر، واستقرت بعد صراع طويل مع عشائر أخرى على ضفاف نهر المشرح وشواطئ الأهوار القريبة منه، واستأجرت الأراضي من شيوخ بني لام بداية القرن العشرين. تعرّضت العشيرة إلى عدة حروب من قِبَل قبيلة البو محمد وبني أسد وأدّت في بعض الأحيان إلى جلائها عن المنطقة إلى الأحواز، لكنّها تمكّنت من إعادة سيطرتها على منطقة المشرح والاحتفاظ بها[4].

(35)

7. عشيرة السودان[1] :

تنتمي إلى قبيلة كندة الكوفة المشتقّة من قبيلة كندة اليمن، وفي مطلع القرن التاسع عشر الميلادي وقعت العشيرة تحت طائلة ظروف معاشية ونزعات عشائرية اضطرتها للهجرة من الفرات الأوسط إلى منطقة القرنة ثم الحويزة ثم منطقة جريت المحاذية لنهر المشرح مــــــن الغرب ومنطقة البحّاثة المحايدة لنهر الكحلاء من الشرق، فسكنت بين نهري المشرح والكحلاء بعـــد أن استأجرت والتزمت تلك الأرض مــــن شيوخ بني لام لتكون وطـــنًا ومستقرًّا لهم[2].

8. عشيرة البهادل

هي احد فروع قبيلة خفاجة الساكنة في جنوب نهر الغراف، وقد انفصلت عن منطقتها الأصلية في نهاية الربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، واستقرت في منطقة العوفية والجوار جنوب غرب مدينة العمارة على يمين نهر دجلة، وتحالفت مع عشيرة بني هاشم العلوية؛ إذ كانت العشيرتان تسكنان في تلك المنطقة[3].

9. عشيرة بني هاشم (السادة العلويون):

مؤسّس هذه العشيرة السيد هاشم بن إسماعيل من الأشراف العلويين، جاء في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي من الحجاز، وسكن منطقة الجوار والرميلي بين نهري المجر الصغير والمجر الكبير جنوب مدينة العمارة على ضفة نهر

(36)

دجلة اليمنى، وقد أقطعه شيوخ المنتفق تلك المنطقة[1]، وتوثّقت صلته مع عشائر المنطقة، وبالأخص عشيرة البهادل، وبعد وفاته برز عدد من أولاده وأحفاده ومثّلوا أدوارًا مهمّة في فضّ المنازعات والحروب التي تقع بين عشائر العمارة وبينهم وبين الحكومة؛ وذلك لما يحظَوْن به من تقدير واحترام لدى أبناء المنطقة؛ كونهم ينتسبون إلى الدوحة النبوية الشريفة[2].

وهناك عشائر لا تقلّ أهمية بالنسبة للعشائر الأخرى؛ إذ شاركت هذه العشائر مشيخة بني لام والبو محمد في كثير من تفاصيل حياتهم، وتعدّ من أهم تشكيلات اتحادهما القَبَلي[3].

(37)

ثالثًا: عشائر المنتفق

يعود تأسيس لواء المنتفق إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر[1]؛ إذ كان هدف العثمانيين إحلال الولاء للدولة محل الولاء القبلي[2]، يُعدّ المنتفق من أكبر الألوية العراقية من حيث عدد عشائره، وينحصر بين ألويه الديوانية والعمارة والبصرة[3].

أمّا التسمية، فهناك عدة آراء فيها، ولعلّ أبرزها أنّ مصطلح (منتفق) تحريف لكلمة (متّفق) لكونهم اتفقوا على التناصر والتكاتف، ويؤيد هذا الرأي أن بني المنتفق عبارة عن ثلاث قبائل كبار قد اجتمعت متّحدة وهي: قبيلة بني مالك وقبيلة بني سعيد وقبيلة الأجود[4].

لذلك كان تحالف المنتفق يتميز عن غيره من التحالفات والعشائر العراقية

(38)

والعربية، ليس لكونه يتألف من ثلاث عشائر كبيرة، وإنّما لسعة مساحة الأرض التي تسكنها هذه العشائر أيضًا، ولقربها من مدينة البصرة المنفذ العراقي الوحيد على الخليج[1].

1. آل سعدون:

يرجع نسَبهم إلى سعدون الملقّب بـ(سعدون الكبير) بن محمد بن مانع بن شبيب بن مانع بن شبيب (الملقّب بـشبيب الأول وإليه تنسب أسرة آل شبيب) بن الشريف حسن بن مالك[2] الذي هاجر من الحجاز إلى العراق في حدود القرن السادس عشر الميلادي إثر نزاع مع إخوته[3]، حيث وصل العراق ونزل في (بادية الشامية)[4] بجوار زعيم قبيلة بني مالك ذات النفوذ والقوة الكبيرة، وبسبب النسب الشريف والشخصية القوية أصبح للشريف حسن مكانة مهمة بين عشيرة بني مالك والأجود والعشائر الأخرى المجاورة[5].

(39)

وقد تمكّن ابنه محمد من توحيد تلك العشائر تحت زعامته، حيث جمع عشائر بني مالك والأجود وبني سعيد ومَن في حلفهم، وبعد أنْ أصبحت البصرة تحت الحكم العثماني المباشر عام 1546م أُقرّ الشريف محمد من قبل والي بغداد زعيمًا على المنتفق، ومن هنا بدأت زعامة الأشراف للمنتفق الذي تأسس على يدهم[1].

2. قبيلة بني مالك:

اختلف بعض الباحثين في نسَبهم، فمنهم من نسبهم إلى مالك بن المنتفق، وآخرون يقولون إنهم من قبائل غزّية من طي، تعدّ منتسبة إلى المنتفق على الأغلب، وهم قبيلة كبيرة تشكّل ثلث أثلاث المنتفق، وانطوى تحت تكتّلها كثير من العشائر[2].

يقيم بنو مالك على نهر الفرات من سوق الشيوخ حتى القرنة جنوبًا، وكذلك يقيم بعض الفروع منهم على ضفتي شط العرب من القرنة وحتى المحمرة[3] وعلى نهر دجلة بين العزير والقرنة[4].

(40)

3. الأجود:

وهم قبيلة عربية طائية تنتسب إلى أجود بن زامل العقيلي[1]، إخوة المنتفق أو أبناء عمومتهم، وفي عهد أميرهم منيع بن سالم ذرية عامر بن صعصعة، الذي كان حاكمًا في الأحساء والقطيف ونجد وآخر أمرائهم هناك، هاجر بهم إلى العراق وسكن الشامية بعشائره، وهم قبيلة كبيرة تشكّل ثلث قبائل المنتفق، تسكن قبيلة الأجود ومن معها من العشائر في مناطق واسعة غرب لواء المنتفق من منطقة الدراجي حدود السماوة إلى كوت معمر قرب سوق الشيوخ على جانبي نهر الفرات، وفي الغراف[2].

4. قبيلة بني سعيد:

تنتسب قبيلة بني سعيد إلى سعيد بن عوف من ذرّية المنتفق بن عامر العدناني، وتشكّل الركن من تحالف قبائل المنتفق، وتسمّى ثلت بني سعيد، وأكثر العشائر التي يتألّف منها ثلث بني سعيد لا يربطهم الجد الواحد، وإنما حملوا اسم بني سعيد بسبب رابطة الأرض التي عاشوا عليها، وقد يكون لرئيس بني سعيد على تحالف الثلث أصبح الجميع يعرف بهذا الاسم[3]، يسكن بنو سعيد في مناطق لواء المنتفق والعمارة، كما كانوا يسكنون في بغداد في محلة بني سعيد[4].

(41)

5. بنو أسد:

وهم من العشائر العدنانية العريقة، ولها نفوذ كبير في لواء المنتفق ضمن ثلث بني مالك[1]، وينتسب بنو أسد إلى أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان[2].

كانت قبيلة بني أسد تسكن شمال شبة الجزيرة العربية قبل الإسلام، ثم دخل أبناؤها الإسلام، وشاركوا في حروب الفتح الإسلامي، ثم استقر أغلبهم في الكوفة، وعلا شأنهم حتى كُلّفوا من الحكومة الإسلامية عام 927م بحماية طريق الحج ضد القرامطة[3]، تمكّن بنو أسد في عهد الأتراك الذين سيطروا على الدولة العباسية من تأسيس الإمارة المزيدية عام 998 في الحلّة والكوفة التي استمرّت ما يقارب مئتي عام، ولهم وقعات عظيمة مع الأتراك، وبعد انهيار إمارتهم سكنوا على شاطئ نهر الفرات، متّخذين من الجبايش مركزًا لعشيرتهم الكبيرة وضمن حلف قبيلة بني مالك[4].

6. بنو خيكان:

وهي إحدى العشائر الكبيرة المنضوية في لواء المنتفق ضمن ثلث بني مالك، وقد اختلف الباحثون في أصلهم، فبعضٌ ينسبهم إلى آل مغشغش الرؤساء، وبعض آخر يقول إنهم من الترك أو العشائر الملحقة، وهم مجموعة عشائر

(42)

يصعب تعيين كل فرع وتحديد نسبه بدقّة، وقد عُرفَت باسم عشائر بني خيكان (خيقان) منذ القرن الخامس عشر. استقروا في ناحية العكيكة وكرمة بني سعيد والجبايش في سوق الشيوخ[1] .

7. عشيرة العبوده:

وهي من العشائر الكبيرة، التي كانت ضمن عشائر الأجود في حلف المنتفق، يرجع أصلها إلى قبيلة ربيعة، ويعــدّ شيخها حسن السنجري[2] مؤسس قضاء الشطرة في لواء المنتفق[3].

ويمكن القول أنْ العشائر العراقية كان لها دوراً هاماً في تاريخ العراق الحديث، ساهمت في تشكيل الهوية الوطنية العراقية من خلال موقفها الواضح من الاحتلال العثماني والبريطاني.

(43)

المبحث الثاني
موقف عشائر الجنوب من السياسة العثمانية في أواخر العهد العثماني 1869- 1914

أدرك العثمانيون الوضع القبلي في العراق عامةً وفي جنوبه خاصة، وذلك عندما احتلوه عام 1534م؛ لذلك ترك لشيوخ العشائر حكم مناطقهم السكنية بعد أن قدّموا فروض الطاعة والولاء للحكام الجدد، ولم يظهروا معارضة شديدة، وأصبحت تلك العشائر قوّة رديفة تعتمد عليها السلطة العثمانية في بسط الأمن ومجابهة الأخطار الخارجية، وفي بعض الأحيان تتحوّل تلك العشائر إلى عدو ومصدر قلق للسلطة العثمانية؛ إذ يحدّد تلك العلاقة عاملان رئيسان هما: الطاعة وتنفيذ أوامر السلطة أولًا، ودفع الضرائب ثانيًا، وهذا ما لا تألَفة تلك العشائر التي لم تعرف الولاء سوى لشيوخها، وتعدّ الأرض التي تسكنها ديرتها، وتعتبر أنّ لها حق التصرف بها؛ لذلك سرعان ما انتهى السلام بين عشائر جنوب العراق والمحتلّين الذين كان همّهم الوحيد إدامة السلطة وجبي الضرائب الباهضة من السكان[1].

ووفقًا لما تقدّم وجد العثمانيون صعوبة السيطرة على تلك العشائر التي لم تألَف الخضوع، مما جعل العثمانيين يتّبعون مع العشائر (نظام الالتزام)[2]، وبما أن

(44)

البنية الاجتماعية لسكّان العراق كانت عشائرية، سواء أكانت العشائر مستقرّة أم غير مستقرة (متنقلة)، بنسبة تزيد على 85% من مجموع سكان العراق من عام 1869 حتى عام 1914، فإن نظام الالتزام أدى إلى تقوية النظام القبلي، وانعكس على نفوذ السلطة العثماني الذي أصبح اسميًّا خارج حدود المدن؛ إذ دأبت الدولة العثمانية على تغير هذا الواقع[1].

أولًا: موقف عشائر جنوب العراق من سياسة الدولة العثمانية 1869 - 1908:

لم تكن الحملات العسكرية التي قادها الولاة العثمانيون لضرب الاتحادات العشائرية موفّقة إلى حد كبير[2]؛ لذلك لجأ القادة العثمانيون إلى سياسة إضعاف الاتحادات العشائرية عن طريق التفرقة والتنازع بين أفرادها، وشن الحملات العسكرية من قبل القوات العثمانية النظامية على العشائر العراقية التي ترفض الانصياع لأوامرها، أو التي كانت تشكّل أمارات شبه مستقلة. مما أدى إلى أثارة نزاع بين العشائر فيما بينها من جهة، وبينها وبين السلطات العثمانية من جهة أخرى[3].

استمر الولاة بهذه السياسة إلى أن أصبح مدحت باشا[4] واليًا على بغداد عام

(45)

1869؛ إذ أبدى اهتمامًا خاصًا بالمشكلة العشائرية وحاول معالجتها عن طريق التوطّن والقضاء على حركاتها من خلال تنفيذ نظام (الطابو)[1]، وجعلها مستقرة بتوفير سبل العيش وتحسين وسائل الري[2].

ورغم ما حقّقه من نجاح انعكس فيما بعد إيجابًا على العراق[3]، إلّا أن هذه

(46)

الإصلاحات لم تتحقق كلّيًا، إذ أوقفت الحكومة العثمانية العمل بتلك الإجراءات فيما بعد، لأن الجهاز الحكومي الذي وضع لتنفيذ المهمة لم يكن مهيئًا لإتمام عمله، لتقاضيه الرشوة والمحسوبية، وعدم مسح الأراضي وتقسيمها وتسجيلها، وعدم إقبال أفراد العشائر خوفًا من التوطين والتجنيد والضرائب[1].

كما لم تستجب عشائر العمارة لسياسة التفويض(الطابو)، وكان الإقبال نادرًا جدًا، واقتصر على بعض شيوخ العشائر، كما رفضتها أغلب عشائر المنتفق رغم محاولات شيوخ المنتفق إقناعهم؛ لذلك سارع آل سعدون إلى شراء أغلب أراضي عشائر المنتفق التي امتنعت عن شرائها للأسباب التي مر ذكرها[2]، وتحول آل سعدون من زعماء قبليين إلى ملاكين إقطاعيين، مما انعكس سلبًا على مكانتهم العشائرية بين قبائل المنتفق فيما بعد[3].

وبسبب العبء الاقتصادي على العشائر، الناتج من زيادة الضرائب، حيث توجّب عليهم أن يؤدّوا حصة من إنتاجهم الزراعي تعادل ما يُدفع للحكومة إلى الملاكين الجدد، اضطربت أوضاع جنوب العراق، ففي لواء المنتفق انقسم ولاء العشائر؛ بسبب انقسام البيت السعدوني، وعمّت الفوضى، وانعدم الأمن، ووقعت عدة انتفاضات ضد آل سعدون والسلطة العثمانية، وامتنعت بعض عشائر المنتفق عن دفع الضرائب عام 1877م، وتطوّر الأمر إلى مهاجمة القوات العثمانية المتمركزة في المنتفق عام 1878م[4].

(47)

كما انتفض البو محمد بوجه السلطة العثمانية عام 1877م، ورفض الشيخ شياع فيصل، أحد مشايخ البو محمد، دفع الضرائب والتزام مقاطعة الكحلاء التابعة لنفوذ عشيرته، ولجأ إلى بلاد فارس، ومن هناك أخذ يهاجم القوات العثمانية وطريق الملاحة النهري بين البصرة والعمارة، وما أن أخمدوا انتفاضة شياع بن فيصل عام 1878م، حتى بدأت في العام نفسه حركة عصيان جديدة، قادها شيوخ من البو محمد وآل ازيرج، حيث امتنعوا عن دفع الضرائب، ولجأوا إلى الأهوار، ومن هناك بدأوا يهاجمون المصالح العثمانية، التي أعفوا منها فيما بعد[1].

وفي العام نفسه قام الشيخ حسن الخيون[2]، شيخ بني أسد في المنتفق، بانتفاضة ضد العثمانيين، وخرجت منطقة الحمار عن السيطرة العثمانية، قطعت خلالها طرق الملاحة في نهر الفرات بين الناصرية والبصرة، وفي عام 1879م ثارت عشائر الشدود بوجه السلطة العثمانية في المنتفق وامتنعت عن دفع الضرائب[3].

ونتيجة هذه الاضطرابات ومحاولة العثمانيين حكم المنتفق حكمًا مباشرًا قاد آل سعدون ومَن معهم من بعض عشائر المنتفق انتفاضة كبيرة عام 1880 بدأت بالامتناع عن دفع الضرائب للسلطة العثمانية وطرد موظفي الدولة، إضافة إلى قطع خط التلغراف قرب الناصرية الرابط بين بغداد والبصرة، حيث حُطّم ما يقارب 500 عامود[4]، وازدادت خطورة هذه الانتفاضة بعد انضمام منصور باشا

(48)

السعدون[1] وتزعّمه لها وإقناع ابن أخيه فالح ناصر باشا[2]، متصرّف المنتفق بالوقوف إلى جانبه؛ إذ أعلن استقلال المنتفق، وأطلق على نفسه لقب (سلطان البر)، وأخذ يضيّق الخناق على البصرة والعمارة، كما استطاع استمالة شيخ ربيعة في الكوت[3].

اتخذت السلطة العثمانية إجراءات سريعة لإنهاء هذه الانتفاضة؛ إذ عزلت عبدالرحمن باشا والي بغداد، وولّت تقي الدين باشا واليًا عليها، خلفًا لهُ (1881-1887)، وما أن تسلّم منصبهُ، أرسل القوات العثمانية للقضاء على الانتفاضة وإنهاء زعامة آل سعدون[4]، حيث اشتبكت القوات النظامية مع قوات المنتفق في معركة (الريس) في منطقة أم الشعير قرب الحي انتهت بانتصار القوات العثمانية وهزيمة آل سعدون، وكان للمدفعية العثمانية، وتخلّي معظم عشائر المنتفق عنهم سببًا في هذه الخسارة وانتهاء زعامة آل سعدون للمنتفق، حيث التجأوا إلى الحويزة ومكثوا هناك عامين، رجعوا بعدها إلى بادية الشامية بعد أن عفت عنهم السلطات العثمانية[5].

(49)

أمّا لواء العمارة، فعلى الرغم من الصراع الداخلي بين بيت الزعامة لقبيلة بني لام وتطوره إلى اقتتال، إلَّا أن ذلك لم يثنِهم عن رفض السياسة العثمانية؛ إذ امتنعوا عام 1885 عن دفع الضرائب للسلطة العثمانية، لكن السلطة العثمانية ضيّقت الخناق عليهم بقوّاتها العسكرية، مما اضطرهم للهرب إلى الأحواز عام 1891، وعادوا عام 1893 بعد حصولهم على عفو السلطة العثمانية[1].

وفي عام 1886 تجدّدت انتفاضة جديدة ضد السلطة العثمانية قادتها عشائر سوق الشيوخ، إذ امتنعت عشائر(حـﭽام وآل حسن)[2] عن دفع حصة الملّاكين[3] من الضرائب، ثم اشتبكوا مع القوات الحكومية وقتلوا عددًا منهم، مما دفع السلطة العثمانية هناك إلى طلب الإمدادات من القوات العثمانية المتواجدة في الناصرية التي نجحت بإخماد هذه الانتفاضة[4].

رغم الهدوء النسبي الذي مرّ به لواء المنتفق، ظهرت عام 1891 بوادر انتفاضة جديدة قادها الشيخ سليمان آل سعدون، الذي بدأ يحشد قبائل المنتفق ويحرّضها على العثمانيين، لكن العثمانيين أسرعوا بإرسال قوات الفيلق السادس المتواجدة

(50)

في بغداد، حيث توجّهت إلى المنتفق واستطاعت بسط الأمن هناك، بعد أن هرب الشيخ سليمان آل سعدون إلى الصحراء؛ إذ أصدرت السلطة العثمانية أوامرها بالقبض عليه حيًا أو ميتًا، وبسبب صعوبة الحياة في الصحراء اضطر في تشرين الأول 1893 إلى تسليم نفسة إلى محمود حمدي باشا والي البصرة عام 1893 [1].

وبعد عودة آل سعدون من الأحواز حاول الشيخ سعدون بن الشيخ منصور السعدون إعادة أمارة آل سعدون، وحاول توسيعها على حساب العشائر المجاورة له، ورغم وقوف أبناء عمه ضده بزعامة الشيخ فالح بن ناصر السعدون الذي أصبح من المناصرين للسلطة العثمانية، بدأ انتفاضته ضد السلطة العثمانية؛ إذ حاصرت قواته عام 1891 مدينة الزبير للسيطرة عليها، لكن القوات العثمانية استطاعت فك هذا الحصار، واستمر بمحاربة العشائر التابعة لابن عمه الشيخ فالح السعدون المقرّب من العثمانيين، كما استمر بالتعرض للسلطة العثمانية في المنتفق والبصرة[2].

تجددت انتفاضة عشائر البو محمد عام 1892 عندما عمدت الدولة إلى الزام أراضي الشيخ صيهود إلى غيره[3]، حيث قاد هو وأتباعه انتفاضة استولى خلالها على محتويات عدد من القوارب الشراعية العثمانية وإزالة أعمدة التلغراف ومهاجمة السفينة العثمانية «موصل» وإجبارها على التراجع، حيث أصبحت القوات العثمانية بوضع الدفاع، متّخذة من مرقد نبي الله عزير(عليه السلام) حصنًا لجنودها، وبعد ذلك تعاونت القوات العثمانية في لواء العمارة وولاية البصرة

(51)

القريبة من الأحداث، ورغم هذه القوة، لكنّها لم تفلح بإنهاء انتفاضة الشيخ صيهود الذي انسحب إلى داخل الأهوار حيث يصعب على القوات العثمانية ملاحقته هناك، تاركًا قلعته التي سيطرت عليها القوات العثمانية واستولت على ممتلكاته، مضافًا إلى مصادرة أسلحة وذخائر نقلها العثمانيون إلى القرنة[1].

وتمكنت القوات العثمانية في العام نفسه من إلقاء القبض على فالح بن الشيخ صيهود وابن أخيه عريبي، حيث أُرسِلا مخفورين إلى إسطنبول؛ أمّا الشيخ صيهود، فبقي هاربًا في الأهوار إلى أن عاد إلى أراضي العمارة مع أتباعه عام 1897، بعد أن أرسل رسالة إلى السلطان العثماني يطلب فيها العفو وموافقة الأخير عليها[2].

وفي عام 1895 انتفضت عشيرة بني أسد برئاسة شيخها حسن الخيون، وذلك إثر مصادرة أراضيهم، إذ هاجم أتباع الشيخ حسن الخيون خطوط التلغراف، كما هاجموا الباخرة العثمانية «بغداد» في آب 1895، وقد قُتل وجرح عدد من الجنود المتواجدين عليها، مما دفع السلطة العثمانية إلى إرسال قوة عسكرية كبيرة التحقت معها بعض عشائر العمارة التي كانت على عداوة مع حسن الخيون، واستطاعت هذه القوات السيطرة على المْدَيْنَة ومطاردة الشيخ حسن الخيون الذي هرب إلى داخل الأهوار، وتمّ تعيين الشيخ جايد شيخًا على بني أسد، بعد أن دفع تعويضًا قدره (300) ليره ذهب[3].

وبسبب الهجمات المتكررة من قبل أتباع الشيخ حسن الخيون وفقدان الأمن،

(52)

نحّت الحكومة العثمانية عام 1896 الشيخ جايد، وفضّلت أن تدير شؤون المنتفق عن طريق موظّفيها، إلّا أن هذه الإجراءات لم تقضِ على انتفاضة حسن الخيون[1]، ففي العام التالي قُتل أتباع الشيخ حسن الخيون أربعة جنود عثمانيين مع قائدهم في المْدَيْنَة، كما استمر تعرّضهم للسفن العثمانية في نهر الفرات. ومن أجل التسوية قدم الشيخ حسن الخيون التماسًا إلى الحكومة العثمانية بالعفو، لكنها رفضت، ثم وجه قوة للقبض عليه، إلّا أنه هرب في الأهوار، وبقي هناك حتى وفاته عام 1903 [2].

وفي عام 1903 أرسلت السلطات العثمانية في بغداد قوة عسكرية للقضاء على انتفاضة الشيخ سعدون بن باشا السعدون، لكنها أبيدت من لدن أتباعه في الشطرة في لواء المنتفق، ثم أرسلت قوة جديدة إلا أنها لم توفّق في القضاء عليه، بل هرب والتجأ إلى الكويت، ثم عاد ليهاجم القوات العثمانية في المنتفق، وبعد تدخل عبدالعزيز بن الرشيد أمير حائل وافق السلطان العثماني عام 1904 بالعفو عن الشيخ سعدون السعدون[3].

وفي عام 1903 حاولت الحكومة العثمانية إلزام بعض المقاطعات التي عجز شيوخ البو محمد عن تسديد قيمة التزامها، إلى عشيرة آل أزيرج؛ لذلك امتنع البو محمد عن ترك هذه الأرض وانتفضوا بوجه القوات العثمانية التي تمكّنت بعد أن استخدمت القسوة الشديدة معهم من القضاء على هذه الانتفاضة[4].

(53)

وإلى جانب سوء الخدمات وعدم الاهتمام بالمشاريع الإروائية، وقعت الفيضانات وانتشرت الأوبئة التي أدّت إلى تدهور المحاصيل الزراعية[1]، مما أدى إلى امتناع عشائر سوق الشيوخ عن دفع الضرائب للحكومة العثمانية عام 1906، فبدأت انتفاضة عشيرة حـﭽام، ثم لحقتها العشائر الأخرى؛ لذلك أرسلت الحكومة العثمانية قوة عسكرية تساندها العشائر الموالية للسلطة، وأُسندت القيادة للشيخ فالح ناصر السعدون، لكن هذه القوات فشلت في مهمتها، رغم إرسال تعزيزات عسكرية من العمارة والبصرة، إذ انتصرت قوات العشائر المنتفضة على الجيش العثماني ومن معه من العشائر بأكثر من معركة مكبدة إياها خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات[2].

وبذلك فإن عشائر جنوب العراق كانت غير موافقة على إجراءات الاحتلال العثماني؛ لذلك فإنها قاومتها أكثر من مرة؛ مما إدى إلى وقوع صدامات عسكرية سبّبت لها خسائر مالية وعسكرية فضلًا عن إضعاف السيطرة العثمانية على جنوب العراق؛ مما دفعها إلى ضرب تلك العشائر من خلال نظام الطابو والالتزام وضربها بعضها ببعض في محاولة للقضاء على نظام المشيخة، وتفكيك تماسك هذه العشائر.

(54)

ثانيًا: موقف عشائر جنوب العراق من سياسة الدولة العثمانية 1908-1914

حاولت الحكومة العثمانية بعد إعادة العمل بالدستور سنة 1908[1] القضاء على نظام المشيخة، والعمل على استقرار العشائر وتوطينها، أو عن طريق ضرب العشائر بعضها مع بعض، والاتصال المباشر مع أفراد العشائر بغية القضاء على نفوذ المشايخ، ولكن نتائج هذه التدابير اختلفت على وفق قوة العشيرة ومدى سيطرة الحكومة[2].

وبما أن السياسة العثمانية لم تأتِ بشيء إيجابي للعشائر، وبقيت مناطقهم على حالها تعاني تدهور الأوضاع العامة، فقد انتفضت عام 1908 عشيرة آل أزيرج، إحدى عشائر المنتفق في سوق الشيوخ ضد السلطة العثمانية؛ لذلك توجّه سعدون السعدون على رأس قوة عشائرية تسانده قوة من الجيش العثماني؛ إذ عيّنه العثمانيون نائبًا لقائد المنتفق باسم «مصلح الغراف» بعد أن تقرّب من الاتحاديين وأظهر الولاء لهم، وكانت مسؤولياته جباية الضرائب من العشائر؛ إلّا أنّ عشائر آل أزيرج تمكّنت من إلحاق الهزيمة بالقوات المهاجمة وإحباط معنويات سعدون السعدون، لكنه عاد بعد ذلك وانتصر عليهم[3].

لم تدم سلطة سعدون السعدون طويلًا على عشائر المنتفق؛ بسبب سوء تعامله مع العشائر، وتحريض عدوّه الشيخ عبد الله بن فالح بن ناصر باشا السعدون، امتنعت عشائر الشطرة عن دفع الضرائب له، معلنة انتفاضتها ضد سعدون

(55)

باشا والسلطة العثمانية، إذ استطاعت محاصرته في الثكنة العسكرية وإرغامه على مغادرة الشطرة، بعد أن فقد دعم السلطة العثمانية التي تركته وحيدًا في الميدان[1].

وفي عام 1908 حدثت انتفاضة في لواء العمارة قادها كل من الشيخ غضبان البنيه[2] شيخ بني لام، والشيخ فالح الصيهود[3] أحد شيوخ البو محمد، بسبب مطالبة الحكومة بالضرائب المتبقية في ذمّتهم وتغيير التزام مقاطعة المجر الكبير؛ لذلك بدأوا بمهاجمة القوات العثمانية وخطوط الملاحة النهرية في نهر دجلة وقطع خطوط الاتصال، حيث بدأت قوات العشائر تهاجم جميع السفن التي تمر في

(56)

مناطقهم، وأصبحت الملاحة في نهر دجلة محفوفة بالمخاطر[1]؛ مما دفع الحكومة العثمانية في بغداد إلى إرسال سبعمئة جندي عثماني إلى لواء العمارة لحماية خطوط الملاحة وحفظ الأمن، لكن زادت الانتفاضة حدة، وحقّقت العشائر المنتفضة من بني لام انتصارًا على القوات العثمانية في 8 نيسان1909، لكن بعد مدة قصيرة تمكّنت هذه القوات بمساعدة بعض العشائر في لواء العمارة من السيطرة على انتفاضة عشيرة بني لام[2]، أعقبها إعلان والي البصرة محمد عارف بك إسقاط الحقوق المدنية عن الشيخ غضبان البنية وأبناء أخيه بلاسم وفالح، وحجز أملاكهم ومصادرة أراضيهم. كما تم إلغاء مشيخة بني لام وتقسيم أراضي الشيخ غضبان البنية بين عدد من شيوخ قبيلة بني لام الذين كانوا على خلاف مع الشيخ غضبان البنية[3].

وبعد إخماد انتفاضة العمارة، وجهت الحكومة العثمانية في بغداد عام 1909 قوات عسكرية تتألف من ألف جندي بقيادة المير آلاي مصطفى نوري باشا الكردي لبسط الأمن والقضاء على انتفاضة عشيرة آل أزيرج في الناصرية، لكن عشيرة آل أزيرج ومن معها من عشائر حـﭽام والعساكر[4] والحسينات[5]، استطاعت الصمود بوجه القوات العثمانية، بل وهزيمتهم بعد أن كبّدتهم خسائر

(57)

بالأرواح والمعدات، ووقع بالأسر ثلاثة ضباط و(64) جنديًا عثمانيًا، وانسحبت القوات المهزومة إلى الناصرية حيث حوصرت هناك[1].

وبعد فشل مصطفى باشا الكردي في مهمته، أرسلت الحكومة العثمانية في بغداد قوات جديدة بقيادة الفريق يوسف باشا لإعادة السلطة العثمانية في المنتفق، وعند وصولهم إلى الشطرة حاولوا استمالة بعض العشائر لإثارة الفتنة بين بعضها بهدف تسهيل المهمة عليه، إذ ألغى الالتزام السابق لمقاطعة الصديفة، وأعطاها إلى ملتزمين جدد، فأثار ذلك الملتزم السابق الشيخ خيون العبيد[2] ورفض إخلاء المقاطعة؛ لذا هاجم يوسف باشا بقواته ومن يسانده من العشائر خيون العبيد والعشائر المنتفضة معه لإجباره على الطاعة، وبعد ثلاثة أيام من القتال بينهم، انتهت المعركة في 14آذار 1910 بهزيمة الجيش العثماني ومن معه من العشائر، كما هاجمت عشيرة آل أزيرج الشطرة ليلًا وقتلت ثلاثة ضباط وثلاثة وعشرين جنديًا من القوات العثمانية، كما هجمت عشيرة الحـﭽام على سوق الشيوخ في نيسان

(58)

1910؛ وبذلك أصبحت أغلب مناطق المنتفق خارجه عن السلطة العثمانية[1].

دفع تدهور أوضاع المنتفق الحكومة العثمانية في بغداد إلى إرسال قوة جديدة بقيادة محيي الدين باشا، لقيادة العشائر الموالية والقوات الموجودة في المنطقة وترتيب الأوضاع هناك؛ إذ وصلت هذه القوات على سفينتين «الفرات والرصافة»، مضافًا إلى سفن صغيرة أخرى محملة بالجند والمدفعية، وبدأت قوات محيي الدين باشا منذ وصولها في الأول من أيار 1910 بتوجيه الضربات للعشائر المنتفضة، وتمّ استخدام أقسى أنواع التنكيل بها، وعندما أرسل عبدالله فالح السعدون المؤن إلى عشائر الشطرة الثائرة ضد القوات العثمانية، تمكّن سعدون السعدون من الاستيلاء على تلك المؤن، وأتى بها إلى مركز الناصرية، وسلّمها للفرقة العثمانية، وذلك من أجل كسب ود القادة العثمانيين والتقرب منهم[2].

بعد ان نجح الشيخ سعدون السعدون بقطع الإمدادات للعشائر الثائرة، وما أضافته السفن العثمانية من تسهيل حركة الجيش العثماني، حقق القائد محيي الدين باشا انتصارًا على المنتفضين ودخل الشطرة ظافرًا، محدِثًا بها دمارًا كبيرًا، وبذلك اضطرت عشائر المنتفق الطلب من والي بغداد الجديد ناظم باشا «1910 - 1911» إيقاف العمليات العسكرية، مقابل تعهّدهم بدفع ما بذمّتهم من أموال الضرائب للسنوات الماضية، وبذلك وافق الوالي على الاتفاق مع قبائل المنتفق[3].

أصبح سعدون باشا السعدون بعد إنهاء انتفاضة المنتفق مقرّبًا من الدولة العثمانية، لاسيما وأن هناك علاقة قوية تربطه بوالي بغداد ناظم باشا الذي رفض

(59)

السلطان اقتراحه بأن يكون سعدون باشا متصرّفًا للمنتفق، وبسبب المضايقات التي تعرّضت لها قبائل المنتفق من سعدون باشا السعدون، الذي بدأ يصفّي حساباته القديمة مع عشائر المنتفق بمظلّة حكومية؛ أدّى هذا الوضع المتشنّج من قبل سعدون باشا وأتباعه إلى إعلان عشائر المنتفق في نيسان 1911 انتفاضتها ضد سعدون باشا والعثمانيين معًا؛ إذ حاصرت عشائر البدور وآل غزي، والجوارين، والعساكرة، وآل أزيرج وقسم من الحسينات سعدون باشا وحاصرَته في قلعتة «المائعة»[1] في الناصرية، وكادت تقضي عليه، لولا وصول الإمدادات العسكرية العثمانية على باخرتي «فرات وواستيم بوط» التي قتلت مدافعُها العديد من أفراد العشائر المنتفضين[2].

لم تهدأ انتفاضة عشائر المنتفق ضد سعدون باشا والعثمانيين، بل إنهم أدركوا أن لا انتصار لهم مقابل القوتين معًا؛ إذ أخذت العشائر تخضع بولائها لسعدون باشا؛ لذلك أرسل شيوخ عشائر المنتفق المنتفضة رسالة تظلّم إلى والي بغداد، شكوا فيها من تصرّفات سعدون باشا الانتقامية ضد عشائر المنتفق، كما تضمّنت الرسالة تهديدًا مبطّنًا بمهاجمة جميع المصالح العثمانية إن لم تتخذ موقفًا من القضية، وحدّدت العشائر المنتفضة هدنة ثلاثة أيام لخروج سعدون باشا من الناصرية، إذ خرق أنصار سعدون باشا الهدنة، وبدأت العشائر بمهاجمة مدينة الناصرية رغم وجود القوات العثمانية، وأخيرًا استطاع المنتفضون السيطرة على قلعة المائعة التي كان يتحصّن بها الشيخ سعدون، واستطاعوا إخراجه مرغمًا من قلعته في الناصرية بعد أن سحبت القوات العثمانية دعهما وخذلته مرة أخرى،

(60)

وبذلك خرج من الناصرية ونزل في الزبير قرب البصرة[1]، كما أرسلت الحكومة العثمانية في بغداد لجنة تقصّي حقائق إلى المنتفق، وبعد وصولها أوصت بإعادة توزيع الأرض واعتقال سعدون باشا، الذي حاول التملّص من هذه الحادثة، متّخذًا من مكانه الجديد قاعدة يراقب بها الأحداث ومتوعّدًا نفسه بأخذ الثأر[2].

وعلى الرغم من أنّ سعدون باشا السعدون كان مواليًا للسلطة العثمانية، إلا أن الأخيرة قرّرت التخلّي عنه؛ بسبب قوة عشائر المنتفق المنتفضة وتهديدها للمصالح العثمانية، فضلًا عن أن سعدون باشا السعدون أصبح منبوذًا بين عشائر المنتفق، ولا يعول عليه بالمستقبل في القيام بحماية المصالح العثمانية في اللواء.

وعندما كان في الزبير سمع بوصول صديقة طالب النقيب[3] نائب البصرة في مجلس المبعوث العثماني عائدًا من إسطنبول إلى البصرة؛ لذا أراد مقابلته ليتعرّف على آخر أخبار العاصمة، فكتب إليه رساله ليعرف منه إذا كان هناك مانع يحوْل دون زيارته، فرحّب به وأخبره بأنّه لا مانع من دخول البصرة[4].

وبعد أن حصل على الأمان من طالب النقيب ذهب إلى البصرة، وحلّ ضيفًا عند طالب النقيب في 20 تموز 1911 دون أن ترافقه أي حماية، ولمّا علم حسين

(61)

حسني أفندي والي البصرة بذلك، أبرق بالخبر إلى بغداد، وكان الجواب بالقبض عليه وإرساله إلى بغداد، فأرسل والي البصرة إليه يطلب مقابلته، وبما أنه في أمان وضيافة طالب النقيب لبّى الدعوة بعد إقناع الأخير له الذي أراد الإيقاع به[1]، وما أن وصل المركب مسعودي على شط العرب، وكان من المفترض مقابلة الوالي حسين حسني أفندي هناك، إذ كان يأمل الحصول على مساعدة الوالي، خاصة بعد انتفاضة العشائر ضده، إلا أنه طُوِّق وشعر أنه معتقل، حيث ألقي القبض عليه، ثم نقل في اليوم نفسه إلى بغداد؛ إذ وصلها في 27 تموز 1911، وأُنزل في دار خاصة، ثم نقل إلى قلعة المدفعية على نهر دجلة في 3 آب 1911، وبعدها نقل إلى إسطنبول، مرورًا بحلب في 20 آب 1911 لمحاكمته هناك، إلّا أن وفاته في 25 تشرين الثاني في حلب حالت دون ذلك، ويرجح أنه مات مسمومًا[2].

وفي عام 1912 عادت الاضطرابات تهدّد السلطة العثمانية في لواء العمارة، ففي كانون الثاني تجدّدت التهديدات للسلطة العثمانية في شمال اللواء؛ إذ عاود غضبان البنية شيخ بني لام نشاطه هناك، لكن السلطة العثمانية تداركت الموقف وأرسلت عددًا من قواتها للمرابطة في منطقة كميت[3] لحمايتها والمنطقة المجاورة من أي هجمات، وبذلك هدأت الأوضاع، ثم عفت السلطة العثمانية عن غضبان

(62)

البنية الذي عاد إلى العمارة عام 1913 [1].

أما جنوب العمارة، فلم يكن بأحسن حال من شمالها، ففي كانون الثاني أعلن عبد الكريم ابن الشيخ صيهود أحد شيوخ البو محمد انتفاضته على السلطة العثمانية، إثر رفضها إلزامه مقاطعة الكحلاء، إذ بدأ أتباعه بتنفيذ هجمات مسلّحة على السفن المارّة في نهر دجلة، وسلبوا ثلاث سفن شراعية قرب العزير، وألحقوا أضرارًا بسفينتين أخريين؛ مما أثر سلبًا على سير الملاحة في نهر دجلة[2]؛ لذلك اضطرت السلطة العثمانية في البصرة إلى أن تسيّر زورقًا حربيًا بين القرنة والعزير، ووضع مفارز مسلحة على السفن المسافرة من البصرة إلى العمارة، ورغم توفير الحماية لخط الملاحة إلّا أن الاضطرابات بقيت قائمة، وقد استطاع والي البصرة بحنكته أن يقنع عبد الكريم الصيهود بالكفّ عن تلك الأعمال مقابل الحصول على عفو من السلطان العثماني، إذ نجح بعد ذلك وحصل على العفو عام 1912 [3].

وعندما أصبح عجمي السعدون[4] شيخًا لعشائر آل سعدون ومن معها من

(63)

عشائر المنتفق، بدأ يثير الاضطرابات على السلطة العثمانية في ولاية البصرة بحجة الانتقام من طالب النقيب الذي يحمله مسؤولية اعتقال وموت والده[1]، وبعد ان نزل في الزبير، هاجم في تشرين الثاني 1912 مع محمد المشري شيخ الزبير العثمانيين وحليفهم طالب النقيب في البصرة، مما أدى إلى إثارة الذعر بين الأهالي، إلّا أن قوة السلطة العثمانية وحليفهم طالب النقيب جعلته يقبل بسعي السلطة العثمانية وعقد الصلح مع طالب النقيب عام 1913 [2].

أمّا عشائر المنتفق، فقد امتنعت عن دفع الضرائب عام 1912، وعندما حاول مصطفى نادر بك متصرف الناصرية السيطرة على الوضع مُني بهزيمة في الشطرة على يد المنتفضين بقيادة الشيخ خيون العبيد، واستمر الوضع بالخروج عن سيطرة الدولة العثمانية، ورغم محاولاتها العسكرية المتكررة، إلّا أنّ السلطة العثمانية لم تستطع القضاء على المنتفضين حتى عام 1914. وعندما اقتربت الحرب تصالح العثمانيون مع خيون العبيد وسحبت الحكومة العثمانية قواتها من المنتفق لإرسالها إلى جبهات الحرب المنتظرة[3].

إن موقف الرفض للسلطة العثمانية في جنوب العراق لم يقتصر على الجانب العسكري المتمثّل بالانتفاضات التي قام بها أبناء العشائر، بل رافقه عمل سياسي من أجل الحصول على الحكم الذاتي أو الاستقلال عن الدولة العثمانية، وهذا تمثّل

(64)

بالمواقف الآتية:

اتصال بعض شيوخ المنتفق والعمارة بممثلي الحكومة البريطانية من أجل تأمين حماية لهم لتحقيق نجاح انتفاضتهم ضد الدولة العثمانية، بعد أن نجحت بريطانيا بحفظ كيان مشايخ الكويت والخليج[1].

عمل طالب النقيب على إنشاء حزب سياسي(حزب الحرية والائتلاف)[2] بعد عودته من إسطنبول هدفه الحصول على الحكم الذاتي، كما التقى عن طريق الشيخ خزعل[3] شيخ المحمّرة والقنصل البريطاني هناك قبيل الحرب العالمية، وطالبه بدعم الانتفاضة في ولاية البصرة وتأمين استقلالها، إلا أنه واجه الرفض[4].

