البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ندوة بعنوان «الإمام الحسين ( عليه السلام) في مؤلَّفات الشيخ عبداللَّه العلايلي»

الباحث :  قدَّم للندوة وأدارها د. عبد المجيد زراقط، وشارك فيها د. عصام نور الدين ود. حسن عباس نصر اللَّه ود. حسن جابر.
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  7
السنة :  السنة الثانية خريف 1418 هجـ 1997 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  1393

عقد منتدى المنهاج ندوته السابعة في مقره، وموضوعها:
«الإمام الحسين ( عليه السلام) في مؤلَّفات الشيخ عبداللَّه العلايلي»
، يوم الثلاثاء الواقع فيه 29/ربيع الآخر 1418هـ الموافق 2/9/1997،

قدَّم للندوة وأدارها د. عبد المجيد زراقط،
وشارك فيها د. عصام نور الدين ود. حسن عباس نصر اللَّه ود. حسن جابر.

رحَّب د. زراقط بالمشاركين والحضور، وقدَّم موضوع البحث فقال:
الشيخ عبداللَّه العلايلي علم من أعلام العلماء المسلمين الكبار في هذا العصر. ومن الإشارات الدَّالة على ذلك أن أديباً كبيراً مثل أمين نخلة قال: «نحن، يا صاحبي، إنما نعيش في عصر عبداللَّه العلايلي». وقد أسهم في صناعة أحداث عصره في غير ميدان من ميادين الحياة، فهو لغوي عريق مجدِّد، وأديب مبدع: شعراً ونثراً، وفقيه مجتهد، ومصلح اجتماعي سياسي يكاد يصل في رؤيته إلى حدِّ الدعوة إلى الثورة التي تبتهج بسقوط قرابين الحريَّة، ومن أقواله في هذا المجال: «... نحن، أبناء النضال، نصفِّق كلما سقطت في الميدان ضحيَّة لأنها الإعلان بانتصار قضيَّتنا: قضيّة الحرِّية».
يشير هذا القول إلى اتخاذه النهج الحسيني خياراً ينبثق من إعلانه الانتماء إلى آل البيت ( عليه السلام) نسباً وعقيدة وفكراً، فعلى مستوى النسب يرجح الشيخ أن يكون اسم الأسرة: «العلايلي» نسبةً إلى الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام) ، من طريق إلحاق أداة النسب التركية «لي» باسم علي. وكانت هذه النسبة تتمّ أيام كان العرب متأثرين بالأتراك في كثير من شؤون حياتهم. وعلى مستوى العقيدة والفكر ألَّف الشيخ كتباً في ثورة الإمام الحسين ( عليه السلام) رائدهُ فيها أن يقدِّم جديداً، وهذا شأنه في كلِّ ما كتب.
راح الشيخ يتأمل التاريخ الإسلامي ليعيد كتابته، فألف كتاب «سمو المعنى في سمو الذات أو أشعة من حياة الحسين...»، 1358هـ، وهدفه الإفادة من هذا الحدث التاريخي العظيم في مواجهة الحياة المعاصرة بعدما رأى أنها بحاجة إلى تضحيات جسام ورجالات عظام. فموت العظيم، كما يقول، ليس سكوناً هامداً، بل هو خروج الحركة من مركزها لتنتشر في أحياء كثيرين على امتداد التاريخ.
________________________________________

[الصفحة - 251]


وعاد، بعد آونة، يسعى إلى أن يصل الحاضر بالماضي، فألف كتاب «تاريخ الحسين فنقد وتحليل». عام 1940م.، وكتاب «أيام الحسين» عام 1947م وكتاب أبي ذر الغفاري عام 1948م. وبدا واضحاً له أن ثورة الإمام الحسين كانت واجباً دينياً، إنسانياً، وقد حقق هدفه، فكما محا الجد آلهة الوثنيين والأساطير، محا السبط المتألِّهين من الناس فحال بكفاحه دون أن يستعبد الإنسان الإنسان، ومحو الإنسان المتأله الطاغية يتيح للمرء مجال الحرِّية، ويعطي الحياة معناها، فيكون يوم الإمام الحسين في حقيقته وجوهره يوماً من أيام النبوَّة.
موضوع هذه الندوة هو «الإمام الحسين في مؤلفات الشيخ عبد العلايلي»، والبحث فيها يتركز في محورين، أوَّلهما، كتابة التاريخ وبخاصة الكتابة عن الإمام الحسين: ضرورتها، منهجها، شروطها، النتائج التي توصَّل إليها الشيخ العلايلي.
يتحدث، في هذا المحور، د. حسن جابر، وهو أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية، قسم التاريخ، ورئيس تحرير مجلة المنطلق، شارك في كثير من المؤتمرات والندوات، وأطروحته في الدكتوراه تناولت الفكر السياسي عند الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) . وعنوان كلمته: «شروط البحث التاريخي عند العلايلي».
د. حسن جابر:في التمهيد المنهجي الذي استهل العلايلي به «تاريخ الحسين» إضاءات علمية كثيفة تصلح، في مجملها معايير للكتابة التاريخية، وهي على الرغم من تقدمها الزمني (صدرت الطّبعة الأولى من الكتاب سنة 1941. راجع: «تاريخ الحسين، نقد وتحليل»، بيروت: دار الجديد، 1994، ط2، ص‏13). لم تظهر عليها عوارض التقادم، فقد تضمنت معظم الصيغ المنهجية التي يوظفها، اليوم، الباحثون المعاصرون. لقد اعتقد، وهو على حق، أن التاريخ لا يكتب مفصولاً عن حركة الحياة، وإنما بمحاولة استحضاره حيّاً، أي بعث الحياة في ظروف الواقع وملابساته، لتكون كتابته شكلاً من المعاينة لمرحلة كان يصنعها بشرٌ لهم مصالحهم وأهواؤهم وميولهم، لا أن تكون الكتابة مجرد عرض للوقائع مفصولة عن سياقاتها المجتمعية
________________________________________

[الصفحة - 252]


