البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

التَّشيُّع المُفترى عليه(2)‏ مداخلات وهوامش نقديَّة على كتاب «تطوُّر الفكر السياسي الشِّيعي من الشُّورى إلى ولاية الفقيه» لأحمد الكاتب‏

الباحث :  خالد العطية
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  16
السنة :  السنة الرابعة شتاء 1420 هجـ 2000 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  709
التَّشيُّع المُفترى عليه(2)‏

مداخلات وهوامش نقديَّة على كتاب «تطوُّر الفكر السياسي الشِّيعي من الشُّورى إلى ولاية الفقيه» لأحمد الكاتب‏
خالد العطية

تضمَّن القسم الأوَّل، من هذه الدِّراسة، الذي نشر في العدد السَّابق من مجلَّة «المنهاج»، تمهيداً أُشير فيه إلى النَّظريَّتين الإسلاميَّتين في قضية خلافة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، وتمَّ تقديم ملاحظات منهجيَّة على الفصل الأوَّل من كتاب «تطوُّر الفكر السِّياسي...»، وفي ما يأتي القسم الثاني من الدِّراسة، وتتمّ فيه مناقشة موضوع الفصل الأوَّل.
قثانياً ـ مناقشة موضوع الفصل الأول: «الشُّورى نظريَّة أهل البيت»‏
تعرّض «الكاتب»، في هذا الفصل، لمناقشة أوَّل مبادى التَّشيُّع وأهم مقوِّماته وأركانه، وهو الاعتقاد بأنّ خلافة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وإمامة المسلمين وولاية أمورهم من بعده إنَّما هي بالنَّص والتعيين النَّبوي، وليست بالشُّورى والانتخاب البشري بأيِّ نحو من أنحاء الشّورى المُتَصوَّرة أو التي جرت وفاقاً لها المقادير، وعرفها تأريخ الخلافة في صدر الإسلام.
وقد أعفى «الكاتب» نفسه، وهو يناقش هذا المبدأ الأساسي من مبادى التشيّع، من بحث الأدلَّة والنُّصوص التي استدلّ بها الشيعة الإماميَّة على صحَّته، وراح يسلك سبيلًا آخر رآه أخفَّ مؤونةً عليه، وأقرب وصولًا إلى غرضه، وأقوى حجَّة على مخالفه من السبيل الأوَّل الذي تقتضيه أصول البحث العلمي وقواعده المنهجية المتعارفة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وهذا السبيل الذي اختاره «الكاتب» هو: التقاط بعض النُّصوص والرِّوايات المنسوبة إلى أهل البيت (عليهم السلام)، وفي طليعتهم
________________________________________

[الصفحة - 42]


