تأليف:
كارولين فرانكس دايفِس
تعليقات:
د. علي شيرواني
ترجمة:
طارق عسيلي ، حيدر نجف
فهرس المحتويات :
الفصل الأول: افتراضات مسبقة
1. الاتجاهات اللامعرفية في التجربة الدينيّة
2. الواقعية النقدية
3. عدم قابلية التجارب الدينيّة للوصف
4. بعض الملاحظات على «التجربة»
الفصل الثاني: التجربة الدينيّة
1. ما الذي يمكن أن نعتبره «تجربة دينيّة»؟
2. التجارب التفسيرية
3. التجارب شبه الحسّيّة
4. التجارب الكشفية
5. التجارب التجديديّة
6. التجارب القدسية
7. التجارب العرفانية
الفصل الثالث: حجج التجربة الدينيّة
1. مقدّمة
2. حجج قياس التمثيل
3. التشبيه بالإدراك الحسّي
4. التجربة الدينيّة بوصفها لقاءً شخصيًا
5. التجربة الدينيّة باعتبارها «إدراكاً لشيء بمثابة شيء آخر»
6. حجّة «المعتقدات الأساسية»
الفصل الرابع: الحجّة التراكمية
1. حجّة سوينبورن
2. مبدأ الصدقيّة
3. التحدّيات التي تواجه التجربة الدينيّة
4. الحجج التراكمية
الفصل الخامس: تحدّيات تواجه التجربة الدينيّة
1. التحدّيات المتعلّقة بالوصف
2. التحدّيات المتعلّقة بالشخص المختبِر
3. التحدّيات المتصلة بالموضوع
4. التحدّي التراكمي
الفصل السادس: التجربة والتفسير
1. تحدّي الدور
2. الطبيعة التفاعلية لتشكيل المفهوم
3. التفسير المدمج
4. هل التجربة الدينيّة «لا شيء سوى» تفسير؟
الفصل السابع: تحدّي الادّعاءات المتعارضة
1. التحدّي
2. التعارض بين أنواع التجربة «الأقل دينية» في حقيقتها
3. التعارض بين التجارب القدسية والتجارب العرفانیة
4. أنموذج التجارب القدسية والعرفانیة غير القابلة للاختزال
5. التعارض بين التجارب العرفانیة الانطوائية
6. المصالحة بين التجارب القدسية والعرفانية
7. «الأساس المشترك»
الفصل الثامن: التحدّي الاختزالي
1. التحدّي
2. التفسيرات الـمَرَضية للتجربة الدينيّة
3. التفسيرات غير الـمَرَضية للتجربة الدينيّة
4. عودة إلى التحدّي التراكمي
الفصل التاسع: نحو حجّة تراكمية لإثبات وجود الله
1. الحاجة إلى الحجّة التراكمية
2. الأدلّة العامّة على وجود الله
3. دور التجارب الدينيّة ذات القوّة الإثباتية الضعيفة
4. المعتقدات الدينيّة المتشعّبة جدًا
تعليقات علی كتاب «القوّة الإثباتية للتجربة الدينيّة»
التجربة الدينيّة وأسئلتها الأساسية
القيمة المعرفية للتجربة الدينيّة
سنة كتابة التعليقات والحواشي
1. سوابق برهان التجربة الدينيّة
2. القيمة المعرفية للتجربة الدينيّة من منظور إسلامي
3. برهان التجربة الدينيّة من وجهة نظر الحكماء المسلمين
4. التبيين الفلسفي لوقوع التجربة الدينيّة
5. حدود المعرفة بالله وأنواعها
التعليقات
[1] التشكيك الواسع في التجارب الدينيّة
[2] عدم الشكّ في التجربة الدينيّة
[3] البرهنة على المعتقدات في الثقافة الإسلامية
[4] دليلیة «الإدراك» لإثبات متعلقه
[5] لغة الدين والألعاب الغوية
[6] المجاز والاستعارة وحالات تأويل القرآن
[7] قابلية الاستعارة للتحوّل
[8] التوصيف غير الاستعاري لله
[9] اختلاف دور «النموذج» في العلم والدين
[10] إمكان معرفة الله
[11] إمكان التعبير عن التجارب وبيانها وإنْ بشكل نسبي
[12] عدم تعارض التجربة العرفانية مع العقل من وجهة نظر العرفاء المسلمين
[13] ملاحظات حول «التجربة» والـ «experience»
[14] ليست كل التجارب تفسيريةً
[15] ضرورة التدقيق في تعريف «التجربة الدينيّة»
[16] التعريف الدقيق لـ«التجربة التفسيرية»
[17] موقع التجربة التفسيرية في الرؤية الإسلامية
[18] الوهم المرئي
[19] التجربة شبه الحسية في العرفان الإسلامي
[20] التجربة الكشفية في العرفان الإسلامي وعلاقتها بالوحي الرسالي
[21] تعذر الوثوق ببعض الإلهامات والمكاشفات
[22] ملاحظات حول التجارب التجديديّة
[23] التجربة القدسية في فكر أوتو وتعبيرها عن الواقع
[24] التجارب العرفانية ومكانتها في العرفان الإسلامي
[25] صنوف التجربة الدينيّة
[26] برهان التمثيل بالتجربة الجمالية والتجربة الأخلاقية
[27] ملاحظة حول أدلة تصديق ادعاءات العرفاء
[28] برهان التمثيل بالإدراك الحسي
[29] معايير فحص المكاشفات العرفانية
[30] خلاصة لبحث ديفيس حول التمثيل (التشبيه) بالإدراك الحسي
[31] نظرية «تجربة الله» لوليام آلستون ومقارنتها بـ«رؤية الله» في الفكر الإسلامي
[32] البرهنة القياسية على وجود شيءٍ 602
[33] كلام ديفيس حول التباين بين المواجهة الشخصية للبشر والمواجهة الشخصية لله
[34] التفسير برهانًا للتجربة الدينيّة (البرهان التفسيري)
[35] إشكال ديفيس على البرهان التفسيري للتجربة الدينيّة
[36] قضية «أساسية الإيمان بالله» أو «الإيمان بالله أساسًا» من وجهة نظر العلامة الطباطبائي
[37] المبنائية من وجهة نظر الفلاسفة المسلمين
[38] البرهان على المبنائية
[39] ردود على نقد بلانتينغا للمبنائية
[40] تبرير إدراج نظرية بلانتينغا ضمن براهين التجربة الدينيّة
[41] الفرق بين الميول الطبيعة للاعتقاد والميول غير الموثوقة
[42] المبدأ الأوّليّ في الميول صانعة المعتقدات
[43] الردّ على إشكال بلانتينغا على المبنائية التقليدية
[44] إطلالة على نقود ديفيس لبلانتينغا
[45] المكانة المنطقية لبرهان بلانتينغا
[46] ملاحظات حول إشكال ديفيس على بلانتينغا
[47] أضواء على نظرية بلانتينغا
[48] اعتبار التجارب الإلهامية
[49] «ليل الروح المظلم» في الأدب الفارسي
[50] تعذّر تخمين التجارب العرفانية
[51] هشاشة أسس علم المعرفة الحديث
[52] البرهان التراكمي
[53] علاقة الحدس بالخيال
[54] احترام التجارب الدينيّة في الثقافات الأخرى
[55] الفناء وتبيينه النظري في الحكمة المتعالية
[56] إمكان أن يكون الإنسانُ مظهرًا لأسماء الله (مَظهَريّة الإنسان لأسماء الله)
[57] الركائز النظرية لـ«التَّمثُّل» في الفكر الإسلامي
[58] وجود بؤر شيطانية غير فيزياوية
[59] التجربة والتفسير
[60] نقد الافتراض المسبق لبرهان ديفيس
[61] أسلوب تَشكُّل المفاهيم الذهنية
[62] الشك في توقف حصول أيّة تجربة إدراكية على التفسير
[63] الشك في ضرورة تدخّل الآليات التفسيرية في عموم الإدراكات
[64] أسلوب تصحيح مواجهة التجارب شبه الحسية
[65] أضواء على إشكالية الدعاوى المتعارضة
[66] اختبار صدق التجارب التفسيرية
[67] تأثير المعتقدات على أسلوب تجلّي الله تعالى
[68] معالجة التعارض الظاهري بين الإلهامات
[69] سريان مبدأ امتناع التناقض في ساحة العرفان
[70] بعض أسباب التعارض في تقارير العرفاء
[71] نقد ضرورة التفسير في جميع الإدراكات
[72] تعدد ساحات التعاليم الإسلامية
[73] العلاقة بين التجارب القدسية والعرفانية
[74] انطباع غير صائب عن تمثيلٍ لجلال الدين المولوي
[75] خطأ رفض المدَّعَى بذريعة ضعف الدليل
[76] حقيقة التدين وصعوبة قياسه وفحصه
[77] المواد «ذات التأثير النفسي» والاعتبار المعرفي للتجارب العرفانية
[78] تنوّع تأثيرات المواد الموهِمة
[79] تأثير الأرضية الفكرية في نوع الإدراك المنبعث من تعاطي هذه المواد
[80] نوع التجارب الروحية الناتجة عن تعاطي هذه المواد
كلمة المركز
لم يَعُد مفهوم الاستراتيجيّة في عالمنا المعاصر محصورًا في إطار الخرائط العسكريّة، أو التخطيطات السياسيّة، أو الحسابات التجاريّة؛ بل إنّ كلّ ساحةٍ حَيَويّة تَتَطلّب تدبيرًا للمستقبل، وإدارةً للتحدّيات، ورسمًا لآفاقٍ جديدة، باتت مضطرّة، لا محالة، إلى تَبنّي نهجٍ استراتيجيّ رصين. وفي خضمّ ذلك، أضحت مجالات الدين والثقافة والاجتماع ــــ التي تتعرّض لتلاطم أمواج التيّارات الفكريّة المتنافسة والتحوّلات العالميّة المتسارعة ــــ بحاجة ماسّة، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، للانتقال من موقع ردود الأفعال الانفعاليّة والجزئيّة، إلى صدارة المبادرات التأسيسيّة والمدروسة.
وانطلاقًا من إدراك هذه الضرورة الحَيَويّة، وسعيًا لصيانة الثغور العقائديّة، تأسّس «المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة» التابع للعتبة العباسيّة المقدّسة في النجف الأشرف؛ ليكون بمثابة مرصدٍ ذكيّ يترصّد التحوّلات الفكريّة والثقافيّة بدقّة، ويعمل على صياغة الخرائط الاستراتيجيّة في حقل المعرفة الدينيّة. وتتجسّد الرسالة الكبرى لهذه المؤسّسة في إعادة قراءة التراث الإسلاميّ العظيم برؤية معاصرة، والإجابة عن الشبهات الناجمة عن تحوّل النماذج المعرفيّة العالميّة من الإيمان بالغيب إلى الرؤية المادّيّة، فضلًا عن تزويد نُخَب العالم الإسلاميّ بسلاح المنطق والاستدلال؛ لمواجهة الغزو الناعم للمدارس والأفكار المنحرفة.
وقد أثمرت هذه الجهود، بفضل الله، عن تأليف ونشر ما يربو على (300) عنوان من الكتب والمجلّات التخصّصيّة، التي غطّت مساحةً واسعةً من الموضوعات الحيويّة، أمثال: الكلام والعقائد، ونقد الاستشراق، والاستغراب ونقد الفكر الغربيّ، وتاريخ العلوم الإسلاميّة، ودراسات في المنهج، وفلسفة العلم ونظريّة المعرفة، ودراسات المرأة والأسرة، ونمط الحياة، وتاريخ الاستعمار، والفكر الإسلاميّ المعاصر.
ويرمي المركز الإسلاميّ من خلال نشر هذه الآثار إلى وضع نصوص بين يَدَي النخبة الحوزويّة والأكاديميّة، تمتلك القدرة على مواجهة تحدّيات وتعقيدات الإنسان المعاصر، وتكون خطوة في طريق تبيين المعارف الإلهيّة وتعميق المعتقدات الدينيّة في عالم اليوم، وذلك بالاستعانة بآراء كبار المفكّرين وأصحاب النظر في حقل الدراسات الدينيّة.
وفي هذا السياق، وبُغية تأصيل المباحث المعرفيّة والفلسفية من منظور إسلامي، بادر المركز إلى إعداد ونشر مجموعة بحثيّة موسومة بـ «سلسلة دراسات إبستمولوجية»، لتكون محاولةً جادّة للمواجهة العلميّة مع التحدّيات العميقة التي يواجهها الفكر الدينيّ أمام مناهج المعرفة الحديثة وموجات التشكيك المتزايدة.
***
يمكننا مقاربة موضوع «التجربة الدينيّة» من مختلف الجوانب الفكرية، فتارة يُنظر إليها كجوهر الدين وأساسه بحيث تُنفى سائر العوامل الأساسية في الدين والتدين وتحلّ محلّ البرهان بل ربما تنفيه وتكون حالة شخصية غير قابلة للتعميم، وتارة أخرى تكون كدليل علمي ومقبول تساهم وتشارك سائر الأدلة المقامة لإثبات وجود الله تعالى تحاكي دليل الفطرة، فالتجربة الدينيّة إن كانت غير مقبولة في الاتجاه الأول لكونها تؤول إلى النسبية و التشكيك لعدم الاعتماد على الأسس العقلية والبرهانية الرصينةُ ولكونها تقلل من قيمة الدين وتؤول إلى التعددية المرفوضة، فهي مقبولة في الاتجاه الثاني كونها تحكي عن إحساس وشعور باطني نحو المطلق، ومن خلال تعضيدها بسائر الأدلة تصلح لتكون دليلًا على وجود الله تعالى على غرار سائر الأدلة المقامة في علم الكلام والفلسفة.
علما بان التجربة الدينيّة بهذا المعنى انما هي تجربة عرفانية تعتمد على الشهود الباطني أولا وبالذات لذا نرى كثرة الاستشهادات بأقوال العرفاء وبعض رموز العرفان لإثبات المراد، حالها حال سائر الأدلة والبراهين التي يتم الاستشهاد فيها بأقوال المختصين.
ومن هذا المنطلق، قام المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية بترجمة هذا الكتاب مع التعليقات القيمة التي أضافها الدكتور شيرواني لمعاجلة بعض الهفوات التي وقع فيها المؤلّف، وهذا لا يعني تبنّي المركز لجميع الآراء والنظريات الواردة فيه بل كان الهدف إضافة برهان على سائر براهين إثبات وجود الباري تعالى، في زمن اكتسحت المادية القلوب والعقول من جهة، وفشت الماسونية الجديدة تحت غطاء التيارات المعنوية الملحدة من جهة ثانية، وبين هذا وذاك يكون برهان التجربة الدينيّة بصيص أملٍ لبعض القلوب التائهة التي ربما ملّت من جفاف البراهين العقلية الصرفة، وتاقت الى دفء نور الفطرة الكامنة في سويداء القلوب، لتخرج من ظلمات المادية والعلمانية الى نور الهداية والسعادة.
وختامًا نتقدّم بجزيل الشكر للمترجم الفاضل، الأستاذ طارق عسيلي، كما نخصّ بالشكر والتقدير الأستاذ الدكتور شيرواني ، الذي أغنى هذا الأثر بتعليقاته التحليليّة والنقديّة المُفصّلة، والّتي تأتي في المجلّد الثاني من هذا الكتاب. والشكر موصول لكافة الزملاء المحترمين، وخصوصًا رئيس المركز سماحة الحجّة الدكتور السيّد هاشم الميلانيّ الّذي كان لدعمه وتوجيهاته الأثر الكبير، وكذلك مسؤول وحدة النشر الأستاذ السيّد محمّد رضا الطباطبائيّ، لما بذله من دقّة نظر علميّة وفنيّة ومتابعات تنفيذيّة فعّالة. نأمل أن تكون هذه المجموعة نافعة للباحثين والمهتمّين بهذا المجال وندعو الله عزّ وجلّ أن يتقبّل هذا الجُهد المتواضع في مسار التعالي الثقافي والمعرفيّ للمجتمع، بمنّه وكرمه إنّه سميع مجيب.
المقدّمة
لم نشهد في تاريخ الحضارة تشكيكًا في التجارب الدينيّة إلا في وقت قريب نسبيًا.[1][1] وذلك حين اهتمّ الناس بالتمييز بين التجارب الدينيّة «الحقيقية» والتجارب الدينيّة «الوهمية»، لكن الشكّ لم يلامس الإطار الديني الذي حصل فيه التمييز إلا في حالات نادرة. فالتجارب التي حُكم بأنها «وهمية» هي التجارب التي فُسّرت من خلال ربطها بعوامل خارجة عن الطبيعة، مثل «الشيطان»، خلافًا للتفاسير المعارضة للدين التي ربطتها بعوامل طبيعية. وهذا يشبه التمييز بين التجارب الحسيّة الصادقة وبين التصوّرات الخاطئة والأوهام من غير أن نشك (باستثناء ما يحصل في محاضرات الفلسفة) في أن التجارب التي يُحكم بأنها «صادقة» تمنحنا في الحقيقة نوعًا من التواصل مع العالم الخارجي، تمامًا كما كان اليهود الأوائل يحاولون إقناع الآخرين بأن يهوه هو الإله الأعلى، وأنه وحده أهل للعبادة، دون الحاجة إلى إقناعهم بعدم وجود أشياء تسمّى آلهة. وقد سلّمت معظم الثقافات بأن التجارب الدينيّة الحقيقية هي كما يبدو: إدراك للألوهة. وبالتالي لم يكن ثمّة حاجة للبحث عن حجّة لإثبات أن التجارب الدينيّة، بشكل عام، يمكن أن تعتبر دليلًا على الادّعاءات الدينيّة.
لكن بسبب الانتشار الواسع للقبول بحجج مضادة لمعقولية المعتقدات الدينيّة، وبسبب التفاسير الاختزالية للتجارب الدينيّة، إضافة إلى وجود أناس يعيشون حياة إلحادية تبدو في ظاهرها طبيعية تمامًا، لم يعد بإمكان الإنسان المتديّن افتراض أن تكون التجارب التي يحكم زملاؤه المؤمنون بأنها «حقيقية»، في منأى عن مزيد من الانتقاد. فقد أحاطت التحدّيات بها من كل اتجاه، من الفلاسفة وعلماء النفس، ومن علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، ومن أتباع معتقدات دينية مختلفة، وحتى من أتباع المعتقد الواحد الذين يتبنّون وجهات نظر مختلفة. لكن «الحجج التي اعتمدت على التجربة الدينيّة» لم تكن مقنعة عمومًا، فالتجربة الدينيّة لا تزال أمرًا نادرًا وغامضًا، ولا يمكن التطرّق إليها بمناهج البحث العادية. لذا يبدو أننا بحاجة إلى إعادة تقييم نقدي لقيمة التجارب الدينيّة كمؤيّد للادّعاءات الدينيّة.
ومن الضروري أن تشتمل إعادة التقييم على عدد من الاختصاصات؛ لأن الاعتراضات قد تصدر من مجالات كثيرة، من هنا يجب أن يرتكز أي تفسير للتجربة الدينيّة، إذا أردناه راسخًا وشاملًا، على العلوم والفلسفة والدراسات الدينيّة. وكذلك ينبغي لإعادة التقييم أن تلحظ الثقافات المتعدّدة، فوجود التجارب الدينيّة في جميع التقاليد الدينيّة المتّبعة بالعالم يجعلنا مضطرّين للنظر في التجربة غير المسيحية كنظرنا في التجربة المسيحية. غير أن التحقيق لن يكون مجرّد تفسير فلسفي وسيكولوجي لـ «تنويعات التجربة الدينيّة»؛ بل سيهدف إلى اكتشاف مشروعية الدور الذي يمكن أن تؤدّيه التجربة الدينيّة في الدفاع عن المعتقدات الدينيّة. كما أنه لن يكون «دليلًا تقليديَّا يعتمد على التجربة الدينيّة». فقد جرت العادة أن يسير هذا النوع من الحجج من مفهوم ضيّق للتجربة الدينيّة إلى «وجود الإله»؛ وبما أن مؤيّدي تلك الحجج من الغربيين (رعت التقاليد الدينيّة الشرقية أنظمة فلسفة متطورة للغاية، لكن مسألة تبرير المعتقد الديني لم تحظ باهتمام كبير لديهم)، فإن الإله المقصود عادة هو الإله اليهو - مسيحي التقليدي. وعلى الرغم من أن التجارب الدينيّة توفّر، كما سنرى في النهاية، دليلًا جيدًا على الإيمان بالإله التقليدي عمومًا، إلا أنه، فيما يبدو، لا يوجد سبب قبْلي لعدم إثباتها مفهومًا للألوهة مختلفًا تمامًا. وبالتالي بدلًا من اعتماد المقاربة التقليدية، آثرتُ أن أنطلق من المبادئ الأساسية: سأنظر في الطريقة التي تستخدم فيها التجارب بشكل عام كدليل على الادّعاءات حيال العالم؛ وبعدها أحقّق في مدى احتواء جميع التجارب الإدراكية على «تفسير» متوافق مع معتقدات مسبقة وعوامل أخرى؛ وبعدها سأسأل عمّا يُعتبر تجربة دينية، ثم أقدّم مسحًا موجزًا للأنماط النموذجية، وأخيرًا والأكثر إلحاحًا سأحاول، قدر الإمكان، أن أقدّم ردودًا دقيقة ترتكز على أسس تجريبية لدفع طعون المشككين.
قد يستغرب بعضنا الكلام عن استخدام تجربة إدراك مباشر مزعوم لواقعة ما، واعتبارها دليلًا على حصول تلك الواقعة. مثلًا، يرى ج. ل. أوستن أن المرء لا يحتاج إلى «دليل» إلا إذا فاته شهود الواقعة بنفسه مباشرة[3]. فقد يستدلّ المرء من وجود الدخان على وجود النار، لكن عندما يدرك النار مباشرة، فإنه لن يحتاج إلى دليل. (ينبغي أن نلاحظ أن كثيرًا من الناس - أنا لا أتّهم أوستن بأنه منهم - يشعرون، على ما يبدو، بهذه الطريقة حيال التجارب الإدراكية العادية فقط، وليس لديهم توجّس حيال اعتبار تجربة الحضور المقدّس «دليلًا» ممكنًا على ما يدّعيه من يمرّون بالتجربة من لقاء مع حقيقة إلهية.) لكنني أشك في أن يكون سبب شعور هؤلاء الناس بغرابة الحديث عن تجارب إدراكية مباشرة واعتبارها «أدلّة»، هو الفكرة الاستنباطية التي تقول إذا كانت س «دليلًا» على ص إذًا ص مستنبطة بطريقة واعية من س - وهذا يشبه استنتاجنا وجود النار من وجود الدخان، ومعرفة القاتل من بصمات أصابعه وغيرها من الأمثلة. عادة نحن لا نستنتج وجود التصوّرات في تجاربنا الإدراكية بهذه الطريقة. لكن عبارة «دليل» يمكن أن تستخدم بمعنى أوسع لتعني أي شيء نستخدمه لتأييد مدّعى، سواء أكان المدّعى مستنتجًا منه أم لا. ومع ذلك نحن نستخدم عبارة «دليلنا الحسّي»، وقد نستشهد بالتجارب الدينيّة كدليل على وجود إله (أو وجود قدرة إلهية ما) من دون أن نتعامل مع الإله ككيان مستنتج.[4]
من المحتمل أن يوجد اعتراض آخر على دراسة التجارب الدينيّة بوصفها «دليلًا»، وهذا الاعتراض يمكن أن يصدر عمّن يعتقدون أن التجارب الدينيّة غير معرفية، وأنها كالعواطف والآلام. لذا فإن الفصل الأول الذي يضع بعض الأسس الفلسفية لهذا البحث سيدافع عن الرأي القائل إن تقارير التجارب الدينيّة تنطوي عادة على ادّعاءات ذات أهمية دينية حيال العالم حتى عندما تصاغ بلغة مجازية.
وسيتبيّن أثناء البحث أن التحدّيات الأقوى التي تواجهها التجربة الدينيّة هي: «تحدّي الادّعاءات المتعارضة»، وفيه أن الذين يخوضون تجربة دينية لا يمكن أن يتّفقوا على رواية متّسقة موحّدة للتصورات المزعومة، و«تحدّي الاختزاليين» القائل بإمكان تفسير التجارب الدينيّة بطريقة منطقية يكون من خلال الرجوع إلى عوامل طبيعية فقط (وفي الغالب تكون عوامل مَرَضيّة)، وهؤلاء لا يقبلون أيَّ تفسير آخر يمكن أن يجيز صدق بعض التجارب الدينيّة. هذان التحدّيان يفرضان بعض القيود على القوّة الإثباتية للتجربة الدينيّة، وهي قيود تجعل التجربة عاجزة عن القيام بالدور الإثباتي المباشر الذي تمتّعت به في الثقافات الدينيّة المتجانسة. وعلى الرغم من هذين التحدّيين، سيتبيّن أن التجربة الدينيّة توفّر دليلًا جوهريًا على بعض المعتقدات الدينيّة الأساسية؛ لكن مكانها الأهم سيكون ضمن «الحجّة التراكمية» التي، إلى جانب أدلّة من مصادر متنوّعة، تعمل من أجل تدعيم المنظومة الاعتقادية لتراث ديني معين. وبالتالي لا يمكن أن تكون التجربة الدينيّة «صادقة بذاتها»، لكن هذا لا يعني أنها «مجرّد تفسير»؛ بل هي كغيرها من التجارب محبوكة في نسيج حياتنا بنمط معقّد من العوامل المعرفية والتصوّرية والشخصية، وعلى أي حجّة منصفة أن تأخذ ذلك التعقيد في الاعتبار.