فهرس المحتويات

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)

 

مقدّمة المركز

 

في سياق استراتيجيّته البحثيّة السّاعية إلى رصد التّاريخ الحديث للاستعمار الغربي وتحليله ونقده، يتقدّم المركز الإسلاميّ للدّراسات الاستراتيجيّة بمشروعه الموسوعي الجديد متناولًا الظّاهرة الاستعماريّة، وظروف نشأتها، وآليّات عملها، والثّورات التي واجهتها، ولتحقيق الهدف استُهِلَّ هذا المشروع، بوصفه مرحلة أولى، بدراسة تاريخ الحركة الاستعماريّة ووقائعها في دول المشرق العربيّ ومغربه.

ولإنجاز هذه المرحلة السّلسلة سعت إدارة المشروع إلى بيان الأسس التّاريخيّة والمعرفيّة لنشوء الاستعمار الحديث في بلادنا، حيث مضت إلى الإحاطة بدائرة واسعة من الآليّات والوسائل الآيلة إلى ترسيخ السّيطرة والهيمنة على ما يسمّى بدول ومجتمعات الأطراف منذ أواخر القرن التّاسع عشر، وإلى يومنا الحالي. وعليه، فقد تركّزت الأبحاث على إجراء رصد تحليليّ انتقاديّ للمحطّات الكبرى التي مرّت بها الحركة الاستعماريّة، ومهّدت بالتّالي للزّمن الاستعماريّ المستحدَث عبر أشكال واتّجاهات وآليّات لا حصر لها.

قد يتناهى للنّاظر في هذا العمل الموسوعيّ، كما لو أنّه -للوهلة الأولى- بإزاء مشروع تقليديّ سبقته مشاريع لا حصر لها في سياق التّدوين التّاريخيّ للعمليّة الاستعماريّة بأحقابها، وأشكالها المختلفة، غير أنّ الغاية التي رسمها المركز الإسلاميّ للدّراسات الاستراتيجيّة لهذا المشروع ليست على هذا النّحو، ولم تكن تكرارًا لما سبق. فهو

(7)

مضافًا إلى إدراكه الأهمّيّة التّأريخيّة والعلميّة للأعمال التي سبقت -وتقديره للجهود التي بُذلت على مدى أجيال في هذا المضمار- يدرك في الوقت نفسه، الأهمّيّة الاستراتيجيّة الاستثنائيّة التي ينبغي تظهيرها، وتفعيلها حيال ظاهرة قهريّة استعلائيّة لم تنتهِ إلى مآل، وكانت سببًا جوهريًّا في التّأخّر التّاريخيّ لبلادنا ومجتمعاتنا. على هذا الأساس، تكون غاية المركز من هذه السّلسلة التّأسيس لطور ثقافيّ جديد يتركّز على نزع الاستعمار في حقوله الأكثر شمولًا. وهو الأمر الذي يتعدّى مجرّد تبيين المخاطر المترتّبة على - إجراءاته السّياسيّة، والعسكريّة المعروفة، بل إنّه يعمل على تظهير قيمة علميّة موسوعيّة تكشف بالرّصد التّاريخيّ والتّحليل والنّقد الحقول المختلفة التي تتحرّك فيها العمليّة الاستعماريّة بصيغتها المعاصرة، مثل استعماريّات الغزو التّقنيّ والعسكريّ، والميديا، والمؤسّسات العلميّة والأكاديميّة، والاقتصاد المعرفيّ، وأنماط الحياة اليوميّة المختلفة.

ولكي تكتسب هذه السّلسلة خصوصيّتها، كان ضروريًّا الشّروع في التّأسيس لخاصِّية منهجيّة واضحة، من خلال تدوين استقرائيّ لأزمنة الاستعمار بما تخلَّلها من حوادث وانعطافات في سياق الاحتدام بين القوى الاستعماريّة وبين شعوب البلدان المستعمرة. وإذا كان لنا من تحقيب لأزمنة الاستعمار التي بدأت إرهاصاتها مع نشوء الدّولة القوميّة في أوروبا، ثمّ اتّخذت مسارها الانتشاريّ إلى قارّات آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللّاتينيّة... سيكون من المفيد «تأريخيًّا» اعتماد العام (1493م) بدايةً رسميّة للفعل الاستعماريّ. نعني بذلك على وجه الدّقّة الاستعمار بصيغته، ومفهومه الأوروبيّين. أي ذاك الذي يقوم على النّهب العنيف للمستعمرات، ونقل المنهوبات إلى «المركز» الاستعماريّ الأوروبيّ (Métropole)؛ وهذا على خلاف ما كانت عليه حركة الاستعمار، منذ نشأة المجتمعات البشريّة، والتي كانت عبارة عن انتقال جماعة من البشر، قبيلة أو شعب، من موقع أو

(8)

موطنٍ أصلي لها للاستيطان في مكان ما، بشكل سلميّ أو بالغلبة، واستعمارها، بمعنى إعمارها، ثمّ تتّخذ هذه الجماعات أو الشّعوب من المنطقة التي استعمرتها موطنًا لها ومستقرًّا، ولو إلى حين.

ثمَّ إنّنا وجدنا من الضّروريّ إعادة بلورة مرجعيّة علميّة توثيقيّة تعزّز البحث العلميّ حول الاستعمار، بوصفه جوهر النّزاع اليوم بين الأمم المعاصرة. ولئن كان الاستعمار الرّاهن قد مضى بعيدًا في تطوير أساليبه وأهدافه وتقنيّاته، إلّا أنّ نزعات الهيمنة والسّيطرة والاستعلاء على الغير تبقى الأساس المحوريّ الثّابت الذي تشكّلت عليه الماهّيّة الأصليّة للاستعمار. يُضاف الى ذلك، أنّ منطقتنا العربيّة والإسلاميّة تشهد اليوم أخطر وآخر أنماط الاحتلال المركّب، الذي ما يزال من ناحية وفيًّا للنّمط الكلاسيكيّ للاحتلال، ومن ناحية أخرى، هو منفتحٌ على الأنماط النّيوكولونياليّة التي تشكّل سندًا له بوسائل متطوّرة. لا يزال الاستعمار يهدّد الأمم وأمّتنا وأقطارنا بأساليب شتّى؛ إذ ما من مشكلة شاغلة اليوم في مجال الأمن والاستقرار السّياسيّ، والتّنمية، والسّيادة، ونحو ذلك إلّا وهي موصولة بالاستعمار وأساليبه في تقويض تقدّم الأمم. وهكذا فإنّ الهيمنة الاستعماريّة على البلاد الخارجة من جغرافيّات المركزيّة الغربيّة لا تنحصر بآلية أحاديّة كما كان عليه الأمر في أشكال الاستعمار الكلاسيكيّ الذي سبق الحربين العالميّتين الأولى والثّانية، بل تجاوزه إلى ما يمكن اعتباره احتلالًا للوعي، وإعادة تشكيله على نحو جوهريّ، ولا سيّما على النّحو الذي ظهر فيه بقوّة في زمن العولمة، وإعادة إحياء أحاديّة المركز الاستعماريّ الغربيّ.

*  *  *

(9)

نخصّص هذا الجزء من سلسلة تاريخ الاستعمار للإحاطة بالتاريخ الاستعماري، بمساراته وتحوّلاته الكبرى في مصر. تكمن أهمّية هذه الإحاطة في أنّها تؤسّس لمنهج معرفيّ حول الحركة الاستعماريّة وتاريخها في البلاد المصرية منذ العهود الملكية وحملة نابليون إلى بدايات الاستقلال السياسي وإقامة النظام الجمهوري، مع ما ترتّب على ذلك من حملات وحروب استعماريّة متجدّدة. ولعلّ أخطر الظّواهر في تاريخ الاستعمار الأوروبّيّ الحديث هي ما تكشفه دراسات، وأبحاث هذا الجزء من السّلسلة، ولا سيما لجهة الاستبدال والانتقال من الاستعمار الاحتلالي المباشر إلى ضروب أخرى من الاستعمار الجديد الثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والأكاديميّة التي رافقت تدفّقات الحداثة وغزواتها على البلدان المستعمرَة.. وعليه يسعى هذا الجزء إلى الإضاءة التّفصيليّة على تاريخ الاستعمار في مصر وآثاره وتداعياته على مجمل نواحي الحياة، كما يتناول الثّورات الشّعبيّة التّحريريّة التي تعاقبت، ضد الاحتلالين الفرنسي والإنكليزي، بدءًا من نهايات القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين المنصرم.

لقد شارك في إنجاز بحوث ودراسات هذا الجزء جمعٌ من المؤرّخين، والباحثين المتخصّصين في مجالات مختلفة من العلوم الإنسانيّة، انصبَّت اهتماماتهم على الحقول السّياسيّة، والعسكريّة، والثّقافيّة، والأكاديميّة، والاجتماعيّة بغية الإحاطة بأوسع مسافة ممكنة من التّغطية. من أجل ذلك جرى ترتيب موضوعات هذا الجزء، وتوزيعها على مجموعة من الأقسام والمحاور نذكر منها:

- القسم الأوّل: مدخل تمهيدي عامّ عن الاستعمار في مصر يتضمّن بحثين تاريخيين توصيفيين:

1.الأوّل: الاستعمار الفرنسي: يضيء على تاريخ الاستعمار الفرنسي لمصر في ظروفه

(10)

الزمانيّة والمكانيّة؛ (الخلفيّات، الأهداف الاستراتيجيّة، الظروف المحيطة، الأسباب، الوقائع الميدانية...).

2.الثاني: الاستعمار البريطاني: يضيء على تاريخ الاستعمار البريطاني لمصر في ظروفه الزمانيّة والمكانيّة؛ (الخلفيّات، الأهداف الاستراتيجيّة، الظروف المحيطة، الأسباب، الوقائع الميدانيّة...).

- القسم الثاني: أشكال استعمار مصر وأنواعه

1.المحور الأوّل: أحوال مصر تحت الاحتلال الفرنسي والبريطاني، الجانب السياسيّ، الاستعمار السياسي (التحكُّم بشكل الحكم ومؤسّسات الدولة الناشئة تحت انتدابه المباشر وغير المباشر).

2.المحور الثاني: أحوال مصر تحت الاحتلال الفرنسيّ والبريطانيّ، الجانب الاجتماعيّ/ الاستعمار الاجتماعي: (نمط الحياة، العادات، التقاليد، الأعراف، الاستهلاك، القيم والثقافت العامة...).

3.المحور الثالث: الاحتلال الفرنسي وما خلّفه في مصر - بين التحديث... والتغريب - تغريب الأمّة هدف أساسي للحملة.

4.المحور الرابع: الاستعمار الثقافي - البعثات العلميّة إلى فرنسا (مثال: تجربة الطهطاوي وبعثات الأزهر).

5.المحور الخامس: الاستعمار الأكاديمي: المناهج الدراسيّة في المدارس والجامعات.

6.المحور السادس: العدوان الثلاثي كتحالف استعماري ضدّ الدولة الوطنيّة.

- القسم الثالث: مقاومة الاستعمار ومناهضته

1.المحور الأوّل: مكانة علماء الدين في مقاومة الاستعمار بحقبتيه الفرنسيّة والبريطانيّة في المجالين السياسي والثقافي...

 

(11)

2.المحور الثاني: مقاومة الاستعمار والتحرّر (الثورة على الملكية عام 1953م).

3.المحور الثالث: مصر والانتصار على الاستعمار الفرنسي؛ الحراك الشعبي، التحرّكات السياسية، المقاومة.

4.المحور الرابع: مصر والانتصار على الاستعمار البريطاني؛ الحراك الشعبي، التحرّكات السياسية، المقاومة

5.المحور الخامس: جلاء الاستعمار عن مصر: الآثار والنتائج (ما خلّفه الاستعمار في مصر).

*  *  *

ختامًا.. وتقديرًا للجهود العلميّة القيِّمة المبذولة في إنجاز هذا المشروع نقدِّم الشّكر والتّقدير للدّكتور محمود حيدر في إعداد هذا الجزء وتقديمه وترتيبه في سياق مشروع سلسلة تاريخ الاستعمار، كما نتقدّم بالشكر والامتنان للباحث المصري الدكتور غيضان السيِّد علي لإسهامه وتعاونه في إنجاز هذا الكتاب.

 

المركز الإسلاميّ للدّراسات الاستراتيجيّة

(12)

الاستعماريّة المستدَامة

الجغرافيا العربيّة - الإسلاميّة حقلُ اختبار

د. محمود حيدر

استحوذت الدراسات حول الاستعمار ـ بمفاهيمه ومصطلحاته وإجراءاته التاريخيّة ـ مساحات واسعة في الموسوعات والمعاجم الحديثة. وهذه الدراسات سوف تزدهر بقوّة ابتداءً من القرن التاسع عشر، الذي شكّل مستهلّ التوسّع الاستعماري الآتي من الغرب نحو البلاد العربيّة والاسلاميّة، وكذلك في دول ومجتمعات آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينيّة.

لا من ريب، أنّ التفكير بالحالة الاستعماريّة في مجتمعاتنا هو من الضرورات المعرفيّة الكبرى التي ينبغي العناية بها. لعل ما يضاعف من ذلك، تلك المنزلة الاستثنائيّة التي تحتلّها دراسة الحقبة الاستعماريّة في زمن العولمة وأحادية السيطرة الغربية على العالم. هذه الحقبة هي في واقع أمرها تتويج لما سبقها، مع أنها تنطوي على أبعاد مركّبة وذات مفاعيل أعظم أثرًا على شعوب عالمنا العربي والإسلامي على وجه الخصوص. الشيء الذي يفترض نظم سياق التفكير حيال أحكام العلاقة بين أوروبا وبقية العالم وإنشائه على منقلب جديد. فلقد تبيَّن لنا كيف قطعت أوروبا ـ بوصفها الجغرافيا الأصليّة للأطروحة الاستعماريّة، شوطًا كبيرًا في استظهار هوي!تها وترسيخ وضعها العالمي الفريد. حتى لقد قيل فيها ما لم يُقل اليوم بسليلتها الكبرى أميركا في طريقة سيطرتها على الشعوب والأمم الأخرى. أوروبا هي التي صنَّعت فلسفة الاستعمار ونقلتها على نحو مريع من حيِّز التنظير الى طور الممارسة التاريخيّة. ولئن كانت هي من أذاعت على الملأ مصطلح العالم الثالث، فذلك يشير إلى أن هذا العالم -ولا سيّما منه العالم العربي- سيُبوَّأ حقل

(13)

الاختبار الرئيسي لفلسفتها السياسيّة، فضلًا عن حروبها المفتوحة.

نلفت في هذا السياق نفسه، إلى أن المواكبة الدراسية لجذور النزوع الاستعماري غالبًا ما دفعت النظَّار إلى مقاربة الغرب الأوروبي كأرضٍ فسيحة لملحمة شبه أسطورية. حتى لقد صار السؤال «عن ماهية أوروبا»، أكثر شَبَهًا بالسؤال «عن ماهية اليونان» قبل عشرات القرون. ومع أن لكل من السؤالين سمْتَهُ الخاص، إلّا أنّهما يشتركان ويتقاطعان على دعوى التأسيس لتاريخ البشريّة. من أجل ذلك بدا الاستفهام عن ماهية الغرب الأوروبي ودوره الاستعماري بمثابة استئنافٍ للسؤال البَدئي والمؤسّس حول طبيعة العقل اليوناني ومركزيّته على التفكير البشري. وسيكون لهذه المعادلة الاستفهامية الأثر البيِّن في مدِّ الفلسفة الأوروبية الحديثة بالعنصرية الحضارية الآتية من السلف الإغريقي. هذا ما سوف نجده حاضرًا في أعماق ما أنجزه الروَّاد المؤسِّسون لحداثة الغرب، من ديكارت إلى كانط، مرورًا بهيغل وسائر المتأخِّرين. فهؤلاء الذين تصدّوا لتظهير الدلالة الأنطولوجية للذات الغربيّة سيجعلون من هذه الذات معيارًا للتفكير الجوهري في ماهية الإنسان المعاصر. بسبب ذلك، سنرى كيف ترتقي الأطروحة الغربيّة إلى رتبة كونها مقوِّمًا جوهريًّا لجغرافية الروح الأوروبيّة على حد تعبير هيغل، وهي «الروح» التي صارت تتحكّم اليوم في بنية الإنسانيّة الحالية.

   لاحقًا، وفي الحقبة الإمبرياليّة الحديثة سيأخذ فلاسفة ومفكّرون سياسيون وعلماء اجتماع بالأطروحة العنصريّة نفسها، ومؤدَّاها أن الغرب قام على تكوين حضاري وميتافيزيقي، أفضى إلى تفوُّق الإنسان الأوروبي على الإنسان الهندي والأفريقي، فضلًا عن سائر الأعراق...، أما التمثيل الأعلى لمثل هذا الاعتقاد فسيجد تعبيره الصارخ في اكتشاف المهاجرين الإنكليز والإسبان أميركا وتحويلها إلى أيقونةٍ يحكمون بواسطتها العالم كلَّه. غير أن ما هو مفارق في التجربة الأميركية، أنها قامت أساسًا على الانسلاخ عن

(14)

أصلها الأوروبي والبَدءِ بأصل جديد. وهذا هو السبب الذي جعل التأسيس الميتافيزيقي لأميركا مدفوعًا بعقدة الاستبراء من مصدرها الأوروبي. الأمر الذي أولاه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر عناية مخصوصة لمّا رأى أن العالم الإنكلوساكسوني للأمركة قرَّر تدمير أوروبا باعتبارها البَدْءِ الخاصّ للعنصر الغربي.

*   *   *

أنَّى تعددت سِمات الاستعمار ومسالكه وأطواره، فإنه يبقى محكومًا بماهيته الجوهريّة وهي السيطرة على الغير بوسائل لا حصر لها. ومن البيِّن تاريخيًّا أنّ الهيمنة الاستعماريّة على دول ومجتمعات المشرق العربي ومغربه راحت تتواصل بأنماط جديدة لتمنح الدول العظمى فرصًا جديدة للهيمنة على ثروات البلدان، حتى من دون احتلالها على نحو مباشر. إلّا أن هذا النوع من الهيمنة سوف يضاعف من تقويض سيادتها ويقوِّي سياسات التدخّل في شؤونها، ولعل أبرز الأدلّة على ذلك، ظهور الأمم المتحدة كان ترافق ونظام بروتن وودز الذي أسس لمرحلة جديدة، رهنت دول عالم الجنوب لضرب آخر في سياق العملية الاستعماريّة، وهو ما أسفر عن نمط جديد للاستعمار، وهو ما سُمّي «الاستعمار الجديد» الذي يقوم على الهيمنة السياسيّة والاقتصاديّة الباردة، من دون أن يؤدّي ذلك الى الثورة ونشوء حركات التحرير.

ومن هذه التحوّلات في العملية الاستعماريّة يظلّ الجوهر الاستعماري واحدًا، وإنْ تعدّدت الأشكال والأنماط والوسائط، فقد اقتضى عصر النفوذ أن يتراجع نمط الاستعمار القديم بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يعد بالإمكان الاقتصار على مواصلة الاستعمار عن طريق الغزو المباشر للدول. وباستثناء محاولة الاستعمار بهدف الاستتباع والنّهب العنيف خلال الحروب الصليبيّة على سواحل بلاد الشام في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، لم تشهد المجتمعات البشريّة حركة استعماريّة قائمة على النّهب العنيف، سوى

(15)

تلك التي باشرتها مملكتا إسبانيا والبرتغال ابتداءً من أواخر القرن الخامس عشر، وكانت تستهدف نهب كل ما يقع تحت يدها في المحيط الأطلسي وشمالي أفريقيا وغربيّها، وصولًا إلى جنوبيّها و«العالم الجديد»، مُنهيَةً بذلك «شرعيّة» القرصنة التي كان يمارسها البحّارة الأوروبيون، على سواحل أفريقيا الشماليّة والغربية وساحل بلاد الشام، والتي كانت تقوم على قاعدة «انهب واهرب».

*   *   *

مفهوم الاستعمار كمنتَج تاريخيّ غربيّ

إننا إذ نعتمد في هذه السلسلة تاريخ 1493م بوصفه البداية «الرّسميّة» لحركة الاستعمار الأوروبي لمناطق وشعوب العالمين العربي والاسلامي، فذلك للتذكير بأمرٍ في غاية الأهمية والخطورة في تاريخ الحركة الاستعماريّة الغربية. نقصد على وجه التحديد، التغطية الَّلاهوتيّة للحملات العسكرية على بلدان المشرق الإسلامي والذي عبَّرت عنه خلاصات المرسوم البابوي، الذي أصدره البابا إسكندر السادس (رودريجو بورجيا)، وبارك بموجبه ملكَيْ إسبانيا والبرتغال؛ لما يقدّمانه من خدمات لنصرة الكنيسة والتبشير بالسيّد المسيح في مجتمعات آسيا وأفريقيا. وقد أقرّ الملكان وباركا ما تعاهدا عليه في معاهدة توردسيلاس (Tordesillas) عام 1493م والتي تمّ تعديلها عام 1494م، حيث تقاسما العالم بينهما، فرسما خطًّا وهميًّا في المحيط الأطلسي يمتدُّ بين القطبين الشمالي والجنوبي، حيث فَتَحَ البابا كلّ المناطق المستكشفة أو التي ستُكتَشف غربي الخط إلى ملك إسبانيا، وشرقيِّه إلى ملك البرتغال.

بناء على هذا، يصير بالإمكان القول إن الحركة الاستعماريّة التي باشرها الإسبان والبرتغاليّون مع نهايات القرن الخامس عشر، هي استئنافٌ واضح المعالم للحروب الصّليبيّة، أكان لجهة الأهداف أو الشعارات، وحتى لجهة الأساليب، ولكنّها لم تعُد

(16)

تقتصر على موانئ العالم الإسلامي وحواضره في البحر الأبيض، بل تجاوزت هذا الحيّز الجغرافي الضيِّق لتشمل شعوب وحضارات ومناطق العالم بأسره. وعليه، يربط عددٌ من المؤرّخين بين سقوط القسطنطينية بأيدي العثمانيين عام 1453م، والتطوّرات التي شهدتها أوروبا، ويتّفق الجميع على اعتبار هذا التّاريخ بأنّه نهاية «للقرون الوسطى» الأوروبيّة، وبداية للعصر الإمبريالي الحديث. ويَعْنون بالعصر الحديث، بشكل خاص، وضع المجتمعات الأوروبيّة على سِكَّة التَّطوُّر، وظهور الدول المركزية، وتطلّع هذه الدول نحو المستعمرات، وخصوصًا بعد سقوط السلطنة العلمانية التي كانت تشكِّل، حتّى ذلك الوقت، القوّة الأهم والأعظم في التوازن الدولي. وبالتالي هي التي أدّت إلى إنتاج الانقلاب في التّوازن الدّولي لصالح أوروبا الغربيّة.

إذا كان مفهوم الاستعمار -كما هو معروف وشائع- يقوم على منطق الهيمنة والسيطرة، إلا أن الاستعماريّة الكلاسيكية لم تزدهر إلّا بالاشتراك مع بزوغ الرأسماليّة العالميّة التي اتّضحت في الحكم الذي مارسته الدول الأوروبيّة على مختلف الحكومات في آسيا وأفريقيا. ولقد بدا ذلك بوضوح حين بلغت المركزية الغربية حدودها القصوى من الغَلَبة بعد انهيار السلطنة العثمانية وولادة الاستعمار المستحدَث بصيغته الإنكليزيّة والفرنسيّة مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

ومع أن أغلب الباحثين يتّفقون على أن مصطلح الاستعماريّة كان في الواقع صورة من صور الحكم ولم يكن في الغالب يصحبها الاستيطان الأوروبي، إلّا أنّ هذا المصطلح يبقى يتضمّن إبقاء السيطرة على دول لم تكن معنيّة بالاستيطان ولا بالاندماج. في حقل الدراسات المقارنة، يوجّه مفهوم الاستعمار الانتباه في جميع الحالات نحو المستعمرات ذاتها، في حين أنّ عنوان «الإمبريالية» يوجّه الانتباه نموذجيًّا نحو المدينة الأمّ والنظام العالمي، الذي تعمل فيه الأوامر السياسيّة والاقتصاديّة لجعل

(17)

الإمبراطورية شرطًا تكوينيًّا لهيمنة الغرب العالمية خلال الأزمنة الحديثة. وعليه، فإن مجموعة وافرة من المقولات التي يستخدمها المستعمِرون والمستعمَرون على السواء لفهم الحركة الاستعماريّة كانت هي نفسها من نتاج المواجهات الاستعماريّة. وبرغم أن الفعل الاستعماري كان متوقّعًا بقوة الأسلحة المتفوِّقة، والتنظيم العسكري، والاستحواذ السياسي، والثروة الاقتصادية، فقد أنتج الظروف المواتية أيضًا لجميع هؤلاء لكي يأخذوا أهمية أكبر مما كان يُتخيَّل من قبل. ولأن العقل الذي كان يقود الحكومات الاستعماريّة في الغرب هو عقل شمولي، فقد تعدّدت أشكال السيطرة وتقنياتها ومعارفها، حيث أتاحت المعرفة الاستعماريّة الفتح الاستعماري، وكانت نتاجًا له أيضًا. وهكذا تمّ بناء الأشكال الثقافية في مجتمعات «تقليديّة» مصنّفة حديثًا وتحويلها بالتدخّلات الاستعماريّة ومن خلالها، مما ولَّد تصنيفات وتقابلات جديدة بين المستعمِرين والمستعمَرين، وإذا كانت أوروبا تشكّل أساسًا لتاريخ الاستعماريّة، فإنها أيضًا جزء من مجموعة أكبر من المصطلحات المتقابلة التي أنتجتها الاستعماريّة بدورها.

في الحقبة الاستعماريّة المعاصرة ستشهد الجغرافيا العربيّة بجناحيها المشرقي والمغربي مسارات هيمنة لا حصر لتقنياتها، خصوصًا بعدما تحقّق المزيج القارِّي بين أوروبا وأميركا في إطار ما يسمى اليوم مركزيّة الغرب. وليس من شكّ أن مصطلح الغرب سيرتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقافة الاستعماريّة التي افتتحتها أوروبا حين بدأت بتوسيع نفوذها إلى القارات الثلاث؛ أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينيّة. والواضح أن هذا المصطلح تجاوز معناه الجهوي بالنسبة إلى تقسيم الكرة الأرضيّة (شرق-غرب) ليأخذ سماته الحضارية باعتباره مركزًا للهيمنة في مقابل الشرق، ولا سيّما بلدان العالم الإسلامي. على أن التعبير الذي اكتسب طابعًا عالميًّا عن «الغرب» لم يطغَ في الاستعمال العام إلّا

(18)

في القرنين المنصرمين بوصفه التكوين الرئيس في أوروبا الغربية التي صار يُنظَر إليها باعتبارها كلية الحضور في السيطرة الاستعماريّة على عموم أرجاء العالم.

قبل عقود قليلة مضت، كان «الغرب» يُستعمل استعمالًا لا غبار عليه كمؤشّر تاريخي لقياس الكيفيّة التي يكون عليها مجتمع ما في علاقته بآخر، ومن ثم لرسم خريطة موقع جغرافي على أساس ثبت زماني تاريخي للتقدّم. وتلك إحدى سمات وزوايا النزعة الاستعلائية التي أفضت إلى تشكُّل الظاهرة الاستعماريّة كنظرية وممارسة في الوقت عينه.

*   *   *

في حقبة ما بعد الحداثة الاستعماريّة، ستشهد آليّات السيطرة تغيرًا جذريًّا، سيكون من أبرز معالمها دخول المعرفة العلمية كقوة حاسمة في إعادة تشكيل الحالة الاستعماريّة وضمان ديمومتها. في الفكر الاستعماري بنسخته النيوليبرالية سيُنظر إلى كلِّ ممكنٍ وواقعيٍّ بوصفه أمرًا عقلانيًّا. يحصل هذا حتى لو كان مقتضى الوصول إلى الهدف إيذاء الغير وانتهاك حياضه السيادية. في العقلانية الاستعماريّة التي ارتكنت إلى العلوم الطبيعيّة كمعيارٍ أوحَدَ لحلّ مشكلات العالم، تجرَّدت الذات الإنسانيّة من كلِّ محتوى أخلاقيٍّ وسياسيٍّ وجماليٍّ. وما ذاك إلّا لأنّ المهمة الجوهرية لهذه العلوم تقتصر في مناهج التفكير الاستعماري على الملاحظة «المحضة» والقياس المحض؛ ذلك لأن تحديد «طبيعة الأشياء» وطبيعة المجتمع جرى على نحوٍ يبرّر «عقلانيًّا» الاضطهاد والاستغلال. من هذا النحو، ستتحوّل خرافة «الحروب العادلة»، وخصوصًا مع احتلال العراق وأفغانستان واستمرار العدوان على فلسطين ولبنان، إلى مقولةٍ سائدةٍ منذ العقد الأخير من القرن الماضي. لم تدرك الحداثة بسببٍ من غفلتها ومَيْلها المحموم إلى السيطرة، أن المعرفة الحقّة والعقلَ الحقَّ يقتضيان السيطرة على غلواء الحواس، والتحرّر من قهر الغير والسيطرة عليه. المفارقة

 

(19)

في «العقلانيّة» ذات السمة الاستعماريّة المستحدَثة، أنها حين تُقِرُّ بالقيم الإنسانية كسبيلٍ للعدل والسلام العالميَيْن، تعود لتؤكّد -وبذريعة العقلانيّة إيّاها- أنّ هذه القيم قابلةٌ لأن تتخذ مكانتها في أسمى منزلة (أخلاقيًّا وروحيًّا)، ولكنها لا تُعَدُّ حقائقَ واقعيةً. تلك معادلةٌ أساسيةٌ من معادلات فلسفة الاستعمار التي بناها العقل البراغماتي الحاكم على حكومات الغرب. مؤدّى هذه المعادلة صراحةً: إذا كانت قيم الخير والجمال والسلام والعدالة غير قابلةٍ للاستنباط من الشروط الأنطولوجيّة أو العلميّة، فلا مجال بالتالي لأن نطالب بتحقيقها، فهذه القيم في نظر العقلانية العلمية ليست إلّا مشكلاتٍ تتعلّق بالتفضيل الشخصي؛ ولما كانت هذه الأفكار غيرَ علميةٍ، فإنها لا تستطيع أن تواجه الواقع القائم إلّا بمعارضةٍ ضعيفةٍ وواهنةٍ.

لقد جرى التنظير الفلسفي للعقلانية الاستعلائية مجرى اليقين في غريزة الغرب الاستعماري، فهو حين أسّس «لاهوتيًّا» لحملات القوةّ عبر الحروب الصليبية المتواترة، انبرى يسوِّغ عبر الاستشراق الإقناعي بأطواره المختلفة لاستعمار المشرق العربي ومغربه. وبناء على هذا المسار، راح الفكر الاستعماري يتوغّل في مجمل البناءات الثقافية للبلدان العربية والإسلامية، زاعمًا أن عقلانية التنوير هي الأساس المعرفي الذي ينبغي على نخب البلدان المستعمرة أن تؤسس عليه تقدّمها الحضاري. وقد تبيَّن لنا كيف تبنَّت طائفة واسعة من المفكّرين العرب والمسلمين أطروحة الغرب الشهيرة، فإن العقلانية التنويرية الأوروبية هي الروح الذي يسري بلا انقطاع في تاريخ البشرية، وأنها البديل للزمان اللاّعقلاني الذي استولدته جاهلية القرون الوسطى الأوروبيّة؛ ولذلك فليس من قبيل التجريد أن يستنتج إيديولوجيو الفكر الاستعماري المعاصر في الغرب مقولتهم الشهيرة: «إنَّ فن تكوين الحقائق بالقوة القهرية هو الأكثر أهمية من امتلاك الحقائق». لقد جرى استدعاء هذه المقولة ورفعها إلى مستوى الاستراتيجيات العليا، ليكون من نتيجتها بلوغ أقصى درجات اللَّاعقلانية عبر

(20)

شنّ حروب الإبادة وتسويغ نتائجها كسلوك مشروع ومعقول وإنساني. وهكذا لم تعد غاية العقل الاستعماري المستحدَث الكشف عن جوانب اللامعقول في الواقع، بل صارت غايته الكبرى البحث عن الصيغة التي يمكن بفضلها تشكيل الواقع طبقًا للمصلحة. كذلك لم تعد الغاية هي التجاوز والتغيير، بل أصبحت هي التبرير عينهُ، وبدل أن يكون العقل الإنساني موجِّهًا للواقع المعاصر أصبح خاضعًا لأغراض الواقع ولوازمِه...».

لقد اتخذت العقلانيّة هنا صفة جديدة كلّ الجِدَة، وتحوّلت إلى إيديولوجيةً فظّةً تسوِّغ لنفسها كل ما ترسمه من مطامح. نذكر في هذا السياق أن السلطة النيوليبرالية الحاكمة في الغرب أخذت عند انتهاء الحرب الباردة (1990م) فرصتها لكي «تؤدلج» انتصارها وسيادتها الأحادية على العالم. لقد تسنَّى لها بوساطة شبكةٍ هائلةٍ من «الميديا البصرية والسمعية» ـ أن تعيد إنتاج هيمنتها ثقافيًّا واقتصاديًّا ونمط حياة على نطاق العالم كله، كان على «عقلانيّة» الليبراليّة الجديدة أن تقطع صلتها بالموروث المفاهيمي لحداثة التنوير. وها هي تحسم مدَّعاها بتقريرها أن تداعيات المشهد العالمي لا تعكس فقط نهاية التوازن الدولي، بل نهاية التاريخ بالذات: أي نهاية التطوّر الإيديولوجي للبشريّة كلها، وتعميم الديمقراطية الليبرالية كشكلٍ نهائيٍّ للسلطة على البشرية جمعاء.

لقد أوصل التنوير ثقافة الهيمنة الغربية المدمّرة للذات إلى هذا المعدل السريع في حركتها، فقد منح السلطة الإمبريالية المسيطرة في الغرب أساسًا منطقيًّا، أو «أسطورة» للبحث الواعي عن الهيمنة الشاملة عبر العقل الخادع والعلم التقني. فقد بات واضحًا مع خروج الرأسمالية الغربية من نطاقها القومي إلى الفضاء العالمي، عقلانيّة استعماريّة للسيطرة حدَّت وظيفة استعمال العقل بجلب المنافع المحضة. مثل هذه العقلانية الوظائفية راحت تتمظهر مع تعاقب الزمن كسمتٍ تكوينيٍّ للشخصية الاستعماريّة. فلقد بيّنت اختبارات التاريخ أن من أكثر طبائع العقل الاستعماري تميّزًا إضفاء صبغة عقلانية على كل فعالية من فعالياته

(21)

يقطع النظر عن أثرها الأخلاقي. إنّ ما ينتج من هذا في آخر المطاف هو أن تتحوّل العقلانية إلى ذريعةٍ فادحةٍ للاستخدام الإيديولوجي في الفكر الإمبريالي.

بعد تجربة الحرب العالمية الأولى وصدور كتاب أزوالد شبنغلر «أفول الغرب»، أصبح الكلام عن نهاية الحضارة الغربيّة طبيعيًّا. على أن الموضوع الوحيد الذي بقي مثار جدل، ليست فقط التساؤل عما إذا كان الغرب سوف ينتهي أم لا، بل لماذا وما السبب الذي جعل الحضارة الغربيّة تمتثل لسؤال النهايات المريع؟ الإجابة التي تبنّاها مدرسة فرانكفورت على سبيل المثال هي أن الحضارة الغربيّة كانت مبنية على استراتيجية متفسّحة: إستراتيجية سحق غرائز الإنسان الحيوية من خلال السيطرة العقلانية على الطبيعيّة، وعلى الذات وعلى الآخرين.

*   *   *

سنجد في هذه السلسلة مقاربات معمّقة تدرس بالعرض والتحليل النقدي لتاريخ الحركة الاستعماريّة في العالمين العربي والإسلامي. ومن المهم في هذا الموضع المعرفي الذي نحن بصدد العناية به، أن يتحوّل هذا التفكير التحرّري النقدي للاستعمار إلى منظومةٍ معرفيّةٍ تؤسّس للإحياء الحضاري في مواجهة الإقصاء الاستعماري المتمادي. فلكي تتّخذ دراسة الاستعمار بأشكاله وحقوله ووقائعه المعاصرة مكانتها كواحدة من مفاتيح المعرفة في العالم العربي والإسلامي، وجب أن تتوفّر لها بيئات راعية، ونخب مدركة، ومؤسسات ذات آفاق نهضوية، في إطار مشروع حضاري متكامل.

*   *   *

لعلّنا في هذا المنجز المعرفي -الذي نضعه في تناول القارئ الكريم- نكون قد افتتحنا أفقًا جديدًا يعمل على تظهير فهم معمَّق لمسارات الحركة الاستعماريّة قديمها وحديثها ومعاصرها في بلادنا ومجتمعاتنا.

وما توفيقنا إلّا من عند الله

 

(22)

 

الفصل الأوّل

الاستعمار السياسي - الاجتماعي

 

-المؤثّرات الاستعماريّة على بنية المجتمع المصري

-الاستعمار الأوروبي وأثره في البنية الاجتماعيّة المصريّة

 

 

(23)
(24)

المؤثّرات الاستعماريّة على بنية المجتمع المصري

حقبة الاحتلالين الفرنسي والبريطاني

 

      محمود عبد الفتاح أبو طه[1]

 

يطرح البحث عدّة إشكاليّات تتمثَّل في الاستفهامات التالية: كيف أثّر الاستعمار على المجتمع المصري؟ وهل تعايش المصريّون معه؟ وما مدى الأثر الذي خلّفه على الحياة المصريّة سياسيًّا، واقتصاديًّا، وعلميًّا، واجتماعيًّا؟. تلك التساؤلات تعطي لنا تصوّرًا متكاملًا حول ما خلّفه الاستعمار في البيئة المصريّة، فمع وقوع مصر تحت نير الاحتلال الفرنسي، ومن بعده البريطاني بدأت آثار هذا الاحتلال تتشكّل وتتنوّع وُفقًا للسياسات الاستعماريّة لهذا المحتلّ. والتي بدَت واضحة في نزع الصبغة الإسلاميّة والعربيّة عن مصر، ومحاولة تغريبها وصبغها بالصبغة الغربيَّة. وفي السياق سوف نتعرّف أيضًا على ما خلّفه الاستعمار في الجوانب السياسيّة، والاقتصاديّة، والثقافيّة، والعلميّة، وكذا الاجتماعيّة.

أوّلًا: الجانب السياسي

ممّا لا شكّ فيه أنّ استلام «محمّد علي» لزمام الحكم المصري يعتبر أحد نتائج الاحتلال الفرنسي على مصر بصورة أو بأخرى، وليس أدلّ على هذا من أن تولية محمّد علي سُدّة الحكم في مصر (1805م) كانت بمراقبة من الفرنسيّين وإحاطتهم؛ حتى إنّهم أوغروا صدره على المشايخ والقادة الذين نصَّبوه واليًا على مصر، وأخذوا يخوَّفونه عاقبة

(25)

سلطانهم على جماهير الأمة المصريّة، فكانت غدرة محمّد علي بقادة الأمة من مشايخ وعلماء الأزهر. وبهذا نجح الفرنسيّون في الانفراد بأُذن محمّد علي الجريء المستبدّ، يُوحون إليه بما يريدون، وما يُبيِّتون، ويتمنّون[1]. وبهذا تغيّر الوضع السياسي المصري؛ بتثبّت محمّد علي لقواعد ملكه -بمعونة هؤلاء-؛ تمهيدًا لتطبيق مآرب فرنسا وأهدافها والتي فشلت في تحقيقها عسكريًّا. وعلى نحو مكّن محمّد علي بمعاونة المحتلّ أن يؤسّس لأسرة حاكمة لذريَّة من بعده. ومع ذلك فقد أدّت سياسة محمّد علي باشا إلى حدوث تضارب واضح بين المصريّين، وبين الأوروبيّين عامّة، والبريطانيّين خاصّة؛ مما دفع بريطانيا بسبب عوامل استراتيجيّة وسياسيّة لمحاربة محمّد علي واستخدام القوة ضدّه، حيث تمكّنت من تحجيم دوره وإجباره عسكريًّا على الانكفاء داخل حدوده المصريّة بموجب بنود معاهد لندن (1840م)، وبعد وفاته أخذت قبضة الدول الكبرى تشتدّ على مصر[2] في أثر آخر للمحتلّ.

ومع قيام الثورة العرابيّة (1882م) وما اتّبعها من أحداث جليلة بسقوط مصر تحت نير الاحتلال البريطاني والذي أمسى بعد سقوط العاصمة (القاهرة) في قبضة الحاكم بأمره؛ فالمعتمد البريطاني أصبح الحاكم الفعلي للبلاد، والدستور الذي فاز به الشعب عام (1882م) صار هشيمًا تذروه الرياح الاستعماريّة، والبرلمان المنتخب أُلغي، وأضحت مصر بلا دستور، ولا برلمان، وحُطّم الجيش المصري، فجرّد ضباطه المشاركون في الثورة العرابيّة من رتبهم، وحُوكم كبار القادة بجريمة العصيان ضدّ المستعمر المحتل المغتصب[3].

ولعلّ هذا كان أبرز ما خلّفه هذا المستعمر في أيّامه الأولى؛ فيذكر في هذا الصدد أنّه جاء في عدد الوقائع الصادر في أول أكتوبر (1882م) أنّه قد «انشرحت صدور الحاضرين، وأعجب الجناب الخديوي المعظّم بما رآه من مهارة رؤسائهم وضباطهم

(26)

وحسن انتظام العساكر وكمال نظامهم، وشكر الكل على ما قاموا به من إخماد فتنة العصاة وإطفاء ثورتهم». وفي كتاب فصل في تاريخ الثورة العرابيّة[1] ورد أنّه كان للانتقام من زعماء الثورة أثر سياسي فج فبدأ الخديوي بإلغاء الجيش المصري جملة؛ بحجة أنه انضمّ إلى العصاة، وكان هذا توطئة لمحاكمة قادته وضبّاطه إلا من انحاز أثناء الحرب إلى الخديوي. وكان سلطان باشا يأمر بالقبض على من يشاء وإلقائه في السجن، وقد اعتقل كبار رجال الجيش وجميع زعماء الثورة من المدنيّين، إلّا عبد الله نديم فقد اختفى زمنًا ولم يُعرف له مقرّ، وعدد كبير من العلماء والأعيان والموظفين ومشايخ البلاد، حتى لقد بلغ عدد المقبوض عليهم ثلاثين ألفًا. وصدر أمر من الخديوي بتأليف محكمة عسكريّة، تقدم إليها لجنة أُلِّفت للتحقيق مع من ترى تقديمه من المتّهمين، وكان رئيس المحكمة محمّد رؤوف باشا من أنصار الخديوي، وكان الأعضاء إلا واحدًا من أصل شركسي ومن الناقمين على عرابي. وسُجن عرابي مع زعماء الثورة في بناء الدائرة السنية، وقد جُعل معتقلًا عامًّا، وكان توفيق يتطلّع إلى اليوم الذي يُساق فيه عرابي وأصحابه إلى المشنقة، ولم يكن رياض باشا وزير الداخليّة أقلّ تطلّعًا إلى ذلك اليوم من توفيق.

وفي ذات الصلة يذكر محمود الخفيف[2] أن أسوأ ما يذكر أنّ توفيقًا كان يرسل بعض خدمه إلى عرابي في السجن فيسبّونه ويهدّدونه. وقد وُضع عرابي في حجرة صغيرة مرتفعة السقف حالكة الظلمة، وخاصّة في الليل، حيث لم يكن يُسمح للسجناء باستعمال المصابيح، وكانت الحجرة خالية من الكراسي، وليس فيها إلّا بساط وحشية وملحفة ووسادتان وبعض الآنية من الخزف والنحاس. وكان المقرّر أن يُعدم عرابي، وأن تترك الحكومة الإنجليزيّة ذلك إلى توفيق، ولكن صديقه مستر «بلنت» أثار حملة صحفية على «جلادستون» ووزارئه في إنجلترا، حتى اضطر إلى السماح لعرابي بأن يتولّى الدفاع عنه محامٍ إنجليزي هو مستر برودلي وقد استأجره بلنت. وكانت المحاكمة مهزلة من

(27)

المهازل، فقد وَضعَ لورد دوفرين، وكان قد حضر إلى مصر عقب الاحتلال، الخطة الآتية: تستبعد جميع التهم عن عرابي ما عدا تهمة عصيان أمر الخديوي حين دعاه إلى الحضور إلى الإسكندريّة، ويقدَّم إلى المحكمة فيعترف بالتهمة، وتُصدر المحكمة حكمها عليه بالموت؛ ولكن مرسومًا خديوييًّا بتعديل الحكم يُتلى في قاعة الجلسة، ويقضي بنفيه من مصر ومصادرة أملاكه.

ولا شكّ في أنه كان من آثار هذا الاحتلال الإنجليزي أو مما خلّفه إضعاف الروح الوطنيّة، حيث خلَت البلاد من روح المقاومة طيلة عشر سنوات أو يزيد، فركنت الأمة إلى الاستكانة والخضوع، ولم يبد من دلائل الحياة واليقظة سوى استقالة «شريف باشا» سنة (1884م) احتجاجًا على إخلاء السودان، وعلى التدخّل الأجنبي في شؤون الحكومة، ثم انطوت هذه الصفحة على عجل، ولم يحذُ أي من كبار الحكام حذو شريف باشا، وتعاقبت على البلاد وزارات الولاء للاحتلال والخضوع لأوامره ونواهيه، فاعتادت الأمة هذا الطراز من الحكّام، وتحت تأثير هزيمة الثورة العرابيّة، وانتصار الاحتلال أخذ كبراء البلاد وموظّفوها، وأعيانها ومثقّفوها، وخاصتها وعامتها يتنكّرون للحركة الوطنيّة، ويوالون الاحتلال ويبتغون الزلفى لديه، وكما نلاحظ أن الاحتلال من ناحيته عمل على توطيد هذه الحالة النفسية، فلا يُرقّى في الوظائف الحكومية من يُعرف عنه الميول الوطنيّة، بل كان يُرقّى من يتنكّر لهذه الميول، ففسدت النفوس، والتوت الضمائر، وفشا الجبن والنفاق، وتضاءلت الروح الوطنيّة في النفوس، وصار عدم الإكثار من الوطنيّة شعار هذا الجيل، والجيل الذي تلاه، وأصبح سبيل النجاح سواء في مناصب الحكومة، أو في الحياة الاجتماعيّة عامّة؛ هو الولاء للاحتلال الأجنبي، والزراية بالمبادئ الوطنيّة، وقلة الإخلاص للبلاد[1].

ويضيف الرافعي[2] قائلًا عن أثر ما خلّفه هذا المحتل البغيض: وممّا ساعد على انتشار هذا الفساد المعنوي إلغاء الجيش القومي؛ إذ فقد الناس به التطلّع إلى المُثل العليا،

(28)

وانصرفوا إلى الصغائر والسفاسف، وتعلّقوا بها، واطمأنوا إليها...، وتعدّدت المظاهر المهينة المنافية للكرامة الوطنيّة، المساعدة على إضعاف روح الوطنيّة في النفوس من أمثلة ذلك: قيام بعض كبار الأعيان بتقديم هدايا للقواد البريطانيّين الذين انتصروا في الثورة العرابيّة، وكذلك استعرض الخديوي الجيش الإنجليزي في ميدان عابدين على إثر إخماد الثورة، وأقام مأدبة فخمة تكريمًا للقواد البريطانيّين، وأنعم على ضبّاط جيش الاحتلال بالرتب والنياشين، وفي سنة (1891م) أقام الجنرال «دورمر» قائد جيش الاحتلال ليلة راقصة حضرها الوزراء وكبار الموظّفين المصريّين، وعدّوا دعوتهم إليها تكريمًا لهم، وتعظيمًا!!!.

ولعلّ أهمّ ما خلّفه الاستعمار في مصر ظهور الطبقة البورجوازيّة، وهي الطبقة التي تولّت قيادة الحركة القوميّة، والتي نشأت، ونمت في ظلّ هذا الوضع الاستعماري، ومعه بدأت صفحة جديدة من النضال البرجوازي المصري، ومن أبرز الأمثلة على هذا النضال نشأة حركة الجامعة الإسلاميّة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وحسب قول الدكتور عبد العظيم رمضان كانت كرد فعل للضغط الاستعماري الأوروبي على الشرق الإسلامي بصفة خاصة، وثمَّة حقيقة مهمة يجب إبرازها -في هذا السياق- وهي أنّ الاحتلال البريطاني لمصر كان هو السبب المباشر لظهور دعوة الجامعة الإسلاميّة، فقد ظهرت هذه الدعوة أوّل ما ظهرت على منبر جريدة (العروة الوثقى) التي أسّسها جمال الدين الأفغاني والشيخ محمّد عبده في باريس عام (1885م)[1].

 ولا نبالغ إذا قلنا إنّ من الآثار السياسيّة للاحتلال البريطاني لمصر ظهور الدعوة للجامعة الإسلاميّة على صفحات جريدة العروة الوثقى كدافع مباشر لمقاومة هذا المغتصب؛ ومما يدلّ على هذا ما دُوّن على صفحات هذه الجريرة في عددها الأوّل والذي جاء فيه: «إنّ الفجيعة بمصر حرّكت أشجانًا كانت كامنة، وجدّدت أحزانًا لم تكن في الحسبان...، إنّ الرزايا الأخيرة التي حلّت بأهمّ مواقع الشرق قد جدّدت الروابط،

(29)

وقاربت بين الأقطار المتباعدة بحدودها، المتّصلة بجامعة الاعتقاد بين ساكنيها...»[1]. وفي اتّساق متزامن لاقت تلك الدعوة نجاحًا كبيرًا في العالم الإسلامي مدعومة من (السلطان العثماني عبد الحميد)؛ لإحياء الخلافة العثمانيّة، وجمع كلمة المسلمين حولها، وبهذا حازت الدعوة نجاحًا كبيرًا في العالم الإسلامي، واستقبلتها الشعوب المسلمة التي كانت ترزح تحت عبء الاستعمار الأوروبي بالحماسة، والابتهاج، وكان مصطفى كامل مؤسّس الحزب الوطني حامل لواء هذه الدعوة في مصر[2]، وقد أكّد ذلك تشارلز آدمس[3] بقوله: «ففي أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين تجدّد الشعور الوطني في مصر بعد أن كَبَته -وقتًا ما- إخفاق الحركة الوطنيّة التي قادها عُرابي،... وكان مصطفى كامل هو الزعيم الشاب للحزب الوطني الذي انبعث من جديد يتصدّر الغُلاة من الوطنيّين وينفخ فيهم من روح التطرّف في غيرة وحماسة»!!.

فمع إعلان الاتّفاق الودّي بين إنجلترا وفرنسا سنة (1904م) والذي تعهّدت الحكومة الفرنسيّة بموجبه من جانبها بأن لا تعرقل عمل إنجلترا في مصر ولا بطلب تحديد أجل للاحتلال البريطاني بأيّ صورة أخرى، فحين تلتزم حكومة صاحب الجلالة أن لا تعرقل عمل فرنسا في الجزائر والمغرب، بما يعني إقرار فرنسا للاحتلال البريطاني في مصر، هنا أدرك مصطفى كامل أن معارضة فرنسا للوجود البريطاني في مصر كان نوع من المساومة لتعويض فرنسا عما فقدته في مصر[4]، وعليه فقد كثّف مصطفى كامل جهوده الداخلية؛ لنشر الوعي الوطني في مصر لإيقاذ المصريّين، حيث نادى بإدخال الدين في التعليم، وفي الوقت ذاته أسّس نادي المدارس سنة 1906م وجمع فيه صفوة المثقّفين في مصر الذين تشرّبوا مبادئه وتشبّعوا بتعاليمه من أجل خدمة الوطن، وبذلك سرت روح الوطنيّة بين الطبقة المثقّفة من الأمّة، إلى جانب قيامه بتأسيس الحزب الوطني (حزب الجلاء)

(30)

في سنة (1907م)، ليكون مقرًّا لجمع الأحرار تحت لواء هذا الحزب للاستفادة منهم في الضغط على الاستعمار[1]، وجدير بالذكر أنّه في سنة (1906م) وقعت أحداث أسهمت في بعث الشعور الوطني في مصر، كما دفعت مزيدًا من المصريّين للاشتغال بالسياسة والكفاح ضدّ الاحتلال، ومن ثمّ حقّ القول بأنّ عام (1906م) كان ذروة الحركة الوطنيّة ضدّ الاحتلال الإنجليزي. لعلّ من أبرز هذه الأحداث: إضراب طلبة الحقوق، وحادثة العقبة أو طابا، وحادثة دنشواي التي وقعت في 13 يونيو (1906م) وقد كان مقدّرًا لهذه الحادثة أن تهزّ مصر كما لم يهزّها حادث، كما كان مقدّرًا لهذا الحادث أن يُنزِل اللورد «كرومر» من فوق عرشه، وأن يرتفع بمصطفى كامل إلى الذروة.

وشهد شهر نوفمبر من عام (1914م) أثرًا سياسيًّا آخر لهذا الاحتلال؛ وذلك بإعلان الأحكام العرفيّة في مصر، ووضعها تحت الرقابة القاسية، والتي وصفتها جريدة التايمز البريطانيّة فيما بعد في (28 إبريل 1919م) بأنّها أقلّ كفاءة من رقابة أي بلد تحت الحكم البريطاني، وأشدّها بطشًا، وأكثرها عسفًا، بل إننا نلحظ أن الحماية على مصر أُعلنت في ديسمبر سنة 1914م، وتمّ خلع الخديوي عباس الموالي للأتراك، وعُين «حسين» الموالي للبريطانيّين، ومُنح لقب سلطان، وأُعلن رسميًّا أن الحكم العرفي لن يتسلّط على الإدارة المدنيّة[2]. وقد شكّلا إعلان الحماية، وخلع الخديوي علامة فارقة -إذا جاز التعبير- في الحالة السياسيّة المصريّة، ولعلّ الممعن في قرار خلع الخديوي يظهر له آثار السياسات المتوالية على مصر، فالنظر الفاحص في وثيقة إعلان خلع الخديوي يظهر للمرء كيف أن حكومة صاحب الجلالة!!، تسوّغ الانقلاب الذي أحدثته، فالمنطق الاستعماري يفضح نفسه، والساعي -دومًا- لتحقيق أغراض قديمة في وادي النيل منذ سنة (1882م) بل قبلها بسنين، والعجب من ذلك حسب ما رصد الرافعي، فإنّ نظام الحكم في مصر وكما أعلنت الوثيقة أن قاعدته هي: «التدرّج في إشراك المحكومين

(31)

في الحكم بمقدار ما تسمح به حالة الأمّة في الرُقي السياسي»، وهذا بلا شكّ كما يؤكّد الرافعي هو استمرار للسياسة التي اتبعتها إنجلترا منذ الاحتلال، وقوامه حرمان الأمة الاستقلال والنظام الدستوري الذي نالته قبل الاحتلال، وعلى هذا الأساس وضعت سلطات الاحتلال النظم الصوريّة التي تعاقبت على البلاد منذ عام (1883م) كمجلس شورى القوانين، والجمعيّة العموميّة، ثمّ التشريعيّة[1]. وبهذا يمكن القول: إنّه صاحب هذا التغيير -الجبري- في وضع مصر السياسي، فقد رافق تولّي حسين كامل للسلطة؛ إحداث العديد من التغييرات؛ ففضلًا عن اسم العلاقة الجديدة بين بريطانيا ومصر، تحوّلت دار المعتمد البريطاني لتصبح دار المندوب السامي، وأُضيف إلى صلاحيّتها الإشراف على العلاقات الخارجيّة؛ فصار بذلك المندوب السامي هو القائم بمهام وزير الخارجيّة، وسريعًا أُطلقت أيدي المستشارين الإنجليز في البلاد، وأصبحوا الحكام الحقيقيّين؛ ولم يخف على أحد الأهميّة الكبرى التي حظي بها منصب المستشار المالي في ظلّ هذا الوضع الجديد، فكان هو رئيس الوزراء الفعلي بينما اقتصر دور رئيس الوزراء المصري -الرسمي- على بصم القرارات[2]!!!.

ومع اشتداد وطأة الاحتلال ورفضه القاطع حقّ مصر في تقرير مصيرها، فضلًا عن حالتها خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)، وخاصّة مع ازدياد تغلغل الاحتلال في إدارة شؤون مصر، كبيرها وصغيرها، فضلًا عن محاولته فصل السودان عن مصر؛ يئس الشعب المصري من الوصول إلى حقوقه بالطرق السلميَّة، فجنح للثورة ليعلن بها سخطه على الحماية والاحتلال؛ ليحقّق بها آماله في الحرّيّة والاستقلال؛ فكانت ثورة (1919م) والتي أضحت في تاريخ مصر الحديث أحد أبرز الآثار السياسيّة للاحتلال البريطاني على مصر[3]. هذا ويُعدُّ تكوين الأحزاب المصريّة بعد ثورة 1919م

(32)

من أهم الآثار السياسيّة للاحتلال البريطاني؛ وكان تراجع بريطانيا وإصدارها تصريح 28 فبراير 1922م بهدف تغيير الشكل الخارجي لنظام الحماية، وإعطاء مصر لونًا جديدًا مع الاحتفاظ بسيطرتها على أهم مقومات هذا الاستقلال الشكلي، وكان الهدف من وراء هذا إشغال المصريّين بالقضايا الداخليّة، والمشكلات الدستوريّة، والنظم الحربيّة، حتى تتمكّن من مواصلة سيطرتها على الموقف؛ لذا كان تكوين الأحزاب بعد الثورة المصريّة أمرًا حتميًّا؛ للاختلافات التي كانت كامنة بين السياسيّين في الطبائع والأمزجة [1].

هذا ولم يكن الاستعمار يكتفي باللعب وراء الستار؛ فكان كثيرًا ما يتدخّل تدخّلًا سافرًا في شؤون الحياة النيابيّة، فمع إصرار الشعب على العودة لدستور 1923م، أشارت الحكومة البريطانيّة بأنّه لا يصلح وأنّه لا يصلح للعودة ثانية، ومع عقد معاهد 1936م كان من آثارها التبعيّة الدائمة، واحتلال دائم، فالسيادة الحقيقيّة كانت للمستعمر، فعلى الرغم من نصّ المعاهدة على إنهاء الاحتلال، إلّا أنّ القوّات البريطانيّة بقيت في الإسكندريّة ومنطقة القناة بحجّة معاونتها في الدفاع عن مصر، وسُمح بزيادة عددها في الحرب أو خطر الحرب، وعلى الرغم من أن المعاهدة أقرّت عودة الجنود المصريّين إلى السودان، لكن السودان أصبحت بموجب هذه المعاهدة مستعمرة إنجليزيّة يحرسها جنود مصريّون تحت إمرة حاكمها العام البريطاني، إذ أبقت المعاهدة للسلطة العسكريّة، والمدنيّة العليا في يد الحاكم العامّ البريطاني، أمّا ما ورد بخصوص إلغاء الامتيازات الأجنبيّة، فقد كان ذلك مرهونًا بالاتّفاق مع الدول صاحبة الامتيازات[2].

وسرعان ما تكشّفت حقائق معاهدة (1936م) للأمّة المصريّة التي ظلّت تعمل وتناضل للتخلّص منها، وقد نجحت الأمّة في تحقيق أملها عندما قامت حكومة الوفد برئاسة مصطفى النحّاس باشا بقطع المفاوضات بين الحكومتين المصريّة والبريطانيّة بعد

(33)

أن اتّضح عدم جدواها، وبعد أن استطالت نحو تسعة عشر شهرًا (مارس 1950- سبتمبر 1951م)، وتشدّدت بريطانيا خلال هذه المفاوضات أكثر من ذي قبل، حيث تمسّكت ببقاء قوّات بريطانيّة في مصر حتى في وقت السلم، ولم تعد تعترف بصلاحيّة عبارتي الجلاء ووحدة وادي النيل كأساس للاتّفاق، عندئذ أعلن النحّاس باشا في 8 أكتوبر (1951م) إلغاء معاهدة (1936م)، واتفاقية (1899م) بشأن السودان[1]، ثم قامت ثورة 23 يوليو (1952م) التي نتج عنها تحقيق الاستقلال التام وإجلاء الإنجليز، حيث اضطرّت بريطانيا إلى توقيع اتّفاقيّة الجلاء عن مصر في 19 أكتوبر (1954م)، وفيها اعترفت بريطانيا بإنهاء معاهدة (1936م) وتعهّدت بإجلاء قوّاتها عن مصر خلال عشرين شهرًا[2].

ثانيًا: الجانب الاقتصادي

بعد القضاء على الثورة العرابيّة واحتلال مصر تمّ إخضاع الطبقة الحاكمة المصريّة لسياسة الماليّة البريطانيّة والتي هدفت بالأساس إلى أن ينتصر الرأس المال البريطاني ربحًا متزايدًا يُبتزّ من الطبقة السلطويّة من الفلاحين المصريّين الكادحين، وكان هدف الاحتلال ضمان أن تدفع الحكومة المصريّة فوائد الدين العام دفعًا منتظمًا، مع فتح مصر سوقًا لمنتجات الصناعة البريطانيّة الثقيلة، ولكن كانت العقبة أمام هذا التطبيق؛ هو صغر الإنتاج السنوي للثروة في مصر، ويكاد أن يكون زراعيًّا (قمحًا، ذرة، أرزًّا، وحاصلات غذائية أخرى -للاستهلاك المحلي- وإنتاج القطن كان ضئيلًا، وعليه كان من آثار السياسة الماليّة البريطانيّة في مصر هو دفع عجلة إنتاج القطن للأمام؛ رغبة منهم في تحقيق المكاسب الماليّة لأنفسهم كسلطة احتلال، وهذا ما أكده تصريح «كرومر» الرسمي حيث قال: «إنّ مصالح حمَلة السندات ومصالح الشعب المصري متماثلة»، ومعنى هذا أنّ تنمية محصول القطن والذي يمكن بيعه بأسعار مرتفعة في الخارج، لا بدّ

(34)

وأن تأتي على حساب المحاصيل الغذائيّة التي يستهلكها الفلّاحون المصريّون، وعلى هذا تحوّلت مصر من بلد كان يعتمد على إنتاج حاجاته الغذائيّة إلى بلد يستورد هذه المواد!!!. وفي الحقيقة كانت السياسة الرأسماليّة البريطانيّة في مصر تحتاج إلى آلة حكوميّة شديدة الصلاحيّة كبيرة الحزم في الإدارة؛ فنلحظ سيطرتهم الإداريّة باستخدام جيش من الموظّفين الإنجليز الذين راحوا يشغلون مناصب مدنيّة رفعيّة[1]. على أنّ أهمّ ما خلّفه الاستعمار كان تغيير هيكليّة الاقتصاد المصري وتطوّر نظام الملكيّة الزراعيّة؛ إذ تغيّرت ملكيّة الأراضي الزراعية وأنماطها، وتحوّلت إلى ملكيّة فرديّة خاصّة؛ فبلغ عدد المُلاك عام (1894م) نحو (660,000) مالكًا، ثمّ صار (914,414) مالكًا سنة (1900م)، بينما ارتقع هذا العدد في عام (1913م)، وصار نحو (1,556,310) مالكًا، وكان من آثار هذا الوضع اضمحلال طبقة الفلّاحين وفقدُ معظمهم لأراضيهم، الأمر الذي دفعهم للعمل كأجراء[2].

في مقابل ذلك، كان من آثار السياسة الاستعماريّة البريطانيّة في مصر أيضًا أنها لم تخصُّ الصناعة المصريّة بأيّ اهتمام، فمصر لم تتأثّر بالاختراعات الحديثة التي تحقّقت في أوروبا نتيجة الثورة الصناعيّة، بل -على العكس- هبطت مكانة الصناعة مقارنة بالزراعة -في صورة تدعو للدهشة- إنّ ما يلاحظ في هذا السياق قيام بريطانيا بخنق تطوّر الصناعة المصريّة، والاستثناء الوحيد لذلك كان صناعة حلج القطن، وجزئيًّا صناعة التعدين؛ لأغراض التوفير[3]، ووُضعت أمام الصناعة المصريّة الوطنيّة العراقيل في الوقت الذي كان يشجّع فيه الصناعات الأجنبيّة، وكان إهمال الصناعة بمثابة حجر الزاوية لنجاح السياسة الاقتصاديّة للاحتلال بُغية تحويل اقتصاد مصر إلى اقتصاد يختصّ -فقط- بإنتاج القطن وتصديره، ومن ثمّ دمج الاقتصاد الرأسمالي العالمي كاقتصاد تابع. وكنتيجة مباشرة

(35)

لتلك السياسة تدهورت الصناعة المصريّة، وحُرمت البلاد من موارد عظيمة للثروة، فلم يكن الانتاج المحلّي يفي بحاجات الاستهلاك؛ ومن ثمّ اعتمدت البلاد على المنتجات الأجنبيّة المستوردة وغزت الصناعات الأجنبيّة الأسواق المصريّة[1].

وحتى لا تكون المبالغة هي القائمة على ما ورد أودّ هنا أن أعرض اعتراف كرومر في تقريره عن سنة (1905م) عن ضعف الصناعة الوطنيّة المصريّة بسبب السياسة البريطانية؛ إذ يقول: «إنّ المنسوجات الأوروبيّة حلّت محلّ المنسوجات، وبانقراض المنسوجات المحلّيّة أخذت الصناعة الأهليّة تنقرض أيضًا...، من يقارن الحالة الحاضرة بالحالة التي كانت منذ عشر سنوات أو خمسة عشر سنة يجد فرقًا شاسعًا، فالشوارع التي كانت مكتظّة بالدكاكين وبأصحاب الصناعات والحرف من غزّالين، ونسّاجين، وحاكة، وعقّادين، وصبّاغين، وخيّامين، وصانعي أحذية، وصاغة، ونحّاسين، وعطّارين، وصانعي قِرب، وغرابيل، وسروج، وأقفال، ومفاتيح، ومن شاكلهم كلهم قلّت عددًا، وقامت على أطلالها مقاهٍ ودكاكين مملوء بالبضائع الأوروبيّة»[2].

ويرى الباحث أحمد رشدي صالح[3] أنّ سلطات الاحتلال كانت على معرفة حقيقة بأنّ كلّ مصنع للمنسوجات يفتح في مصر يغلق أمامه مصنعًا في بريطانيا، وأنّ للسوق المصريّة أهميّة فائقة لها؛ لهذا انتهجت الاحتلال سياسة ضريبة تعسّفيّة كان من شأنها القضاء على كل إمكانيّات الصناعة المصريّة، وليس بخفي أنّ الاحتلال حارب الصناعة القطنيّة بالذات؛ حيث أسّس معملين لغزل القطن ونسجه سنة (1899م)، وفرضت الحكومة في عام (1901م) ضريبة على جميع المصنوعات القطنية قدرها 8%، أي ما يعادل نسبة الرسوم المفروضة على الغزل والمنسوجات القطنيّة المستوردة من الخارج، الأمر الذي أدّى إلى إيقاف المعامل عن الإنتاج[4].

(36)

ولعلّ السنوات الأخيرة من عهد اللورد كرمر في مصر شهدت توسّعًا في المشاريع الزراعيّة، فضلًا عن تأسيس شركات بريطانيّة لاستغلال ما تبقّى من مرافق مصر، فتلحظ إنشاء الشركة المصريّة لسكّة حديد الدلتا في سنة (1896م)، لتشغيل الخطوط الضيّقة، بينما شهد عام (1898م) إنشاء شركة الأسواق المصريّة والتي مُنحت احتكار إنشاء الأسواق وإدارتها في (120) ناحية، وكانت هذه الشركة مسؤولة عن استيراد السماد الكيمياوي الذي كان يستخدم بكميات كبيرة في الزراعة المصريّة، وغيرها من الشركات ذات الطابع الاستعماري الفجّ، ولعلّ ما يؤيّد هذا أنّ سلطات الاحتلال عمدت إلى إنشاء مؤسّسات تكون مهمّتها توفير الحماية لتلك الشركات وسياستها، فكانت المحاكم الأهليّة في عام (1883م)[1].

وبهذا المنحى الاستعماري نجحت سياسة الاحتلال الزراعيّة بفتح الأبواب لاستغلال الأموال أمام البنوك والشركات الأجنبيّة؛ لشراء الأراضي واستصلاحها ثمّ بيعها للفلّاحين بعد ذلك، وانتشرت أعمال التجار بالمحاصيل الزراعية كالقطن والذرة وغيرها من الأعمال؛ ونتيجة لهذا تدفّقت الكثير من رؤوس الأموال الأجنبيّة في البلاد من خلال شركات وبنوك وهيئات تجاريّة كشركات الرهن العقاري، والشركات المالية التي قدّمت القروض لصغار الفلّاحين بفوائد كبرى، ولعلّ ما يثير الانتباه حول تأثّر الاقتصاد المصري بهذا المستعمر أنّ جملة رأس المال الأجنبي في عام (1883م) كان يقدر بحوالي (6 مليون، 400 ألف جنيهًا)، ومع مرور سني الاحتلال وصل في عام (1897م) إلى حوالي (30 مليون و868 ألف جنيهًا، بينما وصلت مع أوائل الحرب العالميّة الأولى إلى (82 مليون، و390 ألف جنيهًا)[2]. وبهذه الصورة فإنّ الحالة الماليّة للشعب المصري ساءت في عهد الاحتلال؛ إذ انتهت إلى استعباد مالي، وصار مع الزمن أشدة وطأة من الاستعباد السياسي، واستمرّت نتائجه حتّى وقتنا الحاضر، فمنذ الساعات الأولى سيطر الإنجليز

(37)

على ماليّة الدولة المصريّة؛ بتعيين مستشار مالي بريطاني صار الأمر إليه، والنهي في الشؤون الماليّة للحكومة والبلاد، وهكذا استفحل النفوذ الأجنبي عامّة في حياة البلاد الماليّة والاقتصاديّة، إذ صار النفوذ مع الرعاية، والتأييد من الاحتلال، واجتمعت هذه الرعاية إلى رعاية الامتيازات الأجنبيّة، والمحاكم المختلطة؛ فنما هذا النفوذ وازدهر في كنف هذه الرعاية الثنائيّة، وبهذه الصورة غلبوا المصريّين في ميادين المال والاقتصاد، فلم يستخدموا في أعمالهم سوى بني وطنهم، فحُرم المصريّون من أرباح شركاتهم، وأعمالهم، فالشركات سالفة الذكر، وكذا البيوتات الماليّة كانت تعدّيًا على مصر[1]. وقد صوّر هذا المشهد مختصرًا الكونت كريساتي سنة (1912م) في كتابه مصر اليوم[2]، حيث أوضح أنّ دين مصر كان يبلغ (157,987,140) جنيهًا وأن معظمه للأوروبيّين، وبينما يذكر في موضع آخر: «إنّ هذا الدين سيظلّ في ازدياد لاستثمار موارد البلاد، لأنّه ليس لدى المصريّين مال موفور يستخدمونه في شراء سندات الشركات، وهذا الدين سيزيد تبعيّة مصر للدول الأجنبيّة».

وفي هذا السياق يذكر الدكتور عبد العظيم رمضان[3] أنّ من آثار هذا الاستعمار اختفاء طبقة صغار التجار إزاء ظهور طبقة كبيرة من العناصر الأجنبيّة التي أخذت تسيطر على زمام النشاط التجاري والصناعي في سائر أنحاء مصر، فهؤلاء لم يتركوا إلّا الأعمال البسيطة للأهالي، حتّى إنّه لاحظ أنّ معظم الذين يعملون في التجارة المصريّة سواء أكانوا مصدّرين، أم مستوردين، أو باعة الجملة من غير أبناء الوطن، فالبقالة كانت حكرًا على اليونانيّين، والمنسوجات القطنيّة والصوفيّة كانت حكرًا على البريطانيّين، وتجارة الغلال كانت في أيادي العديد من العناصر بما فيهم المصريّين[4].

ولعلّ ما يؤيّد الأثر الذي خلّفه الاحتلال البريطاني في البنية الاقتصاديّة في مصر

(38)

أنّ سنة (1910م) كان للأجانب بها ثلاثة أخماس أراضي مصر ملكًا، أو رهنًا، وهكذا تغلّل الأجانب إذن على عهد الاحتلال في صميم الحياة الماليّة والاقتصاديّة للبلاد، بحيث لم تنجُ قطعة أرض من أعباء الرهون، والديون الأجنبيّة، وصار الماليون الأجانب أفرادًا، أو جماعات هم أصحاب السيرة على حياة الأهليين الاقتصاديّة، وزادت ديون الأهليين وتضاعفت، وعن ذلك تقول لجنة الميزانيّة في مجلس شورى القوانين عن ميزانيّة (1894م): «إنَّ الأمّة المصريّة سائرة في طريق الفقر وعسر الحال، وهذا يزيد على توالي الأيام، وتداول الأعوام، وحسبنا في بيان ذلك أنّ الديون الخصوصيّة المسجّلة في سجلّات المحاكم بلغت في أوائل عام (1891م) فوق العشرين مليون جنيه، وبلغ قدر الأطيان المرهونة نحو مليون وثلاثمئة فدّان وكسور، وهذا بخلاف الديون غير المسجّلة»[1].

ثالثًا: الجانب الثقافي والتعليمي

من المعلوم أنّ واقع التعليم في مصر قبل الحملة الفرنسيّة كان منصبًّا حول التعليم الديني، فالجامع الأزهر كان يشرف على هذا ويمنح شهادات التخرّج لطلّابه، ومع تعرّض مصر للاحتلال الفرنسي بدأ الأمر في التغيير بصورة تبدو ملفتة للانتباه؛ حيث شهد نقلة من التعليم الديني إلى التعليم العلماني الحديث على حدّ الوصف[2]، وعليه لا بدّ أن نبيّن أثر البيئة الثقافيّة لهذا الاحتلال.

 إنّ الحقيقة التي لا ينبغي إنكارها أنّ الثقافة الفرنسيّة سادت في أرجاء الدولة العثمانيّة، ومنها مصر بطبيعة الحال، فالحملة أحدثت أثرًا في ثقافة بعض النسوة؛ حتى إنّ بعض العلماء أطلق على عام (1800م) بأنّه عام تحرير المرأة[3]، وقد نوَّه الجبرتي عن ذلك في تاريخه بقوله: «... منها تبرّج النساء وخروج غالبهن عن الحشمة والحياء، وهو أنّه لمّا حضر الفرنسيس إلى مصر، ومع البعض منهم نساؤهم كانوا يمشون في الشوارع مع

(39)

نسائهم، وهن حاسرات الوجوه...، ويركبن الخيول والحمير، ويسوقونها سوقًا عنيفًا مع الضحك والقهقهة...، فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء...»[1]. وفي رواية أخرى له تزيد الأمر وضوحًا للأثر السلبي الذي خلّفه هذا المستعمر فيقول: «وأخذوا (أي الفرنسيس) ما استحسنوه من النساء والبنات صرن مأسورات عندهم فزيّوهن بزيّ نسائهم، وأجروهنّ على طريقتهنّ في كامل الأحوال، فخلع أكثرهنّ نقاب الحياء بالكلّية، ولما حلّ بأهل البلاد من الذلّ والهوان وسلب الأموال واجتماع الخيرات في حور الفرنسيس ومن والاهم وشدّة رغبتهم في النساء...»[2]،

ولقد زاد الطين بِلّة أنّ «محمّد علي» بعد أن أرسى قواعد ملكه في الديار المصريّة أخذ على عاتقه تنفيذ السياسة الفرنسيّة في تغريب المجتمع المصري، فحين رأى المسيو «جُومار» (1777-1862م) نجاح القناصل الأوروبية في إغراء «محمّد علي» بإرسال البعاث إلى أوروبا بين أعوام (1811-1819م) أسرع من فوره في حثّ قناصل فرنسا في مصر على إغراء «محمّد علي» بإرسال بعثات كبيرة إلى فرنسا، ويجعلها تحت إشرافه، وقد بنى «جومار» هذا مشروعه لا على كبار السن من المماليك، أو مشايخ البلد، بل على شباب غضّ يَبقون في فرنسا سنوات تطول، أو تقصر يكونون أشدّ استجابة على اعتياد اللّغة الفرنسيّة وتقاليدها، فإذا عادوا إلى مصر كانوا حزب فرنسا، وعلى مرّ الأيام يكبرون، ويتولّون المناصب، صغيرها وكبيرها، ويكون أثرهم أشدّ تأثيرًا في بناء جماهير كثيرة تبثّ الأفكار التي يتلقّونها في صميم شعب دار الإسلام في مصر[3].

 وعلى هذا النحو نجح «جومار» في إغراء «محمّد علي» بإرسال بعثة كبيرة من شباب مصر إلى فرنسا سنة (1826م)، وتتابعت تلك البعثات إلى سنة (1847م)، وكلّها تحت إشراف جومار يصنعها على عينه!!!، وحتى نقف على حقيقة الأمر هيّا بنا نتعرّف على ما

(40)

ذكر محمود شاكر في كتابه الماتع: «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا[1]، حيث يقول: «كانت أوّل بعثة في سنة (1826م) فيها (44) تلميذًا أدخلهم مسيو «جومار» المدارس الفرنسيّة؛ ليتلقّوا اللّغة، والعلوم، والفنون، ثمّ أعيدوا بعد سنوات قلائل إلى بلادهم يتولّون المناصب والأعمال. وهذا شيء عجيب جدًّا أن يكون هؤلاء الشبان قد حازوا في سنوات قلائل من العلوم والفنون التي شابت نواصي العلماء في سبيلها...». وهكذا نجح محمّد علي ومن بعده أولاده، وهم في قبضة المستعمر، أن يشرفوا على تصدّع ثقافة دار الإسلام، فصار الأزهر الذي كان في يديه تعليم الأمّة أسيرًا يرسف في أصفاده وأغلاله، منتبذًا ناحية ولا يدخله «لا أبناء الفقراء، والمساكين، ونازعته المدارس الجديدة التي وضعها «رفاعة الطهطاوي» في مدرسة الألسن؛ وانشطر تعليم الأمّة شطرين، ونمت هذه المدارس وتكاثرت»[2].

ومع الاحتلال البريطاني تعثّرت مسيرة التعليم وتغيّرت وجهته؛ وكان ممّا خلّفه في هذا الاتجاه عدم خلق طبقة مثقّفة من شأنها تنوير الأذهان الشعب، ونشر الوعي الوطني في صفوفه، ومن ثمّ بقاء الاحتلال، فالثقافة المصريّة أُهملت لصالح الإجراءات الماليّة[3]، والحالة التعليميّة في مصر ربّما تكون خير شاهد على ما خلّفه المستعمر بها، ففي عهده أُلغيت مجّانيّة التعليميّة تدريجيًّا، ووقف حركة إنشاء المدارس، وأغلق بعضها، ثمّ تقرّر جعل التعليم باللّغة الإنجليزيّة ابتداءً من السنة الثالثة من القسم الابتدائي وحلّ المدرسون الإنجليز محلّ المصريّين تدريجيًّا. وعن ذلك قال كرومر في تقريره عن سنة (1905م) ما يأتي: «لمّا احتلّ الإنجليز مصر وجدوا أنّ كل ما تنفقه الحكومة على المعارف العموميّة إنّما تنفقه على تعليم أولاد فئة صغيرة أكثرها من أغنى أغنياء السكان، ولا تعلّمهم إلّا تعليمًا أوروبيًّا، فأخذوا في تغيير تلك الحال، وبذلت الهمّة منذ سنة (1884م) لأخذ

(41)

الأجور من التلامذة، ولإبطال التعليم المجّاني تدريجيًّا»[1].

وتعليقًا على هذا أورد عبد الرحمن الرافعي[2] قوله: «وبديهي أنّ ما قاله اللورد «كرومر» من أنّ التعليم كان منحصرًا في أولاد الأغنياء لا يطابق الحقّ والواقع، فإنّ التعليم والمجّانية كانا يشملان سائر الطبقات، وقد ارتفع صوت مجلس شورى القوانين في ديسمبر (1894م) بالشكوى من إهمال وزارة المعارف شؤون التعليم؛ إذ قال على لسان لجنة الميزانية: «إنّ نشر التعليم قد تقهقر تقهقرًا كليًّا عما كان عليه قبل ذلك، ويحسن بنا أن نقول إنّ القابضين على زمام نظارة المعارف العموميّة وإدارتها قد سعوا بكل اجتهاد إلى طرق تقليل التعليم وسدّ أبوابه بكلّ حيلة في وجوه الأمّة...»[3].

هذا وليس أدلّ على أنّ الاحتلال البريطاني عمد على إلى تقليص ميزانيّة التعليم، ولعلّ هذا يتبيّن من ميزانيّة مصر خلال الخمس والعشرين سنة الأولى من سنيّ الاحتلال أن مجموع الإيرادات التي حصّلتها الحكومة المصريّة بلغ (258 مليون جنيه) أنفق منها على التعليم 2,801,000 مليون جنيه فقط، أي بمقدار 1% من مجموع الإيرادات، بل إنّنا نلحظ أنه في عام 1873م بلغ عدد تلاميذ المدارس 90,000 ألف تلميذ أي 17% من جملة سكّان القطر المصريّ الذي كان يبلغ (5,250,000) نسمة، وبعد ربع قرن من الاحتلال انخفضت نسبة التلاميذ إلى (16) في الألف من تعداد السكّان الذي بلغ أكثر من (11 مليون) نسمة في العقد الأوّل من القرن العشرين[4].

 ولأنّ الشعر مرآة للمجتمع، فقد عبر شاعر النيل حافظ إبراهيم عن ذلك، فقال مخاطبًا «كرومر»:

بناديك قد أزريت بالعم والحجا      ولم تبــق للعلــم يا «لورد» معهدًا

وإنّــــك أخصــبت البلاد تعمّدًا       وأجدبت في مــصرالعقول تعمّدًا

(42)

قضيــت على أمّ اللــــغات وأنّه          قضاء عليها أو سبيل إلى الردى[1].

ولا شكّ في أنّ فرض ثقافة بعينها على أجيال ناشئة يصوغهم على مثال أصحاب الثقافة ويجعلهم معرضين فيهم، والانقياد لهم، هذا ما خلّفه المستعمر في مصر، وقد بيّن «كرومر» هذا حين أفصح أنّ الجيل الجديد من المصريّين يجب أن يجد من الإغراء أو من الإرغام ما يجعله يمتصّ الروح الحقيقة للحضارة الأوروبيّة، وقد اتّخذ من ذلك تكأة وأسرف في إحضار المدرّسين من أوروبا للمدارس الأوروبيّة لرفع مستوى التعليم!!!، ولعلّ فيما نشرته جريدة الوطن من أنّ جميع المدارس الابتدائيّة في أيدي المصريّين ومنذ سنة تم تعيين «دنلوب» الإنجليزي رئيسًا للمفتّشين في وزارة المعارف وعُيّن ثلاثة أساتذة إنجليز في المدارس المصريّة، ويميل المصريّون إلى تعليم أولادهم اللّغة الإنجليزيّة، وفضّلوها على اللّغة الفرنساويّة، وليس من شكّ في أنّ أكبر الآفات التي أصابت التعليم في مصر، وكانت من آثاره الفادحة إسناد وظائف التدريس إلى الإنجليز دون المصريّين، وهكذا عمدت فئة قليلة من الإنجليز تحتل البلاد احتلالًا عمدت هذه الفئة إلى أن تفرض على أمة تعدادها عدة ملايين لغتها، وطريقة تفكيرها الأجنبيّة، وللأسف أتت تلك السياسة الاستعماريّة ثمارها في عقد واحد؛ إذ زاد عدد تلاميذ المدارس الذين يدرسون اللّغة الإنجليزيّة من (1036) تلميذًا عام (1889م) إلى (3859) عام (1898م) أي من 26% إلى 67% من المجموع الكلي للتلاميذ[2].

وهكذا أقدمت سلطات الاحتلال على تثبيت تلك الآثار السلبيّة، فكان من إجراءاتها الحدّ من استعمال اللّغة العربيّة في المدارس ففي عام (1891م) تقرّر تدريس مادّة الجغرافية في المدارس باللّغة الإنجليزيّة، وفي السنة التالية تمّ اعتماد تدريس مادتي الجغرافيّة والتاريخ في المدارس الثانوية بذات اللّغة، ولفداحة الأمر اشتدّت شكاوى المصريّين من جعل اللّغة الإنجليزيّة هي اللّغة الرسميّة في المدارس التعليميّة؛ وحين

(43)

تولّى الخديوي عباس الثاني سدّة الحكم بمصر أكّد على ضرورة مراعاة هذا من جانب المحتلّ البريطاني[1].

ولعلّ ما ذكره عبد الرحمن الرافعي[2] تأكيد على ما خلّفه المستعمر، حيث بيّن أنّ حكومة الاحتلال مسخت برامج التعليم، وحرصت على استبعاد التاريخ القومي الصحيح من مناهج الدراسة؛ لكي تنشئ الجيل الجاهل بتاريخ بلاده، محرومًا غذاء النفوس في الوطنيّة، لا يفرق بين الاحتلال والاستقلال، ولا يدرك ما في الاحتلال من إهدار الكرامة وحقوقه ومرافقه، حتى صارت غاية التعليم محاربة الشعور الوطني، وإماتته في النفوس، وانحط التعليم في المدارس الثانوية، وتضاءلت مناهجه، بل نلحظ أن الرافعي يؤكّد قوله هذا مستندًا على أنّ الأستاذ «إدوار لامبير»، ناظر مدرسة الحقوق الخديوية سنة (1907م) والذي كان عضوًا في لجنة الشاهدة الثانوية قال: «كنت عضوًا بلجنة امتحان القسم الأدبي من البكالوريا المصري، فاقتنعت بأن مستوى التعليم عندكم يعادل بوجه التقريب التعليم الابتدائي الفرنسي»!!!.

وبتلك الصورة تغلّل الإنجليز في شؤون مصر، وأضحت الحضارة الأوروبيّة نموذجًا للمصريّين يأخذون عنه، هذا إلى جانب نزوح عدد من الأجانب في عهد هذا المستعمر إلى مصر؛ ممّا دفع الثقافة العربيّة إلى أن تصطبغ بالطابع الأوروبي إلى حدّ كبير، وقد تطلّع العاملون في شؤون التربية والصحافة وغيرهما إلى الاقتباس من المظاهر الأوروبيّة متأثّرين بأنّ أوروبا كانت تمثّل الطرف الأقوى، بينما يمثّل الشرق بإزائها الشخص الضعيف، وكان لا مفرّ إذن من تأثّر الشرق العربي بالأدب الأجنبي، وأصبح هو السمة الغالبة في نهايات القرن التاسع عشر، وخاصّة بعد رحيل الكثير من الأدباء السوريّين واللبنانيّين إلى مصر ناقلين معهم الثقافة الأوروبيّة والأدب الغربي، وغيرها من الألوان

(44)

والأذواق الأدبيّة إلى اللّغة العربيّة[1].

 وكان ممّا خلّفه الاستعمار بمصر الصحف العربيّة والتي كان لها دور في الترجمة عن اللغات الأوروبيّة وخاصة الفرنسيّة، والإنجليزيّة، وارتبطت ترجمة القصص عن الإنجليزيّة بالصحافة المصريّة بعد الاحتلال ووجود الصحفيّين والأدباء من السوريّين، واللبنانيين بمصر، والذين تولّوا حركة الترجمة عن الأدب الإنجليزي في أوائل عهد الاحتلال، فجريدة «المقطم» ظهرت فيها الروايات الأجنبيّة المسلسلة، ولا شكّ في أنّ انتخابها لم يكن عبثًا؛ فمنها راوية «الشهامة والعفاف» كانت مثلًا تعريبًا لرواية إنجليزيّة، بينما نلحظ في السياق ذاته قيام صحيفة «الاتّحاد المصري» على الدعاية لمكتبها الخاصّ بالترجمة واستعدادها لطبع اللوائح والإعلانات باللغات الأجنبيّة؛ نظرًا لأنّ العلاقات التجاريّة ممتزجة ما بين الأوروبيّين والوطنيّين، وكان لا بدّ من حدوث نتائج متعدّدة؛ إذ إنّ أسلوب الإنشاء تطرّقت إليه التراكيب الأعجميّة التي اقتبسها الكُتّاب من اللغات التي ينقلون عنها، أو التي يطالعونها وهم لا يشعرون، وعلى هذا النحو تأثّرت اللّغة العربيّة بالاصطلاحات الإفرنجيّة حتّى نسى الكُتّاب أنّ في لغتهم اصطلاحات فنيّة كثيرة وردت في مؤلَّفاتهم القديمة[2]، كما تأثّر الشعر بالترجمة، وعن ذلك يقول جرجي زيدان: «تأثر الأدب العربي بالمؤلَّفات الأوروبيّة، ويغلب النزوح إلى الأساليب العصريّة في المطالعين على الشعر الإفرنجي والآداب الإفرنجيّة، وربما اقتبسوا شيئًا من أساليبها ومعانيها، ولا يقلّل ذلك شيئًا من شاعريّة القوم، وفي مصر اليوم طبقة من الشعراء لا يشقّ لهم غبار، ولم يكن في مصر أشعر منهم في دور من أدوارها. لكن الطريقة العصريّة التي نحن في صددها لم يتمّ نضجها بعد»[3].

(45)

وفي سياق متّصل كثر استراق الكلمات الأجنبيّة واستعمالها في المخاطبات الكتابيّة والخطابيّة، وجرى نقل اصطلاحات العلوم إلى اللغات الأجنبيّة، ثمّ التدريس من اللّغة العربيّة إلى أيّة لغة أجنبيّة، وليس من شكّ في أنّ هذا كان ذا أثر في عقول الأدباء والشعراء ووجدانهم، والثقافة الأجنبيّة بما تحوي من خبرات وتجارب وطرق في التفكير والتعبير ومناهج في الحياة أحدثت نوعًا من الزلزال العقلي والوجداني نتيجة لالتقائها بالحضارة الشرقيّة؛ فصاحب ذلك تخلخل ثقافي في البلاد، أخذت عقليّة الشعب تتشكّل متأثّرة بما يتدفّق عليها من ثقافة أوروبيّة بشكل مطّرد، وقد أثبتت بعض الصحف هذا، فتقول جريدة الاتحاد المصري[1]: «إننا رأينا بضاعة الروايات والقصص قد راجت في هذا العصر، وأقبل طلاب الأدب على اجتناء ثمارها، وقد وقفنا على روايات جميلة الموضوع غرامية الحدث، والحوادث أدبيّة النتيجة والغاية؛ فجعلنا حبّ الخدمة الأدبيّة على استخراجها إلى اللّغة العربيّة».

رابعًا: الجانب الاجتماعي

لم تكن الآثار التي خلّفها الاحتلال في مصر من الناحية الاجتماعيّة أقلّ وطأة؛ فقد أهمل الاحتلال الإصلاح الاجتماعي مطلقًا، ولم ينفق من الإيرادات العامّة شيئًا على هذا الإصلاح؛ فتدهورت حالة الأمّة الاجتماعيّة تدهورًا بالغًا، ولا نزاع في أنه هو المسؤول عند عدم توجيه سياسة الحكومة نحو هذا الهدف؛ لأنها كانت خاضعة لسلطانه المطلق، فهو المسؤول من الوجهة الاجتماعيّة عن سوء حالة طبقات الشعب.

فالطبقة الخاصّة من الأغنياء والكبراء والمثقّفين اتّجهت في مجموعها وجهة الولاء للاحتلال وللحياة النفعيّة، فخلَت الحياة الاجتماعيّة من المفاخر والعظائم؛ لأنّ الولاء

(46)

للحكم الأجنبي، واجتمع إلى ذلك الإسراف في الترف والبذخ، واقتباس مفاسد المدنية الغربيّة، وتقطّعت الروابط بين الطبقات لانصراف أفرادها إلى المنافع الشخصيّة. أمّا الطبقة الوسطى في اليسار والعلم، فهذه انصرفت أيضًا نحو الحياة النفعيّة تبتغي بلوغ مراتب الطبقة الخاصّة، ومحاكاتها في مظاهر الأبّهة، والبذخ، فلم يعد على البلاد من جهودها أيّ فائدة. أمّا عن الطبقة الفقيرة من الفلّاحين والعمّال والذين كانوا يشكّلون أغلبيّة الشعب، فقد ساءت حالتهم؛ حيث انتشر الجهل، وسادت الأمّيّة طوال الأربعين سنة ونيف من عهد الاحتلال -بصورة تبدو مدهشة- وذلك بسبب سياسته التعليميّة؛ حيث عمد إلى عدم تعليمهم وتهذيبهم وتثقيفهم، فحُرموا نور العلم والتربية، وبالتالي ساءت حالتهم المادّيّة، وكذا المعنويّة، إلى جانب هذا أهمل الاحتلال حالتهم المادّيّة والصحّيّة وانتشرت فيهم الأوجاع والأمراض[1].

ومع تسلّط الاحتلال والنفود الغربي بعد مجيء الحملة الفرنسيّة وما تبعها من تغريب واضح في سائر المجتمع نلحظ أنّ الملابس والأزياء تغيّرت في المجتمع. فالنساء تُركن في المدن يلبسن الحزام الكاشميري، والطاقية الحمراء الصوف، الموضوعة عدّة مناديل عليها، والقرص بما كان يتجلّى عليه من حليّ ومجوهرات؛ بل ترك معظمهن ذات الضفائر...، وأقبلن يلبسن، في داخل منازلهن، الجلابيب والفساتين مفصلة لسيدات الطبقة العليا، على الأزياء الغربية؛ ويضعن الطرح البسيطة على رؤوسهن؛ ويلبسن الجوارب في أرجلهن، وفوقها الشباشب، فإذا خرجن لبسن لباسًا إفرنجيًّا من فوقه السبلة، والحبرة، واليشمك؛ وأحذية غربية من ذات الكعوب العالية؛ وأقدمن -علامة محسوسة ظاهرة للتطوّر- على أن يصوَّرن، تصويرًا فوتوغرافيًّا، وهن أيضًا بملابس إفرنجيّة؛ وعلى

(47)

تكبير صورهن الفوتوغرافيّة، بل على التصوّر تصوّرًا زيتيًّا، بوقوفهن أمام مهرة المصورين من الغربيّين، بعد أن كنّ أضنّ على غير أزواجهن برؤية وجوههنّ وقوامهنّ، من البخيل بديناره العزيز، على السائل[1].

قال إدون دي ليون[2]: من أغرب الأشياء في موجودات سرايات المفتش «صورة كبيرة جدًّا، موضوعة في إطار ثقيل مذهب، تمثّل ابن المفتّش وعروسه -وكانت ربيبة زوجة الخديوي الثانية- في قديهما وقامتيهما، فإنها كانت من النوع الذي ينتظر المرء وجوده في قصور الملوك، وبما أنّ كلا المتصوّرين لم يكن في لباس شرقي، فإن المشابهة كانت أتم. أمّا هو، فكان جالسًا، مرتديًا لباسًا إفرنجيًّا ومكشوف الرأس، وأمّا هي، فكانت واقفة في كساء غربي من المحتمل الأزرق الثمين، مفصّل ومطرّز على آخر اختراع الجيل، وعلى رأسها إكليل من ماس يشبه تاجًا، يظنّها رائيها من صميمات الفرنجيات!!.

وفي الحقيقة إنّنا حينما نتتبّع حياة الطبقة العليا من المجتمع المصري من الأغنياء، وعِلية القوم نعجب لهذا التغيير العجيب الذي صار لهم؛ فبعد انتشار ملاهي المدنيّة الغربيّة وأسبابها؛ وخاصّة بعد تشييد الكوميديا، والأوپرا الخديوية، واستقدام أكبر الممثّلين والممثّلات إليهما، وإقامة المراقص فيهما، علاوة على إدخال عادة الليالي الراقصة السنويّة إلى الحياة القومية المصريّة؛ بعد استيراد العربات بكثرة من أوروبا، حتى غصّت بها شوارع القاهرة والإسكندريّة، واقتناها معظم السراة فيهما؛ وبعد إقامة حفلات السباق للخيل والهجن في هاتين العاصمتين، وإنشاء حمامات حلوان، اندفع الأغنياء مع تيّار الحياة الجديدة التي أوجدتها كل هذه المظاهر الحضريّة، واتّخذوا خلالًا غير

(48)

التي كانوا عليها[1].

ومن الجدير ذكره أن بعض أفراد المجتمع فُتن بالعادات الدخيلة والتي مارسها الأجانب، ولا سيّما بعد الاحتلال الفرنسي، وكذا البريطاني فيما بعد؛ فدرجوا على ارتياد المقاهي والخمّارات، وأصبحت هذه عادة أصيلة من العادات التي اكتسبها بعض المصريّين من وجود بينهم، إلى جانب هذا كانت السرقة، والنصب، والاحتيال من أسوأ الآثار الناتجة عن سلوكيّات الأجانب في مصر، حيث شهدت مصر نزوح الكثير من البريطانيّين، ومنهم عدد من المحتالين الذين حاولوا الكسب بشكل غير مشروع، مدّعين معرفتهم ببعض العلوم والمعارف التي لا قِبَل لهم بمعرفتها، وكان من أبرزهم «متر إبرام»، خبير صناعة السكر في عهد محمّد علي، أو هكذا أدعي أنه على دراية تامّة بتلك الصناعة، واتّضح بعد ذلك أنّ مساعده هو الذي يقوم بهذا العمل[2]. 

وفي السياق ذات نرى أنّ عبد الرحمن الرافعي[3] يؤكّد على تلك المشاهد التي تسرّبت بفعل هذا المستعمر، فيقول: «واجتمعت إلى ذلك رعاية الحكومة للآفات الاجتماعيّة التي جاءت من أوروبا ورعاها الاحتلال، وحماها، فعمّت طبقات المجتمع على السواء، كبيرها ومتوسطها وصغيرها، وأولى هذه الآفات الربا، الذي انتشر انتشارًا ذريعًا، وساعد على ذيوعه ما فُطر عليه الطبقات من قصر النظر، وعدم تقدير العواقب، وحب الظهور والإسراف، ووجد المرابون من هذا الضعف ومن النظم والقوانين ورعاية المحاكم المختلطة ما جعلهم يتغلغلون في مختلف الأوساط في العواصم والبنادر والقرى القريبة والبعيدة، فكبلوا الأهليين بالديون، ممّا أفضى إلى ضياع ثروات الكثير منهم وانتشار الفقر

(49)

والبؤس في الطبقات الكبيرة، ثم المتوسطة، والصغيرة، وانتشرت الموبقات في الأحياء الآهلة بالعمال في المدن برعاية الحكومة وحمايتها، وفي كنف الامتيازات الأجنبيّة، ففتكت بهم فتكًا ذريعًا وأفسدت عليهم صحتهم، ودينهم، وأخلاقهم، ونقصت مقدرتهم على العمل، والإنتاج، وساعدت على ازياد حوادث الإجرام، والإخلال بالأمن العام...»، لم تتقدّم إذن حالة الشعب الاجتماعيّة في عهد الاحتلال، بل ساءت وصارت وبالًا، وزادته هذه الآفات بؤسًا وانحلالًا، وفي ذلك يقول السلطان «حسين كامل» في حديث له نشرته جريدة (دي إجيبشيان استاندرد) في عددها الصادر في 20 أكتوبر سنة (1908م) يصف بؤس الفلاح المصري: «إنّ الفلاح يقضي حياته مثقلًا بالدَّيْن لا يزيد إيراده على الضرائب المفروضة عليه وفوائد الديوان المطلوبة منه، وهو لكي يسدّ حاجات زراعته في مواعيدها مضطر دائمًا إلى الاستدانة بالربا الفاحش؛ فلهذا العسر من جهة، والخلو من المال من جهة أخرى، ولكثرة من يعولهم من جهة ثالثة، قد بقي الفلاح غريقًا في بحار الضنك لا يعرف لنفيه مخلصًا منها».   

(50)

الخاتمة

وفيها أبرز النتائج

-كان للأسرة العلويّة دور في استجلاب العنصر الأجنبي في مصر في نزعة منهم للاستفادة من خبراتهم في تنمية البلاد، إلّا أنّ هذا نتج عنه نتائج عكسيّة كارثيّة أثبتتها الأيام.

-النظام السياسي الحاكم في مصر زمن الاحتلال كان نظامًا صوريًّا، محرومًا من السلطات، والنفوذ، فالنظام كان استبداديًّا خاضعًا للسيطرة الأجنبيّة، فاجتمع على مصر الاستبداد، والاحتلال معًا.

-القطاع الاقتصادي المصري كان تابعًا ويدور في فلك المحتلّ الذي عمد إلى تدهور الصناعة وحرمان مصر من مواردها العظيمة.

-عمدت سلطات الاحتلال إلى حرمان أصحاب الطبقات الشعبية من حقّهم في التعليم، ونجحت في بسط سيطرتها على مفاصل الحياة التعليميّة الثقافيّة، وأن تسيره وفق حاجاتها، ورغباتها الاستعماريّة.

(51)

قائمة المصادر والمراجع

1.آدمس، تشارلز، الإسلام والتجديد في مصر، ترجمة: عباس محمود، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2015م.

2.إسماعيل، سعيد، الأزهر على مسرح السياسة المصريّة، دار الثقافة، القاهرة، 1974م.

3.الأيوبي، إلياس، تاريخ مصر في عهد الخديوي إسماعيل باشا، مؤسسة هنداوي، 2013م.

4.بيرنز، الينور، الاستعمار البريطاني في مصر، ترجمة: أحمد رشدي صالح، نشر دار القرن العشرين للنشر، القاهرة.

5.تاجر، جاك، حركة الترجمة بمصر خلال القرن التاسع عشر، دار المعارف، مصر، د.ت.

6.تينور، روبرت، الحكم الاستعماري البريطاني في مصر، مجلة السياسيّة الدولية، القاهرة، ع (22)، 1970م.

7.الجبرتي، عبد الرحمن، تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار، دار الجيل، بيروت.

8.حمزة، عبد اللطيف، الصحافة والأدب في مصر، وكالة الصحافة العربيّة، 2021م.

9.خشان، كاظم وادي، رأي الشيوعية في اتفاقية الجلاء وصفقة الأسلحة (1954- 1955م)، المجلة الدولية أبحاث في العلوم التربوية والإنسانية والآداب واللغات، جامعة البصرة، مجلد 2، العدد 5، يونيو، 2021م.

10.الخفيف، محمود، فصل من تاريخ الثورة العرابيّة، مؤسسة هنداوي، 2012م.

11.الدليمي، محمّد حمزة حسين، السياسة البريطانية تجاه الحركة الوطنيّة في مصر (1882-1991م)، دار غيداء للنشر والتوزيع، ط1، 2015م.

12. الرافعي، عبد الرحمن، ثورة 1919 تاريخ مصر القومي من سنة 1914 إلى سنة 1919م، دار المعارف، القاهرة، ط4، 1987م.

13.الرافعي، عبد الرحمن، مصر والسودان في أوائل عهد الاحتلال، مكتبة النهضة المصريّة، ط2، 1948م.

(52)

14.رزق، يونان لبيب، السودان في المفاوضات المصريّة البريطانية (1930-1936م)، معهد البحوث والدراسات العربيّة، القاهرة، 1974م.

15.رضا، محمّد رشيد، تاريخ الأستاذ الإمام محمّد عبده، دار الفضيلة، القاهرة، ط2، 1427هـ/ 2006م.

16.رمضان، عبد العظيم، تطوّر الحركة الوطنيّة في مصر (1918-1936م)، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، ط3، 1998م.

17.الشافعي، شهدي عطية، تطور الحركة الوطنيّة المصريّة (1882-1956م)، المكتبة التقدميّة، ط1، 1957م.

18.شاكر، محمود محمّد، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، 1997م.

19.عبد الرحمن، عواطف؛ كامل، نجوى، تاريخ الصحافة المصريّة دراسة تاريخية معاصرة، العربي للنشر.

20.عزيز، سامي، الصحافة المصريّة وموقفها من الاحتلال الإنجليزي، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1968م.

21.عمر، عمر عبد العزيز، دراسات في تاريخ العرب الحديث، دار النهضة العربيّة، بيروت، 1975م.

22.فهمي، أميل، التعليم في مصر، مكتبة الأنجلو المصريّة، القاهرة، 1975م،

23.قاسم، نوال، تطور الصناعة المصريّة من عصر محمّد على إلى عصر عبد الناصر، مكتبة مدبولي، ط1، 1987م.

24. كامل، مصطفى، باعث الحركة الوطنيّة، طـ5، دار المعارف، 1984م.

25.كرومر في مصر، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1984م.

(53)

26.كشك، محمّد جلال، ودخلت الخيل الأزهر، نشر الزهراء للإعلام العربي، ط3، 1410هــ/ 1990م.

27.لوتسكي، فلاديمير بوريسوفيتش، تاريخ الأقطار العربيّة الحديثة، ترجمة: د. عفيفة البستاني، دار الفارابي – بيروت، ط8، 1985م.

28.المسدي، محمّد جمال الدين، دانشوي، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1974م.

29.الهاجري، عيده مبارك، الوضع الاجتماعي للمواطن البريطاني في مصر في القرن التاسع عشر، مجلة الاستواء ع(6)، 2018م.

30.هيكل، محمّد حسنين، عبد الناصر والعالم، المجلد 1، ط1، دار النهار للنشر، القاهرة، 1972م.

31.يحيى، جلال؛ نعيم، خالد، مصر الحديثة (119-1952م)، المكتب الجامعي الحديث، 1988م.

بحوث ودراسات

1.ندوة «مصر في الحرب العالمية الأولى» بمناسبة مرور مئة عام (18 ديسمبر 2014م) الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2016م.

(54)

الاستعمار الأوروبي وأثره في البنية الاجتماعيّة المصريّة

قراءة في منظور المستشرق الفرنسي جورج بالاندييه

 

             أحمد محمّد عبد الغني[1]

 

الملخص

تهدف هذه الدراسة إلى دحض المزاعم الإمبراطوريّة الغربيّة حول حضارة أوروبيّة تفوّقت في بنيتها على باقي الشعوب، ولقد اتّخذت الدراسة لأجل هذه الغاية استكشاف فترة الاستعمار غير الرسمي لمصر، ففي تلك الفترة بدت البنية المصريّة مختلفة عن البنية التقليديّة المتخلّفة مقابل البنية الجديدة الوافدة. ولقد تميّزت هذه البنية بأنماط اجتماعيّة جرى تأصيلها من جانب المؤرّخ الفرنسي جورج بالاندييه وفق منهجه المابعد حداثي. فهي بنية لا تضحّي بالحقائق؛ إلّا أنها تؤشّر إلى المواقف الملموسة للبنية الأهلية المصريّة تحديدًا الطبقات الاجتماعيّة العليا غير الرسميّة، مثل النقابات الحضريّة، كأنموذج ثوري ومدني حيّ قبل مجيء النظام الاستعماري البريطاني. وفي هذا السياق، نؤكّد وجود تنوّع للتجارب والممارسات اليوميّة للمثقّفين صانت الحدود الاجتماعيّة، وأعادت إنتاج الهويّة المصريّة الوطنيّة، ولعلّ هذا هو السبب وراء تدخّل الاستعمار الثقيل لكبحها. وهو الأمر الذي يدفعنا إلى استخلاص حقيقتين؛ أوّلهما أن الاستعمار نشاط يهدم بنى المجتمع لصالح حداثته المزعومة، وثانيهما أنّ الاستعمار مجرّد لحظة تاريخيّة، وليس أفقًا حضريًّا.

 

(55)

غاية الدراسة تقديم وشرح ونقد منهج ما بعد الحداثة عند بالاندييه، ولا سيّما لجهة فضح غطرسة الاستعمار الأوروبي، وتفكيك مقولاته، وتجزئته للتاريخ في مجموعة من القصص، وحصره في منطق ثنائي لا نهاية له عن التعارض بين «هم» و«نحن». ولقد اعتمدت لهذه الغاية على مجموعة من الوثائق والمراجع والمقالات والبحوث والدراسات.  

المقدّمة

تقع مصر في أرض ثلاث قارات وخمسة بحار، ما جعلها حلقة وصل رئيسيّة في الخطط الاستعماريّة البريطانيّة في أفريقيا والشرق الأوسط. عام 1882م احتلّ البريطانيّون مصر، وعلى مدى السنوات العشر الأولى من الاحتلال تطوّر نظام الحكم البريطاني تدريجيًّا. ولعلّ أهم محاولات المسؤولين البريطانيّين هي إخفاء السلطة، وعدم تحدّي البنية الطبقيّة القائمة عبر تعيينهم كمستشارين للوزراء المصريّين أو كمفتّشين في المقاطعات؛ لذلك لم تكن سلطتهم مستترة عن المراقبين المطّلعين، إلّا أنّه لم يكن لديهم سوى وظائف استشاريّة في الإدارة. علاوة على ذلك، كان نفوذهم محدودًا في وزارة الحرب وعند العامّة[1]. وتبذل محاولة هنا بغرض فحص الحقيقة وراء مزاعم الاستعمار تجاه مصر، بسبب العلاقة المتنامية بين المشروع الاستقلالي المصري، والمشروع الاستعماري اليوم، والنقاش أيضًا حول المجتمعات التي تعيش حالة من الأزمة الكامنة بدرجات متفاوتة، والتي تعاني من نوع من الأمراض الاجتماعيّة عند مؤيّدي فكرة الاستعمار الجديد (علاقة المنفعة المتبادلة). وتنخرط الورقة في المناقشة الجارية من منظور بالاندييه كقيمة مضافة للأدبيّات في هذا الصدد، وعليها تمّ جمع البيانات لغرض البحث الحالي. وحسبي في ذلك قول الفيلسوف الاجتماعي الشهير فرانز فانون (Fanon) أنّ الاستعمار لا يكتفي بمجرّد السيطرة على الشعب، وإفراغ عقله من كلّ شكل ومضمون، ويتّجه بنوع من المنطق المنحرف إلى ماضي الشعب المظلوم، فيشوّهه ويدمّره. إنّ هذا العمل الذي يحطّ

(56)

من قيمة تاريخ ما قبل الاستعمار يكتسب أهميّة جدلية اليوم[1]. وبصورة عامّة، نتعرّف على معارضة «المجتمعات المغلقة»، كما يطلق الاستعمار على البنية المصريّة.

1. أهميّة نقد تاريخيّة جورج بالانديية

 بداية من المهم التذكير أنّ هذه الورقة ليست مراجعة تفصيليّة للتاريخ العالمي للاستعمار. في الواقع، إنّ نطاق اهتمامها ينحصر في «البنية الاجتماعيّة» كجزء من دراسة شاملة للثقافة السياسيّة المصريّة المتغيّرة منذ عام 1858م، وحتى فترة ثورة عرابي. لقد ربط الاستعمار التاريخي مصر برباط ثنائيّة الدول المستعمرِة والشعوب المستعمرَة: «عندما يرتفع العلم البريطاني في السودان، فإنّنا لا نضمن مكانتنا في مصر فحسب، بل نتحمّل أيضًا مسؤوليّة الحضارة والحكم الرشيد في المناطق الشاسعة التي لا يمكننا تجاهلها. وطالما احتفظنا بالسودان، ويجب أن نحافظ عليه، فلا يمكننا ترك مصر، حتى لو لم تعد مصر هي الطريق إلى الهند»[2]. يعني هذا بوضوح أنّ مصر مادّة خصبة للاستعمار، وفي الوقت نفسه، مناهضة له في الوعي القومي؛ إذا جاز لي التعبير، مصر هي الاستعمار الحميد والمحترم، والرغبة الأصيلة في التخلّص من ثقله. بهذا نكون أمام ثنائيّة جديدة استعمار حميد أمام استعمار ثقيل الظلّ، وإن كان الأوّل هو من أفلس مصر (فترة احتلال مملكة الحبشة؛ وفترة محمّد علي)، وجعلها رهينة لبريطانيا في عام 1899م. بهذا جاء تصدير الورقة لكي أوضّح بتسلسل كيف أصبحت الطبقات الاجتماعيّة العليا، لا سيّما المثقّفون الجدد غير الرسميّين -في مقابل النخب الموالية للاستعمار- متوغّلة في المشهد لقيادة ما يسميه بالاندييه «نقاط المقاومة»[3]. كانت هذه النقاط حاضرة بوعي في النقابات الحضرية، وبين المثقّفين أنفسهم، وأعيان القرى، «الطبقات الثوريّة»، وسرعان

(57)

ما مهّدت الطريق للثورة الاجتماعيّة العرابيّة في مصر، وفي العالم العربي، حتّى قطعت الإمبراطوريّتان الفرنسيّة والبريطانيّة الطريق عليها. ترتّب عليه وجود شكلين رئيسيين من الاستعمار في الغرب. الأوّل الاستعمار الكلاسيكي في الأميركيتين وأستراليا، الذي بدأ في القرن السابع عشر، حينئذ حقّق الأوروبيّون، فائضًا بسبب ما عانته من الأزمات الاجتماعيّة والاقتصادية. وبعد فترة من الهدوء في العقود الأولى من القرن التاسع عشر. حدث الشكل الثاني عندما استؤنف التوسّع الأوروبي إلى الخارج بشكل جدّي في أفريقيا وآسيا، لكن طبيعة هذا الشكل اللّاحق مختلف عن السابق، فقد تألّف الأوّل من تصدير فائض رأس المال، وليس تصدير فائض الأشخاص، وإنشاء الأبنية الاجتماعيّة التي تخدم الفرص الاقتصاديّة الجديدة[1].

وتستكمل الفكرة، متى عرفنا أنّ شمال أفريقيا شكَّل موقعًا للمشروع الاستعماري الفرنسي الثاني لبناء الإمبراطوريّة. وهو المشروع الذي بدأ في عام 1830م، ونجح الفرنسيّون في إنجازه. مع ذلك فإنّ المنطقة تفتخر بتاريخها من دون استبدال أبنيتها الاجتماعيّة والأهليّة بأصناف فرنسيّة. ويقتصر اهتمامي هنا بالاستعمار الأوروبي على شكله المصري، وما أحدثه من تغييرات عميقة في البنية الاجتماعيّة -وليس مجرّد دراسة الإنسان المعاصر كما زعم بالاندييه- بينما ظلّت في مناطق أخرى على حالها تقريبًا في أواخر القرن التاسع عشر، مع استمرار عواقبه حتى يومنا هذا في خطابها الفكري. فضلًا عن ذلك نفت بحوث ودراسات الاستعمار بشكل قاطع وجود أي تطوّر في البنى التحتيّة الاجتماعيّة خلال الاوضاع الاستعماريّة[2]، على سبيل لمثال لا الحصر التجارب الاستعماريّة في دراسة كيربو عن الدول الآسيويّة، والتي لم تقس بعمق التأثيرات

(58)

المختلفة للاستعمار باعتباره «متغيّرًا متدخّلًا» في بنيتها، ودون معالجة في المستقبل. لهذا تتعرّض هذه الورقة للبعد السوسيولوجي بطريقة مبسطة عن الحدود الزمنيّة للاستعمار؛ لأن المتغيّرات مثل «عدد سنوات الاستعمار» أو «الوقت الذي يقضيه تحت الحكم الاستعماري» بارزة جدًّا في الأبحاث الحديثة[1]، ولكن أسعى إلى تطوير مجموعة بيانات جديدة لقياس البنية الاجتماعيّة المصريّة؛ إذ كان له تأثير أكبر أم أقلّ، في وقت لم تعد فيه دراسة الاستعمار قضيّة سياسيّة، إنّما قضيّة أكاديميّة.

لا بدّ من الإشارة هنا إلى حقيقة أنّ الاستعمار الأوروبي لمصر يؤشّر ضمنًا إلى ثلاثة جوانب متميّزة للواقع الاجتماعي في القرنين التاسع عشر والعشرين؛ أوّلًا: إلى الوضع الاستعماري غير الرسمي بوصفه إشارة إلى أنشطة تهدف إلى تغيير البنية الاجتماعيّة. ثانيًا: إلى استخدام اللفظ أيضًا للدلالة على ردود أفعال أولئك الذين تعرّضوا له من خلال أنماط الحياة، العادات، التقاليد، الأعراف، الاستهلاك، القيم والثقافات العامّة. وثالثًا: إلى من الظروف المعاكسة التي أنتجتها الإمبراطوريّة البريطانيّة في البنية المصريّة، على الرغم من أنّ هذه البنية الاجتماعيّة كانت مراكز حيّة لإنتاج المعرفة والابتكار الاجتماعي، وتجارب العلاقات الاجتماعيّة والتعايش السلمي.

 وفي ضوء ما سبق نطرح على أنفسنا السؤال التالي: ما واقع أنماط البنى الاجتماعيّة المصريّة غير الرسميّة، وموقف أعضائها الملموسة بين الحين والآخر قبل مجيء الاستعمار الأوروبي الرسمي؟ وللإجابة، ورغبة في قراءة هذا المشهد جرى ترتيب بحثنا وفقًا للعناوين التالية: يعتني القسم الأوّل بمفاهيم البنية الاجتماعيّة بوصفها «المقدّمات العامّة»، ويضمّ القسم الثاني المدخل السوسيولوجي والمقدّمات الخاصّة عند جورج بالاندييه، وإطار تفسيري عبر مفهومه الخاصّ «الوضع الاستعماري» الحاكم للتوتّرات الداخليّة بين المجتمعات الاستعماريّة والمستعمَرة بطريقة متفاوتة في النجاح حتى نصل إلى أوضاع البنية الاجتماعيّة المصريّة رمز الإبداع، وما بعده في المواجهة وردّ الفعل

(59)

للمصريّين أمام مشهد البنية الغربيّة والتقليديّة، حتّى تقرّر مصيرها. ويعبّر القسم الرابع عن مواقف وأوضاع وحدات من البنية الاجتماعيّة المصريّة إزاء الوضع الاستعماري، وأختم ببعض النتائج والتوصيات.

يمكن تعريف المنهج بأنّه الطريقة أو العمليّة المستمرّة من قبل العلماء لجمع المعرفة حول العالم ومن حولهم لأجل البحث عن الحقيقة الموضوعيّة، كما يشير إلى عمليّة أو تقنيّات لجمع المعلومات وتحليل البيانات في العلوم الاجتماعيّة. أمّا من المنظور الفلسفي فهو طريقة لرؤية العالم وشكله، حتى نزيل الغموض عن الشكل والواقع. وهناك أنواع مختلفة من المناهج والطرق مثل الوضعيّة والبنيويّة ومابعد البنيويّة والديالكتيك سواء الهيغلي أو الماركسي. وتعطي كلّ طريقة أو منهج الأولويّة أثناء التحليل، فمثلًا مابعد البنيويّة أو الحداثة تعطي أولويّة إلّا أنّ التحليلات لا تخلو من القيمة -على نقيض الوضعيّة- وذات صلة بالسلطة أو الحقبة التاريخيّة سيِّدة القرار في شرح الاستجابات الاجتماعيّة والسياسيّة للمصريّين.

في السرد مابعد الحداثي، أو مابعد البنيوي يصير منهج البحث بمثابة تشكيل دور مصر باعتبارها «المُستَعمِر المُستَعمَر» (Colonized Colonizer). وهذا يؤدّي حتمًا إلى تحوّل في الحقائق التاريخيّة، ويعزّز دور مقاومة البنية الأهليّة المصريّة؛ لذا فإنّ الغاية من هذا المسعى هي تحقيق نوع من السجال ما بين مدخل مابعد الحداثة (الأطراف أي الاستعمار أو الهوامش مثل مصر) الذي يبرّر الاستعمار كرمز لحضارة العقل في مقابل الأطراف بما ترمز إليه من عوامل التخلّف والركود. وذلك يؤكّد ما ذكره جورج بالاندييه عام 1951 في كتابه المعنوَن «الوضع الاستعماري» (Colonial Situation)، باعتباره دعوة لتحليل الاستعمار عبر مفاهيم أو بنية السكان الأصليّين، وتصنيفات الفئات الاجتماعيّة، والذي كان أكثر انبهارًا بإمكانيّات تحديث هؤلاء السكان عبر حركات التحرير نفسها، دون الاقتلاع من الجذور، تحديدًا الطبقات الاجتماعيّة العليا المختلفة من النقابات الحضريّة، وأذرعها من المثقّفين الجدد، من داخل أو خارج أعيان القرى في مصر، والتي اندفعت نحو المقاومة اليوميّة. أعطت المقاومة الأولويّة للجانب السياسي.

(60)

2. مفاهيم البنية الاجتماعيّة: المقدّمات العامّة

 إنّ أيّ تفسير مناسب للبنية الاجتماعيّة لا بدّ وأن يأخذ في الحسبان استقرار الحياة الاجتماعيّة؛ لأنّها مجال للتفاوض لا يُعاد تعريفها من خلال ثنائيّة الاستقرار الاجتماعي والتغيير، بمعنى أنّ الحياة الاجتماعيّة يحكمها التجديد، والفعل البشري الجزئي والكلّي، وكلاهما مترابطان. تقيد البنية الاجتماعيّة الفرد من قبل المؤسّسات سابقة الوجود، والأوضاع المفروضة لاحقًا. تعرّف البنية الاجتماعيّة عند ليفي شتراوس، بأنّها كلّ التشكيلات الاجتماعيّة الناتجة عن المقاومة بوصفها نماذج مثالية للوجود الاجتماعي. وأعني بالتشكيلات النماذج الاجتماعيّة المتقنة من التنظيمات (Institutions). وما يميّز دراسة بنية الاستعمار هو أنّه يتجاوز الأنشطة الخاصّة للأفراد في المواقف الاجتماعيّة؛ وينكر ما يقوم به الأفراد من أعمال إبداعيّة مع البنى الاجتماعيّة الأخرى، والتي لا يمكن التنبّؤ بتحرّكاتها.

لقد تصوّر بالاندييه (Balandier) هذه البنية مجموعة من العلاقات بين المستعمِر والمستعمَر، وبين عناصر الثقافة الأوروبيّة والثقافة الأصليّة، فهي «قوّة تعمل من حيث شموليّتها»[1]. بمعنى أنّه لا بدّ من فهم الظروف الاجتماعيّة في حينها، على هذا الأساس، تجسّد هذه البنية تشكيلًا من حيث الأوضاع المشتركة، ويمكن التنبّؤ بها، على مستوى الرؤية الاجتماعيّة الجديدة، والأجندات السياسيّة، والقوى الاجتماعيّة آنذاك. لا تساهم التصنيفات الاجتماعيّة للمستعمر والاستعمار فقط في البنية الاجتماعيّة، ولكن في تعريف الأشخاص في السلطة الاستعماريّة أنفسهم كأفراد فريدين خارج الفئات الاجتماعيّة. وينظرون إلى أعضاء البنى الأخرى ممثّلين غير مساوين لهم، وتبرز الهويّات الشخصيّة أكثر من الهويات الاجتماعيّة[2].

إنّ العديد من النظريات السوسيولوجية المعاصرة تفترض أنّ مخططات البنية الاجتماعيّة مستمدّة من الطبيعة، وتوزيع الموارد في العالم اليومي، ونتيجة متطورة للتفاعل الاجتماعي. ويعتقد جيدنز أن البنية عبارة عن مزيج من القواعد والموارد التي

(61)

تعيد إنتاج الأنظمة الاجتماعيّة. والقواعد هي «افتراضية» (أي معرفية)؛ لأنها لا توجد إلّا كـ«آثار ذاكرة»، والموارد هي كل ما يعمل كمصدر للقوة في التفاعل الاجتماعي. وعلى هذا فالبنية هي عمليّة، وليست حالة مستقرّة. وفي عمله الأحدث، يؤكّد جيدنز[1] بشكل أقوى على قوة المؤسّسات الاجتماعيّة المعاصرة، معتبرًا أنها «تختلف عن جميع أشكال النظام الاجتماعي السابق. ولكن كيف تتحول البنية المستقرة لتكون ثوريّة ومدنيّة؟ يستلزم المجتمع تعدّد الأبنية، والتحول الاجتماعي، وتنشيط الفاعل بحيث يستطيع التعامل مع ذخيرة واسعة من المخططات (أي الإجراءات والمعرفة المشتركة ثقافيًّا). وبعبارة أخرى، البنية هي إنجاز روتيني يتمّ توليده في التفاعل اليومي[2]. الغاية عند جيدنز تصحيح وجهات النظر الأكاديميّة التقليديّة ونقدها، حيث إنّ المستعمرات (مصر) تفتقر إلى الفاعل الهادف (الطبقات)، وليس لديها ميول المقاومة، وأنّ الغرب مصدر القوة. ويمكن الاستفادة من ثنائيّة جيدنز في تعريف التشكيلات أو التنظيمات الاجتماعيّة من الطبقات، والنخب الوطنيّة وغيرها، وثمرتها في آن واحد. ويمكن أن تعمل مثل هذه الممارسات اليوميّة للطبقات الاجتماعيّة المصريّة إبان الاستعمار كقوّة خفيّة، حيث تمارس ما يسمّيه بورديو (Bourdieu) «العنف الرمزيّ»، أي تلك الأشكال من الالتزام والإكراه التي لا يتمّ الاعتراف بها أبدًا على أنها إكراه، ولكن يتمّ تجربتها على أنها نمط من الولاء الشخصي أو احترام للذات. وبمرور الوقت في هذه الحقبة، تمثّل البنية المصريّة «أنماطًا من الخبرة اليوميّة لبعض الطبقات الاجتماعيّة المصريّة مثل المثقّفين الجدد، وليس الكلّ، في تنفيذ أوضاع المقاومة ضدّ أيّ تدخل خارجي -وكانت مصر في وضع إمبراطوراي- من خلال ما تملكه من الموارد (المعرفيّة) والأنشطة اليوميّة (الأهلية أو غير الرسميّة والرسميّة). ولهذا وصلت البنى الاجتماعيّة المصريّة اليوميّة، إلى درجة من النضج في جناحين آنذاك: الجناح الاقتصادي تمثّله طبقة ملّاك الأراضي الزراعيّة،

(62)

أي الأعيان، وهم أصلًا من المثقّفين الجدد، ثمّ هناك الجناح الفكري الرافد من المثقّفين الجدد، وخرج من الأخير فرعان؛ هما المدني والعسكري، واللذان التحما بالطبقة الأولى من خلال التعلّم المدني والبعثات[1].

3. أنماط البنى الاجتماعيّة المصريّة: المقدّمات الخاصّة

 تنحو رواية جورج بالاندييه عن «الوضع الاستعماري» منحى يرى أنّ المجتمع الاستعماري في مواجهة بين النظامين التقليدي والإلزامِيّ، ولكن هذه المواجهة آيلة إلى أحد وجهين: إمّا إلى ولادة مجتمع جديد، أو مواجهة بني سابقة[2]. ببساطة، لا يمكن النظر إلى الوضع الاستعماري من وجهة نظر طرفين، بل من وجهة نظر كلية لعموم المجتمع. بذلك نفكك الزعم الأساسي للمجتمع الاستعماري، وهي هيمنة المستعمِر على الشعب المستعمَر، وتسمّى عند بالاندييه بـ«عدم الأصالة»[3]. يؤمن بالاندييه بأنّ السياسة لم تعد مقولة، بل هي صفة لكلّ التشكيلات الاجتماعيّة، وبمجرّد خروجها في الواقع تصير حيّزًا سياسيًّا[4].

 هذا المعنى يمكّنني من ذكر التشكيلات البارزة غير المكتشفَة في عالم ما قبل الاستعمار -المقدّمات الخاصّة- ويتطلّب تجميعها ثلاث أنماط خاصّة: البنى الاستعماريّة الحاضنة، والبني المستعمَرة التقليديّة، والبني المستعمَرة الوليدة (المقاومة)، وكأن الاستعمار بمثابة عمل من أعمال الجراحة الاجتماعيّة.

تؤشّر البنية الأولى إلى أوروبا، والتي حرصت على تثبيت العادات الغربيّة الثقافيّة في عالم القيم والإيديولوجيا، والتي أوشكت على التخلّص منها من المخزون النفسي الكبير من الكراهية والحقد والنظرة الدونية والاحتقار التي يحملها الانسان الغربي تجاه

(63)

غيره من الأجناس الأخرى، وهو المخزون الذي يدفعه إلى ارتكاب الجرائم والمجازر ضدّ الإنسانيّة دون شعور بالذنب أو تأنيب ضمير بغرض جمع الثروات ونهب خيرات الشعوب باسم نشر رسالة الحضارة، والحرّيّة والديمقراطيّة[1]. وتتطبع هذه البنية بالأخلاق ومنجزات العلم التجريبي، وتنقلها إلى ثورة صناعية، طمعًا بمصادر الطاقة والخامات والمواد الأولية الموجود في العالم الشرقي، التي لم تكن تمتلكها إلا بنسب قليلة لا تغطي كل احتياجاتها ولو على حساب الآخرين، وتجاهل مصالحهم، ومصادرة حقوقهم. ولعل براعة هذه البنية في فرض إثمها على أنه شرف، وإبراز شهواتها وكأنها قوانين نزيهة[2].

فضلًا عن فرض نفسها بالقوّة؛ تجهل النواميس الاجتماعيّة لحياة البشر، كما جاء صراحة في أشهر أعلام هذه البنية الاستعماريّة، وهو القسيس دي توفيل في قوله عن جهل الاستعمار بمضمون العادات والتقاليد والأعراف الخاصة بـ«الأهالي»، لم تكن لنا أيّ أفكار واضحة عن مختلف القوميّات التي تسكن المنطقة، وقد كنّا نجهل أبسط المعاني لأيّ كلمة من اللّغة التي يتحدّثونها وحتى جغرافية البلد نفسه؛ موارده، مجاريه المائيّة، مدنه، والخصائص المناخيّة... وعندما نفهم هذه الخلفيّات وممارسات العرب عندئذ يصبح المجال متاحًا لممارسة أساليب التحكّم ولفّ البلاد من حولنا»[3]. وبرغم أنّ الحضور الملموس لهذه البنية لم يكن قائمًا، ولكن تظلّ مكتومة حتّى تأتي الظروف لتخرجها، أي أنّه فاعل دون فعل، تأثير دون أثر.