الإمام علي (عليه السلام)، التي «تؤكِّد»، في زعمه، وبحسب تعبيره، «التزام الرسول الأعظم وأهل بيته بمبدأ الشورى وحق الأمة في انتخاب أئمتها» (1).
وبذلك، كما يتصوَّر، ينهار مبدأ التَّشيّع من أساسه، ويفقد معناه، ويصبح الشِّيعة الإماميَّة إماميِّين أكثر من أئمتهم!
ثلاثة مزاعم ـ دعاوى يصدِّر بها «الكاتب» كلامه‏
وأودّ، قبل البدء بمناقشة هذه النُّصوص وتقويم النتائج التي رتّبها الكاتب عليها وبلورها في ضوئها، أن أتوقَّف عند العبارة التي صدّر بها الكاتب كلامه في هذا الفصل، وهي قوله: «كانت الأمَّة الإسلامية، في عهد الرَّسول الأعظم (صلي الله عليه و آله و سلم)، وبعد وفاته، وخلال العقود الأولى من تاريخنا، تؤمن بنظام الشُّورى وحقّ الأمة في اختيار ولاتها، وكان أهل البيت في طليعة المدافعين عن هذا الإيمان والعاملين به» (2).
تضمّنت هذه العبارة ثلاثة مزاعم، أو دعاوى تاريخية، أوردها «الكاتب» في سياق إثبات مقولة كلامية دستورية كبرى هي مقولة: أن الإسلام قد شرّع الشورى نظاماً لتداول السلطة واختيار ولاة أمور المسلمين العامة، وثالث هذه الدعاوى التاريخية هو زعمه الخاص بموقف أهل البيت تأريخياً من مقولة الشورى، والتي كلّف «الكاتب» نفسه، في هذا الفصل، بحثها بالطريقة التي سبق ذكرها، وأمَّا الدَّعويان الأوليان فقد أطلقهما جزافاً وأرسلهما إرسال المسلمات، وهما:
ه1 ـ إنَّ الأمَّة الإسلامية كانت تؤمن، في عهد الرسول الأعظم (صلي الله عليه و آله و سلم)، بنظام الشُّورى وحق الأمَّة في اختيار ولاتها.
2 ـ إن الأمَّة الإسلامية كانت تؤمن، بعد وفاة الرسول الأعظم (صلي الله عليه و آله و سلم)، وخلال العقود الأولى من تاريخ المسلمين، بذلك أيضاً.
قمناقشة الدَّعوى الأولى‏
إنَّ «الكاتب» لم يتحدَّث، في هذه الدَّعوى، عن إيمان الرَّسول (صلي الله عليه و آله و سلم) بنظام الشُّورى وحق الأمَّة في اختيار ولاتها، وإنما تحدّث عن إيمان الأمَّة الإسلامية بهذا الحق المزعوم في عهده وخلال حياته.
________________________________________
(1)تطوّر الفكر السياسي الشيعي من الشُّورى إلى ولاية الفقيه، ص 19.
(2) المصدر نفسه.

[الصفحة - 43]


وما دام الأمر كذلك، فلنا أن نسأل الكاتب عن المعطيات والوقائع التي عكست إيمان الأمَّة الإسلامية بهذا الحق، وجسّدته على مستوى الرأي العام فيها، خلال عهد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، حتى ساغ له أن ينسبه إلى مجموعها ويجعله في عداد العقائد والأحكام الإسلامية الثابتة والمعروفة لديها على نطاق واسع في عهد النبي، وساغ له أن يعدّه من جملة القضايا الواضحة التي تحمل قياساتها معها ولا يحتاج الباحث إلى تجشّم عناء إثباتها.
1 ـ هل قامت الأمَّة الإسلاميَّة باختيار النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وليّاً لأمرها؟
2 ـ هل مارست حقّها المزعوم في اختيار ولاة أمورها مع وجوده بين ظهرانيها بحيث كانت هي التي تختار المضطلعين بشؤون الحكم والإدارة والقضاء وقيادة الجيوش وجباية الزكاة والصَّدقات والسَّفارة إلى الملوك ورؤساء القبائل.. وما إلى ذلك من شؤون الولاية العامة في عهده، وبمعزلٍ عن قراره ورأيه، وكان هو (صلي الله عليه و آله و سلم) يكتفي من نفسه بوصفه نبيّاً مبلِّغاً عن الله فحسب، ولا شأن له بالحكم والولاية العامَّة على الأمَّة؟
3 ـ هل مارست الأمَّة حقَّها في اختيار ولاة أمورها في عهده (صلي الله عليه و آله و سلم) على نحو كان هو يرشّح هؤلاء الولاة ويقترحهم للولاية، وكانت هي توافق على ذلك، أو لا توافق، حسبما ترتئيه في مصلحتها؟ أو كانت هي تنتخبهم له وكان عليه دائماً أن يوافقها فيعيّنهم؟ أو كانت، على أضعف تقدير تترك له أمر اختيارهم، ولكنها بعد ذلك تراقب أداءهم وتحاسبهم على نحوٍ شبيه بما تفعله مجالس النواب في العصر الحديث في محاسبة السُّلطة التنفيذية؟
4 ـ إذا كان «الكاتب» قد خانه التعبير، وكان قصده من إيمان الأمَّة في عهد النبي بحقها في اختيار ولاتها، هو إيمانها في عهده بأنّ لها ممارسة هذا الحق بعد وفاته (صلي الله عليه و آله و سلم) وليس في أثناء حياته، فهل هناك حادثة واحدة كبيرة مشهورة في سيرة النبي في أمته وفي أحواله وشؤونه معها في حياته شهدتها جموع غفيرة منها، أو مجموعة حوادث متكررة شهدتها مجموعات صغيرة مختلفة من صحابته، ونقلتها كتب التأريخ والسيرة والسنة بطريق التواتر أو بطريق الشهرة والاستفاضة تصلح لأن تكون سبباً داعياً لإيمان الأمَّة بصفة عامة أو غالبة بحقها في اختيار خلفاء النبي وولاة
________________________________________