يتبين لنا مما تقدم، أن العراقيين كانوا رافضين للسلطة العثمانية ولسياستها في العراق؛ إذ قامت العشائر العراقية بعشرات الانتفاضات، وأعلنوا العصيان

(65)

على إطاعة السلطة العثمانية، ودخلت معها حروب عديدة، راح ضحيتها مئات القتلى، وكانت السلطة العثمانية تستعمل معهم أقسى الإجراءات، وعملت على التنكيل بهم، وتكلّفت السلطة خسائر فادحة بالأموال والأرواح، كما أضعفت وجودها في الخليج.

وكان أهم عامل في تلك الأحداث، العامل الاقتصادي المتمثل بفرض الضرائب على تلك العشائر التي لا تؤمن بأحقية الاحتلال العثماني جباية تلك الأموال، فضلًا عن دفاعها عن أرضها وبغضها لطريقة الالتزام التي استخدمها المحتلون وسيلة لمعاقبة العشائر وإرضاخها لسلطانهم.

فكانت هذه الانتفاضات خطوات باتجاه نمو الروح الوطنية التي رفضت الاحتلال العثماني، والتي نمّت وأظهرت نزعة الاستقلال، منذ سنوات مبكرة في انتفاضة عام 1881 في المنتفق.

 

(66)

المبحث الثالث
تغلغل النفوذ البريطاني في العراق
وموقف عشائر الجنوب في أواخر العهد العثماني1869- 1914

أولًا: تغلغل النفوذ البريطاني في العراق

تعود بداية الاهتمام البريطاني في العراق إلى فترة زمنية سابقة تمتد إلى قرون مضت[1]، إذ أصبح هذا الجزء المهم الذي يتوسط الشرق الأوسط يحتلّ جزءًا كبيرًا من تفكير الاستراتيجيين البريطانيين؛ لأهمية موقعه الجغرافي ومركزه السوقي (الاستراتيجي) الذي يربطه بالخليج وبلاد فارس[2]. وتمثّل النفوذ البريطاني بأوجه مختلفة أهمها وأكثرها تأثيرًا النشاط الاقتصادي.

وقد وصلت أول باخرة بريطانية تجارية للعراق عام 1635، وبعدها حصلت شركة الهند الشرقية الإنكليزية[3] على أول ترخيص لها عام1640؛ إذ غدت البصرة

(67)

في عام 1644 من أهم مراكز التبادل التجاري مع شركة الهند الشرقية، وبذلك نقلت إليها عام 1645 ممتلكاتها إثر الاضطرابات بين بلاد فارس والهولنديين[1]، ثم عقدت بريطانيا معاهدة مع العثمانيين عام 1675[2] مكّنتها من توسيع المصالح البريطانية في العراق[3]؛ إذ فتحت شركة الهند الشرقية عام 1723 وكالة مؤقّته لها في البصرة، وأصبحت دائميه عام 1763 عندما نقلت إليها وكالة بندر عباس إضافة للمقيمية البريطانية في بوشهر التي كانت تتبع الوكالة في بندر عباس، والتي اعترف بها العثمانيون وعدّوها قنصلية مشمولة بنظام الامتيازات[4].

(68)

وبذلك تطور النشاط البريطاني في العراق، فبعد أن كانوا يكتفون بحماية سفنهم من هجمات القوى العشائرية العربية على خطوط الملاحة، تحولوا إلى استخدام قوتهم البحرية ضد هذه القوى، وضد ولاة العراق إذا ما اتخذوا موقفًا معاديًا للأطماع البريطانية، وكذلك ضد بلاد فارس إذا عرضت المصالح البريطانية في البصرة للخطر[1].

وفي عام 1789 نقلت هذه المقيمية إلى بغداد، ونظرًا لزيادة المصالح الاقتصادية والنفوذ البريطاني في العراق، فضلًا عن الاحتلال الفرنسي لمصر 1798 [2]، أرسلت بريطانيا عام 1800 قوة من جنودها الهنود إلى بغداد، إذ عسكروا في المقيمية البريطانية، كما أرسلت أيضًا سفينة حربية لترابط عند المقيمية في بغداد؛ وبذلك حلّت مقيمية بغداد عام 1810 محل مقيمية البصرة، واكتسبت نفوذًا سياسيًا كبيرًا لدى السلطات العثمانية في العراق[3].

ومنذ عام 1820 اكتسبت الملاحة النهرية في العراق أهمية لدى البريطانيين؛ إذ أرسلوا العديد من البعثات لمسح لنهري دجلة والفرات واستكشافهما ومعرفة مدى صلاحيتهما للملاحة[4]، ونجحت بريطانيا، بعد أن مارست الضغط على

(69)

الحكومة العثمانية، في الحصول على امتيازات ملاحية في مياه العراق؛ إذ صدر عام 1834 قانون ( فرمان) عثماني[1] ينصّ على السماح لباخرتين بريطانيّتين بأن تبحرا في نهر الفرات بقصد التجارة، وعلى هذا الأساس استندت شركة لنج[2] في تأسيسها وممارسة نشاطها[3].

وفي عام 1845 أُثيرت قضية حقوق بريطانيا في الملاحة التجارية في نهر دجلة إثر الحادثة التي تعرضت لها الباخرة الكربلائية التي قام ببنائها أحد تجار مدينة كربلاء في بومباي، وصلت الباخرة إلى مدينة البصرة وتم احتجازها طبقًا لأوامر والي بغداد محمد نجيب باشا، ومنعها من الإبحار إلى بغداد، إلا إذا أنزلت العلم البريطاني وحملت العلم العثماني بدلًا عنه، وعندما علم القنصل البريطاني في بغداد هنري رولنسون(Rawlinson Henry) (1843-1855) أصرّ على حق الباخرة الكربلائية في الملاحة إلى بغداد وتحت العلم البريطاني، وأنْ بغداد وليست البصرة هي الميناء الجمركي للسفن المحيطية التي تبحر في نهر دجلة. وكتب رولنسون بوجهة نظره هذه إلى السفير البريطاني هنري ريتشارد(Richard Henry) في إسطنبول، مطالبًا بتأكيد حق السفن بالملاحة في أنهار العراق تحت

(70)

أعلامها الخاصة بها، وبعد سلسلة من الإجراءات نجحت بريطانيا بمسعاها، وحصلت على حق المرور إلى شمال البصرة[1].

ولأهمية العراق في المواصلات العالمية المختصرة، لاسيما نقل البريد السريع بين الهند وبريطانيا[2]، ولحاجة بريطانيا إلى اتصالات تلغراف سريعة تصل بين العاصمة لندن وأقاليمها النائية لتحل محل البريد البري والبحري، أُنشأ خط تلغراف في بداية عام 1865 يربط بغداد ببلاد فارس ومن ثم في الخليج وصولًا إلى لهند، وبعد ثلاثة أعوام افتتحت حكومة الهند البريطانية مكاتب تابعة لها في كل من البصرة وبغداد، وكانت هذا المكاتب تحت إشراف الممثّلين الدبلوماسيين البريطانيين، وقد استغلوها لزيادة النفوذ البريطاني هناك[3]، كما حاولت هذه المكاتب تعزيز نفوذها ومصالحها الاقتصادية والسياسية من خلال إنشاء سكة حديد الفرات، إلّا أنها لم ترَ النور[4].

(71)

وعلى الرغم من موقف بعض العشائر المعارض لنفوذ بريطانيا في العراق، إلّا أنها نمت بوتيرة متسارعة، حتى أصبح باشوات بغداد يعملون بتوجيهات المقيم البريطاني، وأصبح لبريطانيا أسطول مسلح يجوب المياه العراقية[1]؛ لذلك عيّن الباب العالي عام 1869 الوالي مدحت باشا العدو اللدود للبريطانيين، للوقوف بوجه النفوذ البريطاني في العراق، وسرعان ما بدأ حين وصوله إلى بغداد بتنشيط الملاحة النهرية العثمانية في العراق لمنافسة شركة لنج وللحدّ من هيمنتها[2]. إلّا أن هذه الإجراءات لم تحدّ من النفوذ البريطاني الذي بلغ ذروته بعد الاتفاق البريطاني العثماني عام1878 الذي ضمن المصالح البريطانية في الدولة العثمانية من أي خطر[3].

ولم تقتصر المصالح البريطانية على طرق النقل البحرية والتجارة النهرية، بل تعدّت إلى أكثر من ذلك، فقد كان لوجود النفط في العراق دور كبير في تعزيز السياسة البريطانية تجاه العراق[4]، فقد كان النفط معروفًا في العراق منذ زمن بعيد وفي نطاق محدود جدًا، وعندما تولى الوالي العثماني مدحت باشا ولاية بغداد حاول تطويره على أسس حديثة وبمساعدة خبراء ألمان، إذ أنشأ مصفاة للنفط

(72)

في بعقوبة للنفط المستخرج من مندلي، كما جرت محاولات أخرى لتطوير طرق الإنتاج في أواخر القرن التاسع عشر، وبسبب العلاقة الجيدة بين الدولة العثمانية والألمان، فقد بدأت بعثاتهم بمسح الأراضي العراقية؛ إذ أكّدوا على وجود منابع نفط تحوي كميات كبيرة من النفط الجيد والرخيص، وحاولت ألمانيا الحصول على امتياز استثمار النفط العراقي؛ مما أثار حفيظة بريطانيا التي عدته تهديدًا لمصالحها؛ لذلك تحركت بدورها على الدولة العثمانية، ولم تكن بريطانيا بعيدة عن مشاريع الاستثمار النفطي في المنطقة؛ إذ حصلت على امتياز دارسي[1] مع بلاد فارس لاستغلال النفط في الأحواز1901 [2]؛ لذلك أوعزت لوليم نوكس دارسي (William Knox Darcy) بالتحرك نحو السلطان العثماني للحصول على امتياز مماثل؛ لذلك أرسل مبعوثين إلى اسطنبول للتفاوض، للحصول على الامتياز وعرقلة النشاط الألماني إلا أنّ حدوث الانقلاب العثماني 1908[3] حال دون ذلك[4].

(73)

بعد الانقلاب العثماني 1908 عمل الاتحاديون على استمالة البريطانيين إلى جانبهم والاستعانة بخبراتهم، مما ساعد في استمرار الهيمنة الاقتصادية والسياسية على العراق، إذ زادت الشركات البريطانية العاملة في العراق، واستمر احتكارها لتجارته، حيث أصبح 96% من تجارة الاستيراد التصدير، تنقل أغلبها على سفن بريطانية[1]، كما نجحت بريطانيا في عام 1911 من الحصول على 50% من حصة شركة النفط التركية[2]؛ مما زاد أهمية العراق في السياسة الاقتصادية والاستراتيجية البريطانية. وهذا ما بيّنه اللورد كرزن في تصريح له في مجلس اللوردات البريطاني عام 1911: «من الخطأ الاعتقاد بأن مصالحنا السياسية تقتصر فقط على الخليج، إنّها لا تقتصر حتى على المنطقة الواقعة بين البصرة وبغداد، إنها تمتد ما بعد بغداد بكثير»[3].

وقبيل الحرب العالمية الأولى تمكنت بريطانيا من تثبيت مصالحها في العراق، إذ أنشأت المراكز والخطوط البريدية والاتصال[4]، كما احتكرت تجارت العراق وخطوط الملاحة في الأنهر العراقية وأن تنفرد بنفوذها على جنوب العراق، بعد

(74)

أن أبعدت كلًّا من روسيا وألمانيا[1] عن طريق التفاهم واقتسام النفوذ، وعقدها اتفاقية مع الدولة العثمانية على وشك التصديق لولا قيام الحرب العالمية الأولى 1914 [2].

وإلى جانب النشاط الاقتصادي استغل البريطانيون في وقت مبكر بعثات التبشير والتنقيب عن الآثار والرحالة[3] في مد نفوذهم داخل المجتمع العراقي ودراسته ورسم خرائط كاملة عن البيئة والمجتمع العراقيين، إذ ساعدت هذه المعلومات السياسيين البريطانيين على معرفة كيفية التعامل مع الفرد العراقي وكسب ثقته، وتسهيل مهمة احتلال العراق فيما بعد[4].

ثانيًا: عشائر جنوب العراق والنفوذ البريطاني 1869-1914

على الرغم من سياسة البريطانيين المبكرة في كسب ود العشائر، وقلة إدراك أبناء العشائر لخطورة تغلغل النفوذ البريطاني، إلّا أن المصالح البريطانية تعرّضت لمقاومة عشائر جنوب العراق منذ وقت مبكر، لاسيما تلك التي تسكن على نهري دجلة والفرات، يدفعهم في ذلك مقاومة كل ما هو غريب عليهم؛ إذ تُعدّ مناطق نفوذهم ملكًا خاصًا لأبناء العشيرة لا يسمح لأحد بالمرور أو المكوث فيه إلّا بموافقتهم، وبذلك طالب التجار البريطانيون حكومتهم بحماية سفنهم العاملة

(75)

في أنهار العراق، كما تعرّضت بعثة جسني[1] (Chesney) (1830-1834) لمقاومة عشائر الجنوب في سوق الشيوخ، كما رفض شيخ المنتفق التعاون مع هذه البعثة[2]، وبعد تأسيس «شركة الفرات ودجلة للملاحة البخارية» التي مثّلت أوسع المصالح البريطانية في أنهار العراق، وخاصة دجلة، فقد واجهت سفن هذه الشركة صعوبات تمثّلت في هجمات عشائر الجنوب الذين يطلقون نيرانهم على بواخرها، أو يتسلموا «الإتاوات» والهدايا السخية لقاء سماحهم بمرور هذه البواخر بسلام، وكان هذا من منطلق حقهم في السيادة على مناطقهم العشائرية؛ إذ تعرضت السفن البريطانية إلى هجمات من قبل أبناء عشائر المنتفق في 1852 [3].

وفي عام 1872 تعرّضت الباخرة البريطانية كشمير إلى هجوم من قبل 28 شخصًا من عشائر المنتفق وعربستان؛ إذ استولوا على الباخرة وقتلوا أحد بحّارتها وجرحوا (12) من الذين كانوا على ظهرها، واستولوا على مبالغ من النقود قبل ان يلوذوا بالفرار، إلّا أنّ جهود شيخ المنتفق ومتصرّفها الشيخ ناصر باشا السعدون والسلطات العثمانية في ملاحقة المهاجمين نجحت أخيرًا في القبض على أغلب المهاجمين ومحاكمتهم[4].

(76)

وهنا يرى الباحث أن موقف الشيخ ناصر باشا السعدون المساعد في حماية للمصالح البريطانية يمثّل السياسة العثمانية بكونه موظفًا لديها في تلك الفترة.

وعندما سُويت قضية الباخرة البريطانية كشمير بين الحكومة العثمانية والبريطانية في 1874، شكرت حكومة الهند الوالي العثماني رؤوف باشا على جهوده، كما قدّمت هديه عبارة عن خيمة بعمودين إلى الشيخ ناصر باشا السعدون، وساعة ذهبية إلى كلٍّ من عبد الرحمن النقيب وقاسم الزهير رئيس مجلس تجارة البصرة، تثمينًا لدورهم في القبض على المهاجمين، وقد كسبت بريطانيا بسبب هذه الحادثة سطوة ونفوذًا وتغلغلًا بين العشائر، وساعدتها في هذه المهمة شركة لنج التي مارست سياسة تعميق علاقتها مع شيوخ العشائر في البلاد[1].

لكن هذا النفوذ وبروز العلاقة الودية مع بعض شيوخ العشائر لم يمنع تلك العشائر من مهاجمة البواخر البريطانية؛ إذ هاجمت عشيرة المياح في المنتفق عام 1879 إحدى بواخر شركة لنج في المنطقة المحصورة ما بين «القرنة والبصرة»[2]، وفي العام التالي تعرّضت الباخرة خليفة (Khalifah)، وهي إحدى السفن التابعة لشركة لنج في منطقة العزير التابعة إلى لواء العمارة، إلى هجوم عنيف من قبل عشائر البو محمد المنتفضة على السلطة العثمانية آنذاك، وقد قتل في هذا الهجوم موجّه الدف وأحد المسافرين، كما جرح قائد الباخرة[3].

كما هددت انتفاضة المنتفق 1880-1881 الملاحة النهرية في نهري دجلة والفرات، مما دفع القنصل البريطانيين في بغداد بلودان (Plowdan) أن يرسل

(77)

في 17 حزيران 1881 بمقترح إلى فرديك هاملتون سفير دولته في إسطنبول، بضرورة التدخّل لدى السلطات العثمانية، من أجل إعادة البصرة إلى درجة ولاية بعدما أُنزلت إلى درجة متسلّمية عام 1880، وإعادة ناصر باشا السعدون واليًا عليها، وتعيين شخص من آل سعدون متصرفًا للناصرية لإنهاء الانتفاضات العشائرية، مبينًا أنّ استقرار المنتفق أمر ذو قيمة كبيرة جدًّا للمصالح البريطانية، وأن صداقتهم أمر يستحق بذل الجهد لضمانه[1].

قطعت طرق الملاحة النهرية بين بغداد والبصرة عام 1892 إثر انتفاضة عشائر البو محمد، حيث باتت نيران بنادقهم تستهدف البواخر العثمانية والبريطانية معًا، مما دفع البريطانيين إلى تزويد بواخرهم بحرس مسلحين لحمايتها من الهجمات، كما طالبوا الحكومة العثمانية باتخاذ إجراءات رادعة بحق المهاجمين، وفي عام 1895 تعرّضت السفينة الهندية البريطانية هاري باس (Haripass)إلى هجوم عند مدخل شط العرب[2]، كما تعرّضت السفن البريطانية في نهر دجلة بين القرنة وقلعة صالح عام 1899 لهجمات الشيخ حسن الخيون ومن معه من ثوار عشيرة بني أسد، كما أصبح لواء العمارة في غاية الخطورة على المصالح البريطانية خلال السنوات التي تلت عام 1906، فعلى الرغم من تزويد البواخر البريطانية بحراس مسلحين إلّا أنّ الباخرة البريطانية خليفة تعرّضت عام 1906 إلى هجوم من قبل أنصار الشيخ غضبان، كما تعرّضت الباخرة البريطانية «مجيدية» إلى تهديد عشائر البو محمد ومهاجمتها في حال عادت في نهر دجلة، كما تعطّلت الملاحة في نهر دجلة

(78)

لمدة ثمانية شهور عام 1907 على إثر انتفاضة حاتم بن صيهود أحد شيوخ البو محمد، وتعرّضت في العام التالي الباخرة البريطانية بلوص لنج (plus) في نيسان 1908 إلى إطلاق نار لمدة ثلاثة ساعات من رجال الشيخ غضبان[1].

ويعدّ العام 1909 الأكثر حراجة للمصالح البريطانية في لواء العمارة؛ إذ تعرضت الباخرة البريطانية خليفة في ليلة السابع عشر من آذار إلى إطلاق نار من أتباع الشيخ غضبان في منطقة كميت، وهي في طريقها من بغداد إلى البصرة، ونتج عن ذلك الهجوم إصابة أحد قادتها، وثلاثة من المسافرين كانوا على سطح الباخرة بجروح خطيرة، كما أصيبت الباخرة بخمسين إطلاقة على الأقل، كما تعرضت إلى هجوم ثانٍ بعد عودتها من البصرة إلى بغداد؛ إذ هاجمتها جموع من عشائر البو محمد أربع مرات في المنطقة الواقعة بين قلعة صالح والعمارة، حيث أصيبت بثلاث وعشرين إطلاقة[2].

لم يقتصر موقف عشائر الجنوب على الاستعانة السلاح في رفض النفوذ البريطاني، بل كان للغة الاحتجاج وجه آخر؛ إذ انضم أهل الجنوب إلى موقف أهل بغداد الرافض لمشروع دمج الشركة العثمانية للملاحة[3] مع شركة لنج البريطانية عام 1910، وأخذوا يرسلون البرقيات إلى إسطنبول[4]، وكان يدفعهم

(79)

إلى هذا الموقف التضامنُ مع عدد من التجار العراقيين الذين طالبوا بأحقّيتهم في شراء الشركة العثمانية للملاحة وحرية التجارة في دجلة[1].

وبسبب ما تعرّضت له المصالح البريطانية من مخاطر، دفعت شركة لنج إلى تصفيح بواخرها بالحديد خوفًا من هجوم أبناء العشائر عليها، كما استطاعت بضغطها على السلطات العثمانية أن توفّر الأخيرة حماية لطرق الملاحة؛ إذ عزّزت الحراسة على الأماكن الواقعة على نهر دجلة والاحتفاظ بقوة حربية في المنطقة نفسها لمواجهة أي اضطرابات، وتسيير قاربٍ مزوَّدٍ بمدفع سريع الطلقات ليقوم بدوريات مستمرة في نهر دجلة[2].

ثالثًا: أثر الدبلوماسيين البريطانيين العاملين في العراق على شيوخ العشائر:

إنّ الموقف الوطني الرافض للنفوذ البريطاني في العراق الذي تبنّته العشائر العراقية، لم يحل دون تغلغل النفوذ البريطاني بين تلك العشائر العراقية وإقامة علاقة صداقة بين شيوخ بعض العشائر وبين الساسة البريطانيين.

أيقن الدبلوماسيون البريطانيون في العراق بأهمية العشائر العراقية التي تمثّل قوى مهمة في البلاد وقدرتها في التأثير على المصالح البريطانية، مما جعل الدبلوماسيين البريطانيين يهتمون بشيوخ الاتحادات القبلية والعشائر القوية والمتنفّذة لأجل ضمان عدم تجاوزهم على المصالح البريطانية أو عرقلتها[3].

وقد نجح الدبلوماسيون البريطانيين في مهمتهم إلى حدّ ما، ساعدهم في

(80)

ذلك العداء وبغض تلك العشائر للدولة العثمانية، وما قامت به شركة لنج الملاحية من تثبيت نفوذها بين العشائر الساكنة على ضفاف نهر دجلة والفرات عن طريق إعطائها الهبات والهداية وشراء الحطب منهم لاستخدامه كوقود لبواخرها، إضافة إلى الهدايا والهبات الكبير والسخية التي كان يقدّمها هؤلاء الدبلوماسيون[1] إلى شيوخ العشائر الكبيرة وبإيعاز من حكومة لندن، وقد بلغ عمق النفوذ البريطاني بين العشائر حدًّا بات معه كارتر(Carter)، نائب القنصل البريطاني في البصرة، يلقّب «بالشيخ الأبيض» لنفوذه الكبير في وسط شيوخ عشائر جنوب العراق وتمييزًا للون بشرته[2].

وعلى هذا الأساس نلاحظ أنّ بعض شيوخ العشائر في جنوب العراق حاولوا اللجوء إلى البريطانيين حين اضطربت علاقتهم مع الحكومة العثمانية؛ وذلك للاستعانة بأولئك الدبلوماسيين في أكثر من مناسبة لغرض التوسّط بينهم وبين السلطات العثمانية لحلّ بعض الخلافات الناشئة معها أو ضمان الحصول على التزام الضرائب في ديارهم، فكانوا يدركون أن لبريطانيا نفوذًا ومصالح كبيرة في المنطقة، كما أن مساندة بريطانيا لشيخي الكويت والمحمرة قد يدفعها إلى مساندتهم أيضًا في خلافاتهم مع السلطات العثمانية[3].

في عام 1899 بعث الشيخ حسن الخيون المُلاحَق من لدن السلطات العثمانية برسالة إلى (راتسلو (Ratislaw القنصل البريطاني في البصرة (22

(81)

أيلول 1898 - 1آب 1903) دعاه فيها إلى التوسط لدى السلطات العثمانية للعفو عنه، غير أن الأخير رفض التدخّل، كما رفض في العام نفسه طلب الشيخ سليمان المنصور أحد شيوخ المنتفق والأخ الأكبر لسعدون باشا الذي قدم طلبًا يطلب فيه وضع نفسه تحت الحماية البريطاني، هناك أشخاص آخرون من المنتفق بعثوا الطلب نفسه أيضًا عن طريق وسيط هندي مسلم، لكنّها رفضت أيضًا[1].

وفي حزيران 1908 طلب سعدون باشا السعدون من مبارك شيخ الكويت مفاتحة الرائد (نوكس Knox)، الوكيل السياسي البريطاني في الكويت (1904-1909)، للحصول على حماية بريطانية إلّا أن الأخير رفض الطلب، وفي العام التالي أرسل سعدون باشا شيخ المنتفق مبعوثاً إلى القنصل البريطاني في البصرة يطلعه على نيّته مقاتلة القوات العثمانية، إلّا أنه واجه الرفض، كما طلب فتح قنصلية بريطانية في المنتفق، وجدد آل سعدون هذا الطلب عام 1913، لكن دون جدوى، وفي العام ذاته وصل الشيخ فالح البنية، أخ الشيخ غضبان البنية شيخ بني لام، إلى البصرة متنكرًا حتى لا تكشف هويته، والتقى هناك القنصل البريطاني، إذ عرض عليه طلبًا بفرض الحماية البريطانية على لواء العمارة[2].

يعتقد الباحث أن الرفض البريطاني لطلبات الحماية من شيوخ العشائر جاء نتيجة علاقتها الحسنة مع العثمانيين، وارتباطها باتفاقيات دولية تمنعها من اتخاذ هكذا خطوات.

ويمكن القول إن شيوخ العشائر الذين طالبوا بفرض الحماية لم يكونوا

(82)

ملتفتين إلى أبعاده السياسية، فكان همهم أن تؤمن لهم بريطانيا الحماية من بطش السلطات العثمانية واضطهادها؛ لذلك نجد هؤلاء الشيوخ الذين قدموا طلبات فرض الحماية البريطانية على مناطق جنوب العراق أمثال الشيخ غضبان البنية والشيخ عجمي السعدون كانوا في الصف الأول من المجاهدين المدافعين عن العراق عندما بدأت بريطانيا غزوها للعراق عام 1914، متناسين التعسف والاضطهاد الذي مارسته السلطة العثمانية، ليس من أجل مصلحة سياسية أو مكسب اقتصادي، وإنما من أجل الدفاع عن بلادهم التي طالما بذلوا الغالي والنفيس من أجل الاحتفاظ بها، ويؤكّد ذلك امتثالهم لفتاوي الجهاد التي أصدرها بعض علماء الدين.

ويتّضح لنا أن عشائر جنوب العراق كانت تتمتّع بنوع من الاستقلال، ورافضة للسيطرة العثمانية بكل أشكالها، إذ خاضت عدة معارك من أجل استقلالها وإيمانها المطلق بعدم أحقية العثمانيين بالتحكم بمصيرها، إذ نراهم ينتفضون على السلطة رغم بطشها وسياسة التنكيل التي كانت تمارسها سلطة الاحتلال، بل فرضوا الضرائب على القوافل أو السفن التي تبحر عبر مناطقهم، وهذا إن دلّ على شيء، فإنّه يدلّ على الشعور بشيء من الاستقلالية والأحقّية في بلادهم وعدم اعترافهم بسلطة العثمانيين، وإن كانوا يتعاملون معها مجبورين.

كما أن النفوذ البريطاني أخذ من البداية طابعًا تجاريًا، خاصة بعد الحصول على الامتيازات الاقتصادية، كما أن الاستراتيجية البريطانية تجاوزت النشاط المرسوم لموظّفيها في العراق، إذ تجاوزوا حدود مناصبهم وأخذوا يتدخّلون بشؤونه الداخلية للمحافظة على المصالح البريطانية، ووجهوا دعوات إلى حكومتهم

(83)

في أكثر من مناسبة لحثّها على احتلال جنوب العراق وجعله محمية بريطانية، مستغلّين في الوقت نفسه ضعف السلطات العثمانية، وموقف أبناء عشائر العراق المعادي لها خاصة في جنوب العراق.

لذلك جاءت الحرب العالمية الأولى 1914 - 1918 فرصة للحكومة البريطانية لتحقيق ما كانت تطمح إليه من بسط سيطرتها على العراق والمحافظة على مصالحها.

 

(84)

الفصل الثاني:
الاحتلال البريطاني 1914 - 1918
وموقف عشائر جنوب العراق منه

اكتسب العراق أهمية سياسية واقتصادية كبرى لدى بريطانيا، وقد احتلّ هذه الأهمية بسبب موقعه الذي جعل منه مجالًا حيويًا مهمًّا لنشاطها الاستعماري، وأخذت بريطانيا تراقب بإمعان ما يجري في العراق، ساعية إلى بذل الجهود لأبعاد النفوذ الأوروبي عنه.

إن هذه الأهمية دفعت بالساسة والعسكريين البريطانيين إلى التفكير باحتلال العراق منذ وقت مبكر، ترجع بداياتها إلى 1853؛ إذ اقترح العقيد ( رولينسون Rawlinson) القنصل البريطاني في بغداد (1843- 1855) على حكومته احتلال العراق في حال تم تقسيم الدولة العثمانية[1]، كما أكّد اللورد ( كيرزن Lord Gurzon)[2] في مجلس اللوردات البريطاني عام 1892 أهمية العراق بقوله: «بغداد تقع ضمن موانئ الخليج، ويجب أن تدخل ضمن السيادة البريطانية التي لا تنازع»[3].

(85)

ظهرت فكرة احتلال البصرة عام 1906 للضغط على العثمانيين أثناء أزمة العقبة[1] بين بريطانيا والدولة العثمانية[2]، وبعد أن أصبح نفوذ ألمانيا يشكّل خطرًا كبيرًا على المصالح البريطانية في العراق، أناطت حكومة الهند عام 1911 مهمة الاحتلال المباشر للعراق إلى لجنة رباعية تألّفت من الأدميرال سليد (Admeral Sir. E. Slade)، قائد البحرية العام وبرسي ليك (Sir. Percy lake)، رئيس الأركان العامة في الهند وهنري مكماهون(Sir. H. Macmahon) سكرتير الشؤون الخارجية في الهند وبرسي كوكس[3] (Sir. Percy Z Cox) المقيم السياسي في الخليج، فقدّمت اللجنة تقريرها في 15 كانون الثاني 1912 وأوصت باحتلال الفاو والبصرة، كما صرح أحد المسؤولين الكبار في وزارة الخارجية البريطانية عام 1913 بقوله:

 «إذا ما أصبح تقسيم الأملاك العثمانية في أسيا أمرًا واردًا، فإن ما بين النهرين

(86)

هو الجزء الذي يجب أن نركّز أنظارنا عليه»[1].

يبدو أن الحكومة البريطانية لم تأخذ هذه التوصية بجدية آنذاك، وعندما بدت مظاهر الصراع الدولي تنذر بالحرب في ربيع عام 1914 ظهرت فكرة احتلال العراق من جديد بين الساسة البريطانيين، وأخذت الجهات الحكومية المختلفة تدرسها وتعد الخطط لتنفيذها.

وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى في الأول من آب 1914 [2]، أعلنت الدولة العثمانية النفير العام رغم إعلانها الحياد[3]، إلّا أنها عقدت اتفاقية عسكرية سرية مع ألمانيا في الثاني من آب 1914 تتضمّن دخولها الحرب إلى جانب المانيا إذا دخلت روسيا الحرب ضد الأخيرة، وبذلك أيقنت بريطانيا بعزم العثمانيين دخول الحرب، مما دفعها إلى وضع خطة لحماية مصالحها في الهند والخليج ومواجهة الأخطار المحتملة ومباغتة العدو قبل أن يوجه ضرباته المحتملة إلى هذه المصالح الحيوية[4]؛ إذ أصدرت الأوامر السرية في 2 تشرين الأول 1914 إلى

(87)

اللواء السادس عشر من الفرقة السادسة من الجيش البريطاني في الهند بالتوجه إلى الخليج، أُسندت القيادة إلى الجنرال (ديلامين W. Delamin) وعين السير (بيرسي كوكس) مستشارًا سياسيًّا، وأعطي لتلك القوات الرمز «D» وحُدّدت مهمتها بـاحتلال عبادان وحماية مصافي النفط وخط الأنابيب، وتغطية إنزال الإمدادات؛ إذ غدت هذه ضرورية، حيث ينبغي أن نظهر للعرب بأننا نعتزم مساعدتهم ضد العثمانيين[1].

وصلت القوات «D» إلى البحرين في 23 تشرين الأول 1914 وبقي الجيش في السفن بانتظار الأوامر الجديدة من القيادة العليا، وفي29 تشرين الأول 1914 [2] دخلت الدولة العثمانية الحرب[3]. وفي 1 تشرين الثاني 1914 وصلت برقية من حكومة الهند البريطانية إلى الجنرال ديلامين قائد قوات «D» تعْلِمه فيها بإعلان الحرب على الدولة العثمانية قبل إعلانها رسميًا في 5 تشرين الثاني 1914 [4].

(88)

المبحث الأول
موقف عشائر الجنوب من الاحتلال البريطاني للبصرة 1914

سعت بريطانيا في مشروعها لاحتلال العراق خلال الحرب العالمية الأولى للحصول على مساعدة أبناء العراق المحرومين من حقوقهم المدنية والمضطهدين، وهم بالدرجة الأولى أبناء وسط وجنوب العراق من الشيعة، إذ كانت تعتقد أن هؤلاء سوف يقدمون أكبر قدر ممكن من المساعدة ويساندوا الحكم البريطاني القادم، وهو يرفع شعار تحرير الشعب العراقي من الاحتلال العثماني[1].

إلّا أن توقّعات البريطانيين أتت مخيّبة تمامًا لما كانوا يأملون، فقد اتّخذت العشائر العراقية[2]، وخاصة عشائر جنوب العراق، وهم من الفئة التي عانت ظلم الاحتلال العثماني واضطهاده، الموقف الوطني بالدفاع عن الوطن مبدأً لها منذ بداية الاحتلال البريطاني، وزادها اندفاعًا وثباتًا في موقفها المشرف هذا صدور فتوى الجهاد من قبل علماء الدين الشيعة[3] التي كانت تعاني من الاضطهاد

(89)

العثماني أيضًا، ونتج عن استجابة أبناء العشائر لدعوة الجهاد تشكيل قوة عشائرية منفصلة تحت قيادة دينية[1] وعشائرية عُرفت باسم المجاهدين، وهي قوة شيعية تشكلت بالدرجة الأولى من عشائر الجنوب والفرات الأوسط[2]، ومن الجدير ذكره أن أغلب مواقف علماء الدين الذين عيّنتهم السلطات العثمانية في العراق[3]، ونالوا منها الامتيازات والهبات الكبيرة، وقد اختلف موقفهم عن علماء الدين الشيعة المضطهدين من السلطة العثمانية التي لم تعترف بمذهبهم ضمن المذاهب الإسلامية، فقد تخلّى أغلب هؤلاء عن الدولة العثمانية التي كانوا يمثّلونها وينعمون بامتيازاتها، فلم يستجيبوا لفتوى الجهاد التي أصدرها شيخ الإسلام في 7 تشرين الثاني[4]، بل بالعكس فقد اتخذوا طريق الاتصال للتعاون مع المحتلّ

(90)

الجديد؛ إذ عقد بعضهم اجتماعًا عام 1915 ضم عددًا من رجال الدين والوجهاء والسياسيين[1]، خرجوا فيه بقرار إرسال تأييد للاحتلال البريطاني واستعدادهم للتعاون معهُ، وإلى هذا المعنى يشير حسن العلوي بقوله: «إن علماء المؤسسة التركية لم يكتفوا بالقعود عن الجهاد، وإنما بدأوا يتّصلون برجال الاحتلال البريطاني عارضين على الإنكليز تأييدهم»[2].

بدأ الهجوم البريطاني على العراق في 5 تشرين الثاني 1914 إذ عبرت القوات البريطانية سد الفاو في الساعة الحادية عشر ليلًا[3]، بعد أن كانت القوات العثمانية قليلة العدد وغير كافية للدفاع عن سواحل البصرة، حيث سحبت قيادة الجيش العثماني في إسطنبول ما يقارب من نصف قواتها في العراق[4]، فضلًا عن عدم وجود أسطول بحري عثماني لحماية البصرة[5].

وفي صبيحة اليوم التالي بدأ التقدم البريطاني باتجاه العراق، إذ تقدمت قوة بحرية إلى شط العرب ولم تواجه بطريقها أي مقاومة خلال أربع ساعات

(91)

الأولى من انطلاقها، وبعد أن اقتربت من قلعة الفاو بحدود الساعة العاشرة صباحًا، فتحت الحامية العثمانية نيرانها من رشاشاتها ومدفعيتها مستهدفة القوات البريطانية، إلّا أنّ نيران مدفعية السفن الحربية الحديثة والسريعة التي تساندها بنادق الجيش البريطاني استطاعت خلال مدّة قصيرة لم تتجاوز الساعة من هزيمة هذه القوة، إذ انسحبت الحامية العثمانية تحت انفجارات القنابل الانفلاقية البريطانية[1] مخلّفة قائدها قتيلًا؛ وبذلك احتلت القوات البريطانية الفاو وسيطرت على الميناء الوحيد في العراق[2]، إذ رفع العلم البريطاني فوق قلعة المدينة من دون أي خسائر تذكر، وفي اليوم نفسه ألقى السير بيرسي كوكس (PercyCox)، ضابط الحملة البريطانية السياسي، خطابًا جاء فيه «ليكن معلومًا للجميع بأن الحكومة البريطانية لا تخاصم السكان العرب المقيمين على ضفتي الشط، وعليهم أن لا يتخوفوا من شيء، أننا سوف لا نتعرّض لهم ولا لأموالهم إذا وقفوا منّا موقفًا ودّيًا، ولا يأوون الجنود الأتراك، أو يحملون السلاح علنًا»[3].

كما تحركت في اليوم نفسه قوة بحرية من المحمرة إلى شط العرب على ظهر

(92)

الباخرة الحربية «سبيكل Special»؛ إذ تمكّنت من إنزال مفرزة بريطانية وقطع خط البرق العثماني بين الفاو والبصرة، واستطاعت مدفعيتها إبعاد العثمانيين من الضفة الغربية من شط العرب المقابلة لعبادان الإيرانية[1].

بعد إتمام احتلال الفاو السريع وتأمينها بوجود سرية من الجيش البريطاني، تحركت في اليوم الثاني القوات البريطانية متوغّلة في الأراضي العراقية، قاصدة البصرة عن طريق شط العرب، إذ خاضت ثلاث معارك مع الجيش العثماني قبل دخولهم البصرة. وعُرفت بمعارك الساحل كان للعشائر دور في تلك المعارك، حيث قاتلت إلى جانب القوات العثمانية:

معركة السيبة (السنية)[2]:

وصلت القوات البريطانية في اليوم الثاني من احتلال الفاو إلى منطقة السيبة (السنية) العراقية من دون أيّ مقاومة تُذكر، وتزامن وصولها معرفة قائد الجيش العثماني في البصرة بهجوم البريطانيين على الفاو، إذ حال انقطاع خط التلغراف العثماني بين البصرة والفاو دون وصول الأخبار إلّا عن طريق الموظفين العثمانيين الهاربين من الفاو الذين وصلوا البصرة في اليوم التالي من الهجوم[3].

لذلك أرسل قائد الفرقة 38 العثمانية قوة عسكرية من ثلاثة أفواج لمهاجمة البريطانيين الذين كانوا قد أكملوا إنزالهم في 10 تشرين الثاني، وكانوا مستعدين

(93)

للمواجهة، لعلمهم بقدوم القوات العثمانية من خلال الشيخ خزعل شيخ المحمرة، وفي ليلة 10-11 تشرين الثاني 1914 شنّت القوات العثمانية ومن معها من المتطوّعين من أبناء العشائر الذين وُزّعت على بعضهم البنادق هجومًا على موقع الجيش البريطاني[1]، إلّا أن البريطانيين صمدوا وانتصروا بعد انسحاب القوات العثمانية إلى منطقة سيحان، متكبدة خسائر بلغت 37 قتيلًا واثنين وعشرين جريحًا، فضلًا عن مقتل قائد الهجوم الضابط العثماني تحسين أفندي، بينما كانت خسائر الجيش البريطاني طفيفة تمثّلت بمقتل ضابط بريطاني وآخر هندي مع خمس جنود آخرين وإصابة ضابط بريطاني[2].

معركة سيحان[3]:

بالرغم من انتصار القوات البريطانية في معركة السيبة (السنية)، إلّا أنّ القائد البريطاني ديلامين فضّل التريث قليلًا في مهاجمة المواقع العسكرية العثمانية، حتى وصلته تعزيزات عسكرية كبيرة؛ إذ وصل في 14 تشرين الثاني 1914 اللواء 18 ولواء مدفعية ميدان مع قائد الفرقة السادسة الجنرال آرثر باريت (Arthur Barrett) الذي تولّى قيادة للقوات البريطانية الغازية للعراق لرتبته العسكرية الأعلى من القائد السابق ديلامين[4]، وتسلّم في اليوم الثاني من وصوله أمرًا من

(94)

القيادة العليا للقوات البريطانية لجعل البصرة هدفًا لقواته[1].

أمّا العثمانيون فقد أعادوا ترتيب شتات قواتهم ومن معهم من العشائر، كما انضمّت إليهم أعداد جديدة من متطوّعي العشائر البصرية، فضلًا عن التحاق الشيخ عجمي السعدون مع ما يقارب من 250 من أتباعه الخيّالة بهذه القوات؛ إذ صار عدد أبناء العشائر ما يقارب الثلث من مجموع قوات العثمانيين البالغة 3000 آلاف مقاتل[2].

وفي 15 تشرين الثاني 1914 تحركت قوة بريطانية من ثلاثة أفواج مشاة ولواء مدفعية بقيادة القائد ديلامين لإنزال ضربة بالمعسكر العثماني، حيث اشتبكت القوتان، وحققت فيها القوات البريطانية هدفها، إذ استطاعت هذه القوات زعزعة القوات العثمانية من مكانها، حيث انسحبت بعد المعركة من موقعها إلى منطقة كوت الزين (الساحل)[3]، وذلك بعد أن خسرت 50 قتيل وضابط برتبة مقدم، وجرح ضعف العدد، فضلًا عن أسر 25 جنديًا، بينما كانت خسائر قوات البريطانيين المهاجمة تسعة قتلى وجرح 53 عسكريًا بينهم ضابطان[4].

معركة كوت الزين (الساحل)[5]:

انسحب العثمانيون إلى منطقة كوت الزين بعد أن تكبّدوا خسائر في معركة سيحان وبدأوا يحصّنون مواقعهم هناك، كما كان للمجاهدين من أبناء العشائر

(95)

دور كبير في هذه المعركة؛ إذ وصل إلى عشيرة الشرش، رسول العالم الشيعي محمد كاظم اليزدي[1] حاملًا فتوى الجهاد، وسرعان ما لبّى الدعوة عشائر الشرش بقيادة شيخها شلال الذي أعدّ ما يزيد عن ألف مجاهد من أبناء عشيرته، وزحف بهم إلى الخطوط الأمامية مع القوات العثمانية التي تتشكّل من أربعة أفواج عسكرية، إضافة إلى عدد من عشائر المدينة تحت قيادة القائد العثماني سامي بيك[2].

وفي 17 تشرين الثاني 1914 هاجمت القوات البريطانية باللواءين ( 16 و18) الجيش العثماني في كوت الزين ودارت معركة شرسة بين الجانبين[3]، وكان للمجاهدين من أبناء العشائر دور فعال، وبسبب عدم تكافؤ القوة بين الجانبين من ناحية العدة والعدد، أدت المعركة إلى انتصار الجيش البريطاني وهروب الجيش العثماني بعد أن خلّفوا قائدهم عادل بك أسيرًا لدى العدو، وقد استشهد عدد كبير من أبناء العشائر منهم 220 شهيدًا من عشيرة الصيامر، واستشهاد الشيخ شلال[4]، فضلًا عن الخسائر الكبيرة في الجيش العثماني؛ إذ بلغت 150 قتيلًا وما يزيد عن 400 جريح و150 أسير، بينهم ستة ضباط عثمانيين، بينما تكبّدت القوات البريطانية 54 قتيل بينهم أربع ضباط بريطانيين، إضافة إلى 435 جريح[5].