ويطلق على تشكيل النمط الثاني البنية التقليديّة أو «جيوب التشكيلات المحلّيّة»؛ لأنّ التقاليد تشكل جوهر وجودهما، بشكل تقريبي، تعتبر جميع الأبنية والمؤسّسات الاجتماعيّة ما قبل الاستعمار تقليديّة، وربّما كان هؤلاء شيوخًا أو أعضاء في العائلة

(64)

المالكة، أو من النبلاء. في ضوء مقولة بالاندييه، والذي يؤشّر إلى التعايش بين النظام التقليدي القديم (مرتكز على المقدس والشخصي) والنظام البيروقراطي الجديد استمرار الثنائيّة الغربيّة (البنية والفاعل) عند جيدنز، وكلاهما مقبول كنظامين شرعيين بحكم الواقع، وتعارضهما يظلّ قائمًا، وولاؤهما هو محاباة للآخر. ويعاود المصريّون بلعبة مزدوجة، بالرجوع لهذا أو ذاك حسب المصالح والأموال، ويتعايشان بصورة مؤقتة رغم محاولة الاستعمار الجديد عقلنة القديم، وإخفاءه بحجّة مشاريع التحديث الاستعماريّة[1]. وتمثّل هذه البنية تحولّات لمؤسّسات السكّان ما قبل الاستعمار، وتعمل ضمن المعاني والرموز الجديدة للاستعمار وفي الإطار المجتمعي، لأجل توسيع النظام والإطار الاجتماعي والثقافي الجديد. لقد تحطّم النظام الأخلاقي والاجتماعي الذي كان يغطّي في السابق مؤسّساتها من ناحية القوى الاجتماعيّة للاستعمار، مع ذلك تبحث دومًا عن مرتكزات جديدة في بيئة الاستعمار المتغيّرة. وبعبارة أخرى، فقد ظلّوا متقزّمين على مستوى روابطهم مع العناصر الأخرى، فقدوا حقوقهم، إمّا بشكل كامل أو بنسب متضائلة، في حين ظلّت واجباتهم راكدة. وكان شعار الاستعمار «جنّدوا الطبقة الحاكمة لقضيّتنا».

وبعيدًا عن نظم التدرّج الاجتماعي، تتشكّل البنية الثالثة الوليدة بنية الجذور قيد التكوين، من الممارسات اليوميّة السابقة، الأصلية والمقاومة، وهي شغلي الشاغل، خارج الإطار الضيّق للنظامين السابقين اللّذان حكما الوضع الاستعماري، وضمن الفئات الاجتماعيّة. وقد يكون ردّ فعل البنية الاستعماريّة تجاهل بكبح تكوينها وجماحها؛ بخلق جبهة معارضة تحدّ من التنافس مع تكوين البنية التقليديّة، والمعارك مع الاستعمار. لقد اكتسبوا عالم حياتهم (life-world) الخاصّ -وهو ذروة الإنجاز البشري عند الغرب-، والاستعارة من مصطلح هابرماس عن تأسيس معالم الوجود الاجتماعي الفريد[2].

لقد وُلدوا في الفضاء المكاني والزماني نفسه للاستعمار، ونشأوا مع الاستعمار

(65)

تحت مسمّيات: «أجيال الاستعمار الذاتية»؛ العناصر غير الرسميّة للاستعمار. وغالبًا ما يتمّ تشويههم عن عمد بالتقاليد أو الحداثة، لمنحها مظهر التقليد المتطرف أو الحداثة المفرطة[1]، بيد أنها تستمدّ وجودها في العمل على الأخلاق المجتمعية، والارتباط بالمجال الخاص، والإدراك الاجتماعي -قيد التكوين-، بدرجة خطيرة من المقاومة، وما تمّت مقاومته في فترات التجارب الاستعماريّة السابقة للمصريّين. فهي عينة -وليس كل ما في بنيتنا المصريّة- أنجبت المعرفة من خلال التفاعل النمطي والعادي، والمقيدة بسياق، ومرتجلة باستمرار بأدوار جديدة وطنيّة، وأداة اتصال بين الفئات والجماعات الاجتماعيّة الجديدة. وأصبح التفاوض أو الاتّصال أو الصراع مع الوضع الاستعماري بمثابة جزء من الذخيرة الثقافيّة والاجتماعيّة المشتركة[2].

4. صورة البنية الاجتماعيّة المصريّة قبيل الوضع الاستعماري

 ولكي نسطّر تاريخًا لهذه البنية المصريّة عن كثب، اقتُرح اِتّجاهان لها أحدهما غامق، والآخر فاتح في ضوء رواية بالاندييه الخاصّة، الأوّل يسطّر لفكرة الآخر الاستعماري ليعمّق إيقاظ قضية الوعي، في حين يسطّر الثاني لمدى الوفاء بمهمّتها الحضاريّة، ويروي علاقتها مع المستعمر بوصفها الطبقة المثقّفة المحلّيّة -الطبقات الاجتماعيّة- التي تستمدّ وجودها من مواقفها اليوميّة. على سبيل المثال النقابات الحضرية، أعيان القرى، المثقّفون الجدد، بوصفهم الأجنحة المشكلة للبنية المصريّة، وكلا الاتّجاهين متقاطعين.

بناء على هذا الإدراك أعرض بعض وحدات البنية المصريّة السابقة، أوّلها المثقّفون الجدد، مجازًا، التشكيلات الاجتماعيّة المنتصرة، حتى تتّسع رقعة الرواية التي بين أيدينا. والسؤال لماذا؟ لأن كثيرًا من الدراسات لم تهتم بطريقة عمل النظام الاجتماعي

(66)

الاستعماري للحدّ من التحرّك في جوانب الحياة المصريّة، بل تجاهلت مشكلة الاغتراب الصعبة (بسبب القمع الاستعماري) و«الوعي الطبقي» و«الوعي الزائف» تمامًا عند منعطف القرن التاسع عشر في لحظة من تحديث مصر، وهي فضيلة قامت على يد المثقّفين الجدد من خلال الصحافة الوطنيّة وما طرحته من قضايا الحرّيّة والديمقراطيّة، وحذّروا من تصاعد النفوذ الأجنبي، وخطورته على الاستقلال الوطني. وشرعت في عمليّة التنوير من خلال المؤسّسات الثقافيّة المختلفة لترسّخ لمبادئ التحديث والحرّيّة والدستور والحياة النيابيّة. وكان العبء الأكبر عليهم في مواجهة أمور فرضها الوضع الاستعماري أثناء صعودها مثل أقساط الديون، والأعمال الماليّة المريبة للاستعمار الإنجليزي في شؤون الشركات والبنوك ومحلّات القمار والفنادق والرهن وغير ذلك. يضاف إلى هذه، الامتيازات الأجنبيّة للرعايا الأجانب.

من هنا برز المثقّفون الجدد في قيادة الحركة الوطنيّة خاصّة الجناح العسكري، والذي خرج من بين صفوفه أحمد عرابي[1]، وتسمّى هذه الفئة «الجناح العسكري للمثقّفين المصريّين» الذين حاولوا تجديد بلادهم خلال فترات بدا فيها الوضع الاستعماري هو الإجابة الوحيدة. أعطي نموذجًا بارزًا من الطبقات الاجتماعيّة العليا المثقّفة تحديدًا «نمط البنية الاجتماعيّة المحلّيّة»، وهو رفاعة الطهطاوي، رائد النهضة الثقافيّة العربيّة، والذي عاش، وعمل خلال فترة تاريخيّة سعيدة، خفّت التوتّرات الدينيّة بين الإسلام والمسيحيّة، بين الشرق والغرب. كانت مصر لا تزال في وضع مستقلّ نسبيًّا، وكان يعتقد أنّ تقدّم أوروبا كان نتيجة للوطنيّة، مثل حبّ الفرنسيّين لوطنهم الأم. وبالتالي كانت الوطنيّة وسيلة لسدّ الفجوة الحضاريّة بين العرب والأوروبيّين. في باريس، يشرح الطهطاوي فكرة حبّ الوطن والوطنيّة للبلاد، وفي خمسينات القرن التاسع عشر، ساعد الطهطاوي في وضع الأساس لنوع أدبي جديد وهو الشعر الوطني، وأعرب عن اعتقاده بأنّ حبّ الوطن واجب على كلّ الناس[2].

(67)

في كتابه عن المجتمع المصري «كتاب مناهج الألباب المصريّة في مباهج الآداب العصرية»‎، زعم أن حبّ الوطن بعد حب الله، وهو ما أصبح لازمة متكرّرة في إحدى القصائد: «من الطبيعي أن يحب المتحضّرون، بعد الله، وطنهم، هبة من الواهب، سبحان الواهب الكريم». وبالنسبة له، فإنّ الوطنيّة هي جوهر الشخص، ومن أجل تنمية الوعي العام، من الضروري إصلاح التعليم التقليدي... لذلك، فإنّ ترويج وتعزيز الوعي الوطني يمكن أن يحقّق نهضة الحضارة الإسلاميّة خارج الحضارة الغربية. والوطنيّة لا يقصد بها كل الناطقين بالعربيّة، بل أولئك الذين عاشوا على أرض مصر؛ مكانًا للتميّز والاستمراريّة التاريخيّة؛ ولذلك أطلق عليه لقب «أبو القوميّة المصريّة». أثّرت الوطنيّة على مجموعة من المثقّفين من طلّابه في مدرسة الترجمة، وغيرهم من الأجيال الجديدة، ودخلت مصر تدريجيًّا «عصر الصحوة» للقوميّة الحديثة[1].

وذكر بوتاس ميتشل في كتابه «استعمار مصر» ما يثبت تحرّكها، ويؤرّخ مدنيّتها لا جمودها، حول كيفيّة مواجهة مختلف الزوّار المصريّين للمعارض العالميّة في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر لعروض الشوارع، والعادات المصريّة. كان نظام التمثيلات في هذه المعارض، وهو رؤية شاملة لنفس النوع من الاستشراق الأدبي الذي وصفه إدوارد سعيد جيّدًا، مروعًا ومثيرًا للاشمئزاز لدى العديد من الزوّار المصريين بقدرته المتناقضة على غمر المشاهد في «مشهد» مصري، بينما تمكّن المشاهد نفسه من الوقوف بعيدًا. يزعم ميتشل أن المصريين قد مرّوا بعملية مماثلة من النظام في بلدهم بدءًا من أوائل القرن التاسع عشر مع حكم محمّد علي. ولتعزيز طموحه في جعل مصر ندًا للإمبراطورية العثمانية (التي حكم باسمها)، وفرنسا، وبريطانيا العظمى، تعهد محمّد علي بسلسلة من الإصلاحات الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي أدت بدورها إلى خلق طبقة جديدة من البيروقراطيين المصريين، الذين أظهر العديد منهم -في الأدبيات التي يحلّلها ميتشل- التزامًا عميقًا بإعادة هيكلة مصر مثل ذلك الذي أظهره اللورد كرومر[2].

(68)

ولا يمكن اغفال دور المثقفين في توجيه بنية النقابات الحضرية في فترة البناء المصري، لتعطينا صورة واضحة عن أسلوب العمل فيها، ومستوى تنظيمها، ومدى ما حقّقته من نجاح، ولعلّ فيما وصلنا من أنباء عن اعتصام الخيّاطين في (٤ من نوفمبر عام ١٩٠١م) ما يلقي الضوء على أسلوب العمل النقابي في تلك الحقبة من الزمان، فقد احتشد الخيّاطون في أحد المقاهي، وانضم إليهم بعض أعضاء جمعية لفّافي السجاير، والكثير من أعضاء الجمعيات العمّالية الأخرى، فبلغ عددهم ما يربو على ١٥٠٠ عامل، ورأس الاجتماع دكتور بستس رئيس جمعية الخيّاطين والخواجا نقولا ديانو سكرتيرها، وأحمد أفندي على أمين الصندوق، وتحدّث رئيس جمعية لفّافي السجاير في هذا الاجتماع عن واجبات العمّال نحو صاحب العمل، وحقوق العامل طرف صاحب العمل، وطالب بأن يقتسم العمّال الأرباح مع أصحاب الأعمال مراعاة للعدالة والذمّة. وانفضّ الاجتماع بعد أن أُلقيت عدة خطب، ثم عاد العمّال إلى التجمّع مرة أخرى في المساء، فساروا في مظاهرة منظّمة تتقدّمها فرق الموسيقى البلدية وعلم الجمعيّة الذي كان يحمل اسمها مكتوبًا بالعربيّة والإيطاليّة واليونانيّة والعبريّة والأرمنيّة[1].

على صعيد آخر من تطوّر البنية الاجتماعيّة الفكرية المصريّة، شارك المثقفون الوطنيون الجدد في صنع الحداثة الكونية ضد الخمول العرقي للاستعمار الأوروبي في تلك الفترة، قبل اقتحام الحضارة الحديثة، وانطلق جزء أساسي من عمل الأنثروبولوجيّين في الجمعيّة الجغرافيّة الملكيّة المصريّة 1875م متوجّه لاكتشاف البلاد القريبة، تحديدًا السودان، كأحد مطامح مصر الإمبرياليّة (في محاكاة منّي للاستعمار) في أفريقيا. ولكن عندما خبتت طموحات مصر، عمدت النخبة المثقّفة إلى فضح الاستعمار بإنشاء المتحف الإاثنوجرافي الذي كشف عن كثير من المقتنيات المسروقة، وأسماء الشخصيّات الذين جلبوها وظروف الحصول عليها، في مقابل الحفاظ على السمات المصريّة[2].

ومن بين الهدايا المجّانية للمثقفين الجدد، توسيع البنية الفكريّة للتعليم، لانتزاع

(69)

المكانة (Status Usurpation)، ولم يكن المهنيون والمثقّفون مثل مصطفى كامل وطلعت حرب يعارضون تعليم النساء في حدّ ذاته، أما الذكور من الطبقة المتوسطة الدنيا الجديدة، فقد واجهوا رغبات متناقضة؛ ولذلك تبنّوا استراتيجية تسوية. من ناحية، أرادوا أن تشارك زوجاتهم في ثقافتهم وتعليمهم الأوروبيين. ومن ناحية أخرى، واجهوا سوق عمل ضيقة ولم يريدوا منافسة على الوظائف من أقاربهم من الإناث. إن حقيقة أن نساء الطبقة المتوسطة العليا الجديدة وأقاربهن من الذكور أدركوا ضرورة تبنّي الإناث من هذه الطبقة لأنماط الحياة الغربيّة مثل التعليم الكامل. كانت أسر الطبقة المتوسطة العليا الجديدة تتخلّى عن أنماط الحياة التركية التي كانت تبنّت الأساليب الأوروبيّة.

وفي سياق الاحتلال الاستعماري البريطاني وعلاقة التبعية التي حُجِزَت لها اقتصادات جنوب البحر الأبيض المتوسط، كان من الطبيعي أن تنبع المظاهر الثقافيّة للمكانة العالية من لندن وباريس وليس من إسطنبول. ولكن عملية انتزاع المكانة وفقًا للتعبير عند ماكس فيبر بين الطبقة المتوسطة العليا الجديدة قوبلت بمقاومة جزئية من جانب البرجوازيّة الصغيرة الجديدة التي وجدت أنه من الأنسب لوضعها الاقتصادي أن تنتزع المكانة فيما يتّصل بأغلب العلاقات بين الذكور والإناث من الطبقة التركية الشركسية القديمة على الرغم من تبنيها العادات الأوروبية. وبالنسبة للمهنيين والموظفين الذين رأوا أنفسهم في وضع صاعد، فإن الحاجة إلى تقليد منافسيهم الأوروبيين لا بدّ وأن كانت مزعجة. وكان الاستيلاء على رموز المكانة الاجتماعيّة مثل عزل النساء عن النخبة التركية المصريّة إحدى الطرق لتأكيد هويتهم الثقافيّة في موقف حيث كانوا في خطر الانعزال عن وطنهم المصريّ[1]. هذا فيض من قليل عمّا استشعرته من دور الطبقات الاجتماعيّة العليا المصريّة في توجيه الوعي السياسي المصري كأحد النماذج الاجتماعيّة المتقنة في البنية الاجتماعيّة المصريّة المميّزة، فأين الادّعاء بالجمود!

(70)

5. استنتاجات

استنادًا إلى ما مرَّ معنا من عروض تحليليّة ونقديّة لآراء بالاندييه يمكن استنتاج ما يلي:

 أوّلًا: نستطيع القول إنّ خاتمة المقال تعكس بدايته، فقد كان الهدف من الحديث عن الوضع الاستعماري توضيح الظروف التي عاشتها مصر بوصفها نقاط المقاومة القادمة من خلال أنماط من البنى الاجتماعيّة المحلّيّة المهيّأة؛ المساهمة في فهم جانب من جوانب الإنسانيّة، ولفتت الانتباه إلى الحقيقة أنّنا نعيش ونعمل في بيئة شكّلتها القوى الاجتماعيّة الاستعماريّة غير الممدوحة في حدّ ذاتها، ومن المهم أنّ نفهم هذه البيئة المعقّدة. ونتطرّق إلى جوهر السؤال الذي لم يُطرح كثيرًا: «ما الذي يجعل الاستعمار مميّزًا على أيّ حال رغم هذا الحضور؟». لقد فرض الاستعمار، على الشعوب الخاضعة وضعًا خاصًّا للغاية، فلم تحدّد ردود أفعال الشعوب «التابعة». فرض الوضع الاستعماري مشاكل على الشعب المحتلّ، هذه المشاكل استرعت انتباه عالم الاجتماع عن أهميّة المشكلة الاستعماريّة في مجملها. وبناء عليه، حدّد هذا الوضع المواقف الملموسة الحقيقيّة -في تاريخ الشعب المصري في هذه الحقبة التاريخيّة المختارة- بين الحين والآخر. بعيدًا عن أصول المجتمع العرقيّة أو السلاليّة أو الدينيّة. وتنصرف هذه المواقف إلى فهم الظروف كما هي، وليس التضحية بحقائق الوضع الاستعماري، والذي يعدّ بمثابة المرجعيّة التي استرشدت بها من وجهات نظر (المثقّفين الجدد في كلّ حقل ذكرته أعلاه). وبهذه الطريقة امتلكت إطارًا مرجعيًّا أوّليًا يمكن تعميمه على البنية ككل.

ثانيًا: بيَّنَت الدراسة أنّ الطبقات الاجتماعيّة العليا برمزيتها؛ لا يأخذ المثقّفون الجدد أماكنهم في مخطّط الأشياء كما هم فحسب في مثل هذه الظروف الجامدة، بل أنتجوا ديناميكيّة تسهل التغيير الاجتماعي. لا يشير «التغيير» إلى تعديلات داخليّة داخل نظام البنية، بل إلى تحوّل كلي للمجتمع، وظواهره التي ذكرناها في المقدمات الخاصّة.

(71)

أوضحت هذه المقدّمات الخاصّة كيف أنّ الاستعمار على أرض الواقع هو مجتمع متنوّع، ومتغيّر داخليًّا لا يمكن فهمه بشكل صحيح دون النظر إلى السياق بأكمله. وبهذا نبتعد عن التحليل الضيّق الذي يقوم على السبب والنتيجة، فهل يعني هذا حضورًا أوروبيًّا في مصر، أم أنّه يعني انتشارًا لنظام سياسي ينقش مفهومًا جديدًا للفضاء الأوروبي، وأشكالًا جديدة للشخصيّة، ووسيلة جديدة لتصنيع تجربة الواقع؟ لقد فسّر الوضع الاستعماري الجمل السلبيّة الغربيّة، مثل إعادة التنظيم المكثّف للجيش، وتصنيف السكان في الإحصاء السكّاني، وتوسيع الشوارع في المدن المصريّة، والاعتماد على «نموذج السجن «بنوبتيكن» بتعبير فوكو كنموذج معماري للمدارس والمدن المصريّة. وعلى هذا أطرح سؤالًا من الذي يقوم بضبط عمليّة الوضع الاستعماري هنا؟ ولماذا نتجاهل حقيقة مفادها أن مصر جزء كبير من مشروع إنشاء إمبراطوريّتها الخاصّة، وهي بلد كانت موضوعًا وذاتًا في الوقت نفسه؟

ثالثًا: عملت الدراسة على تقديم معنى جديد للطبقات لا يتعلّق فقط بالطريقة التي تتحدّث بها، أو تلبس بها، أو تجهز بها منزلك؛ ولا يتعلّق الأمر فقط بالوظيفة التي تقوم بها أو مقدار المال الذي تجنيه من القيام بها؛ ولا يتعلّق الأمر فقط بما إذا كنت قد ذهبت إلى الجامعة أم لا، أو أيّ جامعة ذهبت إليها. فوفقًا لباختين، تتحدّث كلّ مجموعة اجتماعيّة «بلهجتها الاجتماعيّة» الخاصّة بها - وتمتلك لغتها الفريدة. الطبقة هي شيء تحت ملابسك، وتحت جلدك، وفي نفسك، وفي صميم وجودك. ومن هنا تحدد الحضور المرئي للطبقة المثقّفة خلال هذه الفترة، فلم تكن هذه الطبقة قادرة على تمثيل إرادة البلاد، كما أنّها لم تكن تتمتّع بجاذبيّة قويّة، ولا ينبغي فرض هذا الدور في البحث عن مزيد من الأبنية التي تدعم ديناميكيّة الحياة الأهليّة، وفي الوقت نفسه تكون نقطة مقاومة. وهذا النهج الذي تبنّاه بيير بورديو، وأكّده في معرض مفهومه عن «الحقل»:

(72)

البنية الاجتماعيّة التي تحدّد السلوك الفرد، ويؤمن مع بالاندييه بأن الصراعات الاجتماعيّة هي صراعات من أجل المعنى، والواقع الاجتماعي مرتبط بالنضال ضدّ الاستعمار. ومن الجدير بالذكر أن بورديو استخدم بشكل صريح مفهوم «الوضع الاستعماري» في كتابه: «علم اجتماع الجزائر»، فقد كتب: «من المهمّ أن نفهم نمط حياة الأوروبيّين ونظام قيمهم في إطار الوضع الاستعماري، وعلاقتهم بالشعوب المستعمرة. إنّ الاحتكاك الثقافي فشل في ربط الاستعمار الأوروبي مع الأبنية الاجتماعيّة المصريّة نتيجة أنّ في مصر لم تكن البنى هرميّة، ولكن بنية عالميّة متنوّعة ثقافيًّا، ومحافظة على العادات والقيم الاجتماعيّة»[1].

رابعًا: لا ينبغي لمصر أن تكون جزءًا من مرتكبي الوضع الاستعماري البريطاني. لقد عجز المجتمع الأكاديمي الغربي لفترة طويلة عن تحديد سلسلة أنشطة الغزو المصريّة في فترة محمّد علي، وخاصّة طبيعة غزو منطقة السودان. في عام 1882م، بعد احتلال البريطانيّين لمصر، كان السعي إلى الاستقلال والوحدة بين القوميّين المصريّين نداءً لغريزة الشعب المستعمر. ومع تكثيف الضغط الاستعماري البريطاني، زادت القوميّة المصريّة أيضًا. إنّ طريقة البحث عن الابتكار هي إدراك كارثي للشعب المستعمر بغضّ النظر عن العواقب. تقليديًّا، فإنّ تاريخ مصر الحديثة هو محاولة للتخلّص من حكم الإمبراطوريّة العثمانيّة والحكم الاستعماري البريطاني، والسعي إلى الاستقلال.

 وبعبارة أخرى فإنّ مصر تأمل في الحصول على حقّ الحكم في السودان لتدلّ على معارضتها للوضع التاريخي القائم على فصل بريطانيا لمصر، وكان علماء الثقافة العرب أوّل من طرحوا سؤالًا هل مصر ضحيّة للاستعمار أم نموذج للحكم الاستعماري؟ لا يمكن أن تكون مصر هذا النموذج؛ لأنّ القوّة الاستعماريّة لا تعمل فقط من خلال قمع المؤسّسات التقليديّة غير الغربيّة، ولكن أيضًا من خلال قمع الميول الطبيعيّة التي تكمن

(73)

وراء التقاليد غير الغربيّة مثال ذلك الأزهر الشريف والطبقات الاجتماعيّة العليا. ورغم أنّ الحكم الاستعماري انتهى في أغلب دول الشرق الأوسط منذ نحو ستين عامًا، فإنّ إرثه لا يزال قائمًا في السياسة المعاصرة في الشرق الأوسط[1].

يبدو الاستعمار وكأنّه اختبار مفروض على مجتمعات معيّنة، أو إذا جاز لنا أن نسمّيه كذلك، فهو تجربة اجتماعيّة بدائيّة. ولولا خميرة النضال الجماعي المصري في الفترة التاريخيّة السعيدة، ما ترسّخت فكرة مفادها أنّه إلى جانب هذا النضال من أجل التحرّر السياسي المباشر، سوف يحتاج المصريّون الآن إلى العمل نحو إنشاء مزيد من المؤسّسات الوطنيّة المميّزة من قبل أبناء البرجوازيّة المحلّيّة الناشئة للتخطيط مع الدولة المصريّة لتثبيت قيم تلك التشكيلات الاجتماعيّة المكتومة دهرًا اليوم.

(74)

قائمة المصادر والمراجع

1.أنيس، محمّد، الحركة الوطنيّة في مواجهة الاستعمار الأوروبي، مجلّة الكاتب (مصر)، 1966م.

2.بالاندييه، جورج، الأنثروبولوجيا السياسيّة، ترجمة: علي المصري، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر، بيروت، 2007م.

3.حامد، رؤوف عباس، الحركات العمّاليّة في مصر، مؤسّسة هنداوي، القاهرة، 2023م.

4.حميدات، صالح؛ بورديو، بيار، مقاربة انعكاسيّة الأبستمولوجيا العلوم الاجتماعيّة، مجلـّـة علوم الانسان والمجتمع، المجلد 10، العدد 3، 2021م.

5.زايد، أحمد، آفاق جديدة في نظريّة علم الاجتماع: نظريّة تشكّل البنية، المجلّة الاجتماعيّة القوميّة (المركز القومي للبحوث الاجتماعيّة)، المجلد 33، العدد (1-2)، 1996م.

6.زغلول، آمال سعد، المثقّفون المصريّون ودورهم في ثورة 1919م، مركز المحروسة للنشر والخدمات، القاهرة، 2021م.

7.الشاكري، أمنية، المعمل الاجتماعي الكبير: موضوعات المعرفة في مصر المستعمرة وما بعد الكولونيالية، ترجمة: أحمد محمود، المركز القومي للكتاب، القاهرة، 2016م.

8.الطهطاوي، رفاعة، كتاب مناهج الألباب المصريّة في مباهج الآداب العصرية‎، مؤسس هنداوي، القاهرة، 2014م.

9.العربي، بحسون،  بين التاريخ والأنثروبولوجيا، دراسة في الأنثروبولوجيا الاستعماريّة، المجلة المغاربيّة للدراسات التاريخية والاجتماعيّة، المجلد 2، 2021م.

10.فانون، فرانز، معذبو الأرض، ترجمة: سامي الدروبي وجمال الاتاسي، مدارات للبحث والنشر، القاهرة، 2015م.

11.فياض، محمود؛ الدين حسام،  الأنثروبولوجيا بين الأكاديمية والأداتين: (دراسة تحليليّة - نقديّة لطبيعة العلاقة بين الأنثروبولوجيا والاستعمار)، مجلّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعي، 2021م.

(75)

المصادر الأجنبيّة

1.Balandier, G., The Colonial Situation: A Theoretical Approach, in: Stephen Howe, ed., The New Imperial Histories Reader, London: Routledge, 2020.

2.Cole, J., Feminism, Class, and Islam in Turn-of-the-Century Egypt, International Journal of Middle East Studies, Nov., 1981, Vol. 13, No. 4.

3.Cooper, F, Colonialism in Question: Theory, Knowledge, History, Berkeley: University of California Press, 2005.

4.Ekeh, P, «COLONIALISM AND SOCIAL STRUCTURE»: An Inaugural Lecture delivered at the University of Ibadan on Thursday, 5 June, 1980.

5.Gagné, N., The Study of Colonial Situations: The Emergence of a New General Approach, Reviews in Anthropology, 2012.

6.Howard, J., A Social Cognitive Conception of Social Structure, Social Psychology Quarterly, Vol. 57, No. 3, 1994.

7.Jakes, A. Boom, Bugs, Bust: Egypt’s Ecology of Interest, (1882-1914). Antipode, 2016.

8.Mann, G., Anti-Colonialism and Social Science: Georges Balandier, Madeira Keita, and «the Colonial Situation» in French Africa, Comparative Studies in Society and History, 2013.

9.Powell, Eve Troutt, A Different Shade of Colonialism Egypt, Great Britain, and the Mastery of the Sudan, London: University of California Press, 2003.

10.Wu, Z., Colonized colonialists-alternative colonialism, Journal of Political Science Research, Vol. 5, Num. 1, 2024.

11.Ziltener, P., & Kunzler, D. Impacts of Colonialism: A Research Survey. Journal of World-Systems Research, 2013.

 

(76)

الفصل الثاني

الاستعمار المعرفي والثقافي

 

.  الاستعمار الإنكليزي وتقويض الهويّة الوطنيّة المصريّة

 . البعد الثقافي والفكري في غزوة نابليون لمصر

.  البعثات العلميّة المصريّة في مواجهة المركزيّة الغربيّة

 

(77)
(78)

الاستعمار الإنجليزي

وتقويض الهويّة الوطنيّة المصريّة

(اللّغة - الدين - الثقافة)

 

علا عبد الله خطيب محمّد[1]

تمهيد

كانت الهويّة العربيّة الإسلاميّة هي الهويّة التي تشكّلت منها الذاكرة المصريّة، ومثّلت شخصيّتها الحضارية. وقد فطن المستعمر الإنجليزي إلى هذا الأمر، فعمل على إخراج المصريّين من هويّتهم الإسلاميّة عن طريق إدخال عناصر غريبة على تلك الهويّة لتحويلها عن طبيعتها ووجهتها على نحو يقضي على تميّزها الخاصّ، فعمد إلى استهداف المكوّنات الأساسيّة للهويّة المصريّة، والتي تمثّلت في مكوّنات ثلاثة أساسيّة هي: اللّغة العربيّة، والدين الإسلامي، والثقافة الإسلاميّة. حتى يتسنّى لهذا المستعمر إخضاعها وتحويلها إلى مستعمرة إنجليزيّة أبديّة تظلّ ما بقيت الدنيا تابعة له.

 يطرح البحث مجموعة من الأسئلة هي التالية: ما الهويّة؟ وما هي مكوّناتها؟ وكيف عمل الاستعمار على تدمير هذه المكوّنات؟ وكيف عمل على النيل من اللّغة العربيّة بمخطّطات شتى؟ وبمن استعان من أبناء مصر؟ وكيف حاول الاستعمار النيل من القيم الدينيّة الأصيلة التي ارتبطت بها شخصيّة الشعب المصري في وجودها واستمرارها؟

 جرى تقسيم هذا البحث إلى مقدّمة وأربعة مباحث وخاتمة؛ تناولت المقدّمة أهميّة

(79)

البحث، وتساؤلاته، ومبرّراته، ومباحثه. في حين جاء المبحث الأوّل تحت عنوان: مفهوم الهويّة بوصفه هدفًا استعماريًّا. أمَّا المحور الثاني فقد جاء تحت عنوان: الاستعمار واللّغة. أمّا المحور الثالث فتناول موضوع: الاستعمار والدين. وجاء المحور الرابع بعنوان: الاستعمار والثقافة. لترصد الخاتمة أهمّ نتائج البحث.

أوّلًا: مفهوم الهويّة بوصفه هدفًا استعماريًّا

حاول المُسْتَعْمِر الإنجليزي في كافة البلدان التي استعمرها[1] أن يجمّل من صورته القميئة من خلال إشاراته إلى تركه أصداء تطور أو لمحات ازدهار هنا أو هناك. والتي لم تكن -في الحقيقة- إلّا لرفاهية أفراده ودعم مواطنيه الأصليّين الذين يقومون على رعاية شؤون الاحتلال. وقد عبّر الزعيم المصري مصطفى كامل عن ذلك خير تعبير حين قال في حقّ الاحتلال الإنجليزي: «لا يغرّنكم من المحتلّين نعومة الملمس، فقد يغلب عليهم زبانية الجحيم»[2].

وبالرغم من مخادعة مفهوم «الاستعمار» الذي اشتقّ في معناه اللغوي من الإعمار والعمران، أي ما يعمر به البلد ويصلح به حاله بواسطة الاهتمام والارتقاء بالزراعة والصناعة والتجارة وكافّة أعمال التمدّن والتحضّر. يبقى الاستعمار -مهما تغيّرت أشكاله وألوانه وادّعاءاته المظهريّة- هو الاحتلال والاستيلاء القهري للبلاد المُسْتَعْمَرَةِ، وتبقى المُسْتَعْمَرَةِ إقليمًا يحكمه أجنبيّ محتلّ يقوم باستغلاله اقتصاديًّا وعسكريًّا، ويسلك في سبيل ذلك كافّة السبل، من إذلال وإفقار وتجهيل وتعتيم وتغريب، وما إلى ذلك من الوسائل والآليات التي تجعله خاضعًا مطيعًا، وتابعًا سهل الانقياد. ومن ثمّ تبقى كلمة استعمار، كما يقول مالك بن نبي: «هي أخطر سلاح يستخدمه الاستعمار، وأحكم فخّ ينصبه للجماهير، وما من خائن يدسّه الاستعمار في الجبهة التي تكافح فيها الشعوب

(80)

المستعمرة، إلّا وكلمة استعمار تفتح له أبوابًا مغلقة في عواطف الجماهير»[1].

وقد كان طمس هويّات تلك الشعوب المُسْتَعْمَرَةِ أحد أهمّ هذه الوسائل وتلك الآليات التي حرص عليها المُسْتَعْمِر بصفة عامّة والمستعمر الإنجليزي بصفة خاصّة؛ لإحكام سيطرته وبسط سلطانه على مستعمراته؛ لأنَّ تغييب هويّة هذه الشعوب المحتلّة تجعلها مسخًا للمحتلّ وتابعًا له، وتسهّل له عمليّات سلب الأوطان، ونهب ثرواتها دون أدنى مقاومة تنتج عن الغيرة على الذات التي ضاعت، أو الهويّة التي مُسخَت أو أُتلفت مكوّناتها جزئيًّا أو كليًّا. وقد كان طمس الهويّة المصريّة أهم أهداف الاستعمار الإنجليزي، وعلى رأس الأولويّات منذ البداية؛ إذ إنّهم كانوا ينوون نيّة لا شكّ فيها أن يكون احتلالهم لمصر أبديًّا، بالرغم ممّا أذاعوه في أوّل الأمر من أنّ هذا الاحتلال مؤقّت، وليس لهم مأرب سوى استتباب الأمن في مصر، وتثبيت عرش الخديوي[2].

 ولم يكن هذا خاصًّا بالاستعمار الإنجليزي دون غيره -كما سبقت الإشارة- إنّما كان دأب المستعمر الأوروبي بصفة عامّة مع كلّ الأمم التي استعمرها؛ فما من مُسْتَعْمِر إلّا وقصد جاهدًا إلى محو هويّة القطر المُسْتَعْمَر وتشويه رموزه ومعالمه. وهذا ما يفسّر حرص المُسْتَعْمِر من أوّل يوم تطأ قدمه الأرض المُسْتَعْمَرَةِ على أن تسود هويّته في البلاد التي يستعمرها. وقد يساعده في ذلك ظروف وعوامل شتى لعلّ أهمّها على الإطلاق زهوة المنتصر الذي يبدو صاحب الحضارة الأقوى والأجدى والأنفع. فأمام مرارة الهزيمة يتمّ فقدان الثقة في كل ما هو ذاتي، وتفقد الذات تحت قهر المنتصر كلّ ثقة في موروثاتها، وتقع في دوّامة التلذّذ بجلد الذات والتشكيك في كل ما بقي لديها من موروثات، وتتطلّع نحو المنتصر لتسلك مسلكه لعلّها تحوز أسباب القوّة كما حازها. ومن ثمّ يسهل طريق المُسْتَعْمِر إلى تحقيق هدفه، فيسلّط سهامه المسمومة إلى الهويّة الوطنيّة بغية طمسها والقضاء عليها. لكنَّ السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ما هي الهويّة؟ وما هي مكوّناتها؟

(81)

يجب أن نأخذ في الاعتبار أنَّ مفهوم الهويّة مفهوم معقّد على العكس تمامًا ممّا يبدو عليه للوهلة الأولى كمفهوم بسيط ومحدّد، لأنَّه مع البحث الدقيق يبدو تهافت بساطته المظهريّة، وذلك لتشعّبه وانتمائه لعدّة علوم إنسانيّة واجتماعيّة مختلفة المنهج والمعالجة. الأمر الذي يبدو معه مفهوم الهويّة مفهومًا متنوّع الدلالات والاصطلاحات؛ حيث يتناوله كلّ علم من منظوره الخاصّ. وهو ما يقرّره أليكس ميكشيللي (Alex Mucchielli)، في مقدّمة كتابة عن «الهويّة»، حيث يقرّر أنّ «مفهوم الهويّة يوظّف في مجال العلوم الإنسانيّة كمفهوم شمولي، على نحو متزايد وفقًا لدلالات مجازية بالغة التنوّع»[1]. ويفرق حسن حنفي بين مفهوم «الهويّة» ومفاهيم أخرى تتداخل معه، مثل «الماهية» و«الجوهر»؛ ويرى أن الهويّة تتميّز عنهما -رغم انتمائهم جميعًا لجذر معنوي واحد وهو الأصل- بأنّها خاصّة بالإنسان والمجتمع، فهي موضوع إنسانيّ خالص، فالإنسان هو الذي ينقسم على نفسه، وهو الذي يشعر بالمفارقة أو التعالي أو القسمة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الواقع والمثال، بين الحاضر والماضي، بين الحاضر والمستقبل. وهو الذي يشعر بالفصام، وهو الذي تنقلب فيه الهويّة إلى اغتراب. الإنسان وحده هو الذي يمكن أن يكون على غير ما هو عليه. فالهويّة تعبّر عن الحرّيّة، الحرّيّة الذاتيّة. إن وُجدت فالوجود الذاتي، وإن غابت فالاغتراب[2].

وبالرغم من ذلك يمكننا القول إنَّ الهويّة هي ما يحقّق الأنا ذاتيًّا ويميّزها عن غيرها، وهي شيء أصيل في الوجود الإنساني، فمن يفقد هويّته يفقد قدرته على الوجود الذاتي الأصيل، ويشعر بالعدم والخواء والفراغ، ويسهل تشكيله كي يكون أداة لخدمة من يملك زمام قيادته، فيصير تابعًا مُنقادًا، وينتهي الأمر بهلاكه واندثاره.

أمَّا مكونات الهويّة فهي تتكون حسب الرؤية الكلاسيكيّة من دعائم أو مكوّنات ثلاثة كبرى هي: اللّغة، والدين، والثقافة. وإن كانت الباحثة لا تنكر وجود دعائم أخرى تقوم

(82)

عليها هويّة أيّ أمّة من الأمم كالتاريخ المشترك ووحدة العادات والتقاليد وغيرهما، إلّا أنَّ الباحثة ترى أنَّ هذه الدعائم الثلاث هي الأكثر أهميّة ومحوريّة، والتي يكون عليها إجماع من المتناولين لمفهوم الهويّة بمعناه العام، وفي فلكها -أيضًا- تدور الدعائم الأخرى التي يمكن من خلالها تحديد هويّة أيّ أمّة. كما أنّها الأكثر تعرّضًا لهجمات المُستعمِر في حربه لطمس الهويّات الوطنيّة. وهو الأمر الذي يفسّر لنا ما قامت به إنجلترا عقب احتلالها لمصر؛ إذ أرسلت ثلاثة أرباع المبعوثين إلى إنجلترا انصرف 65% منهم إلى دراسة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة[1]. وهي العلوم الذي تتناول اللّغة، والدين، والثقافة؛ حيث يكون هؤلاء المبعوثين عونًا لها في نشر ثقافتها ولغتها وفرض هويّتها.

وقد بدأ صراع الهويات في مصر عام 1906م، حيث عمل السير إفلن بارنج (اللورد كرومر) المندوب السامي البريطاني والحاكم الفعلي لمصر على تشجيع مجموعة من المصريّين على الترويج للقطريّة المصريّة، وتمجيد الرموز الفرعونيّة، وإثارة اعتزاز المصريّين بأصلهم الفرعوني، وذلك في مواجهة الهويّة الإسلاميّة التي تبنّاها الحزب الوطني (مصطفى كامل)، والهويّة القوميّة العربيّة التي تبنّاها حزب الإصلاح على المبادئ الدستوريّة. وقد شجّع المندوب السامي البريطاني ما كان يطلق عليهم أصحاب المصالح على إنشاء حزب الأمّة، وإصدار جريدة (الجريدة) التي رأس تحريرها أحمد لطفي السيّد. وهذه الجريدة كانت تبالغ في تمجيد الفرعونيّة، كأساس لهويّة المصريّين، وتربط ذلك بالتحالف مع الإنجليز، باعتبار أنّه ليس هناك مشكلة في تبعيّة مصر الفرعونيّة لبريطانيا، وقطع علاقتها بالدولة العثمانيّة وبالإسلام[2]. وسوف نتناول جهود الاستعمار لتدمير كافّة مكوّنات الهويّة المصريّة أو النيل منها على كافّة المستويات.

(83)

ثانيًا: الاستعمار واللّغة

تعدّ اللّغة -عند الكثيرين- بمثابة الدعامة الأمّ التي تقوم عليها الهويّة، حيث يُنسب الإنسان للوهلة الأولى -في غالب الأمر- إلى لغته، فيقال: عربي أو إنكليزي أو فرنسي أو صيني أو ياباني حسب اللّغة التي يتكلّمها؛ ولذلك كان الشغل الشاغل للاحتلال الإنجليزي -بعد أن اطمأن إلى مركزه الدولي بعد توقيع اتفاقيّة «الاتفاق الودي» في 8 أبريل عام 1904م الذي يضمن ألّا تعارض إنجلترا مدّ نفوذ فرنسا إلى مراكش مقابل ألّا تعارض فرنسا بقاء إنجلترا في مصر- أن تمحو لغة هذه البلاد الأصليّة وتحلّ محلّها الإنجليزيّة، وهو الأمر الذي حاولته أيضًا إيطاليا في ليبيا، وفرنسا في تونس والجزائر، وإسبانيا في بعض أجزاء من المغرب. ولولا جهود التعريب التي قام بها المخلصون من أبناء الأمّة العربيّة لمواجهة «الفرنسة» و«النجلزة» لضاعت الدعامة الأم التي تقوم عليها الهويّة. وإن كان هذا لا يمنع نجاح تجارب المستعمِر في تغييب الهويّة لكثير من البلدان، كما فعلت بريطانيا في جنوب أفريقيا وغينيا الاستوائية ونيجيريا والهند، أو فرنسا في دول الغرب الأفريقي (الدول الفرانكفونيّة)، وإسبانيا في الفلبين، وهولندا في أندونيسيا... إلخ.

فما كاد الأمر يستتب للإنجليز في مصر حتى أسند اللورد كرومر (الحاكم الفعلي لمصر) وظائف التدريس في المدارس إلى الإنجليز دون المصريّين، وشرع دجلاس دنلوب (Douglas Dunlop) -الذي عينه كرومر مستشارًا للتعليم- في تطبيق سياسة «النجلزة»، فقصر التعليم في مصر على الأهداف التي ترمي إليها إنجلترا، وعمل على زيادة عدد المدرسين الإنجليز في المدارس الابتدائيّة وما فوقها، وجعل اللّغة الإنجليزيّة هي اللّغة الأولى في المدارس، وهكذا ضمنت إنجلترا تفوق اللّغة الإنجليزيّة في دوائر الحكومة على حساب اللّغة العربيّة[1].

وما زال الأوروبيّون (المستعمر القديم) يحرصون اليوم على إنشاء جامعات أوروبيّة

(84)

في البلاد (المستعمرات القديمة) لينشروا لغاتهم وثقافاتهم، بل فتحوا جامعاتهم أمام الدارسين القادرين مادّيًّا والمتميّزين علميًّا، لخلق جيل جديد يمثّل لغاتهم وثقافاتهم في تلك الأقطار، حتّى صار الحديث باللّغات الأوروبيّة مدعاة للفخر في سائر هذه البلاد، وهو الأمر نفسه الذي قام به الاحتلال الإنجليزي عندما فرض حمايته على مصر؛ إذ أهمل التعليم وضنّ عليه بالأموال وجعله بمصروفات عالية بعد أن كان بالمجّان، وحصره في فئة قليلة، وقصر أهدافه على مجرّد تخريج موظّفين للدولة، وإخضاعه لمجموعة من النظم والقواعد الصارمة التي ابتدعها «دنلوب»، والتي أماتت روح الابتكار، ونشَّأت الأفراد على الخضوع والاستسلام. وليس أدلّ على إهمال الإنجليز لشؤون التعليم من أنّه بعد مضي أربعين عامًا على الاحتلال كانت نسبة الأمية في مصر لا تقل عن 92% من البنين، و97% من البنات[1].

 ولذلك كانت اللّغة -من وجهة نظرنا- من أهمّ مكوّنات الهويّة الوطنيّة للشعوب، ليصبح تدميرها بالتالي أهمّ أهداف الاستعمار وسُبُله لطمس الهويّة الوطنيّة للشعب المحتَلّ، فالمستعمِر الإنجليزي وهو في طور إحكام سيطرته على مصر حاول بكل السبل التقليل من شأن اللّغة الوطنيّة، وإظهارها بأنّها لغة رجعيّة متخلّفة غير ملائمة للتطوّر والتحديث والمعاصرة. في مقابل إضفاء الحداثة والمعاصرة والعظمة والقوة على لغته بوصفها السبيل الوحيد للتقدّم والتطوّر كي يغري الشعب المصري بالانصياع لمخطّطاته. ويسعى لتحقيق ذلك من خلال صنائعه وعملائه المخلصين من أبناء هذه الأوطان، ومن خلال المناهج والمؤسّسات التي يُنشئها، فارضًا إيّاها بكلّ قوّته الممكنة. وقد قام بعض صنائع الاستعمار وعملائه بدورهم على أكمل وجه، فقدّموا لغة المستعمر على أنَّها اللّغة الأفضل، ورمز التحضّر ومفتاح التطوّر، ولا سبيل إلى الولوج إلى حياة التحضّر والرقي والمدنيّة إلّا بها.

وقد لعب الإنجليز في مصر دورًا كبيرًا في نشر اللّغة العاميّة وذلك عن طريق العديد من الصحف ونشر عشرات الكتب التي تروّج للهجة العامية المصريّة، لطمس الهويّة العربيّة وتمزيق وحدتها الفكريّة عن طريق محاربة اللّغة الفصحى التي تجمع بين الأقطار العربيّة[2].

(85)

وهنا يجدر بنا أن نذكر ذلك الدور الذي لعبه عملاء الاستعمار الإنجليزي لأداء الدور المطلوب في هدم اللّغة العربيّة، وما أكثرهم عددًا في مصر، فبسط الهيمنة الاستعماريّة لا يتّجه أوّلًا إلى عامة الناس، وإنّما إلى نخبهم المثقّفة، فهم الذين يتحوّلون إلى أدوات تخدم المستعمِر، فالنخب وحدها هي القادرة على التعبير والكتابة ومن ثم الذيوع والانتشار.

ويكفي هنا أن نذكر ذلك الدور الذي لعبه سلامة موسى في مصر كأنموذج لمحاولات نسف اللّغة العربيّة. وإن لم يكن سلامة موسى هو الوحيد، بل شاركه كثيرون من أمثال قاسم أمين وأنيس فريحة وحسني العرابي وعبد الله جول وإسماعيل أدهم وإبراهيم مصطفى وحسن رفقي وغيرهم ممن تطول بهم القائمة، من الذين ساروا على الطريق الذي رسمه المستشرقون بصفة عامّة من أمثال المستشرق الألماني (ولهلم سبيتا) الذي شغل منصب أمين دار الكتب المصريّة في كتابه «قواعد العربيّة العامية في مصر» والذي نشره باللّغة الألمانية عام 1880م وفيه ذهب إلى أن علّة ركود الثقافة في مصر وابتعاد أهلها عن العلم ترجع في المقام الأول إلى لغتهم الفصحى الموروثة، التي تقف حائلًا بينهم وبين التطوّر؛ لذا اقترح أن تحلّ العامية محلّ الفصحى، وأن تستبدل حروفها بالحروف اللاتينيّة[1].

 وقد سار الإنجليز على الطريق الذي رسمه «سبيتا» بدقة، وتحمّس له الكثير منهم من أمثال اللورد «دوفرين» السياسي الإنجليزي، ومهندس الري الإنجليزي «ويلكوكس» والقاضي الإنجليزي «ولمور»... وغيرهم. فقد عمل هؤلاء جميعًا على إيصال رسالة محددة فحواها: إنَّ علة ركود الثقافة في مصر وابتعاد أهلها عن العلم ترجع في المقام الأول إلى أنّ لغتهم الفصحى الموروثة لغة جامدة تعجز عن مواكبة التطوّر والتعبير عما استجدّ من أمور علميّة ما أكثرها، ولا بدّ من تدارك هذا الأمر إذا أراد المصريّون أن يلحقوا بركب التطوّر والحضارة.

وتابعهم في ذلك الكثير من العملاء أو من المخدوعين بالدعوة من أمثال أحمد لطفي

(86)

السيد وقاسم أمين وأحمد أمين وغيرهم. لتصبح محاولات سلامة موسى هي الأبرز والتي تستوفي كلّ شروط المستعمر الإنجليزي لنسف أهم دعامات الهويّة العربيّة ألا وهي اللّغة. وتكمن هذه الدعوة في ثلاثة محاور، هي:

أ-إلغاء النحو وهجر القواعد اللغوية

رأى سلامة موسى وقاسم أمين وأنيس فريحة وغيرهم أنَّ مأزق اللّغة العربيّة يكمن في النحو وقواعده الكثيرة المعقّدة، والذي يمثل عقبة كبرى أمام المتعلّمين لها؛ ولذلك فلا مانع من إلغائه. ومن ثم يقول سلامة موسى: «ولهذا السبب يجب أن نقتصر من تعليم اللّغة العربيّة في مدارسنا الابتدائية على تمكين الطالب من المطالعة والفهم، بلا حاجة إلى أي قواعد نحوية، وليس عليه حرج أن يقرأ فيرفع المفعول وينصب الفاعل، مادام يفهم ما يقرأ. حسبه أن يسكّن آخر الكلمات كما نفعل نحن حين نقرأ، وبدلًا من هذه القواعد النحوية يجب أن يتعلّم الصبي أكبر مقدار مستطاع من الكلمات... أما في المدارس الثانوية، فنشرع في تعليم أقل ما يستطاع من قواعد النحو، ولا نُبَالِيَ الإعراب الذي أثبت الاختبار أنه لا فائدة منه بتاتًا»[1]؛ ولذلك لم يكن غريبًا أن يُثني موسى على محاولة كل من قاسم أمين وأحمد أمين من خلال دعوتهما إلى إلغاء الإعراب.

 واقترح سلامة موسى وحسن الشريف عدّة مقترحات لإصلاح اللّغة الفصحى- وهي اقتراحات تهدف في الحقيقة إلى نسفها لا إلى إصلاحها، وتتمثّل هذه المقترحات في: إلغاء الألف والنون من المثنّى، والواو والنون من جمع المذكر السالم، وإلغاء التصغير، وإلغاء جمع التكسير كلّه والاكتفاء بالألف والتاء لغير المذكر السالم، إلغاء الإعراب- كما سبق أن بيّنا- والاكتفاء بتسكين آخر الكلمات، ورسم حرف كبير عند ابتداء الجمل تأسّيًا بما يحدث في اللغات الأوروبيّة، وعدم ترجمة الألفاظ الأوروبيّة والاكتفاء بتعريبها كأن نقول (بسكيلت) ولا نقول دراجة[2].

(87)

ب- إحلال الحروف اللاتينية محل الحروف العربيّة

رأى أنصار هذا الفريق، ومن أبرزهم عبد العزيز فهمي وسلامة موسى أن الخطوة الثانية التي يجب اتّخاذها لإصلاح اللّغة الفصحى هي: إحلال الحروف اللاتينية محلّ العربيّة، ورأى أنَّ من أهم مظاهر تخلّف مجمع اللّغة العربيّة تبدو في تمسّكه بالحروف العربيّة في الكتابة ذات الرسم المضلّل، تلك الحروف التي تُعدّ في رأيه عاجزة عن توصيل النطق السليم للمصطلحات العلميّة الأوروبيّة الحديثة إلى من يقرأها. ورأوا أنَّ في اتخاذ الحروف اللاتينيّة مظهرًا من مظاهر الرقي والتمدّن، وخطوة إيجابيّة نحو اللحاق بركب الحضارة العلميّة الحديثة. بل ونقلة من طور البداوة إلى طور العمران، الأمر الذي من شأنه فضّ النزاع بين الشرق والغرب، والانفتاح على الثقافة العالميّة والانخراط فيها[1]. كما قرّروا أنّ هناك عدّة ميزات أخرى في استخدام الخط اللاتيني، كالتوحيد البشري؛ حيث يصبح هو خط القراءة والكتابة الوحيد لدى جميع الأمم، التي تنتج العلم وتمتلكه، والتي تنتفع به وتتعلّمه. ويزول الانفصال النفسي بين الشرقيّين والغربيّين. وتزيد القدرة على استحداث كلمات جديدة بإلحاق بعض المقاطع إلى بعض الكلمات، ولا يكون ذلك في الخط العربي. بالإضافة إلى سهولة استعمال الكلمات العلميّة دون حرج، وفتح آفاق جديدة أغلقها استخدام الحرف العربي، لكنها تنفتح باستخدام الخط اللاتيني، هذا فضلًا عن أنّ سرعة تعلّم الخطّ اللاتيني يُقدَّر بعُشر الوقت الذي يستخدمه تعلّم الخطّ بالحرف العربي[2]. ومن ثمّ أخذ عبد العزيز فهمي في الإشادة بالتجربة التركيّة التي كان لها فضل السبق في تحقيق اتّخاذ الخطّ اللاتيني لكتابة اللّغة التركيّة.

(88)

ج- الدعوة إلى استخدام اللّغة العَاميّة

نجح الاحتلال البريطاني في أن يجعل أنصاره يواصلون دعواتهم على صفحات مجلّتي «المقتطف» و«الهلال» إلى مناصرة اللّغة العَاميّة، وجعلها اللّغة الرسميّة بدلًا من الفصحى؛ لكونها لغة الناس في المعاملات اليوميّة، وهي الأكثر فهمًا من الجميع، وأنّها أوفى تعبيرًا، وأدقّ معنًى، وأحلى ألفاظًا؛ الأمر الذي يجعلها أجدر من الفصحى في أن تكون هي اللّغة الرسميّة، حيث إنَّ اللّغة الفصحى تبدو كلغة الكهّان في المعابد القديمة لا يستطيع فهمها عامّة الناس فضلًا عن بعض الخاصّة الذين لم يتلقّوا تعليمًا لغويًّا متخصّصًا. وأكّد كلّ من سلامة موسى ونصرة سعيد أنّ اللّغة الفصحى لغة جامدة، وأنَّ مصيرها إلى الموت، وإنّها تعمل على تفكيك وحدتنا القوميّة المصريّة، وتجعل منّا أتباعًا لثقافة مريضة، وهي الثقافة العربيّة الشرقيّة[1].

ورأى سلامة موسى أنَّ اللّغة الفصحى مثقلة بقواعدها ومفرداتها التي تجعل من تعلّمها أمرًا صعبًا، فضلًا عن عجزها عن تأدية أغراضنا الأدبيّة، فتعليم الطب بالعربيّة كارثة. أمّا اللّغة العامية فبها تقوم الدراما التي لا تقوم على الفصحى إلّا في أضيق الأحيان، وبها تتحقّق هويّتنا المصريّة؛ إذ إن اللّغة الفصحى تبعثر وطنيتنا المصريّة وتجعلها شائعة في القومية العربيّة. فالمتعمّق في اللّغة الفصحى يشرب روح العرب، ويعجب بأبطال بغداد القدماء، بدلًا من أن يشرب الروح المصريّة ويدرس الروح المصريّة[2].

ثمّ يتم الإعلان من قِبل سلامة موسى عن أنَّ اللّغة العربيّة ليست اللّغة المعبرة عن مزاجنا العلمي، وأنّنا الآن (نرطن) اللّغة الفصحى رطانة، ولم تشربها بعد نفوسنا، ولا أمل في أن تشربها؛ لأنها غريبة عن مزاجنا، ولا تتناسب قط مع لغة التقدّم والتحضّر والتمدين؛ وذلك لأنّها لغة بدويّة، والثقافة هي بنت الحضارة، وليست بنت البداوة، فلهذا يشقّ علينا

(89)

جدًّا أن نضع معاني الثقافة في هذه اللّغة سواء بالترجمة أو بالتأليف[1].

 كما تمّ رفض سلامة موسى وأشياعه الزعم بأنّ اللّغة دعامة من دعائم الهويّة، وزعموا بأنّ القول بذلك وهم كبير، فلم تخسر أوروبا بترك اللاتينيّة التي كانت لغة الكتابة عند جميع المثقّفين، عندما اعتمدت كل دولة على لغتها المحلّيّة. فلم تكن أبدًا لا اللّغة اللاتينيّة ولا الدين المسيحي أهمّ الروابط التي كانت تربط الأمم الأوروبيّة؛ فإنّ الإنجليز قد حاربوا الأمريكيّين، وكلاهما ينتمي إلى لغة واحدة ودين واحد. ولم تكن الحروب في القرون الوسطى حين كانت اللّغة اللاتينيّة عامّة أقل ممّا كانت عقب النهضة[2]. فالشعور بالنهضة عندهم هو نفسه شعور بالاستقلال، والناهضون الذين دعوا إلى العلم والأدب والتجديد في الأخلاق والسياسة شعروا بكرامة قوميّة، بعثتهم على الإكبار من شأن اللّغة القومية، فاتّجه نظرهم إلى المستقبل دون المبالاة بالروابط التاريخيّة في الماضي. لينتهي موسى إلى القول: «ولو أنّ الأوروبيّين وضعوا الدين ولغة الدين فوق القوميّة، لكانت أوروبا الآن دولة واحدة عاصمتها روما»[3].

ولا شكّ عندي في أنّ الدعوة إلى هجر اللّغة الفصحى هي دعوة واهية، عمل الكثيرون من الدارسين والباحثين على بيان تهافتها، وإثبات أنّها دعوة ذات «أهداف مغرِضة لا تمتّ للعلم بنسب»[4]. تبنّاها المستعمِر الإنجليزي في مصر الذي أراد أن يتّخذ من صعوبة قواعد اللّغة العربيّة مبرّرًا للعدول عنها إلى العامية حتى يقضي بذلك على أهم مقوّمات الوحدة العربيّة والوحدة الإسلاميّة[5]؛ ولذلك نشأت العديد من التيّارات الوطنيّة والقوميّة لتؤكّد أنّ اللّغة العربيّة الفصحى لغة طيّعة مرنة تتناسب مع كل العلوم وتلائم كافّة الأغراض، وتناسب كل تطور مأمول، ولا يضيرها أبدًا دخول بعض المصطلحات العلميّة إليها، وما

(90)

كثر المصطلحات التي أُضيفت إليها، وذابت في مجالها العام من كافة المجالات.

وهكذا تمثّل كل دعوات هجر اللّغة العربيّة الفصحى أو تغيير حروفها ورسمها أو إلغاء قواعدها هدفًا خبيثًا أراده الاستعمار؛ ولذلك قال أحد الباحثين عن أبرز رموز هذا التيّار الذي وافق أهداف المستعمِر الإنجليزي، وهو سلامة موسى إنّه: «إقليمي.. عدوّ للعروبة والإسلام. عميل من أخطر عملاء الغزو الفكري. أرادوه أن يمثّل دورًا بعينه... أن يحمل معول الهدم ليدمّر تراثنا العربي وعقيدتنا الإسلاميّة»[1].

د- صمود اللّغة في مواجهة الاستعمار

صمدت اللّغة العربيّة في مصر صمودًا قويًّا أمام محاولات الاستعمار الإنجليزي لمحوها؛ فقد شنّ الإنجليزيّان: القاضي «ولمور» في كتابه «العربيّة المحكيّة في مصر» سنة 1901م، ومهندس الري «ويلكوكس» في محاضراته التي عنونها بـ«لِمَ لَمْ توجد قوّة الاختراع لدى المصريّين الآن» هجومًا ضاريًا على اللّغة العربيّة، ادّعى فيه كلُّ منهما أن «من أخطر أسباب تأخّر المصريّين في ميدان الحياة وتخلّفهم عن الأوروبيّين في الابتكار الأدبي والعلمي هو تمسّكهم بلغة القرآن والأساليب العربيّة القديمة، ومن الأفضل لهم أن ينهضوا باللّغة العامية حتى يسايروا ركب الحضارة، فهي لغة حيّة دائمة التجدّد يفهمها جمهور الشعب، ولا نهضة للأمّة إلّا إذا نهض سواد الشعب، ليفهم ما يكتبه العلماء والأدباء، ولن يأتي هذا إلّا إذا كانت الكتابة باللّغة العامية»[2]. وزعم أنّ أهمّ عائق يمنع المصريّين من الاختراع هو أنّهم يؤلّفون ويكتبون باللّغة العربيّة الفصحى، ولو ألّفوا وكتبوا بالعامية لصاروا مخترعين! واستدلّ على ذلك بأن الإنجليز كانوا يؤلّفون باللاتينيّة، فلم يكونوا مخترعين، فلمَّا اختاروا لغة الفلّاحين الإنجليز وكتبوا بها صاروا مخترعين.

وهو الأمر الذي رفضه المصريّون بكلّ قوّة وإباء؛ حيث قام كل من محمّد عبده وحمزة فتح الله وحسن الطويل وحفني ناصف ومحمّد بيرون ومحمّد المويلحي وتوفيق البكري

(91)

وآخرين بتكوين أول مجمع لغوي في مصر (مجمع البكري عام 1892م) للدفاع عن أصالة اللّغة العربيّة الفصحى ضدّ هذه الهجمة الشرسة، والعمل في الوقت نفسه على إصلاح أساليبها ومناهجها الدراسية، غير أن هذا المجمع لم يدم طويلًا، حيث استمر بضعة بضعة أشهر. إلّا أنّ همم المصلحين لم تفتَر حتى أقنع أحمد لطفي السيِّد الحكومةَ بضرورة إنشاء مجمع حكومي للغة العربيّة في 13ديسمبر 1932م[1].

وتوالت مقالات المصريّين وندواتهم في دعوة الاحتلال الإنجليزي ضدّ اللّغة العربيّة الفصحى وهتك أستار دعوة «ويلكوكس»، ولكنّهم لم يكتفوا بذلك، بل ذهبوا إلى تفنيد الدعوة بطريقة عمليّة؛ حيث قام فريق من المهندسين المصريّين بإصدار مجلّة علميّة أطلقوا عليها اسم «المهندس» للأبحاث الرياضيّة والعلميّة، ليثبتوا عمليًّا إمكان معالجة هذه المسائل باللّغة العربيّة الفصحى التي زعم «ولكوكس» أنّها لا تصلح لمعالجتها، فأضاعوا بذلك كل الجهود التي كان يبذلها في نشر دعوته[2].

ولم تفلح الإغراءات المادّيّة والأدبيّة التي أعلن عنها الاحتلال الإنجليزي للمصريّين إذا أقبلوا على الكتابة بالعامية وأعرضوا تمامًا عن الكتابة بالفصحى، فأعلن «ويلكوكس» في نهاية المحاضرة الأولى من محاضراته التي ضمنها كتابه «لِمَ لَمْ توجد قوّة الاختراع لدى المصريّين الآن» عن مسابقة يغري بها المصريّين بالمكافآت الماليّة إذا تباروا في الكتابة بالعامية، فيقول: «من قدَّم لنا هذه الخطبة باللّغة الدارجة المصريّة وكانت موافقة جدًّا يكافأ بإعطائه أربعة جنيهات إفرنكيّة، وإن كثر المتقدّمون فيُعطى هذا المبلغ لمن يحوز الأفضليّة»[3].

لكن تلك الإغراءات لم تزد المصريّين إلّا تمسّكًا باللّغة الفصحى حتّى يئس صاحب الدعوة من صمودهم، وانتهى به اليأس إلى إغلاق مجلّته (مجلة الأزهر)[4] بعد صدور

(92)

العدد العاشر منها. وقد صرَّح «ولكوكس» نفسه بالسبب الذي جعله يتوقّف عن إصدار مجلّته وهو عدم تلبية المصريّين بصفة عامّة لدعوته[1]. وهو الأمر نفسه الذي قوبلت بها دعوات «ولمور»؛ إذ ناقشت مجلّة الهلال على صفحاتها جميع مزاعم «ولمور» التي برّر بها دعوته للكتابة بالعامية، على أسس علميّة منطقيّة تاريخيّة كانت كفيلة بإزالة الشكوك التي أثارها «ولمور» في نفوس أبناء العربيّة، ورغم ذلك بقيت مجموعة من عملاء الاحتلال ودعاة التغريب متشبّثة بهذه الدعوة البالية حتى يومنا هذا.

ثالثًا: الاستعمار والدين

سعت إنجلترا منذ ولوجها أرض مصر إلى إبعاد المصريّين عن الدين الإسلامي بشتّى الطرق والوسائل، لدرجة أنّ اللورد كرومر صرّح قائلًا: «إنّ مصر بلد غير محدّد، وأن وصفها بأنّها بلد إسلامي شيء بعيد جدًّا عن الصواب»[2]؛ ولذلك عمل الإنجليز على قطع الصلة بين الدين الإسلامي والمصريّين، وعملوا على تحقيق ذلك عبر وسائل شتّى، كان أهمّها: التبشير، والاستشراق، والطائفيّة. فقد كانت إنجلترا بحقّ أشدّ قسوة على الإسلام، وأشدّ خطرًا على العالم الإسلامي من كل الدول الاستعماريّة الأخرى؛ لأنّها كانت أقلّ حماقة من وسائل فرنسا وإيطاليا، ولأنها استولت على أخطر البقاع الإسلاميّة؛ فقد استولت على الهند القارة الضخمة التي كان يحكمها المسلمون، ثمّ مصر (قلب العالم الإسلامي)، وتقاسمت مع روسيا السيطرة والنفوذ في إيران، واستولت على الخليج

(93)

العربي وسلطناته. كما أنّ الإنجليز هم الذين قضوا على الدولة الإسلاميّة الكبرى، والتي كانت تمثّل القوّة الصامدة المقاومة للنفوذ الأجنبي، وهم الذين أزالوا دولة الخلافة العثمانيّة، وأذلّوا المسلمين في كل البلاد[1]. ولأنّها -أيضًا- قد أدركت أنّ الدين الإسلامي يمثّل هويّة مميّزة للشرقي منذ عصر الفتوحات الإسلاميّة، فهو معيار التفرقة بين الجميع، فلا فرق لعربي على أعجمي إلّا بالتقوى. وأنّه لا هويّة للحاكم في كلّ العصور تُمّيزه سوى أَنَّه حاكم مسلم. ومع وقوع معظم الدول العربيّة تحت السيطرة التركيّة، قوي التأكيد على الهويّة الإسلاميّة، هويّة الدين، على حساب هويّة اللّغة، رغبةً في دمج القوميّات الأخرى المتعايشة مع الأتراك داخل الإمبراطوريّة التركيّة القائمة حينذاك أو ما سمي وقتها بـ«التتريك».

 ولذلك سعى الاحتلال الإنجليزي إلى إثارة العديد من الشبهات حول الإسلام، وطعن في الشريعة الإسلاميّة، ودعا إلى استبدالها بالقانون الوضعي الأوروبي، وربط تقدّم المسلمين بنبذ القرآن والإسلام واللّغة العربيّة، فقال المستشرق الإنجليزي إدوارد دور الذي صاحب الاحتلال: «إنّ أوّل ما يجب أن يبدأ به إصلاح التعليم الابتدائي في مصر هو الإعراض عن الدراسة الكاملة للقرآن»[2]. وسعى الإنجليز إلى ضرب الدين الإسلامي من خلال تحطيم الأخلاق والقيم والعادات الإسلاميّة. وسعوا إلى القضاء على الإسلام في نفوس المسلمين لكي لا يبقى منه إلّا اسمه، وأرادوا إيقاف انتشاره بكل الطرق، وشوّهوه في نظر الشعوب الغربيّة. فمنعوا دخول المسلمين وعلمائهم جنوب السودان، وحالوا بين تعليم المسلمين من سكان تلك الجهات أحكامَ الدين وآداب المسلمين[3]. كما أنّهم (الإنجليز) هم من ألغى الخلافة الإسلاميّة، وحالوا بين المسلمين وبين إعادتها، وإليه يرجع الخطر الأكبر في إقامة دولة اسرائيل في قلب العالم الإسلامي. فهو الذي مكّن لها ذلك، وأتاح لها الفرصة لمليون يهودي أقطعهم الأراضي وأمدّهم بالسلاح والعتاد،

(94)

وجعل منهم قوّة عسكرية ذات بأس تهدّد الحجاز ومصر وسوريا ولبنان والعراق وسائر بلاد العرب[1].

كما حرص المستعمر الإنجليزي على إفساد الدين الذي يشكل منبع وحدة الفكر ووحدة الشعور بين أفراد الشعوب المستعمرة وجماعاتها، ولذلك كان حريصًا على أن يفسد كل ما يحافظ على الوحدة أو التواصل، وذلك من خلال آليتين:

الأولى: أن يضرب كلّ قوّة مناهضة له، تحت أيّ راية تجمّعت.

الثانية: أن يحول في كل الظروف، بينها وبين أن تتجمّع تحت راية أكثر فعاليّة[2].

ولم تكن هناك راية أكثر فعالية في البلاد الإسلاميّة أكثر من الدين، حيث يستطيع أن يحشد الناس ويحثّهم على الجهاد ضدّ المحتلّ الغاشم إلى أن يتحقّق النصر أو الشهادة، وكلاهما مطلب كلّ مسلم في كل زمان ومكان. فكان من الطبيعي أن يؤرق الدين المحتلّ أينما كان؛ ولذلك كانت حرب الاستعمار الإنجليزي للإسلام حربًا لا هوادة فيها؛ باعتباره العامل الدافع إلى القوة والجهاد والمقاومة. وكانت هذه الحرب بأساليب مختلفة، منها:

أوّلًا: نقض مفاهيم الإسلام وتحريفها، وخلق دعوات تحمل لواء الإسلام، وتتنكر لأهم مقوماته وهو «الجهاد» الذي هو ذروة سنام الإسلام. حيث ألغته الغاءً، أو قلَّلت من أهمّيته، أو عملت على تفسيره تفسيرًا خاطئًا.

ثانيًا: الطعن على الإسلام والحمل على مقوّماته واتّهامه بأنه مصدر تأخّر المسلمين وضعفهم[3].

وفي الحقيقة ما زال المستعمر الراهن يعزف على هذا الوتر الحسّاس إلى يومنا هذا، فإذا كان في الماضي يتنكّر للمفاهيم الإسلاميّة وعلى رأسها الجهاد، أو يحرّف ويغيّر معناها، فإنه اليوم يقوم بعملية انتقاء لهذه المفاهيم ويقوم بتوظيفها لخدمته ولصالحه.

(95)

فيستغلّ على -سبيل المثال لا الحصر- مفهوم «الجهاد» ذاته لصالحه، وعلى طريقة الحرب بالوكالة دون أن يخسر شيئًا؛ هو فقط يوقع الفتنة ثم يبيع السلاح مقابل أن يستولي على النفط وسائر الخيرات دون نسبة أو تناسب بين المُباع والمشترى، والنتيجة انهيار الأمم في حروب ضد جماعات فهمت الجهاد بالطريقة التي أراد المستعمِر لها أن تفهمه. وما داعش من هؤلاء ببعيد، حيث لم تحقّق هذه الجماعات الجهاديّة سوى الخراب للإسلام والمسلمين في كل بقاع العالم الإسلامي شرقًا وغربًا. والرابح الوحيد هي الدول الغربية الاستعماريّة الكبرى، ثمّ إسرائيل التي باتت تشعر بالأمن والأمان، بل باتت صواريخها وطائراتها تصيب أي مكان تستشعر منه الخطر في العالم الإسلامي بحجّة القضاء على الإرهاب والإرهابيّين.

أمّا الطعن على الإسلام وتصويره على أنّه سبب تأخّر المسلمين وضعفهم، فهي دعوة قديمة حديثة راهنة، ما زالت تلوكها ألسنة المستغربين، فقد دأبت الدراسات التغريبيّة على تشبيه موقف الدين الإسلامي من العلم بموقف الكنيسة الكاثوليكيّة من العلم في عصر النهضة. وأنَّه لم يكن هناك بدٌّ أمام أوروبا إلّا أن تنّحي الدين ورجاله وكنيسته جانبًا لتتطوّر وتتقدّم وتنهض، وأنّها وقتما تخلّصت من الدين وسادت العلمانيّة الشاملة تحقّق لها ما أرادت من تقدّم علمي وتقني وحضاريّ. ومن ثمّ فلا سبيل أمام الأمّة الإسلاميّة والعربيّة إذا أرادت أن تلحق بركب الحضارة أن تنحّي الدين جانبًا وتسلك نفس المسلك الغربي.

رغم أنّ العلم في الإسلام مطلب شرعي وفريضة دينيّة كثر الحديث عنها في القرآن الكريم وفي السنّة النبويّة المطهّرة. بل إنّ المتأمّل في أوّل آيات القرآن الكريم سيجدها «اقرأ»، وأنّ ثاني سور القرآن الكريم نزولًا هي «سورة القلم». الأمر الذي يحمل الكثير من المعاني والدلالات. هذا فضلًا عن العديد من الآيات والأحاديث النبويّة الصحيحة التي تُعلي من شأن طلب العلم وضرورة الحرص على طلبه والتفكّر في خلق السماوات والأرض، وأنّ المرء كلّما ازداد علمًا بالصنعة وبالعالم ازداد إيمانًا بالخالق. فليس في الإسلام أبدًا «أطفئ سراج عقلك ثمّ اتبعني».

(96)

رابعًا: الاستعمار والثقافة

تعتمد هويّة أيّ أمّة على ثقافتها الذاتيّة التي حاولت الإجابة على تساؤلاتها الخاصّة، وتقوم الهويّة المصريّة على الثقافة الإسلاميّة التي تربط بين غالبيّة المصريّين. ولقد حاول الاحتلال الإنجليزي منذ أن جثم على صدور المصريّين أن يتخلّص من نفوذ الثقافة الفرنسيّة وأن يحلّ محلّها الثقافة الإنجليزيّة، فجعل اللّغة الإنجليزيّة لغة الدراسة بالتعليم القومي، ونجح في إزاحة اللّغة الفرنسيّة تدريجيًّا من المدارس الحكوميّة، وتخلّص «دنلوب» من الموظّفين الفرنسيّين، وأحلّ محلّهم مدرّسين من الإنجليز. وقد أضرّ كل ذلك باللّغة العربيّة أيضًا، غير أنّ الجهود الوطنيّة قد نجحت في إعادة اللّغة العربيّة -منذ أيام سعد زغلول- لتصبح لغة الدراسة في التعليم القومي، وإن كان الإنجليز قد نجحوا في جعل اللّغة الإنجليزيّة اللّغة الأوروبيّة الأولى بمدارس التعليم القومي الحكومي، إلّا أنّ الثقافة الفرنسيّة خارج هذا الميدان ظلّت محتفظة بتفوّقها على الثقافة الإنجليزيّة في مصر حتّى الحرب العالميّة الأولى[1].

وقد أدرك الاستعمار الإنجليزي أنّ الثقافة الإسلاميّة هي الوعاء الأكبر الذي يمثّل الهويّة الوطنيّة لعموم الشعب المصري؛ حيث تنطلق عقليّة المصريّين من النصّ الديني سواء أكان القرآن الكريم أو السنّة النبويّة المطهّرة. فعمل على تغيير هذه العقليّة والقضاء على تلك الثقافة القائمة على التراث، ورأى أن تغيير هذه الثقافة هو الهدف الأمثل والأمل المنشود، وهذا يُفهم من مقولة كرومر: «إنّ مصر يجب أن تطبع بالطابع الأوروبي، ويجب أن يكون الإنجليز هم العنصر الرئيسي في هذا التحويل»[2].

 ولمّا كانت الثقافة المصريّة مرتبطة أشدّ الارتباط باللّغة العربيّة والدين الإسلامي؛ فقد نالت الحظّ الأوفر من الهجوم الاستعماري. الذي رأى أنّ وسيلة تغيير الثقافة تكمن في التعليم، فحرص على غزو تعليمي وثقافي ضخم، وذلك عن طريق إرساليّاته ومعاهده الأجنبيّة، فاستطاع تخريج أجيال جديدة وفق مفاهيمه، وأتاح لهذه الأجيال السيطرة

(97)

 

والقيادة والزعامة والحكم في أغلب أنحاء العالم الإسلامي، كما أطلق حركة التبشير لتحكِم تنفيذ هذه الخطّة، وفرض على الدولة المحتلّة أنظمة تعليميّة قوامها تحقيق هذا الهدف. ومن هنا جاء ما وصف بأنّه محاربة للإسلام واللّغة العربيّة[1].

وهنا يمكننا القول إنّ الاستعمار الإنجليزي وجَّه سهامه المسمومة إلى الثقافة الوطنيّة، وقام بالتمييز بين ثلاثة تحديدات ممكنة فيما يخصّ الثقافة، الأوّل عقليّ يرفض كافّة العلوم والفنون والفلسفات العربيّة الإسلاميّة، مدّعيًا بأنّها أصبحت بالية لا تصلح للحاضر ولا للمستقبل، وأنّ مجرّد دراستها هو مضيعة للوقت؛ لأنَّ العقل الذي أنشأها عقل ماضوي انتهت صلاحيّته في الوقت الحاضر، ولا بدّ من تجاوز هذا العقل الأصولي أو الكلامي أو الصوفي، إلى العقل العلمي المملوء بالثقافة التقنيّة والعلميّة المعاصرة. والثاني سياسي يرفض كافة الحكومات الدينيّة ونظام الخلافة ويدعو إلى الديمقراطيّة الغربيّة التي يجب أن تتشبّع بها قلوب الجماهير وعقولهم قبل أن يفرضها الساسة على أرض الواقع. والثالث أنثروبولوجي، يحاول تحرير المرأة من ناحية، ومن ناحية أخرى تحرير العقول من كافّة العادات والتقاليد التي ورثوها عن المجتمع الزراعي أو البدوي بما فيها المعتقدات الدينيّة والأعراف والأخلاق، والتحلّي بقيم المجتمع الصناعي وعاداته وتقاليده وأخلاقه على غرار النمط الأوروبي.

ومن ثمَّ رأى كرومر أنّ الشرق يتميّز بالخصائص الآتية: الاستبداد، الحكم غير المباشر، نظام غير مهذّب للقانون العالمي، الشريعة الدينيّة، تعدّد الزوجات، انزواء المرأة، العبوديّة، القسوة في تنفيذ العقوبات البدنيّة، الملابس الفضفاضة، الأبجديّة المعقّدة، الشعر والنثر المجازي. أمّا أوروبا فتتميّز بإحدى عشرة سمة يجب أن تحلّ محلّ خصائص الشرق وسماته، وهي: الحكم الحرّ، والحكم المباشر، نظام مركب للقانون العالمي، القانون المدني، الزواج الفرد، حرّيّة النساء، الحرّيّة المدنيّة

(98)

للجميع، الملابس الملتصقة بالجسم، الأبجديّة البسيطة، النثر الجدلي (المتعقّل)[1].

وعلى هذا عمل المستعمر الإنجليزي من خلال آليّات ثلاث هي: التعليم (الغزو الثقافي)، والتبشير، والاستشراق:

1- التعليم والغزو الثقافي

فطن المُسْتَعْمِرُ الإنجليزي إلى مدى احترام الثقافة الإسلاميّة للتعليم وتعويلها عليه كأهم سُبل النهضة، فحاول أن يفيد من ذلك إلى أبعد الحدود، وأن يسخّر التعليم لتحقيق أهدافه ومآربه؛ لذلك لم يكن غريبًا أنَّ يجعل المستعمِر الإنجليزي من قضية التعليم كبرى معاركه وأعظم عوامل تثبيت أركانه وقواعده. فعمد إلى إقامة الإرساليّات والمدارس الأجنبيّة الكبرى ليبثّ من خلالها ثقافته بدلًا من الثقافة الوطنيّة التي تدعم الهويّة الإسلاميّة. وأدخل تعليم اللّغة الإنجليزيّة في جميع مراحل التعليم، ثم حاول تدريس بعض المواد باللّغة الإنجليزيّة، توطئة لتدريسها جميعًا بتلك اللّغة، مما أثار ثائرة الصحافة المصريّة، وكان موضع نقدها الشديد. وقد هدف الإنجليز من وراء ذلك إلى هدفين: أوّلهما إضعاف اللّغة العربيّة؛ إذ وجدت بجوارها لغة أجنبيّة تزاحمها، وتصرف جهد التلاميذ عن لغتهم القوميّة، إلى اللّغة الأجنبيّة. والآخر القضاء على القوميّة العربيّة والروح الوطنيّة، وتحويل الشباب المصري بالتدريج نحو العادات والتقاليد الإنجليزيّة[2].

كما قصر التعليم على الطبقات العليا فقط من المجتمع؛ إذ إنّه بعد أن كان التعليم في جميع درجاته بالمجان، بل وكان الطلّاب يتلقّون معونات ومنحًا مالية، بالإضافة إلى الطعام والكساء، أصبح تكاليف التعليم عالية، ومعنى ذلك ألّا يُقبِل على التعليم إلّا من كان قادرًا على دفع نفقاته. فانحصر التعليم على أولاد القادرين فقط دون عامّة الشعب، حتى وصلت نسبة الأمّيّة مستويات عالية جدًّا؛ إذ قُدّرت بين 92% بين الذكور و97% بين الإناث [3].

(99)

وسيطر الإنجليز بالفعل على التعليم سيطرة تامّة، وتولّى المناصب العليا فيه موظّفون من الإنجليز الاستعماريّين، وقد وضع على رأس هذه الوزارة مستشارًا إنجليزيًّا، هو المستر دنلوب، الذي طغى بجبروته على الوزير المصري، وحشد جيشًا من المدرّسين الإنجليز في المدارس الثانويّة والعالية لتدريس اللّغة الإنجليزيّة وبعض المواد الأخرى. وقد كانت مهمّة هؤلاء المدرّسين الأساسيّة، تحطيم الروح الوطنية في نفوس الطلاب، وبثّ روح الاستكانة والضعف في قلوبهم، وحثهم على الرضى والتسليم باحتلال الإنجليز لبلادهم، وإيهامهم أنّ هذا الاحتلال أبديّ، لا فكاك لمصر من ربقته، فإذا تخلّى الإنجليز عن مصر، فلا بدّ أن تحلّ محلّهم دولة أخرى من الدول الطامعة فيها. فالخير كلّ الخير، والحالة هذه، إنّما هو في الرضى باحتلال الإنجليز، وقبول حكمهم[1]. خلاصة القول إنّ التعليم في عهد الاحتلال لم يكن سوى وسيلة لتثبيت أقدام المحتلّ الإنجليزي في مصر، وكان وسيلة لتخريج مجموعة من الموظّفين ليعملوا في إدارات الحكومة ومصالحها، وليكونوا طوع إرادة رؤسائهم من الإنجليز، يطلبون لهم الرضى حتّى يرضوا.

وهو الأمر الذي حرص عليه الاستعمار منذ بداياته في مصر؛ إذ رأى ضرورة أن يرافق الاحتلال السياسي احتلال معنوي، بحيث يتقرّب أهالي المستعمرات من المستعمرين إلى أن يندمجوا فيهم اندماجًا، وأن يتعلّم الأهالي تعليمًا ينشئ في نفوسهم حب المستعمِر فيستسلمون له طواعية. وإذا كان هذا هو الهدف الأكبر، فإن هناك هدفًا آخر يتّصل به ألا وهو القضاء على الثقافة القوميّة، وذلك عن طريق الطعن فيها وإثارة الشكوك حولها والشبهات في أعماقها، حتّى نظر إليها المواطن نظرة الازدراء والاحتقار، وأخذ يعلي عليها ثقافة المستعمِر الذي تُقَدَّم له في قالب براق، وتعرض عليه عرضًا حافلًا بالقوّة والبطولة[2].

 وهذا عين ما يُقصد بمفهوم الغزو الفكري أو الغزو الثقافي والذي يعني اصطلاحًا:

(100)

«الجهد البشري المبذول ضدّ عدو ما، لكسب معارك الحياة منه، ولتذليل قياده، وتحويل مساره، وضمان استمرار هذا التحويل حتى يصبح ذاتيًّا إذا أمكن، وهذا هو أقسى مراحل الغزو الفكري بالنسبة للمغلوب، وإن كان في نفس الوقت هو أقصى درجات نجاح الغزاة. وسلاح هذا الغزو هو: الفكر، والكلمة، والرأي، والحيلة، والشبهات، وخلابة المنطق، وبراعة العرض، وشدّة الجدل، ولدادة الخصومة، وتحريف الكلم عن مواضعه، وغير ذلك ممّا يقوم مقام السيف والصاروخ في أيدي الجنود، والفارق بينهما هو نفس الفارق بين وسائل وأساليب الغزو الفكري قديمًا وحديثًا»[1].

 ومن ثمّ كان الهدف الرئيسي الذي وضعه المستعمِر الإنجليزي وابتغى تحقيقه من الغزو الثقافي هو التشويش على كلّ ما يمكن أن يبرز الذاتيّة العربيّة والهويّة العربيّة المستمدّة من الفكر الإسلامي. فحرص على أن تؤسِّس مناهج التعليم في البلاد المستعمَرَة لعزلة إقليميّة بين الدول والشعوب، فلا يدرس الطالب سوى إقليمه فقط دون معرفة أيّ شيء عن الأقاليم الأخرى، حتّى يقضي تمامًا على بذور أيّ فكرة من الممكن أن تدعو إلى التوحيد أو التكامل الاقتصادي في المستقبل. هذا فضلًا عن تركيز هذه المناهج التعليميّة بصورة واضحة على تدريس ثقافة المستعمر وتاريخه ودينه ولغته على نحو واسع الإغراء للشاب المسلم، مبتعدة به عن تاريخه ولغته ودينه بالهجوم والتشكيك، وإثارة الشبهات، والربط بينه وبين تاريخ المستعمر ودينه ولغته ومكانه من الحضارة، والربط بين تاريخ الأمم الإسلاميّة ودينها وبين وقوعها تحت نفوذ الاستعمار وتخلّفها[2].

كما حرص الاستعمار الإنجليزي أيضًا على تجميد التعليم في الأزهر، وأنشأ نظامًا تعليميًّا آخر مستقلًّا عنه تمثّل في المدارس الأجنبيّة ومدارس الإرساليّات، له طابعه الغربي الخالص، وجعل مدارسه ومعاهده هي التي تؤدّي إلى المناصب والنفوذ والثروة حين أبقى خريجي المعاهد الأزهريّة في درجة منخفضة. وقد كان لهذا الازدواج العلمي وهذه

(101)

الثنائية أثرهما البعيد المدى في الأخطار التي واجهتها مصر طوال هذه الفترة[1].

وهكذا عمل الاستعمار الإنجليزي على طمس الهويّة الوطنيّة عن طريق التعليم وبرامجه ومناهجه المختلفة التي انتشرت في غالبيّة الشعوب الإسلاميّة، وساعدها في ذلك قوّة نفوذ الدول الاستعماريّة في البلاد الإسلاميّة. في حين ضعفت المعاهد والمدارس الإسلامية ضعفًا بيّنًا.

2- التبشير ودوره الاستعماري

في ظلّ الاستعمار الإنجليزي لمصر تدفّقت البعثات التبشيريّة من كافّة البلاد الاستعماريّة إلى كافّة ربوع مصر، وبنت مدارسها وكنائسها ومستشفياتها بدعم من النفوذ الاستعماري الإنجليزي وبدأت تعرض خدماتها على المصريّين. وقد كانت حركات التبشير من أكبر الأعمال التي اعتمد عليها الاستعمار في تركيز وجوده وبقائه، ليس فقط في خلال فترة احتلاله لهذه الأقطار، بل لإعداد ركائز تبقى بعد جلائه عن طريق أجيال تستقطب مفاهيمه وقيمه. فحركة التبشير هي في المقام الأول حركة استعماريّة لخدمة النفوذ الأجنبي. وكان مقصدها الأول هو هدم الثقافة الدينية الإسلاميّة في قلوب المسلمين وبيان تخلّفها ورجعيّتها.

وقد اجتاحت هذه الحملات التبشيريّة مصر كلها، بل والعالم الإسلامي كله، ونجحت في صناعة عملاء لها من أبناء مصر والمقيمين فيها، وكان أشهر هؤلاء وأبعدهم صيتًا وشهرةً، كل من: جرجي زيدان ويعقوب صروف وفؤاد صروف وفرح أنطون وشبلي شميل وسلامة موسى، وقد نجح هؤلاء نجاحًا كبيرًا في اختراق الصف المصري. وأمام نجاح هؤلاء في مهمّتهم اندفع المبشّر الإنجليزي «زويمر» في جرأة غريبة، فدخل الجامع الأزهر ووزّع منشوراته بها! وقد نجحت تلك الحملات التبشيريّة نجاحًا كبيرًا في جنوب السودان، حيث أوجدت فاصلًا كبيرًا بين الشمال والجنوب، وحالت بين المسلمين في الشمال والجنوب حتى انحصر الإسلام في الجنوب أمام قوة الحركات التبشيريّة المدعومة

(102)

بالمال وبالكثير من الخدمات التي يحتاجها الجنوبي برعاية كاملة من المحتلّ الإنجليزي في مصر، الأمر الذي أدّى في النهاية إلى فصل الجنوب عن الشمال، وأصبحت جنوب السودان دولة مستقلّة ليس لها من الهويّة العربيّة والإسلاميّة شيء يُذكر.

ويرى بعض الباحثين أن الهدف الأسمى للحملات التبشيرية هو نفس هدف الاستعمار، وهو طمس الهويّة الوطنيّة، فقد «رأى المبشّرون والمستعمرون عظمة الثقافة العربيّة الإسلاميّة، وأنها مصدر عزة الشرق وللعرب والمسلمين. ثمّ أيقنوا أنّ أمّة لها هذه الثقافة لا يمكن أن تخنع أو تذلّ أو تبيد. وهكذا انصرفت أذهان هؤلاء المبشّرين والمستعمرين إلى تشويه وجه هذه الثقافة وإلى الحطّ من شأنها في نفوس أصحابها»[1]؛ ولذلك عملت حركات التبشير برعاية المستعمر الإنجليزي في مصر على تشويه ما هو إسلامي أصيل والحطّ من قيمته. وبيان تهافت إسهام العرب والمسلمين في الحضارة الحديثة.

3-الاستشراق وخدمة الاستعمار

عهدت إنجلترا إلى اللورد دوفرين سفيرها في القسطنطينيّة وأحد أهمّ المستشرقين الإنجليز في ذلك العصر، بدراسة حالة مصر وتقديم مقترحاته عن الإصلاحات التي يرى إدخالها فيها. وطبعًا ليس المقصود بتلك الإصلاحات ما يعمل على تقدّم مصر ورقيّها، ولكن المقصود تثبيت قَدَمِ الإنجليز فيها، ودوام سيطرتها عليها، وتحويلها إلى مستعمرة بريطانيّة[2].

وقد عكس اللورد دوفرين دور المستشرقين على الوجه الأمثل؛ إذ حضر لورد دوفرين إلى مصر في 30 من أكتوبر عام 1882م، أي بعد إتمام الاحتلال بخمسة وأربعين يومًا، ومكث بها ستّة أشهر، يضع تقريره المشهور، الذي أرسى فيه الأسس العامّة، والخطوط العريضة للحماية المقنَّعة، والذي صار دستورًا للاحتلال، وقانونًا أساسيًّا التزمه طوال

(103)

بقائه في مصر. ولقد كانت الغاية التي هدف إليها التقرير هي إضعاف مصر وسحق الروح الوطنية فيها، والقبض على ناصية الجيش والشرطة، ومحو شخصيّتها ومركزها الدولي، بالتصرف في شؤونها الخارجية، والسيطرة على شؤونها الداخليّة، والعودة بها إلى مجاهل العصور الوسطى، بإلغاء الدستور، والقضاء على المجلس النيابي، والتغلغل في وزارات الحكومة ومصالحها، وإغلاق المدارس ومعاهد العلم، والاكتفاء من التعليم بتخريج موظّفين يعملون في إدارات الحكومة ومصالحها[1].

ولذلك يمكننا القول إنّ الاستشراق هو الحركة الأخطر في فكر الاستعمار، حيث إنها بمثابة المصنع الذي يعد الخطط والاستراتيجيّات التي يسير في ضوئها المحتلّ العسكري، كما يعدّ الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام وتحطيم الأمّة الإسلاميّة[2]. وما يدلّ على ذلك هو تعجيل إنجلترا في العمل على تنفيذ بعض اقتراحات اللورد دوفرين، قبل مغادرته مصر، وقبل رفعها إلى وزارة الخارجيّة البريطانيّة، وقد عاون الخديوي توفيق على تنفيذ تلك الاقتراحات بكل أمانة وإخلاص، وكان وجود جيش الاحتلال ضمانًا لسحق أي معارضة تقوم في وجه تنفيذها[3].

وقد تعدّدت أهداف حركة الاستشراق التي تعمل في الأساس على تفريغ الهويّة الإسلاميّة من مضمونها عن طريق تجنيد أجيال منسلخة من هويّتها متأثّرة بالمذاهب الغربية الوافدة، وإصدار الموسوعات العلميّة والدوائر المعرفية التي تضمّ كل ما يتعلّق بها من معلومات اجتماعيّة ودينية وثقافيّة وسياسيّة واقتصاديّة... عن المجتمعات الشرقية في خدمة المحتلّ لاستغلاله ضد الشعوب الإسلاميّة، وذلك عن طريق دسّ بعض الأكاذيب والضلالات التي تستند إلى حوادث فردية وأحداث استثنائيّة وقعت في التاريخ الإسلامي

(104)

للتشكيك وإلقاء الشبهات والمغالطات وافتراء الأكاذيب ودسّ السموم الفكريّة، بحيث تكون مرجعًا علميًّا للكثير من الباحثين العرب والمسلمين؛ ولذلك يجب توخّي الحذر في الرجوع لمثل هذه الموسوعات والإصدارات العلميّة.

ومن ثمّ كانت حركة الاستشراق هي إحدى أذرع الاستعمار، وواحدة من أهم أدواته التي عنيت بدراسة أوضاع الشعوب والأوطان المستعمرة، تُغْنيها درسًا وتخطيطًا ومكرًا لتطيل فترة سيطرتها وتستمرّ في استنزاف خيراتها واستغلال ثرواتها، ولتعطّل يقظتها وتمنع انبعاثها. وهذا ما نلاحظه من الكتابات المتنوّعة -العدائيّة والمغرضة- لكثير من المستشرقين الذين مهّدت أعمالهم الطريق لطلائع الغزاة والمستعمرين والصهاينة، ليدخلوا البلاد، ويستعمروا الشعوب، ويزوّروا الحقائق»[1].

 كما بذل الاحتلال الإنجليزي جهودًا غير عادية للدعوة إلى حرّيّة المرأة على الطريقة الغربية التي تبدو فيها المرأة خارجة على كافة الأعراف والعادات والتقاليد الشرقية، فبرزت نسوة من كبار القوم في مصر خلعن الحجاب وتحرّرن من الثقافة الإسلاميّة من أمثال هدى شعراوي (1879-1947م) التي تلقّت تعليمها على أيدي مربّيات أجنبيّات، فأتقنت الإنجليزيّة كما أتقنت الفرنسيّة مع معلّمتها الفرنسيّة، بالإضافة إلى أنها حفظت القرآن، لكنّها لم تتقن العربيّة تمامًا كما جاء في مذكّراتها؛ إذ تقول: «ختمت القرآن فظنّ من حولي أنني ملكت ناصية اللّغة العربيّة والديانة، ولكني في الحقيقة لم أستطع قراءة شيء غير القرآن؛ لأنّه مشكّل، ولا أعرف من علوم الديانة إلّا كيفية الوضوء والصلاة...»[2]. فكانت ناشطة نسويّة أسّست الاتحاد النسوي المصري، وكان لحركتها النسويّة دورٌ مركزيٌّ في التغيير الذي طرأ على أوضاع المرأة، وبالتالي في التحول الهائل الذي مرّ به المجتمع المصري في النصف الأوّل من القرن العشرين.

 وانطلاقًا من تلك الفلسفة الغربيّة التي تنظر إلى تحرير المرأة من خلال مقولة «النِّدِّية»

(105)

القائمة على التماثل بين الرجل والمرأة، منكرة طبيعة التمايز الطبيعي بينهما، فحلّت المرأة محلّ الرجل، معتقدة أنّها بذلك قد حقّقت انتصارات لبني جنسها. وبالتزام المرأة الشرقيّة بهذه الفلسفة الغربيّة للتحرير[1] تفقد -بصورة تامّة وواضحة- هويّتها الوطنيّة، وتتحوّل -كما يقول محمّد عمارة- إلى: «غانية رومانسيّة أو مسترجلة إسبرطية، أو صورة غلاف، وإعلان سلعة رأسماليّة أو جارية مملوكيّة»[2].

 وهكذا تعرّضت الثقافة العربيّة الإسلاميّة بتحريض متعمّد من المستعمر البريطاني لهجمات ظالمة شنّها عليها باحثون ومؤلّفون كانوا يمسكون بالأقلام كمعاول للهدم والتجريح والتشويه في عمل ظاهرهُ فيه خدمة العلم والمعرفة والبحث التاريخي، وباطنه الهجوم على التراث العربي الإسلامي وعلى الثقافة الإسلاميّة[3]. وقد قام هؤلاء لمستشرقون الاستعماريّون بذلك للانتقاص من العقلية العربيّة ومن إسهامها الحضاري بغرض طمس المناطق المنيرة في الهويّة العربيّة الإسلاميّة والتي يمكن أن تكون منطلقات حقيقيّة للنهضة الحديثة.

(106)

خاتمة

وقدتوصّل بحث موضوع «الاستعمار الإنجليزي وتدمير مكونات الهويّة الإسلاميّة (اللّغة – الدين – الثقافة)» إلى مجموعة من النتائج المهمّة نقف عليها فيما يلي:

أوّلًا: عمدت إنجلترا إلى استعمار مصر لأهميّتها الاستراتيجيّة؛ إذ إنّها أدركت أهميّة موقع مصر الجغرافي بوصفها الباب الأمامي لأفريقيا المؤدّي إلى وسطها، ومن ثمّ إلى بابها الخلفي، وهو جنوب أفريقيا، والذي يقع تحت سيطرتها بالفعل، فتصبح بذلك صاحبة اليد الطولى في أفريقيا، إذ بعد احتلالها مصر وضمّها إليها، وضمّ السودان أيضًا إلى مستعمراتها، تصبح مستعمراتها في أفريقيا متراصّة متّصلة بعضها ببعض، كجدار منيع، يختطّ القارة من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها، ويقف سدًّا منيعًا في وجه منافسي إنجلترا من الدول الاستعماريّة الأخرى في القارّة. ومن ثمّ خطّط الإنجليز لاستعمار يدوم أبدًا، وتحويل مصر إلى مستعمرة بريطانيّة ضمن الإمبراطوريّة البريطانيّة التي لا تغرب عنها الشمس.

ثانيًا: حاول الاستعمار الإنجليزي أن يخدع الشعب المصري ويقنعه بأنَّه ما جاء إلّا من أجل عمل حضاري وإنساني يهدف إلى ترقية المصريّين باعتبار أنّ الجنس الأبيض هو صاحب الحضارة المسؤول عن تمدين الأجناس الملوّنة، فاستعمل هذا المفهوم المخادع والمناقض تمامًا لمدلول الفعل الحقيقي لطمس هويّة الشعب المصري الذي وقع تحت سيطرته الاستعماريّة، وذلك لتذويب هويّته الإسلاميّة في الفكر الغربي بصفته هو الفكر العالمي المسيطر، وذلك بهدف أن يفقد المصريّين هويّتهم ويسقطون تابعين للثقافة الغربيّة.

ثالثًا: استخدم المستعمِر الإنجليزي كافة السبل التي تمكّنه من بسط سلطانه وتمديد فترة احتلاله لمصر حتى يتسنّى له استنزاف خيراتها واستغلال ثرواتها، ولا مانع من تحويلها إلى أمّة تابعة له في ثقافته وفكره ولغته ودينه، فتظلّ أبد الدهر منصاعة له محتاجة إليه لا سبيل لها بالانفكاك عنه؛ ولذلك كانت مسألة طمس الهويّة الوطنيّة شغله الشاغل وهمّه الأوّل، حيث إنها السبيل المناسب لتحقيق كلّ مطامعه وأهدافه الاستعماريّة.

رابعًا: عمل المستعمر الإنجليزي على طمس المكوّنات الرئيسيّة للهويّة العربيّة

(107)

الإسلاميّة المتمثّلة في: اللّغة العربيّة، والدين الإسلامي، والثقافة العربيّة الإسلاميّة؛ أمّا اللّغة فعمل على تغييرها إلى لغة غريبة تمهيدًا لتحويل الشعوب العربيّة إلى لغته الأصليّة، فراح يشيع أنَّ اللّغة العربيّة لغة صعبة كثيرة القواعد لا تفي مفرداتها بمتطلّبات النهضة العلميّة الحديثة. ومن ثمّ يجب التخلّي عنها والتمسّك بلهجات الشعوب العامية، وإلغاء قواعدها النحويّة، واستبدال الخطّ اللاتيني بخطها العربي. أمّا الدين فقد أحاطوه بموجات التشكيك وأرجعوا كل أسباب التخلّف الذي عمَّ بلاد المسلمين إليه. بل إنَّهم أشاعوا أنّه يغذّي النزعات العدائيّة بين الشعوب،ـ وهو المنبع الأوّل لكافّة الأعمال الإرهابيّة والعدائيّة في العالم. أمَّا الثقافة وهي الوعاء الأكبر الذي يحمل الهويّة الوطنيّة من حيث إنّها تقوم على دعامتي اللّغة والدين الإسلامي فقد نالت النصيب الأكبر من حملات النقض والهدم، فوجّهت إليها عمليات الغزو الفكري، وحملات التبشير، وحركات الاستشراق. وهكذا كانت خطّة المستعمِر الإنجليزي تقوم على طمس الهويّة العربيّة الإسلاميّة للمصريّين بما فيها من خداع وتضليل وتحريف وتشويه لحقائق الأمور. ترمي في النهاية إلى مسخ ونسخ وتشويه هويّتنا العربيّة الإسلاميّة لتتأبّد تبعيّتنا الحضاريّة للغرب ونفقد كل هويّة مميّزة.

خامسًا: جرّد الاستعمار الإنجليزي مصر من جميع مواطن قوّتها؛ فالجيش قد أُضعف وأُنقص عدده وأضعف قدرته، والمدارس الحربيّة أُغلقت إلّا واحدة من أصل تسع، والتعليم أصبح لطائفة قليلة جدًّا من أبناء القادرين، وقُضي على الأسطول البحري وبيعت سفنه وما يتبعها من ورش ومعامل وأحواض عائمة وغير ذلك. وأُغلقت المصانع، وبالغ الإنجليز في ترديد مقولة إنّ مصر بلد زراعيّ ولا يمكن أن تكون صناعيّة في يوم من الأيام. وبالرغم من النهضة الزراعيّة التي شهدتها مصر أثناء الاحتلال الإنجليزي، إلّا إنّها كانت لصالح المستعمر فقط، فتكدّست الديون على الأهالي وأصبحت أغلب أراضي مصر مرهونة لدى بنوك التسليف والمرابين الذين انتشروا في ربوع مصر انتشار النار في الهشيم، فأصبحوا كالجراد الذي يأكل الأخضر واليابس. وانحطّت الأخلاق فانتشر شرب الخمر والمسكرات، وتناثرت نوادي ألعاب الميسر والنوادي الليليّة بما فيها من إباحيّة وانحلال برعاية الاحتلال ورجاله في كل مدينة وبندر. وكانت هذه من أهمّ أدوات الاستعمار التي يستعملها في القضاء على كيان المجتمع وهويّته.

(108)

قائمة المصادر والمراجع

أوّلًا: المراجع العربيّة والمترجمة إلى العربيّة

1.إبراهيم، شحاتة عيسى، الكتاب الأسود للاستعمار البريطاني في مصر، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2015م.

2.بن نبي، مالك، الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، الجزائر/ دمشق، دار الفكر، ط3، 1988م.

3.التويجري،عبد العزيز بن عثمان، مقدمة كتاب: محمّد فاروق النبهان، الاستشراق - تعريفه، مدارسه، آثاره، منشورات المنظمة الإسلاميّة للتربية والعلوم والثقافة، ايسيسكو، 2012م.

4.الجميعي، عبد المنعم، مجمع اللّغة العربيّة، القاهرة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 1983م.

5.الجندي، أنور، العالم الإسلامي والاستعمار السياسي والاجتماعي والثقافي، بيروت، دار الكتاب اللبناني، ط2، 1983.

6.حنفي، حسن، الهويّة، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2012م.

7.خالدي، مصطفى وفروخ، عمر، التبشير والاستعمار في البلاد العربيّة، بيروت، المكتبة العصرية، ط3، د.ت.

8.زكريا سعيد، نفوسة، تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر، دار نشر الثقافة بالإسكندريّة، ط1، 1964م.

9.سعيد، عبد الستار فتح الله، الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام، المنصورة، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الخامسة، 1989م.

10.سلامة، جرجس، أثر الاحتلال البريطاني في التعليم القومي في مصر (1882-1922م)، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصريّة، 1966م.

11.شعراوي، هدى، مذكرات هدى شعراوي، القاهرة، كلمات للترجمة والنشر، 2013م.

12.عبد الملك، أنور، نهضة مصر – تكون الفكر والأيديولوجية في نهضة مصر الوطنيّة (1805-1892م)، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2021م.

(109)

13.عمارة، محمّد، الغزو الفكري وهم أم حقيقة، القاهرة، سلسلة قضايا إسلاميّة معاصرة، الأمانة العامة للجنة العليا للدعوة الإسلاميّة بالأزهر الشريف، د.ت.

14.عمر، عمر عبد العزيز، تاريخ مصر الحديث والمعاصر (1517-1919م)، الإسكندريّة، دار المعرفة الجامعية، 1993م.

15.فهمي، عبد العزيز، تيسير الكتابة العربيّة، القاهرة، مجمع اللّغة العربيّة، 1946م.

16.القوصي، عطية وآخرون، الحضارة الإسلاميّة وتاريخ العرب الحديث، القاهرة، وزارة التربية والتعليم، 2011-2012م.

17.كشك، محمّد جلال، قراءة في فكر التبعية، القاهرة، مكتبة التراث الإسلامي، ط1، 1994م.

18.معاليقي، منذر، الاستشراق في الميزان، بيروت، المكتب الإسلامي، ط1، 1997م.

19.موسى، سلامة، البلاغة العصرية واللّغة العربيّة، القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، د.ت.

20.ــــــــــــــــــــــ، اليوم والغد، القاهرة، سلامة موسى للنشر والتوزيع، ط1، 1928م.

21.ــــــــــــــــــــــ، ما النهضة، القاهرة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 1995م.

22.ميكشيللي، أليكس، الهويّة، ترجمة: علي وطفة، دمشق: دار الوسيم للخدمات الطباعية، الطبعة العربيّة الأولى، 1993م.

23.نصار، عصمت، فكرة التنوير بين لطفي السيد وسلامة موسى، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2014م.

ثانيًا: المراجع الإلكترونيّة

1.صالح، سليمان، قصة الهويّة التي حاول الإنجليز فرضها على مصر..!، مقال إلكتروني منشور بتاريخ 26/3/2024، وتم الدخول عليه في 12/9/ 2024، على الرابط التالي:

https://www.ajnet.me/blogs/2024/3/26/%D9%82%D8%B5%D8%A9-

2.الميداني، عبد الرحمن حسن حبنكة، أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها: التبشير- الاستشراق – الاستعمار، كتاب إلكتروني على الرابط التالي:

http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php?7048-                

(110)

البعد الثقافي والفكري

في غزوة نابليون لمصر

محمّد عبد الفتاح أبو طه[1]

تمهيد

زعم بعض الكتّاب والمؤرّخين، بل وحاولوا إثبات وهم مبالغ فيه، أنّ «الحملة الفرنسيّة» أيقظت مصر من رقادها، وحدَّثتها في جميع الجوانب، وهم بذلك يتعمّدون تجاهل وقائع وحقائق تاريخيّة تثبت خلاف دعواهم.

 ينبغي أن نعلم أنّ الهدف الرئيس للاحتلال الفرنسي لمصر، هو هدف تنصيري بحت؛ فضلًا عن محاولات إقناع نابليون بونابرت بمساعدة الصهاينة في تكوين وطن لهم في فلسطين. قام روتشيلد بمحاولات لإقناع نابليون لتوطين اليهود، شريطة نجاحه في السيطرة على مناطق معيّنة من الشرق الأوسط الإسلامي، وهنا استجاب نابليون مستحسنًا هذا المخطّط. على أنّ المحزن والمخزي أنّ هؤلاء يحاولون تجاهل دخول الاحتلال الفرنسي الأزهر، وما أحدثه من نهب للكتب وتمزيق للمخطوطات، ويتجاهلون ما ثبت تاريخيًّا من أنّ اليهود الذين كانوا في خدمة جيش الاحتلال ساعدوهم في ذلك، وكانت هذه سابقة من نوعها وهي المرّة الأولى في تاريخ مصر التي يمتهن فيها الأزهر.

يذكر المؤرّخ والعلّامة عبد الرحمن الجبرتي في هذا السياق: «أنّ الفرنسيّين أشعلوا النيران في الغيطان، وأرهقوا الشعب المصري البائس بالضرائب الباهظة، أخرجوا أصحاب المنازل من منازلهم واستولوا عليها، وعاثوا بالأزهر وضربوه بالقنابل، دخلوه بخيولهم

(111)

وربطوها بقبلته، وداسوا المصاحف بأقدامهم، وذبحوا أكثر من 2500 من المصريين - كما قال نابليون بونابرت في تقرير رسمي أرسله إلى فرنسا. وصحيح أنّهم الذين ذبحوا المسجونين المصريّين وألقوا بجثثهم في قاع النيل ليلًا، حتّى النساء المصريّات لم يسلمن من الذبح والسلخ على يد الجزار الفرنسي»[1].

ولا بدّ من التأكيد على أنّ الحملة الفرنسيّة حين دخلت واجهها علماء ومشايخ الأزهر، فالأزهر لم يكن في يوم ما مسجدًا للعبادة فقط، بل جامعة للعلم، كما كان مثابةً للشعب وأمنًا، يلتمس فيه الهداية ويفزع إليه المظلوم طالبًا حسر الظلم عنه، وتجلّت زعامة علماء الأزهر بأروع المظاهر أمام هذا الاحتلال الفرنسي لمصر (1213-1216هـ/ 1798-1801م)، حيث تولّى شيوخه وطلّابه القيادة والتنظيم، وقد تحمّل الأزهر تلك الأحداث، وضحّى بالكثير والكثير، وضُرب بالقنابل، وانتُهكت حرمته، وعاث المحتلّ في أروقته وساحاته بالفساد، حتى وصل الأمر إلى إعدام الشيوخ والطلاب، وما كان هذا إلّا رفعة للدين وتحريرًا للأوطان من نير الاستعمار، فصمد العلماء والمشايخ أمام الاحتلال الفرنسي، وأخذ مشايخ الأزهر يلهبون الأنفس بخطبهم، فأدرك نابليون خطورة الأمر، واتُّفِقَ على أن مركز الثورة الحقيقي هو الجامع الأزهر، وكان الثوار قد أقاموا المتاريس، فأمر نابليون أن تُنصب المدافع على المقطم؛ لكي تُطلق المدافع على الجامع الأزهر[2]، واتّخذ من الجامع الأزهر مركزًا لقيادة المجلس الثوري، وانطلق المؤذّنون من مآذن المساجد في القاهرة يدعون للحفاظ على دينهم والقيام ضدّ ظلم الفرنسيّين[3].

ورغم ذلك خرج البعض ليؤسّس لفكرة التحوّل الحضاري والتحديث المصري بمجيء ودخول الحملة الفرنسيّة، وفيما يلي تفنيد لبعض الدعاوى التي أطلقها هؤلاء في ستّة مباحث:

(112)

المبحث الأوّل: زعمهم أنّ الحملة جاءت بنقلة كبيرة من الناحية العلميّة

من المعلوم أنّ الاحتلال الفرنسي جاء بعدد كبير من العلماء ولكن من البدهي أن نردّ مباشرة بأنهم ما جاءوا إلّا خدمة لجيشهم. نعم، أعدّوا وكتبوا عدّة أبحاث علميّة، تكلّمت عن القطر المصري، وسجّلوا نتائج أبحاثهم في عمل كبير وهو «وصف مصر»، جاء في تسعة مُجلداتٍ ضخمة، وصور وخرائط في أربعة عشر مجلّدًا.

كان العلماء قد أخذوا معهم ما يحتاجون من الآلات، ودرسوا وجمعوا كثيرًا من الحيوانات والنباتات والمعادن التي شاهدوها في مصر، كذلك رسموا خرائطَ مفصَّلة ودقيقة عن مختلف أقسام البلاد التي زاروها، وجمعوا معلوماتٍ كثيرة عن المباني والآثار القَديمة التي لاحظوها؛ وفضلًا عن ذلك، فإنهم ألَّفوا لجانًا علميّة عديدة، وأسَّسوا مجمعًا علميًّا -على غرار المجمع العلمي الفرنسي في باريس- سمَّوه باسم معهد القاهرة[1].

والحقيقة أنّ كلّ ما سبق كان خدمة للوجود الفرنسي العسكري كمشروع استعماري تنصيري يسعى لوضع أسس في مكان راق لهم بما فيه من إمكانات هائلة، فقد تحدّث أكابرهم قائلين: «لن نكون بحاجة على الإطلاق لأن ننقل المزارعين الأجانب باعتبارهم عبيد»[2].

وهذا يفضح ما ضخّمه الفرنسيّون في كتبهم عن دور المجمع الثقافي في مصر؛ لتغطية فشلهم البالغ من الناحية العسكريّة، دون تقديم دليل يثبت استفادة مصر من هذا النجاح، كذلك فإنّ هذا المجمع وهؤلاء العلماء لم يستهدفوا تعليم المصريّين، خاصّتهم أو عامّتهم، وليس في مصادر الحملة ما يفيد ذلك من قريب أو بعيد، وإنما هدفهم كان واضحًا، وهو دراسة بلد تمهيدًا لاستعمارها وإنشاء مستعمرة فرنسيّة مثاليّة: كما ظنّوا[3].

وحين كتب علماء الحملة الفرنسيّة كتابهم: «وصف مصر»، كُتب في الأساس على

(113)

أنّه دراسات وتقارير، ومذكرات وأوراق؛ كان الهدف من كتابتها أوّل مرة؛ الإفادة من المعلومات التي تقدّم من أجل استقرارهم ومكثهم في مصر، وقد ورد في الكتاب اسم المهندس الفرنسي جومار -المهندس والجغرافي- حيث وردت الإشارة إلى هذا الغرض في مقدّمته في جزء الدولة الحديثة من هذا الكتاب، «ومهما يكن من الجهد الذي قام به جومار من وصف طبوغرافي وخريطة تفصيليّة، فإنّ هدفهم الرئيس هو التعرّف على القاهرة وما فيها، للسيطرة عليها عسكريًّا»[1].

وممّا يجب ذكره أنّ كتاب وصف مصر الذي دوَّن نتائج أبحاث هؤلاء العلماء لم يُطبع ويُنشر إلّا بعد مرور سنواتٍ عديدة على انتهاء الحملة بالفشل المعلوم، فإن الطبع لم يبدأ إلّا بعد مرور ثماني سنين، ولم يتم إلّا بعد مرور نحو ربع قرن؛ لأن المجلَّد الأَوَّل من الكتاب المذكور طُبِعَ سنة ١٨٠٩م، وأمّا المجلَّد الأخير منه فلم يُطبع إلّا سنة ١٨٢٥م؛ فضلًا عن ذلك، فإنّ هذا الكِتاب لم يستَفِد منه أحدٌ من المصريّين إلّا بعد عدة عُقودٍ من السنين؛ وبناءً على ذلك فإن القول بأن هذه الأعمال العلميّة كان لها التأثير الفعَّال في النهضة المصريّة ممّا لا يُؤيِّده أيُّ دليلٍ كان[2].

وللردّ على هذا الادعاء فإنّ مصر في أواخر القرن الثامن عشر شهدت نهضة علميّة، قبل مجيء الفرنسيّين لمصر، وكانت أهم صور التعليم «الكتاتيب» التي انتشرت في ربوع مصر، وكان التعليم فيها متاحًا لأكبر عدد من صغار السن؛ لتعليم القراءة والكتابة والحساب»[3].

قاد تلك النهضة علماء الأزهر، وقد أشار إلى ذلك «بيتر جران»[4] -وهي الفترة التي شهدت بوادر صحوة علميّة ثقافيّة- فقال: «إنّ قوائم المخطوطات الممتازة بـ«الجامع الأزهر» و«بدار الكتب» تمثّل مصدرًا رئيسًا؛ لرسم صورة واضحة لصحوة القرن الثامن

(114)

عشر في مصر»، أضاف قائلًا: «لقد اكتشفت خلال هذا البحث أنّ علماء «الأزهر» كانوا في قلب عمليّة البناء الثقافي، وإذا تناولنا كتابات هؤلاء العلماء ككل نجد أن لها منطقها الذي ترسّخ بقوّة في البنية الطبقيّة»[1].

كذلك وُجدت مدرسة في «علم الفلك» وعلى رأسها العالم «رضوان أفندي» الفلكي، وقد أخذ على يديه أغلب المشتغلين بالفلك في «مصر» في القرن الثامن عشر[2].

ومن المعلوم أنّ تلك الفترة شهدت تقدّمًا كبيرًا في علم «الفلك»، حتى تشير المصادر إلى أنّ الفلكيّين المصريّين عُرفوا ببراعتهم في أعمالهم، واستخدامهم لآلات جديدة استطاعوا أن يطوّعوها لعملهم ويضيفوا إليها. وقد بلغ تقدم الفلك في مصر في نهاية القرن الثامن عشر إلى درجة أن أحدًا لا يستطيع أن يقلّل منها، وتزخر تراجم هذه الفترة ومؤلّفاتها بعشرات العلماء في هذا العلم وتفوّقهم فيه، وهناك عديد من العلماء الذين ألّفوا في علوم الرياضيات، والكيمياء، والطب، والمساحة، كذلك عرف علم الهندسة وشواهده كثيرة جدًّا في العمائر الشامخة الراقية التي وجدت أمام الأعين[3]، أيضًا وجد في «مصر» في نهاية القرن الثامن عشر عدد كبير من العلماء الذين ألّفوا في هذا العلم، وعرف أيضًا اهتمام أهل الطبقات الارستقراطيّة بعلمي بالرياضة والفلك، ورسم عدة مزاول بـ«الجامع الأزهر»[4].

وحتى لا يكون حديثنا دون دليل فها هو الشيخ حسن العطار[5]، الذي تمحور جهده الإصلاحي في العلوم التطبيقيّة والعقليّة في تلك الفترة التي تواجد فيها الاحتلال

(115)

الفرنسي، وقد اتّسمت دعوته الاصلاحيّة وتبلورت ملامحها من خلال المناداة بضرورة تطوير التعليم الأزهري من حيث المناهج ومواد الدراسة؛ وذلك بالرجوع إلى المصادر الأصليّة، وهو ما يمكن أن نُعبِّر عنه بالدعوة إلى ضرورة بعْث التراث العربي القديم، كذلك دعوته إلى إدخال العلوم العصرية، وعبارته في ذلك معروفة حيث قال: «إنّ بلادنا لا بدّ أن تتغيّر أحوالُها ويتجدَّدَ بها من المعارف ما ليس فيها»، والشيخ العطار لم يقتصر في دعوته على مجرد الدعوة بأفكاره الإصلاحية، إنما أتبع القول بالعمل، فإلى جانب تدريسه وتأليفه في العلوم العربيّة نجده يكتب في المنطق والفلك والجغرافيا والتاريخ، الطب والطبيعة والكيمياء والهندسة[1].

ففي علم الصيدلة والطب ألّف كتابًا عنوانه: «راحة الأبدان في شرح نزهة الأذهان» شرح فيه كتاب الشيخ والطبيب داود الأنطاكي نزهة الأذهان من حيث أفكاره وأغراضه، وأوضح ما فيه من أمور وأظهر بعض التناقضات التي وردت عند الأنطاكي، وكتاب الأنطاكي جاء في مقدمة وسبعة فصول وخاتمة. اشتملت على التعريف بعلم الطب وموضوعه وأقسامه، كما شرح العمليات الفيزيولوجيّة التي تتم في جميع أجهزة الجسم من قلب وتنفّس وهضم، كذلك وصف فيه الأعضاء التشريحيّة لكامل الجسم، والحكمة من جعل كل عضو على الصورة التي هو فيها، وتناول تعريف المرض وأنواعه وأقسامه وتوزّعه، وبيّن تفاصيل العلل ابتداءً بأمراض الرأس ثمّ العين والأذن والأنف[2].

كما كانت له رسائل في الطبّ والتشريح، وهي أرجوزة شعريّة جمع فيها ما يخص التشريح، وزاد عليها ما يتعلّق بمعرفة النبض ودلالته المرضيّة، ووظائف الأعضاء والأجهزة الدمويّة. وقد شرح منظومة الشيخ العطار محمّد الطيار الكيالي[3]: «لما كان علم الطب

(116)

بحرًا لا يُدرك له قرار، وتيهًا واسعًا لا يُشقّ له غبار، وقد دَوَّنَ في أصوله وفروعه الأساطين من اليونانيّين، ثمّ الفحول من أطباء المسلمين، وكان ممّن ألّف فيه الإمام الأوحد الشيخ حسن العطار المصري منظومة في فنّ التشريح، وهي من أجلّ المختصرات في هذا الفنّ أردت أن أضع له شرحًا لطيفًا يُسفِر عنه النقاب، ويظهر ما خفي منها تحت الحجاب، مع زيادات على المصنّف تتميمًا للفائدة مع اعترافي بقلّة البضاعة، والعجز في هذه الصناعة، فإني في هذا الأمر كمبيّن منهج في شعاب المسالك المتوعّرة، ومقنّن قاعدة في كشف المدارك المتعسّرة»[1].

ولا بدّ من بيان أنّ اعتماد الشيخ العطار لم يكن على الجانب الأوروبي ومؤثّراته، إنّما اعتمد على المصادر الطبيّة التراثيّة العربيّة الإسلاميّة، التي تنوّعت وكان أغلبها من إفرازات المدارس الطبيّة الشرقيّة في بغداد ودمشق[2].

وإجمالًا فإنّ العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر الميلادي شهد إنتاجًا وفيرًا في المصنّفات، مع اتّساع في الموضوعات والمجالات المختلفة، تخطّت فكرة المتون، حيث وضعت إضافات وشروح غير متوقّعة في مسائل ثقافيّة[3].

ما سبق يظهر ويرد على من يدّعي أنّ الاحتلال الفرنسي جاء بالتحديث العلمي، ومن ناحية أخرى انظر كيف تعاملوا مع أهل العلم والمؤسّسات، وما يتّضح فيما يأتي.

لقد باشر الفرنسيّون التغريب في مصر، فبدلًا من تحديثها كما ادّعى بعض الكتاب قاموا بتهجير العلماء، وخاصّة علماء الأزهر ورجاله؛ حيث اشتدّ اضطهادهم لهم في عصر الجنرال كليبر حتى اضطر بعضهم للهجرة والفرار إلى الأقاليم وبلاد الشام، فالشيخ العطار انتقل لأسيوط وظلّ لمدّة ثمانية عشر شهرًا، والشيخ شامل أحمد الطرابلسي خرج لبيت المقدس ومات فيها[4].

(117)

ووصل الأمر لقتل الأحرار، لك أن تتخيّل كيف تعاملوا مع البطل سليمان الحلبي، لم يكتفوا بإعدامه، وصلت الوحشيّة في أخذه في الساحة التي تم فيها حرق يده وتثبيته في الخازوق، ووقف ضابط فرنسي كان شاهد عيان على ما حدث، وقال بالحرف الواحد، ممّا هو مسجّل في الوثائق الفرنسيّة عن سليمان الحلبي: «بُطح أرضًا، وشُقّ شرجه، وأدخل فيه الخازوق، وربطوا ساقيه وفخذيه ويديه وجسمه... ودفع الخازوق... وهو ثابت»[1].

بل انتهكوا حرمة المساجد، انظر لما ذكره الجبرتي[2]: «دخلوا إلى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيول وبينهم المشاة كالوعول، وتفرّقوا بصحنه ومقصورته، وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأورقة والحارات، وكسروا القناديل والسهارات، وهشموا خزائن الطلبة والمجاورين والكتبة، ونهبوا ما وجدوه من المتاع والأواني والقصاع والودائع والمخبآت بالدواليب والخزانات، ودشتوا الكتب والمصاحف وعلى الأرض طرحوها وبأرجلهم ونعالهم داسوها، وأحدثوا فيه وتغوّطوا وبالوا وتمخّطوا وشربوا الشراب وكسروا أوانيه وألقوها بصحنه ونواحيه، وكل من صادفوه به عروه ومن ثيابه أخرجوه»...

كذلك ذكر أحد الكتّاب ما فعلوه في المساجد[3] قائلًا: «لم تُصَب مباني القاهرة ومساجدها في أيّ عهد بما أصيبت به على يد الفرنسيّين من هدم وتخريب، لم يراعوا لدور العبادة والمساجد حرمة أو كرامة رغم تظاهرهم باحترام الدين وشعائر الإسلام وقت غزوهم مصر، ولم يكن لهم هم سوى إخضاع المصريّين لحكمهم بكل ما أوتوا من قوة وبطش... حوّلوا المساجد ودور العبادة والقصور إلى حصون وقلاع يقذفون منها المصريّين بالحمم والقذائف عند ثوراتهم في أثناء هجومهم على الأحياء الثائرة، بل إنهم حولوا المساجد الجامعة كـ«الأزهر» و«جامع الظاهر» إلى ثكنات تأوي إليها جنودهم

(118)

وخيولهم غير آبهين لشعور المسلمين عامّة»...

وفي ظلّ تلك الظروف قام العلماء والطلّاب بمقاومتهم العسكريّة ضدّ الفرنسيّين، وقامت ثورة في مارس 1800م، وأخذ الاحتلال يصبّ عليهم ألون الأذى، ويربصون بهم، وخيّم على القاهرة جوّ كئيب، واجتمع على سكّانها الأهوال والتدمير والتقتيل، وأخذت شكوك الفرنسيّين تقوى في العلماء والطلاب من الأزهر، وأنّهم المحرّك الأساسي لكل مقاومة عسكريّة[1]، وكان من جرّاء ذلك أنْ قُتل كليبر قائد الحملة الفرنسيّة على يد البطل سليمان الحلبي، مع أربعة من زملائه، وتمّ إعدامهم في محكمة ظالمة هزيلة، بعد أن ضرب سليمان وأرغم على الاعتراف الملفّق[2]، ورغم المحاكمة إلّا أنّ التاريخ سجّل جهاده وجهاد العلماء بحروف من نور تُقرأ في كل وقت وحين.

وقد قتل الفرنسيّون الكثير من علماء الأزهر بطريقة جماعيّة؛ فضلًا عن قتل غيرهم من الشعب المصري[3]، في جريمة صارخة سجلت في تاريخهم الأسود.

المبحث الثاني: دعوى التحديث في إدارة البلاد، ونشر الحرّيّة

وهي دعوى مردود عليها، فيدعي بعض الكتّاب بأنّ التنظيمات الإداريّة من دواوين وغيرها صنعها الفرنسيّون، ويشيرون إلى أنّ هذا كان بمثابة إشراك الأهليّين في إدارة شؤون البلاد، وتعويدهم على مبادئ الحياة النيابيّة.

والسؤال هنا ما السلطة التي خُوّلت لهذه الدواوين؟ وكيف كان يُعيَّن أعضاؤها؟ وهل خَدمَت الدواوينُ المذكورة البلادَ خدمةً حقيقة؟ وهل استَمرَّت وواصلَت أعمالها بعد جلاءِ الفرنسيين عنها؟ إن أجوبةَ هذه الأسئلة تُغيِّر رؤيتنا لهذه القضية تغييرًا أساسيًّا[4].

إنَّ مهمّة هذه الدواوين كانت تنفيذ أوامرِ الفرنسيّين، تحت مراقبة مندوبيهم، وفقًا

(119)

للتعليمات الموضوعة من قِبَلهم، وأمّا أعضاء هذه الدواوين فكانوا يُعيَّنون تعيينًا، بعد انتخابهم من قِبَل الحُكّام العسكريّين، فكانت التَّعلِيمات الصادرة إلى هؤلاء الحُكَّام تأمر بانتخابهم من بين الوجوه والعلماء، الذين يتمتَّعون بنفوذٍ قوي على الأهلين، مع ملاحظة كيفيّة قبولهم للفرنسيي؛ ممّا يدُل دلالةً صريحة على أنّ الغرض الأصلي من هذه التشكيلات والتنظيمات كان الاستفادة من نفوذ هؤلاء على الشعب لتنفيذ مآرب ومطامع الفرنسيّين، بعد التأكُّد من خضوعهم وموالاتهم للإدارة الفرنسيّة، فكيف يجوز لنا -والأمر كما كان- أن نرى في «إنشاء الدواوين» ما يمكن أن يُعتبر من نوع (تعويد النَّاس على الحياة النيابيّة) وما يمكن أن يُذكر بين عوامل النهضة المصريّة؟[1]

كذلك فإنّ تلك المؤسّسات كانت شكليّة وأثرها كذلك، فضلًا عن طبيعتها الاستشاريّة وتهميشها المتعمَّد، وخضوعها للرقابة من الفرنسيّين[2]، وكفى بذلك ردًّا.

يظهر من ذلك أيضًا الجانب التغريبي، وهو إدخالهم ونشرهم للعلمانيّة، فها هو الجبرتي[3] قال عنهم: «... فإنّ الفرنساويّة لا يتديّنون بدين ويقولون بالحرّيّة والتسوية»...؛ إذن العلمانيّة تفصل بين الدنيا والدين.