[الصفحة - 44]


الأمر من بعده، بحيث يجوز للباحث على أساس نقل هذه الحادثة أو مجموعة الحوادث المتواترة أو المستفيضة أن يقطع بوجود هذا الإيمان عند الأمّة؛ كأن يقف النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، مثلًا، في موسم الحج ويعلن أمام جموع الحجيج أنّ ولاية أمور المسلمين من بعده شورى بينهم، وأنَّ عليهم أن يختاروا بعد وفاته من يخلفه فيهم، ثم بيَّن لهم معايير الاختيار وقواعده وطريقته وآلياته، وماذا يفعلون عند الاختلاف في ما بينهم وأي كفّة يرجّحونها على الأخرى، أو يعلن ذلك كلَّه ويبيِّنه على النحو الذي وصفناه أمام بعض صحابته في مواقف مختلفة ومرات كثيرة متكرِّرة حتى يصبح عقيدة دينية مقدّسة عندهم ويفشو خبره من خلالهم في عامة المسلمين وينعكس في رواياتهم وأخبارهم عنه كما انعكس فيهم خبر حادثة الغدير في شأن ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) وخبر التسليم عليه فيها بإمرة المؤمنين، وخبر يوم الدار ويوم المباهلة وخبر حديث الكساء وحديث المنزلة وحديث الثقلين وغير ذلك ممَّا روت أكثره عن عامة الصحابة كتب الحديث والتفسير والتأريخ؟
وباختصار شديد: إنّ الإيمان من أفعال القلوب ودخائل الضمائر لا تكشفه إلّا الأفعال المحسوسة والسلوك الظاهر، فما هي مظاهر الأفعال والسلوك الكاشفة عن هذا الإيمان الذي انطوت عليه قلوب أهل الحلّ والعقد في الأمة الإسلامية بنظام الشورى وحقها في اختيار ولاتها فيما لا يزال النبي حيّاً فيها؟
لا يخلو الأمر من إحدى الفرضيات الأربع السابقة، فأيّ واحدة منها يقول بها «الكاتب»؟
إن الفرضيَّتين الُأولَيَيْن لا يمكن أن يقول بهما مسلم، كما لا يمكن أن يقول بهما من له أدنى معرفة بسيرة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وتاريخ المسلمين في عصره، ولا أعتقد أن «الكاتب» يمكن أن يقول بواحدة منهما.
كما أنَّ الفرضيَّة الثَّالثة يكذِّبها تاريخ المسلمين في عصر النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) كما تكذِّبها سنّته وسيرته، فقد جمع النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في شخصه ولاية أمر الأمَّة من جميع نواحيها التشريعية والإدارية والقضائية والعسكرية والخارجية، ولم تكن للأمَّة الخيرة في أيِّ وال يعيِّنه أو قاض ينصبه أو قائد للجيش يؤمِّره، أو صلح يعقده، أو رسول يرسله،
________________________________________

[الصفحة - 45]