(96)

دخول البريطانيين البصرة وموقف عشائرها من الاحتلال:

بعد معركة كوت الزين لم يبقَ للقوات العثمانية إلّا حاميتها في جزيرة البلجانية[1] وبعض الجزر الأخرى خارج مدينة البصرة لإيقاف تقدم القوات البريطانية، وذلك بعد أن جعلت من إغراق أربع بواخر في شط العرب حاجزًا ليحول دون تقدم البواخر العسكرية البريطانية[2]، إلّاأنّ الهزائم المتكررة وقلة الإمدادات أدّت إلى فقدان الروح القتالية وأحبطت معنويات الجيش العثماني، وعلى أثر هذه الهزائم عقد قائد الجيش العثماني جاويد باشا وقائد الحامية العثمانية في البصرة صبحي بك نائب والي البصرة في ليلة 19/20 تشرين الثاني 1914 اجتماعًا طارئًا في مقر الولاية، حضره عدد من شيوخ العشائر، منهم الشيخ عجمي باشا السعدون والشيخ سالم الخيون؛ إذ أقر القائد العثماني خطة الانسحاب باتجاه القرنة رغم معارضة شيوخ العشائر واقتراحهم الدفاع عن البصرة[3]. وهذا يدلّ على أن التنسيق بين القوات العثمانية والعشائر العراقية كان محدودًا، ولم يكن هناك قيادة مشتركة تدير المعركة.

بدأ الانسحاب العثماني من البصرة في 20 تشرين الثاني 1914، إذ انقسم إلى قسمين الأول باتجاه القرنة، والقسم الثاني يتألف من فوج واحد انسحب باتجاه الناصرية، كما انسحب الشيخ عجمي السعدون وأتباعه باتجاه الزبير[4].

(97)

يبدو أن انسحاب القوات العثمانية من البصرة ترك فراغًا أمنيًا كان من نتائجه ظهور حالات من النهب والسلب والعبث في أملاك العامة وتخريب الممتلكات العامة من قبل عصابات السراق؛ لذلك فإنّ هذا جعل بعض أهل البصرة لا يمانعون دخول القوات البريطانية من أجل توفير الأمان لمدينتهم.

وما أن وصل خبر انسحاب الجيش العثماني من البصرة حتى سارعت القيادة البريطانية بإرسال قواتها التي دخلت مدينة البصرة دون قتال في 22 تشرين الثاني 1914 [1]، ورفع العلم البريطاني في اليوم التالي بحضور قائد القوات البريطانية في العراق الجنرال آرثر باريت (Arthur Barrett)،ر وفي هذه المناسبة أصدر السر برسي كوكس (Sir. Percy Z.Cox) خطابًا بالعربية طمأن فيه السكان[2]، مؤكّدًا أن القوات البريطانية جاءت لحمايتهم ومصادقتهم، ولا تريد السوء فيهم[3].

ويرى الباحث أن موقف أهالي مدينة البصرة لم يكن كما كان متوقعًا؛ إذ لم تتعرض القوات البريطانية لأي مقاومة تُذكر، سوى بعض العمليات المحدودة التي يقوم بها أبناء العشائر ليلًا، وقد يكون السبب الرئيسي مرتبطًا بولاء أغلب عشائر مدينة البصرة؛ إذ كانت أغلبها توالي طالب النقب أو الشيخ خزعل، والاثنين لم يتخذوا موقفًا ضد الاحتلال البريطاني؛ إذ الأول ترك البصرة والثاني كان مواليًا لجيش الاحتلال.

ويمكن أن نُجمل أهم الأسباب التي كان لها تاثير مباشر على الموقف الوطني في البصرة والمتمثّلة بما يلي:

(98)

1.أن العشائر التي شاركت الجيش العثماني بمعارك الساحل للدفاع عن البصرة، وأبرزها عشائر الشرش وعجمي السعدون، انسحبت مع القوات العثمانية، إذ انسحب عجمي السعدون إلى الزبير كما أسلفنا، وبقيت عشار الشرش على موقفها في مناطقها خارج مدينة البصرة[1].

2.أن مدينة البصرة كانت خاضعة لنفوذ طالب النقيب المقرّب من العثمانيين، والذي طالما صد قوات عجمي السعدون ذات القوة الحربية الكبيرة عن البصرة، ومن المعلوم أن طالب النقيب هرب إلى الكويت قبل احتلال الفاو بيوم واحد، ولم يسجل أي موقف للدفاع عن مدينته ومركز أتباعه، عدا مفاوضاته مع القنصل البريطاني ومطالبته بجعل ولاية البصرة أمارة مستقلة تحت حكمه[2].

3.أن انسحاب القوات العثمانية من البصرة جعل سكانها، يفقدون الأمل بالدفاع عن مدينتهم مسلمين للمحتل الجديد، خاصة وأنهم كانوا يمقتون الوجود العثماني، وخاصة في ظلّ انتشار عصابات السرقة في المدينة بعد الانسحاب العثماني منها.

الاحتلال البريطاني للقرنة:

بعد أن تم للبريطانيين احتلال البصرة، ضمنوا السيطرة على أعالي الخليج، وتمكّنوا من إبعاد الخطر عن عبادان، إضافة إلى اتخاذهم من البصرة قاعدة

(99)

لانطلاق العمليات الحربية الهادفة إلى التوسّع شمالًا مع نهري دجلة والفرات إلى بغداد وشمال العراق[1].

وقد أرسل السر برسي كوكس المستشار السياسي للحملة البريطانية في 23 تشرين الثاني 1914 إلى وزارة الهند بضرورة التوغّل لاحتلال بغداد، بقصد استثمار الانتصار الذي حقّقته القوات البريطانية في البصرة، إذ ذكر في هذا المعنى: «بعد إمعان النظر مليًّا في المحاججات القائلة بوجوب التقدم أو عدمه أرى أنه يتعذّر علينا إيجاد ما يبرّر تحاشينا التقدم نحو بغداد»[2].

إلّا أن هذا الرأي لم ينل موافقة قائد الحملة العسكرية الجنرال آرثر باريت (Arthur Barrett) الذي أيده العميد بارو السكرتير العسكري لوزارة الهند، على أن هذا المشروع محفوف بالمخاطر، ولا يساعد بالتوجه نحو بغداد بهذا الوقت[3]، كما حذّر من التوقّف في البصرة، كي لا تفسر القبائل ذلك بأنه ضعف، فتلتف حول العثمانيين باعتبارهم الطرف الأقوى وفق منظورها[4]؛ لذلك حدد القرنة الهدف القادم لاعتبارات منها:

1.تستطيع السفن الحربية التي يصل غطاسها إلى 15 قدم من الوصول إليها والاشتراك في المعركة.

2.تعد القرنة ذات قيمة عسكرية، وهي مكان إستراتيجي يسمح للقوات البريطانية الملاحة من القرنة إلى الخليج.

(100)

 3.يحقق الاستحواذ على الأراضي الصالح للزراعة من القرنة وحتى الخليج.

    4.أنها تحمي جبهة عربستان وتؤمّن مصالحهم هناك من الأخطار العثمانية، كما أن لها تأثيرًا على خضوع العشائر في المنطقة[1].

أما الجيش العثماني المنسحب إلى القرنة، فقد حاول الاستفادة من موضع القرنة الإستراتيجي، وشيّدوا فيه التحصينات والخنادق، وحاول الاستفادة قدر الإمكان من مجهود العشائر الحربي أيضًا، مستفيدين من موقفهم الوطني المعزز بحركة الجهاد؛ لذلك أرسل جاويد باشا بطلب شيوخ العشائر إلى بغداد، وهناك تم تذكيرهم بفضل العثمانيين المزعوم بتقديم الخدمات للعراقيين ورفاه عيشهم، وتم التأكد من موقف رؤساء العشائر الرافض للاحتلال البريطاني، كما اجتمع قائد حامية القرنة صبحي بك برؤساء العشائر وحثّهم على الدفاع عن بلادهم إلى جانب العثمانيين، ووزّع عليهم الهدايا والأسلحة النارية لاستمالتهم[2].

ويبدو أن السلطات العثمانية لم تكن مطمئنة من موقف العشائر العراقية؛ وذلك بسبب الخلافات السابقة بين الطرفين، لذلك أرادت القيادة العثمانية في العراق الإظهار لشيوخ العشائر بأنها صاحبة الموقف، فضلًا عن إغراء شيوخ العشائر بالتودد وإظهار الاحترام لهم من خلال استقبالهم في بغداد من قبل قائد الجيش ووالي بغداد، ولا يمكن إغفال رسالة تهديد ووعيد أراد إيصالها العثمانيين للحاضرين لكي لا يتخلّوا عنهم.

تمركزت القوة العثمانية في القرنة متمثّلة بالفرقة 38 المنسحبة من البصرة[3]،

(101)

وكانت قوتها تقارب ألف جندي مع ثلاثة مدافع[1]، إضافة إلى عشائر القرنة وبني أسد[2]، كما وضعت قوة عثمانية من 400 جندي من الدرك ومدفَعَيْن على الضفة اليسرى من نهر دجلة في منطقة مزيرعة[3]؛ وبذلك أصبحت القوة المدافعة عن القرنة تتكوّن من ست كتائب نظامية، إضافة إلى 1،800 مقاتل من المجاهدين ابناء العشائر وعشرة مدافع وقارب مدفعية، كما تمركزت في منطقة صخيريجة[4] قوة إسناد عسكرية من الجيش العثماني تقدر ب 2500 جندي و6 مدافع، يساندها عدد كبير من المجاهدين من أبناء عشائر العمارة[5].

في 25 تشرين الثاني 1914 نفّذت قوة بحرية بريطانية هجومًا بالمدفعية على الموقع العثماني في مزيرعة وكبّدته خسائر جسيمة، وأفقدت القوات العثمانية عزيمتها؛ إذ فر أغلب أفراد الحامية العثمانية[6].

وفي3 كانون الأول وافقت حكومة الهند على المقترح المرسل من القائد باريت في 29 تشرين الثاني بضرورة احتلال القرنة والشعيبة وتأسيس موقع مستحكم لحماية البصرة[7]؛ لذلك أرسل في4 كانون الأول 1914 قوة عسكرية إلى الشعيبة لمراقبة طريق البادية؛ إذ سيطرت عليها من دون أي مقاومة تُذكر، وقوة أخرى إلى

(102)

المحمرة لمراقبة طريق الحويزة[1]، كما أرسل في اليوم نفسه قوة عسكرية برية وبحرية بقيادة الكولونيل فريزر لمهاجمة موقع معسكر مزيرعة العثمانية، إذ استطاعت هذه القوة احتلال الموقع بعد أن كبّدت العثمانيين خسائر جسيمة، إلّا أن هذه القوة عادت أدراجها إلى معسكرها في السويب[2]؛ لقلة أعدادها بالنسبة إلى القوات العثمانية في القرنة وتحصين مواقعهم، وبذلك عادت القوات العثمانية لتسيطر على مزيرعة[3].

أرسلت القيادة البريطانية في البصرة تعزيزات عسكرية إلى جبهة القرنة، إذ وصل في 6 كانون الأول 1914 الجنرال فراي (Fry) على رأس قوة عسكرية مصحوبة بأربعة مدافع صحراء، كما عززت القيادة العثمانية قواتها في مزيرعة[4].

وفي صبيحة 7 كانون الأول قاد الجنرال فراي (Fry) القوات البريطانية التي وصل عددها إلى ما يقارب 5 أفواج و16 مدفعًا يصحبها عدد من السفن الحربية[5]هجومها على الحامية العثمانية في مزيرعة، إذ اشتبك مع القوات العثمانية والمجاهدين الذين قاوموا بشراسة طول اليوم، إلّا أن تفوق الزوارق والسفن الحربية رجّحت الكفة للقوات البريطانية[6]، حيث تمكّنت في اليوم التالي من السيطرة على الموقع وطرد العثمانيين من الضفة اليسرى لنهر دجلة بعد أن كبّدتهم خسائر كبيرة، وبعد مشاغلة القوات البريطانية في صباح 8 كانون الأول كانت هناك قوات أخرى أُسند لها تنفيذ مهمة عبور النهر باتجاه المدينة، وبعد أن صرف

(103)

النظر عن بقية القوات البريطانية نجحت هذه القوات فعلًا في مهمتها، إذ تمكّنت قوة من 70 جنديا بقيادة الكولونيل فريزر بعد الواحدة ظهرًا من العبور النهر بالرغم من تعرضها لإطلاق نار كثيف، ثمّ تمكّن فوجين من القوات البريطانية، مستخدمين سفن تابعة للأهالي[1]، وما أن حلّ صباح يوم التاسع من كانون الأول حتى وجد العثمانيون أنفسهم محاصرين بالقوات البريطانية؛ لذلك استسلمت القوات العثمانية (42 ضابطًا، 969 مراتب، 4 مدافع) في القرنة[2]، بعد أن رأى قائدها صبحي بك أن لا جدوى من الدفاع بعد أن لم تقدّم قوات الإسناد في صخيريجة أي مساعدة تذكر، إضافة إلى العدد الكبير من القتلى في قواته[3].

أما موقف العشائر في القرنة، فقد شاركت في القتال إلى جانب القوات العثمانية، كما كان لسالم الخيون، شيخ عشيرة بني أسد، دور كبير في حماية الجنود الهاربين من ساحة المعركة وإيصالهم إلى المعسكرات العثمانية في المنتفق[4]؛ لذلك تحركت القوات البريطانية بعد استقرارها في القرنة تجاه الجبايش معقل الشيخ سالم الخيون وألقت القبض عليه، وبالرغم من ذلك فإن أبناء العشائر لم تبق مكتوفة الأيدي، بل كانوا يشنون بعض الهجمات على مواقع البريطانيين في القرنة[5].

ويعتقد الباحث أن استسلام القوات العثمانية وانكسار هيبتها أمام الأهالي

(104)

أضعف كثيرًا من موقف العشائر في القرنة التي أيقنت بعظمة الجيش البريطاني ووهن القوات العثمانية، فضلًا عن المعاملة غير الحسنة لأبناء العشائر من لدن العثمانيين، الأمر الذي سهل إقناع أبناء العشائر بترك المقاومة والقبول بالوضع الجديد.

دور العشائر بمعركة الشعيبة[1]:

بعد الاحتلال البريطاني للقرنة وفشل العثمانيين في الحفاظ على آخر معاقلهم في البصرة، جعل الحكومة العثمانية تعيد ترتيب قواتها في جنوب العراق؛ إذ اتخذت من الروطة[2] خطوط تماس مع البريطانيين، وحشدت فيها ما يقارب من 5000 جندي عثماني، كما عيّنت العقيد الركن سليمان عسكري قائدًا عسكريًا في العراق خلفًا للمقال جاويد باشا[3]، وعزّزت القوات العثمانية الموجودة في العراق بفوجين من رجال المطافئ وفوج خاص(عثمانجق) مدرب على قتال العصابات، إضافة إلى إصدار أمر إلى الفيلق 13 الموجود في القفقاس بالعودة إلى العراق[4].

وحين وصل القائد سليمان عسكري إلى العراق، قسّم القوات النظامية وقوات المجاهدين وأبناء العشائر على ثلاث محاور[5]:

المحور الأيسر: الذي تقرّر أن تزحف قواته على نهر الكارون بهدف احتلال المحمرة، ويتألّف من خمسة أفواج ومدفعين وكتيبة بغّالة من الجيش العثماني

(105)

إضافة إلى المتطوعين من الفرات الأوسط وأبناء عشائر بني لام ومن معها من لواء العمارة وعشائر الأحواز التي استجابت لدعوة الجهاد والتي تقدر بحدود 10،000 مجاهد[1]. وأسندت القيادة إلى القائد العثماني محمد فاضل باشا الداغستاني، ويساعده في قيادة أبناء العشائر الشيخ غضبان البنية شيخ بني لام وعلى المجاهدين العلامة الشيخ مهدي الخالصي[2]، ويصحبه ابنه الكبير الشيخ محمد وعدد من رجال الدين الشيعة[3].

المحور المركزي: ومهمته مهاجمة القرنة، وكانت القوات العثمانية تقدّر بست أفواج من الجيش العثماني وعشرة مدافع مصحوبة بما يقارب من 6،000 مقاتل من قوات المجاهدين[4] برئاسة السيد مهدي الحيدري[5] وشيخ الشريعة الأصفهاني[6]، وعشائر لواء العمارة من عشائر البو محمد والسواعد

(106)

والسودان والبو دراج[1].

ت.المحور الأيمن: ويزحف على محور نهر الفرات لمهاجمة البصرة من اتجاه الزبير ويتألّف من عشرة أفواج مشاة وسريتي رشاش و28 مدفعًا[2]، يصاحبهم آلاف المجاهدين من الفرات الأوسط بقيادة العلامة محمد سعيد الحبوبي[3] وعدد من رجال الدين والسادة، وما لا يقل عن 1500 مقاتل من العشائر الكردية[4]، فضلًا عن أبناء عشائر المنتفق الذين كانوا يشكّلون أغلب المقاتلين من العشائر الذي يصل عددهم إلى ما لا يقل عن10،000 مجاهدٍ بأقل تقدير[5]، وعدد غير قليل من عشائر لواء العمارة[6].

ركز القائد العثماني سليمان العسكري في بادئ الأمر على دجلة؛ إذ وصل في

(107)

20 كانون الأول 1914 إلى العزير جنوب لواء العمارة، واتّخذها مركزًا لقيادته، إلّا أنه تعرّض للإصابة في ساقة في معركة الروطة[1] في 20 كانون الثاني 1915 نقل على إثرها إلى بغداد[2].

في الوقت نفسه تحشّدت في المنتفق قوات المجاهدين من أبناء العشائر القادمين من الفرات الأوسط وبغداد بقيادة رجال الدين الشيعة وبعض رؤساء العشائر[3]، وكانت عشائر المنتفق متهيئة للجهاد وتنتظرهم بحماسه، وفي منتصف كانون الثاني 1915 وصل السيد محمد سعيد الحبوبي إلى الناصرية بعد جولة طويلة بين العشائر يحثّهم على الجهاد، والتقى في الناصرية عددًا من شيوخ العشائر كما أرسل ممثلين عنه للعشائر الساكنة في المناطق النائية لحثها على الجهاد[4]، إذ وصل عدد المجاهدين في أواخر كانون الثاني 1915 إلى 12،000 مجاهدٍ عربيٍ و2000 مجاهدٍ كرديٍ وتركمانيٍ مع تزايد العدد؛ إذ وصل إلى 20،000 مجاهدٍ[5].

أعد القائد العثماني سليمان عسكري وهو في بغداد خطة عسكرية لاستعادة البصرة من البريطانيين، معتمدًا بدرجة كبيرة على قوات المجاهدين من أبناء العشائر الذي أعطى إعلان الجهاد من علماء الشيعة زخمًا كبيرًا لها، وكانت الخطة تستهدف البصرة من خلال قاعدة الناصرية في المنتفق، وإشغال البريطانيين في القرنة في الوقت نفسه، مع التعرض إلى جبهة الحويزة، وجاء اختيار الناصرية

(108)

كمنطلق للهجوم على البريطانيين في الشعيبة إلى اعتبارات جغرافية واستراتيجية أهمها قربها من منطقة قبائل المنتفق، بزعامة عجمي السعدون، المساندة بغالبيتها للعثمانيين، باعتبار أن ذلك سيؤمّن ظهر الهجوم الشامل على الشعيبة، ولعرقلة استخدام البريطانيين لسفنهم الحربية التي كان لها الأثر الفعّال بحسم المعارك السابقة، إلّا أن العقيد كاظم قره بكر[1] الذي تولّى قيادة جبهة العراق بالوكالة إثر إصابة سليمان عسكري رفض تنفيذ هذه الخطة، مقترحًا أن يكون الهجوم الرئيسي على دجلة والأحواز[2].

أدى هذا الخلاف إلى تجميد العمليات العسكرية في المعسكر العثماني لمدة شهرين حتى رجوع سليمان العسكري إلى ساحة المعركة، وقد انعكس هذا الجمود سلبًا على معنويات المجاهدين المحتشدين في جبهات القتال، مما أدى إلى ترك عدد كبير منهم معسكرات القتال بسبب المعاناة الكبيرة؛ أهمها مشكلات الإعاشة والتموين، إذ نفقت من الجوع كثير من دواب المجاهدين، فضلًا عن خشونة بعض الضباط العثمانيين وعجرفتهم تجاه المجاهدين؛ لذلك لم يبق من المجاهدين بعد الشهرين إلا ما يقارب 14،000 مجاهد[3].

أما القوات البريطانية فقد عززت بـ اللواءين 30 و33، وأصبحت فيلقًا يبلغ تعداده 144،000جنديٍ و40 مدفعًا، وفي 9 نيسان 1915 أُسندت قيادة

(109)

قوات جيش الاحتلال البريطاني إلى الجنرال السر جون نيكسون (Nixon) بدلًا عن الجنرال باريت الذي أعيد إلى الهند[1]، وكانت القوات البريطانية قبل اندلاع معركة الشعيبة موزعة على أربعة مواقع:

-البصرة: لواء 30 وفوجان من اللواء 33.

-الأحواز: 4 أفواج من اللواءين 12 و33.

-الشعيبة: لواء الخيالة السادس واللواء 16 واللواء 18.

-القرنة: 3 أفواج من اللواء 17 [2].

بعد شهرين من العلاج في بغداد عاد سليمان العسكري إلى الميدان، وكان قد ركّز جهده هذه المرة على جبهة الفرات لتطبيق خطتهِ آنفة الذكر[3]، وعندما وصل المنتفق في 9 أذار 1915 عقد القائد العثماني سليمان بيك اجتماعًا في سوق الشيوخ حضره السيد محمد سعيد الحبوبي والشيخ عجمي السعدون وابن عمه عبدالله الفالح السعدون وحمزة بيك متصرف الناصرية وعدد من رجال الدين وشيوخ العشائر، إذ أطلع الحاضرين على خطة المعركة. ولأهمية المجاهدين في هذه المعركة جعلهم جزءًا أساسيًا من قواته في تنفيذ هذا الهجوم[4].

بعد ذلك توجه آلاف المجاهدين من الناصرية، متوجهين إلى الشعيبة بقيادة السيد محمد سعيد الحبوبي تحملهم السفن وبعضهم سلك البر على ظهر الخيل؛ إذ شاركت فيها أغلب عشائر المنتفق التي تحملت العبء الأكبر من المعركة[5].

(110)

خاض المجاهدون على الجناح الأيمن بقيادة الشيخ عجمي السعدون معركة ضد البريطانيين تمكنوا فيها من السيطرة على النخيلة[1] في 17 آذار1915 التي اتخذها المجاهدون معسكرًا لهم فيما بعد[2]، وإلى هذا المعنى يشير هبة الدين الشهرستاني بقوله: «ولا عجب إذا حارب فرسان من دون مدافع وكسروا جحافل عدوهم الذي معه بضعة عشر مدفعًا...، بل العجب كله من ستمئة خيالة وألفين رجالة من عساكر الإنكليز يتركون ثلاثة مدافع لهم منهزمين من حملات ثلاثمئة فارس عليهم من أصحاب عجمي باشا ومن بني حسن سكنة نواحي كربلاء»[3].

بدأ المجاهدون هجماتهم ضد الجيش البريطاني من دون أنْ تشترك معهم القوات العثمانية الموجودة في البرجسية التي كانت تنتظر قدوم القائد العثماني سليمان العسكري[4]، واستخدموا طريقة حرب العصابات في الهجمات المفاجئة على معسكرات البريطانيين، ونجحوا في أكثر من مرة بالاستيلاء على بعض المؤن التي تنقل إلى معسكر الشعيبة البريطاني وقتلوا بعض جنودهم[5]، وقد نجحت عشيرة العبودة بقيادة خيون آل عبيد بتنفيذ هجوم على قوة بريطانية نتج عنها الاستيلاء على 29 زورقًا للتموين[6]، إذ كانت لهجمات الليل التي ينفذها أبناء العشائر أهمية كبيرة في المعركة، لتمكّنهم من الاستيلاء على زوارق التموين وتهديد طريق مواصلات القوات البريطانية بعد أن نجحوا في قطع خط

(111)

التلغراف بين البصرة والشعيبة[1].

وبعد مدة طويلة من الانتظار الذي أدى إلى تذمّر المجاهدين ورجوع بعضهم من ساحات القتال بسبب معاناتهم من نفاذ أرزاقهم وسوء التموين العثماني الذي كانوا يبخلون به عليهم ويعاملونهم بعجرفة[2]، وصل أخيرًا القائد العثماني سليمان العسكري في 10 نيسان 1915 إلى معسكر القوات العثمانية في البرجسية، وفي 11 نيسان أصدر الأوامر بالانتقال إلى الشعيبة بغية تنظيم هجوم مشترك ضد الجيش البريطاني، على أساس أن يكون الجيش النظامي في القلب ليتشكّل جناحه الأيسر من مجاهدي عشائر الشطرة والفرات الأوسط وبني مالك بقيادة السيد محمد سعيد الحبوبي والشيخ عبدالله الفالح السعدون والشيخ خيون العبيد، فيما يكون جناحه الأيمن بقيادة الشيخ عجمي باشا السعدون مع القائد العثماني ضياء بك نائب أزمير، ويتألّف من مجاهدي قبائل المجرة وعرب الشامية[3].

وقبل بدء المعركة استشار سليمان عسكري ضباط أركانه وقادة المجاهدين حول خطة الهجوم، فاعترض الشيخ عجمي باشا السعدون على أساس أن الهجوم على القوات البريطانية المحصّنة في الشعيبة غير مجدٍ، بل يجب محاصرتها وشن الهجمات عليها وقطع خطوط المواصلات عليها، إلّا أن القائد العثماني أصر على رأيه[4].

ويبدو أن القائد العثماني سليمان عسكري لم يعطِ لرأي عجمي السعدون أي أهمية، رغم أن الأخير كان عنصرًا فعّالًا في المعسكر العثماني لما يمتلك من قوات

(112)

عشائرية، وهذا إنْ دلّ على شيء فإنّه يدلّ على تفرّد القائد العثماني بالقرار الذي كان أحد أسباب خسارته للمعركة.

وفقًا للخطة التي رسمها القائد العثماني سليمان عسكري، فقد وزع هذا القائد قواته على ثلاثة محاور، وجعل الأهداف العسكرية على صورة تسعة حصون، يقوم الجناح الأيمن بالهجوم على الحصون الثلاثة الأولى، فيما تقوم القوات العثمانية النظامية بالهجوم على الحصن الرابع والخامس والسادس، أما الحصن السابع والثامن والتاسع، فتقوم قوات الجناح الأيسر، وهم من المجاهدين، بالهجوم عليها[1].

ومن الجدير ذكره أن الخطة العسكرية العثمانية التي سوف تنفذ الهجوم لاستعادة البصرة، اعتمدت فيها القيادة العثمانية بالأساس على قوات المجاهدين من أبناء العشائر، كما يوضح بشكل عام كثرة أعداد المجاهدين في ساحة القتال، وهذا يؤكّد الموقف الوطني لأبناء العشائر العراقية بالدفاع عن أرضهم، فضلًا عن امتثالها لنداء الجهاد الذي أعلنه علماء الدين الشيعة.

بدأت القوات العثمانية المشتركة في الساعة الخامسة صباحًا يوم 12 نيسان 1915 هجومًا واسعًا على القوات البريطانية في الشعيبة[2]، متوافقًا مع هجوم آخر على جبهة القرنة والأحواز، وتنفيذًا للخطة الحربية التي رسمها القائد سليمان عسكري تقدّمت الجيوش نحو أهدافها المحددة، فتقدّم الشيخ عجمي باشا السعدون بقواته، ولكنه لم يصل إلى هدفه المرسوم؛ لأنه ضلّ الطريق[3]،

(113)

بسبب تأثير المدفعية البريطانية التي حالت دون وصوله إلى هدفه[1].

أما الجناح الأيسر، فقد تمكّنت قوات المجاهدين بوقت قصير من احتلال الحصون الموكلة بها، واستمرّت بالقتال ما بين خمس إلى ست ساعات، وبينما لم يحقق الجناح الأيمن وقلب المعسكر أيّ تقدم باتجاه الحصون البريطانية، أفسح المجال أمام القوات البريطانية أن تنفّذ هجومًا واسعًا وكبيرًا جدًا على الجناح الأيسر الذي سبق وسيطر على الحصون البريطانية، مما عرّض قوات المجاهدين إلى إبادة أدّت إلى تراجعهم عن المواقع التي سيطروا عليها، مخلّفين خلفهم أكثر من 230 قتيل وأسير[2].

وبعد أن أعادت تجميع قواتها شنّت القوّات العثمانية في صباح اليوم الثاني هجوما جديدًا على المعسكر البريطاني، آملة بالوصول إلى أهدافها المحددة والسيطرة عليها هذه المرة، إلّا أن القوات البريطانية تمكّنت من الصمود، وكادت أن تبيدها لولا انسحابها السريع[3]، وبذلك أصبح وضع القوات العثمانية ومن معها من المجاهدين لا يُحسَد عليه، إذ تزعزعت معنويات المقاتلين بسبب ما عانت القوات العثمانية المشتركة منه خلال اليومين السابقين من قلّة التموين

(114)

وانقطاع المواصلات بين المجاهدين والقوات العثمانية، كما أن المعارك المستمرة خلال يومين أعيتهم، فضلًا عن كثرة الشهداء والجرحى الذيني فقدهم المعسكر العثماني خلال هذه اليومين[1].

يبدو أن سوء التخطيط والأعداد للمعركة من الجانب العثماني، جعل قواتها تفقد كثيرًا من عناصرها خلال اليومين الأولين من المعركة دون أن تحقق نتائج إيجابية، فضلًا عن قطع خطوط الإمدادات خلال المعركة أثّر سلبًا على المقاتلين الذين وجدوا أنفسهم دون تموين؛ مما صعّب المهمة عليهم.

لذلك اغتنم البريطانيون وضع القوات العثمانية المتضعضع وشنّوا هجومًا عليهم في صباح يوم 14نيسان 1915 [2] واشتبك المعسكران في قتال عنيف ظهرت فيه القيادة والشجاعة العربية التي تمثّلت بالمجاهدين، وبالأخص الشيخ عجمي باشا السعدون؛ إذ قرر جماعة من اتباعه المجاهدين ربط أرجلهم بالحبال لكي لا يبارحوا مكانهم في المعركة، وكان عددهم 45 قاتلوا حتى استشهدوا في مكانهم[3]، كما قدم المجاهدون من أبناء العشائر بقيادة الشيخ عجمي السعدون مجهودًا حربيًا كبيرًا، إذ كانت حاميه لمؤخرة الجيش العثماني المنسحب، فضلًا عن حماية المدافع العثمانية وإخلائها من ساحة القتال لدرجة حال عدم وقوعها بيد البريطانيين[4].

ويبدو أن قوات الجيش العثماني كانت فاقدة للعزيمة والإيمان في المعركة، لدرجة تخلّيهم عن أسلحتهم الثقيلة، التي لولا قوات المجاهدين بقيادة الشيخ عجمي السعدون لما سلمت، وهذا يؤكّد مرّة أخرى أهمية قوات المجاهدين في المعركة، وعلى أنهم كانوا عنصرًا فاعلًا في ميدان الحرب.

(115)

وبعد أن شاهد القائد العثماني سليمان عسكري قواته منهزمة من ساحات القتال بعد أن فقدت كثيرًا من جنودها قتلًا وأسرًا، شعر بمرارة الهزيمة التي لم يتحملها؛ لذلك انتحر في 15 نيسان 1915، بعد أن أمر بالانسحاب من المعركة باتجاه الناصرية[1].

وبذلك انتهت معركة الشعيبة التي استمرت ثلاثة أيام، بانسحاب القوات العثمانية ومن معها باتجاه الناصرية إثر الهزيمة التي ألحقها بهم البريطانيون[2]، إذ قُدرت خسائر القوات العثمانية بستة آلاف، نصفهم من المجاهدين، بينما كانت خسائر الجيش البريطاني 1200 بين قتيل وجريح[3].

ويمكن أن نعزو سبب الهزيمة إلى سوء إدارة القائد العثماني للمعركة وعدم ثقته بنفسه، إضافة إلى عدم إمداد العثمانيين لجيش المجاهدين بالسلاح والعتاد والأرزاق[4]، إذ اعتمد المجاهدون على إمكاناتهم المحدودة، فضلًا عن طول الانتظار في جبهة القتال لتأخّر قدوم القائد العثماني سليمان عسكري لقيادة المعركة.

أدّت هذه الأسباب إلى تسلل الإحباط والتذمّر بين نفوس المجاهدين؛ إذ ترك كثير منهم معسكرات المجاهدين، ورجعوا إلى بيوتهم قبل بدء المعركة، فضلًا عن الصلابة والصمود الذي ابتدأه الجيش البريطاني المتفوق بأسلحته الحديثة والتدريب والأعداد الجيد وتحصينات أماكنهم المحكمة[5].

(116)

ومهما كانت النتيجة، فإن معركة الشعيبة تبقى أهم المعارك التي حدثت في العراق خلال الحرب العالمية الأولى، حيث كان للمجاهدين أبناء عشائر الجنوب والفرات الأوسط ومن اشترك معهم من الأكراد دورًا كبيرًا وفاعلًا كاد يغيّر مسار الحرب في العراق لو أحسن العثمانيون استخدامهم، من حسن التدريب العسكري والتسليح الجيد واحترام وتقدير المجاهدين.

وقد أدى انتصار القوات البريطانية في هذه المعركة إلى زيادة معنوياتهم وتسهيل مهمتهم باتجاه احتلال باقي الأراضي العراقية؛ لذلك ما إن انتهت هذه المعركة حتى بدأت بحملة عسكرية جديدة باتجاه لواء العمارة.

(117)

المبحث الثاني
موقف عشائر لواء العمارة من الاحتلال البريطاني1915 - 1918

اتّسم الموقف العشائري في لواء العمارة بالوطنية، فقد رفض أبناء عشائر العمارة الاحتلال البريطاني منذ أن وطأت أقدامه أرض العراق، إذ استجابوا لدعوى الجهاد التي أطلقها علماء الدين الشيعة، وكان لهم موقف مشرّف وبارز في جبهات القتال في الحويزة والقرنة والشعيبة.

كانت عشائر العمارة جزءًا أساسيًا من قوات المجاهدين الذين اعتمد عليهم القائد العثماني سليمان العسكري في تنفيذ خطة إعادة البصرة، إذ تحملت العبء الأكبر في قتال قوات الجيش البريطاني على جبهتي القرنة والحويزة، كما شارك عدد ليس بقليل من أبناء عشائر العمارة في جبهة الشعيبة[1].

دور عشائر العمارة على جبهة القرنة:

لم ينتظر المجاهدون من أبناء عشائر العمارة وصول قوات الاحتلال البريطاني إلى العمارة حتى يشرعوا بقتالهم، بل إنهم اشتركوا بالدفاع عن القرنة قبل احتلالها، إذ كان هناك عدد كبير من أبناء عشائر العمارة في منطقة صخيريجة مع القائد العثماني جاويد باشا لإسناد معسكر القرنة العثماني، إلا أنها لم تشتبك في المعركة بسبب أوامر القائد العثماني جاويد باشا الذي فضّل الانسحاب تجاه لواء العمارة وعدم نجدة قواته[2].

(118)

ويبدو أن القائد العثماني كان فاقدًا للعزيمة في مواجهة القوات البريطانية، وكان مسلِّمًا لتفوّق القوات البريطانية في المعركة؛ لذلك لم يحاول نجدة قوّاته المحاصرة في القرنة، بل فضّل الانسحاب إلى قلعة صالح في العمارة متجنّبًا أي اشتباك مع قوات الاحتلال البريطاني.

وما إنْ وصل السيد محمد رضا ابن المرجع الديني في النجف محمد كاظم اليزدي[1] إلى لواء العمارة في كانون الثاني 1915 ودعا عشائرها إلى الجهاد، فخرجت تحت رئاسته عشائر البو محمد والسواعد والفرطوس والسودان والبو دراج لتشكّل قوة المجاهدين في جبهة القرنة لمجابهة العدو، كما خرجت عشائر بني لام ومن معها بقيادة الشيخ غضبان البنية مع العلامة الشيخ مهدي الخالصي قاصدين الحويزة[2].

ويبدو أن استجابة عشائر الحويزة لدعوى الجهاد التي أعلنها رجال الدين الشيعة، فضلًا عن عداوة عشائرها لشيخ المحمّرة الذين هم جزء منها، وتبعية المنطقة إلى السيادة العثمانية، جعل قوات العثمانيين والمجاهدين يتوجّهون إليها، ومن هناك ينفّذون خطتهم.

وكان لعشائر العمارة دور كبير في محور القرنة، حيث استطاعت ومن معها من المجاهدين أبناء عشائر العراق من إيقاف تقدم العدو شمالًا باتجاه لواء العمارة لعدة أشهر، مما جعلهم يضيّقون الخناق على القوات البريطانية في القرنة، إذ كانت قوات العشائر تشنّ هجمات ليلية على المعسكر البريطاني، كما قامت بعمليات تسلل إلى داخل المعسكر البريطاني، واستولت من خلالها على معدات وأسلحة بريطانية، وقتلت من تصل يدهم إليه من الجند البريطانيين[3].

(119)

وقد استطاعت عشائر العمارة ضمن قوات المجاهدين برئاسة السيد مهدي الحيدري ومن معها من القوات العثمانية بقيادة القائد سليمان العسكري، صدّ تقدّم القوات البريطانية شمالًا وتكبّدها خسائر، في معركة الروطة[1]، إذ هجمت في 20 كانون الثاني 1915 قوة بريطانية برية كبيرة من معسكر مزيرعة تساندها السفن الحربية، كانت تنوي السيطرة على معسكر الروطة العثماني؛ إذ كانت تتقدمه قوات المجاهدين، الذين أبلوا بلاء حسنًا في الصمود، وكان موقف السيد مهدي الحيدري ومن معه من المجاهدين الذين ثبتوا في ساحة القتال عاملًا مشجعًا للقوات العثمانية، وإلى هذا المعنى ذكر الحادثة بعض الجنود العثمانيين بقولهم: «لمّا اشتدّ الضغط علينا من العدو هممنا بالانسحاب، ولكنّنا كلّما ننظر إلى خيام السيد قائمة بمكانها تقوى عزيمتنا، ويشتدّ بأسنا، ونستحي من الانسحاب ونقول في أنفسنا: كيف ينسحب الجيش والسيد وأصحابه المجاهدون في الميدان»[2].

ونستنتج من هذا القول شجاعة المجاهدين وثباتهم في ساحات القتال، ودورهم المؤثر في المعارك التي حدثت بين المعسكر البريطاني والمعسكر العثماني.

وبعد عدة ساعات من القتال، لم تستطع القوات البريطانية التوغل أو الصمود بوجه نيران أسلحة المجاهدين والجيش العثماني التي اضطرتها للتقهقر إلى معسكر مزيرعة، إذ تعرض في هذه المعركة قائد الجيش العثماني سليمان العسكري لإصابة في ساقة نُقل على إثرها إلى بغداد، وبعد هذه المعركة حصّن البريطانيون دفاعاتهم في معسكر مزيرعة، بعد أن فقدوا مبادرة الهجوم مؤقّتًا[3].

(120)

لم تهدأ قوات المجاهدين والعثمانيين بعد معركة الروطة، بل عدّت انسحاب البريطانيين في المعركة انتصارًا لها، مما أعطاها دافعًا لتكثيف هجماتها على معسكرات القوات البريطانية[1]، وتزامنًا مع عودة القائد العثماني سليمان عسكري لقيادة الهجوم على الشعيبة، وتنفيذًا للمهمة المنوطة بها تمكّنت قوات المجاهدين من عشائر العمارة ومن معها، وبإسناد القوات العثمانية، من إرباك قوات البريطانيين في محور القرنة، منفِّذة عدّة هجمات على الجيش البريطاني[2].

وتزامنًا مع هجوم الشعيبة شنّت القوات العثمانية ومن معها من المجاهدين في 11 نيسان 1915 هجومًا كبيرًا على مدينة القرنة[3]، حيث دكّت المدفعية العثمانية مدينة القرنة طوال يوم الهجوم، وتمكنت قوات المجاهدين في اليوم الثاني من تفجير الجسر الذي أقامه البريطانيون لربط ضفتي نهر دجلة[4]، ثم تلاه تسلل لقوات المجاهدين إلى بساتين النخيل المجاورة للمدينة، إلّا أن كثافة المدفعية البريطانية اضطرتهم للرجوع، لكنها لم تُثنِ عزيمتهم في الدفاع عن بلدهم؛ إذ حاولوا مرة ثانية لكن محاولتهم باءت بالفشل، بينما استمر قصف المدينة خلال يومي 13و14 نيسان 1915، إلّا أن الهجوم توقف في اليوم التالي، والسبب يعود إلى وصول معلومات للقادة العثمانيين في القرنة عن هزيمة الشعيبة[5].

ويرى الباحث أن وصول تلك المعلومات أضعف معنويات الجيش العثماني وزعزع قواهم؛ لذلك اكتفوا بالإمساك بالأرض التي كانت تحت سيطرتهم،

(121)

خاصة وأن هجومهم كان تغطية للهجوم الرئيسي للقوات العثمانية على الشعيبة، وبهذا انتفت حاجة إلى مواصلة الهجوم على القرنة، لا سيما وأن العثمانيين يعلمون بأن هجومهم لن يسترجع القرنة من قوات الاحتلال البريطاني، فضلًا عن المعنويات العالية التي أصبح بها الجيش البريطاني وقطعًا أنهم علموا بأخبار الانتصارات في الشعيبة لحسن الاتصال والمواصلات التي كان يمتلكها جيش الاحتلال البريطاني.

دور عشائر العمارة على جبهة الأحواز:

تحمّلت عشائر شمال العمارة العبء الأكبر من حروب الجناح الأيسر للقوات العثمانية، إذ كان أبناء عشائر لواء العمارة يشكّلون الجزء الأكبر من المجاهدين في الجناح الأيسر للقوات العثمانية، فبينما كان جزء منها يقاتل على جبهة القرنة، كان هناك الكثير منهم بقيادة الشيخ غضبان البنية متوجّهين باتجاه الحويزة ضمن القوات العثمانية التي قادها القائد العثماني محمد فاضل باشا الداغستاني؛ إذ اشتركت عشائر بني لام ومن معها من مجاهدي عشائر العمارة والفرات الأوسط تلبيةً للواجب الوطني وتنفيذًا لدعوى الجهاد التي أطلقتها المرجعية الدينية في النجف الأشرف، وتوجّهوا مع القوات العثمانية باتجاه الأحواز للسيطرة على حقول وأنابيب النفط، ومن ثم تزحف قواتهم على نهر الكارون[1] للوصول إلى البصرة وقطع الإمدادات عن الجيش البريطاني[2].

وفي 19 شباط 1915 وصلت القوات العثمانية والمجاهدين إلى نهر الكرخة

(122)

وعسكروا في مكان يدعى «غدير الدعي»[1]، وهناك انضمّ إليهم عدد كبير من أبناء عشائر الأحواز العربية[2] الذين استجابوا لدعوة الجهاد التي وجّهها لهم علماء الدين الشيعة في العراق[3]، ووصل عدد القوات العثمانية إلى فوجين 1500 جندي عثماني و100 فارس ومدفعين، وما لا يقلّ عن 3000 من أبناء العشائر المجاهدين[4].