وممّا يؤسف له ما قيل بأنّ العلمانيّة حين ظهرت في المنطقة العربيّة كان مع قدوم الاحتلال الفرنسي لمصر، حيث جاء الجنود تدفعهم مبادئ الثورة الفرنسيّة التي ترفض كل ما هو ديني[4].

كذلك ادّعى هؤلاء أن فرنسا وضعت في مصر القوانين الحاكمة العادلة، في تجاهل تامٍّ لما قدّمه علماء الأزهر من نموذج فريد في الدفاع عن حقوق شعبهم بشكل مقنّن، وُجد قبل قدوم الفرنسيّين بعامين.

(120)

سُجِّل هذا تاريخيًّا من خلال الوثائق، فيذكر أنّ العلماء قدّموا وثيقة أجمع المؤرّخون المصريّون والأجانب على أنّها بحقّ؛ وثيقة لإعلان حقوق الإنسان قبل مجيء الفرنسيّين.   

كانت ملابسات إصدار تلك الوثيقة التاريخيّة الحقوقيّة في ذي الحجة من عام 1209م/ يونيو ويوليو 1795م، حيث ذكر الجبرتي الواقعة فقال: «كان الشيخ الشرقاوي له حصّة في قرية بالشرقيّة، حضر إليه أهلها وشكوا من محمّد بك الألفي، وذكروا أنّ أتباعه حضروا إليهم وظلموهم، وطلبوا منهم ما لا قدرة لهم عليه واستغاثوا بالشيخ فاغتاظ، وحضر إلى الأزهر، وجمع المشايخ وقفلوا أبواب الجامع، وذلك بعد ما خاطب مراد بك وإبراهيم بك، فلم يبديا شيئًا، ففعل ذلك في ثاني يوم، وتمّ إغلاق الجامع وأمروا الناس بغلق الأسواق والحوانيت، ثمّ ركبوا في ثاني يوم واجتمع عليهم خلق كثير من العامّة وتبعوهم وذهبوا إلى بيت الشيخ السادات، وازدحم الناس على بيت الشيخ، بحيث يراهم إبراهيم بك، وقد بلغه اجتماعهم، فبعث من قبله أيوب بك الدفتردار، فسألهم عن مرادهم، فقالوا له نريد العدل ورفع الظلم والجور وإقامة الشرع وإبطال الحوادث والمكوسات التي ابتدعتموها وأحدثتموها فقال: لا يمكن الإجابة إلى هذا كلّه فإنّنا فعلنا ذلك ضاقت علينا المعايش والنفقات فقيل له هذا ليس بعذر عند الله ولا عند الناس وما الباعث على الإكثار من النفقات وشراء المماليك...[1].

تطوّر الأمر من مجرّد المطالبة بوقف الاعتداءات إلى حركة شعبيّة تنادي بالعدل ووضع الظلم، وسرعان ما عاد العلماء للجامع الأزهر وطالبوا -لليوم الثالث تواليًا- بالعدل وتحقيق المساواة، وهنا يقول الجبرتي: «وفي اليوم الثالث حضر الباشا إلى منزل إبراهيم بك، واجتمع الأمراء هناك، وأرسلوا إلى المشايخ، فحضر الشيخ السادات والسيِّد النقيب والشيخ الشرقاوي والشيخ البكري والشيخ الأمير -وكلّهم من الأشاعرة-... وانحط الأمر على أنهم تابوا ورجعوا والتزموا بما شرطه العلماء عليهم وانعقد الصلح»[2] وكان بالشروط الآتية:

(121)

. أن يدفع أمراء المماليك ما كانوا قد اغتصبوه من الشعب، مع إرساله لغلال الحرمين التي كانوا قد امتنعوا عن إرسالها.

. أن يبطلوا المكوس والضرائب الجديدة، وألّا يفرضوا أيّ ضرائب دون وجه حقّ وبدون استشارة العلماء وزعامات الشعب.

. أن يكفّوا أتباعهم عن مدّ أيديهم إلى أموال الناس، وأن يسيروا في الناس سيرة حسنة[1].

ومن الجدير بالذكر أنّ الكتاب والمؤرّخين الذين تعرّضوا لها أشادوا بها، وبالحقوق التي نصّت عليها، فقد قال عنها الأستاذ عباس محمود العقاد: «ولو أنّها كُتبت في بعض البلاد الأوروبيّة لجاءنا خبرها مع كتب القوم في علوم السياسة الحديثة، بعنوان من تلك العناوين الكثيرة عن حقوق الشعب، أو الدستور الأكبر، أو (الماجنا كارتا)، وما إليها من مصطلحاتهم التاريخيّة»[2]، كما وصف أحد رجال السياسيّة الفرنسيّين عريضة العلماء بأنّها وثيقة الحقوق، وأنّها تشبه وثيقة الحقوق التي أقرها البرلمان الإنجليزي سنة 1689م، عقب ثورة 1688م[3].

زد على ذلك أنّ منصب قاضي القضاة مطلع القرن التاسع عشر كان للعلّامة الشيخ أحمد العريشي الحنفي[4]، حيث كان قاضيًا لقضاة مصر تحت مسمّى «قاضي عسكر بونابرت» بعد أن أقرع بين العلماء، فكانت أكثرية الأصوات له[5]، ولم يكن لهم أيّ دور تحديثي أو تنظيمي، سوى نشر أهدافهم الخبيثة ونهب خيرات المصريّين، وإن كان لهم فلمصلحتهم الوقتيّة فقط.

(122)

المبحث الثالث: الادّعاء بنشر الثقافة الفرنسيّة

يحاول بعض المؤلّفين التأكيد على تأثير الحملة الفرنسيّة بزعم أن مصر لا تزال متأثّرة بالثقافة الفرنسيّة، وذلك يدلّ دلالة قاطعة على عُمْق تأثير الحملة النابليونيّة، حتى وصل الأمر لقولهم: «كان للجهود التي بذلَها العلماء الفرنسيّون أبعد الأثر في مستقبل مصر الثقافي والفكري؛ إذ إن مصر شديدة الاتصال بفرنسا والتأثّر بها في هذين الميدانين، بل ووصل تأكيدهم على أنّ مصر ميدان خصب للثقافة الفرنسيّة، وأصبح الأدب الفرنسي أَحب ألوان الآداب إلى المصريّين، وأصبح الفلاسفة الفرنسيّون أئمّة الفلسفة والفكر عند زعماء النهضة والثقافة في مصر، وقد بلغ من عمْق هذا الأثَر أن الإنكليز لم يُفلحوا في محاربته والقضاء عليه، على الرغم ممّا بذلوا من جهود منذ احتلالهم لمصر[1].

لا يمكن إنكار أثر الثقافة الفرنسيّة في مصر بأنها فاقت سائرَ الثقافاتِ من وِجهة هذا التأثير الذي نؤكّد سلبيته، لكن السؤال هل كان ذلك من آثار الحملة؟.

للردّ على ذلك لا بدّ أن نؤكّد أنّ الثقافة الفرنسيّة انتَشَرتْ في سائر أقسام الدولة العثمانيّة، بل تعدت ذلك إلى الممالك المجاورة لها أيضًا، وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الثقافة سائدةٌ الآن حتى على إيران، ولم تحتج تلك الأقطار لحملةٍ عسكريّة فرنسيّة، كالتي كانت ذهبَتْ إلى مصر، وذلك يدلّ دلالة صريحة على أنّ انتشار الثقافة الفرنسيّة في الشرق الأدنى، حدَث بتأثير عواملَ عامّة وعميقة لا تمتُّ بصلةٍ إلى الحملة الفرنسيّة التي انحصَرت بمصر وحدها، والتي لم تدم طويلًا[2]. وحتى إن أثّرت فقد كان تأثيرها السلبي أعمّ وأشمل من الإيجابي؛ حيث إنّ ثقافتها غير منضبطة غير مقيدة بتعاليم الإسلام وضوابطه الميسّرة للتذوّق الرفيع المرهف.

في الحقيقة إنّ الحملة أحدثت أثرًا واضحًا في تغريب المرأة وسفورها، فقد أطلق

(123)

بعض العلماء على عام 1800م بأنّه عام تحرير المرأة[1]، يعضد ذلك ما ذكره الجبرتي، ووُصف بأنّه بدايات لحركة السفور، حيث قال في تاريخه: «... منها تبرّج النساء وخروج غالبهنّ عن الحشمة والحياء، وهو أنّه لمّا حضر الفرنسيس إلى مصر، اصطحب بعض نسائه، وكانوا يمشون في الشوارع مع نسائهم، وهنّ حاسرات الوجوه...، ويركبن الخيول والحمير، ويسوقونها سوقًا عنيفًا مع الضحك والقهقهة...، فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء»...[2].

كما ذكر الجبرتي أيضًا انكباب الفرنسيّين على شهواتهم وانحلالهم البالغ الذي أثّر سلبًا على المجتمع المصري، فقال: «... حاربت الفرنسيس بولاق، وفتكوا في أهلها وغنموا أموالها، وأخذوا ما استحسنوه من النساء والبنات صرن مأسورات عندهم، فزيّوهن بزي نسائهم، وأجروهنّ على طريقتهن في كامل الأحوال، فخلع أكثرهنّ نقاب الحياء بالكليّة، ولما حلّ بأهل البلاد من الذلّ والهوان وسلب الأموال واجتماع الخيرات في حور الفرنسيس ومن والاهم وشدّة رغبتهم في النساء»...[3].

هكذا تمّ تدمير الحياء ودمرت العاصمة، وتمّ سبي بناتها وتجويع أهلها حتّى الموت، بل وصل الأمر لضرب الشيخ السادات أمام زوجته، وامتدّ الانهيار لسائر الطبقات[4].

والعجب العجاب أنّ هناك كثير من السياسيّين والمفكّرين الفرنسيّين وينساق خلفهم بعض من المؤرّخين من بني جلدتنا في القول إنّ الاحتلال الفرنسي حمل إلى مصر رسالة حضاريّة، حتى تساءل أحد مفكّريهم وقال: هل يمكن للثورة الفرنسيّة نصيرة الحرّيّة وحقوق الإنسان أن تحتل بلدًا آخر وتستعمره؟ ثمّ أجاب وقال لقد أجابوا عن السؤال بالإيجاب! وحجّتهم بأنّ أوروبا تتفوّق مادّيًّا على مناطق كثرة في العالم؛ لأن حضارتها قائمة على العقل، وكل ثقافة لا تنتمي للعقل تكون مجرّدة من المنفعة!، وهي بذلك

(124)

شرعيّة، حيث لا يمكن لأعداء العقل القيام بتنظيم الحضارة؟![1].

 لقد أخذ الفرنسيّون يعملون بوعي شديد نحو التغريب كهدف أصيل في قائمة الغايات المنشودة من حملتهم، معتمدين في ذلك على استعداء المصريين على الأتراك المسلمين -وذلك في منشورات نابليون- عن طريق بعث الروح القوميّة ومفاهيم القوميّة العلمانيّة التي كانت قد برزت على سطح المجتمع الأوروبي بعد هزيمة الكنيسة في صراعها مع الملوك الزمنيّين[2].

استمرّت الأهداف في المراحل اللاحقة -مرحلة محمّد علي وخلفائه- نحو نشر الثقافة الفرنسيّة مع تركيزها على نفس أهدافها التغريبية، وانتهت إلى ذات النتائج والتي كانت مرجوّة لديها، من التغريب والتهميش للثقافة الإسلاميّة، ومن المؤسف أن أسلمت مصر في نهاية المطاف نفسها لعناصر الغربيّين ممثّلين في الاحتلال البريطاني والعملاء، ووصل الحال لأن يريد قادتها أن يجعلوها تكون قطعة من «أوروبا» كما قال الخديوي إسماعيل، وهو ينقل مصر إلى قوانين الغرب وخاصة الفرنسيّة؛ مستبدلًا أحكامها وتقاليدها بالذي هو خير[3].

المبحث الرابع: الادّعاء بتطوير الحياة الاقتصاديّة

بداية أكد الرحالة فضلًا عن أهل مصر ومؤرّخيها بأنّ مصر كانت تعيش في رخاء واستقرار، وأنه لم تكن لتنتظر الاحتلال الفرنسي لينقلها تلك النقلة الحضاريّة التي عاش فيها أصحاب التوجّهات الغربيّة، فهذا الرحالة الألماني «نيبور» قبل مجيء «الحملة الفرنسيّة» بربع قرن أكّد أنّه لم يجد مجتمعًا نائمًا، بل وجد مجتمعًا منعمًا بالحياة والحيويّة»[4].

من الناحية التجاريّة ظهرت البيوت التجاريّة العائليّة الدوليّة؛ حيث أخذوا يتنقّلون في

(125)

شبكات تجاريّة امتدّت إلى آسيا، وسواحل البحر الأحمر في أفريقيا، وذلك يؤكّد عظم الأثر التجاري[1].

وأضاف الرحالة «نيبور» قوله عن عدّة جوانب اقتصاديّة مهمّة في مصر قائلًا: «إنّ الآلات التي تستَخدم في ريّ الأرض بعد انحسار الفيضان هي أجدر الآلات المصريّة بالملاحظة والإعجاب، وللمصريّين وسائل مختلفة لريّ الأرض، وقد نُظّمت القنوات بين مزروعات الحدائق تنظيمًا فنيًّا جميلًا، بحيث يبدو تخطيط الحديقة على هيئة مسالك متشابكة يتنزّه بين جنباتها الناس... وعن الاستيراد والتصدير جاء أنّ الجلد الخام يعتبر من أهم البضائع التي تصدّرها «مصر»، وتقدَّر كمية المُصدَّر منه سنويًّا بـسبعين أو ثمانين ألف قطعة، تصل إلى مرسيليا بفرنسا، تستورد «إيطاليا» كمّية أكبر أيضًا[2].

وهناك حقيقتان مهمّتان الأولى: أنّ قمح مصر كان المصدر الأساسي والرئيس لسدّ احتياجات جنوب فرنسا. أمّا الثانية: أنّ جماعة التجّار الفرنسيّين كانوا عاجزين عن سداد ثمن القمح[3].

وجدير بالذكر أنّ الفرنسيّين جمعوا الأموال قهرًا وظلمًا من المصريّين، ففرضوا على تجّار الإسكندريّة ثلاثمئة ألف فرنك يدفعونها خلال أربع وعشرين ساعة، وعلى تجّار رشيد مئة ألف فرنك يدفعونها خلال ثمان وأربعين ساعة، وتجّار دمياط مئة وخمسين ألف فرنك خلال خمسة أيام، وتجّار خان الخليلي بالقاهرة عشرة آلاف ريال يدفعونها خلال عشرة أيام، وتجّار وكالة الصابون عشرة آلاف ريال، ونقابة السقائين خمسة عشر ألف ريال، وتجّار المنسوجات الهنديّة خمسة عشر ألف ريال، وأرغم هؤلاء وغيرهم على تقديم كل هذه الأموال قروضًا، تعد الحكومة بسدادها إليهم عن طريق اقتطاعها[4].

وفي عهد كليبر فرضوا الضرائب على السكان لسدّ العجز المالي الذي عانت منه

(126)

الحملة الفرنسيّة[1]، كذلك أخذ مينو في فرض ضرائب مضاعفة قدرها أربعة ملايين فرنكًا على ملاك الدور ومستأجريها والتجّار وأرباب الحرف، ومن العجيب أنهم إذا وجدوا دارًا مغلقة غاب أصحابها؛ يأخذون الضريبة من جيرانها[2]، حتى قال الجنرال «رينيه» أدّى هذا إلى وقوع التجار وأرباب الحرف في الضيق المعيشي وإغلاق دكاكينهم وتركوا الاشتغال بالتجارة[3]، فهل هذا تحديث في الاقتصاد أم انتكاس وخراب اقتصادي؟.

يؤكّد على ما سبق ما قاله الجبرتي بأنهم: «أغلقوا جميع الوكائل والخانات على حين غفلة في يوم واحد، وختموا على جميعها، ثمّ كانوا يفتحونها وينهبون ما فيها من جميع البضائع والأقمشة والعطر والدخان خانًا بعد خان... وإذا فتحوا مخزنًا دخله أمناؤهم ووكلاؤهم، فيأخذون من الودائع الخفيفة أو الدراهم، وصاحب المحلّ لا يقدر على التكلّم، بل ربما هرب أو كان غائبًا»[4].

بل وصل الأمر أنّهم حين فكروا في إنشاء مصنعًا للجوخ بالقاهرة، رفضت أعضاء اللجنة الإداريّة الفرنسيّة، وعارضت قبول العمّال المصريّين بحجّة الضرر الذي يلحق الصناعة الفرنسيّة إذا عرف المصريّون أسرارها[5]، وهذا خير دليل على تجاهل التحديث وتغريب المصريّين في الجانب الاقتصادي.

وإجمالًا فإنّ الاحتلال الفرنسي أحدث اضطرابًا في الاقتصاد دون أن يضع أي أسس لبنيان اقتصادي أو مشروعات جديدة أو أي تطوّر ملحوظ؛ بل على العكس من ذلك فإنهم هدموا وخربوا كما ذكر الجبرتي: «توالى الهدم والخراب وتغيير المعالم وتنويع المظالم وعم الخراب... هدموا تلك الأخطاط والجهات والحارات والدروب والحمامات والمساجد والمزارات والزوايا والتكايا»[6].

(127)

المبحث الخامس: الادّعاء باكتشاف حجر الرشيد

انساق بعض المؤرّخين نحو القول الذي يربط بين حجر رشيد واكتشاف الفرنسيّين له، وذلك خلال اشتغال الجنود الفرنسيّين بحفر الخنادق حول مدينة رشيد، ونسبوا لشامبوليون فك رموزها، ومن العجيب أن شامبوليون ولد في 1790م، وبذلك فهو كان في الثامنة من عمره في تاريخ نزول الحملة الفرنسيّة إلى مصر، كذلك لم يأت إلى مصر إلّا في عام ١٨٢٨م، أي بعد مرورِ أكثرَ من ربعِ قرنٍ على تاريخ جلاء الجيوش الفرنسيّة عن مصر[1].

 والحقيقة التاريخيّة تؤكّد أنّ حجر الرشيد لم يكشف النقاب عن أسرار الكتابة الهيروغليفيّة كشفًا مباشرًا، بل إنّ حلّ الرموز المحفورة على الحجر المذكور لم يتيسَّر إلّا بعد مرور مدّةٍ تزيد على عشرين عامًا، وهذا يؤكّد بأنّ حلّ رموز الكتابات الهيروغليفيّة لم يكن من نتائج الحملة الفرنسيّة أو كان تحديثًا ونقل التاريخ المصري، بل إنّ هناك الكثير من العلماء قبل شامبليون قد عملوا على حلّ رموز الحجر[2].

وجدير بالذكر أنّ العلماء كانوا قد وصلوا إلى حلّ رموز الكتابة الفارسيّة القَديمة، قبل أن يتمكّنوا من قراءة الكتابات الهيروغليفيّة، كما أنّهم توصَّلوا إلى حلّ رموز الكتابات المسماريّة واللغات السومريّة والآشوريّة والبابليّة، بعد مدّة من الزمن. وقد تمَّت جميع هذه الاكتشافات المهمّة دون أن تذهب إلى هضبة إيران ولا إلى بلاد ما بين النهرَين حملاتٌ عسكريّة مثل الحملة الفرنسيّة لمصر[3].

بل وصل العلماء للقول بأنّ أوّل من اكتشف أسرار حجر رشيد ورموزه في العالم العربي المسلم «أبو بكر أحمد بن علي بن قيس»، المعروف بابن الوحشيّة المتوفى سنة 930م، وذلك عن طريق أحد مؤلّفاته وأهمّها «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام»[4].

(128)

المبحث السادس: الادّعاء بإدخالهم المطبعة العربيّة في مصر

ذكر بعض الكتّاب أنّ الحملة الفرنسيّة أدخلت أوّل مطبعةٍ عربيّة في مصر، وترتّب عليه العديد من الآثار العلميّة والثقافيّة الحضاريّة، بل وذكروا بأنّ هذه المطبعة هي أساس مطبعة بولاق؛ لكن هذا مردود عليه؛ لأن مطبعة بولاق جاءت من إيطاليا عن طريق عربي يدعى «نيقولا مسابكي»[1].

كذلك الوثائق التاريخيّة تؤكّد أنّ مطبعة الحملة الفرنسيّة الأوروبيّة منها والعربيّة عادت إلى باريس، وكان موضوع عودة المطبعة على رأس أولويات الحكومة الفرنسيّة فقد خاطب وزير الداخلية القادة الفرنسيّين في مصر «بأن ترسل جميع الآلات والمخطوطات العربيّة وحروف المطبعة العربيّة لوزارة الداخلية، وبالفعل عادت»[2].

هكذا يتّضح بما لا يدع مجالًا للشكّ؛ أنّ الاحتلال الفرنسي جاء بالتغريب لا التحديث وما سبق يؤكّد ذلك تفصيلًا.

(129)

الخاتمة

بعد هذا البيان التاريخي الذي كشف زيف دعوى بعض المؤرّخين والمفكّرين حول تحديث الفرنسيّين لمصر، وإدخال الحضارة فيها فقد تبيّن إجمالًا ما يلي:

. أنّ الناظر بعين الحقيقة والصدق، يرى أنّ بلادنا قبل مجيء الفرنسيّين، قد عاشت طور التطوّر والتحديث في شتّى المجالات، والدليل على ما سبق ما قاله «بيتر جران»: «إنّ قوائم المخطوطات الممتازة بـ«الجامع الأزهر» و«بدار الكتب» تمثّل مصدرًا رئيسًا؛ لرسم صورة واضحة لصحوة القرن الثامن عشر في مصر».

. أنّ الفرنسيّين أدخلوا التغريب وأحدثوا ما يدخل تحت التغريب اصطلاحًا من التنصير والمجون، فضلًا عن سفك الدماء، وتصفية العلماء، ولما لا وقد أعلنوا ذلك لمسامع جنودهم، وأنهم جاءوا للثأر لأسلافهم المسحيّين في تلك الأرض التي وطئتها جحافل مقدونيّة وفيالق رومانيّة[1].

. كذلك فتحت الحملة الأبواب على مصراعيها للتدخّل والاحتلال الأوروبي في الدولة العثمانيّة، زد على ذلك حرصهم على دعوة اليهود لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين ((تغريب وأي تغريب)).

. وكان أوّل دخول للعلمانيّة لمصر عن طريق الاحتلال الفرنسيّة، وفي الحقيقة إنّ أعظم ما حقّقه الفرنسيّون هو تقديم مصر للغرب، أكثر من تقديم حضارة الغرب لمصر أو التأثير في مصر والمصريّين.

(130)

. فتحت الحملة الأبواب على مصراعيها للتدخّل والاحتلال الأوروبي في الدولة العثمانيّة، فقامت إنجلترا بالسعي لبسط نفوذها في فلسطين وبلاد الشام لضمان مصالحها التجاريّة البريّة في الهند[1].

. وفي النهاية فإنّ الاحتلال الفرنسي لمصر إن أفادها فإنّه أفادها بقدر ما وبطريق غير مباشر ودون قصد، وذلك أنّ وجه الحملة الحضاري لم يكن مقصودًا به تحديث مصر.

(131)

قائمة المصادر والمراجع

1.إبراهيم، شحاتة عيسى، القاهرة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 2019م.

2. باقر، طه؛ سفر، فؤاد، المرشد إلى مواطن الآثار والحضارة، المجلد 9، العدد 2، وزارة الإرشاد، مديرية الفنون والثقافة الشعبية، 1962م.

بحوث المجلّات العلميّة

1.البنداري، محمّد رضا، من رواد الأزهر الشريف في الإصلاح والتجديد الشيخ حسن العطار، مجلة كلّية الدراسات الإسلاميّة والعربيّة للبنات بكفر الشيخ، العدد الثالث، المجلد الرابع 2019م.

2.تيمور باشا، أحمد، أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث، مؤسسة هندواي، 2019م.

3.الجبرتي، عبد الرحمن، تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار، دار الجيل، بيروت.

4. جران، بيتر، الجذور الإسلاميّة للرأسمالية «مصر (1760م-1840م) ترجمة: محروس سليمان، مراجعة: د. رؤوف عباس، دار الفكر للدراسات والنشر – القاهرة، ط1، 1993م.

5.جلال، إيمان السعيد، مذكرات ضابط في الحملة الفرنسيّة على مصر عرض وتحليل مع المقارنة بترجمات أخرى لنفس النص، مجلة الألسن للترجمة، كلية الألسن جامعة عين شمس، وحدة رفاعة للبحوث وتنمية المعلومات اللغوية والترجمة، العدد 3، يوليو 2002م.

6.الجندي، أنور، معالم الفكر العربي المعاصر، مع دراسة من الثقافة العربيّة المعاصرة في معارك التغريب، المجلد 1، العددان 1-2، مطبعة الرسالة، 1965م.

7.الحصري، ساطع، آراء وأحاديث في التاريخ والاجتماع، نشر مؤسسة هندواي، 2017م.

8.ــــــــــــــــ، الحملة الفرنسيّة والنهضة المصريّة، مجلة الثقافة (مصر)، الثلاثاء 11 رمضان (1366هــ/ 29 يوليو 1947م)، السنة التاسعة العدد 448.

9. ــــــــــــــــ،  الحملة الفرنسيّة والنهضة المصريّة، مجلة الثقافة، السنة التاسعة، العدد 449، الثلاثاء 18 رمضان 1366هــ/ 5 أغسطس 1947م.

10.حمودي، إمام الشافعي وآخرون، دراسات حضارية في التاريخ الإسلامي: (الصناعة – الطب – الحياة العلميّة) دار التعليم الجامعي، 2019م.

 

(132)

11.حنا، نللي، تجارة القاهرة في العصر العثماني، ترجمة: رؤف عباس، نشر مؤسسة هنداوي 2017م.

12.الرافعي، عبد الرحمن، تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر، مكتبة النهضة المصريّة بالقاهرة، ط2، 1367هــ/ 1948م.

13.ــــــــــــــــ،  نظام القضاة من العثمانيين حتى محمّد علي، مجلة المحاماة الشرعية العدد 3، شعبان 1348هــ/ ديسمبر 1930م.

14.رمضان، مصطفى محمّد، دور الأزهر في الحياة المصريّة إبان الحملة الفرنسيّة ومطلع القرن 19م، ط1، 1986م.

15.ــــــــــــــــ،  سليمان الحلبي رمز للتكاتف المصري السوري في مقاومة الحملة الفرنسيّة على مصر، ندوة العلاقات بين مصر والشام على مر العصور، دمشق 16 أكتوبر 1990م.

16.الشلق، أحمد زكريا، الحداثة والإمبريالية: الغزو الفرنسي وإشكالية نهضة مصر، ط1، دار الشروق بمصر، 1427هــ/ 2006م.

17.الشناوي، عبد العزيز، صور من دور الأزهر في مقاومة الاحتلال الفرنسي لمصر في أواخر القرن الثامن عشر، من أبحاث الندوة الدولية لتاريخ القاهرة، مارس-أبريل 1961م، مطبعة دار الكتب 1971م.

18.ــــــــــــــــ، عمر مكرم بطل المقاومة الشعبية، دار الكاتب العربي، سلسلة أعلام العرب (67).

19.الطباخ، محمّد راغب، إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، تحقيق: محمّد كمال، دار القلم العربي بحلب، ط2، 1408هــ.

20.عبد الحليم سيد، عبد المنعم، حجر رشيد: قصة الكشف عنه ومراحل نقله وعرض لمحاولات حل رموزه، مجلة المؤرخ العربي (اتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة)، العدد 8، مارس 2000م.

21.عبد الغني، مصطفى، حقيقة الغرب بين الحملة الفرنسيّة والحملة الأميركية، مكتبة الأسرة

(133)

الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 2001م.

22.عبده، إبراهيم، تاريخ الوقائع المصريّة (1828-1942م)، مكتبة التوكل بالقاهرة، 1946م.

23.عطعط، أيمن ياسين، دراسة توثيق حسن العطار لمصادرة الطبيّة في مخطوطة راحة الأبدان، آفاق الثقافة والتراث، مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث - قسم الدراسات والنشر والشؤون الخارجيّة، العدد 93، المجلد 24.

24.عنان، محمّد عبد الله، تاريخ الجامع الأزهر، ط2، نشر مطبعة الخانجي، القاهرة، 1958م.

25. فرج، السيد أحمد، جذور العلمانيّة: الجذور التاريخيّة للصراع بين العلمانيّة والإسلاميّة في مصر منذ البداية وحتى عام 1948م، دار الوفاء، 1985م.

26.الفرجات، ربيع خالد، الحملة الفرنسيّة على مصر (1213-1216هــ/ 1798-1801م) دراسة تحليلية في نتائج وآثار الحملة الفرنسيّة على مصر العثمانية، دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعيّة، المجلد 45، العدد 4، ملحق 1، 2018م.

27.قرحاني، نصر عبد الرزق، الآثار السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والعلميّة للحملة الفرنسيّة على مصر «نابليون نموذجًا (1798-1799م)»، مجلة المؤرخ العربي، العدد 26، 2018م.

28.كحالة، عمر، معجم المؤلفين، مكتبة المثني، بيروت.

29. كشك، محمّد جلال، ودخلت الخيل الأزهر، نشر الزهراء للإعلام العربي، ط3، 1410هــ/ 1990م.

30.وزارة الأوقاف وشؤون الأزهر: تاريخ الأزهر وتطوره، الاتحاد الاشتراكي العربي، دار ومطابع الشعب، 1964م.

31.يس، عبد الجواد، تطوّر الفكر السياسي في مصر خلال القرن التاسع عشر، نشر كتاب المختار الإسلامي، 1987م.

(134)

البعثات العلميّة المصريّة في مواجهة المركزيّة الغربيّة

التدريب على صناعة القادة وكوادر الدولة

 

  حمزاوي حامد حسن إبراهيم[1]

الملخّص

تسعى هذه الدراسة إلى بيان أثر البعثات العلميّة في النهضة الحضاريّة في مصر، والدور الذي لعبته في تمتين أواصر الأمن القومي في مواجهة السيطرة المتعدّدة الأشكال المركزيّة الغرب. ومن باب التأصيل المنهجي لهذه القضيّة الاستثنائيّة في تاريخ مصر وضعنا مجموعة من الفرضيّات جاءت بصيغة الأسئلة، وقد أوردناها على الوجه التالي:

- متى كانت البداية الأولى لإرسال البعثات العلميّة المصريّة إلى أوروبا؟.

 - ما عدد البعثات العلميّة المصريّة إلى أوروبا في القرن التاسع عشر؟.

- ما الدور الذي أدّته البعثات العلميّة في تحقيق النهضة المصريّة الحديثة؟.

- إلى أيّ حدّ نجح طلاب البعثات في تحقيق الوعي النقدي بالأسس الحاكمة على المركزيّة الغربيّة؟.

- كيف ننظر إلى مضامين النهضة والتقدّم، التي سيأخذ بها العالم العربي لإنجاز تقدّمه؟.

ولما كانت كل دراسة تفرض المنهج الذي يستخدمه الباحث لسبر أغوار الإشكاليّة المطروحة والوصول إلى حلول لها؛ بحيثُ تكشف النقاب عما فيها من غموض، فقد اقتضت طبيعة الدراسة تنوّع مناهج البحث التي نستخدمها في معالجة الإشكاليّة

(135)

المطروحة في بحثنا، وجاءت على نحو ما يلي، المنهج التاريخي: وذلك لتتبّع سير البعثات العلميّة المصريّة خلال القرن التاسع عشر (عصر النهضة العربيّة)، المنهج التحليلي: لتحليل مصطلحات الدراسة، وكذلك تحليل أهم أفكار وملامح النهضة. المنهج المقارن: لمقارنة أفكار ومواقف المفكّرين من فكرة الانفتاح على الغرب، إلى جانب الآراء والأفكار التي تقتضي الدراسة التطرّق إليها. المنهج النقدي: لكي يقف الباحث على مقاصد ومرامي القائمين على البعثات العلميّة موضوع الدراسة، وبيان موقفنا من مضامين النهضة والبعثات العلميّة قبولًا أو رفضًا.

تمهيد

كان روّاد النهضة العربيّة مع مطلع القرن التاسع عشر قد قدّموا محاولات عدّة لتمدين مجتمعاتهم وأوطانهم التي أصابها من التخلّف والجمود ما أقعدها عن مواكبة عصر الحضارة والمدنيّة الأوروبيّة. وإن كانت أفكار هؤلاء لم تمثّل الحلّ النهائي والأمثل للمشكلة، أو بالأحرى لم تمثّل المشروع الإصلاحيّ كامل الأبعاد، فيكفيهم أنهم قاموا بعملية التوفيق الذي يطرح نماذج التقدّم والتمدّن الأوروبيّ أمام الذهن العربي القابع في التراث، ولكي تتقبّل شعوبنا هذا الطرح كان لا بدّ من التوفيق الذي يُبرز المحاسن لهذا التمدّن الأوروبي، كمثال يجب محاكاته وتقليده، وهذا التوفيق لا يتعارض مع الدين، بل يُحقّق ما جاء فيه بالقول الواضح الصريح «خذ الحكمة أينما وجدت»، والإسلام لا يُعارض المدنيّة التي تجلب الخير للشعوب التي آمنت به.

فكانت تلك هي المرحلة التي أسّس عليها روّاد النهضة الإصلاح من أجل تمدين العالم العربي والإسلامي، والبداية بلا شكّ كانت في مصر، وهذا التوفيق يُعبّر عن إبداع المفكّر العربي الحديث في حلّ مشكلات بلاده الغارقة في التخلّف والتأخّر على كافّة المستويات الحياتيّة، لأنّه دون التوفيق بين تراثنا الفكري والمدنيّة الغربيّة الحديثة، فلن تكون هناك نهضة حقيقيّة، وصعوبة المراحل الانتقاليّة تكمن في تغيير الأوضاع الراكدة والجامدة من حالة متخلّفة إلى حالة متقدّمة ومتمدّنة، وهذا التغيير كان صعبًا في تلك الفترة التاريخيّة التي

(136)

عاشت فيها شعوبنا في عُزلة تامّة مكتفية بتراثها ومنعزلة عن الشعوب المتقدّمة.

ونتيجة لذلك ورغبة في تحقيق حلم الوجود، اهتمّ روّاد النهضة العربيّة بتوجيههم للذهن العربي الإسلامي نحو ضرورة الاحتكاك بالغرب الأوروبي من أجل إحياء التراث العربي الإسلامي من جديد. فعلى الرغم من افتتانهم بالمدنيّة الأوروبيّة الحديثة، إلّا أنّهم لم ينسوا فضل الحضارة العربيّة والإسلاميّة في صنع تلك المدنيّة الأوروبيّة، فلم ينسلخوا عن التراث بصورة تامّة، ولم ينجرفوا مع تيّار التغريب بالصورة التي تطبع مجتمعاتهم بالطابع الغربي الخالص، وتطمس هويّتهم، وتحوّلهم من مستقلّ إلى تابع. ولعلّ التحرّك الذاتيّ نحو أخذ محاسن التمدّن الغربي، لأمر يجعلنا نتقي مساوئه، لوجود الإرادة الحرة في الأخذ والاقتباس، بدلًا من أن يُفرض علينا بصورته الكاملة فرضًا تتّضح خلاله محاولات غزو الغرب وطمسه لثقافتنا العربيّة والإسلاميّة.

لن يُكتب للإصلاح النجاح دون دعم القيادات السياسيّة؛ إذ أدّت السياسات الجديدة لحكّام مصر في القرن التاسع عشر إلى وضع مصر على خارطة الدول الباحثة عن التقدّم والتمدّن، وظهر هذا في الكفاءة التي ظهرت بها البعثات المصريّة للدول الأوروبيّة. ومن ظواهر هذا التقدّم والسعي نحو التمدين والنهضة والعمران إلحاح الحكّام على ضرورة التعليم، واهتمامهم بالصناعة، والتجارة والعلوم المدنيّة (الطب، والهندسة، والجغرافيا... إلخ). كما شهد القرن التاسع عشر ثورة فكريّة في العالم العربي؛ حيث السعي لإصلاح الفكر القديم البالي القائم على خرافات وبدع، والاهتمام بالقيم الحديثة المبنيّة على العلم، والتقدّم، والعقل. وعاشت المرأة العربيّة في القرن التاسع عشر بدايات التحرّر من عتق عبوديّة الجهل وسوء النظرة إليها، وذلك من خلال آراء مفكّري النهضة العربيّة وفهمهم لما ينبغي أن يكون عليه الفكر العربي والإسلامي، فوجدنا نظرة جديدة للمرأة ومن أهم الداعين إلى تحرّرها الشيخ رفاعة الطهطاوي وتلميذه قاسم أمين.

وشهد العالم العربي في القرن التاسع عشر الاهتمام بالترجمة والتأليف وإرسال البعثات العلميّة إلى الدول الأوروبية، ما أدّى إلى ظهور طبقة من المثقّفين والعلماء

(137)

نتيجة اهتمام رجال الدولة بالعلم والعلماء وإيمانهم بضرورة التعليم والعلوم الجديدة لإحداث النهضة الحديثة.

حاول حكّام مصر النهوض بمصر في القرن التاسع عشر، ولهذا اتبعوا سياسات اقتصاديّة جديدة في الزراعة والصناعة والتجارة والشؤون العسكريّة، فشقّوا الترع وزوّدوا نسبة الأراضي المنزرعة، واهتموا بالبعثات التعليميّة لتعليم المصريّين الحرف المختلفة، واتبعوا سياسات جديدة في التجارة، منها سياسة الاحتكار التي اتبعها محمّد علي، ولتنفيذ الاستقلال حاول محمّد علي بناء جيش قوي. كل هذا بفضل حكمة القادة ونبوغ علماء الأمّة، فعندما تتكاتف السياسة من التعليم والتنوير يُكتب للمجتمع التقدم والنهوض والنجاة من قيود التبعية.

المحور الأوّل: أسس ومضامين النهضة العربيّة

إنّ المدنية كحالة مجتمعيّة لم تنشأ بين عشية وضحاها كنبت لم يغرسه البشر، ولكن هناك بوادر وأسباب أدّت إلى وجودها وانتشارها داخل المجتمعات التي نعمت بها. فالمدنيّة يلزمها دعائم وأسباب لتتحوّل من عالم الخيال الذي يعد غاية في الذات إلى عالم الواقع وما هو كائن بالفعل. والدولة هي الضمانة للحراك المدني على الطريق الصحيح، خاصّة في ظلّ الترقّي والتحضّر الذي تسعى إليه الشعوب، والتي تنتج أشكالًا مختلفة من الرفاهية والازدهار، وإنتاج أفكار سرعان ما تحوّله من خيال إلى واقع، ممّا يؤدّي إلى تحقيق الأهداف والغايات. وتكمن معوقات التمدّن في الجمود والتخلّف والعقبات التي تقف في طريق تمدين الدولة من تراخٍ وتكاسل عن طريق تصدير اليأس والإحباط لكل محاولات الاجتهاد التي تدفع إلى التحضّر والتقدّم. والدولة هي الوسيلة لتحقيق هذا الحكم المدني، وإيجاد الحالة المدنيّة للمجتمعات.

كانت البداية الحقيقيّة للنهضة في مصر التي عرفت أوّل محاولة لتحديث الدولة في أيام علي بك الكبير (ت 1773م) وهو الذي أعلن استقلال مصر عن الدولة العثمانية 1769م، وأوقف دفع الجزية وصك النقود باسمه، وتخلّص من الموظّفين الموالين

(138)

للأتراك. وبعد الحملة الفرنسيّة على مصر (1798م) حمل مشعل التحديث محمّد علي باشا (1769 -1849م) الذي تولّى الحكم سنة 1805م. ونجح في إقامة دولة حديثة أدخل بها إصلاحات كبيرة مثل تكوين جيش وطني، وإنشاء المدارس العليا، وشقّ الترع وبناء الجسور والكباري والسدود، وإقامة الصناعات الجديدة، وإرسال البعثات العلميّة إلى الخارج، ولكن الدول الأوروبيّة حالت دون توسع هذه المحاولة النهضويّة وقضت عليها في عام 1840م.

ويأتي دور محمّد علي في إحداث النهضة المصريّة والعربيّة الحديثة في كافّة مكوّنات الحياة المصريّة، وخاصّة فيما يتّصل بمكوّناتها وعناصرها الفكريّة، فكان محمّد علي يؤمن بأن النهضة الحقيقيّة لا تحدث إلّا من خلال التعليم وإصلاح الحياة الفكريّة داخل المجتمع المصري؛ ولذا سعى نحو تأسيس الدولة المصريّة الحديثة، واهتمّ بمؤسّسات الدولة العلميّة والتعليمية والثقافيّة. وكان لهذا الاهتمام بالجانب الفكري آثاره على الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، سواء أكان هذا الأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة. «فإيمانًا من الرجل بأهميّة العلم أرسل البعثات العلميّة منذ 1813م إلى إيطاليا لدراسة فنون الطباعة، وفي أعوام 1818م، 1826م، 1840م أرسل بعثات إلى فرنسا لدراسة شتى العلوم العسكريّة والمدنيّة، وعام 1829م إلى النمسا وإنجلترا لدراسة فنون الصناعة»[1].

وكان من ثمار البعثات إلى فرنسا الإصلاحات التي قادها رفاعة الطهطاوي في مصر من إصلاحات سياسيّة واجتماعيّة وتربويّة، حيث اهتمامه بالتربية والتعليم، ومناداته بتحرير المرأة وضرورة تعليمها، هذا من خلال الترجمات التي قدّمها ومن أبرزها القانون الفرنسي»[2]. هذا إلى جانب مؤلّفاته التي أسّست لقواعد التربية السياسيّة والدينية كما في «المرشد الأمين»، والكتاب الذي نقل من خلاله الحياة الفرنسيّة إلى الحياة المصريّة في كافة أبعادها السياسيّة والاجتماعيّة والتربويّة هو كتاب «تخليص الإبريز في تلخيص

(139)

باريز». وكل هذا يحسب للقائد والسياسي قبل أن يحسب للمفكّر والمثقّف، فلولا إتاحة الفرصة من قِبل محمّد علي وإيمانه بأهميّة التعليم الحديث المدني والعسكري، لم يظهر مفكّر أو مصلح يرغب في تحسين أحوال البلاد. وهذا ما سنفرد له مبحثًا فيما بعد.

ولا شكّ أنّ مقوّمات البقاء والبناء والنهوض تتمثّل في السياسة والفكر والاقتصاد، وهي ذاتها أسباب التدنّي والانحطاط. وعلينا أن نُدرك أنّ الأفكار التي دارت حول مقوّمات التمدّن ومعوّقاته هي أفكار معاصرة علينا أن نقارب بينها وبين ما عبّر به عنها روّاد النهضة العربيّة الحديثة بالمتاح من الأراء والأفكار، لكن هذه المقاربة من أجل أن يعرف المهتم بتلك القضيّة أنّ مرحلة التأسيس في فكرنا الحديث انشغلت بتوطين المفاهيم في بيئة خلت منها أو لم تكن قريبة منها للمعوقات التي اصطدمت بها في ذلك الوقت المبكر من فجر النهضة الحديثة، وهذا ما كشفت عنه جهود مفكّرينا في نقل تجربة المدنيّة الغربيّة ومحاكاتها، وهذا ليس بالعمل اليسير، وإنّما كلّفهم ذلك الكثير للخروج من التخلّف وأبعاده المختلفة، والعمل على تمدين البيئة العربيّة وتحديثها[1]. ولعلّ هذا من ضمن الأسباب التي أدّت بطلاب البعثات العلميّة إلى الاهتمام بالترجمة لنقل مفاهيم ومضامين النهضة الأوروبيّة إلى البيئة العربيّة والإسلاميّة. فكانت البعثات العلميّة بمثابة النافذة الأولى الأكثر مصداقيةّ لنقل التجربة الغربيّة من جانب والتخلّص من التبعيّة لها من جانب آخر من خلال تنقية أفكارها ومحاولة صبغها بصبغة عربيّة وإسلاميّة. فكيف أدّت البعثات العلميّة دورها في تحقيق حلم النهضة والخروج من فلك المركزيّة الغربيّة.

المحور الثاني: البعثات العلميّة ودورها في النهضة

البعثات العلميّة هي رحلات أو برامج تهدف إلى نقل المعرفة والتقنيّات الحديثة من دول وحضارات متقدمة إلى دول نامية تهدف إلى تطوير قدراتها العلميّة والتقنيّة، وتقوم هذه البعثات بدور بارز في صناعة الكوادر العلميّة والاجتماعيّة والسياسيّة داخل

(140)

لمجتمع، من خلال إدراكه لذاته ونواقصه، واكتشاف أسباب نجاح الآخر وفرص الأخذ عنه. فلا يمكن للإنسان أن يُحقّق النجاح إلّا إذا أدرك نواقصه وتحرّك بمحض إرادته الحرة لمحوها والقضاء عليها، ومن هنا فلا سبيل لتحقيق نهضتنا العربيّة إلّا بتجاوز سلبياتنا والتخلّص من التبعيّة للآخر ومحاولة دفع فرص النجاح والتأكيد عليها، وهذا ما أدركه محمّد علي باشا مؤسّس النهضة العربيّة والمصريّة الحديثة.

ومن يقرأ التاريخ بشيء من العناية يجد هذه المنح الإلهيّة قد قيضت لمحمّد علي. فعندما أتاحت له الفرصة عرش مصر لا بدّ أن يكون قد تملكه هذا الشعور الصادق بما ينقصه ليكون عرشه قوي الدعائم... ولكن هذا الشأن عجيب في محمّد علي، فقد شعر رغم أميته بأن المُلك لا يُشيد إلّا على أمتن أساس من العلم، وأن العلم الذي تُدعم به الممالك ليس هو الذي يسمّونه علمًا في الشرق (العلوم الدينيّة) -وإن كنا نرفض هذه النعرة ونؤكّد ضرورة الاهتمام بالجانبين الديني والدنيوي-، وإنّما هو الذي قامت به المدنيّة الغربيّة، وشيّدت عليه صرح عليائها وقوّتها فأقرّت لها الأمم بالغلبة (العلوم المدنيّة الحديثة). ذلك بلا شكّ هو ما جال في نفس محمّد علي، وذلك ما حفّزته همّته إلى العمل لبلوغه، فعمل وأفلح ولم يكن له من المؤازرين ما كان لمثل نابليون، ولا حوله من العلماء ما كان حول سائر الملوك الذين رفعوا شأن ممالكهم في أوروبا وهذا شأن آخر له يدعو إلى العجب العجاب[1]. فحاول الرجل أن يُحصّن نفسه ومشروعه بنخب من العلماء في كلّ التخصّصات.

ويأتي دور محمّد علي في إحداث النهضة المصريّة والعربيّة الحديثة في كافّة مكوّنات الأيديولوجيّة المصريّة، وخاصّة فيما يتّصل بمكوّناتها وعناصرها الفكريّة، فكان الرجل يؤمن بأنّ النهضة الحقيقيّة لا تحدث إلّا من خلال التعليم وإصلاح الحياة الفكريّة داخل المجتمع المصري؛ ولهذا سعى نحو هيكلة جديدة للدولة، واهتم بمؤسّسات الدولة العلميّة والتعليميّة والثقافيّة. وكان لهذا الاهتمام بالجانب الفكري أثاره على الحياة

(141)

الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، سواء أكان هذا الأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

فإيمانًا من الرجل بأهميّة العلم أرسل البعثات العلميّة منذ 1813م إلى إيطاليا لدراسة فنون الطباعة، وفي أعوام 1818م، 1826م، 1840م أرسل بعثات إلى فرنسا لدراسة شتّى العلوم العسكريّة والمدنيّة، وعام 1829م إلى النمسا وإنجلترا لدراسة فنون الصناعة[1].

وكان محمّد علي قد أولى الترجمة أهميّة خاصّة، فقد مرّت الترجمة في مصر بعدّة أطوار أولها: في عصر محمّد علي الذي أدرك أن النهضة التي يرجوها لمصر لن تتحقّق إلّا بوفرة المعارف الأوروبيّة الحديثة، وأيقن أنه لا بدّ من نقل العلوم الحديثة من أوروبا إلى اللّغة العربيّة (فهو لم يكتف بإرسال البعثات فحسب) حتى يتيسّر للمصريّين الوقوف على المستوى المتقدّم، فينهلوا منه ما يعينهم على المساهمة الفعّالة في بناء المجتمع الجديد، ومن ثمّ فقد قام بتكليفه كل الطلبة المبعوثين الذي أوفدهم إلى أوروبا، بترجمة المصنّفات التي أخذوا عنها إلى اللّغة العربيّة والتركية. وفي عام 1835م استجاب لدعوة رفاعة الطهطاوي -الذي يعدّ الأب الروحي لهذا الفنّ (فنّ الترجمة)- لإنشاء مدرسة المترجمين التي أصبحت مدرسة الألسن 1836م، وكان الغرض الأساسي من إنشائها هو تخفيف عبء التعريب عن كواهل أعضاء البعثات، وإعداد طبقة من العلماء الأكفّاء في الآداب العربيّة وفي آداب اللغات الأجنبيّة. ليضطلعوا بمهمّة تعريب الكتب الأجنبيّة، وليكونوا صلة الوصل بين الثقافة العربيّة والغربيّة، وينهضوا بالأداة الحكوميّة، فيما يعهد إليهم من مناصب، وفي عام 1841م، أنشأ رفاعة الطهطاوي قلم الترجمة، وألحقه بمدرسة الألسن، واهتمّ بترجمة الكتب الفرنسيّة على وجه الخصوص[2].

فمنذ عصر محمّد علي وخلفائه كانت البعثات رافدًا أساسيًّا من روافد النهضة الوطنيّة، ومع إنشاء الجامعة عام 1908م قامت بإرسال البعثات العلميّة من أجل تكوين فريق من

(142)

  ↵

الأساتذة للتدريس بها، حيث تقرّر أن تكون الإقامة في أوروبا طول مدّة البعثة للحصول على أعلى الشهادات العلميّة في تخصّصات مختلفة على أن تقوم لجنة فنية باختيارهم، وقد قرّرت الأخيرة إرسال البعثة الأولى والتي ضمّت أحد عشر طالبًا إلى إنجلترا وفرنسا في تخصّصات علميّة أكثر منها أدبيّة[1].

والأمر لم يكن مجرّد شكل من أشكال الاهتمام الزائف بالتعليم والبعثات العلميّة كشكل من أشكال النهوض بالتعليم والحياة الثقافيّة، بل الأمر مأخوذ على محمل الجد والرغبة الملحّة لتحقيق الغرض من تلك البعثات. إذ كان لكل طالب ملفّ خاصّ به محفوظ لدى مجلس الإدارة، بحيث يدوّن فيه خطوات كيفيّة تحصيله للعلوم من خلال ما يُسجّله مندوبون مكلّفون من الجامعة بمراقبتهم، فضلًا عن إرسال الطلّاب لخطابات كتقرير عن حالتهم العلميّة والمعيشيّة هناك، وفي حال تقصير الطالب أو تأخّره عن إرسال هذا التقرير يتم خصم مبلغ من راتبه حسب ما يرى مجلس الإدارة، ولنا أن نقول إنّ مسألة متابعة وضع المبعوثين للخارج كانت متّبعة منذ نشأة الجامعة لكي تضمن الأخيرة سيطرتها على الطالب حتى أنها كانت تشترط أمرًا واحدًا وهو التزام الطالب بالتدريس في الجامعة المصريّة بعد الانتهاء من بعثته الدراسية[2].

سنركّز في صفحات الدراسة على محاولات محمّد علي باشا بوصفه رائد النهضة ومن أوائل القائمين على إرسال البعثات إلى الدول المتقدّمة؛ إذ أرسل العديد من البعثات العلميّة كان أهمّها ثلاث بعثات، وكانت البعثة الثالثة عام 1826م هي الأبرز والأهم.

البعثة الأولى: وكانت إلى إيطاليا عام 1813م، إذ كانت إيطاليا أوّل البلاد التي أرسل إليها محمّد علي باشا بعثات علميّة، فقد أوفد سنة 1813م وما بعد هذا العام إلى ليفورن وميلان وفلورنسة ورومية وغيرها من مدن هذه المملكة عدّة تلاميذ لدراسة الفنون العسكريّة وبناء السفن والطباعة والهندسة وغيرها. ومن طلّاب البعثات العلميّة

(143)

إلى إيطاليا نقولا مسابكي أفندي الذي أرسله إلى ميلان حوالي سنة 1815م ليتعلّم فنّ سبك الحروف ودراسة فنّ الطباعة فيها. فأقام أربع سنوات وعاد إلى مصر وتولّى إدارة مطبعة بولاق سنة 1821م وبقي مديرًا لها إلى أن توفّي سنة 1831م[1].

البعثة الثانية: وكانت إلى فرنسا عام 1818م، إذ تحول نظر محمّد علي باشا عن إيطاليا إلى فرنسا فأرسل إليها طائفة من التلاميذ حوالي سنة 1818م، ومن أبرز طلاب هذه البعثة عثمان نور الدين أفندي الذي أرسله سنة 1819م لإتقان الفنون الحربيّة والبحرّيّة، ثمّ عاد إلى مصر سنة 1820م، وترقّى في مناصبها إلى رتبة سرّ عسكر ورئيس للعمارة البحرّيّة المصريّة سنة 1828م بدلًا من محرم بك زوج بنت محمّد علي باشا.

البعثة الثالثة: كان عام 1826م بمثابة اللحظة الفارقة في طريق النهضة العربيّة، والتي جعلت من رفاعة الطهطاوي رائدًا للنهضة العربيّة؛ «حيث إنّ الحكومة المصريّة كانت قد قرّرت إيفاد أكبر بعثاتها العلميّة وأهمّها إلى فرنسا، كي يطلب طلابها العلم الحديث هناك، وكانت هذه البعثة هي الإطلالة المهمّة والحقيقيّة للعنصر المصري والعربي على الحضارة الأوروبيّة الحديثة في مواطنها وديارها، وقد بلغ عدد أفراد هذه البعثة في البداية (42 دارسًا)، انضمّ إليهم آخرون فيما بعد، حتى بلغ عدد أفرادها (114 طالبًا) وكان الهدف من وراء إيفاد هؤلاء الطلاب، أن يعودوا ويساهموا في بناء الدولة وصنع الحضارة، لا أن يكونوا مجرّد عساكر في الجيش الوطني الذي قام بمصر يومئذ للمرة الأولى منذ عصر وعهد الفراعنة الأقدمين»[2].

فقامت هذه البعثة في مايو 1826م ووصلت إلى فرنسا في يوليو، فأشرف عليها مسيو جومار، وكان عددها أوّل ما أرسلت اثنين وأربعين تلميذًا، ثم لحق بهم غيرهم. وقد ذكرهم مسيو جومار واحدًا واحدًا ضمن تقرير عن حالتهم العلميّة سنة 1828م نشره

(144)

بالمجلّة الأسيوية، وذكر فيه أمام كل واحد منه عمره والبلد الذي ولد فيهه والفن الذي يدرسه[1]. وها هو معرّب هذا التقرير يقول: لم يبرح مسامع الجمهور وصول أربعين شابًا مصريًّا في شهر يوليو سنة 1826 مبعوثين من حكومة مصر إلى فرنسا لدرس مختلف فروع الإدارة والفنون والعلوم. ولقد تسامع أيضًا بنجاحهم إجمالًا في اللّغة الفرنسيّة التي هي الموضوع الأوّل لدرسهم[2].

ويستطرد مسيو جومار في تقريره مؤكّدًا نجاح البعثة من جانب وعناية الدولة المصريّة بهم من جانب أخر، وتفاؤل الأساتذة الفرنسيّين بهم من جانب ثالث، فيقول: ولما كان نجاحهم قد ابتدأ يُضاهي الاعتناء بهم، وظهرت بارقة الأمل في المستقبل، فإننا نرى الوقت قد حان للدخول في تفاصيل تنظيم المدرسة المصريّة التي تحتّم علينا الاهتمام بها من الوجهة السياسيّة، كما تحتّمها دراسة العلوم الشرقيّة وخدمة الإنسانيّة والمدنيّة، فلنتكلّم إذًا بالتفصيل عن أعمال هؤلاء الشبّان المصريّين، ونشرح خطواتهم الأولى لثقتنا بأنهم جديرون بالتفات الجمهور الفرنسي وعطفه بسبب جِدِّهِم المستمر ونجاحهم الظاهر[3].

وكانت البعثة الثالثة إلى فرنسا 1826م أبرز البعثات العلميّة التي ظهر أثرها في تمدين المجتمع المصري ونهوضه، لا سيّما أنّها غطّت معظم التخصّصات التي عليها تُبنى المجتمعات ويُؤسّس من خلالها للنهضة الحقيقيّة؛ من فلاحة وملاحة وصناعة والإدارة والاقتصاد والمعادن والفنون العسكريّة والعلوم الإنسانيّة والترجمة والجغرافيا والفلك وغيرها.

ويمتدح مسيو جومار إصرار الحكومة المصريّة وحاكم مصر محمّد علي باشا آنذاك على إنجاح واستمرار البعثات العلميّة رغم الظروف التي تواجهها البلاد، وهذا ما ذكره الأمير عمر طوسون، فنجده يقول: ومن حسن الاتّفاق أن جاءت هذه العناية وفق رغبة

(145)

الحكومة المصريّة، والدليل على ذلك أنّه رغم الخسارة التي تكبّدها ملك مصر أثناء الحوادث الجارية في الشرق لم يغض الطرف أبدًا عن بعثته التي تكتسب العلوم لتفيد بها وطنها في زمن السلم، ولم يعد يكاتبهم إلّا بالفرنسيّة، وأمر بإرسال تلاميذ آخرين وسفن ملأى بالمتاجر إلى فرنسا. وأمر الطلبة أن يستمرّوا على الاجتهاد ويتمّموا دروسهم، ولا يلتفتوا إلى شيء آخر مهما تكن نتيجة الحرب القائمة بين مصر وغيرها، وألّا يُشغِلوا عقولهم بغير دروسهم، وأن يعنوا عناية خاصّة بالعلوم الجغرافيّة[1].

المحور الثالث: نماذج من المبتعثين ودورهم في خدمة المجتمع[2]

نذكر هنا نماذج من بعض خريجي البعثات العلميّة ودورهم في إحداث النهضة داخل المجتمع المصري، وسنركّز على أشهر وأبرز هؤلاء الطلاب، وهو الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي المُلقّب برائد النهضة العربيّة الحديثة.

النموذج الأوّل: دويدار مصطفى مختار أفندي: أُرسل لتعلّم الإدارة الحربيّة، وكان راتبه الشهري ألفين وتسعمئة وستة عشر قرشًا. قام من فرنسا في أوّل أغسطس سنة 1832م بعد إتمامه دروسه، ولما رجع إلى مصر عُيّن عضوًا في المجلس الأعلى للحكومة ومديرًا لديوان الحربيّة سنة 1835م. ثمّ مديرًا لديوان المدارس 1836م، أي ناظرًا لهما، وهو أوّل ناظر للمعارف في مصر. وقد نال رتبة البكوية، وفي عهده أُنشأت عدة مدارس ومكاتب، ولكن عهده لم يطل فقد أدركته الوفاة سنة 1839م.

النموذج الثاني: حسن الإسكندراني أفندي: أُرسل لتعلّم البحرّيّة، وقد تلقّاها في ترسانة (برست)، ثمّ سافر مع زميليه محمود أفندي نامي ومحمّد أفندي شنان إلى إنجلترا للسياحة وتطبيق العلم على العمل، وتكلّفوا فيها مدّة سنة (واحدًا وثلاثين ألفًا وسبعمئة وأربعين قرشًا وعشرين فضة)، وصُرف لهم هذا المبلغ في مارس سنة 1833م. وكان راتبه

(146)

الشهري أربعة آلاف ومئة وستة وستين قرشًا. قام في فرنسا في أوائل يونية سنة 1833م. وفيما بعد حاز لقب باشا وصار ناظرًا للبحرّيّة. توفّي غريقًا في حرب القريم، وكان قائدًا للأسطول المصري، فغرق مع السفينة المصريّة (مفتاح جهاد) سنة 1855م.

النموذج الثالث: محمّد بيومي: بُعث إلى فرنسا لتلقّي العلوم الرياضيّة بها. وكان راتبه الشهري مئة قرش. قام من فرنسا في أوائل سنة 1835م ومعه كُتب كثيرة في الهندسة. وقد صار فيما بعد من كبار مدرّسي مدرسة المهندسخانة، وترك مؤلّفات نافعة في العلوم الرياضيّة وتوفي سنة 1852م.

النموذج الرابع: عمر الكومي: أُرسل إلى فرنسا لتعلم العلوم الكيميائيّة وكان راتبه الشهري مئة قرش. وفي الدفاتر أنّه كان يتعلّم أيضًا صناعة التقطيرات والسكر. قام من فرنسا في أوائل سنة 1832م، وفي تاريخ مانجان أنّه ذهب فيما بعد إلى أمريكا لتعلّم صناعة السكر.

النموذج الخامس: علي هيبة: أُرسل إلى فرنسا لتعلّم الطب والعلوم الطبيعيّة والصحّيّة. وكان راتبه الشهري مئة قرش. قام من فرنسا في ديسمبر سنة 1833م بعد إتمام دروسه. ومن آثاره المطبوعة كتاب (طالع السعادة والأقبال في علم الولادة وأمراض النساء والأطفال) وكذلك كتاب (إسعاف المرضى في علم منافع الأعضاء). وكانت وفاته حوالي سنة 1850م.

النموذج السادس: حسين أفندي: أُرسل إلى فرنسا وتعلَّمَ في طولون، وكان راتبه الشهري خمسمئة قرش. وفي الدفاتر أنّ من بين ما كان يتعلّمه علم الرسم، وأنّه كان بطولون الميناء المشهورة بالعلوم والمنشآت البحرّيّة. وحيث إنّه لم يكن مع حسن الإسكندراني ورفاقه الذين كانوا يتعلّمون الفنون البحرّيّة، فالأرجح أنّه كان يتعلّم بطولون هندسة بناء السفن وإنشائها. وقام من فرنسا في أواسط سنة 1829م.

النموذج السابع: يوسف أفندي الأرمني: أُرسل إلى فرنسا لتلقّي علم الفلاحة، وكان يتلقّاها في بلدة (روفل)، وكان راتبه الشهري خمسمئة قرش. قام من فرنسا في أوائل سنة

(147)

1832م. وترقّى فيما بعد إلى ناظر مدرسة الزراعة بنبروه، ثمّ ناظر بساتين محمّد علي وأنجاله، وباسمه سُمّيت الفاكهة المعروفة بيوسف أفندي لأنّه هو الذي أوجدها بمصر.

النموذج السابع: عمر زاده أمين أفندي الإسلامبولي: بُعث إلى فرنسا ليتلقّى فنّ صبّ المعادن وصنع الأسلحة. وكان راتبه الشهري أربعمئة قرش. قام من فرنسا أوائل سبتمبر سنة 1832م، وترقّى فيما بعد إلى مدير مصلحة البارود (الكهرجلات) ونال رتبة بك.

النموذج الثامن: محمّد مظهر أفندي: بُعث إلى فرنسا لتلقي الهندسة بها، ثمّ سافر منها إلى إنجلترا في أكتوبر سنة 1835م للسياحة وتطبيق العلم على العمل. وكان راتبه الشهري أربعمئة قرش. قام إلى مصر في أواخر هذه السنة. وهو المهندس المشهور الذي بنى منار الإسكندريّة ثمّ القناطر الخيريّة وترقّى فيها بعد إلى وزير الأشغال ونال رتبة الباشوية وتوفي سنة 1873م.

النموذج التاسع: مصطفى محرمجي: بُعث إلى فرنسا لتلقّي الهندسة بها. ثمّ سافر منها إلى إنجلترا في أكتوبر سنة 1835م للسياحة وتطبيق العلم على العمل. وكان راتبه الشهري مئة قرش. قام إلى مصر في أواخر هذه السنة. وقد عُرف فيما بعد باسم بهجت. وهو بهجت باشا المشهور بآثاره الهندسيّة وناظر المعارف والأشغال وكانت وفاته سنة 1872م.

النموذج العاشر: رفاعة رافع الطهطاوي: وهو النموذج الأبرز والأهم والذي سوف نستفيض في بيان آثاره على المجتمع المصري؛ وذلك لغزارة إنتاجه وتنوّع اطّلاعه، وتلاقي معظم أفكاره مع أفكار محمّد علي باشا وطموحاته.

فقبل أن نبدأ في عرض نبذة عن حياة الشيخ رفاعة الطهطاوي وأفكاره التنويريّة والنهضويّة، علينا أن نؤكّد على أنّ محمّد علي والي مصر آنذاك، له الدور الأكبر في إحداث النهضة العربيّة التي بادرت إليها مصر أثناء حكمه للبلاد؛ حيث إرسال البعثات العلميّة إلى البلدان المتقدّمة والمتمدّنة، فكان محمّد علي يؤمن بأنّ النهضة الحقيقيّة هي التي تقوم على أسس علميّة، وقوّة عسكريّة مستقلّة بذاتها، ولهذا سعى إلى محو الخرافات

(148)

التي تعيق التقدّم من خلال الانفتاح على المجتمعات المتقدّمة، وإرسال البعثات العلميّة إليها، وحاول تحقيق القوّة العسكريّة من خلال تكوين وإنشاء جيش وطني خالص. وشخصيّة محمّد علي كانت هي الشخصيّة التي يحاول الطهطاوي الوصول إليها في حكم البلاد، وذلك لأنّه يتمتّع بشخصيّة سياسيّة تصبو نحو التقدّم والمدنيّة، وكذلك تؤمن بالعلم وأهميّته في إحداث النهضة. وهذا ليس بالغريب، فالطهطاوي يجعل السياسة (الحكميّة) الحاكم - شرطًا من شروط تحقيق المدنيّة والوصول إلى تمدّن الأوطان.

وُلد رفاعة الطهطاوي في الخامس عشر من أكتوبر 1801م، السابع من جمادى الثانية 1216هـ، في مدينة طهطا، إحدى مدن محافظة سوهاج[1]. وتوفّي في القاهرة 1873م. ويعدّ رفاعة الطهطاوي أحد أركان النهضة العلميّة العربيّة، وإمامها في مصر، حاول بقدر المستطاع أن ينقل الثقافة الغربيّة إلى اللّغة العربيّة، ليعبر بوطنه في زمن قصير إلى آخر ما وصلت إليه البلاد الغربيّة في العصور الطويلة، ويُسهل على الدارسين العلم والمعرفة، وذلك من خلال تدريسه في الأزهر أو مدرسة الألسن، أو من خلال كتبه المؤلّفة أو المترجمة من خلال الصحف والمجلّات[2].

فكان رفاعة الطهطاوي برؤيته الواسعة يهتمّ بكافة الجوانب التي تتعلّق بالنهضة والسبيل نحو التقدّم، ويتبيّن لنا من خلال توجيه النظر إلى كتاباته التربويّة والسياسيّة أنه كان من المعجبين بالفكر الغربيّ، لا سيّما فكر فلاسفة العقد الاجتماعي، وفلاسفة التنوير، وفلاسفة الثورة الفرنسيّة من أمثال روسو، مونتسكيو وفولتير وغيرهم من قادة الفكر في أوروبا. فوجد الطهطاوي ضالّته في الفكر الغربي والحضارة الغربيّة، ولكن هذا ليس على حساب التراث، فكان الرجل يتطلّع إلى التقدّم والتمدّن الأوروبي، ويحاول أن ينقل هذا النموذج الذي تقبله مجتمعاته العربيّة والإسلاميّة، ولا ترفضه طالما أنّه يؤدّي إلى تحسين أحوال معيشتها[3].

(149)

فمن الإنصاف أن يقال: «إن الطهطاوي عندما سافر إلى فرنسا كانت لدية رؤية واعية للذات، والمعرفة بالإسلام والاعتزاز به، مع الرؤية الشموليّة له، ما عصمه من أن يحدث له مثلما حدث لغيره، من صدمة حضاريّة ناشئة عن الفارق الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب عليها من شعور بالانهزام أمام أضواء تلك الحضارة، ومن ثمّ محاولة استنساخها، وإعادة إنتاجها في بلاد الشرق، دونما مراعاة لحساسية الانتماء وطبيعة التربة»[1].

 ولا شكّ في أن الاعتزاز بالنفس وإدراك الذات لذاتها يعصمها من الانحناء أمام المركزيّة الغربيّة التي تحاول أن تفرض ثقافتها وأيديولوجيتها على القاصي والداني من الأمم. ومن الإنصاف أن نقول إنّ الرؤية لم يكن ليُكتبَ لها النجاح الفكري دون إيمان القيادة السياسيّة ودعمها، الممثّلة في محمّد علي باشا؛ الذي يمكن أن نقول عنه إنه من أوائل الرجال الذين أدركوا خطر التبعية والتماهي مع الغرب الذي يؤول في النهاية إلى فقدان الذات وطمس الهويّة. فجاءت رؤية الحاكم متطابقة مع رؤية المفكّر، فكُتب لها الفلاح.

فكانت ثقافة رفاعة الطهطاوي الدينيّة قد حمته من الانجراف عند الأخذ عن الحضارة الأوروبيّة، الأمر الذي يجعله ينظر إليها نظرة واعية، مدركة لما يأخذه وما يرفضه، وبفهم عميق مكّنه من تقديم صياغة حضاريّة لأسلوب التعامل، يتّفق مع إسلامه الذي يعتزّ به، والذي آل على نفسه ألّا يستحسن إلّا ما لم يخالفه، وحول ذلك يقول: «ومن المعلوم أني لا استحسن إلّا ما لم يخالف نصّ الشريعة الإسلاميّة على صاحبها أفضل الصلاة وأشرف التحية»[2]. ويربط التمدّن والتقدّم بالشرع فيقول: «إنّ من أسباب التمدّن في الدنيا التمسّك بالشرع»[3]. فالعلوم الشرعيّة خير حافظًا للأمم إلى جانب العلوم الدنيويّة، وهذا ما أدركه

(150)

لطهطاوي مبعوث مصر إلى فرنسا، في البعثة الثالثة 1826م.

وفي البداية لم يكن الطهطاوي من طلّاب هذه البعثة، بل رشّحه لصحبتها أستاذه الشيخ حسن العطار، كي يقوم لطلابها بالوعظ والإرشاد، ويؤمّهم للصلاة، ثم انضمّ إلى طلّاب البعثة، خاصّة بعد اكتشاف الحكومة المصريّة رغبته في العلم واستقرائه، وبدأ رفاعة رحلته في فرنسا، حيث قام بتعلّم اللّغة الفرنسيّة، وتعلّم الهجاء في ثلاثين يومًا، وذلك محاولة منه لمعرفة لغة الفرنساويّين ليترجم كتاباتهم وعلومهم إلى العربيّة، وانهمك ليلًا نهارًا في القراءة والدرس والتحصيل، وفي عام 1828م عُقد أوّل امتحان لأفراد البعثة، وكان رفاعة قد اجتاز الامتحان ومعه عدد من المصريّين[1].

ترك الطهطاوي مؤلّفات كثيرة، تنمّ عن ثقافة موسوعيّة تناولت بالنقد والتمحيص حقولًا معرفيّة كثيرة، كالتربية، والتاريخ، والجغرافيا، وأصول المعادن، والهندسة، والطب، والسياسة، والحقوق الطبيعية وأصولها. كل ذلك بفكر منفتح متعمّق، فهو حقًّا رائد الإصلاح والتنوير، وممن أرسوا دعائم النهضة الحديثة، وكانت كتاباته تمثّل السفينة التي من خلالها يمكن لنا النجاة من حالة التخلّف والركود في كافة أطر الحياة، ومنها:

1- «تخليص الإبريز في تلخيص باريز». أو «الديوان النفيس بإيوان باريس». وهو الكتاب الذي قال عنه المستشرق «كوسات دى برسفال» (1759-1835م) «الكتاب الذي أراد أن يوقظ به (الطهطاوي) أهل الإسلام، ويُدخل عندهم الرغبة في المعارف المفيدة، ويُولّد عندهم محبّة التمدّن الإفرنجي والترقّي في الصنائع المعاشية»[2]. «ويعدّ تخليص الإبريز من أهم كتب الطهطاوي؛ لأنّه قدّم ولأوّل مرة باللّغة العربيّة صورة جديدة للحياة السياسيّة، والعلميّة، والثقافيّة، والاجتماعيّة في باريس مع مقارنتها بجوانب الحياة في مصر، وأراد أن ينقل كل ما وصلت إليه فرنسا في مدارج التمدّن على المستويات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة إلى بلاد الشرق وخاصّة إلى الدولة المصريّة الحديثة،

(151)

محاولًا جعل مصر صورة من الحضارة الغربيّة، لا سيّما المجتمع الفرنسي الحديث»[1].

2- «مناهج الألباب المصريّة في مباهج الآداب العصرية». «وقد خصّصه الطهطاوي للكلام عن التمدّن والعمران وأودع فيه فكره الاجتماعي، وطُبع في حياته عام 1869م»[2].

3- «المرشد الأمين في تربية البنات والبنين». «وهو الكتاب الذي خصّصه لفكرة التربية (تربية سياسيّة، دينيّة، أخلاقيّة)، وذكر فيه آراءه عن فكرتي الوطن والتمدن، وكانت طبعته الأولى عام 1873م»[3].

ولرفاعة الطهطاوي بعض الترجمات التي كان ينقّحها ويلحقها بمؤلّفاته، «ولعل هذا لعدم براعته في الترجمة، مما جعله يقحم آراءه داخل المؤلّفات التي يترجمها»[4]. وقد يكون سبب هذا الإقحام مقصودًا من الرجل، وذلك رغبة منه لمقارنة ثقافة الغرب بثقافة الشرق الإسلامي. وخاصّة أنّ المؤلّفات والترجمات كان يهدف من ورائها إلى تثقيف وتعليم المصريّين والعرب والمسلمين، لذا فطبيعة هذه الغاية تقتضي التدخل في النصوص المترجمة لإيضاحها وإسقاطها على الواقع العربي والإسلامي آنذاك. ومن هذه الترجمات: «تاريخ القدماء المصريين 1838م، و تعريب القانون المدني الفرنسي 1866م، وتعريب قانون التجارة الفرنسي 1868م، وكتاب قلائد الفلاسفة 1836م، ومبادئ الهندسة 1854م، والمنطق 1838م، وروح الشرائع لمونتسكيو (لم يُطبع)، والدستور الفرنسي، وكتاب الجغرافيا العموميّة. تأليف ملطبرن، وترجمه رفاعة الطهطاوي في أربع مجلّدات، وطُبع دون تاريخ، وأصول الحقوق الطبيعية التي تعتبرها الإفرنج أصلًا لأحكامهم (لم يُطبع)»[5]. هكذا كان رفاعة الطهطاوي مفكّرًا موسوعيًّا لم يدّخر جهدًا في سبيل رفعة وطنه وإلحاقه بركب التقدّم والتحضّر، ورغبة منه وقائده السياسي في الانفكاك من المركزيّة الغربيّة والتبعيّة لها.

(152)

وفي النهاية فإنّه لا خلاف على أن الطهطاوي من أهم روّاد النهضة المصريّة، «وأنه شكّل مع حسن العطار، وعبد الرحمن الجبرتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمّد عبده، وعلي مبارك، وعبد الله النديم، وعدد آخر من خريجي البعثات ثريا عظيمة ذات مصابيح ساطعة أضاءت سماء مصر.

وقد اعتمد محمّد علي باشا على الشيخ رفاعة في جزء كبير من مشروعاته في مصر، فقد ارتاد الطهطاوي فكريًا المجالات السياسيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والتعليميّة، والصحيّة، والزراعيّة، والصناعيّة، والعسكريّة، وتناول هذه الأمور بوعي وانتماء وطني ورحابة أفق، وإيمان بقدرة مصر على التخلّص من التخلّف والعجز والقدرة على النهوض والتقدّم. كما صاغ رفاعة فكر النهضة بأسلوب يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين ثقافة الشرق وثقافة الغرب، وحرص على الجمع بين المناسب والمفيد، فالتراث عند رفاعة يجمع ما هو روحي في الدين، ومادي في الحضارة وعمراني في المجتمع، ووجداني في الأدب»[1].

المحور الرابع: آليّات دحض وتقويض المركزيّة الغربيّة

قام الغرب بتسويق حضارتهم، وفرضها على أنها هي حضارة الإنسانية، والتقدّم والرقي، في مقابل إقصاء وتجاهل تامّ أو إخضاع لحضارة الأمّة (العربيّة والإسلاميّة)، وكذا الحال مع الحضارات الأخرى، وهو ما حقّق لها درجة من التسويق، لم يُتح لغيرها من الحضارات، فاكتسبت بذلك درجة من الهيمنة والسيطرة[2]. وتتضح أشكال الهيمنة والسيطرة في نقطتين: الأولى: هيمنة المركزيّة الغربيّة ومحدّداتها الثقافيّة والأيديولجية وممارستها، اختزالًا للثقافات غير العربيّة، على اعتبار أنّ الثقافة الغربيّة هي الثقافة الكونيّة الشاملة. -وهي نقطة يُعاب عليها الغربي؛ حيث الغطرسة والالتفاف حول فكرة الحضارة المعجزة التي نشأت كنبت شيطاني دون أن تتأثّر بغيرها من الحضارات السابقة- والنقطة

(153)

الثانية، الاستجابة السلبيّة لمعطيات تلك المركزيّة من قِبل الثقافات الأخرى، ومن ضمنها الثقافة العربيّة، والإسلاميّة، والتي رهنت نفسها بعلاقة امتثاليّة للثقافة الغربيّة -وهي نقطة يُعاب عليها كل من ارتضى بأن يكون تابعًا لغيره فردًا كان أو حضارة، كل من استسلم لغيره وبات خانعًا مُهيئًا للاستعمار-[1]. فالمركزيّة في عمومها في الأطراف، فأقصى اليمين تحكمه العنجهيّة الحضاريّة، وأقصى اليسار أرض خصبة لقبول كافّة الأفكار الغريبة عنه ومهيّئًا للاستعمار، وهو ما عبّر عنه المفكّر الجزائري المسلم مالك بن نبي (1905-1973م) بمسمى معيار القابليّة للاستعمار، والذي جعل من التأهيل اللإنساني والاجتماعي بوابة لصنع الحضارة. فكيف نبني حضارتنا ونتخلّص من التبعيّة للمركزيّة الغربيّة.

ولا سبيل للإصلاح والخروج من الأزمة إلا من خلال المصارحة والمكاشفة والاعتراف بالقصور، وهذا ما أوضحه عبد الصبور شاهين في تقديمه لكتاب شروط النهضة لمالك بن نبي، إذ يقول: «إن الاستعمار ليس مجرّد عارض، بل هو نتيجة حتمية لانحطاطنا: هذه هي المشكلة، ولا جدوى من فكرة لا تسلّم بهذا المسلَّم الأساسي الذي يبرزه بن نبي وهو يؤكّد أنّه (لكي لا نكون مُستعمَرين يجب أن نتخلّص من القابليّة للاستعمار) هذة الجملة البسيطة هي، فيما اعتقد، الإشعاع النوراني الأوّل، الذي استرسل ليُنير حلبة الصراع لنا، ولقد أضاءها من قبل نور تلك الآية المذكورة هنا كأساس للنظرية كلّها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[2].

فعلى الأمم وأفرادها وقادتها أن يضعوا فكرة التغيير نصب أعينهم ويستجيبوا للتحولّات والتغيّرات الاجتماعيّة والسياسيّة، وهذا ما أكّده الكاتب الاجتماعي بورك، وأكّده مالك بن نبي إذ يقول: «إنّ الدولة التي لا تملك الوسائل لمسايرة التغيّرات الاجتماعيّة لا تستطيع أن تحتفظ ببقائها»[3]. ويستطرد مالك بن نبي في بيان سبب الأزمة مقرونًا بحلّها، فنجده

(154)

يقول: «لقد أصبحنا لا نتكلّم إلّا عن حقوقنا المهضومة، ونسينا الواجبات، ونسينا أنّ مشكلتنا ليست فيما نستحقّ من رغائب، بل فيما يسودنا من عادات، وما يراودنا من أفكار، وفي تصوّراتنا الاجتماعيّة، بما فيها من قيم الجمال»[1].

إنّ السبيل الأوّل للخروج من عباءة ووصاية المركزيّة الغربيّة والاستعمار هو بناء الوعي والقدرة على تجاوز الآخر والانفكاك من دائرته وفلكه، وهذا ما يؤكّده مالك بن نبي في شروط النهضة، فيقول: «وليس ينجو من الاستعمار وأجناده، إلّا إذا نجت من أن تتّسع لذلّ مستعمر، وتخلّصت من تلك الروح التي تؤهّله للاستعمار. ولا يذهب كابوسه عن الشعب -كما يتصوّر بعض- بكلمات أدبيّة أو خطابيّة، وإنّما بتحوّل نفسي، يصبح معه الفرد شيئًا فشيئًا قادرًا على القيام بوظيفته الاجتماعيّة، جديرًا بأن تُحترم كرامته، وحينئذٍ يرتفع عنه طابع «القابليّة للاستعمار»، وبالتالي لن يقبل حكومة استعماريّة تنهب ماله، وتمتصّ دمه، فكأنّه بتغيير نفسه قد وضع حاكميه تلقائيًّا إلى الوضع الذي يرتضيه»[2].

فأوّل ما يجعلنا نهدم ونقوّض المشروع الغربي الداعم للمركزيّة الغربيّة، هو نقض المشروع نفسه، وذلك لا يمكن وكما أسلفنا إلّا من خلال الإرادة الذاتيّة، وهذا هو ما حاول المفكّر الموسوعي حسن حنفي التأكيد عليه، يدعو حسن حنفي إلى ما يسمّى بعلم الاستغراب لمجابهة الاستشراق وخطره على الفكر العربي الإسلامي. وينطلق حسن حنفي من أساس نفسي في دعوته للاستغراب. فيضع هذا العلم لتعويض عقدة النقص الناجمة عن التفوّق الغربي. فالهدف من علم الاستغراب عند حسن حنفي هو تحجيم الغرب وردّه إلى حدوده الطبيعيّة وإنهاء الغزو الثقافي، لأنّ إعادة الشعور لا تتمّ إلّا بالقضاء على اغترابه، وإعادة ربطه بجذوره القديمة. حتى لا يظلّ الغرب المرجعيّة المعرفيّة التي يرد إليها كل شيء. فالاستشراق ليس علمًا على الإطلاق يكشف عن حقيقة، بل هو سلاح

(155)

في أيدي الدول الغربية لتحجيم الأنا الشرقي وهيمنة الآخر الغربي[1].

فالاستشراق يعتبر الأداة المعرفيّة التي تنطلق من خلالها قوى المركز في دراسة حضارة الشرق وثقافته للتوصّل إلى السيطرة عليه، ومنعه من أيّة محاولة للتخلّص من تلك السيطرة[2]. وحول ذلك يبيّن محمود محمّد شاكر خطر الاستشراق، فيقول: «الاستشراق هو عين الاستعمار التي بها يُبصر ويحدّق، ويده التي بها يحسّ ويبطش، ورجله التي بها يمشي ويتوغّل، وعقله الذي به يفكّر ويستبين، ولولاه لظلّ في عميائه يتخبّط، ومن جهل هذا فهو ببداءة العقول ومسلماتها أجهل»[3].

ولهذا ينبغي إقامة مشروع حسن حنفي -الاستغراب- من أجل التحرّر من تبعيّة المعرفة الاستشراقيّة، وكردّ فعل عليها بناء معرفة عربيّة إسلاميّة تتأسّس لا على الهيمنة وسلطة إنتاجها، بل على مبادئ التكامل المعرفي والتكافؤ في القوّة. فمثل تلك المشروعات يمكن لها أن تقوّض المركزيّة الغربيّة وغيرها من المشروعات الفكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي تحاول إغفال دورنا الحضاري.

ولا شكّ أنّ المشروعات الفكريّة أمثال مشروع حسن حنفي، ومالك بن نبي، ورفاعة الطهطاوي، ومحمّد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وجمال الدين الأفغاني، وغيرهم من المفكّرين هي نتاج الثقافة التي تكوّنت نتيجة البعثات العلميّة التي أنارت العقول وأيقظت الأذهان وأحيت الروح وبثّت فيها الحماسة والرغبة للتغيير، تارة مقلّدة، وأخرى مبدعة، وثالثة انتقائيّة تجمع بين محاسن الثقافتين الغربيّة والإسلاميّة. فلا يمكن لنا أن ننكر دور البعثات العلميّة في إحداث النهضة العربيّة والإسلاميّة وتقويض أسس المركزيّة الغربيّة وآليّاتها من خلال إيجاد وبناء كوادر فكريّة، واقتصاديّة، وسياسيّة حملت مشعل التنوير وحمت الأوطان من هيمنة وسيطرة الثقافة والحضارة الغربيّة، وجعلتها مركز الإنسانيّة، وجعلت ما خلاها من حضارات تابعة لها.

(156)

الخاتمة

وبعد ما تقدّم من عرض للدور الذي نقوم به البعثات العلميّة في نهضة المجتمعات وتنمية كوادرها. وعرض لأهم وأبرز أفراد البعثات العلميّة. وبيان آليات دحض و تقويض أسس المركزيّة الغربيّة وآليّات ، يمكننا أن نوجز أبرز النتائج التي توصّلت إليها الدراسة على نحو ما يلي:

 أدّت البعثات العلميّة دورًا كبيرًا في تقويض أسس ودعائم المركزيّة الغربيّة؛ حيث نجح طلّاب البعثات في نقل تجربة المدنيّة الغربيّة إلى مجتمعاتهم العربيّة والإسلاميّة. فبعد عودة البعثات من أوروبا (إيطاليا وفرنسا وإنجلترا والنمسا... إلخ) حاول طلّاب تلك البعثات الوقوف على أسباب تقدّم الغرب وسبب تخلّف مجتمعاتهم عن الركب الحضاري، فقدّموا مشروعاتهم الفكريّة والسياسيّة للنهوض بمجتمعاتهم، لا سيّما أنّهم وبعد عودتهم شغلوا وظائف مهمّة داخل الدولة، وصاروا من كوادرها الإداريّة ونُخبها الفكريّة والعلميّة، فمنهم من شغل منصب وزير في حكومات بلادهم، وبهذا شاركوا رجال الدولة في رسم معالم النهضة والتمدين.

تُعدّ البعثات العلميّة من أهمّ العوامل التي أدّت إلى احتكاك الثقافة العربيّة والإسلاميّة بالثقافة الغربيّة، ووثّقت الاتّصال بينهم -على الصعيد الفكري على أقلّ تقدير قبولًا ورفضًا لمعطيات وأسس الحضارة الغربيّة-. وكذلك أدّت إلى تكوين فهم للعقليّة الأوروبيّة وطبيعتها.

 كان لرجال السياسة عظيم الفضل في إنجاح مشروع البعثات العلميّة، فلولا إيمان قادة الدول والمجتمعات بالعلوم ودورها في النهضة والتقدّم، ما كان لتلك البعثات أن تُفد وتتوسّع وتتعدّد، وخير دليل على ذلك حاكم مصر محمّد علي باشا الذي يمكن أن نعدّه أوّل من أدرك خطر المركزيّة الغربيّة، فحاول إزاحتها عن مصر من خلال الاستقلال بحكم البلاد، ومحاولته تكوين جيش وطني خالص للدفاع عن حلمه ومشروعه، وكذلك اهتمامه بتطوير البلاد في كافة المناحي التجاريّة والزراعيّة والصناعيّة والعسكريّة والفكريّة؛ حتى

(157)

لا تجبره الحاجة والعوز للرضوخ لأحكام الغرب. ولم يكتف الرجل بإرسال البعثات العلميّة، بل كان حريصًا على مساهمة خرّيجي هذه البعثات في دفع عجلة النهضة. فكان محمّد على رائدًا للنهضة ومحاربًا للمركزيّة الغربيّة، ولا يزال الرجل ملهمًا لكلّ قائد يحاول أن يبني وطنه بعيدًا عن وصاية القوى الخارجيّة.

 إنّ فكرة المركزيّة الغربيّة التي تسيّدت الساحة الفكريّة والفلسفيّة الآن، هي ليست فكرة جديدة، بل قديمة قدم نشوء فكرة الحضارة، فوجدناها تحت ما يُسمّى المعجزة اليونانيّة. والآن ومنذ زمن تتسلّل إلينا تحت مسمّيات نهاية التاريخ، وصراع الحضارات، وحوار الحضارات، وعصر الأيديولوجيا، وهي أفكار تهدف إلى تغليب الغرب باعتباره المركز وقهر ما سواه باعتبارهم أطرافًا. وعلينا أن ننتبه لخطر تلك الأفكار ونحاول تفنيدها حتى لا يحدث شرخ في هويّتنا، ولعلّ المشروع الذي أسس له حسن حنفي (مشروع الاستغراب) من أهمّ المشروعات التي بات من الضروري للدول العربيّة والإسلاميّة أن تتبنّاه وتُجنّد من أهل الاختصاص من يقوم عليه. ولا شكّ أن البعثات العلميّة كانت سببًا من الأسباب التي أفقدت الغرب هيمنته على المجتمعات العربيّة، لا سيّما مصر؛ حيث ظهر جيل من المفكّرين أدرك خطر الارتماء في أحضان الغير، فعمل على نشر الوعي بذلك جيلًا بعد جيل.

(158)

قائمة المصادر والمراجع

1.إبراهيم، سامية حسن، الجامعة الأهلية بين النشأة والتطوير، مركز تاريخ مصر المعاصر، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 1985م.

2.إبراهيم، عبد الله، المركزية الغربية - إشكاليّة التكوّن والتمركز حول الذات، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت - لبنان، ط2، 2003م.

3.أبو علم، محمّد صبري، رفاعة الطهطاوي - رؤية من قريب، مكتبة الإسكندريّة، د.ت.

4.بدران، شبل، روّاد الفكر التربوي، دار المعرفة الجامعية، 2001م.

5.بن نبي، مالك، مشكلات الحضارة - شروط النهضة، ترجمة: عبد الصبور شاهين – عمر كامل مسقاوي، دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر، سوريا - دمشق، 1979م.

6.تاجر، جاك، حركة الترجمة بمصر خلال القرن التاسع عشر، دار المعارف - القاهرة، 1945م.

7.الجزار، أحمد محمود، رواد الفكر المصري الحديث، دار الكتب الجامعية، د. ت.

8.حجازي، محمود فهمي، أصول الفكر العربي الحديث عند الطهطاوي، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، د.ت.

9.حمزاوي، حامد حسن إبراهيم، مشكلة التمدّن في مطلع عصر النهضة العربيّة - القرن التاسع عشر، رسالة ماجستير غير منشورة، إشراف: أ.د عبد الحي محمّد قابيل، محمود حميدة محمود، كلية الآداب - جامعة أسيوط، 2016م.

10.حنفي، حسن، مقدمة في علم الاستغراب، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1991م.

11.الرافعي، عبد الرحمن، عصر محمّد علي، دار المعارف، القاهرة، ط3، 1989م.

12.الشافعي، محمّد، رفاعة الطهطاوي رائد النهضة، المجلس القومي للشباب (الإذاعة والتلفزيون) د.ت، 2008م.

(159)

13.شاكر، محمود محمّد، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، دار المدني، جدة، 2015م.

14..الطهطاوي، رفاعة، الأعمال الكاملة - لرفاعة الطهطاوي، تحقيق: محمّد عمارة (التمدن والحضارة والعمران)، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 2010م.

15.ـــــــــــــــــ، المرشد الأمين للبنات والبنين، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 2010 م.

16.ـــــــــــــــــ، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، تحقيق: محمود فهمي حجازي، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1975 م.

17.طوسون، عمر، البعثات العلميّة في عهد محمّد علي ثمّ في عهدي عباس الأوّل وسعيد، مطبعة صلاح الدين - الإسكندريّة، 1934م.

18.الغامدي، عبد اللطيف بن عبد الله بن محمّد، المركزية الغربية وتناقضاتها مع حقوق الإنسان.

19.نصار، عصمت، الفكر المصري الحديث بين النقض والنقد، تصدير عاطف العراقي، د.ن، 1996م.

(160)

الفصل الثالث

الاستعمار الاقتصادي

 

- تطوّر الاقتصاد المصري من الحرب الأولى إلى ثورة 1952م

- الاقتصاد المصري في ظلّ الاستعمار البريطاني

- الاستعمار الفرنسي لمصر في ظروفه الزمانيّة والمكانيّة

(161)
(162)

تطوّر الاقتصاد المصري من الحرب الأولى إلى ثورة 1952م

معضلة التبعيّة للكولونياليّة

شريف إمام[1]

تمهيد

تُمثَّل الحرب العالمية الأولى حدًّا فاصلًا في مسيرة الاحتلال البريطاني لمصر، حيث أجبرته على أن يُفصِّح عن حقيقته ويُحدّد وضعه القانوني بدقّة، بعد أكثر من عقدين من المراوغة ودعاوى عدم ديمومته، وأن ظروف إنهائه لم تنضج بعد. فقد وجدت بريطانيا أن السيادة الاسمية التي ارتضتها للدولة العثمانية على مصر بعد دخولها عام 1882م، بات تحدّيًا كبيرًا بعد أن مال العثمانيون إلى الألمان، وخشيت لندن من أن تصبح مصر بؤرة توتّر لنفوذ بريطانيا في المنطقة؛ لذا أعلنت بريطانيا الحماية على مصر في ديسمبر 1914م، وظلّت قائمة حتى ارتأت سلطة الاحتلال تحت وطاة حركة الجماهير في 1919م أن تعطي مصر استقلالًا منقوصًا، ما لبثت أن وسّعته بإعادة تنظيم العلاقة بمقتضى معاهدة 1936م، والتي خفَّضت من التواجد العسكري في مصر وجعلته منحصرًا في منطقة القنال، وصار ممثل بريطانيا سفيرًا وليس مندوبًا ساميًا، وأنهت الامتيازات الأجنبيّة. لكن هذا الحيّز من الاستقلال لم يسمح لمصر باستقلال قرارها السياسي والاقتصادي، وما حادثة 4 فبراير 1942م وإجبار الملك على تعيين مصطفى النحاس رئيسًا للوزراء، إلّا تأكيدًا لهذا الدور الذي لا يبتعد عن ممارسات كرومر في أيام الاحتلال الأولى.

(163)

وهكذا ظلّت التبعية السياسيّة قائمة لسلطة الاحتلال البريطاني حتى الجلاء، أما التبعية الاقتصاديّة، فقد عبّر عنها هيمنة رأس المال الأجنبي على الاقتصاد المصري، ودمجه في الاقتصاد الرأسمالي، بجعله وحدة إنتاجية متخصّصة في إنتاج القطن، مع ضرب القطاع الصناعي وربط العملة المصريّة بالجنية الإسترليني، وإجهاض أي محاولة للبرجوازيّة المحلّيّة للشبِّ عن الطَّوْق، وتهدف هذه الورقة إلى تتبّع نقاط الارتكاز في تطور الاقتصاد المصري من 1914 وحتى 1952م، مع إبراز جدلية العلاقة بين البرجوازيّة المحلّيّة ورأس المال الأجنبي.

1- اندماج مصر في الاقتصاد العالمي وميلاد البرجوازيّة المحلّيّة

قبيل الحرب العالمية الأولي، كان الاقتصاد المصري يتنازعه جناحان، الرأسمالية الأجنبيّة الوافدة الآخذة في التغلغل في كل مفاصل الاقتصاد، وبرجوازيّة محلّيّة وليدة -عمادها طبقة كبار الملّاك- وباحثة عن مزاحمة رأس المال الأجنبي، وإن كان من بوابة الشراكة معه أكثر من إقصائه. وبالنسبة للرأسماليّة الأجنبيّة، فإنّها وجدت في فرض معاهدة لندن سنة 1840م على محمّد علي، نجاحًا في القضاء على محاولة التنمية التي شهدتها مصر في عهده، رغم ارتباطها العضوي بالغرب، وإعادةً لدمج مصر في الاقتصاد العالمي[1]. فلقد حاول محمّد علي بناء اقتصاد مستقلّ في إطار السوق العالمي يرتكز على بناء صناعي، وإذا كانت هذه المحاولة لم تنجحْ، فإن ما تمّ خلالها من تغيير في الاقتصاد المصري نحو اقتصاد مبادلة ساعد من عمليّة إدماجه في السوق الرأسماليّة العالميّة، كاقتصاد تابع يخضع لسيطرة لرأس المال الأجنبي[2]. بل إنّ قضاء محمّد علي على الطبقة الوسطى المصريّة الوليدة ممثلة في المشايخ والتجّار والحرفيّين، سهّل

(164)

مهمّة رأسمال الأجنبي، فلم يُوَاجه بمقاومة إلّا في أواخر القرن التاسع عشر[1]. وبانضمام مصر إلى السوق العالميّة، بدأ رأس المال يتوافد إليها، حيث كانت أوروبا قد دخلت في عصر الحرّيّة التجاريّة، بشكل جعل السوق المصريّة ميدانًا للتنافس بين دولها[2]. وبدأ المصرفيّون الأوروبيّون يفدون على مصر، وأخذوا في تأسيس البنوك وتمويل التجارة، وعند نهاية عام 1855م كان قد تمّ إنشاء ثلاثة من هذه البنوك الأوروبيّة، وفي عام 1856م افتتح البنك الرابع، وسمّي بنك مصر برأس مال إنجليزي[3].

كان الجزء الأكبر من الاستثمارات الأجنبيّة حتّى اندلاع الحرب العالميّة الأولى، في قطاعات لم يكنْ لمصر بها من قبل سابق عهد، مثل الشركات المساهمة والبنوك والأعمال التجاريّة والتأمين، كما شكل إقراض الحكومة جزءًا من تلك الاستثمارات، لا سيّما في مرحلتها المبكرة[4]. ووفقًا لدراسة كراوتشلي (A. Crouchley) فإنّ 91% من أصول الشركات العاملة في مصر حتى 1912م كان يملكها رأس المال الأجنبي، في حين لم يحظَ رأس المال المحلّي بأكثر من 9% من أصول تلك الشركات. وترَكَّزَت تلك الاستثمارات في ثلاث دول هي فرنسا وبريطانيا وبلجيكا[5]، وشكّلت القطاعات الخدميّة وقطاع الزراعة وما يتّصل بها من الريّ والصرف واستصلاح الأراضي البور، النسبة الأكبر في هذه الاستثمارات[6]. على النحو الذي يوضحه الجدول التالي:

(165)

طبيعة النشاط وحجم رأس المال الأجنبي والمحلّي عام 1912م[1]

مراجعة الكتاب 

ولم تحظَ الصناعة باهتمامٍ كبيرٍ، واقتصرت على صناعة السكّر والبيرة ومواد البناء وما شابهها. وكانت سياسة الاحتلال البريطاني، ترتكز على تدمير الصناعة المصريّة، وهذا ما عبّر عنه كرومر بقوله: «إنّه لا يجب السماح بقيام صناعة قطنيّة في مصر، لأنّ ذلك سيضرّ بمصالح بريطانيا»[2]. بل إنّ بريطانيا حينما علمت بعزم شركتين بريطانيّتين إقامة مصنع نسيج في مصر، فرضت رسوم إنتاج 8% على الإنتاج المحلّي من المنسوجات، وهو ما يعادل الرسوم الجمركيّة المفروض على المنسوجات المستوردة[3].

أمّا البرجوازيّة المحلّيّة، فعلى الرغم من استمرار ملكيّة الدولة للأراضي الزراعيّة -وحدة الإنتاج الرئيس في الاقتصاد المصري- في عهد محمّد علي، إلّا أنّه سمح للمُنعم

(166)

عليهم بأطيان الرزق، التي كانت موقوفة على أعمال البرّ قبل أن تستولي عليها الدولة، بتوريثها لأولادهم وأحفادهم؛ وبذلك نشأت حقوق ثابتة على الأراضي لفئة من الناس، ثمّ تدعم وضع تلك الفئة بالحصول على حقّ الملكيّة التامّة -بيع وتنازل ورهن- في 1842م[1]. ولقد حملت أزمة الديون في عهد الخديوي إسماعيل على إصدار لائحة المقابلة عام 1871م؛ وهي بمثابة قرض وطني، تعهّدت الحكومة فيه لكلّ من يدفع ستّة أمثال الضريبة المقرّر على الأرض سنويًّا مرّة واحدة، الإعفاء من نصف الضريبة إلى الأبد، وأن تكون ملكيّة على الأرض تامّة؛ وبذلك اتّسع حجم الملكيّة الخاصّة[2]. ومع طرح أراضي أسرة محمّد علي «الدومين» وأسرة الخديوي إسماعيل «الدائرة السنيّة» للبيع، سارع كبار الملّاك للاستفادة من قروض شركات وبنوك الرهن العقاري الأجنبيّة لشراء تلك الأراضي وتوسيع ملكيّتهم[3]. وسمح تحسين أعمال الريّ في عهد الاحتلال في ازدهار زراعة القطن -المحصول الذي تخصّصت فيه مصر وفق آليّات دمج الاقتصاد المصري بالاقتصاد العالمي- وارتفاع سعره، ممّا جعل المال يجري في أيدي كبار الملّاك الزراعيّين، وبدأت تتوسّع ملكيّتهم، وتتعمّق شراكتهم مع رأس المال الأجنبي. وغدت أرض مصر قبل الحرب العالميّة الأولى، يستحوذ 0.8% من الملاك فيها على 43.9% من المساحة، فيما استحوذ 90.7% من الملاك على 26.1% من مساحة الأراض الزراعيّة؛ فيما حاز متوسّطو الملكيّة (أكبر من 5 وأصغر من 50 فدان) على 30% من الأراضي، وكانت نسبتهم 8.5% من مجموع الملّاك[4]. وينبغي الإشارة إلى وجود طبقة أخرى من الرأسماليّين الأجانب من يونانيّين وفرنسيّين وشوام وأرمن وإيطاليّين وبلجيك وغيرهم؛ ممّن استقرّوا بمصر قبل الاحتلال البريطاني ولعبوا دور برجوازيّة كومبرادوريّة،

(167)

وارتبطوا بقوّة بالرأسماليّة الأجنبيّة الوافدة والبرجوازيّة المحلّيّة، ويمكن تسمية تلك الطبقة بالرأسماليّة الأجنبيّة المستوطنة تمييزًا لها عن رأس المال الأجنبي الوافد والذي يعمل من خارج البلاد.

وبذلك يتّضح أنّ الرأسماليّة لم تنشأْ في مصر نتيجة التطوّر الداخلي للمجتمع المصري، وإنّما نتيجة تحوّل الرأسماليّة العالميّة إلى مرحلة الاحتكار والاستعمار. كما أنّ البرجوازيّة التي نشأت في ركابها كانت أداة لاستنزاف موارد البلاد، وأخّرت بشكل كبير نشأة البرجوازيّة الوطنيّة[1]. وهكذا شهدت مصر قبل الحرب العالميّة الأولى سيطرة رأس المال الأجنبي على نشاطها الاقتصادي، الذي وفد إليها محصَّنًا بالامتيازات ومتحصّنًا بسياسة الاحتلال، بشكل جعله طليق اليدين في اختيار النشاط الذي يرغب، وهو الأمر الذي عمّق من تَّبَعيَّة الاقتصاد المصري للاقتصاد الرأسمالي العالمي.

2- معاناة الحرب وتحوّل البرجوازيّة المحلّيّة للتصنيع

أصبحت مصر مُساقة إلى المشاركة في الحرب العالميّة الأولى بمجرّد قيامها، بعد أن صارت محميّة بريطانيّة، وقد أثَّر نشوبها تأثيرًا عميقًا على الحالة الاقتصاديّة لمصر. فلقد سُخّرت كل موارد الاقتصاد لخدمة المحتلّ وحلفائه، فعمد سلطة الاحتلال إلى تسعير أثمان القطن بثمن بخس لفائدتها، وأعطت أوامر بمنع تصديره. وكانت بريطانيا المشتري الرئيسي للقطن في مصر مع احتكار توريد المنسوجات القطنيّة إلى مصر؛ لذا اشتروا بأرخص الأثمان وباعوا المنسوجات بأغلاها. ولقد فُرض على مصر تقليص المساحة المزروعة بالقطن لصالح إنتاج الحبوب الغذائية -في ظلّ تعذّر استيراد القمح-، لسدّ احتياجات البلاد والجيش المحتلّ الرابض على أرضها والذي تمدّد ووصل إلى 275 ألف جندي بريطاني؛ فانخفضت المساحة المزروعة بالقطن في السنة الأولى للحرب بنحو 68%. وقد تعرّض الفلّاحون لمصادرة حيواناتهم وحبوبهم، بل حُدّد مقدار شهريّ

(168)

يتعيّن على كلّ مدينة أن تقدّمه، فالقاهرة مثلًا تقدّم 2500 طن، والإسكندريّة 2000 طن وهكذا[1].

ولقد انتشر رجال الحكومة برفقة سلطة الاحتلال، ينقّبون في منازل الفلّاحين عن الذرة الشاميّة والرفيعة وبذور القطن والبطاطس وغيرها لمصادرتها. كما استُخدمت السكك الحديديّة المصريّة في نقل الجنود والذخائر والمؤن إلى ميادين القتال المختلفة وأماكن تمركز القوّات طوال مدة الحرب، فبليت مع كثرة الأستخدام وأصاب أجزاء منها العطب، وقد أمرت السلطات العسكريّة بجمع المراكب التجاريّة على النيل وخصّصتها للأعمال الحربيّة، ممّا أدّى إلى تعذّر التنقّل؛ فعوّل المصريّون على الدواب، فلم تسلم هي الأخرى، فقد قامت السلطات البريطانيّة الحاكمة بجمع جميع الدواب واستولت عليها لصالحها، بل طلب من العمد والمشايخ في عموم البلاد أن يقدموا كشوفًا وافية تشتمل على عدد الجمال والحمير وأصحابها، وقُبض على أعداد كبيرة من الأهالي لإخفائهم بعض الدواب[2]. ناهيك عن الضرر الذي تعرّضت له الأيدي العاملة الزراعيّة، بعد تجنيد قرابة نصف مليون مصري في ميادين القتال.

وبالنسبة لماليّة الدولة، فالمعلوم أنّها كانت تعتمد اعتمادًا كلّيًّا على القطن في اقتصادها، فلقد شكّل القطن وبذرته 90% من إجمالي صادرات مصر عام 1913م[3]. ومنذ أن بدأت الحرب هبطت أسعاره ونقص محصوله، وتوقّفت الحركة التجاريّة، وهبطت الرسوم الجمركيّة وكادت تقفل أبوابها، ورسوم الموانئ والمنائر مسّها الضرر، وذلك لتنقاص عدد السفن التجاريّة التي تطرق ثغور مصر البحرّيّة، والرسوم القضائيّة والقيديّة نقصت لقلّة المعاملات التي تدعو إلى التقاضي وقلّة عقود نقل الملكيّة، وتراجعت إيرادات السكك الحديد والبريد والتلغراف، ومسّ النقص ايجار الأملاك الأميريّة ومتحصّلاتها التي تأثّرت من جرّاء هبوط أسعار القطن. انعكس كل هذا على أوّل مشروع ميزانيةّ عام

(169)

1915م، فقد نقصت الإيرادات عن العام الذي قبله مبلغ 2.923.000 جنيه. ولقد حاولت الحكومة المصريّة الخاضعة للاحتلال الاقتصاد في النفقات، فقادها تفكيرها إلى التقطير في بند الماهيات والأجور والرواتب، فعمدت إلى إلغاء بعض الوظائف ومنع الترقيات والعلاوات وخفض معدل إصدار الصحف وإنشاء المدارس، وأُوقفت البعثات التعليميّة، وأُلغيت إعانات الطلبة، وأُقفلت المعامل الخاصّة بالمصل، بل واقتُصد في أغذية المسجونين[1].

وجاء ربط الجنيه المصري بالجنيه الإسترليني خلال الحرب العالميّة الأولى ليحكم إطار التبعيّة حول الاقتصاد المصري، فلقد حالت دون استيراد الذهب من الخارج؛ فأُلغى شرط تغطية نصف النقد المصري بالذهب اكتفاءً بأذونات الخزانة البريطانيّة، وأصبح في مقدور بريطانيا إصدار أي كميّة من أوراق النقد المصري من خلال البنك الأهلي -الخاضع لسيطرتها منذ تأسيسه 1898م- دون حاجة إلى غطاء ذهبي، وبمقتضى هذا تمكّنت إنجلترا من الحصول على النقد المصري اللازم لها لشراء محصول القطن وغيره من الغلّات المصريّة، ثمّ سداد نفقات جيوشها بالقطر المصري، دون أن تصبح بها حاجة إلى التنازل عن جزء من الذهب الذي في حوزتها. وتبع ذلك أن أخذ نظام العملة المصريّة ينتمي إلى نظام الاسترليني وتحوّل عن قاعدة الصرف بالذهب[2]. ومع سيطرة الاحتلال على العملة المصريّة، ارتفع معدّل اصدار البنكنوت المصري بشكل أدّى إلى تفشّي ظاهرة التضخّم وارتفاع الأسعار لأكثر من 300% لبعض السلع والمحاصيل[3].

المصدر:  Arthur Crouchley, The economic development of modern Egypt, P.270.

في المقابل، شكّلت الحرب العالميّة الأولى مناخًا مناسبًا لنموّ طبقتي الأقلّيّات الأجنبيّة التي كانت بمثابة رأس المال الأجنبي المُسْتوطِن، وطبقة كبار الملّاك، من

(170)

خلال لعب دور الوسيط تجاري مع رأس المال الأجنبي[1]. وأسهمت الأموال الطائلة التي تجمّعت لدى طبقة كبار الملّاك نتيجة الارتفاع الهائل في أسعار القطن منذ عام 1916م في تحوّل شريحة كبيرة منهم إلى الأعمال الماليّة والتجاريّة[2]، وإن كان الاحتلال تدخّل للحدّ من تلك المكاسب، عندما احتكرت محصول القطن جميعه عام 1918م، وما كان مخزونًا من محصول عام 1917م للاحتفاظ للامبراطوريّة البريطانيّة وحلفائها بالموارد اللازمة لهم، وحدّد ثمن شرائه بـ42 ريالًا للقنطار، في الوقت الذي كان يباع في ليفربول بـ75 ريالًا وفي أمريكا بـ80 ريالًا[3]. لكن هامش الربح الذي تركته بريطانيا سمح بتراكم الثروة في يد كبار الملّاك وتوسيع ثروتهم العقاريّة.

في المقابل، كان لظروف الحرب أثر كبير في دفع عجلة الصناعة، فقد شكّلت الحرب حماية طبيعيّة للسوق المصريّة، بحكم تعثّر وصول المصنوعات الأجنبيّة في ظلّ العمليّات العسكريّة في حوض البحر المتوسط، بذلك ارتفعت أسعار المنتجات الأجنبيّة، ممّا أفسح المجال أمام الصناعة المحلّيّة، فنشطت صناعات الغزل والنسيج والسكّر والجلود والأثاث والكحول، وعادت الحياة تدبّ من جديد في الصناعات الحرفيّة التي أصابتها المنافسة الأجنبيّة بالشلل منذ الاحتلال، وتحوّل جزء كبير من رؤوس الأموال المحلّيّة، بل والأجنبيّة، للاستثمار في القطاع الصناعي[4]. بل إنّ الحكومة المصريّة -التي سيطر عليها كبار الملاك منذ عهد الاحتلال- سعت لحماية الإنجازات الصناعيّة التي تحقّقت إبان الحرب، حيث صدر قرار خاصّ من مجلس الوزراء في ٨ مارس ١٩١٦م بتكوين

(171)

لجنة الصناعة والتجارة، وكان تقرير هذه اللجنة الذي صدر عام 1918م بمثابة الإعلان الشرعي لتحوّل البرجوازيّة المحلّيّة «طبقة كبار الملّاك» إلى برجوازيّة صناعيّة، وبالرغم من أنّ تشكيل اللجنة كان لا يضمّ إلّا ثلاثة مصريّين فقط؛ هم إسماعيل صدقي وطلعت حرب وأمين يحيي، فإنّ قرارات اللجنة جاءت لصالح المصريّين، حيث وضعت دستورًا للتقدّم الصناعي والتجاري، أوصت فيه بتعديل نظام الجمارك، وإنشاء مدارس صناعيّة، وتخفيف الضرائب على الصناعات المحلّيّة، وخفض أسعار النقل بالسكك الحديديّة ومنح حقّ الأفضليّة للمصنوعات المصريّة في المناقصات الحكوميّة، وتقديم إعانات لبعض المشروعات الصناعيّة الهامّة أو الخاصّة باستخراج المعادن، وأكّدت اللجنة أنّ مشكلة الوقود ليست عقبة في سبيل تطوّر الصناعة المصريّة[1]، وأنّ مصر بلد يمكن أن تفلح فيه الصناعة، بل إنّ في مصر مُتّسعًا لإنشاء صناعات جديدة، ولذا عُدّ تقرير لجنة التجارة والصناعة وثيقةً حيّةً في تاريخ مصر الاقتصادي، ونبذًا للبرجوازيّة المحلّيّة لفكرة الاعتماد على الزراعة وحدها كميدان للاستثمار، وتطلّعها إلى آفاق استثماريّة جديدة في قطاعات التجارة والصناعة والتي كانت حكرًا على رأس المال الأجنبي، على أن ارتيادها لهذه الاقطاعات كان بشراكة مع رأس المال الأجنبي المُسْتوطِن، التي رأت فيه شريكًا يمكن العمل معه لتحجيم رأس المال الأجنبي الوافد[2].

لكن علينا القول إنّ الحرب لم تؤثّر على حجم ملكيّة الأجانب في الاقتصاد المصري، فظلّوا يستحوذون على أكثر من 90% من رؤوس الأموال المستثمرَة، وهو الأمر الذي دفع السير برونيّات في مقترحاته للجنة الامتيازات نوفمبر 1918م، بالمطالبة بإنشاء مجلس شيوخ لوضع التشريعات، يكون فيه تمثيل للبريطانيّين والأجانب؛ وذلك لكونهم

(172)

يسيطرون على الاقتصاد المصري[1]. انقضت الحرب، بعد أن أعطت لرأس المال المحلّي والأجنبي المُسْتوطِن، فرصة للتراكم عند انفرادهما بالسوق المحلّيّة، ليصل رأس المال المحلّي الذي نشأ في أحضان رأس المال الأجنبي، إلى نقطة تحوّل كيفيّة تتجلّى في إنشاء بنك مصر على يد نخبة كبار ملّاك الأراضي[2]. وتتحوّل البرجوازيّة المحلّيّة من زراعيّة إلى صناعيّة.

3- بنك مصر ونموّ البرجوازيّة الصناعيّة المحلّيّة

لما وضعت الحرب أوزارها، حاول الغرب العودة إلى الحرّيّة الاقتصاديّة، فسرعان ما تدفّقت الصناعات الأجنبيّة على السوق المصريّة، ولم تصمد الصناعة المصريّة الوليدة أمامها، في ظلّ غياب الحماية الجمركيّة، وضعف القوّة الشرائيّة في السوق المصريّة، بسبب احتدام الفقر في ظلّ ثبات الأجور عند معدلات ما قبل الحرب رغم التضخّم[3]، واضطرّت صناعات كثيرة ناشئة إلى إغلاق مصانعها وورشها. لكن حركة الجماهير في مارس 1919م عمّقت الرغبة في تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي؛ فمثّل عام ١٩٢٠م عامًا حاسمًا بالنسبة للبرجوازيّة المحلّيّة، عندما نجحت في إنشاء بنك مصر، كأوّل محاولة ناجحة لرأس المال المحلّي في الصمود أمام الهيمنة الأجنبيّة، وقد أراد مؤسّسوا البنك، وفي طليعتهم طلعت حرب منع الأجانب من التسلّل إليه، فجعلوا ملكيّة الأسهم منحصرة بالمصريّين وحدهم، كما جعلوا اللّغة العربيّة هي اللّغة المستعملة في معاملاته وسجلّاته، كما أنّ جميع العاملين بالبنك كانوا من المصريّين، باستثناء فرد أو اثنين من الخبراء الأجانب المؤقّتين. ولم يكن بنك مصر بنك تجاريًّا فحسب، وإنّما عمد إلى تجميع المدّخرات لإنشاء المشاريع الاقتصاديّة في صورة شركات مساهمة مصريّة مع الهبوط بقيمة السهم إلى أقل من نصف قيمة السهم الشركات الأجنبيّة، وذلك لجذب

(173)

صغار المستثمرين[1].

ولعب الدور الرئيس في توجيه اهتمام المصريّين في تلك الفترة لميادين استثماريّة أخرى كان هو نفسه أسبق إليها ونجح فيها، وساعد البنك في إثبات وجوده أن أحوال الزراعة لم تكن تشجّع على استمرار الاستثمار فيها بالصورة التي كانت عليها من قبل، ومن ذلك مثلًا الأزمة القطنيّة من سنة ١٩٢٠م حتى سنة ١٩٢٢م، حيث ساعدت الأسعار المنخفضة للقطن على توجيه رؤوس الأموال نسبيًّا نحو الميدان الصناعي والخدمات. وعمد البنك إلى مدِّ يدِ العون للبرجوازيّة المصريّة بهدف تحويلها إلى مجال الاستثمار الصناعي. كما نجح في تحويل عدد من المنشآت الفرديّة وشركات الأشخاص إلى شركات مساهمة؛ كتعبير عن الوعى الاقتصادي بكيفيّة إدارة الشركات[2]. كما لعب دورًا في نداءات السعي لتمصير الشركات الأجنبيّة المسيطرة على اقتصاديّات البلاد عبر شراء أسهمها، بل طالب بفصل النظام النقدي المصري عن النظام البريطاني وحماية الصناعة المصريّة عبر التعريفة الجمركيّة. وقد سار بنك مصر في خطّته وئيدًا حذرًا في ما يتعلّق بإنشاء الشركات حتى لا يعجل بالصدام مع المحتلّ؛ فبدراسة القرارت المؤسّسة للشركات التي أسّسها بين عامي (20/ 1929) نجدها إمّا شركات تجاريّة أو مؤسّسات ائتمانيّة أو صناعة قطنيّة تتعامل مع تصدير القطن، مثل شركات مصر لحلج الأقطان، ومصر للغزل والنسيج المحلّة الكبرى، ومصر لنسج الحرير حلوان، وشركة مصر للغزل والنسيج الرفيع كفر الدوار[3]. كما أنّه لم يشارك سوى عدد قليل من المصريّين (في مقابل المتمصّرين) في تأسيس هذه الشركات.

(174)

( تتطوّر بنك مصر في عقده الأول 20/1930)

مراجعة الكتاب 

المصدر: بنك مصر، اليوبيل الذهبي (1920/ 1970م)، القاهرة، 1970م، ص318.

 وفي إطار اهتمام البرجوازيّة المصريّة بتنوّع مجالاتها، اتّجهت رموزها إلى تكوين غرف واتّحادات لجمع شمل أصحاب رأس المال وتوعيتهم بمصالحهم ومصلحة المجتمع، وبالمجالات التي يجب أن يهتمّوا بالعمل فيها، وكانت أوّل غرفة تجاريّة مصريّة قد أُنشأت بمدينة القاهرة عام ١٩١٣م؛ إذ وَضعَ أساسها جماعة من تجّار العاصمة، ولكن قلّة خبرة المصريّين في المجال التجاري جعلت دور الغرفة في ذلك الوقت غير واضحٍ،

(175)

وابتداءً من سنة ١٩٢٠م أخذت تنتشر فكرة إنشاء الغرف التجاريّة على نطاق واسع في معظم مديريّات القطر، غير أنّ قانون الغرف لم يصدر إلّا سنة ١٩٣٣م؛ وبذلك بدأت تتحرّك جانبًا لخدمة التجار وللدفاع عنهم[1].

كما تأسّس اتّحاد الصناعات المصريّة عام ١٩٢٢م، الذي عكس مصالح رأس المال الأجنبي المُسْتوطِن ورأس المال المحلّي، وتخوّفهما من أنّ انقضاء الحرب يعنى إعادة فتح باب التعامل مع الخارج بما لديه من منتجات صناعيّة تتمتّع بجودة أكبر وثمن أقل، ولم تكنْ الصناعة المحلّيّة تجد حماية من نظام التعريفة الجمركيّة المتّبع وقتها[2]. ووضع الاتّحاد برنامجًا للعمل متشعّب النواحي استوحاه من توصيات لجنة التجارة والصناعة، وهذا البرنامج كان يرمي إلى تنفيذ وجوه الإصلاح التي كان يتعيّن البدء بها قبل غيرها لإقامة الصناعة المصريّة على أساس يسمح لقواها الكامنة بالظهور. ومع ذلك يجب أن نضع في الحسبان أنّ اتّحاد الصناعات لم يقم بدوره كاملًا في ترقية الصناعة المصريّة وتنميتها على الوجه المطلوب، وإنّما كثيرًا ما خضع لأهواء الأجانب، ودافع عن مصلحة طبقة خاصّة من المستثمرين في الصناعة، وحصر كلّ اهتمامه في زيادة الحواجز الجمركيّة، ورفع التعريفة، دون أن يعمل على مساعدة رجال الصناعة على تخفيض نفقات إنتاجهم، وكانت مطالب اتحاد الصناعات ذات طابع تجاري وليست ذات طابع صناعي؛ بمعنى أنّها كانت تهتمّ بالإنتاج لهدف التجارة والربح وليس لهدف توفير مطالب صناعية، ويُعاب على اتحاد الصناعات أيضًا وقوفه بصفة دائمة أمام كل تشريعات عماليّة تعطي العمّال حقوقًا، نظرًا لتمثيله لتلك النظرة الرأسماليّة ضيّقة الأفق[3].

على كلّ، يمكن النظر إلى الفترة التي تلت الحرب العالميّة الأولى وحتى تفشّي الكساد الكبير في العالم، بأنّه مرحلة مزاحمة رأس المال الوطني للأجنبي، محاولًا

(176)

خلق قطاع صناعي مصري، ورغم تلك الجهود، فإنّ الأجانب ظلّوا حتى عام 1933م يستحوذون على نحو 85% من رأس المال المدفوع في الشركات العاملة في مصر[1]. ولم تتراجع استثمارتهم إلّا في قطاع بنوك الرهن والودائع فيما ظلّ نصيبه مستقرًا في الزراعة والصناعة والنقل، أي أنّه حافظ على سيطرته على القطاعات الإنتاجيّة، فيما كانت البرجوازيّة المحلّيّة خجولة في مساهمتها وسعت للشراكة مع رأس المال الأجنبي وتجنّب الاصطدام به.

4- تمدّد البرجوازيّة المحلّيّة وأزمتها مع الامبرياليّة الاقتصاديّة

أصيب العالم أواخر العشرينات ومطلع الثلاثينات بأزمة اقتصاديّة لم يعرف لها مثيلًا من حيث عنفها وحِدَّتها، وهي أزمة الكساد الكبير، فجهدت كل أمة في علاجها أو التخفيف من حدّتها. تواكب اشتداد الأزمة مع تولّي إسماعيل صدقي رئاسة الوزراء[2]، الرئيس السابق لاتّحاد الصناعات المصريّة، وعضو لما لا يقلّ عن إحدى عشرة شركة مساهمة، وصاحب العلاقة الوثيقة بالبرجوازيّة المحلّيّين على اختلاف شرائحها[3]؛ لذا عمد الرجل -من واقع انتمائه الطبقي- إلى اغتنام الفرصة عام 1930م من أجل تعديل التعريفة الجمركيّة، وفرض ضرائب قد تكون مانعة على الواردات التي يمكن للدولة إنتاج مثلها[4]. وقد رُوعي في النظام الجمركي الجديد عدة أمور:

زيادة موارد الخزانة، ولهذا رفعت الرسوم على أدوات الترف والمشروبات الروحيّة والعطور والدخان، بينما فُرضت رسوم معتدلة على المواد الغذائيّة.

(177)

تشجيع إنتاج البلاد الزراعي والصناعي، وذلك بخفض الرسوم على المواد الأوّلية والآلات اللازمة للصناعة.

تشجيع التصدير بإلغاء أيّ ضريبة على الصادارات ما عدا القطن وبذرته، مع فرض ضرائب مانعة على المواد الخام المصدَّرة التي تحتاج إليها الصناعات المحلّيّة، مثل الجلود لتشجيع صناعة الدباغة والصناعات الجلديّة.

مراعاة التدرّج في فرض الضريبة حسب حالة السلعة؛ فإذا كانت خامًا فرضت ضريبة منخفضة، وإذا كانت نصف مصنوعة كانت متوسّطة، والمصنوعات تكون ضريبتها عالية[1].

وبذلك سمح القانون الجديد في إضعاف سيطرة رأس المال الأجنبي على الاقتصاد المصري التابع، وبدأت البرجوازيّة المصريّة تعيد النظر في السياسة الاقتصاديّة نحو مزيد من الاكتفاء الذاتيّ وتنويع الإنتاج والتصنيع، بشكل أفسح المجال لرأس المال المحلّي لإنشاء بعض الصناعات، مستغلًّا أيضًا تخفيف بريطانيا قبضتها على الاقتصاد المصري، مدفوعة بتداعيات الأزمة العالميّة، والتوتّرات الدوليّة في أوروبا فترة الثلاثينات[2].

ولقد سمحت التعريفة الجمركيّة بتوفير حماية للمنسوجات القطنيّة المحلّيّة، بعد فرض رسوم 15% على المنسوجات المستوردة، بل تبيّن أنّ هذا لا يكفي لحماية الصناعة المحلّيّة، فزيد حتى وصلت إلى 40% على المنسوجات اليابانيّة تحديدًا، في ظلّ تخوّف المحتل والبرجوازيّة المحلّيّة من سيطرة اليابان على السوق المصريّة، بل اضطرت الحكومة المصريّة إلى إلغاء الاتّفاقة التجاريّة المبرَمة مع اليابان رضوخًا لسلطة المحتلّ[3].

وفي عام ١٩٣٠م وصلت الديون العقارية إلى أعلى مراحلها، إذ بلغت قيمتها ثلاثين مليونًا من الجنيهات بضمان أراضٍ بلغت مساحتها ٣٣٤٠٠٠٠ فدَّانًا، أيْ ما يعادل تقريبًا أراضي مصر كلّها، فيما عدا أراضي الوقف والملكيات الصغيرة التي خضعت لقانون

(178)

الخمسة أفدنة. ومن المُلاحَظ أن صفوة كبار المُلَّاك في مصر كانوا مثقلين بالديون العقارية؛ إذ كانت أراضيهم مرهونةً لأكثر من بنك، ولأكثر من بيت مالي، ولأفراد من المُموِّلين، ولقد حمل هؤلاء لواء المطالبة بتدخّل الحكومة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أملاكهم المرهونة والمعروضة للبيع في المزادات في حالة عجزهم عن السداد. واستجابةً لدعوات كبار المُلَّاك المَدينين، تدخّلت الحكومة لشراء الأراضي المعروضة للبيع الجبري بالمزاد، على أن يكون هذا التدخّل عن طريق الشركة العقارية المصريّة -إحدى شركات بنك مصر- التي تتولّى إدارة تلك الأطيان بعد شرائها حتى تجد مشتريًا لها بثمنٍ مناسب، مع إعطاء المَدين الأصلي وعائلته وأهل منطقته حقَّ الأولوية في الشراء خلال السنوات الخمس التالية لانتقال ملكية الأرض إلى الشركة، وتكون الشركة بعد ذلك حُرّةً في البيع لمَن تشاء؛ بشرط أن يكون المشتري مصريًّا في كل الأحوال[1].

كما حاولت الحكومة المصريّة التخفيف من حدّة أزمة الكساد على الزرّاع وبصفة خاصّة صغارهم، وذلك من خلال إنشاء بنك التسليف الزراعي الذي قدّم للفلاحين ما يحتاجون إليه من أموال بسعر فائدة منخفض، كما وزّع البنك البذور الجيّدة والأسمدة الكيماوية مقابل خصمها من أثمان المحاصيل عند بيعها، ولقد أسهمت تلك الخطوة في انخفاض ظاهرة نزع أراض الفلاحين الغارمين من 34911 فدان عام 1931 إلى 12560 فدان عام 1939م[2]. لكن البنك الذي أُنشأ من إجل صغار الملّاك ممّن يمتلكون أقل من خمسة أفدنة، تسلّل إليه كبار الملّاك واستفادوا بشكل كبير من تسهيلاته.

كما سمحت ظروف الثلاثينات وارتفاع حدة التوتّرات الدوليّة في جعل مصر أكثر حرّيّة في علاقاتها التجارية؛ لذا بدأ يتضاءل مركز بريطانيا تدريجيًّا في تجارة مصر الخارجية، فتراجعت صادارت مصر إليها من 37.6% عام 1928 إلى 30.9% عام 1937، في

(179)

الوقت الذي ارتفعت فيه صادارت مصر إلى ألمانيا واليابان من 9% إلى 15% في الفترة نفسها. وفيما يتعلّق بالورادات، فقد حافظت بريطانيا على حصّتها من الواردات المصريّة عند 21.7% بين عامي 1928 و1937، فيما قفزت الواردات الألمانية اليابانية إلى مصر من 11% إلى 15.5% [1].