والحياتية، وقد أطلق العلامة العلايلي على المنهج الاجتماعي في كتابة التاريخ مصطلحاً خاصاً به سماه «الحيوية التاريخية» (م.ن، ص 11).
والحيوية التاريخية التي قصدها، تعني إعادة تركيب المشهد التاريخي بكل انفعالاته وخلجاته ليتمكن الباحث من رصد مختلف العناصر فيه، والحكم على السلوك العام والتحولات بأدق ما يمكن، هذا المنهج الذي يرادف ما يعرف اليوم بالمنهج الاجتماعي في الكتابة التاريخية، الذي يفترض بالباحث، وفق منطقه، أن يتوطن في التاريخ، وبالتحديد، في اللحظة السياسية والاجتماعية التي وقعت فيها الأحداث موضوع البحث، هذا الشرط المنهجي يقف في محصّلته العلمية على طرف النقيض من الأسلوب الإخباري الذي وسم مختلف الكتابات التاريخية التراثية، ومنها روايات الإخباريين الذين تصدوا لنقل الوقائع مفصولة عن سياقاتها بل مبتورة عن مناخاتها التي وقعت في ظلها.
وقد قاده النقد لصورة عرض الوقائع إلى المادة الخبرية نفسها باعتبارها لم تخضع لمعايير دقيقة حتى في التوثيق والتوهين والتصديق أو التكذيب للراوي.
فالمادة التاريخية الواصلة إلينا ليست كلها صحيحة وإنما قد اعترى بعضها التَّدليس، ومن مهمة الباحث أن يعيد قراءة المادة وفق معايير منهجية هي من طبيعة الاتجاه الاجتماعي الذي يبدو لي أنه كان يلتزمه، وهو على حق، في الكتابة التاريخية.
وقد أحسن التعبير عن المراد الاجتماعي من خلال بيتين من الشعر لأحمد شوقي يتضمنان المراد الدقيق من البحث الاجتماعي في التاريخ:
أفضى إلى ختم الزمان ففضّه‏ وحبا إلى التاريخ في محرابه‏
وطوى القرون القهقرى حتى أتى‏ فرعون بين طعامه وشرابه
(م.ن.، ص 15)
فكتابة التاريخ، وفق منطوق البيت الثاني، هي رحلة في الزمن، يخترق فيها الباحث طبقات التاريخ في إطار عمل حفري تنقيبي شبيه بمهمات علماء الآثار ليصل إلى الطَّبقة التاريخية التي يريدها، وقد اصطلح علماء المنهج على تسمية الرحلة عبر الطبقات، أو عمليات الحفر، بالمنهج التاريخي الذي يختص فقط بالغوص في الزمن
________________________________________

[الصفحة - 253]


ليصل إلى الطبقة المقصودة، أي حتى يأتي فرعون بين طعامه وشرابه.
غير أنّ سعي الباحث للتَّبيُّؤ في الواقع موضوع البحث، أو الحفر عبر الطبقات للوصول إلى الحقبة المرادة، لا يعطل البتة دور الباحث، إذ يبقى، في مختلف المهام التي يضطلع بها، محور النتاج التاريخي، طالما أن قراءة المعطيات وتقديم تفسيرات منطقية للأحداث لا تعدوان الاجتهاد الشخصي للباحث.
في هذا الإطار أولى العلايلي شخصية المؤرخ وقوة حدسه ومهارته في تأويل الوقائع والأحداث وتقديمه الحدث المدروس في سياق تسلسل منطقي معقول، أولى كل هذه العناصر المطلوبة في المؤرخ أهمية خاصة.
ذلك أن تناول المادة التاريخية بعد التدقيق فيها بالتحقيق والمتابعة لكل متعلقاتها، من اللغة والفيلولوجيا، إلى تطور استعمالاتها من عصر إلى عصر، إلى الوثائق والآثار، وأخيراً الحيِّزين: الجغرافي الطبيعي والجغرافي السياسي اللذين شكلا الإطار المكاني للحدث أو الوقائع المراد بحثها، هذا التناول للمادة التاريخية يصبح مسرحاً يتحرك عليه المؤرخ ويستقل في قراءته وتأويله وتفسير مجرياته بعيداً عن إسقاطات الفهم السائد، وهنا تلعب مهارة المؤرخ دورها في تقديم السياقات ومتابعة الانفعالات وتداعيات الأحداث، تماماً كأي ممارسة فنية تكون مجالاً للاجتهاد والإبداع.
فبمجرَّد إنجاز المادة موضوع البحث وتحقيقها يستقل عقل الباحث في التعامل معها، وتتحرر المادة من مختلف المؤثرات الأخرى، وعلى المؤرخ أن يتابع الحقيقة متسلحاً بحاستي الإلهام والاتجاه (م.ن، ص 15)، ويقصد بحاسة الإلهام؛ «القدرة الفنية التي يدخل في جملة عناصرها، سرعة الانتقال الذهني مع دقة الملاحظة» (م.ن، ص 16). غير أن الجانب الذي لا نوافقه الرأي فيه هو مشروعية السفر إلى التاريخ مثقلاً بزاد العصر المنتقل منه، ففيما نقول بشرطية التخفف ما أمكن من مخزون المفاهيم المعاصرة كي لا نبتلى بالإسقاطات، يسقط العلايلي هذا الشرط ولا يرى مانعاً من الانشحان بكل الصور والأفكار والمفاهيم المعاصرة والتخفف منها تدريجياً، اتساقاً مع فهمه أو تبنيه لنظرية
________________________________________

[الصفحة - 254]


المسيرات الرئيسية المتأثرة بالعلوم البيولوجية، التي يعتقد أن شكسبير هو أول من كشفها أو مارسها عملياً فيما يعرف بطريقة تشخيص الماضي وتفسيره بالحاضر (م.ن، ص 17).
فنظرية المسيرات الرئيسية تقوم على تصور وجود نسبة اشتراك بين الماضي والحاضر أكبر من نسبة الاختلاف لامتناع الطَّفرات، استناداً إلى نظرية داروين، وقد قاده تبنيه لنظرية المسيرات الرئيسية إلى الدخول في آليات التطور من جيل إلى جيل ونِسَبِه، ولشدة تأثره بهذه النظرية أسهب في شرحها، وهذه النظرية التي اشتغل عليها ليفي ستراوس في البنيوية عندما اعتقد أن آليات التفكير البشري هي واحدة وكذا طرق اشتغالها، وحاول أن يماهي بين بنية عقل القبائل البدائية والإنسان المعاصر(راجع: م.ن.، ص 19-27)، مع العلم أنّ الإنسان في مسيرة تطوره يخضع لعناصر كثيرة تتضافر كلها في إطار جهد إبداعي يكون للإنسان دورٌ فاعل فيه.
والعلايلي، عندما يتحدث متبنياً نظرية المسيرات، لا يغفل عوامل الإسراع والإبطاء لكنه يبدو فيها اختزالياً، إذ لا يولي الحرية حقها في دفع مسيرات الشعوب قدماً، ولعلّ الإنجازات التي تحققت في القرن الجاري خير دليل على وهن تلك النظرية؛ إذ شهدت البشرية قفزات هائلة تكاد تفقدها توازنها في قرن واحد بل في جيل واحد.
في هذا السياق لم يغفل العلامة العلايلي دور اللاشعور في تحريك المجتمع، وهذا العامل، كما هو معروف تحول، بعد تطوير صيغة فرويد، إلى حقل منهجي جديد لم يقتصر على السلوك الفردي فحسب وإنما تم تطويره ليطاع الشق السياسي، وقد لحظ العلايلي أنّ الأفكار والمبادى والممارسات الاجتماعية، عندما تنغرس في وجدان المجتمع ويتفاعل هو معها تنقلب من حالةٍ شعورية إلى لا شعورية تتحكم بنسبة من النسب في حركة المجتمعات.
جهد العلامة العلايلي، عندما شرع بالحديث عن ثورة الإمام الحسين ( عليه السلام) ، لتطبيق منهجه الذي حدد معالمه في التمهيد، وقد باشر هذا التطبيق في فصل «مقدمات لا محيد عن درسها لفهم التاريخ العربي»؛ حيث جال في النسيج
________________________________________