أمّا القوات البريطانية، وبعد أن وردها خبر قدوم القوات العثمانية إلى الأحواز، أرسل قائد القوات البريطانية في العراق تعزيزات إلى قواتها هناك؛ إذ وصلت أعدادها إلى فوجين من المشاة و30 من الخيالة و4 مدافع، ويساندها أكثر من 1000 مقاتل من أتباع الشيخ خزعل شيخ المحمرة[5].

معركة الأمينية ودور عشائر العمارة فيها:

في 2 أذار 1915 نفّذت القوات البريطانية المعسكرة في الأحواز هجومًا مباغتًا على معسكر القوات العثمانية[6] في قرية الأمينية[7]، إلّا أن القوات العثمانية ومن

(123)

معها صدّت هذا الهجوم، بل إن المجاهدين من أبناء العشائر أحكمت الطوق على القوات البريطانية التي انسحبت من المعركة بمشقة بعد أن كلّفها الانسحاب 26 قتيلًا و137 جريحًا، إضافة إلى معدات عسكرية منها مدفع صحراوي[1].

وكان للمجاهدين خاصة من أبناء عشائر لواء العمارة بما امتلكوه من الحماس والقدرة على المناورة السريعة دور كبير في هذا الانتصار، فضلًا عن ذلك فإن قائدهم الشيخ غضبان البنية أعد جائزة من الليرات الذهبية لكل مَنْ يأتي برأس جندي بريطاني أو هندي، أو من يأتي بأسير منهم، مما زاد في استبسالهم وانقضاضهم على الأعداء، غير مبالين بنيران أسلحة العدو ومدفعيته[2]، وفي هذا المعنى يذكر ويلسون: «لدى التأمّل في هذه المشاغلة مع «الأعراب»[3] يجب ألا يغيب عن الذهن أن لهم مقدرة على الحركة غير معتادة، فما أن يكون هؤلاء القوم على صهوات جيادهم إلّا يصبحوا سبّاقين مجلين في الميدان لا تباريهم خيّالتنا، شأنهم في ذلك كشأنهم، وهم مشاة راجلون... فإن برقت الأسنة ولمعت السيوف وجاء الموت الباغت لا يبالي أحدهم أوقع على الموت أو وقع الموت عليه»[4].

وبعد هذا الانتصار تمكّنت العشائر العربية من خلال عمليات عسكرية ضد المنشآت البريطانية في الأحواز من قطع أنابيب النفط، وتدميرها في أماكن عدة[5]، وتطبيقًا لخطة الهجوم على البصرة نفّذت القوات العثمانية ومن معها من المجاهدين في جبهة الأحواز هجمات محدودة الأثر على معسكرات الجيش

(124)

البريطاني في 31 أذار و6، 11و 13 من نيسان 1915، توقّفت بعدها الهجمات أثر الانتصار البريطاني في موقعة الشعيبة[1].

ويبدو أن توارد الأخبار للقائد العثماني محمد فاضل باشا الداغستاني عن هزيمة الجيش العثماني في الشعيبة جعلته يتخلّى عن الهدف الذي أتى من أجله، وهو الالتفاف ومحاصرة الجيش البريطاني في البصرة؛ لأنّ هذا الهجوم كان جزءًا من خطة عثمانية عُدّت بحكم المنتهية بعد فشل هجوم الشعيبة الذي كان نجاحه أساس نجاح هذه الخطة؛ وبذلك أصبحت القوات العثمانية في الأحواز بموقع يسمح للقوات البريطانية بالالتفاف عليها وقطع اتصالها مع القيادة العثمانية في لواء العمارة؛ لذلك كان أفضل الخيارات هو الرجوع خطوة للوراء، باعتبار أن ذلك خير من السقوط في الهاوية.

إذ انسحبت القوات العثمانية ومن معها من المجاهدين إلى لواء العمارة التي وصلتها في 3 حزيران 1915 بعد مسيرة 45 يوم، عانى منها الجميع مشقّة الطريق وخيبة الانسحاب[2].

وبعد الانتصار الكبير للقوات البريطانية في معركة الشعيبة، قرر الجنرال نيكسون تنفيذ ما أُصدر إليه من أوامر، تمثّلت بإكمال احتلال ولاية البصرة، وتشمل لواء المنتفق والعمارة وتأمين سلامة حقول النفط وأنابيبها في المحمرة[3]. وعلى هذا الأساس كلّف اللواء غورنج قائد الفرقة 12 بتطهير الأحواز من العثمانيين، وإكمال الطريق لاحتلال العمارة من البر؛ إذ نفّذت هذه القوات المهمّة من دون أن تشتبك بالقوات العثمانية التي انسحبت من مواقعها باتجاه العمارة[4].

(125)

موقف العشائر من احتلال العمارة:

بعد نجاح قوات الاحتلال البريطاني في معركة الشعيبة وإبعاد الخطر العثماني عن البصرة من خلال لواء المنتفق، كان من الطبيعي تأمين جبهة دجلة من الخطر العثماني، لا سيما وأنها كانت جبهة ملتهبة بعد أن تعرّضت لعدة هجمات قادها المجاهدون والقوات العثمانية لتأمين البصرة بعد أن أرسلت حملة لمطاردة العثمانيين هناك.

تنفيذًا للخطة البريطانية لإكمال احتلال ولاية البصرة، فضلًا عن القلق من احتمال تحضير هجوم عثماني على البصرة يتم التحضير له في محور دجلة[1]، وبعد السيطرة على محور الشعيبة إثر الانتصار البريطاني الكبير هناك، كلّف الجنرال نيكسون القائد العام للقوات البريطانية في العراق الجنرال طونزند (Tonzind)[2] الذي وصل البصرة 23 نيسان 1915[3]، لإبعاد العثمانيين عن البصرة، بل وإكمال مهمّته باحتلال العمارة الذي يؤمّن أيضًا إبعاد الخطر عن المصالح البريطانية في المحمرة، بعد أن سلّمه في 24 نيسان 1915 قيادة الفرقة السادسة في القرنة[4].

(126)

ونظرًا لمياه الفيضانات المحيطة بالمعسكر العثماني من كل جانب واستحالة الهجوم عليها برًا، فضلًا عن عدم تمكّن السفن الحربية الإبحار فيها لضحالتها، اتخذ الجنرال طونزند عدة إجراءات استعدادًا للهجوم، أهمها استعمال الزوارق المحلية (البلم) وتدريب قواته على استعمالها، إذ تطلّب الأمر استخدام 170 زورقًا (بلمًا)، مما أدى إلى إطالة وقت التجهيز والتدريب؛ لذا تأخّر الهجوم إلى 31 آيار1915 حين أصبحت قواته جاهزة للعملية[1].

أمّا القوات العثمانية، فلم تكن بأفضل حالاتها، فقد كان عددها صغيرًا مؤلّفًا من 6 أفواج و10مدافع، وما يقارب من 2000 مجاهد أغلبهم من أبناء عشائر العمارة[2]، وكان موقعها المحصّن جيدًا بادئ الأمر، إلّا أن مياه الفيضانات التي غمرت المنطقة جعلتهم يتخذون من بعض التلول الرملية المتفرقة قاعدة لحاميتهم، وبذلك انقطعت خطوط التمويل وصعب الاتصال فيما بينهم، فضلًا عن ذلك، فإن قائد القوة العثماني حليم بيك كان غير كفوء وغير مؤمن بالدفاع عن ولايات العراق، وإنما كان يستغلّ منصبهُ من أجل الكسب المالي بأي طريقة كانت، ولو على حساب قوت جيشه[3].

(127)

معركة الزوارق واحتلال العمارة:

بعد أن هيّأ القائد البريطاني طونزند كافة المتطلّبات لعملية الهجوم، ومناقشة خطة الهجوم مع قائد الأسطول البحري وينفردن (WinfredNunn)، قرّر أن يكون الهجوم على القوات العثمانية المرابطة قرب القرنة في 31 أيار1915، من خلال التقدم في الضفة الشرقية من دجلة، إذ خصّص لها 373 زورقًا (بلمًا) خصّص منها 296 للواء 17 بمعدل 98 بلما لكل فوج، والباقي إلى المدفعية الساندة؛ إذ دُرّعت بصفائح حديديه[1]، تساندها سبعة من المراكب الحربية منها صغيرة هي (كوميت Comet، وشيطان Shetan، وسمانة Samanh، ولويس بلي LewisBailey) والأخرى كبيرة نسبيًا، وهي (كليو Clio، أودن Odin، أسبيكل Spichael)؛ إذ اتخذ من الأخيرة مقرًّا لقيادته[2]، واستنادًا على معلومات استخبارية دقيقة حول قوة عدوه ومواضع مدافعه قرّر طونزند أن يكون الهجوم أولًا على الحاميات العثمانية المتواجدة في مناطق جــدول بارباخ وهور أبو عران[3] والروطة ومزيبلة وعلى المقـــر الرئيسي للقوات العثمانية ثانيًا[4].

بدأ الهجوم البريطاني في الساعة الخامسة صباحًا من يوم 31 آيار1915 بقصف مدفعي كثيف على مواقع الجيش العثماني[5]، كما كان للطائرات البريطانية التي تُستخدم لأول مرة في العراق قيمة كبيرة من الناحية الاستطلاعية وإشاعة الرعب في نفوس المقاتلين في المعسكر العثماني، استمرت المعركة لمدة ست

(128)

ساعات، انكشف خلالها عدم فاعلية الحواجز التي وضعها العثمانيون وانهيار دفاعاتهم السريع، مما حدا بالقائد العثماني أن يأمر قواته بالانسحاب[1].

أمّا قوات المجاهدين فقد صمدت بوجه الجيش البريطاني، إذ أظهروا فيها بطولة متميزة، سيما أبناء العمارة الذين كانوا يستخدمون البلم في القتال، إلا أن انسحاب الجيش العثماني دفع قوات المجاهدين بالانسحاب والتشتت في هوار أبو عران باتجاه العمارة[2].

وبعد أن نجح بتحقيق الهدف الأول من خطته وبخسائر طفيفة، فضل القائد طونزند الانتظار قليلًا حتى يبدأ بالهدف الثاني، وهو مهاجمة قواعد العثمانيين، إلا أن الخبر العاجل الذي أوصلته له إحدى الطائرات، والذي يشير إلى انسحاب القوات العثمانية من مواقعها، جعلته يبدأ في صبيحة اليوم التالي هجومًا على القوات العثمانية والمجاهدين المنسحبة حتى لا يمكنها إعادة تنظيم نفسها وامتلاك مبادرة الدفاع[3].

ويبدو أن القوّات العثمانية أصبحت بعد معركة الشعيبة في وضع حرج أدى إلى فقدان المعنويات القتالية لدى أفرادها؛ لذلك لم يصمدوا في الدفاع عن معسكراتهم، بل كان انسحابهم منها أقرب إلى الهزيمة والتشتت.

لذلك بدأ البريطانيون في صبيحة يوم 1 حزيران 1915 الهجوم على المواقع العثمانية، إلّا أنّ انسحاب العثمانيين السريع وغير المنظّم حال دون أي مقاومة ضد القوات البريطانية، مما أعطى حافزًا للقوات البريطانية بقيادة الجنرال طونزند للتقدم باتجاه العمارة[4].

(129)

وبعد أن أخذ الموافقة من قائد الجيش البريطاني السر نيكسون (Nixon) الذي وصل القرنة متأخّرًا، استؤنف الهجوم باتجاه العمارة باستخدام السفن الحربية في نهر دجلة[1]، لمطاردة القوات العثمانية المنسحبة بسفنها البطيئة، حيث استخدمت فيها القوات البريطانية القصف الكثيف، واستطاعت من خلاله مدافع سفينة أسبيكل (Spichael) إصابة السفينة العثمانية موصل إصابة مؤثّرة في منطقة العزير، كما نجحت نيران السفن البريطانية في إصابة المركب الحربي مرمريس والاستيلاء على كثير من المهيلات[2] المملوءة بالجنود والمعدات. واستمرت المطاردة ليلًا؛ إذ نجحت القوات البريطانية في إصابة الباخرة العثمانية بلبل وإغراقها[3].

انقضى اليوم الأول عن أسر ما لا يقل عن مئتي جندي وضابط من الجيش العثماني، والاستيلاء على ثلاثة صناديق ذخيرة وصندوق مملوء بالألغام، فضلًا عن ثلاثة مدافع. وبعد احتلال العزير أرسل الجنرال طونزند في اليوم نفسه أوامره إلى العميد غامبل (Gambol) بجمع وحدات الفرقة المتفرقة في القرنة لتعزيز قواته المتقدمة والاستفادة منها عند الحاجة[4].

وفي الصباح الباكر استأنف طونزند مطاردة القوات العثمانية المنسحبة، إلّا أنّ أسطوله الحربي واجه صعوبات شمال العزير تمثّلت بضيق نهر دجلة وكثرة انعطافاته، فضلًا عن ضحالة مياه النهر في المنطقة التي تقع شمال العزير،

(130)

مما أعاق الملاحة بوجه السفن الكبيرة ومنها اسبيكل؛ لذلك واصل مطاردته بالسفن الصغيرة، شيطان، وسمانة، ولويس بلي، وكوميت (Comet) التي نقل اليها مقر قيادته[1]؛ إذ كان معه كل من السر برسي كوكس وضابط البحرية النقيب نن ( Winfred Nunn)[2]، وفي الساعة الحادية عشر قبل الظهر تم أسر الباخرة العثمانية (الموصل)، بعد أن وجدت راسيةً على ساحل النهر، وقد رفع من فيها الرايات البيض، كما تم تدمير المركب الحربي العثماني (مرمريس)[3].

وفي عصر يوم 2 حزيران 1915 وصلت الحملة إلى قلعة صالح (شطرة العمارة)؛ إذ لم يواجه الأسطول البريطاني أي مقاومة أو إطلاق نار من القوات العثمانية أو العشائر القاطنة على ضفتي نهر دجلة[4]، أو مقاومة من سَرِية الجيش العثماني الموجودة لحماية المدينة. وعندما وصل زورق من المدينة يقلّ عددًا من شيوخ المدينة ووجهائها إلى أسطول الجنرال طونزند اغتنم الفرصة وخطب فيهم قائلًا: «كونوا بأمان ليس هناك من يعتدي عليكم ما دمتم أعلنتم خضوعكم واستسلامكم. وهناك خمسة عشر ألفًا من جنودنا ستصل طلائعها في هذا المساء أو في صباح غد على أبعد تقدير، وهذه القوات بحاجة ماسة إلى القوت وعلف حيواناتها، فعليكم أن تعملوا على تلبيتنا في ما نطلب منكم. وكونوا على ثقة وطيدة بأن قواتنا هذه وإن كانت قادرة على امتلاك ما تحتاجه فورًا غير أنها لا تستولي على شيء قبل دفع ثمنه نقدًا، فلسنا نريد أن نتّبع خطة الأتراك في امتلاك

(131)

ما لدى الأهلين عنوة ونحن لا نضمر للأهلين العداء. إننا نعتبركم كإخوان لنا، ونحن لم نخض هذه الحرب الطاحنة إلا من اجل إنقاذكم والعمل وإياكم يدًا واحدة»[1].

وبذلك استخدم الجنرال طونزند أسلوب المخادعة ليؤثّر في نفوسهم، ولكي تنقل هذه الرسالة إلى القوات العثمانية ومن معها كي يضعف من عزيمة المدافعين[2].

ويرى الباحث أن في خطاب الجنرال طونزند رسالة ترغيب إلى جانب الترهيب، ففي الوقت الذي كان يحذّرهم من عداء بريطانيا، كان يطرح عليهم مشروع تعاون ذي مردود مالي كبير عليهم، كما ذكّرهم بالخلاص من العثمانيين الذين طالما عانى الناس ظلمهم واضطهادهم حتى وهم يقاتلون إلى جانبهم في ساحات القتال.

وبعد أن قضى الليل قرب قلعة صالح استأنف الجيش البريطاني فجر يوم 3 حزيران 1915 حملته باتجاه مركز العمارة، التي لم تتعرض لأي هجوم على طول الطريق إلى العمارة[3]، لذلك أوقف الجنرال طونزند الحملة قبل وصول العمارة في منطقة أبي سدرة وتبعد عن العمارة اثني عشر ميلًا، إذ كانت تراوده الشكوك باحتمال وجود مقاومة في العمارة، لذلك قرر أن ينتظر وصول إمدادات، لأنه ليس من المعقول أن لا تدافع القوات العثمانية عن العمارة، إلّا أن النقيب نن شجعة على مواصلة التوغل لاحتلال العمارة[4].

(132)

وبعد الموافقة على السير قدمًا لاحتلال العمارة تمكّن الزورق شيطان من ملاحقة باخرة عثمانية محمّلة بالجند والاستيلاء عليها وأسر من عليها (8 بحّارة و11 ضابطًا و250جنديًا)، وبعد ذلك دخل الجنرال طونزند العمارة واحتلها بقوةٍ تعدادها 40 شخصًا؛ إذ استسلم القائد العثماني عصر يوم 3 حزيران 1915 ومن معه من القوات العثمانية، وهو لا يعلم أن قواته تفوق قوة الجيش البريطاني بعدة أضعاف وتتمكن من أسرهم ونقلهم إلى الكوت قبل أن تدركهم النجدة[1]، كما صادف يوم احتلال العمارة وصول الجيش العثماني بقيادة الداغستاني إليها منسحبة من الأحواز، وما أن تقرّبت قوات الداغستاني إلى العمارة، وهي لا تعلم باستسلام حاميتها، استقبلتها مدافع السفينة اسبيكل، حيث اضطر أغلب أفراد طاقمها للاستسلام وفر الآخرون، أما الشيخ غضبان البنية ومن معه، فقد توجّه إلى شمال العمارة ليستقر بين الآلاف من أتباعه في منطقة كميت[2].

وبذلك أتمّ البريطانيون احتلالهم للعمارة بخسائر طفيفة بلغت 4 قتلى و21 جريحًا، في حين قُدّرت خسائر العثمانيين بـ 120 ما بين قتيل وجريح و1773 أسيرًا[3]، كما استولت القوات البريطانية على 17 مدفعًا وكميات كبيرة من السلاح والعتاد، فضلًا عن زورق حربي وسفينة صغيرة[4].

ويعتقد الباحث أن موقف عشائر العمارة لم يكن استسلاميًا كما كانت عليه حاميتها العثمانية، بل العكس على ذلك، فإن عدم مقاومة البريطانيين أثناء

(133)

تقدمهم ناتج عن اشتراك أغلب عشائر لواء العمارة في جبهات القتال الثلاث (الشعيبة، القرنة، الأحواز)، فقد كانت القوة الحقيقية لتلك العشائر تقاتل القوات البريطانية في جبهة الأحواز والقرنة، وكان لها دور كبير في المعركة الأخيرة، إلّا أنّ انسحاب العثمانيين غير المنظم والسريع أدى إلى تشتيتهم في طريق الانسحاب، تحاشيًا لمدافع العدو الذي وصل إلى العمارة قبلهم، كما كانت معاملة العثمانيين بغيضة مع العشائر حتى وصل بهم الحقد إلى قصف قوات المجاهدين الذين كانوا يقاتلون إلى جنبهم، وفي هذا المعنى يذكر السعدون، خالد حمود: «إن أحدهم حين رأى تراجع أفراد القبائل تحت ضغط نيران المدفعية البريطانية الحامية عن موقع كانوا قد احتلوه، كف عن قصف القوات البريطانية وحول مدفعيته لقصف أبناء القبائل المتراجعين»[1].

إن هذه التصرفات الناتجة عن سياسة التمييز التي امتدت لما يقارب أربعة قرون كان لها تأثير على معنويات المقاتلين الذين شاركوا في القتال، ليس حبًا ودفاعًا عن العثمانيين، بل دفاعًا عن وطنهم وتلبيةً لدعوة الجهاد؛ لذلك اعتزل بعض أفراد العشائر القتال بعد أن اشتركت في بادئ الأمر فيه للأسباب السابقة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن عشائر العمارة لم تقف موقف المتفرّج إزاء قوات الاحتلال التي دخلت مناطقها، بل تصدى أبناء العشائر بغارات ليلية وهجمات مفاجئة على نقاط ضعف العدو، كما هاجموا خطوط المواصلات البريطانية، وقطعوا خطوط التلغراف، وسلبوا الذخائر الحكومية من السفن أو الزوارق المحلية الراسية[2]، إذ قطعت خطوط الكهرباء بين القوات البريطانية في العمارة وبين قاعدتهم في القرنة عدة مرات، كما قطعوا التلغراف بين منطقتي العزير

(134)

وقلعة صالح، وأدت هذه الهجمات إلى إرباك قوات الاحتلال؛ مما دفعها إلى اتخاذ أسلوب القسوة والتنكيل ضد العشائر الرافضة لوجودها[1]، إلّا أن هذه الإجراءات لم تمنع أبناء العشائر الذين واصلوا عملياتهم ضد المحتلين، فقد تطوّرت هجماتهم، وأصبحت أكثر جرأة عندما استطاعوا عرقلة خطوط النقل البرية والبحرية التي كانت تنقل من خلالها المؤن والأرزاق للجيش البريطاني في العمارة، فأصبح الطريق بين البصرة والعمارة محفوفًا بالمخاطر[2].

أما شمال العمارة فإن نفوذ الشيخ غضبان البنية جعل السيطرة البريطانية غير فعالة هناك؛ لذلك حاولت سلطة الاحتلال كسب ودّه إلى جانبها، فأوفدت له ضابط الاستخبارات الكولونيل ليتشمن (Lichman) وهو يحمل معه ثلاثمئة ألف روبية[3] كهدية ويدعوه إلى الهدوء حتى يتم للحكومة البريطانية فتح الطرق ويقدم له ولده عبد الكريم الغضبان كرهينة لدى البريطانيين، إلا أن الشيخ غضبان البنية رفض الأموال وطلب من المعاون المذكور إن يمهله ليلة واحدة ليستشير حلفاءه في الأمر وبعد فترة قصيرة ارتحل الشيخ غضبان البنية مع ثلاثة آلاف من أتباعه[4] متوجّهًا شمالًا للالتحاق بالجيش العثماني في الكوت[5].

(135)

أما شيوخ بني لام الذين بقوا في مناطقهم شمال العمارة، فلم يتهاونوا في عداء القوات البريطانية، فقد انضم بعضهم إلى العثمانيين للسيطرة على جنوب الكوت[1]، وبدأوا بشن الهجمات على خط الكهرباء البريطانية، كما رفض شيخا بني لام فهد الغضبان وكاظم الموسى تقديم الطاعة للبريطانيين[2]، وحين تقدّمت القوات البريطانية لاحتلال الكوت في الأول من أيلول 1915، تعرضت لهجمات ليلية غير معلنة من لدن عشائر بني لام في شمال العمارة، مما دفع سلطة الاحتلال البريطانية إلى تخصيص لواء من الفرسان لحراسة طريق مواصلاتها البري، أما طريق دجلة النهري المهم والذي تشرف على ضفتيه عشائر بني لام في شمال العمارة، فقد كان عرضة للمخاطر، إذ اضطرت القوات البريطانية إلى تصفيح سفنها بالحديد لحمايتها من رصاص المقاومين، وعملت على تسيير حمايات مسلّحة معها[3].

وعلى الرغم من سياسة الشدة والتنكيل التي استخدمها المحتلّون تجاه المقاومين للاحتلال، استمر الشيخ عبد الكريم الصيهود المنشد، أحد شيوخ البو محمد البارزين في قلعة صالح بمقاومته للاحتلال، إذ حاول أن ينظّم حركة مسلحة، ومن أجل ذلك عُقد اجتماع بتاريخ 15 حزيران 1916 في بيته، حضره أبرز شيوخ البو محمد، فضلًا عن شيخين من آل ازيرج، طالبًا منهم مقاومة الاحتلال البريطاني، إلّا أنه لم يوفّق في مسعاه، وعلى الرغم مــن ذلك بقى ملتزمًا

(136)

بهذا الموقف الثوري حتى وفاته فـــي شباط عام 1917 بعد مرض لازمه مدة طويلة نتيجة إصابته بطلقات نارية من سلاح الجيش البريطاني[1].

بعد الاحتلال البريطاني للكوت عاد الشيخ غضبان البنية إلى شمال العمارة إلا أن وجوده كان يقلق البريطانيين؛ إذ أخذ يشن الغارات على القبائل التي تزود البريطانيين بالمؤن والاحتياجات، وكان يعرقل سير الملاحة في نهر دجلة، ويقتل الملّاحين الذين يقومون بخدمة الإنكليز لسحب المهيلات المحمّلة بالمؤن والتجهيزات البريطانية؛ لذلك أعادت القيادة البريطانية التفاوض مع الشيخ غضبان البنية، فأرسلت ممثّلها المستر فيليبي الذي وُفق بمهمّته، وأقنع الشيخ غضبان البنية ببيع الأغنام إلى البريطانيين وعدم إثارة المشاكل[2]، إلّا أنّ هذا الاتفاق سرعان ما تبدّد بعد أن وصلت أخبار هزيمة البريطانيين في معركة «سلمان باك»[3] ومحاصرتهم في الكوت، إذ شنّت عشائر بني لام في منطقتي شيخ سعد وعلي الغربي هجماتها على القوات البريطانية التي تمرّ من خلال نهر دجلة، وعانت قوات النجدة المرسلة إلى الكوت من هجمات عديدة من قِبَل عشائر بني لام، كما نفّذوا عمليات تسلل إلى المعسكرات البريطانية، واستحوذوا خلالها على أعداد كبيرة من الأسلحة والأعتدة[4].

(137)

ويبدو أن إتمام البريطانيين احتلال لواء العمارة، قد أمّن لهم حماية مصالحهم في الأحواز وفي القرنة، ولم يبقَ أمامهم سوى المنتفق حتى يكملوا احتلال ولاية البصرة؛ إذ بإكمال احتلالها يتم تأمين الخليج ونفط عبادان من أي مخاطر عثمانية، فضلًا عن السيطرة على جنوب العراق، الذي يعني الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية والاستراتيجية التي سبق وذكرناها.

 

(138)

 

المبحث الثالث
موقف عشائر لواء المنتفق من الاحتلال البريطاني 1915 - 1918

كان لعشائر المنتفق دور كبير في مقاومة الاحتلال البريطاني، إذ شارك أبناؤها في القتال منذ أن وطأت أقدام الاحتلال أرض الرافدين؛ إذ شارك عجمي السعدون مع عشرات المقاتلين من أتباعه في معارك ساحل الشط، كما كان نصيب عشائرها الحصة الأكبر من المجاهدين الذين شاركوا بمعركة الشعيبة، فضلًا عن أنّها أخذت على عاتقها الدفاع عن لوائها بعد أن كان يساندها عدد قليل من العثمانيين.

وبعد الانكسار في معركة الشعيبة انسحبت القوات العثمانية ومن معها من المجاهدين إلى الناصرية؛ إذ استقر هناك جزء من هذه القوات بقيادة أحمد بيك أوراق، وانسحب القسم الآخر إلى الكوت بقيادة علي بك، أما القسم الأوّل من هذه القوات، فقد انقسمت إلى قسمين؛ الأول في الناصرية، والقسم الآخر التحق إلى (الخميسية[1])، بقيادة الشيخ عجمي باشا السعدون[2].

كان عدد القوات العثمانية المتواجدة في لواء المنتفق قبيل الهجوم البريطاني عليها، هي الكتيبة 104 من الفرقة 35، سرية خيّالة، فوج الدرك السيّار، قطعة

(139)

هندسية مع ثمانية مدافع، فضلًا عن أبناء العشائر بقيادة الشيخ عجمي السعدون؛ لذلك حاول العثمانيون سدّ ثغرة قلّة أعدادهم وضعف إمكاناتهم الحربية عن طريق الاستفادة من الطبيعة البرمائية للمنطقة بين الأهوار والخميسية لغلق الطريق من البصرة ومن هور الحمار[1]، فوضعوا خطوط الدفاع، وسدوا بعض الطرق، وزرعوا الألغام في بعضها الآخر[2].

وبعد أن أتمّ البريطانيون احتلال العمارة ارتأى قائد الجيش البريطاني الجنرال نيكسون Nixon أن يكون هدف قواته التالي احتلال الناصرية وأوعزها لعدة أسباب:

1.لإبعاد الخطر العثماني عن خط مواصلاته، خاصة إذا تقدّمت القوات البريطانية شمالًا على محور دجلة، كما أن نهر الغراف الذي يصل بين الكوت والناصرية، عن طريق الحي يشكل خطرًا على القوات البريطانية؛ لأنّه يمكّن القوات العثمانية من سهولة الحركة والنقل من الكوت وتعزيز قواتها في الناصرية برًا أو نهرًا[3].

2.تعد الناصرية مركز عشائر المنتفق، والسيطرة عليها سوف يتم السيطرة على عشائر المنتفق أو يجبرها على التعاون مع البريطانيين[4].

3.تعد الناصرية المقر العام للإدارة المدنية العثمانية، وبعد احتلالها ستكون مقرًّا إداريًّا وعسكريًا للقوات البريطانية، كما يتم باحتلالها احتلال ولاية

(140)

البصرة بالكامل، وإبعاد أي خطر يهدد البصرة من خلالها[1].

4.لا بدّ أن يكون الهجوم من خلال نهر الفرات وخلال الفيضان، وذلك حتى تتمكّن السفن الحربية من الإبحار قبل أن يقلّ منسوب المياه الذي يسبب عائقًا بوجه تقدمها شمالًا[2].

5.لو استخدم العثمانيون الناصرية كقاعدة أمامية، لتمكنوا من تهديد البصرة إما عن طريق الفرات مباشرة، أو عن طريق دجلة فنهر الغراف فالفرات، لاسيما وأن بعض القوات العثمانية المنسحبة من الشعيبة موجودة في الناصرية، وهذه القوات قد تهدد المواصلات مع العمارة التي كانت صعبة الحماية[3].

بتلك المبررات حصل الجنرال نيكسون في 13 حزيران 1915 على موافقة حكومة الهند البريطانية للتقدم نحو الناصرية واحتلالها؛ لذلك أناط القائد نيكسون قيادة الحملة بالجنرال غورنج (Gorringe) الذي عاد توًّا بعد تنفيذ مهمته في الأحواز، ووضع تحت إمرته لواء المشاة 31 وبطاريتين من المدفعية، فضلًا عن الأسطول النهري بقيادة النقيب نن (WinfredNunn)[4]، وبعد معلومات استخبارية واستطلاعات ناجحة اكتشف القائد نيكسون مكامن الضعف والقوة في القوات العثمانية؛ لذلك أصدر أوامره في 23 حزيران 1915 إلى القائد بأن

(141)

يسلك الهجوم الطريق النهري ابتداء من القرنة إلى الجبايش عبر نهر الفرات، ثم هور الحمار إلى جدول العكيكة، ثم هور السفحة ومنه إلى سوق الشيوخ ثم الناصرية، للاستفادة من إسناد الأسطول الحربي، وبسبب صعوبة سلوك الطريق البري لارتفاع حرارة الطقس وضرورة استخدام الحيوانات في النقليات؛ مما يؤدي إلى تعقيد التدابير الإدارية[1].

تجمعت القوات البريطانية المعدّة للهجوم في القرنة في 26 حزيران 1915، وتألّفت من لواء المشاة الثلاثين الذي يضم ثلاثة أفواج مشاة، وبطارية مدفعية ميدان، وبطارية مدفعية جبلية، ومفرزة هندسة، وأخرى مخابرة، فضلًا عن الأسطول النهري المؤلّف من السفن والزوارق الحربية الآتية آشور Ashur، اسبيكل Spich، أودن Auden، مايز mize، سومانة sumana، شوشان Shushan، مسعودي Masoudi، مظفري Meidfree، بولس لنج Blosselynch، ماليمر Malamir ومجيدية Mejidieh [2]، وفي اليوم التالي تقدّمت القوات البريطانية من القرنة باتجاه هور الحمار للوصول إلى هدفها الأخير الناصرية[3].

تعرّضت القوات المهاجمة إلى مقاومة أبناء العشائر في هور الحمار الذين كانوا يشنون الهجمات على الحملة البريطانية، وكان دور العشائر فعّالًا، حيث كان أبناء العشائر يمثّلون خطوطًا أمامية للقوات العثمانية؛ إذ لم تستطع القوات البريطانية الوصول إلى خطوط العثمانيين من دون الاشتباك مع تلك العشائر، وبعد أن تغلّبت القوات البريطانية على مقاومة العشائر في هور الحمار واجهتها عقبة جديدة من نوع مختلف، إذ واجه الأسطول البريطاني صعوبة التقدم عبر جدول

(142)

العكيكة الذي يربط بين هور الحمار ونهر الفرات شمالًا إلى سوق الشيوخ؛ لوجود سدّ على هذا الجدول يبلغ سمكها (30 قدمًا) شيّدها الفلاحون سابقًا لأغراض الري، وبعد جهود مضنية بلغت ما يقارب 36 ساعة تخللها قصف وتفجير بالديناميت للسد، نجحت أخيرًا الجهود الهندسية البريطانية بتطهير الجدول من السدّ وجعل الممر سالكًا[1].

احتلال سوق الشيوخ:

بعد السيطرة على عقبة سد العكيكة، لم يكن أمام القوات البريطانية في الفرات سوى المقاومة العثمانية ومن معها من العشائر؛ لذا بعد عدة عمليات استطلاع ناجحة، وبعد تمكّن القوات البريطانية من معرفة أعداد المقاومة العثمانية واستطلاع أماكن وجودها[2] بدأت في 4 تموز 1915 عمليات الهجوم؛ إذ تقدم اللواء (ميلليس Mellis) وبإمرته فوجان، وكان يحمل أحد الفوجين الزوارق لتنفيذ عملية التفاف على القوات العثمانية بعد العبور من ورائها شمال جدول العكيكة، بإسناد المدفعية، كما تقدم فوج من المشاة باتجاه العكيكة، فضلًا عن الأسطول النهري الذي كان يمطر المقاومة بنيران المدفعية[3]، وعلى إثر ذلك قاوم العثمانيون ومن معهم من أبناء العشائر في ناحية العكيكة، إذ شارك أيضًا إلى جانب عشائر العكيكة الشيخ عجمي السعدون وأتباعه في مقاومة الهجوم البريطاني[4]، بعد معركة حامية نجحت القوات البريطانية أخيرًا باحتلال العكيكة

(143)

في 5 تموز 1915 والسيطرة على موقع العثمانيين في منطقة أم عباس بعد أن تمّ أسر 91 جنديًا عثمانيًا ومدفعين وكميات كبيرة من الأعتدة، فيما بلغت خسائر البريطانيين 25 قتيلًا و84 جريحًا. بعد نجاح الالتفاف البريطاني خلف خطوط العثمانيين، كان لا بدّ من انسحاب العثمانيين من سوق الشيوخ باتجاه الناصرية؛ لذلك دخلت القوات البريطانية سوق الشيوخ في 6 تموز 1915، ورُفع العلم البريطاني على السراي الحكومي بحضور برسي كوكس والنقيب نن[1].

وقد كان لعشائر العكيكة وأتباع الشيخ عجمي باشا السعدون دور بارز في هذه المعارك؛ إذ أشار إلى هذا المعنى الجنرال ولسون بقولهِ: «يجب أن نتذكر أننا، وإن دحرنا الأتراك، فإننا لم نقهر العرب بعد»[2]. وإن هذا القول يؤكّد مدى تأثير عشائر المنتفق في هذه المعارك، التي كانت لا تبالي القتل والتنكيل.

احتلال الناصرية:

عمل العثمانيون الذين انسحبوا باتجاه الناصرية على تحصين مواقعهم فيها؛ إذ أصدر القائد العثماني علي بك أوامره بالدفاع عن مدينة الناصرية، وأيّده في ذلك قائد الجيش العثماني في العراق نور الدين باشا الذي أرسل له القطعات التابعة للفرقة 35 التي كانت متمركزة في الكوت، مما ساعد على تحسين وضع قوات علي بك، الذي باشر ببناء استحكامات وحفر الخنادق على جانبي الفرات قرب جدول مجينينة[3]. وكانت القوات العثمانية تتألّف من الكتيبتين 104 و105، وهي

(144)

عبارة عن خمسة أفواج، وفصيل رشاش، ومدفعي جبل، وبطارية صحراء[1]، وعلى بعد ميل ونصف جنوب مجينينة أُغرقت السفينتان (فرات ورصافة) لعرقلة التقدّم البريطاني، وتم نشر ثلاثة أفواج ومدفعي جبل في مجينينة وفوج مع مدفع صحراوي في السديناوية جنوب الناصرية، وما تبقى من الجيش العثماني للاحتياط في الناصرية[2].

ظنّ البريطانيون أن احتلال الناصرية لا يختلف عن سوق الشيوخ وسيكون سهلًا؛ لذلك قامت القوات البريطانية بعمليات استطلاع لكشف مواقع قوات العدو، إذ رصدت المواقع العثمانية بالقرب من مجينينة واستحكاماتهم على ضفتي الفرات، كما شوهد إغراق العثمانيين لمهيلة مملؤة حجارة في الفرات، وقد تعرضت هذه القوة إلى قصف الزوارق العثمانية وردت عليها بالمثل[3].

بعد هذا الاستطلاع هاجمت القوات البريطانية بقيادة غورنج (Gorringe) في ليلة 7/8 تموز 1915 المواقع العثمانية جنوب الناصرية في المجينينه والسيلاوية، يساندها قصف مدفعي كثيف خاصة من الأسطول الحربي، إلّا أن حصانة المواقع العثمانية الموجودة على ضفاف النهر العالية جعل هذا القصف ضعيف التأثير بالقوات العثمانية التي كثفت قصفها المؤثر في الجيش البريطاني، فضلًا عن العوامل الجغرافية التي أدت إلى انتشار الأمراض وموت بعضهم، لذلك اضطرت القوات البريطانية للعودة إلى سوق الشيوخ بعد أن فقدت عددًا من قواتها المهاجمة[4].

(145)

بعد هذه الخسارة طالب غورنج بإرسال تعزيزات قبل تناقص مياه هور الحمار، وفعلًا وصلت التعزيزات بين 11 و13 تموز1915، وهي مؤلّفة من لواء المشاة 12 وفصيل مدفعية، بينما تعزّزت القوات العثمانية بلواء من الفرقة 35 قادمًا من الكوت[1].

بعد عملية استطلاع قادها الرائد ويلسون واكتمال وصول التعزيزات، قرر القائد غورنج معاودة الهجوم على القوات العثمانية في ليلة 13/14 تموز1915، ورغم النجاحات التي حقّقتها بعض هذه القوات في الهجوم إلا أنها اضطرت أخيرًا إلى الانسحاب بسبب الخسائر التي منيت بها وموقفها الحرج، حيث كادت تقع تحت حصار العثمانيين وعشائر المنتفق بقياة عجمي السعدون، وقد كان لهذه العشائر دور بارز في هذه المعارك؛ إذ وصلت خسائر الجيش البريطاني إلى 56 قتيلًا و91 جريحًا وخمسة أسرى، بينما كانت خسائر الجيش العثماني أقل من ذلك[2].

بعد هذا الهجوم أعادت القيادة العثمانية ترتيب قواتها في الناصرية، بعد أن وصلتها تعزيزات جديدة في 18 تموز 1915 متمثّلة بفوج مشاة، وبذلك كانت خطوط الدفاع العثماني كالآتي: ثلاثة أفواج مؤلَّفة من تسع سرايا ومدفعين وست مدافع على الضفة اليمنى لنهر الفرات، أمّا الضفة اليسرى فعليها ثلاثة أفواج مؤلفة من عشر سرايا ومدفعين ورعيل خيّالة، وفي السديناوية فوجان مؤلَّفان من سبع سرايا وأربع مدافع وفي الجانب الأيسر منها سريتان وسبعون جنديًّا من الدرك، إضافة إلى فوج من الاحتياط في الناصرية[3].

(146)

واصلت القيادة البريطانية تعزيز قواتها المعدّة للهجوم، إذ وصل عددها إلى 4600 مقاتل إضافة إلى 26 مدفعًا، فضلًا عن الأسطول البحري. وبعد عمليات استطلاع برية وجوية لمواقع القوات العثمانية، أصدر القائد غورنج أمرًا لقواته بالهجوم على الناصرية؛ إذ تقدم في 24 تموز 1915 اللواء الثاني عشر على الضفة اليسرى من نهر الفرات، بينما تقدّم اللواء الثلاثون على الضفة اليمنى من النهر بصورة متناوبة، ويساندها الأسطول الحربي والمدفعية، وبعد معارك حامية وصلت إلى الاشتباك بالسلاح الأبيض، نجحت القوات البريطانية أخيرًا في السيطرة على خطوط الدفاع العثمانية الأولى في مجينينة بعد انسحاب الأخيرة، تاركة خلفها خمسة مدافع وكميات كبيرة من الأعتدة، كما تقدّم القائد غورنج على رأس قوة بحرية بمعيّة اللواء الثامن عشر المتواجد في الضفة اليسرى من الفرات نحو الخط الثاني من الدفاعات العثمانية في السديناوية، إلّا أن القوات العثمانية أخلت دفاعاتها وانسحبت باتجاه الشطرة بعد أن تكبّدت خسائر جسيمة تقدر بـــ 1000 أسير و2000 قتيل وجريح، وكميات كبيرة من الأسلحة والأعتدة، بينما قدّرت خسائر القوات البريطانية المهاجمة بـ 104 قتيل و429 جريح[1]، بعد ذلك دخلت القوات البريطانية الناصرية ورُفع العلم البريطاني في 25 تموز 1915 [2]، وبذلك سيطرت القوات البريطانية على معظم المدن الرئيسة في ولاية البصرة، التي تمثل هدف الحملة البريطانية في العراق.

(147)

تقدّم القوات البريطانية إلى الشطرة:

تعرض الوجود العثماني في الشطرة إلى ضربة قاضية من لدن الاحتلال البريطاني للناصرية؛ إذ تمكّن الشيخ خيون العبيد بعد عودته من معركة الشعيبة من إعلان نفسه حاكمًا سياسيًا وإداريًا في تموز 1915 على قضاء الشطرة، وذلك بعد أن طرد الحامية العثمانية وموظفيهم المدنيين[1].

بعد أن أصبح الشيخ خيون الحاكمَ الفعلي للشطرة، عقد مؤتمرًا في 29 تموز 1915 حضره مئة رئيس عشيرة يمثلون عشائر الشطرة، وتعاهد الجميع على محاربة قوات الاحتلال البريطاني، كما جدد هذا العهد بين عشائر المنتفق في 2 أيلول 1915، وعلى هذا الأساس شنّت عشيرة آل أزيرج، هجومًا على مخفر بريطاني قرب الناصرية ليلة 6 أيلول، وقتلوا من فيه، وعادوا محمّلين بالأسلحة، كما هاجمت مجموعة أخرى من المنتفق على طلائع البريطانيين الأمامية في الناصرية في نواحي سدّة أبو جداحة 14 أيلول 1915، فأجبرتها على التقهقر وأحرقت مواضع مجموعتين (بلوكين) من البريطانيين، وقطعت أسلاك الهاتف التابعة لهم، وغنمت ما يقارب من خمسمئة متر من الأسلاك الكهربائية، فضلًا عن هجوم شنّته مجموعة من العشائر على مخفر السديناوية البريطاني، فاستولت عليه بعد قتل عشرة من البريطانيين الذين كانوا مرابطين فيه[2].