أو أي تدبير أو قرار سياسي يتخذه ويعزم عليه، ولم يؤلِّف، في عهده، أيّ هيئة تمارس الشورى بوصفها قاعدةً دستورية ونظاماً سياسياً متكاملًا، ولو على مستوى شبيه بدار النَّدوة التي عرفتها قريش في مكة قبل الإسلام. وإن كان من دأبه (صلي الله عليه و آله و سلم) استشارة صحابته في التَّدبير لمواجهة بعض المشاكل والحوادث الواقعة تطييباً لنفوسهم واستفادة من خبراتهم وتدريباً لهم على مشاركة وليّ الأمر في تحمُّل المسؤولية والاهتمام بأمور المسلمين العامة، لكن العزم والقرار كان في النهاية إليه وحده، ولم يكن للأمَّة بعد أن يعزم الخيرة في أن تطيع أو لا تطيع، توافق أو لا توافق.
وأما الفرضيَّة الرَّابعة فلا يوجد ما يؤيِّدها في مصادر تأريخ المسلمين في العصر النَّبوي، ولا في مصادر الحديث والسِّيرة النبوية المعتمدة عند أصحاب نظرية الشورى من أهل السنّة أشاعرةً كانوا أم معتزلة أم غيرهم، فضلًا عن غيرها من المصادر المعتمدة عند أصحاب نظرية النَّص والتعيين من الشِّيعة.
ولهذا السبب لم تدّعِ هذه الفرضية أشدّ الفرق الكلامية انحيازاً إلى نظرية الشُّورى وأكثرها تمسُّكاً وإيماناً بها، وكما يقول الإمام الشهيد محمد باقر الصدر (قده): «لو كانت الشورى مطروحةً من قبل النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) بالحجم المطلوب لسمعها مختلف الناس، ولانعكست بصورة طبيعية عن طريق الاعتياديين من الصَّحابة كما انعكست فعلًا النُّصوص النبويَّة على فضل الإمام (عليه السلام) ووصايته عن طريق الصحابة أنفسهم، فكيف لم تَحُل الدوافع السياسية دون أن تصل إلينا مئات الأحاديث ـ عن طريق الصَّحابة ـ عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في فضل علي (عليه السلام) ووصايته ومرجعيته، على الرغم من تعارض ذلك مع الاتجاه السائد وقتئذٍ، ولم يصلنا شيء ملحوظ من ذلك في ما يتصل بفكرة الشورى؟ بل حتى أولئك الذين كانوا يمثلون الاتجاه السائد كانوا في كثير من الأحيان يختلفون في المواقف السياسية، وتكون من مصلحة هذا الفريق أو ذاك أن يرفع شعار الشورى ضد الفريق الآخر، ومع ذلك لم نعهد أنَّ فريقاً منهم استعمل هذا الشعار كحكم سمعه من النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، فلاحظوا ـ على سبيل المثال ـ موقف طلحة من تعيين أبي بكر لعمر، واستنكاره لذلك، وإعلانه السّخط على هذا التعيين، فإنه لم يُفكِّر ـ على رغم ذلك ـ أن يلعب ضد هذا التعيين بورقة الشورى، ويشجب موقف أبي بكر، بأنه يخالف ما هو المسموع من النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) عن الشورى والانتخاب» (3).
________________________________________
(3) نشأة الشيعة والتشيّع (بحث حول الولاية، للإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر): ص 42 و43، ط4، مركز الغدير، بيروت 1419هـ ـ 1999م، وانظر أيضاً: السقيفة، للشيخ محمّد رضا المظفر: ص 47، دار الصفوة، بيروت 1313هـ ـ 1992م. ويعدّ بحث الشهيد الصدر من أكثر البحوث عمقاً وتحليلًا لنظريّة الشورى، وقد سبقه إلى الأفكار الأساسية في تحليله الشيخ المظفر في كتابه القيّم «السقيفة»، ولكن الشهيد الصدر توقّف عند ما أجمله الشيخ المظفر في تلك الأفكار وحلّلها على نحو أكثر فنيّةً وعمقاً، رضي الله تعالى عنهما كليهما.

[الصفحة - 46]


إذن من أين جاء «الكاتب» بهذه الدعوى؟
أغلب الظَّنّ أنه جاء بها وفي ذهنه ما صار يستند إليه بعض الكتَّاب المحدثين في تنظير مقولة الشورى (4)، وأعني به: قبول النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) مشورة بعض أصحابه في اتخاذ بعض التدابير الحربية في بعض غزواته ومعاركه مع المشركين، والأخذ ببعض اقتراحاتهم في ما شاكل ذلك من قضايا فنيّة وشؤون إجرائية امتثالًا لقوله تعالى: {فبما رحمةٍ من الله لِنْتَ لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله إن الله يحبّ المتوكلين} )آل عمران/159(.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «ولذلك كان رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث تطييباً لقلوبهم، ليكون أنشط لهم في ما يفعلونه، كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير... وشاورهم أيضاً أين يكون المنزل... وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو... وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب... فكان النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) يشاورهم في الحرب ونحوها» (5).
وكذلك ما ورد في شأن الأنصار قبل قدوم النَّبي (صلي الله عليه و آله و سلم) إليهم في المدينة من قوله تعالى: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممَّا رزقناهم ينفقون})الشّورى/38(.
قال القرطبي: «فكانت الأنصار، قبل قدوم النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) إليهم، إذا أرادوا أمراً تشاوروا فيه ثم عملوا عليه؛ فمدحهم الله تعالى به» (6).
ولكنّ ممارسة الصَّحابة لهذا النَّوع والقدر من الشّورى الذي عكسته السيرة النبوية، وحثّ عليه القرآن الكريم، وأثنى عليه، لا تتجاوز حدود القضايا الفنيَّة والشُّؤون الإجرائيَّة المستندة إلى الخبرة التي يعتمد عليها أي حاكم في صنع قراره، معيّناً كان بالنصّ أم منتخباً بالشورى، وبالتالي فإن هذه الممارسة لا تعكس بالضرورة إيمان الأمَّة بالشورى بوصفها نظاماً سياسياً يعطي لها الحق في اختيار من يحكمها من بعد النبي، كما يدّعي بعض الكتَّاب المحدثين الذين تابعهم «الكاتب» ونسج على منوالهم.
________________________________________
(4) انظر، مثلًا، كتاب محمّد توفيق الشاوي، الشورى أعلى مراتب الديمقراطية، ص 37 وما يليها.
(5) تفسير القرآن الكريم، لابن كثير، 1/516.
(6) تفسير القرطبي، 16/25.

[الصفحة - 47]


كما أنّ شرعنة هذه الممارسة بالنَّص الإلهي والفعل النَّبوي لا يعكس بالضرورة شرعنة الشّورى بوصفها الدستوري المتقدم؛ بداهة أن تلك الممارسة لم تصل إلى مستوى الممارسة السياسية التي يقتضيها نظام الشورى بذلك الوصف. وقياس الممارسة الأخيرة على الممارسة الأولى قياس مقدمته أكبر من نتيجته.
والنتيجة التي نخلص إليها من مناقشة كلام «الكاتب»، في الدَّعوى الأولى التي صدَّر بها الفصل الأول من كتابه، أنّه كلام أيسر ما يقال فيه أنه متهافت وغير دقيق وأن صاحبه ألقاه على عواهنه كما شاء له هواه أن يلقيه من غير تثبّت ولا تحقيق.
مناقشة الدَّعوى الثانية‏
ه(إيمان الأمَّة الإسلامية بعد وفاة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وخلال العقود الأولى من التاريخ الإسلامي بنظام الشورى وحق الأمة في اختيار ولاتها)
قوهنا نسأل «الكاتب»، مرةً أخرى، عن الوقائع والمعطيات التي تجسَّد فيها إيمان الأمة الإسلامية بعد وفاة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وخلال العقود الأولى من التاريخ الإسلامي بنظام الشورى وحقّها في اختيار ولاتها؟
هل هي الوقائع التي رافقت تولّي الخليفة الأوَّل بعد وفاة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، أو الخليفة الثَّاني، أو الثَّالث، أو الرَّابع؟
هذه هي الوقائع التي يمكن أن يتجسَّد فيها إيمان الأمَّة بنظام الشّورى ـ لو كان موجوداً حقاً ـ في الإطار التاريخي الذي حدّده الكاتب في دعواه.
أمَّا الوقائع التي رافقت تولّي الخليفة الأوَّل بعد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) فهي التي حدثت في الاجتماع الذي بادر إلى عقده الأنصار في سقيفة بني ساعدة، ثم هرع إليه وانضمَّ إليهم فيه، أو اقتحمه عليهم على الأصحّ، نفر من المهاجرين يمثّلون الزعامة القرشية.
وقراءة فاحصة لمنطق الفريقين وذهنيَّتهم التي عكستها أقوالهم وتصرّفاتهم في ذلك الاجتماع لا تكشف عن إيمانهم بالشورى، بوصفها تشريعاً دينياً يجب التقيّد به في شغل منصب الخلافة وولاية الأمر من بعد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم).
فالأنصار الذين خافوا من تسلّط الزَّعامة القرشيَّة عليهم قد بادروا إلى عقد ذلك
________________________________________

[الصفحة - 48]


الاجتماع من دون مشورة المهاجرين ولا مشورة أهل البيت ورهطهم بني هاشم، ولولا التَّنافس الذي كان قائماً بين جناحيهم: الأوس والخزرج لأسرعوا في عقد البيعة لزعيمهم سعد بن عبادة قبل وصول أبي بكر وعمر وأبي عبيدة إلى الاجتماع، كما أنّه بعد أن مالت الكفّة لغير صالحهم في جدالهم الحامي مع الداخلين عليهم من المهاجرين القرشيين ويئسوا من حصولهم على الخلافة لم يحتجّوا على المهاجرين بفكرة الشورى ووجوب تطبيقها بالرُّجوع إلى بقية من يعتدّ برأيه من الصحابة الذين غابوا عن هذا الاجتماع وهم معظم المهاجرين، بمن فيهم أهل البيت الذين كانوا مشغولين بتجهيز النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ودفنه، وكذلك سائر بني هاشم، وإنما طرحوا فكرة «منّا أمير ومنكم أمير» (7)، وهي فكرة لا تعبّر عن مضمون نظريَّة الشورى بقدر ما تعبّر عن محاولة اقتسام الزعامة والحصول على نصيب منها بعد اليأس من الانفراد بها. وبعد أن أحبط عمر هذه الفكرة طغى على الاجتماع منطق جديد، فهدّد بعض الأنصار باستعمال القوة لفرض زعامتهم وولايتهم على المسلمين فقال الحباب بن المنذر: «أنا جُذَيْلها المحكَّك وعُذَيقها المرجَّب»(8) ... يا معشر الأنصار: املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتم فاجلوهم عن بلادكم، وتولّوا هذا الأمر عليهم... أما و الله إن شئتم لنعيدنَّها جذعة، و الله لا يردّ عليّ أحد ما أقول إلّا حطّمت أنفه بالسيف» (9).
ولا شك في أن هذا المنطق أبعد ما يكون عن معنى الشورى، وفيه نعرة جاهلية ظاهرة بعيدة عن روح الإسلام.
تلك كانت ذهنيَّة الأنصار، كما جسّدتها وقائع اجتماع السقيفة! فكيف كانت ذهنيَّة المهاجرين كما جسّدتها تلك الوقائع والوقائع التي تلتها ممَّا رافق تولّي الخليفة الأول الحكم، بعد وفاة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)؟
يصوِّر هذه الذهنيَّة الشريف المرتضى، في كتابه «الشافي»، على نحو جامع مختصر بقوله: «إنّ القوم الحاضرين للسقيفة قصدوا في الأمر طريق التغلّب والاستبداد؛ لأنهم تفرّدوا بتدبيره من غير مشورة لبني هاشم وخاصّتهم والمنضمِّين إليهم فيه، ولا مطالعة لواحد منهم به، ولمّا ظهرت كلمتهم على الأنصار بميل من‏
________________________________________
(7) صحيح البخاري، كتاب المحاربين، باب 17، تاريخ الطبري، 3/220، ط4، دار المعارف، القاهرة، الإمامة والسياسة، 1/25، تحقيق علي شيري.
(8) صحيح البخاري، كتاب المحاربين، باب 17، تاريخ الطبري، 3/220 و221.
(9) الإمامة والسياسة، 1/25، تاريخ الطبري، 3/220 و221.

[الصفحة - 49]