[الصفحة - 255]


الاجتماعي والفكري متابعاً العناصر التي يعتقد أنها أسهمت في توجيه اتجاهات الأحداث أو أثرت فيها.
وقد توقف ملياً عند الوحدة السياسية الاجتماعية في المجتمع العربي، التي بقيت تحكم الصراع توظيفاً أو استهدافاً، نقصد القبيلة ولم يتناولها بوصفها معطىً ناجزاً في التركيب الاجتماعي وإنما دخل في مجادلة مع الواقع ليخرج إلى أن الشعور بالانتماء للقبيلة كان نتاجاً لواقع اقتصادي، ولا يرى مسوِّغاً لاستمراره لدى الجماعات التي هجرت الجزيرة العربية. وقد تتبع توظيفات الانتماء القبلي في الإطار السياسي، في السقيفة وما بعدها إلى قيام التصنيفات الأوسع عرب ـ موالٍ والتي أنضجت التيارات الشعوبية وغذتها.
أما دور الحضور القبلي في التمهيد لثورة الحسين، فقد رصده في قوة العصبية الأموية وتفردها بالنفوذ والغنائم في عهد الخليفة الثالث عثمان.
ثم عرج، بعد القبيلة، إلى الديانات الرئيسة أو الاتجاهات الاعتقادية التي كانت تسود الحجاز في تلك المرحلة، والدور الذي كان يؤمل من بني هاشم القيام به. ووصل في عرضه إلى مرحلة تحليل ظاهرة الخوارج وامتداداتها الاعتقادية وكذا السبئية.
وتطرق، في سياق تفكيكه للبنية المجتمعيَّة، إلى النظام العام، ليصل منها إلى النظام المالي والسياسة التي تبعها الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) والخليفة الأول والإمام علي وخالفهم فيها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب الذي لم يرتضِ أن يجعل من قاتل رسول اللَّه كمن قاتل معه فجعل الامتياز بحسب السابقة، فحدث التفاوت في الأعطيات وتشكلت الطبقات والمراتب (م.ن.، ص 111).
وتوصل، في قراءته للتفاوت الاجتماعي، إلى أن الجند قد استقر في روعهم أن قريشاً استأثرت بالمال، ما هيَّأ، في ما بعد، للثورة والفتنة (م.ن.، ص 112).
ثم دخل في دائرة الحزبية وكيفية تشكلها والأرضية التي أسهمت في انتظامها داخل وحدات صغيرة منسجمة، وقد توسع في الحديث عن الحزب الأموي وسياسته الرامية إلى إنهاك الناس بالصراعات لكي يقبل بالأمر الواقع، وهو ما لمسه الإمام الحسن، كما لاحظ المؤلف، في نفسية الجمهور
________________________________________

[الصفحة - 256]


الذي آثر المسالمة والتهرب من الحرب.
وهكذا استمر في استعراض العناصر المشكلة للنَّسيج، فتناول مسألة الصراع بين الجديد والقديم وما أدى إليه من ذبذبة واضطراب (م.ن.، ص 143).
ووصل أخيراً إلى الثورة ومفهومها وانفجارها في وجه عثمان ومآلاتها السياسية وغيرها.
كل هذه العناصر، استحضرها عند المباشرة بالحديث عن الإمام، ما يعني أنه التزم بالضوابط المنهجيَّة التي عرضها في مقدمته فكانت معالجته للثورة شكلاً من الترجمة والتطبيق للتصور الاجتماعي الذي شكله في سياق متابعاته.
د. زراقط: أمَّا المحور الثاني، وهو شخصيّة الإمام الحسين وثورته، فيتحدث فيه د. حسن عباس نصراللَّه، وهو رئيس قسم اللغة العربية في الجامعة اللبنانية فالفرع الرابع، من مؤلفاته: الحركات الحزبية في بعلبك، الأدب السياسي الملتزم في الإسلام، ألوان الكلام، تاريخ بعلبك، ذو الرمّة شاعر الصحراء، تاريخ كرك نوح، خليل مطران بين التقليد والتجديد. شارك في مؤتمرات وندوات كثيرة، وعنوان كلمته: «الإمام الحسين ( عليه السلام) في فكر العلايلي».
د. حسن عباس نصر اللَّه: شغل الإمامُ الحسينُ على عبداللَّه العلايلي فكره: أحبَّهُ، عايشَه في طفولته، قرأ أخباره، سافر معه في ثورته، شمَّ فيه رائحة النبوَّة، أليس الحسينُ سبطَ محمدٍ(صلي الله عليه و آله) ، وسليلَ النبوّات، وربيبَ الوحي؟ كتبَ عنه وكتب، أتعبَ القلمَ وما تعب!
نلمحُ الحسينَ في «مثلِهنّ الأعلى» نوراً يطوِّفُ في منازل الوحي، يلاحقُ جدَّه إلى حُجُراتِ نسائه.. ثم أطلَّ في قصَّة «أُرَيْنب بنت إسحق» بطلاً غَيْرِيّاً، تمثلت فيه الإنسانيَّةُ، كان رسولَ السعادةِ، حملها إلى زوجين فرَّقتهما مكائدُ معاوية، ونزوات يزيد...
ثمّ أشفق العلايلي أن يظلَّ تعاطيه مع الإمام الحسين قائماً في مؤلّفاتٍ جانبيَّة؛ فاندفع يُفرِدُ له ثلاثة كتب، أسماها «حلقات»، وهي: «في سموِّ الذات» و «تاريخ الحسين» و «أيام الحسين».
بعد أن أنهى أسفاره المُضاءَةَ بأنوارِ السِّبط، الموشَّاةَ بتقاه وشمائله، المشرقةُ بشجاعتِه وإنسانيَّته، ظلَّ عَطِشاً
________________________________________

[الصفحة - 257]