وعلى الرغم من أن نصف مناطق المنتفق خضعت للاحتلال البريطاني في نهاية تموز 1915، إلا أنّ القيادة البريطانية تجاهلت منطقة الغراف لأسباب تتعلّق بقدراتها التعبوية، وموقف عشائرها الرافض للاحتلال، فضلًا عن الصعوبات

(148)

التي لاقتها القوات البريطانية المتمثّلة بوجود قنوات الري والأهوار[1]؛ لذا حاولت القيادة البريطانية كسب عشائر الشطرة من خلال إبقاء خيون العبيد حاكمًا على المنطقة نيابةً عن البريطانيين، مقابل إسقاط معظم الضرائب المفروضة على سكّانها، إلّا أنّ خبر إجبار القوات البريطانية المهاجمة على التراجع بعد معركة المدائن(سلمان باك)، وتعقّبها من قبل العثمانيين، دفع بعشائر الغراف برئاسة خيون العبيد إلى إعلان عدائها للبريطانيين[2]، وتحالفوا على مقاومتهم فيما لو أرادوا التقدم نحو الشطرة، كما بدأت هذة العشائر بشن الهجمات على القوات البريطانية في الناصرية[3].

أرسلت القيادة العثمانية بعثة عسكرية إلى الشطرة لتقديم الهدايا المالية والوعود، لكسب عشائر الغراف إلى جانبها، وعدم تقدّم البريطانيين عن طريق الغراف لفكّ حصار قواتهم في الكوت؛ إذ أجبرت ظروف الحرب الحكومة العثمانية على تعيين عدوها السابق خيون العبيد شيخ قبائل العبودة قائمقام لقضاء الشطرة في كانون الأول 1915، ومنحته لقب «بك»، كما خصصت له راتبًا شهريًا قدره 500 ليرة ذهبية[4].

نشط خيون العبيد في مقاومة البريطانيين؛ إذ تجمع له ما يقارب من 17،000 ألف مقاتل من أبناء العشائر، وساعده في إعداد هذه القوة وصول البعثة العسكرية العثمانية التي وزّعت أموالًا طائلة على العشائر التي تقاوم البريطانيين،

(149)

فضلًا عن وصول المجتهد الديني في النجف علي التبريزي مع بعض أتباعه إلى الشطرة، فحثّ العشائر على الجهاد[1]. وقد ظهر دور هذه العشائر في صد الهجمات البريطانية على مناطق الغراف للسيطرة عليها والتوجه إلى فك الحصار عن قواتها المحاصرة في الكوت؛ إذ خاضت معها عدة معارك أهمها:

أ. معركة باهيز 14 كانون الثاني 1916 [2]

بعد حصار القوات البريطانية في الكوت أصدر القائد العام للجيش البريطاني في العراق الجنرال نيكسون أمرًا إلى القائد غورنج بالتوجه بقوات من جيشة في الناصرية إلى الكوت عن طريق الغراف لفك الحصار عن قواتهم هناك؛ لذلك أخرجت بعض القطعات البريطانية من الناصرية إلى الغراف في 7 كانون الثاني 1916، وكانت مؤلَّفة من المدفعية والمشاة والفرسان، فعسكروا شرقي الغراف[3].

وفي باهيزة صادفت القوة البريطانية جماعة من عشيرة خفاجة تسير في تشييع جنازة وهي ناشرة أعلامها، وتطلق النار في الهواء كما جرت عليه العادة، فطلب البريطانيون من الخفاجيين أن يطووا أعلامهم ويلقوا أسلحتهم، فرفض الخفاجيون ذلك، مما أدى إلى وقوع اشتباك بين الطرفين[4]، كما تعرض بعض رعاة الأغنام إلى إطلاق النار من قبل البريطانيين، وبذلك هبّت العشائر إلى مساعدة أبنائها وشنّت هجومًا على القوة البريطانية، كما التحق الشيخ خيون العبيد مع عدد من أبناء العشائر إلى جانب الخفاجيين وآل إزيرج، ورغم المدفعية البريطانية

(150)

والإمدادات الجديدة التي وصلتهم من الناصرية إلّا أنهم لم يصمدوا في موقعهم، لذلك تقهقرت قواتهم أمام قوات العشائر[1]، التي استمرت بملاحقتهم حتى ألجأتهم إلى الاحتماء بأسوار الناصرية، مكبّدة إياهم خسائر قُدّرت بأربعين قتيل، فيما لم تبلغ خسائر العرب الذين كان عددهم ثلاثة آلاف، سوى عشرين إصابة[2].

أظهرت معركة باهيزة مدى وحدة عشائر الغراف وقوتهم واستعدادهم للدفاع عن أرضهم، وإصرارهم على الوقوف بوجه أي هجوم يتكرر على مناطقهم، وأشار شاعرهم إلى هذا المعنى بقوله: «شرناها وعيت باهيزة»[3]، كما تغنّى أحد شعراء آل إزيرج بهذا النصر ممتدحًا عشيرته قائلًا:

 

يـا هاملتــن تیدب [تأدب] لا تزومش دوم

ذولة افروخ الأزرگ موش أهل لـملوم

بسنگي نريدها وياك تگضي اليوم

رد لا تتــــدهـــــده بحـــلكَ آفـــة

وامتدح آخر الشيخ خيون العبيد لدوره البارز في المعركة قائلًا:

 

يصور الصد بصدرك كل رعیع ینام

يلجبت الطواب وسگت أبو دمام

أريدن ماطليه مضمرة وحزام

ولو صارت دنه أشگف بيها

(151)

وفي 21 كانون الثاني 1916 تقدّمت قوة بريطانية تُقدّر بألفين وخمسمئة جندي من باهيزة باتجاه السويج، إلّا أنّ هذه القوة اشتبكت مع عشائر خفاجة في منطقة العكسة، وهي على بعد نصف ساعة جنوب الغراف، في معركة دامت ثلاث ساعات استُخدمت بها المدفعية، حيث اتّخذت العشائر من الأنهار سواتر، وتداعت خفاجة وغيرها ثم حملوا على البريطانيين، الذين انهزموا إلى باهيزة، وقُتل منهم مئتان وخمسون، وأُسر أربعة، وغنمت العشائر كثيرًا من الأسلحة، واستشهد من عشيرة خفاجة وحدها في هذه المعركة خمسة وثلاثون، وجرح منها ثمانون[1].

ب. معركة البطنجة 7 شباط 1916 [2]

مما تقدم يبدو أن انتصار عشائر الشطرة ومن معها بقيادة خيون العبيد دفع بالقيادة العثمانية إلى الاعتماد على تلك القوات في صد الهجوم البريطاني على الغراف؛ لذا سارعت إلى إرسال الأموال والأعتدة إلى الشطرة[3].

إن فشل تقدّم القوات البريطانية باتجاه الكوت لكسر الحصار عن قواتهم هناك كان بسبب ما لاقوه من مقاومة عنيفة من العشائر في باهيزة. هذا الفشل أقلق القادة البريطانيين، خاصة أنّ أعداد العشائر الرافضة للاحتلال البريطاني كان يتزايد بشكل مستمر؛ لذلك أراد المحتلّون أن يعيدوا هيبتهم أمام عشائر المنتفق وتوجيه ضربة لعشائر الغراف، وهذا ما جعل منها عبرة لكل العشائر في المنطقة؛ لذلك جهزوا قوة كبيرة انطلقت من الناصرية قاصدة منطقة الشطرة[4]؛ إذ أرسل

(152)

البريطانيون رسالة تهديد إلى العشائر التي تقاومهم جاء فيها: «إننا قادمون إلى الغراف، فمن كان معنا فنعمت، ومن لم يكن فليبد لنا صفحته، فأجاب القوم: إنا لا نصير مع الإنكليز ما دامت الراية الإسلامية ثابتة مع العثمانيين»[1].

وبحلول صباح 7 شباط 1916 كانت القوة البريطانية قد وصلت إلى «البطنجة»، بينما أكملت عشائر الغراف استعدادها بقيادة قائدهم الشيخ خيون، الذي وضع خطة تمثلت بوضع (بيارق) رايات العشائر في القرية لإيهام البريطانيين بأنهم المقاتلون في القرية، بينما وزّع قوّاته العشائرية بمحاذاة النهر، وعندما تقدّمت الزوارق الحربية البريطانية في نهر الغراف قاصدة الشطرة، واكتشفوا مواقع العشائر الوهمية، انطلت الخدعة على البريطانيين الذين وجّهوا مدافعهم لدكّ القرية، وفي الوقت نفسه انقضّ عليهم أبناء العشائر بنيران بنادقهم، كما تسلّق بعضهم على الزوارق، ودارت معركة شرسة بين الطرفين استخدم فيها السلاح الأبيض؛ لذلك اضطرت القوات البريطانية إلى إيقاف هجومها والعودة إلى الناصرية، بعد أن تكبّدت خسائر فادحه وصلت إلى ما يقارب من 1000 قتيل[2]، وقد كان لعشيرة البو صالح أحد عشائر بني مالك بقيادة شيخها بدر الرميض دور بارز في هذه المعركة، إذ كرّمته السلطة العثمانية وأهدته سيفًا مرصّعًا بالذهب، وقلّدتة العديد من الأوسمة[3].

تعدّ معركة باهيزة والبطنجية من أهم المعارك التي كان للعشائر دور بارز فيها؛ إذ خاضت عشائر المنتفق هذه المعارك وحدها من دون اشتراك الجيش

(153)

العثماني، واستطاعت هذه العشائر الانتصار على قوات أفضل منها عدةً وتدريبًا، متسلّحة بحب الوطن والشهادة في سبيل الله، فكانت أقوى من أعدائها، وبهذه العزيمة انتصر المجاهدون من أبناء عشائر المنتفق.

إذ استطاعت عشيرة آل إزيرج في 23 شباط 1916 صدّ طليعة من الفرسان البريطانيين الذي قدموا إلى أراضيها، ونجحت هذه العشيرة بطردهم من البو حميرة إلى الناصرية، كما هجمت كلّ من عشائر البو حميرة والبو ناصر في يوم الجمعة 26 آذار عام 1916 على فئة من الفرسان البريطانيين في الفوزية بالقرب من الناصرية، فقتلوا منهم واضطروهم إلى التراجع[1].

بعد فشل تقدم القوات البريطانية وعجزها عن التغلّب على مقاومة العشائر في الغراف، لجأت إلى القصف الجوي لبثّ الذعر في نفوس أبناء العشائر؛ إذ بدأت الطائرات البريطانية بقصف الشطرة والمناطق القريبه منها، ففي 9 تشرين الأول 1916 قصفت الأحياء السكنية في مدينه الشطرة، كما عاودت غاراتها في أوقات أخرى[2]، إلّا أن هذه الغارات لم تأتِ بثمارها رغم ما تسبّبت به من دمار، إذ هاجمت عشائر الشطرة مؤخرة فرقة الخيّالة البريطانية أثناء تقدّمها لاحتلال مدينة الحي في 10 كانون الثاني 1917، كما هاجمت كذلك مؤخرة فرقة الخيّالة المذكورة بعد أن غادرت مدينة الحي؛ وبسبب ذلك تعذّرَ على البريطانيين تعبئة لواء كامل[3].

وبهذا ظلّت منطقة الغراف بعشائرها بعيدة عن السيطرة البريطانية إلى أن

(154)

دخلت القوات البريطانية إلى بغداد بقيادة الجنرال مود(Stanley Maude)[1] في 17 آذار 1917؛ لذلك كثّفت جهودها للسيطرة على المنطقة، وبعد فترة عقب سقوط بغداد تمكّنوا أخيرًا من الحصول على استسلام خيون العبيد من دون شروط، إذ أعادوا له منصبه في الشطرة[2].

إن سياسة التنكيل والبطش بالعشائر وفرض الغرامات الكبيرة عليها، فضلًا عن يقين هذه العشائر بزوال الحكم العثماني بعد احتلال بغداد والموصل، دفع عشائر الغراف إلى قبول السيطرة البريطانية على مناطقها لكن على مضض، إلّا أنّ هذه السياسة القمعية لم تنجح مع أعدائها اللدودين الشيخ عجمي باشا السعدون والشيخ بدر الرميض[3].

أقلقت عشائر البو صالح مضاجع القوات البريطانية؛ إذ دأبت هذه العشائر بقيادة شيخها بدر الرميض على إعاقة طريق المواصلات النهري في هور الحمار الذي تستخدمه القوات البريطانية في الاتصال بين قواتها في الناصرية وبين قاعدتها في القرنة؛ لذلك اضطرت القوات البريطانية لاستخدام كافة الوسائل والأساليب على إرغام الشيخ بدر الرميض وعشيرته للقبول بالوجود البريطاني، إلّا أن هذا لم ينفع رغم استخدام القصف المدفعي والطائرات في بعض الأحيان،

(155)

بيد أن هذه الحملات الوحشية التي استخدم فيها جميع أنواع الإرهاب ضد أتباع الشيخ بدر الرميض، لم تثنِهم عن المقاومة التي استمرت حتى منتصف عام 1919 التي انتهت باستسلام الشيخ بدر الرميض وفق شروط؛ منها عودة أسرة آل رميض إلى أراضيهم في أبو صالح شمال هور الحمار[1].

أمّا الشيخ عجمي باشا السعدون، فقد اشترك بأغلب المعارك التي دارت في المنتفق، وبعد احتلال البريطاني لمنطقة العكيكة، كُلّف عجمي السعدون بحماية الطريق البري بين الزبير والخميسية، وفعلًا نجح في مهمته، بل إنه أخذ يشنّ الغارات المؤذية على القوات البريطانية وخطوط مواصلاتها، وعندما تمّ احتلال أراضي المنتفق جميعًا، وتحت قصف الطائرات، انسحب إلى الخلف ليستمر بمقاومته من منطقة إلى أخرى، وصولًا إلى الموصل، ومن هناك انسحب إلى تركيا بعد انتهاء الحرب[2].

يمكن أن نحدّد بإيجاز عدة أسباب أدّت في النهاية إلى عودة عشائر جنوب العراق والعشائر العراقية إلى موقفها الأول من الاحتلال العثماني، وهو الموقف الرافض لوجودهم، كما ضعف في الوقت نفسه موقفهم من مقاومة الاحتلال البريطاني. وأهم هذه الأسباب ما يأتي:

1.سياسة التمييز المذهبي والعنصري التي كانت تمارسها قوات الاحتلال العثماني تجاه أبناء العراق عامة، وأبناء المذهب الشيعي خاصة.

(156)

2.أساليب التعسف والقوة والبطش التي كانت تستخدمها قوات الاحتلال العثماني تجاه أبناء العراق، سواء أكان ذلك يتعلّق بتعاملاتها مع السكان، أم بسوء جباية الضرائب الباهظة واستغلال موارد البلد، دون تقديم ما يحتاجه المواطنين من الخدمات[1].

3.لم تقتنع قوات الاحتلال العثماني بجهود أبناء العشائر العراقية الحربية وتضحياتهم من أجل الوطن في قتالهم ضد قوات الاحتلال البريطاني إلى جانب العثمانيين، بل كانوا ينظرون إليهم بتعالٍ، وكأنهم عبيد لديهم، مما انعكس سلبًا على عدم التنسيق بين الطرفين في أغلب المعارك التي خاضتها العشائر العراقية إلى جانب العثمانيين، بل كانت توجّه نارها باتجاه القبائل أحيانًا[2].

4.قمع الجيش العثماني لانتفاضة مدينة الحلة عام 1916 وتنكيله بأهلها، والتي عرفت بـ (مجزرة عاكف)[3]، والتي انعكست سلبًا على علاقة المواطنين، وخاصة علماء الدين الشيعة، بالسلطات العثمانية، كما انعكست سلبًا على دعم المجاهدين الشيعة لجيش الاحتلال العثماني[4].

5.الدعاية الإعلامية لجيش الاحتلال البريطاني وتأثيرها الفعّال في نفوس

(157)

أبناء العشائر العراقية، فضلًا عن دور الضباط السياسيين وتقرّبهم من أبناء العشائر والشيوخ الفاعلين، حيث إن ذلك كان له كبير الأثر على تغيير موقف العشائر باتجاه البريطانيين[1].

6.استخدام أسلوب القوة والبطش مع العشائر المعارضة للاحتلال البريطاني اضطرها أخيرًا إلى تغيير موقفها من الاحتلال[2]، فضلًا عن هزائم جيش الاحتلال العثماني المتوالية، حيث إن ذلك أضعف كثيرًا من معنويات أبناء العشائر المقاومين للاحتلال البريطاني.

أخيرًا، يمكن أن نبيّن أن الموقف الوطني لعشائر جنوب العراق، جعل مهمة البريطانيين في احتلال العراق مهمة صعبة، إذ واجه المحتلون ومنذ اليوم الأول مقاومة شرسة من أبناء العشائر بقيادة شيوخها ورجال الدين، وهذا ما فاجأ البريطانيين الذين كانوا يعتقدون أن هذه العشائر المعادية للوجود العثماني الذي كان يستخدم ضدها القتل والتنكيل والتي كانت في انتفاضات مستمرة، سوف تقف إلى جانب الاحتلال البريطاني منذ الوهلة الأولى، لا سيما وأن بعض زعماء هذه العشائر طلبوا في وقت سابق حماية بريطانيا لهم.

وعلى الرغم من الإغراءات الكبيرة التي كان يعرضها المحتلّون على شيوخ العشائر، أو التهديد والوعيد وسلب الممتلكات، فقد استمرت تلك العشائر بموقفها الرافض للاحتلال البريطاني، وقد ضحت على هذا الطريق بالغالي والنفيس من أجل وطنها وتلبية لفتوى المرجعية الدينية الشيعية، التي كان ينتمي أغلبهم إليها.

(158)

بيد أن مقاومة العشائر هذه لم تمنع الاحتلال البريطاني بسبب عدم تكافؤ الأسلحة والتدريب، إلّا أنّها نجحت بعرقلة هذا الاحتلال لمراحل طويلة، حتى أنّ عشائر الغراف ومكانها الإستراتيجي لم تقع تحت الاحتلال البريطاني، إلّا بعد سقوط بغداد، حيث تيقّنت هذه العشائر من أن الوجود الأجنبي صار أمرًا واقعًا، وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك مجموعة من الشيوخ والأفراد اتخذوا موقفًا مختلفًا عن موقف هذه العشائر.

كما يمكن أن نشير إلى الرأي الذي يقول به بعض العراقيين مع الأسف، وهو أن أغلب هذه العشائر دُفعت إليها الأموال وغرتها الغنائم.

فليس من المعقول أن يكون شيوخ العشائر الكبيرة الذين كان لهم دور كبير في المقاومة، قد وقعوا ضحية الطمع بالأموال، فكيف يمكن أن يخاطر أحدهم بنفسه وبأهله وينفق أكثر مما يكسب؟! وخير دليل الشيخ غضبان البنية؛ إذ كان في معارك الأحواز يوزع ليراته الذهبية جوائز للمجاهدين.

وهل يصح أنْ تطمع العشائر بغنائم أقوى جيش، وهل يضحّي الشخص بإلقاء نفسه بوجه مدافع وأسلحة فتّاكة بيد مهَرةٍ من أجل الحصول على تجهيزات جندي بريطاني، فلا شكّ في أنّ ما يدفعهم إلى ذلك أكبر من هذا الدافع، وهو حب الوطن والدفاع عن الدين، وقد صور هذا أعداؤهم المحتلون من أجل تقليل الشأن، أو أنّه التبس على بعضهم ما يغنمه المقاتلون في المعارك، وتصوروا أن هذه الغنائم هي ما دفعهم إلى القتال، وهذا ناتج من الحقد والحسد ضد المجاهدين، كما نراه يتكرر اليوم عندما ادّعى بعض المغرضين زورًا أن المجاهدين من الحشد الشعبي لم يكن يهمهم القتال والتضحية بدمهم لتحرير العراق من الارهابيين الدواعش، وإنّما كان هدفهم سرقة أجهزة كهربائية لا تساوي اجرة النقل التي

(159)

توصلهم للمحافظات الغربية ولا تساوي شيئًا أمام حياتهم المهددة بالخطر.

وبسبب موقف المقاومة الذي اتخذه أبناء العشائر، فقد اتخذت القيادة البريطانية عددًا من الإجراءات لتنظيم إدارة المناطق المحتلّة وتسهيل السيطرة على أبنائها واستغلال خيراتها، وقد كان للدهاء السياسي والإغراء وسياسة التنكيل بأبناء العشائر دور مهم في نجاح تلك الإجراءات وبسط سيطرة الاحتلال البريطاني على المناطق المحتلة من العراق.

(160)

الفصل الثالث:
الإدارة البريطانية في العراق 1914 - 1918
وموقف عشائر جنوب العراق منها

يعد الجهاز الإداري الأداة التنفيذية لسياسة الأنظمة الحاكمة، بغض النظر عن نوع الحكم، فالأنظمة الحاكمة تحدّد السياسة العامة والأهداف المرجوّة منها، بينما الجهاز الإداري ينفّذها وفقًا للأساليب التي يراها مناسبة وتخدم نظام الحكم، ومن هنا تظهر أهمية الجهاز الإداري للأنظمة السياسية.

بعد أن تمكّنت القوات البريطانية من احتلال مدينة البصرة في 22 تشرين الثاني 1914، أقامت هذه القوات احتفالًا بهذه المناسبة، وألقى خلاله السير برسي كوكس (Percy.z.Cox) خطابًا باللغة العربية جاء فيه: «لقد احتلت بريطانيا الآن البصرة، وعلى قيام حالة الحرب مع الحكومة التركية ليس هناك عداء بيننا وبين أهلها، ونحن لا ننطوي على سوء قصد بإزائهم. لم تبق هنا آثار للإدارة التركية. إن العلم البريطاني يرفرف على هذه الأرجاء وستستمتعون في ظلهِ بالحرية والعدالة، بقدر تعلق الأمر بشؤونكم الدينية والدنيوية»[1].

إذ يُعدّ هذا الخطاب الإعلان الأول لانتهاء الإدارة العثمانية في البصرة، وبداية الصفحة الأولى من الإدارة البريطانية[2]؛ إذ كانت هناك جملة من الأسباب تحتّم عليهم إنشاءها:

(161)

1.محاولة القوات البريطانية السيطرة على الفوضى التي حلّت في المدينة، والناجمة عن مهاجمة الأهالي للمؤسسات الحكومية وتدميرها بعد انسحاب الجيش العثماني منها[1].

2.انتشار الأمراض التي أدّت إلى وقوع عدد من الوفيات بين صفوف الجيش البريطاني بسبب سوء الخدمات الصحية وتراكم النفايات، مما حتّم عليهم اتّخاذ إجراءات إدارية للحدّ من هذه الظاهرة[2].

3.تأمين مستلزمات القوات العسكرية البريطانية في العراق واحتياجاتها[3].

4.السيطرة على واردات الأراضي وجميع الممتلكات في العراق.

5.إن الإدارة العثمانية في البصرة كانت بحكم المنتهية، إذ إنْ أغلب موظفي الإدارة العثمانية، وأغلبهم من أصل تركي، انسحبوا مع الجيش العثماني، بعد أن أحرقوا جميع السجلّات المهمة التي لم يتمكّنوا من اصطحابها معهم؛ لذلك يجب ملء الفراغ الإداري.

6.تقديم الخدمات الأساسية للسكان، ومعالجة قضاياهم، وحل مشاكلهم وتنظيم علاقاتهم بالمحتلين البريطاني[4].

ووفقًا لهذه الأسباب وافقت الحكومة البريطانية على قيام الإدارة المدنية في الأراضي العراقية المحتلة، آملة تحقيق الأهداف الآتية:

1.تحويل العراق إلى مستعمرة بريطانية، تخضع للحكم البريطاني المباشر؛ لأنه

(162)

يمثل لبريطانيا آنذاك وضعًا خاصًا من دون غيره من البلدان المستعمرة لدى بريطانيا.

2.استغلال البلاد إلى أقصى مدى ممكن من خلال إخضاع كافة مفاصل الحياة فيه لسيطرتهم، وتسييرها حسب ما تقتضية مصالحهم، واستمرار استقرارهم داخل البلاد.

3.أدرك الساسة البريطانيون أنّ الجهاز الإداري في أي بلد كان هو الذي يحقّق الأهداف التي يرمي إليها هؤلاء القادة السياسيون، وأنه يمثّل الحلقة المهمة التي تؤمّن الاتصال اليومي بين القيادات العليا وبين عامة الشعب، والذي يجب أن يكون خاضعًا لسلطة القيادة السياسية ورقابتها[1].

ومع موافقة الحكومة البريطانية على تشكيل الإدارة المدنية في العراق، ظهر خلاف في وجهات النظر بينها وبين حكومة الهند البريطانية حول المستقبل الإداري لهذه الولاية العثمانية[2].

فقد كانت الحكومة البريطانية خلال هذه المرحلة تطمح إلى تعزيز سيطرتها العسكرية على مدينة البصرة وضواحيها، ولا ترغب في التوسّع في مجال الترتيبات الإدارية، معلّلة ذلك بعدم وجود الكوادر الإدارية المؤهّلة، بينما كانت حكومة الهند تعتقد بقدرتها على خلق العناصر القيادية (إدارية وعسكرية) من خلال إعدادها وتأهيلها داخل العراق، وبذلك يمكن التوسّع في مجال التشكيلات الإدارية[3].

ويرى الباحث أن للجانب الاقتصادي دورًا كبيرًا في رفض تأسيس الإدارة

(163)

للبصرة؛ وذلك من أجل تقليل التكاليف المالية، سيما وأن البريطانيين انزلقوا إلى حرب كبيرة مكلفة ماليًا.

إذ كانت الحكومة البريطانية ترى أنْ تشكيل إدارة مدنية في البصرة يجنّبها إثارة أزمة مع الحلفاء، وأنّها تفضّل أنْ تكون إدارتها على غرار النمط المعمول به في مصر والسودان لتخوّفها من احتمال عدم نجاح النمط الإداري الهندي في بلد مثل العراق الذي يختلف تاريخيًا وحضاريًا وثقافيًا واجتماعيًا عن الهند. أما رأي حكومة الهندّ فكان يصبّ في صالح تطبيق نموذجها، وهي ترى أن من السابق لأوانه الحديث عن فشل النموذج، وهو لم يطبّق بعد، وأنّها ستحرص على تفعيله وخلق العناصر المؤهلة لقيادته من الجهاز العسكري[1].

إن الاختلاف في وجهات النظر لن يحول دون الاتفاق على ضرورة إقامة إدارة بريطانية للمناطق العراقية المحتلة، وبما أنّ أغلبية الجيش البريطاني تابع لحكومة الهند، فقد كان الميل لتطبيق القوانين الهندية في العراق أمرًا طبيعيًّا

وخلال الأيام الأولى من الاحتلال البريطاني أصدرت قيادة قوات الاحتلال البريطاني أمرًا أوكلت فيه مهمّة الإدارة المدنية البريطانية إلى الضابط السياسي الأقدم برسي كوكس، بعد أن أصدرت قرارًا باستبدال عنوان وظيفته إلى رئيس الحكّام السياسيين ووفّرت له عددًا من ضبّاط الجيش للعمل بإمرته في الإدارة المدنية[2].

إذ باشر السير برسي كوكس باعتماده على الضباط أوّلَ الأمر بتشكيل الدائرة السياسة وتنظيمها، وكان إلى جانبه أرنولد تالبوت ويلسون (Arnold Talbot

(164)

Wilson) يعاونه في تلك الإجراءات، حتى غدا فيما بعد نائبًا لبرسي كوكس[1].

وبسبب صعوبة وأهمّيتها المهمة التي أنيطت بالضابط السياسي برسي كوكس، والتي كانت تفوق قدرة الضباط المكلّفين بالعمل تحت أمرته، وخوفه من طغيان الطابع العسكري على الإدارة المدنية، لجأ إلى سد نقص الكادر الإداري بموظفين مدنيين، اختُبِروا بالدرجة الأولى من الموظفين البريطانيين والهنود العاملين في أجهزة حكومة الهند، ومن موظفي القنصليات والشركات البريطانية في البصرة، ومن ثم العراقيين الذين أبدوا تعاونًا مع سلطات الاحتلال، ومن ذوي المكانة الاجتماعية أو الاقتصادية التي يسهل من خلالها إقناع المواطنين بالإجراءات المتّخذة من قبل الإدارة. ونظرًا لعدم توافر نظام معدّ سلفًا، تحتّم على سلطات الاحتلال البريطانية أن تسيرّ إدارتها في البصرة بمزيج آني من نظامي الإدارتين العثمانية والهندية التي طغت على الإجراءات الإدارة المدنية[2].

وقد شرعت الإدارة البريطانية بتقسيم العراق إلى وحدات إدارية بلغ عددها عندما أتموا احتلال العراق 15 وحدة إدارية، هي: (البصرة، العمارة، والمنتفق، الديوانية، الشامية وتتبعها مدينة النجف الأشرف، والحلة والتي كانت تضم المدينة المقدسة كربلاء، كوت الإمارة، بغداد، بعقوبة، خانقين، سامراء، الدليم، الموصل، كركوك، ودير الزور التي سرعان ما انسلخت من العراق وأُلحقت بسوريا) وكانت هذه الوحدات ترتبط بدائرة الحاكم المدني العام التي اتخذت من بغداد مقرًا لها بعد احتلالها[3]. كما عمدت إلى استبدال بعض المصطلحات الإدارية

(165)

التي كانت شائعة إبّان الحكم العثماني؛ إذ أصبح اللواء يعرف بـ (منطقة Division)، والقضاء الملحق به أصبح يعرف بـ ( مقاطعة District)، وأبقت تسمية النواحي على ما هي عليه في الإدارة العثمانية[1].

(166)

المبحث الأول
الإدارة العسكرية والسياسية 1914-1918

يعدّ الجانب (العسكري - السياسي) من أهمّ ما يشغل سلطات الاحتلال، فوجود القوات البريطانية في البصرة، واتخاذها قاعدة لعملياتهم العسكرية تجاه العراق، كان يفرض عليهم استتباب الأمن فيها، والاطمئنان من أهلها؛ لذلك جعلت الإدارة السياسية لسلطات الاحتلال الجانب الأمني والسياسي من أولويات أعمالها.

أولًا: دائرة الحاكم العسكري

وهي أول مؤسسات الإدارة المدنية التي يتم تشكيلها في ولاية البصرة بعد سيطرة قوات الاحتلال البريطاني على المدينة في 22 تشرين الثاني 1914 لتتولى المهام المستعجلة، وقد تألّفت من الرائد دارسي براونلو (D.Brownlow) نائب (قائد) الفرقة السادسة رئيسًا[1]، الذي اتخذ عددًا من المساعدين من أصحاب الخبرة والدراية في أمور العراق وعادات الشعب العراقي، منهم النقيب ريد بولارد (R.bullard)[2] مستشارًا شخصيًا، وتوم دكستر (T.Dextar)[3] مساعدًا

(167)

ومترجمًا[1]، فضلًا عن عدد آخر من الضباط، والموظفين البريطانيين والهنود والعراقيين تحت عناوين ومسميات متعددة[2].

قُسّمت البصرة إلى منطقتين إداريتين وأمنيتين، وهما البصرة (المركز) والعشار، وجعلهما تحت أشراف مساعديه، فيما قام هذان المساعدان بتقسيم المنطقتين على قطاعات، وجعلا على كل قطاع مختارًا مسؤولًا عن الحالة الأمنية في قطاعه[3].

أما لواء العمارة، فقد عين الرائد (ماكفرسن Macpherson) حاكمًا عسكريًا في اللواء في 1 أيلول 1916، والعقيد (هاول Howell) ضابطًا سياسيًّا[4]، كما عين العقيد (نيفنس Nephinson ) حاكمًا عسكريًّا لإدارة المنتفق[5].

ويمكن تحديد واجبات الحاكم العسكري في منطقته وفقًا لما حددتها له الإدارة المدنية البريطانية بما يأتي:

مهام أمنية: المحافظة على النظام في منطقته والعمل على تطبيق القوانين في المناطق والمقاطعات التابعة لأدارته، وإبداء المساعدة إلى القوات العسكرية ضمن حدود منطقته الإدارية، من خلال إجبار الأهالي على العمل في تنفيذ المشاريع العسكرية لجيش الاحتلال[6].

(168)

2.مهام قضائية: الحكم في المخالفات البسيطة التي لا يتجاوز حد عقوبة الحبس فيها عن (28) يومًا، أو مبلغ الغرامة عن مئة روبية.

3.مهام تنفيذية (إدارية ومالية): تضمن توفير مقرّات خلفية ومحلّات للسكن، ويذكر بأن الدائرة قد وضعت يدها على أكثر من 70 منزل مقابل أجور رمزية، كما تتضمن فرض واستحصال الضرائب والرسوم البلدية.

4.مهام بلدية: تنظيف المدينة وتوفير مياه الشرب والاهتمام بالصحة العامة[1].

5.تقديم تقارير عن كافة الخسائر التي حلّت في ممتلكات السكان والتي حصلت نتيجة المعارك[2].

يتبين لنا من خلال الصلاحيات والمهام الممنوحة لدائرة الحاكم العسكري، أن الهدف الرئيسي لإنشاء هذه الدائرة هو خدمة جيش الاحتلال البريطاني وتعزيز سيطرته على المناطق العراقية المحتلة، وتسخير خيراتها وطاقاتها البشرية بخدمة المجهود الحربي البريطاني.

(169)

ثانيًا: الجانب الأمني

أ. الشرطة:

بعد الاحتلال البريطاني للبصرة وفرض سيطرتهم عليها، انتهت كل أشكال النظام السابق، ومنها قوات الجندرمة[1]، الامر الذي انعكس سلبًا على الأمن في المدينة، إذ انتشرت القرصنة في شط العرب، وانتشرت المجاميع المسلحة في بساتين النخيل بين الفاو والبصرة؛ لذلك ظهرت حاجة ملحة إلى جهاز أمني قادر على حفظ الأمن وتنفيذ قوانين سلطات الاحتلال البريطاني؛ لذلك التجأت سلطات الاحتلال إلى تأسيس جهاز الشرطة بعد أسبوع واحد من سيطرتها على مدينة البصرة[2].

تألّفت دائرة الشرطة من العقيد أي جي كريكسون (Kriekson A.G)[3] رئيسًا، ومن عناصر أخرى اختارها من موقع عمله السابق في الهند، مع من الصوماليين المستخدمين في شرطة عدن[4]، كما استخدم عددًا محدودًا من العناصر المحلية، ولاسيما أصحاب الوجاهة والنفوذ الذين أبدو تعاونًا مع سلطات الاحتلال

(170)

البريطانية، لتوظيف ثقلهم الاجتماعي في ترسيخ الأمن والاستقرار وكسب ثقة مواطني البصرة وولائهم وتأييدهم[1].

تمكّن العقيد كريكسون لال شهور من تسلّم مهامه أن يؤسّس مخافر شرطة في مدينة البصرة، إذ اتخذ من مباني الحكومة العثمانية السابقة في المدينة مقرات لها، بالرغم من أنّ هذه الأبنية كانت على شكل هياكل خالية من الأبواب والشبابيك، بل كانت خالية من كلّ ما يمكن نقله أو نزعه منها بسبب قيام بعض أبناء البصرة بمهاجمتها وسلبها عقب انسحاب الجيش العثماني من المدينة[2].

لم يقتصر إنشاء جهاز الشرطة في مدينة البصرة فحسب، وإنما تم إنشاؤها في جميع مدن العراق التي خضعت للاحتلال البريطاني، إذ تم تشكيلها دائرة الشرطة بعد احتلال القوات البريطانية لمدينة العمارة، وبدأت بممارسة الواجبات الاعتيادية المتمثلة بحماية الطرق والأنهار، واستخدامهم كحراس للمخازن الحكومية في بعض المناطق، والقبض على المجرمين، وسعيها إلى منع وقوع المشاكل بين العشائر القاطنة في العمارة، كما كُلّفوا بجباية الضرائب، إلّا أنّ أعدادها لم تكن كافية، كما تم تشكيل دائرة الشرطة في أيلول عام 1915، في مدينة الناصرية بعد احتلالها[3].

مارست الشرطة في عملها القوة المفرطة، وأشاعت الخوف والرعب بين السكان، وذلك للحدّ من الهجمات المسلحة التي كانت تتعرّض لها المنشآت والدوريات البريطانية يوميًا من قبل أبناء البصرة، إذا أودعت كثير من الأهالي

(171)

في السجون بتهمة السرقة، كما تم إعدام عدد منهم أمام الأهالي ليكون عبرة وترهيبًا لمن يجرؤ على التعدي على سلطات الاحتلال البريطاني[1].

أما عن موقف الأهالي من جهاز الشرطة، فقد كان سلبيًا بنظر المحتلّين، فلم يرغب السكان المحليون بالانضمام إلى جهاز الشرطة، كما واجهت إدارة الاحتلال صعوبة في إقناعهم عند تأسيس هذا الجهاز، وإلى هذا المعنى أشار ويلسون: «لقد ثبت بالتجربة أن تشكيل قوة شرطة في البصرة أمر شاق، جدًّا عسير...»[2].

ويبدو أن سلطات الاحتلال لم تكن راغبة باستخدام المواطنين أو الذين كانوا في جهاز الشرطة العثمانية السابق؛ وذلك لعدم ثقتهم بهذه العناصر، وخوفهم من الانقلاب عليهم، لذلك التجأوا في بادئ الأمر إلى عناصر الشرطة الذين تم إحضارهم من الهند وعدن، لثقتهم العالية بهذه العناصر التي كانت تعمل لخدمة المصالح البريطانية، فضلًا عن عزوف أغلب العراقيين عن العمل في جهاز الشرطة؛ لأنهم يعدونه بمثابة خدمة للمحتل الذي يجب قتاله بدلًا من معاونتهم، فضلًا عن أن من يتعاون مع الاحتلال سيكون مهدّدًا بالقتل من قِبَل العراقيين، وسيكون منبوذًا بينهم.

ب. الشبانة

الشبانة هي تسمية أطلقت على القوات العشائرية التي شكّلتها قوات

(172)

من الباحثين حول أصل هذه الكلمة؛ إذ اعتبر بعضهم أنها كلمة فارسية تعني حرّاس الليل، بينما يذهب آخرون إلى أنها تعني المرتزقة الذين كانوا يُستخدمون بأجور لأغراض شبة عسكرية وعسكرية[1].

ومهما اختلف الباحثون في أصل التسمية، فإن كلمة الشبانة أصبحت التسمية الرسمية للمليشيات العشائرية التي شكّلتها سلطات الاحتلال من أبناء العشائر تحت قيادة أبناء الشيوخ وبإشراف مباشر من الحكام السياسيين لسلطات الاحتلال، لتحلّ محلّ الشرطة في مناطقهم. وكان المجنّدون في الشبانة من أبناء العشائر، يتم انتدابهم لهذه المهمة من خلال شيوخ العشائر، الذين يختارون المجنّدين من أبناء عشائرهم، ويكون العمل ضمن حدود مناطقهم[2].

وكان أهم أسباب إنشاء تلك القوات هو قلة عدد الشرطة وصعوبة العمل في المناطق العشائرية النائية التي تحتاج إلى أعداد كبيرة، في الوقت الذي لا تستطيع قوات الاحتلال تأمين ذلك؛ لأنها في حالة قتال مع الجيش العثماني، ولكي لا تنشغل قواتها بأعمال ثانوية، فضلًا عن أنها تستهدف الوصول إلى قلب رؤساء العشائر وأبناء هذه العشائر وكسب ودهم، وبذلك اأسّست هذه القوات في القرنة ولواء العمارة ولواء المنتفق بعد احتلالها[3].

إذ تم تأسيس أول قوات للشبانة أوائل عام 1915، وأُسندت مهمة قيادتها

(173)

إلى النقيب مكفرسن[1]، لحماية طرق المواصلات بين القرنة والعمارة[2] يساعده اثنان من أبناء الشيخ أكباشي السعد، وهما مروان وهاشم، بعد أن منحتهم رتبًا عسكرية، كما كُونت شبانة محلية لحماية طريق سكة الحديد، وكان عددهم مئة وأربعة وسبعون مجندًا، نصفهم من الزبير والنصف الآخر من قبيلة ظافر تم تجهيزهم وتسليحهم من قبل سلطات الاحتلال[3].

إذ بلغ العدد الكلّي للمجنّدين من الشبانة في منطقة العمارة عام 1918 (424) مجنّدًا أما بالنسبة إلى عشيرة المنتفق، فقد تأسست الشبانة فيها منذ أيلول 1915، إذ قدّم بعض شيوخ أسرة آل سعدون ثلاثين مجنّدًا من أبناء عشائرهم لتشكيل النواة الأولى لقوة الشبانة في المنتفق، ثم توسّعت حتى وصلت إلى 400 مجنّد، أُطلق عليها تسمية خيّالة المنتفق[4].

أما مهام قوات الشبّانة فيتمثّل بما يأتي:

1.الحفاظ على الأمن والنظام داخل مناطقهم ومنع دفع الإتاوات إلى الشيوخ[5].

2.حماية طرق المواصلات النهرية التي توجد ضمن مناطق عشائر عناصر الشبانة.

3.المحافظة على سلامة سكك الحديد وخطوط التلغراف.

(174)

4.حماية مخازن ذخيرة جيش الاحتلال البريطاني[1].

5.تنفيذ الواجبات الإدارية ونقل المراسلات وحراسة السجون ومرافقة السجناء، والقيام ببعض الواجبات العسكرية.

6.جمع المعلومات العسكرية والعشائرية[2].

7.إلقاء القبض على المجرمين والحيلولة من دون وقوع الاضطرابات العشائرية[3].

ومن خلال هذه الواجبات التي أنيطت بقوات الشبانة، فقد اهتمت الإدارة المدنية لجيش الاحتلال بها، وبذلك عملت على تسليحها بأسلحة حديثة نسبيًا، كما أعدّتها إعدادًا عسكريًا من خلال التدريبات التي كان يتلقّاها المجنّدون من معلّمي الجيش البريطاني، كما خصّصت لهم زيًّا خاصًّا بهم يتشابه كثيرًا مع زي الشبّانة الهندية، إلّا أنّه يختلف بغطاء الرأس؛ إذ استخدم العقال واليشماغ في العراق، فضلًا عن مرتبات كافية ومجزية في تلك الأوقات[4]؛ مما أدى إلى زيادة أعداد هذه القوات، إذ بلغ عددهم في عام 1917 (1500) مجنّدًا، وارتفع العدد الكلي لهذه القوة بحلول كانون الأول عام 1918 حتى وصل إلى نحو 2000 مجند[5]؛ إذ أصبحت قوات الشبانه النواة الأولى للشرطة والجيش العراقي فيما بعد[6].

(175)

ومن خلال ما تقدّم يبدو أن سلطات الاحتلال البريطاني استغلّت قوات الشبانة في تحقيق مصالحها وتثبيت سلطتها في المناطق العشائرية والنائية التي يصعب عليهم العمل فيها، وجباية الواردات من أبناء العشائر، كما جعلوها أداة لضرب شيوخ العشائر الرافضين لسلطات الاحتلال، وأداة ضاربة في يد شيوخ العشائر المتعاونين مع سلطات الاحتلال، مما جعلها تصطدم في بعض الأحيان مع أبناء عشائرها أو العشائر المجاورة لها، مما زاد من الحنق لدى أبناء العشائر من تلك القوات، التي أصبحت منبوذة لديهم، سيما وأن سلطات الاحتلال عملت على سلخها من التبعية والعرف العشائري.

ثالثًا: سياسة الاحتلال البريطاني تجاه شيوخ العشائر

أسلوب التهميش والتجهيل الذي اتّبعته سلطات الاحتلال العثماني في العراق، وخاصة مع مجتمعات جنوب العراق، عزّزت التجمّعات العشائرية وروح القبيلة التي أعطت لشيخ العشيرة سلطة واسعة على أبناء عشيرته، بالرغم من سياسة ( فرّق تسد) و( نظام الطابو) الذي اتّبعته سلطات الاحتلال العثماني، والتي لم تنجح في القضاء على تماسك وحدة العشائر العراقية.

لذلك حاول المحتلّون البريطانيون الاستفادة من تجارب النظام العثماني السابق في إدارة العشائر العراقية على مبدأ التقسيم ومنع التماسك بين أبناء العشائر، إذ اعتمدوا على الأسلوب نفسه، لكنهم في الوقت نفسه عزّزوا من مكانة الشيوخ، بعد أنْ أدركوا أن ذلك سيؤمّن لهم نوعًا من السيطرة على أبناء العشائر الذين يطيعون شيوخهم، مستغلّين في تحقيق سياستهم هذه مشاعر الودّ والاحترام الموروثة، التي يكنّها أغلب أبناء العشائر لشيوخهم[1].

(176)

ومن أجل إنشاء مؤسسات لإدارة سلطات الاحتلال البريطاني في المناطق التي تقطنها العشائر، قرّرت إنشاء نظام جديد للإدارة يقوم على أساس التنظيم العشائري، وعلى احترام العادات والأعراف العشائرية، وعلى إسناد شيوخ العشائر، باعتبارهم أدوات لتنفيذ سياستها؛ وبذلك استخدم المحتلّون نظام «المشيخة» وأقرّوا سلطة الشيوخ كرؤساء على عشائرهم، وعيّنوا شيخًا واحدًا لكل عشيرة[1]، ومن أجل إنجاح ذلك، وكسب ود الشيوخ وأفراد عشائرهم وتبديد النفور من سلطات الاحتلال، حرص الضبّاط السياسيون على زيارة شيوخ العشائر في مناطقهم وإقامة دعوات وولائم خاصة وتوجيه دعوات عامة إلى شيوخ العشائر ووجهائهم في الأعياد البريطانية[2].

إذ شكّلت سلطات الاحتلال في بعض المناطق مجالس عشائرية وانتخبوا لها بعض الشيوخ الموالين لسلطة الاحتلال وتعيين عدد من الشيوخ الموالين لسلطات الاحتلال، بوظيفة مدير أو مستشار في منطقته، مقابل مِنح مالية شهرية تتراوح بين (200 - 500) روبية حسب أهمية المنطقة التي يديرها لتنفيذ المهام التي أُوكلت لهم، المتمثّلة بجمع الضرائب التي يقرّرها الحاكم السياسي والمحافظة على القانون والنظام في القبيلة وحسم المنازعات الصغيرة التي تحدث ضمن حدود القبيلة، ويحيل الكبيرة منها على الحاكم السياسي أو إلى أحد مساعديه، وإرسال الفلاحين عند الحاجة إليهم للعمل في المشاريع الحكومية وتحصيل الإيجارات السنوية وتسليمها إلى مالك الأرض، وحماية المسافرين والممتلكات

(177)

الحكومية والمساعدة في صيانة المواصلات والكهرباء والهاتف، واعتقال المخالفين وتسليمهم، وإعلان الولاء العام للحكومة، والمساعدة في إقامة علاقات طيّبة بين فروع العشائر الكبيرة[1].

وبذلك فقد تم تعيين عدد من الشيوخ في البصرة مدراء، ومنهم الشيخ إبراهيم بن عبدالله الراشد لمقاطعة الزبير، أحمد الجلبي مديرًا لناحية أبي الخصيب، وإلياس باكوس مديرًا لناحية شط العرب، والشيخ الحاج عذار لناحية الهارثة[2]، والشيخ سالم الخيون مديرًا لناحية الجبايش بعد احتلالها مباشرة، إلّا أنّ عدم امتثاله لسلطتهم أدّى إلى اعتقاله ونفيه إلى الهند عام 1915، وتعيين ابن أخيه ماجد الخيون شيخًا ومديرًا لناحية الجبايش خلفًا له[3]، كما تمّ تعيين الشيخ حميد المير جعفر مديرًا لناحية المْدَيْنَة، والشيخ إبراهيم العماري مديرًا لناحية بني حطيط الواقعة ضمن ناحية الجبايش، والشيخ أحمد آل راشد مديرًا لناحية الدير التابعة لمنطقة القرنة، إلّا أنّها استبدلته عام 1916 بالشيخ عاتي السعد شقيق الشيخ كباشي السعد، كما عهدت إدارة السويب إلى الشيخ جايد الطاهر الإبراهيمي وناحية النشوة إلى الشيخ عبد الهادي السويجت من عشيرة الحلاف، بينما عيّنت الشيخ كباشي السعد مديرًا لناحية اصخيريجة، ثم وسّعت سلطاته الإدارية لتشمل المناطق المجاورة لها (النهيرات والشرش)، ويساعده أبناؤه كلّ من هاشم وفارس وكاطع ومانع، إذ كلّف هاشم بإدارة بني منصور وكلّف كاطع ومانع

(178)

بإدارة المزيرعة، بينما كلّف فارس لإدارة النهيرات[1].

أما في سوق الشيوخ، فقد عيّنت إدارة الاحتلال البريطاني الشيخ حميد آل خميس أحد شيوخ آل سعدون مديرًا لناحية الخميسية[2]، والشيخ فرهود المغشغش شيخ عشيرة بني خيكان لناحية العكيكة وهور الحمار[3]، والشيخ سليمان النصر الله شيخ عشيرة البو صالح مديرًا لناحية البو صالح والشيخ حمودة المزيعل البشارة شيخ عشيرة المحيسن مديرًا لناحية كرمة بني سعيد، والشيخ منشد الحبيب شيخ عشيرة الغزي مديرًا لناحية البطحة[4].

أمّا الشطرة، فلم تتمكّن قوات الاحتلال من ممارسة سلطاتها المباشرة عليها؛ إذ عيّنت الشيخ حسن الجاسم، أحد شيوخ عشيرة البوشمخي وكيلًا حكومًّيا في القضاء، إلّا أنه لم يستطع ممارسة أعماله بسبب تجاهل سلطات الاحتلال فرض سيطرتهم المباشرة على المنطقة لقوة مقاومة أهلها، ولرفض الشيخ خيون العبيد الحاكم الفعلي للقضاء، الرافض للاحتلال؛ لذلك تمكّن الأخير من أبعاده وإبقاء حكم القضاء خاضعًا لسلطته، بعيدًا عن سلطات الاحتلال البريطاني، إلّا بعدأان تم لهم احتلال بغداد 1917 وفرض سيطرتها على الفرات الأوسط وجنوب العراق؛ وبذلك لم تبق إلّا الغراف التي خضعت للاحتلال البريطاني بعد قناعة أهلها، بأن لا جدوى من المقاومة والعراق جميعًا تحت الاحتلال البريطاني؛ لذلك أقرّت سلطات الاحتلال الشيخ خيون العبيد بمنصب وكيل سياسي في الشطرة بعد أن اعترف بالسيادة البريطانية[5].

(179)

أما لواء العمارة، فلم يتم تعيين أي شيخ بمنصب مدير ناحية؛ لأن عشائرهم كانت لا تثير المشاكل، فضلًا عن الصلاحيات الواسعة التي كان يتمتّع بها شيوخ العشائر وانقياد عشائرهم لهم؛ لذلك لاحاجة لتعيينهم بمناصب إدارية ما داموا لا يثيرون المشاكل لسلطات الاحتلال[1].

ولم تكن سياسة الاحتلال البريطانية ودية فقط تجاه عشائر العراق وبالأخص عشائر جنوب العراق، وإنما استعملت السياسة البغيضة التي كانت تستخدمها سلطات الاحتلال العثماني، وهي سياسة (فرّق تسد)، إذ لجأت سلطات الاحتلال البريطاني إلى تغيير شيوخ العشائر بآخرين ضعفاء، أو من الذين يوالون السلطة المحتلة[2]، كما عملت على إبعاد منصب المشيخة من الشيوخ الحقيقيين للعشيرة، مما أدى إلى إيجاد صراع وانقسام داخل العشيرة نفسها، فضلًا عن سياسة إعادة تحديد الأراضي بين العشائر، الأمر الذي أدى إلى نشوب الصراع والاقتتال فيما بينها[3].

وعلى الرغم من سياسة الاحتلال البريطاني المتمثّلة بالتقرب والتودّد من شيوخ وأفراد العشائر، فإنّها لم تفلح مع جميع عشائر جنوب العراق، إذ واجهت أغلب عشائر جنوب العراق الاحتلال البريطاني بالمقاومة والرفض لسياسة الاحتلال، إبّان الأعوام الأولى من الاحتلال البريطاني، يدفعهم في ذلك الموقف الوطني والديني، إذ رفض الشيخ غضبان البنية عرض سلطات الاحتلال للعمل معها على الرغم من الإغراءات المالية الكبيرة، وفضّل الاستمرار في المقاومة، كما كانوا على الموقف نفسه كلّ من الشيخ زبون بن ياسر أحد شيوخ البو محمد

(180)

والشيخ محمد الحطاب أحد شيوخ البودراج، إذ استخدمت سلطات الاحتلال سلطة الترغيب والترهيب، وبما أنها لم تنجح معهم صادرت أراضيهم ومنحتها إلى شيوخ آخرين[1].

كما رفض أغلب شيوخ المنتفق هذه السياسة في بادىء الأمر، وفي مقدّمتهم الشيخ عجمي السعدون الذي لم تُغْرِه المنافع المالية واإادارية الكبيرة التي كانت سلطات الاحتلال البريطانية مستعدة لتقديمها إليه، مفضّلًا مقاومة الاحتلال، ولو كلّفه ذلك أملاكه ومركزهُ في المنتفق، كما وقف هذا الموقف الشيخ بدر الرميض، بالرغم من سياسة الشدة والإغراء التي واجهها من سلطات الاحتلال[2]؛ بينما نجد أن شيوخ الغراف رفضوا أيضًا أي تعاون مع سلطات الاحتلال، بل بقيت الغراف عصيّة على الاحتلال البريطاني، حتى تم لهم احتلال بغداد وإتمام السيطرة على الفرات الأوسط وجنوب العراق، واقتناع هؤلاء الزعماء بأن الاحتلال الأجنبي أصبح مسيطرًا على العراق جميعًا، وأنه شرّ لا بدّ منه[3]. إضافة إلى عدد كبير من الشيوخ والعشائر العراقية التي رفضت واستمرّت بالمقاومة الوطنية، والتي ضحّت من أجل ذلك بأملاكها وأرواح أبنائها فداء للوطن.

ويبدو أن سياسة الاحتلال البريطاني القائمة على سياسة الترغيب والترهيب

(181)

تارة، وسياسة فرّق تسد تارة أخرى، قد نجحت إلى حدّ ما في المجتمع العراقي، إذ اضطرت أغلب العشائر العراقية التي كانت تقاوم الاحتلال في بادئ الأمر تحت سياسة التهديد والنفي ومصادرة الأملاك لمهادنة الاحتلال.

كما كان لسياسة الترغيب وإعطاء الأموال والمناصب لشيوخ العشائر، سيما للشيوخ غير البارزين، دور كبير في كسب ود هؤلاء الذين سخّروا أبناء عشائرهم في خدمة سلطات الاحتلال، يساعدهم في تحقيق ذلك تعزيز نظام العشائر من قبل المحتلّين، وجعل بعض هؤلاء الشيوخ مدراء تابعين لسلطات الاحتلال، وتحت إمرتهم قوات عسكرية ضاربة من قوات الشبّانة حسنة التسليح والتدريب؛ إذ استغلّها هؤلاء الشيوخ في ضرب منافسيهم من العشائر وتعزيز سلطتهم والإثراء على حساب أبناء العشيرة.

(182)

المبحث الثاني
الإدارة القضائية والمالية

أولًا: الإدارة القضائية

كان من الطبيعي أن تلغي سلطات الاحتلال البريطانية أي شيء يتعلّق بالنظام العثماني في الأراضي العراقية المحتلّة، ليؤكّدوا لسكان تلك المناطق انتهاء نظام الاحتلال العثماني، وإحلال نظام جديد مغاير للنظام السابق يخدم مصلحة المحتلّين الجدد.

لذلك عدت السلطة والتنظيم القضائي بحكم المنتهية عندما سيطرت قوات الاحتلال البريطاني على البصرة في 22 تشرين الثاني 1914؛ إذ انسحب القضاة الأتراك السابقون ومعظم الكادر القضائي مع الجيش العثماني المنسحب؛ وبذلك لم يكن يوجد أي ملّاك عراقي أو عثماني لديه خبرة في القانون العثماني داخل البصرة، وإن وجدوا، فلن يرغبوا بالتعامل مع سلطات الاحتلال البريطاني لبغضهم لها[1]. فضلًا عن عدم معرفة سلطات الاحتلال بالقانون القضائي العثماني الذي كان يُطبّق في العراق، مما زاد من صعوبة العمل على غرار النظام العثماني[2].

ونظرًا إلى أهمية القضاء في استقرار الأوضاع الاجتماعية وفرض هيبة السلطة

(183)

وتحقيق أهدافها، فقد تألّفت في نيسان 1915 الإدارة القضائية من المقدّم ستيورات جورج نوكس[1] ضابطًا عدليًّا، والبريطاني النقيب جارلس فريزر مكنيزي[2] معاونًا[3]، والإيراني وخان بهادر رستم علي ساعدًا، إلّا أنّه استقال من منصبهِ بسبب مرضهِ، فعين محلّه صاحب آغا ميرزا محمد، فيما مُنحت صلاحيات كاتب العدل إلى شركة كري مكنزي وفرع المصرف العثماني في البصرة[4]. ومن أجل عمل هذه الهيئة أصدرت سلطات الاحتلال عددًا من القوانين التي تتماشى مع سياستها الاستعمارية، وهي:

1. قانون الأراضي العراقية المحتلة 1915:

ومن أجل إدارة الشؤون العدلية المدنية والجزائية، ألغى القائد العام لجيش الاحتلال البريطاني في الأول من آب 1915 قانون العقوبات العثماني، وشرّع «قانون الأراضي العراقية المحتلة The Iraq Occupied Territories God، وجاء هذا القانون على غرار القانون الجنائي والمدني الهندي[5].

تألّف قانون الأراضي العراقية المحتلة من ستة أبواب ضمت ثلاث وستين

(184)

فقرة، وأهم ما جاء بهذا القانون صلاحيات الهيئات القضائية؛ إذ منحت للقائد العام لجيش الاحتلال أوسع الصلاحيات، فمنحته حق تشريع أو إلغاء أي قانون[1]، وحق إدخال أي قانون من القوانين الهندية، وإدخال أي تعديل عليها لتتناسب مع المجتمع العراقي وفق ما تقتضية الضرورة، كما منحته حق استئناف الدعاوى الحقوقية والجزائية كافة[2].

وقد منح الضابط العدلي الأقدم صلاحية حاكم مقاطعة، ومن حقه النظر في الدعاوى الحقوقية والجزائية واستئناف الدعاوى المرفوعة إليه من حكام المناطق، أما الضابط العدلي الأصغر فيتمتّع بصلاحية حاكم منطقة، وهو منصب يمنحه حق النظر في الدعاوى الحقوقية والجزائية باستثناء تلك التي تصل العقوبة فيها إلى الإعدام، وللمعاون العدلي صلاحية حاكم من الدرجة الأولى، وينظر في الدعاوى المدنية التي لا يتجاوز مبلغ الغرامة فيها عن (300) روبية[3].

ومن أهم ما تضمّنه هذا القانون أن الدعوى التي يكون المتداعيَين أو أحدهما مسلمًا، فعلى المحكمة رفع المواد المنازع فيها أو بعضها إلى فقيه شرعي بعد تحرير الأسئلة اللازمة للفتوى، ويرفعها إلى فقيه مسلم معروف، وباتت اللغة العربية اللغة الرسمية للمحاكم بدلًا من اللغة العثمانية[4].

ومن الإيجابيات التي تعدّ لقانون الأراضي العراقية المحتلة تشكيل المحاكم المدنية، حيث أخذت تستبدل تدريجيًّا وتحلّ محل المحاكم العسكرية التي أُسست في بادئ الأمر، لغرض النظر بالقضايا المدنية التي لا تمسّ أفراد القوات المسلحة،

(185)

منها جرائم القتل والتسليب والقضايا المالية[1].

وبموجب هذا القانون شكّلت المحاكم المدنية التي قسمت على قسمين؛ شرعية (سنية - جعفرية)، ومدنية (حقوقية - جزائية)[2]، إذ كانت المحاكم الشرعية تختصّ بالقضايا الشرعية مثل (الزواج والطلاق وشؤون الإرث ... الخ)، بينما تهتم المحاكم المدنية (حقوقية - جزائية) بالقضايا المرفوعة لها من محاكم الصلح الموجودة في كل ناحية، وتنقسم المحاكم المدنية (حقوقية - جزائية) إلى أربع أقسام (مدنية، تجارية، محاكم البوليس، الجنائية)، وكانت تحكم بالقضايا الصغيرة المرفوعة إليها، وذلك عن طريق فرض غرامات صغيرة، أو الحكم بالسجن لمدة لا تزيد عن يوم واحد، عدا القضايا التي هي من اختصاص المحاكم المدنية الشرعية[3].

ومن الجدير ذكره أن الإدارة المدنية البريطانية في ولاية البصرة لم تؤسس في مقاطعة البصرة قبل احتلال بغداد 1917 إلّا محكمة مدنية واحدة؛ أما في العمارة والناصرية، فقد أعطيت صلاحيات إلى الحكام العسكريين للبتّ في القضايا والمنازعات التي تحدث بين السكان هناك، وفي المناطق الريفية أعطيت هذه الصلاحية إلى الحكام السياسيين، كما فرضت قيود على الأحكام التي كانت تصدر من الحكام العسكريين في المقاطعات، أو عن الحكّام السياسيين في الأرياف[4].

(186)

2. نظام دعاوي العشائر المدنية والجزائية لعام 1916

انسجامًا مع سياسة الاحتلال التي تهدف إلى إحياء الحكم الإقطاعي وسيطرة شيخ العشيرة، وعزل هذه المجتمعات لجعلها متأخرة وسهولة السيطرة عليها، فضلًا عن عدم اعتماد أبناء العشائر المحاكم المدنية؛ لجأت سلطات الاحتلال إلى إصدار قانون «نظام دعاوي العشائر المدنية والجزائية لعام 1916 «وأصدر هذا القانون بعد أقل من ستة أشهر على صدور قانون الأراضي العراقية المحتلة، وجاء هذا القانون وفق البند الخامس والخمسين، الفقرة - ب- من قانون الأراضي العراقية المحتلة، والتي أجازت للضابط العدلي الأقدم حق إصدار مثل هذا القانون[1]، الذي وضعه هنري دوبس(Henry Dobbs)[2] عام 1915 على غرار ( نظام جرائم الحدود الهندي Indian Frontier Regultio) الذي وضعه وطبّقهُ روبرت ساندمان R.Sandeman في بلوجستان سنة 1875[3]، وعُدّ هذا القانون ساري المفعول بعد أن صادق عليه القائد العام لقوات الاحتلال البريطاني في 12 شباط 1916 [4].

(187)

جاء هذا القانون من 62 مادة، ونص على منح السلطة للحكّام السياسيين للنظر في القضايا التي تحدث في مناطقهم، على أساس العرف العشائري، كما يحق لهم تشكيل مجلس عشائري، أو أي هيئة تحكيمية وفقًا لعادات وتقاليد العشائر، يحق لها النظر بأي نزاع عدا نزاعات الأراضي، يكون أحد طرفي النزاع أو كليهما من أفراد العشائر بعد أن يُحال من الحاكم السياسي للمنطقة التي حدث فيها النزاع إلى تلك المجالس، للبت في النزاع وفقًا للعرف العشائري[1]، وللحاكم السياسي القرار النهائي في المصادقة على الحكم، أو إعادة النظر في القضية، أو رفعها إلى مجلس عشائري ثان، وفي حال مخالفة المجلس لما يراه الضابط السياسي، يحق له تحويلها إلى مجلس الضباط السياسيين، أو يحكم بها قضائيًّا بنفسة، وان لم يكن يملك مثل هذه الصلاحيات، يحيل القضية إلى محكمة للبتّ فيها، أو ينقض القرار الصادر بها أو يستبدل عقوبة السجن بالجلد، وهو غالبًا ما استخدمته السلطات المحتلة للتنكيل بالعناصر التي تهدّد مصالحها السياسية والاقتصادية وأمن قواتها المحتلة[2].

كما أعطي الحق أيضًا للحاكم السياسي لإصدار الأحكام التي تزيد عن سنتين سجن أو غرامة تزيد على الألفي روبية، أو أن ينفي أي شخص خارج المنطقة أو الحدود في حالة اعتباره خطرًا على أمن قوات الاحتلال، لكن بشرط أن يحصل على مصادقة مسبقة من رئيس الحكّام السياسيين[3].

ومن أجل الحد من الهجمات العشائرية على قوات الاحتلال البريطاني، فقد

(188)

خوّل هذا القانون فرض عقوبات قاسية على جميع أفراد القبيلة التي يقوم بعض أفرادها بأعمال مناهضة للسلطات العسكرية البريطانية، ومن هذه العقوبات حجز القبيلة أو مصادرة أموالها، أو إبعادها عن موطنها الأصلي إلى خارج الحدود أحيانًا، ولا يسمح لها بالعودة إلى الأراضي العراقية[1]، ومنع أبناء القبائل من بناء الحصون أو المواقع التي يحتمل استعمالها ضد السلطات البريطانية[2].

ومن أجل تطبيق هذا النظام عين البريطانيون عددًا من شيوخ العشائر الموالين لسلطات الاحتلال مدراء أو أعضاء في المجالس القبلية التي أُنشأت وفقًا لهذا القانون، في كل من الناصرية وسوق الشيوخ وفي قلعة صالح، وكان أعضاؤها من الشيوخ البارزين من العشائر الشيعية والسنية إضافة إلى الطائفة الصابئية، كما عينوا عددًا من أبناء العشائر في جهاز الشبانة، لمتابعة تنفيذ العقوبات بعد أن حدّد الحاكم السياسي مناطقهم الإدارية، فـأصبحوا يتمتّعون بصلاحيات وامتيازات رجل الشرطة، وكانوا ملزمين بتنفيذ تعليمات شيوخ قبائلهم[3].

وقد حقّق هذا القانون بعض الرضى بين العشائر العراقية؛ لأنّه سهّل لها حلّ المنازعات بالطرق المألوفة لديها منذ مده طويلة[4]، ولا سيما شيوخ العشائر الذي عزّز موقعهم ورفع مكانتهم بمنحهم بعض الصلاحيات السياسية والقضائية، وزوّدتهم القوات المحتلة ببعض الأسلحة والهبات المالية، كما فوّضت لهم الأراضي التي كانت تتصرف بها العشائر، ونجح أيضًا في تهدئة العشائر التي

(189)

طبق عليها هذا النظام، وجعلها ميالة لتصفية القضايا التي تحدث داخلها أو بينها وبين العشائر الأخرى، تحت إشراف الضباط السياسيين[1]، كما اعتمد الحكام السياسيون على السادة في حل بعض الخلافات العشائرية وتحقيق الصلح بينهم، أو إحالة بعض القضايا التي تحدث بين أفراد العشائر الشيعية إلى المجتهد الديني[2] في النجف الأشرف[3].

على الرغم من هذه الإيجابيات، وإن كانت قليلة، إلّا أن المآخذ على هذا القانون كثيرة، إذ إنه بمعاملته وضع أسس الانفصال بين المجتمعات المدنية والقبلية، وكأن المجتمعين القبلي والمدني عالمان منفصلان، كما عزّز هذا القانون النظام القبلي وإعادة روح الإقطاع بعدما كرس السلطة القبلية بيد رؤساء العشائر الموالين لسلطات الاحتلال الذين حصلوا على الدعم المالي والعسكري لإخضاع المنافسين، حيث منحتهم سلطات الاحتلال حق جباية الضرائب من أبناء العشيرة، مما أدى إلى تصادم هؤلاء مع عشائرهم وأجّج الحقد والرفض في نفوس أبناء عشائرهم الذين لا يستطيع أغلبهم التنفيس عنها بسبب دكتاتورية رؤساء العشائر، لاسيما وأن بعضهم أصبح لديه قوة عسكرية (الشبانة) تحت إمرته، فضلًا عن الدعم العسكري البريطاني.

والجدير ذكره أن هذا القانون منح صلاحيات واسعة للحكّام السياسيين

(190)

الذين غالبًا ما كانوا يستخدمونها بالتنكيل بالعشائر المعارضة للاحتلال، أو الذين يهدّدون مصالحهم السياسية والاقتصادية.

وفي النهاية، إن هذا القانون أوجد من أجل خدمة الاستعمار البريطاني وتسهيل المهمة للسيطرة على العشائر العراقية، والإبقاء عليها في حالة من التخلّف، وذلك ليسهل عليها السيطرة من خلال عدة أشخاص (رؤساء عشائر) موالين لسلطات الاحتلال.

ثانيًا: الضرائب

تعد السياسة المالية من أهم أركان الإدارة المدنية التي أسستها سلطات الاحتلال البريطاني في العراق، وبسبب ضرورة توفير ما تحتاج إليه قوات الاحتلال لسدّ نفقاتها الحربية الضخمة وتأمين مصاريف الدائرة السياسية ورواتب موظفيها، أنشأت دائرة الواردات؛ حتى تستفيد منها لتتمكّن من السيطرة على اقتصاد البلاد وخيراته الوفيرة وتنظيم عملية استغلالها[1].

لذلك عهد بإدارتها وتنظيمها في كانون الثاني 1915 إلى هنري دوبس[2]، ومواطنه ريد بولاد (ReidBulad) مساعدًا، إضافة إلى ثلاثة موظفين هنود، كما أبقى هنري دوبس على شركة مكنزي بتولّيها جباية واردات الجمارك البحرية[3]. وبعد توسع السيطرة البريطانية على الأراضي العراقية، أضيفت مهام أخرى إلى هنري دوبس شملت إدارة شؤون الأوقاف والطابو والأراضي الأميرية، والدين العثماني، فضلًا عن المؤسسات التربوية والدوائر البلدية[4].

واجه هنري دوبس في تنظيم الإدارة المالية صعوبات عدة، تمثّلت بضيق الوقت

(191)

اللازم[1]، وجمع الواردات وإدارتها بموجب الأصول العثمانية من دون سوء تصرف، فضلًا عن تداخل القضايا بعضها ببعض، كقضايا التزام الأرض، وجباية الواردات، وإدارة الأوقاف التي كانت تعاني التعقيد والغرابة وكان يجب دراستها وحلها، إضافة إلى مسؤوليات أعمال أخرى كأعمال الجمارك والسيطرة على الشركات التجارية المعادية للاحتلال البريطاني، والديون العمومية وأعمال المصارف، يضاف إليها مشكلة رئيسية تتمثّل بالسجلات الرسمية التي كانت تستخدمها إدارة الاحتلال العثماني؛ إذ كانت تكتب بطريقة قديمة الطراز، إن وجدت غير تالفة، إذ أغلب هذه السجلات أتلفت قبل الانسحاب العثماني من مدينة البصرة[2].

لذا التجأ هنري دوبس إلى تعيين بعض العراقيين الذين كانوا يمثلون صغار الموظفين في الإدارة العثمانية، وحاول الاستفادة منهم، خاصة في قراءة السجلات العثمانية وتحويلها إلى اللغة العربية، وكان من حسن حظ سلطات الاحتلال أنها عثرت على عدد من سجلات إدارة الاحتلال العثماني، سيما التي تخص الطابو التي كان لها أهمية كبيرة في معرفة الملاكين[3].

ولعدم إمكانية إيجاد نظام للواردات على غرار النظام المالي البريطاني بصورة عاجلة، حيث إنه يتطلّب موظفي واردات أكفّاء، وحلّ مشكلة الزراعة الأساسية بتحديد حقوق الفلاحين والملتزمين والملاكين[4]؛ لذا عكف هنري دوبس إلى دراسة معمّقة لنظام الواردات العثماني في مناطق البصرة كافة، فوجده

(192)

نظامًا (معقولًا ومتسامحًا) ولا يوجد ما يحول من دون استخدامه مجددًا من قبل البريطانيين؛ لأنّ العلّة على حد وصفه ليست في النظام، وإنما في موظفي الإدارة الذين يتّصفون بالتراخي واللامبالاة؛ لذلك أقرّ استمرار العمل في نظام واردات سلطات الاحتلال العثماني[1].

بدأت دائرة الواردات عملها بالجمارك، بعد أن أَوْكَلَت عملها لضابط محصلة الجمارك الهندية (واتكنس)، ولم تفرض الضرائب على الأراضي الزراعية التي تعد الأهم والأضخم في الواردات، لكي لا تصطدم بالعشائر الرافضة للضرائب على أراضيها الزراعية، خاصة وأن هذه العشائر خاضت عدة معارك مع الاحتلال العثماني من أجل هذا السبب[2]، وإلى هذا المعنى يشير الميجر دكسون بقولهِ: «إن واقع عدم دفع أي واردات عن الرز أو التمور أو الحنطة للأتراك لسنوات كثيرة، قد كان له أثره لاسيما بين الجيل الفتي من أفراد العشائر الذين أصبحوا بالنتيجة متعجرفين، مغرورين، متغطرسين، وأن حججهم منطقية وتجري على النحو التالي، إن عبارة (لا حكومة) تعني إننا نحتفظ بحاصلات أو نقود يمكن أن تؤخذ منّا في غير هذه الحالة على شكل واردات، وإنّنا نحتفظ بأرض أخرجنا منها مالكيها (الشرعيين)؛ ولذلك لسنا مضطرين إلى دفع الملّاكية لأحد، وأصبحنا نملك الأرز وأراضِ جيدة مقابل لا شيء، وإننا أحياء ومستعدون للدفاع عن أنفسنا بقوة سواعدنا...»[3].

(193)

فضلًا عن الأضرار الكبيرة التي حلت بالأراضي الزراعية، نتيجة العمليات العسكرية وترك الفلاحين لأراضيهم وإجبارهم على العمل في معسكرات الاحتلال أو الاشتراك في القتال، الأمر الذي أدى إلى انخفاض إنتاج الأراضي الزراعية بشكل كبير، ولحاجة سلطات الاحتلال الماسة إلى الناتج الزراعي من أجل توفير الحبوب لقواتها وكونها موردًا اقتصاديًا مهمًا[1].

بدأت سلطات الاحتلال البريطاني بفرض الضرائب بالتدرّج وبطرق مختلفة على السكان، واشترطت على الضباط السياسيين أن يكونوا مرنين في جمع الضرائب حتى لا تعارضهم العشائر ويكسبوا ودّها، وكانت طرق جمع الضرائب تختلف من منطقة إلى أخرى، ففي منطقة العمارة أقطعت الواردات بالالتزام للشيوخ الكبار، بشرط أن يكونوا موالين لسلطة الاحتلال، كما اقتُرحت تخفيضات بلغت نصف المبالغ المقرّرة في عهد الاحتلال العثماني، وأُلغيت في الوقت نفسه الديون المتراكمة للدولة التي كانت بذمّة الشيوخ الملتزمين عن السنوات السابقة[2].

أمّا في المنتفق، فقد بدأت سلطات الاحتلال البريطاني بفرض الضرائب بالتدرّج، حتى لا يعارض أبناء العشائر تلك الإجراءات، فقد فُرضت أول الأمر ضرائب رمزية على النخيل، من دون أنْ تُفرض على الأراضي الزراعية، مما ضمن عدم معارضة الأهالي لتلك الإجراءات، وفي نيسان 1918 تمت جباية الضرائب على المحاصيل الشتوية لأوّل مرة، وقد أنيطت جباية الضرائب بشيوخ العشائر الذين تم تعيينهم كمدراء في مناطقهم[3].

(194)

وبعد أن سيطرت القوات البريطانية على العراق ازدادت الضرائب وتنوّعت أشكالها، منها ضريبة الأراضي الزراعية، وضريبة صيد الأسماك والطيور، وضريبة على الزواج وضريبة الملح، وضرائب على الحاجات الاستهلاكية، وغيرها من الضرائب التي بلغ عددها العشرة تقريبًا[1]. فضلًا عن ضريبة الدفن التي تأخذ على كل من يُدفن في مقبرة وادي السلام في النجف أو في مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعلى أن لا يقل عمر المتوفّي ثلاث سنوات؛ إذ وصل إيرادها عام 1918 إلى (48،000) روبية، إضافة إلى ضريبة (الكرنتينية) الحجر الصحي والتي وصل مردودها عام 1918 إلى (53،000) روبية[2].

كما تفنّنت سلطات الاحتلال بتنوّع الضرائب، إذ فرضت التبرعات التي كانت شبه إجبارية، وكانت تجمع بأسماء مختلفة؛ منها تبرعات للصليب الأحمر، إذ وُجهت الدعوات لرؤساء العشائر لهذا الغرض، واعتبرت السلطات البريطانية امتثالهم لهذا الأمر دليلًا على إخلاصهم لسلطات الاحتلال البريطاني[3].

وإلى جانب العدد الكبير من الضرائب، تميزت سلطات الاحتلال البريطاني بالدقة في جمع الضرائب من سابقتها سلطات الاحتلال العثماني، إذ نجحت باستخدام العراقيين في دائرة الواردات، لمعرفتهم المسبقة بالعشائر وحدود مقاطعاتها ونوعية المحاصيل الزراعية لكل منطقة، ولعملهم السابق في الإدارة

(195)

العثمانية[1]، كما تم تنفيذ جمع الضرائب بصفة رئيسة عن طريق تعهد الشيوخ إما بالالتزام أو التخمين؛ ولهذه الإجراءات الدقيقة وزيادة عدد الضرائب، تمكّنت سلطات الاحتلال البريطاني من جباية ضرائب وصلت وارداتها لسنة 1918 إلى (1،301،784) روبية، وهذا فاق ما جمعته سلطات الاحتلال العثماني عام 1911؛ إذ وصل إلى ( 690،000) روبية[2].

ويرى الباحث أن زيادة الواردات لسلطات الاحتلال لم تأتِ من تحسين الخدمات أو تطوير الزراعة للمناطق العراقية، وخاصة المناطق العشائرية التي تحمّلت الجزء الأكبر من هذه الضرائب، وإنما أتى من خلال دقة التنظيم، وصلابة الإجراءات المتّخذة بحق المخالفين، كما سهّل لهم الأمر كثيرًا تعاون بعض شيوخ العشائر الموالية لهم، والذين كُلّفوا بجمع هذه الضرائب مقابل امتيازات كبيرة، وقد كانت الأداة الفاعلة لهؤلاء الشيوخ هو قوات الشبانة العشائرية، التي نجحت إلى حد ما في تسهيل مهمة شيوخ العشائر.

ويبدو أن السياسة المالية التي اتّبعتها سلطات الاحتلال البريطاني قد نجحت إلى حد كبير في تقليل العبء المالي على الإدارة المدنية لسلطات الاحتلال، وذلك بتوفيرها الأموال اللازمة لإدارة البلاد، لكنها في الوقت نفسه انعكست سلبًا على أبناء العراق بصورة عامة وعلى أبناء العشائر بصورة خاصة؛ إذ كانت الحاصلات الزراعية من الأراضي العشائرية هي الهدف الرئيس في الابتداء، ولكن سرعان ما صار تحصيل الإيرادات هو الاعتبار الأول الذي يعد معيارًا لخضوع العشائر للنظام الجديد[3]، كما شجّعت ونمّت نظام الإقطاع من خلال تلزيم الأراضي لشيوخ العشائر وتفويضهم بجباية الضرائب.

(196)

وفي النهاية كان موقف أبناء العشائر، متّسمًا باِلرفض لسياسة الضرائب التي فرضتها عليهم جورًا سلطات الاحتلال البريطاني، إلّا أنّ أسلوب الشدّة والتنكيل، وكسب جانب الشيوخ الكبار عن طريق الأغراء أو التهديد، مكّن المحتلّين من تنفيذ سياستهم المالية، التي كان لها دور فعال في إثارة سخط الشعب العراقي وقيام ثورة العشرين الكبرى ضد الاحتلال البريطاني.

(197)

المبحـث الثالث
الإدارة المـدنيــــة

أولًا: تفويض الأرض

من أهم مقومات المواطنة والحياة الرغيدة، أن يمتلك المواطن أرضًا يعيش عليها أو يقتات منها، ليشعر بالأمان في البلد الذي يعيش عليه، ويشعر بأنه جزء من هذا البلد، بيد أن أغلب العراقيين، ومنهم أهل الجنوب كانوا مسلوبين من امتلاك هذا الحق الشرعي؛ إذ كانت سلطات الاحتلال العثمانية قد صادرة أراضي العراق ووضعتها تحت تصرفها على أنها المالك الشرعي لها، وغدا أهل العراق أبناء الوطن يعيشون في أرض مستأجرة من أناس لا يملكونها وهم المحتلّون العثمانيون.

وعلى الرغم من محاولة الوالي العثماني مدحت باشا (1869 - 1872) تمليك الأرض لأهلها ومستحقيها، التي كانت في الواقع محاولة لتطبيق قانون الأراضي العثماني لعام 1858 على العراق، من أجل الحد من سلطة زعماء العشائر الذين كانوا شبه مستقلّين، إلّا أنها لم تأتِ بالنتائج المطلوبة، فضلًا عن أنّ العثمانيين حاولوا الاستفادة من مبدأ الملكية الحكومية للأرض لغرض تعيين الشيوخ الموالين كمستأجرين، ومن جهة أخرى عملوا على حجب هذا الامتياز عن أي عشيرة أو شيخ معارض لسلطتهم[1].

وعندما حلّ الاحتلال البريطاني في العراق، كانت مشكلة الأراضي الزراعية قائمة؛ لذا اتّبع المحتلّون الجدد سياسة سلفهم العثمانيين باستغلال هذا الأسلوب

(198)

مع عشائر العراق، وخاصة الجنوب؛ إذ استخدمت هذه السياسة بوصفها سلاحًا قويًا تجاه العشائر، وذلك من أجل التحكّم بهم وإجبارهم على الخضوع لسلطاتها؛ إذ عملت إدارة الاحتلال على إعطاء الأراضي للموالين لها، وتساهلت بإعفاء الشيوخ الملتزمين من الضرائب وإلغاء ما تبقّى عليهم من ديون[1]، ومنع تلزيم شيوخ العشائر المعادية لسلطات الاحتلال، بل سلبهم حقهم الشرعي في العيش على الأرض التي وُجدوا عليها وإخراجهم منها بالقوة[2].

اختلفت سياسة الاحتلال البريطاني من منطقة إلى أخرى، وذلك وفقًا لمحدّدات فرضتها عائدية الأرض، ففي مقاطعة العمارة، وحيث إنّ أغلب أراضيها عائدة إلى الدولة، فقد رفع هنري دوبس بعد شهر من احتلالها ودراسته لأوضاعها تقريرًا جاء فيه: «إن غالبية الأراضي والمياه من الناحية التقنية تحت تصرف الحكومة. وسنواجه بمشكلة فيما لو أنهيت العقود في وقت أبكر؛ لأن نظام التلزيم الثانوي الواسع، والمعقّد سوف يفسد»[3].

وفي هذا التقرير إشارة واضحه إلى ضرورة استمرار النظام العثماني السابق في توزيع الأراضي على العشائر بطريقة الالتزام، وهنا استغلّ المحتلّون عامل الأرض في الضغط على العشائر، إذ اشترط في منح الالتزام لشيوخ العشائر ولاؤهم لسلطات الاحتلال، وعدم معارضة مصالحهم في البلاد[4]، وذلك كما حصل مع الشيخ زبون الياسر، أحد شيوخ البو محمد، الذي كان يزرع إحدى المقاطعات في قضاء قلعة صالح في لواء العمارة، وبسبب موقفه المعادي للاحتلال

(199)

طرد منها في عام 1916، كما حرموا شيخ عشيرة البو دراج محمد الحطاب عام 1915 من مقاطعته، بسبب رفض الشيخ محمد الحطاب لوجود قوات الاحتلال البريطاني[1]، كما انتزعوا مقاطعة الشيخ غضبان البنية الذي كان رافضًا للاحتلال لبريطاني، وللسبب نفسه انتزعت مقاطعتا شيخي السودان فنجان السعد ومحمد السعد وتم منحها إلى غيرهما[2].

ويمكن أن نبيّن أنّ حرمان الشيخ من التزام مقاطعته لا يعني حرمانه وحده فقط، وإنما يعني حرمان عشيرته من التواجد على هذه الأرض المحدّدة، وفي بعض الأحيان تهجيرهم منها، لكي تسكن فيها عشيرة الملتزم الجديد؛ وبذلك تكون مئات العوائل مهدّدة بالمجاعة، إذ كانت الزراعة مصدر عيشهم الرئيسي، فضلًا عن فقدانهم لأرضهم التي عاشوا وترعرعوا على ظهرها، وبهذا الأسلوب كانت هذه السياسة تمثّل العصا الغليظة لسلطات الاحتلال للتنكيل بالعشائر التي تهدّد وجود قوات الاحتلال البريطاني.

أمّا في لواء المنتفق، فقد كانت الأوضاع مغايرة لما هو موجود في العمارة، حيث إنّ عائدية الأراضي في المنتفق لم تكن عائدة للدولة جميعها، بل أغلب أراضيه استحوذ عليها آل سعدون بسندات الطابو من الدولة العثمانية مقابل مبالغ زهيده[3]، وهذا خلق مشاكل كثيرة، منها كثرة المدّعين لملكية الأرض، وعدم وضوح رسوم السندات المقدمة كإثبات لملكية الأرض، فضلًا عن صعوبة تمييز الحدود المرسومة على السندات والحدود الفعلية، إضافة إلى عدم اعتراف العشائر بملكية ال سعدون كملاكين[4].

(200)

لذا كانت هذه المشكلة مقلقة لسلطات الاحتلال البريطاني، خوفًا من إثارة الاضطرابات في المنتفق، مما جعلها في مأزق حرج، فهي لا تريد إغضاب آل سعدون لأسباب عسكرية وسياسية، وفي الوقت نفسه لا تستطيع تأييد حقوقهم القانونية بقوة السلاح ضد مستأجري أراضيهم من أبناء العشائر للأسباب نفسها، بل عملت على استمالتهم إلى جانبها؛ فضلًا عن توجيهات القيادة الحربية بعدم التورّط في أي قضية تثير المتاعب وتؤثّر سلبًا على الهدف الرئيسي للقوات البريطانية، وهو دحر الجيش العثماني[1].

وعلى هذا الأساس، اتبعت سلطات الاحتلال إجراءات توفيقية بين الطرفين المتنازعين بصورة مؤقتة، إذ حظر على المحاكم النظر في أي قضية تتعلّق بتقرير ملكية الأرض الزراعية، وتعيين مخصّصات مالية لبعض ملّاكي الأراضي بدلًا من واردات أراضيهم انتظارًا للتسوية النهائية، وتحصيل الرسوم من المستأجرين على أساس مساحة الأرض المثبتة في السند، وليس على المساحة الواقعة ضمن الحدود فعلًا، وعلى ما يبدوأان هذه الإجراءات نجحت في تهدئة الخواطر، ولم تقم معظم العشائر باضطرابات على سلطات الاحتلال بسبب الأراضي الزراعية[2].

وعلى الرغم من نجاح هذه الإجراءات الوقتية، إلّا أنها لم تضع حدًا نهائيًا للمشكلة؛ لذلك أصدرت سلطات الاحتلال البريطاني بيانَ «الأراضي الأميرية المتنازع عليها» وذلك في 18 كانون الأول 1918، وقد جاء فيه[3]:

1.كل شخص يملك مستمسكًا يخوّله التصرف بأرض وصادرة من الحكومة العثمانية، يعد مستأجرًا لأراضي الطابو.

