تأليف:
مجموعة باحثين
الإشراف العام:
السيِّد هاشم الميلاني ، الشيخ حسن الهادي
المدير العلمي:
الشيخ الأسعد بن علي قيدارة
فهرس المحتويات :
المدخل العام: علم الكلام الإمامي في القرن الخامس الهجري
(الجذور التاريخيَّة، والتحوُّل المنهجي، والخصائص العلميَّة)
الشيخ محمّد طه
الشّريف الرضي من منظور كلامي
الأستاذة هبة الله حسن مروّة
الشيخ المفيد متكلّمًا
الشيخ حسين جهجاه
الشريف المرتضى متكلّمًا
أ د. رؤوف أحمد الشمري
أبو الصلاح الحلبي والتجديد الكلاميّ في القرن الخامس
الشيخ أكرم الخاقاني
العلامة الكراجكي (سيرته – منهجه – آراؤه الكلامية)
الشيخ د. محمد البوصبي الخالدي
الشيخ حسين بن عبد الوهاب الشعراني؛ المحدّث المتكلّم
الأستاذة زينب قرصيفي
الشيخ الطوسي متكلّمًا
السيِّد د. هاشم الميلاني
الشيخ محمّد بن أحمد بن حسن بن شاذان القمّي؛ سيرة علميّة
الأستاذ قاسم شعيب
الفاعلية الكلاميّة لسلّار الديلمي واستمرارية النسق البغدادي في القرن الخامس الهجري
الشيخ حسين كامل حرب
مقدِّمة المركز
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيِّدنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى آله الطيبين الطاهرين(عليهم السلام)، وبعد...
يستهدف البحث في تاريخ العلوم عادةً دراسة مسار تطوّر المعرفة البشريّة بشكل عام، وحفظ تراث الأمم وإسهاماتها الفكريّة، وتُبرز فضل العلماء السابقين وتأثيرهم في البناء المعرفيّ والفكريّ، والمساهمة في فهمٍ أعمقَ للتطوّر العلميّ والمعرفي عبر الزمن؛ لأن التدبّر والتأمّل في تاريخ العلوم يساعد في معرفة الاتّجاه المستقبليّ لهذه العلوم وتطوير مناهج البحث فيها وفق متطلّبات العصر واحتياجاته وتحدّياته. وذلك على قاعدة أنّ معرفة المراحل التاريخيّة المختلفة لنشأة العلوم وتطوّرها ونضجها العلميّ والمنهجيّ هو جهد بحثيّ ومعرفيّ تحقيقيّ تراكميّ لا يحدث فجأةً.
وتأتي دراسة تاريخ العلوم الإسلاميّة، ومنها تاريخ علم الكلام -في هذا المشروع- من ضمن هذا السياق، إذ بذل علماء السلف على مرّ العصور جهودًا علميّة تأسيسيّة مكثّفة في سبيل تأسيس هذا العلم. وهنا تبرز ميزة خاصّة تميّز علم الكلام بها عن غيره من العلوم الإسلاميّة، تتجلّى في حاجة بقية العلوم إليه، واستنادها عليه، حيث تتداخل العلوم الدينيّة في مبانيها وتأسيساتها مع مباني هذا العلم، ولا يمكن البناء عليها لو لم يثبت بدوًا الصانع وقدرته وعلمه، ليصحّ بالتالي التكليف، ويتيسّر للفقيه والمحدّث والمفسّر للكتاب العزيز وغيرهم من أهل العلوم الإسلاميّة الخوض في مجالات علومهم. بل واتّسعت مطالب علم الكلام وبحوثه وما زالت كذلك حتّى عصرنا الحاضر من حيث المنهج والمضمون لتشكّل كيانًا علميًّا كبيرًا ومتخصّصًا تتفرّع عنه العلوم.
وعلم الكلام كسائر العلوم الإنسانيّة، قد نشأ بين المسلمين لأسبابٍ وظروفٍ وعوامل عدّةٍ، يمكن تلخيصها في عدّة عواملَ داخليّةٍ وأخرى خارجيّةٍ. أما العوامل الداخلية، فمنها: القرآن الكريم الذي يشكّل المنطلق الأوّل لنشوء علم الكلام ونضجه وارتقائه عند المسلمين، وإليه يرجع كل متكلّم إسلاميّ باحث عن المبدأ وأسمائه وصفاته وأفعاله. وقد تضمّن القرآن إشاراتٍ فلسفيّةً وعقليّةً، قامت على أُسسٍ منطقيّةٍ مذكورةٍ في الآيات نفسها، أو معلومةٍ من القرائن. وكذا أحاديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة المعصومين(عليهم السلام) وتلامذتهم ومحاججاتهم مع المشركين وأهل الكتاب.
فقد أُتيحت الفرصة للعترة الطاهرة(عليهم السلام) في آخر عهد الأمويّين وأوائل حكومة العباسيّين، في شرح المعارف وتوضيح الحقائق وتربية روّاد الفكر، وإرشاد الحكيم إلى دلائل وبراهين لا يقف عليها إلّا الأوحديّ من الناس.
هذا إضافة إلى مجموعة من العوامل الخارجية لنشأة علم الكلام ذكرناها في مقدمة الجزء السابق.
ولقد بات من الضروري لكلّ الباحثين والمؤسّسات التعليميّة البحث في تاريخ هذا العلم بمنهجيّة علميّة مركّزة، ولهذه الغاية فقد أصدر المركز القسم الأول من مشروع (تاريخ الكلام الإمامي)، -الذي جاء في ثلاثة أجزاء- أرّخنا لعصر التأسيس القرآني والنبوي وعصور الأئمة الأطهار(عليهم السلام)، فكانت الثلاثيّة التي غطت هذا التاريخ منذ لحظة التأسيس القرآني والنبوي إلى زمن الغيبة الكبرى.
وجاء دور تاريخ القرون التالية بدايةً من القرن الرابع، وكان التأمّل والتفكير يدور حول المنهج الأفضل للتدوين عبر القرون، فوجدنا أنفسنا: «أمام خيارات عديدة في الشكل والمنهج، فيمكن أن يدرس تاريخ ذلك العلم انطلاقًا من رؤية مسبقة في تحقيب هذا التاريخ، وبالتالي تقوم الدراسة على تحليل كلّ حقبة، فتشرح واقع العلم في تلك الفترة وأهم رموزه وما بلغه من تطوّر ونضجٍ، أو بالمقابل ما أصابه من تراجع ووهن، ويمكن أن يسلك طريقة التأريخ القرني أي حسب القرون، فهذا أيسر على القارئ في تتبّع المسار التاريخي حسب التسلسل الزمني الذي اعتدنا عليه في التاريخ العام. وهناك خيار ثالث، مبنيّ على درك أنّ عمدة تاريخ العلم هم رجالاته وأعلامه، فإذا كشفنا الغطاء عن السيرة العلميّة لأبرز أعلام العلم، نكون بذلك قد أرّخنا فعلًا له!.
ومن الطبيعي أن يكون لكلّ خيار منهجيّ من هذه الاختيارات مرجّحاتٌ ترجّحه، ولكن أيضًا له سلبيات ينبغي تداركها ما أمكن ...، ولمّا اعتمدنا في هذا المشروع المزاوجة بين طريقة القرون في التقسيم، ودراسة السيرة العلميّة لأبرز أعلام كلّ قرن؛ كان من المنطقي أن تعترضنا مشكلة إزاء هذا الخيار، وهي: كيف نُعالج التفكّك الذي ستبدو عليه صورة هذا التاريخ؟ فلا يكفي أن نزوّد القارئ بدراسات مفصّلة عن أبرز أعلام القرن الرابع مثلًا، لنقول قد أدّينا ما علينا في التعريف بتاريخ العلم بهذا القرن!
فالمسألة تبدو أبعد غورًا من ذلك، والغاية بهذه الكيفيّة في القصد أبعد منالًا، والحلّ الأنجع لهذه المعضلة إثراء العمل بدراسة تكون مدخلًا عامًا لتاريخ العلم في القرن المتعيّن، لتكون الإطار الجامع لكلّ تلك البحوث المفردة عن كلّ شخصيّة، فتكون بمثابة الأرضيّة العامة لتلك الدراسات، والعروة الوثقى التي تشدّ نسق ذلك البنيان بعضه إلى بعض، ومنطلقًا لتحقيق الوعي التاريخي بسياقات القرن وإنجازات الأعلام فيه».
وهكذا كان، فقد صدر الجزء الرابع من السلسلة المخصّص للقرن الرابع وفق هذه الرؤية واعتمادًا على هذه المنهجيّة.
فرست الضابطة الكليّة لكلّ الأجزاء اللاحقة كالآتي: التأريخ للقرن من خلال مدخل عام، ودراسات لأشهر الأعلام الذين كان لهم الأثر الأبرز في مسار علم الكلام الإمامي ومسيرته. وللحفاظ على «الروح الواحدة» التي ينبغي أن تسري في كامل الأجزاء، حدّدنا الإطار العام لكلّ من الدراسة المدخليّة للقرن وكذا لبحوث الأعلام، فيما يلي إشارة إلى كلّياتها:
1. المدخل والملامح العامة للقرن: وهي عبارة عن مقالة علميّة تمهّد لدراسة أشهر أعلام هذا القرن ورموزه، وتتضمّن قراءة تحليليّة مختصرة للعصر، والأوضاع السياسيّة العامّة، الوضع الشيعي العام، وأهم ملامح تاريخهم السياسي والثقافي والاجتماعي في هذا العصر، أهم الحواضر والمدارس العلمية للإماميّة وخصائصها وأشهر أعلام كلّ حاضرة أو مدرسة وأدوارهم في مسارات علم الكلام، ممّن سنؤرخ لهم في هذا الكتاب أو لا. أهم الموضوعات والتحدّيات التي واجهها الكلام الإمامي في هذا العصر، وأبرز التحوّلات أو النقلات التي شهدتها البحوث الكلاميّة الإماميّة تقدّمًا أو تقهقرًا، مع إشارة إلى أوضاع المذاهب والمدارس الكلامية الأخرى في هذا القرن وعلاقة الإماميّة بها.
وتكمن أهميّة هذا المدخل في المساعدة على تخطّي إشكاليّة التأليف المشترك، وتنوّع مشارب الكتّاب والباحثين المساهمين: فالبعض يُغلّب النزعة التاريخيّة في التعامل مع آراء وكتب ومصنّفات العلم، والبعض الآخر يُغلّب الجنبة المعرفيّة والأيديولوجية، والبعض يحاول أن يزاوج بين هذا وذاك. إنّنا ندرك حتميّة هذا التنوّع في الأذواق العلميّة -فلكلّ ورْدٍ أريجه- ولكن دورنا من هذه الزاوية، يكمن في التقريب بين هذه التوجّهات ما أمكن، وتأسيس الإطار العام الذي تنخرط فيه كلّ هذه الميول.
2. دراسة أشهر أعلام كل قرن: تتناول البحوث في هذا القسم أغلب الأعلام الذين لهم أثر كلامي موجود ومطبوع ويمكن الوصول إليه، والذين كان لهم الدور الأبرز والأثر الأعمق في مسيرة هذا العِلم. وتتضمّن كل دراسة القضايا الآتية: نبذة عن حياته وعصره، سيرته العلمية ، مصنّفاته ورسائله الكلاميّة بالخصوص، آراؤه في مختلف الأصول العقيدية والمسائل الكلامية، إبداعاته وإضافاته التأسيسيّة على التراث الكلامي الإمامي، أدواره في الانتصار للمذهب الإمامي ومواقفه وصلاته، منهجه في البحث الكلامي وتأثيراته على مسار التطوّر المنهجي للكلام الإمامي...، وقد تقتضي الضرورة العلميّة وخصوصيّة الشخصيّة إضافة عناصر أخرى للعناوين المقترحة.
وهذا الكتاب المخصّص للقرن الخامس سلك المسلك نفسه واعتمد المنهجيّة ذاتها.
ختامًا، نوجّه أسمى آيات الشكر والثناء لجميع الباحثين، ولكل من ساهم في إنجاز هذا الجهد المبارك؛ تخطيطًا، ومتابعةً، وتحريرًا، وتصحيحًا، ولا سيّما الأخوين العزيزين في إدارة هذا المشروع الشيخ الأسعد بن علي قيدارة، والشيخ محمّد بنعمارة.