إلى الأنوار، وظلّت محبَّةُ الحسين تضجُّ في عقلِ العلايلي وقلبهِ.. فكتبَ المقالات، وشاركَ في النَّدوات، وأقامَ المحاضرات. فكانت عاشوراء، على موعدٍ معه كُلَّ عام؛ تنتظرُه ليحاضرَ عن الإمام الحسين، فيعطِّر الأسماعَ بشذا الأحاديثِ النبويَّة، التي أرسلَها جدُّه؛ فَتَكْتُبُ إمامة الحسين في قلب نبوَّةِ (محمد) «حسينٌ منِّي وأنا من حسين» فيتسامى العلايلي في عطائه، ويتسامى في إبداعه، لينتهي الكلامُ عند نقطةٍ تلتقي في دائرتِها الإمامةُ مع النبوَّة...
العلايلي فقيهٌ متحرِّر، ولُغويٌّ مُدقِّق، وأديبٌ شاعريُّ الأسلوب، ومفكّرٌ «فكرُه كما الإسلام، منهجٌ كلِّي، لا يُؤخَذُ تفاريق، ولا يُدْرسُ أجزاءَ معزولة».
ما كان العلايلي مؤرِّخاً بالمعنى الدقيق، إنما خرَّج للنّاسِ تعليقاتٍ على تاريخ الإسلام، كما قال. إذ تناولَ بعضَ الأحداثِ التاريخيَّة، قرأها بثقافةٍ واعية، وتجرُّدٍ، وموضوعيَّة، وجرأة... فعلَّل، وحلَّل، وقارنَ.. مستخلصاً الحقائق بقدرِ ما وعاها فكرُه.
أمدَّتْه الثقافَةُ بفهمِ الأحداث، وتمييزِ الحقِّ من الباطل، واستخلاصِ الأحكامِ الصحيحة؛ لأنَّ الثقافة الواعية تدفعُ بصاحبها إلى استلهامِ النور، وصولاً إلى طريقِ الحق...
إنّ التعليقاتِ التي أطلقها لاقت «استنكاراً من قوم، ومَعْتبةً من آخرين» (العلايلي، عبداللَّه، الإمام الحسين، ص 1).
ذكر، في مقدِّمةِ الطبعةِ الثانية لكتابهِ «الإمام الحسين»، الأسباب التي حرَّضَتْه على أنْ يُخرِج للنَّاسِ تعليقاتٍ على تاريخ الإسلام. قال: «المرحلةُ الأولى من مراحلِ التاريخ الإسلامي يَجْثمُ عليها الغموض»، وكلُّ ما حدثَ في الإسلامِ من بعدُ، له مرتجعٌ إليها ومَرَدّ.
وأكَّد ذلك في مقدِّمة الحَلَقةِ الثانية، إذ رأى «أنّ جَمْهرَةَ المؤرخين المُحْدَثين لم توفَّقْ إلى إقامةِ التّاريخِ العربي على سُنَّةٍ منطقيَّة، وقاعدةٍ نقديَّة، تحتفلُ بتبيانِ الدّوافعِ والعواملِ التي من شأنِها أن تُهيّ‏ء ظروفَ التاريخ المختلفة، وتُحدِّدَ له الاتجاهات» (م.ن.، ص‏147). أحبَّ أن يُميطَ الغموضَ عن المرحلةِ الأولى، مُناقشاً بعض النظريَّات التَّاريخيَّة الحديثة، فالتَّاريخ ليس علماً يسلكُ الأسلوبَ اليقيني؛ إنما يُنظم في نسق الآداب التي
________________________________________

[الصفحة - 258]


هي نتاجُ القوَّةِ النظريَّة والبحثِ الاستنتاجي، المبني على علومٍ جديدة مثل: علم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الاقتصاد... ورأى بعد تأمُّل، أن كتابة التاريخ منذ أوَّلِ عهدِ العرب «لم تكن بريئةً على إطلاق القول، بل دارت على خدمةِ أغراضٍ شتَّى، بينَ النَّزعةِ المذهبيَّة، والزُّلفَى من السلطة الغالبة» (م.ن.، ص 15).
وأقرَّ رأيَ «غوته» الدّاعي إلى إعادةِ تدوينِ التّاريخ، والنّظر فيه من حين إلى آخر.. بعد أن ظهرَتْ، على مرِّ العصور، وجهات نظرٍ جديدة، في أُفُق البحث العلمي. لذلك باتَتْ إعادةُ النظر في التاريخ الإسلامي، مطلباً ضروريّاً ومُلِحّاً، واستجابةً لهذا المطلب، انطلقَ العلايلي يقرأُ التاريخ الإسلامي، برؤيةٍ جديدة ومنهجٍ متطوِّر، وذهنيَّةٍ منفتحة، إختارَ الإمام الحسين مادَّةً لدراستهِ، ومفتاحاً لمغلقاته، وباباً يلجُ منه إلى مدينةِ التاريخ الإسلامي.. وأومأَتْ إليه القراءات أن دراسة الحسين تتطلّبُ دَرْساً لكلِّ عناصر التاريخ الإسلامي: البيئة العربيَّة قبل الإسلام وبعدَه، أي: فهم عصرِ الحسين، لكشفِ التجذُّر في الصراعات القبليَّة، التي ناهضتِ الإسلام، وتعاليمَ القرآن الكريم.
ثم التأمُّلُ في العناصرِ السياسيّةِ، والاجتماعيَّةِ والدينيَّةِ والاقتصاديَّة...مركِّزاً على المعطيات الاجتماعيَّة، والمعطيات النفسيَّة لتفسير تصرُّفاتِ الاشخاص.
هذه العناوين عالجها العلايلي بروحٍ تَسْتشرِفُ الحَدَث، وتنقُلُه بدقَّةٍ مُنَاقِشَةً ومُسْتَنْتِجة، غيرَ مباليةٍ باستنكار قوم، وعَتْبِ آخرين؛ لأنّه وعى الاسلامَ ديناً منفتحاً على الحياة، يقدِّسُ المعرفة، ولا يُقَوْقِعُها ضمنُ روايات ملفَّقة، شاءَ لها النَّاسُ أن تكونَ مقدَّسة، فقدَّسوها مع أنها على خلاف ذلك.
سعى إلى إقامةِ التاريخِ على سُنَنٍ نقديَّةٍ منطقيَّة، وقاعدةٍ نقديَّةٍ تحتفلُ بتبيانِ الدَّوافعِ والعوامل، ودراسةِ النصوصِ التّاريخيَّة، وتحقيِقها ضدَّ «التدليسِ الخفي»، وتصحيحِ الوسائلِ في أسانيد الروايات... (م.ن. ص‏149).
الموضوعيَّةُ وعدَمُ التعصُّب‏
العلايلي واحدٌ من الذين عناهم بولس سلامة بقوله: «[اعتمدتُ المؤرخين‏] الثقات من أهل السُنّة،
________________________________________

[الصفحة - 259]