(201)

2.مستأجرو الطابو أو من يدعي حق التملك على أرض معينة من الذين شملهم هذا البيان، فعليهم أن يقدموا طلبًا للحاكم السياسي لوقف الإجراءات الخاصة التي تجري في مناطقهم، وذلك بعد أن تسمع هذه الادعاءات من قبل الحاكم السياسي أو من ينوب عنه، ويرفض أي ادعاء يحدث خلافات تؤدي إلى تهديد الأمن العام أو سلامة جيش الاحتلال وراحته.

3.منح الحاكم السياسي أو من ينوب عنه، أنْ يحدد صاحب الحق في الأرض، بعد أن يحدّد الإيجار والشروط، وان لم يجد للأرض أصحابًا، فله الحق في أن يؤجّرها إلى الشخص المناسب، كما يحق له تقدير حصة الحاصلات التي تُعطى للفلاح والمستأجرين في أراضي الطابو، وله الحق أيضًا في تحديد الضرائب التي تستحقها سلطات الاحتلال[1].

لذلك استغل المحتلّون هذا المشكلة في تفويض الأرض وتحديد عائديتها وقدر الأموال التي تُفرض عليها؛ إذ حرموا الشيوخ المعارضين لسلطات الاحتلال من حقّهم ومنحوها للذين أظهروا الولاء لسلطات الاحتلال. وبموجب هذه السياسة انتقلت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية إلى أيدي الشيوخ الموالين لهم.

ثانيًا: العمل (السخرة)

بدخول القوات البريطانية المحتلة للعراق، كان الاحتلال بأمس الحاجة إلى عمل مدني يسند العمل العسكري؛ إذ برزت الحاجة إلى الأيادي العاملة

(202)

من السكان المحليين من أجل تنفيذ فتح الطرق البرية والنهرية لغرض نقل معداتها العسكرية وتزويد جيشها بالمواد الغذائية والحربية[1]؛ لذلك أنشأت دائرة الأشغال ضمن الدائرة المدنية التي أسّست في البصرة، وتولّى إدارتها القائد هاملتون (Hamilton)، وانحصرت مهامها بالإشراف على إدارة ميناء البصرة، والري، ووسائل النقل النهري والبري[2].

وبما أنها تحتاج إلى كل جندي في ساحات القتال، فضلًا عن قلّة قواتها بالنسبة لجبهات القتال الواسعة، اعتمدت سلطات الاحتلال على العمّال المحلّيين رغم ما فيه من خطورة، قد تهدّد جيش الاحتلال[3]، ولتسهيل المهمّة التجأت إلى تطبيق السياسة التي كانت تتبعها سلطات الاحتلال العثماني عند حاجتها لقوى العمل، المتمثّلة بالطلب إلى شيوخ العشائر بتجهيز العمّال اللازمين من أبناء العشائر عند الحاجة، وفعلًا نجحت هذه السياسة، فقد لجأت سلطات الاحتلال البريطاني إلى أعمال السخرة بعد احتلالها البصرة بسبب حاجتها الشديدة للعمال من أجل شقّ الطرق وتعبيدها وبناء الجسور وإنشاء المعسكرات، فحشرت عشرات الألوف من الفلّاحين لهذا الغرض[4]، كما حقّق الشيوخ المتعاونين مع جيش الاحتلال جميع طلباتهم بخصوص توفير الأعداد اللازمة من العمال في مشاريع الاحتلال؛ إذ جهّز شيوخ القرنة من سكّان مناطقهم ما يقارب من 2000 -3000 عاملًا من أبناء العشائر، للعمل في السكك الحديدية على نهر دجلة خلال عام 1917 [5].

(203)

أمّا العمارة فلم يختلف وضع الفلاحين فيها عن أبناء العشائر؛ إذ دفع بعض شيوخ العشائر، مئات الفلاحين للعمل في المشاريع المختلفة، إذ تولّت دائرة الأشغال التي تأسّست في العمارة بعد احتلالها، مهمّة الإشراف على هؤلاء الفلاحين (العمال) من خلال عملهم في إنشاء الطرق بين قلعة صالح والعمارة وعلي الغربي، وتشديد القناطر على القنوات والأنهر[1].

كما أسّست دائرة الأشغال في المنتفق؛ إذ قدّم لها شيوخ سوق الشيوخ 4000 عامل من أبناء العشائر، للعمل في كري بحيرة الحمار وبناء السدود لدرء خطر الفيضانات[2]، كما كان يحصل المحتلّون على العمّال من الناصرية[3].

ومن الجدير ذكره أن سلطات الاحتلال استخدمت طرق عديدة من أجل جلب أبناء العشائر للعمل في مشاريعهم المختلفة، منها الاستعانة بشيوخ العشائر المتعاونين مع الاحتلال البريطاني، أو من خلال المقاولين، أو استخدام القوة لإجبارهم على ترك مزارعهم تحت تهديد السلاح[4]، أو دفع الأجور التي كانت تتراوح بين 11 - 13 آنة يوميًا للرجال، وحوالي 8 آنات للنساء والأطفال[5]، كما لجأت سلطات الاحتلال إلى استغلال الأعراف والتقاليد القبلية وبشكل مخطط له ولمصلحتها لنخوة أبناء العشائر للحصول على العمل المجاني، إضافة إلى أن بعض الشيوخ سخّروا الفلّاحين للقيام بأعمال الحفر وبناء السدود مجانًا، لقاء

(204)

حصول الشيخ على تخفيض في حصة السلطات الحكومية على الواردات[1].

وقد بلغ عدد الذين استُخدموا في أعمال السخرة حوالي 90،000 فلاح، فقد كانوا يستخدمون في أعمال أغلبها أعمال شاقّة مثل شق الطرق وكري الأنهار. وقد كانت أوضاعهم مزرية؛ إذ يعيشون ظروفًا صحية صعبة، وغالبًا ما تنتشر بينهم الأمراض التي تقتل العديد منهم، وكثيرًا ما يُفصلون عن ذويهم ويبتعدون عن بيوتهم ومزارعهم لفترات طويلة، فضلًا عن سوء التغذية الذي أدى كثيرًا إلى عجز الفلاحين عن العمل[2].

ويمكن أن نقول إن الشعب العراقي، لاسيما طاقاته الشابة، تعرّضت إلى أقصى حدّ من الاستغلال البشع، من قبل قوات الاحتلال ومن الشيوخ المتعاونين معهم الذين فضلوا الإثراء على تجويع وقتل أبناء عشائرهم في الأعمال الشاقة، إذ فَقَد الكثير من أبناء العشائر مصدر عيشه (الزراعة) بعد أن هجرها غصبًا، ومنهم رحل للعمل لفترات طويلة من دون أنْ يترك خلفه من يعيل عائلته، مما أدى إلى آثار سلبية على بعض العوائل الفلّاحية التي دفعت أبناءها إلى ممارسة أعمال السخرة.

(205)

ثالثًا: الصحة

كانت الأوضاع الصحية في العراق عمومًا، وفي جنوب العراق خصوصًا، متردية جدًا، وتعاني من الإهمال التام خلال عهد الاحتلال العثماني، فعلى الرغم من محاولات سلطات الاحتلال العثماني للاهتمام بالجانب الصحي[1]، إلّا أنها كانت شبه مفقودة، وكان أغلب السكان تعتمد الطرق البدائية في علاج الأمراض؛ لذلك انتشرت الأمراض والأوبئة الخطيرة، مثل الطاعون[2] والملاريا[3] التي حصدت آلاف الأرواح من العراقيين، لاسيما وأن تلك الأمراض والأوبئة قد وجدت البيئة المساعدة للنمو، والمتمثّلة بالجو الحار القاسي المتبدّل في الصيف والشتاء وفي الليل والنهار، ووجود الأهوار والمستنقعات الآسنة، وشيوع الغبار والأوحال، وكثرة الديدان والحشرات والبعوض، يضاف إلى ذلك الممارسات الخاطئة التي يستخدمها الناس لعلاج تلك الأمراض والأوبئة التي زادت من خطورتها وانتشارها أحيانًا[4].

(206)

وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى لم تكن في العراق سوى ثلاث مستشفيات؛ واحدة في بغداد، والثانية في الموصل، والثالثة في البصرة سعة كل واحد منها عشرون سريرًا، أمّا لواء المنتفق والعمارة، فيوجد فيهما مستوصفات، سعة كل منها(15) سريرًا، تكاد تنعدم خدماتها، كما إن عدد الأطباء العراقيين كان قليلًا جدًا[1]؛ لهذا لم يترك العثمانيون عند انسحابهم من العراق ما يمكن أن يعتمد عليه من المؤسسات الصحية، غير أبنية متداعية لمستشفيات عسكرية[2].

وبعد أن احتلّ جيش الاحتلال البريطاني مدينة البصرة في 22 تشرين الثاني 1914 اتّخذها قاعدة عسكرية للانطلاق باتجاه جميع أراضي العراق، وقد تعرّضت هذه القوات إلى خسائر بشرية ليست بقليلة، كانت أغلبها ناتجة عن الإصابة بالأمراض المتوطّنة أو الوافدة، سيما وأن جيش الاحتلال ساعد على ظهور هذه الأمراض؛ بسبب ما خلّفته من ازدحام في مدينة البصرة؛ الأمر الذي أدى إلى تراكم النفايات، ومياه المجاري في قنوات المياه، الأمر الذي أدى إلى اندثار بعضها، وتعرقل عملية المد والجزر في النهيرات التي تسقي البساتين، فضلًا عن أن دخول القوات البريطانية ترافق مع حلول الشتاء الذي يتصف بهطول الأمطار وانتشار الأوحال، الأمـر الذي أدى إلى انتشار الأمراض[3] بين

(207)

الناس عامة وبين أفراد قوات الاحتلال البريطاني خاصة[1].

وبما أن حياة الجنود البريطانيين كانت مهددة بالأمراض التي يرتبط بعضها بنظافة المدينة، فقد اهتمت الإدارة المدنية بشؤون التنظيف والخدمات الصحية، كضرورة لإبقاء القوات البريطانية بمنأى عن الأمراض لتواصل إتمام مهمتها العسكرية، فضلًا عن المردود الاقتصادي المتوقّع حصوله من وراء تقديم هذه الخدمات[2].

وإن الحاجة الملحة لقوات الاحتلال البريطاني لمبانٍ صحية في البصرة، ولعدم صلاحيتها إنْ وُجدت، دفعها إلى السيطرة على بعض مباني السكن، وترميم بعض المباني الحكومية، واتخاذها كمستشفيات عسكرية لمعالجة أفراد قواتها، منها قصر الشيخ خزعل في محلّة الرباط لاستقبال مرضى القاعدة البريطانية العسكرية، وقصر الحاج محمود النعمة المطل على شط العرب في منطقة يوسفان لمعالجة الضباط، كما استولت على أحد الدور السكنية في القرنة، وحوّلته إلى مستشفى بريطاني، بعد أن زوّدته بملاك طبي؛ إذ تمت الاستعانة بأحد الأطباء العراقيين ومساعد طبي هندي، وكان لمستشفى البعثة التبشيرية البروتستانتية الأمريكية (مستشفى لانستك التذكاري) دور في تقديم الخدمات الصحية لقوات الاحتلال، كما اتّخذت من بعض السفن الراسية في شط العرب كمستشفيات مهيأة لمعالجة أفراد قوّاتها أو نقل المرضى والجرحى منهم إلى الكويت، ومن ثم إلى الهند لمعالجتهم هناك[3].

(208)

وللارتباط الوثيق بين النظافة والأمراض، فقد اهتمّت الإدارة المدنية كثيرًا لنظافة المدينة، وبما أنّ العمل في الخدمات التنظيفية ليس مرغوبًا به من السكّان المحلّيين؛ ولأنّه يتطلّب جانبًا اقتصاديًا كبيرًا، فقد فضّلت سلطات الاحتلال جلب عمّال من الهند ليقوموا بهذه الأعمال، وليكونوا بمثابة عيون لسلطات الاحتلال البريطاني في المدينة تراقب المواطنين، ولتكون جيشًا مدنيًا يمكن الاعتماد عليه عند الحاجة[1].

ويعتقد الباحث أن عزوف الأهالي عن العمل في المشاريع الخدمية ناتج عن تفضيلهم العمل الحرّ أو كمزارعين، فضلًا عن احتقارهم لأعمال التنظيف، إذ يعتقد العراقيون خطأ بأن العمل في التنظيف، سواء في البيت أو الشارع يعدّ من الأعمال المعيبة على الرجل.

إن أهمية الجانب الصحي دفع الإدارة المدنية إلى تشكيل دائرة الصحة المدنية في البصرة في 30 كانون الأول 1914 برئاسة الرائد نورمن سكوت[2]، الذي تولّى الأشراف على الخدمات الصحية بقسميها ( البصرة والعشار)، وجعلت لكل قسم ضابطًا صحّيًّا؛ إذ أصبح الطبيب المدني يشرف على أعمال التنظيف والصحة العمومية في منطقة البصرة إلى جانب إدارته لمستشفى الحميات، أما الطبيب العسكري، فيشرف على الخدمات الصحية والنظافة في قصبة العشار[3].

ونظرًا إلى إيمان قوات الاحتلال بالتأثير الكبير للمؤسسات الصحية على

(209)

السكان؛ بما يخدم مساعيهم لكسب رضى الأهالي، فقد باشرت دائرة الصحة المدنية فور تشكيلها بوضع خطة لفتح عدد من المستشفيات والمستوصفات بواقع مستشفى في كل منطقة (سنجق) ومستوصف في كل قضاء وناحية، وقد تولّى إدارة هذه المستشفيات أطباء عسكريون بريطانيون، فيما عهد بإدارة المستوصفات إلى مساعدي أطباء هنود، وقد اعتمدت هذه المستشفيات في تجهيزاتها الطبية على مخازن الجيش البريطاني المحتل[1].

بدأت دائرة الصحة المدنية بفتح أول مستوصف في البصرة، بعدما حوّلت أحد الأبنية التي كانت تابعة لحكومة الاحتلال العثماني التي كانت تستفيد منه كمحل لبيع المواد الكيميائية، وقد تم تحويله إلى مستوصف في كانون الثاني 1915 بكادر طبي محدود، ثم حوّلته إلى مستشفى بعد أن وسّعته عقب تحويل دائرة الكهرباء العثمانية الملاصقة له إلى جناح إضافي ألحق به، وتبرّع أحد أثرياء البصرة بعشرة آلاف روبية، وبذلك تمكّنت سلطات الاحتلال من استحداث صالة عمليات جراحية وشراء أجهزة ومعدات طبية من الهند، إذ أصبح أواخر عام 1917 يتسع لـ 150 سريرًا، وبلغ عدد مراجعيه حتى مطلع العام التالي 2،480 مراجعًا[2].

كما فتحت سلطات الاحتلال بين عامي 1915 - 1916 ثلاث مستوصفات في البصرة والعشار والزبير، إذ افتتح الأول في محلة الرشدية إلى الشمال من بلدة الزبير، حيث اشتمل على ثلاث غرف تمّ تخصيصها للمرضى، وغرفة للعمليات الجراحية، وصيدلية، فضلًا عن مرافق خدمية أخرى، وعلى الرغم من صغر

(210)

بنايته، إلا أن خدماته كانت جيدة نسبيًّا إذ أُجريت فيه بعض العمليات الجراحية الصغرى[1]، أمّا مستوصف العشار، فقد افتُتح في 1915، وذلك تحت إشراف مساعد الطبيب فرانسيس Dr.Francis، وكان يزوره الطبيب المدني في البصرة ثلاثة أيام في الأسبوع لملاحظة المرضى، كما ألحق به في العام التالي من تأسيس المستوصف غرفة لتشريح الجثث التي كان يتم العثور عليها في النهر، بدلًا من إرسالها إلى مستشفى البصرة، أما الأخير فقد فتح في تموز 1915 في منطقة الزبير، إلا أنّ قلّة المراجعين، والحاجة في مستشفى البصرة إلى خدمات المشرف الطبي المشرف عليه، فقد اقترح الجرّاح المشرف على شؤون الصحة المدنية في البصرة غلق المستوصف، وبالفعل أغلق على فترات متقطعة، إلّا أنه سرعان ما عاد إلى العمل من جديد[2]، وقد وصل عدد المراجعين لتلك المستوصفات خلال المدة 1 نيسان 1915 إلى 31 كانون الأول 1917 ما يقارب 79،557 مراجعًا[3].

ومن أجل الحد من ظاهرة الأمراض المعدية التي كانت تنتشر في البصرة، فقد حوّلت سلطات الاحتلال مستشفى الحميات (العزل) في منطقة دويد جنوب غرب مدينة البصرة، والذي كانت تعزل فيه المومسات المصابات بالأمراض الزهرية في العهد العثماني إلى معزل للمصابين بالأمراض المعدية أمثال الطاعون والكوليرا ...، كما اتخذت من مستشفى البحرية الواقع في التنومة، محجرًا صحيًّا لمعالجة أفراد قوّاتها المصابين بالأمراض المعدية، بعد أن تمّت إعادة تأهيله، حيث

(211)

أصبح يستوعب ألف شخص تقريبًا، كما فرضت إجراءات الحجر الصحي على السفن الوافدة[1].

أمّا في لواء العمارة، فقد افتتحت سلطات الاحتلال مؤسسات صحية في قلعة صالح والعمارة، وفي علي الغربي[2]، وقد كانت هذه المستوصفات عسكرية خاصة بمعالجة أفراد جيش الاحتلال، مما دفع الشيخ فالح الصيهود، أحد شيوخ عشيرة البو محمد في قلعة صالح بتقديم (450) روبية، كمساهمة لإنشاء المستوصف في قلعة صالح الذي أنشئ في عام 1916، فضلًا عن تعهّده بدفع مبلغ الأدوية التي تُصرف للمستوصف؛ وكان الهدف من هذا الإجراء هو السماح لأفراد عشيرته بالمعالجة في المستوصف المذكور[3].

أمّا مستوصف العمارة، فقد أنشئ عام 1917، وكان يحتوي على عشرة أسرة، وبلغ مجموع من رقد فيه خلال فترة الاحتلال 65 مريضًا تقريبًا، كما افتتحت سلطات الاحتلال البريطاني في مستوصف العمارة عيادة خارجية، كانت من أكثر الأقسام تعاملًا يوميًا مع السكان[4].

والجدير ذكره أن مستوصف قلعة صالح أنشئ قبل مستوصف العمارة، والسبب يعود إلى أغراض عسكرية بسبب تمركز القوات البريطانية في قلعة صالح، وبسبب بعد المسافة بين قلعة صالح والقرنة البالغة حوالي 60 كم[5].

أمّا لواء المنتفق، ففإنه بعد احتلال المنتفق من قبل الجيش البريطاني، تشكّلت

(212)

مؤسسات صحية هناك؛ إذ نشأت مستشفى مدني في مدينة الناصرية بعد احتلالها في 25 تموز 1915، وكان يديرها جرّاح مدني، إلا أنّ هذا المستشفى بقى عاجزًا عن استيعاب حالات المرض الشائعة التي تسببها الظروف البيئية المتردّية، وأعداد المراجعين الكبيرة التي وصل عددهم خلال عام 1918 إلى 46،200 مراجع، وعدد الراقدين 278 مريضًا[1]، وكان لقلّة الأطباء السبب الرئيسي في التأخر في فتح مستوصف في سوق الشيوخ حتى عام 1917[2]، وكان هذا المستوصف يستقبل ما يقرب من (14،731) مراجعًا في السنة، كما أقيمت فيه بالعام نفسه ثلاث عمليات جراحية كبرى، و367 عملية جراحية صغرى، وقد فتح مستوصف مؤقت خارج أسوار مدينة سوق الشيوخ في عام 1918 بعد أن أصابها وباء الطاعون[3]؛ أمّا مدينة الشطرة وقلعة سكر، فلم تتمكّن سلطات الاحتلال بعد احتلالها من فتح مؤسسة صحية لعدم وجود الأطباء ومساعديهم أو الموظفين الصحيين، ولحاجة الأهالي الملحة أرسل معاون الحاكم العسكري في الشطرة شخصين من الشطرة وقلعة سكر إلى الناصرية لغرض تدريبهما على عملية اللقاح، كما طلب أيضًا من الحاكم العسكري في الناصرية إرسال معاون جراح للشطرة[4].

وعلى الرغم من أنّه لا وجود لبديل غير المؤسسات الصحية التي أنشأها المحتلّون في مدن البصرة والعمارة والناصرية وقصباتها، وإقبال المواطنين عليها، إلّا إنهم بدأوا يعزفون عنها، وبدأت أعدادهم تتناقص منذ عام 1917؛ وذلك

(213)

إثر فرض السلطات المحتلة ضريبة نقدية على الدواء والعلاج فيها، مما قلل من قيمة الخدمات التي تقدّمها، فضلًا عن أن أغلب المستوصفات كانت تشكو بصورة خاصة من قلة عدد العاملين فيه، وضعف في كفاءتهم، فضلًا عن قلّة في الوسائل الطبية اللازمة للعلاج، مضافًا إلى عدم ملاءمة أغلب بناية المستوصفات كبنايات صحية[1].

ومما تجدر الإشارة إليه أن سياسة المسؤولين في الدائرة الصحية، اتّسمت بالتشدد في تنفيذ التعليمات الصحية والمبالغ في تطبيقها، لمنع انتشار الأمراض بين صفوف قواتها، وصل بعضها إلى أثارت مشاعر العراقيين[2]، كما أنها مارست نوعا من التمييز فيما يتعلق بمعالجة المرضى في المستوصفات والمستشفيات البريطانية، وتمثل ذلك بتقديم الأجانب على العراقيين في المعالجة الطبية كما كانت تفضل البريطانيين على غيرهم من الأوربيين والهنود[3].

وعلى الرغم من هذه الاحتياطات والتشدد في الإجراءات الصحية، التي سارت مع التدابير الوقائية لتحسين الصحة وإشاعة النظافة، إذ استخدمت المراحيض والمحارق وتفتيش المجازر والأسواق وشن حملة على الذباب والفئران، وترتيب جمع القمامة من الشوارع، إلّا أنها لم تنجح بإيقاف انتشار الكثير من الأمراض والأوبئة التي وفدت مع القوات البريطانية، إذ سجّل في البصرة وحدها 514 إصابة بوباء الطاعون خلال سنوات الاحتلال، وتوفي ما لا يقلّ عن نصفهم[4].

وعلى ما يبدو أن سبب ضعف الخدمات الصحية كان ناتجًا عن قلّة المؤسسات

(214)

الصحية بالنسبة لأعداد السكان، وقلّة العاملين فيها، إضافة إلى قلّة كفاءتهم، فضلًا عن قلة التخصيصات المالية، إذ بلغت نفقات الخدمات الصحية لعام 1916-1917 (87،180) روبية من مجموع النفقات العامة البالغة (3،163،200) روبية، فيما بلغت تخصيصات عام 1917 - 1918 (139،887) روبية من مجموع (10،028،286) روبية[1].

ويتّضح مما تقدّم أنّ قوات الاحتلال البريطاني لم تكن جاده بوقاية الشعب العراقي وعلاجه، إلّا بقدر المحافظة على سلامة أفراد قواتها، وتجنّبهم انتقال العدوى للأمراض الفتاكة، فضلًا عنأانها رأت بالجانب الصحي أفضل وسائل الإعلام وأسرعها بالوصول إلى المواطنين، وكسب ود الأهالي رغم تواضع ما تقدِّمه من خدمات صحية؛ لأنهم كانوا محرومين منها في العهد العثماني، وما يحدث يعطيهم انطباعًا جيدًا على وجود الاحتلال البريطاني.

رابعًا: التعليم

على الرغم من الخطط العثمانية في العراق للنهوض بالواقع التعليمي[2]، إلّا أنّه لم يرتقِ إلى المستوى المطلوب، فقد كان التعليم نظريًا لا تطبيقيًا؛ الأمر الذي عكس حالة من الفوضى، فضلا ًعن قلة المدارس والكوادر التعليمية، كذلك إرهاق الطلاب بكثرة الدروس وباللغة التركية، كما اقتصرت هذه المدارس على مراكز المدن فقط[3]، كما كان هناك ثلاثة اتجاهات للتعليم، الاتجاه الأول: الاتجاه

(215)

الرسمي الذي تبنّته الدولة، وهو اتجاه عكس سياسة سلطات الاحتلال العثماني الطائفية تجاه أبناء الشعب العراقي من المذهب الشيعي، إذ اقتصر التعليم في المدارس الحكومية على أبناء المذاهب (السنّية)، مما دفع أبناء المذهب الشيعي إلى اللجوء لرجال الدين لتعليم أبنائهم؛ إذ يقتصر هذا التعليم على القراءة والكتابة وتعليم القرآن، وهو يمثّل الاتجاه الثاني[1]، أمّا الاتجاه الثالث، فتمثّل بالمدارس الأجنبية أو مدارس الطوائف من غير المسلمين، وينحصر تعليمها بالتعليم الابتدائي فقط[2].

إنّ سياسة سلطات الاحتلال العثماني الطائفية، وعدم كفاءة المعلِّمين الأتراك، إضافة إلى قلّة المدارس الرسمية واقتصارها على أبناء المدن من الأثرياء، جعل التعليم متخلّفًا كثير في العراق.

وعندما فرضت القوات البريطانية سيطرتها على البصرة في 22 تشرين الثاني 1914 لم يكن في البصرة سوى دار للمعلمين، ومدرسة ثانوية في البصرة، وثلاث مدارس ابتدائية واحدة في البصرة، وواحدة في العشار، وأخرى في أبي الخصيب، كما كان هناك مدرسة ابتدائية في الدعيجي تتولّى الإنفاق عليها سابقًا دائرة الأملاك السنية، فضلًا عن عدد من الكتاتيب[3]، وإلى جانب هذه

(216)

المدارس كانت هناك المدارس الأجنبية، وهي المدرسة الأمريكية، والتي تولّى إدارتها جون فان أيس، ومدرسة البرت التي يديرها الإباء الكرملين، ومدرسة الكلدان، ومدرسة الاليانس اليهودية، والمدارس المتحدة الكاثوليكية، وهي مدارس اللاتين والأرمن والكلدان[1].

إذ كانت المدارس الحكومية بصورة عامة مغلقة ومعطل التدريس فيها، حيث غادر معلموها المدينة هربًا من الحرب، وانسحب بعضهم الآخر مع القوات العثمانية المنسحبة من البصرة، كما تعرّضت أغلب أبنيتها إلى الهدم والتخريب، ونهبت أثاثها[2].

لم يهتم المحتلّون بالجانب التعليمي، سيما وأنّها وجدت حالة المدارس يرثى لها؛ إذ كانت تعاني نقصًا شديدًا في اللوازم والكتب والأثاث، ويتطلّب إصلاحها مبالغ كبيرة، في الوقت الذي لم تكن فيه سلطات الاحتلال مستعدّة للإنفاق على هذه المدارس[3]؛ لذلك لم يكن للتعليم نصيب في الإدارة المدنية التي أسستها سلطات الاحتلال عقب سيطرتهم على البصرة، بل عُدّ من الأمور الثانوية، ويشير إلى ذلك السر أرنولد ولسن بقوله: «إن التعليم يجب أن يؤجّل لحين بلوغ أهدافنا العسكرية»[4].

ومن أجل تجميل صورتها أمام المجتمع الدولي، ولكي لا يُقال عنها بأنها

(217)

تهمل التعليم وتتخلّى عنه، كلّفت سلطات الاحتلال هنري دوبس بدراسة قضايا التعليم، باعتباره جزءًا من دائرة الواردات التي يشرف عليها[1]، وقد أوعزت إليه بضرورة الإفادة من الخبرة التعليمية لجون فان أيس مدير المدرسة الأمريكية في وضع الخطوط الرئيسة لسياسة بريطانيا التعليمية في المناطق المحتلة[2].

وبعد دراسته لواقع المدارس العثمانية في ولاية البصرة، قدم ملاحظاته حول التعليم في مذكرة رفعها إلى الحاكم العسكري العام في 15 شباط 1915 انتقد فيها السياسة التعليمية العثمانية، مشيرًا إلى أن معظم المعلّمين كانوا من الأتراك، وهم أناس ذوو أخلاق سيّئة تُدفع لهم أجور عالية لا تتناسب مع مؤهّلاتهم، ومدّة دوامهم لا تتجاوز الساعتين يوميًا، أمّا بالنسبة لبنايات تلك المدارس، فوصفها بأنّها غير صحّية وقذرة، فكان ذلك أحد الأسباب الرئيسة في تردّد الأهالي في إرسال أبنائهم إلى تلك المدارس[3].

وقد اقترح هنري دوبس بضرورة الحذر الشديد من تأسيس نظام جديد للمعارف خوفًا من الأخطاء التي ارتُكبت في الهند، إذ لا يمكن إنشاء تعليم عالٍ من دون أساس متين من التعليم الابتدائي والثانوي، كما يجب حل مشكلة قلّة المؤهَّلين للتعليم الحديث، من خلال الاهتمام بأعداد المعلّمين، عن طريق التعاون مع البعثة التبشيرية الأمريكية، وتقديم منحه مالية لها، كي تهيئ صفوفًا لأعداد المعلمين، كما تعطي منحه مالية أيضًا إلى المعلمين المتدرّبين لجذب المواطنين لها، ولسد حاجة الدوائر الحكومية من الموظفين المحلّيين تفتح مدرسة أو مدرستان

(218)

ابتدائيتان[1]، على أن يكون التدريس باللغة العربية وإلى جانبها اللغة الإنكليزية، وفرض ضريبة على كل طالب بمقدار روبية واحدة مع إعفاء أبناء الفقراء الذين لا يستطيعون دفعها[2].

وبناءً على تلك التوصيات، فقد سارت سلطات الاحتلال في مجال نشر التعليم ببطء شديد، واقتصر اهتمامها على المدن وأُهمل الريف إهمالًا تامًّا؛ إذ فتحت في تشرين الأول 1915 مدرستان ابتدائيتان حكوميتان، الأولى في البصرة والثانية في أبي الخصيب، أمّا المناهج التي تدرّس فيها فقد سارت أول الأمر على تقديرات المدارس والمعلمين الذين يضعون مناهج دراسية اعتقدوا أنها تلائم الأحوال والمستوى العلمي للطلبة، مما أدى إلى كثرة المفردات وازدحامها، فضلًا عن أنه كانت ا فوق مستوى الطلبة[3].

كما تم في الأول من حزيران 1916 فتح مدرسة ثالثة في الزبير، وبذلك ضمت المدارس الثلاث في عام 1916-1917 (179) تلميذ و(11) معلِّمًا، وبعد أن طلب أهالي قلعة صالح من معاون الحاكم السياسي (هيجكوك Hedgcick)، افتتحت لهم مدرسة ابتدائية في 16 حزيران 1916 إذ سُجّل فيها (90) تلميذًا[4].

وفي عام 1917 تشكّلت (دائرة معارف البصرة) من مجلس يدعى (مجلس المعارف)، وضم في عضويته ممثلًا عن أهالي البصرة، وآخر من دائرة الواردات،

(219)

وثالث عن المدرسة الأمريكية في البصرة، واختير جون فان أيس لرئاسة المجلس، لمعرفته بأحوال سكان البصرة وخبرته في مجال التعليم، فضلًا عن تعاونه مع سلطات الاحتلال، وتولّى المجلس الإشراف على شؤون المعارف في ولاية البصرة[1].

وفي آذار من العام نفسه تم فتح مدرسة ابتدائية في الناصرية، وقد كان عدد طلابها (50) تلميذًا وفي العام نفسه افتُتحت مدرسة ابتدائية في سوق الشيوخ أيضًا، وكان عدد التلاميذ المسجّلين فيها (56) تلميذًا[2]، وفي منتصف عام 1917 تم افتتاح مدرسة ابتدائية في القرنة بلغ مجموع تلاميذها (20) تلميذًا[3]، في حين شهد العام التالي افتتاح عدد من المدارس الرسمية في كلٍّ من المدينة، وسوق الشيوخ، وعلي الغربي[4].

أمّا التعليم الثانوي والنسوي، فلم يحصل على اهتمام سلطات الاحتلال؛ إذ بقي التعليم الثانوي محصورًا بمدارس البعثة التبشيرية الأمريكية، كما تم عام 1917 فتح صف ثانوي في مدرسة أبي الخصيب الابتدائية، أمّا التعليم النسوي، فقد اقتصر على بعض المدارس الأهلية والأجنبية، منها:

المدرسة الأمريكية (مدرسة الرجاء العالي)، حيث تولّت دوروثي(Dorothy) زوجة فان أيس إدارتها، حيث قدّمت لها سلطات الاحتلال منحة مالية قدرها (1،200) روبية سنويًا، فيما أُسست مدرسة أخرى للبنات بأشراف الراهبات

(220)

الكرمليّات[1]، وسُمح للصبيان الصغار بالدوام فيها، في حين نظمت الدراسة في المدرسة الابتدائية في القرنة بشكل يسمح بمشاركة البنات في المدرسة، إذ فتح صف لدوام البنات والصغار، أما الأولاد الكبار، فيسمح لهم بالدوام بعد الظهر، كما أنشأت الطائفة اليهودية مدرسة ابتدائية للبنات في البصرة[2].

أما التعليم الديني، ورغم الظروف الصعبة، فإنّه لم يتلاش، بل تولّت دائرة الأوقاف الأشراف على المدارس الدينية والبالغ عددها (4) مدارس، موزعة في البصرة، والعشار، وناحية (السيبة) التابعة لقضاء ابي الخصيب، أعقبها افتتاح مدرسة مماثلة في محلة المشراق سنة 1918[3].

وعلى المستوى العام للتعليم في ولاية البصرة، فقد كان يعاني من الإهمال وعدم الاهتمام الجدي في النهوض بالواقع التعليمي في الأراضي المحتلة.

ومن الجدير ذكره أن سلطات الاحتلال اتبعت في سياستها التربوية سياستها المقيتة المتمثلة في فصل مجتمع الريف عن المدينة، إلى حد التخطيط لإيجاد مدرسة داخلية خاصة لأبناء مشايخ العشائر على طراز مدرسة «غوردن

(221)

كوليدج»[1] في الخرطوم، أو كليات الرؤساء (العشائرين) في الهند[2].

وكما يبدو فإنّ عدم الاهتمام بقطاع التعليم انعكس سلبًا على التخصيصات المالية لهذا القطاع، فقد كانت التخصيصات المحدّدة لا تكفي إلّا لتأسيس عدد قليل جدًا من المدارس، ففي سنة 1915-1916 لم ينفَق على المعارف سوى 6500 روبية، أي ما يعادل 0.4% من مجموع مصروفات الدوائر المدنية الأخرى البالغة 1،622،344 روبية، في حين بلغت نفقات المعارف في السنوات 1916-1917 مبلغ 23،530 روبية وفي 1917-1917 مبلغ 35،500 روبية[3].

ومما تقدم يتّضع لنا بأن سلطات الاحتلال لم تهتم بقطاع التعليم، ولم تكن جادة في مسعاها من أجل النهوض بالواقع العلمي لأبناء المناطق المحتلة، إلا بقدر ما كانت تحتاجه من أعداد موظفين محليين، يساعدونها في إدارة حكم العراق، كما أنّها عملت على تغييب التعليم في الريف العراقي بغية إبقائه بعيدًا عن التنوير والاندماج في الحياة الحديثة، من أجل تعزيز سلطة الشيوخ والنظام الإقطاعي الذي أكدت عليه قوانين الاحتلال، خاصة أن هذا النظام لا يتم إلا في مجتمع متخلّف علميًّا وبعيد عن الحضارة.

وعلى ما يبدو أن سلطات الاحتلال البريطاني، لم تكن قد خططت مسبقًا

(222)

للإدارة المدنية في العراق؛ لذلك لجأوا إلى استخدام نظام آني مزيج من النظام العثماني والهندي، يدار مباشرة من قبل الموظفين البريطانيين عسكريين كانوا أم مدنيين، وذلك من أجل السيطرة المباشرة على العراق، وتحويله إلى مستعمرة خاضعة إلى حكومة الهند البريطانية، مرتبطة اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعية بها.

كما كانت سلطات الاحتلال تبتغي من هذا النظام المساعدة في استتباب الأمن والسيطرة على أبناء المناطق المحتلة من خلال القوانين والأنظمة التي شرّعتها، فضلًا عن توفير ما تحتاجه قواتها من تموين وأيدٍ عاملة بأجور زهيدة، إن لم تكن مجانية، كما مكّنها من الوصول إلى قلب العشائر التي كانت عقبة بوجه النفوذ العثماني، حيث استطاعت بسياسة الترغيب والترهيب من كسب أغلب رؤساء تلك العشائر والتعاون معها.

(223)
(224)

الخـــــاتمـــــــة

تبوّأت عشائر جنوب العراق مكانًا متميّزًا في تاريخ العراق الحديث والمعاصر من خلال قوة نفوذها التي حصلت عليه بقوة السيف ومقارعة الاحتلال العثماني، يساعدها في ذلك طبيعة موقعها الجغرافي المميز الذي كان عقبة بوجه قوات الاحتلال العثماني من جهة وسيطرتها على نهري دجلة والفرات من جهة أخرى.

إن الموقع المميز للعراق، مضافًا إلى الكيان العشائري المتماسك شكّلا عاملين مهمّين في إضعاف سلطات الاحتلال العثماني في جنوب العراق، مما جالدون استغلال خيراته؛ لذلك حاولت إضعاف الكيانات العشائرية من خلال تنظيم هجمات عسكرية لبسط السيطرة عليها، وعندما لم تنجح هذه الهجمات في الغالب، فقد التجأ المحتلّون إلى اعتماد السياسة البغيضة المتمثّلة بشعار فرّق تسد، وذلك لضرب العشائر بعضها ببعض، يساعدها في تنفيذ هذه السياسة نظام الالتزام الذي استُخدم كثيرًا للتصفية السياسية وخلق المشاكل بين العشائر، فضلًا عن سياسة نظام الطابو الذي بدأ بتنفيذه الوالي العثماني مدحت باشا، والذي نجح شيئًا ما في خلق المشاكل بين الزعماء العشائريين، أمثال آل سعدون، وبين أبناء العشائر.

ورغم سياسة القتل والتنكيل التي مُورست بحق أبناء العشائر، إلَّا أنّهم لم يركنوا إلى الاستسلام لقوات الاحتلال العثماني ولم يسمحوا لها بنهب خيراتها من

(225)

خلال الضرائب الباهظة، بل قادت عشرات الانتفاضات بوجه الجيش العثماني راح ضحيتها العشرات، بل المئات من القتلى، وقد تعرضت قبائل بأكملها إلى التهجير أو لمصادرة أملاكها، وتمّ حرمانها من مصدر عيشها الوحيد (الزراعة)، واستطاعت هذه العشائر في بعض الأوقات إنهاء السيطرة العثمانية على بعض أجزاء الجنوب كما حصل في الشطرة.

وأوضحت الدراسة أيضًا أن النفوذ البريطاني أخذ من البداية طابعًا تجاريًا، لاسيما بعد الحصول على الامتيازات الاقتصادية، كما أن الاستراتيجية البريطانية تجاوزت النشاط المرسوم لموظفيها في العراق، إذ تجاوزوا حدود مناصبهم وأخذوا يتدخّلون بشؤونه الداخلية للمحافظة على المصالح البريطانية، مستغلّين في الوقت نفسه ضعف سلطات الاحتلال العثماني، وموقف أبناء عشائر العراق المعادي لها لاسيما في جنوب العراق.

لذلك وجه السياسيون البريطانيون دعوات إلى حكومتهم في أكثر من مناسبة يحثونها على احتلال جنوب العراق وجعله محمية بريطانية، فضلًا عن أن بريطانيا نجحت بتثبيت نفوذها في جنوب العراق رغم المنافسة الأوروبية التي فشلت بمجاراة بريطانيا.

وكان للأساليب التي استخدمتها بريطانيا، مثل شركات النقل النهري والتجارة والمبشّرين، فضلًا عن ما بذله القناصل والسياسيون في العراق من بناء علاقات ودية مع شيوخ العشائر المؤثّرين من خلال الهداية أو التوسّط لهم لدى السلطات العثمانية لتنفيذ بعض مصالحهم الشخصية دور كبير في تثبيت نفوذهم في العراق، إلَّا أنَّ هذا لم يكن كافيًا لتجنّب مقاومة العشائر العراقية، إذ قاومت في أكثر من مرّة النفوذ البريطاني، حيث أظهرت المعلومات السابقة أن عشائر جنوب العراق كانت مقلقه للاحتلال العثماني والاحتلال البريطاني.

(226)

لذلك أدركت القيادة البريطانية أهمية عشائر العراق سيما عشائر الجنوب، إذ كان لها دور مهم في الحرب، فقد كانت قوة ثالثة تقلق الجانبين ( العثماني - البريطاني)؛ لذلك أصدرت قوات الاحتلال البريطاني البيانات المطمئنة للعشائر التي تحثّ على التعاون من أجل التخلّص من ظلم العثمانيين، وفي الوقت نفسه كانت تتوعّد بالردّ القاسي لمن يكون ضدها.

وعندما تقدّمت القوات البريطانية لاحتلال العراق كان لأبناء العشائر دور مهم في صدّ قوات الاحتلال البريطاني، سطّروا فيها أروع ملاحم التضحية والبطولة من أجل الدفاع عن أرضهم، حتى كانت معركة الشعيبة معركة عراقية بريطانية بحق أكثر مما هي عثمانية بريطانية، فقد خاض المجاهدون من أبناء العشائر المعركة، وكانوا هم الأغلبية في المعسكر العثماني، إلَّا أن سياسة العنصرية والتعالي التي لم تفارق العثمانيين وسوء إدارتهم وتخطيطهم أدت إلى خسارة المعركة وإضعاف دور المجاهدين، لكن دور المجاهدين لم ينتهِ عند حدود هذا الحدث، بل واصل أبناء العراق، وتحديدًا في الجنوب، مقاومتهم للاحتلال بكل الوسائل المتاحة لهم.

وبسبب موقف المقاومة الذي اتّخذه أبناء العشائر، فقد أقدمت القيادة البريطانية على عدد من الإجراءات لتنظيم إدارة المناطق المحتلّة وتسهيل السيطرة على أبنائها واستغلال خيراتها، وقد كان للدهاء السياسي والإغراء وسياسة التنكيل بأبناء العشائر دور مهمٌّ في تثبيت تلك الإجراءات وبسط سيطرة الاحتلال البريطاني على المناطق المحتلة من العراق.

ومن الملاحظ أن الدراسة حاولت بيان التماسك والروح الوطنية بين أبناء العراق في مواجهة المحتلّ، بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم أو عشيرتهم،

(227)

وبذلك تجاوز العراقيون منذ ذلك العهد عوامل التفرقة والفتنة التي وقع فيها العراق الآن. وبيّنت الدراسة التماسك العقائدي بين أبناء الجنوب في الدفاع عن أرضهم؛ إذ أثبتت الأحداث وجود قيادة وطنية فاعلة، سواء أكان علماء الدين أو شيوخ العشائر هم قادة هذه المقاومة.

وفي الختام، يمكن أن نبيّن أنّ الكيانات العشائرية سلاح ذو حدين، ففي الوقت الذي تحافظ فيه على تماسك المجتمع وحماية أفراده وضمان حقوقهم، إلّا أنها كانت عقبة بوجه تنمية المجتمع وبعض مشاريع الإصلاح التي تؤدي إلى إذابة العصبية والعادات العشائرية وعدها مشاريع تهديد لكيانه، خاصة إن كانت هذه العشائر مسلّحة تستطيع مقاومة القوات الحكومية. كما تؤدي التجمعات العشائرية دورًا كبيرًا في تنمية التعصّب للعشيرة على حساب الوطن، وفي الأغلب تؤدّي إلى التصادم مع العشائر المجاورة وخلق فوضى لا تنتهي إلّا بدمار الاقتصاد وتفكّك المجتمع الواحد، ويزداد الوضع سوءًا كلّما زاد ولاء الفرد لشيخ العشيرة وبعضهم قد يفضّل مصلحته أو مصلحة عشيرته على المصلحة العامة، ويزداد هذا الوضع عكسيًا مع قوة سلطة الدولة، التي يجب أنْ تعمل على إذابة تلك التكتّلات العشائرية عن طريق فرض هيبة الدولة وسلطتها ورقي المجتمع، وعدم فسح المجال أمام المتنفذين بالسلطة من استغلال موقعهم وتنمية تلك التكتلات من أجل استغلالها للحصول على النفوذ والسلطة.

(228)

الملحقات

ملحق رقم (1)

نص رسالة المرجع السيد محمد كاظم اليزدي إلى الشيخ خيون العبيد يأمره بتجهيز عشيرته وتسليحها لمقاومة الإنكليز، ويوضح له أن الأمر متعلّق بنصرة الإسلام أكثر من تعلّقه بنصرة الدولة العثمانية[1].

مراجعة الكتاب 

(229)

ملحق رقم (2)

تفاصيل رحلة المجاهدين من الناصرية إلى الشعيبة كما ذكرها حسين الشعرباف[1]:

« تجمّعت قبائل المنتفق عمومًا والفرات الأوسط والجيش النظامي، وبقينا في جوار الناصرية أكثر من عشرة أيام إلى أن تهيّأت السفن والبواخر للنقل... وفي الناصرية سمعنا من الثقات أن الحكومة قدّمت إلى السيد الحبوبي مبلغًا جسيمًا من المال لإعاشة أتباعه ومن معه، ولكنه رفض قبولها مكتفيًا بما جلب معه من ماله الخاص، وقد سافر إلى سوق الشيوخ بالبواخر، وبعض بالسفن الشراعية، أما الفرسان من العشائر والجيش فقد ساروا في طريق البر، فتجمّعت العشائر والأهالي المجاهدين حول سوق الشيوخ... وقد أولم السيد الحبوبي لجميع المجاهدين على كثرتهم، ودعا إليها كلّ الحشود حتى وضع الطعام لكثرته على البواري (الحصران) وفوقها الذبائح والسمن، وتغذّى بذلك الطعام الجميع وبعد مكوثنا في سوق الشيوخ مدة تنوف على الأسبوع حضرت السفن الشراعية وسافر إليها المجاهدون، وكانت كثيرة جدًا، ولما توسّطنا هور السناف... وعند وصولنا إلى شريعة اعلوى[2] بلغنا أن المجاهدين من عشيرة خفاجة الذين سافروا قبلنا إلى النخيلة بمعية أعجمي باشا قد حصل لهم نزاع حول المصاريف المعيّنة لهم من الحكومة كما يقال، ورجعوا من خطة الحرب إلى أوطانهم، إلّا أن السيد (الحبوبي) لمّا سمع بذلك أرسل أحد رؤساء خفاجة عجيل آل طربوش رئيس فرقة آل طربوش من خفاجة الذي كان معنا في السفن، وحَمّلَهُ رسالة إلى القوم

(230)

يدعوهم إلى العودة وأن يلحقوا به، وسار عجيل مجِدًّا في سيره، فأدرك قسمًا منهم قبل أن يعبروا الفرات فبلّغهم أمر السيد، فغادروا معه والتحقوا بالمجاهدين وقاتلوا واستشهد منهم جماعة وبقوا إلى آخر الأمر، وعندما وصلنا إلى النخيلة التي اتخذت معسكرًا إلى الجميع سمعنا من أهازيج بني مالك (هج وين ابن اجود ﻴﻟﮔونه) منددين بآل أجود، متّخذين رجوع خفاجة من خطة الحرب ذريعة للتنذير والهجاء لآل أجود الذين خفاجة منهم، فاغتاظ عموم آل أجود، وبذلك التفّوا حول زعيمهم يومئذ زامل آل مناع، وطلبوا منه نشر راية آل أجود، أن يجيبوا الهجاء بالمثل (حد أجود بارز ناطوره)، وكادت أن تقع الفتنة، إلّا أن السيد الحبوبي جمع رؤساء بني مالك وآل أجود ونصحهم، ومنع الهوسات والأهازيج المثيرة»[1].

(231)

ملحق رقم (3)

خريطة لمنطقة الشعيبة والمنطقة المحيطة بها توضيح هجوم القوات العسكرية العثمانية في ليلتي الثاني عشر والثالث عشر من نيسان ١٩١٥[1].

مراجعة الكتاب 

(232)

ملحق رقم (4)

صورة خارطة تبيّن الهجوم البريطاني على المعسكر العثماني في الشعيبة[1]

 

مراجعة الكتاب 

 

(233)

ملحق رقم (5)

نص رسالة المرجع الديني إلى المسلمين بتكليف ابنه السيد محمد رضا لحثّ العشائر على الجهاد[1].

مراجعة الكتاب 

(234)

ملحق رقم (6)

«توقّفت عند أبي سدرة وكنّا حينئذ على مسافة اثني عشر ميلًا من العمارة. وكنت في باديء الأمر أميل إلى الانتظار ريثما يصل لوائي المتقدم في سفنه؛ لأنّه كان من المحتمل أن يدافع التُركُ عن البلدة. والحق يقال إنّي كنت معتقدًا كل الاعتقاد أن الترك سيحاربوننا، وإنّه لمن الأمور المضحكة أن أتمكّن من الاستيلاء على العمارة بالسحابة المدرعة (الشيطان) وليس فيها سوى مدفع بعيار ثلاثة بوندات ومقدار عشرة نوتية وبالباخرة (كوميت)، وهي باخرة نهرية صغيرة ذات رفاس ومسلّحة بمدفع عيار 12 بوندًا ومجموع رجالها خمسة عشر ملّاًحا وجنديًا بريطانيًا يقومون بأعمال الملاحة... وكان الرئيس (نن) يلحّ عليَّ بالإقدام والمغامرة...»[1]

ملحق رقم (7)

أصدرت دائرة الحرب العثمانية في 12/13 شباط 1916 بلاغًا رسميًا جاء فيه:

«إنّ المجاهدين والعشائر المنسوبة إلى جيش الفرات قد تعرّضت لمفرزة العدو الكائن في (البطنجة)، فاقترن تعرّضنا بالنجاح، فطاردنا العدو إلى الناصرية، وقد دامت الحرب طول ذلك اليوم، وإن الأراضي صارت مملوءة بأجساد العدو وجثث حيواناته، وقد أخذنا منه كثيرًا من الأسرى، واغتنمنا مقدارًا كبيرًا من الذخائر والأسلحة والحيوانات، وإلى الآن قد استطعنا أن نعدّ 500 قتيلًا من الأعداء، أما ضايعاتنا (خسائرنا) فقليلة جدًا، وإن حركات عشائرنا ومجاهدينا الدينية والوطنية جديرة بالتعظيم والتقدير، وقد أظهرت بسالة فائقة كل من عشائر آل إزيرج وخفاجة وحجام وآل حِسَنْ»[2].

(235)
(236)

المصادر والمراجع

أولًا: الوثائق غير المنشورة

دار الوثائق والكتب في بغداد

1.د. ك. و. قضايا وتعويض العشائر 1915-1916، الاحتلال البريطاني - الإدارة الملكية المركزية، تسلسل الملف، 439/2.

2.د. ك. و. متفرقة العشائر الكوت - عمارة 1915-1924، الاحتلال البريطاني - الإدارة المركزية، تسلسل الملف 439/2.

3.د. ك. و. ملفات الاحتلال، مراسلات 1915- 1918، تسلسل الملف 194/2، و3.

د. ك. و، وزارة الداخلية، ملف رقم 107/32050، (تفتيش قضاء سوق الشيوخ ) تقرير المفتش الإداري 4.أمين الخالصي، 21 تشرين الثاني، 1948، و33.

5.د. ك. و.، تقارير متنوعة عن حالة البصرة للفترة في 8/4/ 1915، 31/1/1917، ملف الاحتلال البريطاني، تسلسل الملف 103/2020، تقرير رقم 11 للميجر براونلو عن الحالة الأمنية في البصرة لعام 1914.

6.د. ك. و. مراسلات 1915- 1918، الاحتلال البريطاني - الإدارة الملكية المركزية، تسلسل الملف 194/2.

(237)

لوثائق البريطانية غير المنشورة

(I. O. R. L) India Office Records & Library

7.I.O.R.L, MIL/17/15/73 ,No 24 , Naval Ataff Monographs (historical) ,vol Iv , Monograph 15, Naval Operations in Mesopotamia and the Persian Gulf ,1921.

8.I.O.R.L, PS/18/ B236 , Statement on the mission to Mesopotamia mission by the political secretary of the Bureau of India ,1916.

9.I.O.R.L, MIL/17/15/95,Repot Operations in the Vicinity Of shiba 12 th-14 th April, 1915.

10.I.O.R.L, PS/18/B257, Mesopotamia Administration Committee ,1917.

11.I.O.R.L, PS/20/C150, A sketch of the political history of persia, iraq and Arabia, with special reference to the present campaign. office of the chief political officer , L. E. F. “D” ,1917.

12.I.O.R.L , William Francis ainsworth , the Euphrates valley railway , London, 1872.

ثانيًا: الوثائق المنشورة

13.لوريمر، ج.ج، دليل الخليج، القسم التاريخي، ترجمة مكتبة أمير قطر، الدوحة، د. ت.

14.الطاهر، عبد الجليل، تقرير سري لدائرة الاستخبارات البريطانية عن العشائر والسياسة، د. ت.

15.ــــــــــــــــــ، العشائر العراقية، بغداد، 1972.

16.الحلي، عبد الحسين، شيخ الشريعة قيادته في الثورة العراقية الكبرى 1920 ووثائقه السياسية، تحقيق وتعليق: الجبوري، كامل سلمان، بيروت، ط1، 2005.

17.الحسني، عبد الرزاق، العراق في الوثائق البريطانية 1905-1930، ترجمة فؤاد قزاني، بغداد، 1989.

 

(238)

ثالثًا: المذكرات الشخصية

18.تاونزند، تشارلز، مذكرات الفريق طونزند: حملتي في العراق، تقديم و تعلیق: حامد أحمد الورد. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، ١٩٨٦ م.

19.علي، تحسين، مذكرات تحسين علي: أحداث عاصرها في القصر والجيش والحكومة العربية في سوريا 1916-1945. تقديم ومراجعة: محمد حسين العابد، بیروت: دار كنوز الأدبية، ٢٠٠٤ م.

20.القصاب، عبد العزيز، من مذكراتي: لمحات من تاريخ العراق الحديث، إعداد وتحقيق: خالد عبد العزيز القصاب، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ٢٠٠٧ م.

رابعًا: الرسائل والأطاريح الجامعية

21.إبراهيم، فرح باسم، «اللورد كيرزن ودوره في توجيه السياسة البريطانية في الخليج العربي 1899-1905»، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة المستنصرية، كلية التربية، ٢٠٠٦.

22.البرزنجي، رقية حميد حسن، «سالم الخيون ودوره الاجتماعي والسياسي حتى عام 1945م»، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة المستنصرية، كلية التربية، ٢٠١٣.

23.التميمي، فراس إبراهيم حميد، «الملاحة في الأنهر العراقية وموقف القبائل العراقية العربية منها 1869-1914»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، كلية التربية، ٢٠١٥.

24.الجادر، إلهام محمود كاظم، «البصرة دراسة في أوضاعها الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية (1218-1286هـ/1803-1869م)»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية التربية الأولى - ابن رشد، ١٩٩٠.

(239)

25.جبار، عباس عطية، «العراق والقضية الفلسطينية 1932 - 1941»، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، ١٩٧٩.

26.الحسيناوي، إيناس جبار سعيد، «سوق الشيوخ 1915-1958 (دراسة تاريخية)»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة ذي قار، كلية الآداب، ٢٠١٢.

27.الحنفي، يسرى محمد عبد الهادي، «أثر الحملة الفرنسية على مصر وبلاد الشام في شبه الجزيرة العربية»، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة أم القرى، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، ٢٠٠١.

28.الخفاجي، حيدر شهيد جبر، «الشطرة في العهد الملكي 1921-1958»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، كلية التربية، ٢٠١٠.

29.الخفاف، صباح نور الدين رشيد، «الخليج العربي خلال الحرب العالمية الأولى 1914 - 1918»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، كلية الآداب، ١٩٩٠.

30.الدليمي، أياد طارق خضير، «مدينة بغداد في ظل الاحتلال البريطاني 1917 - 1921»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية التربية (ابن رشد)، ٢٠٠٢.

31.الدليمي، فواز مطر نصيف، «تغلغل النفوذ البريطاني في العراق 1869 - 1914»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، ١٩٨٠.

32.الساعدي، محمد حسين زبون، «لواء العمارة في عهد الاحتلال والانتداب البريطاني 1915-1932»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، كلية الآداب، ٢٠٠٠.

33.الشجيري، عدنان هرير جودة، «النظام الإداري في العراق (1920-1939) دراسة تاريخية»، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، ٢٠٠٠.

34.الشطري، شاكر حسين دمدوم، «الشطرة في أواخر العهد العثماني الأخير 1881 -1917»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، ٢٠٠٥.

(240)

‎35.ـــــــــــــــ‎ «السياسة العثمانية تجاه العشائر العراقية 1869-1914»، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، ٢٠١٢.

36.العتابي، نور حسن خلف، «عجمي السعدون ودوره في تاريخ العراق (1911-1918)»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، كلية التربية للبنات، ٢٠١٥.

37.العرس، عمار عبد الرضا ماهود، «الأوضاع الصحية في لواء العمارة 1921 - 1958»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، كلية الآداب، ٢٠١٣.

38.العكيدي، عمار يوسف عبدالله عويد، «السياسة البريطانية تجاه عشائر العراق 1914-1945»، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة الموصل، كلية التربية، ٢٠٠٢.

39.الفهد، مؤيد أحمد خلف، «السياسة العثمانية تجاه العشائر العراقية (1750 - 1869)»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، كلية الآداب، ٢٠٠٢.

40.القطراني، حسين علي عبيد، «الزبير في العهد العثماني 1571–1914»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، كلية الآداب، ١٩٨٨.

41.الكعبي، إخلاص لفته حريز، «موقف الحوزة العلمية في النجف الأشرف من التطورات السياسية في العراق 1914-1924»، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة المستنصرية، كلية التربية، ٢٠٠٥.

‎42.ـــــــــــــــ‎ «سياسة بريطانيا تجاه المؤسسة الدينية في العراق ١٩٢١-١٩٣٣»، أطروحة دكتوراه غير منشورة، الجامعة المستنصرية، كلية التربية، ٢٠١٤.

43.الكعبي، جاسم محمد شغيت، «أوضاع التعليم في العمارة 1921–1958»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، كلية التربية للبنات، ٢٠١٢.

44.الكعبي، علي كاظم حمزة، «محمد مهدي البصير ودوره السياسي في العراق»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بابل، كلية التربية، ٢٠٠٦.

(241)

45.المكصوصي، شيماء طالب عبد الله، «المنتفق دراسة تاريخية سياسية 1921 - 1939»، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة المستنصرية، كلية التربية، ١٩٩٨.

46.المنصور، جعفر عبد الدائم بنيان، «الحالة الصحية في البصرة 1921-1939»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، كلية التربية، ١٩٩٨.

47.عبد، نادية ياسين، «الاتحاديون دراسة تاريخية في جذورهم الاجتماعية وطروحاتهم الفكرية ( أواخر القرن التاسع عشر - 1908م)»، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، ٢٠٠٦.

48.عباس، عباس خضير، «برسي كوكس ودوره بالسياسة البريطانية في الخليج والجزيرة العربية 1899-1915»، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة المستنصرية، كلية التربية، ٢٠٠٩.

49.عبد الكريم، لمى عبد العزيز مصطفى، «الخدمات العامة في العراق 1869-1918»، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة الموصل، كلية الآداب، ٢٠٠٣.

50.فليح، نبيل عامر، «المهمات الإدارية والأمنية لوزارة الداخلية العراقية خلال سنوات الانتداب البريطاني 1920 - 1932»، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة المستنصرية، كلية التربية، ٢٠١١.

51.كريم، علاء عزيز، «موقف الحوزة العلمية في النجف الأشرف من التطورات السياسية في العراق 1921 ـــ 1924»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بابل، كلية التربية، ٢٠٠٧.

52مـــاجـــد، ثـامــر مـجـلــي، «قضايا التنمية الاقتصادية فـي مناقشـات البرلمان العراقي 1925 - 1945»، أطروحة دكتوراه غير منشورة، معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا، ٢٠١٢.

(242)

53.مراد، خليل علي، «تاريخ العراق الإداري والاقتصادي في العهد العثماني الثاني 1638-1750»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، ١٩٧٥.

محمود، محمد أحمد، «أحوال العشائر العراقية العربية وعلاقتها بالحكومة 1872-1918»، رسالة 54.ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، ١٩٨٠.

55.هاشم، عبد الأمير عبد الحسن، «قضاء علي الغربي دراسة في النواحي الإدارية والاجتماعية والاقتصادية 1921- 1958»، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية التربية - ابن رشد، ٢٠١٤.

خامسًا: الكتب العربية والمعربة

‎ 56.إبراهيم، فرح باسم، «اللورد كيرزن ودوره في توجيه السياسة البريطانية في الخليج العربي 1899-1905»، رسالة ‏ماجستير غير منشورة، الجامعة المستنصرية، كلية التربية، ٢٠٠٦‏‎.‎

57.ابن الكلبي، هشام بن محمد، نسب معد واليمن الكبير، بتحقيق ناجي حسن، بيروت: عالم الكتب، ٢٠٠٤‏‎.‎

58.أداموف، ألكسندر، ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها، الجزء ٢، ترجمة هاشم صالح التكريتي، بغداد: دار ‏المدى للثقافة والنشر، [د.ت.]‏‎.‎

59.اوبنهايم، ماكس فرايهير فون، وآخرون، البدو، ترجمة محمود كبيبو، الطبعة الثانية، لندن: شركة الوراق للنشر، ‏‏٢٠٠٧‏‎.‎

60.ايرلاند، فيليب وبلارد، العراق دراسة في تطوره السياسي، ترجمة جعفر الخياط، بيروت: دار الوراق للنشر، ‏‏١٩٤٩‏‎.‎

61.ايفنس، ر‎.‎، السوقية البريطانية في حرب العراق، مراجعة وتقديم وتعليق حامد أحمد الورد، بغداد: دار ‏الشؤون الثقافية العامة، ١٩٨٦‏‎.‎

(243)

62.بطاطو، حنا، العراق، الكتاب الأول: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام ‏الجمهورية، ترجمة عفيف الرزاز، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، ١٩٩٥‏‎.‎

63.بدج، سير واليس، رحلات إلى العراق، ترجمة فؤاد جميل، الطبعة الأولى، بغداد: دار الرافدين، ١٩٦٨‏‎.‎

64.براي، ن‎.‎، مغامرات لجمن في العراق والجزيرة العربية 1908 - 1920، ترجمة سليم طه التكريتي، بغداد: ‏دار الشؤون الثقافية العامة، ١٩٩٠‏‎.‎

65.بريدي، حسين حاجم، العشائر البصرية: تاريخهم - نسبهم - فروعهم - مساكنهم، الطبعة الأولى، لبنان: دار ‏كنوز وائل، ٢٠٠٧‏‎.‎

66.بورتر، أمل، العراق ما بين الحربين العالمتين من خلال رسائل سيرل بورتر، بغداد: دار المدى للثقافة ‏والنشر، ٢٠٠٨‏‎.‎

67.بيل، جيرترود (المس بيل)، فصول من تاريخ العراق القريب، ترجمة جعفر الخياط، الطبعة الأولى، بيروت: ‏دار الوراق للنشر، ٢٠١٠‏‎.‎

68.التميمي، حميد أحمد حمدان، البصرة في عهد الاحتلال البريطاني 1914 -1918، بغداد: مركز دراسات ‏الخليج العربي، ١٩٧٩‏‎.‎

‎69.ـــــــــــــــ‎، دراسة في تطور الأوضاع السياسية في البصرة 1908 - 1914، البصرة: جامعة البصرة، ١٩٩٠‏‎.‎

70.توماس، برترام، مذكرات برترام توماس، ترجمة عبد الهادي فنجان، الطبعة الثانية، بيروت: دار الساقي، ‏‏٢٠٠٢‏‎.‎

71.الجابري، إسماعيل طه، وعلاء حسين الرهيمي، أسرار الخيبة من فتح الشعيبة 1914-1915 لهبة الدين ‏الشهرستاني، [د.م.]: [د.ن.]، [د.ت.]‏‎.‎

 

(244)

72.الجبوري، كامل سلمان، النجف الأشرف وحركة الجهاد 1914، الطبعة الأولى، لبنان: دار المؤرخ العربي، ‏‏٢٠٠٢‏‎.‎

‎‎73.ـــــــــــــــ‎‎، الثورة العراقية الكبرى ومقدماتها ونتائجها 1914 - 1923، الطبعة الأولى، لبنان: دار المؤرخ ‏العربي، ٢٠٠٩‏‎.‎

74.الجزائري، كريم السيد جاسم، أصول القبائل العراقية، بغداد: [د.ن.]، ٢٠١١‏‎.‎

75.الجعفري، محمد حمدي، بريطانيا والعراق حقبة من الصراع 1914-1958، بغداد: دار الحكمة، ٢٠٠٠‏‎.‎

76.الجلالي، محمد الباقر، موجز تاريخ عشائر العمارة، الطبعة الأولى، بغداد: [د.ن.]، ١٩٤٧‏‎.‎

77.الجوراني، عبد الله، دراسة وثائقية في تاريخ المنتفك الوطني، الطبعة الأولى، بغداد: دار الشؤون الثقافية ‏العامة، ٢٠٠٨‏‎.‎

78.الجواهري، عبد الهادي، العمارة، بغداد: [د.ن.]، [د.ت.]‏‎.‎

79.الجويبراوي، جبار عبد الله، تاريخ ميسان وعشائر العمارة، بغداد: [د.ن.]، ١٩٩٠‏‎.‎

80.حبيب، كاظم، لمحات من تاريخ عراق القرن العشرين، الطبعة الأولى، أربيل: دار ئاراس للطباعة والنشر، ‏‏٢٠١٣‏‎.‎

81.الحريري، فاروق، الحرب العظمى: دراسة عسكرية، الطبعة الأولى، بغداد: وزارة الدفاع، [د.ت.]‏‎.‎

82.حسن، إبراهيم محمد، البحر الأحمر في الحرب العالمية الأولى 1914-1918، الطبعة الأولى، مصر: دار ‏المعارف، ١٩٩٨‏‎.‎

83.حسن، محمد سلمان، طلائع الثورة العراقية: العامل الاقتصادي، الثورة العراقية الأولى، الطبعة الثانية، بغداد: ‏مطبعة الرابطة، ١٩٥٨‏‎.‎

 

(245)

84.الحسناوي، رسول فرهود هاني، الإقطاع وحياة أهل الأرياف في الفرات الأوسط، الطبعة الأولى، النجف ‏الأشرف: دار المرتضى، ٢٠١٣‏‎.‎

85.الحسني، أحمد، الإمام الثائر السيد مهدي الحيدري، النجف الأشرف: المطبعة الحيدرية، ١٩٦٠‏‎.‎

86.الحسني، عبد الرزاق، موجز تاريخ البلدان العراقية، الطبعة الأولى، بغداد: مطبعة العاصمة، ١٩٣٠‏‎.‎

‎‎87.ـــــــــــــــ‎‎، العراق في دوري الاحتلال والانتداب، بغداد: مطبعة العرفان، ١٩٣٥‏‎.‎

88.حنانه، يوسف كمال بك، وصديق الدملوجي، مدحت باشا حياته-مذكراته-محاكمته، الطبعة الأولى، لبنان: ‏دار الوراق، ٢٠٠٢‏‎.‎

89.الحيدري البغدادي، إبراهيم فصيح بن السيد صبغة الله، عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد، ‏الطبعة الثانية، القاهرة: دار الكتب، ١٩٩٩‏‎.‎

90.خليل، نوري عبد الحميد، التاريخ السياسي لامتيازات النفط في العراق‎ (1925 - 1952)‎، الطبعة الأولى، ‏بغداد: مركز دراسات الخليج العربي، ١٩٨٠‏‎.‎

91.الخالصي، محمد، علماء الشيعة والصراع مع البدع والخرافات الدخيلة في الدين، بيروت: دار المحجة ‏البيضاء، ٢٠٠٩‏‎.‎

92.الربيعي، عبد الهادي، سلسلة القبائل العربية في العراق، قبيلة بني تميم، مراجعة علي الكوراني العاملي، ‏بغداد: دار الهدى، ٢٠١٠‏‎.‎

93.الزبيدي، ماجد ناصر، معجم العشائر العراقية، بيروت: دار المحجة البيضاء، [د.ت.]‏‎.‎

94.الزحيلي، وهبة، أصول الفقه الإسلامي، دمشق: دار الفكر، ١٩٨٦‏‎.‎

95.السلمان، أنعام مهدي علي، حكم الشيخ خزعل في الأحواز 1897-1925، بغداد: [د.ن.]، [د.ت.]‏‎.‎

(246)

96.السامرائي، يونس الشيخ إبراهيم، القبائل العراقية، الطبعة الثانية، بغداد: مكتبة الشرق الجديد، ١٩٩٨‏‎.‎

97.السعدون، حميد حمد، إمارة المنتفق وأثرها في تاريخ العراق والمنطقة الإقليمية 1546 - 1918، الطبعة ‏الأولى، عمان: دار وائل للطباعة والنشر، ١٩٩٩‏‎.‎

‎‎98.ـــــــــــــــ‎‎، حكايات عن المنتفق، الطبعة الأولى، بغداد: مكتبة عدنان، ٢٠١٠‏‎.‎

99.السعدون، خالد حمود، الأوضاع القبلية في ولاية البصرة خلال الحكم العثماني الأخير والاحتلال البريطاني ‏‏1908-1918، الطبعة الأولى، لبنان: الدار العربية للموسوعات، ٢٠٠٦‏‎.‎

100.الشعراني، عبد الوهاب، الطبقات الكبرى، بيروت: دار الكتب العلمية، [د.ت.]‏‎.‎

101.الشمري، علي ناصر حسين، الإدارة البريطانية في العراق 1914-1921، بغداد: مكتبة الصباح، ٢٠٠٨‏‎.‎

‎‎102.ـــــــــــــــ‎‎، شيوخ وعشائر المنتفق في ثورة عام 1920 من خلال تقارير الإدارة البريطانية، الطبعة الأولى، ‏لندن: دار الحكمة، ٢٠١٠‏‎.‎

103.شناوة، علي عبد، محمد رضا الشبيبي ودوره الفكري والسياسي حتى العام 1932، بغداد: دار الشؤون ‏الثقافية العامة، ١٩٩٥‏‎.‎

104.شبيب، محمود، جوانب مثيرة من تاريخ العراق المعاصر، بغداد: [د.ن.]، ١٩٨٥‏‎.‎

105.صالح، زكي، بريطانيا والعراق حتى عام 1914: دراسة في التاريخ الدولي والتوسع الاستعماري، بغداد: ‏مطبعة العاني، ١٩٦٨‏‎.‎

106.الصالحي، واثق إسماعيل، «نشوء وتطور مملكة ميسان‎»‎، مجلة المورد، العدد ٣ (١٩٨٠)‏‎.‎

(247)

107.صخي، صالح مهدي آل، قبائل العراق، الطبعة الأولى، قم، ٢٠١٣‏‎.‎

108.الظالمي، حامد ناصر، البصرة ذكرى مدينة، الطبعة الأولى، لبنان: دار المحجة البيضاء، ٢٠١٦‏‎.‎

109.العامر، يقظان سعدون، نشاط شركة الهند الشرقية الإنكليزية في البصرة، الطبعة الأولى، البصرة: مركز دراسات ‏الخليج العربي، ١٩٩٠‏‎.‎

110.العزاوي، عباس، موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين، بغداد: شركة التجارة والطباعة المحدودة، [د.ت.]‏‎.‎

‎‎111.ـــــــــــــــ‎‎، تاريخ العراق بين احتلالين، بيروت: مكتبة الحضارات، [د.ت.]‏‎.‎

112.العطية، غسان، العراق نشأة الدولة 1908-1921، لندن: دار لام، ١٩٨٨‏‎.‎

113.العلوي، حسن، الشيعة والدولة القومية في العراق 1914 -1990، الطبعة الثانية، القاهرة: دار الشروق، ‏‏٢٠٠٢‏‎.‎

114.العمر، فاروق صالح، حول سياسة بريطانيا في العراق 1914- 1921، بغداد: مطبعة الإرشاد، ١٩٧٠‏‎.‎

115.العمري، محمد أمين، تاريخ مقدرات العراق السياسية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2017.

116.العيساوي، عبد العال وحيد عبود، لواء المنتفق في سنوات الاحتلال البريطاني 1914-1918، الطبعة ‏الأولى، النجف الأشرف: دار الفرات للثقافة والإعلام، ٢٠٠٨‏‎.‎

117.العيسى، علاء لازم، المجمل في تاريخ البصرة، الطبعة الأولى، بغداد: مكتبة الصباح، ٢٠١٠‏‎.‎

118.غنيمة، حارث يوسف، البروتستانت والإنجيليون في العراق، بغداد، ١٩٩٨‏‎.‎

(248)

119.فتاح، هالة، وفرانك كاسو، خلاصة تاريخ العراق، بغداد: دار المدى، ٢٠١٠‏‎.‎

120.فهمي، خضر محمد، «البصرة»‎، جريدة الهدف، بغداد، ١٩٤١‏‎.‎

121.فوستر، هنري، نشأة العراق الحديث، ترجمة سليم طه التكريتي، الطبعة الأولى، بغداد: دار الشؤون الثقافية ‏العامة، ١٩٨٩‏‎.‎

122.الحموي الرومي البغدادي، شهاب الدين أبي عبدالله ياقوت بن عبدالله، معجم البلدان، المجلد ‏‏١، بيروت: دار صادر، ١٩٧٧‏‎.‎

123.القيسي، ناهض عبد الرزاق، النقود في العراق، بغداد: البنك المركزي العراقي، ٢٠٠٨‏‎.‎

124.القزويني، معز الدين السيد مهدي، أنساب القبائل العراقية وغيرها، النجف الأشرف: مكتبة الحيدرية، ‏‏[د.ت.]‏‎.‎

125.القهواتي، محمد حسين، دور البصرة التجاري في الخليج العربي (1869- 1914م)، بغداد: دار الرشيد ‏للنشر، ١٩٨٠‏‎.‎

126.كحالة، عمر رضا، معجم قبائل العرب القديمة والحديثة، الطبعة ٨، بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٩٩٧‏‎.‎

127.الكعبي، علي صالح، نواب لواء المنتفق في العهد الملكي 1925 - 1958، بغداد: مكتبة عدنان، ٢٠٠٧‏‎.‎

128.اللامي، فردوس عبد الرحمن كريم، لواء العمارة في العهد العثماني 1861 - 1914 م، بغداد: دار الحكمة، ‏‏٢٠١٣‏‎.‎

129.لونكريك، ستيفن هيمسلي، أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ترجمة جعفر الخياط، الطبعة الخامسة، ‏بيروت: الرافدين للطباعة والنشر، ٢٠٠٤‏‎.‎

130.محمد، إبراهيم محمد، مقاومة العرب للاضطهاد العثماني، بغداد، ٢٠١٠‏‎.‎

(249)

131.محمد، صالح خضير، الدبلوماسيون البريطانيون في العراق 1831 - 1914، الطبعة الأولى، بغداد: مكتبة ‏اليقظة العربية، ٢٠٠٥‏‎.‎

132.محمد، علي عظيم، وعلي فاروق محمد، محمد سعيد الحبوبي: عصره وسيرته وبناؤه المعرفي 1849 - ‏‏1915، جامعة الكوفة، كلية الآداب، [د.ت.]‏‎.‎

133.المحامي، محمد فريد بك، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق إحسان حقي، الطبعة العاشرة، بيروت: دار ‏النفائس، ٢٠٠٦‏‎.‎

134.منتشاشغيلي، أ. م‎.‎، العراق في سنوات الانتداب البريطاني، ترجمة هاشم صالح التكريتي، بغداد: دار الحرية ‏للطباعة، ١٩٧٨‏‎.‎

135.مهدي، مثنى حسن، عالمية مدينة الكوت (قصة الحصار)، الكويت، [د.ت‎.‎‏]‏‎.‎

136.ناجي، سحر أحمد، بريطانيا والخليج العربي خلال الحرب العالمية الأولى، الطبعة الأولى، بغداد: دار آشور ‏للدراسات والبحوث، ٢٠١٦‏‎.‎

137.النجار، جميل موسى، الإدارة العثمانية في ولاية بغداد، بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، ٢٠٠١‏‎.‎

138.النداوي، عبد الكريم، تاريخ العمارة وعشائرها، الطبعة الأولى، لبنان: دار ضفاف، ٢٠٠٨‏‎.‎

139.نديم، شكري محمود، حرب العراق 1914-1918، الطبعة الخامسة، بغداد، ١٩٦٦‏‎.‎

140.النفيسي، عبد الله فهد، دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، الطبعة الأولى، الكويت: وكالة ‏المطبوعات، ١٩٩٠‏‎.‎

141.نورلمان، شيلدن آرثر، «ميسان - دراسة تاريخية القسم الأول»، ترجمة فؤاد جميل، مجلة الأستاذ، ‏‎(‎‏١٩٦٣‏‎ / ‎‏١٩٦٤‏‎).‎

(250)

142.نوار، عبد العزيز سليمان، المصالح البريطانية في أنهار العراق 1600 - 1914، القاهرة: دار الكاتب العربي ‏للطباعة والنشر، ١٩٦٨‏‎.‎

143.الورد، باقر أمين، حوادث بغداد في اثني عشر قرنًا، بغداد: دار الكتب العلمية، ٢٠١٣‏‎.‎

144.الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، بغداد: مطبعة العاني، ١٩٦٥‏‎.‎

‎‎145.ـــــــــــــــ‎‎، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، بغداد: مطبعة الإرشاد، ١٩٦٩‏‎.‎

‎‎146.ـــــــــــــــ‎‎، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، بغداد: مطبعة الأديب، ١٩٧٤‏‎.‎

147.ويلسون، سر أرنولد تي‎.‎، بلاد ما بين النهرين بين ولاءين، ترجمة فؤاد جميل، الطبعة الأولى، بغداد‎:‎‏ ١٩٧١‏‎.‎

‎‎148.ـــــــــــــــ‎‎، بلاد ما بين النهرين بين ولاءين، ترجمة فؤاد جميل، تقديم علاء نورس، الطبعة الثانية، بغداد: دار ‏الرافدين، ١٩٩١‏‎.‎

149.الياسري، عبد الشهيد، البطولة في ثورة العشرين، الطبعة الأولى، بيروت: دار العارف للمطبوعات، ٢٠١٠‏‎.‎

سادسًا: الموسوعات

150.بالمر، آلان، موسوعة التاريخ الحديث، ترجمة سوسن فيصل السامر ويوسف محمد أمين، بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، ١٩٩٢.

151.شاكر، محمد، موسوعة الخليج العربي، الطبعة الخامسة، عمان: دار أسامة للنشر والتوزيع، ٢٠١١.

152.الشرقي، علي، موسوعة الشيخ علي الشرقي النثرية، القسم الرابع: الأحلام، جمع وتحقيق موسى الكرباسي، بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، ١٩٩١.

(251)

153.العامري، ثامر عبد الحسين، موسوعة العشائر العراقية، لندن: مكتبة الصادق، [د.ت.].

154.العزاوي، عباس، موسوعة عشائر العراق، الطبعة الأولى، بيروت: الدار العربية للموسوعات، ٢٠٠٥.

155.الكيلاني، عبد الوهاب، موسوعة السياسة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، [د.ت.].

سابعًا: الكتب الأجنبية

156.Clark, Christopher, The Sleepwalkers: How Europe Went to War in 1914, London: Allen Lane, 2012.

157.Encyclopaedia of Islam, Vol. 1, New Edition, Leiden: E. J. Brill, 1960.

158.Firdous, Neelofar, "British Policy Towards the Red Sea and Persian Gulf, 1757–1914", Unpublished doctoral dissertation, Aligarh Muslim University, 2008.

159.Fuccaro, Nelida, "History of the Yazidi Enclave of Jabal Sinjar (Iraq) under the British Mandate, 1919–1932", Unpublished doctoral dissertation, University of Durham, 1994.

160.Gardner, Nikolas, British Prestige and the Mesopotamia Campaign, 1914–1916, London: Routledge, 2015.

161.Goldschmidt, Arthur, Jr., Biographical Dictionary of Modern Egypt, Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2000.

162.Graves, Philip, The Life of Sir Percy Cox, London: Hutchinson & Co., 1941.

(252)

163.Jwaideh, Albertine, "Midhat Pasha and the Land System of Lower Iraq," in Middle Eastern Affairs, no. 3, St. Antony's Papers, vol. 16, London: Chatto & Windus, 1963.

164.Keay, John, The Honourable Company: A History of the English East India Company, London: HarperCollins, 1991.

165.Taylor, A. J. P., The First World War, London: Hamish Hamilton, 1963.

166.صداوي، عليرضا، تاريخ بني كعب وماجراى شيخ خزعل، طهران، آفرینه، 1379.

ثامنًا: البحوث المنشورة

167.إبراهيم، عبد ربه سكران، «عشائر البصرة والإدارة العسكرية البريطانية أثناء الاحتلال عامي 1916 - 1918»، مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، المجلد ١٣، العدد ٥ (٢٠٠٦).

‎168.ـــــــــــــــ‎ «السياسة العامة للدولة العثمانية تجاه العشائر العراقية من السلطان سليمان القانوني إلى السلطان عبد الحميد الثاني»، مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، المجلد ٧، العدد ٢ (٢٠٠٠).

169.جلود، ميثاق خيرالله، «انتفاضات عشائر جنوب العراق في العهد العثماني»، ورقة بحثية، مركز الدراسات الإقليمية، جامعة الموصل، ٢٠١٢.

170.حسن، نوار ناصر، «موقف العشائر العراقية من قانون التجنيد الإجباري»، مجلة كلية الآداب، جامعة بغداد، العدد ١٠٢، [د.ت.].

171.الركابي، عكاب يوسف، «موقف مدينة قلعة سكر من الاحتلال البريطاني للعراق 1914 - 1920»، مجلة واسط للعلوم الإنسانية، العدد ٢١ (٢٠٠٩).

(253)

172.الزيادي، محمد صالح، «الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البصرة من خلال كتاب الرحالة الهندي (سي - ام - كريستجي) 1916 - 1917»، مجلة آداب البصرة، العدد ٦٣ (٢٠١٢).

173.الساعدي، محمد حسين زبون، وعبد الله كاظم عبد، «أهالي لواء العمارة وثورة عام 1920 دراسة في ضوء نظرية التحدي والاستجابة»، مجلة ميسان للدراسات الأكاديمية، العدد ١٥ (٢٠٠٩).

174.السامرائي، أحمد محمود علو مهدي، «أحوال العراق الاجتماعية في ظل الاحتلال البريطاني 1914 - 1920»، مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، المجلد ١٦، العدد ٩ (أيلول ٢٠٠٩).

175.السعدون، خالد حمود عبدالله، «المبشرون وأنشطتهم في العراق»، مجلة الخليج العربي، العددان ١-٢ (٢٠٠٧).

176.سلمان، علي حمزة، وحاتم راهي ناصر، «تاريخ صراع القوى الدولية على أمارة المحمرة 1258 - 1925»، مجلة جامعة كربلاء، البحوث الإنسانية، المجلد ٣، العدد ١ (كانون الأول ٢٠٠٥).

177.توفيق سلمان، ليلى، ورفاه تقي الدين عارف، «مدينة البصرة في كتابات الجغرافيين والرحالة المسلمين»، مجلة آداب البصرة، العدد ٦٣ (٢٠١٢).

178.ظاهر، ياسين طه، «الإدارة البريطانية للعراق في ظل مرحلتي الاحتلال والانتداب»، مجلة كلية المأمون الجامعة، العدد ١٤ (٢٠٠٩).

179.عجمي، عبد الرسول شهيد، «الموقف الوطني في شخصية بدر الرميض شيخ عشائر البو صالح»، مجلة أبحاث البصرة (الإنسانيات)، المجلد ٣٠، العدد ١ (٢٠٠٥).

(254)

180.الغريب، طالب جاسم، «السلطة والمجتمع والعمل السياسي في البصرة أواخر العهد العثماني»، مجلة أبحاث البصرة (العلوم الإنسانية)، المجلد ٣٣، العدد ١ (٢٠٠٨).

181.الغريب، طالب جاسم محمد، «الوعي السياسي للأسر البصرية في العهد العثماني دراسة تاريخية»، مجلة آداب البصرة، العدد ٤٩ (٢٠٠٩).

182.الفتلاوي، صباح كريم رياح، وعبد العظيم عباس نصار، «طالب النقيب وطموحاته لاعتلاء عرش العراق»، مجلة دراسات الكوفة، العدد ٢٥ (٢٠١٢).

183.كاظم، حامد جميد، «النفط العربي وتأثيره في العلاقات البريطانية - الأمريكية خلال القرن العشرين»، مجلة مداد الآداب، العدد ٦، [د.ت.].

184.المصطفى، حسين علي عبيد، «المكانة الاجتماعية للسيد طالب النقيب في المجتمع البصري»، مجلة أبحاث البصرة (الإنسانيات)، المجلد ٣١، العدد (٢-ج) (٢٠٠٦).

‎185.ـــــــــــــــ‎ «لواء المنتفق في الوثائق العثمانية سالنامات البصرة أنموذجًا 1890 - 1900م»، مجلة أوروك للعلوم الإنسانية، المجلد ٨، العدد ١ (٢٠١٥).

186.نعمة، يونس عباس، «عشائر مدينة الحلّة بين سياسة التفرقة العثمانية وسياسة الاحتواء البريطاني 1869-1920»، مجلة كلية التربية الأساسية، جامعة بابل، العدد ١ (٢٠٠٩).

(255)

تاسعًا: الدوريات

187.صحيفة صدى بابل، السنة الثالثة، ع 80، 1909.

‎188.ـــــــــــــــ‎، السنة الثانية، ع94، 1909.

189.الحسني، عبد الرزاق، لواء العمارة، مجلة لغة العرب، 1930م.

190.مجلة لغة العرب، السنة الأولى، تموز 1911.

‎191.ـــــــــــــــ‎، السنة الأولى، آب 1911.

‎192.ـــــــــــــــ‎، السنة الثالثة،، 1913م.

عاشرًا: مواقع شبكة الإنترنت

193.الموسوعة العربية المسيحية

http://www.christusrex.org/www1/ofm/1god/ordini/karmel/index.htm

194.ثائر الجنوب، فلم وثائقي عن حياة الشيخ غضبان البنية اللامي،

https://www.youtube.com/watch?v=DmjfQ7LDvPE0

195.بني سعيد، شاكر، نسب قبيلة بني سعيد العقيلية، 2015م، منتدى قبيلة بني سعيد،

http://ashiretbnisaeed.riadah.org/t224-topic

196.موقع كارون الثقافي

https://ahwaziculture.wordpress.com

197.https://www.britannica.com/place/Gordon-Memorial-College

(256)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف