البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حقيقة النُّبوَّة في الفكر الفلسفي العرفاني

الباحث :  أ. يحيى محمد
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  33
السنة :  السنة التاسعة ربيع 1425هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  3967
حقيقة النُّبوَّة في الفكر الفلسفي العرفاني

أ. يحيى محمد (*)

فهم مستمدٌّ من العلم الإلهي
إنَّ أهم ما سنتعرَّف عليه، خلال هذا البحث، هو أن فهم النبوَّة لدى الفلاسفة والعرفاء مستمد من العلم الإلهي المعبَّر عنه بكل شيء، فالفلاسفة والعرفاء يقدِّرون للنَّبي علماً هو العلم بجميع الأشياء، وهو بعلمه هذا يكون أشبه بالتعبير عن «السيرة الذاتية» لطبيعة المبدأ الحق. وهم يعدون مسوِّغ هذا العلم مستمدَّاً ممَّا في نفس النَّبي من العقل الفلسفي كما في الرؤية الفلسفية، أو العقل العرفاني كما في الرؤية العرفانية. فالكمال الذي يتشرَّف به النَّبي ليس بالنبوَّة بما هي نبوَّة، وإنما بما يمتلك من عنصر فلسفي يطَّلع فيه على جميع العلوم والمعارف، أو من عنصر الولاية العرفانية التي تتكشف له فيها جميع الحقائق، وذلك على شاكلة الحق الذي تتكشَّف له حقائق الموجودات جميعاً. وبهذا، يصبح عقل النَّبي عقلًا يستغرق جميع الأشياء بما يستمدُّه من العلم اللَّدني الفوقاني.
يضاف إلى ذلك أنَّ الفلاسفة والعرفاء يفهمون من النُّبوة بعداً آخر يترتَّب على العلم الشمولي، وهو البعد المتمثِّل بالولاية والحاكميَّة. فلدى الفلاسفة أن النَّبي، أو الفيلسوف، مفوَّض بحسب ما له من العقل الفلسفي لأن يحكم العالم على صورة ما يحكم المبدأ الحق الموجودات، وذلك بتكميل النفوس البشرية وإيصالها إلى غاياتها المتمثلة بالمفارقات السماويَّة، أو على شاكلة ما يطلق عليه المدينة الفاضلة، كما
________________________________________
(*)باحث من العراق

[الصفحة - 9]


لدى الفارابي. فرئيس هذه المدينة يشترط فيه أن يكون حكيماً فيلسوفاً نظير المبدأ الأوَّل الذي يرأس مملكة الوجود. والفيلسوف هنا يطرح نفسه بوصفه أعلم من في الأرض لإصلاح المملكة الاجتماعية مثلما هي الحال مع المبدأ الأوَّل باعتباره أعلم من في الوجود، إذ تتحدَّد بعلمه العناية بالوجود، حيث العناية هي العلم عينه، والعلم هو الوجود عينه. أمَّا لدى العرفاء فالأمر أكثر بعداً وعمقاً، ذلك أن سلطة النَّبي، أو الولي العارف، عندهم لا تنحصر بتلك السلطة الظاهرة التي يحكم بها النَّبي النَّاس، بل تتقدَّم عليها سلطة أخرى تفوقها وتكون علَّة لها، إذ تشكل نيابة عظمى عن الحق لصنع العالم وتكوينه. وهذه هي إحدى إسقاطات المنظومة الوجودية، فكما سنرى أن العرفاء أسقطوا كلًّا من العلم الإلهي وكيفية التنزُّلات الحقية أو الخلقية على العلاقة التي تخصُّ النَّبي والعارف بالوجود. فهذه العلاقة هي أيضاً عبارة عن علم وصنع وإيجاد، أو إنها علاقة اءُلوهة.
إنَّ ما يثير الاهتمام، في الموقف الوجودي من النبوَّة، هو أنَّه رغم الاتفاق المبدئي بين الفلاسفة والعرفاء على ما تمثِّله هذه المرتبة من حقيقة علمية أو إدراكية، فإنَّ الملاحظ هو أن كلًّا من الفريقين لم يولها حظاً يفوق المرتبتين اللتين تتمتَّع بهما، كلًّا على حدة، وأعني بذلك مرتبتي الفلسفة والعرفان. فالفلاسفة جعلوا النبوَّة أقل مكانة وقدرة علمية مقارنة مع الفلسفة. وفعل الفلاسفة الأمر نفسه في المقارنة بينها وبين العرفان. لكن مع الأخذ بعين الاعتبار أن النَّبي له غير درجة ومقام، فهو لدى الفلاسفة نبي وفيلسوف، وهو لدى العرفاء نبي ووليٌّ عارف، وهو تخريج يبعد عنهم التُّهمة التي يعدون أنفسهم فيها أفضل من الأنبياء وأرقى درجة منهم. وعليه، كان لا بد من أن نلقي ضوءاً على طبيعة المرتبتين اللتين يمتثلهما النبي بحسب رؤية كلا الفريقين، وهما النبوَّة والفلسفة، وكذا النبوَّة والولاية العرفانية، وذلك تبعاً لما سبق أن بحثناه بخصوص كل من العلم الإلهي وتجلياته في العقول المفارقة، وقضية التنزيل وما لها من علاقة بالألوهة وصنع العالم.
لنبدأ، أوَّلًا، بالرؤية الفلسفية، ثم نعقبها بنظيرتها العرفانية..
________________________________________

[الصفحة - 10]


الرُّؤية الفلسفية وحقيقة النبوَّة
يرى الفلاسفة أنَّ عقل الإنسان يكوّنه عقل مفارق يطلق عليه العقل الفعَّال، وأن ليس لهذا العقل الأخير تأثير مباشر على الجسم، إنما يتحقق تأثيره على هو على شاكلته من العقل الإنساني. فكما يقرِّر الفارابي: إنَّ العقل الفعَّال مختصٌّ بكمالات الإنسان العقلية، ذلك أنه يمنح الإنسان قوة ومبدأً يمكِّنانه من أن يسعى من تلقاء نفسه إلى سائر ما يبقى له من الكمالات (1). لذا، فحيث أن الإنسان مرتبط بألوهة العقل الفعَّال، فإنَّ حركته الكمالية إنَّما تكون من حيث الاتصال وحتى الاتحاد بهذا العقل الكلي. فالإدراك إنما يكون لما هو شبيه له، كما يقول الفلاسفة، من أمثال ابن سينا، ومن ثم فإن علاقة الاتصال تكون بين المتشابهين، أو أنها تفضي إلى حالة الاتحاد التي هي أعظم وأشد من حالة الشبه؛ كالحالة التي هو عليها صدر المتألِّهين (2). وعليه، فإنَّ الإتصال، أو الاتحاد، بالعقل الفعال هو ميزة كل من الفيلسوف والنَّبي كما سنرى.
وبحسب الرُّؤية الفلسفية، فإن حقيقة النبوَّة عبارة عن نفس جامعة لعوالم علم كمالية ثلاثة، هي قوى الإحساس والتخيُّل والتعقُّل، وقد قُدِّر أن يكون للنَّبي عقل مستفاد يتصل بالعقل الفعَّال (3)، واقتضى هذا التقدير أن يتساوى النبي والفيلسوف في الاتصال وكسب المعرفة. حيث كلاهما يتصل بالعقل الفعَّال المتمثل من الناحية الدينية بجبريل، وهو الذي له الأفضلية، باعتباره يمثِّل مصدر المعلومات النبوية وغير النبوية. فالتفضيل وفاقاً لهذه الرؤية إنما يكون بحسب ما عليه الكائن من الرتبة الوجودية، وليس باعتبار ما له علاقة بالقيم المعيارية والأخلاقية، كما يرى النِّظام المعياري.
وما يميِّز القوى الثلاث، في ما بينها، هو أن القوَّة الأولى «العقلية» تمكّن النَّبي من إدراك الحد الأول دفعة واحدة، فيتصل من المعقولات الأولى إلى المعقولات الثانية في أقصر الأزمنة لشدة الاتصال بالعقل الفعَّال، حيث يفيض على النفس العلوم، فتصبح نفس النَّبي عقلًا مستفاداً أقل رتبة من العقل الفعَّال، باعتباره علة هذه النَّفس النَّبويَّة. فالنَّبي هنا يخضع لسلطة الألوهة المتمثلة بالعقل الفعال جبريل.
________________________________________
(1)الفارابي: السياسة المدنية، طبعة انتشارات الزهراء، ص 71 ـ 73.
(2)غلام حسين ابراهيمي ديناني: قواعد فلسفي در فلسفه إسلامي، مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنكي، طهران، الطبعة الثانية، 1366هـ.ش، ج2، ص 330 ـ 332.
(3)ابن سينا: المبدأ والمعاد، ص 116 ـ 120. وصدر المتألهين: الشواهد الربوبية، ص 340 ـ 344. والغزالي: مقاصد الفلاسفة، ص 380 و381.

[الصفحة - 11]


أما القوَّة الثانية: «التَّخيُّل»، أو الحس الباطني، فهي تحاكي القوَّة الأولى، وتكون مثالًا لها بحسب منطق السنخية، إذ تقوم بتصوير العلوم العقلية بأمثلة محسوسة ومسموعة من الكلام، بحيث يتمثَّل للنبي ما يعلمه من نفسه فيراه ويسمعه، إذ يرى في نفسه صوراً نورانيَّة هي الملائكة، ويسمع أصواتاً هي كلام الله أو وحيه، وهي من جنس ما يحصل لبعض الذين يمارسون الرياضات الروحية، ومن جنس ما يحصل لبعض المجانين، وكذلك من جنس ما يحصل للنائم في منامه حتى عُدّ النوم جزءاً من أجزاء النبوَّة (4). أو كما قال ابن سينا: «إنَّ الرُّؤيا الصَّادقة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوَّة» (5). وخاصية هذه القوة، في النبوَّة، هي للدلالة على المغيبات والإنذار في حين أن القوة الثالثة «الحسية» تتيح لنفس النبي تغيير الطبيعة، والتأثير في مادة العالم، كما تؤثر النفس في بدنها، ومن ذلك تحدث الخوارق والمعجزات، وذلك بالتأثير في هيولى العالم بإزالة صورة وإيجاد صورة أخرى، كأن تؤثِّر في تحوُّل الهواء غيماً ومن ثم مطراً. فقد ثبت في الإلهيات أن الهيولى مطيعة للنفوس ومتأثرة بها، وأن هذه الصور تتعاقب عليها من آثار النفوس الفلكية، والنفس الإنسانية من جوهر تلك النفوس وشديدة الشَّبه بها. وهذا ما يسوِّغ تأثير النفس الإنسانية في هيولى العالم، وإن كان غالب تأثيرها على بدنها الخاص، لكن يمكنها أن تؤثر على سائر الأبدان كما يحصل في إصابة العين مثلًا (6).
هذه قوى النبوَّة الثلاث التي اعتقد الفلاسفة أنها قد تجتمع في فرد واحد، كما هي الحال مع النبي، وقد لا تجتمع وتتفرَّق، وهو الغالب في الناس (7).
فبالنسبة إلى القوة الأخيرة: «الحسية»، يلاحظ أن لأغلب النفوس قدرة في تأثيرها على أبدانها من خلال الأوهام، فتحصل التغييرات من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والاحمرار وغيرها. فهذه التغييرات في البدن هي نتاج تصوُّر الإنسان وخيالاته. لكن للنَّبي قدرة على تغيير العالم الخارج عن بدنه، وذلك بفعل ما يكسبه من تصوُّرات نفسية، الأمر الذي يفسر معاجز الأنبياء الخارقة. وهذه القوَّة يشارك بها الأولياء في كراماتهم، ومثل ذلك ما يحصل لذوي العيون المؤثرة(8).
وبالنسبة إلى القوَّة الثَّانية: «المتخيلة»، التي هي مرتبة وسط بين الإدراكين
________________________________________
(4)صدر المتألهين: مفاتيح الغيب، ص 118.
(5)رسالة الفعل والانفعال، ضمن رسائل الشيخ الرئيس ابن سينا، انتشارات بيدار، قم، ص 223.
(6)مقاصد الفلاسفة، ص 380 و381.
(7)المبدأ والمعاد لابن سينا، ص 116. وكذا: مقاصد الفلاسفة، ص 383.
(8)المصدر نفسه، ص 120. ومقاصد الفلاسفة، ص 380 و381.

[الصفحة - 12]


العقلي والحسي، فالملاحظ أن ما يحصل من إلهام للناس بما سيكون في المستقبل كالتنبؤ في المنام، أو ما يسمَّى بالرؤيا، إنما هو وظيفة يقترب بها الإنسان من مرتبة النبوَّة. والفارق هنا بين الناس وبين الأنبياء هو ذلك الإلهام الذي يحدث للناس في المنام، أما للأنبياء فيحدث لهم في المنام واليقظة بوساطة الاتصال بسطوع العقل الفعَّال وإشراقه على النفس بالمعقولات، إذ يكتسب النبي الصور ويتخيَّل تلك المعقولات ويصورها في الحس المشترك بأعظم ما يكون. وعليه كان العقل الفعَّال أشرف من نفس النبي وغيره من النفوس البشرية باعتباره علَّة وهي معلولة (9).
أمَّا نفوس الناس فإنَّها لا تتصل بالعقل الفعال، وإنما تتَّصل بنفوس الأجرام السماوية التي تعلم بكل ما يجري في عالمنا الأرضي (10).
أمَّا القوَّة الأولى الموصوفة بالقدسية، فإنها تمكِّن غالبية الناس من معرفة الاستنباطات وترتيب النتائج حدساً بلا تفكير، كمن ينظر إلى حدوث الحركة، فيدرك مباشرة أنَّ الحادث لا بد له من سبب (11).
وهذه القوى الثلاث قد تجتمع بصورة كاملة عند الفيلسوف (12)، ويرى بعضهم أنَّها تجتمع عند العارفين الأولياء على وجه التابعين للأنبياء (13). لكن، في جميع الأحوال، فإن ذلك لا يجعل وجود فارق مهم أو نوعي بين الأنبياء وبين الفلاسفة تبعاً للرؤية الفلسفية، أو بينهم وبين العرفاء تبعاً للرؤية العرفانية. الأمر الذي يسوِّغ الاعتقاد باستغناء الفلاسفة والعرفاء عن النبوَّة خلافاً لغيرهم من الناس. وذلك بدعوى التمكُّن من الاتصال والاتحاد بالعقل المفارق «جبريل»، ومن ثم بلوغ الحقيقة وتحصيل السعادة اللتين يدعو إليهما الأنبياء بحق.
وتبعاً للرُّؤية الفلسفية، لو قمنا بمقارنة بين الفيلسوف والنبي، سنرى أنهما يشتركان بالقوة الأولى العقلية، ويكون أحدهما في المرتبة التي يكون فيها الآخر. حيث أن نفسيهما تضاهيان العقل الفعَّال، وإن كانتا أقل منه شرفاً في العلم والرتبة؛ باعتباره علة وهما معلولان، والعلة أشرف من المعلول. لكن الفارق بينهما، كما يحدده ابن سينا، هو أن النبوَّة ظاهرة فطرية، في حين أن الفلسفة مكتسبة(14).
أمَّا لو قمنا بمقارنة بين حقيقة الفلسفة وحقيقة النبوَّة، فسنرى أن الأمر مختلف
________________________________________
(9)رسالة في معنى الزيادة وكيفية تأثيرها، ضمن رسائل ابن سينا في أسرار الحكمة المشرقية، ص 47.
(10)المبدأ والمعاد لابن سينا، ص 117 ـ 119.
(11)مقاصد الفلاسفة، ص 382.
(12)الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تقديم وتحقيق البير نصري نادر، المطبعة الكاثوليكية، بيروت: 1959م، ص 104.
(13)الشواهد الربوبية، ص 344.
(14)رسالة في معنى الزيادة وكيفية تأثيرها، ص 46 و47.

[الصفحة - 13]


تماماً؛ إذ تصبح المقارنة بين القوتين: العقلية والتخيلية، حيث القوة الأولى تمثل الفلسفة، والأخرى تمثل النبوة. وبالتالي، جاز اعتبار تفوق الأولى على نظيرتها في العلم والرتبة رغم ما بينهما من مسانخة، حيث المقرر أن النبوة من سنخ الفلسفة لكونها تعبِّر عن مضامين هذه الأخيرة المجردة بالمحاكاة والتصورات التشبيهية. وبعبارة أخرى: إنَّ الفلسفة تتقوَّم بقوة العقل القدسية، والنبوة بقوة التخيل، وإن بينهما رابطة من المسانخة المعرفية، حيث تتصف الأخيرة بمحاكاتها وحاجتها للأولى. إذ تعمل الأولى على إبراز الحقائق بالصُّور العقلية الكلية، بينما تقوم الثانية بتخيُّل هذه الصُّور لتعبِّر عنها بالرموز والأمثال والتشبيهات. وبالتالي، فإن النبوَّة تحصل على أكمل المراتب التي تنتهي إليها القوَّة المتخيلة، إذ بها يقبل الإنسان في يقظته عن العقل الفعال الجزئيات الحاضرة والمستقبلة أو محاكياتها من المحسوسات، كما يقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة، فيراها كخيالات ذهنية..، فرغم ذلك، فإنَّها مهما بلغت من الكمال فإنها لا تبلغ مرتبة العقل والتجرُّد (15).
مع هذا، لا بدَّ من الأخذ بعين الاعتبار أن الرؤية الفلسفية ترى أن الأنبياء هم فلاسفة أيضاً، أو أن كل نبي فيلسوف بالضرورة، وذلك باعتباره يكسب المعقولات المجردة عن العقل الفعَّال. وبالتالي، فإنَّ للنَّبي بعدين لاختلاف المقامات: أحدهما كفيلسوف يقبل استفاضة المجردات عن العقل الفعَّال، والآخر كنبيّ يحاكي الفيلسوف بمحاكاة قوته الخيالية لقوته العقلية. ويصف الفارابي النَّبي بأنَّه يكتسب النبوة والفلسفة عن طريق ما يفيضه الله تعالى إلى عقله المنفعل بتوسط العقل الفعَّال، حيث يستمد منه المعلومات عبر العقل المستفاد، ثم يتحول ذلك إلى قوته المتخيلة، فيكون بما يفيض منه إلى عقله المنفعل حكيماً فيلسوفاً تام التعقل، وبما يفيض منه إلى قوته المتخيلة نبياً منذراً بما سيكون، ومخبراً بما هو الآن من الجزئيات. وهذه المرتبة هي أكمل مراتب الإنسانية، بل وأعلى درجات السعادة. إذ تصبح نفس النبي «كاملة متحدة بالعقل الفعال على الوجه الذي قلنا» (16).
وبذلك، فإن النَّبي، كفيلسوف، هو أعظم منه نبيَّاً يوحى إليه. كما يمكن القول: إنَّ كمال النَّبي أعظم من كمال الفيلسوف الصرف، وذلك باعتبار أن الأول
________________________________________
(15)آراء أهل المدينة الفاضلة، ص 94.
(16)نفسه، ص 104.

[الصفحة - 14]


يحمل كمالين: الفلسفة والنبوَّة، أو أنه يجمع بين البرهان المفيد لليقين والتخيّل المفيد للإقناع. وقديماً قال جابر بن حيان الكوفي: «إن الشَّرع الأوَّل إنما هو للفلاسفة فقط، إذ كان أكثر الفلاسفة أنبياء؛ كنوح وإدريس وفيثاغورس وطاليس القديم، وعلى مثل ذلك إلى الاسكندر» (17).
لكن نتساءل: إذا كان كلُّ نبي فيلسوفاً، فهل يجوز العكس، فيصبح من الممكن أن يكون الفيلسوف نبيَّاً؟
لا شك في أن اتجاه الفارابي يتقبل ذلك، ولا يرى فيه مانعاً. فعلى رأيه أنه يجوز للإنسان بلوغ مرحلة النبوَّة من خلال الاتصال بالعقل الفعَّال، وذلك بالطرق الإرادية والفكرية والبدنية (18)، حيث تبلغ القوة المتخيلة عنده نهاية الكمال (19).
لكن بحسب وجهة نظر ابن رشد فإن الأمر يختلف، إذ يقول صراحة: إنَّ كل نبي فيلسوف من دون عكس (20). ولا شك في أن اتجاه الفارابي هو أقرب وأوفق مع الرؤية الفلسفية مقارنة مع اتجاه ابن رشد. وقد يكون الأوفق والأشد اتساقاً هو الاعتراف بضرورة أن يكون الفيلسوف نبياً، وذلك تبعاً لما تفرضه سلسلة الصعود في عدم إمكان تحقيق المرتبة الكمالية ما لم يسبقها تخطي غيرها مما هو أقل منها رتبة ووجوداً. فالإنسان لا يمكنه على هذا أن تكون له قوة العقل القدسية ما لم يحقق قبل ذلك كمال مرتبة القوة التخيلية، إذ كل إدراك ضرب من الوجود. وبالتالي، فإنه لا يسعه أن يكون فيلسوفاً ما لم يمرّ بمرحلة النبوَّة. أو يمكن القول: إنَّنا هنا أمام تعدد في المقامات، فمقام الفلسفة هو أرقى من مقام النبوة، وإنه لكي يتحقق المقام الأول فإنه لا بد من المرور عبر المقام الآخر، وإلا كان ذلك تجاوزاً للمراتب مما لا يتفق والمنطق الوجودي. بل أكثر من ذلك: إنه لا غنى عن أن يكون كل فيلسوف نبياً من غير عكس، ذلك أن النبي، وإن كان يصل إلى نهاية كمال القوة المتخيلة، إلا أنه ليس من المعلوم إن كان بإمكانه أن يحظى بكمال القوة العقلية «البرهانية»، وبالتالي، جاز أن لا يكون فيلسوفاً وفاقاً مع المنطق الوجودي. لكن ما يبدو هو أن الفلاسفة المسلمين تقصَّدوا إخفاء هذا اللزوم لاعتبارات التقية، وذلك كي لا يظهر، لدى الآخرين، أنَّهم يعدُّون الفلاسفة أعظم من الأنبياء بإطلاق.
ومهما يكن، فإن مهمَّة الفيلسوف هي أعظم من مهمَّة النَّبي، فبينما يتعامل
________________________________________
(17)زكي نجيب محمود، جابر بن حيان، مكتبة مصر، ص 234.
(18)آراء أهل المدينة الفاضلة، ص 85.
(19)نفسه، ص 94.
(20)ابن رشد، تهافت التهافت، ص 868.

[الصفحة - 15]


النَّبي مع الظاهر يتعامل الفيلسوف مع الباطن، وبينما يمارس الأول دور الإقناع، فإن الثاني يمارس دور البرهان والكشف عن الحقيقة، وإنه إذا كان النبي يأتي بالشريعة، بوصفها تنزيلًا، فإن الفيلسوف يمارس دور القيُّوم الذي يوضح فيه حقائق ما يأتي به الأول. وكل منهما حيث يتَّصل بالعقل الفعال «جبريل»، فإنه يستفيد كسب العلم الإلهي الكلي، وأنهما معاً مما يوحى إليهما بوساطة العقل الفعال، وبالتالي فإن لهما معاً الأهلية نفسها في تغيير الشرائع (21). والأمر لا يقتصر على ذلك، إذ المقرر لدى الفلاسفة أن الإنسان في قربه من العقل الفعَّال يتحول إلى كائن إلهي وعقل ومعقول بذاته (22)، ما يعني أنه يصبح حاملًا لصفة العلم الإلهية، وهي الصفة التي وجدت الموجودات وخلقت الأكوان عنها. فهل معنى هذا أن للفلاسفة والأنبياء ذلك العلم الإلهي بكل شيء، وهل أن لهم تلك القوة الخارقة في تكوين الأشياء وخلقها؟
لا شك في أنَّ ما يتمخَّض عن الموقف الفلسفي هو خلع صفة الألوهة في العلم والتكوين على كل من الفلاسفة والأنبياء.
إذن، إن النبوَّة والفلسفة هما بمثابة سلطتين تستخلفان ما عليه سلطة الحق الإلهية، أو سلطة المفارقات السماوية. خصوصاً وأن الرؤية الفلسفية تصرِّح أحياناً بأن غرض الفيلسوف ليس مجرد الاتصال بالعقل الفعال وإنما الاتحاد به، فيكون هو هو، وهو أنه عبارة عن كل شيء، وهي السعادة القصوى. فالفلاسفة يذهبون إلى أن غاية الحكيم هي أن يتجلَّى لعقله كل الكون ويتشبه بالإله الحق(23). وقد قيل: إنَّ هذا القول هو جوهر ما بلغه فلاسفة الإسلام عن الرأي الرواقي القديم (24). لكنه في جميع الأحوال يمثل عين الرؤية الفلسفية التي يدعو لها فلاسفة النظام الوجودي. فابن باجة مثلًا يرى الفيلسوف تام العقل، وينظر إلى كل شيء بعين هذا العقل، فيرى العقل في كل شيء ويصير هو إياه (25). وقد تجاوز ابن باجة في نظره هذا من سبقه من الفلاسفة، مثلما أشار إليه بنفسه (26). وكذا هي الحال في ما قرره ابن رشد من قبول الاتحاد على شرط أن يكون ذلك قائماً على التعليم الكسبي، تمييزاً له عن الاتحاد المدعى من قبل الصوفية (27). فاتحاد النفس بالعقل الفعال، يجعلها تكون هي هو، وهو هي، فإن النفس تبلغ بذلك درجة تكون جميع الموجودات فيها أجزاء ذاتها، وتسري قوتها في كل شيء، كما يصبح وجودها غاية كل شيء من المخلوقات (28).
________________________________________
(21)السياسة المدنية، ص 79 ـ 81.
(22)نفسه، ص 36.
(23)عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، عرض وتعريف حسين جمعة، دار دانية للنشر، الطبعة الأولى، 1990م، ص 152.
(24)النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج1، ص 85.
(25)رسالة اتصال العقل بالإنسان، ضمن رسائل ابن باجة، ص 167 و168.
(26)رسالة الوداع، المصدر السابق، ص 144 ـ 143.
(27)ابن رشد، تلخيص كتاب النفس، مقدمة أحمد فؤاد الأهواني، ص 95.
(28)مفاتيح الغيب، ص 586.

[الصفحة - 16]


تلك هي الرُّؤية الفلسفية التي تجعل من النبي، أو الفيلسوف، في اتحاده بالعقل الفعَّال، عبارة عن إله ينطوي علمه على كل شيء، وأنه يصبح مصدر قيام كل شيء وتكوينه، وكذا هو غاية كل شيء. وسنجد أن لهذه الرؤية مثيلتها المعمَّقة لدى نظيرتها العرفانية.
الرُّؤية العرفانيَّة وحقيقة النبوَّة
يمكن أن نجد، في الرؤية العرفانيَّة، صورتين مختلفتين بعض الشيء عن حقيقة النبوَّة: إحداهما مقتبسة عن الموقف الفلسفي، حيث يؤخذ فيها بتلك القوى الثلاث التي استند إليها الفلاسفة، وأضيفت عليها صبغة عرفانية. أما الأخرى فإنها لا تلتزم بهذه القوى، وإنما تؤسس لنفسها مفهوماً مستقلًّا عن النبوَّة، وإن كانت لا تبتعد كثيراً عن الصورة الأولى، واستعراض الصورتين سيكون كالآتي:
الرؤية الأولى
بخصوص الصُّورة الأولى، ذهب صدر المتألِّهين إلى أن الإنسان مكوَّن من عوالم ثلاثة تعطي قوى معرفية ثلاث هي تلك التي تحدّث عنها الفلاسفة، أي القوة العقلية والخيالية والحسِّية. فالإنسان يتصرَّف بكلٍّ من هذه القوى في عالم من العوالم الثلاثة: الدنيا والآخرة وعالم الوحدة والربوبية الذي يفوقهما. والإنسان، بحسب غلبة كل نشأة، يدخل في عالم من هذه العوالم، فمن حيث حسّه هو من جملة الدنيا وضمن جنس الحيوانات، ومن حيث نفسه فهو من جملة الملكوت الأسفل، أما من حيث روحه فهو من جملة الملكوت الأعلى، والغالب في الناس هو النشأة الحسية الدنيوية. لكن حيث أن كل إدراك هو ضرب من الوجود، لذا فإن كمال كل واحد من هذه القوى يوجب التصرف في عالم من تلك العوالم بحسب المناسبة والسنخية. ويمتاز النَّبي بأن هذه القوى تكتمل فيه وتشتد جميعاً، حيث بالقوة العاقلة يتصل بالقديسين ويجاور المقرَّبين وينخرط في سلكهم، بل ويتفوَّق عليهم عند اتصاله بالحق وفنائه عن الخلق واندكاك جبل إنيته، كما أخبر النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) عن نفسه في قوله: «لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل». وبقوة التخيُّل المصوّرة، يشاهد الأشباح المثالية والشخصيَّات الغيبية، وكذا يتلقَّى
________________________________________

[الصفحة - 17]


الأخبار الجزئية منهم، ويطلع على الحوادث الماضية والآتية. أما بقوة الإحساس فإنه يتسلط على أفراد البشرية، وتنفعل عنها المواد، وتخضع له القوى والطبائع الجرمانية خضوع السافل للعالي، ذلك أن لها قدرة تحريكية تؤثر بها في هيولى العالم لتزيل صورة أو تلبس أخرى، فمثلًا: إنها تحيل الهواء إلى الغيم، وتحدث الأمطار، وتسبِّب الطوفان، وتهلك الأمم، وتشفي المرضى، وتروي العطشى، وتخضع الحيوانات. وتفسير هذه الأمور هو أن الأجسام، لمَّا كانت عبارة عن ظلال وعكوس مطاعة لما فوقها من المجردات، فإن النفس كلما ازدادت تجرداً وتشبهاً بتلك المبادى القصوى فإنها تزداد قوة وتأثيراً في ما دونها من الأجسام، لهذا تنصاع لها هذه الأخيرة، ومنه نفهم كيف تؤثر نفوسنا على أجسامنا الخاصة، وعند اشتداد القوة النفسية الحساسة فإنه يمكنها أن تؤثر على الغير، كالذي يحدث في المعجزات والكرامات وغيرها. هكذا فإن جوهر النبوَّة جامع للنشآت الثلاث، وأن النبي يعلم بالقوة العقلية كالملائكة، ويخبر بالقوة النفسية كالأفلاك، كما أنه يحكم بالقوة الحسية كالملوك.
وحيث أن العوالم الثَّلاثة المذكورة متطابقة ومتحاكية، بحسب منطق السنخية، لذا فإن كل ما يدركه الإنسان من عالم العقل له حكاية منه في عالم الأشباح الباطنية، فالصورة المحاكية للجوهر العقلي هي الملك نفسه الذي يراه النبي والولي. أما النبي بما هو نبي فإنه يدرك الأمر عن طريق الحكاية والصورة، وأما الولي، فبما هو ولي يدرك الأمر عن طريق التجرد الصرف، وهو التجرد العقلي نفسه، وبالتالي فإن الولاية العرفانية تكون أفضل أجزاء النبوة (29). ويظل أن مجموع هذه القوى هو من خصوصيات الأنبياء، أما آحادها فهي مما يتحقق لدى غير الأنبياء، فالأولى تتحقق لدى الأولياء والحكماء، وضرب من الخاصية الثانية يوجد في أهل الكهانة والرهبنة، أما الثالثة فقد تكون في الملوك ذوي الهمة وشدة البأس (30).
وواقع الأمر أنَّنا نجد هنا محاكاة الفلاسفة نفسها في تصورهم لحقيقة النبوَّة، سوى إضفاء الصبغة العرفانية عليها بدل الصبغة الفلسفية، مع بعض التعديل كما تقتضيه الطريقة العرفانية، وبالذات في ما يتعلق بموقفها من القوة العقلية في النبوة، إذ منحتها دوراً يفوق ذلك الذي قدمه لها الفلاسفة. فهؤلاء قدروا لهذه القوة حالة
________________________________________
(29)تفسير صدر المتألهين، طبعة دار التعارف، ج8، ص 335 ـ 339. وج7، ص 135.
(30)تفسير صدر المتألهين، مصدر سابق، ج7، ص 134.

[الصفحة - 18]


اتصال بالعقل الفعَّال، أو حتى الاتحاد به كأقصى حد ممكن، بينما في الصورة العرفانية تجاوز الأمر تلك الحال ليصل إلى حالة الاتحاد والفناء في الذات الإلهية. وتظل سائر الآراء هي نفسها، بما في ذلك حالة التساوق في علاقة النبوَّة بكل من العرفان والفلسفة تبعاً للرؤيتين. فالنبوَّة تحمل في ذاتها تلك القوة القدسية العقلية، والتي هي لدى الفلاسفة عبارة عن حقيقة الفلسفة، ولدى العرفاء عبارة عن حقيقة العرفان، فيكون النبي، في نظر أولئك فيلسوفاً، وفي نظر هؤلاء عارفاً. كما يظل الجزء الأفضل في النبي كونه فيلسوفاً هناك، وعارفاً هنا.
مع هذا، تظل هذه الرؤية لا تمثل الموقف الغالب للعرفاء من حقيقة النبوَّة، فهي حالة توفيقية إشراقية سعى إليها صدر المتألهين في بعض كتبه، لكنه لم يتوقف عندها كما سنرى.
الرؤية الثانية
إنَّ النبوَّة، عند العرفاء، كما ينصُّ حيدر الآملي، نقلًا عن الغزالي، عبارة عن «قبول النَّفس القدسي حقائق المعلومات والمعقولات عن الله تعالى بواسطة جوهر العقل الأول المسمَّى جبريل تارة وبروح القدس أخرى، والرسالة تبليغ تلك المعلومات» (31). وهنا نواجه الإشكالية نفسها التي مرت بنا في فهم الفلاسفة للنبوة، وذلك من حيث قبول النفس النبويَّة المعلومات من العقل الكلي المفارق، سوى أن جبريل هناك يمثل العقل الفعَّال الأخير في سلسلة المفارقات العقلية، في حين أنه هنا يمثل العقل الأول في هذه السلسلة.
لكن الآملي يذهب بعيداً ولا يكتفي بهذا القدر، إذ يصوِّر فلسفة النبوَّة بحسب فهمين أحدهما أكمل من الآخر، يطلق عليهما الطريقة والحقيقة. فالنبوة بحسب أهل الطريقة، مثلما ذهب إليه القيصري من قبل، عبارة عن مظهر عدل لحقائق الأسماء والصفات. فكما يرى أنه لما كان للحق تعالى ظاهر وباطن، والباطن يشمل الوحدة الحقيقية التي للغيب المطلق، والكثرة العلمية حضرة الأعيان الثابتة، وأن الظاهر لا يزال مكتنفاً بالكثرة دائماً، لأن ظهور الأسماء والصفات من حيث خصوصيتها الموجبة لتعددها لا يمكن إلا أن يكون لكل منها صورة مخصوصة، وبالتالي يلزم
________________________________________
(31)حيدر الآملي، أسرار الشريعة، ص 90، وجامع الأسرار، ص 450 و451.

[الصفحة - 19]


التكثر، وحيث أن كلًّا منها يطلب ظهوره وسلطنته وأحكامه، فإنه يحصل النزاع والتخاصم في الأعيان الخارجية باحتجاب كل منها عن الاسم الظاهر في غيره، الأمر الذي احتاج فيه إلى مظهر حكم عدل ليحكم بينها ويحفظ نظام العالم في الدنيا والآخرة ويحكم بين الأسماء بالعدالة، ويوصل كلًّا منها إلى كماله ظاهراً وباطناً، وهو «النبي الحقيقي والقطب الأزلي أولًا وآخراً وظاهراً وباطناً، وهو الحقيقة المحمدية (صلي الله عليه و آله و سلم) . أما الحكم بين المظاهر من دون الأسماء فهو النبي الذي تحصل نبوته بعد الظهور نيابة عن النبي الحقيقي. إذن الأنبياء (عليهم السلام) هم مظاهر الذات الإلهية من حيث ربوبيتها للمظاهر وعدالتها بينها. فالنبوَّة مختصة بالظاهر، ويشترك الأنبياء جميعهم في الدعوة والهداية والتصرف في الخلق (32).
وواضح من هذه الطريقة أن النبوَّة لها طابع الألوهة، حيث تمارس دوراً تكوينياً منظماً هو أعظم من الظاهر الذي تمارسه نبوة الأنبياء المشخَّصة في الدعوة والإنذار والهداية وأكثر عمقاً، بل إن هذه الأخيرة هي حكاية عن الأولى تبعاً لمنطق المناسبة والسنخية. وسنرى ما لهذه الفكرة من تجلِّيات.
أمَّا النبوَّة، عند أهل الحقيقة، وفهمها هو الفهم الآخر الأتم والأكمل، فإنها عبارة عن الخلافة الإلهية المطلقة، لكن مراتبها هي بحسب مراتب الشخص الذي هو مظهر تلك الخلافة. فعندهم أن النبوة هي بمعنى الإنباء، والإنباء الحقيقي الذاتي الأولي ليس إلا للروح الأعظم الذي بعثه الله إلى النفس الكلية، أولًا، ثم إلى النفس الجزئية ثانياً، لينبئهم بلسانه العقلي عن الذات الأحديَّة والصفات الأزلية والأسماء الإلهية والأحكام الجليلة والمرادات الجسمية. وكل نبي من آدم (عليه السلام) إلى محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) هو مظهر من مظاهر نبوة الروح الأعظم، فنبوَّته ذاتية دائمة غير منصرمة، حيث أن حقيقته هي حقيقة الروح الأعظم، وصورته هي صور تلك التي ظهرت فيها الحقيقة بجميع أسمائها وصفاتها، وسائر الأنبياء مظاهرها ببعض الأسماء والصفات، حيث تجلت في كل مظهر بصفة من صفاتها واسم من أسمائها، إلى أن تجلَّت في المظهر المحمدي بذاتها وجميع صفاتها وختمت به النبوة، وكان الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) سابقاً على جميع الأنبياء من حيث الحقيقة، ومتأخراً عنهم من حيث الصورة (33).
وبعبارة أخرى، يمكن القول: إن الحقيقة المحمدية بها يقوم كل ما للأنبياء
________________________________________
(32)القيصري، مطلع خصوص الكلم، ج1، ص 124. وأسرار الشريعة، ص 92 و93. وجامع الأسرار، ص 391 و392.
(33)أسرار الشريعة، ص 93 و94.

[الصفحة - 20]


والأولياء من وجود وصور، بل إن هذه الحقيقة تتجلَّى في صور جميع الأنبياء بما في ذلك صورة محمد وشخصه الجسماني، ومن بعد ذلك صور الأئمة والأولياء، والكل إنما يأخذون علمهم من تلك الحقيقة. والعرفاء يعترفون بأن علومهم ومبلغ كمالهم إنما يتم من خلال هذه الروح المحمدية، فكما يصور ذلك صدر المتألهين، بأن نفوسهم تصير عقولًا بالفعل، والعقل بالفعل هو الموجود الحقيقي والحياة العقلية الأخروية، والنبي بروحه المقدس سبب لوجوداتهم الحقيقية، ومبدأ لكمالاتهم العرفانية ومنشأ لفيضان الكمالين الأولي الأقدس والثانوي المقدس، فهو الوسط بينهم وبين الحق، ومبدأ فطرتهم في سلسلة الافتقار النزولي، كما أنه المرجع في كمالاتهم في سلسلة الارتقاء الصعودي. لكن اللافت للنظر أن صدر المتألهين استعان ببعض الآيات ليدل بها عبر التأويل على هذه الحال من الصلة بين العرفاء والروح المحمدية، إذ جاء في قوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأحزاب/6] ، معتبراً المراد بالمؤمنين هم العارفون أنفسهم، وأن النبي محمداً (صلي الله عليه و آله و سلم) هو الأب الحقيقي لهم، ولذلك كانت أزواجه أمهاتهم مراعاة لجانب هذه الحقيقة. والأبوة هنا هي بمعنى العلية، حيث أن علة الشيء أولى بنفس ذلك الشيء من نفسه، إذ الشيء بالقياس إلى علته بالوجوب حيث كان بالقياس إلى نفسه بالإمكان، فلو لم يكن روح النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) علة لوجوداتهم الحقيقية لم يكن أولى من أنفسهم تبعاً لمنطوق الآية (34) . وعلى الرُّغم من أن القياس الذي لجأ إليه هذا العارف في تأويل الآية غير صحيح، حيث عدَّ النبي أباً حقيقياً للمؤمنين مثلما دلل على ذلك بأمومة أزواجه، وهو ما لا يتفق مع النص القرآني الذي ينفي أبوَّة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) لهم، كما في قوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} [الأحزاب/40] . وإذا قيل: إن الآية الأخيرة لا تتحدث عن الأبوة الحقيقية، قلنا فهل أن الآية الأولى المستدل بها كانت تتحدث عن شيء يتعلق بتلك الأبوة أو الأمومة الحقيقية، أو الأولوية التكوينية من العلاقة السببية؟!
مهما يكن، فالملاحظ أن الصُّورة تكتمل في رسم معالم النبوَّة، حيث لا تكون حقيقتها تلك التي قيل: إنَّها تأخذ العلم عن العقل الأول جبريل، إذ في هذه الحالة تصبح أعظم من العقل الأول، حيث كما سنرى أن هذا العقل في منظور الآملي يكون
________________________________________
(34)تفسير صدر المتألهين، ج4، ص 135 و136.

[الصفحة - 21]


وزيراً للنبوة أو الروح الأعظم، مما يمكن اعتبار الروح الأعظم عبارة عن ذلك المسمى بالصادر الأول أو الوجود المنبسط الذي تقوم به جميع الخلائق والكائنات، ويكون العقل الأول على رأس هذه الكائنات. وبالتالي يصبح للنبوة خصوصية الانبساط والخلافة المطلقة التي يتم بها بناء الأشياء وتكوينها، فهي من ثم عبارة عن نبوة تكوينية قبل أن تكون قيمية معيارية تمارس دور الهداية والإنذار. ولا شك في أن للنبوة في هذا المعنى مظاهر تتفاوت تكاملًا بحسب منطق السنخية، وما محمد خاتم الأنبياء إلا رسول جاء على سنخ نبوة محمد الأولى التي تسبق جميع الأنبياء، بل والخلق أجمعين.
تلك هي نبوَّة العقل الأول التكوينية، والتي سيتم إجلاء فهمها بربطها بقضية الولاية، حيث تصبح النبوة والولاية العرفانية تعبران عن حقيقة واحدة لها وجهان: ظاهر وباطن. فمن حيث الظاهر هي نبوَّة، أما من حيث الباطن فهي ولاية. ومثلما رأينا في علاقة الفلسفة بالنبوَّة، بحسب الرؤية الفلسفية، حيث أن الفلسفة تعبر عن باطن النبوَّة، وأن النبوَّة عبارة عن ظاهرها، فإننا هنا نواجه السياق نفسه، حيث الولاية العرفانية هي باطن النبوَّة، وأن النبوَّة هي ظاهرها. ومثلما كان الفلاسفة يتقدمون على الأنبياء بالفضل من حيث العلاقة بين حقيقة الفلسفة والنبوة، فالحال نفسها هنا في كون العرفاء يفضلون الأنبياء أيضاً من حيث حقيقة الولاية التي يحملونها مقارنة بالنبوة الظاهرة.
لا شك في أن العرفاء يقدِّرون للنبي محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) حقيقة عليا مجردة لها صفة الولاية التكوينية التي تتمثل بما يطلق عليه الإنسان الكامل الذي قال فيه بعض العرفاء: إنه سبب إيجاد العالم وبقائه أزلًا وأبداً، دنيا وآخرة (35). فمعنى الولاية التكوينية هي تلك السلطنة التي لها دور الخلق والتكوين للعالم بمختلف شؤونه ومظاهره، فهي في فعلها تنوب عن الحق وتتوسط بينه وبين الخلق، وهي بحسب التعبير الفلسفي عبارة عن العقل الأوَّل، أو الصادر والمتعين الأوَّل، الذي هو من حيث العلم جامع لكل شيء، ومن حيث الفعل تقوم به السماوات والأرض وما بينهما، حيث يسري في كل شيء، ويمد الحياة بكل شيء، لذلك يطلق عليه «الإله الصانع»، تمييزاً له عن «الإله المتعال». من هنا رأى ابن عربي أن الحقيقة المحمدية هي أول التعينات، فهي النُّور الذي تجلَّى عن الله قبل كل الأشياء، ومنه تكوَّنت سائر
________________________________________
(35)نفسه، ج5، ص 120.

[الصفحة - 22]


الأشياء. فهي عنده صورة كاملة للإنسان الكامل الجامع لجميع حقائق الوجود، وهي «الحق ذاته ظاهراً لنفسه في أول تعين من تعيناته في صورة العقل الحاوي لكل شيء. وإذا كان آدم هو الإنسان الظاهر المتعين بالوجود الخارجي في صور أفراده، فمحمد هو الإنسان الباطن المتعين في العالم المعقول» (36). وهو اسم الله، أو اسم الله الأعظم الذي تحقَّقت به جميع المراتب والنسب والظهورات والتعينات، أو أنه مسمى الله الظاهر كأول متعين من تعينات الهوية الغيبية. وهو من حيث كونه متعيناً بحقيقة الإنسان الكامل فإنه مستغرق جميع الذوات الموجودة والنسب العدمية المفقودة والأفعال والأخلاق والنعوت والصفات المذمومة والمحمودة، بحيث لا يخرج شيء أصلًا عن حيطته، لكنه غير متكثر بهذه الكثرة، حيث يتعالى عن الظهور بما يناقض الكمالات الإلهية، فإن الله هو «أحدية جمع جميع الكمالات الأسمائية المؤثرة والحقائق الفعالة الوجوبية الوجودية لا غير». «وأما غير مسمى الله مجلى ومجلى.. وإن كان صورة فيه فالذي يسمى الله هو الذي لتلك الصورة.. ولا يقال هي هو ولا هي غيره» (37).
وحقيقة الإنسان، لدى العرفاء، هي أنَّه مظهر لجميع الأسماء الإلهية، فكل مخلوق وموجود سوى الإنسان له حظ من بعض أسمائه من دون الجميع، أما الإنسان فله جميع الأسماء، وهو سبب تعلم الإنسان الأسماء الحسنى جميعها من دون الملائكة كما في الآية، ذلك لأن حقيقة الإنسان مظهر جامع لمظاهر جميع الأسماء، بخلاف غيره من الموجودات، حيث أن كل واحد منها يعد مظهراً لبعض الأسماء، فالملائكة مظهر لأسماء السبوح والقدوس والسلام ونحوها، والشياطين مظاهر للمضل والمتكبر والعزيز والجبار وغيرها، والحيوانات مظاهر لأسماء السميع والبصير والحي والقدير وما إليها، وكذا أن النار مظهر للقهار، والهواء مظهر للطيف، والماء مظهر للنافع، والأرض للصبور، والأدوية السمية للضار، والدنيا مظهر للأول، والآخرة للآخر، وهكذا (38).. وبذلك فإن للإنسان حظاً في أن يكون مظهراً لجميع الأسماء الجمالية والجلالية (39). أو هو «مظهر جميع الأسماء والصفات ومجمع كل الحقائق والآيات، فهو الكتاب الجامع» (40). وهو المعبر عنه باسم الله الأعظم الذي يجمع هذه الأسماء على النحو الإجمالي، فهذا الاسم عبارة
________________________________________
(36)أبو العلا عفيفي، الفصوص والتعليقات عليه، ج2، ص 320 ـ 323
(37)الجندي، شرح فصوص الحكم، ص 341 و342.
(38)صدر المتألهين، أسرار الآيات، ص 42. وجامع الأسرار، ص 134 و135.
(39)الطالقاني، أصل الأصول، ص 78.
(40)صدر المتألهين، إيقاظ النائمين، ص 51.

[الصفحة - 23]


عن صورة الإنسان الكامل أو مظهره، وهو حقيقة النبي الأكرم نفسها، فالله هو اسم للذات الإلهية باعتبار جامعيته لجميع النعوت الكمالية، وصورته الإنسان الكامل، وأشير إليه بقول النبي: «أوتيت جوامع الكلم»، فهو روح العالم وخليفة الرحمن (41).
والإنسان الكامل؛ حيث إنه جامع لجميع الأسماء، فهو من هذه الناحية يجمع بين الحقيقتين: الإلهية والعالم. فقد رأى العرفاء أن الإنسان ناشى على صورة الرحمن تبعاً للحديث النبوي «خلق الله آدم على صورته، أو على صورة الرحمن». وهو الحديث الذي أثبتت الدراسات الحديثة أن له أثراً يهودياً في سفر التكوين. وقد تعمَّد العرفاء توظيفه في نظريتهم الخاصة بالإنسان الكامل، حيث يعد الإنسان نسخة مختصرة من الحضرة الإلهية، ولذلك خصَّه الله بصورته كما في الحديث السابق. فهو صورة الحق تعالى وظهوره وتجليه، لذا فإن الإنسان الكبير المتمثل بالعالم ما هو إلا الصورة الظاهرة لهذا الإنسان، أو أنه مظهر هذا الإنسان، وبالتالي يمكن القول: إنَّ العالم هو صورة الحق، أي أن له مناسبة ومشابهة من هذه الناحية مع الحق تعالى. فالإنسان نسخة من الصورتين الحق والعالم، حيث نشأت صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره، ونشأت صورته الباطنة على صورة الحق تعالى. وإن معنى صورته الظاهرة لا تشتمل فقط معنى الجسمية، وإنما جميع الخلقة من الجسم والروح والقوى والعقل والمعاني والصفات، وكل ما يصح إطلاق الخليفة الكامل عليه مما هو سوى الله، أما الصورة الباطنة فهي على صورة الحق، حيث أن الإنسان الكامل يحوي جميع الأسماء الإلهية الفعلية الوجوبية وجميع نسب الربوبية. فهو: حق واجب الوجود وحي وعالم وقدير ومتكلِّم وسميع وبصير، وهكذا جميع الأسماء، ولكن بالله على الوجه الأكمل. فباطن الإنسان على صورة الله وظاهره على صورة العالم وحقائقه (42). فليس في الكائنات من هو أعظم جميع الموجودات غيره «فهو مجلّى الحق، والحق مجلّى حقائق العالم بروحه الذي هو الإنسان، وأعطى المؤخر لأنه آخر نوع ظهر، فأوليته حق وآخريته خلق، فهو الأول من حيث الصورة الإلهية، والآخر من حيث الصورة الكونية، والظاهر بالصورتين والباطن عن الصورة الكونية بما عنده من الصورة الإلهية» (43). ويمكن القول، كما يذكر ابن عربي: إن الرقائق المجتمعة في الإنسان هي كل من العالم والحق، فآدم من العالم ومن الحق بمنزلة
________________________________________
(41)صدر المتألهين: أسرار الآيات، ص 42 ـ 44.
(42)شرح الفصوص، ص 189.
(43)الفتوحات المكية، ج2، ص 458 و459.

[الصفحة - 24]


بنيه منه، إذ كانت فيه رقيقة من كل صورة في العالم تمتد إليه لتحفظ عليه صورته، ورقيقة كذلك من كل اسم إلهي تمتد إليه لتحفظ عليه مرتبته وخلافته، فهو يتنوَّع في حالاته تنوُّع الأسماء الإلهية، ويتقلَّب في أكوانه تقلُّب العالم كله، وهو صغير الحجم، لطيف الجرم، سريع الحركة، فإذا تحرَّك حرّك جميع العالم، واستدعى بتلك الحركة توجه الأسماء الإلهية عليه (44). هكذا تكون نسخة الإنسان الظاهرة مضاهية للعالم بأسره، أما نسخته الباطنة فتضاهي الحضرة الإلهية، فهو الكلي على الإطلاق والحقيقة، وهو الحد الفاصل بين الله والعالم باعتباره يمثل صورة الله، والعالم بمثابة المرآة التي تعكس تلك الصورة، وذلك لِما أودعه الحق جميع الأسماء، وجعله روحاً للعالم، ولهذا فهو يتصف بأنه قابل لجميع الموجودات قديمها وحديثها (45)، وهويته معدة من كل شيء، لكونه أول الأسباب الفاعلية الكونية نزولًا، وأنه يكمل ذاته من كل شيء باعتباره آخر الأسباب الغائية الكمالية صعوداً. فالإنسان الكامل هو نسخة مختصرة جامعة لجميع العوالم الكونية والعقلية وما بينهما، من عرفها فقد عرف الكل، ومن جهلها فقد جهل الكل (46). لذلك كان الإنسان أكمل الموجودات، فكل ما سواه يعد خلقاً إلا هو فإنه خلق وحق (47). فآدم أو الإنسان هو الحق باعتبار ربوبيته للعالم واتصافه بالصفات الإلهية، وهو الخلق باعتبار عبوديته ومربوبيته (48). ورغم أن الله قد أضله وأخرجه من الجنة الروحانية، كما تشير إلى ذلك بعض الآيات، إلا أن هذا لا يقدح في خلافته وربوبيته (49). فلكل إنسان نصيب من الربوبية، وأما الربوبية التامة فهي للإنسان الكامل باعتباره الخليفة وصاحب الولاية التامة، وكذلك فإن له العبودية التامة (50).
فالخلافة، لدى العرفاء، لا تصح إلا للإنسان الكامل. فكما ذكر الجنيدي من أن الله قد خلق آدم على صورة الرحمن، فالعلاقة بينهما علاقة خلافة، حيث لا بد من أن يكون الخليفة على صورة مستخلفة وإلا فهو ليس بخليفة، وبعدها أوجد الله العالم على صورة آدم، وذلك باعتبار أن العالم عبارة عن صورة تفصيل النشأة الإنسانية، وأن الإنسان هو صورة جمعها الأحدية، فالإنسان هو غيب العالم، والعالم شهادته وظاهره، وذلك باعتبار أن الكثرة والتفرقة هي حجاب ظاهر، وأن الجمعية الأحدية هي غيب باطن، وبالتالي فإن الإنسان هو روح العالم وقلبه ولبه وسره
________________________________________
(44)نفسه، ج2، ص 237.
(45)قش الفصوص، من رسائل ابن عربي، جمعية دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، الطبعة الأولى، 1948م، ج1، ص 1 و2. والفصوص والتعليقات عليه، ج1، الفص الأول، ص 48 و49 و55، والفص الخامس والعشرين، ص 199، وج2، ص 12 و329.
(46)مفاتيح الغيب، ص 497 و498.
(47)تفسير صدر المتألهين، ج2، ص 11 و12.
(48)مطلع خصوص الكلم، ج1، ص 212.
(49)نفسه، ص 209.
(50)نفسه، ص 409.

[الصفحة - 25]


الباطن (51). وهو من حيث كونه خليفة الله فإنه يكون عبد الله ورب العالم، إذ لم يؤد أحد من العالم الربوبية غيره، وما أحكمَ أحد غيره مقام العبودية، فعبد الحجارة والجمادات، لكونه نسخة جامعة بين الحق والخلق (52).
فهذه هي المشابهة بين ذات الحق والإنسان، وبين هذا الأخير والعالم. حتى أن بعضهم صرح بكون ذات الحق عبارة عن إنسان إلهي تقليداً لما جاء به أفلوطين (53). كما أنها نفسها تستبطن فكرة الخلافة والولاية. وبالتالي، فليس هناك من يمثل هذه الكمالات من المضاهات والشمول وصفات العلم والخلافة والقدرة على الإيجاد والخلق والتكوين غير صاحب الكمالات الإنسانية والوجودية المعبر عنه بالحقيقة المحمدية.
إذن، إن فكرة الحقيقة المحمدية نابعة من فكرة الإنسان الكامل الجامع للكل، كذلك فإن فكرة الولاية هي أيضاً تنبع من هذه الفكرة عبر ما استخلفه الحق له في أن يكون خليفة له في التكوين والإيجاد. فالولاية تستمد مشروعيتها من الخلافة كما يصورها الآملي، وإن الخلافة هي تلك النيابة عن الله في التكوين والإيجاد، وبالتالي فإن الولاية أو السلطنة لا تجوز مباشرة من الذات القديمة من دون وساطة، وذلك «لبعد المناسبة بين عزة القدم وذلة الحدث»، لذا فإن القديم لم يكن له بد من أن يولي ما ينوب عنه في التصرف والولاية والحفظ والرعاية، وصفة هذا النائب هو أن له وجهاً في القدم يستمد به من الحق تعالى، ووجهاً في الحدث يمد به الخلق، ومن ثم فقد جعل الله على صورته خليفة يخلف عنه في التصرف، وخلع عليه جميع أسمائه، وسماه إنساناً لإمكان وقوع الإنس بينه وبين الخلق برابطة الجنسية والإنسية، كما جعل له بحكم اسميه الظاهر والباطن حقيقة باطنة وصورة ظاهرة ليتمكن بهما من التصرف في الملك والملكوت. وحقيقته الباطنة هي الروح الأعظم، وهو الأمر الذي يستحق به الإنسان الخلافة، والعقل الأول وزيره وترجمانه، والنفس الكلية خازنه وقهرمانه، والطبيعة الكلية عامله. وأما صورته الظاهرة فهي صورة العالم من العرش إلى الفرش وما بينهما من البسائط والمركبات، وهذا هو الإنسان الكبير (54).
مع أنه قد يقال: إن اعتبار العقل الأوَّل وزير الروح الأعظم الذي هو روح النبوَّة أو حقيقة النبي محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) كما علمنا، إنما ينافي ما قد سبق أن صرح به
________________________________________
(51)شرح الفصوص، ص 183.
(52)نقش الفصوص، من رسائل ابن عربي، ج1، ص 2. والفصوص والتعليقات عليه، ج1، ص 49.
(53)عبد الرحمن بدوي، أفلوطين عند العرب، ص 146. صدر المتألهين، عرشيه، ص 240. وشرح أصول الكافي، كتاب التوحيد، باب النهي عن الجسمية.
(54)أسرار الشريعة، ص 94.

[الصفحة - 26]


الآملي من أن النبوَّة عبارة عن قبول النفس القدسي حقائق المعلومات عن الله تعالى بوساطة العقل الأول. إلا أن يقال: إنَّ الروح الأعظم أو روح النبوة هي غير ما ذكر من النبوة، فالأولى لها دلالة الولاية والخلافة بخلاف الثانية، أي تصبح للنبوة حالتان: إحداهما ظاهرة تنفعل عن العقل الأول، أما الأخرى فهي باطنة يطلق عليها الولاية. كذلك فإن الآملي قال في محل آخر: إنَّ العقل الأوَّل هو الروح الأعظم نفسه وليس وزيره، وهو المعبر عنه بالخليفة الأعظم والقلم الأعلى والإنسان الكبير وقطب الأقطاب وآدم الحقيقي وما إلى ذلك (55).
كما نجد أن صدر المتألهين قد عدّ الحقيقة المحمدية هي العقل الأول نفسه. فعنده أن محمداً (صلي الله عليه و آله و سلم) هو أوَّل سلسلة الوجودات الممكنة وآخرها، أو أنه يمثل بداية السلسلة ونهايتها. حيث عند الإقبال والبداية هو عقل أول، فهو أول الجواهر والعقول، وقائد سلسلة العلل والمعلولات، وفاتح باب الرحمة والجود، وواسطة فيض الحق في الوجود. وهو عند الإدبار والنهاية عقل آخر، هو زبدة العناصر والأصول، وخاتم كل نبي ورسول، وثمرة شجرة عالم الأضداد وسائق العباد إلى منزل الرشاد ودرجة السداد وهادي الخلق إلى رضوان الله الملك الحق والمعبود المطلق. فهو بالتالي أشرف من كل الممكنات والمخلوقات بما في ذلك الملائكة المقربين(56).
والفارق بين الآملي وصدر المتألهين، هو أن الأوَّل عدّ العقل الأوَّل عبارة عن جبريل، وأن ما هو أعلى منه رتبة ودرجة هو محمد الذي يستند إليه في وزارته، رغم أنه عدَّ النبوة متأثرة بهذا العقل أو جبريل. في حين أن محمداً (صلي الله عليه و آله و سلم) لدى صدر المتألهين عبارة عن العقل الأول نفسه، وليس هناك ما يفوق هذا العقل سوى الحق تعالى. لكن لو رأينا أن الصادر الأول هو الوجود المنبسط الذي يكون العقل الأول في أعلى مراتبه، وأنه عبارة عن هذا العقل نفسه، حيث يكون له اعتباران، أحدهما كونه يعبر عن تلك الذات المتقدمة التي ينطوي فيها العالم على نحو الإجمال، والآخر كونه عبارة عن ذلك الوجود المنبسط الذي به يظهر جميع ما في العالم على نحو التفصيل.. فلو عدَدْنا العقل الأوَّل بهذه الصورة التوجيهية التي قربها صدر المتألهين للتوفيق بين المشربين الفلسفي والصوفي (57)، لكان ما يريده هذا الفيلسوف لا يختلف عما يريده الآملي من النبوَّة والحقيقة المحمدية والإنسان الكامل.
________________________________________
(55)جامع الأسرار، ص 380.
(56)تفسير صدر المتألهين، ج5، ص 70.
(57)صدر المتألهين: الأسفار الأربعة، ج7، ص 116 و117. وعرشيه، ص 23.

[الصفحة - 27]


وبحسب سلسلة التنزُّل، لدى صدر المتألهين، فالأمر يبدأ من الحقيقة المحمدية التي تمثل العقل الأول، ثم بعدها الحقيقة العلوية المسمَّاة في البداية بـ «النفس الكلية الأولى واللوح المحفوظ، وهو العقل الفرقاني، وذلك عند وجودها التجددي». وإن هذه الحقيقة تسمَّى، في النِّهاية، بعيسى بن مريم؛ وذلك عند وجودها البشري الجسماني. ثم بعد ذلك تستمر السلسلة بالأقرب فالأقرب من العقول والنفوس الكلية بعد العقل الأوَّل والنفس الأولى، الظاهرة في صور الأنبياء والمرسلين سابقاً، وصور الأولياء والأئمة المعصومين لاحقاً، ثم بعد ذلك في الحكماء والعلماء (58).
ويفهم ممَّا سبق أن هناك ثلاثة أركان تستمد رؤاها من البعد الفلسفي، وهي عبارة عن العلاقة بين كل من المبدأ الحق والعقل الأول والعالم، حيث أن العقل الأوَّل يتخذ دور الوسيط في الربط بين المبدأ الحق والعالم، أو هو عبارة عن فعل المبدأ في العالم، ولهذا عدّ عبارة عن الإنسان الكامل، أو الحقيقة المحمدية، وأنه يحمل صورة المبدأ، وأن العالم يحمل صورته ومظهره، وذلك انطلاقاً من منطق السنخية. لذا صرح ابن عربي بأن الخلائق «مرائي» للحق تعالى، وأن أكمل «المرائي» وأعدلها وأقومها هي مرآة محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) ، حيث أن تجلِّي الحق فيها أكمل من كل تجل. فليس في الموجودات من وسع الحق سوى الإنسان الكامل أو محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وما وسعه إلا بقبول الصورة (59). وعليه فهو يوصي القارى ويقول: «اجهد أن تنظر إلى الحق المتجلي في مرآة محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) لينطبع في مرآتك فترى الحق في صورة محمدية برؤية محمدية، ولا تراه في صورتك» (60).
على أن النبوَّة المحمدية تصبح غير متميزة عن الألوهة. فنحن هنا أمام عين واحدة هي الألوهة والنبوَّة. بل إذا كان العرفاء السنَّة يكتفون بمحمد (صلي الله عليه و آله و سلم) كإله صانع وخالق لكل ما هو موجود، فإن العرفاء الشيعة أضافوا إلى ذلك الأئمة من أهل البيت، وبعضهم يستشهد بحديث منسوب إلى أحد الأئمة يقول فيه: «لنا مع الله حالات، هو هو ونحن نحن، وهو نحن ونحن هو». وبالتالي فإنه، سواء لدى العرفاء السنة أو الشيعة؛ يكون محمد هو ذلك الإله الذي عليه تتوقف جميع التنزلات الوجودية والخلقية. الأمر الذي يجعل التوحيد والنبوة والولاية، أو الإمامة؛ جميعها
________________________________________
(58)تفسير صدر المتألهين، ج74 ص 128.
(59)الفتوحات المكية، ج2، ص 458 و459.
(60)الفتوحات، ج4، ص 431.

[الصفحة - 28]


تندمج في وحدة واحدة هي الله في بعض تنزلاته ومراتبه. ويمكن القول: إنَّ هذه الرؤية تتوافق مع الاعتبارات الفلسفية، فالنبي أو الولي يعد، بحسب هذه الاعتبارات، ذلك الذي تنزّل تبعاً لقاعدة الصدور «الواحد لا يصدر عنه إلا واحد»، وأن هذا الواحد الصادر ليس منفصلًا عن الحقيقة الإلهية، فليس هو من العالم، ولا من الموجودات المجعولة أو القابلة للجعل والتأثير، بل شأنه شأن الإله في الخلق والتكوين.
هكذا فإن الوساطة المحمدية، وكذا وساطة الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، لا تقتصر على المجال الديني من التبليغ والهداية، بل إنها تسبق ذلك من حيث الوساطة التكوينية التي يقوم بها الخلق كله، فلولاهم لاستحال أن يُخلق شيء أو يظهر موجود قط. وبنظر بعضهم أن فيهم تتجسد العلل الأرسطية الأربع. فعلى رأي الإحسائي أنهم علة فاعلية لكونهم المشيئة الإلهية نفسها التي تمّ بها خلق العالم وتكوينه، فهم الخالقون الرازقون المميتون (61)، وأن علة الإيجاد هذه هي المحبة نفسها، فكل موجود إنما هو موجود بحبهم، ومن لم يحبهم فلا يوجد قط (62). وهم أيضاً علة مادية، حيث أن جميع الخلق خلقوا من مادة الشعاع القائم بأنوارهم. كذلك فهم علة صورية، إذ كل فرد من الخلائق إن كان طيباً فصورته من أنوار هياكلهم أو من أنوار هياكل هياكلهم وهكذا، وإن كان خبيثاً فصورته من عكس أنوار هياكلهم، وبالتالي فإن تجلياتهم تكون في جميع الأشياء، وأن الحديث النبوي القائل: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» يصدق عليهم، حيث أن من عرف نفسه فقد عرفهم، ومعنى أن الله يرينا إياهم في أنفسنا هو أنه يرينا أن أنفسنا هي شعاعهم نفسه وظهورهم لنا بنا، فيُعرفون كما يُعرف الشخص بظهور شبحه في المرآة، أما المبدأ الحق في ذاته فلا يمكن أن يعرف، بل يعرف بمعرفتهم، وكما يقول تعالى: {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض}[الروم/27] ، ويقول الإمام علي (عليه السلام) : «نحن الأعراف الذين لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا». وأخيراً فهم علة غائية، حيث خُلق الخلق لأجلهم، وإن إياب الناس إليهم وحسابهم عليهم(63). فهم أول السلسلة النزولية وآخرها غاية، كما أن السلسلة عبارة عن تجلِّياتهم. وعليه «فكل الخلق منهم وكل الخلق بهم وكل الخلق لهم وكل الخلق إليهم، بل الخلق هم» (64).
إذن، إن الأئمة عبارة عن ذلك الإله الصانع الذي تحدثت عنه الهرمسية، أو
________________________________________
(61)أحمد بن زين الدين الأحسائي، شرح الزيارة الجامعة، دار المفيد، الطبعة الأولى، 1420هـ ـ 1999م، ج1، ص 333.
(62)شرح الزيارة الجامعة، ج1، ص 203.
(63)نفسه، ج1، ص 190.
(64)نفسه، ج1، ص 252.