الذين عصمهم اللَّه من فتنةِ الامويين» (بولس سلامة، عيد الغدير، ص‏8).
أخذ على نفسِهِ في المقدِّمة لزومَ هذا النهج، وهو «التجرُّد عن شتى النَّوازعِ، والسيطراتِ الوجدانيَّةِ والاعتقاديَّة» (الإمام الحسين، ص‏12).
تعاطى مع قضيّة الامام الحسين بحياديَّة، وتجرُّدٍ عن الميولِ المُسْبقة. قرأَ حياةَ الحسين، وحياةَ يزيد، قرأ سيرةَ بني هاشم، وسيرةَ بني أميَّة...أقامَ مقارنةً بلا ميولٍ أو هوى. أحصى أعمالَ الهاشميينَ؛ وإذا بها تدورُ في حقلِ الفضائل، متناهيةً في حبِّ الخيرِ وفعلِه، وأحصى أعمالَ الأمويين فوجدَها تدورُ في حقل الشرِّ، والحقد، والانتقام، والدّسائس، والدّهاء، والمكر والقتل عرضَ أعمالَ الهاشَميين، وتركها تشرقُ بفضائلها، وعرضَ أعمالَ الأمويين تتلَفَّحُ بعتمةِ الشرِّ...كان مُنْصِفاً لم يحاوِلْ تجميلَ خبائثِ الأمويين، وتصرُّفاتِهِمْ، مثلما فعل كثيرون من المؤرخين الذين وقعوا في فتنةِ الأمويين؛ فبدَّلوا سيئاتِهم إلى حسنات، ودافعوا عن شُرورِهم ومفاسِدِهم، ومظالِمهِم...أو مِمَّن كتبَ بروحٍ عدائيَّةٍ لآلِ البيت، ـ أمثالِ: أبي بكر بن العربي، محمد بن عبد اللَّه (المتوفى‏ 543هـ/1148م).
وعبد الرحمن بنِ خلدون، صاحبِ المقدِّمة التي تضمَّنت أُسُساً لكتابةِ التاريخ، وما استطاعَ أن يعملَ بها عندما كتبَ عن الإمام الحسين بل كتبَ بعصبيَّة بغيضة فقال: «الحسينُ قُتِلَ بسيفِ جَدِّه» وعلَّلَ السَّخاوي في «الضوء اللامع» (السخاوي، الضوء اللامع، 4/148). السببَ، بأن ابن خلدون كان منحرفاً عن آل علي، بل كان يبغُضُ عليّاً وآلَ علي...لقد طغى التعصُّب على هؤلاء فأنساهم الموضوعيَّة، فزوّروا الحقائق، وبدَّلوا النصوص التاريخيَّة، أين ذهبَ هؤلاء بأحاديثِ الرسول الكريم التي تطهِّرُ الحسنَ والحسين: «الحسنُ والحسين سيِّدا شبابِ أهل الجنَّة».
أنردُّ أحاديثَ النبي، ونعملُ بدعاوى ابن العربي، وابن خلدون وأمثالهما؟ إنَّ يزيد وابنَ زياد، وعُمَرَ بنَ سعد...قد قَتلوا الحسينَ، أمَّا أتباعُهم، الذين سلكوا خَطَّهم من أمثالِ ابنِ العربي، وابنِ خلدون، فقد أسفوا لأنَّهم لم يكونوا على عهده ليشرَكوا في دمِه، فشاركوا في قتلِ مبدئِه وثَورتِه...
________________________________________

[الصفحة - 260]
الجُرأة: ليسَتْ معرفةُ الحقّ هي العنصرُ الوحيد لإعلانِه، والوقوفُ إلى جانبِه...إنما يحتاجُ الباحث إلى جرأة، وإلى نفس صافية، رقَّقَها الحقُّ فشفَّتْ...إن جمهورَ أهلِ السُنَّة، إذا تحدَّثوا عن معاوية قالوا «رض» أي يرفعونه إلى مصافِّ الخلفاءِ الراشدين...
بل هم لا يطيقونَ سماعَ انتقاداتٍ للأمويين...من وسطِ هذا الجمهور، خرجَ قديماً المؤرخُ أحمد بن علي المقريزي (766-845هـ) وصنَّف كتابَه «النِّزاعُ والتَّخاصم بين الأمويين والهاشَميين» الذي كان مفتَاحاً لشخصياتٍ مستنيرة أفادت منه، واتخَذَتْهُ مصدراً للكتابةِ عن الإمام الحسين: منهْم: عباس محمود العقاد في كتابه: «أبو الشهداء» والعلايلي في كتابه: «الإمام الحسين».
الجرأةُ هي التي حملت العلايلي على الخوض في هذا الموضوع، لكشفِ المغالطاتِ التاريخيَّة، التي سيطرتْ على قضيَّةِ الحسين ( عليه السلام) .
تناول تاريخَ الأمويين فأطلقَ ملاحظاتٍ كانت مثارَ لَدَدٍ بين النَّاس، دعا هؤلاء المعارضين في مقدِّمةِ الطبعةِ الثانية إلى تدقيقِ الموضوع، واعتمادِ النَّزعةِ العلميَّة، قبلَ إرسالِ الأحكام تعصُّباً وجهلاً...
فالحقيقةُ محجوبةٌ، يكشفُها العلم، والموضوعيَّة، والتبصُّر بالأمور. وفي ما يأتي نعرض بعضَ القضايا التي أثارَها وأكَّدَها بالبراهينِ والمقارنات، واستقراءِ النصوص:
أولاً: التَّفريقُ بين الخلافةِ والمُلْك: الأمويون ملوك، وليسوا بخلفاء، وقد حَرِصَ في كتاباتِه على أن يذكرَ عبارة «المُلك الأموي»، بدل الخلافة...ثُم أشارَ إلى هذه الظّاهرة بقوله: «كان الصِّراعُ بين علي ومعاوية ليس شخصيَّاً فقط، بل صراعُ بين مبدَأين في مواقفَ حاسمة،
صراعٌ بين الخلافةِ التي معناها النِّيابةُ عن الأمَّة، وهي تتضمَّنُ معنى الرِّعاية، والحَدَبَ، والانتفاء من الاحتكام، وبينَ المُلْك الذي معناه الغَلَبَةُ والسيطرة، وجمعُ الحريَّات باليد الواحدة، وضَغْطُها إلى درجةِ الإنحاء أو الاجهاز...» (الإمام الحسين، ص‏16).
ثانياً: نَفَىَ وجودَ السلطةِ القضائيَّة بالمعنى الحديث في حكمِ بني أميَّة؛ لأنَّ القتل كان على الظِنَّة «فنظامُ الحكم في عهدِ الملوكِ الأمويين لم يكن إلاَّ ما
________________________________________

[الصفحة - 261]


نسمِّيه في لغةِ العصر، بنظامِ الأحكامِ العُرفيَّة.
هذا النِّظامُ الذي يَهْدرُ الدِّماء، ويرفعُ التَّعارفَ على المنطقِ القانوني. ويُهدِّدُ كُلَّ امرى‏ءٍ في وجودِه...كان في العهد الأموي هو النِّظامُ السائد» (م.ن.، ص 339).
ثالثاً: اقتباسُ النِّظام البيزنطي، والتلوّنُ به منذُ عهدِ معاوية، والتخلِّي عن تطويرِ النِّظام الاسلامي الذي بدأ مع النبي، واستمرَّ في عهد الخلفاء...
رابعاً: الانقلابُ الذي قام به الأمويون ضدَّ حكومةِ الخلفاء، ذاتِ الطابعِ الاسلامي العام، والطابعِ الانساني الذي يَصْهَرُ فوارقَ الجنسِ البشري...
خامساً: حَمَّل الأمويين مسؤوليَّةَ اغتيالِ الخليفة الثاني «عمر»، أو أنَّهم تسبَّبوا به على الأقلّ...
سادساً: إظهارُ مساوى‏ء الأمويين: وصفَ معاوية ويزيد وسائر الأمويين بكثير من المفردات التي تدلُّ على الظلم والحقد والكيد والمجون، والعبث بحياة المسلمين وأموالهم ونسائهم...والاستهتار بأمورِ الشريعة... ونقلَ ما قاله الحسنُ البصري في معاوية، وهو: «أربعُ خصالٍ كُنَّ في معاوية، لو لم تكن فيه إلاَّ واحدة لكانَتْ موبقة: انتزاؤه على هذه الأمَّة بالسيف، حتى أخذَ الأمْرَ من غيرِ مشورة، وفيهم بقايا الصحابة، وذوو الفضل.
واستخلافُه بعدَه ابنَه يزيد، سِكِّيراً خِمِّيراً، يلبسُ الحرير، ويَضرُبُ بالطّنابير، وادِّعاؤه زياداً، وقد قال رسولُ اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) : الولدُ للفراش وللعاهرِ الحَجر. وقتْلُه حُجراً، وأصحابَ حُجْر. فيا ويلاً له من حُجْرٍ وأصحابِ حُجر» (ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 3/486).
ثُم نفى العلايلي عن معاوية صفة القوميَّة العامَّة، وقصرَه على العصبيّة القبليَّة الضيِّقة (البيت الأموى، ثم السُّفياني). نقرأُ هذا التعليق على كلمة جاءت في كتابِ الإمام الحسين إلى معاوية. قال العلايلي: «اللَّهِ كم هي هذه الكلمةُ رقيقةٌ شاعرة: «كأنَّكَ لستَ من هذه الأمَّة وليسوا منك». هذه الكلمة المشبعة بالشعور القومي الشريف، وقديماً قال الصّابي: «إن الرَّجُلَ من قومٍ، ليست له أعصابٌ تقسو عليهم» وهو اتّهامٌ من الحسين ( عليه السلام) لمعاوية
________________________________________

[الصفحة - 262]


في وطنيَّتهِ وقوميَّتِه، واتّخذَ من الدِّماء الغزيرةِ المسفوكةِ عنوانا على ذلك» (الإمام الحسين، ص‏338).
سابعاً: الاشادةُ بالحسين وآل البيت: هُمْ فضائلُ وأخلاقٌ وتقوى. كان حديثُه عن الحسين ملائكياً وملائكياً أبداً. قال: «الحسين إنسانيَّةٌ ارتقت إلى نُبوَّة: «أنا من حسين»، ونبوَّةٌ هبطت إلى إنسانيّة: «حسينٌ مني» فسلامٌ عليه يوم ولد...»(م.ن.، ص‏290).
بعد أن عدَّدَالفضائلَ التي تمثلت في الحسين خَلصَ إلى قولهِ: «إذا كانتِ العصمةُ هي هذه المزايا فأنا أقولُ بعصمةِ الحسين».
الأسلوب القصصي: عمد إلى القِصَّةِ؛ لأنَّها تتضمّنُ مقوَّماتٍ مشتركةً مع التاريخ، إذ لا يرى فَرْقاً بين المؤرِّخ والرِّوائي في بعض الجوانبِ، «كعرضِ نفسيَّةِ الجماعات، والمؤثراتِ التي تُحركُها، وتشخيصِ المُسَيرِّاتِ الرئيسيَّةِ بالنّظرِ إلى الطبيعةِ والوراثة والبيئة» (م.ن.، ص‏151). لذلك كتب التاريخَ بالاسلوبِ القصصي وسمّى الحلقة الثالثة: «أيّامُ الحسين، عَرْضٌ وقَصص». وكتاباتهُ الأولى بدأت بالقصّة: «مثلهُنّ الأعلى» تحدَّث فيها عن نساء النبي. و«أرينب بنت إسحق» قصَّة واقعيَّة تصوِّرُ جانباً من تاريخ الحكم الاسلامي، وتكشفُ شخصيَّة الحاكم الذي يستغلُّ نفوذَه باسمِ الإسلام، ليوقعَ بين «المرءِ وزوجه»، وهذا تصرُّفٌ يعيدُ ما رَوْتهُ التوراةُ المزوَّرةُ عن داود وأوريا زوجِه...
«أُرينب» المرأةُ الفاضلة تغتالُها يدُ الحاكم، تريدُها أَمَةً في جملةِ عبيدها! وعبد اللَّه بن سلاَّم الزوج المخدوع، يذهبُ ضحيَّة مؤامرةٍ، خطّطَ لها ونفَّذها معاوية، الذي أساءَ استعمالَ لقبِ خليفةِ المسلمين، لذلك نزع العلايلي منه هذا اللّقب وأسماه الملك. طلَّق المرأةَ من زوجها إرضاءً لرغباتِ «نغله» يزيد. المَلِكُ يستغلُّ سلطتَهُ للإيقاعِ بسعادة الرعيَّة، الصالحة، الموادعة...فَيَسِلُبُهم سعادتهمَ ونساءَهم وأموالَهم وأرواحَهم...في الطرفِ الآخر من المجتمع يأتي الخيرُ ممثلاً بالحسين، يغيِّرُ مجرى الأحداث، ينقُلها من ظلامِ الباطل إلى ضوءِ الحقّ...غيرَ مبالٍ بالاحقاد التي أخذت تتكدَّسُ في قلوبِ أعدائِه...كان همُّه أن يمنح المظلومَ العدالة، أن يعيدَ الأمانَ باسم الاسلام الصحِّ، إلى حبيبين ضاعا في دسائس
________________________________________

[الصفحة - 263]


خليفةِ المسلمين بالغلط...قال عمرو بن العاص لمعاوية في شأن أرينب: «إنّ النّاسَ تحمَّلوا منّا ضراوةً في السياسة، وضراوةً في الأموال، إلى ضراوةٍ وضراوةٍ في الاحكام...ولا أراهم إلاَّ ثائرين بنا، إذا جعلنا بيوتَهم هدفاً لضراوةِ شهواتنا» (م.ن.، ص‏513).
أنهى العلايلي قصّته بكلماتٍ مثقلةٍ بالشّاعريَّةِ والرمزيَّة، تكشفُ طُهْرَ الحسين، يغسِلُ جنايةَ معاوية وابنهِ، يغسلُها من أجلِ الإسلام، من أجل الإنسان. حطّت فراشةٌ بيضاء (أرينب) كأَنها الزّهرة على كتفِ غصنٍ يميس (عبد اللَّه) وكانت ناعمة، تلهو بأغاني سعادتها...
فبصُرَ بها عنكبوتٌ صغير (يزيد)، ودَّ لو يروي بهناءَتِها شهوات نفسِه الحرَّى...
وما لبثَ حتى جاءَ قَرْمُ العناكب (معاوية) يبادر، وراحَ ينسجُ شباكه حولها.
وإذ ذاكَ حوَّم بلبلٌ غرِّيد (الإمام الحسين) كان ينشُر بألحانِه في الأرواح نشواتٍ منعشات، وحطّ حيثُ انتصبتْ أَشْراكُ المأساة.
فنقدَ القَرْمَ نقدَةً، ومضى يغرِّدُ تغريداً كان معناه {ومكروا ومكرَ اللَّهُ، واللَّهُ خيرُ الماكرين} (م.ن.، ص‏528).
ما استطاعَ العلايلي أن يَكْتُبَ التاريخَ مع الإمامِ الحسين، إلاّ بهذا الأسلوب الشّاعري المشرق، كلماتهُ يلتقطُها من أجواءِ الوحي، تُذَهِّبُ حروفَها شمسُ النبوَّةِ...كلماتُ يَرْصِفُها في صَرْحِ الحق، بعد أن يَنْزَعَها بجرأةٍ من قلاعِ الباطل.
د.زراقط: وفي المحور نفسه، أي شخصية الإمام الحسين ( عليه السلام) وثورته يتحدث د.عصام نور الدين، وهو أستاذ العلوم اللغوية في الجامعة اللبنانية، ولديه العديد من المؤلَّفات والابحاث، ومنها: أبنية الفعل في شافية ابن الحاجب، الفعل والزمن، ابن هشام الأنصاري، حياته ومنهجه النحوي، علم الأصوات اللغوية، علم وظائف الأصوات اللغوية، أساسيات النحو إلخ...شارك في العديد من المؤتمرات والندوات، وعنوان كلمته: «الإمام الحسين ( عليه السلام) في مؤلفات الشيخ عبداللَّه العلايلي».
د. عصام نور الدين: عنوان الندوة، كما تلاحظون، مثنَّى الأضلاع
________________________________________

[الصفحة - 264]


في الشكل، مثلَّثُها في العمق؛ لأنه يتكلم على:
1 ـ الإمام الحسين ( عليه السلام) ،
2 ـ في مؤلفات الشيخ عبد اللَّه العلايلي رحمه اللَّه...
وتحديد الكلام وحصره في الشيخ العلايلي يحدِّد زاوية النظر والتأليف والقراءة، وهي النظر إلى شخصية الإمام الحسين وتاريخه من زاوية علايلية محددة.
إلاّ أنَّ هذا المنهج الصارمَ في التحديد لم يمنعني من رؤية الضلع الثالث في العنوان...ألاَ وهو قارى‏ء الإمام الحسين ( عليه السلام) في المؤلَّفات العلايليَّة...وهذه قضية أساسية ومهمة؛ لأن القراءة مستويات...ولأن الفهم مستويات...ومعنى هذا القول أن شخصية الإمام في مؤلفات العلايلي تختلف باختلاف المتلقي أو القارى‏ء أو الدارس...وأن ما أراه أنا ممتازاً أو جيداً قد يراه إنسان آخر رديئاً سخيفاً ممتلئاً بالخطأ...لو كان الناسُ يتفقون في النظر إلى التاريخ والأديان والأنبياء والرسل والأبطال والأشياء...بل والحوادث التي يعيشونها لما اختلفوا، أول مرة، في النظر إلى شخصية الإمام الحسين عندما كان يملأ الأرض والكون بحضوره الجسدي والفكري والروحي والبطولي الثوري...جامعا صفات النبوة المحمدية بكل ما فيها من وصل للسماء بالأرض...ومشتملا على صفات البطولة العربية الإسلامية التي زرعها فيه أبوه الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام) بكل ما في هذه البطولة التي ترتقي بالأرض وتسمو بها إلى الأعلى باتجاه اللَّه والمثل والأخلاق والخلاص والبطولة...
لا فمن أحب النبي وعلياً وما يمثلان وبالطريقة التي يمثلانها وبالمنهج الذي يتبعانه...رأى في الحسين انصهار النبوة في الإسلام أو صعود البطولة إلى النبوة مصداقا لقول الرسول الكريم: «حسين مني...وأنا من حسين».
لا ومن تجانف عن حب النبي وعلي...رأى في الحسين شخصاً عادياً...ولم يستطع أن يهتدي إلى الجوهري المشع...وإلى الألوهية البارئة لحامل الرسالة المحمدية، ولتضحيات البطل العلي...فبقي حبيس اللحم والدم والعظم...يتحرك بقانون البهيمية التي تفتش عن الكلأ
________________________________________

[الصفحة - 265]


والماء...فتعشو أشعة الشمس عيني صاحبها الذي يبقى أهون على نفسه وعلى الناس من عفظة عنز في واد غير ذي زرع...
ومن نظر إلى النبي ورسالته نظرة احتقار ورفض...دون أن يستطيع منافحة هذه الدعوة السماوية الخالدة التي تعهدها اللَّه ونبيه والإمام...لجأ إلى المداهنة والنفاق والتذلل...ليعدَّ العدَّة للإيقاع بالإسلام والمسلمين...وليصيب منهم مقتلا علويا أو حسينيا...فكانت نظرته إلى الحسين، (عليه السلام)، نابعة من نظرته إلى جده المصطفى وأبيه الإمام البطل الذي اتخذه النبي أخا...
إن من نظر هذه النظرة احتقر الإمام...ونعته بالخروج على «إمام زمانه»...هذا «الإمام» الفاسق، الفاجر، الشارب الخمر، القاتل النفس التي حرم اللَّه، والمعلن بالفسق والفجور...والناهب مدينة الرسول ومبيحها ثلاثة أيام...والقاتل مئة من المهاجرين والأنصار...وعشرة آلاف من الموالي والعرب والتابعين...والمفتض جيشه المعتدي باسم الإسلام أكثر من ألف عذراء من بنات الصحابة...
والساطي على الأعراض والأموال...والمأخوذة «بيعته» بالاحتيال والإرهاب والقوة وكم الأنفاس...فأحلَّ في نفسه، وفي الواقع، قتل الإمام الحسين...وهذا النفر من الناس لم يفنَ...وقد أفاجئكم إذا قلت لكم إن أستاذا جامعياً يبدو متديناً...وكنت أظن فيه العلم والتقوى والإيمان...فاجأني بقوله: إن قتل الحسين بن علي واجب ديني على كل مسلم القيام به إن استطاع إلى ذلك سبيلاً لأن الحسين، في ظنه، قد خرج على إمام عصره بعد مبايعته ودون سبب...!!! فتأمل!!!
نحن، إذاً، أمام نصٍّ علايليٍّ واحدٍ في شكله أو مستواه السطحي ـ كما نقول في علم اللغة التوليدي ـ ...ولكننا أمام قراءات له وقراءات في مستواه العميق.
وقراءتنا الشخصية لهذا النصّ محكومة بما أسميه «الموضوعية» الملتهبة حباً، والمتشوقة إلى معانقة البطل الإسلامي والاندماج فيه...والتفاني في بطولته وفي منهجه...ذلك أن سيرة هذا البطل الإمام تذكرنا، في كل الأحوال، بصاحب الرسالة المصطفى محمدٍ...جدّه...أو بأبيه أخ
________________________________________

[الصفحة - 266]


الرسول...الإمام علي بن أبي طالب، لأن دين الحسين هو دين علي...ودين علي هو دين محمد...ودين محمد هو الدين الذي اختاره اللَّه للناس...ولأني من القائلين إن من اقتدى بالبطل المؤمن المسلم اهتدى...ومن اهتدى تفتحت في نفسه ينابيع الحكمة، ومن تفتحت في نفسه هذه الينابيع ارتقى حتى الآية بحيث يصبح مثلاً أعلى متجسداً بشراً...لأن البطولة، في نظرنا، أصالة في العمل، والنبوة أصالة في المعرفة...والبطل هو ذاك الذي تشتد عزيمته على قدر تفاقم الأخطار...فيجسد في حركته على مسرح الفكر والتاريخ والواقع أماني الأمة المشتركة في صبوتها إلى التحقق من نسيج التاريخ...وهكذا...ترمز البطولة، في قراءتنا، إلى نصرة الحق على الباطل، والمجسد، في هذه الأيام، في سياسة الاستعمار والاستبداد، وفي مقارعة اليهودية والصهيونية المتسلحة بالدعم الأمريكي، في فلسطين المحتلة وفي جنوب لبنان وبقاعه الغربي وفي الجولان السوري...
وفي كل أرض عربية أو إسلامية وضع الاستعمار يده المخربة القاتلة عليها...ولذلك فالبطولة ـ كما النبوة ـ امتدت، بمعنى من المعاني، من النبي...إلى علي...إلى الحسين...إلى أبطال المقاومة الذين أصبحوا المثل الأعلى في وقتنا الحاضر...فنتمنى لو نستطيع أن نكون معهم في الجهاد...أو أن نكون مثلهم في قتال «إسرائيل»...بعدما قيدنا العمر بالخمسين...وسجننا التاريخ في التاريخ بعدما سجنتنا «إسرائيل» في 14 تشرين الثاني سنة 1984
عندما كنت ذاهباً إلى الجامعة اللبنانية في صيدا لأداء مهمة المحافظة على بذرة العربية المقاومة في حومة الساحة المحتلة يومذاك...وهذا التمني الذي نطلقه الآن لا يشبه تمني الذي قال: {يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيماً}[النساء/4/74]...لأننا عملياً معهم، ولكننا نطمح إلى إعطاء المزيد.
والآن...كيف رسم العلايلي صورة الإمام الحسين ( عليه السلام) ... حسب قراءتنا له من الزاوية «الموضوعية» الملتهبة كما أسميناها؟
جلس العلايلي في الأربعينات من هذا القرن ليكتب سيرة الإمام الحسين ( عليه السلام) وقد استوعب علوم
________________________________________

[الصفحة - 267]


عصره العربية الإسلامية الأصيلة من جهة والعلوم الأجنبية المترجمة ككتب كارل ماركس وإنجلز ولينين وأصحاب المدرسة الماركسية اللينينية والديالكتيكية المادية والتاريخية...وداروين وأصحاب النظرة النشوئية التطورية...ومدارس علم النفس على اختلافها...
ومدارس الفلسفة على اختلافها وتنوعها...ومناهج التاريخ والتأريخ على غناها...وفن القصة والرواية وما إلى ذلك، من جهة أخرى، منطلقاً من حقيقة أن «التاريخ قطعة من الزمن ليس لها حدود وراء الكائن الذي يفرغ عليها صنوف التهاويل»،
وأن المؤرخين العرب والمستشرقين لم يوفقوا إلى إقامة التاريخ العربي والإسلامي على سنة منطقية وقاعدة نقدية...فانتقدهم، وانتقد موازينهم ومعاييرهم التي لم توفق إلى بناء التاريخ، ولم تنجح في تحقيق النصوص تحقيقا دقيقا موضوعيا...فوقعوا في التزوير المكشوف حيناً، وفي التدليس الخفي الكسول المفضي إلى قلب الحقائق وتضييع الحقوق والبعد عن المنهج المنقذ حيناً آخر.
لذلك جمع العلايلي النصوص الوثيقة، وموادّ بناء كتابه الصالحة، وتسلح بتخطيط أولي لموضوعه، ولم يهمل الرسوم والصور التي تعصمه من الزلل والتيه والضياع...وتسلح بسلاح لم يمتلكه غيره من المؤرخين في العصر الحديث...وهذا السلاح هو اللغة العربية...فانطلق من اللغة لفهم التاريخ والمجتمع ولم ينطلق من التاريخ لفهم اللغة...وجعل الحاضر ـ بكل ما فيه ـ
أداة لتفسير الماضي دون أن يقع في شباك هذا الماضي وفخاخ المؤرخين ـ وما أكثرها ـ واستعمل ملكته الأدبية الرفيعة ليكون مؤرخاً روائياً...أو روائياً مؤرخاً...يعرض نفسية الجماعات والمؤثرات التي تحركها،
ويشخص المسيرات الرئيسية بالنظر إلى الطبيعة والبيئة والوراثة...معتمداً على قانون التطور العام في الاجتماع...وعلى علم النفس الفردي والجماعي...وعلى الفلسفة...وعلى علم التربية الحديث...وعلى دراسة عقلية الأمة العربية وحركتها الاجتماعية والدينية والأدبية منذ الجاهلية وحتى مصرع الإمام الحسين على أيدي الذين ثار من أجلهم...
________________________________________

[الصفحة - 268]