ولقد كانت فترة الثلاثينات فرصة لنموّ المشاريع الصناعيّة التي كان يرعاها بنك مصر، فقد تمّ تأسيس سبع شركات جديدة، والتوىسّع في عدد من الشركات القائمة، فتأسّست أوّل شركة مصريّة للنقل الجوي، وهي مصر للطيران، وفي العام نفسه، أسس البنك شركة بيع المصنوعات المصريّة، لا سيّما المنسوجات. وفي عام 1934م أسّس البنك أربع شركات، مصر للتأمين، مصر لصناعة دبغ الجلود، مصر للملاحة البحرّيّة، مصر للسياحة. ومن المؤشّرات على النجاح الكبير الذي حقّقه البنك ارتفاع رأس مال كبرى شركاته، مصر للغزل والنسيج من 300 ألف جني عام 1927م إلى مليون جنيه عام 1936م[2]. لكن البنك في ترسيخ الصناعة المصريّة كان قد ارتكب خطأين كانا كفيلين بتعرّضه لأزمة عنيفة انتهت بالإطاحة بمؤسّسه طلعت حرب وتحجيم دوره في الاقتصاد المصري، أوّلًا اتّجه البنك إلى الاعتماد بصورة كبيرة على الدولة وعلى الهياكل التقليديّة لتحقيق سياسته، وأدّى هذا التحوّل من الاعتماد على دعم جموع الشعب للاعتماد على الحكومة المصريّة وعدد معيّن من عائلات الأعيان إلى القضاء على الحماس الذي كان موجودًا للبنك، لدى قطاعات الحركة الوطنيّة وتراجع صورة البنك كممثّل لمصالح الشعب بأكمله، ليصبح تدريجيًّا أكثر التصاقًا بالعناصر المحافظة من ملّاك الأراضي[3]. والحقيقة أنّ فترة ما بين الحربين قد شهدت تداخلًا بين البيروقراطيّة والرأسماليّة المصريّة والأجنبيّة، حيث اتّجهت بعض الشركات الأجنبيّة والمصريّة إلى تعيين بعض الوزراء وكبار الموظفين، وكذلك بعض النواب في مجالس إدارتها، فمثلًا كان حافظ عفيفي عضوًا في مجالس

(180)

إدارة 33 شركة، وإسماعيل صدقي كان عضوًا في مجالس تسع شركات على الأقل[1]. وكان الهدف معلومًا، وهو الحصول على التسهيلات الإداريّة.

ثانيًا: شراكة البنك مع الرأسمالية الأجنبيّة وبالتحديد البريطانية، وقد بدأ الأمر بالاستعانة بالخبراء الغربيّين ثم إلى قبول شراكة رأس المال الأجنبي في تأسيس شركات مساهمة، جاء ذلك عام 1937م عندما دخل شارك شركة صبّاغي برادفورد الإنجليزيّة لإنشاء شركة لصباغة المنسوجات وتبييضها. وعلى الرغم من أن البنك رام من شراكة المحتل اتقاء غضبه، إلّا أنّ بريطانيا لم تكن مرتاحة إلى وجود هذا الاستقلال الاقتصادي لمصر، بعد أن بـلغ بنك مصر مـكانـة عظيمة وأقـام له فروعًا داخل البلاد، حتى بات منافـسًا للبنك الأهـلي المصري الذي يسيطر عليه الإنجليز وبـنك بـاركلـيـز، ومن هنا فقـد دبّت الغـيرة في نفوس مـنـافـسيه الـذين تبـيّن لهم في عـطف الأمـة عـلـيه والأخـذ بنصرته خطـرًا يـهـّدهم. ولم يكن الحاقدون على البنك من الأجانب فقط، بل من الرأسمالية المحلّيّة المصريّة التي شهدت تنافسًا حادًّا فيما بينها منذ الحرب العالمية الأولى[2]؛ لذا عمد رأس المال الأجنبي المتحكّم في الاقتصاد المصري والمحميّ من قبل سلطة الاحتلال، إلى استغلال هذا الانقسام، فعمل مع عناصر الرأسماليّة الكمبرادوريّة مجموعة عبود باشا وحافظ عفيفي في استغلال ارتفاع حدّة القلق لدى المودعين من أجل وضع بنك مصر في اختبار صعب حيكَ بعنيه[3]. فعندما اضطربت الحالة الدوليّة في صيف عام ١٩٣٩م هرع أصحـاب الودائع إلى سحب ودائعـهم من البـنك وخاصّة عـملاء صنـدوق توفيـر البـريد لدى البنك، وكذا صندوق توفير البريد الحكومي الذي قام بالتركيز على سحب ودائعه من بنك مصـر على وجه الخصـوص، رغم أن له ودائع في البنوك الأخـرى لم

 

(181)

يقم بسـحبها، وهـو الأمـر الذي يـدعو إلى الدهـشـة، مما يفسّر الدور الحكومي في أزمة البنك[1]. وما يكشف ذلك، أن رئيس البنك طـلعت حرب لجأ إلى حسين سري وزيـر المالية وإلى الـبـنك الأهلي من أجل الاقتـراض منهما، لحل أزمة السيولة، فرُفض طلبه. وجاء عرض وزير المالية لحلّ الأزمة ليكشف المؤامرة التي شاركت فيها الحكومة سلطة الاحتلال مع عناصر من الرأسمالية الكمبرادورية مجموعة عبود باشا، عندما اشترط سري باشا لمـسـاعـدة الـبـنك خـروجَ طـلـعت حـرب من رئاسة بـنك مـصـر وفـصل شركـات بـنك مـصـر عن الـبنك تـمـامـًا، بحيث يصبح بنك تجاريًّا فقط. وبالفعل خرج طلعت حرب وتولّى حافظ عفيفي القريب من الاحتلال رئاسة البنك بعد أن صار بنكًا تجاريًّا.

وهكذا مرّ بنك مصر بمرحلتين: مرحلة العشرينات، حيث غلبت روح الاستقلال عليه، وكانت المؤشّرات تتنبّأ بإمكانيّة ميلاد برجوازيّة وطنيّة مستقلّة، ومرحلة الثلاثينات، والتي وجد فيها البنك أنّه لا مفر من الارتباط برأس المال الأجنبي من أجل تأسيس مؤسّسات صناعية كبرى، مثل مصر للطيران وغيرها. وعليه لم يعد بنك مصر في أواخر الثلاثينات من القرن الماضي «وطنيًّا» مستقلًّا، وبالتالي فقد سبب وجوده الأصلي، كأداة لتصفية التبعيّة الاقتصاديّة[2]. وبذلك دفع بنك مصر ثمن تناقضه بين أهدافه كمؤسّسة رأسماليّة تهدف إلى توسيع حجم قوّتها الاقتصاديّة؛ ممّا يجعلها تقبل شراكة رأس المال الأجنبي والحكومة التي يسيطر عليها كبار الملّاك وبين أهداف الحركة الوطنيّة التي كانت تسعى إلى تخليص مصر اقتصاديًّا من قبضة الاحتلال البريطاني.

وبذلك تكون فترة الثلاثينات قد أسهمت في انتقال شريحة من البرجوازيّة المحلّيّة إلى التصنيع، لكنه كان مبعثرًا وقائمًا على تعويض الاستيراد بصناعة داخليّة، غلب عليها الطابع الاستهلاكي الباحث عن العائد السريع، في ظلّ هيمنة رأس المال الأجنبي الذي سيطر على مساحة كبيرة من الاستثمارات الجديدة ما بعد الحرب.

(182)

5- الاقتصاد المصري من الحرب العالميّة الثانية وحتّى الثورة

اشتعلت الحرب العالميّة الثانية بعد أن حقّقت الرأسماليّة المصريّة مكسبين مهمّين، تعديل نظام التعريفة الجمركيّة وإلغاء الامتيازات الأجنبيّة 1937م، وأسهمت الحرب في تحقيق رواج اقتصادي، لا سيّما في القطاع الصناعي، حيث اتّجهت رؤوس الأموال المحلّيّة للمشاركة بقوّة في مجال التصنيع[1]، وفي حين أنّ الحرب اشتعلت في ظلّ تفاقم أزمة بنك مصر التي أدّت إلى شلّ قدرات البنك في مجال التصنيع، فإنّها في الوقت نفسه سمحت لشرائح أخرى من عناصر الرأسماليّة الكومبرادوريّة المرتبطة برأس المال الأجنبي بتوسيع نشاطهم[2]. وبلغت مساحة ما أسهمت به الرأسماليّة المحلّيّة نحو 87% من مجموع الأموال المستثمرَة أثناء الحرب[3]. وبذلك تكون الحرب قد أفادت الرأسماليّة المصريّة في تدعيم مركزها المالي وقوّتها الاقتصاديّة. في المقابل، اضطرب سوق القطن بعد نشوب الحرب، فتدخّلت الحكومة وأمرت البنوك بتقديم سلف للزرّاع بضمان أقطانهم ومواردهم، وألغت ضريبة الصادر، وبرغم هذه التدابير وغيرها هبطت أسعار القطن إبان الحرب.

ولقد سعت مصر للاستفادة من عالم ما بعد الحرب في تدعيم استقلالها الاقتصادي، ومن ذلك الانضمام إلى صندوق النقد الدولي، وكان هذا الانضمام يعني الدخول في نظام بريتون وودز، حيث يجري تحديد صرف العملات على أساس الدولار الأمريكي؛ ممّا يعني الخروج من منطقة الإسترليني، وهو ما تمّ عمليًّا عام 1947م. ولتعزيز استقلال النقد المصري، أقدمت الحكومة المصريّة على تغيير نظام الغطاء النقدي للعملة المصريّة، وإحلال أذونات الخزانة المصريّة محلّ أذونات الخزانة البريطانيّة في تغطية أوراق البنكنوت المصريّة، مع التوسّع في شراء الذهب والعملات القابلة للتحويل بالذهب[4].

(183)

ومن أهمّ المحطات الاقتصاديّة أبان الحرب العالميّة الثانية، نجاح مصر في إسدال الستار على ملف ديونها الخارجيّة، وتصفية صندوق الدين بعد ثمانين عامًا من تأسيسه، فعلى الرغم من العجز في الميزان التجاري المتولّد خلال سنوات الحرب، بسبب انخفاض صادرات القطن، جاء الإنفاق العسكري لقوات الحلفاء في مصر فعوَّض هذا العجز وزاد عليه، بأن أصبحت مصر دائنة لبريطانيا، فيما عرف بالأرصدة الإسترلينيّة[1]، حيث قام البنك الأهلي المصري أثناء الحربين بإصدار أوراق النقد المصري، مقابل تغطية بسندات على الخزانة الإنجليزيّة يحتفظ بها بنك إنجلترا بصفته البنك الرئيس للبنك الأهلي[2]. وقد سهّل هذا القرار مهمّة تمويل الجيوش المتحالفة في مصر؛ إذ أصبح بإمكان الحكومة البريطانية -كلّما احتاجت إلى كميّة معيّنة من البنكنوت المصري للإنفاق على جيوشها في مصر أو في البلاد التي تقبل العملة المصريّة- أن تقدّم للبنك الأهلي المصري أذونات على الخزانة البريطانيّة تعادل قيمة البنكنوت المطلوب، فيحتفظ البنك الأهلي بهذه الأذونات في قسم الإصدار، ويصدر البنكنوت ويقدّمه للحكومة البريطانيّة التي تتولّى عندئذ إنفاقه. لذا ينبغي ألّا ينظر إلى عمليّة إقراض بريطانيا على أنّها صورة من صور الاستقلال الاقتصادي، بقدر ما أنّها استجابة إجباريّة من الحكومة المصريّة لسلطة الاحتلال. ولقد ماطلت بريطانيا في سداد تلك الديون، التي قُدّرت بنحو 400 مليون جنيه استرليني، وهو رقم هائل بمعايير ذلك الزمن، وهو يعادل ما لا يقلّ عن 50 مليار جنيه استرليني في الوقت الراهن إذا احتسبنا معدّلات الفائدة أو حتى معدّلات التضخّم خلال الفترة من عام 1945م وحتى الآن.

وبعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية ساءت الأحوال الاقتصاديّة وخاصّة الأحوال الصناعيّة، حيث قلّ الطلب في الأسواق عن العرض نتيجة رحيل جيوش الحلفاء وفتح الاستيراد من الخارج، ممّا أدى إلى كساد الصناعة المصريّة فأغلقت الكثير من المصانع، وقامت بتسريح عدد كبير من العمال[3]. ولكن سرعان ما شرعت الحكومة المصريّة في زيادة

(184)

التعريفة الجمركيّة مجددًا، وفرض قيود على الاستيراد لحماية الصناعة المحلّيّة، بل إن إلغاء الامتيازات الأجنبيّة عام 1949م سمح بتعديل نظام الضرائب وزيدت بنسبة تتراوح بين 12 و13% في سنوات ما بعد الحرب على الأملاك المنقولة والأرباح التجاريّة. بل إنّ الحكومة مدفوعة بالحراك الوطني لجأت إلى تأميم بعض الشركات مثل شركة النور في القاهرة، وارتفعت الأصوات المطالبة بإلغاء امتيازات نفطيّة كانت قد حصلت عليها شركات أجنبيّة[1].

ويمكن النظر إلى أهم إنجازات الاقتصاد المصري ما بعد الحرب نحو الاستقلال من خلال أمرين: تأسيس بنك التسليف الصناعي، وقد ساهمت الحكومة فيه بنسبة 51% من رأس ماله البالغ 1.5 مليون جنيه، واستطاع البنك أن يقدّم قروضًا بمقدار رأس المال الذي تأسس به في الفترة من 1949 إلى 1952م[2]. وكالعادة سعت البرجوازيّة المصريّة للاستفادة من هذا القانون على حساب صغار الصنّاع.

كما صدر قانون الشركات عام 1947م والذي يُعدّ خطوة كبيرة على طريق تمصير الصناعة المصريّة؛ حيث نصّت المادّة الرابعة من القانون على وجوب أن يكون 40% على الأقل من أعضاء مجلس إدارة أيّ شركة مساهِمة من المصريّين، وإلّا بطلت جميع قراراته، ونصّت المادّة الخامسة أنّه يجب ألّا يقلّ عدد المصريّين المستخدمين في الشركات المساهمة عن 75% من مجموع المستخدمين، كذلك لا يجوز أن يقلّ عدد العمال المصريّين عن 90% من مجموع العمال، كما أكّد القانون في مادّته السادسة على تخصيص 51% على الأقل من أسهم الشركة المساهِمة للمصريّين، سواء عند تأسيس الشركة أو عند زيادة رأس المال. ولقد عمد الأجانب إلى التحايل على هذا القانون عبر الحصول على الجنسيّة المصريّة، أو تعيين الباشوات المصريّين في مجالس الإدارات ليكونوا واجهة فقط يستتر خلفها نشاطهم، وغير ذلك من الحيل[3].

أمّا ما يتعلق بوضع الاستثمارات في مصر في تلك الفترة التي أعقبت الحرب الثانية، وحتى قيام ثورة يوليو 1952م، فقد حدث ارتفاع تدريجيّ في نصيب رؤوس الأموال

(185)

المحلّيّة في الشركات التي أُقيمت بعد الحرب، حتى أن نسبة الاستثمارات المحلّيّة قفزت من 9% سنة 1914م إلى 40% سنة 1950م[1]. كما شهدت تلك الفترة ارتفاع نسبة رأس المال الأجنبي المُسْتوطِن لحساب رأس المال الأجنبي الوافد، الذي بات لا يشكّل أكثر من 19% من إجمالي الاستثمارات الأجنبيّة بعد الحرب[2]. ويرصد الشكل التالي مجموع رؤوس الأموال الأجنبيّة المستثمرَة في مصر في الفترة (1933-1948م)

المصدر: راشد البراوي، حقيقة الانقلاب الأخير، ص62.

كما كانت تلك الفترة شاهدة على زيادة الترابط بين رأس المال المحلّي والأجنبي بشكل مضطرد، وإن كانت صِلات التعاون مع مجموعة بنك مصر كانت أقلّ من الجناح الكومبرادوري الممثّل بشكل كبير في اتّحاد الصناعات وشخصيّات مثل محمّد فرغلي وأحمد عبود وعلي يحيى[3]. وهذا يفسّر الجدل الذي أُثير حول قانون الشركات عام 1947م والذي اشترط أن يكون نصيب رأس المال المصري في الشركات المساهمة لا يقل عن 51%، وتأييد مجموعة بنك مصر مقابل معارضة الكمبرادوريين[4].

(186)

الخاتمة

أظهرت فترة الحرب العالميّة الثانية وما بعدها الصفة الاحتكاريّة للرأسماليّة المصريّة والأجنبيّة، وكان ذلك واضحًا، في صناعة السكّر والأسمنت، والتقطير، والأسمدة[1]. بل إنّ الصفة الاحتكاريّة تظهر في استغلال ظروف الحرب، فتمّ رفع الأسعار مضاربةً على عدم القدرة على استيرادها[2]. ولعلّ هذه الصفة تحديدًا هي المسؤول عن ظهور ما عرف بالمسألة الاجتماعيّة، وهي خلل في توزيع الثروة وغياب للعدالة الاجتماعيّة؛ فإذا أمعنّا النظر في كيفيّة توزيع الدخل القومي عام 1945م، لوجدنا أنّ 61% من هذا الدخل يذهب إلى الرأسماليّين وكبار الملّاك في صورة إيجارات وأرباح وفوائد. فقد قُدّر الدخل القومي لهذا العام بمبلغ 502 مليون جنيه، ذهب منه ما يزيد على 308 ملايين على شكل إيجارات وأرباح وفوائد، بينما نجد متوسّط أجر العامل الزراعي في العام لا يزيد على أربعة عشر جنيهًا، وإذا أخذنا في الاعتبار ارتفاع تكاليف المعيشة لكان الأجر الحقيقي للعامل الزراعي لا يتجاوز ثلاثة جنيهات في العام[3].

لقد أثبتت تجربة الاقتصاد المصري، أنّ المجتمع المصري كان قادرًا في ظلّ الاحتلال على إنتاج فائض؛ أي إنتاج رأس المال. كل ما في الأمر أنّ الفائض يوجد إمّا لتمويل حروب بريطانيا وإمّا لتحويله إلى خارج مصر لمصلحة رأس المال الأجنبي أو لاستهلاكه استهلاكًا عشوائيًّا بواسطة بعض فئات المجتمع في الداخل[4]. كما أنّ الاستثمارات الأجنبيّة -طيلة الفترة- لم تسهم في تغيّر فعّال داخل هيكل الاقتصاد المصري، حيث ظلّت الزراعة والخدمات تستقطبان نحو 75% من حجم الأيدي العمالة، بينما لم تحظَ الصناعة بأكثر من 8.5%. كما أنّ حركة التصنيع التي نشأت بعد الحرب العالميّة الأولى

(187)

لم تكن مدروسة ورَكَّزَت على الصناعات الاستهلاكيّة[1]. ويرجع ذلك إلى أنّ الرأسماليّة المحلّيّة التي نشأت في ركاب الاستعمار كانت تتّسم بالطابع الطفيلي، فلقد تعمّق انفصال الملكيّة الرأسماليّة لوسائل الإنتاج عن إدارتها الفعليّة. وجعلت تلك الطبقة من ريع الأسهم والسندات مَعَاشها، وصارت الأنشطة الطفيليّة كالمضاربة ونحوها مسلكها، مستغلَّه ضعف الضرائب المفروضة على نشاطها. فمع نهاية الحرب الثانية بلغ الدخل القومى 502 مليون جنيه كانت حصيلة الإيجارات والفوائد والأرباح 308 مليون جنيه، وهي عوائد الرأسماليّين[2]. كلّ ما أسهمت فيه الاستثمارات الأجنبيّة، هو تشويه الاقتصاد المصري وخلق مجموعة غير متكاملة من الهياكل الاقتصاديّة، وهي ما تمثّلت في هيكل استعماريّ أجنبيّ، وهيكل رأسماليّ كبير ارتبط بسابقه الأجنبي، وثالث إقطاعي في الزراعة، وآخر رأسمالي صغير ضمّ أصحاب الحِرف وصغار التجّار والفلّاحين، ومن ثمّ سادت علاقات اقتصاديّة رأسماليّة في إطار من التَّبَعيَّة الاستعماريّة[3].

(188)

قائمة المصادر والمراجع

الوثائق

1. وثائق مجلس النظار، تقرير لجنة الامتيازات 1918م، وثيقة رقم 1066.

2. وثائق عابدين، محفظة 5، مذكرة مرفوعة لمجلس الوزراء بشأن تجديد العمل بالقانون رقم 88 لسنة 1944.

3. FO 407/ 213, No. 138, Loraine to Henderson, June 17, 1931.

4. F.O 371/ J1043/ J178, Increase of Egyptian Customs on cotton textless, Apr. 1938.

5. F.O 371/J1121, Egyptian measures regulating the cotton market, March 1939.

الدراسات العربيّة والمعربة

1.أمين، جلال، قصة الاقتصاد المصري، دار الشروق، القاهرة، 2010م.

2.البراوي، راشد، حقيقة الانقلاب الأخير، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة، 1952م.

3.البراوي، راشد وعليش، محمّد حمزة، التطور الاقتصادي في مصر في العصر الحديث، دار النهضة المصريّة، القاهرة، 1954م.

4.بركة، ماجدة، الطبقة العليا بين ثورتين (1919-1952م)، ترجمة: محمود ماجد، المركز القومي للترجمة، 2009م.

5.تقرير لورود كرومر عن الإدارة والمالية والحالة العمومية في مصر والسودان 1905م، مجلة المقطم 1905م.

6.حامد، رؤوف عباس والدسوقي، عاصم، كبار الملاك والفلاحين في مصر (١٨٣٧-١٩٥٢م)، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ٢٠٢٣م.

7.حامد، رؤوف عباس، جماعة النهضة القومية، دار الفكر للدراسات، القاهرة، 1986م.

8.حسن أحمد، سحر تطور الصناعة في مصر (1914-1952م)، مجلة كلية البنات للآداب، ع12، مج4، جامعة عين شمس، 2014م.

9.حنين، جرجس، الأطيان والضرائب في القُطر المصري، مطبعة بولاق، القاهرة، ١٩٠٤م.

 

(189)

10.دافيز، إيريك، طلعت حرب وتحدي الاستعمار: دور بنك مصر في التصنيع (1920-1941م)، ترجمة: هشام سليمان، مكتبة الشروق الدولية، 2009م.

11.دويدار، محمّد الاقتصاد المصري بين التخلف والتطوير، دار الجامعات المصريّة، الإسكندريّة، 1978م.

12.ربيع، محمّد، حسن مصريين عهدين بحث اقتصاد واجتماعي وسياسي عن مصر، القاهرة 1954م.

13.رمضان، عبد العظيم، صراع الطبقات في مصر، مكتبة الأسرة، القاهرة، 1997م.

14.سعيد، جمال الدين محمّد، اقتصاديات مصر، دار النهضة المصريّة، القاهرة، 1951م.

15.الشربيني، أحمد الاقتصاد المصري بين التبعية والاستقلال، دار الشروق، القاهرة، 2007م.

16.شهدي عطية، تطور الحركة الوطنيّة المصريّة (1882-1956م)، دار شهدى، القاهرة، 1957م.

17.عامر، إبراهيم، الارض والفلاح، مطبعة الدار المصريّة، القاهرة، 1958م.

18.عبد الفضيل، محمود، الاقتصاد المصري بين التخطيط المركزي والانفتاح، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1980م.

19.عبد الملك، أنور، المجتمع المصري والجيش (1952-1973م)، دار المحروسة، القاهرة، 2005.

20.الفلكي، محمّد صالح، التسليف الصناعي في مصر، صحيفة التجارة والصناعة،ع2، س8، 1932م.

21.قاسم، نوال، تطوّر الصناعة المصريّة من عهد محمّد على حتى عبد الناصر، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1978م.

22.كراوتشي، إ. التنمية الاقتصاديّة لمصر الحديثة، ترجمة: محمّد مدحت، القاهرة 2014م.

23.لاندز، ديفيد بنوك وباشاوات، ترجمة: عبد العظيم أنيس، كتاب الأهالي، القاهرة، 1985م.

24.لبيب، جاد، بناء الاقتصاد المصري والعلاقات الاقتصاديّة والمالية بين مصر وإنجلترا، مكتبة الأنجلو المصريّة، ب ت.

(190)

25.لطيفة سالم، مصر في الحرب العالمية الأولى (1914- 1918م)، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1984م.

لهيطة، محمّد فهمي: الأرصدة الأسترلينية ومركز البنك الأهلي المصري منها، مجلة المقطم، ع 1891826.، س 62، 30 أبريل 1950م.

27.مابرو، روبرت، الاقتصاد المصري (1952-1972م)، ترجمة: صليب بطرس، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1976م.

28.مارلو، جون، تاريخ النهب الاستعماري لمصر، ترجمة: عبد العظيم رمضان، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2003م.

29.متولي، محمود، الأصول التاريخية للرأسمالية المصريّة وتطورها، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1974م.

30.محمّد زين الدين، اسماعيل، الزراعة المصريّة في عهد الاحتلال البريطاني، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1995م.

31.مرسي، فؤاد، الأعباء الاقتصاديّة للحرب العالمية الثانية، مجلة الطليعة، س3، ع9، 1968م.

32.ـــــــــــــــــــ، البنك الأهلي وبنك مصر وقضية السيطرة الاستعماريّة، مجلة الطليعة، س2، ع5، 1966م.

33.ـــــــــــــــــــ، مفهوم التنمية الاقتصاديّة واتجاهاتها، الطليعة، س11، ع11، 1975م.

34.مصطفى خليل، أسمهان، الرأسماليّة الوطنيّة في الاقتصاد المصري الموجه (1961-1974م)، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2015م.

35.مصطفى عفيفي، عبد الله، أمين، تاريخ مصر الاقتصادي والمالي في العصر الحديث، الأنجلو مصريّة، 1954م.

36.أنيس، محمّد، تطوّر المجتمع المصري من الإقطاع إلى ثورة يوليو 1952، مطبعة الجبلاوي، القاهرة، 1977م.

37.غنيم، عادل، ثورة يوليو والرأسمالية، مجلة الطليعة، س1، ع7، 1965م.

(191)

الدراسات الأجنبيّة

1. Arthur Crouchley, Investment of foreign capital in Egypt companies and public Debt., Cairo, 1936.

2. ______ , The economic development of modern Egypt, London, 1938.

3. Barbara E. Kalkas, Barbara E. Kalkas, Aborted economic and social development in Egypt: new leaders in old system, PhD in sociology, The University of Illinois, 1979.

4. Charles Issawi, Egypt at Mid Century, London, 1954.

5. Clement Levy (Ed.). The Stock Exchange Year-Book of Egypt 1937, Cairo, 1966.

6. Egypt. Ministry of Finance, Statistical Department, Annuaire Statistique, Cairo, 1914.

7. Esmail Hosseinzadeh, An evaluation of the theory of non-capitalist development: The case of Nasser’s Egypt, PhD, New School for Social Research, 1987.

8. Issawi, Charles: Egypt at mid – century, Oxford 1954.

9. Malak Badrawi, Isma’il Sidqi, 1875-1950 Pragmatism and Vision in Twentieth Century Egypt, London, 2014.

10. Marius Deeb, Bank Misr and the Emergence of the Local Bourgeoisie in Egypt , Middle Eastern Studies, Vol. 12, No. 3, Special Issue on the Middle Eastern Economy Oct., 1976.

11. The Socioeconomic Role of the Local Foreign Minorities in Modern Egypt, 1805-1961, International Journal of Middle East Studies, Vol. 9, No. 1 Jan., 1978.

12. Ragaei W. El Mallakh, The effect of second world war on the economic development of Egypt, PhD, New Jersey, 1955.

13. Robert L. Tignor, State, Private Enterprise and Economic Change in Egypt, 1918-1952, Princeton University Press, 1984.

14. Robert Vitalis, When Capitalists Collide: Business Conflict and the End of Empire in Egypt, London, 1995.

 

 

(192)

الاقتصاد المصريّ في ظلّ الاستعمار البريطانيّ

قراءة لحقبة ما بين (1882-1914م)

محمود عبد العظيم عبد العال[1]

تمهيد

يعدّ الاحتلال البريطانيّ لمصر في الفترة من 1882 إلى 1952م أحد حلقات الاستعمار الكبرى التي تعرّضت له البلاد طوال تاريخها، وواحدًا من أبرز المحاولات الاستعماريّة في العصر الحديث عامّة، وهذا الاحتلال لم يؤثّر على مصر فحسب، بل كان له تأثير كبير على الدولة البريطانيّة نفسها، حيث اتّخذت من الاستعمار منهجًا لتطبيق سياستها الخارجيّة وأهدافها الاستعماريّة، ووجدت في مصر خير مثال لتحقيق هذا المشروع الاستعماري. لم تقتصر أهداف الاحتلال البريطاني لمصر على فرض السيطرة عليها فحسب، بل أرادت بريطانيا أن تجعل من مصر قاعدة بريطانيّة خارج الحدود الجغرافيّة للدولة المستعمِرة، تستطيع من خلال هذه القاعدة تحقيق أهدافها الاستعماريّة وتوسّعاتها التي ترغب بها، عن طريق ضمّ العديد من المناطق والبلدان المجاورة لمصر، وكذلك التي تقع في إقليمها الجغرافي في قارة أفريقيا.

سعت بريطانيا إلى فرض هيمنتها على مصر عسكريًّا، وسياسيًّا، واقتصاديًّا، وثقافيًّا، وشكّل الهدف الاقتصادي أحد أبرز الأهداف البريطانيّة التي جعلتها تُقدِم على احتلالها، لقد أدركت بريطانيا جيّدًا مدى الدور الاقتصادي الذي من الممكن أن تلعبه مصر في حالة السيطرة عليها؛ لما لها من أهميّة اقتصاديّة كبيرة، يشهد عليها تاريخها منذ القدم؛

(193)

فقد كانت سلّة غذاء للعديد من الإمبراطوريّات العظمى عبر التاريخ، ولعلّ أبرز مثال على ذلك دورها الاقتصادي في عهد الامبراطوريّة الرومانيّة التي كانت تعتمد بشكل رئيس على إمدادات القمح والمؤن القادمة من مصر.

من هنا جاء الاهتمام الكبير بالجانب الاقتصادي من قِبل المحتلّ البريطاني عند احتلاله لمصر؛ حيث سعى للاستفادة من القدرات والموارد الاقتصاديّة الهائلة التي تتمتّع بها مصر، وتحويل الاقتصاد المصري لتلبية احتياجاته وقت السلم وكذلك وقت الحرب.

هذه الدراسة سوف تسلّط الضوء على إحدى فترات الاحتلال البريطاني بدءًا من سنة 1882م حتى نشوب الحرب العالمية الأولى سنة 1914م. وقد جرى تقسيم الدراسة إلى محاور ثلاثة، هي:

المحور الأوّل: دور الاحتلال البريطانيّ في استغلال موارد مصر الزراعيّة.

المحور الثاني: أوضاع الصناعة في مصر فترة الاحتلال البريطانيّ.

المحور الثالث: تأثير الاحتلال البريطانيّ على التجارة في مصر.

(194)

المحور الأوّل

دور الاستعمار البريطانيّ في استغلال موارد مصر الزراعيّة

تعرّضت مصر عبر تاريخها للكثير من الحركات الاستعماريّة، وقد عملت غالبيّة هذه الحركات على الاستفادة من إمكانات البلاد الزراعيّة الكبيرة، فمصر بطبيعتها ظلّت عبر العصور المختلفة مؤهّلة دائمًا لأن تكون بلدًا زراعيًّا ناجحًا؛ حيث تتوفّر فيها كل المقوّمات الرئيسة لنجاح الزراعة وتقدّمها؛ من تربة خصبة صالحة للزراعة، ومناخ معتدل متنوّع، ومصادر مياه متعدّدة من مياه النيل، والأمطار، والآبار، والعيون، والمياه الجوفيّة، إضافة إلى وفرة اليد العاملة، ذات الخبرة الزراعيّة الكبيرة؛ ممّا أسهم في تنوّع المحاصيل، وزيادة إنتاجيّتها.

ولقد حاولت بريطانيا بعد احتلالها لمصر سنة 1882م استغلال مقدراتها الزراعيّة؛ لخدمة أهدافها، وتوفير احتياجاتها من المواد الخام، التي تحتاجها المصانع البريطانيّة؛ ولذلك أولَت اهتمامًا كبيرًا بالزراعات التي توفّر المواد الخام وخاصّة القطن، الذي حاز على الاهتمام الأكبر من قبل الاحتلال البريطاني في مصر، وعملت الحكومة البريطانيّة على تسخير كافة الظروف لخدمة ذلك الغرض؛ فاتّجهت كل جهودها في سبيل الترويج لزراعة القطن، وتخصيص معظم الأراضي الزراعيّة المصريّة لزراعته، وزيادة إنتاجيّة البلاد منه[1].

عملت سلطات الاحتلال البريطاني على إصلاح نظام الريّ في مصر لخدمة زراعة القطن، خاصّة وأنّ القطن من المحاصيل الصيفيّة التي تحتاج إلى الكثير من المياه، ولذلك أصدرت العديد من التشريعات والقوانين لتحسين شؤون الري وتنظيمه، ووضعت نظامًا دقيقًا للإشراف على نظام الريّ وإصلاحه، وعملت على تحويل الأراضي التي كانت تروى بالحياض إلى أراضي تروى بالريّ الدائم؛ فقامت بتطهير التُرع وتوسعتها، مثل ترعة الإبراهيميّة، وشقّ ترع جديدة، وحفر المصارف، وإصلاح القناطر الخيريّة التي

(195)

يتوقّف عليها الريّ الصيفي في الدلتا، وكان بناؤها قد تعرّض للتصدُّع، وجرى إصلاحها سنة 1886م[1]، وكما كان هناك اهتمام بالرياحات التي تتفرّع بالقرب من القناطر الخيريّة، وتأخذ منها ماءها، حيث جرى تطهير رياح البحيرة، وزيد في عمق الرياح المنوفي، وحفرت الرياح التوفيقي، الذي يروي المديريات الواقعة في شرقي فرع دمياط[2]، كما أنشأ العديد من القناطر الأخرى، مثل قناطر إسنا سنة 1908م، التي شيّدت بهدف رفع منسوب المياه أمام الفيضان؛ لسدّ حاجة الحياض الموجودة في جهة إسنا وقنا عند حدوث الفيضان بها[3]، وكذلك قناطر زفتى سنة 1902م، وقناطر أسيوط سنة 1903م، كما جرى بناء بعض الخزانات؛ لتخزين المياه فيها، واستخدامها عند الحاجة إليها، وأبرزها خزّان أسوان سنة 1902م[4]، الذي شكّل أكبر سدود العالم آنذاك، وقد بدأ العمل فيه سنة 1904م، وبلغت طاقته التخزينيّة حوالي مليون متر مكعّب من الماء، وجرى تنفيذ بعض الأعمال لزيادة السعة التخزينيّة للسدّ؛ فتمّت تعليته سنة 1912م حتى وصلت سعته التخزينية إلى 2,25 مليون متر مكعب من الماء[5].

واستعانت الحكومة البريطانيّة بمجموعة من كبار المهندسين البريطانيّين، من ذوي الخبرة والكفاءة، الذين جرى اختيارهم بعناية فائقة، وكان أبرزهم جرستن، وويلكوكس، وفوستن، وقد حصلوا على الحرّيّة الكاملة في إدارة شؤون الريّ في مصر، حيث أوكلت إليهم مناصب مفتّشي الري في المديريّات، واختير السير «كولن سكوت مونكريف» وكيلًا لوزارة الاشغال سنة 1884م، وأُسند إليه اختصاص توزيع المياه، ومراقبة أشغال

(196)

الري، وجرى توزيع المياه بالعدل على الأطيان الزراعيّة[1].

وأسهمت زيادة مشاريع الري التي قامت بها الحكومة البريطانيّة، في تحوّل الكثير من الأراضي الزراعيّة المصريّة من ريّ الحياض إلى الريّ الدائم؛ ممّا ساعد في اتّساع رقعة الأراضي الزراعيّة، والتي تمّ استغلالها في زراعة القطن، كما أسهم إصلاح منظومة الريّ في زراعة الأرض مرتين أو ثلاثة مرات في السنة بعد أن كانت تُزرع مرّة واحدة[2].

وفي إطار السياسة البريطانيّة للنهوض بالزراعة في مصر، عملوا على إقامة مؤسّسة أهليّة، تشرف على أعمال الزراعة والريّ في البلاد، فقاموا بتأسيس الجمعيّة الزراعيّة الخديويّة سنة 1899م، من مجموعة من كبار المزارعين، وكان الغرض منها تحسين الشؤون الزراعيّة، وفي سنة 1907م بدأ إنشاء الجمعيّات التعاونيّة الزراعيّة، بهدف تحسين حالة الفلاحين الماليّة والمعنويّة، وكان الانضمام لهذه الجمعيّات اختياريًّا، وقد جمعت الكثير من الفلّاحين، وكان لهذه الجمعيّات دور كبير في إقراض الفلّاحين الأموال اللازمة للزراعة، وإدخال الآلات الزراعيّة الحديثة، وتوفير البذور والتقاوي الزراعيّة الجديدة وخاصّة القطن، إضافة إلى استيراد السماد من الخارج، وإنشاء المصانع الزراعيّة، وغيرها[3].

كما سعت سلطات الاحتلال البريطاني في إلغاء نظام السخرة، الذي كان منتشرًا في القطر المصريّ، وأصرّت على ضرورة حصول العامل المصريّ على أجر نظير العمل الذي يقوم به، وعدم تعرّضه للجلد إذا لم يرغب في العمل، ولا تزال بريطانيا تحارب نظام السخرة حتى جرى إلغاؤه بشكل نهائي سنة 1892م[4].

غير أنّ الاهتمام الكبير الذي أبدته الحكومة البريطانيّة في إصلاح نظم الريّ والزراعة

(197)

في مصر، لم يُقصد منه الخير لمصر، ونفع أهلها، وتوفير العزّ والرفاهية لهم، كما لم يكن النهوض بالزراعة وزيادة إنتاجية البلاد من المحاصيل والحبوب المختلفة هدفه تحقيق البلاد للاكتفاء الذاتي من هذه السلع والمحاصيل، والتخفيف عن كاهل الأهالي، بل كان بغرض نجاح زراعة محصول واحد وهو القطن، والتوسّع في زراعته؛ لخدمة مصالح بريطانيا، وأهدافها الاستعماريّة، وتوفير القدر الكافي من المادّة الخامّ اللازمة للمصانع البريطانيّة، خاصّة وأنّ القطن المصريّ اشتهر بجودته[1].

كان للسياسة البريطانيّة التي اتّبعتها في الزراعة بمصر، بتوجيه كل الجهود للاهتمام بمحصول واحد وهو القطن، آثار كارثية على البلاد عامّة والزراعة خاصّة، فقد جاء الاهتمام بزراعة القطن على حساب بقية المحاصيل الزراعية الأخرى، وخاصة المحاصيل الأساسية التي يعتمد عليها السكان لتوفير احتياجاتهم الضرورية من السلع الغذائية، مثل الحبوب، والقمح، والأرز، والسكر، وغيرها، وتحوّلت مصر من بلد منتج لهذه المحاصيل، إلى بلد يعتمد على الاستيراد الخارجي لكفاية حاجتها من المواد الغذائيّة؛ مما زاد من قيمة الورادت[2].

ومن أجل إخلاء المجال أمام زراعة القطن سعَت بريطانيا جاهدة للقضاء على زراعة المحاصيل الزراعية التي تقف عائقًا أمام انتشار زراعة القطن في مصر، فكانت لها جهود كبيرة في القضاء على زراعة الدخان التي كانت رائجة في البلاد، حيث شكّل الدخان المنافس الأقوى بين المحاصيل الزراعيّة للقطن، ولذلك فرضت على الدخان ضرائب كبيرة، فبعد أن كانت قيمة الضريبة المفروضة على عوائد الفدّان الواحد من الدخان جنيهين ونصف مصريًّا فقط سنة 1880م، وصلت في سنة 1884م إلى عشرين جنيهًا، ثمّ زادت إلى ثلاثين جنيهًا في سنة 1887م، مع فرض غرامة قدرها مئة جنية مصريّ على كل

(198)

فدّان من الدخان يُضبط مزروعًا أو مشتولًا بغير الحصول على ترخيص بزراعته، وكذلك معاقبة البلدان التي يضبط بها زراعة شيء من الدخان دون ترخيص، بمنع زراعته بها مدّة خمس سنوات، ولا تزال السلطات البريطانيّة تحارب زراعته حتى ألغتها تمامًا بموجب قانون خاصّ في يونيه سنة 1890م[1]، وفرضت غرامة مالية كبيرة قدرها 200 جنيه على كل فدان يزرع دخانًا، مع مصادرة وإتلاف المحصول، واستعانت بالاستيراد من الخارج لسدّ احتياج البلاد من الدخان، وحتى عندما تراجعت الحكومة البريطانيّة عن قرارها بمنع زراعة الدخان والسماح بزراعته مرّة أخرى، حجّمت زراعته، واقتصرت على عدد من المديريّات وهي: بني سويف، والمنيا، وأسيوط، وجرجا، وقنا، واشترطت زراعة كل مديريّة 100 فدان بحدٍ أقصى، وفرضت رقابة صارمة على المخالفين، كما زادت من الضرائب المفروضة على المناطق المزروعة دخانًا[2].

 كما حاربت سلطات الاحتلال البريطانيّ زراعة الكتّان، فتقلّصت زراعته من 57297 فدان إلى 4128 فدان، وقلّ إنتاج البلاد منه، حيث بلغ 20640 قنطارًا، بعد أن كان 286985 قنطارًا قبل مجيء الاحتلال[3]، كذلك قضت سياسة الاحتلال على زراعة نبات النيلة، الذي يستخدم في صناعة الأصباغ، وعوّضت ذلك باستيراد النيلة من بلاد الهند، والأصباغ الصناعيّة من الخارج، كما انخفضت زراعة القمح، والشعير، وقصب السكر، ولم يعد إنتاج البلاد منها يكفي لسدّ حاجة السكان، وقامت الحكومة البريطانيّة بسدّ العجر عن طريق الاستيراد من الخارج[4].

وبشكل عام، فإنّ سياسة الاحتلال البريطاني في مصر لم تهتم إلّا بزراعة القطن وما يخدمه، ولم يكن اهتمامها ببعض المحاصيل الأخرى إلا لكون زراعتها تخدم زراعة القطن، مثل ما فعلت مع البرسيم، حيث حرصت على استمرار زراعته؛ نظرًا لارتباطه

(199)

بمحصول القطن؛ لكونه يحافظ على خصوبة التربة الزراعيّة، حيث يحتوي على المواد اللازمة لنموّ النبات؛ ولذلك بلغت المساحة المزروعة من البرسيم حوالي خمس مساحة الحاصلات الزراعيّة في مصر[1].

ومع ذلك فإن المحافظة على استمراريّة زيادة الانتاج من محصول القطن، ورهن اقتصاد البلاد بهذا المحصول كانت محلّ شك، فقد كانت معرّضة لمخاطر كثيرة ومخاوف عظيمة ناجمة عن احتمالية حدوث عجز في الإنتاج أو المحصول لأي سبب كان، من مثل قلّة المياه، نتيجة انخفاض مياه النيل، أو حدوث كساد أو أزمة عالمية في سوق القطن، أو تعرّض المحصول للإصابة بأيٍّ من الأفات الزراعية، وخاصة الدودة التي غالبًا ما كانت تصيب محصول القطن، وقد ظهر ذلك جليًّا في العديد من السنوات كما حدث سنة 1904م، حيث أصيب محصول القطن بالدودة، وكان من آثاره إتلاف كمية كبيرة من القطن ما قيمته مليونين من الجنيهات، وتكرّر المشهد مرة أخرى سنتي 1908، 1909م، وترتّب على الأزمة في هذه المرة خسارة ما قيمته ثمانية مليون جنيه من محصول القطن[2].

من جانب آخر فإن طريقة الريّ الدائم كان لها آثار سلبيّة على الأرض الزراعيّة، حيث تعرّضت الأرض للملوحة نتيجة تشبّعها بالمياه، كذلك فإن زراعة الأرض لمرّتين أو ثلاثة بعد أن كانت تُزرع مرة واحدة؛ أضعف التربة، خاصّة مع استمراريّة زراعتها لمحصول واحد متمثّلًا في القطن، ممّا أدّى إلى إجهادها وقلّة إنتاجيّتها، الأمر الذي ترتّب عليه ضعف إنتاج محصول القطن[3]، وممّا زاد الأمر سوءًا أنّ الإدارة البريطانيّة لم تسعَ لإيجاد حلّ لهذه المشكلة من جذورها، والوقوف على الأسباب الحقيقة التي أدّت إلى ذلك، بل حاولت معالجة هذه المشكلة بشكل مؤقّت بما يخدم مصالحها، دون النظر إلى مدى تأثير ذلك على الأرض مستقبلًا، وتمثّلت معالجتها في استخدام السماد الكيميائي، وبلا

(200)

شكّ فإنّ هذه الطريقة لم تكن كافية لمعالجة المشكلة، إنما كانت مسكّنًا مؤقتًا لحلّ الأزمة، كما أن استخدام السماد أضاف أعباء إضافية على الفلّاحين؛ حيث زادت تكلفة زراعة فدان القطن من 20 إلى 25 شلنًا على أثر استخدام السماد الجديد، ولم يكن في استطاعة الفلاحين استخدام السماد الطبيعي؛ نظرًا لغلاء علف الحيوانات[1].

ولقد ظهر ضعف إنتاج البلاد من القطن من خلال الإحصائيّات الرسميّة، فرغم زيادة مساحة القطن المزروع كلّ سنة، إلّا أنّ المحصول كان متفاوتًا بين الزيادة والنقصان، تبعًا للأسباب سابقة الذكر، ومن أمثلة ذلك، انخفاض متوسط إنتاج البلاد من القطن في بدايات القرن العشرين مقارنة مع إنتاج تسعينات القرن السابق، رغم اتّساع المساحة المزروعة في البلاد تلك الفترة[2].

يظهر ممّا سبق، أن اتّساع زراعة القطن في مصر فترة الاحتلال البريطانيّ لم تعد بالنفع على البلاد ولا على الفلّاح المصريّ، إنّما كانت الفائدة الكبرى لخزانة الحكومة البريطانيّة، وفي المقابل كان لهذه السياسة الزراعة أحادية الجانب، آثارها الكارثيّة على الشعب المصري عامّة، حيث ظلّ يعاني لعقود؛ نتيجة لهذه السياسة الزراعيّة، وذلك بعد أنّ رهن غذاءه بالاستيراد من الخارج، وعلى المستوى المستقبلي فقد أسهمت إدارة الحكومة البريطانيّة للزراعة في مصر في إجهاد التربة الزراعة وقلّة إنتاجيّتها، وتعرّضها للتصحّر، ولا زالت البلاد تعاني من آثار تلك السياسات حتى وقتنا هذا.

(201)

المحور الثاني

أوضاع الصناعة في مصر فترة الاحتلال البريطانيّ

عانت الصناعة المصريّة كثيرًا في ظلّ الاحتلال البريطاني، وخاصّة في الفترة من 1882م حتى قيام الحرب العالميّة الأولى سنة 1914م، وذلك نتيجة السياسة التي اتّبعتها الحكومة البريطانيّة، التي هدفت إلى تدمير الصناعة المصريّة المحلّيّة؛ حتى تكون غير قادرة على منافسة السلع والمنتجات الواردة، وليس أدلّ على ذلك من أن البريطانيّين لم يدخلوا صناعة واحدة إلى مصر في فترة الدراسة، بل على النقيض من ذلك، عملوا على القضاء على كل ما هو من شأنه أن يعود على الصناعة بالتقدّم والازدهار[1].

عملت السياسة البريطانية في مصر على نشر أكذوبة أن مصر غير مؤهلة لأن تكون بلدًا صناعيًّا ناجحًا؛ نظرًا لافتقارها لمقوّمات الصناعة، وحاولت ترسيخ ذلك في نفوس المصريين، لدرجة أنهم سجّلوها في الكتب المدرسية، حتى تصبح حقيقة راسخة في عقول التلاميذ وأذهانهم، ومن ثمّ تضمن تسليم الجميع بحقيقة ضعف قدرات البلاد الصناعية، وما يترتّب عليه من عدم رغبة المصريّين وإقبالهم على العمل بالصناعة، ومن ثم الاعتماد على الواردات الصناعية القادمة من الخارج[2].

وقد انقسمت الصناعة في مصر في عهد الاحتلال البريطاني حتى قيام الحرب العالميّة الأولى إلى قسمين: الصناعات الصغيرة، والصناعات الكبيرة، فأمّا الصناعات الصغيرة فهي الصناعات الوطنيّة أو الأهلية التي يعتمد عليها الأهالي، وهي صناعات بسيطة قديمة، يقتصر وجودها على الورش والحوانيت الصغيرة، ويقوم بالعمل بها مجموعة صغيرة من الصنّاع والعمّال، وهي صناعات بدائيّة، حيث تُستعمل فيها الأساليب والآلات القديمة، وأبرز هذه الصناعات: الحدادة، والنساجة، والبناء، والصباغة، والنجارة،

(202)

والدباغة، وقد انتشرت الصناعات الصغيرة في كافة أنحاء القطر المصريّ، ومع ذلك فقد اشتهرت بعض الأماكن بنوع معيّن من هذه الصناعات، حيث عُرفت القاهرة بكونها مركزًا مهمًّا لأنواع الحرف وضروب الصناعات، وكانت المحلّة الكبرى متخصّصة في صناعة المنسوجات القطنيّة والحريريّة، واشتهرت في دمياط صناعة المنسوجات الحريريّة، والنجارة، والجلود، والأحذية، وفي أسيوط انتشرت صناعة المنسوجات عامّة وعمل الشيلان خاصّة، وأمّا قنا فتركّزت فيها صناعة الفخّار[1].

أمّا الصناعات الكبيرة التي برزت في مصر أثناء تلك الفترة، فهي تلك التي قامت في المصانع الكبيرة، برؤوس أموال أجنبيّة، حيث لم يُقْبِل المصريّون على استثمار أموالهم في الصناعة؛ خشية تعرضهم للخسارة، ولذلك سيطر الأجانب على الصناعات الكبيرة في مصر، وكانت أشهر المصانع آنذاك شركة الغزل الأهليّة بالإسكندريّة، وشركة السكر، وشركات الأسمنت، والطوب، والكحول، والصابون، والمطاحن[2].

وفي الوقت الذي اعتمدت فيه الصناعات الكبيرة التي يسيطر عليها الأجانب على الأنظمة والوسائل والآلات الحديثة، كانت الصناعات الأهليّة تقوم على كفاءة العامل والصانع؛ لذلك لم يكن هناك وجه للمقارنة بين الجانبين، ولم تستطع الصناعات الأهليّة البسيطة مجابهة الإمكانيّات الهائلة للمصانع الكبيرة، ومع الوقت انهارت الصناعات الصغيرة، وأصبحت غير قادرة على منافسة منتجات المصانع الكبيرة، وتعرّض أصحابها لخسائر كبيرة، ممّا كان له أكبر الأثر في إهمال الصناع والحرفيين للصناعات الأهليّة، وأقبل الكثير منهم على إغلاق ورشهم وحوانيتهم[3].

لقد أسهمت عوامل عدة في انهيار الصناعة في مصر في فترة الدراسة، وكان للاحتلال البريطاني الدور الأبرز في حدوث هذا الانهيار؛ فقد أهمل الصناعة، وأسهمت سياسته

(203)

في إضعاف الصناعة وتدميرها، حيث صبّ اهتمامه على الزراعة وخاصّة زراعة القطن، وأهمل زراعة المحاصيل الأخرى التي تستخدم في الصناعة، مثل الكتان، وقصب السكر، والزيتون، والفواكه، كما لم يعتنوا بتربية الأغنام والماشية[1].

ومن العوامل التي أدّت إلى تدهور الصناعة في مصر، عدم اهتمام المصريّين بالصناعة، وتوجّههم إلى الزراعة، حيث فضّل أصحاب رؤوس الأموال من المصريّين استثمار أموالهم في الزراعة واستصلاح الأراضي، وأحجموا عن المجازفة بأموالهم في الصناعة خشية تعرّضهم للخسارة؛ نظرًا لعدم قدرتهم على منافسة المصانع الأجنبيّة، التي تعتمد على الأساليب الحديثة في الصناعة، في حين اعتمد المصريّون على الوسائل البدائيّة القديمة، كما كانت المصنوعات الأجنبيّة تنال الإعانات والمنح والمساعدات من حكوماتها، بينما عانت الصناعات المصريّة من كثرة فرض الضرائب[2].

وشكّلت الرسوم الجمركيّة أحد أكثر العوامل التي أرهقت الصناعة المصريّة وأدّت إلى إضعافها، لا سيّما وأنها كانت تطبّق من قبل مصلحة الجمارك التي يتولّى إدارتها أحد المشرفين البريطانيّين، والذين لم يعبأوا بتوفير الحماية الجمركيّة للصناعة المصريّة، وقد نصّت المعاهدات التجارية التي وقعت بين مصر والبلاد الأجنبيّة على فرض ضريبة على الواردات تقدَّر بـ8%، واستثنى من ذلك السكّر المكرَّر، وخشب البناء، والكحول، والحيوانات، والبترول، حيث كان من حقّ الحكومة أن تزيد نسبة الرسوم عليها عن نسبة 8%[3]، أمّا الرسوم الجمركيّة على الصادرات فلم تتعدَ نسبة 1,25% من قيمتها، وكان لهذه الإجراءات الجمركيّة التعسّفية أثرها السلبي على الصناعة الأهلية، حيث حرمتها من التمتّع بالحماية الجمركيّة؛ إذ إنّ الرسوم الجمركيّة على الواردات من المنتجات الصناعيّة الأجنبيّة قليلة؛ ممّا أدّى إلى زيادة حدّة المنافسة الأجنبيّة للصناعات المحلّيّة، في حين

(204)

كانت الصناعات الأهليّة تعاني من تكلفة باهظة؛ نتيجة ارتقاع الجمارك على الواردات من الآلات والمواد الخام اللازمة للصناعة؛ مما شكّل الكثير من الأعباء؛ فأصبحت الصناعة المصريّة غير قادرة على منافسة المنتجات الصناعيّة الواردة من الخارج، والتي تتمتّع بقدرات مميّزة في منافسة الصناعات الوطنيّة[1]. 

عملت سلطات الاحتلال البريطاني في مصر، ومن خلفها الحكومة المصريّة المغلوب على أمرها، والقابعة تحت وطأته، على إرهاق الصناعات المصريّة، بكثرة فرض الضرائب على المنتجات الصناعية، والمواد الخام التي تستخدم في الصناعة، وعلى السلع الضرورية التي تصنع داخل البلاد، ويستعملها جميع أبناء المجتمع مثل السكر والكبريت والشاي[2]، وعملت جاهدة على جعل المنتج المحلّي أكثر تكلفة من المنتجات المستوردة؛ حتى لا يستطيع منافستها، وقد توسّع اللورد كرومر[3] في تطبيق هذه السياسة، عندما فرض رسوم تقدر بـ8% على جميع المصنوعات القطنية المصريّة؛ ممّا أدّى إلى انهيار صناعة غزل القطن التي كانت رائجة من قبل، خاصّة مع توفر المواد الخام، وانخفاض أجور العمال العاملين بها، كما اتّبع السياسة نفسها على الدخان؛ ممّا أدّى إلى تدمير صناعته[4]. كذلك فرضت ضريبة الاستهلاك على السكر وكان لها آثار كبيرة في إضعاف صناعته في البلاد[5].

استغل الأجانب فرصة تدهور الصناعة الوطنيّة، وانخفاض مستوى معيشة الصناع

(205)

والحرفيين المصريين، فعملوا على إضعاف تلك الصناعة والقضاء عليها، وإحكام السيطرة على الصناعة المصريّة برمتها، حتى لا يكون هناك منافس لمنتجاتهم، ومن جانب آخر عملت على استغلال الصناع المصريين خاصة المهرة منهم، وتفريغ الورش منهم، عن طريق جذبهم إلى العمل في المصانع المملوكة لهم، وفي الوقت الذي انهارت فيه الصناعات الأهليّة البسيطة، حلّت على أنقاضها الصناعات الأجنبيّة التي تعتمد على الوسائل المتقدّمة[1].

ونتيجة للجهود البريطانيّة في الدعاية والتحفيز على جودة الصناعة الأجنبيّة عامّة والبريطانيّة خاصّة، وأنها تفوق الصناعة الأهليّة في الجودة والسعر[2]، وإضافة إلى إغراق البلاد بالواردات الأوروبيّة، فقد عزف الأهالي عن الصناعات المحلّيّة، ونزعوا إلى اقتباس الذوق الأوروبي، واستعملوا الواردات الأجنبيّة في جميع نواحي الحياة في المأكل والملبس والمسكن، بدلًا من المنتجات والصناعات المحلّيّة[3].

وكان من نتائج تدهور الصناعة أن باعت الحكومة المصريّة مغازل القطن، ومعامل النسيج، ومصانع صبّ المدافع، وصنع البنادق، والذخائر، وباعت معدّاتها وآلاتها، كما ألغت مصنع الورق ببولاق، وعطّلت الترسانة بالإسكندريّة وباعت أدواتها وآلاتها، واستعاضت عن ذلك بالاستيراد من الخارج، وخاصّة من بريطانيا، كما اندثرت الكثير من الصناعات الأهليّة، وخلا الجو أمام المصانع الأجنبيّة للانفراد بمقاليد الصناعة المصريّة في تلك الفترة، واتّجه الكثير من الصنّاع والحرفيّين للعمل في الزراعة والأعمال الأخرى، وقلّ عدد العاملين في الصناعة حتى بلغ سنة 1907م حوالي 380 ألفًا شاملًا الرجال والنساء، وهو ما يعادل نسبة 3,4% من نسبة سكّان مصر آنذاك، وهي نسبة قليلة للغاية[4].

ولعلّ أبلغ وصف يوضح مدى الانهيار الذي وصلت إليه الصناعة المصريّة فترة

(206)

الاحتلال البريطانيّ حتى قيام الحرب العالميّة الأولى، ما جاء في تقرير اللورد كرومر سنة 1905م، حيث وصف الحالة التي وصلت إليها الصناعة المصريّة، فقال: «إنّ المنسوجات الأوروبيّة حلّت محلّ المنسوجات الوطنيّة، وبانقراض المنسوجات الوطنيّة أخذت الصناعة الأهليّة تنقرض أيضًا... مَن يقارن الحالة الحاضرة بالحالة التي كانت منذ عشر سنوات أو خمس عشرة سنة، يجد بونًا شاسعًا، وفرقًا مدهشًا، فالشوراع التي كانت مكتظّة بدكاكين أرباب الصناعات والحرف، من غزّالين، ونسّاجين، وحاكة، وعقاريين، وصبّاغين، وخيّامين، وصانعي أحذية، وصاغة، ونحاسين، وعطّارين، وصانعي قُرب وغرابيل، وسروج، وأقفال، ومفاتيح، ومن شاكلهم كلها؛ قلّت عددًا أو درست، وقام على أطلالها المقاهي، والدكاكين المملوءة بالبضائع الأوروبيّة»[1].

(207)

المحور الثالث

تأثير الاستعمار البريطانيّ على التجارة

اعتنت سلطات الاحتلال البريطاني في مصر بالتجارة؛ لخدمة مصالحها ومصالح الدول الأجنبيّة الأخرى، لا سيّما وأنهم سيطروا على تجارة البلاد، وجاء ذلك الاهتمام لتسهيل تصدير المواد الخام وخاصّة القطن، واستيراد المواد المصنوعة والسلع والمنتجات اللازمة.

التجارة الداخليّة والخارجيّة: سيطر التجّار الأجانب على التجارة الداخليّة في مصر في فترة الاحتلال البريطانيّ حتى قيام الحرب العالميّة الأولى، وزاد عددهم، وتضاعفت محلّاتهم التجاريّة، حيث وجدوها أرضًا خصبة لاستثمار أموالهم في التجارة بها، لا سيّما مع الامتيازات الكبيرة التي توفّرت لهم، وصاروا المتحكّمين في حركة البيع والشراء، وأسعار السلع والمنتجات، وصادرات البلاد ووارداتها[1].

انهارت الأسواق المصريّة؛ نظرًا لكساد الحالة الاقتصاديّة في البلاد، وضعف عجلة الإنتاج، وكانت الأسواق قبل الاحتلال رائجة، حيث اعتاد المصريّون على نصب الأسواق في القرى وحول المساجد والكنائس؛ إذ تنتشر عمليّات البيع والشراء، ويتبادل الناس السلع والبضائع فيما بينهم، ولكن مع تدمير الزراعة، واتّجاه البلاد لزراعة محصول واحد وهو القطن مع أولويّة تصديره إلى بريطانيا؛ قلَّ المعروض من السلع والبضائع في الأسواق، وسادت حالة من الكساد في الأسواق المحلّيّة، وتركت مصر سياستها القديمة القائمة على تحقيق الاكتفاء الذاتي، وارتضت السياسة التجارية الجديدة التي رسمها لهم التجّار الأجانب، والتي تعتمد على الواردات الخارجيّة[2].

كما أحكمت الشركات الأجنبيّة قبضتها على تجارة مصر الداخليّة والخارجيّة، وتضاعفت أعداد هذه الشركات، فقد بلغت الشركات العاملة بمصر في نهاية القرن التاسع

(208)

عشر الميلادي حوالي 78 شركة، برأس مال بلغ 21,167,575 جنية مصري، كان منها 45 شركة أجنبيّة، و33 شركة محلّيّة صغيرة[1]، ومع الوقت زادت رؤوس أموال الشركات الأجنبيّة بشكل كبير[2]، خاصة في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حتى بلغت في سنة 1914م حوالي 100,152,000 جنيها[3]، وهو ما يعادل نسبة 91% من مجموع الأموال العاملة في الشركات والمصانع المساهمة في البلاد[4]، حتى أنه أُوكل إليهم تنفيذ كثير من المشاريع الكبرى، مثل مشاريع الري، وبناء القناطر والكباري، والسكك الحديدية، والمصارف العقارية والمالية وغيرها[5].

خطوط المواصلات والملاحة البحرّيّة: عملت سلطات الاحتلال البريطاني على تطوير وسائل المواصلات المختلفة لخدمة مصالحها، وتيسير حركة الاستيراد والتصدير للمنتجات الأجنبيّة، خاصّة وأنها كانت المستفيد الأكبر من ذلك بحكم تحكّمها في تجارة مصر الداخليّة والخارجيّة.

شرع الاحتلال سنة 1891م في إنشاء السكك الزراعية، حيث جرى إنشاء الكثير منها، للربط بين الأراضي الزراعيّة، وتسهيل حركة انتقال البضائع والمحاصيل بين المدن والقرى[6].

وفيما يخصّ السكك الحديديّة في تلك الفترة، فقد جرت صيانة بعض خطوطها، وشرعت سلطات الاحتلال في إنشاء الكثير من الخطوط الجديدة، ففي عهد الخديوي توفيق (1879-1892م) بلغ مجموع أطوال الخطوط الحديدية حوالي 234 كم، كان

(209)

أبرزها خط سكك حديد باب اللوق – المعادي، وخط شربين – بلقاس، وخط الرحمانية – دمنهور، وخط شبين الكوم – منوف، وخط أسيوط – جرجا، وزادت خطوط السكك الحديدية في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني (1892-1914م)، حيث بلغت أطوالها 806 كم، كان منها خط المكس، وخط منوف – الشهداء، وخطّ الإسماعيليّة – بورسعيد، وخط الواحات وغيرها، ورغم اتّساع شبكة السكك الحديديّة في تلك الفترة، لكن الاستفادة منها في نقل البضائع كان محدودًا؛ نظرًا لارتفاع تكلفتها خاصّة عند نقل المحاصيل الزراعيّة الكبيرة الحجم، الخفيفة الوزن، القليلة الثمن والسعر، إضافة إلى أن الخطوط الحديديّة شيّد غالبيّتها بمحاذاة النيل والترع، فكان ذلك ممّا يفصل بينها وبين مراكز الإنتاج، ويصعب من النقل عبرها[1].

ولقد سيطر الأجانب على الملاحة البحريّة في مصر في فترة الاحتلال البريطاني حتى قيام الحرب العالمية الأولى، بعد أن قضوا على أسطول مصر التجاري، حيث عطلت الترسانة البحرّيّة بالإسكندريّة، وبيعت آلاتها وأدواتها، كذلك عُطل الحوض الحجري بالإسكندريّة، وكان مُعدًّا لإصلاح السفن، وبيعت آلاته ومعدّاته، وفي سنة 1898م باعت الحكومة المصريّة إلى شركة بريطانية بواخر مصلحة البوستة الخديوية، وكان عددها إحدى عشرة باخرة كبيرة، بثمن زهيد قُدر بـ150,000 جنيهًا فقط[2]، واضطرت مصر -عقب إضعاف الأسطول التجاري- إلى الاعتماد كلّيًّا في مواصلاتها البحرّيّة على الشركات الأجنبيّة، وخاصّة البريطانيّة منها، وتولّت الأخيرة نقل البريد وغيره من المهمّات الحكوميّة والأجنبيّة والسلع والبضائع على نفقة المصريّين[3].

صارت مصر خاضعة لما يختّطه الأجانب فيما يخصّ المواصلات البحرّيّة، وجاءت كلها لخدمة مصالحهم، وتحقيق المزيد من المكاسب والامتيازات، والتي وقع عبؤها

(210)

على كاهل المصريين، حتى قناة السويس، أبرز خطوط الملاحة المصريّة، والمنفذ البحري الحيوي الذي يتحكّم في طريق التجارة الدولية بين الشرق والغرب، لم يكن للمصريين حرّيّة التحكّم فيها أو حتى إدارتها، بل تحكّمت بها الدولة الأجنبيّة المساهمة، والتي عقدت مؤتمرًا في الأستانة في الفترة من (1885-1888م) للنظر في إشكالية إدارة القناة، وانتهى المؤتمر باتفاقٍ، نصّ على: حيادية القناة، وفتحها لمرور سفن جميع الدول في وقت السلم، أمّا في وقت الحرب فيُسمح لسفن الدول المحاربة بالمرور، شريطة ألّا تقوم بأيّ عمل حربي بها، ولا على بعد ثلاثة أميال بحرّيّة من طرفيها الشمالي والجنوبي، وألّا يُسمح لهذه السفن بالبقاء في الموانئ المصريّة أكثر من أربع وعشرين ساعة، وقد جرى ذلك الاتفاق دون أن يكون لمصر دور أو رأي فيه، واقتصر دورها على أخذ العمل الذي تراه مناسبًا لحماية القناة وحفظ سلامتها، أي أن دورها اختُزل في كونها حارسًا للقناة، وحاميًا لمصالح وسفن الدول الأجنبيّة[1].

الصادرات والواردات: انتعشت حركة الاستيراد والتصدير في مصر فترة الاحتلال البريطاني حتى قيام الحرب العالمية الأولى، ولكن معظم عائداتها صُبّت في مصلحة الأجانب الذي تحكّموا في الحركة التجاريّة في البلاد.

شهدت قيمة الصادرات والواردات المصريّة زيادة كبيرة في تلك الفترة، لكن نسبة زيادة الواردات كانت أكبر من زيادة نسبة الصادرات، وهو ما يعكس الحالة التي وصلت إليها مصر في ظلّ الاحتلال البريطاني في تلك الفترة، حيث تحوّلت إلى بلد مستورد للكثير من المنتجات والسلع؛ من أجل سدّ حاجة سكّانها خاصّة من السلع الضروريّة، بعد أن كانت تحقّق سابقًا الاكتفاء الذاتي في الكثير من هذه السلع، بل وتصدر بعضًا من الفائض منها. وفي الوقت الذي زادت فيه قيمة الصادرات حتى بلغت سنة 1914م مبلغ 31,662,000 جنيهًا مصريًّا، بعد أن كانت 12,983,204 جنيهًا سنة 1880م؛ نتيجة لزيادة صادرات القطن وبذرته، كذلك زادت قيمة الواردات المصريّة بشكل أكبر، حيث

(211)

ارتفعت من 8,201,000 سنة 1880م إلى 27,865,000 جنيهًا في سنة 1913م؛ نظرًا لكثرة واردات مصر في تلك الفترة، وهو ما يوضح أنّ نسبة زيادة الواردات كانت أكبر من نسبة زيادة الصادرات[1].

ورغم التأثيرات السلبيّة الكبيرة على الأوضاع الاقتصاديّة عامّة والنشاط التجاري خاصّة، نتيجة زيادة حجم الواردات المصريّة عن الصادرات في تلك الفترة، لكنّها لم تكن المشكلة الأكبر، إنّما كانت المشكلة في نوعيّة الصادرات والواردات وحجمها، ففي الوقت الذي لم تتجاوز فيه حصيلة الصادرات الصناعيّة نسبة 9% من قيمة صادرات البلاد في تلك الفترة[2]، حصلت الصادرات الزراعيّة على النسبة الأكبر من حصيلتها، لكن غالبيّة هذه النسبة تمثّلت في القطن الذي استحوذ على النصيب الأكبر من الصادرات المصريّة عامّة، حيث تراوحت نسبته ما بين 80-93% من حصيلة الصادرات، في حين شكّلت كافة الصادرات الزراعيّة الأخرى نسبة قليلة ومحدودة، مثل السكر، والبيض، والأرز، والبصل، والصوف، أمّا الواردت فقد كانت كثيرة ومتعدّدة لا سيّما وأنها شملت السلع الضروريّة والمواد الغذائيّة[3].

الضرائب: شكّلت الضرائب المصدر الرئيس في إيرادات البلاد وميزانيّتها، وقد وقع العبء الأكبر من حصيلة فرض الضرائب على المصريين، في حين حصل الأجانب الأفراد منهم والشركات على امتيازات خاصّة في التعاملات المادّية ودفع الضرائب[4].

وانقسمت الضرائب في مصر في تلك الفترة إلى قسمين: القسم الأوّل هو الضرائب المباشرة، وتتمثّل في الضريبة العقارية على الأراضي الزراعيّة والمباني، وفي الوقت الذي كان المصريّون يواظبون فيه على دفعها، كان الأجانب يتهرّبون من الوفاء بها، لا سيّما بعد إقرار المحاكم المختلطة بعدم فرض الضرائب المباشرة على الأجانب دون موافقة الدولة

(212)

صاحبة الامتيازات، ومن ثمّ فقد وقع غالبيّة هذه الضرائب على المصريّين. أمّا القسم الثاني من الضرائب التي عُرفت في مصر في تلك الفترة فهي الضرائب غير المباشرة، وتشمل العديد من الأقسام منها رسوم الموانئ، ورسوم مصائد الأسماك، ورسوم الدمغة، ورسوم دفع المصوغات، والرسوم القضائيّة، والرسوم الجمركيّة، وكانت الحكومة المصريّة صاحبة الحق في الحرّيّة في إقرارها وفرضها[1].

عملت الحكومة المصريّة التي كانت تقبع تحت وطأة الاحتلال البريطاني على الحصول على أكبر إيراد مستطاع من فرض الضرائب، من أجل الوفاء بخدمة سداد الدين، وفي ظل صعوبة الحصول على ذلك العائد من حاصلات الضرائب المباشرة؛ نظرًا للامتيازات والمعاهدات التجارية للرعايا الأجانب؛ فقد حاولت الحكومة تعويض ذلك عن طريق عائدات الضرائب غير المباشرة، والتي يقع عبؤها على جميع أبناء الشعب المصري، حيث يدفعها الفقير والغني؛ ولذلك فقد زادت قيمة الضرائب غير المباشرة في تلك الفترة، وكانت قبل ذلك أقل إيرادًا من الضرائب المباشرة، ولكن مع وجود الاحتلال البريطاني زادت إيرادات الضرائب غير المباشرة عن إيرادات الضرائب المباشرة، ففي ميزانية سنة 1900م بلغت قيمة عائدات الضرائب المباشرة مبلغ 5,539,167 جنيها، في حين كانت قيمة عائدات الضرائب غير المباشرة حوالي 5,438,882 جنيهًا، ومع زيادة النفوذ الأجنبي، واستثمارات الأجانب الاقتصاديّة أصبحت الضرائب غير المباشرة تدرّ عائدًا أكبر من الضرائب المباشرة[2].

وأمام عجز الحكومة المصريّة -المسلوبة الإرادة والقوّة- في الوفاء بمتطلّبات الديون، خاصّة مع عدم قدرتها على فرض الضرائب المستحقّة على الأجانب، اضطرّت إلى فرض كثير من الأعباء على المصريين، حيث أُقرّت الكثير من الرسوم على السلع والمنتجات الضروريّة من مثل البن والشاي والكبريت والدخان وغيرها ممّا يستخدمها غالبيّة السكّان،

(213)

في حين لم تستطع فرض المزيد من الضرائب على الكماليّات وأدوات الزينة والمنتجات الترفيهية؛ لكون غالبيّتها يقع على الأجانب والطبقات الغنيّة، إضافة إلى أنها تأتي بالقليل من الإيرادات؛ نظرًا لمحدوديّة استخدامها[1].

ورغم وقوع معظم الضرائب في تلك الفترة على عاتق المصريين، إلّا أنّهم كانوا الفئة الأقل استفادة من عوائد هذه الضرائب، بل إن كثيرًا من الأجانب الذين فرضت عليهم القليل من الضرائب قد تهرّبوا من الوفاء بهذه الضرائب، استفادوا بعوائد الضرائب أكثر من المصريّين، وكانت معظم إيرادات البلاد تذهب إلى خدمة الدين؛ إذ خصّصت سلطات الاحتلال في الفترة من 1882 إلى 1900م نسبة تتراوح ما بين 24-40% من إجمالي حصيلة الصادرات لخدمة الدين، وهو ما يعادل 35 إلى 46% من إجمالي الإيرادات الحكوميّة في تلك الفترة[2].

(214)

النتائج

- تركّزت السياسة الاقتصاديّة للاحتلال البريطانيّ في مصر على ربط البلاد ببريطانيا، وجعل الاقتصاد المصري تابعًا للاقتصاد البريطاني، وبناءً على ذلك أولَت اهتمامًا بالجوانب التي تخدم مصالحها، في حين أهملت غيرها؛ ففي الوقت الذي اعتنت به سلطات الاحتلال بالزراعة والتجارة، أهملت متعمّدة الصناعة.

- لاقت الزراعة عناية كبيرة من قبل سلطات الاحتلال البريطانيّ في مصر، وأولوا اهتمامًا كبيرًا بالمشاريع الزراعيّة، ووسائل الري وتحسينها، بهدف زيادة المساحة الزراعيّة، لاستغلالها في زراعة القطن، وتوفير المواد الخامة اللازمة للصناعة البريطانيّة.

- شكّل محصول القطن غالبيّة إنتاج مصر من المحاصيل الزراعيّة في فترة الدراسة، وصار اقتصاد مصر مرهونًا بما تنتجه البلاد من القطن، وبأسعاره عالميًّا.

- عمل الاحتلال البريطانيّ جاهدًا على محاربة زراعة معظم المحاصيل الزراعيّة التي قد تشكّل منافسة لزراعة القطن، مثل الدخان والكتّان والحبوب وغيرها؛ ممّا ترتّب عليه عجز في توفّر السلع والمنتجات الضروريّة، وعوضها بالاستيراد من الخارج، وكان لذلك آثار كبيرة في ضعف اقتصاد البلاد وإرهاق المصريّين.

- عانت التربة الزراعيّة كثيرًا، وتعرّضت للإجهاد وقلّة الإنتاج، والتصحّر؛ بسبب السياسة البريطانيّة المتّبعة في الزراعة، والمتمثّلة في زراعة محصول واحد وهو القطن، وكذلك من الطرق الخاطئة في معاجلة ضعف إنتاجيّة الأرض باستخدام المبيدات الكيماويّة.

- أهملت سلطات الاحتلال الصناعة إلى حدّ كبير، وعملت على القضاء عليها، حتى تجعل من مصر سوقًا لترويج منتجاتها، وخير مثال على ذلك أن مصر كانت تستورد معظم مصنوعاتها القطنيّة من بريطانيا، رغم أنّ الأخيرة كانت تعتمد على القطن المصريّ بوصفه مادةّ خامًا لإقامة الصناعة.

(215)

- اهتمّت الحكومة البريطانيّة بالتجارة في مصر، وأسهمت في إصلاح طرق المواصلات الداخليّة والخارجيّة، لتسيير حركة الصادرات والواردات، لخدمة مصالحها، وتقليل نفقات النقل، لكونها الدولة الأكثر في تعاملات التبادل التجاري مع مصر؛ حيث كانت تحصل على معظم الصادارات المصريّة المتمثّلة في القطن، وفي الوقت ذاته كانت أكثر البلاد المصدّرة للسلع والمنتجات إلى مصر.

(216)

قائمة المصادر والمراجع

1. إبراهيم، شحاتة عيسى، الكتاب الأسود للاستعمار البريطاني في مصر، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2015م.

2. أمين، جلال، قصة الاقتصاد المصري من عهد محمّد علي إلى عهد مبارك، دار الشروق، القاهرة، 2012م.

3. حنين، جرجس، الأطيان والضرائب في القطر المصري، المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، 1904م.

4. الحية، أحمد أحمد، تاريخ مصر الاقتصادي في القرن التاسع عشر، مطبعة المصر، مصر، 1967م.

5. روذستين، المسيو تيودور، تاريخ مصر قبل الاحتلال البريطانيّ وبعده، تعريب: علي أحمد شكري، مكتبة الهلال، القاهرة، 1927م.

6. الزيادي، داليا عادل، النظم الاقتصاديّة المقارنة، مراجعة: أحمد مندور، القاهرة، (د، ت).

7. صبري، محمّد، تاريخ العصر الحديث مصر «من محمّد علي إلى اليوم»، ط2، مطبعة مصر، القاهرة، 1927م.

8. عباس، أحمد فاروق، أثر الحروب البريطانيّة على الاقتصاد المصري في النصف الأوّل من القرن العشرين «مع التركيز على مشكلة الأرصدة الإسترلينية»، مقال بمجلة مصر المعاصرة، العدد 544، الجمعية المصريّة للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، القاهرة، 2021م.

9. عبد الله، أمين مصطفى، تاريخ مصر الاقتصادي والمالي، ط3، مكتبة الأنجلو المصريّة، القاهرة، 1954م.

10. القوني، مصطفى، تطور مصر الاقتصادي في العصر الحديث، المطبعة الأميرية ببولاق، القاهرة، 1944م.

11. لهيطة، محمّد فهمي، تاريخ فؤاد الأول الاقتصادي «مصر في طريق التوجية الكامل»، مطبعة الشبكشي، مصر، 1945م.

(217)

12. ـــــــــــــــــــــــــــــ، تاريخ مصر الاقتصادي في العصور الحديثة، القاهرة، 1938م.

13. اللورد كرومر، تقرير عن المالية والإدارة والحالة العموميّة في مصر والسودان سنة 1906م، مطبعة المقطم، مصر، 1907م.

14. ـــــــــــــــــــــــــــــ، مصر الحديثة، ترجمة: صبري محمّد حسن، مراجعة وتقديم: أحمد زكريا الشلق، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2015م.

15. مصطفى، محمّد عبد الرحمن، تاريخ مصر الحديث، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1951م.

16. هرشلاغ، (ز. ي)، مدخل إلى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الأوسط، نقله إلى العربيّة: مصطفى الحسيني، دار الحقيقة، بيروت، 1973م.

(218)

الاستعمار الفرنسي لمصر في ظروفه الزمانيَّة والمكانيَّة

المقدمات التاريخيّة - الأسباب الموضوعيّة والنتائج

 

غيضان السيِّد علي[1]

تمهيد

شهدت نهاية القرن الثامن عشر الميلادي استئنافًا جديدًا للحملات الصليبيّة على الشرق الإسلامي بعد توقّف دام ما يزيد على خمسة قرون؛ حيث امتدّت الحملات الصليبيّة من أواخر القرن الحادي عشر حتى العقد الأخير من القرن الثالث عشر الميلاديّ (1096-1291م). وقد تمثّل هذا الاستئناف في حملة فرنسيّة على مصر بقصد الاستيلاء على خيراتها، ونهب ثرواتها، ثم احتلالها وجعلها نواةً لإمبراطوريّة فرنسيّة في الشرق تكون قاعدتها مصر. هذا فضلًا عن تحقيق جملة من المآرب الاقتصاديّة والسياسيّة والاستراتيجيّة فرضتها الظروف والأحوال في ذلك العصر.

لم تكن فكرة احتلال مصر وليدة اللحظة التي جاءت فيها الحملة إلى مصر في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، بل هي حلم فرنسي قديم يعود إلى القرن السابع عشر أيّام حكم الملك لويس الرابع عشر (1662-1714م)؛ حيث قدَّمَ له الفيلسوف الألماني ليبنتز مخططًا متكاملًا لغزو مصر تحت عنوان: (Aegyptiacum Consiluam) بهدف ضرب التجارة الهولنديّة في الهند التي تمرّ عن طريق مصر، لكن الملك رفض الخطة؛ لأنَّ الظروف السياسيّة لم تكن مؤاتية لمثل هذا الغزو، خاصة أنّ فشل الحملات الصليبيّة وهزائمها المنكرة لم تكن قد مُحيت تمامًا من ذاكرة الغربيّين، وتحسّبًا لعداوة الدولة

(219)

العثمانيَّة التي كانت لا تزال مرهوبة الجانب، وخوفًا من أن يصطدم الجيش الفرنسي بالأسطول الإنجليزي وهو في طريقه إلى مصر، فتفقد فرنسا جيشًا من خيرة جيوشها. ثمّ تكرّرت الدعوة مرة أخرى لاحتلال مصر في عهد لويس الخامس عشر (1715-1774م) ثمّ لحقتها دعوة مماثلة في عهد الملك لويس السادس عشر (1774-1789م) لكن كان مصير كلا الدعوتين كمصير أولاهما هو الرفض، بيد أن الأمر قد تغير تمامًا بعد الثورة الفرنسيّة التي قامت في 14 يوليو 1789م باقتحام سجن الباستيل والقضاء على الحكم الملكي الإقطاعي وإعلان الجمهورية. وقد تزامن هذا مع بداية عصر انهيار الدولة العثمانيَّة المترامية الأطراف التي أدركتها الشيخوخة والهرم، وتفشت الثورات في أرجائها؛ فثار عليها على بك الكبير في مصر، وأحمد باشا الجزّار في الشام، والوهابيّون في شبه الجزيرة العربيّة، وعلي باشا في ألبانيا، والشعوب المسيحيّة في البلقان، حتى أصبحت السيادة العثمانيَّة سيادة اسمية فقط، وازدادت أطماع الدول الأوروبيَّة في ولاياتها، وما كانت الحملة الفرنسيّة على مصر سوى فصل من فصول أطماع الدول الأوروبيّة في ولاياتها، وحلقة من حلقات الصراع الأوروبي (الإنجليزي - الفرنسي).

فما هي الخلفيّات التاريخيَّة وراء قدوم الحملة الفرنسيّة إلى مصر؟ وما هي أهدافها الاستراتيجيَّة؟ وكيف كانت ظروف مصر وقت مجيء الحملة؟ وكيف جرت وقائعها الميدانيّة الرئيسة؟ وما هي أهم الآثار والنتائج التي ترتّبت على مجيء هذه الحملة؟ وإلى أيّ مدى يصدق رأي المنبهرين بالغرب على أنّ الحملة الفرنسيّة حدث فريد واستثنائي، وأنّها قد أيقظت مصر والعرب والمسلمين من سباتهم العميق؟ تلك هي أهم الأسئلة التي سيحاول هذا البحث الإجابة عنها.

وهنا تكمن أهميّة هذا البحث؛ إذ يلقي الضوء على تاريخ الاستعمار الفرنسي لمصر في ظروفه الزمانيَّة والمكانيَّة (الخلفيّات، الأهداف الاستراتيجيّة، الظروف المحيطة، الأسباب، الوقائع الميدانيّة، النتائج والآثار) من خلال وجهة نظر موضوعيَّة بعيدًا عن تلك الرؤى المنبهرة بالغرب في كل شيء حتى في احتلاله لنا! كما يقف على حقيقة

(220)

الاستعمار الفرنسي وأغراضه الحقيقيَّة الخبيثة التي تمثّلت في نهب خيرات وثروات مصر، واستغلال موقعها الجغرافي لإقامة امبراطوريّة فرنسيّة في الشرق، هذا فضلًا عن الرغبة المحمومة في وأد اليقظة الإسلاميّة التي بدأت تتبلور في المجتمع الإسلامي في مصر والشام والحجاز، وسرقة النفائس العلميّة، والسعي لنشر البدع والمنكرات بين أبناء الأمّة، ونشر السفور والخلاعة والمجون والمنكرات لتغييب هويّة المجتمع الإسلاميّة.

وقد استخدم الباحث في إنجاز بحثه مجموعة من المناهج البحثية، لعلّ أهمّها المنهج التاريخي الذي يتمّ من خلاله سرد الوقائع والأحداث مرتبة زمنيًّا. والمنهج التحليلي الذي يعمل على تحليل النصوص وعرض الأفكار ومناقشاتها، وكذلك المنهج الوصفي؛ إذ إنّه الأنسب في وصف مجريات الحملة الفرنسيّة على مصر.

 وللتناول الجيّد لهذا الموضوع قسَّم الباحث بحثه إلى مقدمة وخاتمة وأربعة محاور أساسية؛ إذ تناولت المقدمة أهمية الموضوع وتساؤلاته ومناهجه. وتناول المحور الأوّل: الخلفيات التاريخيَّة للحملة الفرنسيّة على مصر، بينما تناول المحور الثاني: أسباب الحملة الفرنسيّة على مصر. في حين تناول المحور الثالث: الوقائع الميدانية للحملة الفرنسيّة. ليأتي المحور الرابع ليرصد لأهم الآثار والنتائج التي ترتّبت على مجيء الحملة إلى مصر. ثمّ عرضت الخاتمة لأهم نتائج البحث.

أوّلًا: الخلفيّات التاريخيَّة للحملة الفرنسيّة على مصر

يمكننا الحديث عن الخلفيّات التاريخيَّة للحملة الفرنسيّة على صعيدين اثنين، الأوّل يدور حول أحوال فرنسا في العقد الأخير من القرن الثامن عشر. والثاني يدور حول أحوال المجتمع المصري قبيل مجيء الحملة الفرنسيّة. وهو ما سنعرض له فيما يلي:

1-الأحوال في فرنسا: كانت الثورة الفرنسيّة التي قامت في 14 يوليه 1789م من أهمّ الأحداث التي شهدها تاريخ فرنسا الحديث؛ حيث قامت بتغييرات راديكاليّة داخل المجتمع الفرنسي؛ وجاءت بمفاهيم جديدة للعصر الحديث أثَّرت في المبادئ والنظم السياسيّة والاقتصاديّة، وأجرت تحولّات سياسيّة واجتماعيّة كبرى في التاريخ السياسي

(221)

والثقافي لفرنسا بوجه خاص وأوروبا بوجه عام. وقد قامت هذه الثورة بقيادة الطبقة الجديدة (البرجوازيّة – الوسطى) من أصحاب المصالح التجارية والصناعية الجديدة بالتحالف مع طبقة العامّة. كما عملت حكومات الثورة الفرنسيّة على إلغاء الملكية المطلقة، والامتيازات الإقطاعية للطبقة الارستقراطية، ونفوذ رجال الدين. ودخلت فرنسا بعد الثورة في تجارب مختلفة من أشكال السلطة التنفيذيّة والتشريعيّة؛ فقامت الجمعيّة التشريعيّة، ثمّ المؤتمر الوطني، ثم حكومة الإدارة التي جاءت في عهدها الحملة الفرنسيّة على مصر[1]. وقد شهدت تلك الأحوال الجديدة في فرنسا بعد الثورة تغيرات خارجية أيضًا لا تقل أهمية عن تلك التغيرات الداخلية. وسوف نعرض بإيجاز لأهم الظروف الداخلية والخارجية لأحوال فرنسا قبل مجيء الجملة الفرنسيّة إلى مصر مع مراعاة التركيز على تلك الأحوال والظروف التي كانت من الأسباب المباشرة أو غير المباشرة لمجيء الحملة إلى مصر.

أ- الصراع الفرنسي الإنجليزي: شهد النصف الثاني من القرن الثامن عشر ذروة الصراع بين إنجلترا وفرنسا؛ إذ استطاعت إنجلترا تأسيس شركة الهند الشرقيّة، فتمكّنت في زمن قياسي من السيطرة على مقاليد التجارة العالميّة، وهو الأمر الذي هدّد اقتصاد فرنسا بنسبة كبيرة. في حين أنّ قيام الثورة في فرنسا والقضاء على الحكم الملكي وإعلان الجمهورية قد أصاب ملوك أوروبا بالرعب والخوف على عروشهم، ومن ثمّ بدأوا سياسة التحالف فيما بينهم للقضاء على الثورة في فرنسا وإعادة الملكيَّة، أو على أقلّ تقدير منع تسرّب مبادئها خارج حدود فرنسا[2]. ولذلك لم يكن غريبًا أن تشنّ إنجلترا مع حلفائها أكثر من حرب ضد فرنسا، غير أنّ قوات الثورة بقيادة نابليون بونابرت أحرزت انتصارات كثيرة (خلال الفترة من 1795-1797م) على القوات المعادية لها، انتهت إجمالًا بتوسيع حدود فرنسا حتى بلجيكا ونهر الراين وربوع إيطاليا حتى البحر الأدرياتي والجزر الغربيَّة

(222)

من مجموعة جزر أيونيا، حتى أصبحت فرنسا إحدى القوى العظمى في أوروبا. ومع كل انتصارات فرنسا على أعدائها إلّا أن الانتصار المباشر على غريمتها التقليديّة (إنجلترا) ظلّ أمرًا صعب المنال؛ نظرًا لموقعها الجغرافي المنعزل عن القارة الأوروبيَّة، فقد كان من المتعذّر على الأسطول الفرنسي نقل الجيش عبر المانش أو بحر الشمال إلى إنجلترا بسبب وجود الأسطول البريطاني القوي في المانش[1]. ومن هنا استوجب الصراع ضرب المصالح الإنجليزيّة خارج إنجلترا، ومن ثم كانت فكرة غزو مصر.

ب- شكاوى التجّار الفرنسيين من سوء معاملة المماليك: لا شكّ في أنَّ رموز الثورة الفرنسيّة وقادتها كانوا من طبقة البرجوازيّة من أصحاب المصالح التجارية الجديدة، وكانت تجارتهم تعبر البحر المتوسط إلى مصر، وكانت شؤون مصر الداخلية تقع تحت حكم المماليك. وقد توالت شكاوى التجّار الفرنسيين في مصر من سوء معاملة المماليك لهم، حتى استجابت الحكومة لشكاواهم وعيّنت قنصلًا عامًا لفرنسا في مصر هو المسيو مجالون (Magallon) عام 1793م الذي كان من كبار التجّار وعلى دراية واسعة بشؤون مصر، لذلك كان من أهمّ دعاة احتلال فرنسا لمصر؛ فلم يلبث أن حثّ حكومته على ذلك، مبيّنًا المزايا السياسيّة والاقتصاديّة التي ستعود عليها من استثمار مواردها، ومد سلطانها إلى البحر الأحمر وتهديد مصالح إنجلترا في الهند. وبيّن القنصل لحكومة بلاده سهولة احتلال مصر، واستطاع إقناع تالليران (Talleyrand)[2] وزير الخارجيّة آنذاك برأيه، حيث التقى في هذه الفكرة مع بونابرت[3].

ج- أحلام نابليون بتكوين إمبراطوريّة فرنسيّة في الشرق: مثَّلت انتصارات نابليون

(223)

المتتالية في أوروبا إغراءً حقيقيًّا لصاحبها، حيث بدأ يحلم بتكوين إمبراطوريّة فرنسيّة في الشرق تكون قاعدتها مصر. واكتمل الحلم في رأس نابليون بعد انتصاراته في إيطاليا وسكنه فيها، واحتلاله موطن يوليوس قيصر، وبالقرب من مقدونيا موطن الإسكندر الأكبر، وهو الأمر الذي أوحى إلى نابليون بتقليدهما في فتوحاته الكبيرة، فاختار مصر منجذبًا بعظمتها القديمة، وبات يحلم بتشييد إمبراطورية على ضفاف النيل تحقّق ما كان يجيش بصدره من آمال كبار، فيستطيع منها ضرب إنجلترا، وأن يجعل البحر المتوسط «بحيرة فرنسيّة»، ومن هنا اختمرت الفكرة في ذهنه وهو ما زال بإيطاليا، فجعل يفكر في مبرّرات ووسائل تحقيقها ليعرضها على حكومة الإدارة التي وافقت على طلبه[1]. كما أنّ الوضع السياسي المضطرب في باريس جعله يفضّل البقاء بعيدًا عن بلاده، لفترة طويلة، على أن يعود إليها كزعيم منقذ حين يحين الوقت فيقلب الحكم ويستلم السلطة. وقد أدرك وزير الخارجيّة «تالليران» بذكائه النفاذ ووصوليّته المتناهية أنّ الزمن يعمل لصالح بونابرت فربط مصيره به وتبنّى قضيّته أمام حكومة الإدارة، وأقنع رجالها بآرائه، وجعلهم يوافقون على تجهيز الحملة على مصر[2].

د- تعدّد المزايا التي تعود على فرنسا من غزو مصر: كانت فرنسا تدرك حجم المزايا التي ستعود عليها من الاستيلاء على مصر، فقد كان ملك فرنسا لويس الخامس عشر يطمع في أن تتنازل له الدولة العثمانيَّة عن مصر، وتكرّرت الفكرة أيام لويس السادس عشر، وكان ذلك لتسهيل اتصال تجارة فرنسا في شرق آسيا عن طريق مصر، بدلًا من الدوران حول أفريقيا، ولكن طلبهما قوبل بالرفض التام من السلطان العثماني. وتجدّد الحلم خاصّة بعد الضعف النسبي الذي أصاب الدولة العثمانيَّة وأصبح احتلال مصر لا يحتاج أكثر من بضعة أشهر بقوة لا تزيد عن ثلاثين ألف جندي. وأنّ هذه التكلفة بسيطة

(224)

جدًّا في مقابل المزايا الكثيرة التي ستجنيها فرنسا والتي يأتي على رأسها موقع مصر الجغرافي الممتاز باعتبارها ملتقى التجارة بين القارّات الثلاث، وأنه بإنشاء قناة تصل بين البحرين الأحمر والمتوسّط يمكن للسفن الفرنسيّة أن تصل للبحر الأحمر وتهاجم أملاك إنجلترا في الهند، فضلًا عن بسط سيادة فرنسا على البحر المتوسط. وقد أشاد بونابرت بعظمة مصر القديمة وذكر في مبرّراته أنّها من أخصب بلاد العالم، وأن في الإمكان ترقية زراعتها وإعادة منزلتها القديمة، إذا وَجَدَت بها حكومة حديثة وإدارة صالحة[1]. ومن ثم كان غزو مصر على رأس مشاريع حكومة الثورة في فرنسا.

2- أحوال المجتمع المصري قبيل الحملة الفرنسيّة

كانت الأحوال في مصر على النقيض تمامًا منها في فرنسا، حيث كانت فرنسا تتجه نحو التقدّم والريادة وامتلاك أسباب القوة، أما أحوال مصر فقد كانت من سيّئ إلى أسوأ؛ لذلك كان من الضروري الوقوف على تلك الأحوال في مصر لكي نفهم تطوّر الحوادث، وأسباب الهزيمة، والفرق بين أوضاع المجتمع الفرنسي الأوروبي وأوضاع المجتمع المصري والعربي والإسلامي، ويمكن إيجاز الأحوال في مصر فيما يلي:

أ- انهيار الأوضاع الاقتصاديّة: اعتمدت دولة المماليك في بناء اقتصادها بشكل أساسي على عوائد سيطرتها على طرق التجارة العالمية بين الشرق والغرب، فكان اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح نهاية القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر بمثابة ضربة قاصمة للاقتصاد المصري المملوكي. وقد حاولت مصر -رغم المفاجأة- أن تدفع هذا الهجوم، وأن ترسل السفن إلى البحر الأحمر، والقوات العسكرية إلى اليمن لكي تمنع استيلاء البرتغاليين على عدن أو دخولهم البحر الأحمر وتهديدهم لموانئ الحجاز، وقد بذل السلطان المملوكي قنصوه الغوري كل ما في وسعه، إلّا أنَّه لم يحقّق نتائج حاسمة[2]. فتقلّصت صلات مصر التجاريّة وتأثّرت إلى حدّ كبير، هذا إلى

(225)

جانب عوامل أخرى لا تقلّ أهميّة أثَّرت بشكل كبير في تدهور الاقتصاد المصري، كان من أهمَّها: الضريبة الباهظة المفروضة على مصر للسلطان العثماني، وعدم استقرار الأمن الداخلي، والنزاع بين الفرق العسكرية، والنزاع المملوكي العثماني، والإغارات المتلاحقة لبدو الصحراء، فضلًا عن عدم ثبات العملة المتبادلة واختلاف المكاييل والموازين من مكان لآخر. ولقد ساعدت هذه الأحوال على انهيار الوضع الاقتصادي.

ب- تدهور الزراعة: كانت الأرض الزراعية ملكًا للحاكم يوزعها على أتباعه أو يوزعها على الفلاحين يزرعونها نظير دفعهم ضرائب فيما عُرف بحقّ الانتفاع، أي أن الفلاحين لا يمتلكون الأرض ملكية قانونيَّة، وإنّما يزرعونها مقابل تسديد الضرائب عنها، وكان يتولّى جمع هذه الضرائب مجموعة من الملتزمين يحصل الواحد منهم على التزام (امتياز) جمع الضرائب الخاصّة بناحية معيّنة من خلال مزاد عام تُعرض فيه حصة الالتزام، ويعطى الالتزام لمن يرسو عليه المزاد، وكان غالبًا ما يدفع الملتزم حصّة الالتزام مُقدمًا للخزينة[1]، ثم يتولّى هو جمعها أضعافًا مضاعفة من الفلّاحين، إذ يحصل الملتزم على «الفائض» أو فائض الالتزام[2]؛ وهو الفرق بين ما يدفعه للخزانة وبين حصيلة ما يجبيه فعلًا من فلّاحي القرية أو القرى الأخرى الواقعة في دائرة الالتزام. هذا فضلًا عن تخصيص قطعة أرض كبيرة من أجود الأرض الزراعية تسمى «الوسِيَّة» (عُشر مساحة دائرة الالتزام) للملتزم معفاة من الضرائب، تخصّصها الخزينة نظير جمعه للضرائب من الفلاحين الذين عانوا أشد أنواع المعاناة من استغلال وطمع الملتزمين وجشعهم وقسوتهم في التعامل مع الفلّاحين؛ حيث يقول الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»: «وكان إذا تأخّر الفلاح في دفع الضريبة جرّوه من شنبه وبطحوه وضربوه بالنبابيت رجال الملتزم، هذا عدا ما كان يراه من عسف الصراف النصراني من مماطلة في استخراج ورقة الخلاص، وكذلك

(226)

الشاهد والشاويش اللذان كانا يسومانه أنواع العذاب»[1]؛ فقلّت نتيجة لذلك المحاصيل، وارتفعت الأسعار، واجتاحت البلاد مجاعات عديدة[2]. وقد كان الملتزمون من شرائح اجتماعيّة مختلفة؛ فمنهم المماليك، ورجال العسكر، ومشايخ العرب، والعلماء والتجّار، بل والنساء فيما بعد. وأصبح الملتزم مع الزمن يورث هذا الحق لأبنائه، ومع تدهور الأحوال أصبحت الدولة لا تهتمّ إلّا ببيع الالتزام لمن يتعهّد بدفع مبلغ معيّن للخزانة[3]. ونتيجة لذلك عانى الفلاحون من سطوة الملتزم وتدهورت أوضاع الزراعة، وزحفت الرمال على الأرض الخضراء، وهجر الفلّاحون قراهم[4].

ج- تأخّر الصناعة وانحطاطها: وصلت الصناعة في القرن الثامن عشر في مصر إلى مرحلة يُرثى لها من الانحطاط[5]، حيث كانت في معظمها صناعات يدوية بسيطة لم تصل مرحلة الصناعة الآلية كما كان الحال في ذلك الوقت في أوروبا؛ حيث لم تهتم الدولة بالصناعة، ولا بشؤون الصنّاع وتدريبهم. حيث كانت الدولة ممثلة في الوالي العثماني الذي كان يعيش حياة منعزلة تمامًا عن الواقع الحياتي المصري، بينما انشغل المماليك بصراعاتهم التي لا تنتهي، وكل ما كان يوجد هو طوائف حرفيّة، تسكن كلّ طائفة مكانًا منعزلًا عن بقية المجتمع كان يطلق عليه مسمى «حارة»، فنشأت حارة الصناديق، والمغربلين، والصاغة والنحّاسين... إلخ[6]. وكان يرأس كل طائفة شيخ منتخَب ينظّم العلاقة بين أبنائها وبين المجتمع. كما يتولّى مهمّة الفصل في المنازعات وإنهاء المشاكل التي قد تحدث بين أفراد الطائفة[7]. لكن هذه الطوائف تضرّرت بشكل كبير جراء إهمال

(227)

الدولة لشؤونهم، هذا فضلًا عن قسوة الضرائب الباهظة التي كانت تُفرَض عليها بمناسبة أو دون مناسبة، حتى هجر كثير من الصنّاع والحرفيّين المصانع وتدهورت الصناعة بشكل واضح.

 د-الأحوال الاجتماعيّة وقسوة الانقسامات الطبقية: بلغ عدد سكان مصر في ذلك الحين ثلاثة ملايين، ينقسمون إلى حكّام ومحكومين، وقد عانى المجتمع المصري تحت حكم المماليك والعثمانيّين من الطبقية المقيتة؛ حيث انقسم المجتمع المصري إلى طبقتين متمايزتين أشدّ ما يكون التمايز، وهما طبقة الحكام، وطبقة عامّة الشعب أو المحكومين؛ شملت الطبقة الأولى الأتراك والبكوات من المماليك الذين كان لهما السلطة والنفوذ. وقد استبدّ المماليك بحكم البلاد وكان عدد المقاتلة يتراوح بين تسعة وعشرة آلاف مملوك ما بين مقدّمين وأمراء وكشاف وضباط وجاقات وأجناد وأتباع. وكان عددهم لا يزيد بالتناسل، لأنهم كانوا قليلي النسل، فكانوا يتمّمون نقصهم ويحفظون عددهم وعصبيتهم بالأرقّاء، يشترونهم فتيانًا وفتيات من الشركس الذين كانوا يُباعون في سوق الرقيق بالآستانة، فيعتنون بتربيتهم، وكثيرًا ما يعتقونهم فيصبحون أحرارًا، ولكنهم يحفظون عهد أسيادهم ويكونون من حزبهم وعصبيّتهم. فمن هؤلاء المماليك، أحرارًا وأرقاء، كان يتكوّن جيش مصر[1]. أمّا طبقة المحكومين، فكانت تتألّف من شريحتين؛ أوّلهما تشمل المشايخ والعلماء وكبار الملاك والتجار والأفندية، وهؤلاء يمكن اعتبارهم شريحة وسطى. وثانيهما يتكون منها الشطر الأكبر من الأمة، وتشمل الفلّاحين وصغار الحرفيّين وعامّة الناس وهؤلاء يمثّلون الشريحة الدنيا من الطبقة الثانية. وكانوا في حالة يُرثى لها من الجهل والفاقة[2].

هـ - الصراعات السياسيّة: تحوّلت مصر بعد هزيمة المماليك بقيادة السلطان طومان باي في 1517م إلى ولاية عثمانيّة، ولم يختلف الحكم العثماني في جوهره عن حكم

(228)

المماليك السابق عليه، إلّا في استحداث أساليب وأدوات التبعيَّة للسلطان العثماني. وقامت في مصر العثمانيَّة ثلاث إدارات تحكم مصر كلٌّ منها تراقب الأخرى، وهي: الوالي، وهو نائب السلطان ويلقب بالباشا ومقره القلعة، والديوان وسلطته مراقبة الوالي بل عزله، والبكوات المماليك ومهمّتهم إدارة شؤون البلاد. وقد حمل هذا النظام في طياته عوامل ضعفه بسبب قصر مدة حكم الوالي التي كانت في الغالب سنة واحدة ما لم يتم التجديد له، وكان أقصاها ثلاث سنوات. كما أن زيادة سلطة الديوان والحامية العسكرية تسبب في صراعات كان منشؤها أهواء رؤساء الجند والولاة. وانتهز المماليك فرصة استمرار النزاع والحروب بين الفريقين فأخذوا يعملون على الانفراد بالحكم. فنظام الحكم السياسي في مصر قد تطور مع الزمن، وانتهى التنافس بين السلطات الثلاث إلى تغليب سلطة البكوات المماليك، فأصبح لزعيمهم الملقب بـ«شيخ البلد» نفوذ لا يُعارض وكلمة لا تُرد، وصارت مشيخة البلد بمثابة إمارة مصر. مما أدى إلى عبث المماليك بالولاة وأخذوا يعزلون من لا يرضون عنه، كما عبثوا بالجزية، فكانوا لا يدفعون منها إلّا ما يروق لهم دفعه ويقتطعون منها ما يشاؤون بحجّة الإنفاق على مصالح البلد[1]. يضاف إلى ما سبق الأزمة الناتجة عن احتدام الصراع السياسي العسكري بين الأميرين المملوكين المسيطرين، إبراهيم بك ومراد بك، وتناحر أتباع كلٍّ منهما مما خنق البلاد بأزمات متوالية زاد من حدّتها فوضى الضرائب والإتاوات وانتشار أعمال العنف التي تعاقبت بشكل مريع خلال العقد الأخير من القرن الثامن عشر[2].

نخلص ممّا تقدّم أنّ أحوال المجتمع المصري كانت على النقيض تمامًا مع أحوال المجتمع الفرنسي؛ حيث كان الأخير في تقدّم مستمرّ بالعمل والإنتاج، ووصل إلى مرحلة من التنوير الدينيّ والثقافي والسياسيّ من حيث الثورة على تسلّط رجال الدين المسيحيّ، ورفض الحكم الإلهيّ المطلق وإقامة الجمهورية وإعلان مبادئ الحرّيّة والإخاء والمساواة

(229)

لكافة المواطنين؛ فانطلق الفكر البشري من عقاله ليرتاد أفاقًا فسيحة في كافة المجالات؛ فطوّر فنون الحرب والقتال وأدواته، وانطلق ليكتشف العوالم الجديدة في مجاهل البحار والمحيطات، وانفتحت شهيّته للغزو والاستعمار وتكوين الإمبراطوريات. أمَّا المجتمع المصري فكان يعاني من تدهور على كافة المستويات؛ أوضاع اقتصاديّة راكدة منهارة، وصناعة يدويّة بسيطة تعاني من عدم وجود المواد الخام وفرض ضرائب باهظة، وزراعة متدهورة لغياب الاهتمام التام بشؤونها من الدولة، وفلّاحون مقهورين، وصراع سياسي محموم بين الولاة والمماليك، والمماليك وبعضهم... إلخ. وبالمقارنة بين المجتمعين نلاحظ أنَّ ميزان القوّة المادّيّة والتفوق الحضاري والعسكري كان في صالح المستعمر الفرنسي.

ثانيًا- أسباب الحملة الفرنسيّة على مصر

تنوّعت الأسباب الفرنسيّة وراء غزو مصر بين أسباب سياسيّة وأسباب اقتصاديّة وأسباب استراتيجيّة. ولا شكّ في أّنّه كانت هناك أسباب معلَنة غير حقيقيّة وأخرى غير معلنة حقيقيّة، وسوف نقف عليها هنا بما يتناسب مع نطاق بحثنا.

1-أسباب معلَنة: أعلن الفرنسيّون مجموعة من الأسباب ادّعوا أنَّها الأسباب الحقيقية لمجيء الحملة الفرنسيّة إلى مصر، وكان أهم هذه الأسباب:

(أ)تأديب المماليك: زعم الفرنسيّون أنَّهم ما أتوا إلى مصر إلّا لتأديب المماليك وتحرير المصريّين من ظلمهم واستبدادهم؛ حيث عمد في منشوره إلى المصريّين بتذكيرهم بأنهم ينتمون إلى إقليم هو أحسن بلد في العالم، وأنّهم أمّة لم تبدأ من فراغ، بل بدأت من مجد عريض، وأنها طاولت الزمان وجودًا، وصنعت الحضارات صنعًا[1]. وقال: «إنّ من زمان مديد الصناجق الذين يتسلّطون في البلاد المصريّة يتعاملون بالذلّ والاحتقار في حقّ الملّة الفرنساويّة، يظلمون تجّارها بأنواع الإيذاء والتعدّي؛ فحضر الآن

(230)

ساعة عقوبتهم، وأخرّنا من مدة عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من بلاد الأبازة (القوقاز) والجراكسة يفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها، فأمّا ربّ العالمين القادر على كلّ شيء فإنَّه قد حكم على انقضاء دولتهم»[1].

(ب) مساعدة المصريّين في إدارة شؤون بلادهم: زعم نابليون أنَّه ما جاء لاحتلال البلاد، وإنَّما جاء من أجل الخير للشعب المصري، حيث إنَّ حكم الفرنسيين سيهيّئ للمصريّين من أمرهم رشدًا، وسوف يتيح لهم حكم بلادهم بأنفسه؛. إذ قال في منشوره إلى المصريين: «إنّ جميع الناس متساوون عند الله، وإن الشيء الذي يفرّقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب.. فماذا يميّزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملّكوا مصر وحدهم ويختصّوا بكلّ شيء أحسن فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة، فإن كانت الأرض المصريّة التزامًا للمماليك، فليرونا الحجّة التي كتبها الله لهم، ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم.. ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعدًا ألّا ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العالية، فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيدبرون الأمور، وبذلك يصلح حال الأمّة كلها»[2].

(ج) الدفاع عن الإسلام والمسلمين: زعم نابليون في منشوره إلى المصريّين أنَّ الفرنسيّين مسلمون مخلصون حاربوا حاكم رومية الذي كان يحثّ النصارى على محاربة الإسلام والمسلمين، إذ قال في منشوره: «إنَّ الفرنساوية هم أيضًا مسلمون مخلصون؛ وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخرّبوا فيها كرسي الحاكم الذي كان دائمًا يحثّ النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا منها الكواللرية (فرسان القديس يوحنا) الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين.

(231)

ومع ذلك الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبّين مخلصين لحضرة السلطان العثماني، وأعداء أعدائه أدام الله ملكه»[1].

(د) أن يعيدوا للمصريّين حضارتهم القديمة: زعم نابليون أنَّه جاء إلى مصر من أجل أن يعيد للمصريّين حضارتهم القديمة، تلك الحضارة التي تميّزت على كافة الحضارات في كافة العصور. فعمد إلى تذكير المصريين بأنهم ينتمون إلى إقليم هو أحسن بلد في العالم، وأنهم أمّة لم تبدأ من فراغ، بل من مجد عريض، وأن أمّتهم طاولت الزمان وجودًا وصنعت الحضارات صنعًا. وأن المماليك هم الذين عصفوا بهذه الحضارة، وأنهم السبب في فقر المصريين وشقائهم، وفي هذا القول إثارة لشعور الشعب على المماليك[2]. ولا شك في أن نابليون كان مؤمنًا بعظمة مصر إيمانًا كبيرًا. وهذا يبدو بصورة لا تقبل الشك حينما قال لضبّاطه وجنوده قبل الوصول إلى مصر: «إنَّ أوّل المدن التي سوف نجتازها شيّدها الإسكندر، سيكون لنا في كل خطوة ذكريات عظيمة، خليقة بإثارة فخر الفرنسيين»[3].

2- أسباب حقيقيّة: لا شكّ في أّنه كانت هناك أسباب حقيقيّة غير تلك الأسباب التي أعلنها نابليون -والتي لا تنطلي على عقول الأطفال- كانت وراء مجيء الحملة الفرنسيّة إلى مصر، نقف على هذه الأسباب فيما يلي:

أ. تكوين إمبراطوريّة فرنسيّة في الشرق تكون قاعدتها مصر: إنّ انتصارات نابليون في إيطاليا قد مكّنت له في الأرض، وطيّرت ذكره في الخافقين، وجعلته يطمح في انتصارات أعظم، وفتوحات أكبر؛ فاتّجهت آماله إلى الشرق موطن الفتوحات العظيمة، ولعلّ مقامه في إيطاليا موطن يوليوس قيصر، وعلى مقربة من مقدونيا موطن الإسكندر قد أوحى إليه أن يقلّد قيصر الروماني والإسكندر المقدوني في فتوحاتهما الواسعة، فاختار مصر

(232)

ليجعلها ميدانًا لانتصارات جديدة، واجتذبته عظمة مصر القديمة. فخُيِّل له أن يشيّد على ضفاف النيل دولة شرقيّة عظيمة تحقّق ما كان يجيش في صدره من الآمال الكبار. وأن يجعل من مصر قاعدة لإمبراطورية فرنسيّة مترامية الأطراف، فيجعل من البحر المتوسط «بحيرة فرنسيّة» كما قال في مذكراته[1].

ب. قطع الطريق بين إنجلترا ومستعمراتها في الشرق: استطاعت فرنسا النصر على الحلفاء في القارة الأوروبيَّة، لكن إنجلترا التي كانت أقوى الحلفاء شكيمة وأشدّهم مراسًا بقيت بحكم موقعها الجغرافي وقوة أسطولها البحري بمأمن من ضربات نابليون وانتصاراته؛ ففكر الفرنسيون في ميدان حرب آخر يقهرون فيه إنجلترا، فوجدوا أن مصر هي أنسب ميدان؛ حيث إن احتلالها سيقطع الطريق بين إنجلترا ومستعمراتها في الشرق، ويمكّن الفرنسيين من الوصول إلى الأملاك الإنجليزيّة في الهند؛ وفي هذا أرسل نابليون إلى حكومة الإدارة خطابًا يقول فيه: «يمكننا أن نحرم إنجلترا من مزايا سيادتها في الأقيانوس الأعظم، فإذا كانت تنازعتنا طريق رأس الرجاء الصالح في مفاوضات «ليل»، فلنتجاوز عنه ولنحتلّ مصر، فسيكون لنا فيها الطريق المفضي إلى الهند، ويسهل علينا أن ننشئ بها مستعمرة من أجمل مستعمرات العالم، وإذا أردنا أن نهاجم إنجلترا فلنهاجمها في مصر»[2].

ت. شق قناة بحرّيّة تصل البحرين الأبيض والأحمر: رأى نابليون أن طبيعة موقع مصر الجغرافي جعلها مركز الاتصال بين الشرق والغرب، وملتقى المتاجر التي تتبادلها القارات الثلاث أوروبا وآسيا وأفريقيا، وأنه بإنشاء قناة تصل مياه البحر الأحمر بالبحر الأبيض يمكن للسفن الفرنسيّة أن تصل إلى البحر الأحمر وتهاجم أملاك الإنجليز في الهند. وكان هذا مشروعًا قد بدأه السان سيمونيون الذين رأوا فيه «ضرورة دينيّة للربط

(233)

بين القارات»[1]. وعلى كلّ حال تستطيع فرنسا أن تنشئ في مصر مستعمرة ترسل إليها متاجرها ومصنوعاتها وتتحول إليها تجارة الهند والشرق وتكون طريقًا لها إلى أوروبا بدلًا من طريق رأس الرجاء الصالح، فتصبح مصر مستودعًا لمتاجر العالم وتعوض فرنسا عما فقدته من المستعمرات، وتكون في الوقت نفسه قاعدة لضرب إنجلترا في الهند وبسط سيادة فرنسا في البحر المتوسط[2].

ث. الاتجاه نحو السياسة الاستعماريّة: ويعدّ هذا السبب من أهمّ الأسباب التي جاءت من أجلها الحملة إلى مصر؛ حيث إنّ الكثير من الساسة والمفكّرين الفرنسيّين رأوا أن تتّجه فرنسا إلى السياسة الاستعماريّة ولا تترك المجال مفتوحًا على مصراعيه أمام السياسة الاستعماريّة الإنجليزيّة لتجتاح العالم وتسيطر على خيراته وحدها. وكان المسيو «تالليران»، وزير الخارجية الفرنسي آنذاك، والمسيو «مجالون»، القنصل العام، من أبرز هؤلاء المشجّعين على سلوك هذا الاتجاه؛ حيث كانا يعتقدان أن علاج العنف الموجود في المجتمع الفرنسي لا يكون إلّا بفتح ميادين أخرى لكي يصرف فيها الشباب الفرنسي حماسهم ونشاطهم الذي بعثته الثورة في نفوسهم ولم يجدوا سبيلًا لتنفيسه، فإن ممارسة السياسة الاستعماريّة إلى جانب أنه سيعود بالخيرات السياسيّة والاقتصاديّة على فرنسا سيخفّف من حوادث العنف التي كانت تعاني منها فرنسا[3]. كما رأى كلّ منهما أن احتلال مصر سيعوّض فرنسا عن مستعمراتها قبل الثورة في (الهند وكندا)، وأن وادي النيل سيكون خير تعويض عما فقدته فرنسا خاصة لحاصلاته الاقتصاديّة المتنوّعة وموقعه التجاري والاستراتيجي المهم[4].

ج. القضاء على اليقظة الإسلاميّة في الشرق: عمل المستشرقون الفرنسيّون وعلى رأسهم «المسيو مجالون» الذي أقام في مصر نيّفًا وثلاثين سنة، وعيّنته حكومة الإدارة

(234)

قنصلًا عامًّا لفرنسا في مصر سنة 1793م[1]، على لفت نظر «المسيحيّة الشمالية» إلى خطر «اليقظة الإسلاميّة» في مصر، محدّدًا إيّاها محذّرًا من سوء عواقبها، تلك اليقظة التي تمثّلت في يقظة اللّغة على يد الشيخين الكبيرين البغدادي والزبيدي وتلامذتهما، ويقظة «علوم الحضارة» على يد الشيخ الجبرتي وتلاميذه[2]. مرتئيًا أنها «يقظة» تنطلق من أقدم بيتين من بيوت العلم والعبادة على ظهر الأرض المصريّة، هما الجامع العتيق بالفسطاط والجامع الأزهر بالقاهرة. فاليقظة التي تأتي من قِبلهما سوف تؤدّي إلى يقظة دار الإسلام كلها، بما فيها اليقظة المتفجّرة المتحركة الجديدة في جزيرة العرب: فإذا تمّ اندماج اليقظتين فلا يعلم إلّا الله كيف يكون المصير؟[3]. ومن ثم كان من أهم أهداف الحملة القضاء على تلك اليقظة التي إذا استمرت ستمثّل خطرًا كبيرًا على العالم الغربي، وهو الأمر الذي تحرص عليه كافة القوى الكبرى في العالم إلى يومنا هذا.

ح. سرقة ثروات مصر الاقتصاديّة وكنوز الشرق العلميّة: نظر الفرنسيّون إلى مصر على أنها البقرة الحلوب التي لا يتوقّف درّها، فكان من أهم أهداف الحملة استنزاف خيراتها بكل الوسائل، وإثقال كاهل الشعب بالضرائب الباهظة التي فرضوها عليه، بما لم يكن معهودًا من المماليك الذين ادعى نابليون أنه جاء ليخلّص المصريين من استغلالهم[4]. وهو الأمر الذي أكّده عبد الرحمن الرافعي في حديثه عن أحوال مصر الاقتصاديّة والمالية في عهد الحملة الفرنسيّة، فيقول: «أمّا الحالة الماليّة والاقتصاديّة، فقد ساءت عما كانت عليه قبل الحملة الفرنسيّة. فإنّ توالي الضرائب والغرامات والمصادرات والنهب والتخريب والإحراق والتدمير قد أتلف الزراعة والتجارة والصناعة، وأفقر البلاد وزادها ضنكًا على ضنك»[5]. ويخبرنا الجبرتي بحال مصر بعد مجيء الحملة الفرنسيّة

(235)

فيقول: «إنه بداية اختلاف الأحوال، وفساد التدبير، وحصول التدمير وعموم الخراب»[1]. كما تحدّث الجبرتي عن نية الفرنسيين المبيَّتة لسرقة نفائسنا العلميّة وأخذ ما وجدوه إلى بلادهم. فقد سرقوا كل نفيس من الكتب، وكانت القاهرة يومئذ من أغنى بلاد العالم بالكتب. ودليل السرقة قائم بين أعيننا إلى هذا اليوم، يصيح شاهدًا على نفسه بالسطو على ذخائرنا التي يمنّون علينا بعد ذلك، في حياتنا الأدبية الفاسدة، أنهم حفظوها لنا، ونشروا لنا نفائسها. دليل السرقة قائم في جميع مكتبات أوروبا، صغيرها وكبيرها، في فرنسا وإنجلترا وهولندا وروسيا وغيرها من البلدان، وفي الأديرة والكنائس، وفي جميع أرجاء العالم المتحضّر! وكان همّهم الأكبر يومئذ هو السطو على كتب «علوم «الحضارة» أوّلًا، ثمّ على كتب «التاريخ» ثمّ على كتب «الآداب» كلها بلا تمييز[2]. هذا فضلًا عن تخريبهم الأزهر ودخوله بخيولهم والتنكيل بعلماء الأمة، وقتل أبناء الشعب بوحشيّة لا مثيل لها، والعمل على تربية جيل من بني جلدتنا يقوم بدور الفرنسيين في بلاد الإسلام، وتفتيت الوحدة الوطنيّة، والقضاء على المظاهر العمرانية الجميلة في القاهرة، والسعي لنشر البدع والمنكرات، ونشر السفور والخلاعة والمجون في المجتمع المصري لضمان عدم نهضته وقيامه من كبوَته[3].

ثالثًا- الوقائع الميدانية للحملة الفرنسيّة

استطاع نابليون بونابرت أن يقنع حكومة الإدارة بغزو مصر، ومن ثم قررت الحكومة في 5 مارس 1798م إنفاذ الحملة، وعندما تمّت الاستعدادات أصدرت قرارها في 12 أبريل 1798م بتسمية الجيش الذي سيتولّى التنفيذ بـ«جيش الشرق» وأسندت قيادته إلى الجنرال بونابرت[4] الذي توجّه في 14 مايو سنة 1798م ناحية مصر في سرّية تامّة حتى

(236)

لا يتسرّب خبره إلى الحكومة الإنجليزيّة، حتى أنّ الجنود الذين ركبوا من ميناء طولون لم يكونوا يعرفون الجهة التي يقصدونها[1]. وفي هذا الصدد يقول أحد ضبّاط الحملة: «وسرعان ما اتخذ قبطان كل سفينة موضعه وأبحر. وقد خيّبت الطرق التي سلكناها كافة تكهّنات بحّارتنا، وغُيّبت عنهم الغاية التي نستهدفها. فإذا سرنا بمحاذاة الشاطئ قالوا إنها جنوة. وإذا نأينا عنه فالذهاب إلى سردينيا. هكذا راحت المزاعم تختلف في كل لحظة»[2]. وقد ظلّ الأمر مجهولًا بالنسبة للجنود حتى ألقى نابليون بيانه الثاني من على متن السفينة « أوريون» في 2 يوليو 1798م[3]. أي قبل وصولهم الإسكندريّة بساعات قليلة، وسوف نرصد فيما يلي لأهم الوقائع الميدانيّة التي تعرضت لها الحملة الفرنسيّة في مصر.

1. سقوط الإسكندريّة والقاهرة

تمكّنت الحملة من إنزال جنودها على شواطئ الإسكندريّة ودخول المدينة في 3 يوليه؛ حيث فوجئ الحكام المماليك الذين لم يأبهوا بتحذيرات الإنجليز قبل ذلك بأيّام وظنّوا أنها مكيدة وجاوبوهم بكلام خشن[4]. وقد حاولت بعض القوى المملوكيّة التصدّي للقوّات الغازية، لكنهم باؤوا بالهزيمة؛ حيث كانت قوتهم قد استُهلكت في النزاعات الداخلية فيما بينهم، ولم يوجّهوا اهتماماتهم إلى تحصين البلاد وحفظ ثغورها لمواجهة أي أخطار محتملة. وهنا قام أهالي الإسكندريّة بزعامة السيِّد محمّد كريم حاكم المدينة بمواجهة قوات الغزو، لكنهم فشلوا في الدفاع عن مدينتهم وسيطر الفرنسيّون على الإسكندريّة واعتقلوا حاكمها الذين أعدموه رميًا بالرصاص فيما بعد. ثم واصل الفرنسيون زحفهم نحو رشيد، كما يقول الجبرتي: «وخرج معظم أهل تلك البلاد على وجوههم فذهبوا إلى فوه ونواحيها، والبعض طلب الأمان وأقام ببلده، وهم العقلاء، وقد

(237)

كانت الفرنسيس حين حلولهم بالإسكندريّة كتبوا مرسومًا وأرسلوا منه نسخًا إلى البلاد التي يقدمون عليها تطمينًا لهم»[1]. ومع ذلك قاتل المصريون في دمنهور قتالًا شديدًا تحت قيادة القائد المملوكي مراد بك عند شبراخيت والرحمانية في 13 يوليو سنة 1798م. غير أنّ بونابرت استطاع هزيمته؛ ممّا جعله يتقهقر بجنوده إلى القاهرة استعدادًا لمعركة فاصلة، فالتقى الجيشان عند «إمبابة» وهناك على مقربة من «الأهرام» هُزِمَ جيش مراد بك في معركة فاصلة، كان فيها القضاء على قوّة البلاد الحربيّة وهي المعركة المعروفة عند المصريّين بواقعة «إمبابة» وعند الفرنسيّين بواقعة الأهرام[2]. أمّا القائد المملوكي الآخر إبراهيم بك، والذي كان مرابطًا بالبر الشرقي للنيل، فإنه فور سماعه بالهزيمة التي حلت بمراد، غادر القاهرة ومعه مماليكه وأتباعه، وأعداد من المصريّين، مصطحبين معهم الوالي العثماني «أبو بكر باشا» متجهين صوب بلبيس في اتجاه الصحراء الشرقية، مما جعل القاهرة خالية من أيّة قوّة دفاع أمام الغزاة[3]. فدخل الغزاة القاهرة في 24 يوليو 1798م، وأرسل بونابرت الجنرال «ديزيه» لمطاردة مراد بك في الصعيد، كما أرسل الجنرال «رينيه» لمطاردة إبراهيم بك في الشرقيّة.

2.  المقاومة في الصعيد

على الرغم من الوعود التي بذلها نابليون للمصريّين في بداية دخوله القاهرة وتطمينه لهم بأنه ما جاء لقتالهم وإنما جاء لتحريرهم من المماليك وإشراكهم في حكم بلادهم، وبناء على ذلك أظهر احترامًا مبالغًا فيه لعلماء الأزهر وحاول استمالتهم بكل الطرق، إلّا أنّ ذلك لم ينطل عليهم وارتابوا في احترامه لدينهم وصداقته للسلطان. وبعد أن سيطر نابليون على القاهرة والوجه البحري اعتزم على إخضاع الوجه القبلي؛ إذ رأى أن بقاء قوّة معادية في الصعيد يهدّد سلطة الحكومة المركزيّة، ويكون مثابة للمقاومة الأهليّة، ويعطل

(238)

الملاحة في النيل، ويحبس الغلال عن الوجه البحري فيستهدف سكان القاهرة والدلتا وجنود الحملة للمجاعة. ومن ثم قرر نابليون احتلال الصعيد بعدما فشلت مفاوضاته مع مراد بك على أن يترك له مديرية جرجا وما يليها إلى الشلال، ويكون تابعًا للحكومة الفرنسيّة فيؤدّي الخراج الذي كان يخرج من هذه الجهات[1]. وهذه المفاوضات في حدّ ذاتها أبلغ دليل على كذب نابليون في أنه جاء ليخلّص المصريّين من ظلم المماليك. وأن كل ما كان يهمه هو إخضاع مصر وجعلها مستعمرة فرنسيّة. ومن ثمّ تفجرت المقاومة في الصعيد بصورة أقوى من الوجه البحري؛ لوجود اتصالات بين أهالي الصعيد وبين البقية الباقية من جيش المماليك. كما زاد من قوّة المقاومة في الصعيد توافد مجموعات جاءت للمساعدة من شبه الجزيرة العربيّة عبر البحر الأحمر وانضمّت للمقاومة. كما كان طول الوادي جنوبًا وبُعد الصعيد عن مركز الحكم من أهم الأسباب التي أرهقت الفرنسيّين في السيطرة على المقاومة في الصعيد.

3. ثورة القاهرة الأولى (أكتوبر 1798م)

على الرغم من أنّ منشور نابليون إلى المصريّين قد حوى من الوعود والعبارات الجميلة؛ فقد حوى كذلك تهديدًا ووعيدًا وإنذارًا للمصريّين في مادّته الثانية: «كل قرية تقوم على العسكر الفرنساوي تحرق بالنار»[2]. وعندها أدرك المصريون أنه من الحماقة الاطمئنان لوعود نابليون. وخلال معارك القوات الفرنسيّة لإخضاع الصعيد اندلعت ثورة في القاهرة ضدّ الحكم الفرنسي، كان أهمّ أسبابها: فرض ضرائب باهظة على التجّار خلافًا لما وعد به نابليون بأنه جاء لإنصاف المصريين من ظلم المماليك، وتفتيش البيوت واقتحام الدكاكين بحثًا عن الأموال، وهدم أبواب الحارات حتى يسهل مطاردة عناصر المقاومة، وهدم كثير من المساجد والمباني والآثار بحجّة تحصين القاهرة، مما أظهر وجه المحتل الفرنسي على حقيقته[3]. وقاد الأزهر الثورة، ونظّم قبول المتطوّعين بأسلحتهم،

(239)

وكانت المقاومة شديدة حتى لقد قُتل حاكم مدينة القاهرة الفرنسي القومندان ديبوي (Dupuy) ومعه نحو مئتين، وقُتل من المصريين نحو ألفين. وقد أخمدت الثورة بالقمع والإرهاب الشديد حيث دخلت القوات الفرنسيّة الجامع الأزهر بالخيول؛ حيث تحصن به حوالي 15 ألفًا من أشد الثوار حماسة، فهاجم الفرنسيون المسجد وحطموا أبوابه وقتلوا معظم الثوار بنار البنادق والمدافع[1]، ودنّسوا المسجد وطرحوا المصاحف على الأرض وداسوها بأرجلهم ونعالهم، وكسروا أوانيه ودمّروا زينته، ومزّقوا المخطوطات ونهبوا الكتب[2]. فأهاج هذا التصرّف الشعور الديني لدى المصريين، وامتدّت ثورة القاهرة إلى الأقاليم المجاورة، حيث اشترك أهاليها بالرجال والعتاد عندما وصلتهم رسائل من قيادة الثورة. مما عرضهم للقهر والتنكيل والذبح وقطع الرؤوس، وكانت جثث القتلى توضع في زكائب وتلقّى في النيل. وقد أسرف الفرنسيون في القتل، حتى أنهم فقدوا الرحمة بالنساء، فقتلوا كثيرًا منهن، وهذا أفظع ما سُمع في التنكيل وسفك الدماء[3]. حتى تم اخماد الثورة لكنها بقيت مشتعلة في قلوب المصريّين وضمائرهم.