[الصفحة - 29]


هم عبارة عن ذلك الإله الابن الذي تحدثت عنه النصارى في تثليثها للأمر الواحد. ومن حيث المنظور الفلسفي، فكلها تعني العقل الأوَّل أو الصادر المنبسط العام، فما هي إلا تطبيقات الاعتبارات الفلسفية على العينة الدينية. والعرفان في تطبيقاته مدين في ذلك إلى تلك الوجهة من النظر. فعندهم أن أول موجود أوجده الله هو العقل، وهو ذاته عبارة عن الحقيقة المحمدية وكذا العلوية. ويوظف العرفاء في هذا الصدد عدداً من النُّصوص الدالة عليه تصريحاً وتلميحاً كأول صادر صدر عن المبدأ الحق. ومن هذه النصوص الأقوال المروية عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) : «أول ما خلق الله نوري ـ أو روحي» (65)، «كنت نبياً وآدم بين الماء والطين»، «خُلقت أنا وعلي من نور واحد قبل أن يخلق الله آدم بأربعة عشر ألف عاماً»، «خلق الله روحي وروح علي بن أبي طالب قبل أن يخلق الخلق بألفي عام»، «بُعث علي مع كل نبي سراً، ومعي جهراً» (66)، ومثله قول علي (عليه السلام) : «كنت ولياً وآدم بين الماء والطين» (67).
وعلى هذه الشاكلة هناك بعض النصوص التي يوظفها العرفاء الشيعة لما يقولونه حول قدم ولاية الأئمة وباطنيتها، وإن بها يقوم كل شيء. ومن ذلك ما ينقله العرفاء من رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) ـ كما في كتاب الاختصاص للمفيد ـ أنه قال لتلميذه المفضل بن عمر: «إن الله تبارك وتعالى توحَّد بملكه فعرّف عباده نفسه، ثم فوّض إليهم أمره وأباح لهم جنته، فمن أراد الله أن يطهّر قلبه من الجن والإنس عرّفه ولايتنا، ومن أراد أن يطمس على قلبه أمسك عنه معرفتنا.. يا مفضل، والله ما استوجب آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه إلا بولاية علي، وما كلّم الله موسى تكليماً إلا بولاية علي، ولا أقام الله عيسى بن مريم آية إلا بالخضوع لعلي (68). وكذا ما ينقلونه من رواية عن الإمام علي أنه قال: «أنا وجه الله، أنا جنب الله، أنا يد الله، أنا القلم الأعلى، أنا اللوح المحفوظ، أنا الكتاب المبين، أنا القرآن الناطق، أنا كهيعص، أنا ألم ذلك الكتاب، أنا طاء الطواسين، أنا حاء الحواميم، أنا الملقب بياسين، أنا صاد الصافات، أنا سين المسبحات، أنا النون والقلم، أنا مايدة الكرم، أنا خليل جبريل، أنا صفوة ميكائيل، أنا الموصوف بـ «لا فتى»، أنا الممدوح في «هل أتى»، أنا النبأ العظيم، أنا الصراط المستقيم، أنا الأوَّل، أنا الآخر، أنا الظَّاهر، أنا الباطن»(69).
________________________________________
(65)تفسير صدر المتألهين، ج5، ص 123.
(66)أسرار الشريعة، ص 94. وشرح الزيارة الجامعة، ج1، ص 113.
(67)جامع الأسرار، ص 382.
(68)شرح الزيارة الجامعة، ج1، ص 334.
(69)جامع الأسرار، ص 383.

[الصفحة - 30]


علاقة الولاية بالنبوَّة
قلنا: إنَّ العرفاء يصوِّرون الولاية بأن لها معنى مباطناً للنبوَّة. فالنبوَّة هي ظاهر الولاية، والولاية هي باطنها (70). أو يمكن القول: إنَّ الولاية هي نوع من النبوة؛ تلك التي أطلق عليها ابن عربي «النبوَّة العامة»، وإن النبوَّة هي درجة من الولاية. كما يصح القول: إنَّ للنبوة درجتين: إحداهما دنيا، وهي الرسالة التي تختص في العلم بالشريعة. والأخرى هي الولاية التي تفوق الأولى بدرجة ومكانة. كذلك يصح عكس المسألة والقول: إنَّ للولاية درجتين، إحداهما النبوَّة الخاصة أو الرسالة، والأخرى النبوَّة العامة. وكما يقول ابن عربي: «النبوة والرسالة هي خصوص رتبة في الولاية على بعض ما تحوي عليه الولاية من المراتب» (71). وفي هذه الحالة يكون النبي ولياً، كما يكون الولي نبياً.
وحسب تقسيم العارف حيدر الآملي، فإن هناك ثلاث مراتب بعضها يستبطن بعضها الآخر، وهي الرسالة والنبوة والولاية. حيث أن لها ظاهراً وباطناً وباطن الباطن، أي أن لها قشراً ولبَّاً ودهناً، فالقشر هو الرسالة، واللب هو النبوَّة، والدهن هو الولاية، وإن هذه الأخيرة هي باطن النبوَّة، وإن النبوَّة هي باطن الرسالة. وبالتالي فإن الولي باطن النبي والنبي باطن الرسول. وإن كل رسول نبي، وكل نبي ولي، لكن من غير عكس، أي ليس كل نبي رسولًا، ولا كل ولي نبي. وأعظم هذه المراتب الثلاث هي الولاية ثم النبوة ثم الرسالة، وذلك تبعاً لغور الباطن. وعلى شاكلة هذه المراتب هناك الشريعة التي هي دون الطريقة، وهذه دون الحقيقة. وكذا الوحي فإنه دون الإلهام، وهذا دون الكشف. وكذا الإسلام فإنه دون الإيمان، وهذا دون الإيقان (72).
إذن، لدى العرفاء، الولاية أعظم من النبوَّة والرسالة. وكما يقول ابن عربي: «إن الولي فوق النبي أو الرسول» (73). وحيث يعظّم العرفاء الولاية قبال النبوَّة، فإنهم لا يعنون بذلك تعظيم الأولياء على الأنبياء، وإنما يرون أن في النبي مرتبتين: إحداهما باطنة وهي الولاية، وأخرى ظاهرة وهي النبوة أو الرسالة. ومن حيث المقارنة ذكر ابن عربي أن كون الرسل أولياء عارفين أرفع من كونهم رسلًا، حيث أن الولاية والمعرفة تحصرهم في بساط المشاهدة في الحضرة المقدسة، والرسالة
________________________________________
(70)شرح الفصوص، ص 238. ومطلع خصوص الكلم، ج1، ص 124.
(71)شرح الفصوص، ص 493.
(72)جامع الأسرار، ص 385 و386.
(73)شرح الفصوص، ص 492.

[الصفحة - 31]


تنزلهم إلى العالم الأضيق ومشاهدة الأضداد ومكابدة الأسماء الإلهية القائمة بالفراعنة الجبابرة. كما أن لمرتبة الولاية أفضلية على مرتبة الرِّسالة، حيث أن مرتبة الولاية والمعرفة بها جهة حقَّانية، وبالتالي فهي أبدية ودائمة الوجود، ومرتبة الرِّسالة لها جهة خلقية، لذلك فهي منقطعة غير أبدية، حيث تنقطع بالتبليغ، والفضل للدائم الباقي، وإن الأولى متعلِّقة بالآخرة، بينما الثانية تتعلق بالنشأة الأولى الدنيوية، لأنَّه بخراب الدنيا يرتفع التكليف، فلا تبقى إلا الولاية. كما أن الولي العارف مقيم عنده، والرسول خارج، وحالة الإقامة أعلى من حالة الخروج (74).
ومن المسوِّغات التي أدلى بها ابن عربي، في ترجيح الولاية على النبوَّة، ما ذكره من أن الولي هو صفة من صفات الله، كما جاء في النَّص القرآني، حيث سمَّى الحق نفسه «الولي الحميد»، ولم يرد من صفاته النَّبي أو النبوَّة، ولهذا انقطعت النبوَّة والرسالة ولم تنقطع الولاية، وذلك باعتبار أن اسم الولي يحفظها، فهي ثابتة لا تزول أزلًا وأبداً، إذ لو انقطعت الولاية لم يبقَ لها اسم، مع أن الولي هو اسم باق لله تعالى. وعلى عكس ذلك النبوَّة؛ حيث أنها من الصفات الزمانية والمكانية، لذلك فإنها تنقطع بانقطاع زمن النبوَّة والرِّسالة. وللولاية، من الشُّمول ما يجعل النبوَّة والرسالة من درجاتها، وإن كان اليوم لا يصل إلى درجة النبوة الخاصة بالتشريع أحد، لأن بابها مغلق، فللولاية حكم الأوَّل والآخر والظاهر والباطن بنبوَّة عامة وخاصة وبغير نبوَّة (75). بناءً على ذلك، رأى العرفاء أن ولاية النبي محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) هي أكمل وأتم وأعظم من نبوَّته ورسالته وتشريعه (76).
ومثلما أنه لا بدَّ للنبي من ولاية، فإنه لا بدَّ للولي العارف من نبوَّة، وإلَّا فإنه غير معوّل عليه، وكما يقول ابن عربي فإنَّ «كل ولاية لا تكون نبوَّة لا يعوّل عليها» (77). وتأتي نبوَّة الولي العارف من حيث أن طبيعة الولاية عبارة عن نبوَّة عامة غير منقطعة، وذلك بخلاف الحال مع النبوَّة الخاصة بالتشريع، وبالتالي كان الأولياء الكاملون أنبياء تابعين. إذ النبوَّة مقام يعطى للنبي المشرِّع كما يعطى لغيره من التابعين الذين يجرون على سنته، وهو باتباعه ذلك يكون قد أخذ النبوَّة بالاكتساب، حيث لم يأته شرع من ربه يختص به، ولا شرع يوصله إلى غيره، مثلما هي الحال مع هارون مقارنة مع موسى. فهذا هو معنى اكتساب النبوَّة، حيث يأتي بالاتباع ولا
________________________________________
(74)كتاب القربة، من رسائل ابن عربي، ج1، ص 8 و9. وكتاب مقام القربة، ضمن رسائل ابن عربي (1)، ص 242. ومطلع خصوص الكلم، ج2، ص 139 ـ 143. وجامع الأسرار، ص 386 و389.
(75)الفتوحات، ج3، ص 100. ومطلع خصوص الكلم، ج1، ص 243.
(76)شرح الفصوص، ص 492. ومطلع خصوص الكلم، ج2، ص 139 و140.
(77)رسالة لا يعول عليه، من رسائل ابن عربي، ج1، ص 10.

[الصفحة - 32]


يختص بتشريع (78). لذا، فإنَّ ابن عربي لا يعد نفسه وغيره من العرفاء المسلمين الكاملين أنبياء بالمعنى الخاص الذي هم فيه مشرِّعون، وإنما وارثين وتابعين لولاية محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) . وهو، في مقدمته لكتاب «فصوص الحكم»، أعلن أن ما أتى به إنما من محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) أمره أن يتلوه على الناس لينتفعوا به (79).
وقد صرَّح بأن لهذه الأمَّة أولياء أطلق عليهم أنبياء الأولياء (80)؛ الأمر الذي يعني أنهم أنبياء بالمعنى العام للنبوَّة، ولهم من الوظائف ما للنَّبي إذا ما استثنينا التشريع، حيث أنهم يسمعون الوحي (جبريل)، ويسألون النبي ويصحِّحون الأخبار (81)، ولهم فوق ذلك كرامات هي معجزاتهم بوصفهم أولياء، مثلما للنبي معجزاته بوصفه نبيَّاً.
ولعلَّ العرفاء مضطرُّون لنفي النبوَّة التشريعية من قائمة وظائفهم العرفانية لاعتبارات التقية، وذلك كي لا يُتَّهموا باستحداث أديان جديدة. وإلا فمن حيث الاتساق فإنَّ نبوة التشريع ليست بعزيزة عليهم طالما أن مقامهم يفوق مقام هذه النبوَّة نظراً لولايتهم، ولأنَّهم مطَّلعون على الغيب ومتَّصلون بالقطب الأزلي للولاية، وهو الحقيقة المحمدية. فلو أخذنا بهذه الاعتبارات حقّ أن يكون كل ولي عارف نبياً، مثلما يكون كل نبي وليَّاً عارفاً.
على أن بين الولاية العرفانية والنبوَّة عنصراً مشتركاً هو كشف حقائق الوجود بقوَّة قدسية تفوق العقل. وقد كان الغزالي يرى أن فوق العقل طوراً للكشف فيه تشاهد أرواح الأنبياء والملائكة وسماع أصواتهم وغير ذلك. وقد ذكر ابن عربي، في «رسالة الأنوار»، أن بين النبوَّة والولاية ثلاثة مشتركات، أحدها أن العلم عندهما هو علم من غير تعلُّم كسبي، والثاني أن الفعل لديهما هو فعل بالهمّة بخلاف ما جرت عليه العادة بوجود الأثر المادي في التأثير الفعلي، أي أن الفعل عندهما هو فعل خارق للعادة. أما الثالث فهو أنهما يريان عالم الخيال في الحس المشهود خلافاً لسائر الناس. لكن مع هذا فإنهما يفترقان بمجرد الخطاب، حيث أن مخاطبة الولي غير مخاطبة النبي. وهو يرى أن كل ولي لله يأخذ بوساطة روحانيَّة نبيه الذي هو على شريعته، ومن ذلك المقام يشهد (82). لكنه، في «الفصوص» و «الفتوحات»، ذهب إلى أن الجميع يأخذون من مصدر واحد كما سنعرف.
________________________________________
(78)الفتوحات، مصدر سابق، ج2، ص 6. وشرح الفصوص، ص 239 و240.
(79)شرح فصوص الحكم، ص 109 و111 و112. وفصوص الحكم والتعليقات عليه، ج1، ص 47.
(80)الفتوحات، ج1، ص 203.
(81)نفسه، ج1، ص 203 و204.
(82)رسالة الأنوار، من رسائل ابن عربي، ج1، ص 15 و16.

[الصفحة - 33]


مهما يكن فإن الاعتراف بمشاركة الأولياء للأنبياء بمزية العلم بالحقائق ومشاهدة عالم الخيال، وكذا التأثير على العالم الجسماني بالهمة، ما يطلق عليه المعجزات والكرامات، ذلك كله يجعل من الولي تعبيراً آخر عن النبي، والعكس صحيح أيضاً، وبالتالي جاز أن لا يسد باب النبوة مثلما أن باب الولاية غير مسدود، رغم أن الولاية مكتسبة بالرياضات والمجاهدات، بخلاف النبوَّة الخاصَّة بالتشريع، حيث تأتي مباشرة من غير اكتساب.
ويظل العارف، من منظور العرفاء، أن العارف أفضل من النبي في نبوَّته الخاصة بالتشريع، وذلك تبعاً لفضل الولاية على النبوَّة الخاصة. فالولي على قسمين كما يذكر الآملي: أحدهما هو الذي تكون ولايته أزلية ذاتية حقيقية، ويسمَّى بالولي المطلق، وهو القطب الأعظم. أما الآخر فهو الذي تكون ولايته مستفادة من ذلك الولي المطلق، ويسمَّى بالولي المقيَّد، وهو الإمام أو الخليفة. وكلٌّ من القسمين يرجع إلى حقيقة نبينا محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) وورثته من أهل بيته. وحيث أن النبوَّة مختومة من حيث الإنباء فلم يبق إلا الولاية من حيث التصرُّف في النفوس أبد الآباد، حيث يكون هذا التصرُّف إلى غير نهاية، إذ إنَّ باب الولاية مفتوح وباب النبوَّة مسدود كالذي اطلعنا عليه(83).
فمن هذه النَّاحية، يعتقد العرفاء الشيعة بأفضلية الأولياء الأئمة، من أهل بيت النبوَّة، على سائر الأنبياء باستثناء نبينا محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) ، ومن هذه الناحية أيضاً، يرى بعض العرفاء السنَّة أفضلية ولاية عرفائهم على أولئك الأنبياء. ومن ذلك أن ابن عربي نصّب نفسه وليّاً يفضل سائر الأنبياء بفضل مقام تبعيته لولاية النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) على جميع الأنبياء والمرسلين الآخرين. إذ جعل من نفسه خاتماً للأولياء على غرار خاتمية محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) للأنبياء، ورأى بحسب هذه الخاتمية التابعة لنبينا محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) ؛ أن كل نبي أو رسول أو ولي إنما يرث منه العلم الباطن باعتباره خاتماً للأولياء، وهو بدوره ورثه مباشرة من نبع الفيض؛ روح محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) أو الحقيقة المحمدية(84). فقد أعلن أنَّ الرسل لا تشهد العلم «إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فإن الرسالة والنبوة ـ أي نبوة التشريع ورسالته ـ ينقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً. فالمرسلون من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء» (85).
________________________________________
(83)أسرار الشريعة، ص 99 و100.
(84)الفصوص والتعليقات عليه، ج2، ص 24 و25، وج1، الفص الثاني، ص 62.
(85)شرح الفصوص، ص 238 و231. ومطلع خصوص الكلم، ج1، ص 243 و244.

[الصفحة - 34]


وبعبارة أخرى، تبعاً لهذه الرؤية، فإنه يمتنع وصول أحد من الأنبياء، ومن غيرهم، إلى الحضرة الإلهية ما لم يكن ذلك بالولاية. وهي من حيث جامعية الاسم الأعظم تكون لخاتم الأنبياء، ومن حيث ظهورها بتمامها في الشهادة تكون لخاتم الأولياء، فصاحبها واسطة بين الحق وجميع الأنبياء والأولياء (86).
ولا شك في أن هذ المعنى يعطي لخاتم الأولياء ما ليس لخاتم الأنبياء من الفضل والرتبة، سواء كان الخاتم بالولاية العامة كما يتمثَّل بعيسى، أم بالولاية الخاصة المقيَّدة كما يتمثل بابن عربي نفسه(87). وفعلًا، فإن هذا الشيخ جعل خاتميته للأولياء تفضل خاتمية الرسل، أو أن مقام ختمه للأولياء يعلو مقام ختم النبي للرسل، وذلك من حيث رسالته لا ولايته. فهو يتفوَّق على النَّبي (صلي الله عليه و آله و سلم) بوصفه رسولًا مشرِّعاً، وإن كان دونه من حيث الولاية. وكما يقول: «وإن كان خاتم الأولياء تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من الشرائع، فذلك لا يقدح في مقامه، ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أدنى، كما أنه من وجه يكون أعلى». وقد أيَّد كلامه هذا بشواهد حسِّية تاريخية، مثل فضل عمر في حكمه بمثل ما حكم به الله في قتل أسرى بدر، وكان رأي النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) هو العكس، وكذلك ما قاله النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في تأبير النخل: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» (88). وذلك كله يعود إلى اختلاف المقامات، وأن العارف أو الولي يمكنه الترقي، من مقام إلى مقام آخر، غيره، حتى يصل إلى بغيته في الفناء في التوحيد الذي هو أرقى المقامات، كالذي سنتحدث عنه قريباً.
الاتحاد وتعدُّد مقامات الأنبياء والعرفاء
للحقيقة الواحدة، من منظور الرؤية الوجوديَّة، تنزلات متفاوتة بالكمال والنقص والعلة والمعلولية. وحقيقة الإنسان لا تبعد عن هذه الاعتبارات، حيث تتضمن عدداً من المقامات المتفاوتة اعتماداً على درجة الكمال والرقي. فبحسب نظرية الاتحاد، يمكن للعارف أن يترقَّى من مراتب العقول والنفوس إلى أقصى الغايات؛ مسافراً من المحسوسات إلى الموهومات، ثم منها إلى المعقولات حتى يتحد بالعقل الفعال بعد تكرر الاتصالات وتعدُّد المشاهدات (89)، الأمر الذي يفضي
________________________________________
(86)طلع خصوص الكلم، ج1، ص 243.
(87)الفتوحات، مصدر سابق، ج1، ص 243.
(88)شرح الفصوص، ص 240 و241. ومطلع خصوص الكلم، ج1، ص 244 و245.
(89)مقدمة رسائل فلسفي، ص 4.

[الصفحة - 35]


إلى جواز اتحاده وفنائه في ذات المبدأ الحق، فيكون له بذلك مقامات متعددة تتفاوت بالكمال، وإن كانت تتطابق في الحقيقة وفاقاً لمنطق السنخية.
وهكذا هي الحال مع الأنبياء، ومنهم نفس نبينا محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) ، فكما جاء عن صدر المتألِّهين أنه في مقام «قاب قوسين أو أدنى»، عقل بسيط قرآني متَّحد مع المعقولات جميعها، وهو قلم الحق الأول وكلمة الله التامة التي فيها جوامع الكلم، كما جاء في قوله (صلي الله عليه و آله و سلم) : «أوتيت جوامع الكلم». وفي مقام آخر، هو لوح نفساني فيه تفاصيل العلوم وصور الحقائق المرسومة من قبل قلم الحق الفعال (90). وهو، في جميع المقامات، تارة يأخذ الكلام عن الله مباشرة بلا وساطة ملك، وتارة ثانية بوساطة جبريل، وثالثة في مقام غير هذا المقام الإلهي الشامخ، وأخيراً، إنه كان يسمع كلام الله في هذا العالم الحسي. فعلى ذلك تكون هناك مقامات أربعة للنبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في أخذه واستماعه للكلام الإلهي (91).
وبسبب تلك المقامات المتفاوتة، والمتفقة من حيث الحقيقة، رأى صدر المتألِّهين أنَّ للأنبياء نوعاً واقعاً بين الإنسان والملك، أو هو في الحد المشترك بين عالمي الملك والملكوت، فإنهم كالملائكة في اطلاعهم على ملكوت السماوات والأرض، وكالبشر في أحوال المطعم والمشرب والمنكح، فمثلهم مثل المرجان؛ حيث أنه كالحجر والنخل في الوقت نفسه. لذلك فسّر قوله تعالى: {ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلً} (92). وبهذا استطاع فيلسوفنا أن يجمع بين اعتبار النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) كسائر الناس في صفته البشرية على ما صرحت به النصوص القرآنية وبين اعتباره غيرهم على ما هو طريقة الصوفية والعرفاء. فاعتبر النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في قوله على ما روي عنه: «لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل» قد أخبر عن حاله ومرتبته الباطنية، وعد هناك حالًا أخرى غير ذلك المقام؛ كما جاء في بعض الآيات مثل قوله تعالى: {ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم إن الحكم إلا لله} [الأحقاف/9] ، وقوله سبحانه: {لا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسَّني السوء} (93). وقد أفضى به ذلك التلفيق إلى أن يؤوِّل سياق بعض الآيات، ويحكم بكفر من عدَّ النبي ذا حقيقة بشرية، فذكر يقول: «لا شبهة في أن نفس من هو خير الخلائق لا تساوي في الحقيقة النوعية لنفس من هو شر
________________________________________
(90)أسرار الآيات، ص 13.
(91)نفسه، ص 53.
(92)نفسه، ص 154 و155.
(93)نفسه، ص 172 و173.

[الصفحة - 36]


الخلائق.. واعلم أن الله قد حكم بكفر من قال بأن نفس النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) مماثلة لنفوس سائر البشر في قوله: {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولو}[التغابن/6] ، وقوله تعالى: {أبشراً منا واحداً نتبعه} [القمر/24] ، وأما قوله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم} [الكهف/110] ، فإنَّما ذلك بحسب هذه النشأة الظاهرة» (94).
كذلك فبحسب نظرية المقامات المتعددة، علّل امتناع النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) عن إجابة اليهودي الذي سأله عن معنى الروح في قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا} [الإسراء/85]، علل ذلك بأنه يرجع إلى محدودية السائل وعدم استيعابه، باعتبار أن النَّبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وكذا العارفين، إذا ما عبروا من مقام إلى مقام، كأن يعبروا من عالم الرُّوح ليصلوا إلى ساحل بحر الحقيقة، فإنهم بذلك يعرفون عالم الأرواح وما دونها بأنوار مشاهدات صفات الجمال، وإذا ما فنوا بسطوات الجلال عن أنانية وجودهم ووصلوا إلى لجَّة بحر الحقيقة فإنهم يكاشفون بهوية الحق، وإذا ما استغرقوا في بحر الهوية الأحدية، وبقوا ببقاء الألوهية، فإنهم يعرفون الله بالله، فيوحِّدونه ويقدِّسونه، ويعرفون به كل شيء، كما هو مسؤول دعاء النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في ما روي عنه أنه قال: «ربي أرني الأشياء كما هي»(95). لهذا فقد قام بتأويل الآية التي تقول: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادن} [الشورى/52] ، ففسَّرها بأنها تعني ما كنت تكتسب بالدراية والفهم صورة ما في الكتب العلمية، ولست تتعلَّم الإيمان من معلم غير الله، ولكن جعل الله قلبك نوراً عقلياً تتنوَّر به حقائق الأشياء ويهتدى به إلى ملكوت الأرض والسماء (96).
ومن ذلك، أيضاً، أن صدر المتألِّهين قام بتأويل آية عدم تمكُّن موسى من رؤية الحق تبعاً لاختلاف المقامات. فالقرآن الكريم صريح في نفي إمكان الرؤية الإلهية حتى بالنسبة إلى الأنبياء، كالنبي موسى رغم مكانته الشامخة، لكن بحسب المفاهيم الوجودية فإن كل موجود يرى الحق ويشاهده بحسب وعائه الخاص. إذن، إن مسألة شهود الحق ورؤيته قد تثير بعض المشاكل المتعلِّقة بالنَّص الدِّيني، وهذا ما دعا فيلسوفنا إلى محاولة التوسُّط والتوفيق بين صراحة النَّص وبين مضامين تلك المفاهيم
________________________________________
(94)نفسه، ص 143 و144.
(95)نفسه، ص 105 و106.
(96)المصدر السابق، ص 18.

[الصفحة - 37]


القبلية، حيث أجاب بأن موسى إنما كان يرى الحق تعالى بما هو متجلٍّ للأولياء، وأراد أن يراه في صورة التجلِّي التي لا يدركها إلَّا الأنبياء، وحيث أنَّ الأنبياء متفاوتون في مقام المشاهدة، فبعضهم لم ينل ما يناله بعضهم الآخر، لذا أراد موسى أن يرى الحق، سبحانه، على الوجه الذي يطلبه مقامه بوصفه نبيّاً، لأنه، بوصفه وليّاً، يراه دائماً ولا يمكن طلب المحصول عليه (97). رغم أن هذا الجواب بعيد عن الإقناع، لأن الله سبحانه قد أسند رؤيته إلى استقرار الجبل، وبحسب المفاهيم الوجودية، لم يكن الجبل أعظم إدراكاً من موسى حتى يسند ويعول عليه.
على العموم نخلص، ممَّا سبق، إلى أن العارف، وكذا النبي والولي، بإمكانه الاتحاد بحسب المقامات المتعددة، ليس فقط مع العقل الفعَّال بل حتى مع الحق والفناء فيه.
وكما سبق أن ذكرنا بأن صدر المتألِّهين، وإن كان ينكر الحلول والاتحاد، فإنما يريد بذلك وجود أمرين مختلفين، أما مع وجود حقيقة واحدة غير متعددة فالاتحاد عنده من الضَّرورات العرفانية، فهو لا يعني اجتماع أمرين معاً، بل هناك رقائق تذهب وتتكامل فتتحد وتفنى في الحقائق الأعلى منها، من دون أن تترك محلها خالياً، بل تنشأ أبدالها من الرقائق الأخرى لتحل مكانها، وتتخذ دورها على سبيل الخلق والإعادة. وإن العارف أو الولي يمكنه الترقِّي بفعل سلسلة الاتحادات، فيتحول من مقام إلى مقام آخر أعلى حتى يصل إلى آخر المقامات، وهو مقام المعاد والفناء. رغم أنه في تفسيره لسورة البقرة نفى أن يكون هناك أكثر من مقام لغير الإنسان الكامل، فالملك والإنسان والشيطان والحيوان وغيرهم جميعهم ليس لهم إلا مقام واحد فقط، وهو أن كلًّا منهم يكون تابعاً لاسم إلهي واحد هو ربّه الخاص لا يتعدَّاه، أما تعدُّد المقامات فهو من خصوصيَّات ذلك الكامل (98).
وقد ذكر بعض المحقِّقين من العرفاء أن الخلق اتصف، أوَّلًا، بالوجود ثم بالعلم فالقدرة فالإرادة فالفعل، وحيث أن المعاد هو عود إلى الفطرة الأصلية والرجوع إلى نقطة البداية، فلا بد، بناءً على ذلك، من أن تنتفي تلك الصفات على التدريج والترتيب المعاكس.
بناءً على هذا، فإن السالك العارف لا بد من أن ينتفي منه الفعل أول الأمر،
________________________________________
(97)مفاتيح الغيب، ص 191.
(98)تفسير صدر المتألهين، ج3، ص 411 ـ 421.

[الصفحة - 38]


فيكون تقياً زاهداً في الدنيا. ثم بعد هذا المقام لا بد من أن ينتفي منه الاختيار والإرادة، حيث يستهلك إرادته في إرادة الله. وبعده، لا بد من أن تنتفي عنه القدرة حتى لا يرى لنفسه حولًا وقوة وقدرة مغايرة لحول الحق وقوته وقدرته، فيكون في مقام التوكل والتفويض. وبعده، لا بد من أن تنتفي منه صفة العلم لاضمحلال علمه في علم الله، وهو مقام التسليم. ثم بعد ذلك، لا بد من أن ينتفي وجوده، فيكون في وجود الله حتى لا يكون له في نفسه عند نفسه وجود، وهو مقام أهل الوحدة الذي هو أجل المقامات وأفضلها، حيث أنه عبارة عن الفناء في التوحيد (99). وبذلك تكون مقامات الأنبياء والعرفاء مقامات منبسطة بانبساط الوجود الواحد مثلما قدَّمنا.
إذن، بحسب الرُّؤية الوجودية، فإنَّ النبوَّة يتجسَّد فيها الإله بكل ما يحمله من علم وفعل. فمن حيث العلم، فإنَّ العلم الإلهي شامل لكل شيء، وكذا هي حال العلم في النبوَّة، حيث أن لها هذا المعنى الشمولي، وذلك بما تمتلكه من العقل الفلسفي كما يصوره لنا الفلاسفة في اتصال النَّبي بالعقل المفارق الفعال، أو بما لديها من العقل العرفاني، كالذي يصوِّره لنا العرفاء في جعل النبوَّة بمنزلة العقل الأوَّل أو الروح الأعظم.
أمَّا من حيث الفعل فيمكن القول: إنَّ الألوهة في النبوَّة بادية الظهور. فهي لدى التصوُّر الفلسفي نابعة عن اتصال النَّبي بالعقل المفارق الفعال، وهو إله البشر الذي يتوسط بالنيابة عن المبدأ الحق(100) ، ومنه يكتسب النبي القدرة على الخلق والتكوين كما يظهر ذلك في صنع المعجزات والكرامات. وتبلغ الألوهة أوجها عند القول باتحاد النبي مع العقل الفعَّال، حيث يكون هذا هو ذاك؛ مثلما يصرح به بعض الفلاسفة أحياناً. أمَّا لدى التصوُّر العرفاني فالأمر أكثر عمقاً من السابق، ذلك أن الألوهة بحسب التصوُّر الفلسفي لا تتجاوز حدود العقل الفعَّال الأخير، لكنها في المعنى العرفاني تندك في الوسيط الذي تقوم به الخلائق جميعها، وهو المعبَّر عنه بالإله الصانع والوجود المنبسط والفعل الشامل والحق المخلوق به والمشيئة الإلهية واسم الله الأعظم ومسمَّى الله وغير ذلك.
وبحسب الفهم الوجودي، فإنَّ الوظيفة الجوهرية للنبوَّة ليست معيارية كالتي تتعلق بإصلاح الناس في سلوكهم وأخلاقهم ومعاملاتهم الفردية والاجتماعية، بل هي
________________________________________
(99)أسرار الآيات، ص 224 و225.
(100)السياسة المدنية، ص 80.

[الصفحة - 39]


وظيفة وجودية حتمية تتعلق بكل من العلم والإيجاد تبعاً لتسلسل مراتب الوجود، فغرضها إمداد التنزلات العلمية وإيصالها إلى النفوس البشرية حتى يتم لها السعادة بفعل الفيض العلمي الذي تقتبسه من فوق، وهي من هذه الناحية مختصَّة بتكميل النوع البشري (101) . ذلك أنَّها تلعب دور الوسيط العلمي في ربط الحق، كما أنها من حيث الفعل تحاكي ما يقوم به هذا المبدأ من إيجاد العالم والتأثير فيه. لكن لما كانت السيرة الذاتية للمبدأ الحق هي العلم بذاته، وأن هذا العلم سبب الإيجاد والصنع كالذي اطلعنا عليه من قبل، لذا فإن النبوَّة هي على هذا النحو من السيرة، أي أنها علم وإيجاد. وهي من حيث كونها علماً فإنها تؤثر وتوجد. فالنبي ـ إذن ـ عالم بالموجودات وصانعها بقدر ما له من العلم بها.
وبعبارة أخرى: إنَّ اتصال الفلاسفة والعرفاء بالعلة التكوينية للعالم، والتي هي لدى الفلاسفة عبارة عن العقل الفعَّال الأخير، ولدى العرفاء عبارة عن العقل الأوَّل وما شاكله.. يجعل منهم آلهة في العلم والتكوين، إذ يعرفون كل شيء، وبوسعهم خلق كل شيء، وذلك من منطلق أن العلم هو علَّة الإيجاد والتكوين، أو من منطلق أن الاتصال بالعلة يكسب المتصل صفاته الشبيهة، الأمر الذي يوظفون به ما يروى: «عبدي أطعني تكن مثلي، تقل للشيء كن فيكون». فكيف بالقائلين بنظرية الاتحاد، إذ يصبح العارف والفيلسوف هو نفسه عبارة عن ذلك العقل الذي هو علم بكل شيء، وفعله سار في كل شيء.
الخلاصــة
نستخلص، ممَّا سبق، النقاط الآتية:
ـ إن درجة النبوَّة، لدى الرُّؤيتين الفلسفية والعرفانية، لا تفوق درجة ما هي عليه رتبة الفلاسفة وكذلك العرفاء. وإن الأنبياء، في الوقت نفسه، هم فلاسفة بحسب الرؤية الأولى، وعرفاء بحسب الرؤية الثانية. وإن المكانة التي يحظون بها، بفلسفتهم وعرفانيتهم، هي أعلى وأهم من كونهم يحملون رتبة النبوَّة.
ـ إنَّ العرفاء من جانب آخر هم أنبياء، وإن النبوَّة لم ولن تنقطع قط، وذلك بفضل الولاية العرفانية التي هي الدرجة العليا من النبوَّة. وضمن الإطار الفلسفي أن
________________________________________
(101)الدواني: شواكل الحور في شرح هياكل النور، ص 246.

[الصفحة - 40]


الذي يناسب الروح الحكمية هو ضرورة أن يكون الفلاسفة أنبياء من دون عكس. بمعنى أن الأنبياء ليس بوسعهم أن يكونوا فلاسفة ما لم تكتمل عندهم القوَّة العقلية التي يتحلَّى بها الفلاسفة. وبالتالي، فإن النبوَّة بحسب هذه الروح غير قابلة للانقطاع.
ـ إن نفس النَّبي، بحسب الرؤية الفلسفية، عبارة عن نفس جامعة لقوى إدراكية ثلاث، هي قوى الإحساس والتخيُّل والتعقُّل. وإنه بقوة التخيُّل يتصف بالنبوَّة، وبقوة التعقل يتصف بالفلسفة، وبجمع القوَّتين يكون أكمل الناس وأسعدهم درجة، حيث يجمع ما بين النبوَّة والفلسفة. وهما قوتان تشاكل الأولى منهما الثانية وتحاكيها، إذ تكتمل القوة الفلسفية «العقلية» بفيض العقل الفعَّال، ومنه يترشح الفيض إلى القوة النبوية «الخيالية»، فتصدر عنها الأمثال والرموز على شاكلة ما هي عليه القوة العقلية.
ـ من الواضح أن الفيلسوف، بحسب الرؤية الفلسفية، له مزايا ووظائف تفوق تلك التي للنبوَّة. فمهمَّات كشف الحقائق والتعامل مع الباطن والقيام بدور القيمومة هي جميعها من مهمَّات الفيلسوف لا النبي. ذلك أن لهذا الأخير وظائف تتعلق بالتعامل مع الظاهر والأمثال والرموز التي تقرب المفاهيم الدينية إلى أذهان الناس بالإقناع رغم أنها تخلو من الحقيقة.
ـ إنَّ الغاية التي يتحرَّاها الفيلسوف هي أن يتشبه بالإله، فيكون عقله عبارة عن العلم بكل شيء. ذلك أنه يتصل بالعقل الفعَّال، أو حتى يتَّحد به فيكون هو نفسه، الأمر الذي يكتسب فيه الصفات الإلهية، أو أنه يصبح ذاتاً إلهية حاوية على كل شيء، وبذلك تكون له القدرة على الفعل والصنع والإيجاد، حيث العلم هو علَّة الإيجاد كالذي اطلعنا عليه من قبل. أما الغاية التي يتحرَّاها العارف فهي أن تتحد نفسه بالمقامات الفوقية حتى يفنى في ذات الحق، وهو أيضاً حريص على أن تكون ذاته حاوية وعالمة بكل شيء، ومنه يتم له الخلق والإيجاد.
ـ إن النبوَّة، بحسب الرؤية العرفانية، تتخذ صورتين: إحداهما تكاد تكون متطابقة مع الرؤية الفلسفية، حيث تقتبس منها القوى الثلاث ووظائفها، سوى أن الأمر يختلف من حيث إبدال العنصر الفلسفي بالعنصر العرفاني في القوة العقلية لقوى النبوَّة، وأيضاً أن هذه القوة العرفانية تجاوزت حدود العقل الفعَّال الأخير كما
________________________________________

[الصفحة - 41]


تعارف لدى الفلاسفة، ذلك أنها تصل في أقصى كمالها إلى حد الفناء والاتحاد مع الذات الإلهية. أما الصورة الأخرى فهي، أيضاً، تؤكد أن النبوَّة عبارة عن تلك النفس التي تتقبَّل ما يفيض عليها العقل المفارق، كالذي لاحظناه بحسب الرؤية الفلسفية. لكن بحسب الرؤية العرفانية يكون العقل المفارق عبارة عن العقل الأوَّل أو الصادر الأوَّل، وليس العقل الفعَّال الأخير. ولا شك في أن هذه الصورة هي المتعارف عليها في أوساط العرفاء مقارنة مع الأولى.
ـ بحسب الرؤية العرفانية، يتم اتحاد النفس النبويَّة بالعقل الأوَّل جبريل، وهما متَّحدان مع الحقيقة الإلهية، وهي صيغة لا تختلف عن تلك الصيغة التي شاعت لدى النَّصارى من أن هناك حقيقة إلهية واحدة لها ثلاث مراتب متحدة، هي الله وابنه عيسى وروح القدس.
ـ إنَّ للنبوَّة، بحسب الرؤية العرفانية، ملكتين علويتين: إحداهما معرفية فيها جميع الحقائق، والأخرى تكوينية بما لها من ولاية في تكوين الخلق وتصريفه، وهذا ما يسوِّغ وصفها بالإله الصانع المستخلف عن الإله المتعال. ويُطلق عليها، بحسب هاتين الخصوصيتين، الحقيقة المحمدية التي تنشأ عنها سائر المراتب الوجودية، وتتمظهر بها الأشكال والصور الخلقية، فهي عبارة عن اسم الله الأعظم والإنسان الكامل والوسيط الجامع بين حقيقتي الحق والخلق.
ـ إنَّ النبوَّة والولاية العرفانية تعبِّران، بحسب الرؤية العرفانية، عن حقيقة واحدة لها وجهان ظاهر وباطن، فمن حيث الظاهر نشهد النبوَّة، ومن حيث الباطن تكون الولاية، وهذه الأخيرة أعظم من الأولى. كذلك، فبحسب هذه الرؤية، فإنَّ الولاية العرفانية هي نبوة دائمة لا تقبل الانقطاع، وإن النبوَّة الظاهرة منقطعة. وهذا يعني أن العرفاء في ولايتهم يفوقون الأنبياء في نبوتهم الظاهرة. مع أن كل نبي هو عارف، لكنه بالعرفان أكمل منه بالنبوة، وذلك على شاكلة ما تقوله الرؤية الفلسفية من أن كل نبي فيلسوف، لكنه بالفلسفة أكمل منه بالنبوَّة.
ـ إن حقيقة محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) ، بحسب النظر العرفاني، هي الصَّادر الأوَّل نفسه المعبَّر عنه بالعقل الأوَّل والوجود المنبسط، والذي به حياة العالم وقيامه.
________________________________________

[الصفحة - 42]


فمحمد (صلي الله عليه و آله و سلم) ، من هذه الناحية، يمثل الإله الصانع قبال الإله المتعال. فهو الله المتعين قبل سائر التعينات، وهو الإنسان الكامل، ومنه تكوَّنت الأشياء جميعاً، كما أنه غاية الكل. وعلاقته بسائر الأنبياء هي علاقة قيومية. وإن ولاية العرفاء تستمد فعلها الوجودي منه، حيث يتمظهر بمظاهر مختلفة، مثل صور الأنبياء ثم الأئمة وبعدهم العرفاء والحكماء. فالجميع يستمد وجوده وعلمه وتأثيره منه.
ـ إذا كان العارف الكامل نبيَّاً، وإذا كانت حقيقة النبي هي أنه إله، به يقوم كل شيء، فإن النتيجة المنطقية تقول: إنَّ العارف الكامل هو نفسه عبارة عن إله.
ـ بحسب الروح الوجودية، يمكن القول: إنَّ للفلاسفة والعرفاء وكذا الأنبياء قدرة على تغيير العالم وتسييره، وذلك بفعل ما يحملونه من العلم الشمولي والقوة الحسية. لكن يظل أن تغيير العالم بحسب الرؤية الفلسفية هو أقل درجة مما تدعيه الرؤية العرفانية.
ـ لا يوجد فصل لدى العرفاء بين التوحيد والنبوَّة والولاية، فهذه الأمور جميعها تعبر في جوهر الأمر عن الذات الإلهية وتنزلاتها، أو هذه الذات وفعلها المطلق الساري في كل شيء. فلكلٍّ من النبوَّة والولاية درجة الألوهة، حيث بيدها تصريف الخلق والتكوين، كما بيدها الهداية وتقرير المصير. لذلك، فإنها لا تخرج عن التوحيد، إذ هي صفة المشيئة والإرادة عينها، وإذا أخذنا في الاعتبار أن صفات الحق هي عين ذاته، وأنها موجودة بوجوده، فإن ذلك يجعلها لا تتجاوز حدّ التوحيد، ولم يعد لدينا تعدُّد في الأصول، حيث تتحد الولاية والنبوة والتوحيد في أصل واحد هو حقيقة الإله وما يحمله من المرتبتين اللتين يعبر عنهما بالإله المتعال والإله الصانع.
________________________________________

[الصفحة - 43]