4. موقعة أبي قير البحرّيّة (أوّل أغسطس 1798م)

بعد إنزال الجنود الفرنسيين قرب الإسكندريّة أصرَّ نابليون على أن يبقى الأسطول الفرنسي في الشواطئ المصريّة، فاضطر قائد الأسطول الجنرال برويس (Brueys) إلى أن يبحر بأسطوله إلى خليج أبي قير، اعتقادًا منه أن الخليج سيكفل لسفنه مكانًا آمنًا أكثر من ميناء الإسكندريّة. وهنا عاد نلسون قائد الأسطول الإنجليزي إلى الإسكندريّة وحاصر الأسطول الفرنسي في خليج أبي قير ونجح في القضاء عليه، فلم يترك منه سوى أربع سفن[4]. وترتب على هذا فرض الحصار البحري على الحملة في مصر؛ فانقطع الاتصال بين الحملة في مصر وبين فرنسا ممّا اضطر الفرنسيّين على أن يعتمدوا بشكل كلي على

(240)

الموارد المصريّة، فازدادت الضرائب على المصريين، كما أحدثت هذه الموقعة تقاربًا بين السلطان العثماني والإنجليز، وقد كان هذا التقارب سببًا مهمًّا من الأسباب التي أدت إلى الضغط على الحملة الفرنسيّة للخروج من مصر كما سنرى فيما بعد.

5. ثورة القاهرة الثانية (20 مارس - 21 أبريل 1800م)

لم يستسلم المصريّون ولم تهن عزائمهم بعد السيطرة على الثورة الأولى؛ بل استغلّوا الظروف الخارجيّة للثورة مرة أخرى؛ حيث عقدت الدولة العثمانيَّة معاهدة مع إنجلترا وروسيا للاشتراك معًا في إخراج الفرنسيّين من مصر بالقوة العسكرية بواسطة حملتين، واحدة من جهة الشام والأخرى من جهة الإسكندريّة؛ لذلك أرسل نابليون قواته إلى الشام ليستولي على عكّا، لكنه فشل لقوّة تحصينها، ولاستبسال قائدها في الدفاع عنها خاصة بعد الفظائع التي ارتكبها الفرنسيون في يافا والتي يشيب من هولها الولدان؛ لعلّ أفظعها قتل نابليون لثلاثة آلاف مقاتل من حامية يافا آثروا التسليم مقابل حفظ أرواحهم، لكن نابليون تنكّر لوعده بحجّة أنَّه كان عاجزًا عن إطعامهم وحراستهم في بلاد نائية لم يستتبّ له فيها الأمر، وهي حجّة واهية تنطوي على نقض العهود وتنكّر للمبادئ الإنسانية وقواعد الحروب[1]. كما بلغت بونابرت تلك المتاعب التي تواجهها حكومة الإدارة في فرنسا مع النمسا وحلفائها، فقرر العودة سرًا إلى فرنسا وترك قيادة الحملة لنائبه كليبر في 18/ 8/ 1799م، وفي تلك الأثناء أرسلت الدولة العثمانيَّة حملة أخرى إلى العريش ودمياط، وعاد المماليك للمقاومة مرة أخرى، وتجدّدت الثورة في الشرقية وامتدت إلى وسط الدلتا وغربها. وعندئذ أدرك كليبر أن من مصلحة الحملة مغادرة مصر على أن يخرج بجنوده إلى فرنسا على نفقة الدولة العثمانيَّة، وقد اتفق على ذلك فعلًا في معاهدة عُرفت بمعاهدة العريش يناير 1800م، لكن إنجلترا اعترضت وطلبت أن يسلّم الفرنسيون أسلحتهم ويسلّموا أنفسهم كأسرى حرب، وألّا يُسمح لهم بالذهاب إلى فرنسا[2]. هنا رفض

(241)

كليبر ونقض اتفاق العريش؛ فتأجّجت الثورة واندلعت نيرانها في 20 مارس 1800م في نفوس المصريّين وهاجموا معسكر الفرنسيّين بكل قوّة وبسالة، لكن كان كليبر دمويًا أكثر من سابقه فضرب القاهرة، فاحترقت أحياء برمّتها، وتهدّمت بيوت عامرة، ودفنت تحت أنقاضها عائلات بأكملها [1]. وقتل خيرة شباب مصر ورجالها، ولم يرحم كليبر وجنوده كبيرًا ولا صغيرًا، حتى أُخمدت الثورة. ووقع على المصريين غرامات فادحة واعتقال واضطهاد لم يسبق له مثيل، حتى تم اغتيال كليبر على يد شاب سوري كان يدرس في الأزهر يدعى سليمان الحلبي في 14 يونيو 1800م[2]، وقد عُذِّب أثناء إعدامه تعذيبًا شديدًا برفقة أربعة من أصدقائه، وتمّ إغلاق الجامع الأزهر.

6. جلاء الحملة عن مصر

لم تهدأ الأوضاع في مصر داخليًّا أو خارجيًّا، ولكن كانت أشبه بالنار تحت الرماد؛ إذ لم تتوقّف إنجلترا عن فكرة إخراج الفرنسيّين من مصر، فأرسلت أسطولًا جديدًا إلى أبي قير (فبراير 1801م) اشتبك مع الجيش الفرنسي واستطاع هزيمته في معركة كانوب (21 مارس سنة 1801م)[3] ثم هزمه مرة أخرى في معركة الرحمانية (9 مايو 1801)[4] متحالفًا مع الجيش العثماني. ثم استطاع الجيش العثماني القادم من سوريا بقيادة الصدر الأعظم «يوسف باشا ضيا» أن يلحق الهزيمة لأول مرة بالجيش الفرنسي الذي كان يقوده الجنرال بليار في معركة الزوامل (16 مايو 1801)[5].

كما كان انتشار الطاعون بين جنود الحملة من أهم الأسباب التي أضعفت موقف الحملة الفرنسيّة في مصر، والذي تسبّب في موت أهم حلفاء الفرنسيّين القائد المملوكي

(242)

مراد بك؛ الذي رأى الجبرتي أنَّه كان من أعظم الأسباب في خراب الإقليم المصري بما تجدّد منه ومن مماليكه وأتباعه من الجور والتهوّر، فلعلّ الهمّ يزول بزواله[1]. وقال عنه عبد الرحمن الرافعي: «كانت وفاته ضربة كبيرة أصابت آمال الفرنسيّين؛ لأنهم فقدوا بموته حليفًا قويًا كان يمكن أن يمدّهم بما لديه من حول وقوة، وحزنوا عليه حزنًا شديدًا»[2]. كذلك كان انضمام أهل القاهرة إلى المقاومة وتحفّزهم للانقضاض على الجيش الفرنسي في أيّ مكان وفي أيّ وقت من أهمّ الأسباب التي ساعدت في اقتناع الفرنسيين بأن مصر لم تعد صالحة للبقاء فيها.

وبينما كان الجيش الإنجليزي العثماني يتأهّب للهجوم على مواقع الفرنسيين في القاهرة هجومًا عامًا، جاء مندوب من قبل الجنرال بليار إلى المعسكر الإنجليزي في يوم 22 يونيو 1801م يطلب وقف القتال وفتح باب المفاوضة على قاعدة الجلاء، فقبل الجنرال الإنجليزي هتشنسون والصدر الأعظم هذا الطلب بارتياح[3].

وبعد مفاوضات استمرت لأربع أيام انتهت باتفاق جلاء الجيش الفرنسي عن مصر، ووقّع المندوبون على هذا الاتفاق، وتقتضي شروطه أن تجلى القوات الفرنسيّة عن مصر جلاء تامًا على أن يكون جلاء الجنود بأسلحتهم وأمتعتهم ومدافعهم وذخائرهم على نفقة الحلفاء[4]. وهو الاتفاق الذي رفضه الإنجليز من قبل في معاهدة العريش وقبلوه كما هو بعد أن سفكت الدماء وخربت البلاد وعمَّ البلاء؛ لأن المستعمر لا يهمّه إلّا مصلحته هو فقط، ولا يهتم أدنى اهتمام بمصير الشعوب المستعمَرة.

أمَّا الجدير بالذكر في حادث الجلاء أنَّه لما بدأ الفرنسيّون يوم 2 سبتمبر 1801م يسلمون قلاع مدينة الإسكندريّة واستحكاماتها ومدافعها والسفن الحربية التي كانت لهم في الثغر، جاء دور تسليم مقتنيات أعضاء المجلس العلمي، فاحتج أعضاء لجنة العلوم

(243)

والفنون على حرمانهم من ثمرة أبحاثهم وجهودهم واكتشافاتهم، وأوفدوا ثلاثة منهم لإقناع الجنرال هتشنسون بعدوله عن هذا الشرط، ولكن الجنرال الإنجليزي رفض طلبهم في البداية، فأجمعوا رأيهم على الامتناع عن تسليم تلك الكنوز العلميّة، وأنذروا القائد الإنجليزي بإحراقها بدلًا من التفريط فيها أو تسليمها، وأبلغوه أنهم يلقون على عاتقه تبعة حرمان العلم من هذه النفائس في حالة إصراره على طلبه، فبهت القائد الإنجليزي أمام هذا التهديد، وقبل مكرها أن يتنازل عن نفاذ هذا الشرط، وترك لهم مقتنياتهم، بيد أنه منعهم من أخذ الآثار النفيسة والمقتنيات الفرعونية التي أرادوا تهريبها معهم، وحجزها بحجّة أنها ملك مصر، لكن مصر حُرمت منها وسرقها الإنجليز إلى بلادهم وزانوا بها متاحفهم، ومن هذه الآثار (حجر رشيد) المشهور الموجود إلى اليوم في المتحف البريطاني بلندن[1]. وهذا هو دأب المستعمر دائمًا السرقة والنهب والكذب والمراوغة والاستيلاء على خيرات وثروات الشعوب المستعمَرة. وغادر الفرنسيون مصر وعم البلاد فرح عارم بجلائهم وكان آخر من أبحر منهم الجنرال (مينو) خليفة كليبر، وكان ذلك في يوم 18 أكتوبر سنة 1801م[2].

وأبلغ ما يمكننا الوقوف عليه من دراسة الوقائع الميدانيّة هو ذلك الموقف البطولي للمقاومة المصريّة؛ حيث أبدى أبناء مصر في القاهرة والوجهين القبلي والبحري ضروبًا من البسالة في مقاومة المحتلّ الغازي وعدم الانخداع بوعوده البرّاقة الزائفة، وبذل الأنفس رخيصة من أجل تحرير الأرض والوطن، فأظهروا صورًا من البطولة والتضحية أبهرت المحتلّين أنفسهم، وذلك بصور وأشكال يصعب حصرها.

رابعًا- النتائج والآثار المترتّبة على الحملة الفرنسيّة

بقي الفرنسيون في مصر ثلاث سنوات وثلاثة أشهر تقريبًا (من يوليو 1798 حتى سبتمبر 1801م) تولّى أمرهم خلالها نابليون وكليبر ثم مينو، ولم يتهيّأ لهم في أثناء

(244)

إقامتهم القصيرة بالبلاد الاستقرار اللازم لتحقيق أهدافهم الاستراتيجية، وإنما قضوها في حالة حرب ومعارك مستمرّة[1]. ومع ذلك لا يمكننا أن نتجاهل الآثار العميقة التي تركتها الحملة في مصر؛ إذ إنّ هذه الآثار شملت الجوانب السياسيّة، والاجتماعيّة والمجالات الاقتصاديّة سواء في مجال الزراعة والصناعة والتجارة، فضلًا عن تلك الآثار الفكريّة والعلميّة. وسوف نعرض لهذه الآثار فيما يلي فيما يتناسب مع نطاق بحثنا.

1. الآثار السياسيّة - دواوين الحكم: كان من أهم الآثار السياسيّة التي أحدثها الفرنسيّون فكرة دواوين الحكم لتنظيم أمور الإدارة والحكم في مصر على نمط ما حدث في فرنسا بعد الثورة من حيث نقل السلطة إلى الطبقة الوسطى وهم الأعيان في مصر، ولكنه كان نقلًا شكليًّا دون أن تكون هناك فرصة حقيقيّة للممارسة الفعليّة؛ إذ كان غرض بونابرت في النهاية التعرف على ما يدور في أذهان صفوة المصريّين؛ فأنشأ ديوان القاهرة للتداول في أحوال العاصمة، ودواوين الأقاليم للنظر في المصالح والشكاوي وجباية الأموال والضرائب المقرّرة على الأهالي. والديوان العام الذي يفترض فيه أن يمثّل السلطة التشريعيّة في البلاد، وهو يتشكّل من ديوان القاهرة والمديريّات بغرض تدريب النخب المصريّة على نظام مجالس الشورى. لكن من يتتبّع نشاط هذه الدواوين ودورها يدرك أن القصد من تشكيلها لم يكن تدريب المصريّين على الحكم الذاتي -كما تدّعي بعض الكتابات-؛ ذلك أن السلطة الفعليّة كانت في أيدي الفرنسيين إلى أقصى حدّ، بحيث اتّضح أنّ إنشاء هذه الدواوين كان بهدف الاستعانة بأعضائها من علماء ومشايخ الأزهر اعتمادًا على مكانتهم في إخضاع البلاد وتهدئتها، والاستماع إلى مشوراتهم دون الالتزام بها، وتوفير وسيلة محلّيّة للربط بين الحكّام والمحكومين. وعلى الرغم من أنّ الهدف الأساسيّ من تشكيل هذه الدواوين هو خدمة مصالح المستعمرين، فإنّها أطلعت المصريّين حقيقةً على نماذج جديدة للهيئات السياسيّة والمجالس الشورية وإن لم تكن لها سلطة حقيقيّة[2].

(245)

2. الآثار الاجتماعيّة: كثيرًا ما يُخيّل للباحث في تاريخ الحملة الفرنسيّة على مصر أنّها خلَت من الآثار الاجتماعيّة، رغم أن آثارها الاجتماعيّة كانت خطيرة للغاية؛ إذ نقلت الحملة الفرنسيّة إلى مصر أنواعًا وصنوفًا شتّى من أنواع وأصناف الفساد الاجتماعي، حيث أتت إليها بالخمّارات، وألعاب القمار، والبيوت المشبوهة، وفتيات الليل، وإباحة بيع الخمر. فعملت -بصورة مباشرة- على تغيير العادات والقيم الاجتماعيّة[1]. فقد انتشرت مظاهر الانحلال الأخلاقي بما يشمله من إباحية وفوضى أخلاقية لا تتمشّى مع التقاليد الإسلاميّة فيما حرص عليه الضباط الفرنسيون منذ دخولهم القاهرة؛ إذ اصطحبوا عشيقاتهم إلى مصر. كما شجّعت القيادة العامّة للجيش الفرنسي السيدات الأوروبيّات في القاهرة على حضور الحفلات الساهرة التي كان الفرنسيّون يقيمونها في دورهم أوّلًا، ثمّ في نادي تيفولي ثانيًا، كما لجأت قيادة الجيش إلى الاتفاق مع المغنيات والراقصات المصريات المحترفات «العوالم» كي يشتركن في إحياء الحفلات التي كانت تُقام في هذا النادي، وكانت تمارس في هذه الحفلات على نطاق واسع أمور تتنافى مع الآداب العامة. وانتشرت المراقص في شتى أنحاء القاهرة وفُتحت محال الدعارة بكثرة، وأقبل الجنود الفرنسيّون عليها إقبالًا شديدًا[2]. وفي ذلك يقول «نقولا الترك» المؤرّخ اللبناني الذي عاصر الحملة هو الآخر وحضر إلى مصر لمتابعتها وسجّل ما شاهد، فقد قال: «وخرجت النساء خروجًا شنيعًا مع الفرنساويّة، وبقيت مدينة مصر (يعني القاهرة) مثل باريس، وفي شرب الخمر والمسكرات، والأشياء التي لا ترضي ربّ السماوات»[3].

3.  الآثار في مجال الزراعة: قام علماء الحملة بدراسة مجرى نهر النيل وفحص القنوات والجسور، وتمّ تخصيص جزء من الأراضي الزراعيّة العامّة لإنتاج الغلّات التي تحتاجها فرنسا، وكان من أهم المحاصيل التي حرصت فرنسا على زراعتها في مصر ومن أجلها قامت بتعديلات جوهريّة في نظام الري: القمح، والحبوب، والأرز، وقصب

(246)

السكر، والكتّان، والنيلة، ومختلف الفواكه التي كانت تشتهر بها مصر، كما جلبوا أنواعًا من الفواكه التي لم تكن موجودة في مصر من فرنسا مثل: الخوخ، والمشمش، والكمّثرى، والتفاح. وكان الغرض الأول من هذه الإصلاحات هو مصلحة الفرنسيين وإمدادهم بكل ما يحتاجونه من الحبوب، والفواكه، والمواد اللازمة للصناعة. ومن ثم كان على الفرنسيين أن يعملوا على تنمية الزراعة بكل الطرق فقضوا على نظام الالتزام، وأدخلوا نظمًا جديدة للري، وزراعات جديدة[1].

4.  الآثار في مجال الصناعة: عمل الفرنسيّون على الاستفادة من كافة الصناعات البسيطة، كما عملوا على الاستفادة من الحرفيين المصريين المهرة والذين تميّزت بهم مصر دون إفادتهم بأسرار الصناعة الفرنسيّة. فأصلحوا دار الصناعة (الترسانة) لتصنع المدافع والسفن والآلات الحربية التي كان مراد بك قد أنشأها بالجيزة. وأنشأ مينو مصنعًا للنسيج، وحرص على ألا يضمّ هذا المصنع عمّالًا مصريّين حتى لا تتسرّب أسرار الصناعة إليهم. وكانت القاعدة أن يستقدم عمّالًا من فرنسا، وقد حدث ذلك بالنسبة للنسيج والحدادة وصناعة الساعات والدباغة وصناعة حروف الطباعة والجوخ والبيرة[2]. فعن أي فائدة يتحدّث المستعمر غير استفادته هو؟! إذ كان همّ المستعمر الأوّل هو تعويض المصنوعات الأوروبيَّة التي فقدوا وسائل الاتصال بها.

5.  الآثار في مجال التجارة: اهتم الفرنسيون بإحياء التجارة التي ركدت بسبب حصار الإنجليز للشواطئ المصريّة ووجود الجيش العثماني في بلاد الشام، ومن ثمَّ عمل الفرنسيون على افتتاح أسواق جديدة لمصر في بلاد البحر الأحمر؛ فسارت المراكب بما نهبه الفرنسيون من خيرات مصر بين جدة وينبع والسويس، محملة بالأنسجة القطنية والشيلان الصوفية والحرائر وكافة ما يمكن بيعه أو شراؤه. وكان نابليون أوّل من بدأ سياسة التفاهم مع شريف مكة. وكان ضمن برنامج «مينو» إجراء علاقات مع سنار ودارفور في السودان، وبلاد الحبشة، وبلدان شمال أفريقيا[3].

(247)

6. الآثار الفكريّة والعلميّة: وهي أبرز مؤثرات الحملة الفرنسيّة؛ إذ كان مع الحملة طائفة من علماء فرنسا النابغين في مختلف فروع علوم العصر، وطائفة من رجال الفنون من المصوّرين والرسّامين والموسيقيّين والمثَّالين، بلغوا جميعًا نحو 146 عالمًا، فأسّس نابليون بواسطة هؤلاء النخبة «المجمع العلمي المصري» الذي لم تكن مهمّته يومًا تعليم المصريّين وتثقيفهم، بل كانت مهمّته الأولى هي الكشف عن إمكانيّات مصر الطبيعيَّة والصناعيَّة بما يخدم أهداف الحملة في تأسيس مستعمرة على أساس علمي[1].

وهكذا عكست آثار الحملة الفرنسيّة الأهداف الاستعماريّة بصفة عامة، فالمستعمر -في الغالب- كما يسعى إلى الغزو العسكري يسعى إلى الغزو الفكري والحضاري، أي أنّه كما يسلب خيرات البلد يسعى إلى طمس هويتها؛ لكي يسهل اقتيادها وتظل تابعة له. فلا يمكن لحكومة مهما بلغت سذاجتها أو عدم خبرتها السياسيّة أن تجازف بإرسال جيش قوامه ستة وأربعون ألفًا بزعم تحرير شعب ليس على حدودها ولا من دينها أو ملّتها، أو حتى بزعم تنويره أو تحديثه!! فما بالنا والحكومة المعنيّة هنا حكومة فرنسيّة محنّكة تجيد رسم الخطط وتوارث المخطّطات وتمارس الاستعمار بالفعل من قبل تاريخ الحملة بعدة قرون[2].

(248)

الخاتمة

 انتهي بحث موضوع «الاستعمار الفرنسي لمصر في ظروفه الزمانيَّة والمكانيَّة» إلى مجموعة من النتائج، لعل أهمها ما يلي:

أوّلًا- رغم أن الحملة الفرنسيّة على مصر قد أخفقت عسكريًّا ولم تحقّق الأهداف التي جاءت من أجلها، إلّا أنّها نجحت في لفت أنظار القوى الاستعماريّة إلى أهميّة مركز مصر وموقعها الاستراتيجي، فكانت هي المسؤولة عن ظهور اصطلاح «المسألة المصريّة» في عُرف السياسة الدوليّة، حتى لقد أصبحت مصر ميدانًا فسيحًا للتنافس الاستعماري الأوروبي للسيطرة عليها سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا. وهذا ما يبرر قدوم الحملة الإنجليزيّة بعد جلاء الحملة الفرنسيّة بستة أعوام فقط.

ثانيًا- ظهر الوجه الحقيقي للمحتلّ الفرنسي منذ منشور نابليون إلى المصريين، الذي بالرغم مما حواه من الوعود والعبارات الجميلة؛ حوى مبدأ التهديد والوعيد وإنذار المصريين في مادته الثانية «كل قرية تقوم على العسكر الفرنساوي تُحرق بالنار». وهو أمر لا يتفق أبدًا مع القواعد الإنسانية في معاملة الشعوب؛ خاصة أنهم قاموا بممارسة أبشع أساليب القتل والتنكيل والتعذيب والبربرية في كافة ربوع مصر في الوجه البحري والقاهرة والصعيد. كما أننا لم نر في منشورات نابليون للإيطاليين أثناء حروب إيطاليا تهديدًا من هذا النوع، وبالفعل قد أحرق الفرنسيون كثيرًا من القرى المصريّة، وهذا يعني أنّ نابليون كان ينظر إلى الأمة المصريّة بغير العين التي ينظر بها إلى الأمم الأوروبيَّة.

ثالثًا- تبيّن من خلال هذا البحث كذب مزاعم المستعمر الفرنسي في أنه جاء حاملًا مشاعل التنوير لشعب همجي بلا تنوير؛ فما كانت الإصلاحات السياسيّة التي تمثّلت في دواوين الحكم إلّا وسيلة خبيثة لمعرفة ما يدور في أذهان صفوة المصريّين من العلماء والأعيان. كما كانت الإصلاحات الاجتماعيّة تهدف في المقام الأوّل إلى تغريب المجتمع المصري والقضاء على هويته الإسلاميّة، عن طريق إذاعة الفجور والتحلّل الأخلاقي وإخراج المرأة المسلمة من تقاليدها الإسلاميّة؛ لأنهم أدركوا، من خلال جهود

(249)

المستشرقين، أنّ الدين الإسلامي هو العقبة الكؤود لاستقرار السلطات الفرنسيّة في مصر. كما كانت الإصلاحات الاقتصاديّة المتمثّلة في الزراعة والصناعة والتجارة من أجل الاستفادة الفرنسيّة القصوى من ثروات مصر، كذلك كانت الإصلاحات العلميّة والفكريّة كلها تصب في مصلحة الجيش ومساعدته ووضع العِلم في خدمة الحرب والحكومة الاستعماريّة. وأنّ الهدف من البعثة العلميّة المرافقة للحملة لم يكن هدفًا علميًّا إنما كان هدفًا صليبيًّا مغلّفًا بالعلم، شأنه شأن الرحلات الاستكشافيّة التي قام بها الصليبّيون ابتداءً من القرن السادس عشر الميلادي.

رابعًا- أظهرت الحملة الفرنسيّة على مصر مدى ضعف الدولة العثمانيَّة وعدم قدرتها على حماية ولاياتها، فأصبح حلم الولاة والحكام الاستقلال بمصر عن الدولة العثمانيَّة. كما أظهرت بأن مصر للمصريين وليست لبكوات المماليك الذين حينما سمحت لهم الظروف التحالف مع المستعمر عاونوه ووقفوا ضدّ الشعب المصري، كما فعل مراد بك الذي كان صاحب فكرة حريق القاهرة.

خامسًا- رسخت الحملة الفرنسيّة في وجدان المصريين وعقولهم أن المستعمر لا يبحث إلّا عن نهب ثرواتهم وكنوزهم العلميّة والحضاريّة. وما جاء المستعمر الفرنسي إلّا لوأد اليقظة الإسلاميّة التي بزغ نورها في الشرق، وسرقة النفائس العلميّة التي استماتوا في الخروج بها أو حرقها، واستنزاف خيرات البلاد، والسعي لنشر البدع والمنكرات بين أبناء الأمة، ونشر السفور والخلاعة والمجون والمنكرات لتغييب هويّة المجتمع الإسلاميّة، وإفقاده دينه وحسه الوطني وانتماءه بوصفها ضلالات الماضي.

(250)

قائمة المصادر والمراجع

1.الجبرتي، عبد الرحمن، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق: عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصريّة، 1998م.

2.جلال كشك، محمّد، ودخلت الخيول الأزهر، القاهرة، الزهراء للإعلام العربي، 1990م.

3.حبيدة، محمّد، أوروبا في القرن التاسع عشر (بونابرته)- دروس ومحاضرات (2020-2021م)، الرباط، ط1، 2021م.

4.الرافعي، عبد الرحمن، تاريخ الحركة القومية وتطوّر نظام الحكم في مصر، القاهرة، الهيئة العامّة لقصور الثقافة، 2021م.

5.سليمان نوار، عبد العزيز، عبد المجيد نعنعي، التاريخ المعاصر: أوروبا من الثورة الفرنسيّة إلى الحرب العالمية الثانية، بيروت، دار النهضة العربيّة، د.ت.

6.سليمان نوار، عبد العزيز، محمود محمّد جمال الدين، التاريخ الأوروبي الحديث من عصر النهضة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، القاهرة، دار الفكر العربي، 1999م.

7.سولية، روبير، مصر ولع فرنسي، ترجمة: لطيف فرج، القاهرة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 1999م.

8.الشلق، أحمد زكريا، الغزو الفرنسي لمصر وآثاره (1798-1801)، فصل بكتاب: المرجع في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، تقديم ومراجعة يونان لبيب رزق، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2009م.

9.طه، جاد، معالم تاريخ مصر الحديث والمعاصر، القاهرة، دار الفكر العربي، د.ت.

10.عبد الحليم عامر، عبد السلام، طوائف الحرف في مصر، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، 1993م.

11.عبد الرازق إبراهيم، عبد الله، شوقي الجمل، تاريخ مصر والسودان الحديث المعاصر، القاهرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1997م.

 

(251)

12.عبد الرحيم، عبد الرحمن عبد الرحيم، الريف المصري في القرن الثامن عشر، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1986م.

13.عبد العزيز، زينب، مائتا عام على حملة المنافقين الفرنسيين، القاهرة، مكتبة وهبة، 2005م.

14.عبد الكريم الوافي، محمّد، يوسف باشا القرمانلي والحملة الفرنسيّة على مصر، طرابلس - ليبيا، المنشأة العامة للنشر والتوزيع، 1984م.

15.عمر، عبد العزيز عمر، تاريخ مصر الحديث والمعاصر (1517-1919م)، الإسكندريّة، دار المعرفة الجامعية، 1993م.

16.القوصي، عطية وآخرون، الحضارة الإسلاميّة وتاريخ العرب الحديث، القاهرة، طبعة خاصة بوزارة التربية والتعليم، 2011-2012م.

17.ماري مواريه، جوزيف، مذكرات ضابط في الحملة الفرنسيّة على مصر، ترجمة كاميليا صبحي، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2000م.

18.محمّد الشناوي، عبد العزيز، الأزهر جامعة وجامعة، القاهرة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 2013م.

19.نجيب، عز الدين، وآخرون، موسوعة الحرف التقليدية في مصر، القاهرة، جمعية أصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة، يناير 2004م.

20.الوصيف، فرج محمّد، مصر بين حملتي لويس ونابليون، المنصورة، دار الكلمة للنشر والتوزيع، ط1، 1998م.

(252)

 

الفصل الرابع

الاستعمار العسكري

 

- العدوان الثلاثي كتحالف استعماري ضدّ الدولة الوطنيّة

- الجيش المصري في مواجهة التدخّل الأجنبي

- الغزوات البريطانيّة الثلاث لمصر

 

 

(253)
(254)

العدوان الثلاثي

كتحالف استعماري ضدّ الدولة الوطنيّة

دراسة توثيقيّة تحليليّة

أيمن أحمد عبد الفتاح عبد السلام[1]

تمهيد

شهد القرن العشرون تصاعد النزعات الوطنيّة القومية وانطلاق حركات وثورات التحرّر الوطني في مستعمرات الدول الأوروبيّة في أفريقيا وآسيا، حيث هبّت شعوبها لمواجهة استمرار النهب الاقتصادي الاستعماري لمواردهم الطبيعيّة، والاعتداء على مقدّساتهم وثقافاتهم، ولم يكن النصر الذي حقّقته كلٌّ من بريطانيا وفرنسا في الحرب العالمية الثانية مؤشّرًا على بقائهم في مستعمراتهم، بل تبعته مطالبات سلميّة وحركات وثورات متعدّدة، أنهكت الدولتين فبدأت المستعمرات تنسلخ منهما وتحصل على الاستقلال، ومن هذه الدول مصر وأغلب الدول العربيّة.

لذا بدأت بريطانيا وفرنسا ربط تلك الدول بمعاهدات حماية ودفاع لمنعها من التحوّل إلى الكتلة الشيوعيّة، وضمّها إلى أحلاف كحلف شمال الأطلنطي وحلف بغداد؛ لعزل المنطقة عن أيّ تدخّل من قبل الاتحاد السوفياتي، لكن مصر رفضت الانضمام إلى هذه الأحلاف، وتزعّمت حركة عدم الانحياز، وعندما قامت ثورة (يوليو) تموز سعت للتخلّص من أي شكل من أشكال التدخّل الأجنبي في مصر، فعقدت معاهدة الجلاء مع بريطانيا، وأمّمت قناة السويس، ونجحت في عقد صفقة سلاح من تشيكوسلوفاكيا،

(255)

وبدت كأنّها تحلّلت من أيّ تدخل غربي في شؤونها، وهو الأمر الذي أغضب بريطانيا وفرنسا، ودفعهما لعقد تحالف ثلاثي انضمّت إليه إسرائيل.

ينطلق هذا البحث من جملة تساؤلات واستفهامات، ويسعى إلى الإجابة عليها، وقد جاءت على الوجه التالي: ما دوافع بريطانيا وفرنسا من هذا العدوان؟ وما سبب انضمام إسرائيل إليهما في العدوان على مصر؟ وما هو الموقف الأميركي والدولي من هذا العدوان؟ وما هي نتائجه على أطراف الصراع؟ نشير إلى أن هذا البحث سيعتمد في إجاباته على مصادر أصيلة أهمّها الوثائق البريطانيّة، والمراجع والدوريات العلميّة ذات الصلة..

 

(256)

مقدّمات الحدث الجلل

بعد الحرب العالميّة الثانية تغيّرت موازين القوى في العالم، وانقسم المنتصرون إلى معسكرين؛ شرقي تحت زعامة الاتّحاد السوفيتي، وغربي تحت قيادة الولايات المتّحدة، وبدأت بينهم مرحلة من الصراع أُطلق عليها الحرب الباردة، وكانت استراتيجية الغرب تقوم على فكرة حصار الاتحاد السوفياتي والدول التابعة له داخل نطاق الأحلاف والتكتّلات المعادية للشيوعيّة والموالية للغرب، وبذلك أصبحت سياسة إنشاء الأحلاف مكوّنة للخط الرئيسي في سياسة الغرب في قيام توازن للقوى في مصلحته، وعلى ضوء هذه السياسة قام حلف شمال الأطلنطي، وحلف جنوب شرق آسیا[1].

وسعت الدول الغربية، خاصّة بريطانيا، للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط وإخضاعها لنفوذها ضمانًا للمحافظة على مصالحها الاقتصاديّة وأهمّها البترول، ولرغبتها في إنشاء حلف يضمّ دول المنطقة لتكمل حلقة الحصار المضروبة حول الاتحاد السوفياتي، وسعى الغرب إلى وسائل معينة لتحقيق أهداف استراتيجيّته في الشرق الأوسط كان أهمّها:

تحطيم القوى القوميّة والوطنيّة الموجودة في المنطقة، وإدخال إسرائيل منذ ١٩٤٨م، كعامل أساسي في توازن القوى داخل منطقة الشرق الأوسط والعمل عن طريقها، إما إلى ازدياد الخلافات العربيّة، إذا ما اقتضت المصلحة ذلك، أو التظاهر بالوحدة، إذا حتّمت ذلك الظروف، ولكن في كلا الحالتين، فإنّ النتيجة المطلوبة هي ألّا تجور قوة عربيّة على أخرى وألّا يتوافر الاستقرار في هذا الجزء من العالم[2].

لذلك لم يكن من السهل على الغرب تحقيق ما تقدّم من أهداف بسبب تعرّضه لعقبات رئيسيّة يمكن تحديدها فيما يلي[3]:

(257)

قيام حركات التحرّر من جانب الشعوب العربيّة للتخلّص الكامل من سيطرة الاستعمار البريطاني والفرنسي، وكان التيّار الوطني الذي اكتسح المنطقة جارفًا وأقوى من أن تتجاهله بريطانيا وفرنسا، إلّا أنّهما لم تسايراه وأصرّتا على اتّباع الأساليب الاستعماريّة التقليديّة ممّا أدّى إلى صدام عنيف بينها وبين القوى الشعبيّة النامية في المنطقة[1].

قيام ثورة 23 تموز سنة ١٩٥٢م ومحاولة مصر التخلّص من كلّ آثار الاحتلال البريطاني والامتيازات الأجنبيّة على أرضها، بالإضافة إلى المشاكل السياسيّة القائمة في المنطقة، وعلى رأس هذه المشاكل ما يُسمّى بدولة إسرائيل التي تبنّاها الغرب وتولّى بعد ذلك تأييدها ومدّها بأسباب الحياة؛ لذا كانت إسرائيل بحكم أوضاعها وظروفها قاعدة عسكرية للغرب، وجزءًا من خططه لإبقاء سيطرته على المنطقة، والمحافظة على أوضاع سياسيّة بها، فقد أدى ذلك إلى ازدياد حدة الصراع بين الشعوب العربيّة والغرب، وبين هذه القوى وحكامها، وصارت المعركة محتدمة بين القومية العربيّة وقوى الاستعمار[2].

ومن العقبات التي واجهها الغرب في الوطن العربي قيام الثورات ضدّ الاستعمار الفرنسي في شمال أفريقيا، والاستعمار البريطاني في الجنوب العربي، والقواعد العسكريّة في المنطقة والاحتكارات الغربيّة القائمة، ومشكلة قناة السويس والتي تمثّلت في الرفض لمطالب الحكومة المصريّة المعتدلة؛ لذا كثرت المحاولات لسحب مصر وجرّها للانضمام إلى الأحلاف التي كانت تراعي في النهاية هدفًا واحدًا وهو حماية المصالح الاقتصاديّة البتروليّة والاستراتيجيّة العسكريّة؛ لمحاصرة الاتحاد السوفياتي ودول التحالف الشرقي بإطار كامل من القواعد العسكريّة في الدول المجاورة محافظة على مصادر البترول التي كانت تُكتشف باستمرار، ولاعتماد الدول الغربيّة وأوروبا على

(258)

مصادر وطرق نقل البترول التي يشاء القدر أن تقع كلها في المنطقة العربيّة، وكان المظهر هو منع تقدّم الشيوعيّة، أمّا الواقع فكان تأمين المصالح المالية الاستعماريّة واحتكار مصادر الطاقة وآبار البترول في المنطقة، ومن خلال مراقبة تطور الحوادث السياسيّة والعسكريّة في هذه المنطقة خلال عام 1955م والاستفزازات التي كان الجيش المصري والقيادة الشابة الجديدة يواجهانها بشكل دائم[1]، وخاصّة بعد أن قامت مصر بتأييد الحركة التحريريّة الجزائريّة بشكل قوي، كان يُتوقّع أن المنطقة سوف تشهد قريبًا أو بعيدًا مواجهة عسكريّة حتميّة، تؤدّي في النهاية إلى هزّ الأوضاع لمصلحة إنجلترا وفرنسا وأيضًا أمريكا، التي كانت تحاول أن تملأ الفضاء في المنطقة بعد توقيع اتفاقيّة جلاء القوّات البريطانيّة عن قواعد منطقة القناة. ويزيد في هذا التوقّع أنّ قيادة الثورة لم تخضع رغم محاولات الضغط الغربي المستمرّ، أو محاولات الإغراء والتفرقة، أو محاولات هزّ الحكم الثوري المعروفة بأحداث آذار 1954م في مصر، زيادة على موضوع استقلال السودان[2].

وفي غمرة هذا الجوّ المتوتّر والشعور المتزايد ضدّ الغرب أعلن في ٢٤ شباط ١٩٥٥م أنّ تركيا والعراق وقّعتا حلفًا دفاعيًّا سمّى بحلف بغداد، ونصّا فيه أنّه مفتوح للانضمام إليه من قبل أيّ دولة من دول الجامعة العربيّة وغيرها من الدول التي يهمّها أمر السلم والأمن في منطقة الشرق الأوسط، وفي ٢٣ آذار من العام نفسه انضمّت بريطانيا إلى الحلف المذكور، ثم تلتها باكستان في ١٧ أيلول، وإيران في ١١ تشرين أوّل، ولم ينضمّ إلى الحلف من غير دول المنطقة سوى بريطانيا التي كانت ترغب في إعادة هيبتها في الشرق الأوسط بعد الضربات التي تلقّتها في السودان ومصر، وتخلُّص هاتين الدولتين من سيطرتها الاستعماريّة، ولتدعيم نفوذ بريطانيا في منطقة تعتبرها من مناطق نفوذها، وقد أعلن إيدن (وزير الخارجيّة البريطاني) في مجلس العموم في ٤ نيسان ١٩٥٥م، أنّ

(259)

الهدف الذي توخّته بريطانيا من الانضمام إلى حلف بغداد بسيط، وهو تعزيز نفوذها وتدعيم حقوقها في الشرق الأوسط، ولبث التفرقة في العالم العربي لسلخ العراق عنه، وخلق جبهة منه تتنافى مع السياسة المصريّة المتحرّرة، والتي أصبحت تمثّل خطرًا عظيمًا على مستقبل النفوذ الغربي في الشرق الأوسط وأفريقيا[1]، والتمهيد لتطوير حلف بغداد ليصبح حلف الشرق الأوسط المنشود، وقد ذكر إيدن في جلسة مجلس العموم في ٣ آذار ١٩٥٥م، لقد انتقلنا من مرحلة التنظيمات الثنائيّة إلى مرحلة استطعنا أن نضع فيها نظامًا يصح أن يكون أساسًا لتنظيم عام في الشرق الأوسط[2].

إسرائيل ودورها في العدوان على مصر

كان توقيع اتفاقيّة الجلاء في ١٩٥٤م نكبة سياسة وعسكريّة بالنسبة لإسرائيل، فقد عبَّرت التعليقات السياسيّة في الصحف والإذاعة الإسرائيليّة عن تحذير بريطانيا من الانسحاب وخطورة ذلك، وكانت لهجة القلق واضحة في هذه التعليقات على اعتبار أن وجود القوات البريطانية في منطقة قناة السويس يمنع أي تحرّك مصريّ ضدّها. وفي ٣١ آب ١٩٥٥م قامت إسرائيل بهجوم عسكري مفاجئ ضد قطاع غزة كان نتيجته ما يقرب من ٤٠ قتيلًا عربيًّا، وادّعت أنّ هذا الهجوم ردّ على هجمات الفدائيّين المستمرّة ضدّ القرى الإسرائيليّة[3].

وقد تبيّن لمصر وقتئذ أن موقفًا جديدًا قد بدأت تظهر ملامحه، وهو اتجاه من جانب

(260)

الغرب لتدعيم إسرائيل عسكريًّا، مع حجب أيّ أسلحة عن مصر، وذلك حتى يختل ميزان القوى لصالح إسرائيل، ووضح وقتئذ أن ضمن أهداف هذا المخطّط الغربي الضغط على مصر وإحراجها؛ بحيث تمتنع عن اتّخاذ موقف معاد لحلف بغداد، أو تسليمها بالحماية الغربية لها، وأنّ حيادها لن يجدى في مواجهة إسرائيل[1].

وإزاء هذا الوضع لجأت مصر مرّة ثانية إلى الولايات المتحدة لطلب أسلحة، ولكن كان الرفض هو الجواب من جديد، فمنذ قيام الثورة والمحاولات مستمرّة من جانب مصر لطلب السلاح تدعيمًا لجيشها، إلّا أنّ الرفض كان دائمًا في انتظار أي طلب بحجة التصريح الثلاثي لسنة ١٩٥٠م، ثمّ موقف مصر المعادي من منظمات الدفاع الغربيّة[2].

ويقول الرئيس المصري جمال عبد الناصر في هذا الصدد: «لم يكن في استطاعتنا الحصول على السلاح من الغرب وأرسلنا بعثات إلى لندن وجاء الرد، أوقفوا حملاتكم ضد حلف بغداد لنتكلّم عن الأسلحة، ثمّ علمنا أن اللجنة الثلاثية التي تشرف على التصريح الثلاثي وافقت على إعطاء إسرائيل أسلحة جديدة وطائرات جديدة وأن فرنسا ستتولى مهمة التوريد»[3].

وكانت مصر وقد تفتّحت لها آفاق جديدة في سياستها الخارجيّة بعد مؤتمر باندونج قد بدأت في الوقت نفسه مفاوضات مع الاتحاد السوفياتي لتسليح الجيش المصري، وفي شهر حزيران سنة ١٩٥٥م وصل شبيلوف رئيس تحرير جريدة برافدا السوفياتية، والذي عيّن وزيرًا للخارجيّة في ١٩٥٦م، وجرت معه محادثات في هذا الشأن، وفي ٢٦ أيلول ١٩٥٦م أعلن جمال عبد الناصر نبأ توقيع صفقة الأسلحة مع تشيكوسلوفاكيا، وأنّ

(261)

هذا النبأ كما وصفه هنري أزو في كتابه «فخ السويس» تحوّل حاسم في ميزان القوى في الشرق الأوسط[1].

وكان ردّ فعل العواصم الغربيّة لموقف السياسة المصريّة من التسليح يمثّله ما ورد على لسان دالاس (وزير الخارجية الأميركي) من اعتبار هذه الصفقة ضربة في الصميم لسياسته وكرامته، إذ كان يرى أن الصفقة تسمح للاتحاد السوفياتي بتخطّي حواجز الأحلاف المفروضة عليه ليلعب دوره في قلب المنطقة، وقال دالاس: «إنّ هذه الصفقة أخطر تطوّر منذ أزمة كوريا. إن لم يكن منذ الحرب العالميّة الثانية» وبعث دالاس بالسفير جورج ألن لمقابلة جمال عبد الناصر، وكان الهدف واضحًا وهو التحذير والتهديد... بماذا؟

1-إنّ اتّجاهات الحكومة المصريّة تجاه الكتلة الشرقيّة ستحدّد بالتالي موقف الحكومة الأمريكيّة تجاه إسرائيل، خاصّة من حيث التسليح.

2-وإنّ الولايات المتحدة تقدّم عونًا اقتصاديًّا لمصر، ولا تحبّ أن ترى أنّها تساعد طرفًا يشتري بما يقابل معونتها سلاحًا.

وقد كان موقف الرئيس واضحًا في رفض هذا التهديد وأشار إلى هذه المقابلة في خطابه في ٢٦ تموز ١٩٥٦م[2].

أمّا في بريطانيا فقد أعلن أنتوني إيدن في 9 نوفير أنّه يقترح السلام بين العرب وإسرائيل على أساس تعديل الحدود، وكان يهدف بذلك إلى محاولة كسب جديد لحلف بغداد، وتهدئة الشعور العربي المضاد البريطانيا أمّا في باريس، فكان الوضع مختلفًا فحرب التحرير الجزائريّة قد بدأت والقاهرة تؤيّد الثورة، والموقف العسكري يتدهور في الجزائر، والوزارات الفرنسيّة تتعاقب على السقوط، واتّجهت فرنسا إلى محاولة إقناع مصر بوقف

(262)

تأييدها للجزائر عندما زار بينو مصر في ١٤ آذار ١٩٥٦م وطلب من الرئيس جمال عبد الناصر الوصول إلى تسوية مشكلة الجزائر مع مصر، وكان ردّ الرئيس: «أنّه غير مسؤول عن الثورة الجزائريّة، ويجب أن يعلم أنّ الجزائريّين هم أصحاب المسؤوليّة، وأوضح له الرئيس جمال عبد الناصر خلال تلك المحادثات: أنّه لا يعتقد أن هذه الثورة من خارج الجزائر وإنما من داخلها، وأن مسؤوليتنا هي تأييد إخواننا الجزائريين»[1].

وعندما استفسر بينو عن تدريب الجزائريّين في مصر أجاب الرئيس بالإيجاب، وعندما سأله مرة ثانية عن وجود جزائريّين للتدريب في ذلك الوقت ولم يكن هناك وقتئذ أي منهم نفى الرئيس له ذلك. عند هذه النقطة فشلت مباحثات بينو في إقناع جمال عبد الناصر بأن تكفّ مصر عن مساعدة ثوار الجزائر[2].

ثمّ إننا لو حلّلنا بنود هذا الاتفاق المزعوم، لوجدنا أن فرنسا كانت في ذلك الوقت ضد حلف بغداد، والمرجّح أن بينو أكد للرئيس هذا الموقف دون حاجة من جانب الرئيس للاستفسار، أما عن إجراء الانتخابات في الجزائر فهو عرض فرنسي لا بدّ أن يلقى قبولًا من جانب مصر، وتبقى بعد ذلك النقطة الأخيرة وهي تصدير الأسلحة لإسرائيل، فليس من شكّ في أنّ الرئيس أثارها مع وزير الخارجيّة الفرنسي، وأنّ الأخير وعد بتخفيض كميّة هذه الأسلحة التي ترسل لإسرائيل.

ولكن هذا الوعد لم يكن محلًا للتصديق، فقد كانت المعلومات تشير إلى أن هناك شيئًا ما في العلاقات الفرنسيّة-الإسرائيلية[3].

ففي أيلول ١٩٥٥م زار شمعون بيريز نائب وزير الدفاع الإسرائيلي باريس والتقى

(263)

ببورجي مونوري الوزير المسؤول عن الشؤون الجزائريّة ليقنعه بأنّ مصر تقدّم إلى ثورة الجزائر مساعدات مختلفة تفوق ما يتصوّره الفرنسيّون، وأنّ جمال عبد الناصر لا يقل عداء لفرنسا عن عدائه لإسرائيل، ووافقه الوزير الفرنسي الرأي، وبدأت إسرائيل تتلقّى السلاح من فرنسا كموردها الرئيسي سواء أكان طائرات أم دبابات أم مدافع مضادة لها، وبذلك تم إقرار مبدأ هذا التحالف، ثمّ كان ردّ فعل آخر في إسرائيل، وهو استقالة موسى شاريت وتولّى بن غوريون الوزارة الإسرائيليّة[1].

ولقد عكست ردود الفعل هذه أن السياسة المصريّة بدأت تسير شوطًا بعيدًا عن الغرب، مؤكّدة حيادها الإيجابي وقدرتها على التحرّك الواعي السليم، ولم يكن ردّ الفعل عنيفًا في عواصم الغرب وإسرائيل، إلّا أنّ الحقيقة باتت واضحة وهي أنّ مصر خرجت عن دائرة وصاية الغرب، وأن تحرّرها لم يعد يلتزم حدودها، وإنّما بدأ يشعّ خارج هذه الحدود.

ولقد أصبح العداء في هذه المرحلة سافرًا بين القاهرة وعواصم الغرب، ومع ذلك عملت الدبلوماسيّة المصريّة على تأكيد حياد مصر، وبأنّها لن تقبل الشيوعيّة على الإطلاق، وأنّ أهدافها وجود جيش قوي قادر على صدّ العدوان الإسرائيلي[2].

ومع ذلك نجحت مصر في إيصال شكري القوتلي إلى حكم سوريا، وإسقاط خالد العظم الموالي للبريطانيّين في الانتخابات، ووقَّعت كل من مصر، وسوريا، والسعودية، اتفاقيّة دفاعيّة في آذار 1955م، من بين بنودها الابتعاد عن كافّة الأحلاف الأجنبيّة، وكالعادة لاقت نفورًا بريطانيًّا. وجاءت مشكلة واحة البُريمي الواقعة بين إمارات الساحل المهادن (الإمارات العربيّة المتّحدة) والسعوديّة لتجمّع بين عبد الناصر والملك سعود، فقد رأت بريطانيا أن تستولي عليها لغناها بالبترول، في حين قدمت مصر العون الإعلامي

(264)

للسعودية. وفي 26 تشرين أوّل 1955م احتلّت القوّات البريطانيّة الواحة، وفي اليوم التالي عقد ميثاق عسكري بين مصر والسعودية[1]. أضحت بريطانيا في حالة قلق من امتداد روح القوميّة العربيّة خارج مصر والمحاولات المصريّة لتقويض مركز الإنجليز في دول أخرى بالمنطقة، فبدأ الأردن يتخلّص من روابطه التقليديّة مع بريطانيا، وازداد النفوذ المصري في ليبيا، وقوبل سلوين لويد بمظاهرات غاضبة في البحرين وأدّى انضمام اليمن لمصر والسعودية إلى إثارة الضجر البريطاني. وفي آذار 1956م عقد اجتماع في القاهرة جمع مصر، وسوريا، والسعودية بحث مسألة دعم الأردن وتنسيق الدفاع المشترك[2]، وهكذا تغلغل التأثير المصري وامتدّ من العالم العربي حتى وصل إلى قلب أفريقيا وقبرص دافعًا شعوبها إلى التخلّص من الاستعمار. بالمقابل مضت بريطانيا في تنفيذ مساعيها لفصل الدول العربيّة عن مصر والتقليل من تأثير عبد الناصر، لكن دون نتيجة مؤثرة[3].

تسليح الجيش المصري وموقف الغرب منه

في 25 آيار 1950م صدر التصريح الثلاثي الذي وقعت عليه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ويقضي بالمحافظة على الأوضاع العربيّة الإسرائيليّة الراهنة سواء بالنسبة لهدنة 1949م أو للتوازن في التسليح بين الطرفين. طلبت مصر الأسلحة من الغرب عقب توقيع اتفاقية الجلاء فسوفت بريطانيا ردودها على طلبات التسليح من عبد الناصر، وأصرّت الولايات المتحدة على أن ترتبط مصر بشبكة الدفاع الغربيّة عن

(265)

الشرق الأوسط، في حين زوّدت العراق بالأسلحة، أمّا فرنسا فساومت مصر على التخلّي عن شمال أفريقيا، خاصّة الجزائر، وفي الوقت نفسه زودت إسرائيل بالسلاح. ومع قيام إسرائيل باختراق الحدود المصريّة ومهاجمة قطاع غزة أصبحت فكرة التسليح مسألة ملحة وأعاد عبد الناصر طلباته مرات أخرى من الغرب دون رد، وأصبح على يقين أنه لن يحصل على الأسلحة من تلك الدول، فتوجّه نحو المعسكر الشرقي الذي يمثله الاتحاد السوفياتي، وهدّد دول الغرب بتلك الورقة؛ إذ ربما يدفعهم إلى توريد الأسلحة المطلوبة، فهدّدته بريطانيا بأنه إذا استلم أي أسلحة من موسكو، فلن يتلقّى أي سلاح من بريطانيا، وممّا زاد الموقف صعوبة موافقة اللجنة المشرفة على تنفيذ التصريح الثلاثي على إعطاء إسرائيل أسلحة جديدة بتوريد فرنسي، وكي تذُر بريطانيا الرماد في الأعين قامت بإرسال أربعين دبابة سنتوريون دون ذخيرة إلى مصر، وعندما احتجّت مصر شحنت لها عشر قذائف لكل دبابة لا تكفي حتى للتدريب[1].

على الجانب الآخر رحّبت موسكو بالطلب المصري ورأت فيه فرصة لمواجهة حلف بغداد المشكّل أساسًا لإعاقة الاتحاد السوفياتي من التقدّم جنوبًا، وكذلك ظهور بوادر حلف تركي عراقي وإمكانيّة ارتباطه بالولايات المتحدة. ذلّل الاتحاد السوفياتي مسألة دفع قيمة الأسلحة بالعملة الصعبة وأعد مشروع الاتفاقيّة بين القاهرة وموسكو، ونصّ على أن تشتري مصر أسلحة سوفياتية من بينها مقاتلات الميج، وقاذفات القنابل طراز إليوشن، ودبابات ستالين، وغوّاصات ومدافع وزوارق طوربيد وعربات ميدان ونظام رادار، على أن يُسدّد ثمن الأسلحة بالقطن والأرز، وحدّدت الفائدة 2%، وفترة السداد أربع سنوات، وتقرّر أن تُنسب الصفقة إلى تشيكوسلوفاكيا لعدّة أسباب، فعلى الجانب السوفياتي فضّلت موسكو ألا تكون هناك مواجهة مباشرة مع الغرب، وعلى الجانب المصري أرادت القاهرة أن تكون في نظر العالم الخارجي أقلّ ميلًا لليسار؛ لأنّ إسرائيل

(266)

نفسها كانت تحصل على السلاح من تشيكوسلوفاكيا أثناء حرب فلسطين آملة بذلك أن يغير الغرب موقفه ويستجيب لطلبات التسليح «وهو ما لم يحدث». وأعلن عن الصفقة رسميًّا في 27 أيلول 1955م[1].

حاولت الولايات المتّحدة إثناء مصر عن إتمام الصفقة فلم تنجح، وكذلك ثارت بريطانيا ورأت أنّ الصفقة تخالف اتفاقيّة الجلاء، وتهدّد القاعدة البريطانيّة، وتؤدّي إلى تسرب الشيوعيّة إلى الشرق الأوسط، وهو ما نفته مصر. اجتمع وزراء خارجيّة الولايات المتّحدة وبريطانيا وفرنسا وأصدروا بيانًا تبلور حول؛ تجنّب قيام سباق تسليح بين دول الشرق الأوسط، في إشارة إلى أنّ الصفقة التشيكيّة ستدفع إسرائيل إلى المطالبة بمزيد من الأسلحة، في حين ردّت مصر بأنّها بلد حرة ويحق لها أن تشتري الأسلحة ممّن تريد، خاصّة بعد أن أخلف الغرب وعده بتوفير الأسلحة، وتكرار الاعتداءات الإسرائيليّة على قطاع غزة[2].

دفع ذلك مصر إلى إحكام الخناق على السفن الإسرائيليّة في قناة السويس وخليج العقبة -بما أنّها تعدّ نفسها في حالة حرب مع إسرائيل- ورفضت قرار مجلس الأمن الصادر في تشرين الثاني 1951م بالسماح للسفن الإسرائيلية بالعبور، ثمّ فرضت في عام 1953م حظرًا شاملًا على الشحنات من وإلى إسرائيل. حاولت إسرائيل عرقلة مفاوضات اتفاقيّة الجلاء بعمليّات تخريبيّة ضدّ المصالح البريطانيّة في مصر، وذلك بهدف الإبقاء على الوجود البريطاني في قاعدة قناة السويس لحمايتها وتأمينها من أيّ هجوم مصري، كما أثارت إسرائيل مسألة السماح لسفنها بالمرور في قناة السويس؛ لإدراج نصّ في اتفاقيّة الجلاء يسمح لها بذلك -بما أن السلطات المصريّة هي المتحكّمة في مينائي الدخول إلى القناة شمالًا وجنوبًا- ولكنّها لم تنجح. تكرّرت الاعتداءات الإسرائيليّة على قطاع غزة

(267)

الذي كان تحت إدارة مصريّة، فأعلن عبد الناصر عن صفقة الأسلحة التشيكيّة في أيلول 1955م، وساد الاعتقاد في إسرائيل أنّ عبد الناصر يمهّد لمواجهة يمحو بها إسرائيل أو على الأقل يخضعها لسيطرته[1].

موقف الغرب من السدّ العالي في مصر

بدأت مصر تجري محادثات مع البنك الدولي بشأن تمويل مشروع السدّ العالي، وحينما أُعلن عن الصفقة التشيكيّة وصرّحت موسكو أنها ستقدّم المعونة الفنيّة والمعدّات لأيّ دولة عربيّة تطلبها على أن يتمّ سداد قيمتها بسلع خلال خمسة وعشرين عامًا[2]، فزع الغرب وقرّر أنّه إذا نجح السوفيات في صفقة الأسلحة، فلا يجب أن ينجحوا في تمويل السدّ. وافق ذلك الاتّجاه الجانب المصري الذي كان لهوفًا لبناء السدّ، فاختار أن يموّل الغرب المشروع انطلاقًا من مبدأ التوازن ومنع أي هيمنة سوفياتية. لذا أُعلن في 16 كانون أول 1955م التوصّل إلى اتّفاق يقضي بأن يتولّى البنك الدولي والولايات المتّحدة وبريطانيا تمويل السدّ بتكلفة تقديريّة 1.3 مليار دولار تنقسم على مرحلتين الأولى بمبلغ 70 مليون (الولايات المتّحدة 56 مليون، بريطانيا 14 مليون)، والثانية تغطى بقرض من البنك الدولي قدره 200 مليون، بالإضافة إلى 130 مليون قرض من الولايات المتّحدة، و80 مليون قرض من بريطانيا، وتُدفع تلك القروض في هيئة أقساط سنويّة بفائدة 5% على أربعين سنة، وباقي المبلغ تتحمّله مصر بالعملة المحلّيّة، بالإضافة إلى منحتين الأولى من الولايات المتحدة بمبلغ 20 مليون جنيه، والثانية من بريطانيا بمبلغ 5.5 مليون جنيه. اشترطت لندن وواشنطن أن تركز مصر برنامجها التنموي على السدّ العالي بتحويل ثلث دخلها القومي لمدّة عشر سنوات لهذا الغرض، ووضع ضوابطَ للحدّ من

(268)

التضخّم ومنح عقود البناء على أساس المنافسة مع رفض قبول أيّ مساعدة من الكتلة الشرقيّة، وألا تقبل مصر قروضًا أخرى أو تعقد اتفاقيّات في هذا الصدد دون موافقة البنك الدولي. استاء عبد الناصر من تلك الشروط، وبعد مفاوضات وافق أن يكون للبنك حقوق معقولة في تفقّد إجراءات مقاومة التضخّم، وقدّم عبد الناصر التعديلات التي يراها وفي مقدّمتها التعهّد بالتنفيذ حتى نهاية المشروع[1].

كان لارتباط قرض البنك ببريطانيا والولايات المتّحدة آثار سلبيّة على التنفيذ فقد أراد الطرفان إخضاع مصر لاستراتيجيّتهما في الشرق الأوسط مقابل تمويل السدّ، وانعكس سوء العلاقات المصريّة البريطانيّة على المشروع، وردّ عبد الناصر على الأصوات التي تعالت في بريطانيا تنادي بسحب عرض التمويل انتقامًا من مصر بأنّ العرض السوفياتي لتمويل المشروع لا يزال قائمًا، وأنّ مصر ستنظر في أمر الموافقة عليه إذا انقطعت المفاوضات مع الغرب، في حين أقدمت بريطانيا على تحريض السودان ضدّ السدّ العالي، وأصبحت الدلائل تشير إلى أنّ التصدّع في العلاقات بين الغرب ومصر سوف يلقي بظلاله على تمويل السدّ، فأبلغ رئيس البنك الدولي مصر بأنّها إن لم تقبل الشروط، فإنّ الحكومة الأمريكيّة ستكون في حلّ من العرض[2]، وتبعها إبلاغ واشنطن مصرَ بأنها أعادت إلى الخزانة المبلغ المخصّص للمشروع لإنفاقه على مشاريع أخرى، ورغبة من عبد الناصر في كشف الأمور على حقيقتها طلب من السفير المصري في واشنطن التبليغ بموافقة مصر، وقبل نقل الرسالة أعلن سحب العرض الأميركي لتمويل المشروع، وفي اليوم التالي أعلنت بريطانيا أيضًا سحب عرضها، فسقط بالتالي قرض البنك الدولي لارتباطه بمساهمة الدولتين، وكان الغرض إضعاف عبد الناصر بعد وقوفه عقبة في تحقيق الأهداف الأنجلو-

(269)

أمريكيّة الثلاث الرئيسيّة في الشرق الأوسط بالإضافة إلى اعترافه بالصين الشعبيّة، وذلك في ظلّ الإشارات والدلائل على الساحة بأنه من المستبعد أن يساعد السوفيات مصر في بناء السد بسبب التكلفة الضخمة التي ستنهك مواردهم المالية[1].

تأميم قناة السويس وموقف الغرب منه

في عام 1955م وصل دخل قناة السويس إلى 35 مليون جنيه (100 مليون دولار وقتها) بلغ نصيب مصر منها مليون جنيه فقط، وذلك بعدما خسرت مصر حصّتها في القناة بسبب مرورها بأزمة مالية في عام 1875م اضطر معها الخديوي إسماعيل إلى بيع حصة مصر في أسهم القناة لبريطانيا. وكان ميعاد انتهاء عقد الشركة الفرنسيّة صاحبة امتياز التحكّم في القناة يحين في عام 1968م لتعود بعد ذلك القناة إلى ملكية مصر[2]. عقب توقيع اتفاقية الجلاء تخوّفت الشركة الفرنسيّة من التأميم كما حدث بشأن النفط في إيران، فتكوَّن ما يعرف بجماعة السويس للدفاع عن الشركة، واستبعدت الشركة أن تعود القناة إلى مصر، وحاولت مدّ امتياز القناة عشرين سنة أخرى أو تأسيس شركة جديدة تحصل على امتياز جديد يكون لمصر فيها نصيب، فيما أهملت الشركة تحسينات القناة التي تحتاج بطبيعة الأمر إلى تمويل كبير بهدف الضغط على مصر لتحقيق مطالبها. مثّلت القناة أهمية دولية كبرى، وخاصة بالنسبة لبريطانيا التي تعد أكثر الدول انتفاعًا بالقناة، حيث تنقل من خلالها النفط وتمرّ سفنها التجارية إلى الشرق الأوسط التي تمثّل ربع تجارتها، بخلاف أهمّيتها كطريق لدول الكومنولث، وتسهيل مرور قواتها العسكرية، وكونها صاحبة أكبر حصة من الأسهم في القناة بإجمالي 44%، من أجل ذلك قلقت لندن بشأن وضع

(270)

القناة بعد انتهاء امتيازها، وأعلنت أهمّية اتخاذ الترتيبات لضمان مستقبلها بالنقاش مع الحكومة المصريّة[1]، في حين اعتبر مجلس العموم البريطاني القناة ممرًا دوليًا، وطالب بإبعاد سيطرة عبد الناصر عليها. على جانبٍ آخرَ ركزت مصر تصريحاتها على صعيدين وأكثر من مستوى، الأوّل أنها سوف تحصل على النقد اللازم لتمويل السدّ من تأميم القناة إذا ماعدلت واشنطن ولندن عن التمويل، والثاني بأن القناة جزء لايتجزأ من مصر وأن عودة القناة لمصر جزء متمم لإسدال الستار على النفوذ الأجنبي خاصّة بعد توقيع اتفاقيّة الجلاء، في حين لم يكشف عبد الناصر وقتًا محددًا للتأميم، وخطّط بالاتّفاق مع محمود يونس على التنفيذ في سرّيّة تامّة[2].

توقّع عبد الناصر خطورة قراره، وأدرك إمكانية وقوع عدوان على مصر، لكنّه وضع في اعتباره أن السوفيات سيكونون بجواره طالما يطيح بمصالح الغرب، ووضّحت له اتصالاته في قبرص رؤية نسبيّة بأن الخطورة تمثّل 90% عقب أسبوعين من إعلان التأميم، ثم يبدأ العدّ التنازليّ لانخفاض درجة الخطورة، فتصل إلى 60% في أيلول، ثم 40% في النصف الأوّل من تشرين أول، و20% بعد ذلك.

كان تقدير عبد الناصر أن احتمال التدخّل العسكري سيكون محقّقًا بنسبة 80% خلال الأسبوع التالي للتأميم، ثمّ تتناقص احتمالات الخطورة إلى 40% في الأسبوع الثاني والثالث من آب، وخلال أيلول وحتى نهاية تشرين أوّل يكون بنسبة 20%، ثم يبدأ بالتلاشي بعد ذلك. كذلك رأى عبد الناصر أن احتمال اشتراك الولايات المتحدة في عمل عسكري مستبعَد لانشغالها بالانتخابات، كما أنها تفضّل الضغط الاقتصادي، ولا تريد وضع نفسها في وضع محرج أمام أطراف عربيّة صديقة في المنقطة أبرزها السعودية، أمّا فرنسا فهي لا تستطيع التدخل بمفردها لانشغالها بقمع ثورة الجزائر، وبالنسبة لإسرائيل فقد تفكّر في

(271)

التدخّل العسكري، ولكن مسألة التأميم بعيدة عما يمكن أن تتّخذه ذريعة لهجومها، وأن من مصلحتها انتظار ما سيقوم به الغرب ضدّ مصر أوّلًا، واحتمال استخدامها من قبل بريطانيا وفرنسا كذريعةٍ للاستيلاء على القناة بالقوة ضعيف؛ لأن مثل هذا التعاون سيلقي بظلال سيئة على علاقة بريطانيا بالدول العربيّة في الوقت الذي كانت تطمح فيه إلى بناء علاقات طيبة مع تلك الدول. وأخيرًا، فإن بريطانيا هي الطرف الأكثر شراسة الذي يُخشى من تدخله فعلًا، ولكن في الوقت نفسه فإن القوات البريطانية متناثرة، والتعبئة لإعداد حملة عسكريّة يتطلّب على الأقل شهرين، وفيما يتعلّق بالتعاون العسكري البريطاني الفرنسي، فهو قائم حتى مع اختلاف سياسة البلدين[1].

قرار التأميم من ميدان المنشيّة بالإسكندريّة يوم 26 تموز 1956م أعلن عبد الناصر:

«قرار من رئيس الجمهوريّة بتأميم الشركة العالميّة لقناة السويس البحرّيّة».

باسم الأمّة مادة 1: تؤمّم الشركة العالمية لقناة السويس البحرّيّة شركة مساهمة مصريّة، وينتقل إلى الدولة جميع ما لها من أموال وحقوق وما عليها من التزامات وتُحلّ جميع الهيئات واللجان القائمة حاليًا على إدارتها[2].

اعتبرت بريطانيا بقرار التأميم أن عبد الناصر وضع إبهامه على قصبتها الهوائية، وأنه بذلك يهدد الحياة الاقتصاديّة في أوروبا، ويجب معاقبته وإعادة القناة حتى لو لزم الأمر استخدام القوة، ووجدت الحكومة البريطانية تعاونًا وثيقًا من نظيرتها الفرنسيّة؛ ليس انتقامًا من تأميم الشركة الفرنسيّة فقط، بل رغبة في التخلّص من عبد الناصر -الذي يقدّم دعمًا مادّيًّا ومعنويًّا لثوار الجزائر- من الوجود، أمّا الولايات المتحدة فرغم امتعاضها من قرار التأميم، إلّا أنّها لم تؤيّد التوجّه الأنجلوفرنسي لاعتبارات كثيرة، أبرزها أن القناة لا تؤثّر بشكل مباشر على الاقتصاد الأميركي كما هو الحال بالنسبة لأوروبا، كما أنّه لم يكن

(272)

لها حصص في أسهم الشركة الفرنسيّة، بالإضافة إلى انشغالها بالانتخابات الرئاسيّة[1].

شُكّلت في بريطانيا لجنة من الوزراء تتولّى توجيه دفّة سياسة القوة برئاسة رئيس الوزراء عُرفت باسم «لجنة مصر»، والتي ارتأت أن أيّ عمل عسكري ضدّ مصر كفيل بإسقاط عبد الناصر، وتطرّقت لاقتراح رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد بتمكين الأمير عبد المنعم ابن الخديوي عباس حلمي الثاني من الحكم كبديل لعبد الناصر، وأن يكون رئيس وزرائه أحمد مرتضى المرغني «وزير الداخلية في أواخر العهد الملكي»[2]. في صخب تلك التحرّكات فرضت بريطانيا عقوباتٍ اقتصاديّة على مصر، فجمّدت أرصدتها الإسترلينيّة في لندن، وعليه قُيّدت مصر؛ لأن معظم تجارتها تجري بالصرف بالإسترليني، باستثناء جانب صغير يستخدم فيه الدولار وجزء آخر بالمقايضة مع الكتلة الشيوعيّة[3]، كذلك منعت بريطانيا شحن البضائع إلى مصر، وفرضت الرقابة على جميع حسابات البنوك المصريّة لديها، ومنعت تسليم ذهب شركة قناة السويس وودائعها إلى مصر إلّا بترخيص من وزارة المالية البريطانية، وامتنعت بريطانيا وفرنسا عن دفع رسوم عبور القناة وأودعتاها لدى مصارفهما، وحذت الولايات المتحدة حذو بريطانيا وجمدت أرصدة مصر الدولاريّة لديها، وحظرت بريطانيا تصدير الأسلحة والمعدات إلى مصر رسميًّا[4].

(273)

قرّرتِ الدول الثلاث (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا) تعبئة الرأي العام الدولي ضدّ مصر، وفي 2 آب 1956م اجتمع وزراء خارجية الدول الثلاث وأصدروا بيانًا استعرض الطابع الدولي لشركة قناة السويس وأحكام اتفاقيّة القسطنطينيّة التي ضمنت حرّيّة الملاحة في القناة دون تمييز، وأن مصلحة العالم في بقاء الصفة الدولية لها بصرف النظر عن انقضاء مدّة الامتياز، وأنّ الخطوات التي اتّخذتها الحكومة المصريّة تهدّد حرّيّة الملاحة وأمن القناة؛ ممّا يجعل من الضروري إنشاء نظام دولي لإدارة القناة وضرورة إقامة مؤتمر في 15 آب 1956م تُدعى إليه الدول المنتفعة من القناة، وهي الدول التي وقّعت على معاهدة القسطنطينيّة أو التي حلّت محلّها في الحقوق والالتزامات[1]. تولّت بريطانيا تنظيم المؤتمر في لندن، فدعت الدول التسع الموقِّعة على اتفاقية القسطنطينية وهي: المملكة المتحدة، ألمانيا، النمسا والمجر، إسبانيا، فرنسا، إيطاليا، هولندا، الاتحاد السوفياتي، تركيا، كما وجهت الدعوة لستة عشر دولة أخرى معنيّة باستخدام الملاحة في القناة وهي: أستراليا، نيوزلندا، إندونيسيا، اليابان، سيلان، الهند، باكستان، إيران، اليونان، السويد، النرويج، الدانمارك، البرتغال، أثيوبيا، الولايات المتّحدة الأمريكيّة، بالإضافة إلى مصر[2]. وكان جليًّا أن اختيار تلك الدول جاء لأنّها محابية للغرب، ولم تُدع الدول العربيّة رغم أنها المورد الأساسي للنفط، وكذلك دول الكتلة الشرقيّة لموقفها المتعاطف مع مصر. ورفضت الحكومة اليونانيّة الاشتراك في المؤتمر، ووافقت الهند على الاشتراك بشرط ألا يمسّ اشتراكها الحقوق والسيادة المصريّة، ولا يتّخذ المؤتمر أيّ قرار نهائي إلّا بموافقة مصر، ووافقت الحكومة السوفياتيّة مع المطالبة بتوجيه الدعوة إلى مجموعة أخرى من الدول منها الدول العربيّة والدول الاشتراكيّة، أمّا الحكومة المصريّة فرفضتِ

(274)

الاشتراك في مؤتمر يبحث السيطرة على جزء من أراضيها[1].

انعقد المؤتمر في الفترة من 15 إلى 24 آب 1956م، وانتهى إلى تأييد المشروع الأميركي المقدم بأغلبيّة الأصوات، والذي تضمّن اقتراحًا بإقامة مجلس دولي يقوم على إدارة القناة، وعارضت هذا المشروع كل من الهند والاتحاد السوفياتي وإندونيسيا وسيلان[2]، وجرى عرض المشروع على مصر عبر لجنة خماسية برئاسة «روبرت منزيس» فرفضه عبد الناصر[3].

حاولت فرنسا وبريطانيا الرد على عبد الناصر بالشروع في تنفيذ عمليّة تهدف إلى إعاقة حركة الملاحة بالقناة، عن طريق إرسال سفن للمرور بالقناة فوق طاقتها المروريّة، وفي الوقت نفسه سحب المرشدين الأجانب لإثبات فشل مصر في إدارة القناة والحصول على فرصة للتدخّل المسلح، ولكن محمود يونس -مهندس عمليّة التأميم- تمكّنَ من إدارة حركة الملاحة بكفاءة واقتدار، بمساعدة المرشدين المصريّين واليونانيّين وضباط البحرّيّة المصريّة[4].

كذلك شرعت بريطانيا وفرنسا في تنفيذ عملية ثانية تهدف إلى وضع سفن حربية عند طرفي القناة وتنظيم قوافل للمرور دون دفع رسوم، فإذا أعاقت مصر مرورها تقوم السفن الحربية بقيادة القافلة والمرور بالقوة، لكن السلطات المصريّة رفضت تعطيل الملاحة

(275)

وسمحت للقوافل بالمرور دون دفع رسوم، على أن تحصل الرسوم لاحقًا عبر إرسال الإيصالات إلى الشركات مالكة السفن[1].

لمنع وصول رسوم القناة إلى مصر وجّهت بريطانيا الدعوة إلى الدول الثماني عشر -دول مؤتمر لندن- لإنشاء هيئة جديدة باسم هيئة المنتفعين تكون بمثابة شركة جديدة للقناة تعمل بالوكالة عن المنتفعين وتمارس عنهم الحقوق التي كفلتها لهم معاهدة القسطنطينيّة، وفي حالة إصرار مصر على الرفض، تُقيم الهيئة على ظهر سفينتين بمدخل ومخرج القناة (بورسعيد والسويس)، وتحصل رسوم المرور وتدفع إلى مصر حصتها، وفي حالة رفض مصر مرور السفن تكون في حِلّ من استخدام القوّة ضدها. وانعقد مؤتمران في لندن في 19 و22 أيلول لوضع اللمسات الأخيرة لتلك الهيئة، واتّخذت من لندن مقرًا لها، وعُيّن قنصل الدانمارك في نيويورك مديرًا لها، وأنيط بالهيئة الوصول إلى حل نهائيّ للمشكلة القائمة، ومساعدة الأعضاء على ممارسة حقوقهم، وضمان الملاحة الآمنة، وأن تتسلّم وتحتفظ وتنفق الإيرادات المتحصّلة من رسوم القناة مع عدم المساس بالحقوق القائمة انتظارًا للتسوية النهائيّة، ولكن لم تمارس الهيئة مهامها في ظل المعارضة السوفياتيّة، واعتراض الولايات المتحدة على دفع الرسوم لها واستمرار الخلاف بين أعضائها[2].

في 23 أيلول سلمت كل من بريطانيا وفرنسا خطابًا رسميًّا إلى رئيس مجلس الأمن يتضمن الموقف الناشئ عن العمل الذي قامت به الحكومة المصريّة، وفي 24 أيلول طلبت مصر بحث شكواها تجاه ما تقوم به بريطانيا وفرنسا ضدها من أعمال. وأصدر

(276)

مجلس الأمن قراره في 13 تشرين أول 1956م والذي كان حول مشروع بريطاني فرنسي تكون من قسمين، تضمن القسم الأوّل مبادئ ستة تكون أساسًا للمفاوضات التي تجرى مستقبلًا لتسوية الأزمة وهي (تكون حرّيّة العبور مكفولة والقناة مفتوحة للجميع دون أي تمييز، أن تُحترم سيادة مصر، تُعزل القناة عن السياسة، تُحدّد الرسوم بين مصر ومستخدمي القناة بطريقة يُتّفق عليها، تُخصّص نسبة عادلة من الرسوم لإنماء القناة والنهوض بها وتشغيلها، عند حدوث أي نزاع بين شركة قناة السويس والحكومة المصريّة فيما يختصّ بالشؤون المعلّقة يُحلّ هذا النزاع بطريقة التحكيم) وحاز على موافقة بإجماع الأصوات الأحد عشر، أما القسم الثاني فتضمّن الاعتراف بهيئة المنتفعين، وأن تبقى القناة مفتوحة أمام جميع السفن مهما كانت جنسيتها -في إشارة إلى السفن الإسرائيليّة-، إلّا أنّه لم يفز حين الاقتراع عليه إلّا بتسعة أصوات واعتراض صوتين هما الاتّحاد السوفياتي ويوغوسلافيا والأولى لها حقّ الفيتو، وعليه أسقط القسم الثاني من مشروع القرار، وأمام فشل السياسة الأنجلوفرنسيّة في تحقيق مآربها عن طريق الضغط الدبلوماسي، قررت سلوك طريق القوّة العسكريّة المدبّر له مسبقًا[1].

التخطيط لعدوان مسلح على مصر

بروتوكول سيفر

اجتمعت القيادات البريطانيّة والفرنسيّة والإسرائيليّة سرًّا في قرية سيفر بإحدى ضواحي باريس في الفترة من 22 إلى 24 تشرين أول 1956م لتنظيم ردّ عسكري على مصر. مثَّل الجانب الفرنسي جي موليه، كريستيان بينو، بورجيس مونوري، ومثّل الجانب الإسرائيلي دافيد بن غوريون، شيمون بيريز، موشيه دايان، أما الجانب البريطاني فمثّله

(277)

سلوين لويد وممثلون عن وزارة الخارجية في مرحلة أخرى من المفاوضات وهما باتريك دين، ودونالد لوجان، وأقرّت خطّة الحملة العسكرية على مصر أو ما سمي «بروتوكول سيفر». بلغ حجم القوات المشتركة من الدول الثلاث: (قوات برية): 38 لواء، 750 دبابة، 2510 مدفع. (قوات بحرّيّة): بارجة واحدة، 7 حاملات طائرات، 8 طرادات، 20 مدمرة، 20 فرقاطة، 9 غواصات، 22 زورق طوربيد، 134 سفينة أخرى. (قوات جوية): 28 سرب مقاتلات، 25 سرب قاذفات مقاتلة، 23 سرب قاذفات، 19 سرب طائرات نقل جوي، 10 أسراب طائرات استطلاع، سرية هليكوبتر اقتحام، 5 أسراب إمداد جوي واتصال[1].

التمهيد للهجوم: في 25 تشرين أوّل 1956م صدر القرار النهائي بتنفيذ «الخطة موسكتير المعدلة النهائية لسيفر»، فبدأت قوات العدوان التحرّك من قواعدها بالجزائر وجنوب فرنسا، واستأنفت طائرات المستير الفرنسيّة رحلاتها المتّجهة إلى إسرائيل، وأعلن أن تحرّكات الأسطول البريطاني الفرنسي ليست إلّا مناورة تدريبيّة. قامت إسرائيل كذلك بتعبئة قوّاتها سرًّا على مراحل متتالية، وأعدّت ترتيباتها النهائيّة للحرب، وأخطرت شركاءَها أنّ «العملية قادش» سوف تبدأ يوم 29 تشرين أوّل كما هو محدّد. وقطعت الدول الثلاث اتّصالاتها مع واشنطن -التي كانت ترفض مبدأ استخدام القوة ضدّ مصر- وأصبح موعد بدء التنفيذ يوم 7 أو 8 تشرين الثاني خاصّة أنّه يعقب الانتخابات الأمريكية المنعقدة في 6 تشرين ثان بيوم واحد، كان هناك اعتقاد أن الولايات المتحدة ستغض الطرف عن الهجوم بعد انتهاء الانتخابات. وإمعانًا في تضليل الأجهزة المراقبة للتحرّكات الإسرائيليّة أثيرت بلبلة سياسيّة في الأردن، وحشدت القوات الإسرائيلية بعض قواتها على الجبهة الأردنية لجذب الانتباه، كما كان يوم الهجوم مقررًا كموعدٍ لاجتماعٍ مقررٍ عقده في جنيف بين محمود فوزي وسلوين لويد وكريستيان بينو، بحضور همرشولد لإعطاء مصر الأمل في حلّ سياسي لن يحدث كما ظهر لاحقًا[2].

(278)

بدء العدوان الإسرائيلي: بدأ الهجوم الإسرائيلي في الساعة الخامسة ظهرًا يوم 29 تشرين أوّل 1956م، بعد أربعة أيام من توقيع بروتوكول سيفر. وأعلنت إسرائيل أنّ هذا التحرّك العسكري جاء ردًّا على اعتداء الجيش المصري على خطوط المواصلات الإسرائيليّة في البر والبحر بهدف تدميرها وحرمان المواطنين الإسرائيليّين من الحياة الآمنة، وفوجأت القيادة المصريّة بالهجوم، حيث كانت تتصوّر أنّ مشكلة القناة في طريقها إلى حلّ سياسي[1].

الإنذار الأنجلوفرنسي: حتى صباح يوم 30 تشرين أوّل 1956م كانت القيادة المصريّة تستبعد نظريّة التواطؤ الثلاثي، وذلك حتى ظهرت طائرات بريطانية في الأجواء المصريّة، وتأكدت الشكوك حينما دُعي السفيران المصريان في لندن وباريس في اليوم ذاته إلى وزارتي الخارجية في العاصمتين ليتسلم كل منهما إنذارًا بريطانيًا فرنسيًا يطالب كلًّا من مصر وإسرائيل بالابتعاد بقواتها عشرة أميال عن قناة السويس حتى لا يتعرض المرفق الدولي للخطر، وبناءً على ذلك فإنهما يطلبان من حكومة مصر أن: توقف فورًا كل الأعمال الحربية في البر والبحر والجو. وتسحب كل القوات المصريّة إلى مسافة عشرة أميال غرب القناة. والسماح لاحتلال قوّات بريطانيّة وفرنسيّة مواقع رئيسيّة في بورسعيد والإسماعيليّة والسويس؛ لضمان حرّيّة الملاحة في القناة وحتى يمكن فصل القوات المتحاربة[2].

(279)

وإذا لم يتم الردّ على هذه المكاتبة خلال اثنتي عشرة ساعة بالتعهّد بتنفيذ الإنذار من قبل إحدى الحكومتين (المصريّة أو الإسرائيلية) أو كلتيهما، فإن بريطانيا وفرنسا ستتدخّلان بأي قوات تراها ضرورية لضمان التنفيذ.

ردّت إسرائيل بالإيجاب على الإنذار الثنائي شريطة أن يصل رد إيجابي من مصر، وهو ما لم يحدث، حيث ردّت مصر برفضها قبول الإنذار. في الوقت نفسه أرسلت الولايات المتّحدة برقيّة إلى إسرائيل تطلب فيها سحب القوّات الإسرائيليّة، وعندما لم تتلقّ ردًا من إسرائيل طلبت عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن قُدّم فيه مشروع قرار بأن تسحب إسرائيل قواتها، وأن تمتنع الدول الأخرى عن استخدام القوّة أو التهديد بها، واستخدمت بريطانيا وفرنسا حقّ الفيتو ضدّ هذا القرار[1].

تواصل المعارك: خاضت القوات الإسرائيلية معارك عنيفة أمام القوات المصريّة انتهت باستيلائها على أبو عجيلة، وبير الحسنة، وجبل لبني، وبئر الحمة، واستغلّت الفرصة كذلك لإحكام الخناق حول القوات المصريّة في أم قطف، وأم شيحان، بالاستيلاء على منطقة سد الروافعة، ولكن بعد معارك خسرت فيها كثيرًا، وانتهت بتراجع القوات المصريّة إلى العريش لتسيطر القوات الإسرائيليّة بذلك على الطرق الثلاث التي تتحكّم في جنوب سيناء. وفي ممر متلا ظلّت قوات المظلّات الإسرائيليّة تقاتل لمدة سبع ساعات، وحاولت احتلال الممر بإرسال كتيبة مدرعة، ولكن القوات المصريّة حاصرتها وكبدتها خسائر فادحة، وبعد قتال عنيف استولت القوّات الإسرائيليّة على الممر في معركة وصفها موشيه ديان بأنها معركة لم تَخُض وحدة مقاتلة مثلها من قبل.

أصدرت رئاسة الأركان الإسرائيليّة تعليماتها بتأجيل الهجوم على «أم قطف» انتظارًا للضربة الجويّة الأنجلوفرنسيّة المخطّط لها حتى لا تتعرض القوات الإسرائيليّة لخسائر يمكن تفاديها بعد الضربة، فضلًا عن إضفاء صورة العمليّة الانتقاميّة على تحرّكاتها قبل تلك الضربة وإبعاد شبهة الحرب، ولكن خلافًا لتلك التعليمات قامت القيادة الجنوبية

(280)

الإسرائيليّة منتصف ليلة 29/ 30 تشرين أول بإصدار أوامرها إلى اللواء 10 مشاة بالاستيلاء على موقع «أم قطف» -الذي كان يشكّل بجانب موقع «أم شيحان» عائقًا أمام تقدّم القوات الإسرائيليّة نحو القطاع الأوسط من سيناء- استغلالًا لعنصر المفاجأة.

ولكن فشل الهجوم الإسرائيلي على أم قطف، ونجح قائد اللواء 6 مشاة المصري الذي كلّف بالدفاع عن تلك المنطقة بكتائبه غير المكتملة العدد والعتاد في صدّ الهجمات المتتالية للقوّات الإسرائيليّة، بل ونجحت قواته في تنفيذ هجوم مضاد، وبالرغم من التفاف القوات الإسرائيلية حولها (من الشرق باللواء 10 مشاة، ومن الغرب باللواء 7 مدرع، ومن الجنوب الشرقي باللواء 37 ميكانيكي، ومن الجنوب الغربي باللواء 4 مشاة) لكنها لم تنجح في اختراق الدفاعات المصريّة، وقُتل خلال المعارك قائد اللواء 37 ميكانيكي، وعلى إثر ذلك الفشل قام قائد القيادة الجنوبيّة بتغيير قائد اللواء 10 مشاة، وظلّت القوات المصريّة صامدة في أم قطف دون إمدادات تُمني القوات الإسرائيليّة بخسائر فادحة حتى وصلت إليها أوامر القائد العام بالانسحاب، شأنها شأن جميع القوات المصريّة في سيناء، ونجحت قوات اللواء 6 مشاة المصري في إخلاء أغلب أفرادها وتعطيل معداتها الثقيلة دون أن تشعر بها القوات الإسرائيليّة، وعندما عاودت القوات الإسرائيلية ظهر يوم 2 تشرين الثاني الهجوم من الشرق والغرب بسريتي دبابات بعد تمهيد مدفعي وجوي، اشتبكت القوات الإسرائيليّة مع بعضها في المواقع الخالية ودمرت 8 دبابات إسرائيلية. ذكر موشى ديان تعليقًا قي مذكراته عن (معركة أم قطف) بقوله: «إنّها المكان الذي قاتل فيه المصريّون على أفضل وجه، بينما قاتل الإسرائيليّون على أسوأ صورة» خلال ليلة 31 تشرين أوّل ويوم 1 تشرين الثاني كان القتال في القطاع الشمالي عند رفح والعريش جاريًا، وانقسمت القوات الإسرائيليّة إلى مجموعاتٍ صغيرةٍ تحارب في معارك مستقلّة لتفادي الأسلاك الشائكة وحقول الألغام. وصباح يوم 2 تشرين الثاني بدأ اللواء 9 مشاة الإسرائيلي مسيره نحو شرم الشيخ، وبدأ اللواء 11 مشاة الإسرائيلي عمليّاته في قطاع غزة واستولى عليه، ودخلت القوات الإسرائيلية العريش دون مقاومة بعد انسحاب القوات

(281)

المصريّة طبقًا لأوامر القيادة العامة، واتّجهت وحدات إسرائيلية غربًا نحو القنطرة، فيما اتّجهت وحدات أخرى نحو مطار العريش لتأمينه وضمان طريق أبو عجيلة، لتنهي القوات الإسرائيلية بذلك تقريبًا معاركها على المحور الشمالي في سيناء. أتمّ كذلك اللواء 27 مدرع الاستيلاء على محور القسيمة -جبل لبنى- الإسماعيلية. وفي 5 تشرين ثان سقطت شرم الشيخ آخر المواقع المصريّة في سيناء والتي كان يعني احتلالها التحكّم في مضيق تيران وفك الحصار عن الملاحة الإسرائيليّة إلى إيلات[1].

العدوان الأنجلوفرنسي

بدء العمليات: مع فجر يوم 4 تشرين الثاني وزّعت خطّط العمليّات على المسؤولين، وبدأ تحميل السفن بصفة نهائيّة في ميناء ليماسول، ومساءً صدر الأمر بالإبحار في اليوم التالي 5 تشرين الثاني التقت السفن الفرنسيّة مع السفن البريطانيةّ التي أبحرت من مالطة، وسارت العمارتان البحريتان في خمسة أرتال -ثلاث بريطانية واثنتان فرنسيتان- خلف ستار من سفن الكراكات. وفي صباح اليوم نفسه هبط المظلّيّون البريطانيون فوق منطقة الجميل، ولحقهم المظلّيون الفرنسيون فوق منطقة جنوب قناة الوصل التي تربط قناة السويس ببحيرة المنزلة، ثم أعقبتها عملية إبرار فوق منطقتي الرسوة وبورفؤاد، وأعقب ذلك عملية اقتحام جوي رأسي بالحوّامات من حاملات الطائرات على منطقة رأس الشاطئ[2].

الإجراءات المصريّة: خلال ليلة 30 تشرين الأول ويوم 31 تشرين الأول سارعت القيادة المصريّة بإرسال تعزيزاتها إلى سيناء وشرم الشيخ، وشرع سلاحها البحري في

(282)

مهاجمة الشواطئ الإسرائيلية، ولكن عندما تأكّدت من التواطؤ بين الدول الثلاث بعد القصف الجوي الأنجلوفرنسي مساء يوم 31 تشرين الأول، صدرت الأوامر خلال ليلة 31 تشرين الأول ويوم 1 تشرين الثاني بانسحاب القوات من سيناء وعودة الفرقة الرابعة المدرعة التي عبرت في الليلة السابقة إلى سيناء، ووقف تقدّم أي تشكيلات أخرى مع استمرار تمسّك كتائب المشاة الست بمواقعها في سيناء لمدة 48 ساعة لحين إتمام الفرقة الرابعة المدرعة انسحابها إلى غرب القناة[1].

كما صدرت الأوامر بإرسال قاذفات القنابل من طراز إليوشن إلى الصعيد والسعودية. ووضعت خطة حرب العصابات موضع التنفيذ، وأسند إلى زكريا محيي الدين مسؤولية قيادة المقاومة الشعبية، بينما أسند إلى كمال الدين حسين قيادة الفدائيين بمنطقة القناة. وأخفيت الأسلحة والمعدّات في أماكن اختيرت في كلّ مدن الوجه البحري، ووزّعت الأسلحة على المتطوّعين في المقاومة الشعبية، وجابت عربات الجيش الشوارع حاملة مكبرات صوت تدعو الناس إلى الجهاد ومقاومة الغزاة. قطعت مصر أيضًا علاقاتها الدبلوماسية مع بريطانيا وفرنسا، واستولت على ممتلكاتهما في مصر، وعطّلت الملاحة في قناة السويس بتنفيذ خطة كانت معدّة مسبقًا بإغراق باخرة محمّلة بالإسمنت في عرض المجرى الملاحي[2].

صمدت الجبهة الداخلية المصريّة وتكاتفت خلف زعيمها جمال عبد الناصر، ولم تصدق توقّعات قوى العدوان التي كانت واثقة من سقوط النظام بمجرد قصف الأهداف العسكرية، وقطع وسيلة اتصال عبد الناصر بشعبه من خلال تدمير محطات الإرسال المصريّة. ولكن بادرت إذاعة دمشق مواصلة رسالة الإذاعة المصريّة مستهلّة إذاعتها بعبارة هنا القاهرة. ونادى جمال عبد الناصر من فوق منبر الجامع الأزهر «سنقاتل...

(283)

سنقاتل». توقّف القتال بين مصر وإسرائيل يوم 6 تشرين الثاني، فيما التحمت قوات الجيش المصري والمقاومة الشعبية في بورسعيد أمام تحقيق هدف واحد وهو دحر العدوان، ونال صمود شعب بورسعيد وكفاحه في مقاومة العدوان إعجاب العالم، فبرغم استمرار قصف المدينة جوًّا وبحرًا طوال يوم 5 تشرين الثاني، لكنّها نجحت في تثبيت قوات الإبرار الجوي الأنجلوفرنسي طوال يوم 5 تشرين الثاني، وأنزلت بها كذلك خلال يوم 6 تشرين الثاني خسائر كبيرة، وتمكّنت من تثبيت العدو داخل منطقة رأس الشاطئ ومنعته من تأمينها وعرقلة انطلاقه صوب الإسماعيليّة. ودارت معارك عنيفة بين قوات الاحتلال وقوات المقاومة ظهرت خلالها أمثلة عديدة للفداء سواء من المدنيّين من أبناء بورسعيد أمثال السيِّد عسران، ومحمّد مهران، أو العسكريّين أمثال المقدم بحري جلال الدسوقي، والملازم بحري جول جمال اللذين استشهدا في معركة البرلس البحرّيّة. ومن أشهر العمليات التي أسفرت عنها عمليات المقاومة أسر الضابط أنتوني مورهاوس والادّعاء باغتيال شخصيّة عسكريّة باسم الميجور جون وليامز[1].

الموقف الدولي من الحرب

(موقف الأمم المتحدة) قرار 2 تشرين الثاني، قدّمت الولايات المتحدة مشروع قرار إلى الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة المنعقدة في 1 تشرين ثان 1956م نصّت فقراته التنفيذيّة على التالي:

 على جميع الأطراف المتشابكة قبول وقف إطلاق النار والكفّ عن نقل القوّات العسكريّة والأسلحة إلى هذه المنطقة.

 سحب القوات إلى ما وراء خطوط الهدنة، والكفّ عن القيام بغارات عبر خطوط الهدنة على الأراضي المجاورة ومراعاة نصوص اتفاقيّات الهدنة دون تردّد.

(284)

توصى جميع الدول بالامتناع عن إدخال المواد الحربيّة إلى منطقة الأعمال العدوانيّة، وأن تمتنع بصفة عامة عن القيام بأيّ أعمال قد تؤخّر أو تمنع تنفيذ هذا القرار.

 يُحثّ على اتخاذ الخطوات اللازمة لإعادة فتح القناة وإعادة تأمين حرّيّة الملاحة بها بعد تنفيذ وقف إطلاق النار.

 يُطلب من الأمين العام أن يُراعي وأن يُبلغ مجلس الأمن والجمعيّة العامّة على الفور بمدى الامتثال لهذا الاقتراح لاتّخاذ أي إجراء آخر يريانه مناسبًا طبقًا لميثاق الأمم المتّحدة.

 تظلّ الجمعيّة العامّة منعقدة في جلسة طارئة امتثالًا لهذا القرار[1].

وافقت الجمعية العامة على المشروع الأميركي في 2 تشرين الثاني بأغلبية 64 صوتًا ضدّ خمسة أصواتٍ هي (بريطانيا، فرنسا، إسرائيل، أستراليا، نيوزيلندا)، وامتناع ست دول عن التصويت. أبلغت مصر الأمين العام في اليوم نفسه قبولها القرار، وأعلن الأمين العام ذلك في 3 تشرين الثاني مع احتفاظ مصر لنفسها بالحقّ في عدم تنفيذ أحكامه إذا ظلّت القوات المهاجمة توالي عدوانها. وشُكِّلت لجنة ثلاثية لمراقبة التنفيذ ضمّت كلًّا من رالف بانش، وإيليا تشيرليشيف، وقسطنطين ستافروبولوس[2].

اقتراح قوّة طوارئ دوليّة

سعت الدبلوماسيّة الكنديّة بقيادة ليستر بيرسون لإيجاد مخرج للأزمة يخفّف من حدة الصدام بين الحلفاء الغربيّين، فاقترح تشكيل قوّة دوليّة تكون أداة فعالة لفرض قرارات الأمم المتحدة، ووافقت الجمعية العامة على المشروع الكندي في 4 تشرين

(285)

الثاني بأغلبيّة 57 صوتًا وامتناع باقي الدول ودون اعتراضات، وتمّت الموافقة كذلك على تعيين الجنرال تومي بيرنز قائدًا للقوة الدولية الجديدة، وشُكِّلت لجنة لبحث تنفيذ القرار كانت فيه الهند لسان مصر والتي أصرّت على عدم انضمام أي قوّات بريطانيّة أو فرنسيّة إلى القوات الدولية[1].

وقف إطلاق النار

تحت ضغوط سوفياتيّة، وأمريكيّة، وكنديّة وحتى في الداخل البريطاني، ومع تماسك الجبهة الداخليّة المصريّة وصمودها أمام العدوان، وتضامن الشعوب العربيّة معها، ونجاح مصر في اكتساب تعاطف الرأي العالمي وإدانة العدوان، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصاديّة التي ألمّت ببريطانيا نتيجة الحرب، وتلميح الولايات المتحدة برفض مساعدتها اقتصاديًّا مع إصرارها على موقفها، وتأكُّد الحكومتين البريطانيّة والفرنسيّة من الخسائر التي ستتعرضان لها في حال استمرّتا في تنفيذ خطتهما، رضختا لقرار وقف إطلاق النار اعتبارًا من ليلة 6 تشرين الثاني ويوم 7 تشرين الثاني، إلّا أنّ القتال استمرّ في بورسعيد ولم يتوقّف فعليًّا إلّا مساء يوم 8 تشرين الثاني بعد تدخّل الأمين العامّ للأمم المتحدة[2].

نتائج العدوان: (على مصر) على الرغم من فداحة الخسائر المصريّة في الأرواح والممتلكات نتيجة العدوان، إلّا أنّ مصر خرجت من المحنة أكثر تماسكًا، خاصّةً في ظلّ التضامن العربي والدولي مع موقفها، فضلًا عن تألّق نجم عبد الناصر على مستوى السياسة الدولية بوقوفه في وجه الدول المعتدية. وتمثّلت المكاسب في انفراد مصر

(286)

بملكية قناة السويس وحق إدارتها بلا منازع، وإلغاء معاهدة الصداقة والتحالف بينها وبين بريطانيا وما تبع ذلك من استيلاء مصر على القاعدة البريطانيّة العسكريّة في منطقة قناة السويس بكل ما تحويه من أسلحة وذخائر وعتاد، كذلك تقرّر فرض الحراسة على أموال ومؤسّسات وشركات وممتلكات الإنجليز والفرنسيّين المقيمين في مصر، والتي قُدرت قيمتها وقتها بـ30 مليون جنيه مصري.

النتائج على الدول المعتدية: فقدت بريطانيا مكانتها في المنطقة وممتلكاتها وقاعدتها في مصر، وانتهى الأمر بأنتوني إيدن إلى الاعتكاف ثمّ الاستقالة من منصب رئيس الوزراء. خسرت كذلك فرنسا أموالها وممتلكاتها في مصر وفقدت نفوذها السياسي والثقافي في المنطقة، أمّا إسرائيل فظهرت كدولة إمّعة بيد الغرب لكنّها حافظت على تأمين مرور سفنها بخليج العقبة وقناة السويس[1].

(287)

الخاتمة

من خلال العرض السابق يمكننا استخلاص عدد من النتائج أهمّها:

-أبرز العدوان الثلاثي مدى هشاشة قوى الاستعمار القديم أمام الدول الوطنيّة، والنزعات التحرّريّة الحديثة، فبدت في الانسحاب ومنح تلك الشعوب حريتها واستقلالها.

-ظهور الولايات المتّحدة كقوة عظمى لتغطية الفراغ الذي تركه انسحاب بريطانيا وفرنسا من المنطقة، ودعمها لإسرائيل كذراع عسكري لدعم الأهداف الغربية في المنطقة.

-عدم استجابة مصر للضغوط الغربيّة ونجاحها في جلب السلاح من الاتّحاد السوفيتي، وتأميم قناة السويس وإدارتها لاستغلال مواردها للإنفاق على إنشاء السدّ العالي بأسوان.

-فشل التحالف البريطاني الفرنسي الإسرائيلي في تحقيق أهدافه من العدوان على مصر، فسياسيًّا خرجت مصر من هذا العدوان بمكاسب كثيرة رغم الخسائر العسكريّة والاقتصاديّة.

-نجحت إسرائيل بعد العدوان في حرّيّة الملاحة في خليج العقبة وقناة السويس.

(288)

قائمة المصادر والمراجع

مراجع عربيّة، ودوريات علميّة

1.أحمد البدري، حسن؛ فريد، فطين أحمد، حرب التواطؤ الثلاثي العدوان الصهيوني الأنجلو فرنسي على مصر خريف 1956م، ط1، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 1997م.

2.أحمد فريد علي، فطين، الآثار والنتائج والدروس المستفادة من العدوان الثلاثي على مصر 1956م، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصريّة للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين الثاني 2006م) تحرير: عاصم الدسوقي.

3.أسعد نقيطي، فوزي، الموقف السعودي تجاه العدوان الثلاثي على مصر 1956م، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصريّة للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين الثاني 2006م) تحرير: عاصم الدسوقي.

4.الأقرع، زاهي، العلاقات الإسرائيلية-الفرنسيّة (1956-1967م)، منظمة التحرير الفلسطينية - مركز الأبحاث،عدد 78، 1978م.

5.بسيوني، صلاح، مصر وأزمة السويس، سلسلة مكتبة الدراسات التاريخية، ط1، دار المعارف، القاهرة 1970م.

6.الجمل، شوقي، عبد الله عبد الرازق، تاريخ مصر المعاصر، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة 1997م.

7.حسن عيسى، صالح، لجنة مؤتمر لندن الخماسية وأزمة السويس عام 1956 على ضوء الوثائق العراقيّة، الجامعة المستنصرية، مجلة دراسات وبحوث الوطن العربي، عدد 18-19، العراق 2006م.

8.حسن قاسم، شريف، أثر تأميم قناة السويس وحرب 1956م على الأوضاع والاتجاهات الاقتصاديّة في مصر، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصريّة للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين الثاني 2006م) تحرير: عاصم الدسوقي.

(289)

9.السعيد إدريس، محمّد، أزمة السويس وتطورات النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصريّة للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين الثاني 2006م) تحرير: عاصم الدسوقي.

10.السيد سليم، محمّد، القضايا الخلافية حول قرار تأميم شركة قناة السويس وعلاقته بالعدوان الثلاثي، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصريّة للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين الثاني 2006م) تحرير: عاصم الدسوقي.

11.شقرة، جمال، خمسون عامًا على العدوان الثلاثي 1956م، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصريّة للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين الثاني 2006م) تحرير: عاصم الدسوقي.

12.طارق السيد سليم، طارق، موقف يوغسلافيا من أزمة السويس 1956م، مجلة بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس القاهرة، عدد 44، القاهرة 2018م.

13.عبد الوهاب، محمّد، موقف الولايات المتحدة الأمريكية تجاه أزمة السويس 1956م في ضوء سياسة الارتباط، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصريّة للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين الثاني 2006م) تحرير: عاصم الدسوقي.

14.عميت، منير، مجلة الدراسات الفلسطينية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، عدد 67، 2006م.

15.يونان، رفعت، العدوان الثلاثي نقطة فارقة بين عهدين، بحث ضمن أعمال ندوة الجمعية المصريّة للدراسات التاريخية (خمسون عامًا على العدوان الإسرائيلي الفرنسي الإنجليزي 4-6 تشرين الثاني 2006م) تحرير: عاصم الدسوقي.

وثائق أجنبيّة

1.FO /492/ 10: further correspondence recpecting Esrael, Part 8, from January to December 1956, No. 22, Israel Attack on Egeptyab Torritory Official Report, (Telegraphic) sir John Nicholls to Mr. Selwyn Lloyd, Tel aviv, October 29, 1956.

2.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to

(290)

December 1956, NO 17, Report on Sir Brian Robertson’s visit to Egypt, Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Cairo. June 23  1956.

3.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, NO 1, Message from the Minister of Foreign Affairs to the Egyptian Prime Minister. Mr. Selw yn Lloyd to Sir Humphrey Trevelyan. Foreign Office. Jane 16, 1956.

4.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, NO 1, Egypt: Annual Review 1955 from Sir Humphry Trevelyan to Sir Selwyn Lloyd. Cairo, January 31, 1956.

5.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, NO 18 (1), EVACUATION CE LEBRATIONS IN EGYPT Visit of M. Shepilov for the Occasion. Cairo. June 28, 1956.

6.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No 5, Record of conversation between the Foreign Minister and Colonel Nasser on March 1, 1956.

7.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No 13 (1), ANGLO -EGYPTIAN RELATIONS Conversation between Her Majesty’s Ambassador and the Egyptian Prime Minister.

8.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 11, Activities of the Soviet Bloc in Egypt Sir Humphry Trevelyan to Mount Selwyn Lloyd. Cairo. April 19, 1956.

9.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 15, Trade between Egypt and the Soviet Bloc Sir Humphry Trevelyan Mr. Selwyn Lloyd. Cairo, June 2, 1956.

(291)

10.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 4, Organization and efficiency of Egyptian combat services, Sir. Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Cairo. February 13. 1956. FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No.28 (4) Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Sehvyn Lloyd. (Received July 27) (no. 1283) Cairo. (Telegraphic) July 27, 1956.

11.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 21, WITHDRAWAL OF BRITISH TROOPS FROM EGYPT UNDER THE TERMS OF THE ANGLO -EGYPTIAN A GREEMENT OF OCTOBER 19 1954 (COMMAND PAPER No. 9586) Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selw yn Lloyd. Cairo, July 5, 1956.

12.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No.13 (3) Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Cairo. May 27, 1956.

13.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 7: Arab alliances in Egypt, Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Cairo, July 3, 1956.

14.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 7: British-Egyptian relations Record of the conversation that took place on the evening of March 12, 1956 between the Foreign Minister and the Turkish Prime Minister, Cairo. February 10, 1956.

15.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 8, Egyptian Military and National Service Chancery. British Embassy, to African Department, Cairo, March 29, 1956.

 

(292)

16.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No 3 The Aswan High Dam, Sir Humphry Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd, Cairo. February 10, 1956.

17.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 28 (12), Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. (Received July 30) (No. 1330. Confidential) Cairo. (Telegraphic) July 30,1056.

18.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 22, ECONOMIC CONDITIONSIN EGYPT, Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. Cairo, July 17, 1956.

19.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 32 (1) PROPOSALS FOR THE SETTING UP OF A SUEZ CANAL USERS ASSOCIATION, Mr. Selwyn Lloyd to Her Majesty’s Embassy. Addis Ababa Foreign Office August 4, 1956.

20.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 31 (1) SUEZ CANAL CRISIS- MENZIES MISSION TO EGYPt (telegraphic) Foreign Office August 22, 1956.

21.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 42 (1) QUESTION OF PAYMENT OF DUES TO THE SUEZ CANAL USERS ASSOCIATION, Sir Pierson Dixon to Foreign Office, New York,             October 7, 1956.

22.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 38 (1) SECOND SUEZ CANAL CONFERENCE, HELD IN LONDON SEPTEMBER 19-21, 1956 Mr. Selwyn Lloyd lo Copenhagen and Certain Other Posts No- 366 (Confidential) Foreign Office September 14, 1956.

 

(293)

23.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 41 (1) SUEZ CRISIS: MEETING OF SECURITY COUNCIL, SEPTEM BER 27 OCTOBER 14, 1956 RECORD OF MEETING AT THE HOTEL MATIGNON IN PARIS ON SEPTEMBER 27, 1956.

24.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 43(1) SUEZ CRISIS: ISRAELI INVASION OF SINAI, Sir John Nicholls to Mr. Selwyn Lloyd. (Received October 29) (No. 583) (Telegraphic) Tel Aviv, October 29, 1956.

25.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 45 (12) Foreign Office to Certain o f Her Majesty’s Representatives (No. 120 Guidance) (Telegraphic) Foreign Office, November 5, 1956.

26.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 47 (1) SUEZ CRISIS: WITH DRAWAL OF BRITISH AND FRENCH TROOPS CONVERSATION BETWEEN THE SECRETARY OF STATE AND THE UNITED STATES AMBASSADOR ON NOVEMBER 9, 1956 Mr. Selwyn Lloyd to Sir Harold Caccia ( Washington) (No. 765. Secret) Foreign Office. November 9, 1956.

27.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 45 (2) (Telegraphic) Sir Pierson Dixon to Mr. Selwyn Lloyd. (Received October 31) (No. 983) New York. October 30, 1956.

28.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 48 (1) UNITED NATIONS EMERGENCY FORCE Sir Pierson Dixon to Mr. Selwyn Lloyd. (Received November 19) (No. 1281. Confidential) New York. (Telegraphic) November 18, 1956.

 

(294)

29.FO/ 407/ 235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 56, POSITION OF THE SECRETARY -GENERAL OF THE UNITED NATIONS IN MIDDLE EAST QUESTIONS, Sir Pierson Dixon to Sir Ivone Kirkjni trick. (Received December 31) (No.10723/ 249/ 56. Secret) New York, December 22, 1956.

30.FO/ 407/ 235: No. 26, ASWAN HIGH DAM Mr. (entel No. 151. Confidential) by Bag Foreign Office, August 22, 1956.

31.FO/ 407/ 235: No. 28 (2), Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Solwyn lioyd. (Received July 27) (No. 1278)(Telegraphic) Cairo, July 26. 1956.

32.FO/ 407/ 235: No. 28 (3), Nasser’s speech. Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. (Received July 27) (No. 1282) (Telegraphic) Cairo, July 27, 1956.

33.FO/ 407/ 235: No. 28(1), NATIONALISATION OF THE SUEZ CANAL BY THE EGYPTIANGOVERNMENT, Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Seiwyn Lloyd. (Received July 26) (telegraphic) Cairo.July 26, 1956.

34.FO/ 407/ 235: No. 29, NATIONALISATION OF THE SUEZ CANAL BY THE EGYPTIAN GOVERNMENT, Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Seiwyn Lloyd. (Received July 26) (telegraphic) Cairo. July 26, 1956.

35.FO/ 407/ 236 further correspondence relating to Egypt, Part 11 from January to December 1957, No. 20, NEGOTIATIONS FOR A SUEZ CANAL SETTLEMENT, (Telegraphic) Permanent Under-Secretary to Sir Pierson Dixon (New York) (No. 1507. Secret) Foreign Office. May 2, 1957.

36.FO/ 492/ 10: further correspondence recpecting Esrael, Part 8, from January to December 1956, No. 22, Israel Attack on Egeptyab Torritory Official Report, (Telegraphic) sir John Nicholls to Mr. Selwyn Lloyd, Tel aviv, October 29, 1956.

 

(295)

37.FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, NO 9 (1), Anglo-Egyptian relations. Mr. Selwyn Lloyd to Sir Humphrey Trevelyan , Foreign Office. April 3, 1956.

38.FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 23 (1), ASWAN HIGH DAM Mr. Selwyn Lloyd to Sir Humphrey Trevelyan (Cairo) (Telegraphic) (No. 1890) London. July 20, 1956.

39.FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 30 (22) FIRST SUEZ CANAL CONFERENCE HELD IN LONDON. AUGUST 15-24, 1956.

40.FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 28(11), SUMMARY RECORD OF THE TRIPARTITE CONFERENCE (FRANCE. UNITED KINGDOM, UNITED STATES) HELDIN LONDON FROM JULY 29, 1956. TO AUGUST 2, 1956.

41.FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 45 (7) Sir Pierson Dixon lo Mr. Selwyn Lloyd. (Received November 2) (No. 1010) (Telegraphic)New York, November 2, 1956.

42.FO/407/235 further correspondence relating to Egypt, Part 10 from January to December 1956, No. 55 (1) BRITISH COMMUNITY IN EGYPT (Egyptian Government’s Action Against-Financial Losses-Maltreatment of-General Assembly Resolntion) Sir Humphrey Trevelyan to Mr. Selwyn Lloyd. (Received December 8), Cairo.December 4, 1956.

(296)

 

الجيش المصري في مواجهة التدخّل الأجنبي

الثورة العرابيّة (1881-1882م) أنموذجًا

 

                  نبيل السيِّد الطوخي[1]

تمهيد

شكَّل الجيش المصري عبر العصور القلب النابض لمصر وشعبها وتاريخها وتراثها، هو أقدم وأعرق مؤسّسة عسكريّة في التاريخ، وكان ذلك الجيش الدرع والسيف الذي عمل على حماية مصر القديمة ومنجزاتها الحضاريّة العظيمة من قوى العدوان والتخريب والهجمات البربرية[2]. ويستقرّ الرأي لدى الباحثين في مجمل تاريخ العالم على أنّ المصريّين هم أوّل من قدّم فكرة الجيش كقوات نظاميّة تقوم بالدفاع عن البلاد من هجمات القبائل العابرة أو الطامعين في خيرات البلاد بعد نشأة ومولد كيان الدولة ذات الحضارة الزراعيّة المستقرّة على ضفاف النيل[3]، وكفاح الجيش المصري ضد الغزاة متّصل عبر التاريخ، وتسجل صفحات التاريخ مواقفه الخالدة منذ أوّل استعمار في تاريخ مصر وهو غزو الهكسوس لها حوالي عام 1730ق.م[4].

(297)

في هذا البحث سوف نعرض لدور الجيش المصري في مواجهة التدخل الأجنبي خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر في وقت وصل فيه هذا التدخّل مداه، وزاد التذمّر من ضعف الحكومة وسوء إدارتها وتهاونها في حقوق المصريّين، وتخاذلها أمام التدخّل الأجنبي، وكان لهذا كلّه أكبر الأثر في قيام الثورة العرابيّة (1881-1882م) وفي أن يكون الجيش المصري طليعة الحركة الثوريّة في مصر وقوّتها الدافعة.

- أحوال الجيش قبيل قيام الثورة العرابيّة

نجح محمّد علي في تأسيس جيش حديث من المصريّين منذ عام 1820م، واستطاع هذا الجيش المصري الجديد أن يثبت جدارته الحربيّة في المعارك التي خاضها في أوروبا أثناء ثورة المورة، وفي الشام أثناء حروب محمّد علي ضدّ السلطان العثماني[1]، وكانت سياسة محمّد علي تقضي بعدم منح المصريّين وظائف كبرى في الجيش[2]؛ لأنّه لم يكن يثق بهم كقادة ولا كضباط، حيث خاف على سلطته منهم[3]، وعندما كتب إبراهيم باشا بن محمّد علي إلى أبيه طالبًا فتح باب الترقّي أمام المصري للرتب العليا والقيادية ردّ عليه قائلًا: «ومن المعلوم يا ولدي أنني تجنّبت حتى الآن ترقية العرب إلى الرتب العليا، وظللتُ محجمًا عنها مدّة طويلة مقدرًا النتائج التي ستترتّب عليها بعد مئة سنة»[4].

لقد كان محمّد علي يدرك بثاقب بصيرته وقدرته على تكوين رؤية مستقبليّة أنّ المصري لن يتوانى عن الثورة على حكم أسرة محمّد علي إذا ما تولّى المصري المراكز القياديّة. ولقد كان محقًا في توقّعه ولكن بعد أربعين عامًا فقط وليس بعد مئة عام.

(298)

وعندما تولّى سعيد حكم مصر (1854-1863م) أمر بانتظام أولاد العمد والمشايخ في سلك الجندية، وترقيتهم إلى رتبة الضابط من تحت السلاح[1]، وكان أحمد عرابي ورفاقه من زعماء الثورة العرابيّة من بين الفلّاحين الذين دخلوا الجيش في عهد سعيد وترقّوا إلى مراتب الضباط[2]. ويرى بعض أنّ هذه الخطوة كانت من أهمّ الخطوات التي جعلت الجيش المصري يتصدّر الحركة الوطنيّة[3].

ولما كان سعيد محبًّا لتقدّم المصريّين، فقد أرتقى في عهده الكثير منهم إلى المراتب العسكريّة العالية ومنهم أحمد عرابي فقد وصل من رتبة جاويش إلى رتبة قائم مقام (عقيد) في أقلّ من ست سنوات، وكان عرابي أوّل من حصل على رتبة قائم مقام من المصريّين على حدّ قوله[4].

وجاء إسماعيل إلى الحكم (1863-1879م) ولم يكن نصيرًا للضبّاط المصريّين وكان يميّز الضباط الشراكسة[5] والترك عليهم في المعاملة رغم ما بدا منهم من العجز والجهل وعدم الكفاية، ممّا ظهر أثره جليًّا في الهزائم التي حاقت بالجيش سنة (1875-1876م) في حرب الحبشة[6] وعاد عرابي ورفاقه من الضبّاط الوطنيّين الذين اشتركوا في

(299)

حرب الحبشة وقد نمت في أذهانهم بذور الثورة على الأوضاع القائمة[1].

ولم تلبث الوزارة الأوروبيّة الأولى التي كان يرأسها نوبار باشا[2]  أن أدركت مصدر الخطر على الوصاية الأجنبيّة والنفوذ الأجنبي الزاحف، وهو الجيش، فعمدت إلى الاصطدام به وتصفيته بإنقاص عدده بحجّة أنّ الحكومة عاجزة عن الإنفاق عليه، إذ إنّ معظم إيرادات الحكومة خُصّصت لأداء أقساط الديون، فرأت تسريح عدد كبير من الجند، وقرّرت إحالة 2500 ضابط من ضبّاط الجيش دفعة واحدة إلى الاستيداع، ولم يكن الضباط قبل هذا القرار ينالون رواتبهم بانتظام، إذ كانت رواتبهم قد تأخرت على مدى عشرين شهرًا، وهذا وحده كان يكفي لتبرّمهم واستيائهم[3]، فقاموا بمظاهرة يوم 18 فبراير سنة 1879م، وقد ترتّب عليها سقوط وزارة نوبار في 19 فبراير سنة 1879م[4]، وكان ذلك أوّل تدخّل حقيقي للجيش في النظام السياسي[5] منذ تكوين الجيش النظامي في عهد محمّد علي[6].

هزّت حركة الضباط وبعنف تلك الطاعة التي ألفوها، وغمرتهم الأحاسيس بأنهم أصبحوا أقوياء، وأثبتت أنّ هناك تأزّرًا بين العسكريّين والمدنيّين، فأعلن علماء الدين تأييدهم للحركة وأفتوا بشرعيّتها، وساند الأعيان مطالبها، وتجلّى سخط المصريّين على ما هو قائم، ومن ثم عُدَّت مبشرًا ونذيرًا لثورة قادمة[7].

(300)

الجيش والثورة

منذ مظاهرة 18 فبراير سنة 1879م تفشّى السخط والقلق في صفوف الجيش المصري[1] وتذمّر الضباط الوطنيّون، من سوء معاملة عثمان رفقي ناظر الجهادية (وزارة الدفاع) للضباط الوطنيّين، وتعصّبه لأبناء جلدته من الشراكسة، كما أنّه أخرج معظم الضبّاط المصريّين من الجيش إلى التقاعد قبل السنّ القانوني، ويضاف إلى ذلك أنّه سنّ قانون للقرعة العسكريّة في 31 يوليو سنة 1880م يمنع بمقتضاه الترقي من تحت السلاح إلى رتبة الضباط مما يعوق ترقّي الجنود المصريّين وحرمانهم من الوصول إلى أيّ رتبة، بل ويجعلهم أنفارًا تحت تسلّط الضبّاط من الأتراك والشراكسة[2]، وقد دفعت كل هذه المظالم الضباط الوطنيّين إلى التذمّر، وعلى أثر ذلك تجمع الضبّاط المصريّون في منزل أحمد عرابي (16 يناير 1881م) لمناقشة وضعهم داخل الجيش، وأسفر الاجتماع عن تزعم أحمد عرابي لحركة مطالب الضباط وكتبوا عريضة تطالب رئيس مجلس النظّار (الوزراء) بعزل ناظر الجهادية وتعيين مصري مكانه[3].

ولم يكن من المتوقّع أن تستجيب الحكومة لمطلب الضبّاط، بطبيعة الحال، بل تقرّر اعتقال زعمائهم وتقديمهم للمحاكمة العسكريّة وهم: أحمد عرابي، وعلي فهمي، وعبد العال حلمي، وفي أوّل فبراير سنة 1881م عقد مجلس عسكري لمحاكمتهم بديوان ناظر الجهاديّة بقصر النيل، وأثناء المحاكمة كان زملاء الضبّاط قد خرجوا على رأس فرقهم العسكريّة وهاجموا مقر المحاكمة، فهرب المجلس العسكري، وخرج الضباط الثلاثة

(301)

ومعهم بعض فرق الجيش وتوجّه الجميع إلى قصر عابدين، وطلبوا من الخديوي توفيق (1879-1892م) عزل ناظر الجهادية وأصرّوا على البقاء، حتى يستجاب لتحقيق مطالبهم، فصدر الأمر بعزل عثمان رفقي وتعيين محمود سامي البارودي ناظرًا للجهادية في أوّل فبراير سنة 1881م[1]، وقد ترتّب على هذا الحادث نتائج خطيرة، فانتصار العسكريّين قد منحهم الثقة بأنفسهم وبمقدرتهم على تغيير الأوضاع القائمة وفق ما يشاؤون، كذلك كان لهذا الانتصار صدى قويّ في الأوساط الشعبيّة[2]، فقد بارك الشعب حركة الضباط، حيث وجد فيها تنفيسًا عن آلامه وتقديرًا لآماله في التخلّص من ربقة التدخّل الأجنبي، كما أصبح عرابي وزملاؤه موضع إعجاب الأمّة وتقديرها وتردّد اسمه على أفواه الناس كأوّل فلّاح مصري يقف في وجه الطغيان ويعبر عن آمال الشعب وآلامه، ولم تمض عدّة أسابيع على حادث قصر النيل حتى انهالت عرائض الفلّاحين من جميع أنحاء البلاد على عرابي يبثّون إليه شكواهم وما يقع عليهم من مظالم، ففتح عرابي قلبه للجميع[3]، ولمّا اطمأنّ إلى أنّ الجيش في قبضة يده، والأمّة تناصره، شرع في إحداث الانقلاب الذي كان يرجوه في نظام الحكم، أو بعبارة أخرى أخذ يتأهّب لمتابعة الثورة التي بدأها يوم أوّل فبراير 1881م[4].

وجد الخديوي أنّ نفوذ الضبّاط آخذ في الازدياد، فبدأ يعمل على تحجيم وضعهم وتحديد نفوذهم بمختلف الوسائل، فعزل محمود سامي البارودي وولّى مكانه صهره داود يكن. والحقّ أن الخديوي كان يتآمر بغية إلحاق الهزيمة بعرابي والقادة العسكريّين الوطنيّين[5]، وقد انتهى الأمر بأنّ وضع الجيش نفسه لأوّل مرة منذ العصر الفرعوني موضع

(302)

القوّة المنفِّذة لإرادة القوى الوطنيّة، وتمثّل ذلك في اتّفاق عرابي مع زملائه على حشد الجيش لمواجهة الخديوي في ساحة قصر عابدين يوم 9 سبتمبر 1881م، وبالفعل سار عرابي إلى ساحة عابدين بفرقته وفرق زملائه من فرسان ومشاة ومدفعيّة، يحوط بهم آلاف من أفراد الشعب، وتقدم عرابي إلى الخديوي بمطالب الأمّة وهي:

1. إسقاط وزارة رياض باشا والغرض من هذا المطلب إسقاط الوصاية الأجنبيّة التي تمثّلها هذه الوزارة.

2. دعوة مجلس شورى النواب (البرلمان) إلى الانعقاد. والهدف منه إسقاط نظام الحكم المطلق.

3. زيادة عدد الجيش إلى 18 ألف. والغرض منه توفير الأداءة الرئيسيّة التي لا غنى عنها لدعم الاستقلال وحماية البلاد.

4. التصديق على جميع القوانين العسكريّة السابق وضعها إبان تولّي البارودي نظارة الجهاديّة، والغرض من هذا المطلب تحسين حالة الضباط والجنود والحفاظ على حقوقهم[1].

وردّ الخديوي توفيق على عرابي قائلًا: «كلّ هذه الطلبات لا حقّ لكم فيها وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي وما أنتم إلّا عبيد إحساننا»، فردّ عرابي بجملته الخالدة: «نحن خلقنا الله أحرارًا ولم يخلقنا تراثًا وعقارًا، فوالله الذي لا إله إلا هو أنّنا لا نورث ولا نستعبد بعد هذا اليوم»[2].

وكان لا بدّ أن ينحني الخديوي مرّة أخرى للعاصفة، فالجيش والشعب من وراء عرابي،

(303)

فأقال رياض في الحال، وكلّف محمّد شريف باشا بتشكيل الوزارة مرة أخرى، فتألفت في 14 سبتمبر 1881م حيث عاد البارودي فيها ناظرًا للجهاديّة مرّة أخرى، وسافر عرابي على رأس فرقته إلى رأس الوادي بالشرقية، كما رحل عن القاهرة أيضًا عبد العال حلمي بفرقته، وبذلك كفّ -مؤقتًا- تدخل الجيش في السياسة[1]. وإن دلّ ذلك على شيء فإنّما يدلّ على أنّ أحمد عرابي لم يكن من النوع الذي يسعى إلى السلطة والثورة من أجل الحكم، وإنّما كان يضع مصالح وآمال مصر أمام أيّ هدف آخر[2].

ويرى بعض المؤرّخين أنّ عرابي بعد ثورة 9 سبتمبر 1881م أصبح الحاكم الحقيقي لمصر، وبرز باعتباره زعيمًا وطنيًّا وشعبيًّا وديمقراطيًّا في نظر المصريّين، وأصبح مصدر السلطة الحقيقيّة في مصر بعد انتصاره في ملحمة عابدين يظاهره الجيش والأمّة في وقت واحد[3].

التدخّل الأجنبي السافر

وبعد تأليف شريف وزارته قدّم طلبًا إلى الخديوي توفيق بدعوة مجلس شورى النواب للانعقاد، ووافق الخديوي، وأجريت الانتخابات، وعقد مجلس شورى النواب أولى جلساته في 26 ديسمبر 1881م، ورأت إنجلترا وفرنسا في تشكيل مجلس النواب ما يمثّل خطورة على مصالحهما، لأنّ قيام نظام برلماني سوف يجعل من التدخّل الأجنبي الأوروبي أمرًا صعبًا، في حين أنّ نظام الحكم المطلق المستبدّ يسهّل أمور التدخّل، وعلى هذا فقد أرسلت

(304)

الدولتان مذكرة مشتركة في 7 يناير 1882م توحي كلماتها بالاستياء من قيام نظام برلماني في مصر، وتذكر صراحة أنّ هذه الأحداث توجب التدخّل لحماية عرش الخديوي[1].

وقد قوبلت هذه المذكرة بثورة عارمة أدّت إلى تكاتف الجيش والوطنيّين ومجلس النواب ضدّ إنجلترا وفرنسا، ومع أنّ الحكومة رفضت المذكرة، فإن الخديوي قبلها بالشكر والعرفان ممّا كان له أبعد الأثر في تطوّر الحوادث، فقد نجحت إنجلترا وفرنسا بذلك في زيادة الهوة والانقسام بين العرابيّين والخديوي[2]، ولم يكتفيا بذلك، إذ طلب قنصلَا الدولتين من شريف باشا بإيعاز من الرقيبين الأوروبيّين ألّا يخوّل مجلس النواب حقّ تقرير الميزانيّة، وقدّما في 26 يناير 1882م مذكرة بهذا المعنى[3].

وقد أحرج ذلك شريف باشا، وعرض على النواب تأجيل النظر في الميزانيّة، غير أنّ النواب تمسّكوا بحقّ المجلس في إقرار الميزانيّة باعتبار أنّ ذلك حقًا من حقوق الأمّة الممثّلة في المجلس النيابي، وأمام إصرار الطرفين على موقفهما بالنسبة لمناقشة الميزانيّة استقال شريف باشا، وتألّفت وزارة البارودي في 4 فبراير 1882م، واعتبرت وزارة العرابيّين، حيث عيّن عرابي ناظرًا للجهاديّة والبحرّيّة في الوزارة الجديدة التي وضعت برنامجًا شاملًا للإصلاح، وبادرت الوزارة بإعلان الدستور في 7 فبراير سنة 1882م وإقرار حقّ مجلس النواب في مناقشة الميزانيّة، وهنا احتجّ الرقيبان الإنجليزي والفرنسي وطالبَا قنصليهما بالتصرّف[4].

(305)

مؤامرات الثورة المضادة

وكانت الصعاب تكتنف الثورة من كل جانب، بحيث عرقلت تحقيق أهدافها الإصلاحيّة، وحوّلت جهودها إلى مكافحة الأعداء الداخليين والخارجيين، فلكي يثبت الثوار الوضع الجديد كان لزامًا عليهم أن يطهّروا الجيش من أعداء الثورة، وأن يحاولوا القضاء على المحسوبيّة في صفوفه لمصلحة الأتراك والشراكسة، ولهذا أحالوا منه قرابة ثلاثمئة ضابط إلى الاستيداع، وتآمر هؤلاء الأعداء والشراكسة الذين كان يتزعّمهم عثمان رفقي مع القوى المعادية للثورة لتدبير انقلاب يهدف إلى مقتل عرابي وقادة الجيش من الوطنيّين وزعماء الحركة الوطنيّة، غير أنّ هذه المؤامرة اكتشفها الثوار، وأجرى التحقيق مع المتآمرين، وحكموا على أربعين منهم، وعلى رأسهم عثمان رفقي في 30 أبريل 1882م بالنفي المؤبّد إلى أقاصي السودان، مع تجريدهم من الرتب العسكريّة والامتيازات والنياشين[1]، ورفض الخديوي توفيق التصديق على الحكم بناء على نصيحة القنصلين الإنجليزي والفرنسي حتى لا تزداد قوّة العرابيّين، فأهاج ذلك العرابييّن ومن ثمّ تمّ التوصّل إلى حلّ وسط، حيث وافق الخديوي على نفي المتآمرين من خارج مصر دون تحديد الجهة، وعدم تجريدهم من الرتب والنياشين (9 مايو 1882)[2].

على أنّ هذا التعديل لم يحسم الخلاف بين الخديوي والوزراء، ممّا أدّى إلى قيام نزاع بين الخديوي وبين العرابيّين. حاول الأخيرون خلاله عزل توفيق والتخلص من أسرة محمّد علي وإعلان الجمهورية، ولكنهم لم يجدوا في ذلك تأييدًا من سلطان باشا رئيس مجلس شورى النواب وباقي أعضاء المجلس الذين ينتمون إلى طبقة كبار الملاك، والذين انحازوا في هذا الموقف العصيب إلى جانب الخديوي، وصاروا يعملون لإسقاط

(306)

وزارة البارودي، وهكذا تآمر الخديوي والجراكسة وكبار الملاك الزراعيّين على الثورة في الداخل، بينما صارت فرنسا وإنجلترا تعملان ضدها من الخارج[1] وبعثتا بأسطولهما إلى ميناء الإسكندريّة في 20 مايو 1882م استعدادًا للتدخّل المسلّح، وقابل الشعب المصري وصولهما بالاستياء العام[2] وفي 25 مايو 1882م قدّمت إنجلترا وفرنسا مذكرة مشتركة إلى البارودي بصفته رئيسًا لمجلس النظار وقد تضمّنت المطالب الآتية:

1-رحيل عرابي مؤقّتًا عن مصر، مع احتفاظه برتبته ومرتبه.

2-رحيل علي فهمي وعبد العال حلمي إلى داخل البلاد، بشروط مماثلة.

3-استقالة النظارة[3].

وكان من الطبيعي أن ترفض وزارة البارودي الاستقالة، بل إنّ هذا الطلب زاد من تماسك العرابيّين، حيث أقسم الجميع (البارودي وكبار الضباط) يمين الدفاع عن البلاد والولاء للثورة، وقام الشيخ محمّد عبده بمهمّة تحليف الضباط اليمين[4].

ورفضت الأمّة المصريّة هذه المذكرة، وأرسلت (التلغرافات) لتأييد الوزارة الوطنيّة، ومع ذلك فقد وافق عليها الخديوي، وطلب من النظّار قبولها، ولكنهم اعترضوا على ذلك وقدّم محمود سامي البارودي استقالته في 26 مايو 1882م احتجاجًا على التدخّل

(307)

الأجنبي وقبول الخديوي له، فقبلها الخديوي بناء على نصيحة إنجلترا وفرنسا[1]، وبدأت محاولات لإبعاد عرابي أو رشوته، لكنها لم تجدِ شيئًا أمام صلابة الزعيم الوطني، الذي ازداد تمسّك الشعب به[2]، وأمام ضغط كافة طبقات الأمّة اضطرّ الخديوي توفيق، وهو صاغر، إلى إعادة عرابي ناظرًا للجهادية والبحرّيّة في 28 مايو سنة 1882، قائلًا إنّه إنما يعيده إليها إزاء الرغبة العامة للشعب[3] . وعودة عرابي إلى منصبه كانت بمثابة الرد العملي على سياسة الدولتين (إنجلترا وفرنسا) إزاء مصر، وهكذا فشلت مذكرة 25 يناير فشلًا ذريعًا، بالرغم من لهجتها الصارمة، في حمل المصريّين على الإذعان[4]، ولم يبق أمام إنجلترا وفرنسا سوى التدخّل العسكري.

الجيش المصري يقاوم الاحتلال الإنجليزي

وقفت السياسة الإنجليزيّة من الثورة موقف المعارضة، وبذلت قصارى جهدها من أجل تحطيمها والقضاء عليها، سواء أكان بالرغبة في نفي قادتها أو حلّ مجلس نوابها أو تسريح جيشها، ولكنها فشلت أمام تصميم قوى الثورة التي تمكّنت من فرض نفسها، وأخيرًا وجدت إنجلترا أنّه لا بدّ من التدخّل الحربي واستعمال القوّة لتجبر الثورة على الاستسلام[5]، ولكي تثبت إنجلترا عجز عرابي عن حفظ الأمن، ولتتيح لنفسها فرصة التدخّل؛ دبّرت مذبحة الإسكندريّة في 11 يونية عام 1882م[6] والتي راح ضحيّتها كثير

(308)

من الأهالي والأجانب[1]، ولقد كان هذا الحادث هو الذي عجّل بتدخّل بريطانيا المنفرد.

ضرب الإسكندريّة

وكان الإنجليز عقب مذبحة الإسكندريّة يبحثون عن وسيلة للاحتلال، وقد وجدوها أخيرًا كما يجد الذئب الوسيلة لافتراس الحمل، فقد وجد الأميرال سيمور قائد الأسطول البريطاني من الترميمات التي كانت تقوم بها القوات المصريّة في حصون الإسكندريّة وسيلة لتحقيق غرضه، فطالب بالكفّ عن أعمال التحصين الجارية في الحصون، ولم يكتف بذلك، بل طلب أن تسلّم له الحصون التي يزعم أنها تهدّد الأسطول البريطاني[2]، وصمّم قادة الثورة على رفض الإنذار والدفاع عن البلاد، ورفض مجلس الوزراء[3] هذا الإنذار وقرّر المقاومة وأرسل بالاحتجاج التالي «لم تعمل مصر شيئًا يقضي بإرسال هذه الأساطيل المتجمعة، ولم تعمل السلطة المدنيّة ولا السلطة العسكريّة أي عمل يسوّغ مطالب الأميرال إلّا بعض إصلاحات اضطراريّة في أبنية قديمة، والطوابي الآن على الحالة التي كانت عليها عند وصول الأساطيل، ونحن هنا في وطننا وبيتنا، فمن حقّنا، بل من الواجب علينا أن نتّخذ عدّتنا ضدّ كل عدوّ ومباغت يقوم على قطع أسباب الصلات السلميّة التي تقول الحكومة الإنجليزيّة إنها باقية بيننا، ومصر الحريصة على حقوقها الساهرة على تلك الحقوق وعلى شرفها لا تستطيع أن تسلّم أي مدفع، ولا أيّة طابية، دون أن تكرَه على ذلك بحكم السلاح، فهي لذلك تحتجّ على بلاغكهم الذي

(309)

وجّهتموه اليوم، وتوقع مسؤوليّات جميع النتائج المباشرة وغير المباشرة التي تنجم إمّا عن هجوم الأساطيل، أو عن إطلاق المدافع، على الأمّة التي تقذف في وسط السلام القنبلة الأولى على الإسكندريّة المدينة الهادئة، مخالفة بذلك لأحكام حقوق الإنسان ولقوانين الحرب»[1]. وفي الساعة السابعة صباح يوم الثلاثاء الموافق 11 يولية سنة 1882م أعطى الأميرال سيمور إشارة الضرب، وأخذ الأسطول البريطاني في إطلاق قذائفه على الإسكندريّة، ولم تجاوبها مدافع القلاع إلّا من بعد إطلاق مدافع الأسطول نحو 20 طلقة، ثمّ استمرّ القتال بين الأساطيل الإنجليزيّة وقلاع الإسكندريّة بعد ذلك إلى منتصف النهار، ثمّ أخذت نيران الاستحكامات في التناقص حتى تمّ تدميرها قبل الغروب[2].

وبدأت الحرب بين أكبر إمبراطوريّة في العالم حينذاك ومصر التي تخلّى عنها الجميع حينذاك، والتي لا تملك من السلاح إلّا أقّله[3]، ودارت معركة غير متكافئة، استبسل فيها المصريون استبسالًا عظيمًا، ويصف جون نينيه عميد الجالية السويسريّة في مصر سنة 1882م حماسة المصريّين في الدفاع عن وطنهم، فيقول: «ومع ذلك فما كان أبدع هذا المنظر، منظر الرماة المصريّين الذين، كانو قائمين على مدافعهم وهي مكشوفة في العراء، وكأنّهم في استعراض حربيّ لا يرهبون الموت الذي يكتنفهم؛ إذ لم يكن لهم روادع واقية ولا متاريس، وكانت معظم الحصون بلا ساتر، ومع ذلك فهؤلاء الشجعان من أبناء النيل كنّا نلمحهم وسط الدخان الكثيف كأنّهم أرواح الأبطال الذين سقطوا في حومة الوغى ثم بُعثوا ليكافحوا العدو من جديد ويستهدفوا نيران مدافعه، وكان الأئمة يزورون الحصون ويشجعون المقاومة، وقام الجميع بواجبهم من جند ورجال ونساء وصغار وكبار، ولم يكن ثمّة أوسمة ولا مكافآت تستحثّ أولئك الفلّاحين على أداء واجبهم، بل إنّ عاطفة الوطنيّة والثورة على الفظائع التي استهدفوها كانت تستثير الحماسة في صدورهم، وهم

(310)

أولئك الشجعان المجهولون الذين لم يفكّر أحد في آلامهم[1].

وفى هذه المحنة جاد كل فرد في الأمة المصريّة بما يملك لمؤازرة الثورة ومواصلة القتال، ويجدر بنا هنا أن نشير إلى ما قام به الأهالي من تضحية وجهاد، رغم أن الحرب كانت حرب مدافع وحصون وبوارج، وفي ذلك يقول الإمام محمّد عبده: «تحت مطر الكلل (القذائف المشتعلة) ونيران المدافع كان الرجال والنساء من أهالي الإسكندريّة هم الذين ينقلون الذخائر ويقدمونها إلى بعض بقايا الطوبجية الذين كانوا يضربونها، وكانوا يغنون يلعن الأميرال ومن أرسله»[2]، وقال عرابي: «وفي أثناء القتال تطوّع كثير من الرجال والنساء في خدمة المجاهدين ومساعدتهم في تقديم الذخائر الحربيّة وإعطائهم الماء وحمل الجرحى وتضميد جروحهم ونقلهم إلى المستشفيات»[3].

وقال محمود فهمي المهندس: «ورأيت في ذلك الوقت بعيني ما حصل من غيرة الأهالي بجهة رأس التين وأم كبيبة وطوابي باب العرب وهمّتهم في مساعدة عساكر الطوبجيّة، من جلبهم المهمات والذخائر وخراطيش البارود والمقذوفات هم ونساؤهم وأولادهم وبناتهم، والبعض من الأهالي صار يعمر المدافع ويضربها على الأسطول»[4]، وإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على التعاون الوثيق بين الجيش والشعب وتآزرهما ضدّ الإنجليز، والحقيقة أنّ الشعب المصري بدأ فور ضرب الإسكندريّة في التطوّع للدفاع عن البلاد طوعًا واختيارًا[5]، وحدثت حركة تطوّع واسعة من قِبل الفلّاحين للانضمام إلى

(311)

صفوف الجيش في تلك الفترة للدفاع عن الوطن[1]، وهكذا وقف المصريّون وإن حاقت بهم الهزيمة موقف الدفاع والكرامة، وبلغ عدد الضحايا بين المصريّين في الإسكندريّة نحو ألفين غير مَن جُرحوا، أمّا الإنجليز فلم يزد قتلاهم عن خمسة وجرحاهم عن تسعة عشر[2].

موقف الخديوي توفيق من الاحتلال

ومنذ 11 يوليو 1882م كانت هناك لغتان في مصر فالخديوي ورجاله يتكلّمون لغة التسليم للإنجليز حتى قبل بدء القتال، وعرابي ورجاله يتكلّمون لغة الجهاد حتى النهاية، ووصل الأمر إلى أنّ الخديوي توفيق كان في قصره لا يُخفي ابتهاجه بضرب الإسكندريّة ولا يخفى شماتته في هزيمة الجيش المصري[3]، لقد أصبح حلمه بالتخلّص من عرابي ومن الحركة الوطنيّة «قاب قوسين أو أدنى»، ولا يهمّه إذا تمّ ذلك بقوة البوارج الإنجليزيّة أو إن ضاعت مصر كلّها واستقلالها من أجل الحفاظ على كرسي عرشه[4]، وأصبح توفيق قلبًا وقالبًا مع الإنجليز لدرجة أنه منع الخبز عن القوات المصريّة وأمر بإرساله للقوات البريطانية[5]، وكان الخديوي توفيق متّفقًا مع الإنجليز على التدخّل، حتى أنّه طلب إليهم في يوم 7 يوليو 1882م، أي قبل أربعة أيام من ضرب الإسكندريّة، إنزال الجنود البريطانيين إلى البر فورًا عقب الضرب[6]. ولم يقم توفيق بأيّ عمل يعارض به التدخّل الأجنبي، وفي 19 يوليو 1882م

(312)

راح يشجّع استعجال نزول القوات البريطانيّة إلى الأرض المصريّة في أسرع وقت[1]، وكلّف الإنجليز بالمحافظة على النظام بالإسكندريّة[2]. وكتب الخديوي إلى عرابي يوم 17 يوليو 1882م، وهو في كفر الدوار مع جنوده حيث قاموا بعمل استحكامات منيعة لصدّ القوات الإنجليزيّة ومنعها من التوغّل داخل البلاد، قائلًا إنّه ليس هناك أدنى خصومة ولا عداوة مع الإنجليز، ويطلب منه أن يكفّ عن التجهيزات الحربيّة، ويأمره بالحضور إلى سراي رأس التين[3]، غير أنّ عرابي رفض طلب الخديوي واستمرّ في استعدادته، واتّهم الخديوي بالخيانة، وأنه سبب ما نزل بمصر من مصائب، ودعا عرابي إلى عقد جمعيّة عموميّة من الذوات والأعيان والعلماء والموظّفين وممثّلين عن كافة الطوائف ليعرض عليهم الموقف وما يجب عمله ردًّا على موقف الخديوي المؤيّد للإنجليز، وعقدت الجمعيّة العموميّة اجتماعها في مساء يوم الاثنين 17 يوليو سنة 1882م وقرّرت بالإجماع الاستمرار في قتال الإنجليز[4]، وقد رفض الخديوي قرارات الجمعيّة العموميّة، وأصدر أمرًا في 20 يولية سنة 1882م بعزل عرابي من منصبه بدعوى أنه لم يتوقّف عن التحصينات والاستعدادات الحربيّة، واجتمعت الجمعيّة العموميّة مرة أخرى في 22 يوليو سنة 1882 وقررت بقاء عرابي بمنصبه ليقوم بالدفاع عن البلاد ضدّ العدو[5].

وتُليت فتوى شرعيّة أثناء الاجتماع من الشيخ عليش والشيخ حسن العدوي والشيخ محمّد أبو العلا الخلفاوي «بمروق توفيق عن الدين كمروق السهم من الرَّمية، لخيانته دينه ووطنه»[6]، وقد أدّت هذه الفتوى إلى تماسك الأهالي والرأي العامّ خلف عرابي في هذه اللحظة العصيبة[7].

(313)

كما اتّخذت الجمعيّة العموميّة قرارًا بعدم إطاعة أي أمر من أوامر الخديوي ووزرائه المقيمين معه في الإسكندريّة، «حيث إن الخديوي خرج عن الشرع الشريف والقانون المنيف»[1] . وعلى الرغم من عدم صدور فتوى شرعية بإسقاط توفيق من على عرش الخديوية، إلّا أنّه اعتبر شبه معزول أمام قوى الشعب[2]، وهكذا خان الخديوي توفيق بلده وجيشه وقاوم ثورة الشعب بقيادة عرابي، واستعان بالجيش الإنجليزي ليحمي عرشه، فكان أن نال غضب الشعب[3]، أمّا عرابي فنال ثقة الأمّة وتأييدها لدوره المهم في الدفاع عن البلاد ضدّ عدوان الإنجليز ومناصريهم، وقد أطلق عليه في ذلك الوقت «حامي حمى الديار المصريّة»[4]، وكان الناس يتّجهون بوجوههم إلى السماء ويرفعون أكفّهم كلما ذُكر اسم عرابي قائلين: «الله ينصرك يا عرابي»[5].

معارك كفر الدوار

  بعد سقوط الإسكندريّة، تحصّن عرابي بجيشه في كفر الدوار استعدادًا لجولة ثانية مع الغزاة، وهنا استطاع الجيش المصري أن يثبت أمام الإنجليز بنجاح نحو خمسة أسابيع يعيد كل الهجمات، بل يدفع العدو بهجمات مضادة إلى ما يقرب من أبواب الإسكندريّة، ولو لم يكن هناك باب آخر لدخول مصر غير كفر الدوار لظفرت الحركة القوميّة بالنجاح وما نجح الإنجليز في احتلالها[6].

وكانت أولى المعارك التي دارت بين الجيش المصري والإنجليز هى معركة الرمل في

(314)

5 أغسطس 1882م، ودام القتال فيها ثلاث ساعات ونصف، وحمل المصريّون على الإنجليز حملة قويّة، واضطروهم إلى التقهقر؛ إذ ولّوا الأدبار منهزمين[1].

معركة عزبة خورشيد (7 أغسطس 1882)

وهاجم الإنجليز مقدّمة الجيش المصري في كفر الدوّار على ثلاث جبهات، فلمّا التقوا بالمصريّين، صمد هؤلاء لقتالهم ودافعوا في هذه المعركة دفاعًا مجيدًا، ودام القتال في هذه المعركة نحو أربع ساعات، انتهت بتقهقر الإنجليز منهزمين، وتكبّدوا خسائر في الأرواح أكبر من خسائر الجيش المصري[2].

معركة 19 أغسطس سنة 1882م

هجم الإنجليز على كفر الدوار يوم السبت 19 أغسطس وزحفوا بقوّات كبيرة، جاء جانب منها بالقطارات المسلحة من ناحية القبارى، ودارت معركة شديدة بينهم وبين المصريّين، فصدّهم المصريّون عن التقدّم بعد أن كبّدوهم خسائر كبيرة، ودام القتال ثلاث ساعات حتى غروب الشمس، وكان يتولّى قيادة الجيش المصري في هذه المعركة طلبة باشا عصمت قومندان فرقة كفر الدوار ومعه رضا باشا ومصطفى بك عبد الرحيم وعيد بك محمّد وأحمد بك عبد الغفار والقائم مقام أحمد بك عفت والقائم مقام سليمان سامي داود ن وبدوى بك حكمدار المدفعيّة، وانتهت المعركة بارتداد الإنجليز إلى الإسكندريّة[3].

وتعتبر هذه المعركة أشدّ معارك جبهة كفر الدوار، كما كانت انتصارًا للقوّات المصريّة

(315)

ضدّ الهجوم الشامل من القوات الإنجليزيّة، وقد عاود الإنجليز الهجوم على مقدّمة كفر الدوار يوم 20 أغسطس واستمرّ ضرب المدفعيّة بين الطرفين لمدّة ساعتين انسحب بعدها العدو، وهذه المعركة تعتبر أيضًا من المعارك المهمّة التي أثبتت صمود الجيش المصري، وهاجمت القوّات الإنجليزيّة مدخل كفر الدوار في 21-22 أغسطس التي دافع عنها المصريّون خير دفاع، واضطرّت القوّات الإنجليزيّة إلى الانسحاب[1].

واستمرّت معارك كفر الدوار حتى قرب نهاية الحرب، فهاجمت القوات الإنجليزيّة مدخل كفر الدوار في 4 سبتمبر و8 سبتمبر 1882م ولكن القوات المصريّة استطاعت وقف الهجوم المتتالي للإنجليز[2]، والواقع أن هذه الجبهة كانت محصّنة تمامًا وقد فشل الجيش الإنجليزي في اختراقها طوال خمسة أسابيع[3]، وهكذا كانت وقائع كفر الدوار سجلًّا مجيدًا في تاريخ صراع المصريين ضد الغزاه والمستعمرين وواحدة من الصفحات المشرّفة في تاريخ العسكرية المصريّة.

أمّة عظيمة في ساعة المحن

وجدير بالذكر أنّ المصريّين وقفوا بجوار جيشهم فتطوّع الكثيرون في الجيش جنودًا يجودون بأرواحهم في سبيل الدفاع عن الوطن، وبدأت حركة التطوّع في القاهرة والأقاليم عقب ضرب الإسكندريّة، والحق أن المصريّين أثبتوا أنهم أمّة عظيمة في ساعة المِحَن، فقد تطوّعوا لإمداد الجيش بكل ما يستطيعون من نفس ومال وغلال وعتاد ومؤونة وخيول

(316)

ومواشٍ، وجادوا بكلّ ما في مقدورهم بحق أنّ هذا واجب تفرضه عليهم الوطنيّة والدين[1]. وعن كرم المصريّين وسخائهم يذكر أحمد عرابي في مذكّراته: «قامت هذه الحرب الشعواء وليس في خزائن الحكومة درهم ولا دينار؛ لأن المراقب الإنكليزي المستر (كولفن) أخذ الأموال الموجودة في خزينة المالية وأنزلها في الدوننمة (سفن الأسطول) الإنكليزية قبل إعلان الحرب بأيام وكذلك الأموال الموجودة في صندوق الخزينة العمومي حملها أعضاء قومسيون الصندوق إلى المراكب الحربية حيث أمّنوا عليها»[2] ويذكر محمود فهمى المهندس: «وتباهت الأمّة المصريّة وتفاخرت سكّان المدن والأقاليم في جميع أنحاء القطر المصري في جمع الإعانات اللازمة للعساكر من نقود وغلال وملبوسات ومأكولات ولحوم وخضروات وتبون وخيول وبغال لجر المدافع والخيالة، وكذا الستات والهوانم والبرنسات، وصارت الإعانات ترِد يوميًا إلى ديوان الجهاديّة ومركز كفر الدوار، ومراكز جهاز إقامة العساكر حتى كانت المهمات الواردة من طرف أرباب الإعانات في مركز كفر الدوار تلالًا وآكامًا»[3].

وعن دور المرأة المصريّة في الوقوف بجوار الجيش يذكر جون نينيه أنّ «سيِّدات الحريم وأميرات أسرة محمّد علي وأمّهات وأخوات الجنود يتنافسن بكل حمية في جميع الأعمال التي تمكّنهنّ من خدمة الجيش»[4].

ويمكن القول إنّ الأمّة المصريّة أمدّت الجيش المصري بسخاء من مال وعتاد ورجال، وقلّ أن نجد في تاريخ الحروب حربًا كهذه الحرب التي لم يُنفَق فيها قرش واحد من

(317)

خزائن الدولة والتي قامت على ما بذل الشعب طائعًا من أقواته وأمواله ودماء رجاله[1]، وقد وقف الجيش المصري في خطوط دفاعه مستندًا على الأمّة المصريّة بكافة طوائفها والتي أثبتت بحقّ أنّها أمّة عظيمة في ساعة المحَن.

منشورات الخديوي إلى المصريين

أمّا الخديوي توفيق فأصدر منشورًا في 7 أغسطس أثناء اشتعال القتال بين الجيش المصري وجيش الاحتلال يحذر فيه المصريّين من الانضمام لعرابي العاصي، ويتوعّد كل من ينحاز إليه بالعقاب[2]، ثم أصدر منشورًا آخر بتاريخ 22 أغسطس 1882م يحذّر فيه الأمّة المصريّة من مناصرة عرابي العاصي ويدعوها لمناصرة الإنجليز ومساعدتهم؛ لأنهم ينوبون عنه في محاربة العصاة[3].

ولم يكن هذا أوّل أمر يصدره توفيق إلى الجيش المصري وإلى موظّفي الدولة، بإطاعة أوامر قوات الاحتلال، ففي 14 أغسطس سنة 1882م أصدر أمرًا بالترخيص للجيش البريطاني باحتلال القناة[4].

ولمّا تأكّدت الجماهير من موقف الخديوي توفيق خرجت تهتف: «يا توفيق يا وش القملة... مين قالك تعمل دي العملة» وتواتر الدعاء عليه: «البغل في الإبريق يا رب خد توفيق»[5].

ورغم هذه المنشورات، فإنّ التأييد الشعبي لعرابي وللثوار كان جارفًا، بل إنّ بعض

(318)

سيِّدات الأسرة العلويّة الحاكمة تضامنّ مع الثورة وتبرّعن بحليّهنّ وأموالهنّ وجياد مزارعهن لصالح المجهود الحربي[1].

معارك الجيش في الميدان الشرقي

قبل أن نتكلّم عن معارك الجيش في الميدان الشرقي يجدر بنا أن نتعرّف أوّلًا على قوّة الجيش المصري، فقد كان الجيش النظامي المصري لا يزيد على 19,000 مقاتل موزّعين بين مختلف المواقع، وقد انضمّ إلى هذا الجيش عدد من المتطوّعين والعربان، ولكن الوقت لم يكن يسمح بتدريبهم على الحركات النظاميّة، فلم يكن منهم فائدة[2] ـ أمّا الجيش الإنجليزي فقد بلغ عدده قبل معركة التلّ الكبير 50,600 مقاتل، ويتّضح من ذلك أن عدد الجيش الإنجليزى كان يزيد عن ضعف عدد الجيش المصري، وهذا وحده كان نذيرًا بسوء العاقبة[3].

وجدير بالذكر أنّ اهتمام الإنجليز بالميدان الشرقي بدأ منذ بداية الحرب، وذلك لإمكان استخدام قوّتهم البحرّيّة عن طريق القناة، ولأنّ استحكامات كفر الدوار أثبتت صعوبة اقتحام هذه الخطوط وكفاءة القوات الموجودة بها[4].

وقد بدأت نذر الهجوم في الميدان الشرقي في يوم 26 يولو 1882م عندما اقتحمت إحدى السفن الإنجليزيّة القناه عند بورسعيد، وألقت مراسيها في بحيرة التمساح يوم 27 يوليو 1882م، واحتل الإنجليز السويس في 2 أغسطس 1882م دون قتال، وفي يوم 20 أغسطس احتل الإنجليز بورسعيد دون مقاومة أيضًا، كما احتلّوا القنطرة والإسماعيليّة

(319)

والشلوفة. وبذلك جعل الإنجليز قناة السويس قاعدة حربيّة للزحف على مصر[1].

ولو ردم عرابي القناة لاستحال على الإنجليز أن يدخلو بأساطيلهم على الإسماعيليّة وأن ينزلوا جنودهم في السويس وبورسعيد كما فعلوا، وقد قال ولسلي قائد الحملة البريطانية ما نصّه: «لو أنّ عرابي قد أفلح في سدّ القناة كما أراد، لكنّا ما زلنا إلى الآن في البحار البعيدة نحاول محاصرة مصر! إنّ تأخّره أربعًا وعشرين ساعة قد أنقذنا!»[2].

وقد كان أوّل التحام بين المصريّين والإنجليز في الميدان الشرقي - في نفيشة التي لم تكن محصّنة فسقطت في يد الأعداء في 23 أغسطس 1882م[3].

وقام الجيش المصري بسد ترعة الإسماعيليّة في نقطة (المجفر) غرب مدينة الإسماعيليّة ليمنعوا ورود المياه العذبة إلى الجيش البريطاني، وهاجم الجنرال ولسلي (المجفر) يوم 24 أغسطس واحتلّها بجنوده[4] وتابع الإنجليز زحفهم فاستولوا على المسخوطة يوم 25 أغسطس بعد معركة عنيفة دارت بينهم وبين الجيش المصري، وكان يقود الجيش المصري فيها الفريق راشد باشا حسني، وخلال القتال وقع المهندس محمود باشا فهمي رئيس أركان حرب الجيش المصري مع أكفأ ضباطه في الأسر؛ وذلك نتيجة لعدم اتخاذ احتياطات الحراسة اللازمة بالنسبة له، وكانت عملية أسره ضربة قاسية أصابت الجيش المصري معنويًّا في الميدان إصابة بالغة في وقت بالغ الحرج[5].

(320)

واستولى الإنجليز على المحسمة يوم 25 أغسطس، وهي محطّة تبعد عن نفيشة غربًا باثنين وعشرين كيلو مترًا، وصارت المسافة بينهم وبين التل الكبير مسافة لا تتجاوز أربعة وعشرين كيلومترًا، وكان الاستيلاء على المحسمة على جانب كبير من الخطر، لأنه الخطوة الأولى التي اتّخذها الإنجليز للوصول إلى معسكر الجيش المصري في التل الكبير، وبعد أن استتب الأمر للإنجليز في المحسمة وبفضل المعلومات التي وصلت إليهم من الخونة والجواسيس عن ضعف الدفاعات في القصاصين، أسرع الجنرال ولسلي بدفع لواء الفرسان تجاه بلدة القصاصين وتمكّن من احتلالها يوم 26 أغسطس، وأصبحت القوات الإنجليزيّة على بعد خمسة عشر كيلومترًا من منطقة دفاعات المصريّين الرئيسيّة في التل الكبير[1].

انتقال عرابي إلى الميدان الشرقي

بعد أن تمّ أسر محمود فهمي باشا، وبعد احتلال المحسمة والقصاصين انتقل عرابي من كفر الدوار إلى التلّ الكبير، وعلى طول تلك المسافة كانت الجماهير تستقبله في كل محطة طالبة النصر وتردّد: «الله ينصرك يا عرابي»، يا مولانا يا عزيز أهلك عسكر الإنجليز، يا سيمور يا وش القملة! مين قالك تعمل دي العملة، يا محنّى ديل العصفورة وجيوشنا هي المنصورة[2].

وكانت الثقة في النصر متناهية والعمل من أجله واضحًا، وتشاور عرابي وقادة الجيش فيما يجب عمله، فاتّفقوا على مهاجمة مواقع الإنجليز في القصاصين لاستردادها، وازداد نشاط الجواسيس البريطانيّين والخونة في توصيل أدق المعلومات عن المصريّين ومواقعهم للقوات البريطانية[3].

(321)

معركة القصاصين الأولى ( 28 أغسطس 1882م)

هاجم الجيش المصري مواقع الإنجليز في القصاصين بقيادة الفريق راشد باشا حسني، وكان هجومًا شديدًا، فاستولوا على المواقع الأمامية للإنجليز، ولكن الفرسان البريطانيّين ما لبثوا أن ضغطوا على القوّات المصريّة، فاضطرت للانسحاب منها إلى التل الكبير بعد أن كبّدت القوات البريطانيّة خسائر جسيمة، وكادت تجبرها على الانسحاب لولا تدخل لواء الفرسان البريطاني[1].

إعلان السلطان العثماني عصيان عرابي (6 سبتمبر 1882م)

بدل من أن تعاون دولة الخلافة (تركيا) مصر في محنتها العسكرية منذ بداية التهديد البريطانى بالأساطيل والجيوش وقف السلطان العثماني الضعيف والمتردّد والخاضع كليًا لمطالب الغرب لينفّذ ما يأمرون به في إحدى ولاياتها (مصر). فقد بادر السلطان تحت ضغط من بريطانيا بإعلان عصيان عرابي يوم 6 سبتمر 1882م[2]، ولا شكّ في أنّ إعلان عصيان عرابي والحرب قائمة هو تدبير ينطوي على المكر والخبث، وقد وضعته إنجلترا لإضعاف قوة المقاومة في مصر وتمكين جيشها من احتلال البلاد[3].

وقد ابتهج الخديوي توفيق بهذا المنشور، وعهد إلى سلطان باشا توزيع نسخ من جريدة (الجوائب) التي نشرته والاتّصال بضباط الجيش المصري لإطّلاعهم عليه، ووزع عليهم منشورات بهذا المعنى، وتنقّل سلطان باشا في البلاد لدعوة العمد والأعيان لمساعدة الإنجليز، وقد أحدثت هذه المنشورات تأثيرًا كبيرًا في حالة الجنود والضبّاط المعنوية فخارت قواهم ويئسوا من الفوز وضعفت حميّتهم الدينية؛ إذ اعتبروا أنفسهم «عصاة على السلطان مخالفين لكتاب الله وسنّة رسوله»[4].

(322)

وجدير بالذكر أن إنجلترا استطاعت بهذا المنشور تغيير ميزان المعركة ليس حربيًّا فقط، بل وسياسيًّا أيضًا، وأحمد عرابي على حدّ قول إحسان عبد القدوس هزم سياسيًّا قبل أن يهزم عسكريًّا وهو يقود الثورة لصدّ الغزو البريطاني[1].

معركة القصّاصين الثانية (9 سبتمبر 1882م)

تعدّ هذه المعركة أكبر معركة وقعت بين الجيش المصري والإنجليز، هجم فيها المصريّون بقيادة الفريق راشد باشا حسني على مواقع الإنجليز في القصّاصين يريدون استردادها للمرة الثانية، واحتدم القتال نحو ثلاث ساعات، ولكن المعركة انتهت بتراجع المصريّين بعد أن كادوا يوقعون بالجيش الإنجليزي، والسبب في ذلك يرجع إلى خيانة الأميرالاي علي بك يوسف خنفس الذي سلّم خطة الجيش المصري لولسلي، وخيانة شيخ العرب سعود الطحاوي ورجاله الذين ضلّلوا محمود سامي البارودي، فلم يصل إلى ميدان المعركة في الوقت المحدّد بفضل الأموال التي دفعها سلطان باشا بأوامر الخديوي لهم[2].

وذكر أحمد عرابي في مذكّراته أن «راشد باشا حسني وعلي باشا فهمي ومن معهما من الجيش ثبتوا ثبات الأبطال حتى آخر النهار، وجرح راشد باشا حسني في قدمه برصاصة وعلي باشا فهمي برصاصة في ساقه»[3].

ويقول جون نينيه عن هذه المعركة إنّ إصابة القائدين الباسلين «راشد باشا حسني وعلي باشا فهمي فيها كانت خسارة كبرى مُّني بها الجيش المصري لا تقلّ في فداحتها عن أسر محمود باشا فهمي»[4].

(323)

معركة التل الكبير (13 سبتمبر 1882م)

بعد إصابة راشد باشا حسني وعلي باشا فهمي استدعى عرابي علي باشا الروبي من مريوط، وعهد إليه بالقيادة في معركة التل الكبير، ولم يكن على حدّ قول الرافعي على حظ من الكفاية الحربية، أضف إلى ذلك أنه حضر قبل المعركة بيوم واحد، وهو وقت لا يكفي للتعرّف على مواقع القتال في تلك الناحية، ووضع الخطط الصالحة للدفاع، وكان الجيش المصري بالتل الكبير لا يزيد على عشرة آلاف أو اثني عشر ألف جندي، والباقون كانوا من الجنود الذين لم يسبق لهم إطلاق بندقيّة واحدة، أضف إلى ذلك أن خيرة الجنود لم يكونوا بالتل الكبير، بل كانوا في كفر الدوار، بقيادة طلبة باشا عصمت أو في دمياط بقيادة عبد العال باشا حلمي، وهؤلاء لم يشتركوا في المعركة قط، بينما كان الجيش الإنجليزي بقيادة ولسلي يتكوّن من ثلاثة عشر ألف[1].

واستعان القائد البريطاني ولسلي بالخونة من المصريّين أعوان الخديوي، ومنهم القائد الخائن علي يوسف خنفس[2] والأميرالاي عبد الرحمن بك حسن الذي كان معهودًا إليه حراسة مقدمة الجيش المصري والذي انسحب منها متعمّدًا ليلة الزحف، وكذلك تعمّد الأميرالاي على خنفس ترك قواته لمنطقة دفاعاتها في وسط الخط الدفاعي واستخدم بعض الأدلّاء لإرشاد قوات البريطانيّين لحظة تقدّمها من خلال دفاعات المصريّين في ظلمة الليل، كما استعان الإنجليز بالخونة من عرب الهنادي للعمل كأدلّاء للإنجليز في تقدّمهم الليلي، بالإضافة إلى كثير من الضباط المواليين للخديويي[3].

فتح خنفس وأمثاله الطريق أمام الجيش البريطاني، فكانت معركة التل الكبير معركة حارب فيها ضدّ المصريين الجنيه الإنجليزي أكثر ممّا حارب فيها الجندي الإنجليزي، فقد أبلغ خنفس قيادته أن طلائعه الاستكشافيّة أثبتت أن الإنجليز لا ينوون الهجوم،

(324)

وبعد ذلك بقليل وعند فجر يوم 13 سبتمبر فوجئ المصريّون بالأعداء وفي مقدمتهم الأميرالاي عبد الرحمن ومن خلفه خنفس[1]، وأُخذ المصريون على غرّة في الميمنة والميسرة، وصمد للدفاع آلايان من السودانيين بقيادة الميرالاي محمّد بك عبيد، وظلوا يدافعون ضدّ الإنجليز حتى استشهد معظمهم وقتل قائدهم البطل محمّد عبيد[2].

واستبسل أيضًا في القتال آلاي من البيادة بقيادة أحمد بك فرج، وآلاي عبد القادر بك عبد الصمد[3]، أمّا حسن رضوان قائد المدفعيّة، فإنّه أصلى الإنجليز بمدافعه نارًا حامية، وأوقع بهم خسائر جسيمة مع تفوّق مدفعيّتهم وظلّ يقاتل حتى سقط جريحًا، ولما حُمل أسيرًا إلى ولسلي وأقبل حسن يقدم إليه سيفه -على حسب مألوف الحروب- لم يشأ ولسلي أن يأخذه إقرارًا منه بشجاعته وسموّ جنديّته![4].

ولم يزد عدد الجنود الذين اشتركوا في المعركة على ثلاثة آلاف، أمّا الباقون فقد تولّاهم الذعر فألقوا أسلحتهم ولاذوا بالفرار، ولم تزد المعركة أكثر من عشرين دقيقة، ولم تزد خسائر الإنجليز منها عن 57 قتيلًا منهم 9 ضباط و48 صف ضابط وجندي و402 جريحًا منهم 27 من الضباط، أمّا خسائر المصريين فقد تراوحت ما بين 1500 أو 2000 قتيل[5]، وهذا التقدير خيالي على حدّ قول داود بركات[6].

ويمكن القول إن معركة التل الكبير كانت سلسلة خيانات وفضائح انتهت بهزيمة الجيش المصري، وهي هزيمة لا يستحقّها الجيش المصري على الإطلاق، وكانت الخيانة من أهم الأسباب التي أدّت إلى هزيمة الجيش المصري وانتصار الجيش الإنجليزي،

(325)

كانت الخيانة كبيرة وحلّت كلمة جديدة في أفواه المصريّين وهي «الولس كسر عرابي» أو «الولس هزم عرابي» وربما كان في العبارة تورية ذكية، الولس بالمصريّة الخيانة والولس هو ولسل القائد البريطاني[1].

وبين الخيانة من الداخل ومن الخارج، في السياسة وفي الميدان، وفي صفوف القوات كما في النظام الحاكم، جاء الانكسار الأخير في التل الكبير. لقد بدأ الاستعمار الحديث على حدّ قول جمال حمدان[2]، ودخل الإنجليز القاهرة في 15 سبتمبر، فكانت بداية الاحتلال الإنجليزي، وظلّ عرابي -زعيم الثورة ورمزها- والثورة ذاتها موضعًا للهجوم من جانب الكثيرين، اتهم بأنّه السبب في الاحتلال البريطاني علمًا بأن هذا الاحتلال كان لا بدّ أن يتم سواء أحدثت الثورة أم لم تحدث، وعرابي ورفاقه من العسكريين قد تمرّدوا ضدّ الظلم والتفرقة والاستبداد الداخلي والتدخّل الخارجي، والتحموا مع شتّى قطاعات المجتمع المصري المتعطّشة للتغيير، في الوقت الذي حاولت فيه الفئات المستفيدة من الأوضاع القائمة أن تتآمر على الثورة وقيادتها، وكون الثورة قد فشلت في تحقيق أهدافها وواجهت الهزيمة ليس بالحدث الفريد، في القرنين التاسع عشر والعشرين، فكم من حركة وطنيّة في آسيا وأفريقيا واجهت الفشل في مواجهة تفوّق الدول الاستعماريّة قبل أن تترسّخ الظروف الموضوعيّة التي أدّت إلى انهيار الاستعمار العالمي، فعرابي ورفاقه هم الذين فجّروا عوامل الثورة في مصر ووضعوا حجر الأساس للحركة الوطنيّة المصريّة المناضلة التي لم تخمد جذوتها حتّى تحرّرت مصر من شتى ألوان النفوذ الأجنبي والطبقيّة والاستبداد الخديوي[3].

(326)

قائمة المصادر والمراجع

1.أحمد سركيس، عادل، الخيانة هزمت عرابى، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 1989م.

2.أحمد شلبي، حلمي، الأقليات العرقية في مصر في القرن التاسع عشر، ط1، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة 1993م.

3.أحمد فريد علي، فطين، صفحات من تاريخ مصر الحديث، ط1، القاهرة 2007م.

4.اشولش، ألكسندر، مصر للمصريين أزمة مصر الاجتماعيّة والسياسيّة (1878-1882م)، تعريب: رؤوف عباس حامد، دار الثقافة العربيّة، القاهرة، 1983م.

5.بركات، داود، الثورة العرابية بعد خمسين عاما رؤية صحفية الأهرام (1931-1932م)، دراسة وتعليق: لطيفة محمّد سالم، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2001م.

6.بيلي، أحمد، الصفوة العسكرية والبناء السياسي في مصر، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 1993م.

7.حافظ دياب، محمّد، انتفاضات أم ثورات في تاريخ مصر الحديث، سلسلة تاريخ الجانب الآخر إعادة قراءة للتاريخ المصري، الطبعة الأولى، دار الشروق، القاهرة، 2011م.

8.الحريري، طارق، جيش الوطن في العصر الحديث، قراءة جديدة لمراحل تطور ودور العسكرية المصريّة (الحلقة الأولى) مقال منشور بمجلة المصور، عدد رقم 4785 بتاريخ 22/ 6/ 2016م.

9.حمدان، جمال، شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان، دار الهلال 1994م.

10.الخفيف، محمود، أحمد عرابي الزعيم المفتري عليه، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2012م.

11.خليل نقاش، سليم، مصر للمصرين، سلسلة تاريخ المصريين، عدد رقم 109، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1998م.

12.رأفت عباس، محمّد، الجيش في مصر القديمة عصر الدولة الحديثة (1550-1069ق.م) الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 2015م.

13.الرافعي، عبد الرحمن، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، ط4، دار المعارف، القاهرة، 1983م.

14.ــــــــــــــ، الزعيم أحمد عرابي. كتاب الهلال، العدد رقم 10، دار الهلال، القاهرة، 1952م.

15.ــــــــــــــ، عصر إسماعيل، ط3، دار المعارف، القاهرة، 1982م.

16.ــــــــــــــ، عصر محمّد علي، ط4، دار المعارف 1982.

(327)

17.رشيد رضا، محمّد، تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمّد عبده، سلسلة تراث النهضة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 2012م.

18.رمضان، عبد العظيم، أسرار هوجة عرابي، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 2001م.

19.زكي، عبد الرحمن، الجيش في مصر القديمة، سلسلة الجيش المصري، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 2014م.

20.السعيد، رفعت، الأساس الاجتماعي للثورة العرابية، ط3، الهيئة المصريّة العامة للكتاب 1994م.

21.سليمان نوار، عبد العزيز، تاريخ مصر الاجتماعي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1988م.

22.السيد الطوخي، نبيل، تاريخ مصر الحديث (1517-1914م)، دار التيسير للطباعة والنشر، المنيا 2007م.

23.شفيق، أحمد، مذكراتي في نصف قرن، من سنة 1873 إلى 8 يناير سنة 1892، ط1، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2013م.

24.شكري، محمّد فؤاد، مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسيّة في القرن التاسع عشر (1820-1899م) ط3، دار المعارف بمصر 1963م.

25.الشلق، أحمد زكريا، تطور مصر الحديثة فصول من التاريخ السياسي والاجتماعي، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2011م.

26.صبيح، محمّد، كفاح شعب مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2012م.

27.طوسون، عمر، صفحة من تاريخ مصر في عهد محمّد على الجيش المصري البري والبحري، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1990م.

28.عبد الحكيم، طاهر، الشخصية الوطنيّة المصريّة قراءة جديدة لتاريخ مصر، مكتبة الأسرة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 2012.

29.عبد الرحمن حسين، محمّد، نضال شعب مصر (1798-1956م)، سلسلة الثورة والحرّيّة، عدد رقم 13، دار الكتاب والوثائق القومية، القاهرة، 2011م.

30.عبد الرحيم مصطفى، أحمد، الثورة العرابية، سلسلة المكتبة الثقافيّة، عدد رقم 30، دار القلم، القاهرة، 1961م.

31.ــــــــــــــ، كفاحنا ضد الغزاه في العصر الحديث. منشور في عبد المنعم أبو بكر وآخرون كفاحنا ضد الغزاة، مكتبة النهضة المصريّة، 1957م.

(328)

32.ــــــــــــــ، مصر والمسألة المصريّة من 1876 إلى 1882، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط2، القاهرة.

33.عبد الفتاح أبو الفضل، محمّد، تأملات في ثورات مصر «الثورة العرابية»، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1999م..

34.عبد القدوس، إحسان، البحث عن ثورة، سلسلة الثورة والحربية عدد رقم 23، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2011م.

35.عبد الملك، أنور، دور الجيش في الثورة الوطنيّة المصريّة (1952-1967)، ترجمة: حسن قبيسي، مكتبة الأسرة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 2012م.

36.عبد المنعم، فيصل، محمّد، معارك الثورة العرابية، كتاب التعاون السياسي، مؤسسة دار التعاون للطبع والنشر، القاهرة، 1981م.

37.عبده، محمّد، الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمّد عبده. تحقيق وتقديم: محمّد عمارة، ط1، دار الشروق، القاهرة، 1993م.

38.عرابي، أحمد، مذكرات الزعيم أحمد عرابي كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصريّة المشهورة بالثورة العرابية، دراسة وتحقيق: عبد المنعم إبراهيم الجميعي، المجلد الأول، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2005م.

39.العقاد، عباس محمود، ضرب الإسكندريّة في 11 يوليو، كتاب اليوم، يصدر عن دار أخبار اليوم، عدد يوليو 1952م.

40.علوان، نيفين، التجنيد العسكري وأثره على المجتمع الريفي في مصر ( 182 – 1882)، ط1، المجلس الأعلى للثقافة، 2009م.

41.عوض، لويس، تاريخ الفكر المصري الحديث من عصر اسماعيل إلى ثورة 1919، دار الهلال، القاهرة، 2001م.

42.عيسى، صلاح، الثورة العرابية، ط2، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1982م.

43.فهمي المهندس، محمود، البحر الزاخر في تاريخ العالم وأخبار الأوائل والأواخر، دراسة وتحقيق ومراجعة: لطيفة محمّد سالم، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2007م.

44.فوزى النجار، حسين، أحمد عرابى، مصر للمصرين، سلسلة أعلام العرب عدد رقم 141، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1992م.

 

(329)

45.كرومر، لورد، الثور العرابية، ترجمة: عبد العزيز عرابي، مكتبة الأسرة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب 1999م.

46.لبيب رزق، يونان، تاريخ الوزرات المصريّة (1878-1953م)، ط2، الهيئة المصريّة العامة للكتاب 1998م.

47.لوتسكي، تاريخ الأقطار العربيّة الحديث، ترجمة: عفيفة البستاني، دار التقدم، موسكو 1971م.

48.محمّد جبريل، مصر من يريدها بسوء؟، كتاب الحرّيّة عدد رقم 12، دار الحرّيّة، القاهرة، يونيو 1986م.

49.محمّد سالم، لطيفة، التدخل الأجنبي والثورة الوطنيّة (1879-1882م) تقديم ومراجعة: يونان لبيب رزق، المجلس الأعلى للثقافة 2009م.

50.ــــــــــــــ، التيار الديني في الثورة العرابية (1881-1882م)، تحرير: عاصم الدسوقي، مركز البحوث والدراسات الاجتماعيّة، ط1، 2003م.

51.ــــــــــــــ، القوى الاجتماعيّة في الثورة العرابية، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1981م.

52.محمّد طه، سمير؛ عرابي، أحمد، ودوره في الحياة السياسيّة المصريّة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1986م.

53.محمّد عبد محمّد عبد الرحمن الشرقاوي، سامية، المرأة في مصر في القرن التاسع عشر ودورها في الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، مكتبة الأداب، ط1، القاهرة، 2010م.

54.محمود السروجي، محمّد، الجيش المصري في القرن التاسع عشر، ط1، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعيّة، الجيزة، 2012م.

55.مصطفى، أحمد عبد الرحيم، قيادة الثورة العرابية، منشور في مصر للمصريين مائة عام على الثورة العرابية، مركز الدراسات السياسيّة والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 1981م.

56.النمنم، حلمي، الأزهر الشيخ والمشيخة، مكتبة الأسرة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 2012م.

57.نينيه، جون، رسائل من مصر (1879-1882م)، تصدير: أنور لوقا، ترجمة: فتحى العشري، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005م.

(330)

الغزوات البريطانية الثلاث لمصر

وقائع الاحتلال وطرائق المقاومة الشعبيّة

محمود شوقي عثمان[1]

  تمهيد

تعرّضت مصر ثلاث مرّات في غضون القرن التاسع عشر لاحتلال القوات البريطانيّة لأراضيها:

 - المرة الأولى: في مطلع القرن التاسع عشر إبان الحملة الفرنسيّة على مصر (1798-1801م) حين أيقنت الحكومة البريطانيّة أنّ العثمانيّين عاجزون بمفردهم عن إخراج الفرنسيين من مصر، وأنّ الثورات الشعبيّة في القاهرة والأقاليم على الرغم من تعدّدها وتلاحقها وإنهاكها الفرنسيّين لم تُسفِر عن إجلائهم، ومن ثمّ استقرّ رأي الحكومة البريطانيّة على إرسال قوّات بريطانيّة للإسهام في إخراج الفرنسيّين من مصر، وبالفعل تمّ إرسال قوّات تحت قيادة سير رالف إبركومبي (Sir Ralph Abercromby) الذي وصل الإسكندريّة في أوّل مارس 1801م، وبالفعل أسهمت هذه القوات في تضييق الخناق على الفرنسيّين حتى أكرهتهم على الخروج من مصر في 18 أكتوبر 1801م، غير أنّ الحكومة البريطانية ماطلت في الجلاء عن مصر، فلم تخرج منها إلّا في 12 مارس 1803م بعد أن ظلّت مرابطة في البلاد زهاء عامين[2].

(331)

- المرة الثانية: الاحتلال الثاني جرى في 18 مارس 1807م حين تعرّضت مصر لحملة بريطانيّة تحت قيادة فريزر (Alexander Mackenzie Fraser)، وكان من أغراض هذه الحملة: الضغط على الباب العالي لحمله على نبذ صداقة فرنسا، وكذا تخوّف بريطانيا من نزول حملة فرنسيّة أخرى في مصر، وكان من أهداف هذه الحملة أيضًا تصحيح الخطأ الذي اعتقدت الحكومة البريطانية أنها وقعت فيه بتنفيذ الجلاء عن مصر في مارس 1803م، لكن هذه الحملة البريطانية مُنيت بهزيمتين فادحتين متعاقبتين في رشيد والحماد، وكان للشعب المصري النصيب الأوفى في إيقاع الهزيمة بالحملة التي تحرج مركزها، وانتهى بها الأمر بالجلاء عن مصر في 25 سبتمبر 1807م بعد أن دام الاحتلال الثاني ستة أشهر[1].

- المرة الثالثة: من الاحتلال كان عند قيام الأسطول الإنجليزي بقصف مدينة الإسكندريّة في 11 يوليو عام 1882م، واستطاعت القوّات البريطانيّة بعد ذلك احتلال مدينتي بورسعيد والإسماعيليّة في 20 أغسطس 1882م، وفي 13 سبتمبر عام 1882م تمكّن الجيش الإنجليزي من القضاء على المقاومة المصريّة وذلك بمساعدة من الخديوي توفيق (1879-1892م)، وظلّ الاحتلال البريطاني لمصر حتّى أصدرت بريطانيا الإعلان الأحادي الجانب باستقلال مصر عام 1922م، ثمّ المعاهدة المصريّة الإنجليزيّة 1934م، وهو العام التي حصلت مصر على استقلالها الكامل -ظاهريًّا- ولكنها ظلّت تحت الاحتلال بوجود قوات من الجيش الإنجليزي في بعض مناطق البلاد جعلتها المتحكّمة فعليًّا في مصائر الأمور، وظلّت محتفظة بسيطرتها على منطقة قناة السويس حتى عام 1956م.

هذه الدراسة تسعى إلى رصد تاريخي لأهم الأحداث والمنعطفات التي نجمت عن الغزوات البريطانيّة الثلاث والآليات التي اعتمدتها القوى الشعبيّة والوطنيّة المصريّة والنتائج المترتّبة على المواجهات.

(332)

- إرهاصات الحركة الوطنيّة المصريّة

على الرغم من أن الاحتلال الإنجليزي لمصر كان في عام 1882م، إلّا أنّ تغلغل النفوذ الأوروبي -إنجلترا وفرنسا- السياسي والمالي في أواخر عصر إسماعيل (1863-1879م) كان السبب المباشر في قيام الحركة الوطنيّة المصريّة التي استندت على القوّة الوطنيّة بجناحيها المدني والعسكري. تألّف الجناح المدني من طبقة الموظفين الوطنيين وطائفة الملّاك الزراعيين والأعيان، بينما تألّف الجناح العسكري من بعض ضباط الجيش المصري الذي بدأ تكوينه منذ أيّام (محمّد علي) تزعّمهم أحمد عرابي (1841-1911م) بتأييد كامل من جموع المصريين على اختلاف طوائفهم.

وقد سعى عرابي في الفترة من 1879 حتى 1882م لفرض واقع جديد على الحياة المصريّة من خلال السعي للمساواة بين الجنود المصريّين والأتراك، والمطالبة بتأليف وزارة مصريّة خالصة وتقرير مبدأ المسؤولية الوزارية أمام مجلس النواب، والعمل على تسوية الديون المصريّة بطريقة مناسبة دون إعلان إفلاس البلاد. وظلّ عرابي ومن خلفه الحركة الوطنيّة المصريّة في شدّ وجذب بين القصر وممثّلي حكومتي إنجلترا وفرنسا أسفر في النهاية عن ضرب الإسكندريّة في 11 يوليو 1882م وسيطرت إنجلترا على الأوضاع في مصر بعد هزيمة الجيش المصري في موقعة التل الكبير في 14 سبتمبر 1882م واحتلال القاهرة في 15 سبتمبر من نفس العام، هذا الاحتلال الذي استمرّ بضعًا وسبعين عامًا، شهد خلالها المجتمع المصري أقسى أنواع العنف والظلم ونهب ثروات البلاد.

وقد مرّت مصر عقب الاحتلال البريطاني لها بمرحلتين، هما:

أوّلًا: السنوات العشر الأولى للاحتلال (1882-1892م) انهيار الحركة الوطنيّة

في هذه المرحلة ظلّت مصر تتردّى في هوة الانحلال الوطني كنتيجة حتميّة لإخفاق الثورة الوطنيّة (العرابيّة)، ووقوع الاحتلال الذي كان يُتوقّع أن يكون مؤقّتًا إلى أن يطمئن الخديوي توفيق على العرش كما صرّحت إنجلترا بذلك في أكثر من مرّة، لكن السياسة التي اتّبعتها إنجلترا في مصر بعد إخماد الثورة العرابيّة واستقرار الخديوي توفيق على

(333)

العرش دلّت على أن إنجلترا كانت ترمي بتدخّلها المسلح إلى جعل احتلالها لمصر دائمًا وبسط سيطرتها الحربيّة والإداريّة على البلاد، وذلك بوضع سياسة مخطّطة لإضعاف الروح القوميّة لدى المصريّين، فكان أوّل ما قامت به هو تصفية الثورة العرابيّة بنفي أعضائها مدى الحياة وتجريدهم من الرتب العسكريّة ومصادرة أملاكهم، وحلِّ الجيش القائم، وتكوين جيش آخر يخضع للإشراف الإنجليزي[1].

وقامت إنجلترا بعد ذلك بفرض الحماية (المقنّعة) أو (النصائح الإلزاميّة) بناء على توصية اللورد دفرين (Lord Dufferin)‏ الذي أرسلته الحكومة الإنجليزيّة إلى مصر لمدّة ستة أشهر (نوفمبر 1882م - مايو 1883م) من أجل وضع تقرير عن طبيعة الوضع في مصر والطريقة الأمثل لإدارته، وبالفعل وضع دفرين التقرير الذي ضمّنه قواعد السيطرة البريطانية والحماية من خلال بقاء جيش الاحتلال في مصر، وسيطرة طائفة من كبار الموظّفين الإنجليز على رأس المصالح العامة كمفتّشين ومستشارين، مع الاحتفاظ بالشكل الصوري لنظام الحكم الممثَّل في الخديوي ووزرائه، باعتبار هذه الطريق الأنسب لوضع مصر الدولي بعد تسوية لندن (1840-1841م)؛ خوفًا من تآمر الدول المعادية لإنجلترا[2].

وبالفعل تبنّت الحكومة الإنجليزيّة ما جاء في تقرير دفرين، وأرسلت اللورد إيرل كرومر (Earl of Cromer) ليكون قنصلًا على مصر في الفترة من سبتمبر 1883م حتى 1907م، وكان طوال هذه الفترة الحاكم المطلق، وتضاءلت بجانب سلطاته كل سلطة

(334)

وطنيّة، وصار له من النفوذ والسلطان أكثر ممّا كان لحكّام المستعمرات البريطانيّة.

أمّا عن علاقة الخديوي توفيق بسلطات الاحتلال، فقد كانت علاقات ودية؛ فقد كان مضطرًّا لذلك بعد أن أصبح مدينًا لها بمركزه ومنصبه، كما كان يعتقد أنه إذا فقد التأييد الإنجليزي، فإنه يصبح عرضة للثورة عليه والإطاحة بعرشه، ومن ثمّ أخذ بنصائح الإنجليز (الإلزاميّة) بإخلاء السودان، وقد استمرّت هذه العلاقات الودية التي طالما أشاد بها اللورد كرومر حتى آخر أيام حياة الخديوي توفيق[1].

بينما كان النزاع سمة العلاقات بين سلطات الاحتلال والحكومة المصريّة، هذا النزاع الذي بلغ أوجه منذ وزارة شريف الرابعة (أغسطس 1882 - يناير 1884م) وذلك بسبب مسألة إخلاء السودان على أثر هزيمة الجيش المصري أمام جيوش المهدي الذي أصبحت له السيطرة في السودان، وعندما أصرّت الحكومة الإنجليزيّة على إخلاء السودان كما جاء في مذكّرة وزير الخارجية البريطانية اللورد جرانفل (Grenfell) في 4 يناير 1884م التي يطلب فيها ضرورة اتباع النصائح الإنجليزيّة وتخلّي كل منحرف عن هذه السياسة عن منصبه، عند ذلك قدّم شريف باشا استقالته الشهيرة في 7 يناير 1884م، ولم يكن سبب الاستقالة رفضه إخلاء السودان فحسب، بل لرفضه أيضًا مبدأ ضرورة اتّباع النصائح الإنجليزيّة[2].

وبهذه الاستقالة سجّل شريف باشا احتجاج مصر على سلخ السودان عنها، وعلى تدخّل الإنجليز في شؤون الحكومة المصريّة واعتدائهم على استقلالها، وكان لهذه الاستقالة أهميّة عظيمة في تاريخ الحركة الوطنيّة في مصر؛ لأنها رسمت خط المقاومة الرسمية ضدّ الاحتلال الإنجليزي، وكان أثر هذه الاستقالة سيكون أكبر لو أنه لم يقبل أحد تولي الوزارة من بعده، لا سيّما بعد أن رفض رياض باشا تشكيل الوزارة دعمًا منه لموقف شريف باشا، لكن نوبار باشا (الأرمني الأصل) وافق على تشكيل الوزارة دعمًا منه

(335)

للاحتلال الإنجليزي، واستسلم لسلطات الاحتلال وخضع لنصائحها (الإلزامية) واشتدّت وطأته على الصحافة الوطنيّة وحتى الصحف الأجنبيّة التي كانت تندّد بالاحتلال[1].

وعلى الرغم من استسلام نوبار لسلطات الاحتلال، فقد تخلى الإنجليز عنه بعد أن نالوا ما يبتغون من إخلاء السودان والتمكين لنفوذهم في شؤون الحكومة، فأقاله الخديوي على أثر مناقشة بينه وبين نوبار في مجلس الوزراء في بعض المسائل المعروضة على المجلس، وقد خلف رياض باشا نوبار فألّف الوزارة في 11 يونيو 1888م، وقد لقيت وزارة رياض تأييدًا شعبيًّا على أثر موقفه السابق الذي دعم فيه شريف باشا عند تقديم استقالته، وظنًّا من المصريين أنّ هذه الوزارة ستقوم بتخفيف وطأة السيطرة البريطانية على الحكومة، لكن الأحداث جاءت على العكس من ذلك، حيث استمرّ تغلغل النفوذ البريطاني في الحكومة، وقد بلغ هذا التغلغل أوجه عندما تمّ تعيين المستر جون سكوت (John Scott) كأوّل مستشار قضائي إنجليزي لوزارة الحقانية في 15 فبراير 1891م بهدف السيطرة على وزارة الحقانية، وقد تسبب هذا التعيين في استقالة حسين فخري باشا وزير الحقانية (1888- 1889م)، واستقالة رياض باشا التي جاءت بعد هذا القرار بثلاثة أشهر وتحديدا في 12 مايو 1891م والتي عللها بأسباب صحية[2].

وقد كان لوزارة رياض باشا بعض الأعمال الجليلة لعلّ من أهمها: ظهور جريدة المؤيّد في أول ديسمبر 1889م، هذه الجريدة التي كان لها الفضل في بعث الروح الوطنيّة من جديد، وكذا إلغاء السخرة، كما وضع قانون عدم جواز الحجز على رواتب موظّفي الحكومة، كما نجح في تخفيض فوائد الدين العام، وكان من أهم أعماله إلغاء اللجان المعروفة بقومسيونات الأشقياء التي شكّلت في عهد وزارة نوبار والتي خوّلت سلطة القبض على الأشخاص والتحقيق معهم ضاربة عرض الحائط بكل الضمانات القانونية[3].

(336)

وعقب استقالة رياض باشا وقع اختيار كرومر على مصطفى فهمي باشا لتشكيل الوزارة التي كانت بحق (وزارة الاستسلام) المطلق لسلطات الاحتلال، فكان عهد وزارته هو أوج السلطة للاحتلال البريطاني، وقد بقي مصطفى فهمي يتولّى الوزارة حتى وفاة الخديوي توفيق في يناير 1892م، ثم تولاها في أوائل عهد الخديوي عباس حلمي الثاني (1892- 1914م)، قبل أن تتم إقالته في بداية عام 1893م، ثم عاد للوزارة مرة أخرى في نوفمبر 1895م وبقي في وزارته الثانية حتى نوفمبر 1908م، وهي أطول وزارة في عهد الاحتلال (13 عامًا).

لقد كان لاستسلام وخضوع الخديوي والحكومات المتعاقبة على حكم مصر إبان الاحتلال الإنجليزي أثره على الروح الوطنيّة، فقد خلت البلاد من روح المقاومة طيلة عشر سنوات أو تزيد، بل أخذ كبراء البلاد وموظّفوها وأعيانها ومثقّفوها وخاصّتها وعامّتها -تحت تأثير هزيمة الثورة وتأثير الاحتلال الإنجليزي- يتنكّرون للحركة الوطنيّة ويوالون الاحتلال، وعمل الاحتلال من جانبه على توطيد هذه الحالة النفسية.

غير أنّه في ظلّ هذه الحالة من الاستسلام والتنكّر للحركة الوطنيّة، كان هناك وميض يظهر ويختفي معلنًا بأن هناك عِرقًا ينبض في هذا الجسد المسجّى، ألا وهو الصحافة المصريّة التي تعرّضت للإلغاء والتعطيل نتيجة حملتها على الاحتلال والحكومة المستسلمة له، ثم حمل لواء هذه المعارضة (جريدة المؤيّد) لصاحبها الشيخ علي يوسف التي ظهرت في عهد وزارة رياض، ولعبت دورًا محمودًا في بعث الحركة الوطنيّة، كما كان لـ(جريدة العروة الوثقى) التي كان يصدرها بباريس الإمامان جمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده بداية من 13 مارس 1884م دورها في مقاومة الاحتلال، حيث نجحت في تهييج الأفكار ضد السياسة البريطانية، لكن مُنعت هذه الجريدة من دخول مصر والسودان والهند بحجّة أنّها مهيّجة للأفكار، فتوقّفت عن الصدور، ولم يتجاوز ما نُشر منها ثمانية عشر عددًا، ثم تجدّدت المعارضة الصحفية القومية ضد الاحتلال بظهور (مجلة الأستاذ) للسيِّد عبد الله النديم (خطيب الثورة العرابيّة) وقد صدرت هذه الجريدة في أغسطس

(337)

1891م، ولكن لم تلبث أن توقّفت وأبعد النديم عن مصر لنزعته الوطنيّة.

ثانيًا: يقظة الحركة الوطنيّة عقب تولية عباس حلمي الثاني في 8 يناير 1892م

وفي هذه المرحلة حدثت تغيّرات اجتماعيّة وفكريّة نتج عنها ظهور اتّجاه عامّ وطني لمقاومة الاحتلال، حيث أخذت طبقىة المثقّفين في مصر تنمو نموًّا سريعًا ممّا أسفر عن رفض الواقع الاحتلالي، الذي حرمهم في بلادهم من الوظائف الكبرى التي اقتصرت على الأوروبيّين، ممّا دفعهم تلقائيًّا إلى الاشتراك في الحياة السياسيّة وفي الحركة الوطنيّة التي انتشرت مفاهيمها انتشارًا جذب طلاب المدارس إلى الاشتغال بالسياسة.

وسوف أتعرّض في السطور التالية لأبرز الأحداث والحركات والثورات الوطنيّة التي ساهمت في إجلاء الاحتلال البريطاني عن مصر:

أوّلًا: جهود الزعيم مصطفى كامل الوطنيّة (1874-1908م)

كان مصطفى كامل ثمرة كفاح جمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده وأحمد عرابي وغيرهم، وإن شئت فقل ثمرة كفاح النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فقد ولد في 14 أغسطس 1974م وشهدت طفولته مجيء جمال الدين الأفغاني إلى مصر وتطوّر الوعي السياسي بها على يديه، كما شهدت فترة صباه الثورة العرابيّة وفشلها، وعاش فترة شبابه المبكر وشهد آثار اليأس المدمّر الذي أصاب نفوس المصريّين عقب الاحتلال الإنجليزي عام 1882م، فأخذ يبعث الأمل في نفوس المصريّين بكلماته الخالدة «لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة».

وقد عمد مصطفى كامل في كفاحه لإحياء الشعور الوطني والعمل على إجلاء الاحتلال على ناحيتين: خارجيًّا وداخليًّا، أمّا المجال الخارجيّ فاعتمد فيه على إبراز القضيّة المصريّة في المحافل الدوليّة والصحافة الأوروبيّة لا سيّما الصحافة الفرنسيّة؛ ففرنسا كانت تحقد على الوجود الإنجليزي في مصر، وحاولت غير مرة إثارة العراقيل

(338)

في وجه بريطانيا وأصرّت على مطالبتها بتحديد موعد للجلاء عن مصر، وأصرّت كذلك على بقاء امتيازاتها في مصر، كما ناصرت فرنسا حركة مصطفى كامل وساعدته على نشر مقالاته على صحفها وإلقاء محاضراته في محافلها[1].

كما اعتمد أيضًا في مجال الكفاح الخارجي على مناصرة حركة الجامعة الإسلاميّة لصالح مصر، فكان يرى أن المحافظة على العلاقة مع العثمانيّين فيه ردّ لأطماع الأوروبيّين وعامل مساعد من الناحية القانونيّة؛ فمصر من الناحية القانونية كانت ما تزال حتى بداية الحرب العالميّة الأولى تابعة للدولة العثمانيّة وولاية من ولاياتها، وقد حاول الإنجليز شراء هذا الحق القانوني لتسقط هذه التبعيّة، لكن مصطفى كامل حاول الاستفادة من هذا الوضع؛ لأنه كان يرى أن مصر بمفردها لا تستطيع إخراج الإنجليز دون معونة الدول الإسلاميّة وخاصة تركيا، فكان يودّ أن يظلّ محافظًا على التبعية العثمانيّة إلى أن يتمكّن المصريّون من إخراج الاحتلال الإنجليزي، ثمّ بعد ذلك يكون السعي للاستقلال عن الدولة العثمانيّة[2].

ولكن بعد إعلان الاتفاق الودّي بين إنجلترا وفرنسا سنة 1904م والذي بموجبه تعهّدت الحكومة الفرنسيّة من جانبها بأن لا تعرقل عمل إنجلترا في مصر لا بطلب تحديد أجل للاحتلال البريطاني ولا بأيّ صورة أخرى، مقابل التزام الحكومة البريطانيّة أن لا تعرقل عمل فرنسا في الجزائر والمغرب، بما يعني إقرار فرنسا للاحتلال البريطاني في مصر، هنا أدرك مصطفى كامل أن معارضة فرنسا للوجود البريطاني في مصر كان فيه نوع من المساومة لتعويض فرنسا عمّا فقدته في مصر[3].

ومن ثمّ كثّف مصطفى كامل جهوده الداخلية، فسعى لنشر الوعي الوطني في مصر لإيقاذ المصريين، كما طالب بإدخال الدين في التعليم، وأسّس نادي المدارس سنة

(339)

1906م وجمع فيه صفوة المثقّفين في مصر الذين تشرّبوا مبادئه وتشبّعوا بتعاليمه من أجل خدمة الوطن، وبذلك سرت روح الوطنيّة بين الطبقة المثقّفة من الأمّة، كما أنشأ مصطفى كامل الحزب الوطني (حزب الجلاء) في سنة 1907م وسعى لجمع الأحرار تحت لواء هذا الحزب للاستفادة منهم في الضغط على الاستعمار[1].

جدير بالذكر أنه في سنة 1906م وقعت أحداث أسهمت في بعث الشعور الوطني في مصر، كما دفعت مزيدًا من المصريّين للاشتغال بالسياسة، والكفاح ضدّ الاحتلال، ومن ثمّ حق القول بأنّ عام 1906م كان ذروة الحركة الوطنيّة ضدّ الاحتلال الإنجليزي. لعلّ من أبرز هذه الأحداث: إضراب طلبة الحقوق[2]، وحادثة العقبة أو طابا[3]، وحادثة دنشواي

(340)

التي وقعت في 13 يونيه 1906م وقد كان مقدَّرًا لهذه الحادثة أن تهزّ مصر كما لم يهزها حادث، كما كان مقدرًا لهذا الحادث أن ينزل اللورد كرومر من فوق عرشه، وأن يرتفع بمصطفى كامل إلى الذروة.

وتتلخّص الحادثة في قيام ضباط إنجليز برحلة لصيد الحمام في قرية دنشواي -من قرى المنوفية- وكان ذلك وقت حصاد محصول القمح، وعلى الرغم من تحذير أحد الفلّاحين للضبّاط بعدم إطلاق النار حتى لا يحترق محصول القمح، لكن الضبّاط لم يعبأوا بهذا التحذير، وأصروا على إطلاق الرصاص مما تسبب في مقتل إمرأة مصريّة من أهالي القرية، فهاج عليهم الأهالي ضربًا وطاردوهم، ومات أحد الجنود الإنجليز بضربة شمس، لكن الإدارة البريطانية انتقمت أشدّ الانتقام، وأحالت اثنين وخمسين شخصًا من المصريين إلى المحاكمة، فضلًا عن محاكمة سبعة غيابيًّا، وانتهت المحاكمة الصورية بشنق أربعة مصريين ومعاقبة اثني عشر مصريًّا بالأشغال الشاقة بمدد متفاوتة، وجلد خمسة أشخاص[1].

لقد ألهبت حادثة دنشواي الحركة الوطنيّة، وزادت السخط على بريطانيا، والتذمّر من سياستها، وأظهرت الوجه الظالم والقبيح للاحتلال، وندّد الوطنيّون بزعامة مصطفى كامل في الصحف الغربيّة بفظاعة الحكم وظلم الاحتلال، وقد وصل صوتهم إلى المحافل الدوليّة والبرلمانيّة في أوروبا، وقد وجدت هذه الاستغاثات آذانًا صاغية من رجال الساسة البريطانيّين، وكان من أكبر الانتصارات للقضيّة المصريّة كسب المفكّرين الأحرار في بريطانيا وعلى رأسهم الكاتب الساخر برنارد شو (George Bernard Shaw) الذي حارب الاحتلال البريطاني في عقر داره، ورغم نجاح مصطفى كامل والوطنيّين من خلفه في عرض الظلم البريطاني للمصريّين بصورة جيدة، إلّا أنّ التعاطف مع القضيّة المصريّة كان لأسباب إنسانيّة وليس سياسيّة، ممّا

(341)

جعل مردود هذا التعاطف وتأثيره ضعيفًا في قضيّة هي بالدرجة الأولى سياسيّة[1].

لقد كان للحراك الوطني في أعقاب حادثة دنشواي أثره في دفع الإدارة البريطانيّة لتعديل سياستها في مصر -وإن كان هذا التعديل تدريجيًّا كعادة بريطانيا في الأمور السياسيّة- حيث قرّرت الاستغناء عن اللورد كرومر في مصر بعد أن قرّرت أن تضحّي بشخصه على أن تضحّي بمصالحها، وعيّنت بدلًا منه القنصل جورست (Eldon Gorst) (1907-1911م)، كما أعيد النظر في أمر مسجوني دنشواي وأُطلق سراحهم سنة 1908م، بالإضافة إلى ذلك قرّرت الإدارة البريطانيّة إسناد بعض المناصب الكبيرة للمصريّين في محاولة لتهدئة الخواطر الثائرة. وفي الحقيقة كان استعفاء كرومر من منصبه انتصارًا كبيرًا للحركة الوطنيّة، فقد ظلّ يشغل هذا المنصب مدة أربع وعشرين سنة كان خلالها الحاكم المطلق لمصر، فلا شكّ أنّ إقصائه عن هذه السلطة بعد هذه المدة الطويلة بمثابة اعتراف بقوّة الحركة الوطنيّة وتأثيرها[2].

وظلّ مصطفى كامل يكافح في سبيل استقلال مصر حتى وهو على سرير المرض، فأرسل قبيل وفاته بخمسة أيام احتجاجًا قويًّا ضدّ تصريحات أدلى بها السير إدوارد جراي (Edward Grey) في مجلس العموم البريطاني، اتّهم فيها المصريّين بعدم الكفاية للحكم الذاتي، فردّ عليه مصطفى كامل بأن مصر تماثل في الاستعداد للحكم الذاتي كثيرًا من الأمم الأوروبيّة وأن مصر ستظلّ تجاهد في سبيل حريّتها واستقلالها، وفي 10 فبراير 1908م فاضت روح مصطفى كامل إلى بارئها، ليتولّى من بعده محمّد فريد قيادة الحركة الوطنيّة المصريّة.

ثانيًا: جهود الزعيم محمّد فريد الوطنيّة (1868-1919م)

بعد وفاة مصطفى كامل اجتمعت الجمعيّة العموميّة للحزب الوطني لاختيار محمّد

(342)

فريد رئيسًا للحزب -كما أوصى مصطفى كامل قبل وفاته[1]، فبدأ رئاسته للحزب بتوجيه برقية إلى وزير خارجية إنجلترا احتجاجًا على الاحتلال البريطاني لمصر، وقد حمل فريد أعباء الزعامة بكل همّة وصبر وشجاعة وإخلاص وتضحية، وكان من أبرز جهود محمّد فريد في سبيل رفع الظلم عن المصريّين والتنديد بالاحتلال والسعي لإجلائه عدّة أمور، لعلّ من أبرزها:

1. المطالبة بإلغاء المحكمة المخصوصة التي أُلفت لمحاكمة من يُتهم من الأهالي بالتعدي على ضباط جيش الاحتلال الإنجليزي وجنوده.

2. رفضه لمشروع مدّ امتياز قناة السويس من عام 1921 حتى 1968م، وكتابة عدد من المقالات نُشرت في جريدة اللواء تبيّن مدى الغبن الذي يصيب مصر من وارء هذا المشروع، كما وجّه عددًا من الخطابات إلى عباس حلمي الثاني خديوي مصر، وإلى الأمير حسين كامل رئيس الجمعيّة العموميّة، بغرض إيقاف هذا المشروع.

3. كما دعا محمّد فريد إلى مؤتمر بروكسل عام 1910م، وقد حضر هذا المؤتمر عدد كبير من رجال السياسة والاقتصاد والأدب في أوروبا، وكان يهدف من هذا المؤتمر إلى عرض الصورة الحقيقيّة لمعاناة المصريّين تحت وطأة الاحتلال، والتأكيد على أنّ المصريّين لن يتنازلوا عن حقّهم في الاستقلال.

وقد اضطهد محمّد فريد وسُجن في سبيل مواقفه ودفاعه عن قضيّة بلاده، ممّا اضطره إلى الهجرة، حتى توفّي في 15 نوفمبر 1919م ببرلين ودفن بها، ولم ينقل رفاته إلى مصر إلّا في يونيه 1920م، بعد أن عاش حياة مليئة بالشدائد اللتي تحمّلها في ثبات منقطع النظير.

ثالثًا: ثورة 1919م قمّة اليقظة الوطنيّة

عقب قيام الحرب العالميّة الأولى 1914م وإعلان بريطانيا الحماية السافرة على مصر، اعتبرت إنجلترا نفسها مصدر ولاية عرش مصر؛ ففي اليوم التالي لإعلان الحماية

(343)

(19 ديسمبر 1914م) أعلنت خلع الخديوي عباس الثاني الذي كان في زيارة لتركيا، وعيّنت مكانه الأمير حسين كمال بن إسماعيل ومنحته لقب سلطان مصر، ولما توفّي السلطان حسين في 9 أكتوبر 1917م اختارت إنجلترا أخاه الأمير أحمد فؤاد سلطانًا على مصر، وقرّرت أن يكون حكم مصر وراثيًّا في أسرته، وتبع ذلك حرمان مصر من الاتّصال بالدول بغير وساطة الممثّل البريطاني، وفي 18 أكتوبر 1914م صدر مرسوم إنجليزي يقضي بتعطيل الجمعيّة التشريعيّة التي استمرّت معطّلة حتى صدور دستور 1923م، وفي 2 نوفمبر 1914م تمّ إعلان الأحكام العرفيّة التي استمرّت هي الأخرى حتى عام 1923م.

هكذا عاشت مصر إبان الحرب العالميّة الأولى تحت الإرهاب الإنجليزي، حيث كُبتت الروح الوطنيّة بالقوّة العسكريّة، وكان مصير الوطنيّين السجن أو النفي، هذا فضلًا عمّا فرضته ظروف الحرب من اتّخاذ مصر قاعدة حربية للحلفاء في الشرق الأوسط، وتدفّقت القوات المسلحة على البلاد من جميع أجزاء الإمبراطوريّة البريطانيّة ممّا كان له أثر كبير في نشر الفوضى في البلاد لاعتدائهم المستمر على الأهالي، كما اشتركت القوات المصريّة في الدفاع عن قناة السويس، واشتركت قوات مصريّة أخرى في القتال على حدود مصر الغربيّة حين تعرّضت مصر لهجوم من ناحية ليبيا، بالإضافة إلى ذلك تمّ تسخير موارد البلاد الزراعيّة والصناعيّة والتجاريّة والبشريّة لخدمة المجهود الحربي للإنجليز وحلفائهم، وقد كان لهذه التصرّفات القاسية أكبر الأثر في تعبئة الشعور القومي ضدّ الاحتلال، هذا الشعور الذي انفجر بعد الحرب في ثورة 1919م[1].

وفي الحقيقة لم يكن شظف العيش والبؤس والمصادرة والسخرة والاستيلاء هي وحدها سبب الثورة، فهذه الأشياء يمكن أن يتحمّلها المصريون بشرط أن يكون الاحتمال لتحقيق غاية وطنيّة أو فكرة إنسانيّة، ولكن في مصر لم يكن الاحتمال إلّا لأجل أن تكسب

(344)

إنجلترا الحرب فتكبّل مصر بأغلال العبوديّة الأبديّة، وتسيطر إنجلترا على دولة الخلافة العظمى وتجعل أراضيها نهبًا للطليان والروس، وترتفع رايات الإنجليز والفرنسيّين في بيت المقدّس وبغداد ودمشق والقسطنطينية، وتفتح أراضي فلسطين لسكنى اليهود في وطن قومي، فمصر لم تغضب للمصادرة والسخرة بقدر ما غضبت لما وراء المصادرة والسخرة، غضبت لكرامتها وعزّتها، غضبت لتسخيرها وهي الوطن المجيد لأغراض غير أغراض أهله، بل لأغراض الاستعمار[1].

لقد كان في مصر ذخيرة من الوطنيّة جعلتها مستعدة للثورة، فإن لجهاد الحزب الوطني وزعمائه وأنصاره منذ عام 1890م أثرًا كبيرًا في قيام الثورة سنة 1919م، وذلك بما غرسوا في النفوس على تعاقب السنين من روح الجهاد الخالص لله والوطن، فالثورات ليست حركات ميكانيكيّة تظهر فجأة، بل هي حوادث اجتماعيّة تتمخّض عنها حياة الشعوب تبعًا لدرجة استعدادها وتقدّمها، ونتيجة لسريان روح الوطنيّة في نفوس أبنائها، فالكفاح الوطني السابق على سنة 1919م هو الذي مهّد للثورة وأشعل جذوتها[2].

مقدّمات الثورة

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في 11 نوفمبر 1918م تطلّع العالم كلّه إلى بزوغ فجر جديد يبشّر بالحرّيّة والاستقلال، ومن هنا رأى فريق من الزعماء الوطنيين أن يرفع صوت مصر في مؤتمر الصلح الذي عزمت الدول على عقده في فرساي ـ إحدى ضواحي باريس ـ وتزعّم حركة الجهاد سعد زغلول باشا الذي كان حينذاك وكيلًا منتخبًا للجمعيّة التشريعيّة، واتّفق سعد زغلول مع زميليه علي شعراوي باشا وعبد العزيز فهمي بك على الذهاب إلى دار الحماية البريطانية ليطلبوا من المعتمد البريطاني الترخيص لهم بالسفر إلى لندن، لمباحثة الحكومة الإنجليزيّة في مطالب مصر، لكن طلبهم قوبل بالرفض،

(345)

غير أن سعد زغلول وأصحابه عقدوا العزم على تأليف وفد للذهاب إلى فرساي، ولكن كان على الوفد أن يثبت لنفسه حقّ التحدّث باسم الشعب المصري، لذلك وُضعت صيغة توكيل من جميع طبقات الشعب وطوائفه، وجوهر هذا التوكيل أن هذا الوفد ممثّل للمصريين في المطالبة باستقلال مصر التامّ، وأنّه ليس لأحد من أعضاء الوفد أن يخرج عن حدود هذه الوكالة[1].

وقد أقبل المصريّون في شغف وحمية على توقيع هذه التوكيلات، كما لقيت هذه الحركة تأييدًا من رئيس الوزراء حينذاك حسين رشدي باشا الذي أراد أن يساهم في نجاحها، فتقدم باستقالته في أول مارس 1919م حينما رفض السلطان فؤاد سفره إلى لندن[2].

انفجار الثورة

بعد استقالة حسين رشدي من رئاسة الوزراء لم يتمكّن القصر وسلطات الاحتلال من تشكيل حكومة أخرى لرفض الوطنيّين مساعداتهم دعمًا لموقف رشدي الوطني، عندئذ رأى قائد القوّات البريطانيّة أن يأخذ الأمر بالعنف والشدّة، فأنذر سعد زغلول وصحبه بتطبيق الأحكام العرفيّة عليهم، ثمّ ألقى القبض على سعد وثلاثة من أعضاء الوفد ونفاهم إلى جزيرة مالطة، وقد خدمت تلك التصرّفات الغاشمة الحركة الوطنيّة؛ لأنها أدّت إلى إنفجار الشعور المكبوت، وكان هذا الحادث بمثابة الشرارة التي أشعلت نيران الثورة، وسرعان ما انتشرت وعمّت أنحاء القطر المصري واشتركت فيها جميع عناصر الشعب وطوائفه، فقد بدأت الثورة في 9 مارس، ولم يأتِ يوم 15 مارس حتى كانت قد عمّت

(346)

أنحاء القطر المصري، فاشتعلت الثورة في القاهرة، وأضرب المحامون والطلبة، وقامت مظاهرات شعبية انتشرت في الأقاليم، وتمّ قطع السكك الحديديّة وأسلاك الكهرباء، وكانت مواكب الثوار تخترق الشوارع يوميًّا مردّدة: «تحيا مصر، تحيا الحرّيّة، تسقط الحماية» غير مبالية برصاص الإنجليز الذي كان يترصّد للثوار في كل مكان، بل إنّ القسوة التي استخدمها الإنجليز في قمع المظاهرات كانت من أسباب حدة الثورة وازدياد اشتعالها[1].

وقد اضطرّت بريطانيا أمام هذه الثورة العارمة إلى الإفراج عن سعد زغلول وصحبه في السابع أبريل 1919م وإباحة السفر للمصريّين[2]، وألف حسين رشدي باشا وزارته الرابعة في التاسع من أبريل بعد أن ظلت البلاد دون حكومة منذ استقالته[3]، كما سافر الوفد المصري إلى باريس لعرض قضية المصريّين على مؤتمر الصلح ولكن ما لبث الوفد أن خاب أمله في المؤتمر؛ حيث اعترف رئيس جمهورية الولايات المتّحدة الأمريكية (ويلسون) بالحماية، وفي معاهدة فرساي (مايو 1919) أترفت ألمانيا بالحماية أيضًا،

(347)

عندئذ أدرك المصريون أن مؤتمرات الدول الكبرى ما هي إلّا مؤتمرات تدبّر لاقتسام الشعوب الصغيرة، فقرّروا الاعتماد على أنفسهم والاستمرار في ثورتهم وكفاحهم، وعاد اضطهاد الإنجليز أقبح مما كان، وتعرّضت القرى والمدن الثائرة لاعتداء الجنود الإنجليز من غير وازع ولا ضمير، وبدأت المحاكم العسكريّة التي حكمت بالإعدام على عدد كبير من المواطنين، وزجّت في السجون مئات من مختلف الطوائف، كما تمّ تشكيل حكومة جديدة برئاسة محمّد سعيد باشا في مايو 1919م[1].

وأمام استمرار ثورة المصريين لجأت الحكومة البريطانية إلى سياسة الملاينة، فأرسلت في سبتمبر 1919م لجنة برئاسة اللورد ملنر (Alfred Milner) وزير المستعمرات البريطانية (وهو من رجال الاحتلال القدماء كان مستشارًا ماليًّا للحكومة المصريّة عام 1894م، وألّف كتابًا بعنوان إنجلترا في مصر (England in Egypt) يعدّ من المراجع المهمّة في سياسة الاحتلال)[2]، ولكن المصريّين جميعًا قاطعوا هذه اللجنة، وقامت المظاهرات احتجاجًا على قدومها، فاضطرّت الحكومة البريطانيّة إلى استدعاء الوفد المصري في باريس، وبالفعل سافر الوفد إلى لندن، وبعد المباحثة توصّل المتفاوضون إلى مشروع معاهدة قرّر الوفد عرضه على الشعب -تثبيتًا لمبدأ الأمّة مصدر السلطات- فوجد المشروع من جميع الهيئات والطبقات والطوائف معارضة، وتمّ النظر إلى المشروع على أنه حماية مقنّعة[3].

وعندما لم تنجح المباحثات مع الوفد المصري، رأت الحكومة الإنجليزيّة التفاوض مع الحكومة المصريّة التي كان يرأسها حينذاك عدلي يكن باشا، فسافر على رأس وفد رسمي إلى لندن -بعد امتناع سعد زغلول عن السفر معه- ولكنّه لم يصل إلى نتيجة يمكن

(348)

قبولها، فاستقالت وزارة عدلي في ديسمبر 1921م وعادت الثورة من جديد، وقابلتها السطات البريطانية بالشدّة والعنف، فألقت القبض على سعد زغلول مع خمسة من أعضاء الوفد ونفتهم إلى سيشل، ثمّ نفوا سعدًا بمفرده إلى جبل طارق، عندئذ اشتدّت الحركة الوطنيّة وتألّفت الجمعيّات السرية بقصد المقاومة المسلّحة، وأحجم رجال السياسة عن قبول تأليف الوزارة، عندئذ اضطرّت الحكومة البريطانيّة إلى إصدار تصريح 28 فبراير 1922م[1].

وكان من أهم بنود تصريح 28 فبراير[2]:

أنّ الحماية البريطانيّة على مصر قد انتهت، وأصبحت مصر بذلك دولة مستقلّة ذات سيادة.

-إلغاء الأحكام العرفيّة التي أعلنت في 2 نوفمبر 1914م.

-تحتفظ الحكومة البريطانيّة بتأمين مواصلات الإمبراطوريّة البريطانيّة في مصر، والدفاع عن مصر ضدّ كل اعتداء أو تدخّل أجنبي، وحماية المصالح الأجنبيّة في مصر وحماية الأقلّيّات، حرّيّة التصرف فيكل ما يخص السودان مقبل الحكومة البريطانيّة.

وهكذا انتهت ثورة 1919م بنجاح جزئي؛ حيث تمّ إلغاء الحماية على مصر والاعتراف بسيادتها، كما تم إعلان الدستور والحياة النيابيّة، لكنها فشلت في تحقيق الجلاء ووحدة وادي النيل، وعلى أساس ذلك تألّفت حكومة عبد الخالق ثروت في أوّل مارس 1922م[3]، وتشكّلت لجنة الثلاثين من كبار رجال القانون لوضع الدستور، وأعلن الملك فؤاد الأوّل استقلال البلاد وتحويل السلطنة إلى مملكة في 15 مارس

(349)

1922م، واتّخذ لنفسه لقب ملك مصر.

وقد أحرز حزب الوفد أغلبية ساحقة في انتخابات 1924م التي أُجريت حسب ما جاء في مواد دستور 1923م، وبناء على ذلك شكّل سعد زغلول أول وزارة برلمانية عُرفت (بوزارة الشعب) في يناير 1924م، وافتتحت جلسات أول برلمان مصري في 15 مارس 1924م، لكن اغتيال السير لي ستاك (Lee Stack) سردار الجيش المصري وحاكم السودان (1917- 1924م) في نوفمبر 1924م، وتقديم المندوب السامي البريطاني اللورد اللنبي (Allenby) إنذاره للحكومة المصريّة في 22 نوفمبر 1924م، هذا الإنذار الذي اعترض عليه سعد زغلول وقدم استقالته في 23 نوفمبر 1924م، فألف أحمد زيرو باشا -رئيس مجلس الشيوخ- وزارة جديدة قبلت المطالب البريطانيّة التي جائت في الإنذار البريطاني ومنها سحب الجيش المصري من السودان[1].

وتتابعت الأحداث بعد ذلك، فقد شهدت الفترة بين ثورة 1919م وثورة 1952م صراعًا بين قوى ثلاث: الوفد بصفته أكبر الأحزاب السياسيّة في مصر، والإنجليز والقصر. وقد تركّزت القضيّة الوطنيّة خلال هذه الفترة حول مسألتين هما: جلاء القوّات البريطانيّة عن مصر ووحدة وادي النيل، وكان الإسلوب الذي اتّبعه القادة المصريون سواء من الوفديين أو غيرهم لتحقيق المطالب الوطنيّة هو أسلوب التفاوض. وقد حدثت أحداث مهمة خلال هذه الفترة كان من أهمّها توقيع معاهدة 1936م.

وتعدّ معاهدة 1936م حلقة من حلقات القيود التي أحكمتها بريطانيا على مصر؛ فعلى الرغم من نصّ المعاهدة على إنهاء الاحتلال، إلّا أنّ القوّات البريطانيا بقيت في الإسكندريّة ومنطقة القناة بحجّة معاونتها في الدفاع عن مصر، وسمح بزيادة عددها في الحرب أو خطر الحرب، كما أقامت المعاهدة تحالفًا أبديًّا بين مصر وإنجلترا، ولكن الشروط العسكريّة الواردة في المعاهدة كلها جاءت لصالح إنجلترا، إذ جعلت موانئ

(350)

مصر ومطاراتها وطرق المواصلات فيها تحت تصرّف القوات البريطانيّة في حالة خطر الحرب أو خشية وقوع طوارئ دولية. وعلى الرغم من أنّ المعاهدة أقرّت عودة الجنود المصريّين إلى السودان، لكن السودان أصبحت بموجب هذه المعاهدة مستعمرة إنجليزيّة يحرسها جنود مصريون تحت إمرة حاكمها العام البريطاني، إذ أبقت المعاهدة السلطة العسكريّة والمدنيّة العليا في يد الحاكم العام البريطاني، أمّا ما ورد بخصوص إلغاء الامتيازات الأجنبيّة، فقد كان ذلك مرهونًا بالاتّفاق مع الدول صاحبة الامتيازات[1].

وسرعان ما تكشّفت حقائق معاهدة 1936م للأمّة المصريّة التي ظلّت تعمل وتناضل للتخلّص منها، وقد نجحت الأمّة في تحقيق أملها عندما قامت حكومة الوفد برئاسة مصطفى النحاس باشا بقطع المفاوضات بين الحكومتين المصريّة والبريطانيّة بعد أن اتّضح عدم جدواها وبعد أن استطالت نحو تسعة عشر شهرًا (مارس 1950 - سبتمبر 1951م)، وتشدّدت بريطانيا خلال هذه المفاوضات أكثر من ذي قبل، حيث تمسّكت ببقاء قوات بريطانيّة في مصر حتى في وقت السلم ولم تعد تعترف بصلاحيّة عبارتي الجلاء ووحدة وادي النيل كأساس للاتفاق، عندئذ أعلن النحاس باشا في 8 أكتوبر 1951م إلغاء معاهدة 1936م، واتفاقيّة 1899م بشأن السودان[2]، ثمّ قامت ثورة 23 يوليو 1952م التي نتج عنها تحقيق الاستقلال التام وإجلاء الإنجليز، حيث اضطرت بريطانيا إلى توقيع اتفاقية الجلاء عن مصر في 19 أكتوبر 1954م وفيها اعترفت بريطانيا بإنهاء معاهدة 1936م وتعهّدت بإجلاء قواتها عن مصر خلال عشرين شهرًا[3].

وبهذا يتّضح أنّ الحراك الشعبي ضد الاحتلال الإنجليزي كان ظاهرًا بصور كبيرة جدًا

(351)

من خلال السعي بكل السبل للحصول على الحرّيّة والتخلّص من الاحتلال، فلم يرهب المصريّين قسوة التعامل من جانب المحتلّ، لكنهم مضوا في تحقيق هدفهم غير مبالين بالويلات التي لاقوها في سبيل تحقيق حرّيّتهم، وقد حقّق المصريّون ما أرادو بعد جهاد طويل استمر منذ عام 1882م وحتى عام 1956م.

(352)

قائمة المصادر والمراجع

1.إبراهيم، عبد الله عبد الرازق؛ الجمل، شوقي، تاريخ مصر والسودان الحديث والمعاصر، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1997م.

2.أبو خليل، شوقي، أطلس التاريخ العربي الإسلامي، ط12، دار الفكر، دمشق، 2005م.

3.خشان، كاظم وادي، رأي الشيوعية في اتفاقية الجلاء وصفقة الأسلحة (1954-1955م)، المجلة الدولية أبحاث في العلوم التربوية والإنسانية والآداب واللغات، جامعة البصرة، مجلد 2، العدد 5، يونيو 2021م.

4.خفاجة، أسامة، واقع مصر تحت النفوذ الإنجليزي، مطبعة الجيزة، 1976م.

5.الدقن، السيد محمّد، دراسات في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، 2004م.

6.الرافعي، عبد الرحمن، محمّد فريد رمز الإخلاص والتضحية، ط4، دار المعارف، 1984م.

7.ــــــــــــــــــــــــــــــــ، مصر المجاهدة في العصر الحديث، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1959م.

8.ــــــــــــــــــــــــــــــــ، مصر المجاهدة في العصر الحديث، جـ4، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1958م.

9.ــــــــــــــــــــــــــــــــ، مصر والسودان في أوائل عهد الاحتلال.

10.ــــــــــــــــــــــــــــــــ، مصطفى كامل باعث الحركة الوطنيّة، طـ5، دار المعارف، 1984م.

11.رمضان، عبد العظيم محمّد، تطور الحركة القومية في مصر من سنة 1918 إلى سنة 1936م، ط2، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1983م.

12.شبيكة، مكي الطيب، بريطانيا وثورة سنة 1919 المصريّة، جامعة الدول العربيّة، المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم، معهد البحوث والدراسات العربيّة، دار نافع للطباعة، 1976م.

13.الشناوي، عبد العزيز محمّد، في أعقاب الاحتلال البريطاني لمصر: تكتل الدول لتدويل قناة السويس نكاية في بريطانيا، مجلة كلية الآداب - جامعة القاهرة، المجلد 23، 1961م.

(353)

14.عبد الرحمن، عواطف؛ كامل، نجوى، تاريخ الصحافة المصريّة دراسة تاريخية معاصرة، العربي للنشر.

15.عبد الرحيم مصطفى، أحمد، تاريخ مصر السياسي من الاحتلال إلى المعاهدة، دار المعارف، القاهرة، 1967م.

16.علي، فطين أحمد فريد، الجيش المصري بين التمصير والسيطرة البريطانية: من تصريح 28 فبراير 1922 إلى أزمة الجيش 17 يونيه 1927م، مجلد 43، المجلة التاريخية المصريّة، 2005م.

17.عمارة، محمّد، الجامعة الإسلاميّة والفكرة القومية نموذج مصطفى كامل، طـ1، دار الشروق، 1994م.

18.غربال، محمّد شفيق، تاريخ المفاوضات المصريّة البريطانية، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة، 1952م.

19.هيكل، محمّد حسنين، عبد الناصر والعالم، المجلد 1، ط1، دار النهار للنشر، القاهرة، 1972م.

(354)

الفصل الخامس

المقاومة الشاملة في مواجهة الاستعمار

 

   - أدوار علماء الدين المصريّين في مقاومة الاستعمار (1798-1919م)

   - جهود الأدباء والشعراء في مواجهة الاستعمار

   - البعد الأدبي والفكري للثورة العرابيّة في مصر

   - الفنّ في مواجهة الاستعمار

 

(355)
(356)

أدوار علماء الدين المصريّين

في مقاومة الاستعمار

 (1798-1919م)

غيضان السيِّد علي[1]

الملخّص

  عمل علماء الدين في مصر -الذين تخرجوا في الأزهر الشريف الجامع والجامعة- على التصدّي للمحاولات الاستعماريّة التي استهدفت مصر مع نهاية القرن الثامن عشر وتمثّلت في الاستعمار الفرنسي سنة 1798م، أو تلك التي جاءت مع بدايات العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر وتمثّلت في الاستعمار الإنجليزي لمصر سنة 1882م. وقد فطن علماء الدين الإسلامي إلى حقيقة مهمّة فحواها أنّه إذا كان الغزو العسكري المباشر يستهدف السيطرة المادّيّة على البلاد وسرقة خيراتها وثرواتها وكنوزها، فإن المشروع الحقيقي للاستعمار هو تشويه الثقافات وطمس الهويات، وخاصّة الهويّة الإسلاميّة. ومن ثمّ كان لعلماء الدين دور بارز في مواجهة الاستعمار وغزوه السياسي والثقافي تجلّى بوضوح في كل الوقائع الميدانية التي خاضتها البلاد من أجل التحرّر من الاستعمار، والتي سلك فيها المستعمر كافّة سُبله الوحشيّة والبربريّة من قتل، وتمثيل بالجثث، وتعذيب، وسجن، ومصادرة أموال وأملاك، وهدم أحياء بكاملها على رؤوس ساكنيها، وغير ذلك من أفعال المستعمر التي تعكس همجيّة ووحشيّة تتنافى مع أبسط مبادئ الإنسانيّة.

   الكلمات المفتاحية: علماء الدين، الأزهر، ثورة القاهرة الأولى، ثورة القاهرة الثانية، ثورة 1919، ثورة يوليو 1952.

(357)

مقدّمة

يقوم علماء الدين الإسلامي[1] منذ عصر نزول الوحي وحتى اليوم بدور عظيم في الدفاع عن الأوطان ومواجهة المحتلّين والظالمين والمتجبّرين والمتغطرسين، فلم يبخل -الصادقون منهم- بنفيس ولا غالٍ، فبذلوا -وما زالوا يبذلون- المال والنفس عن رضى وهم صابرون محتسبون يرجون الأجر والثواب من الله تعالى وحده. وفي هذا البحث نحاول أن نلقي الضوء على جهود بعض من علماء الدين في مصر الذين تصدّوا للمحتل الأجنبي سواء أكان فرنسيًّا أو إنجليزيًّا، وسطّروا أروع صفحات البطولة والفداء والوطنيّة في الدفاع عن الأرض والعرض، عن الهويّة والدين، وعن المقدّسات والثوابت الدينية. وقد تعرّضت مصر منذ نهايات القرن الثامن عشر حتى اليوم إلى ثلاثة أنواع من الاستعمار أو الاحتلال، كان أوّلها عام 1798م، حيث كان الاحتلال الفرنسي لمصر بقيادة نابليون بونابرت الذي قاد حملته الشهيرة على مصر، لكنها أمام جهود المخلصين من أبناء الوطن لم تستطع الصمود واحتلال مصر سوى ثلاث سنوات، فكان الجلاء عن مصر في عام 1801م. ثمّ كان الاستعمار الإنجليزي الأطول عمرًا ومكوثًا والأصعب والأكثر تأثيرًا في مصر حيث استمر من 1882 حتى عام 1956م أي ما يقرب من 75 عامًا. ثم كان احتلال الكيان الصهيوني لجزء غال ونفيس من أرض مصر وهو شبه جزيرة سيناء عام 1967م، وقد اندحر هذا المحتل الصهيوني غير مأسوف عليه عام 1973م بعد نصر أكتوبر العظيم. ومع كل استعمار أو احتلال كان يَهبُّ علماء الدين من المسلمين للدفاع عنه سواء في المجال السياسي أو على مستوى النضال الميداني وحمل السلاح، أو على مستوى النضال في الميدان الثقافي، فيقاومون الغزو الفكري والاستلاب الثقافي، وهو

(358)

دور لا يقلّ أهمّية عن النضال السياسي أو حمل السلاح لمقاومة المستعمر.

 وسوف نقتصر في هذا البحث على تناول دور علماء الدين الإسلامي في التصدي للاستعمار الفرنسي الذي استعمر مصر في يوليو 1798م، ولم يمكث إلّا ثلاثة أعوام، حتى تمّ اجلاؤه مرغمًا عن مصر بفعل تلك المقاومة التي صاحبتها عزيمة لا تلين من الشعب المصري على وجه العموم وعلماء الدين وطلّابه في الأزهر الشريف على وجه الخصوص. وكذلك المستعمر الإنجليزي الذي احتلّ مصر لأكثر من سبعين عامًا، حتى تمّ اجلاؤه نهائيًّا عام 1956م. على أمل أن نخصّص بحثًا مستقلًّا لتناول جهود علماء الدين الإسلامي في مقاومة المحتلّ الصهيوني الذي وإن كان قد تمّ دحره وإنهاء احتلاله لجزء من أرض مصر إلّا أنه لا يزال يحتلّ أجزاءً غالية من بلداننا العربيّة الإسلاميّة؛ ولذلك تمّ تقسيم هذا البحث إلى قسمين أساسيين؛ تناول القسم الأول دور علماء الدين في مواجهة الاستعمار الفرنسي. وتناول القسم الثاني دور علماء الدين في مواجهة الاستعمار الإنجليزي. واشتمل القسم الأوّل على أربعة مباحث أساسيّة، هي: 1- سياسة التعايش وموقف علماء الدين منها. 2- دور علماء الدين في ثورة القاهرة الأولى (21 أكتوبر 1798). 3- دور علماء الدين في ثورة القاهرة الثانية (20 مارس 1800). 4- أبرز العلماء في مواجهة الاستعمار الفرنسي. في حين اشتمل القسم الثاني على ثلاثة مباحث رئيسة، هي: 1- دور علماء الدين في مواجهة العدوان العسكري الإنجليزي سبتمبر 1882. 2- دور علماء الدين في ثورة مارس 1919. 3- دور علماء الدين في ثورة 23 يوليو 1952.

وقد استخدم الباحث في إنجاز بحثه مجموعة من المناهج البحثية، لعلّ أهمّها المنهج التاريخي الذي يتمّ من خلاله سرد الوقائع والأحداث مرتّبة زمنيًّا. والمنهج التحليلي الذي يعمل على تحليل النصوص وعرض الأفكار ومناقشاتها، وكذلك المنهج الوصفي؛ إذ إنّه الأنسب في وصف دور علماء الدين في مواجهة الاستعمار الفرنسي والإنجليزي.

(359)

   أوّلًا: دور علماء الدين في موجهة الاستعمار الفرنسي

  لعب علماء الدين في الأزهر الشريف دورًا كبيرًا على كل المستويات النضاليّة في مواجهة الحملة الفرنسيّة، بل تكاد تكون مواقفهم هي المواقف الأبرز في تاريخ مقاومة الاستعمار؛ فقد كانوا في طليعة جموع المصريين لمقاومة المحتلّ الغاشم بحكم مكانتهم الدينية والعلميّة، وهو الأمر الذي أدركه نابليون بونابرت مبكرًا قبل مجيئه إلى مصر؛ لذلك عندما وصلت الحملة الفرنسيّة مصر حاول نابليون أن يتودّد إليهم، فأضفى عليهم الكثير من مظاهر الاحترام والتبجيل والتقدير، واستبقى لهم امتيازاتهم، وعلى رأسها حصصهم في نظام الالتزام في القرى، وتنظّرهم على الأوقاف. وأمر بأن يؤدّي رجال حرس الشرف الذين يرابطون أمام مقر القيادة العامة للجيش الفرنسي في الأزبكية التحية العسكرية بالسلاح لعلماء الأزهر، إذا جاءوا لمقرّ القيادة، فإذا دخلوا هذا المقرّ خفّ لاستقبالهم رجال الياوران والمترجمون يرحبون بهم، ويقودونهم إلى الصالون الرئيس في القصر، وتُقدم لهم المرطّبات ثم القهوة، فإذا فرغوا من تناولها دخل عليهم بونابرت ورحّب بهم، وجلس وسطهم، محاولًا أن يدخِل في نفوسهم الطمأنينة والثقة[1]. وكان هذا ضمن خطة محكمة تتغيّا تأييد علماء الدين للاحتلال الفرنسي، فيكون لهذا التأييد أصداء بعيدة في نفوس جماهير الشعب المصري، فيخلدون إلى السكينة وعدم المقاومة؛ لكن هذه الخطة لم تنجح ووقف منها علماء الدين موقفًا حازمًا تجلّى في عدة نقاط مهمّة نرصد لها فيما يلي:

سياسة التعايش السلمي وموقف علماء الدين منها

  حاول نابليون أن يمارس سياسة استعماريّة مع علماء الدين في الأزهر أطلق عليها بعض المؤرّخين المصريين «سياسة التعايش السلمي»، بينما أطلق عليها المؤرّخون الفرنسيون «سياسة بونابرت الإسلاميّة (Politiqe» (Musulmanne de Bonaparte»، وانطلاقًا من هذه السياسة تظاهر نابليون باحترامه للدين الإسلامي، وبالحرص

(360)

على استمرار المسلمين في إقامة الشعائر الدينيّة كالصلاة في المساجد، ثمّ الاحتفال بالمناسبات الدينيّة الإسلاميّة وغيرها، ربطًا للشعب الإسلامي في مصر بالحكم الفرنسيّ[1].

 ومن ثمَّ حرص نابليون على مهادنة علماء الدين؛ لأنّه كان يدرك المكانة الحقيقيّة لهؤلاء العلماء، فقد نظر إليهم من زاويتين؛ الأولى: أنهم الصفوة الممتازة من الطبقة المستنيرة في البلاد، المتعمّقون في الدراسات الدينية واللغوية أو السوربونيون، الزاوية الثانية: أنّهم زعماء الشعب المصريّ الذين اعتاد أن يفزعَ إليهم عندما يشعر بالظلم؛ إذ كان علماء الدين سرعان ما يتدخّلون لدى الحكام لرفع المظالم عن المظلومين. فكانوا بذلك أكثر عناصر المجتمع المصري نفوذًا وهيبة، وعلمًا واحترامًا، واستقرارًا ووقارًا[2].

 ولذلك عندما بدأ الأمر يستتبّ لنابليون في القاهرة، وطاب له المقام ببيت محمّد بيك الألفي بالأزبكية، استدعى العلماء والمشايخ ليشكّل منهم الدواوين (ديوان القاهرة- دواوين الأقاليم- الديوان العام) وكان على رأس هؤلاء العلماء: الشيخ عبدالله الشرقاوي (شيخ الأزهر حينذاك)، والشيخ خليل البكري، والشيخ مصطفى الصاوي، والشيخ سليمان الفيومي، والشيخ محمّد المهدي، والشيخ موسى السرسي، والشيخ مصطفى الدمنهوري، والشيخ أحمد العريشي، والشيخ يوسف الشبرخيتي، والشيخ محمّد الدواخلي[3]. وعلى إثر ذلك أصدر نابليون بونابرت في 27 يوليو 1798 -أي في خلال الأسبوع الأول لدخوله القاهرة- قرارًا بتخصيص حصان لكل عالم من علماء الأزهر (دكاترة الشريعة كما أطلق عليهم) من أعضاء ديوان القاهرة، وكان هذا القرار يحمل معنى التكريم والتقدير للمشايخ علماء الأزهر بالذات، لكن هذا القرار لم يثبت أنه وُضع موضع التنفيذ[4].

  وإمعانًا في توطيد «سياسة التعايش السلمي» التي حرص عليها نابليون أنه لمَّا امتنع المصريون عن إقامة احتفالهم السنوي بالمولد النبوي الشريف نظرًا للظروف العصيبة

(361)

التي تمرّ بها البلاد، سأل نابليون عن السبب، فاعتذر الشيخ البكري بتعطيل الأمور وتوقّف الأحوال، فلم يقبل نابليون بذلك، وقال: «لا بدّ من ذلك»؛ أي لا بدّ من إقامة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وأعطى للشيخ البكري ثلثمئة ريال فرانسة[1] معاونة، وأمر بتعليق تعاليق وأحبال وقناديل، واجتمع الفرنسيون يوم المولد، وملأوا الميادين وضربوا الطبول، ونفخوا في المزامير، وأشعلوا بعضًا من الألعاب النارية[2]. وطلب نابليون المشايخ، فلما اجتمعوا عنده نهض بونابرت من المجلس، ورجع وبيده طيلسانات ملوّنة بثلاثة ألوان، كلّ طيلسان ثلاثة عروض: أبيض وأحمر وكحلي، فوضع منها واحدًا على كتف الشيخ الشرقاوي فرمى به إلى الأرض، واستعفى وتغيّر مزاجه وانتقع لونه واحتدّ طبعه، فقال الترجمان: «يا مشايخ أنتم صرتم أحبابًا لصاري عسكر، وهو يقصد تعظيمكم وتشريفكم بزيّه وعلامته، فإن تميّزتم بذلك عظّمتكم العساكر والناس، وصار لكم منزلة في قلوبهم»، فقالوا له: «لكن قدرنا يضيع عند الله وعند إخواننا من المسلمين»، فاغتاظ نابليون من ذلك القول[3]، وأيقن أن خدعة «سياسة التعايش السلمي» لم تنطلِ على هؤلاء المشايخ الذين أدركوا أنّ سياسة بونابرت ليست صادرة عن عقيدة حقيقيّة وإيمان صحيح، وإنما هي ضرب من الخداع يتغيّا تخدير الشعب وتسكينه حتى تتوطّد دعائم الحكم الفرنسي في مصر.

1.  دور علماء الدين في ثورة القاهرة الأولى (21 أكتوبر 1798م)

 وبعد اشتداد وطأة الفرنسيّين على المصريّين وعلى أهالي القاهرة خاصّة، إذ فرضوا عليهم الضرائب الباهظة، وصادروا أملاكهم وأموالهم، وأسرفوا في قتل الأهالي، فزادت

(362)

كراهية المصريّين للفرنسيين، ووجدت هذه الكراهية صداها بين علماء الدين في الجامع الأزهر[1]. وفي صباح يوم الأحد من جمادى الأولى 2013 (21 أكتوبر 1798م) اندلعت ثورة دينيّة عارمة في القاهرة على الحكم الفرنسي، تنادى إليها الأزهريون وتزعّمها الشيخ محمّد السادات، بعد أن كوّنوا مجلسًا لقيادة الثورة، جعل من الجامع الأزهر مقرًّا له، وانطلق المؤذّنون من مآذن المساجد في القاهرة يدعون المسلمين إلى الحفاظ على دينهم بالثورة على الفرنسيين، فنفر عدد كبير من المصريين خفافًا وثقالًا، حتى امتلأت شوارع القاهرة بالثوّار وهم يصيحون: نصر الله دين الإسلام، نصر الله السلطان[2].

واجتمع علماء الدين في رحاب الجامع الأزهر، وأخذوا يحثّون الناس على الثورة، لما لهم من كلمة مسموعة عند عامة الناس، وبما ألهبوا حماسهم من خطب دينية جعلتهم لا يأبهون بالموت من أجل حماية دار الإسلام من تدنيس الفرنسيّين، فكان المصريّون لا يخفون حسرتهم واستياءهم من انتصار غير المؤمنين الذين دنّسوا بوجودهم مياه النيل المقدّسة، واعتبروا أنَّه من الخزي والعار أن تسقط مصر في أيدي الفرنسيّين؛ لأنها تقع على الطريق المؤدي إلى الحجاز مهد الكعبة، وغيرها من الآثار الإسلاميّة المقدّسة. ولم ينخدع المصريون بمزاعم نابليون ولا سياسة التعايش السلمي وكانوا يقولون: «كل هذا خداع ومخاتلة ريثما يتملّك، وأمَّا هو فنصراني ابن نصراني»[3].

وفي تلك الأثناء أعلن السلطان العثمانيّ الحرب على فرنسا في سبتمبر 1798م، وأصدر منشورًا يدعو فيه المصريين إلى الجهاد الدينيّ ضد الفرنسيين، مؤكِّدًا فيه على العاطفة الدينية؛ إذ وصف الفرنسيين بأنهم قوم لا ينكرون وحدانيّة الله فقط، ولا ينكرون رسالة محمّد فحسب، بل ينكرون وجود الله، ويهزأون بكل الأديان، ولا يعتقدون في يوم الحساب، والحياة الآخرة، وإنهم يحلّلون ما تحرّمه الأديان، ويعتقدون أن الكتب

(363)

السماوية ليست إلّا مجموعة من الأكاذيب، وليست إلّا نوعًا من الأساطير، وأن موسى وعيسى ومحمّدًا ليسوا إلّا رجالًا عاديّين لم يخصّهم الله بالرسالة التي عهد إلى كلٍّ منهم تبليغها إلى بني الإنسان[1]. كما ساعدت أخبار أخرى في شحذ هِمم المصريين على الثورة من قبيل: هزيمة الفرنسيّين في موقعة أبي قير البحرّيّة، وانقطاع الاتّصال بين الحملة وفرنسا، ونقص عدد أفراد الجيش الفرنسي يومًا بعد يوم.

 وقد انطلقت الثورة من الأزهر؛ حيث أصبح مركز تجمّع الثوار الذين تدفّقوا من كل حدب وصوب يحملون ما استطاعوا أن يتسلّحوا به من بنادق وسيوف ونبابيت، وشرعوا في مهاجمة أماكن إقامة الفرنسيّين وتجمّعهم في مناطق عديدة من القاهرة، واستطاعوا قتل حاكم القاهرة الفرنسي دوبوي (Dupuy) ومعه سكرتير بونابرت وعدد كبير من جنود الحملة؛ مما زاد من حماستهم، فما كان من بونابرت إلّا أنْ أمر جنوده بمهاجمة الأزهر وقذفه بالمدافع من تلال المقطم، ثمّ محاصرة الجامع وقطع السُبل المؤدّية إليه وضربوا الأحياء المجاورة له، في الوقت الذي شرع فيه الثوار في شن هجوم ضارٍ على مقر القيادة الفرنسيّة في حي الأزبكية، وظلّوا يطلقون بنادقهم حتى قتلوا عددًا كبيرًا من الفرنسيّين[2]. فما كان من الفرنسيّين سوى أن أطلقوا النيران من مدافعهم صوب القاهرة من أعلى جبل المقطم، وكما يقول أحد ضبّاط الحملة: «وأن نيران مدفعيّتنا تركّزت بشكل أساسي على المسجد (الأزهر) الذي ضيّقت دوريتنا الخناق على الثوار به»[3]. وبعد إخماد الثورة بالغ الفرنسيّون في التنكيل بالمصريّين قتلًا وحرقًا ونهبًا ومصادرة للأموال والممتلكات، حتى قال أحد ضبّاطهم: «وقد كان للاحتياطات التي اتّخذناها لوأد بذور هذا التمرّد والشدّة التي أظهرناها في هذه الظروف والمآسي التي جلبتها هذه المدينة على نفسها أبلغ الأثر في

(364)

إثارة الرعب في نفوس من راودَتهم أنفسهم أو تحمّسوا لكي يحذو حذو أهل القاهرة»[1].

فلم يكن يُشاهَد في منطقة الأزهر إلّا مبان محترقة، ودور منهارة، وقد دُفنت عائلات بأكملها تحت الأنقاض[2]. فضلًا عن المذبحة الرهيبة التي ارتكبها الفرنسيّون داخل الأزهر، فقد ربطوا الخيول في قبلة المسجد، وتبوّلوا، وقضوا حوائجهم في شتى أرجاء الجامع، وألقوا المصاحف على الأرض وداسوها بأحذيتهم، وسرقوا خزائن الطلبة. ويقول الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر حينذاك: «إنّ اليهود انتهزوا الفرصة، فدخلوا الأزهر في أثر الجنود، واستولوا على مصاحف نفيسة وكتب قيمة»[3].

ونتيجة لتزعّم علماء الدين في الأزهر الثورة ألقى الجنود الفرنسيون على خمسة من علماء الأزهر، هم: الشيخ سليمان الجوسقي، والشيخ أحمد الشرقاوي، والشيخ عبد الوهاب الشبراوي، والشيخ يوسف المصيلحي، والشيخ إسماعيل البراوي، وكلّهم من الفقهاء والمحدثين من الصف الثاني من علماء الأزهر، واعتقلوهم في دار البكري، ثم صعدوا بهم إلى القلعة، وسجنوهم حتى الصباح، ثمّ أجلسوهم القرفصاء في فناء القلعة وأطلقوا على كل منهم عيارًا ناريًا أرداه قتيلًا[4]. ثمّ ألحقوا بهم ثمانية آخرين من علماء الدين البارزين في الأزهر، ليصل عددهم ثلاثة عشر عالمًا -كما أشار إلى ذلك الشيخ عبد الله الشرقاوي-[5] تمّ قتلهم بوحشية وبربرية تتنافى مع أبسط مبادئ الإنسانيّة.

2. دور علماء الدين في ثورة القاهرة الثانية (20 مارس 1800م)

لم تكن نفوس المصريّين قد هدأت ممّا حدث في ثورة القاهرة الأولى من أعمال قتل ونهب وتخريب، حتى اشتعلت ثورة أخرى عُرفت بثورة القاهرة الثانية، وانطلقت

(365)

من حي بولاق في 16 شوال سنة 1214 الموافق 20 مارس 1800، وامتدّت إلى جميع أحياء القاهرة على مدى ثلاثة وثلاثين يومًا. وقد اشترك فيها من علماء الدين البارزين الشيخ عمر مكرم والشيخ محمّد الجوهري، وكان لهما دور بارز في توجيه الثورة وإلهاب حماس الثوار، لدرجة أن كليبر القائد العام للحملة بعد رحيل بونابرت عن مصر، لم يجد حلًّا لتهدئة الأمور سوى أن يلجأ إلى كبار علماء الدين في الأزهر؛ فأرسل في طلب نخبة من العلماء البارزين كان على رأسهم الشيخ الشرقاوي شيخ الأزهر، والشيخ محمّد المهدي، والشيخ السرسي، والشيخ الفيومي، وغيرهم من أعيان علماء الدين في الأزهر وعرض عليهم إنهاء الثورة مقابل أن يعطي أهل القاهرة أمانًا وافيًا، وعبثًا حاول علماء الأزهر تهدئة الأمور لحقن الدماء ووقف عمليات الإحراق والتخريب لكن دون جدوى. وهنا أمر كليبر بالهجوم العام على حي بولاق وضربه بالمدفعيّة حتى اشتعلت النيران في البيوت والمتاجر والوكائل، فتناثرت جثث القتلى ودُفنت عائلات بأكملها تحت الأنقاض أو احترقت في لهيب النيران حتى دُمر الحي بأكمله، ثم تتابع هجوم الفرنسيّين على سائر أحياء القاهرة مثل باب اللوق، والمدابغ، والفجالة، وكوم أبي الريش، وباب الشعرية، والرويعي، وباب البحر، وحاقت بالثوار الفظائع والأهوال[1]، حتى لم يجد الثوّار سبيلًا للنجاة ولا للنصر أمام القوة الغاشمة للمحتلّ الفرنسي، فاضطروا لتقبّل الهزيمة مرغمين.

وبعد أن نجحت القوات الفرنسيّة في إخماد الثورة فرض كليبر غرامات باهظة على بعض علماء الأزهر المشاركين في الثورة وبعض المصريّين، وكان على رأس العلماء الشيخ محمّد السادات، والشيخ مصطفى الصاوي، والشيخ محمّد الجوهري، وأخيه الشيخ فتوح الجوهري، الذين تمّ القبض عليهم وتعذيبهم حتى يدفعوا ما فُرض عليهم، وفي ذلك يقول الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الأزهر حينذاك: «ووكل بجمع ذلك منهم رجلًا من القبط يُقال له يعقوب، ففرض ذلك على طوائف الناس والحرف، وصار يجمع بمشقّة عظيمة من ضرب وغيره، حتى صار بعض الناس يموت من شدّة الضيق والحبس،

(366)

وطلبوا من شيخ السادات سيدي محمّد أبي الأنوار مالًا عظيمًا نحو خزنة، وحبسوه وباعوا جميع متاعه فلم يف بثلث ما طُلب منه»[1]، فصاروا يضربونه خمس عشرة عصا في الصباح، ومثلها في الليل، وطلبوا زوجته حتى استدلوا عليها، وأحضروها إلى محبسه، وكانوا يضربونه أمامها زيادة في الإذلال والتعذيب.

وكانت لهذه القسوة في معاملة رجل من كبار علماء الدين وصاحب مركز ممتاز ينتمي إلى الأسرة النبويّة الشريفة أبلغ الأثر في نفوس الشعب بعامة، وطلاب الأزهر على وجه الخصوص، حتى خرج أحد طلاب الأزهر القدامى وهو شاب يُدعى سليمان الحلبي على كليبر، فقتله في بستان خلف البيت الذي في الأزبكية، وقُبض على هذا الثائر الأزهري الذي كان قد أفضى إلى أربعة من طلاب الرواق بعزمه على اغتيال كليبر، وتمّت محاكمته، وصدر حكم المحكمة العسكريّة بإعدام القاتل والطلبة الأربعة. وكان الحكم غاية في الوحشيّة والبربريّة، إذ نص الحكم على وسائل تنفيذ أحكام الإعدام من الخازوق إلى قطع الرؤوس إلى إحراق بعض الجثث وترك بعضها في العراء تفترسها الجوارح؛ فالبنسبة للمتهم الأوّل سليمان الحلبي نص الحكم على أن تُحرق يده اليمنى التي قُتل بها القتيل، ثم يتخوزق؛ أي يُعدم على الخازوق، وتُترك جثته في العراء تفترسها الجوارح! وأن يُعدم شركاؤه الأربعة بقطع رؤوسهم ثم توضع الرؤوس فوق نبابيت، ثم تُحرق بقية جثثهم بعد الإعدام، وأن تنفذ جميع هذه الأحكام علنًا أمام الجنود والأهالي[2].

3. أبرز العلماء في مقاومة الاستعمار الفرنسي

نلاحظ مما سبق كيف تحمّل علماء الدين الإسلامي في الأزهر العبء الأكبر في مقاومة المحتلّ الفرنسي، ويأتي على رأس هؤلاء السيِّد عمر مكرم الذي يقول عنه المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي: «كان أكبر زعماء الشعب نفسًا، وأكثرهم شجاعة وإقدامًا، وأعظمهم نفوذًا، وأرفعهم كلمة، فلا غرو أن نعدَّه زعيم الزعماء ورئيس الرؤساء...

(367)

أسيوطي المولد والنشأة، ولد في أسيوط ونشأ فيها، ولذلك يسميه في بعض المواطن السيد عمر الأسيوطي، وقد تحقّقنا أنه من سلالة الحسن بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام» [1]. كان نقيبًا للأشراف في مصر قبل مجيء الحملة الفرنسيّة، ممّا أعطاه مكانة كبيرة بين الناس، فلما جاء الفرنسيون ظهرت شخصيته الكبيرة ونفسيته القويمة بما دعا الشعب إليه من التطوّع للقتال وما بثّه في نفوس الجماهير من روح المقاومة، لعب دورًا كبيرًا في المقاومة قبل سقوط القاهرة، نادى بالنفير العام وحثّ الناس على الخروج الناس بالمتاريس استعدادًا للمقاومة، وسار في مقدمة الثوّار من بولاق حتى إمبابة، حيث وقعت الواقعة المسمّاة بواقعة الأهرام، فكان في طليعة المتطوّعين للقتال المدافعين عن القاهرة في وجه الاحتلال الفرنسي، ولمّا وقعت الهزيمة في معركة الأهرام لم يرض البقاء في القاهرة بعد أن أصبحت تحت رحمة الغزاة، ولم تلن قناته لهم على الرغم من أنهم اختاروه لعضوية الديوان الأول، فرفض العضوية وهاجر إلى سوريا، وآثر الهجرة والنفي وشظف العيش إباءً للضيم ونفورًا من الذلّ، وترك في مصر أمواله وأملاكه عرضة للنهب والمصادرة. أعاده الفرنسيون مكرمًا إلى مصر بعد احتلالهم يافا، فاعتزل الفرنسيين، ولو اتصل بهم لأغدقوا عليه النعم والعطايا، لكنَّه أَبى، ولما كانت ثورة القاهرة الثانية كان من زعمائها، ولما أخمد الفرنسيون تلك الثورة هاجر من مصر ثانية وعاد إليها بعد جلاء الفرنسيين[2].

ثم أتى الشيخ محمّد السادات -الذي سبقت الإشارة إليه- في المرتبة نفسها مع السيد عمر مكرم؛ إذ إنّه كان سليل بيت السادات العريق في المجد وشرف المحتِد، تربّى في مهاد العزّ والنعمة، وتلقّى العلوم الشرعية واللغوية على شيوخ الأزهر، فوصل في العلم والثقافة إلى ما وصل إليه علماء العصر، وجمع بين العلم وشرف النسب. كان جريئًا في الحق لا يهاب من بيده سلطة الحكم، جاهد الفرنسيّين خير جهاد، اختاروه لعضوية

(368)

الديوان فرفض العضوية، تزعّم ثورة القاهرة الأولى، وقامت عليه البيّنات بذلك، ولكن نابليون رأى أن محاكمته تجعله شهيدًا في نظر الشعب وأن الضرر من قتله أكثر من نفعه، فأبقى عليه. وكان من زعماء ثورة القاهرة الثانية مما جعله ينال من التعذيب والتنكيل والإذلال ما أشرنا إليه سابقًا.

كما يأتي ذكر الشيخ عبد الله الشرقاوي المولود بقرية الطويلة بإقليم الشرقية الذي حفظ القرآن في قريته، وطلب العلم بالأزهر، وانتظم في سلك العلماء المعدودين حتى شغل أرفع المناصب العلميّة والدينية، وهو منصب شيخ الأزهر سنة 1208م، فعظمت منزلته، وأكسبته المشيخة نفوذًا كبيرًا ومكانة عظمى في كافة ربوع البلاد؛ لأن شيخ الأزهر يُنظر إليه بوصفه كبير علماء العصر. ولمّا جاء الفرنسيون إلى مصر تولّى رئاسة الديوان الذي تأسّس في أوّل عهد الحملة، ثم تولّى رئاسة الديوان العام، ثم تولّى رئاسة الديوان العمومي والديوان الخصوصي اللذين أنشأهما نابليون في ديسمبر سنة 1798، ثمّ كان رئيسًا للديوان الذي تأسّس في عهد الجنرال مينو، وقد كان الوحيد الذي جمع بين رئاسة الديوان ومشيخة الأزهر، ورغم أنه لم يكن صداميًّا إلّا أنه قد كان له مع الفرنسيّين شأن طويل، فقد غضبوا عليه ثلاث مرات؛ الأولى في عهد نابليون حينما رفض أن يرتدي طيلسان الجمهورية المثلّث الألوان ورمى به إلى الأرض، فغضب عليه نابليون وقال إنه لا يصلح لرئاسة الديوان. والثانية في عهد الجنرال مينو؛ إذ ارتاب الفرنسيون في موقفه بعد مقتل كليبر؛ لأنَّ قاتله كان يبيت في الأزهر ويقيم فيه، فأحضره الفرنسيون رفقة الشيخ أحمد العريشي قاضي مصر وحجزوهما إلى منتصف الليل، وألزموهما البحث عن الأزهريين الأربعة الذين ذكرهم سليمان الحلبي في اعترافه وأمر بإحضارهم. والثالثة كانت في عهد مينو أيضًا إذ تم حبسه مع مجموعة من العلماء في القلعة مئة يوم خوفًا من تحريضهم أهل البلاد على الفرنسيين الذي داهمهم جنود الحلفاء من الأتراك والإنجليز، وتمّ الإفراج عنه مع بقية المعتقلين بعد جلاء الفرنسيّين عن مصر[1]. كما أنه شارك السيِّد

(369)

عمر مكرم في مجلس الحرب الذي عُقد ببيت القاضي لمناقشة كيفية التصدي لحملة فريرز الإنجليزيّة على مصر عام 1807م[1].

كم كان الشيخ سليمان الفيومي من أصحاب المواقف المشهودة في جهاد الفرنسيين. وُلِد الشيخ بالفيوم وحضر إلى القاهرة وحفظ القرآن وتلقى العلوم بالأزهر، واشتهر بقضاء حوائج الناس، فكان الناس يلجؤون إليه لرفع المظالم وقضاء الحاجات فلا يبخل على أحد بجاهه وسعيه، فكان وافر الحرمة شهير الذكر، بعيد الصيت، مرعيَّ الجانب، مقبول القول عند الأكابر والصغائر. ومن مواقفه التي يخلّدها له التاريخ أنَّه حينما جاء الفرنسيون على مصر وطردوا المماليك خرج نساؤهم من بيوتهم وذهبن إليه أفواجًا لاجئات إليه، فامتلأت بهن داره وما حولها من الدور، فحماهنّ وتصدّى للدفاع عنهنّ أمام الفرنسيين[2]. كما ساند ثورة أمير الحج مصطفى بك نائب الوالي التركي القديم بالشرقية، الذي دعا إلى الثورة في كافة أنحاء البلاد، وأخذ الشيخ الفيومي في الطواف مع مصطفى بك كافة أنحاء البلاد لإثارة الفلّاحين ضد الفرنسيين الغزاة. كتب عنه الجنرال دوجا في رسالة إلى نابليون أن طوافه مع أمير الحج كان من أسباب استفحال الثورة لما له من المكانة بين الناس، وقد رجع إلى القاهرة بعد إخماد ثورة أمير الحج ووُضع تحت المراقبة[3]. وفي أواخر أيّام الحملة الفرنسيّة اعتُقل في القلعة حين وردت أنباء الحملة الإنجليزيّة العثمانية، ولم يلبث قليلًا حتى أفرجوا عنه [4].

كما لا يمكن إغفال دور الشيخ محمّد المهدي بوصفه واحدًا من أهم العلماء الذين كان لهم دور مشهود في مقاومة المحتل الفرنسي، وهو عالم من كبار العلماء، اشتُهر بسعة العلم وحدة الذكاء، تردّد اسمه كثيرًا في مذكّرات نابليون وقوّاد جيشه في معظم المراجع الفرنسيّة؛ مما يعبّر عن دوره البارز في معظم الأحداث التي حدثت في مصر أثناء

(370)

الحملة الفرنسيّة؛ إذ دافع عن سكان القاهرة عندما راجت الإشاعات بأنهم عاملون على إثارة الفتنة، إذ استدعاه الجنرال دوجا وكلَّمه في هذا الصدد فحاجَّه المهدي، ونفى التهمة عن المصريّين، وانعقد الديوان في اليوم التالي، وكذّب المهدي أقوال الوشاة، ودافع عن سكّان العاصمة وكفاهم انتقامًا وشيكًا. كما تمّ اعتقاله بالقلعة ضمن من اعتقلوهم من أعضاء الديوان في أواخر عهد الحملة. ويشارك الشيخ المهدي المكانة نفسها الشيخ مصطفى الصاوي، وهو من كبار العلماء المشار إليهم بالبنان، وكان مرشّحًا لمشيخة الجامع الأزهر بعد وفاة الشيخ العروسي، وزاحم فيها الشيخ الشرقاوي، فهو إذن قرين الشيخ الشرقاوي وندّه في العلم والمكانة، كان أحد أعضاء الديوان، ورغم ذلك شارك في ثورة القاهرة الثانية، وكان له فيها دور بارز؛ لذلك اضطهده الفرنسيّون بعد إخماد الثورة، وخصُّوه بجزء من الغرامة التي فرضوها على سكان القاهرة، واعتقلوه حتى سدّد ما فُرض عليه، وكان نصيبه في الغرامة خمسين ألف ريال، واعتقلوه للمرّة الثانية في مارس 1801م بعد وصول الحملة الإنجليزيّة العثمانيّة[1] حتّى لا يؤلّب الجماهير على الثورة ضدّ الفرنسيين.

وهكذا وقف علماء الدين من الأزهريين مواقف مشهودة ضد المستعمر الفرنسي، فلقيَ بعضهم حتفه، وتحمّل البعض الآخر كافة أنواع الأذى من نفي وحبس وتعذيب ومصادرة الأموال والأملاك، لكن كل ذلك لم يفتّ في عضدهم، وصمدوا حتى النهاية، حتى شاهدوا المستعمر الفرنسي يرحل عن بلادهم مهزومًا مدحورًا عقب مجيئه بثلاث سنوات فقط قضاها في مصر لم يذق فيها طعم الراحة، ولم يحقّق أيًّا من أهدافه التي جاء من أجلها.

(371)

ثانيًا: دور علماء الدين في موجهة الاستعمار الإنجليزي

  لعب علماء الدين دورًا كبيرًا في مقاومة المحتل الإنجليزي، كما كان شأنهم في مقاومة المحتلّ الفرنسي، بل إنّهم لعبوا الدور الأبرز في الأحداث الجسام التي قام بها الشعب المصري ضدّ الاحتلال الإنجليزي، وهي: مقاومة دخول المحتلّ الإنجليزي لمصر عسكريًا، وفي ثورة 1919، وأثناء ثورة 23 يوليو 1952م. وسوف نعرض فيما يلي بشيء من التفصيل دور رجال الدين في مقاومة المستعمر الإنجليزي الذي احتلّ البلاد أكثر من سبعين عامًا؛ إذ فطن المستعمر الإنجليزي منذ مجيء الحملة الفرنسيّة إلى مصر إلى أهمية موقع مصر الجغرافي للمواصلات والتجارة العالمية، وزادت الأهمية بعد افتتاح قناة السويس للملاحة العالمية عام 1869م. وبعد وقوع الخديوي إسماعيل في فخّ الديون التي استدانها من إنجلترا وفرنسا وعجز عن سدادها، والتي كانت سببًا مباشرًا لتدخّل الدولتين السافر في شؤون مصر، الأمر الذي جعل إنجلترا تشتري أسهم مصر في قناة السويس والبالغة نصف الأسهم متذرعة بعدم قدرة مصر على سداد الديون، ومن ثم بدأت الهيمنة الإنجليزيّة على مصر تدريجيًّا حتى تمّ الاحتلال العسكري الرسمي في سبتمبر 1882م.

1.  دور علماء الدين في مواجهة العدوان العسكري الإنجليزي

عندما خرج أحمد عرابي لملاقاة المحتلّ الإنجليزي أعلن الخديوي توفيق الموالي للإنجليز عزل عرابي من منصبه، لكن المجلس العرفي، المكوّن من جميع طوائف الأمّة وعلى رأسها علماء الدين، قرر بقاءه، واكتسب عرابي تأييدًا شعبيًا جارفًا، وأُطلق عليه «حامي حمى الديار المصريّة». وكان من أشهر هؤلاء العلماء الذين وقفوا هذا الموقف الجريء الشجاع: الشيخ محمّد الإنبابي شيخ الجامع الأزهر الذي أفتى بعدم صلاحية الخديوي توفيق للحكم، بعد أن باع مصر للأجانب، مناصرًا بذلك عرابي ورفاقه[1]، وكذلك

(372)

الشيخ حسن العدوي، مفتي المالكية، والشيخ عبد الهادي الإبياري، والشيخ محمّد الأشموني، والشيخ خليل العزازي، والشيخ عبد القادر الرافعي عضو المحكمة الشرعيّة، والشيخ عبد الله الدرستاني مفتي ضبطية مصر، والشيخ مسعود النابلسي، والشيخ محمّد القلماوي، والشيخ زين المرصفي، والشيخ أحمد الخشاب قاضي مديرية الجيزة، والشيخ أبو العلا الخلفاوي، والشيخ سليم عمر القلعاوي، والسيد عبد الباقي البكري نقيب الأشراف، والشيخ عثمان مدوخ[1]. ولم يتوقّف العلماء عند ذلك الحد، بل عقدوا الاجتماعات وألقوا الخطب ونظموا القصائد الحماسية التي ألهبت حماس الجماهير لجهاد المحتلّ الغازي؛ فقال الشيخ محمّد أبو الفضل في الخطبة التي ألقاها في جامع الحنفي بالقاهرة: «قد تميّز الغث من الثمين، واستبان أن الإنجليز جاءوا محاربين يريدون -لا أمكنهم الله- سلب الأموال وهتك الحرم، وقد جاءوا بمكر وخداع يصطادون بشباكهم الأوطان من غير قتال أو دفاع، كما هو ديدنهم القبيح في كل إقليم، فيقظ لذلك العقلاء والشجعان وذبّوا عن الأعراض والأوطان»، ونظّم الشيخ السيِّد المرصفي قصيدة كان مطلعها:

  يا صاح قم واشكر إلهك وأحمد     فالدين منصور على يد أحمد

إلى غير ذلك من خطب وقصائد لا يتّسع المقام لحصرها أو ذكرها[2]. وقد ذهب الشيخ عليش إلى خط النار في كفر الدوار وقام في طائفة من العلماء ومشايخ الطرق يدعو الله للثوار بالنصر على الأعداء ويشدّ من أزرهم، وكان من أشهر المشايخ الذين رافقوا الشيخ عليش إلى خط النار: الشيخ حسن العدوي، والشيخ أحمد البصري، والشيخ أحمد مروان.

وبعد هزيمة الجيش المصري قي 13 سبتمبر 1882م لأسباب شتّى، تمّ إلقاء القبض على أحمد عرابي قائد الجيش المصري، وحُكم عليه بالإعدام، ثم خُفّف الحكم ليتم

(373)

نفيه هو ورفاقه (علي فهمي وعبد العال حلمي ومحمود سامي البارودي وطلبة عصمت ومحمود فهمي ويعقوب سامي) إلى جزيرة سيلان[1]. وهنا أسفر الخديوي توفيق عن وجهه الخائن بالارتماء في أحضان الغزاة، فكان لا بدّ من معاقبة العلماء الذين تعاونوا مع العرابيين؛ فنُفي الشيخ عليش إلى الآستانة، والشيخ محمّد الهجرسي إلى مكة المكرمة، والشيخ يوسف شرابة إلى غزة، والشيخ محمّد عبده إلى بيروت، ورافقه منفيًا إلى بيروت كل من: الشيخ أحمد عبد الجواد القاياتي، والشيخ عبد القادر، والشيخ محمّد عبد الجواد، والشيخ أمين أبو يوسف. كما تمّ تجريد عدد كبير من المشايخ من ألقابهم[2]. ومع لجوء بعض المشايخ إلى المهادنة مع الخديوي خوفًا من سيفه أو طمعًا في ذهبه، إلّا أن أكثر المشايخ من العلماء الحقيقيّين، ظلّوا على موقفهم المعادي للسلطة العميلة: مثل الشيخ حسن العدوي الذي أعلن أمام لجنة التحقيق أنه على استعداد (الآن) للتوقيع على فتوى عزل الخديوي؛ لأنه خرج عن الدين والوطن[3]. كذلك الشيخ محمّد خليل الهجرسي الذي كان منفيًا إلى الحجاز، ولمّا انتهت مدّة نفيه أرسلت إليه الحكومة إذنًا بالعودة إلى وطنه، فرفض أن يعود «حتى يعود عرابي، وحتى يموت توفيق أو يتنحّى عن عرشه»[4].

كما أصدر الشيخ محمّد عبده جريدة «العروة الوثقى» بعد خروجه من منفاه ورحيله إلى باريس مع جمال الدين الأفغاني في مارس (1301/ 1884م) وكانت أوّل صحيفة قاومت الاحتلال مقاومة جمعت بين الروح الثوريّة وبلاغة العبارة، والسخط على السياسة الاستعماريّة البريطانيّة، وكانت تعمل على بعث روح الأمل والجهاد في النفوس، وهي مجلّة أسبوعيّة، سُميت بالعروة الوثقى باسم الجمعيّة التي كانت تتولّى الإنفاق عليها، وقد ظهر العدد الأول منها في 3 مارس 1884م، وكان غرضها الأساسي إنارة الرأي العام؛

(374)

لذا أصدر مجلس الوزراء قرارًا بمنع دخولها مصر، وذلك بعد أن انعقد مجلس النظّار المصري في القاهرة، ثم أصدر أمره إلى نظارة الداخلية المصريّة قاضيًا بأن تتشدّد في منع هذه الجريدة من دخول الأقطار المصريّة، ومن توجد عنده نسخة منها يغرّم بمبلغ من خمسة جنيهات مصريّة إلى خمسة وعشرين جنيهًا، ذلك أنّ كلّ عدد منها كما ذكر السيد رشيد كسلك الكهرباء الذي إذا اتصل بالجسد أحدث الهزة والانفعال والحرارة والاشتعال[1].

2. دور علماء الدين في ثورة مارس 1919م

يعدّ المؤرّخون ثورة 1919 قمّة الثورات الوطنيّة المصريّة؛ إذ خرجت جميع طوائف الشعب للمشاركة فيها كبارًا وصغارًا، مسلمين ومسيحيّين، تجّارًا وصنّاعًا ومزارعين، سكان القاهرة مع سكان الأقاليم، وشاركت المرأة المصريّة بدور بارز في هذه الثورة لأول مرّة. لكن يبقى دور علماء الدين هو الدور الأبرز؛ فقائد هذه الثورة هو الزعيم سعد زغلول، واحد من علماء الأزهر الذين تعلّموا وتخرّجوا فيه، كما «تصدّرت الطبقة المثقّفة النضال وقادته منذ البداية، وانبثّ أفرادها بين العمّال في المدن، والفلّاحين في القرى، يوقظون الوعي والشعور وينظّمون الصفوف»[2]. وكان الأزهر هو المكان الفسيح -كما يقول عبد الرحمن الرافعي- الذي لم تستطع السلطة العسكريّة اقتحامه ومنع الاجتماعات فيه بسبب مكانته ومنزلته الدينيّة، ولهذا أصبح محفلًا عامًا للخطابة يتبارى فيه الخطباء من كل الطبقات، ويقف على منبره القس المسيحي إلى جانب العالم المسلم. وظهر خطباء للثورة عرفوا بمواهبهم الخطابيّة التي تسترعي الأسماع من أمثال الأستاذ يوسف الجندي والدكتور زكي مبارك والدكتور محجوب ثابت، والشيخ مصطفى القاياتي والشيخ محمود أبو العيون[3].

(375)

كما يشير الرافعي إلى دور علماء الدين من الأزهريين في ثورة 1919، فيقول: «كان الأزهريون في مقدمة صفوف المتظاهرين، ومن أكثر الطلبة جرأة وحماسة وتضحية، ومن أشدّ العاملين على بثّ روح الثورة والاضطراب في طبقات الشعب، وكثيرًا ما كانت المظاهرات تبدأ من الأزهر، هذا إلى أنّ الاجتماعات العامّة كانت تعقد فيه غالبًا، فكان يموج كل مساء بالألوف المؤلَّفة لسماع الخطب النارية والقصائد الحماسية التي تُلقى فيه ضدّ الاحتلال والحماية»[1]. لذلك تمركزت الدوريات الإنجليزيّة أمام أبواب الأزهر، لكي تمنع خروج المظاهرات من داخله، فرابطت أمامه مدجّجة بالسلاح والمدافع الرشاشة، ولكن هذه الوسائل لم ترهب طلابه ومشايخه، وقد حدث أن هجم أحد الطلبة على أحد المدافع الرشاشة واختطفه من أيدي الجنود وسار به نحو زملائه عند أبواب المسجد، فألهبَ الحماسة في نفوسهم، ولكن الجند أدركوه واستردّوه منه، وقتلوه رميًا بالرصاص، فكان هذا العمل في ذاته جرأة منقطعة النظير[2]. كما رفض الشيخ محمّد أبو الفضل الجيزاوي شيخ الأزهر في ذلك الوقت الاستجابة لطلب الإنجليز بإغلاق الجامع الأزهر[3].

وفي يوم 12 من مارس كان أوّل تعرض مسلح من الجنود البريطانيّين لطلبة الأزهر، وكان أول الشهداء من طلبة الأزهر. وفي يوم 13 من مارس ظهر الأزهريون في قيادة مظاهرة المسجد الحسيني بعد صلاة الجمعة التي أطلقت المدرّعات البريطانية عليها النار وقتلت منهم 12 شخصًا!! وكان العلماء وطلبة الأزهر في مطلع المظاهرة الكبرى في 17 مارس. وكان علماء الأزهر في مقدمة العناصر التي يستشيرها الوفد في خطواته، مثلما حدث قبل تقديم تقرير الوفد إلى المارشال (اللنبي) في 26 من مارس، إذ استشار فيه علماء الأزهر، وبطريرك الأقباط، وبعض الوزراء، والنواب. وفي أول أبريل اشتدّت ثورة الأزهر وكثرت اجتماعاته، حتى لجأت السلطة العسكرية في مخاطبة شيخ الأزهر

(376)

في إغلاقه دفعة واحدة، أو الاكتفاء بإغلاقه في غير أوقات الصلاة، فأبى! وفي يوم ١٧ من مارس سارت مظاهرة في القاهرة ضمّت نحو ١٠ آلاف شخص بقيادة طلبة الأزهر[1]. وهكذا سجل علماء الدين من رجال الأزهر أروع الأمثلة في المقاومة الباسلة ضد المستعمر الإنجليزي في ثورة مارس 1919م.

3. دور علماء الدين في ثورة يوليو 1952م

رغم إعلان تصريح 28 فبراير 1922م الذي صرّحت فيه بريطانيا بانتهاء الحماية البريطانيّة على مصر، وأن مصر أصبحت دولة مستقلّة ذات سيادة مع تحفّظات أربعة يمكن بيانها في الآتي: الأول: حقّ بريطانيا في تأمين مواصلات الإمبراطوريّة البريطانيّة في مصر؛ وذلك لتبرير وجود جيش احتلال إنجليزي في مصر. الثاني: حقّها في الدفاع عن مصر؛ وذلك لتبرير منع تكوين جيش مصري قويّ. الثالث: حقّ بريطانيا في حماية المصالح الأجنبيّة في مصر وحماية الأقليات؛ وذلك لتبرير تدخّلها في الشؤون الداخلية المصريّة. الرابع: حقها في التصرّف في السودان[2].

لذلك كان استقلال 1922م استقلالًا مبتورًا، فكان لزامًا على الشعب استمرار النضال والكفاح من أجل الاستقلال التام، وكان ذلك يستدعي تثقيف الشعب وتبصيره بما يدور من حوله، وكانت هذه المهمة تقع على عاتق الشيوخ والمثقفين، وكان لا بدّ من التدبير والتخطيط لهذا، وفي هذه الثورة لعب الشيوخ والعلماء دورًا مزدوجًا؛ إذ كانوا همزة الوصل بين الجيش ورجالات من الشباب المتمرّد على الظلم والأحكام العرفية في البلاد وبين الثوار وبين أفراد الشعب ليقنعهم بكفاءة هؤلاء الضبّاط الأحرار المحبين لوطنهم الرافضين للذلّ والهوان، فكان التحام الشعب مع الجيش في ثورة 23 يوليو 1952م للخلاص من الملك وأعوانه ومن الاحتلال والاستعمار وآثامه وللحصول على الاستقلال التام[3].

فثورة 23 يوليو هي ثورة على الأوضاع الاستعماريّة وفساد الحكم، هي ثورة تحريرية

(377)

قامت لتحقيق الجلاء وتحرير البلاد من ربقة الاستعمار، ولتطهير أداة الحكم من الفساد؛ فالاحتلال والاستعمار، ومساوئ حكم الملك فاروق، كانت البواعث السياسيّة على ثورة يوليو، وأهدافها السياسيّة منذ الساعة الأولى هي التحرّر من الاحتلال والاستعمار، وإسقاط حكم فاروق معًا[1].

ومن البواعث الأساسيّة لقيام ثورة يوليو ما رآه الضبّاط الأحرار أو طالعوه من ماضي الأمّة في الجهاد، والثورات الشعبية التي قامت من قبل ضد الاحتلال الأجنبي والاستبداد الداخلي، فإن صفحات الماضي قد غرست في نفوسهم روح الكفاح الوطني من أجل الحرّيّة والاستقلال، وانطبعت في أذهانهم ثورات الشعب على الفرنسيّين، ثم ثوراته على المماليك والأتراك، ثمّ الثورة العرابيّة، فالثورة الوطنيّة على الاحتلال، فثورة سنة 1919، واستمرار روح الثورة، إلى الكفاح في القناة سنة 1951م[2]. ومن ثم كان عامل الوعي هو أهم العوامل التي عمل على تنميتها علماء الدين في ذلك الوقت والتي آتت أُكلها بشكل رائع في وقت محدود.

فقامت مجموعة من العلماء بإصدار بيان دعوا فيه إلى الجهاد ضدّ إسرائيل بعد صدور قرار تقسيم فلسطين سنة 1947م، ومحاربة من يقف وراء إسرائيل. كما قام الشيخ الإمام عبد المجيد سليم شيخ الأزهر في الفترة بين (1950-1952م) بالاعتراض على فساد الملك فاروق الأول قائلًا عبارته الشهيرة «تقتير هنا وإسراف هناك» في إشارة إلى بذخ الملك فاروق وتبذيره الأموال الكثيرة على ملذّاته الشخصيّة وتقتيره على الشعب[3].

 وبعد قيام الثورة ناصرها الشيوخ والعلماء وعلى رأسهم الشيخ محمّد الخضر حسين، شيخ الأزهر في الفترة ما بين (1952-1954م)، الذي بادر بدعوة الرئيس محمّد نجيب لزيارة الأزهر ليشهد مبايعة شيخه وعلمائه وطلابه في مبايعة خاصّة[4]، وقام الشيخ محمّد

(378)

الخضر حسين بوصف الثورة بأنّها «أعظم انقلاب اجتماعي مرّ بمصر منذ قرون»[1]. وكان محقًّا في ذلك إلى حدّ كبير؛ حيث تحقّق بفضلها جلاء المستعمر الأجنبي عن أرض مصر، وانتهجت الجمهوريّة الجديدة سياسة الحياد وعدم الانحياز في الشؤون الخارجيّة، والبعد عن الأحلاف العسكريّة الاستعماريّة، وعملت على تقوية الجيش وتسليحه، وتأميم قناة السويس، وبعث القومية العربيّة، وتحقيق العدالة الاجتماعيّة بإصدار جملة من القوانين كان أهمها قانون الإصلاح الزراعي الذي حدّد ملكيّة الفرد كحد أقصى بمئتي فدان، فقضى بذلك على الإقطاع والإقطاعيين، كذلك كان الاهتمام بالتعليم، والصحّة، والصناعة، والزراعة، والاقتصاد الوطني واضحًا بشكل بارز على طاولة الاهتمامات الحكومية لرجال الثورة.

كما ألقى الشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الجامع الأزهر عام 1954م، خطبة عصماء يحتفي بها بالثورة المصريّة في عيدها، قال فيها: «واليوم نحتفي بثاني العيدين الوطنيين، ولكنه في الحقيقة أوّلهما بحسب الترتيب الواقعي، هو عيد الثورة، التي انفجرت بها الوطنيّة المكبوتة والتي هبّ بها أحرار الشعب من رجال الجيش، بقيادة البطل الماهر، الزعيم الأمين جمال عبد الناصر، في 23 يولية سنة 1952م»[2]. وفرّق الشيخ محمّد عرفة عضو جماعة كبار العلماء ومدير مجلة الأزهر حينذاك، بين عهدين: عهد ما قبل الثورة، وعهد الثورة وما بعدها في مقالته: «عهدان» بقوله: «أمَّا أحدهما فليل بهيم، وأمَّا ثانيهما فصبح منير»[3]. ثم أتبعه بمقال آخر بعنوان «بماذا نبدأ؟» واصل فيه تأييده للثورة وأوضح مهامها في الإصلاح الشامل وما ينبغي عليها أن تبدأ به. ثم كان المقال الشهير للعالم الجليل محب الدين الخطيب رئيس تحرير «مجلة الأزهر» تحت عنوان: «حقائق»؛ ذهب فيه إلى القول: «تدارك الله كنانته برجال قويت نفوسهم بسلاح الأخلاق، واطمأنت

(379)

قلوبهم لقواعد الدين، فحملهم ذلك على المغامرة بتجريد سلاح الأمة لإنقاذها من الغش المخزي والرياء المخجل، وحاولوا انتشال هذا الوطن المسكين -المظلوم من فراعنته، المهضوم الحق من أقويائه وأذكيائه- فاجتثوا شجرة الغش والرياء وألقوا بها في عرض البحر لتقذف بها أمواجه في بقاع أخرى إلى غير رجعة. وكان ذلك إيذانًا من الله بتحويل دفّة السفينة المصريّة وشراعها عن اتجاههما الخاطئ إلى الوجهة السليمة»[1].

وكتب الشيخ محمّد محمّد خليفة من علماء الأزهر الشريف مناصرًا للثورة مقاله الأشهر «وانتصرنا على الخوف»، الذي جاء فيه: «لقد صنعت سياسة الاستعمار من بعض الملوك أشباه أرباب، وسيقت إليهم نفوس المستذلّين قرابين تُستحلّ دماؤها وتستباح أرواحها، ونصبت سياسة الاستعمار حول هؤلاء الملوك سياجًا يستمدّ قوته من سلطان المستعمر، ويحمي سيادته الجوفاء حديد المستعمر وناره، وجعلت سياسة الاستعمار تصوّر هؤلاء الملوك معابد نسجت لها من الرهبة الزائفة قدسية، وساقت إليها الشعوب تتمسّح بالأعتاب، وطالما تمسّح بأعتاب المستعمر صاحب الأعتاب حتى دوّى النفير وصاح النذير: لا استعمار، ولا صنيعة بيننا للاستعمار، تحرّرنا من التضليل، وانتصرنا على الخوف»[2].

وكتب الشيخ عبد اللطيف السبكي عضو جماعة كبار العلماء مقالًا يناصر فيها الثورة ويباركها، جاء فيه: «مصر -بطبيعتها، وبتديّنها، وبأزهرها، وبأصالة الخلق الديني فيها- ليست مستعدّة للانسلاخ عن مقوّماتها، والتي أبرزت شخصيّتها منذ القدم بين جاراتها وغير جاراتها من الدول. فكيف وقد تولّى قيادتها وأمورها أناس من أبنائها لحمًا ودمًا، ومن أسرها المحافظة الكريمة، ومن نبغائها الذين ادّخرهم القدر لهذه الساعات المرموقة وللحياة المرجوّة التي تعثّرت مصر في الطريق إليها عثرات مدميات، ثم لم تيأس حتى آلت القوس إلى باريها»[3].

كذلك يمكننا الإشارة إلى موقف بعض علماء الدين الذين انضووا تحت رايات

(380)

الحركات الإسلاميّة، وكان أشهرها على الإطلاق في ذلك الوقت، جماعة الإخوان المسلمين، حيث إنهم وقفوا موقفًا إيجابيًّا من الثورة في البداية، وإن كان قد تغيّر الموقف بعد ذلك إلى صراع مع مجلس قيادة الثورة لرغبة الإخوان في القيام بالوصاية على الثورة. إلّا أنّ موقفهم في البداية كان لصالح الثورة، وهذا ما يؤكّده كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة وأحد نواب رئيس الجمهورية؛ حيث ذكر الرجل أن الإخوان المسلمين كانوا على علم بموعد الثورة قبل قيامها، وأنه قد اتصل في 20 يوليو 1952م هو وجمال عبد الناصر بالإخوان بمنزل صالح أبو رقيق الموظف بالجامعة العربيّة؛ حيث أطلعوا الإخوان على تفاصيل الحركة. وأن الإخوان كان لهم متطوعون على طريق السويس لاحتمال تحرّش قوات الإنجليز بالثورة، وأن أعدادًا منهم كانت تقوم على حراسة المنشآت العامّة والمرافق أثناء الثورة[1]. وهو الأمر الذي أكّده بيان المرشد العام لجماعة الإخوان بوادي النيل والذي نشرته جريدة الأهرام في 28 يوليو 1952م في صفحته السادسة حيث أوردت تحت عنوان: «الإخوان يؤيّدون الجيش ويؤازرونه ويدعون إلى حماية نهضته الصادقة»[2]. وقد جاء في مقدمة هذا البيان ما يدل دلالة واضحة على تأييد الإخوان للثورة، من قول المرشد العام: «في الوقت الذي تستقبل فيه البلاد فيه مرحلة حاسمة من تاريخها بفضل هذه الحركة المباركة التي قام بها جيش مصر العظيم، أهيب بالإخوان المسلمين في أنحاء الوادي أن يستشعروا ما يلقي عليهم الوطن من تبعات كبيرة في إقرار الأمن وإشاعة الطمأنينة وأخذ السبيل على الناكصين ودعاة الفتنة، ووقاية النهضة من أن تمسّ روعتها وجلالها بأقلّ أذى أو تشويه»[3].

وهكذا وقف علماء مصر ومشايخها مع ثورة 23 يوليو 1952م؛ لأنهم رأوا في هذه الثورة خلاص مصر من الاستعمار بكافة صوره؛ خلاصًا من الاستعمار الإنجليزي العسكري

(381)

الذي بدأ في سبتمبر 1882م في عهد الخديوي توفيق، وخلاصًا من الاستعمار والغزو الفكري والثقافي، والاحتلال الاقتصادي والاجتماعي، الذي سبق الاحتلال العسكري بنحو عشرين عامًا؛ حيث تمكّن من أوصال البلاد من خلال «الامتيازات الأجنبيّة» في عهد الخديوي إسماعيل (1239-1863م)، حينما أقنعوه أن التقدّم لا يأتي إلا من ناحية أوروبا، فَحَلِمَ بأن تصبح مصر قطعة من أوروبا، حتى أغرقوه في الديون، ومات مخلوعًا ذليلًا. وهذا جزاء من يؤمن بأنّه يمكن أن يتعاون الذئب مع الحمل. كما رأى علماء الدين في ثورة 23 يوليو خلاصًا من عملاء الاستعمار وأعوانه ممثّلين في الملك وحاشيته وأعوانه ممن تعاونوا مع المستعمر الأجنبي.

(382)

  خاتمة

وهكذا انتهى بحث موضوع «دور علماء الدين في مواجهة الاستعمار الفرنسي والإنجليزي» إلى مجموعة من النتائج المهمّة، كان من أهمها ما يلي:

  أوّلًا: إن علماء الدين في مصر جاء جُلّهم عبر مؤسسة واحدة هي مؤسّسة الأزهر الشريف الذي كان بمثابة جامع ومدرسة وجامعة تخرج فيها علماء الدين في مصر وفي كثير من البلاد الإسلاميّة. فكان من الطبيعي أن يتشرّب علماؤه وطلابه مبادئه التي أرساها ودشّنها مشايخ الأزهر الكبار على مرّ التاريخ، وما اتّسموا به على مر العصور من عزّة وشموخ وإباء؛ إذ لم يرضوا يومًا بالظلم، ولم يهادنوا ظالم أو مستعمر، بل كانوا -دائمًا- صوتًا صداحًا بالحق لا يخشى في الله لومة لائم. ويتّفق هذا الدور الجهاديّ لعلماء الدين مع قواعد الدين الإسلاميّ ومبادئه؛ فالإسلام يدعو إلى الجهاد، بل يجعله ذروة سنامه، كما يدعو إلى الحرّيّة ويقدّسها، ويمقت الذين يختارون الضعف والعبودية ويستسلمون للذلّ والهوان.

  ثانيًا: إنّ دور علماء الدين في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر مرورًا بالقرن العشرين لم يقف عند حدود الإفتاء في أمور الدين وقضاياه الشائكة أو تعليم علوم القرآن والحديث والسيرة والفقه وغيرها من علوم الدين، وهو بلا شك شأن عظيم ومهمّة جليلة، وإنّما تعدّى ذلك؛ إذ التحموا بهموم الناس ومشاكلهم وقضاياهم، والتي كان على رأسها مناهضة الاستعمار والثورة عليه؛ فحملوا همَّ الأوطان فوق أكتافهم ودافعوا عنها بكل ما أوتوا من قوة، ولم يبخلوا بالنفس والمال والأهل والولد، بل بذلوا كل غالٍ ونفيس من أجل تحرير البلاد من الاستعمار وأعوانه، وقد ظهر ذلك جليًّا في مقاومتهم الباسلة ضدّ الاستعمار الفرنسي والإنجليزي على السواء.

  ثالثًا: إن الاستعمار لم يترك أرضنا إلّا مُرغمًا وأنفُه في التراب، بعد إن استنفذ قواه في إخضاع بلادنا، وبعد أن اقترف أبشع الجرائم وأحطّ الأفعال من قتل للأبرياء، واغتصاب المؤن والمتاع، وسرقة الأموال والكنوز، والآثار والنفائس العلميّة. وأنه لا يزال حتّى

(383)

يومنا هذا يحيك المؤامرات والمكائد التي ينصبها للشعوب العربيّة والإسلاميّة لسرقة أقواتها وأرزاقها، واغتصاب أموالها وأرزاقها، والقضاء على مقوِّماتها وكيانها وهويّتها.

  رابعًا: لم يكن الغزو الاستعماري الفرنسي أو الإنجليزي مقتصرًا على أساليبه العسكرية ومظاهره السياسيّة، كما يلوح لمن ينظر إليه في أول وهلة، وإنما كان غزوًا فكريًّا وثقافيًّا، واحتلالًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا، ثم بعد ذلك غزو عسكري واحتلال سياسي، لمواصلة الغزو الفكري والاحتلال الاجتماعي والاقتصادي. فالغزو الفكري والثقافي، والاحتلال الاجتماعي والاقتصادي هما الغرض الأوّل من الاستعمار، والغزو السياسي والعسكري وسيلة لهما في بعض الظروف، أو نتيجة من نتائجهما في ظروف أخرى، وهو الأمر الذي فطن إليه علماء الدين في مصر وتصدّوا له.

 خامسًا: كان أكثر ما فضحه علماء الدين من أمر الاستعمار والمستعمرين هو اختلاق المستعمرين لمزاعم لا أساس لها والترويج لها لتبرير الاحتلال والسيطرة الاستعماريّة؛ حيث ادّعى الفرنسيون أنّهم يحبّون الإسلام، وأنهم لم يأتوا مستعمرين وإنّما جاءوا لتأديب المماليك، وشابههم الإنجليز في ذلك؛ إذ ادَّعوا أنهم جاءوا لينقذوا مصر من التردّي الاقتصادي والحضاري، ونقلها إلى مصافّ العالم المتحضّر. وذلك لتعزيز الشرعيّة المزعومة للسلطة الاستعماريّة. كما تصدّى علماء الدين لمحاولة المستعمر تشجيع الشعور بالنقص الثقافي والدونيّة لدى السكّان المحلّيّين، ممّا يجعلهم أكثر قابلية للتأثير بالدعاية والتلاعب الإيديولوجيّ. كما تصدّى علماء الدين بقوّة لكلّ محاولات المستعمر في تحريف وتشويه الثقافات والهويّات المحلّيّة عبر فرض الثقافة الاستعماريّة وإزاحة الثقافات الإسلاميّة، وهو الأمر الذي لا يزال في حاجة إلى بحث وتقصّي ورصد للوقوف على حقيقة دور علماء الدين في جهاد المستعمرين في تاريخنا الحديث والمعاصر.

(384)

قائمة المصادر والمراجع

1.تاج، عبد الرحمن، عيد الثورة – 23 يوليو، مجلة الأزهر، المجلد (28).

2.لترك، نقولا يوسف، مذكرات نقولا الترك، نشر وترجمة وتعليق الأستاذ فيت، مطبعة المعهد الفرنسي للآثار الشرقية، القاهرة، 1950م.

3.الجبرتي، عبد الرحمن، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق: عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصريّة، 1998م.

4.حمروش، أحمد، شهود ثورة 23 يوليو، بيروت، 1977م.

5.الخطيب، محب الدين، حقائق، مجلة الأزهر، المجلد (25)، غرة جمادى الآخرة 1372- 15 فبراير 1953م.

6.خليفة، محمّد محمّد، وانتصرنا على الخوف...!، مجلة الأزهر، المجلد (29).

7.الرافعي، عبد الرحمن، تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر، القاهرة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 2021م.

8.الرافعي، عبد الرحمن، ثورة 1919 تاريخ مصر القومي من سنة 1914 إلى سنة 1921، القاهرة، دار المعارف، ط4، 1987م.

9.الرافعي، عبد الرحمن، مقدمات ثورة 23 يوليو سنة 1952، القاهرة، دار المعارف، ط3، 1987.

10.رمضان، عبد العظيم، تطور الحركة الوطنيّة في مصر 1918-1936، القاهرة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 1998م.

11.زهمول، إبراهيم، الإخوان المسلمون- أوراق تاريخية، بدون بيانات نشر، ص203.

12.سالم، لطيفة محمّد، التدخل الأجنبي والثورة الوطنيّة (1879-1882م)، فصل بكتاب: المرجع في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، تقديم ومراجعة يونان لبيب رزق، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2009.

13.السبكي، عبد اللطيف، موقف الثورة من الأزهر، مجلة الأزهر، المجلد (27).

(385)

14.سليمان، عبد الباسط محمّد أمين، الأزهر ومساندة الثورات في مصر ومقاومة الاستعمار، المؤتمر العلمي الدولي الثالث - دور الازهر في النهوض بعلوم اللّغة العربيّة وآدابها والفكر الإسلامي، كلية اللّغة العربيّة بالزقازيق - جامعة الأزهر، مج3، 2012.

15.الشرقاوي، عبد الله، تحفة الناظرين فيمن ولى مصر من الولاة والسلاطين، القاهرة، تحقيق وتعليق: رحاب عبد الحميد القاري، مكتبة مدبولي، 1996م.

16.الشلق، أحمد زكريا، الغزو الفرنسي لمصر وآثاره (1898-1801م)، فصل بكتاب: المرجع في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، تقديم ومراجعة يونان لبيب رزق، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2009م.

17. الشناوي، عبد العزيز محمّد، الأزهر جامعًا وجامعة، الجزء الثاني، القاهرة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 2013.

18.عاطف، مصطفى، الأزهر في مقاومة الاحتلال، مجلة الأزهر، مجمع البحوث الإسلاميّة بالقاهرة، جمادى الآخرة 1439هـ/ فبراير2018م.

19.عرفة، الشيخ محمّد، عهدان، مجلة الأزهر، المجلد (24).

20.علي، سعيد إسماعيل، دور الأزهر في السياسة المصريّة، القاهرة، كتاب الهلال، دار الهلال، العدد (431)، صفر 1407 - نوفمبر 1986م.

21.القوصي، عطية وآخرون، الحضارة الإسلاميّة وتاريخ العرب الحديث، القاهرة، طبعة وزارة التربية والتعليم، 2011/ 2012م.

22. محمّد، أشرف صالح، الأزهر الشريف والسلطة في مصر، مجلة الثقافة الجديدة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، العدد (283) أبريل 2014م.

23.مواريه، جوزيف ماري، مذكرات ضابط في الحملة الفرنسيّة على مصر، ترجمة: كاميليا صبحي، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2000م.

24.الهدهد، إبراهيم، علماء الأزهر وطلابه في مواجهة الاحتلال البريطاني (1882-1919م)، مجمع البحوث الإسلاميّة بالقاهرة، صفر 1439هـ/ نوفمبر2017م.

(386)

جهود الأدباء والشعراء

في مواجهة الاستعمار

محمّد دياب غزاوي[1]

تمهيد

كان الأدب ولا يزال المعبِّر الحقيقي عن الحياة وما فيها من آمال وآلام، وأفكار وتخيّلات، بل هو التعبير الأكثر حساسيّة وعمقًا عن الواقع المعيش بكل ظهوراته، وتقلّباته، وتجلّياته.

ولم يكن الأدب العربي (شعرًا ونثرًا) بمعزل عن الهجمة الاستعماريّة الشرسة التي جابت معظم أرجاء البلاد العربيّة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

 لم يقف الأدب مكتوفًا مكبّلًا إزاء هذا الاحتلال الغاشم الذي تزيَّا بأكثر من وجه، رغبة في تحسين صورته، وتزيين مكانته؛ لذلك نجده وقد تسربل في رداء المخلِّص للعباد تارة، وزي المعمِّر للبلاد تارة أخرى، فاختار لنفسه مصطلح «الاستعمار»؛ حتى يخفي صورته الحقيقيّة وغاياته الإيذائيّة وأطماعه. مع ذلك لم ينطلِ على المواطن العربي، الذي عرف خبيئة المستعمر ونواياه. وإذا كان هذا شأن المواطن العادي، فإنّ الأديب وقف مجاهدًا بكلّ قوّته، مقاومًا، ثائرًا، محاربًا هذا الوباء المستشري.

تسعى ورقتنا البحثيّة إلى رصد جهود بعض الأدباء والشعراء في مواجهة أكثر القوى الاستعماريّة التي عرفها التاريخ الحديث والمعاصر، وهي (الاستعمار الإنجليزي، والاستعمار الفرنسي، والاستعمار الإيطالي).

لم تكن القبيلة في العصر الجاهلي تفرح إلّا بفرس تنتج وشاعر ينبغ، بوصفهما أساس حياتهم، وعمدة معيشتهم، لا تقوم إلّا بهما، ولا تتأتّى إلّا من خلالهما، فرس وسيلة للقتل

(387)

والسنان، وشاعر وسيلة الضرب باللسان، رأينا هذا منذ أقدم حروبهم على الإطلاق، حرب البسوس التي استّخدمت فيها الكلمة بجوار السيف، والقصيدة بجانب السهام، والأمر كذلك مع كل حروبهم التالية وأيامهم المتوالية، في داحس والغبراء، وفي ذي قار، بل كان الشاعر بمثابة المتحدّث الإعلامي الرسمي باسم القبيلة، يفتخر بأمجادها، ويمدح قادتها، ويرثي قتلاها، ويهجو أعداءها، ومن ثم نشأت مقولة: «الشعر ديوان العرب»؛ سجّلًا للمفاخر، وأداة للتوثيق والمآثر.

ولم تنفصم تلكم الثنائيّة عبر التاريخ السياسي للعرب مطلقًا، ومن ثم فحينما جاء الإسلام اتّخذ من الشعر وسيلته الإعلاميّة الفاعلة، يفتُّ في عضد المشركين، ويخلخل من بنيتهم العصبيّة التي ظلّوا يقيمونها، ويتفاخرون بها ردحًا من الزمان، بل كان تكأة في الحروب، وأداة في الوغى، وليس أدلّ على هذا من قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، وقد قرب إليه الشاعر حسان بن ثابت قائلًا له، محرّضًا إيّاه على التصدّي بالكلمة للقوم: اهجهم يا حسان، وروح القدس معك، والله، إن هجاءك لهم أشدّ عليهم من وقع النبل في الليلة الظلماء؛ مدركًا بذلك عليه السلام قيمة الكلمة في خلخلة الأعداء، وتشتيت كلمتهم.

واستمرّت الكلمة الفاعلة تقوم بدورها على مر العصور، جنبًا إلى جنب مع السيف، حتى وصل الأمر أن وجدنا كثيرًا من الشعراء يقومون بعمل مناظرات خياليّة بين أيّهما أولى بالسيادة وأحق بالتقدمة، رأينا هذا شعرًا مع أبي تمام في بائيته الشهيرة في فتح عمورية:

السيف أصدق أنباء من الكتب  في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب

ثم رأيناه نثرًا على يد مجموعة من الكتاب والأدباء، شرقًا وغربًا، كمناظرة السيف والقلم لابن الوردي، وابن برد الأصغر، والقلقشندي... إلخ.

فلما جاء العصر الحديث، وأطبقت هذي الطامّة الكبرى على العالم العربيّ ممثّلة في تلكم الهجمة الاستعماريّة البربريّة تحت شعارات زائفة من الحرّيّة والمساواة والتخلّص من ظلم الحكّام، ثارت الأدباء مع كل طبقات الشعب عليهم، في كلمات أقوى من الرصاص، وأشدّ من السيف، وأنكى من السهام، يلهبون بها ظهر المستعمر، ويشعلون بها حماس الشعوب، من خلال الالتزام بقضايا الوطن، داعين إلى التحرّر والاستقلال، والتصدّي للاستبداد والاستعمار، فيما أطلق عليه «أدب المقاومة».

(388)

الاستعمار الفرنسيّ في مصر

لم تكن مصر بعيدة عن تلكم الهجمة الاستعماريّة الشرسة التي طالت جلّ البلدان العربيّة أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بل كان لها النصيب الأوفر، ربما يرجع ذلك إلى مكانتها السياسيّة والجغرافية والديموجرافية، ومن ثم فقد تسابقت تلك القوى الاستعماريّة للسيطرة عليها، فكانت من نصيب كلّ من إنجلترا وفرنسا، في محاولة منهما لإخضاعها تحت السيطرة، ونهب خيراتها، وجعلها جزءًا لا يتجزّأ من مستعمراتهما.

وحينما رغبت فرنسا في قطع الطريق بين بريطانيا ومستعمراتها في الشرق من ناحية، ورغبتها في تكوين إمبراطوريّة شرقيّة فرنسيّة تكون قاعدتها مصر، ومن ثم فقد فكرت جديًّا في هذا الأمر ردحًا من الزمان؛ ولذلك فقد ظلّ هذا المشروع تفكير ساستهم وقادتهم منذ لويس الرابع عشر حتى بعد إعلان الثورة الفرنسيّة 1798م، إلى أن خرج هذا المشروع الاستعماري إلى النور على يد القائد نابليون بونابرت عام 1798م. 

وقد سجّل الجبرتي هذه الأحداث (1798-1801م)، ملخّصًا هول ما حدث ومدى تأثيره على تاريخ مصر في الجزء الخامس من تاريخه الكبير، وممّا قاله: «وهي أولى سنيّ الملاحم العظيمة، والحوادث الجسيمة، والوقائع النازلة، والنوازل الهائلة، وتضاعف الشرور، وترادف الأمور، وتوالي المحن، واختلال الزمن، وانعكاس المطبوع، وانقلاب الموضوع، وتتابع الأهوال، واختلاف الأحوال، وفساد التدبير، وحصول التدمير، وعموم الخراب، وتواتر الأسباب، وما كان ربك مهلك القرى بظلم، وأهلها مصلحون»[1].       

ولم يقبل المصريون من ثم مجيء الحملة الفرنسيّة ورفضوا هذا الاستعمار والتدخّل في بلادهم لأول وهلة، ولعلّ هذا ما أكّده الزعيم المصري السيد محمّد كُرَيِّم، بقوله: «هذه بلاد السلطان، وليس للفرنسيس، ولا لغيرهم عليها سبيل، فاذهبوا عنّا»[2].

وفي هذا الشأن يورد الجبرتي صورة الرسالة التي أرسلها نابليون بونابرت وأمر أن توزّع في أرجاء مصر؛ تطمينًا لهم، وتهدئة لمشاعرهم، مستخدمًا في ذلك أسلوب الخداع والمراوغة والتدليس والكذب، متحدّثًا بأسلوب الناصح الأمين، والصراط المستقيم،

(389)

مؤكّدًا في رسالة مطوّلة أنهم موحِّدون بالله، غير مشركين به، وأنهم ما جاؤوا إلى مصر إلّا ليخلّصوها من ظلم المماليك، واحتقارهم لها، مبيّنًا أنهم سيعاملون المصريين بالعدل، وسيرعون حقوقهم، كما سيراعون حقوق الدين الإسلامي، ذاكرًا في الخطاب أنهم أيضًا مخلصون للخليفة العثماني... إلخ.

وممّا ورد في هذي الرسالة الطويلة قوله: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، لا ولد له ولا شريك له في ملكه، من طرف الفرنساويّة المبنيّ على أساس الحرّيّة والتسوية، السرّ عسكر الكبير (القائد العام للعساكر الفرنسيّة) أمير الجيوش الفرنساوية بونابرته، يعرف أهالي مصر جميعهم، أن من زمان مديد الصناجق الذين يتسلّطون في البلاد المصريّة، يتعاملون بالذلّ والاحتقار في حقّ الملّة الفرنسيّة، ويظلمون أهلها بأنواع الإيذاء والتعدّي، فحضر الآن ساعة عقوبتهم... يا أيّها المصريون قد قيل لكم إنّني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم، فلا تصدّقوه، وقولوا للمفترين إنّني ما قدّمت إليكم إلّا لأخلّص حقّكم من يد الظالمين، وأنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيّه، والقرآن العظيم، وقولوا أيضًا لهم إن جميع الناس متساوون عند الله، وأن الشيء الذي يفرّقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب، ماذا يميّزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملّكوا مصر وحدهم، ويختصّوا بكلّ شيء أحسن فيها من الجواري الحسان والخيل والخيل العتاق... يا أيّها المشايخ والقضاة والأئمّة قولوا لأمّتكم: إن الفرنساوية هم أيضًا مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنّهم قد نزلوا رومية الكبرى وخرّبوا فيها كرسي البابا الذي كان دائمًا يحثّ النصارى على محاربة الإسلام...»[1].

وممّا لا شكّ فإنّ الحملة الفرنسيّة كانت بداية لعصر جديد، العصر الحديث؛ ذلك أنها كانت بمثابة الصدمة الحضارية للمجتمع المصري، حيث اصطحب نابليون معه كثيرًا من مظاهر المدنية (مسرح التمثيل، الصحافة، مراصد فلكية، مكتبات عامة، إنشاء الدواوين...)، إضافة إلى عشرات من علماء الحملة، وإنشاء مجلس نواب، ثم هذا المشروع العلمي الضخم «إنشاء المجمع العلمي المصري»، وذلك على غرار

(390)

المجمع العلمي الفرنسي، وكان من أغراضه:

1-نشر المدنية وبعث العلوم والمعارف بمصر.

2-دراسة المسائل والأبحاث التاريخيّة والطبيعيّة والصناعيّة ونشر الأبحاث في مجلة المجمع العلمي التي تنشأ لهذا الغرض.

3-إبداء رأيه في الأمورالتي تستشيره فيها الحكومة[1].

وعلى الرغم من ذلك، فإنّ كلّ هذا لم ينطلِ على المصريّين، وبقدر انبهارهم به فقد وقفوا للحملة الفرنسيّة بالمرصاد، فثاروا عليهم، وتصدّوا لهم، مدركين أهدافها الخبيثة، وطويّتها الدنيئة، فكانت ثورة القاهرة الأولى والثانية، وثورة الأزهر، ممّا ألجأ نابليون بونابرت أن يفرّ إلى فرنسا، ثم جاء كليبر وقتل، وخلفهما جاك مينو الذي تظاهر بالإسلام، ثم سرعان أن انتهت الحملة الفرنسيّة بعد ثلاث سنوات فقط، لتبرهن للقاصي والداني أن الشعب المصري شعب حرّ، لا يقبل الذلّ ولا يرضى الخضوع والاستسلام والضيم، وكان ذلك بالضرب والسنان كما كان أيضًا بالكلمة واللسان.

وهكذا نرى «أنّ الاستعمار الفرنسي قد وُجد في مصر ومن المصريّين مقاومة عنيفة، وقد كان المصريون مع قلّة عدّة الحرب وأدواته لديهم، وتفوّق أسلحة الفرنسيّين، وشدّة فتكها مصدر قلق وتعب للغزاة الفاتحين، لهذا لم يتورّعوا عن اتّخاذ أبشع الأساليب، وأقصى أنواع الضغط، وفرض أفدح الغرامات، والإتاوات لإخضاع المصريين لسيطرتهم وجبروتهم ولكن شيئًا من هذا لم يجد فتيلًا، ولم يحل دون جلائهم في نهاية الأمر، وعودتهم إلى بلادهم من حيث أتوا، يجرّون أذيال الخيبة، ويتعثّرون في أثواب الذلّة والمسكنة»[2].

وقد وجدنا الأدباء في كثير من الأحيان ما يستهزئون بالفرنسيّين وعاداتهم وتقاليدهم اليومية، كما ورد عند الجبرتي؛ فقد كانت لهم عناية خاصّة ببذل الأموال والتردّد إلى الحانات والتغالي في شراء الفواكه، وركوب الحمير، وفي ذلك يقول الشيخ حسن العطّار مستهزئًا[3]:

(391)

  إنّ الفرنسيس قد ضاعت دراههمم     في مصرنا بين حمار وخمار

وعن قريب لهم في الشام مهلكة        يضيع لهم فيها آجال أعمار

ومن جهاد الشعراء بالكلمة ما جاء في قول الشيخ المنير يحكي فيها عن استشهاد أحد الأبطال في سبيل الله وهو يحارب الفرنسيين، بعد أن اقتحم صفوفهم، وقوله: «أنا بعت نفسي في سبيل الله»، يقول[1]:

لم يبر منهم سوى أيوب من ألم         مجانس داء خصم قادم حنق

بانت له من حسان الحورقائلة         اركض برجلك للخيرات واستبق

واترك مرادًا إلى الدنيا ولم بنا            إنا الحياة فمل الروح واعتق

أم الجهاد شهير السيف مجتهدًا        في كلمة الحق أعلاه على الفرق

الله أكبر والتوحيد يصحبها               نداؤه في عجاج مظلم غسق

لقد تولّى على عرض الصفوف إلى    أن ضمه القلب فاستولى على حلق

ما زال يقتصّ حتى انقض كوكبه       وطار منه بهاء النور للأفق

مضى شهيدًا وحيدًا طاهرًا سمحًا      مغسّلًا بدم الهيجاء لا غرق

تميز الجوهر المكنون من صدف      ثم انجلى في الحلى يدعى بؤتلق

كان الجلاء له عين الجلاء لهم           فأدبروا بائعين الخلد بالفلق

ويتحدّث الجبرتي عن محاصرة الفرنسيس لعكّا، وما أبلاه أهلها وأحمد باشا وعسكره من بلاء حسن، وفي ذلك يقول الأديب اللبيب السيِّد علي الصيرفي الرشيدي، نزيل عكا المحروسة في هذه الواقعة، قوله من الخفيف[2]:

وأراهم قبيحهم حسن قصد        نحو عكا ذات السعود البادي

فاستعدّوا لها بآلات حرب          ورجال كثيرة كالجراد

خيّموا حولها بجيش وخيش       ومتاريس ضاق منها الوادي

(392)

أشبهوا قوم صالح في فعال                 ينحتون الجبال لاستعداد

في حصون من التراب تراهم                 شيدوها بقوة وعماد

فكأنّ الجنّ الشياطين فيهم                  سرعون الأعمال عند التنادي

حاصروها وشدّدوا في حصار              واستمدّوا بكل نوع مراد

ثم دارت رحى الحروب لدينا                يضربون مدامة الترداد

كل يوم وليلة في رعود                     وبروق من غيم ذاك الوادي

كم نهار أضحى كليل بهيم               من دخان الوغى غدا في ازدياد

وربّما بل من المؤكّد أنّ الأدب كان له دور كبير في التصدّي لهذا الاحتلال، وذلك الاستعمار طوال السنوات الثلاثة، وأنّ الأديب قد أدّى دوره كاملًا مثله مثل غيره، وكما كان الجندي على أرض المعركة، كذلك كان الأدب؛ شعرًا ونثرًا، لكن كثيرًا من ذلك كلّه لم يصلنا؛ إذ لم يهتمّ النقّاد بأدب هذه الفترة؛ لما وُسِمَت به من ضعف وانهيار وَسَم المرحلة كلها (فترة الحكم العثماني)، قبل أن ندخل في العصر الحديث، ويلج الأدب كبقية مناحي الحياة، وتبدأ من ثم حركة شعريّة قويّة متمثّلة في أولى مدارس الشعر الحديث (الإحياء والبعث/ النهضة)، ولعلّ هذا ما بدا جليًّا في التصدّي للاحتلال الإنجليزي على المستويات كافة كما سنرى.

الاستعمار البريطاني في مصر

ونحن هنا بالتأكيد لا نتحدّث عن حملة فريزر المبكرة، التي لم تمكث طويلًا، وإنّما نتحدّث عن تلكم الهجمة البربرية حينما جاء الجيش البريطاني بقضِّه وقضيضه عام 1882م، وكانت التربة المصريّة للأسف الشديد مهيّأة لذلك، فقد بلغ ظلم الحكام آنذاك مداه، وتحكموا في مصائر المصريّين وأقواتهم ومعيشتهم، وانتشر من ثم الظلم، وغابت العدالة، وانتفت المساواة.

ولذلك قامت ثورة عرابي، حينما دارت بينه وبين توفيق، ومما قاله عرابي له، مخاطبًا إيّاه: جئنا يا مولاي لنعرض عليك طلبات الجيش والأمّة وكلها طلبات عادلة، ولقد خلقنا

(393)

الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا، فوالله الذي لا إله هو إننا سوف لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم[1].

وحينما كان يحاكم قال: «يا دعاة الحق، أمن العدل أن يُحرم أبناء الوطن من كل وظيفة، ويأخذ الأجانب أماكنهم، ومن حضر إلى مصر من الشراكسة والألبان والبلقان، ولكنّنا سنجد بين حماة الإنسانيّة من يدافعون عن الحقّ في وجه طغيان هذا العهد الذي يسود منه وجه الإنسان»[2].

ولم يقبل المصريون الاحتلال الإنجليزي منذ وطئت أقدامه أرض الكنانة، فكانت الثورة تلو الثورة، فلم يرضوا، ولم يخضعوا، ولم يستكينوا، ولم يرضخوا، غير آبهين بما يرفعه هذا المحتلّ من شعارات، وما يصكّه من مصطلحات صدع بها رؤوسهم ليل نهار، من مثل الحرّيّة، والعدالة، والمساواة، والديمقراطية، ورفع الظلم، وتوزيع الثروات، إلى غير ذلك من الشعارات الموهمة الكاذبة الرنّانة، التي ثبت زيفها، وانكشف أمرها مع مرور الوقت.

وكان الأدب، والشعر خاصة، تعبيرًا عن حالة السخط والتبرّم من هذا المحتلّ الغاصب، الذي نهب الأرض، وانتهك العرض، وجاس خلال الديار، فأفسد البلاد، وقهر العباد، فكان الأدب إذن صورة وانعكاسًا للواقع المعيش، والحاضر المزري، الرافض لهذا المحتلّ المستعمر الغاشم، الطامع، الذي خلف الوعود، ونقض المواثيق، وامتص دماء المصريين، وعمد إلى الغيلة والحيل.

ومن هؤلاء الشعراء الذين كان لهم دور بارز في هذا الشأن، البارودي (رائد الشعر الحديث)، ربّ السيف والقلم، الذي ثار على الظلم، ولم يرض بالضيم، ممّا جعله مبكرًا يشترك في ثورة عرابي، متحدّثًا باسمها، رافعًا شعاراتها، حتى إذا ما فشلت نُفي مع غيره من الثوار إلى جزيرة سرنديب.

(394)

وقد نظم في ذلك شعرًا قويًّا، فيه حميّة وحماسة؛ وتمرد على الظلم، محرّضًا المصريّين على الثورة، مهيبًا بهم ألّا يستكينوا للحاكم المستبدّ والسلطة القاهرة أيًّا كانت، مصوّرًا لهم في الوقت ذاته نفوسهم العاجزة الضعيفة التي تقبل الضيم، وترضى بالدنية، بقوله[1]:

 

فيا قوم هبوا إنّما العمر فرصة          وفي الدهر طرق كثيرة ومنافع

أصبرًا على مس الهوان وأنتم            عديد الحصى إنّي إلى الله راجع؟!

وكيف ترون الذلّ دار إقامة               وذلك فضل الله في الأرض واسع؟!

أرى أرؤسًا قد أينعت لحصادها           فأين ولا أين السيوف القواطع؟!

فكونوا حصيدًا خامدين أو افزعوا        إلى الحرب حتى يدفع الضيم دافع

أهبت فعاد الصوت لم يقض حاجة      إليّ ولبّاني الصدى وهو طائع

فلم أدر أنّ الله صوّر قبلكم                 تماثيل لم يخلق لهنّ مسامع

فلا تدعوا هذي القلوب فإنها               قوارير محنيّ عليها الأضالع

ويقول معرضًا بالحاكم المستبد[2]:

    يا أيها الظالم في ملكه                 أغرك الملك الذي ينفد

اصنع بنا ما شئت من قسوة             فالله عدل والتلاقي غد

ثم نراه يحرّض الأمّة على اليقظة والقوّة حتى لا يستهين السلطان بأمرها[3]:

وكذاك السلطان إن ظنّ بالأمــــّــ           ـــــــة عجا سطا عليها وشدا

والأمر كذلك في الصحف التي كانت مناوئة للاحتلال، والتي كان لها دور كبير في تعريف الشعب بجرائم المحتلّ ومفاسد المستعمر، وأغراضه الدنيئة، وممّا جاء في افتتاحية مجلة العروة الوثقى منددة بالاستعمار الإنجليزي قولها:

(395)

«بلغ الإجحاف بالشرقيّين غايته، ووصل العدوان فيهم نهايته، وأدرك المتغلّب منهم نكايته، خصوصًا في المسلمين منهم، فملوك أنزلوا عن عروشهم جورًا وذوو حقوق في الإمرة حُرموا حقوقهم ظلمًا، وأعزّاء باتوا أذلّاء، وأجلّاء أصبحوا حقراء، وأغنياء أمسوا فقراء، وأصحّاء أضحوا سقامًا، وأسود تحوّلت نعامًا، ولم تبق طبقة من الطبقات إلّا وقد مسّها الضر من إفراط الطامعين في أطماعهم، خصوصًا من جرّاء هذي الحوادث التي بذرت بذورها في الأراضي المصريّة نحو خمس سنوات بأيدي ذوي المطامع فيها، حملوا إلى البلاد ما لا تعرفه فدهشت عقولها، وشدّوا عليها بما لا تألفه فحارت ألبابها، وألزموها ما ليس في قدرتها فاستعصت عليه قواها، وخضدوا من شوكة الوازع تحت اسم العدالة، ليهيّئوا بكل ذلك وسيلة لنيل المطمع، فكانت الحركة العرابيّة، فاتخذوها ذريعة لما كانوا له طالبين، فاندفع بهم سيل المصاعب، بل طوفان المصائب على تلك البلاد، وظنّوا بلوغ الإرب، ولكن أخطأ الظنّ وهمّوا بما لم ينالوا»[1].

واستمع كذلك إلى أديب إسحق، تلميذ جمال الدين الأفغاني، وأحد الألسنة التي أطلقها تندّد بالاستعمار وحيله، كيف ينبّه المصريّين إلى خداع الإنجليز، وتحذيرهم المصريّين بتخفيض الضرائب (يتحدّث عن نوبار باشا صنيعة الإنجليز)، حتى يمدحوا أيّامهم، ويوازنوا بينهم وبين حكامهم بما قدّم الإنجليز من عمل فثارت ثائرته، وقال:

«فهل خفي عن تلك الصحف أن من شفقة الصيّاد على الطير إلقاؤه الحَبّ بين يديها؟ أو لم تعلم أن القائل بهمجية المصريين، المعتقد بانحطاط مداركهم، لا يطعِمهم هذا الفتات إلّا ليسهل على الإنجليز هضم قوتهم، والتهام ثروتهم!

كلا، إن الجرائد المصريّة لا تجهل حقيقة الأمر، ولكنّها لا تستطيع التصريح، علمًا بأن اللص العازم على سرقة الحقوق الوطنيّة يكره النور، فإذا حاولت الجرائد إظهاره سارع إلى إطفائه بتعطيلها وإلغائها.

(396)

يا أهل مصر، إنّي محدثكم حديثًا غريبًا، إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم أسخياؤكم، وأموركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاؤكم، وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها».

«غير أنّ الشعب قد رأى بعينه زعماءه يمثّلون أمام محاكم عسكريّة كان المحتلّ فيها الخصم والحكم، فنكّلوا بهم في شكل أحكام الإعدام، والذي عدل إلى النفي، ومصادرة ما كانوا يملكون، أمّا السجن والتشريد، فكان نصيب من شاركهم وطنيّتهم»[1].

ومن هؤلاء الأدباء الذين أدلَوا بدلوهم في مجابهة الاحتلال بقوة الكلمة عبد الله النديم الذي كان له دور كبير في الوقوف ضدّ الإنجليز بكل ما أُوتي من قوة الكلمة وبراعة البيان، وسحر التبيان، ناهيك عن سخرية لاذعة، وحجّة بالغة، وقد شارك مع عرابي إبان ثورته، حتى كان لسانها المعبّر عنها، المتحدّث بها... وظلّ شاهرًا سيفه في وجه الإنجليز غير مبال بهم وبسلطانهم القوي حتى مات، بعدما لقي من جراء ذلك العنت الشديد والنفي والسجن والتشريد.

ومن خطبه الشهيرة محرضًا المصريّين للثورة ضد الإنجليز، محفّزًا لهم: يا بني مصر:

هذه أيام النزال هذه أيّام النضال، هذه أيام الذود عن الحياض، هذه أيام الذبّ عن الأعراض، هذه أيام يمتطي فيها بنو مصر صهوات الحماسة، وغوارب الشجاعة، ومتون الإقدام لمحاربة عدوّ مصر بل العرب، بل عدو الإسلام، الدولة الإنجليزيّة خذلها الله، وردّ كيدها في نحرها، فقاتلوهم قتال المستميتين، وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن الله مع المتّقين، قوم نقضوا العهود، ونكثوا الأيمان، وهموا بإخراح أهل الحكم، وهم بدأوكم أول مرة: أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين.

يا أهل مصر

«إنّما الإنجليز نجس فلا يقربوا البلاد بعد عملهم هذا، وإن خفتم ضعفًا، فتعاونوا

(397)

وتآزروا ينصركم الله عليهم إنّ الله قويّ عزيز، كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلّا ولا ذّمة يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم»[1].

ومن الشعراء الذين وقفوا ضد المستعمر بقصائده الرنانة ولي الدين يكن، ومن ذلك قوله متألِّما لما أصاب الوطن جراء هذا الاحتلال الغاصب والمستعمر القذر، مصوّرًا مآسيه في قصيدة بعنوان: «أيها الوطن» سنة 1898م[2]:

يبكي بنوك ويضحك الزمن             ماذا أصابك أيها الوطن؟!

ما أوشكت أن تنتهي مِحن              إلّا وجاءت بعدها مِحن

أما الرسوم فإنها درَست                 أما الرجال فإنهم دفنوا

لولا بقايا معشر سلفوا                 لتنبَّهت من نومها الفتن

العصر راجت سوق باطله             فالحق فيه ما له ثمن

فطنّ البرايا للذي وقعوا               فيه وبعض الناس ما فطنوا

يا قوم هبوا من مضاجعكم         طال المدى حتّام ذا الوسن؟!

يا وطنًا قد جرى الفساد به           متى يرينا إصلاحك الزمن

دفنت حيًّا وما دنا أجل                ما ضر لو دافِنوك قد دُفنوا

دماء أبنائك الكرام جرت             بحرًا فأشلاؤهم له سفن

هبوا بني المجد إنّها فرص         تمضي سراعًا حتّام ذا الوسن

أمنتم الدهر في غوائله            والدهر خوان الألى ائتمنوا

واأسفًا يا زمان واأسفًا              أفنيت ظلمًا رجالنا ففنوا

نحن هدمنا والسالفون بنوا       نحن استرحنا والسالفون عنوا

والأمر كذلك مع أمير الشعراء شوقي الذي ألهب ظهر رياض باشا عقب خطبته التي ألقاها في افتتاح مدرسة محمّد علي الصناعيّة التي أنشأتها بالإسكندريّة جمعية العروة

(398)

الوثقى سنة 1904م، وكان اللورد كرومر ممن حضر هذا الافتتاح فتملّقه رياض باشا بكلام كفر به بنعمة مصر وأصحاب عرشها فأوسعه شوقي تأنيبًا وتعنيفًا، حيث يقول[1]:

غمرت القوم إطراء ومدحًا               وهم غمروك بالنعم الجسام

رأوا بالأمس أنفك في الثريّا             فكيف اليوم أصبح في الرغام

أما والله ما علموك إلا                     صغيرًا في ولائك والخصام

إذا ما لم تكن للقول أهلًا                 فما لك في المواقف والكلام؟

خطبت فكنت خطبًا لا خطيبًا            أضيف إلى مصائبنا العظام

لهجت بالاحتلال وما آتاه                  وجرحك منه لو أحسست دامي

وما أغناه عمن قال فيه                   وما أغناك عن هذا الترامي

ومن الحوادث الدموية التي أقدم عليها الاحتلال الإنجليز «حادثة دنشواي» المشهورة، الذي راح ضحيتها العشرات من أبناء القرية، ناهيك عن تلكم المحاكمة الهزلية التي أُقيمت لأبناء القرية الأبرياء، وقد كان لهذي الحادثة دويّ قوي، لا في مصر وحدها وإنّما في العالم كله.

ومن ذلك قول حافظ إبراهيم مندّدًا بما حدث في حادثة دنشواي، رافضًا إيّاه، ملقيًا باللوم على الاحتلال وما قام به من محكمة هزليّة للضحايا[2]:

ليت شعري أتلك محكمة التفتيش           عادت أم تلك عهد نيرون عادا

كيف يحلو من القوي التشفّي                   من ضعيف ألقى إليه القيادًا

ثمّ نراه يتحدّث عن الفلّاحين المظلومين الذين راحوا ضحية الحادثة، سواء من قتل منهم أو من حكم عليه بالموت ظلمًا وعدوانًا[3]:

جلدوا ولو منيتهم لتعلّقوا                بحبال من شنفوا ولم يتهيّبوا

(399)

شنقوا ولو منحوا الخيار لأهلها                بلظى سياط الجالدين ورحبوا

يتحاسدون على الممات وكأسه               بين الشفاه وطعمه لا يعذب

ثم لا يلبث حافظ إبراهيم أن يسخر من جنود الاحتلال، وما قاموا به:

أيها القائمون بالأمر فينا                     هل نسيتم ولاءنا والودادا

خفضوا جيشكم وناموا هنيئًا               وابتغوا سصيدكم وجوبوا البلادا

وفي نهاية قصيدته ينحى باللائمة على ذلكم القاضي المصري!! (إبراهيم الهلباوي) الذي باع نفسه للشيطان، ذلكم المدّعي العام في المحكمة الصورية التي نصبت لهؤلاء الأبرياء من أبناء هذي القرية، إذ كان ممثّلًا -ويا لخيبته- للاحتلال الإنجليزي[1]:

أيها المدّعي العمومي مهلًا              بعض هذا فقد بلغت المرادا

قد ضمن لك القضاء بمصر               وضمنا لنجلك الإسعادا

فإذا ما جلست في الحكم فاذكر          عهد مصر فقد شقيت الفؤادا

وممّا قاله شوقي في حادثة دنشواي -بعد عام- مندّدًا بالاحتلال، متحدّثًا عن جرائمه[2]:

يا دنشواي على رباك سلام                   هبت بأنس ربوعك الأيام

شهداء حكمك في البلاد تفرقوا             هيهات للشمل الشتيت نظام

مرّت عليهم في اللحود أهلة                 ومضى عليهم في القبور العام

كيف الأرامل فيك بعد رجالها                 وبأيّ حال أصبح الأيتام؟

عشرون بيتًا أقفرت وانتابها                    بعد البشاشة وحشة وظلام

يا ليلة شعري في البروج حمائم             أم في البروج منية وحمام

نيرون لو أدركت عهد كرومر                  لعرفت كيف تنفّذ الأحكام؟

نوحي حمائم دنشواي وروعي               شعبًا بوادي النيل ليس ينام

متوجّع يتمثّل اليوم الذي                      ضجّت لشدّة هوله الأقدام

(400)

السوط يعمل والمشانق أربع            متوحّدات والجنود قيام

ولما غادر اللورد كرومر مصر وجاء السير غورست خلفًا 1907م، استقبله حافظ إبراهيم يشكو إليه ما فعله كرومر من عميد إلى العميد[1]:   

 بنات الشعر إن هي أسعدتني         شكوت من العميد إلى العميد

ثمّ يقول ساخرًا:

فليت كرومرًا قد دام فينا               يطوق بالسلاسل كل جيد

ويتحف مصر آنا بعد آن                بمجلود ومقتول شهيد

لننزع هذه الأكفان عنّا                  ونبعث في العوالم من جديد

ثمّ يصف حافظ إبراهيم اللورد كرومر بعد رحيله 1907م، وتقاريره:

رمانا صاحب التقرير ظلمًا               بكفران العوارف والكنود

وأقسم لا يجيب لنا نداء                  ولو جئنا بقرآن مجيد

وبشّر أهل مصر باحتلال                 يدوم عليهم أبد الأبيد

وأنبت في النفوس لكم جفاء          تعهده بمنهل الصدود

فأثمر وحشة بلغت مداها              وزكاها بأربعة شهود

كما رأينا الشاعر المحافظ محمّد عبد المطلب لا يألو جهدًا في الحديث عن المحتلّ الإنجليزي، معدّدًا جرائمه، مندّدًا بسياساته، في شعر يفيض وطنيّة، ويقطر بالحماسة والثورة[2]:   

يرى نفسه فوق القوانين بيننا           متى ما نذكّره القوانين يحنق

يبيح غدًا ما حرّم اليوم بالهوى          لغير الهوى في حكمه لم يوفق

إلاهه جبار وإمرة خاطل                  وتدبير أعمى في الحكومة أحمق

يقرب خوانًا ويرفع جاهلًا                 ويسعد أشقاها ويشقى بها التقي

(401)

إذا ما مضى هذا أتى ذاك بعده       على النهج لم يعدل ولم يترفّق

ومن ذلك قوله مخاطبًا إيّاهم[1]:

يا دولة الأطماع ويلك أقصري         نهض الزمان عن الورى يجلوك

لا يزهينك في المطير قوادم           برقت بألوان لها وحبيك

إن القشاعم إن تثاقل نهضها           هرمًا فقد صارت إلى تهلوك

لا يخدعنك في حياتك معشر           في خدمة استعمارهم خدعوك

أبناء مصر إذا الخطوب تحلّكت         أقمار كل دجنة وحلوك

ومن ذلك ديوان وطنيّتي لعلي الغاياتي قصيدة بعنوان: «نحن والاحتلال»، وقد ألقاها في الاجتماع الوطني الذي انعقد بدار اللواء 1910م، يقول في مطلعها[2]:

كفكفي يا مصر دمع الوجل            وارتقب يا نيل نيل الأمل

جاوز الصبر المدى والصدر لم        يبق فيه الوجد من محتمل

كم شقاء كم بلاء كم أذى!              أي حال بعد ذا لم يحل

كل يوم حادث مستقبل                 ليت شعري ما حديث المقبل

ضجّت الأهرام من موقفها             وجرى النيل بدمع هطل

كنت تجري أيها النيل كما               شئت في القطرين عذب المنهل

يوم كان المجد مرفوع اللواء           بهدى الفكر وبأس العمل

كما لم يغب النثر عن دوره التنويري التحريضي الثوري في مقاومة الاحتلال الإنجليزي، تبدّى ذلك في إصدار العديد من الصحف المناوئة للاحتلال، فقد رأينا علي يوسف يصدر «المؤيّد» كما رأينا ذلك مع سابقًا مع عبد الله النديم وإصدره جريدة «الأستاذ»، ثمّ مصطفى كامل يصدر «اللواء».

وقد قام مصطفى كامل بدور مهم في هذه الفترة، حتى كان عنوانًا للنضال، وشارة

(402)

للثورة على الظلم، ممّا جعله يسافر إلى لندن ليعرض قضية مصر في بلاد الاحتلال، ويقابل بعضًا من رجال السياسة وأعضاء البرلمان الإنجليزي والصحفيّين، ويتحدّث عن حادثة دنشواي التي هزّت مصر والعالم كله.

«ثمّ يخطب في جمع بلغ مئتين وخمسين شخصًا خطبة بليغة باللّغة العربيّة، شكرهم على حفاوتهم به، وأفاض في الكلام عن الأمم الشرقيّة والإسلاميّة وواجب المتعلّمين من أبنائها في السعي لإنهاضها وترقيتها، ثم وقف ثانية بعد أن انتهى الخطباء من إلقاء كلماتهم، وألقى خطبة باللّغة الفرنسيّة، مجّد فيها الحرّيّة، وذكر أنها حق مشاع لكل الشعوب، ومن هنا ليس ثمّة فارق بين الأمم، وإن تعدّدت أجناسها، واختلفت بيئاتها.

ولقد كان لهذه الخطبة دوي هائل في مصر، إذ عدّت نصرًا عظيمًا، وفوزًا مبينًا للوطنيّة المصريّة، وعملًا مجيدًا تميّز بالشجاعة الفائقة والوطنيّة الجريئة والمقدرة العظيمة، وقبل عودته إلى مصر تألّفت لجنة للاحتفال به، وتقديم هدية فاخرة له، لحسن بلائه، وعظيم جهاده، فلما أن وصل إلى سمعه هذا النبأ إلا وأرسل لمحمّد بك فريد، وكان هو القائم على تنفيذ هذا المشروع، يطلب إليه تحويل هذا الاكتتاب لإنشاء جامعة، يتعلّم فيها أبناء المصريين، الأغنياء منهم والفقراء على حدّ سواء، ويذكر أنه لم يقم إلّا بما يفرضه عليه الواجب الوطني، كأيّ جندي يدافع عن بلاده في ساحة القتال، وقد دلّ هذا العمل على تواضعه، وتفانيه في خدمة بلاده، ممّا لا يمكن أن يقوم به سوى العصبة من الرجال، لا يرجون من وراء ذلك جزاءً ولا شكورًا»[1].

ولما وقعت حادثة دنشواي وكان ما كان من الاحتلال من قتل وسحل للفلاحين، ثم هذه المحكمة الهزليّة الصورية للأبرياء والحكم على بعضهم بالإعدام، وكان إذّاك لا زال في مقر إقامته في أوروبا، استحثّه الأمر، وهاله ما حدث، فكان ممّا قال: «إنّ حادثة دنشواي أحدثت فعلًا تأثيرًا سيّئًا، ومن شأنها إفهام العالم أجمع أنّ المصريين يكرهون الاحتلال»[2].

(403)

ويقول مصطفى كامل مناديًا بمقاومة الاحتلال، وفضح جرائمه، متحدّثًا عن بشاعته، مخاطبًا الملايين من أبناء الشعب المصري: «أيها السادة لا يجهل أحد منكم أن الحركة الوطنيّة المصريّة أزعجت محبّي الاستعمار من الإنجليز، فحاربوها في دنشواي فخابوا، وبزيادة جيش الاحتلال فأخفقوا، وبتهمة التعصّب الديني ففشلوا، وأضحكوا العالم طرًّا، وهاهم الآن يحاربونهم بالخونة والمنافقين، بعد أن عهدوا للدخلاء طويلًا، فلم يبلغوا مّنا مأربًا»[1].

ثمّ يقول مندّدًا بسياسة المستعمر: «يروق لبعض الجهلاء والمسخّرين لخدمة الإنكليز أن يلقّبونا «بالمتطرّفين»، ويقسموا الأمة إلى فرق وأقسام، وما دروا أنه لا يصحّ أن يوجد في البلاد الفاقدة لاستقلالها المتحكّم الأجنبي فيها، إلّا حزب واحد، وهو حزب الوطن، حزب الحرّيّة، حزب الاستقلال... نلقب بالمتطرفين! ولماذا؟! لأننا نطالب بحقوق مصر الكاملة في مستقبل بلادنا، ونقول لهذه الأمّة في الصباح والمساء اليوم عسر، وغدًا يسر، اليوم أسر، وغدًا فخر، اليوم احتلال، وغدًا استقلال، اليوم عناء وشقاء، وغدًا هناء ورخاء»[2].

وممّا لا شكّ فيه أن الاستعمار يؤثّر في المجتمعات من كل النواحي الاجتماعيّة والسياسيّة، والاقتصاديّة، والثقافيّة، بل والنفسيّة أيضًا.

فكان ممّا قام به الاحتلال إشاعة الحرب النفسية التي تنعكس آثارها على سلوك الأفراد في حياتهم اليوميّة، وذلك من خلال إحداث الاضطراب، البلبلة، زرع الخوف، عدم الثقة في النفس، بثّ روح الكراهية، التفرقة بين الأفراد، ما يؤدّي في النهاية إلى الإحساس بالضعف والاستسلام، فإذا نجحت في ذلك تسرب اليأس إلى النفس وأصبحت صيدًا سهلًا يمكن الانقضاض عليه وافتراسه.

«والحقيقة أنّ الحرب النفسيّة لم يبتدعها أيّ عالم، أو صاحب نظريّة أو مفكّر، إنها ابنة

(404)

التاريخ، تاريخ البشرية وصراعاتها التي لا تنتهي، وهي تنشأ عن الثورات الأيديولوجيّة، وعن تحولّات المجتمعات السياسيّة، وهي ثمرة من ثمرات التقدّم الذي حقّقه علم النفس الاجتماعي في شتّى ميادين نشاطه»[1].

وكان من مساوئ الاحتلال أيضًا تجريف الشخصيّة المصريّة من خلال نشر الثقافة الإنجليزيّة عنوة، الأمر الذي جعلها أسوأ العهود على الأمّة العربيّة والإسلاميّة، وذلك من خلال سياسات اللورد كرومر في مجال التعليم والثقافة، يريد بذلك استخراج جيل تافه، لا يقدر قيمة، ولا يأبه بسلوك.

وقد كان الغرض من هذه الاجراءات وغيرها تمكين المستعمر الإنجليزي في هذه الديار، وتثبيت أقدامه، ولن يتأتّى له ذلك إلّا إذا ظلّت مصر في ظلام دامس، تتخبّط في يهماء دامسة، ودروب مضلّلة، متخلّفة بذلك عن ركب الحضارة والمدنيّة، بل إنّ المستعمر الإنجليزي، ممثّلًا في سياسات دنلوب رأوا أنّ المصريّين ليسوا أهلًا للتدريس بالمعاهد العالية، فقصروها على الأجانب.

وفي ذلك يقول حافظ إبراهيم مخاطبًا اللورد كرومر[2]:

تمنّ علينا اليوم إن أخصب الثرى           وإن أصبح المصري حرًّا منعّمًا

أعد عهد إسماعيل جلدًا وسخرة             فإني رأيت المنّ أنكى وآلمًا

عملتم على عزّ الجماد وذلّنا                   فأعليتم طينًا وأرخصتم دمًا

إذا أخصبت أرض وأجدب أهلها        فلا أطلعت نبتًا ولا جادها السما

وإلى أن يقول مودّعًا له ومشيرًا إلى مأساة التعليم على عهده[3]:

يناديك قد أزريت بالعلم والحجا            ولم تبق للتعليم يا (لرد) معهدًا

وأنك أخصبت البلاد تعمدًا                   وأجدبت في مصر العقول تعمدا

(405)

وأودعت تقرير الوداع مغامزًا           رأينا جفاء الطبع فيها مجسدا

يناديك أين النابغون بعهدكم            وأي بناء شامخ قد تجودا

فما عهد إسماعيل والعيش ضيق     بأجدب من عهد لكم سال عسجدا

ومن ثمّ فقد ظلّ الأمر على هذا المنوال من التردّي ردحًا من الزمان وحينًا من الدهر، والمصريّون بكل طوائفهم يلحّون على عودة اللّغة العربيّة إلى المدارس المصريّة، يفعلون ذلك دونما جدوى، والإنجليز يصمّون آذانهم، معرضين عن نداءاتهم، رافضين مطالبهم.

ويرى أحد دعاتهم، وهو السير ويليام ويلككس في خطبته التي ألقاها في نادي الأزبكية سنة 1893م والتي جعل عنوانها: «لِمَ لَمْ توجد قوّة الاختراع لدى المصريّين»؟! أنّ العامل الأكبر في فقد قوّة الاختراع لديهم هو استخدام اللّغة العربيّة الفصحى في القراءة والكتابة، ونصحهم باتخاذ اللّغة العامية أداة للتعبير الأدبي اقتداء بالأمم الأخرى واستشهد بالأمة الإنجليزيّة، وقال: إنها أفادت فائدة كبيرة منذ هجرت اللاتينيّة التي كانت لغة الكتابة والعلم يومًا ما.

وكان هذا الرجل من أشدّ أعداء اللّغة الفصحى، وقد بذل غاية جهده لمحاربتها والقضاء عليها، وقد أخذ سلامة موسى يدعو كما دعا ويلككس إلى اتّخاذ العامية لغة كتابة بدعوى أنّ الفصحى فيها صعوبة وأنها عاجزة عن تأدية الرسالة الأدبيّة والعلميّة...[1].

فردّ عليهم حافظ إبراهيم بقصيدته الخالدة على لسان اللّغة العربيّة، تنعي نفسها، وتندب حظّها، وترثي ما آلت إليه عند أهلها، والقائمين عليها، يقول فيها من قصيدة طويلة، تقطر ألمًا، وتمطر حسرة[2]:

رجعت لنفسي فاتّهمت حصاتي           وناديت قومي فاحتسبت حياتي

رموني بعقم في الشباب وليتني         عقمت فلم أجزع لقول عداتي

أيطربكم من جانب الغرب ناعب           ينادي بوأدي في ربيع حياتي

(406)

إلى أن يقول في قصيدة أخرى حاثًّا بني وطنه على مباراة الغربيّين في حضارتهم، وأخذهم بأسباب الوصول بهذه الغاية[1]:

ليت شعري متى أرى أرض مصر        في حمى الله تنبت الأبطالا

وأرى أهلها يبارونكم علمًا                   ووثبًا إلى العلا ونضالا

قد نفضنا عنا الكرى وابتدرنا               فرض العيش وانتقلنا انتقالا

وعلمنا بأن غفلة يوم                          تحرم المرء سعيه أحوالا

وفي هذا الإطار يقول شوقي في التعليم والعلم[2]:

كانت لنا قدم إليه خفيفة                       ورمت بـ(دنلوب) فكان الفيلا

حتى رأينا مصر تخطو إصبعًا                 في العلم أم مشت الممالك ميلا

تلك الكفور وحشوها أمّيّة                       من عهد خوفو لم تر القنديلا    

نكبة دمشق في شعر شوقي

وقد أبدع شوقي عام 1924م معبّرًا عمّا حدث لدمشق، في قصيدة مدوّية، تأسى على ما حدث، تقرع الأجراس، وتشد الأُزر، وهي التي يبدؤها بقوله:

    سلام من صبا بردى أرق                        ودمع لا يكفكف يا دمشق

وفيها يأسى على ما حلّ بدمشق ويفضح طبيعة الاستعمار وجرائمهم، ويدعو إلى مقاومتهم والحذر من أساليبهم، دعوة الشعوب للكفاح والثورة للحرّيّة والعدالة والنضال وتهديد المحتلّ بثورات عارمة ستقضي عليه وعلى ديمومته، بعث الأمل في النفوس المتعبة التوّاقة إلى الحرّيّة والانطلاق وقدرتها على التحرّر من العبودية، والتغنّي بأماله وآلامه وطموحاته وتطلّعاته، وإيقاظ الضمير القابع في كل إنسان.

وهكذا كان الشعر المرآة الصادقة للتعبير عن حالة اليأس، والآلام، والآهات، والأحزان، والهموم، شعر ينبض بالغضب، ويعلي من شأن الثورة، واستطاع الشعراء أن

(407)

يعبروا ويتجاوزوا مراحل اليأس والسلبيّة والإحباط والتخبط، مواكبين ما يحدث في المجتمع، معبّرين عن أعماق القلب وخلجات الشعور.

الاستعمار الإيطالي في ليبيا

وقد أدلى الشعراء المصريّون قبل الليبيّين بدلوهم في مواجهة هذا المستعمر الغاصب، ذلك أن العالم العربي كلّه كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

وفي حرب طرابلس أرادت بها إيطاليا أن تنتزع تلك الولاية الإسلاميّة من تركيا سنة 1911م، وهبت مصر تشدّ أزر تركيا، وتسعف جرحى الحرب وترسل المال والزاد، وكان المصريون ينظرون إلى تلك الحرب على أنها حرب ضدّ الإسلام وضدّ دولة الإسلام، وأنهم طرف فيها[1].

ومن هؤلاء الشعراء الذين عبّروا عن غضبهم الشاعر الكبير محمّد عبد المطلب الذي لم يغب عنه أن يعبّر عن شعوره بهذا الظلم، حاثًّا قومه للثورة على الاستعمار الإيطالي وجرائمه الوحشية، يقول في ذلك[2]:

هي الهيجاء كم طحنت قرونًا           وكم صحنت حوادثها قرونا

ويقول مخاطبًا الطليان: 

خرجتم من منازلكم بغاة                 على أوطاننا تتغلّبونا

غداة ملأتم الدنيا صياحًا                 به بين الأزقة تهتفونا

وأقلقتم ملوك الأرض لما               برزتم تبرقون وترعدونا

ويقول مخاطبًا ملوك أوروبا:

بغت روما فلم نسمع نكيرًا             ولو شاء سمعنا المنكرينا

وإن نغضب ذيادًا عن حياض          لنا هُدمت إذا هم يسخطونا

(408)

ملوك الغرب ما هذا التعامي                   وما للحق بينكم مهينا؟!

يساق ضعافنا للموت بغيًا                       وأنتم تسمعون وتبصرونا

ويقول في قصيدة أخرى يحرّض فيها المسلمين على الجهاد والتطوّع مع إخوانهم أهل طرابلس[1]:

بني أمّنا أين الخميس المدرب                     وأين العوالي والحسام المذرب؟!

وأين النفوس اللائي كنّ إذادعا إلى الله      داعي الموت في الموت ترغب؟!

وهكذا كان الشعراء يعبّرون عن عواطفهم تجاه قضايا الأمّة العربيّة والإسلاميّة، لا يمنعهم في ذلك حدود، ولا تردعهم سطوة، ولمَا لا؟! وهم لسان الأمّة، وقلبها النابض، وروحها الرهيفة، وعقلها الواعي الذي يدرك المخاطر، ويعبر عن مكنوناتها، ويسبر أغوارها، يقف حجر عثرة في وجه المستعمر، يفضح مخطّطاته، ويكشف جرائمه، يفعل ذلك في كل عصر ومصر.

الاستعمار الفرنسي في تونس

وقعت تونس تحت الاحتلال الفرنسي منذ الثاني عشر من مايو 1881م، وخضعت البلاد منذ ذلك الحين لسياسة خبيثة، تستهدف إبقاء الشعب التونسي في حالة من التخلّف الفكري عن طريق تشجيع الهياكل الثقافيّة التقليديّة والحيلولة دون قيام أي حركة تنويريّة أو محاولة إصلاح مستنيرة، والهجف الاستعماري لهذه السياسة معروف، ومن ثمّ كان لحركة التجديد الفكري والأدبي في تونس، كما الشأن في مصر وفي الشام وفي العراق وجهها السياسي بالضرورة؛ فقد كانت الدعوة إلى تحرير الأدب من قيوده التقليديّة البالية هي في نفسه دعوة إلى تحرير الإنسان من الظلم السياسي والاجتماعي الواقع به[2].

ربما يكون أبو القاسم الشابي (1909-1934م) من أهم الشعراء المحدّثين الذين تغنّوا للوطن والحرّيّة والحياة، ووقفوا من ثمّ ضدّ المحتلّ والمستعمر بكلمات أقوى من

(409)

الرصاص، وقصائد أشدّ من السهام، كانت ولا تزال أنشودة الشعوب المقهورة، وترنيمة الأوطان المغتصبة والأمم المنتهكة؛ بحثًا عن الحرّيّة ورغبة في التخلّص من الأسر والقيود، ورفضًا للعبودية والاستسلام والخضوع.

أصيبت تونس الخضراء في حرّيتها كما أخواتها من الدول العربيّة، فاحتلّتها فرنسا، وقامت باللعبة ذاتها التي لعبتها جلّ الدول الاستعماريّة التي حاولت أن تقنع الأوطان أنّها ما جاءت وما احتلّت بلادهم إلّا من أجل تخليصهم من الظلم والقهر والعبودية التي يعيشون فيها، وضدّ حكامهم وسلاطينهم، لكن تلك المبرّرات وهذه الأسباب سرعان ما انكشف أمرها، وعرفت هذه البلاد وخبِروا الوجه الاستعماري القبيح لتلك القوى المغتصَبة، فثارت عليهم بكل ما أُوتيَت من قوّة، وظلّت تحارب من أجل حرّيتها المفتقدة حتى كان لها ما أرادت.

وإن الناظر لديوان الشابّي ليلاحظ أنه يعجّ بعشرات القصائد الرنّانة التي تنبض حبًا للوطن، وتقطر غيظًا وحنقًا على المحتلّ المستعمر الغاصب، تدعو إلى الثورة، وتهيب بالشعوب إلى عدم الرضوح والاستكانة والرضى بالأمر الواقع، تلتهب عاطفة، وتوقظ الحماسة في نفوس الشعوب، وتشحذ الهمم التي ربما أصابها السقم، وران عليها الخنوع، وغطّاها الاستسلام.

وقف الشابي بكلّ ما أُوتي من قوّة الكلمة وسحر البيان وبراعة اللسان ملتزمًا بذلك أمام شعبه وأمّته ووطنه، مقاومًا الظلم والطغيان، والعبودية والاستعباد، رافضًا المصالحة مع الواقع المتردّي، والحاضر القميء، والمحتلّ الدنيء، متحسّرًا في الوقت ذاته على ما أصاب البلاد والشعوب من ضعف وظلم وجهل، باحثًا عن وطن مثالي يعيش فيه أبناء وطنه بعيدًا عن المعاناة والظلم والطبقية، والاحتلال.

لقد أدرك الشابّي ذلك الظلام الدامس الذي شاء الاستعمار أن ينشر أطنابه على البلاد، فقال:

(410)

إن ذا عصر ظلمة غير أنّي                 من وراء الظلام شمت صباحه

ضيع الدهر مجد شعبي ولكن            سترد الحياة يومًا وشاحه

وأدرك في الوقت نفسه الظلم الواقع على أبناء شعبه عن طريق سن القوانين التي تسلبهم حقوقهم الإنسانية وحرّيّاتهم فصرخ في وجهه، قائلًا:

ألا أيّها الظلم المصعّر خده                 رويدك إنّ الدهر يبني ويهدم

أغرّك أن الشعب مغض على قذى       لك الويل من يوم به الشر قشعم؟!

ومن ذلك قصيدته إلى طغاة العالم التي يستهلّها بقوله:

ألا أيها الظالم المستبدّ                      حبيب الفناء عدو الحياة

وأدرك وقوف الاستعمار في وجه أيّ حركة إصلاحية مستنيرة، فقال:

كلّما قام في البلاد خطيب            موقظ شعبه يريد صلاحه

أخمدوا صوته الإلهي بالعسف       أماتوا صداحه ونواحه

ألبسوا روحه قميص اضطهاد        فاتك شائك يردّ جماحه

كما أدرك الشابّي أنّه لن يخرج الشعب من حالة الموات إلى عنفوان الحياة، إلّا إذا نشط فيه دافع الحياة، إلّا إذا «أراد» حقًّا أن يكون شعبًا حيًّا، وهذه الإرادة لا تتحقّق بطريقة عفويّة، بل رهن بمدى حرارة الأشواق التي يستشعرها الإنسان إزاء الحياة، فإذا اشتعلت في نفسه هذه الأشواق تولّدت الإرادة، وتغلّب فيه دافع الموت، وعند ذاك يصبح الطموح دليل الإنسان إلى المغامرة، فإذا خمدت أشواق الحياة في نفس الإنسان، فقد الطموح وكفّ عن المغامرة، وصار حيًا كأنّه ميت، أو ميتًا كأنّه حي، وفي هذا يقول الشابي في أبياته المشهورة في قصيدته إرادة الحياة:

ئولا بدّ لليل أن ينجلي                  ولا بدّ للقيد أن ينكسر

ومن لم يعانقه شوق الحياة          تبخّر في جوّها واندثر

فويل لمن لم تشقه الحياة            من صفعة العدم المنتصر

ثمّ يعود في القصيدة ذاتها لكي يؤكد هذه المعاني حين يقول على لسان الأرض:

(411)

أبارك في الناس أهل الطموح            ومن يستلذّ ركوب الخطر

وألعن من لا يماشي الزمان                 ويقنع بالعيش عيش الحجر

هو الكون حي يحبّ الحياة                   ويحتقر الميت مهما كبر

فلا الأفق يحضن ميت الطيور               ولا النحل يلثم ميت الزهر

ولولا أمومة قلبي الرؤوم                      لما ضمّت الميت تلك الحفر

فويل لمن لم تشقّه الحياة                   من لعنة العدم المنتصر[1].

وفي قصيدته تونس الجميلة يعبّر عمّا اعتراها من خطب، وما حطّ عليها من ظلم، مؤكّدًا أنّه لن يستريح إلّا بعد أن تنال مرادها، وتحصل على مبتغاها، يقول[2]:

لست أبكي لعسف ليل طويل              أو لربع غدا العفاء مراحه

إنما عَبرَتي لخطب ثقيل                       قد عرانا ولم نجد من أزاحه

شرعتي حبك العميق وإني                    تذوّقت مره وقراحه

لست أنصاع للواحي ولو مت                وقامت على شبابي المناحه

لا أبالي وإن أريقت دمائي                     فدماء العشاق دومًا مباحه

ثمّ يعلنها مدوية عالية، صارخًا، في قصيدته «إلى الطاغية»، مؤكّدًا رفض الظلم، والاستعباد، وأنّ الشعب إذا اعتراه هوان أو صمت، فإنه سرعان ما سيقوم منتفضًا، محطّمًا قيده، فاكًّا أسره، يقول[3]:

يقولون صوت المستذلّين خافت            وسمع طغاة الأرض أطرش أضخم

وفي صيحة الشعب المسخّر زعزع          تخرّ لها شم العروش وتهدم

ولعلعل الحق الغضوب لها صدى           ودمدمة الحرب الضروس لها فم

إذا التفّت حول الحق قوم فإنّه                 يصرم أحداث الزمان ويبرم

(412)

لك الويل يا صرح المظالم من غد            إذا نهض المستضعفون وصمموا

إذا حطم المستعبدون قيودهم                وصبّوا حميم السخط أيّان تعلم

أغرّك أن الشعب مغضٍ على قذى           وأن الفضاء الرحب وسنان مظلم

ألا إنّ أحلام البلاد دفينة                           تجمجم في أعماقها ما تجمجم

ولكن سيأتي بعد لأي نشورها                  وينبثق اليوم الذي يترنّم

هو الحق يغفي ثم ينهض ساخطًا             فيهدم ما شاد الظلام ويحطم

ثمّ يستحثّ الشعب للثورة وعدم الركون إلى الاستسلام والخضوع والذلّة، فيقول معاتبًا إيّاه هذا الرضى بما وصل إليه، راثيًا لما آل إليه حال الشعب من الاستكانة[1]:

أين يا شعب قلبك الخافق الحساس؟            أين  الطموح  والأحلام؟

أين يا شعب فنّك الساحر الخلاق؟                 أين  الرسوم  والأنغام؟

إن يم الحياة يدوي حواليك                           فأين  المغامر  المقدام؟

أين عزم الحياة لا شيء إلّا                  الموت والصمت والأسى والظلام؟

عمر ميت وقلب خواء                                  ودم لا تثيره  الآلام

وحياة تنام في ظلمة الوادي                        وتنمو من فوقها الأوهام

   أي   عيش   وأي   حياة                         «رُبَّ عيش أخفّ منه الحمام»؟!

وغير ذلك من القصائد الرنّانة القويّة التي تملأ دواوين الشابي، لتؤكّد أنّه وبالرغم من صغر سنّه فإنه كان في طليعة الشعراء الذين كان لهم دور كبير في التعريف بجرائم الاحتلال في شعر ثوري كان ولا يزال أنشودة الشعوب المقهورة الطامحة نحو آفاق الحرّيّة وفضاءات الحياة.

 

(413)

قائمة المصادر والمراجع

1.إبراهيم، حافظ، ديوان حافظ إبراهيم، دار العودة، بيروت، د.ت.

2.البارودي، محمود سامي، ديوان محمود سامي البارودي، تحقيق: علي الجارم، محمّد شفيق معروف، دار العودة، بيروت، ط1، 1998م.

3.الجبرتي، عبد الرحمن، عجائب الآثار في التراجم والآثار، تحقيق: الأستاذ الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، مكتبة الأسرة، 2003م.

4.الخفيف، محمود، أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه.

5.الدسوقي، عمر، في الأدب الحديث، دار الفكر، القاهرة، ط8، 1983م.

6.الرافعي، عبد الرحمن، مصر والسودان في أوائل عهد الاحتلال، ط4، دار المعارف، القاهرة، 1983م.

7.ـــــــــــــــــ، مصطفى كامل باعث الحركة الوطنيّة، القاهرة، 1950م.

8.الشابي، أبو القاسم، الأعمال الشعرية الكاملة، دار العودة، بيروت، لبنان، ط1، 2006م.

9.شحاتة عيسى إبراهيم، عظماء الوطنيّة في العصر الحديث، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1977م.

10.شوقي، أحمد، الشوقيات، دار الكاتب العربي، بيروت، لبنان، د.ت.

11.صابات، خليل، مجلة الفكر المعاصر، مصر، 1969م.

12.عبد المطلب، محمّد، ديوان محمّد عبد المطلب، مطبعة الاعتماد، القاهرة، د.ت.

13.الغاياتي، علي، ديوان وطنيتي، مطبعة باب الخلق، مصر، ط2، 1983م.

14.كامل باشا، مصطفى، أوراق مصطفى كامل.

15.يكن، ولي الدين، ديوان ولي الدين يكن، مطبعة المقتطف، مصر، 1924م.

(414)

البعد الأدبي والفكري للثورة العرابيّة في مصر

تجربة الاستعمار الإنكليزي نموذجًا

 

أحمد محمّد رشاد سيد[1]

تمهيد

تُستعاد أحداث التاريخ غالبًا بشكل غير مباشر من خلال وسيط؛ وهو المصدر، وأي حدث تاريخي ليس له مصدر يسقط من حساب التاريخ. يبقى الأمر كذلك إلى أن نحصل على المصدر والشواهد التي تمكّننا من إخضاعه للدراسة والنقد والتمحيص. وتنقسم المصادر بدورها إلى مصادر تقليديّة ومصادر غير تقليديّة؛ فالمصادر التقليديّة تتمثّل في: الوثائق والآثار والمخطوطات والنقود والرنوك والدوريات وكتابات المؤرّخين المعاصرين للأحداث وغيرها...، فهي من المصادر التقليديّة لكتابة التاريخ.

أمّا المصادر غير التقليديّة، فتتمثّل في: التاريخ الشفاهي والأدب ممثّلًا في: الروايات والأشعار والأزجال والنكت والفلكولور والأدب الشعبي والأدب العام والأمثال والمسرح والسينما والدراما والصور ومواقع التواصل الاجتماعي حديثًا؛ فجميعهم من المصادر غير التقليدية لدراسة التاريخ.

وهذه الورقة محاولة لاستعادة حدث تاريخي مهم؛ وهو الثورة العرابيّة، اعتمادًا على أحد المصادر غير التقليدية لكتابة التاريخ؛ وهو الأدب بصفة عامّة، والشعر بصفة خاصّة، حيث تسعى هذه الورقة إلى البحث عن الظروف المحيطة بالمجتمع المصري، والعوامل التي أدّت إلى تفجير الثورة، وأهم الأحداث والمواقف التي صاحبت حدوثها، ونتائجها.

(415)

علاوة على نظرة الأدب لمواقف من شاركوا في صنع هذه الثورة، وهل ثبتت مواقفهم بعد الثورة أم تغيّرت؟ من خلال كتابات الشعراء المعاصرين للأحداث؛ وعلى رأسهم محمود سامي البارودي «ربّ السيف والقلم»، وغيره من الشعراء المعاصرين للأحداث أمثال: أحمد شوقي، وكتابات الخطباء وعلى رأسهم: محمّد عبده وعبد الله النديم.

الكلمات المفتاحية: ثورة أحمد عرابي، التاريخ الشفاهي، الأدب، الاستعمار، محمّد عبده، عبد الله النديم، أحمد شوقي.

مقدّمة

واقع الأمر أنّ الثورة لا تُسقط الواقع، بل تُسقط سيطرة السلطة على الواقع الذي يقوم على فكرة الديكتاتورية الإقصائية، وأهم أدواتها النفي والعنصرية والتجريد والاختزال؛ فالشعوب لا تثور على قيمها الخالدة، وتقاليدها الأخلاقية والثقافيّة والتاريخيّة؛ بل تثور ضد سوء استغلال السلطة للواقع، حفاظًا على هويّتها، ومقاومة الاستغال الفاسد لمصادرها[1].

وتتجسّد تلك المعاني بوضوح في الثورة العرابيّة؛ حيث شهدت الأوضاع الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة في مصر منذ عهد محمّد علي حتى أواخر عهد إسماعيل سلسلة من القهر الاجتماعي؛ سواء من السلطة الحاكمة، أو من العناصر الحاكمة في الريف؛ مما جعل الفلّاحين يشاركون بقوّة في الثورة[2].

ولم تكن الثورة العرابيّة ثورة ضدّ نظام الحكم القائم آنذاك فحسب؛ بل كانت ثورة وطنيّة ضد العناصر الأجنبيّة المتميّزة، والتي مكّنت لها الأسرة المالكة آنذاك، وأوسعت لها في العطاء والأملاك والمناصب، وكانت تنظر للمصريين باحتقار، وتنعتهم بالفلّاحين؛ فهي من أولى الثورات الدستوريّة في العالم العربي[3].

(416)

وكانت لهذه الثورة إرهاصات في السنوات السابقة عليها؛ حيث تشكّلت المعارضة الوطنيّة نتيجة تدفّق تيّار التدخّل الأجنبي، والتناقض بين سلطة الخديوي إسماعيل ورأس المال الأجنبي، وبين القوى الاجتماعيّة التي أُضيرت من جرّاء السيطرة المالية الأوروبيّة والاستثمارات الأجنبيّة، ومثّلت تلك المعارضة الوطنيّة البداية الحقيقيّة للثورة العرابيّة[1].

وترجع إرهاصات المعارضة الوطنيّة لعهد الخديوي إسماعيل، الذي أرسل بعثات للخارج اطّلعت على نمط الحضارة الأوروبية ونُظُمها السياسيّة، فعادوا إلى وطنهم وهم يحملون آمال تكوين نظام سياسي مصري مشابه لما رأوه في البلاد الأوروبيّة، تكون فيه السلطة التنفيذيّة مسؤولة بشكل مباشر أمام مجلس نيابي منتخب من الشعب، ويعبّر عن مصالحه.

هذا بجانب النهضة الثقافيّة والتعليميّة التي أنشأها إسماعيل في مصر، وخاصّة مدرسة الحقوق التي كان لها الفضل في تخريج جيل وطني قاد الحركة الوطنيّة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، خلاف القوى الوطنيّة التي أضيرت من جراء السياسات المالية لإسماعيل والتدخّل الأجنبي السافر الذي أدّى إلى خلع إسماعيل من الحكم، ثمّ نظام الحكم المستبدّ للخديوي توفيق ورياض باشا رئيس الوزراء آنذاك.

وفيما يخصّ التحريض على اندلاع الثورة، فقد شهدت فترة السبعينات من القرن التاسع عشر مقدّمات مباشرة أدّت لاندلاع تلك الثورة، يأتي في مقدّمتها سياسة الخديوي إسماعيل، والذي سعى لتحقيق الثراء على حساب خزانة الدولة، مع رغبته في الحصول على الاستقلال السياسي لمصر، لكن في وقت لم تتوازن فيه طموحاته السياسيّة مع خزانة الحكومة المصريّة.

وكانت مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في عصر إسماعيل تبلغ حوالي 5,000,000 فدان، ومن تلك المساحة امتلك الخديوي وعائلته مليون فدان، أي خمس الأراضي الصالحة للزراعة، والعشر أو 500,000 فدان امتلكها شريف باشا ونوبار باشا وكبار الملاك من الباشوات والأعيان، بينما سبعة أعشار تلك المساحة امتلكها باقي الفلّاحين أجمعين[2].

(417)

وقد ذكر محمود سامي البارودي الحالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة في مصر خلال كتاباته وأشعاره، واتُّهم الخديوي إسماعيل بالجشع والطمع والسعي إلى تكوين الثروات، فكانت سياسته المالية سببًا في دخول البلاد في منحدَر سياسي خطير، وقبيل التدخل الأجنبي الفجّ بسبب هذه الأزمة المالية نجد البارودي في كتاباته يحثّ المصريين على الثورة، وإزاحة إسماعيل عن الحكم، فكانت كتاباته منذرة بحدوث الثورة، ومنها قصيدته المشهورة «دعوة للثورة على الظلم» والتي جاء فيها[1]:

يودّ الفتي أن يجمع الأرض كلّها           إليه ولمّا يدرِ ما الله صانع

فقد يستحيل المال حتفًا لربه               وتأتي على أعقابهن المطامع

ألا إنّما الأيام تجري بحكمها                  فيحرم ذو كدّ ويرزق وادع

فلا تقعدنّ للدهر تنظر غبّه                 على حسرة فالله معطٍ ومانع

فلو أن ما يعطي الفتى قدر نفسه       لما بات رئبال الشرى وهو جائع

فيا قوم هبّوا إنّما العمر فرصة            وفي الدهر طرق جمًا ومنافع

أصبرًا على مسّ الهوان وأنتم              عديد الحصى إنّا إلى الله راجع

وكيف ترون الذلّ دار إقامة                  وذلك فضل الله في الأرض واسع

أرى أرؤسًا قد أينعت لحصادها              فأين ولا أين السيوف القواطع

فكونوا حصيدًا خامدين أوأفزعوا        إلى الحرب حتى يُدفع الضيم دافع

أهبّت فعاد الصوت لم يقضِ               حاجةً إلي ولباني الصدى وهو طائع

ولم أدر أن الله صوّر قبلكم                  تماثيل لم يخلق لهن مسامع 

وفي الأبيات السابقة يدعو البارودي المصريين صراحة للثورة على الخديوي إسماعيل وعدم الرضى بالذلّ والخضوع والاستسلام مواجهة لجشعه وطمعه ورغبته في الثراء الزائد، ويدعوهم إلى عدم الرضى بالذل والهوان؛ وخاصة أنّ عددهم كثير وليس قليلًا؛ حيث بلغ عددهم في عام 1877م حوالي 5,602,627 نسمة مصريين وأجانب؛ منهم

(418)

85 ألف أجنبي، والباقي مصريين[1]. وفي عام 1882م العام الذي اندلعت فيه الثورة العرابيّة وصل عددهم 6,806,381 نسمة[2].

 وذهب البارودي إلى أنه عن طريق الثورة يمكن للمصريين تحقيق آمالهم وطموحاتهم، ولمّا لم يلبِّ المصريون نداءه بالثورة اتّهمهم بأنهم مثل التماثيل التي لا تحرّك ساكنًا. هذا وقد رأى البارودي بعينيه آثار تلك الدعوات عندما أصبح الفلّاحون في طليعة المشاركين في الثورة العرابيّة.

ولم تكن شهادة البارودي على إسماعيل وعصره فقط، من خلال كونه أحد مواطني هذا العصر فحسب؛ بل امتدّت لأكثر من ذلك؛ لأنه كان من خواص إسماعيل، وصاحَبَه ثماني سنوات عرف خلالها حياة الترف والبذخ والقصور بصورة جارفة أدّت به في نهاية الأمر إلى أن ينقلب على أربابها[3].

لذلك دعوته للثورة على إسماعيل وضرورة خلعه من الحكم؛ ناتجة عن تجربة حسّيّة عاينها بنفسه.

وكان أوّل ردّ فعل حقيقي إزاء الوزارة الأوروبيّة المختلطة التي تمّ تأليفها في أغسطس 1878م ثورة قام بها مجموعة من الضبّاط قيل إن إسماعيل هو من أوعز إليهم بذلك؛ فأطاحوا بوزارة نوبار باشا، وتمّ تأليف وزارة برئاسة ولي العهد محمّد توفيق في مارس 1879م في محاولة لامتصاص الغضب وتهدئة الرأي العام[4].

وأنشد محمود سامي البارودي يوم رئاسة توفيق لمجلس النظار قائلًا[5]:

بك استقامت مصر حتّى غدت       يحمدها الوارد والصادر

وكيف لا تبصر قصد الهدى            حكومة أنت لها ناظر

(419)

وفي إبريل من عام 1879م تكوّنت جمعيّة سرّيّة أُطلق عليها جمعيّة حلوان بهدف الحدّ من سيطرة الأجانب ونفوذهم في الحكومة، وقد ضمّت شريف باشا وإسماعيل راغب ومحمّد سلطان وغيرهم[1]. لكن في 26 يونية 1879م تمّ خلع إسماعيل عن الحكم بأمر من السلطان العثماني وتولية ابنه توفيق بتحريض من إنجلترا وفرنسا؛ لهذا أصبح من المسلم به أن يخضع الحاكم الجديد لنفوذ الدولتين[2].

ولما جلس توفيق على العرش مدحه البارودي قائلًا[3]:

بلغت بفضل محمّد ما أملت            من عيشة رغد وجد أسعد

هو ذلك الملك الذي أوصافه           في الشعر حلية راجز ومقصد

فبنوره في كل جنح نهتدي             

 وبهديه في كل خطب نفتدي

سنّ المشورة وهي أكرم خطة          يجري عليها كل راع مرشد

هي عصمة الدين التي أوحي بها      ربّ العباد إلى النبي محمّد

فمن استعان بها تأيّد ملكه              ومن استهان بأمرها لم يرشد

أمران ما اجتمعا لقائد أمّة               إلّا جنى بهما ثمار السؤدد

جمع يكون الأمر فيما بينهم            شورى وجند للعدو بمرصد

هيهات يحيا الملك دون مشورة      ويعزّ ركن المجد ما لم يعمّد

فالسيف لا يمضي بدون روية         والرأي لا يمضي  بغيرمهنّد

فاعكف على الشورى تجد في طيّها   من بينات الحكم ما لم يوجد

وبخلاف تهنئة توفيق بجلوسه على العرش، واستبشار البارودي به خيرًا حينها، فقد ذكّره بوعده الذي قطعه على نفسه سالفًا بإنشاء مجلس نيابي، وذكّره بأن هذا الأمر ضروري

(420)

لبقاء ملكه وسطوع مجده؛ فبالقوّة العسكريّة، وبالمجلس النيابي الذي يتمّ تحقيق مبدأ الشورى به يستمرّ السلطان، وبهذا كان البارودي يعبّر عن آمال وطموحات قطاع عريض من المصريّين.

ولكن توفيق تنكّر لوعوده، ورفض فكرة الحكم النيابي، وأوعز إلى شريف باشا بتقديم استقالته من الوزارة التي عقد عليها المصريون آمالًا كبيرة في تطبيق الحكم النيابي الدستوري، وقام بتشتيت القوى الوطنيّة، وقبض على جمال الدين الأفغاني زعيم الحزب الوطني الحر في أغسطس 1879م وطرده خارج البلاد، وشرّد أنصاره ومريديه، وحدّد إقامتهم في بلادهم وقراهم بعيدًا عن العاصمة، ومُنعوا من الحديث في السياسة، وأسند الوزارة إلى رياض باشا أحد أنصار الحكم المطلق وخير معين للنفوذ الأوروبي[1].

فكان من الطبيعي أن يدخل البارودي في صدام مع وزارة رياض باشا، وينتقدها صراحةً، وممّا قال في هجائها[2]:

وما الحبّ إلّا حاكم غير عادل             إذا رام أمرًا لم يجد من يصده

له من لفيف الغيد جيش ملاحة         تغير على مثوى الضمائر جنده

ذوابله قاماته وسيوفه                     لحاظ العذارى والقلائد سرده

ظلوم له في كل حي جريرة              يضج لها غور الفضاء ونجده

فإن كنت ذا لبّ فلا تقربنّه                فغير بعيد أن يصيبك حده

وقد كنت أولى بالنصيحة لو صغا      فؤادي ولكن خالف الحزم قصده

أبى الدهر إلا أن يسود وضيعه          ويملك أعناق المطالب وغده

إذا المرء لم يدفع يد الجور إن سطت     عليه لا يأسف إذا ضاع مجده

من العار أن يرضى الفتى بمذلّة          وفي السيف ما يكفي لأمر يعدّه

فإما حياة مثل ما تشتهي العلا            وإمّا ردى يشفي من الدماء وفده

(421)

وفي الأبيات السابقة ينتقد البارودي حكومة رياض، ويمتهنها لمخالفتها للمطالب التي سعى إليها المصريّون، واستبشروا بها بداية حكم توفيق، ويلوم نفسه لانخداعه بتوفيق؛ حيث ظنّ به خيرًا بادئ الأمر، ولكن مع تعيينه لرياض باشا، وسياسة القمع التي صار عليها، ورفضه لمطالب جموع الوطنيّين؛ دعا الناس مرة أخرى لرفض الذلّ والعار والخزي، وفضّل لهم حياة المجد والعلا بدلًا من الذلّ والعار، وآثر لهم موتًا فيه كرامة، عوضًا عن حياة فيها الخزي والعار والذلّ.

وكان رياض باشا خير أداة للدول الدائنة، فلم يقاوم التدخّل الأجنبي، وفي عهده تمّ إقرار مشروع المراقبة الثنائيّة التي أدّت إلى بيع أسهم مصر في قناة السويس لاتّحاد الماليين في باريس وفاءً للدين، وإلغاء قانون المقابلة، وصدور قانون التصفية؛ كل ذلك كان من العوامل التي فجّرت الثورة العرابيّة[1].

ولمّا كان الجيش هو صاحب السلاح؛ وجد فيه المصريّون القوّة التي تحقّق لهم أمانيّهم، وقُدّر لمصر أن يتولّى زعامتها عسكريّون في تلك الأونة، وخاصّة الذين لا ينتمون إلى شريحة عليا، فقد عاشوا حياة المعاناة التي يعيشها عامة المصريّين، بالإضافة إلى معاناة أخرى متمثّلة فيما يلاقونه على يد عثمان رفقي الجركسي ناظر الحربية آنذاك، والذي جامل الأتراك على حساب المصريّين، وإن كان البارودي جركسي النزعة؛ إلّا أن ذلك لم يؤثّر على انتمائه وشعوره بالمعاناة التي يعانيها المصريّون[2].

لذلك نجده ينتقد عثمان رفقي وزير الحربيّة بلا هواده، ويهجوه في الشعر، وممّا قاله فيه ما يلي[3]:

إنَّ ملكًا فيه فلان وزيرًا         لمباح للخائنين وبل

أهوج أحمق شتيم لئيم          أغتم أبله زنيم عتلّ

(422)

صغرت رأسه وأفرط في الطول       شواه وعنقه فهو صعل

أبرزت قدرة الطبيعة منه                 شكل لؤم إن كان للؤم شكل

هدف للعيوب في كل عضو            منه سهم للطاعنين ونصل

نسلته من استها أم سوء                  ما لها غير طائف الليل بعل

نازعتك اليهود واختلفت فيك             النصارى فأنت لا شك بغل

كل وغد أهدى إلى اللؤم من             باز ولكن من الحمار أضل

قد تغذّى باللؤم إذ هو طفل              وتمادى في الغي إذ هو كهل

كنت لا أحسن الهجاء ولكن                علّمتني صفاتهم كيف أتلو

كل شيء يفنى ولكن هجائي              فيك باق ما عاقب السيف صقل

وتوحي الأبيات بحجم الكره الذي حمله العسكريّون لعثمان رفقي الشركسي ناظر الحربيّة وبني جنسه من الأتراك؛ إذ كان لسياسته العامل الأكبر في إثارة حفيظة العسكريّين، وخاصّة قانون الترقية، والذي قصر الترقية على خريجي المدرسة الحربيّة، وأغلق الباب أمام كثير من الضبّاط المصريّين للحصول على الترقية التي ينشدونها[1].

وعندما علم الضباط بصدور هذا القانون الصادر في 31 يولية 1880م ثارت ثائرتهم، لأنّ هذا القانون يمنع ترقية الجنود إلى ضباط، ويستهدف الضبّاط المصريين، فكان من العوامل الرئيسية التي أدّت إلى حركة الضباط بعد اجتماعهم في بيت أحمد عرابي في 16 يناير 1881م[2].

وبالتالي كانت كتابات البارودي وأشعاره من أهمّ العوامل التي دفعت المصريّين عامّة والعسكريّين خاصّة للثورة أوائل حكم توفيق؛ حيث طالب المصريّين مرارًا بالثورة على نظام الحكم القائم آنذاك ليعيشوا الحياة التي يأملونها لأنفسهم ولأبنائهم، فكان لكتاباته صدًى جُنيت ثماره من خلال حركة العسكريين مطلع عام 1881م، وانضمّ لها جموع المصريّين، وصاروا في ركابها لتحقيق آمالهم وطموحاتهم؛ فبدأت حركة الضباط لتحقيق

(423)

مطالب عسكريّة في بادئ الأمر، ثمّ أصبحت لسان حال الأمّة بأسرها في مطالب سبتمبر 1881م.

ولم تكن كتابات البارودي وحدها هي المحرّك والدافع للثورة في بدايات حكم توفيق؛ بل كان للشيخ محمّد عبده وعبد الله النديم وغيره من الصحفيّين دور في إثارة الحماسة لدى المصريّين من خلال خطبهم أمام العامّة، أو من خلال كتاباتهم على صفحات الجرائد والمجلّات.

الشيخ محمّد عبده

الظروف التي أحاطت بالشيخ محمّد عبده وتلمذته على يد الشيخ جمال الدين الأفغاني، والأحداث التي عاينها وعايشها؛ كانت جميعها من القوّة الدافعة بحيث تخلق منه شخصيّة ثوريّة ذات أثر وفاعليّة لا حدود لها، إلّا أنّه في نهاية الأمر ظهر بمظهر التطوّر العام لعصره، واختلفت مواقفه السياسيّة قبل الثورة العرابيّة، وبعد عودته من المنفى خارج مصر، فكان أكثر اعتداليّة ومهادنة للاحتلال[1]. بعكس طبيعته الثوريّة التي بدا عليها، وبعد أن كان من المحرّكين بكتاباته ومقالاته وخطبه للأحداث ومشاركًا فيها.

في البداية كانت كتابات محمّد عبده من العوامل التي ألهبت الحماسة الدينيّة والثوريّة في نفوس المصريّين، وكان متأثّرًا بأستاذه جمال الدين الأفغاني وأرائه في الإصلاح، فكان اتّجاهه إسلاميًّا يرى المحافظة على الدولة العثمانيّة قبل كل شيء، ويعتبرها ثالثة العقائد بعد الإيمان بالله ورسوله، وكان يمقت الأجانب ويسيئ الظنّ بهم ويعتبرهم شياطين، ورأى أنّ الأجانب من فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا أنشأوا مدارس في البلدان الإسلاميّة ليحاولوا هدم عقائد المسلمين ويستغلّوا أهواءهم نحو البلاد التي يمثّلونها[2].

وعبّرت كتابات محمّد عبده عن أفكاره واتّجاهاته الإصلاحيّة المتمثّلة في الحرّيّة، والتي رأى أنها ليست مطلقة بل مقيدة بحرّيّة الجميع، وركّز على حرّيّة التفكير والقول

(424)

والانتخاب، وأكّد على أهمّيّة مبدأ الشورى، والذي اعتبره أحد أهم دعائم الدولة الإسلاميّة، موضحًا أنها ضدّ الاستبداد، وأنّها مرتبطة بالإطار الديمقراطي، وأكّد على الإرادة الشعبيّة العامّة، وأهميّة تطبيق القانون، وأكّد أنّ الحاكم يجب عليه ألّا يستند إلى القوّة الغاشمة؛ بل إلى القانون الذي يعدّ الضامن الأساسي لحرّيّة الأفراد[1].

كانت كتابات محمّد عبده قائمة على تحرير الفكر من قيد التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمّة قبل ظهور الخلاف بالرجوع إلى ينابيعه الأولى، وإصلاح اللّغة العربيّة، ودعا الناس إلى معرفة حقوقها على حاكمها، وبدأ يكتب في هذه الاتّجاهات منذ أول مقالاته في جريدة الأهرام سنة 1876م، واستهلّ أوّل مقالاته بتذكير المصريّين بتاريخهم العظيم، ثمّ ذكر ما كانوا عليه من وهن وضعف لإهمالهم اللّغة العربيّة والعلوم المعاصرة[2].

كما كان محمّد عبده -مع أستاذه جمال الدين الأفغاني- من الدعائم الأساسيّة لتكوين الجبهة الوطنيّة التي أطلقت على نفسها اسم الحزب الوطني الحرّ، والتي تشكّلت في عام 1879م، وكان لها برنامج إصلاح سياسي، وهذه الجماعة تمخّضت عن محفل الشرق الذي أسسه الأفغاني، وضمّ إليه الشيخ محمّد عبده وأحمد عرابي وعبد الله النديم وتوفيق ابن إسماعيل، وكانت أهم مطالب هذا الحزب قائمة على تنازل إسماعيل عن الحكم لابنه توفيق[3].

وبالتالي لم تكن مشاركة محمّد عبده مقتصرة على الكتابة في الصحف فقط، بل كان عضوًا في حركة سياسيّة لها مطالب وإصلاحات سياسيّة، ولديها برنامج سياسي واضح للإصلاح، ضمّت هذه الحركة مجموعة من المثقّفين والعسكريّين بجانب رجال الدين.

وعقب تولّي توفيق الحكم تخلّص من السيِّد جمال الدين الأفغاني، لأنّه علم من خلال مصاحبته في محفل الشرق دوره القوي وتأثيره في الأحداث؛ فبادر إلى التخلّص

(425)

منه وقام بنفيه خارج البلاد، أمّا محمّد عبده فعزله الخديوي من وظائفه، ونفاه إلى بلدته محلة نصر؛ فكان يسافر إلى القاهرة خفية ويلتقي برفقائه في حركة الكفاح، فجعله الخديوي توفيق دون أن يدري أقرب الأزهريين إلى مقاليد القيادة[1].

ثمّ احتلّت الوقائع المصريّة موقعًا على خريطة الثورة؛ إذ اتّخذها محمّد عبده وسيلة للتعبير عن آرائه السياسيّة والإصلاحيّة قبيل اندلاع الثورة العرابيّة؛ حيث كتب في ضرورة تحرير الفكر، ورفع الظلم عن المحكومين وتطبيق العدالة، وتميّزت أراؤه بالاعتدال في البداية من خلال المطالبة بإصلاح المجتمع عن طريق الاهتمام بالتربية والتعليم، لكن مع إحساسه بعمق الثورة انضم إليها متحدّثًا عن الوحدة الوطنيّة التي يمكنها الانتصار على الأعداء، وتطرّق إلى أهميّة الحكم الدستوري[2].

وأفاض محمّد عبده في شرح أفكاره في جريدة العروة الوثقى، وبين حرّيّة الرأي والتعبير والانتخاب، والتأكيد على أهميّة القانون الذي يجب أن ترجع إليه الأمّة جميعها، وبين مساوئ حكم القوّة التي أدّت إلى سفك الدماء وذلّت الشعوب وأنهكت حرمات الأمم، وسجنت حرّيّات الإنسان في الرقّ والاستبداد، وأكّد على مفهوم القوميّة التي لا تفرق بين دين وآخر، وأبعاد القومية اللّغة والأرض والكيان السياسي والعادات والتقاليد أو الدين، وأنّ العامل الأساسي في تحفيز القوميّة هو الإرادة الحيّة للإنسان[3]. وأكّد على أهميّة الشورى التي تعد واجبًا شرعيًّا، وكيفيّة إجرائها غير محصورة في طريق معين بالنسبة للحكّام، ومناصحة أولي الأمر واجبة بأيّ طريقة توجب العدل والمنفعة للأمّة بأسرها[4].

وبالتالي كانت كتابات محمّد عبده، وأفكاره في الإصلاح، وخطبه، ومواقفه السياسيّة من العوامل المحرّكة للثورة العرابيّة. ورغم أنّه لم يكن مع حركة العسكريين في البداية؛ إذ رأى أنّ أوّل ما يجب القيام به هو إصلاح التربية والتعليم لتكوين رجال يقومون بأعمال

(426)

الحكومة النيابيّة على بصيرة، إذ ليس من الحكمة إعطاء الرعية ما لم تستعد له، لأن ما كانت تطالب به رؤساء الفرق العسكريّة لم تكن الأمّة مستعدة له، وخشي أن يجر الشغب على البلاد احتلالًا أجنبيًّا، وكان يؤمن حينها بفكرة المستبد العادل[1]. إلّا أن تطوّر الأحداث عقب ذلك جعلته في مقدمة العرابيين، وناله ما نالهم من الجزاء نهاية الأمر.

عبد الله النديم

لم يكن عبد الله النديم فردًا تميّز بمواهبه؛ وإنّما رجلًا تجمّعت فيه طاقات شعب عريق؛ غلب عليه طابع الاستبداد فترة من الزمن، فلمّا آن له أن يطلب الحرّيّة انطلق معبّرًا عنها؛ حيث إن حياته غنيّة بما تتطلّبه حياة شعب يصنع تاريخه ويدافع عن وطنه ويحمي مستقبله ومصيره في مرحلة تاريخيّة مهمّة من أعنف مراحل التاريخ المصري الحديث، مستخدمًا في ذلك الصحافة الوطنيّة والنضال الشعبي[2].

وكانت أساليبه النضالية قائمة على النقد اللاذع عن طريق الفكاهة، والتي كان لها أثر كبير في النفوس، وقد عمل بالصحافة عقب عمله في مصلحة التلغراف، وأنشأ جريدة التنكيت والتبكيب، وبعدها أنشأ جريدة الأستاذ، ثم جريدة الطائف[3].

في عام 1876م استقرّ بالإسكندريّة في فترة صعود الحركة الوطنيّة، وهناك اتصل بعناصر من جماعة مصر الفتاة وبدأ عبد الله نديم الكتابة بانتظام في عدد من الصحف التي أصدرها أديب إسحاق وسليم نقاش، وفي عام 1879م شارك في تأسيس الجمعيّة الخيريّة الإسلاميّة وأصبح مديرًا لمدرستها، كما تولّى تدريس الإنشاء وعلوم الأدب والخطابة بها وأنشأ فريقًا للمسرح بالمدرسة، وفي الإسكندريّة بشّر بمبادئ حزبه الجديد الذي أسسه «حزب الإصلاح»[4].

(427)

كما شارك في تحرير جريدتى «مصر»، و«التجارة»، ولم يكتفِ النديم بالنضال الصحفي، ففي عام 1879م أقام النديم في الإسكندريّة محفلًا للخطابة راح يستغلّه في نشر دعوته الإصلاحيّة وأفكاره التحريضيّة ضدّ الظلم. تعرّف على محمود سامي البارودي، واشترك في الثورة العرابيّة عام 1881م وانضمّ لها بقلمه ولسانه، فكان وقودًا لهذه الثورة، حيث كان صوته يجلجل في الآذان، ويوقظ الأسماع بنبرته المعبّرة وأدائه الخطابي البديع. وأصدر عبد الله النديم مجلة «التنكيت والتبكيت» لمؤازرة الثورة العرابيّة، فصدر عددها الأوّل بتاريخ 6 يوليو 1881م وعددها الأخير بتاريخ 23 أكتوبر 1881م[1].

وكانت كتاباته في التنكيت والتبكيت عامرة بالمقالات والطرائف نصفها باللّغة العربيّة الفصحى، والنصف الآخر باللّغة العامية، وظلّت تصدر الجريدة بالإسكندريّة عدّة شهور وإقبال الناس عليها مستمرّ، حتى إذا تطوّرت الثورة العرابيّة نقلها من الإسكندريّة، واختار لها اسم الطائف؛ فكانت اللسان المعبّر عن العرابيّين، وكانت تنتقد الخديوي بقوّة وجرأة، وتشرح بؤس الفلّاحين في السخرة، وتدعو إلى الإصلاح النيابي والحكم القائم على مبدأ الشورى[2].

وشنّ النديم هجومًا في مقالاته على الأغنياء ووصفهم بالجشع والطمع، كما أنّه آمن بالشورى وردّدها في مقالاته، وأكّد على أهميّة الانتخابات وضرورة اشتراك جميع المصريّين فيها، وأن يكون الحاكم مصريًّا خالصًا على اعتبار أنّ مصر للمصريّين في وقت لا ينكر فيه عروبة مصر[3].

وعبّر النديم في خطبه الثورية عن مختلف المواقف السياسيّة والأوضاع الاجتماعيّة، ومن أهمّ أسباب قوّة تأثيره في الناس أنّه كان يندمج معهم تمامًا، كما كان لديه القدرة على تمثيل مآسي الفقراء التي عايشها بنفسه، وانتقد حكم إسماعيل ثمّ توفيق، وكان هادفًا إلى الإطاحة بعرش توفيق، وفي جريدة الطائف بثّ دعوته إلى الحرب وحثّ الشعب على القتال وتحريض الجنود والاستبسال، فكانت كتاباته في الطائف خير تعبير عمّا يجيش

(428)

بصدور المصريّين من كراهية تجاه الخديوي والأجانب معًا[1].

وعقب أحداث فبراير 1881م كان عبد الله النديم صاحب فكرة تحويل حركة الضباط إلى حركة شعبيّة عامة عن طريق صياغته للمنشور الذي وافق عليه عرابي؛ والذي بمقتضاه يحق لعرابي المطالبة بحقوق الأمّة نيابة عن الشعب، والتحدّث باسمه فيما يتعلّق بشؤون البلاد[2].

وبالتالي فكانت كتابات النديم وخطبه ومقالاته من العوامل التي فجّرت الثورة؛ إذ كانت الصحافة من العوامل المحرّكة لمجريات الأمور، وإذا كان محمّد عبده يمثّل التيار المعتدل في الأحداث، فإنّ كتابات عبد الله النديم مثّلت التيّار المتطرّف، الذي لا يرى الإصلاح إلّا من خلال الثورة والخلاص من النظام الحاكم، ومن التدخّل الأجنبي معًا، والتخلّص من طبقة الأغنياء التي أثّرت على حساب المعدمين الفقراء، فكانت كتاباته تحمل في طياتها نزعة سياسيّة واجتماعيّة؛ ولذلك وجدت اعتراضًا عند قطاع عريض من الفلّاحين شاركوا بأنفسهم في أحداث الثورة العرابيّة.

الأدب وأحداث الثورة العرابيّة

فيما يتعلّق بالبارودي فقد جسّد لنا الأدب مواقفه أثناء فترة الثورة، وبعد أن نجحت حركة الضباط في خلع عثمان رفقي الشركسي ناظر الحربيّة وتولية البارودي بدلًا منه؛ وقعت عدّة مخاصمات بين الخديوي والضباط العرابيّين، كان أشهرها حادثة مقتل جندي مصري من فرقة المدفعية بالإسكندريّة في 25 يوليه 1881م، وعقب اعتراض زملائه من الجنود على الحادثة مقتحمين قصر الخديوي بالإسكندريّة، حاملين زميلهم الجندي المقتول؛ استاء الخديوي من مسلكهم وحكم عليهم بالنفي إلى السودان، فقدم عبد العال حلمي تقريرًا رفعه للبارودي معترضًا على قسوة الأحكام في حق الجنود؛ ولمّا قدّم البارودي التقرير للخديوي حدث بينهما شقاق اعتزم على إثره البارودي أن يقدّم استقالته من نظارة الحربية[3].

(429)

هذا وقد ذكر البارودي استقالته من وزارة الحربيّة في الأبيات التالية:[1]:

ما لي بودك بعد اليوم إلمام           فاذهب فأنت لئيم العهد نمّام

قد كنت أحسبني أدركت مأربة         من المنى فإذا ما خلَت أحلام

هيهات مني الرضى من بعد تجربة      إنّ المودّة بين الناس أقسام

فاطلب لنفسك غيري إنني رجل         يأبي لي الغدر أحوال وأعمام

ظننت خيرًا ولم أدرك عواقبه             فكان شرًا وبعض الظن آثام

وكيف يصلح أمر الناس في بلد          حكامه لبنات اللهو خدام

وهنا نجد البارودي يتشدّد في توجيه النقد للخديوي توفيق، ويذكره بأنّه لئيم ونمّام، وذكر أنّه ظنّ معرفته به جيّدًا، ولكنه كان مخطئًا. وذكر صراحةً أنه يرفض الغدر والخيانة، وطلب منه أن يعين غيره لأنّه متمسّك بمواقفه الوطنيّة، ولا يتخلّى عن أصدقائه وأعوانه وزملائه في الخدمة العسكرية، ولا يبيع قضيّة وطنه، وأكّد أنّ بعض الظنّ أثم وشر، وأكّد أنّ حال البلد لا يصلح طالما كان حاكمها منشغلًا باللهو والترف والملذّات.

وعقب ذلك تسارعت الأحداث، وفي 9 سبتمبر 1881م سقطت وزارة رياض باشا، وجاءت وزارة شريف باشا وعاد البارودي بها وزيرًا للحربيّة. وحدث الصدام الشهير بين شريف باشا والعرابيّين بسبب مناقشة الميزانيّة عقب إرسال المذكرة المشتركة الأولى؛ كنتيجة مباشرة لافتتاح المجلس النيابي، ولعب البارودي الدور الأكبر في الوقوف في وجه شريف باشا، وسقطت وزارة شريف باشا، وتم تكليف البارودي بتشكيل الوزارة، والتي كان أحمد عرابي بها وزيرًا للحربيّة، وجعلته الأحداث يرتقي الصدارة، ولكن طبيعته الشاعريّة جعلت أضعف من أن يقف موقف الصلابة السياسيّة، وتتغير مواقفه عقب ذلك[2].

وعقب المذكرة المشتركة الثانية قدم البارودي استقالته من رئاسة الوزراء، بينما تشكّلت وزارة جديدة وظلّ عرابي بها وزيرًا للحربيّة، ثمّ تطوّرت الأحداث وانتهى الأمر بالاحتلال

(430)

الإنجليزي لمصر في سبتمبر 1882م، ومثل البارودي للمحاكمة، وتمّ اتّهامه بارتداء الملابس العسكريّة دون إذن عقب دخول الإنجليز للإسكندريّة، واتّهامه بالمشاركة مع العرابيّين بالسعي لإقالة الخديوي أو قتله، وأن محمّد عبيد عرض قتل الخديوي بتحريض من عبد الله النديم، وأنّه -أي البارودي- لم يبد اعتراضًا على هذا الأمر، ورفض البارودي هذه الاتّهامات، وتمّ إيداعه السجن[1].

وفي السجن ذكر البارودي الأبيات التالية[2]:

شفني وجدي وأبلاني السهر         وتغشتني سمادير الكدر

فسواد الليل ما إن ينقضي            وبياض الصبح ما إن ينتظر

لا أنيس يسمع الشكوى ولا           خبر يأتي ولا طيف يمر

بين حيطان وباب موصدٍ              كلّما حركه السجان صر

يتمشى دونه حتى إذا                  لحقته نبأة مني استقر

كلّما درت لأقضي حاجة               قالت الظلمة مهلًا لا تدر

أتقرّي الشيء أبغيه فلا                أجد الشيء ولا نفسي تقر

ظلمة ما إن بها من كوكب          غير أنفاس ترامى بالشرر

فاصبري يا نفس حتى تظفري       إن حسن الصبر مفتاح الظفر

هي أنفاس تقضى والفتى           حيثما كان أسير للقدر

وهنا البارودي يشكو وحشة السجن وظلمته، حيث لا أنيس ولا جليس له، حتى أنه يسعد كلما يسمع السجّان يفتح باب زنزانته الانفراديّة، لأنّه يقطع عليه وحدته، وينهي عنه ظلمته قليلًا، ويبحث عن الأشياء فلا يجدها، ويهون على نفسه ذلك السجن الموحش، فليس له إلّا الصبر كي يظفر بالنجاة.

وعندما ذكر أمر الضبّاط الذين خانوا عرابي وانضموا للإنجليز وكانوا من أسباب

(431)

هزيمته في التل الكبير[1]، تلك المعركة التي كانت السبب الرئيس في احتلال إنجلترا لمصر أنشد البارودي في حقهم الآتي[2]:

لأي خليل في الزمان أرافق               وأكثر من لاقيت حبّ منافق

بلوت بني الدنيا فلم أر صادقًا         فأين لعمري الأكرمون الأصادق

وما كل من حدّ الروية حازم               ولا كل من رام السوية فارق

أضعت زماني بين قوم لو أن لي        بهم غيرهم ما أرهقتني البوائق

فأعلمهم عند الخصومة جاهل             وأتقاهم عند العفافة فاسق

وأخلاق صبيان إذا ما بلوتهم                علمت بأن الجهل بين الناس نافق

دعوني إلى الجلى فقمت مبادرًا           وإني إلى أمثال تلك لسابق

فلما استمرّ الجد ساقوا حمولهم           إلى حيث لم يبلغه حادٍ وسائق

فلا رحم الله امرءًا باع دينه                   بدنيا سواه وهو للحق رامق

ويشرح البارودي هنا حال الخيانة التي لقيها عرابي من بعض الضباط في معركة التل الكبير، ويصفهم بأنّهم صبيان وينعتهم بالجهل والنفاق، حيث اتّصل الخديوي وسلطان باشا بضابط يُدعى على يوسف، ووعده بالنياشين؛ فكانت خطط الجيش السرّية تُرسل عن طريقه، كما كانت أعداد وقوات وتحركات عرابي معروفة للإنجليز وللخديوي، وفي الليلة التي حدث فيها الهجوم كتب علي يوسف لعرابي بعدم رصد تحرّكات للعدو، واستيقظت القوات عند الفجر على صوت مدافع الإنجليز في معركة لم تستغرق سوى عشرين دقيقة، معركة كان بطلها الأوّل الغدر والخيانة[3].

وفيما يخصّ موقف محمّد عبده وعبد الله النديم من أحداث الثورة، فقد كان محمّد

(432)

عبده معتدلًا أوّل الأمر، وعينته وزارة شريف باشا رئيسًا لقلم المطبوعات العربيّة والتركيّة، وعقب سقوط وزارة شريف وتولية البارودي وتأليف الدستور في 7 فبراير 1882م. كان محمّد عبده من الخطباء الذين خطبوا في الاحتفالات العامّة بجانب، عبد الله النديم وإبراهيم اللقاني وأديب إسحق -جميعم تلاميذ جمال الدين الأفغاني- عطفًا على فتحي زغلول تلميذ محمّد عبده[1].

ولما أصبحت البلاد على شفا حرب، وتم التمهيد للاحتلال الإنجليزي لمصر من خلال تدبير مذبحة الإسكندريّة في يونية 1882م ذهب محمّد عبده إلى أن:

«الحكومة الإنجليزيّة على عادتها في اختلاق العلل وارتجال المساءات قلّبت وجوه المسائل، واستدبرت طالع الحق، واستقبلت وجه مطمعها، واتخذت مجرد التغيير في بعض نظامات الحكومة الخديويّة سببًا للمناوأة، واندفعت لتسيير مراكبها إلى مياه الإسكندريّة تهديدًا لحكومة الخديوي وعدوانًا عليه، ثم نفخ بعض رجالها في أنوف ضعفة العقول من الأجانب المقيمين بالثغر، حتى أوقدوا فتنة هلك فيها المساكين، قضاء لشهوة إنجليزيّة، وأقامت منها حكومة إنكلترا حجة في العدوان على الأراضي الخديوية، ولو أنّ بصيرًا نظر إلى أحوال القطر المصري بعين صحيحة من مرض الغرض لعلم أن بداءة الخلل في ذلك القطر من يوم ورود المراكب الإنكليزية لثغر الإسكندريّة، ولا نسبة بين ما كان قبل ذلك من عموم الأمن ورواج الأعمال وانتظام المصالح، وبين ما كان بعده»[2].

وبالتالي فقد وجّه محمّد عبده اتهامه للحكومة الإنجليزيّة بالسعي لاحتلال مصر، وتدبيرها تلك المذبحة التي راح ضحيّتها العشرات من المصريّين والأجانب تمهيدًا لاحتلال مصر، وأنّ الأحوال داخل الأراضي المصريّة أصبحت غير مستقرّة منذ مجيء السفن الإنجليزيّة محاصرة لشواطئ الإسكندريّة.

واستطاع محمّد عبده عن طريق مقالاته في الوقائع المصريّة إلهاب الثورة عن طريق

(433)

نشره لخيانات أعداء الثورة، وتمجيده للقائمين عليها ومشجّعيها، كما حثّ على الجهاد والتطوّع والتبرّع من أجل مصر، وكان دائمًا يستشهد بالكتاب والسنّة، واستطاع بفضل كتاباته أن يفتح عقول الأمّة ويوجّهها نحو طلب الحرّيّة والإصلاح[1].

وعقب ضرب الإنجليز للإسكندريّة أصدر الخديوي أوامره لعرابي بالحضور للإسكندريّة في 17 يوليه 1882م، ولما رفض عرابي تنفيذ أوامره قام بعزله من منصبه كوزير للحربية؛ فدعا عرابي إلى تشكيل جمعية عمومية حضرها خمسمئة من الأمراء والعلماء والأعيان فيهم شيخ الأزهر وقاضي القضاة والمفتي وبطريرك الأقباط وحاخام اليهود ومحمود سامي البارودي، ثمّ تليت عليهم المنشورات الصادرة من الخديوي، وتلا محمّد عبده المنشورات الصادرة من عرابي، ثم تُليت فتوى شرعية من الشيخ محمّد عليش والشيخ حسن العدوي والشيخ محمّد أبو العلا الخلفاوي بمروق الخديوي لانحيازه إلى الإنجليز[2].

وقرّرت الجمعيّة العموميّة عدم عزل عرابي من منصبه، ووجوب توقيف الخديوي توفيق لخروجه عن الشرع الحنيف، ثمّ وضع الشيخ محمّد عبده صيغة يمين تقاسمها بين يديه الضبّاط للدفاع عن الوطن، كما قاد الدعوة للتطوّع في الجيش بالنفس أو المال أو الرجال. وعقب هزيمة عرابي في التل الكبير ودخول الإنجليز القاهرة تمّ تقديم محمّد عبده للمحاكمة؛ فقدّم مذكّرة ذهب فيها إلى التأكيد على أن جهادهم كان جهادًا دينيًّا وطنيًّا ضمّ رجالًا من جميع الفئات والأجناس: مسلمون ومسيحيّون ويهود، بذلوا كلّ ما يملكون؛ لإيمانهم أنّها حرب بين المصريين والإنجليز، واتّهم الخديوي وعمر باشا لطفي محافظ الإسكندريّة بتدبير الفتنة. وقد أنشد وهو في سجنه قائلًا: مجدي بمجد بلادي كنت أطلبه وشيمة الحر تأبى خفض أهليه[3].

(434)

ولم تقتصر جهود محمّد عبده على مقامه في مصر؛ إذ استمرّ نضاله وهو خارج البلاد، فبعد نفيه إلى بيروت أقام بها عامًا، ثم لحق بأستاذه جمال الدين الأفغاني في باريس، وقاما بإنشاء جريدة العروة الوثقى، والتي كانت تصدر من باريس، وكان يدير سياستها جمال الدين الأفغاني، ورئيس تحريرها محمّد عبده، وصدر العدد الأول منها في 13 مارس 1884م[1].

أمّا عبد الله النديم، فقد استمرّت مواقفه مع الثورة، واستمرّت النداءات التي أثارت الحميّة الدينيّة والوطنيّة، من خلال كتاباته في مجلّة الطائف التي كانت الناطقة باسم العرابيّين، وتلبية لنداءاته المتكرّرة هبّ المتطوّعون ينضمّون لجيش أحمد عرابي، فبعد أن كان الفلّاحون يهربون من الجيش تطوّعوا بأنفسهم للذود عن البلاد، ومنهم من قدّم التبرعات المالية -وخاصّة أعيان الريف- في وقت وجد فيه عرابي خزانة البلاد خاوية بعد أن أُخذت الأموال للأسطول الإنجليزي[2].

وقد وضع النديم ثقله المتّقد وحماسته البالغة في الموضوعات التي كتبها على صفحات جريدته، ففي وصفه لمعارك العرابيين ذهب إلى الآتي:

«هجوم ليوث الوغى على أرانب الإنسانية وصيحاتهم تتعالى يا ثأر الإسكندريّة، يا مجد عرابي، يا شرف الوطن... نقاتل لنحيا حياة طيبة لا ذلّ فيها، أو نموت عن شهادة فنحيا حياة أخروية نرزق فيها عند الله»[3].

وكانت مبالغته واضحة من حيث انتصار المصريّين أو هزيمة الأعداء، وتجلّى ذلك من خلال كتاباته في الصحيفة؛ إلّا أنّ ذلك كان له أبعد الأثر في تشجيع المحاربين، كما خصّص على صفحاته أبوابًا للهجوم على أعداء الثورة، وعلى رأسهم الخديوي توفيق وأعوانه، ونعت سليم وبشارة تقلا بأنهم أعوان لتوفيق، وكثّف جهوده للهجوم على

(435)

الإنجليز ليحوّل الحرب إلى حرب صليبيّة؛ فشاع هذا الشعور عند المواطنيين؛ لذلك أقبلوا في حماس عارم يقدّمون التبرّعات المالية أثناء الحرب، فنجح النديم من خلال صحافته في التحميس والتشجيع للثورة[1].

الأدب وتغير الفكر السياسي بعد الثورة العرابيّة

إذا كان الأدب من العوامل التي شرحت الأحداث فيما قبل الثورة العرابيّة، وكان من العوامل الرئيسيّة لاندلاعها؛ فإنّه في الوقت نفسه يرصد مواقف من قاموا بها، ومن حرّضوا عليها، ومن أشعلوها، وعلى رأسهم أحمد عرابي نفسه، فهل بقيت مواقف الأفراد صانعي الأحداث والمشاركين فيها على نفس المنوال؟ أم أنّ أمورًا أخرى غيرت المواقف السياسيّة؟

فيما يخصّ البارودي، فإنّ أبيات شعره توضح موقفه عقب الثورة العرابيّة بفترة؛ حيث تمّ نفيه إلى جزيرة سيلان[2] رفقة العرابيين، ومكث بها سبعة عشر عامًا، ثمّ عاد مستردًّا أملاكه ومكانته ولقبه كأحد الباشوات العظام[3]. وكان لإصابته بالعمى أثر كبير في عودته، وعقب عودة عرابي من المنفى التقاه مرة واحدة فقط، ولم يقابله مرة أخرى حتى توفي في نهاية عام 1904م[4].

وقد عبّرت قصائده عن اتجاهاته السياسيّة عقب العودة من المنفى؛ فنجده يمدح عباس حلمي الثاني عقب عودته من سيلان قائلًا[5]:

(436)

فخيرك مأمول وفضلك واسع           وظلّك ممدود وعدلك شامل

إليك تناهى المجد حتى لو أنه           أراد مزيدًا لم يجد ما يحاول

وأيّ صنيع بعد فضلك يُرتجى           وأنت مليك في البرية عادل

فيا طالبًا مسعاته لينالها                   رويدك إنّ الحرص للنفس خاذل

هو الملك المكفول بالنصر جنده         إذا احمرّ بأس أو تنمّر باطل

بك اخضرّت الآمال بعد ذبولها             وحقّت وعود الظن وهي مخايل

بسطت يدًا في الخير فينا كريمة      هي الغيث أو في الغيث منها شمائل

وفي الأبيات السابقة شكر وامتنان من البارودي للخديوي عباس حلمي الثاني الذي عفا عنه، وسمح له بالعودة إلى مصر بعد أن كان يظن أنه لن يلتقي بأهله مرة أخرى، خاصة وقد فقد زوجته أثناء منفاه في سيلان، ورغم ما في الأبيات من مبالغات في حقّ عباس حلمي الثاني، إلّا أنّ الفرحة التي عاشها البارودي بعودته لوطنه مرّة أخرى كانت هي الدافع وراء تلك المبالغة.

ورغم أنّ عباس حلمي الثاني استهلّ حكمه بالعفو عن بعض مسجوني الثورة العرابيّة، إلّا أن الفترة التي عاد فيها البارودي من منفاه شهدت خصامًا وجفاءً بين الخديوي وبين الوطنيّين؛ لذلك كانت كتابات البارودي فيها مبالغة.

وفي مناسبة جلوس عباس حلمي الثاني على العرش أنشد قائلًا[1]:

لمثل ذا اليوم كان الملك ينتظر        فاسعد بها دولة عنوانها الظفر

تهلّلت مصر بعد اليأس وابتهجت        بك الرعية حتى عمّها الحبر

نالت بنصرك ما كنت تؤمله              لا زلت للملك والإسلام تنتصر

فالعدل منبسط والجور منقبض        والأمن منسدل والخوف منشمر

فالناس من طرب في نشوة أخذت     بهم فمالوا كأن القوم قد سكروا

     فلا شقاء ولا بأس ولا فزع            ولا عداء ولا غدر ولا حذر

(437)

عيد تهلّلت الدنيا به فرحًا                ونعمة ليس يقضي حقّها البشر

وكيف لا تفخر الدنيا بطلعة من          لولاه لم يبق فيها لامرئٍ وطر

فاستبشروا يا بني الأوطان إن لكم     من عدله جنة يجري بها نهر

ويتّضح من الأبيات حجم المبالغات التي ذكرها البارودي في حق عباس حلمي الثاني، وإن عكست هذه الأبيات شيئًا؛ فإنها تبيّن المسلك الذي صار عليه البارودي بعد عودته إلى مصر حتى وفاته، فبعد أن كان أحد الداعين للثورة على إسماعيل، ومن بعده توفيق، وكان من المشاركين في الثورة العرابيّة وعُوقب بالسجن والنفي؛ جزاءً لمقاومته للاحتلال، ولمحاولته منع وقوع مصر في براثن الاستعمار، لكن تغيرت حالته السياسيّة عقب عودته وصار في ركاب الحاكم؛ وبخاصة أنه هو من أعاده من منفاه.

ولم يكن البارودي وحده من تغيّرت مواقفه السياسيّة؛ فالشيخ محمّد عبده أيضًا عقب عودته من منفاه تغيّرت طريقته السياسيّة وصار أكثر اعتدالًا؛ حيث كانت عودته برضى من الخديوي، وربما بتدخل الأميرة نازلي، أو الغازي مختار باشا وكيل السلطان، وربما شفاعة الإنجليز وتدخّل كرومر[1].

هذا وقد شهد عهد توفيق حالات إعفاء كثيرة عن أفراد شاركوا في الثورة العرابيّة، فكان بديهيًّا أن تتغيّر مواقف هؤلاء الأفراد عندما يصدر قرار العفو عنهم من الحاكم، فلن يقف معظمهم في خندق المعارضة[2].

أمّا الشيخ محمّد عبده فلم يقف على المبدأ الذي نادى به أحمد عرابي، وتبنّاه من بعده عبد الله النديم؛ والذي يتمثّل في ضرورة رحيل الاحتلال، بل تبنّى الإصلاح العقائدي في الدين ومناهج التعليم، وعمل على مسالمة الخديوي ما استطاع والاستعانة بالإنجليز

(438)

فيما ينوي من إصلاح[1]. وقد عبّر محمّد عبده سابقًا عن أسباب اشتراكه في الثورة العرابيّة؛ حيث ذهب إلى أنّ المشاركين فيها كانوا يتطلّعون إلى تحويل مصر إلى جمهوريّة صغيرة شبيهة بسويسرا[2].

وعقب عودته إلى مصر انقطعت الصلة بين محمّد عبده وجمال الدين الأفغاني، وتمركزت أفكاره على الإصلاح من خلال التعليم، ونادى بإنشاء ملكية دستورية في مصر شبيه بإنجلترا؛ إذ آمن بحاجة الشرق إلى المستبد العادل، ونجده في سنة 1896م ينكر على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ادّعاءه الخلافة، وهاجم البرجوازيّة الشرقيّة، ونادى بالتوزيع العادل للثروة، ونادى برفض فكرة الماضي والعودة للمجد التاريخي، ولا يتعارض ذلك مع منهج التجديد[3].

وكان محمّد علي مقرّبًا من كرومر، وبفضل تلك الصلة وصل محمّد عبده لمنصب مفتي الديار المصريّة سنة 1899م، وقد بدأ تأثيره يمتدّ للطبقة الوسطى وأعيان الريف المتعلّمين والمثقّفين، وتأثّر بآرائه وأفكاره: مصطفى كامل ومحمّد فريد وجماعة المحدثين بزعامة أحمد لطفي السيِّد، ويعتبر بالنسبة لهم جميعًا الرائد في مجال التطوير المعتدل[4].

وعقب وفاته في سنة 1905م قام أحمد شوقي برثاء محمّد عبده في أبيات قال فيها[5]:

مفسر آي الله بالأمس بيننا               قم اليوم فسر للورى آية الموت

رحمت، مصير العالمين كما ترى         وكل هناءٍ أو عزاءٍ إلى فوت

هو الدهر: ميلاد، فشغل، فمأتم      فذكركماأبقى الصدى ذاهب الصوت

أمّا فيما يتعلّق بموقف عبد الله النديم؛ فقد ثبت على مواقفه من الاحتلال، وظلّ مختبئًا بعد الحكم على العرابيين لمدّة تسع سنوات، وأصدرت الحكومة عليه حكمًا

(439)

بالنفي المؤبّد من القطر المصري؛ حتى تم القبض عليه في قرية الجميزة[1] بجوار طنطا[2]، واكتفى رياض بنفيه إلى يافا، حيث أقام ستة أشهر، ثم عاد إلى مصر ثانية بعد أن سمح له الخديوي عباس حلمي الثاني بدخول البلاد. وأنشأ النديم جريدة الأستاذ، وتستّر وراء الدفاع عن مصالح الخديوي؛ ولكنه نفذ إلى الميدان السياسي من خلال هذا الباب، وقام بمهاجمة الاحتلال الإنجليزي، وظل هجومه يزداد على كل انحراف عن الحركة الوطنيّة، ودافع بجسارة عن الثورة العرابيّة، وبيّن صدق نيتها من خلال مقابلته مع مصطفى كامل[3].

وانتقد عبد الله النديم سياسة الاحتلال الإنجليزي؛ مما دفع كرومر إلى المطالبة برحيله عن مصر، فعرض عليه الخديو الذهاب إلى يافا بحجّة الاستشفاء، ورتّبت له الحكومة راتبًا شهريًا قدره خمس وعشرون جنيهًا، ولكن لم يمكث في يافا طويلًا؛ حيث صدر أمر من السلطان العثماني بنفيه من الشام نتيجة وشاية، وتوسّط له مختار باشا وأشار على السلطان العثماني بالسماح له بالإقامة في الأستانة، ومكث بها صحبة السيد جمال الدين الأفغاني، ولم تدم حياته في الأستانة طويلًا، حيث مرض ومات بالسلّ فقيرًا، في مقبرة مجهولة[4].

وقد نعاه جمال الدين الأفغاني على قبره قائلًا:

«هذا الرجل عاش كأفضل ما يعيش الرجال على الأرض، وفي الناس من إذا مات انتهى ذكره، لكن من نقف على قبره كان أعجوبة عصره رحمه الله وأثابه؛ هو عبد الله

(440)

النديم، مصري عريق في مصريته، كان صاحب مبدأ باع نفسه لأمته ومات شهيدها فانيًا فيها، فلم يتحوّل عن عهده، ولكنه ظلّ يجاهد وينفى، فيجاهد وينفى ويعفى عنه، فيجاهد ويحذر فلا يحذر ويطمع فلا يطمع. وفي شعره لسان حاله»[1]:

إذا ما الدهر صافانا فرحنا         فإن عدنا إلى خطب شفينا

لنا جلد على جلد يقينا              إذا زاد البلاء زدنا يقينًا

وذهب بعض إلى أنّ النديم مات مسمومًا في الأستانة؛ حيث وضع له السلطان العثماني السمّ في قهوة بسبب تأليفه لبيتين من الشعر ذكر فيهما[2]:

   هي الخلافة أرجوها وترجوني          فقد تربّع فيها من همُ دوني

   ياغوث...ياجد...قد آن الآوان لنا     فأين وعدكما في(خان شيخون)؟

 

وأيًّا كان سبب وفاته؛ سواء السل أو السم، فلا خلاف أن عبد الله النديم يعدّ من أهم العناصر التي شاركت في الثورة العرابيّة، وكان السبب الرئيس في تحريك الجماهير وقام بدور التعبئة الشعبية اللازمة التي احتاجها عرابي، وأسهم في توفير الدعم المادّي للعرابيّين جراء الأزمة، وعقب هزيمة العرابيين وانتهاء الثورة ظل على نضاله الثوري مختبئًا تسع سنوات، ثم منفيًّا خارج مصر لأكثر من مرّة، ولم تغيّره الظروف ولا حادثة الحوادث، ظلّ ثابتًا على المبدأ، ولم تُفتح عليه الدنيا فيغيّر مواقفه السياسيّة كما فعل البارودي ومحمّد عبده.

أمّا أحمد عرابي نفسه، فقد نالته أصابع الاتهام عقب عودته من المنفى، واستقبله أمير الشعراء أحمد شوقي بقصيدته المشهورة التي جاء فيها[3]:

صغار في الذهاب وفي الإياب         هذا كل شأنك يا عرابي

عفا عنك الأباعد والأداني                فمن يعفو عن الوطن المصاب؟

(441)

وقال أيضًا[1]:

أهلًا وسهلًا بحامــيها وفاديــها            ومرحبًا وسلامًا يا عرابيهــا

وبالكرامة يا من راح يفضحها            ومقدم الخـير يا من جاء يخـزيـهـا

وعد لها حين لا تـُغـْنى مدافعها         عن الزعيم ولا تُجدى طوابيها

وذهب الدكتور عاصم الدسوقي إلى أنّ هجوم شوقي على عرابي مرجعه إلى أنّ أحمد شوقي من أصول تركيّة، وكان على صلة بالقصر الحاكم، وكان ماقتًا للثورة العرابيّة منذ البداية بفضل نزعته التركية[2]. أمّا عرابي فعودته إلى مصر عام 1901م بأمر من سلطات الاحتلال كانت سببًا في أن يداهنها، وبمجرد عودته إلى مصر شكر لإنجلترا صنيعها، وجهودها في النهوض بالزراعة والري، مع إبطال الكرباج ورفع الظلم، وذكر أن الإصلاح الذي كان يتمنّى أن يتحقّق على يديه؛ تحقق بجهود الإنجليز، فكان ذلك من الأسباب التي أثارت سخط الناس عليه، واعتبروه تغيرًا واضحًا في مواقفه. وظلّ طوال السنوات العشر المتبقية من عمره مهادنًا الاحتلال حتى توفي في 21 سبتمبر 1911م[3].

(442)

خاتمة

الأدب كأحد المصادر غير التقليديّة كان من العوامل المحرّكة للأحداث التي أدّت إلى اندلاع الثورة العرابيّة، وكان وسيلة فهم العلاقات بين الأفراد، والتطوّر الذي طرأ على السياسات التي اعتنقها المشاركون في تلك الثورة، حيث تغيّرت مواقف كثير من المشاركين في صناعة الحدث عمّا كانت عليه بعد سنوات طويلة من وقوعه، وكانت كتاباتهم وأشعارهم وخطبهم دليلًا على ذلك.

فكانت كتابات البارودي وأشعاره ودعوته المبكرة للثورة، ونقده اللاذع لحكم إسماعيل، ثمّ توفيق من بعده، وعثمان رفقي الشركسي ورياض باشا رئيس الوزراء، كل ذلك كان من العوامل التي ساعدت على تفجير الثورة، وعبرت عما يجول في خلجات العسكريين والمدنيين على السواء.

كذلك خطب ومقالات محمّد عبده وعبد الله النديم، بما امتلكاه من موهبة فطرية في الوعظ الديني، وما تعلماه في مدرسة جمال الدين الأفغاني؛ كان له أكبر الأثر في قيادتهم للحركة الثوريّة، وتبوأهم الدور القيادي في إثارة وتحريك الجماهير، وحشدهم والمساهمة في إدارة دفة الأحداث.

لكن عقب الثورة، وبعدما تشدّدت إنجلترا في مواجهة الوطنيّين ونفت أعضاء الثورة العرابيّة؛ تعرض البارودي ومحمّد عبده للنفي خارج البلاد، بينما ظل النديم مختبئًا عدة سنوات، وبعد القبض عليه تم نفيه، ثم عاد، ثم نفي مرة أخرى حتى مات ودفن خارج البلاد.

وإن كان البارودي ومحمّد عبده قد غيّرا مواقفيهما وأصبحا أكثر اعتدالًا، وعادت لهما أملاكهما وألقابهما، وترقّى محمّد عبده المناصب حتى تبوّأ منصب مفتي الديار المصريّة، ظلّ النديم على مواقفه لم تغيّره الحوادث ولا السنون، ظلّ يواجه البطش والقهر في كل مكان، وظلّ ثابتًا على المبدأ؛ حتى لقىيَ ربّه في منفاه.

أمّا عرابي نفسه «حامي حمى الديار» فقد ناله النقد والطعن والتوبيخ بعد عودته، وظلّ حبيسًا في بيته، مقتصرًا على أقاربه وجيرانه، وكان لعودته تحت وطأة الاحتلال أكبر الأثر في أن يداهن الإنجليز، ويبالغ في المنجزات التي حقّقتها إنجلترا في مصر، وينعتها أنها أصبحت صديقة للمصريّين، كل ذلك جعل عرابي في موضع النقد والاتهام.

(443)

قائمة المصادر والمراجع

 الوثائق

1.دار الوثائق القومية: محافظ الوقائع المصريّة، محفظة 3، تحقيق شخصية.

2.دار الوثائق القومية: محافظ القوانين، الأوامر والديكريتات، ديسمبر 1885م.

الدوريّات

3.الزراعة: الجزء الخامس والعشرون، 18 أكتوبر1891م.

4.اليوم السابع الإلكترونية، عدد الأحد، 27 يونية 2021م.

المصادر

5.رمزي، محمّد، القاموس الجغرافي، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1994م.

6.نظارة الداخلية: الكشاف للديار المصريّة وعدد نفوسها، الجزء الثاني من مؤلف التعداد العمومي لأهالي القطر المصري، مطبعة بولاق، القاهرة، 1884م.

 المراجع العربيّة

1.بركات، علي، تطور الملكية الزراعية في مصر وأثره على الحركة السياسيّة (1813م-1914م)، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2017م.

2.تعيلب، أيمن، أسئلة الثورات العربيّة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2014م.

3.الجندي، عبد الحليم، الإمام محمّد عبده، دار المعارف، القاهرة، 1979م.

4.الرافعي، عبد الرحمن، الثورة العرابيّة والاحتلال الإنجليزي، ط4، دار المعارف، القاهرة، 1983م.

5.رمضان، صالح، الحياة الاجتماعيّة في مصر في عصر إسماعيل من (1863-1879م)، منشأة المعارف، الإسكندريّة، 1977م.

6.سالم، لطيفة، في التاريخ السياسي والاجتماعي الحديث، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 2020م.

7.سامي البارودي، محمود، ديوان محمود سامي البارودي، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2014م.

 

(444)

8.شوقي، أحمد، ديوان أحمد شوقي، دار صادر، بيروت، د.ت.

9.عاشور، نعمان، بطولات مصريّة من عمر مكرم إلى بيرم التونسي (1750-1961م)، مطابع روزا اليوسف، القاهرة، 1973م.

10.عبد الرازق، عبد الله، النظم والنظريات السياسيّة والاقتصاديّة، مكتبة الإيمان، بني سويف، 2005م.

11.عبد الرازق، مصطفى، محمّد عبده، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 2015م.

12.عبد الرحيم مصطفى، أحمد، الثورة العرابيّة، دار القلم، القاهرة، 1961م.

13.فتحي، عاطف، حكاية محمود سامي البارودي شاعر الثورة العرابيّة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2016م.

14.مصر والمسألة المصريّة (1876م-1882م)، مطبعة دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة،2011م.

15.مصطفى أحمد أحمد، حسام الدين إبراهيم عثمان: الموسوعة الجغرافية، (الدول - الولايات -المقاطعات)، ط1، دار العلوم للنشر والتوزيع، القاهرة، 2004م.

16.وحيده، صبحي، في أصول المسألة المصريّة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 2015م.

المراجع المُعرّبة

عبد الملك: أنور، نهضة مصر (تكون الفكر والأيديولوجية في نهضة مصر الوطنيّة) (1805-1892م)، ترجمة: حمادة إبراهيم، وجيه عبد المسيح، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 2001م.

أبحاث منشورة

1.الجميعي، عبد المنعم، وقائع الثورة العرابيّة دراسة وثائقية، بحث منشور ضمن كتاب مئة عام على الثورة العرابيّة.

(445)

2.شلبي، علي، دور القوى الاجتماعيّة في الثورة العرابيّة، بحث منشور ضمن كتاب مئة عام على الثورة العرابيّة.

3.عباس، رؤوف، المعارضة الوطنيّة وإرهاصات الثورة، بحث منشور ضمن كتاب مئة عام على الثورة العرابيّة، مركز الدراسات السياسيّة والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 1981م.

مقالات

عثمان ملحس، لطفي، من الأعلام خطيب الثورة العرابيّة ورفيق النضال فيها السيد عبد الله النديم - الخطيب - الأديب - الصحفي الساخر، رسالة المعلم، م13، ع 3-4، وزارة التربية والتعليم، عمان، 1970م.

مواقع إلكترونيّة

https://www.aldiwan.net/poem7585.html-

https://qaseda.com/ahmed

https://www.youm7.com

(446)

الفنّ في مواجهة الاستعمار

تاريخ مصر الحديث نموذجًا

محمود محمّد علي محمّد[1]

الملخّص

 تتناول هذه الدراسة «دور الفنّ في مقاومة الاستعمار» باعتباره أحد روافد الحركة الوطنيّة، حيث ساهم في توعية الشعوب، والإعداد للثورة، وتهيئة الظروف المناسبة لقيامها. وهذا التوجّه الوطني للفنّ ظهر واضحًا من خلال: السينما، والمسرح، والأناشيد الوطنيّة، والفنّ التشكيليّ، حيث ساهمت تلك العناصر الأربعة في إفشال السياسة الاستعماريّة في الميدان الثقافي، بدفاعه عن القيم الوطنيّة، ونشر الوعي بين صفوف الشعوب، وإعادة تشكيل الضمير الوطني من خلال المدارس وغيرها.

 لقد اعتمدنا في الدراسة على فرضية مهمّة، وهي أنّ «الفنّ جاء مؤازرًا» للحرّيّة بكافة أشكالها، ومنها الحرّيّة السياسيّة الداعمة للروح المُتجلّية بكلّ بهائها وعنفوانها، وهي تتماهى مع إيقاع قوي ومستحكِم لموسيقى تعيد إنتاج الحياة، وتهزم الموت بمعناه المبتذل، ليصبح بذلك أداة نضال ومقاومة نقلت المعركة مع الاستعمار إلى فضاءات جديدة وهي المسارح وقاعات السينما والمسرح والأناشيد الوطنيّة والفن التشكيلي في مقاومة الاستعمار.

الكلمات المفتاحية: السينما - المسرح - الأناشيد الوطنيّة - الفن التشكيلي - الاستعمار – المقاومة - الهويّة الوطنيّة - المركزية الغربيّة.

(447)

تمهيد

 شهد العالم العربي حملة ممنهجة من جانب الاستعمار الغربي من الكوارث والويلات التي أصابت الدول العربيّة، ولقد كانت مصر أوّل دولة عربيّة، استُهدفت لاستعمار أوروبا في العصر الحديث، فقد نزلت الحملة الفرنسيّة في أواخر القرن الثامن عشر سنة 1798م، وكانت ترمي إلى إخضاع مصر، واتّخاذها مستعمرة لفرنسا، ولكن هذه الحملة قد استثارت في نفوس الشعب المصري روح النضال، والمقاومة، والذود عن الحياة، والحرّيّة، والكرامة والنضال في سبيل دفع العدوان، وبالرغم من «الجيش الجرّار الذي كان يقوده «نابليون بونابرت» لغزو مصر وإخضاعها، فإنها لم تخضع، ولم تستسلم، بل ثارت في وجه الاستعمار الفرنسي، وقاومته ونجحت في طرده»[1].

 وكذلك شأن معظم الدول العربيّة التي استهدفها الاستعمار الأوروبي، فإنّها على الرغم مما عانته، من ضروب الظلم، والاضطهاد، والعسف، والتنكيل، فإن «روح المقاومة التي دبّت فيها، وكانت بمثابة ردّ فعل ضد العدوان الخارجي، قد بعثت فيها حياة جديدة، قوامها التضحية، والجهاد الوطني، وارتفاع في القيم الأخلاقيّة، والفنيّة، والجماليّة، وتطلّع من خلالها إلى المثل العليا، ونهوض في الحياة القومية»[2].

  وللفنّ دور مهم ورسالة هادفة ترتقي بالإنسان، وتهذّب الوجدان، وتوسّع الأفاق البشريّة. وهو وسيلة فاعلة لتعزيز التجربة الإنسانيّة، وصقل الخبرات، وتعزيز القيم البنّاءة، والتي من شأنها العمل على وحدة المجتمع وترابطه وتقوية أواصر الصلة بين أفراده. والفنّ وسيلة فعّالة للتعبير عن مكامن النفس وما يعتمل في الوجدان، فكل عمل فنّي يتناول موضوعًا بعينه يحمل بين طيّاته أبعادًا دلالية متعدّدة وطاقات تعبيرية جبّارة

(448)

تسترعي انتباه المتلقّي وتشحذ تفكيره وتذكي همّته.

 وهنا ننطلق من فرضية مهمّة، وهي مدى دور الفن في مقاومة الاستعمار، حيث إنّ الفن دعوة للحرّيّة، إذ «يُقاس حبّ الأمم للحرّيّة بحبّها للفنون الجميلة؛ وإنما تعرف الأمم الحرّيّة، حين نأخذ في التفضيل بين شيء جميل، وشيء أجمل منه، وتتوق إلى التمييز بين مطلب محبوب، ومطلب أحبّ، وأوقع في القلب، وأدنى إلى إرضاء الذوق، وإعجاب الحس، ولا يكون ذلك منها، إلّا حين تحب الجمال منظورًا، أو مسموعًا وجائلًا في النفس، وممثلًا في ظواهر الأشياء، وذلك الذي عنيناه بحبّ الفنون الجميلة».

 على أن للفنون الجميلة أيضًا مقياسًا من الحرّيّة لا يضلّ فيه القياس، وكأني بالجمال كما يقول: «عباس محمود العقاد» هو «غاية الحياة القصوى التي هي أسمى من جميع ما تناله المنافع والأغراض، إنه الحرّيّة، فنحن نشتري الحرّيّة العزيزة بالقيود الثقيلة، بل نحن لا نجد الجمال، ولا نوجده إلّا إذا ألّفنا بين القيود والحرّيّة، وأصلحنا ما بينهما من التنازع والتنافر»[1].

 وقد انطلقت الدراسة من عدّة تساؤلات مهمّة شكّلت الإجابة عليها خطوطها العامّة كان من أهمها: كيف نفهم تلك العلاقة المُعقّدة بين الفنّ والسياسة؟ وكيف نشأت علاقة بين سلطوية المُستعمِر والهويّة الفنيّة للواقعين في نير الاستعمار؟... ولماذا أراد المُحتلّ الاستيلاء على الهويّة الفنية لأولئك الذين بلغت بهم النشوة عنان السماء؛ فلا سلطة إلا سلطة الروح.. الروح المُتجليّة بكُلّ بهائها ورقّتها وعنفوانها، وهي تتماهى مع إيقاع قوي ومستحكِم لموسيقى تعيد إنتاج الحياة. وتهزم الموت بمعناه المبتذل؟ وما هي أهم المساهمات الفنية المدافعة عن هويّة الفن العربي الناقدة للمركزيّة الغربيّة؟

 ولأجل تقديم إجابات تعالج هذه التساؤلات وتجيب عنها عمدنا إلى تقسيم البحث

(449)

«الفن من الحرّيّة إلى السياسة»، وجاء المبحث الثاني بعنوان: «دور المسرح في مقاومة الاستعمار، ليأتي المبحث الثالث تحت عنوان: «دور السينما في مقاومة الاستعمار»، في جاء المبحث الرابع تحت عنوان: «دور الأناشيد الوطنيّة في مقاومة الاستعمار»، وأخيرًا يأتي المبحث الخامس والأخير حاملًا عنوان: «دور الفنّ التشكيلي في مقاومة الاستعمار»، وجاءت الخاتمة، لترصد أهم النتائج التي توصّلنا إليها في الدراسة.

  المبحث الأوّل: الفنّ من الحرّيّة إلى السياسة

 حظي الفن والجمال في سياق الدراسات الألمانية باهتمام خاصّ، حتى عُرف بأنه علم ألماني بامتياز. ولم يعرف الاستقلال الذاتي عن نظريات المعرفة والخير ومجال السلوك الأخلاقي إلّا مع الفيلسوف الألماني بومغارتن (Baumgarten) (1714-1762م)، وبهذا صار لعلم الجمال فضاؤه الجمالي المستقلّ. فترسّخ مفهوم الجمال كعلم وازدادت الدراسات حوله، خاصة مع الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت (Immanuel Kant) (1724 -1804م) وكتابه المهمّ في تاريخ الجمالية «نقد ملكة الحكم، وقد ساعدت حركة التنوير، التي ظهرت في أوروبا خلال عصر الأنوار، على استقلال علم الجمال، هذه الحركة التي تحوّلت لاحقًا، إلى فلسفة عُرفت بفلسفة التنوير التي تعتبر عنوانًا عامًّا للفكر الأوروبي في القرن الثامن عشر[1].

 إنَّ الفنّ هو مرحلة توسطيّة بين المادّة والصورة، ولأهميّته حملة «ماكس شيلر» (Max Scheler) (1642-1727) عدّة وظائف مهمّة، ومنها: الحرّيّة، والتوازن الكلّي للنفس، وتجاوز المشكلة الحضارية. وفي هذا السياق يقول: «إن الحرّيّة هي وعي الذات بوجودها المستقلّ، غير المعتمد على غيرها، وبهذا يكون الجمال، ممارسة للكشف عن طبيعة وجود الذات وحقيقتها»[2].

 وقد قارن شيلر بين حالتين من الاغتراب في حالة العزلة، وفي أثناء الوجود بين

(450)

حشوده، وبين وجود الإنسان في حالة تناغم حرة وبسيطة مع نفسه، كما يفعل الفنان الباحث عن الجمال، إنه الإنسان الذي يمكن أن يتحدّث بلسان البشر جميعهم، فهو الذي يستخدم الفن بوصفه وسيلة للتخاطب مع الجميع أو التواصل معهم[1].

 من جهة أخرى نجد أنّ الرومانسيين، يرون أنّ الفنّ نشاط إنساني، له أشكال تعبيره وأدواته الخاصّة، التي يعبّر بها من خلال حدود، لا تنقصها المبالغة والتزيّد، «فاعتبروا الفنّان مخلوقًا بالغ التميّز، يرى ما لا يراه غيره، بل إنه السابق والرائي والبصير، الذي يتجاوز قتام الحياة العادية، ويرى الأمور واضحة بلا وسيط، ويذهب إلى المستقبل الذي هو تحرّر من الحاضر وتجاوز له. يبدو الفنان «مطلق الحرّيّة»، مرجعه في ذاته، يرفض التقاليد والمعطيات الجاهزة، ويتكشّف الفن ممارسة حرّة، تعيد خلق الأشياء وتبدِّل من دلالاتها»[2].

 هكذا قد يستخدم بعض الفنانين مفهوم الحرّيّة من أجل حلّ بعض المشكلات الخاصة المتعلّقة بالأساليب الفنية والتكنيكات. وقد يستخدمه فنّانون آخرون من أجل التعبير عن بعض وجهات النظر الاجتماعيّة والسياسيّة. وقد «يتحدّثون عن المسؤوليّة الفنيّة الاجتماعيّة وأنّ الفنّ ليس موجودًا من أجل التسلية فقط، وأنه ينبغي أن يوجد وأن يعلّم ويهذّب الذوق العام والأخلاق والسلوك الاجتماعي ويطوّر الثقافة... إلخ»[3]، وما دام هناك صواب وخطأ ينبغي أن يتم إنتاج الفن، كما يقولون، «من أجل أن يوضع إلى جانب الصواب. ومن ثم ينبغي أن يقوم الفنّ بتشكيل الاتجاهات التي يمكنها أن تقوم بتحسين وجودنا الجمعي»[4].

 وقد ذهب فيلسوف عالم الجمال الماركسي النمساوي «إرنست فيشر» (Ernst

(451)

Fischer) في كتابه ضرورة الفنّ إلى أن الفنّ يلعب دورًا مهمًّا في تحقيق التوازن بين الإنسان وبين العالم الذي يحيا فيه، ومن أجل ذلك فقد رأى الفنّ ضروريًّا في حياة الإنسان، لأنه وسيلة لربطه ببيئته وبالطبيعة التي يعيش فيها، حيث إنّ من صفات الفن كما يقول فيشر: «أنه يحمل في أعماقه التوتر والتناقض... فهو لا يصدر فقط عن معاناة قوية للواقع، بل لا بدّ له أيضًا من عملية تركيب، ولا بدّ له من إكساب شكل موضوعي، وما يبدو من حرّيّة الفنان وسهولة أدائه إنّما هو لتحكّمه في مادته»[1].

 ما أقصده هنا هو، أن الفن لم يكن نتاجًا فرديًّا، بل جماعيًّا، وهذا ما يجعله كظاهرة اجتماعيّة مهمّة، تعكس واقع الجماعة، وتعبّر عن أسلوب حياتها، وكيفية علاقات أفرداها، وترسم مسار تطورها. ومن هنا نقول مع بعض الباحثين: «إن الموضوع الاجتماعي للفن يكسبه الأصالة التي شملت شعبًا من الشعوب خصائصها»[2].

 وتبدو أهميّة الفنّ في حياة المجتمع الإنساني، حين نرى تمسّك الطبقة السائدة في مجتمع ما لقيم محافظة فيه، قيم تخدم مصالحها وتعبّر عن فهمها ومبادئها ومواقفها، إزاء مجتمعها والعالم، ومن جهة أخرى «يدعو الثائرون إلى قيم جديدة من خلال فنّهم، وإلى أساليب مختلفة، يجابهون من طريقها الطبقة الحاكمة، ويسعون إلى تغيير قيم المجتمع ومن ثم قلبه بشكل كامل»[3].

  من هنا ندرك العلاقة الحتميّة والأكيدة بين الفنّ والسياسة؛ حيث إنّ «السياسة هي فن الممكن، والفن هو لغة الحياة، ويربط بين الاثنين عوامل متعدّدة، فكثيرًا ما دعم الفنّ السياسة[4]، وكثيرًا ما ساندت السياسة الفنون بأنواعها، وعندما تُوفّر السياسة مناخ الإبداع، فإنّ ذلك يعطى الفنّ درجة عالية. الفنّ والسياسة وجهان لعملة بشريّة واحدة تتصل بالإنسان، بدءًا من أفكاره، مرورًا بمشاعره، وصولًا إلى الدوافع الذاتية

(452)

والانتماءات ودائمًا النفسيّة الخاصّة به»[1].

 فالفنّ وسيلة لإيجاد التوازن، وله دور مهم في نشر الوعي الثقافي بين الإنسان وعالمه، وهو الأداة اللازمة، لإتمام هذا الاندماج بين الفرد والجماعة، كما قال الكاتب المسرحي الألماني الشهير «برتولد بريخت (Bertolt Brecht 1898-1956م) ليس الفنّ مرآة للحقيقة، بل مطرقة يمكن بها تشكيل الحقيقة»[2]، وذلك من خلال التعبير الذي يتّخذ موقفًا، وهذا الموقف «سيقود بالضرورة، إلى نضال سياسي يعبّر عن مصلحة الذين يخوضون هذا النضال»[3].

 لهذا صدق الفنان «بابلو بيكاسيو» (Pablo Picasso) حين قال: «إنّ الفنّ لم يخلق لتزيين الغرف، إنّه آلة يستخدمها الإنسان من أجل الحرب والدفاع ضدّ الأعداء، وكما بدا لنا من خلال المعارك التي مضت أنه على الإنسان أن يقاتل كل ما يهدد حرّيّة التعبير»[4].

 كما عبّر الفنان «غسان كفاني» حين سئل من قبل صديق له: «يا غسان، رأيتك تحمل الريشة ثمّ القلم، والآن السلاح، ماذا ستحمل في المستقبل؟، فقال: أيّ شيء أستطيع الدفاع به عن النفس، الريشة، القلم السلاح، أدوات أدافع بها عن نفسي. إذ إن النضال لا يقلّ أهمّية عن النضال بالبندقية، باعتباره وسيلة أساسيّة في الدفاع عن قضية وطن وشعب»[5].

 وتوافقًا مع ما تمّ ذكره، يعد العمل الفنّي سلاحًا في مقاومة العدو، من خلال إبراز الأداء الدلالي والمعبّر عن المقاومة، في مشاهد نضاليّة للاحتلال، أو الاضطهاد، أو الظلم، ولا يكون العمل الفني المعالج لموضوع المقاومة مؤثّرًا وفعّالًا، إن لم يشتمل على ركائز أساسيّة منها: تقديم غاية تنويريّة، تحريضيّة وتحفيزيّة أكثر من الغاية الجماليّة،

(453)

بهدف تأجيج، وتفعيل اندلاع المقاومة، إلى جانب اللجوء في العمل الفني إلى الرمز أو الإيحاء الحسي المباشر لتحقيق المبتغى[1].

 ولما كنّا أمّة قد قهرت بعد أن سادت الأرض فترة طويلة ونشرت الحضارة والنور شرقًا وغربًا. إننا الآن واقعون ضمن اللعبة التي تمارسها الإمبرياليّة العالميّة في هذا العصر ضمن لعبة الاستغلال البشعة التي تُشنّ في سبيلها الإمبريالية الحروب المدمّرة وتُصنع من أجلها الويلات، وهذه القوّة الاستعماريّة الغاشمة تدرك أهميّة أن يكون للشعوب المضطهدة تقاليد فنيّة أصيلة، وأن تقوم لها شخصيّة متميّزة من كل ناحية؛ ولهذا فهي «تسعى سالكة شتّى السبل من أجل تذويب الشخصيّة القوميّة للأمّة المستعمرة، وهذا ما فعلته في وطننا ومارسته على أمّتنا، ولعلّ خير مثال: مصر مع الاحتلال الإنجليزي، والجزائر مع الاحتلال الفرنسي، وفلسطين الآن مع الاحتلال الصهيوني»[2].

 ولقد كان من شأن الخطاب الاستعماري التعبير عن توجّهات استعماريّة إزاء مناطق العالم الواقعة خارج نطاق الغرب، كما كان من شأنه إنزال حملاته العسكريّة منزلة تاريخيّة في آفاق تجمع بين الخمول والعجائبي، وتختزل الوجهات الحقيقية لهذه الحملات، زاعمة أنّ «القدر قد أرسلها للنهوض بعالم ساكن من خموله الأدبي، ومن ثم فقد أصبحت هذه الأماكن المستعمرة مجرّد خلفية لمسرح تجري عليه أفعال بطولة غربية، مارست أفظع أنواع القرصنة المعتمِدة على السلب والنهب والقتل والاقتلاع من الجذور»[3].

 وهنا نصل إلى النتيجة الحتميّة، وهي أنّ حرّيّة الفنّ تبدأ أوّلًا من الإقرار بوجود الصورة والاعتراف بمشروعيّتها. وإذا كان مفهوم الحرّيّة فكريًّا فلسفيًّا ذا طابع كوني، فإنّنا نحن العرب والأفارقة وجدنا أنفسنا ولا نزال نصارع «من أجل إقرار حرّيّة التصوير إقرارًا بلا رجعة، وفصله عن الدين، كما يلزم فصل السياسة وشؤونها، ومن ثم فإن حرّيّة الفن من

(454)

هذا الجانب ذات بعد تاريخي وسياسي واضح»[1].

 ولهذا كان مفهوم العلاقة بين الفن والمجتمع في تصوّرنا، تعني بالدرجة الأولى، العلاقة بين الفنّ والسياسة؛ لأنّ كلمة مجتمع تعني بالدرجة الأولى الحياة الاجتماعيّة والفكريّة والاقتصاديّة، وهذه النواحي هي «الغطاء اللغوي لكلمة السياسة، أو المنهج، أو الموضع السياسي لشعب ما في مرحلة ما، وبطريقة أخرى فإنّ السياسة بحدّ ذاتها هي اختصار لتلك النواحي الحياتيّة، الوجودية للشعب»[2].

 فكلمة «سياسة» كما يقول: توماس مان (Thomas Mann) (1875-1955م) تتخفّى إذن وراء كلمة مجتمع. ومفهوم العلاقة بين الفنّ والمجتمع هنا، تعني «نقد الفنّ للسياسة، باعتبار أنّ للفنان دورًا نقديًّا في المجتمع، وبالتالي له موقف سياسي، أقل ما يقال فيه إنه موقف الراصد والناقد، والمحرّض اجتماعيًّا، بالتالي سياسيًّا»[3].

 والفنّان هنا عندما يأخذ صفة السياسي الناقد، فلا بدّ أن تكون العلاقة بين الفن والسياسة علاقة نقديّة، يتجاسر فيها الفنّان من خلال إبداعه الفنّي مهما كان نوع هذا الفنّ على الخوض في جوهر الواقع، وتحريك وتحريض المتناقضات الأساسيّة في ثواب المجتمع خلال المرحلة التي يعاصرها الفنان، وذلك عن «طريق تجسيد الثوابت وتوضيحها، بما لها وما عليها ليقدّم للشعب وللحياة من خلال ذلك شكلًا ومضمونًا عن طريق العمل الأدبي (مسرح - قصة - شعر). أو عن طريق الفن التشكيلي (اللوحة - التمثال)، وقد يتعارض تعارضًا تامًّا مع معطيات الحياة في تلك المرحلة في مختلف مجالاتها المختلفة»[4].

 والفنّ عندما ينحو مثل هذا المنحى، يكون بذلك قد أخذ على عاتقه النضال في سبيل ما اتّخذه، ومن ثمّ فإنّ الفنان هنا يسعى بطريقة أو بأخرى إلى وضع وتوضيح

(455)

ظواهر الخطأ والخلل والانهيار تحت مجهره، ويبدأ برسم التفاصيل (كلمة - لوحة)، أو كما يقال: «يعمد إلى تعرية الواقع وإظهار بما فيه، بما له وبما عليه على حقيقته، بطريقة تسمح فيها لأبناء المجتمع أن يعوا، ويشاهدوا الأعماق والأبعاد... الأسباب والنتائج، المحتمل، والممكن... أو ما يمكن أن ندعوه (واقع الواقع)، أي الحقيقة التي ربما قد تكون خافية عن الكثيرين»[1].

 ممّا سبق يتّضح لنا أنّ الفنّ السياسي هو أحد أهم أدوات الفنّان للتعبير عن قضايا مجتمعه، ومشكلات الناس المتعدّدة لسدّ احتياجاتهم، فإنّه في الوقت ذاته يمثّل لغة مهمّة للتعبير عن المصلحة العامّة للطبقات الاجتماعيّة وشرائح المجتمع المتعدّدة والمتنوّعة.

المبحث الثاني: دور المسرح في مواجهة الاستعمار

 يعدّ المسرح أهم الفنون الأدائيّة التي تعتمد أساسًا على ترسيخ الأفكار في ذهن الملتقّي، إنّه الفنّ الذي يقدم الأمم ويعكس روحها وتجاربها الإنسانيّة حركة وقولًا؛ إذ لم يكن المسرح في يوم من الأيام معزولًا عن محيطه، لأنه يمثّل واقع الحياة والحديث عن المسرح يعين الحديث عن الواقع الحياتي، إذ يمثل مرآة المجتمع وعصارة الجمال لديه[2].

 ولذلك فالمسرح هو أكثر الفنون قدرة على التواصل مع النفوس البشريّة، فهو مساحة يعبّر بها عن رغبات الإنسان وأفكاره، والمجسّد لواقعه وآلامه، والمسرح لا ينتج نصًّا تطالعه بين دفّتي كتاب فحسب، بل الأصل فيه أن يجسّد حياة واقع محسوس أمام عينيك، حيث يكون المتلقّي حينها في صفاء ذهن وراحة بال مستعدًا لاستقبال أيّ رسائل يرمي المبدع من خلال المسرح إرسالها إلى المتلقّي[3].

 ولهذا تطوّرت أساليب التعبير لتصبح مظهرًا من مظاهر التمدّن والحرّيّة الفكريّة عبر العصور، وليصبح العمل المسرحي والتمثيل بدوره مصدر إلهام لإحداث الثورات التي

(456)

تنشد التغيير والتي تسعى لتحسين الواقع المعاش برسم صورة واقعيّة يؤدّيها الفنان في مجموعة من الأدوار، يكون فيها العين الناقدة للأوضاع والمطالبة بالحقوق والمدافعة عن المبادئ السامية لكل مجتمع وقضاياه الجوهريّة، بكل صدق وتلقائيّة وبلغة يفهمها الجميع سواء بشكل مباشر أو بشكل رمزي[1].

 وهنا نجد المسرح يستمدّ طبيعته السياسيّة من أسلوب إنتاجه الجماعي، ومن طبيعة تلقّيه وسط حشد متجمع من أعضاء مجتمع واحد بكل ما يمكن أن يحملوه معهم من عناصر الوحدة والاختلاف في مجتمعهم، ومن ثم من قدرته التاريخية على استيعاب ومناقشة كل الأفكار والمشكلات، والمصالح، والعواطف السائدة في المجتمع نتيجة لأنه كان أداة تعبير فنيّة لغويّة موضوعيّة في التاريخ (إذا اتفقنا على أنه نشأ بعد الشعر الغنائي والملحمي كما يقول «أرسطو»)، ثم هو يستمد هذه الطبيعة السياسيّة من أركان بنائه الفنّي الرئيسيّة التقليديّة: أركان المواجهة والصراع بين أقطاب المشاكل والأفكار والمصالح والعواطف السائدة في المجتمع[2].

 ففي أربعينات القرن الماضي ظهرت دعوة ربط الأدب والفنّ المسرحي بالمجتمع على يد «عزيز عيد»، و«زكي طليمات»، و«يوسف وهبي»، فأدّى ذلك إلى الإشارة للكشف عن أبرز المتناقضات الاجتماعيّة التي خلّفها الاستعمار البريطاني؛ ومع إنشاء الفرقة القوميّة المصريّة، ومعها فرقة المسرح الحديث عام 1947م، فرقة المسرح الحديث عام 1950م، والمسرح الشعبي، تم تقديم مسرحيات وطنيّة تناهض الاحتلال، حتّى أنّ بعض النقّاد اعتبر ما قبل ثورة يوليو 1952م عصرًا ذهبيًّا لمصر ومثقّفيها[3].

 ومع قيام ثورة 23 يوليو 1952م زاد الاهتمام بالمسرح السياسي والاجتماعي من خلال ظهور فرقة إسماعيل ياسين وفرقة الخميس بجانب الفرقتين القديمتين (نجيب

(457)

الريحاني، وعلي الكسار) والتي كانت عروضهم قويّة شكلًا ومضمونًا، ومليئة بزخم فكر اجتماعي مناهض للاستعمار[1].

 ولما كان المسرح بصفة عامّة لا يجد متنفّسه إلّا في ظلّ من حرّيّة المجتمع وأفراده، فإنّ المجتمع المصري مع نهايات القرن التاسع عشر الميلادي كان يعاني من الاحتلال البريطاني الذي كان يتحكّم في كل مناحي الحياة المصريّة من سياسة واقتصاد وفكر وتعليم... إلخ، ممّا سبّب كبت الحرّيّة، وبرغم ذلك استطاع المسرح المصري بدراماته المتواضعة آنذاك أن يعبّر عن المجتمع وآلامه وطموحه، وذلك من خلال المحاولات الشعريّة العظيمة لكل من الشاعر أحمد شوقي، عزيز أباظة.

 وكذلك محاولات توفيق الحكيم (1898-1987م) بمسرحيّاته النثريّة المبهرة، وذلك في مقاومة الاستعمار مثل مسرحيّة «المغناطيس 1955م» والتي تدعو إلى الاستقلال والحرّيّة والقضاء على الإقطاع والرجعيّة والرأسماليّة وإقامة «جيش وطني»، ومسرحيّة «عفاريت الجبّانة 57» والتي تعكس قصّة المقاومة الشعبيّة والتعبئة العامّة وفشل العدوان في ضرب النظام الجديد، ومسرحيّة «سينما أونطه 1958م» والتي تدعو لتأميم السينما وتخليصها من براثن الاستعمار السينمائي الغربي[2].

 كذلك لا ننسى الأداء السياسي الذي لعبته مسرحيات يوسف إدريس (1927-1991م) في مسرحياتّه: مثل: جمهورية فرحات 1956، ملك القطن 1957، اللحظة الحرجة 1958، الفرافير 1964، المهزلة الأرضية 1967، الجنس الثالث 1971، المخططين 1982، البهلوان 1983؛ وقد استخدم «يوسف إدريس» في تلك المسرحيات كافّة الجوانب الثقافيّة، السياسيّة والاجتماعيّة - حيث الانتقال من الملكية بكل ما فيها من متناقضات، إلى الثورة بكل ما حملته من آمال[3].

(458)

  وإذا ما انتقلنا لمسرح ألفريد فرج (1929-2005م)، نجده في مسرحيّة «صوت مصر في 1956»، ومسرحيّة «سقوط فرعون عام 1957» ومسرحيّة «عسكر وحرمية»، ومسرحيّة «الزير سالم عام 1967»، ومسرحيّة «النار والزيتون»؛ في هذه المسرحيّات يمتلك ألفريد فرج لغة دراميّة مبتكرة ومتنوّعة طبقًا لنوعيّة الشكل والمضمون، لغة جعلت لمسرحه مذاقًا خاصًّا به، سواء أكان يعالج مضمونًا تاريخيًّا أم اجتماعيًّا[1].

كذلك يجب ألّا ننسى مسرح «سعد الدين وهبة» (1925-1997م)، وبداية عهده المسرحي بمسرحيّة «المحروسة»، ومسرحيّة «كفر البطيخ في عام 1962»، ومسرحيّة «السينسة عام 1963»، ومسرحيّة «كبري الناموس عام 1964»، ومسرحيّة «بير السلم عام 1966». لكن تظلّ مسرحيّة «سبع سواقي» للكاتب المسرحي سعد الدين وهبة تعبّر عن واقع يحاول البحث عن فلسفته في وعاء فنتازي سياسي يستدعي فيه شخصيّات من التاريخ لتؤطِّر وتؤدلج ماهيّته، حيث تتكلّم شخصيّاتها لغة الشعب وتلهج لهجته[2].

وفيما يخصّ الأداء السياسي الذي لعبه مسرح «نجيب سرور» (1932-1987م)، مثل مسرحيّة «ياسين وبهية عام 1965»، ومسرحيّة «آه يا ليل يا قمر عام 1968»، ومسرحيّة «يا بهية وخبريني عام 1969»، ومسرحيّة «ومنين أجيب ناس عام 1975» ومسرحيّة «قولوا لعين الشمس»، وكلّها تتناول قضايا الفلّاحين، والصراع على الأرض، ومحاربة المستعمر الذي يستغلّ الأيدي العاملة، فينتشر الفقر وسلبياته متمثّلًا في عجز ياسين عن الزواج من بهية، وتعتبر «قولوا لعين الشمس» استكمالًا لكتاباته عن مصر، حيث تمثّل «بهية» مصر وياسين هو الشعب الذي يقع عليه الظلم[3].

كذلك لا ننسى دور مسرحيات «ميخائيل رومان» (1924-1973م) مثل مسرحيّة «الدخان سنة 1962»، ومسرحيّة «الحصار سنة 1964» ومسرحيّة «الوافد سنة 1965»،

(459)

ومسرحيّة «المأجور سنة 1966»، مسرحيّة «الليلة نضحك سنة 1966»، ومسرحيّة «ليلة مصرع جيفارا العظيم سنة 1969»، ومن خلالهم يحاول رومان مواجهة الواقع الاجتماعي والسياسي في الستينات من القرن الماضي بموقف حادٍّ تمثّل في التمرّد والاحتجاج والرفض لكل الممارسات الرامية إلى مصادرة الحرّيّة بكل مستوياتها، وممارسة كل أشكال القهر ضدّ الإنسان[1].

من جهة أخرى لا ننسى مسرح محمود دياب (1932-1983م) والذي بدأ بمسرحيّة «المعجزة سنة 1962»، ومسرحيّة «البيت القديم سنة 1964»، ومسرحيّة «الزوبعة سنة 1966»، ومسرحيّة «الغريب سنة 1967» ومسرحيّة «ليالي الحصاد 1968»، ومسرحيّة «الهلافيت 1969»، ومسرحيّة «رجل طيب في ثلاث حكايات 1970»، ومسرحيّة «أرض لا تنبت الزهور 1979»، وفي كل تلك المسرحيّات كان محمود دياب على وعي تامّ وكامل بمشكلات وقضايا الفلّاحين المهمّشين وما فيها من علاقات اجتماعيّة معقّدة تتمثّل في سيطرة من يملك على من لا يملك، حيث يمارَس عليه الظلم والقهر والاستبداد؛ ممّا ينتج عنه شعور الفرد بالاضطهاد والاغتراب والتهميش، فضلًا عن إحساسه بغياب الأمل في حياة كريمة يسودها العدل والحقّ والمساواة[2].

كذلك لا ننسى دور مسرحيات عبد الرحمن الشرقاوي (1921-1987م) والذي آمن منذ بداية حياته الأدبيّة في النصف الثاني من الأربعينيّات من القرن الماضي أنّ الكلمة هي سلاحه الوحيد البتّار والتي خاض بها معاركه التي تعبر في العلن دون اللجوء إلى نضال سري ينادي بالتقدميّة والماركسيّة، وبعدها اتّجه إلى المسرح الشعري فبدأ بمسرحيّة «مأساة جميلة 1962»، ومسرحيّة «الفتى مهران 1966» ومسرحيّة «وطني عكا 1969»، والمسرحيات الثلاثة تتناول قضايا تمجيد نضال الشعب الجزائري ضدّ

(460)

الاستعمار الفرنسي، وقضايا تمجيد ضدّ الاحتلال الصهيوني لفلسطين[1].

    أمّا فيما يخص الدور الرائع التي قدّمها صلاح عبد الصبور (1931-1981م) في مسرحيّاته، والتي من أهمّها مسرحيّة «مسافر ليل - 1969»، والتي تحوي كوميديا سوداء تعتمد على التراث، حيث حاول عبد الصبور أن يظهر من خلالها تفاعلات الأفراد مع السلطة بكل أشكالها السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة، محاولًا تسليط الضوء على احتدام الصراع بين الإنسان والمجتمع، الإنسان والسلطة واغتراب الإنسان عن واقعه، وهو هنا في نصّه المسرحي «ينفتح على عديد من الرؤى والخطابات المتباينة التي تعمّق دلالاته؛ إذ ينفتح عبد الصبور هنا على النصوص المقدّسة، والفلسفيّة والتاريخ والسياسة ليجلي مجموعة من الأنساق المضمرة وتفكيك بنيتها متجذّرًا في الواقع بمرجعيّاته المختلفة»[2].

المبحث الثالث: دور السينما في مواجهة الاستعمار

يعدّ الفنّ -بشكل عامّ- وسيلة للتعبير عن فكرة أو قضيّة أو شعور معيّن...، وإنّ أهم ما يميّز السينما هي أنّها وُلدت كآلة فنية، وكاختراع طريف وكفرجة يأتي الناس لمشاهدتها بعيون واسعة تملؤها الدهشة ـ تطوّرت فيما بعد لتصبح «صناعة ثقيلة»، تستوعب جميع الفنون، وتبتلع ما ابتدعه الإنسان، وما اكتشفه من أدوات في ميادين الفكر والأدب والعلم والفنّ والمعرفة، فكانت مجمع الموروث والراهن، وأداة المستقبل في التعبير بلغة جديدة عن الصورة الجماليّة. وهنا نعني أنّ الصورة هي الخيال، فهي نقل وتصوير للواقع، ولكن لا تعني بأيّ حال من الأحوال نسخ الواقع، حيث تؤثّر السينما في المشاهدين، ويمكن القول إن النزعة التصويريّة التي تقدّمها السينما معياريّة؛ لأنها تقود الناس إلى أن يعلّقوا قيمةً سامية على اللقطات السينمائية التي تشبه الناس في الحياة[3].

 وبذلك تلعب السينما دورًا كبيرًا في التأثير على الشعوب، فمن خلال فيلم واحد

(461)

يستطيع الفنان أن يؤثّر على قطاع كبير من المشاهدين، هنا تتجلّى أهميّة الفيلم السينمائي، بل تفوق أهميّته الكثير من الفنون البصريّة الأخرى، بسبب العدد الكبير لجمهور الفيلم[1].

 ولذلك فإنّ نشر الوعى السينمائي والثقافة السينمائيّة بين عامّة المثقّفين في منتهى الأهميّة؛ لأنّ أولئك هم الذين يمثّلون جانبًا حيويًّا من تيّار الرأي العام الذي يؤثّر بدوره في اتجاهات السينما وموضوعاتها والأسلوب الذي تتناول به حياتنا[2].

 وهذا الأمر الذي جعل الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي (Maurice Merleau-Ponty) (1908-1961 م) يقول إنّ الفيلم يمكن فهمه بسهولة ويسر؛ ولهذا يكون شديد التأثير، فلا يتطلّب الفيلم أن نفكّر فيه كثيرًا فنفهم الفيلم السينمائي بصورة مباشرة، وذلك لأنّ أحداث الفيلم السينمائي تكون شديدة القرب من مواقف الحياة العادية للأفراد[3].

كل هذه الصفات جعلت السينما محطّ أنظار الساسة، الأمر الذي جعل قائد الثورة البلشفيّة «فلاديمير لينين» يدرك مدى أهميّة السينما كأداة أيديولوجيّة للتأثير على الجماهير؛ بل ورأى أنّ من بين كلّ الفنون أنّ السينما هي الأكثر أهميّة للقادة السياسيّين، وقد اتّفق مع رؤيته هذه العديد من الساسة والمنظّرين السياسيّين والمفكّرين السينمائيّين؛ في النظر للفيلم بوصفه أداة سياسيّة وخطاب اجتماعي وسياسي يمكن من خلاله النظام السياسي أن ينشر أفكاره ويسيطر على الجماهير، ويشجّع الأفراد على التفكير في أبعاد فكرية جديدة[4].

 كما عبّر الفيلم أحيانًا عن رؤى صنّاع الفيلم المبدعين الذين رفضوا أن يعبّروا عن

(462)

الأفكار السياسيّة للتيّار الرئيسي أو أن يسيروا مع التيّار، فهجروا المطروق ليتأمّلوا الواقع ويأتون بالجديد ويتنبّأون بالأحداث السياسيّة التي وقعت بالفعل أو ينبّهوا بالمخاطر التي قد تواجه الدولة والمجتمع. كان ذلك نتيجة لإدراك صناع الفيلم المبدعين للمشكلات المجتمعيّة السياسيّة الحقيقيّة، وأرادوا بذلك نقد الواقع بحثًا عن الأفضل والأحسن انطلاقًا من القيم الجماليّة التي سعوا إليها[1].

 بيد أن دعاة المركزيّة الغربيّة لجأوا من خلال السينما إلى طمس الهويّة العربيّة، فجاءت صورة العرب في السينما الغربية مخزية للغاية؛ ففي أفلام المخرج الأميركي سيسيل دي ميل (Cecil De Mille) على سبيل المثال، تمّ تصوير الشخصيّات العربيّة والإسلاميّة، سواء من خلال أحداث معاصرة، أو تاريخيّة مثل: «العربي 1915»، و«الأسير 1918»، و«الصليبيون 1935» من خلال رؤية عنصريّة غير حقيقيّة للشخصيّة العربيّة.

 علاوة على أنّ كلّ فيلم يقدّم على الساحة العالمية ويشتبك مع قضايا مهمّة بدت في بساطتها تحمل مغزى سياسيًّا لتوجيه الرأي العام. فالولايات المتّحدة تخوض حربًا عسكريّة ضدّ دول عربيّة وإسلاميّة مثل العراق وأفغانستان وتقدّم أفلامًا تحذّر الرأي العام الأميركي، فكأنها تقول للأمريكيّين: هؤلاء يستحقّون القتل. فيما رأى بعضٌ أنّ «هذه الصورة السلبية للعربي طبيعيّة في السينما الأمريكية؛ وذلك لطبيعة الإنتاج السينمائي في هوليوود. والأحرى للعرب أن ينتجوا أفلامهم التي تعبّر عن الصورة الحقيقية للعربي»[2].

 وفيما يخصّ تصوير صورة العربي كإرهابي في السينما العالمية قدَّمت العديد من الأفلام السينمائيّة العالميّة العربي في صورة الشرير (Villain) فبدت صورة العربي بأنّه شرير وإرهابي متوارثة على الشاشة الفضيّة[3]؛ كما في فيلم الحصار الذي عرض قبل ثالث سنوات من تفجيرات نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر 2001م، والذي

(463)

كان بمثابة دعوة للإدارة الأميركيّة للقيام باعتقال العرب والمسلمين الأميركيّين[1].

 كذلك لا ننسي الصورة القميئة للمرأة العربيّة في السينما العالميّة، حيث يذكر المحلّلون أنّه دومًا ما تمّ تصوير المرأة العربيّة في الأفلام الغربيّة بمظهر المرأة الضعيفة الخاضعة المستكينة المحجّبة المغلوب على أمرها. فلم يتمّ تجسيد نموذج المرأة العربيّة القائدة أو القويّة أو الناجحة في عملها. دومًا ما يتمّ تصويرها كجارية، فيتمّ الإشارة إلى النساء كجوارٍ أو أنّهن وراء حجاب[2].

 ففي فيلم « علاء الدين» نجد الأميرة ياسمين في انتظار فارس الأحلام، ونجد أنّ كثيرًا من الأفلام الغربية صوّرت قصص ألف ليلة وليلة لتجسيد المرأة في مظهر ضعيف، فكثيرًا ما تم تصوير النساء العربيات، كخاضعات أو كمقهورات أو راقصات[3].

 من أبرز الأفلام التي قامت بتصوير المرأة العربيّة في الأفلام الغربية في بدايات السينما العالمية أفلام فاطمة (1897)، ورقصة فاطمة (1907)، هنا تمّ تصوير المرأة العربيّة كشيء أو سلعة فقط. وفي فيلم «حول العالم في ثمانين يومًا» 2004، يبرز الفيلم الشيخ العربي يتزوّج من مئة امرأة ويتمّ تشييئها كأنها سلعة فقط[4].

 وهناك تأثيرات كبيرة للاستشراق على فيلم «الشيخ» لرودلف فالنتينو عام 1921. تمّ تصوير النساء بأنهم دومًا محجّبات، وبلا أيّ صوت أو رأي. ومن الأفلام الأخرى أحد الأفلام الذي صوّر العربي في صورة الثريّ والذي يُحاط بالنساء دومًا، ظهر ذلك في فيلم مغامرات أنديانا جونز (Indiana Jones Adventures) وجوهرة النيل ( the Nile of Jewel The) وأكاذيب صادقة (Lies True) ووالد العروسة (Father of the Bride)[5].

(464)

ممّا سبق يتّضح لنا مدى الدور الذي تقوم به السينما بالتأثير بصورة كبيرة على القيم والاتّجاهات، وهنا كان لا بدّ للدول العربيّة بعد أن تحرّرت من براثن الاستعمار أن تلجأ إلى رفع راية النضال ضدّ كل هذه الافتراءات والمغالطات، وذلك من خلال ضرورة الرقابة على الأعمال الفنيّة؛ وخاصّة السينما التي أضحت تمثّل أداة أيديولوجيّة بامتياز.

 وهنا رأينا السينما المصريّة في الحقبة الناصرية تتبنّى مشروعًا قوميًّا للسينما، فرأينا أوّل خطاب يصدر عقب ثورة يوليو في أغسطس 1952 من قبل اللواء «محمّد نجيب» للسينمائيّين، والذي حمل عنوان: «الفن الذي نريد»، وبعد أقل من شهر على بيان آخر ألقاه جمال عبد الناصر من مبنى الإذاعة والتلفزيون يعلن فيه سقوط الملكية وقيام النظام الجمهوري.

 وهنا أدرك «جمال عبد الناصر» أهميّة السينما كأداة من أدوات القوة الناعمة، وأيقن من فعاليتها كأداة أيديولوجية تساعد في توطيد أركان النظام السياسي والحفاظ على التضامن الشعبي والهويّة الواحدة للشعب المصري. وقد آمن المسؤولون منذ الأيام الأولى لقيام ثورة يوليو 1952 بضرورة اتّباع أسلوب التوجيه والتخطيط، وقامت الدولة في سبيل ذلك بإنشاء الهيئات المتخصّصة في شؤون السينما[1].

 وكانت السياسة الثقافيّة لتلك الهيئة في بداية عهدها أقرب إلى السياسات الأوروبيّة، خاصّة الفرنسيّة منها، ويرجح بعض النقّاد سبب تأثر نظام عبد الناصر في بداية عهده بالسياسات الثقافيّة الأوروبيّة خاصّة الفرنسيّة منها إلى «يحيى حقّي»، أوّل رئيس لمصلحة الفنون، وإلى وزير الثقافة آنذاك «ثروت عكاشة»[2].

 إلّا أنّ هناك تغييرًا جذريًّا طرأ على سياسات نظام عبد الناصر بعد ذلك إلى وزير الثقافة والإرشاد القومي «عبد القادر حاتم» الذي كان يؤمن بتوجيه كل وسائل التعبير في خدمة الدعاية السياسيّة المناهضة للاستعمار؛ حيث وظُفت أفلام السير والشخصيات

(465)

التاريخية المناهضة للاستعمار لخلق سردية تاريخية للدولة المصريّة في عهد عبد الناصر، فتمّ إنتاج أفلام في تلك الحقبة عن «مصطفى كامل 1962»، و«سيد درويش 1966»، إخراج أحمد بدر خان[1].

  وما إن وضعت حرب السويس أوزارها عام 1956م حتى عملت الهيئات المتخصّصة في شؤون السينما صناع الأفلام على تقديم أعمال فنية تلامس المأثور الشعبي يقدّمها أبطال من أبناء الفلّاحين، فاستلهمت الأفلام المواويل الشعبيّة تارة، مثل فيلم «حسن ونعيمة» للمخرج هنري بركات 1959م، وعمدت تارة أخرى للأبطال الشعبيّين لخلق سردية مناهضة للاستعمار الغربي، مثلما جاء في فيلم «أدهم الشرقاوي»، إخراج حسام الدين مصطفى 1964، ويحكي الفيلم حكاية فلاح مصري يتحوّل لزعيم شعبي مناضل ضدّ الاستعمار البريطاني، وباشوات الإقطاع، أو على هيئة المساهمة في دعم إنتاج فيلم الناصر صلاح الدين 1963 إنتاج آسيا وإخراج يوسف شاهين، والذي كان تجسيدًا لذروة التماهي ما بين «الناصر صلاح الدين» و«عبد الناصر»، وما يتبعها من مقارنات حول حروب الفرنجة والعرب في القرون الوسطى حول القدس، من إسقاطات حول السويس وتوترات الصراع العربي الإسرائيلي آنذاك في الشرق الأوسط مطلع الستينات من القرن الماضي[2].

 لم تكتف المؤسّسة المصريّة العامّة للسينما بذلك، بل دعت إلى التوسع في إنتاج أفلام وطنيّة أخرى مقاومة للاستعمار بكافة أشكاله، مثل: فيلم «بورسعيد» 1957، وفيلم «رد قلبي» لعز الدين ذو الفقار 1957، وفيلم «الله معنا» 1955، علاوة على الثلاثية الشهيرة للروائي الراحل «نجيب محفوظ»، «بين القصرين»، «قصر الشوق»، «السكرية»، الصادرة عامي (1956-1957م)، متناولًا من خلالها ثلاثة أجيال مختلفة، ومتوغّلًا داخل مآسٍ فكريّة واجتماعيّة وقضايا وطنيّة، وتعكس مأساة

(466)

جيل قاوم الاستعمار، ومنه بزغت الإرهاصات الأولى ثورة يوليو 1952 [1].

 وعلى أثر حرب التحرير التي قادتها مصر ضد المحتلّ الإسرائيلي في السادس من أكتوبر لعام 1973 وانتصرت فيها. وهذا النصر سيدفع السينما المصريّة بعد ذلك إلى إنتاج سيلٍ هائلٍ من الأفلام ضدّ المحتل الصهيوني، مثل فيلم: حكايات الغريب، حتى آخر العمر، وحائط البطولات، وبركان الغضب، وبئر الخيانة، والطريق إلى إيلات، وبدور، وإعدام ميت، وأبناء الصمت، وأبابيل، وأرض الأبطال، وأسد سيناء... إلخ[2].

 ولم تكتفِ السينما المصريّة بذلك، بل عمدت إلى تشكيل هويّة سينما البلدان القريبة والتفاعل معها عمليًّا، فعلى سبيل المثال، هناك مجموعة من أهم الأفلام العراقيّة، أخرجها مخرجون مصريون، أفلامهم من إخراج فؤاد التهامي 1977، وتوفيق صالح 1980، وغيرها...، حيث نلاحظ هنا غلبة الاتجاه القومي العروبي المناهض للمركزية الغربيّة[3].

  وكان للتجربة السينمائيّة اللبنانيّة نصيب من المساهمات المصريّة. ففي الستينات من القرن الماضي انتقل نحو عشرة مخرجين مصريّين إلى بيروت، وتمّ إنتاج مئة فيلم من بينها أربع وخمسون فيلمًا باللهجة المصريّة، وبفضل انتشارها استطاعت شرائح كبيرة من المجتمعات العربيّة متابعة خطابات عبد الناصر السياسيّة، الأمر الذي امتدّ تأثيره للسينما، حيث نجد مشهد خطاب تأميم قناة السويس والتفاف المواطنين العرب حول الراديو إنصاتًا له، حاضرًا ضمن أحداث الفيلم السوري «كفر قاسم» 1974 لبرهان علوية، حيث تكرّرت مشاهد مشابهة في أفلام عراقيّة وسوريّة وفلسطينيّة تمّ إنتاجها في تلك الحقبة[4].

 كذلك لا ننسى سبيل مواجهة السينما الصهيونية التي تشنّ حربًا شرسة على العرب على مشارف تاريخهم، بدءًا من سلسلة الأشرطة السينمائية عن الحروب التاريخيّة بين العرب والإفرنجية، وانتهاء بالأشرطة التي تشوّه واقع المقاومة الفلسطينيّة للاحتلال،

(467)

نقول، أما في هذا السبيل، «فقد اتّخذت عدة خطوات ولكنها غير كافية، ومنها إعلان جامعة الدولة العربيّة في مايو ( آيار) 1968م عن إعدادها مشروعًا لإنشاء هيئة عربيّة للإنتاج السينمائي تشترك فيه الدول الأعضاء في الجامعة، وكانت تلك أول خطوة جادة لمواجهة النشاط الصهيوني في السينما العالمية»[1].

 وهذا الأمر أفرز لنا سينما التنظيمات الفلسطينية؛ فجاء فيلم «مشاهد من الاحتلال في غزة» (1973م) لتصوير واقع قطاع غزة، بعدما سقط في قبضة الاحتلال الصهيوني، وقد سبقه فيلم «العرقوب» الروائي (1972م) لمصطفى أبو علي، الذي أخرج بعده فيلم «عدوان صهيوني» (1973م)، وأعقبه بفيلم «ليس لهم وجود» (1974م)، ثم «فلسطين في العين» (1977م)، وترافق معه المخرج سمير نمر بإخراج عدة أفلام، أبرزها «الإرهاب الصهيوني»، و«ليلة فلسطينية» (1973م)، و«كفر شويا» (1975م)، و«الحرب في لبنان» (1977م)[2].

 وفي الختام، أدعو لبناء صناعة سينمائيّة جديدة، ينبغي من خلالها تأهيل جيل جديد من نقّاد ‏السينما الذين يجيدون اكتشاف الدلالات، ‏وفهم الرسائل وتوعية الجمهور، ‏كما يجب تأهيل جيل جديد من المؤلّفين وكتّاب السيناريو العرب والأفارقة الذين يستطيعون التعبير عن كفاح شعوبهم ورواية قصص نضالها، ‏ومقاومة الاستعمار الثقافي، ‏والتحرّر من الشروط السينمائيّة التي فرضتها هوليود على العالم.

المبحث الرابع: دور الأناشيد الوطنيّة في مقاومة الاستعمار

 تعدّ الأناشيد الثوريّة والأغاني الوطنيّة، من أهمّ العطاءات الإنسانيّة، التي كانت وما زالت تواكب حياة الشعوب وثوراتها، لاستنهاضها، وتحريضها في مسيرتها الثورية للتغيير، فكان النشيد الوطني واحدًا من الرموز التي حاولت الدول العربيّة الوليدة استثمارها، في سبيل تعزيز ارتباط المواطنين بدولهم التي كانت بحاجة ماسّة إلى تلك الرموز، بغية صهر

(468)

الفئات والشرائح والطوائف في إطار واحد، ولا سيّما في ظلّ غياب أي تعريف نهائي للهويّة الوطنيّة[1].

 ولذلك عندما أغار الاستعمار على مصرنا الحبيبة، التصقت الأناشيد الوطنيّة العربيّة بأحداث المقاومة العربيّة، فكانت منبثقة عنها ومزامنة لها، وأصبحت وثيقة تاريخيّة انطبعت بالحيويّة المتجسّدة في وظيفتها التحريضيّة الداعية إلى استنهاض الهمم وشحذ العزائم لمواجهة المستعمر ومقاومته لاستعادة الحرّيّة واسترجاع الكرامة الوطنيّة.

 ومن الأغاني الوطنيّة التي ساهمت في حركة التحرير ودخلت التاريخ كأغنية وطنيّة في تلك الحقبة كانت «دور عشنا وشفنا»، الذي لحّنه وغنّاه زعيم مدرسة التلحين المصريّة في القرن التاسع عشر «محمّد عثمان» (1855-1900م)، ويعرض فيه تعسّف الحكم الأجنبي في مصر في تلك الحقبة. ويقول الدور في مطلعه [2]:

                         عشنا وشفنا سنين          ومن عاش يشوف العجب

                        شربنا الضنا والأنين          جعلناه لروحنا طرب

                          غيرنا تملّك وصال         واحنا نصيبنا الخيا

                                        كده العدل يا منصفين

 بيد أن الموسيقى الوطنيّة لم تبدأ تظهر بقوالب جديدة كالمارش والأغنية الوطنيّة الحماسية إلّا مع الشيخ سيد درويش، فظهرت معه مجموعة كبيرة من الأغنيات على إيقاع المارش: إحنا الجنود -أحسن جيوش في الأمم جيوشنا- الجيش رجع من الحرب بالنصر المبين، وغيرها الكثير توزّعت كلّها على مسرحياته الغنائية الثلاثين. وجاءت هذه الفورة من الأناشيد للتعبير عن ثورة الزعيم «سعد زغلول» (1919) التي أُجهضت بسرعة وانتهى معها عهد الأغنية النضالية برحيل «سيد درويش»[3] عن عالمنا في العاشر من

(469)

سبتمبر 1923، عن عمر 31 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا موسيقيًّا وغنائيًّا كبيرًا، يشمل عشرات الأغاني والموشّحات والمسرحيات الغنائية.

 وتجدر الإشارة هنا إلى أغنيتين وطنيتين تحوّلتا إلى أناشيد، وهما «قوم يا مصري بلادي بلادي»، وتمتاز هاتان الأغنيتان النشيدان في بدايتهما بالبعد الرابع صعودًا على السلّم الموسيقي الذي يحتوي على عنصر الاستنهاض والتحريض والانطلاق، هذا البعد الذي رأيناه في أشهر الأناشيد التاريخية: نشيد المارسيلياز ونشيد الأممية، وهذا إن دلّ على شيء، فيدلّ أوّلًا على اطّلاع «سيد درويش» على الموسيقى الغربية حتى الأناشيد منها، وثانيًا على تفهّمه العميق لهذا البعد الرباعي المستعمل في بداية الأغنيتين كعنصر تحريض واستنهاض[1].

 ويرى المؤرّخون وأساتذة التاريخ أن سيّد درويش لم يكن مجرّد مشارك بأعماله الفنية، بل كان مشاركًا فعليًّا في الثورة، كان يخرج ويتصدّر المشهد في المظاهرات، وسيِّد درويش كان ثائرًا حقيقيًّا، فقد غيّر مفهوم الغناء وتطرّق لموضوعات لم يجرؤ أحد على تناولها، مثل الأغاني التي عدّدت مشكلات الطوائف العمّاليّة التي اختلط بها في بداية حياته عندما كان يشتغل بأعمال بسيطة، ومن الأمور التي ربما لا يعلمها كثيرون عن الفنان الراحل أنه كان ناقدًا موسيقيًّا محترفًا في المجلّات التي كانت تصدر في ذلك الوقت، وكان يوقّع مقالاته باسم (خادم الموسيقى)[2]، وكان لـ«درويش» العديد من الأمنيات التي لم تتحقّق، فكان يتمنّى دائمًا أن يضع موسيقى أوبرا عالميّة تخلّد حياة الزعيم أحمد عرابي، لكنه توفّي قبل أن تتحقّق أمنياته[3].

 بعد سيِّد درويش همد صوت الأناشيد القومية بسبب التعتيم الذي فرضه الاستعمار والحكم الملكي في مصر على كل أعماله بسبب تأييده لثورة سعد زغلول، وبعد وفاة سيد

(470)

درويش تظهر في لبنان الشقيقة أناشيد قومية وطنيّة وإن لم تكن ثورية، على يد الأخوين «فليفل» (محمّد فليفل وأخوه أحمد فليفل تمكّنا عام 1923م من تأسيس فرقة شبيهة بالفرق الموسيقيّة العسكريّة التركيّة، وهما ضابطان في الجيش اللبناني)؛ ومن أناشيد الإخوة فليل التي اشتهرت جدًّا وانتشرت وما زالت بشكل واسع في المشرق العربي (بلاد الشام): مواطني – نحن الشباب لنا الغد – بلاد العرب أوطاني – وحماة الديار، الذي تحوّل إلى النشيد الرسمي لسوريا[1].

ويبقى صوت النشيد الوطني خافتًا في فترة الأربعينات بالرغم من الحادث الجلل الذي زلزل المنطقة العربيّة، وأقصد ضياع فلسطين سنة 1948م، ونذكر من الأغنيات القوميّة التي ظهرت في المشرق وكان يغنّيها المجاهدون الفلسطينيون إبان حرب تقسيم فلسطين أغنيتين من ألحان الملحّن السوري المشهور «عبد الغني الشيخ».

وهاتان الأغنيتان هما: مرحي مرحي التي تقول[2]:

          مرحي  مرحي                 قتـــــــــــــلي   وجــــــــرحي

    مرحي  مرحي  بالملايين        قتلي وجرحي لفلسطين

وأغنية يا فلسطين جينالك والتي تقول[3]:

   يا فلسطين  جينالك                 جينا وينــــالك جينــــالك

   كلنا  رجالك  جينالك                 تنشيل حمـــــالك جينالــــك

 أمّا في مصر فإن أقوى الأناشيد التي عبّرت عن هذه النكبة كانت قصيدة فلسطين (علي محمود طه - محمّد عبد الوهاب - 1948)، وقد أصبحت من كلاسيكيّات الأناشيد الوطنيّة الفلسطينيّة، وهي ذات طابع رثائي، وخالية من الحماس ومليئة بالحزن على ما حصل، وكأنّ الملحّن يندب ويرثي فلسطين الضائعة[4].

(471)

وتنطلق الأناشيد العظيمة إبان حرب السويس وأشهرها: (دع سمائي) لعلي إسماعيل – (حاضر لآخر نقطة بدمي) ألحان المهندس يوسف شوقي غنّتهما فايدة كامل، مدفع الأغاني القومية. وأنوّه هنا بنشيدين من أهم الأناشيد القومية: (الله أكبر) ألحان محمود الشريف ونشيد (أنا النيل مقبرة للغزاة) محمود حسن إسماعيل – رياض السنباطي – نجاح سلام. وتلمع بين أغاني المعركة أغنية محمّد الموجي ونجاح سلام: يا أغلى اسم في الموجود، التي تحوّلت إلى النشيد غير الرسمي لمصر[1].

 ولا بدّ من ذكر الوجود اللبناني في المعركة بنشيد: من بيت لبيت، لحّنه وغنّاه عفيف رضوان الذي حصل على الجائزة الثانية بعد «الله أكبر» في مسابقة أناشيد المعركة[2].

 ولكن بعد نصر حرب أكتوبر 1973 وإبرام اتفاقيات كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل، بدا أنّ النشيد لم يعد منسجمًا في مفرداته الحادّة مع مرحلة أخرى، انتقلت إليها مصر للأسف، بعدما خاضت أربعة حروب كبرى في تاريخها، مرحلة تهدف لتدارك تأخّرها التنموي، ولإنعاش اقتصادها بنظام ليبرالي جديد، لم يألفه الشعب ولم يتم التحكّم بعد في آليّاته، ومع اضطرابات فترة اقتصاديّة انتقاليّة صعبة تضاربت فيها المفاهيم، واهتزّ على وقعها سلّم القيم، فأصبح لزامًا تحريك الشعور الوطني بأسلوب عاطفي هادئ غير متشنّج، يغازل الوطن ويهيم في حبه بروح وطنيّة متأججة[3].

(472)

المبحث الخامس: دور الفنّ التشكيلي في مقاومة الاستعمار

 إنّ الفنّ التشكيلي ليس مجرّد لوحة تنظر إليها، أو تمثال نراه ليعطينا ذلك المذاق الحسّي الذي من طبيعته أن ينصرف عاجلًا، أو يغيب عن خاطرنا آجلًا، كما أنه ليس بالضرورة أن يكون الفنّ صورة تنقل لنا تجربة تعبيريّة، أو نفسيّة، أو واقعيّة، أو تلقائيّة، تحرّكت في نفس الفنان وأراد أن يطرحها أمام المتذوّق ليثير فيه ذات المشاعر التي جاشت في نفسه[1].

 ولذلك وُلدت فكرة الفنّ التشكيلي كي يعبّر الإنسان الفنان من خلالها عمّا يشعر به من قيم جمالية يسعى إلى التعبير عنها من خلال تداخل الخطوط والألوان التي تشكّل لديه لوحة مكتملة مستوفية لفنّيّتها، ومعبّرة عن الفكرة التي أراد الفنان أن يقولها بصيغة فنّية، كما استطاعت اللوحة أن تحقّق حضورًا متميّزًا لدى متذوّقي ومفتتني الفنون عامّة[2].

 من جهة أخرى شهد الفنّ التشكيلي موجة من التغيرات والتطوّرات؛ لأنّه يتعلّق بقضايا فكريّة تصبّ في الظواهر الاجتماعيّة والثقافيّة التي تلامس الواقع، فكان لهذا تأثير كبير على تاريخ الفنّ ومعالمه، حيث برزت اتجاهات وحركات تشكيليّة جديدة ومتنوّعة تميّزت بالخروج عن المعتاد من أساليب فنية أو ما يُعرف بالفنّ الحديث والمعاصر الذي حوّل الممارسة الفنية إلى ممارسة حرّة في التعبير بشتّى أنواعه؛ أي الجمع المتكامل بين اللّغة، والحس، والصوت، والصورة، والشكل، وكذا اللون، وكل ذلك تغلغل في كل تفاصيل مختلف الفنون[3].

 لقد دفع هذا التطوّر بالفنّانين العرب إلى خلق وإنتاج طرق وأساليب خاصّة، بحثًا عن التحرّر من القيود اللامتناهية ذات المرجعيّة الغربيّة الفكريّة، خاصّة الذي عمل على سلب في ظلّ الاحتلال الغربي، والذي عمل على سلب كل حقوق الشعوب العربيّة المحتلة

(473)

وطمس انتمائها وهويتها، ليترك وراءه مجتمعًا يعيش في الجهل والفقر والحرمان ويعاني من فراغ ثقافي عميق[1].

 وكان الفنان العربي فردًا من المجتمع العربي ناضل بأسلوبه الخاص كغيره من الأفراد المثقّفين؛ أمثال الشعراء والكتّاب من أجل إحياء التراث والموروثات الشعبية المسلوبة وترسيخ الهويّة الوطنيّة الثقافي[2].

 انتهج الفنان العربي بعد الاستقلال أساليب جديدة عدة في التعبير عن الواقع الذي يعيشه برسومات واقعية تشخيصيّة، وأخرى تجريديّة، وثالثة تربط جذور الثقافة العربيّة الإسلاميّة بمعالم فنيّة جديدة، من خلال الأشكال والزخارف التي جُرّدت من الحياة، وأصبحت عبارة عن مساحات لونيّة يمتزج فيها الحرف العربي برمزه المستمدّ من الثقافات المتعدّدة، فاجتمعت بذلك أجزاء الموروثات الشعبيّة، واتّضحت معالم الهويّة الوطنيّة وخصوصيّة الفنّ العربي؛ وهو ما نجده في أعمال مجموعة من الفنانين العرب، حيث قدّموا عطاءً فنيًّا، وجعلوا منه شيئًا جديدًا في حياة الشعب العربي[3].

 لقد تغلغل الفنّ التشكيلي في أوساط الشعب العربي، فكان يمثّل المضمون القومي، وصور المقاومة والنضال المدخل الكبير الذي ولجه الفنّانون، وأتاح التحاور مع اللّغة التشكيليّة كإحدى الأدوات المعبّرة عن إرادته، وأصبحنا نألف وجود اللوحة خارج إطارها المتخفّي، وهو الآن فنّ الجماهير العربيّة المقاومة للاستعمار، سواء على أعمدة القرى أو سطوح الخيام، وذلك كي تتواجد مستنسخات اللوحات الفنيّة المعبرة عن المقاومة، حيث تتعايش مع الأطفال والنساء والشيوخ في المخيّمات، تذكي في مشاعرهم صور المعاناة التي يحيونها فيترسّخ الصمود والمقاومة أكثر وأكثر وكان لها فعل السحر[4].

 كما استُخدم فن المقاومة التشكيلي للتخاطب مع الشعوب الأخرى لتوضيح الحقيقة للفكر الأجنبي الذي حاصرته الدعاية الصهيونية، وبرزت ظاهرة معارض المقاومة

(474)

المتجوّلة، سلاحًا إعلاميًّا ناجحًا خلال القرن العشرين في مختلف دول العالم تخاطب الشعوب مباشرة دون حاجة إلى ترجمة، ولقد ثبت من خلال المعارض هذه والنشاطات الفكرية المختلفة، أنّ الفنّ التشكيلي بمكن أن يكون إحدى الوسائل القادرة على تغيير المواقف لدى الآخرين باطّلاعهم على الحقيقة من خلاله، مما نقل الكثيرين إلى القناعة بعدالة القضيّة العربيّة والوقوف بجانبها بل والدفاع عنها[1].

 وهنا نقدّم بعض الأمثلة من خلال قيام ثورة يوليو المصريّة 1952م والتي تغيّر من خلالها الشكل الاجتماعي في مصر، واختلفت النظم السياسيّة والاقتصاديّة والاتّجاهات الفكريّة والثقافيّة، وتعرّضت مصر في هذه الفترة للعديد من الأحداث إلى جانب الحروب التي خاضتها في مواجهة العدوان، وقد واكب هذه الأحداث العديد من الأعمال الفنيّة التشيكليّة، ومن الأمثلة على سبيل المثال لا الحصر:

1-الفنان محمّد صبري ولوحته «معركة بورسعيد»: وهي لوحة زيتية كبيرة 185240 x سم من مقتنيات متحف الفنّ الحديث.


مراجعة الكتاب 

 

شكل (1)

هذه اللوحة بحقّ تُعدّ من أروع ما صوّر عن المعركة - من حيث التكوين والتعبيرات والانفعالات الصارخة من أفراد المقاومة الشعبية بألوان نارية في جوّ صاخب... غاضب... وكأن الإنسان في معركة حقيقيّة ضارية على لوحة متكاملة، فهي تمثّل المقاومة الشعبيّة إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م واللوحة بتكوينها وتعبيرها... صدى لهذه

(475)

المقاومة الباسلة التي تصدّى فيها الشعب للعدوان... وقد تمكّن الفنّان أداءً وحسًّا وتعبيرًا من خلال تصوير الوجوه وصرامتها والأطفال وعلامات الرعب وهذه البؤرة المضيئة التي تمثّل قذف العدوان وعنفه... والإسقاط الجوي في كل مكان من أرض بورسعيد، حتى المساجد لم تنج من عدوانهم.. لكن الشعب المصري تصدّى بكل ما في يده لصدّ العدوان وبكل إيمانه ببلده وثورته يدافع عن مكاسبه وأرضه وقناته. إن لهيب الألوان الساخنة وتعبيرات وجوه المقاومة... كانت صدًى وتعبيرًا نجح الفنان في تصويرها.

2-لوحة عبور أكتوبر العظيم للفنان محمّد صيري، هي لوحة زيتيّة كبيرة 220 سم في 135سم من مقتنيات متحف قصر عابدين، وتعبر اللوحة عن موقعة النصر لقوّاتنا المسلحة وتمجيدًا لأبطالنا البواسل الذين حاربوا ملحمتها الخالدة... وذلك بألوان نارية صارخة...

مراجعة الكتاب 

شكل (2)

تؤكدّ شراسة المعركة في جو من لهيب القصف المتواصل من أسراب الطائرات التي سارعت بخوض المعركة في شجاعة نادرة... التي مهّدت السبيل لأسطول المدافع والدبابات... وتحرّك الجنود في عبور المياه بالزوارق واقتحام الساتر الترابي الذي صار كتلة من النيران... وهدير الأصوات ينطلق من الحناجر مدويًا إلى عنان السماء... الله أكبر... الله أكبر... ولا شكّ أنّ أهمّ أحداث الوطن في عصرنا الحديث هو انتصار أكتوبر لأنّه لم يكن مجرّد انتصار عسكري في حرب... إنّما هو استنهاض أمّة كي تستردّ كرامتها... إنّها لوحة رائعة تروى بدقة للأجيال القادمة... بطولات خارقة.

 

(476)

3- لوحة ملحمة السدّ العالي للفنان عبد الهادي الجزار، وعنوانها إنسان السدّ:

مراجعة الكتاب 

لوحة «إنسان السدّ» شكل (3) والذي عبّر عنها في هيئة بورتريه لشخص يحمل معاني العزيمة والإصرار والتحدّي، وهو يمثّل الإنسان المصريّ بشموخه وكبريائه ويصوّر الفنّان بناء السد العالي والآلات والمعدات تملأ المكان وتحيل الإنسان الموسوم العديد من الآلات والتي تشكّل هيكلة جسمه، والمنظور القوي هو أهم ما يميّز اللوحة، كما استخدم درجات البنّي والأخضر، فالبنيّ هو لون الطمي رمز الخير، وأما الأخضر فهو رمز النماء، واللوحة نال عنها وسام الجمهورية في العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام ١٩٦٤م، فضلًا عن اقتناء الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لها بمكتبه في مقر الاتحاد الاشتراكي.

وإذا انتقلنا إلى الجزائر نجد أنه مع دخول الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر، حاول منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدماه أرض الجزائر طمس كل مقومات الحضارة الجزائرية، وفرض السيطرة الفكريّة الثقافيّة خصوصًا الفنيّة منها، وذلك بتأسيس مدارس فنيّة تحمل بنى أجنبيّة لتعليم أصول التصوير على أسلوب المدارس الغربية، في غياب تام للخصوصيّة العربيّة الجزائريّة[1].

 وهنا برز الوعي التحرّري عند الفنان الجزائري، انطلاقًا من توظيف القلم والريشة كسلاح مقاومة للتخلّص من المستعمر، حيث أخذ الفنان الجزائري يبحث ويعبر ويثبت من خلال الفنّ التشكيلي انتمائه لهويّته الأصليّة؛ وبالفعل نالت أسماء الفنانين الجزائريّين بعد فترة قصيرة المراتب الأولى، وحاولت النهوض بالفن الجزائري الأصيل بشتّى أنواعه

(477)

على يد كل من محمّد راسم، ومصطفى بن دباغ، وعمر راسم، ومحمّد تمام وغيرهم، حيث سطعت نجومهم في الفنّ بحلّة عربيّة زخرفيّة برسومات تصغيريّة فنيّة[1].

 أما إذا انتقلنا إلى سوريا ولبنان، فنجد أنّ الفنان التشكيلي السوري واللبناني المعاصر قد واجه جملة من التحدّيات في مواجهة الاستعمار الفرنسي وفي إطار من التوجّه الوطني والقومي والإنساني النبيل، وجد الفنان التشكيلي السوري واللبناني نفسه أمام خيارات عديدة، لصون نفسه وهويّته وتراثه، من هجمة التذويب والتضييع العاتية التي يتعرّض لها، وبالتالي إثبات وجوده الحضاري الفاعل والمتفاعل، فيما يجري حوله، عبر اللّغة التعبيريّة العالميّة الراقية، المهمّة والمؤثّرة التي يشتغل عليها، والقادرة على السفر بالناس إلى كل أصقاع العالم، لمصافحة عيونهم، وملامسة أحاسيسهم، والتحاور مع أفكارهم وعقولهم، ذلك لأن الفنون التشكيلية كالموسيقى، لغة عالمية، لا تحتاج إلى ترجمة أو شرح أو وسيط، للوصول إلى المتلقّي، وفتح حوار معه، أيًّا كانت جنسيته، أو لغته، أو حتى ثقافته!![2].

 لقد وجد الفنان التشكيلي السوري واللبناني نفسه، أمام عدّة خيارات، لمنح الفن الذي يشتغل عليه، خصوصيّة الأرض التي جاء منها، والإرث الحضاري الكبير والمتلوّن الذي ينتمي إليه، وملامح العصر المتحوّل الذي يعيشه، مضمِّنًا إيّاه في الوقت نفسه رؤاه ومواقفه الذاتية، ممّا يجري حوله من أحداث، وساكبًا فيه ثقافته النظريّة والبصريّة التي كوّنها بالبحث والتجريب والدراسة والاطلاع. لهذا تنوّع بحث الفنان التشكيلي السوري واللبناني عن الصيغة الأمثل، للخروج بمنتج فنّي حاضن لهذه الهواجس والتطلّعات، مصاغ بلغة تشكيليّة حديثة، متلوّنة الاتّجاهات والأساليب[3].

(478)

الخاتمة

1. لا شكّ في أنّ تذوق الفنون، عندما تكون متّسقة تتّسم بالجمال، وقوّة المعنى، ودقّة التنفيذ، سواء أكانت مقطوعة موسيقيّة، أو لوحة تشكيليّة، أو تصميمًا معماريًا، أو فيلمًا سينمائيًا، أو قصيدة شعر، أو عرضًا مسرحيًّا، أو مسلسلًا تليفزيونيًّا، تصبح له قدرة غير عادية على اقتحام مشاعر ووجدان هذا المتلقّي والتأثير به تأثيرات متعدّدة، قد تشكّل وعيًا مختلفًا، أو تعمّقه وتوضحه حيال فكرة أو موضوع ما، وهذا ما أدركناه من خلال دور الفنّ في مقاومة الاستعمار.

2. قدّم الفنان العربي عطاءً فنيًّا، وجعل منه شيئًا جديدًا في حياة الشعب العربي. لقد تغلغل في أوساط الشعب، وكان المضمون القومي وصور المقاومة والنضال المدخل الكبير الذي ولجه الفنّانون. وأتاح التحاور مع اللّغة التشكيلية كإحدى الأدوات المعبرة عن إرادته.

3. لا شكّ في أنّ معظم الأناشيد الوطنيّة التي تمّ وضعها وتلحينها في فترات الكفاح والنضال المسلّح، وتم إخراجها من رحم الثورات، تكون عادة مفعمة بالروح الوطنيّة الثائرة، وتكون ذات حمولة معنويّة عسكريّة ثقيلة هدفها الدفع للفداء وللتضحية، ولكن بعد استقلال الشعوب ونيلها حريّتها، ثمّ ولوجها في مسار طويل يمتدّ لعشرات السنين من العمل الوطني المضني من أجل البناء والتنمية والتطور.

4. بالرغم من القمع المسلّط من قبل الاستعمار الغربي على كثير من الشعوب العربيّة، فقد استطاع الفنّانون التشكيليّون أن يعبّروا عن رفضهم للواقع المفروض على شعبهم، حيث كان لهم دور كبير في مواجهة المستعمر من خلال توظيفهم للوحاتهم الفنيّة المؤثّرة والحاملة للفكر الثوري التحرّري كسلاح مقاومة، وبالتالي تأكّد أنّ الفنّ التشكيلي، وفضلًا عن غاياته الجماليّة، هو كذلك بمثابة أداة سلاح قوية في مقاومة أيّ عدوّ.

5. إنّ استراتيجيّة الأناشيد الوطنيّة الثوريّة كما تبيّن لنا من خلال هذا البحث تأثيرها على الخطاب المضادّ لعدّة أهداف وجدانيّة وأبعاد فكريّة، خصوصًا الإقناع والتعبئة، وامتدّ صداها إلى اليوم، فتجلّى في تسامي أفق الوعي الجمعي بضرورة اليقظة والتلاحم وحب

(479)

لوطن وتشييده، ورغم ذلك لم تنشغل هندسة النسق اللغوي والبناء الأسلوبي الجيد، والإبداع الممتع للقارئ، فالشعر هو روح الحرّيّة السارية في الثقافة والإبداع، والحديث عن النشيد والثورة ذو شجون، والقصّة بينهما ما تزال تخبّئ الكثير من الجماليّات والبطولات.

6. كشف لنا البحث على أنّ العمل المسرحي يعتبر عملًا مركّبًا، يبدأ بفكرة لدى الكاتب أو المؤلّف تعبّر عن وعيه وتصوره، ثمّ تنتقل إلى مخرج يتفاعل معها ويضيف عليها، ويبنى رؤيته الفكريّة عليها، ثمّ تنقل إلى الفنان التشكيلي ومصمّم المناظر ليدخل عليها الألوان والتصوّرات الجديدة الخاصّة به وبفهمه للنص والإخراج، من خلال ألوانه وخطوطه ورسوماته، ومن هناك تنطلق الفكرة المجسَّدة إلى الممثّلين الذين يؤدّون الأدوار ويستلمون الكلمات، وهناك أيضًا الإضاءة والفنّيّون والصوت والعاملون عليه، حيث يتفاعل هؤلاء جميعًا بما لديهم من إضافات وإبداعات ليقدّموا للجمهور مادّة غنيّة وخصبة قادرة على التأثير في تشكيل وعيهم السياسي، ويتفاعلوا معها بشكل عملي وحيوي، وهنا يتجلّى دور المسرح في تشكيل الوعى السياسي ضمن عمليّة مركّبة جدًّا هدفها ضرب المركزيّة الغربيّة.

7. لعبت سينما مقاومة الاستعمار دورًا أساسيًّا في تقزيم عولمة ‏الثقافة الأميركيّة التي كانت قد انتشرت في أواخر القرن العشرين في دول العالم، ذلك من خلال التسويق للمشاهد العربي بضرورة شجب احتلال العقول والوعي قبل احتلال الأراضي، الأمر الذي يجعلها أداة قويّة لتعزيز الحوار بين أفراد المجتمع حول التحدّيات والمشكلات التي تواجههم.

8. كما أدعو هنا في هذه الخاتمة لبناء صناعة سينمائيّة جديدة، ينبغي من خلالها تأهيل جيل جديد من نقّاد ‏السينما الذين يجيدون اكتشاف الدلالات، ‏وفهم الرسائل وتوعية الجمهور، ‏كما يجب تأهيل جيل جديد من المؤلِّفين وكتّاب السيناريو العرب والأفارقة الذين يستطيعون التعبير عن كفاح شعوبهم ورواية قصص نضالها، ‏ومقاومه الاستعمار الثقافي، ‏والتحرّر من الشروط السينمائية التي فرضتها هوليود على العالم.

(480)

9. إن الفنّ سواء أكان من خلال السينما - المسرح معنيًّا بالقضية الاجتماعيّة، فإن لديه طموحًا لبناء مادة سينمائيّة-مسرحيّة يمكن أن تخدم النضال التاريخي للناس من أجل تحرّرهم داخليًّا وخارجيًّا؛ ينطوي هذا النضال من أجل التحرّر من براثن المركزيّة الغربيّة كمصدر للظلم الاجتماعي، وبناء هويّة وطنيّة جديدة لأمّتنا أيضًا، تمكّننا من استعادة ذاكرتنا الثقافيّة، وحفظها وإحيائها، وتمكّننا كذلك من بناء هويّة اجتماعيّة جديدة قادرة على تسليط الضوء على قضايا مثل الفقر، التمييز، حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعيّة.

10. كشف لنا البحث على أنّ الفنّ يلعب دورًا حاسمًا في الحفاظ على التراث الثقافي ونقله عبر الأجيال؛ فالأعمال الفنيّة، سواء أكانت موسيقى، أدبًا، أو فنونًا بصريّة، تساهم في توثيق التجارب الإنسانيّة والتاريخيّة من خلال الحكايات الشعبيّة والأساطير المرويّة من الأغاني أو المسرحيّات الشعبيّة والتي تنقل المعرفة والقيم من جيل إلى آخر، ممّا يساعد في الحفاظ على الهويّة الثقافيّة مع توطيد الفهم المتبادل بين الشعوب ممّا يعزّز الفهم المتبادل ويقوّي الروابط الإنسانية.

11.  ارتبط تاريخ الثورات العربيّة ضدّ الاحتلال بالأغاني الوطنيّة التي ألهبت حماس الشارع العربي، مثل أغاني الراحل سيد درويش، وأحمد فؤاد نجم، والشيخ إمام عيسى والتي كانت تمثّل مقاومة من نوع آخر؛ فقد أشعلت أغانيهم الوطنيّة والثوريّة الجامعات والنقابات العمّاليّة وتجمّعات المثقّفين لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني والدفاع عن القضايا القوميّة العربيّة في الغناء لكلٍّ من فلسطين والجزائر ولبنان.

12. لعب المسرح دورًا مهمًّا في مقاومة العنصرية، ليس في العالم العربي فقط، بل في أفريقيا، حيث كان المسرح يمثّل انعكاسًا لوعي الرجل الأسود والتعبير عن الأفكار التي لم يجرؤ على الحديث عنها من قبل وأن يدرك السود من خلاله بآدميتهم، وأنهم ليسوا مجرّد أشياء أو كائنات مهمّشة.

(481)

قائمة المصادر والمراجع

المراجع العربيّة

1.إبراهيم، رزان محمود، المؤثر الاستعماري في الكتابة الأدبية: إيقاعات متعاكسة تفكيكية، المجلة العربيّة للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت - مجلس النشر العلمي، مج 29، ع 116، 2011م.

2.إسماعيل، سيد علي، تاريخ المسرح في العالم العربي – القرن التاسع عشر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012م.

3.أشكروفيت، بيل، جاريث جريفيت وهلين تيفين: دراسات ما بعد الكولونيالية المفاهيم الأساسية، ترجمة: أحمد الروبي، وأيمن حلمي وعاطف عثمان، المركز القومي للترجمة، العدد 1681، الطبعة الأولى، القاهرة، 2010م.

4.ألكسان، جان، دور السينما والمسرح في تعبئة الوعي القومي، شؤون عربيّة، جامعة الدول العربيّة - الأمانة العامة، ع 64، 1990م.

5.أمين، إسلام، أثر السينما في نسج الهويات وتأطيرها: السينما المصريّة نموذجًا، مجلة الديمقراطية، مؤسسة الأهرام، مج18، ع69، 2018م.

6.بخيت، أحمد السيد أحمد؛ فرنسيس، وجيه جرجس: توظيف الرمز في مسرح محمود دياب (مسرحيّة الهلافيت نموذجًا) دارسة تحليليّة، مجلة البحوث والتربية النوعية المجلد العاشر، العدد 50 – يناير 2024، جامعة المنيا، كلية التربية النوعية.

7.بغورة، صبحة، دلالات وخصوصيات في الأناشيد الوطنيّة: عندما يغني العرب لبلادهم فخرًا واعتزازًا، مجلة الدبلوماسي، وزارة الخارجية - معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية، ع 63، 2012م.

8.حبيب، شيخي، وهاجر، شرقي، تجليات المقاومة في الفن التشكيلي إبان الاستدمار الفرنسي للجزائر، مجلة لغة كلام، المركز الجامعي احمد زبانة بغليزان - مخبر اللّغة والتواصل، مج7، ع2، 2021م.

9.حسانين، سهير، الأنساق الثقافيّة في مسرح صلاح عبد الصبور «بعد أن يموت الملك، ومأساة الحلاج» نموذجًا، المجلة العلميّة بكلية الآداب – جامعة المنيا، المجلد 2017، العدد 31، يوليو 2017م.

(482)

10.حسن، رشا محمّد علي، الفن التشكيلي ودوره في مواجهة الحروب، مجلة الفن والتصميم، المؤسسة الدولية للثقافة والقانون، ع 4، 2024م.

11.خشبة، سامي دريني، مسرح المقاومة، الأدباء العرب، الاتحاد العام للأدباء العرب، ع 3، 1971م.

12.خضر، داليا فؤاد عبد النعيم، الرؤى التشكيلية في أعمال يوسف إدريس المسرحيّة - دراسة تحليلية تطبيقية على نماذج مختارة، مجلة المعهد العالي للفنون المسرحيّة، العدد 725، القاهرة، صدر بتاريخ 19 يوليو 2021م.

13.راغب، نبيل، لغة المسرح عند الفريد فرج، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1986م.

14.الرافعي، عبد الرحمن محمّد رضا، الوطن العربي والاستعمار: الاستعمار آثار في الأمة العربيّة روح المقاومة، مجلة الحج والعمرة، وزارة الحج، 1957م.

15.زكريا، شريفي، مفهوم العلاقة بين الفن والمجتمع وحرّيّة الفنان، الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، مج 19، ع 222، 224، 1989م.

16.سحاب، سليم، أناشيد وأغان واكبت التاريخ، شؤون عربيّة، جامعة الدول العربيّة - الأمانة العامة، ع 145، 2011م.

17.سعيد، إدوارد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربيّة، 1997م.

18.سليم، نبيل، الفن التشكيلي: دروس وآفاق، التوباد، ع 15، 1992م.

19.سماق، فيصل، الفن العربي الحديث بين القومية والمعاصرة، الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، ع 71، 1977م.

20.السيد أحمد، عزت، المقاومة في الفن والمقاومة بالفن، مجلة جامعة تشرين للدراسات والبحوث العلميّة، اللاذقية، جامعة تشرين، سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية، المجلد 27 العدد (1)، 2005م.

21.شاهين، محمود، الفنّ التشكيلي السوري الحديث، دمشق: سوريا.

صقر، أحمد، قراءة نقدية تحليلية في مسرح نجيب سرور، الحوار المتمدن - العدد 3296، 2011م.

22.الطعان، سليمان، النشيد الوطني النشأة، الرمزية، الوظيفة »نماذج من الأناشيد الوطنيّة العربيّة«، الدراسات، العدد الخامس عشر- نيسان/ أبريل 2021م.

(483)

24.عاشور، نعيمة، الرمز والهويّة في الفن التشكيلي الجزائري المعاصر «محمّد خذة» أنموذجًا، أطروحة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه الطور الثالث، كلية الفنون والثقافة، جامعة قسنطينة 3 – صالح بوبنيدر، 2024م.

25.عبد الحافظ، رفاعي يوسف، معمارية النص: قراءة في مسرحيّة الفصل الواحد عند سعد الدين وهبه، مجلة الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة أسوان، مجلد 50، ع1، أكتوبر، 2003م.

26.عبد الحميد، شاكر، الفن والحرّيّة مقال منشور بجريدة الاهرام لمصريّة -الجمعة 25 من ربيع الأول 1436هــ/ 16 يناير 2015م، السنة 139 العدد 46792.

27.عبد المجيد، غيضان السيد علي، الفلسفة الأفريقية البحث عن الهويّة ورفض المركزية الغربية، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، ع 23، 2021م.

28.عبد المعطي، عثمان، الأثر الاجتماعي لثورة يوليو في المسرح، المجلة العربيّة للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت - مجلس النشر العلمي، مج 11، ع 4، 1993م.

29.عبدي، سمية؛ بوقطوش، مفيدة، اتجاهات المسرح الجزائري المعاصر (2000-2020م) دراسة في نماذج مختارة، مذكرة مقدمة لاستكمال متطلبات نيل شهادة لماستر (خصص: أدب جزائري)، الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، 2019م.

30.عبود، مصطفى، تشريح القهر: قراءة في مسرح ميخائيل رومان، الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة، 2010م.

31.عطية، مصطفى، السينما الفلسطينية... أكاذيب الصهيونية وحقائق التاريخ وأزمات الواقع، منصة الإبداع العربي، الخميس 19 ذو الحجة 1442هـ/ 29-7-2021م.

32.العقاد، عباس محمود: مطالعات في الكتب والحياة، دار المعارف، ط4، 1987م.

33.عكاشة، ثروت، حرّيّة الفنان، عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، مج 4، ع 4، 1974م.

34.فريد، الزاهي، حرّيّة الفن، الحرّيّة في الفن: بين الجماليات والسياسة، يتفكّرون، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ع 14، 2020م.

35.فيشر، إرنست، ضرورة الفن، ترجمة أسعد حليم، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1998م.

36.قدري، نجية أحمد، الاغتراب في مسرح محمود دياب (الزوبعة نموذجًا) مجلة البحوث، المجلد الثامن، ع 43، نوفمبر، 2022م.

(484)

37.قشلان، ممدوح، المقاومة والفن التشكيلي، الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، ع 137، 1982م.

38.لويس، إدوارد، سيد درويش والموسيقى العربيّة الجديدة، منشور ضمن مجلة حوار، السنة الثانية، المجلد 11، العددان الخامس والسادس.

39.مرابطي، صليحة؛ دحمون، كاهنة، تمثيل الفعل الثوري في السينما، مرا: آمنة بلعلى، دار الأمل- الجزائر، 2015م.

40.مردوخ، إبراهيم، الحركة التشكيلية المعاصرة بالجزائر، الجزائر: المؤسسة الوطنيّة للكتاب، 1988م.

41.مسعودة، قروم، الفن عند فريدريش شيلر بوصفه نقدا و نضالا وتحررا، مجلـة جماليات، المجلد السابع، العدد الأول، 2020م.

42.مغيث، كمال، الغناء وعبقرية الثقافة المصريّة، بيت الحكمة، القاهرة، 2023م.

43.مندور، محمّد، مسرح توفيق الحكيم، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، 2017م.

44.موسى، أحمد محمّد، المدخل إلى الاتصال الجماهيري، مصر، دار بلال للطباعة، بدون سنة.

45.النحاس، هاشم، الهويّة القومية في السينما المصريّة، دراسة استطلاعية مستقبلية، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، القاهرة، 1986م.

46.وحيد، مريم، دور السينما في تشكيل الرأي العام العالمي: دراسة حول صورة العربي في السينما الغربية، مجلة السياسة والاقتصاد، جامعة بني سويف – كلية السياسة والاقتصاد، مج 16، ع 15، 2022م.

47.يوسف، عبد الباقي، عبقرية الفن التشكيلي، المعرفة، وزارة الثقافة، س 51، ع 586، 2012م.

48.يونس، أحمد قتيبة، الصراع في مسرحيات عبد الرحمن الشرقاوي، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة الموصل، كلية التربية، العراق، 2003م.

   قائمة المقالات

1.وحدة الفن والحرّيّة، جريدة الدستور الأردنية، نشر في: الجمعة 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014. 03:00 مـساءً.

(485)

المراجع الأجنبيّة

1.Gallie -W.B & Cyril- Barritt. (1972). «Art and Politics: Proceedings of the Aristotelian Society, Supplementary Volumes». Vol. 46. Issue 1. Oxford Academic journals. Oxford University. UK.

2.Haider, Nishat: Representations of Veiling in Bollywood Cinema, Veil Obsessed: Representations in Literature, Art, and Media, Syracuse University Press 2024.

3.Hafez, Sabry: Shifting Identities in Maghribi Cinema: The Algerian Paradigm, Journal of Comparative Poetics, No. 15, Arab Cinematics: Toward the New and the Alternative,‎‎ (1995).

4.Kiernan, Maureen: Cultural Hegemony and National Film Language: Youssef Chahine, Journal of Comparative Poetics, No. 15, Arab Cinematics: Toward the New and the Alternative & lrm;‎ (1995).

5.Michalek, Laurence: The Arab in American Cinema: A Century of Otherness, Cinéaste, Vol. 17, No. 1 (1989).

6.Lewisohn , Ludwig: Thomas Mann, The English Journal, Vol. 22, No. 7 (Sep., 1933).

7.Swedenburg ,Ted: Egypt’s Music of Protest: From Sayyid Darwish to DJ Haha, Middle East Report, No. 265, Egypt: The Uprising Two Years on (Winter 2012).

 

(486)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف