البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

قل هاتوا برهانكم قراءة في كتاب "الأجوبة النجفية في الرَّد على الفتاوى الوهابية" لآية الله الشيخ هادي آل كاشف الغطاء.

الباحث :  الشيخ محمد هادي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  35
السنة :  السنة التاسعة خريف 1425هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  1303
قل هاتوا برهانكم
قراءة في كتاب "الأجوبة النجفية في الرَّد على الفتاوى الوهابية"
لآية الله الشيخ هادي آل كاشف الغطاء.

الشيخ محمد هادي (*)

الحركة الوهابية وتكفير المسلمين
انطلقت حركة محمد بن عبد الوهاب الحنبلي من نجد في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري، معلنة الجهاد على المسلمين في الجزيرة العربية وأطرافها، بحجة أنهم كفار ومشركون، ارتدوا عن التوحيد وعبدوا الأولياء والأنبياء والصالحين، واستبدلوا المساجد بالأضرحة والمقابر والمزارات ومقامات الأئمة والعلماء. قد اتخذت هذه الحركة ومنظِّروها من مظاهر بناء الأضرحة والقباب على القبور دليلاً على أن المسلمين قد رجعوا إلى الجاهلية الأولى، فعادوا إلى الشرك بعد الإسلام، لذلك فقد أصبح الجهاد مشروعاً، والدعوة إلى الإسلام وعقيدة التوحيد مسؤولية عظيمة، قام بها الشيخ ابن عبد الوهاب النجدي بمساعدة أمير الدرعية آنذاك، ومن تبعهم من أعراب نجد ممن انتحل دعوة الشيخ وآمن بعقيدته. وهكذا انطلقت الفتوحات من جديد لجهاد الكفار والمشركين من المسلمين الذين يشهدون الشهادتين ويصلون ويصومون ويحجون. ويرفع الأذان بين ظهرانيهم خمس مرَّات في اليوم معلناً أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويتحاكمون للشريعة المنزلة، ويُقلِّدون المذاهب الفقهية والأصولية الإسلامية المعروفة والمعتمدة.
________________________________________
(*) کاتب من لبنان.

[الصفحة - 237]


وفي غفلة من سلطة الإمبراطورية العثمانية - المسيطرة آنذاك على الجزيرة العربية- التي أصابتها الشيخوخة ودبّ في أوصالها الضعف والوهن، انطلقت الفتوحات الوهابية من قلب نجد باتجاه الحجاز وشمال الجزيرة وشرقها، حيث تمكَّن الجيش الوهابي من السيطرة على الحرمين الشريفين وعلى مساحات شاسعة في وسط الجزيرة وشمالها، وقتلوا في سبيل ذلك الآلاف من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال، وسفكوا الدم الحرام، ونهبوا الأموال وحرقوا الزرع، وقطعوا الأشجار والنخيل، وفي طريقهم هدموا ودمَّروا كل ما وجدوه من قباب وأضرحة ومقابر جماعية وأماكن للعبادة يوجد فيها قبر أو أي أثر إسلامي يتبَّرك به المسلمون أو يقصدونه للزيارة والاعتبار. وأهم هذه المزارات والآثار قبور أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والصحابة التابعين والعلماء الصالحين، وقبور أمهات المؤمنين والشهداء، خصوصاً مقبرة البقيع في المدينة المنورة التي هجموا عليها في الثامن من شهر شوال سنة 1344هـ/1926 م.، فهدموا قبابها وقبورها وتركوها قاعاً صفصفاً، أحجاره مبعثرة كأن زلزالاً قد ضرب المكان، لم يعرف قبر صحابي من قبر تابعي أو شهيد أو عالم.
وكانوا، قبل ذلك، قد أغاروا على مدينة كربلاء المقدسة جنوب العراق، وقصدوا ضريح الإمام الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فهدموا قبة الضريح والمنابر لأنهم كانوا يظنون أنها مبنية بالذهب والفضة، بعدما قتلوا - كما يقول مؤرخهم ابن بشر-: "غالب أهلها في الأسواق والبيوت" (أكثر من أربعة آلاف مسلم من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال). ثم هربوا عائدين إلى صحاريهم في نجد يحملون معهم الغنائم والأسلاب وما سرقوه نهبوه ظلماً وعدوانا، وتركوا وراءهم الخراب والدمار والنساء المسلمات يبكين قتلاهن.
وأمام توارد الأخبار عن فداحة حجم الخسائر في الأرواح والممتلكات والآثار ومعالم الحضارة الإسلامية في جزيرة العرب، قامت الحكومة العثمانية - آنذاك - بحملات عسكرية متتالية لاستئصال شأفة هذه الحركة وأتباعها، وقد حققت الجيوش التركية والمصرية انتصارات مهمة على الوهابيين، حيث وصلت إلى الدرعية عاصمتهم فدمَّرتها، وقُتل منهم من قُتل وفر آخرون ونُفي أو أُسرآخرون، وكان ذلك - كما يقول الشيخ محمد جواد مغنية - جزاء وفاقا لما فعلوه من قبل بأمة محمد(صلي الله عليه و آله) من المظالم والمآثم (هذه هي الوهابية، ص. 129).
________________________________________

[الصفحة - 238]


وإلى جانب الحملات العسكرية، انطلقت من جهة أخرى الردود الفكرية للرد على شبهات الوهابية ونقض ما استمسكت به من أدلة نقليه لتكفير المسلمين واستباحة دمائهم وهدم قبور أئمتهم وعلمائهم وأسلافهم، والآثار التي تدل عليهم. والرد على الادعاء بأن ما يقوم به المسلمون من بناء القبور وزيارتها والتوسل بالأنبياء والأَئمة والأولياء، هو من مظاهر الشرك الذي يخرج المسلم عن عقيدة التوحيد.
وقد جاءت هذه الردود متنوعة، لم تقتصر على علماء المذهب الحنبلي (الذي يقلده الشيخ ابن عبد الوهاب) ومقلدي المذاهب السنية الأخرى: المالكية والشافعية والأحناف، بل تصدى للرد على الوهابية كذلك عدد من علماء الشيعة الإمامية، وقد اتفقت كلمة الجميع على تبرئة المسلمين، سُنة وشيعة وصوفية، من تهمة الشرك، وعلى أن ما يقوم به العلماء والعوام من بناء القبور والأضرحة وزيارتها والتوسل بأصحابها، كل ذلك، له أصل في الإسلام، ولا يخالف عقيدة التوحيد، بل هو مظهر من مظاهر الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، وتعظيم لشعائر الإسلام، وقد فعله المسلمون بمرأى ومسمع من الصحابة والتابعين وأئمة الدين وعلماء السلف، ولم يُنكر عليهم أحد، ولم يدَّع أحد من السلف أن هذه الأفعال والأعمال من قبيل الشرك، ولا طالبوا بهدم قبر أو قبة مبنية على قبر إمام أو صحابي أو شهيد، بل أُثر عنهم احترامها وتوقيرها واستحباب أهل بيته(عليهم السلام) وصحابته، وليس أدل على صحة ذلك ومشروعيته وعدم مخالفته لعقيدة التوحيد، من بقائها قائمة شاهدة، إلى أن أدركتها معاول الجهل والجفاء النجدي الوهابي، فهدمتها وخرَّبت معالمها وجعلتها أثراً بعد عين.
هذا بالإضافة إلى أن آراء الشيخ ابن عبد الوهاب مخالفة لما هو عليه جمهور الحنابلة، وليست سوى صدى لما كتبه شيخه ابن تيمية الحراني أواخر القرن السابع الهجري، وقد ردَّ عليه مُعاصروه من فقهاء المذاهب السنية ومن جاء بعدهم، ونسبوه إلى الابتداع ومخالفة الإجماع وعقيدة السلف الصالح، بل اتهموه بالزندقة لنهيه عن زيارة قبر الرسول(صلي الله عليه و آله) وقوله إن النبي(صلي الله عليه و آله) لا يُستغاث به، والنفاق لدفاعه عن بني أمية وطعنه في الإمام علي(عليه السلام) وعدد من الصحابة. وقد كفَّره عدد من علماء السُنّة لذلك ولكونه أحدث في أصول العقائد وقال بالجسمية والتركيب وجواز حلول الحوادث في الذات الإلهية - تعالى الله سبحانه عما يقول الجاهلون - لذلك فقد نودي في دمشق: من كان على عقيدة ابن تيمية حل ماله ودمه.
________________________________________

[الصفحة - 239]


(لمعرفة آراء علماء أهل السنة في ابن تيمية، يراجع كتاب: السلفية بين أهل السنة والإمامية، للسيد محمد الكثيري، بيروت، الغدير، ط1، 1997م. ص. 235 وما بعدها).
هذا ما جعل هذه الرُّدود تتجاوز ما كتبه ابن عبد الوهاب وفتاوى أتباعه لترد على أستاذه ابن تيمية، لأنه لم يكن سوى ناقلٍ ومقلِّد له ولتلميذه ابن قيِّم الجوزية.
من بين الردود الشيعية الإمامية، ما كتبه سماحة آية الله العظمى هادي كاشف الغطاء (قدس سره) (1290 هـ - 1361م.) وهو من الأسر العلمية النجفية المعروفة والمشهورة. والتي أخذت على عاتقها مواجهة التضليل الوهَّابي، إذ كتب عدد من أعلامها ردوداً مهمة مثل: "منهج الرشاد لمن أراد السداد" للشيخ جعفر كاشف الغطاء، ورسالة "نقض فتاوى الوهَّابية" للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وقد كتبه سنة 1345 هـ رداً على مجموعة من الفتاوى الوهَّابية أطلَّع عليها آنذاك، فرأى تهافتها وبُعدها عن الحق، وقد بقيت هذه الردود مخطوطة إلى أن انبرى لتحقيقها الشيخ أسعد كاشف الغطاء، وتولى مركز الغدير في بيروت طباعتها، باعتبارها أصبحت وثيقة تاريخية مهمة، لأن المؤلف - كما يقول المحقق - كان شاهد عيان على ما اقترفته الوهابية من فظائع بحق المقدسات الإسلامية، وخصوصاً هدم المشاهد والمساجد وقبور الأئمة والصحابة والشهداء في المدينة المنورة.
وقد جاء الكتاب عبارة عن ردود على بعض الاستفتاءات المنشورة لعلماء الوهابية، تناول فيها المسائل المختلف فيها بين الوهابية وباقي المسلمين، وهي أربع إجابات: تحدث في الإجابة الأولى عن مسائل التوحيد وما يتفرع عنها، وعلى وجه الخصوص المسائل التي يكفِّر بسببها الوهابية أهل السنة والشيعة الإمامية والصوفية، مثل بناء القبو وزيارتها والصلاة والدعاء عندها. والتوسل بأصحابها، والموارد التي لا يجوز فيها تكفير المسلمين، وما المقصود بالفرقة الناجية.
الإجابة الثانية، طالب فيها المؤلف علماء الوهابية بتقديم الأدلة الشرعية على صحة ما ينفردون به من آراء في التوحيد ومسائل الاجتهاد والتقليد، والبدعة وغيرها من القضايا المختلف فيها. أما في الإجابتين الثالثة والرابعة، فناقش المؤلف مجموعة من المسائل والقضايا التي كانت مثار جدل آنذاك مثل موقف الوهابيين من بعض المخترعات التي وقفوا منها مواقف غريبة كالبرق والتلغراف، ومسألة القوانين والأنظمة، وموقفهم من الشيعة في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية، ومحاولة إكراههم على اعتناق المذهب الحنبلي الوهابي.
________________________________________

[الصفحة - 240]


في ما يأتي مراجعة سريعة - لا تغني عن قراءة الكتاب - لأهم ما جاء فيه من مناقشات لقضايا لا تزال إلى يومنا هذا مثار جدل وخلاف مستمر بين الوهابية (السلفية) ومخالفيها من أهل السنة والشيعة الإمامية وأهل العرفان وأتباع الطرق الصوفية.
هل البناء على القبور وزيارتها والتوسل بأصحابها شرك؟
لا يرتاب مسلم في أن التوحيد هو أساس دين الإسلام وعماده، ولكن الكلام - يقول المؤلف -: في معرفة حقيقة التوحيد الذي أمر به الله تعالى وجعل اعتقاده محتماً ومعتقده مسلماً، وفي معرفة ما ينفيه أو ينافيه من الأقوال والأعمال، وفي معرفة العقائد التي توجب البقاء على الشرك أو الدخول فيه، والمعتمد في كشف الحقيقة هو الرجوع إلى الكتاب والسنة وأخبار أهل البيت العصمة (ص. 24).
وقد أفتى الوهابية بحرمة البناء على القبور وزيارتها والتمسح بها والصلاة عندها، وكذلك التوسل بالأنبياء والأئمة والصحابة والشهداء، ظناً منهم أن ذلك ينافي عقيدة التوحيد، وهو موجب للشرك بالله؟!
وهذه الأفعال كلها، في نظر علماء أهل السنة والشيعة الإمامية، جائزة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والقياس والاستحسان، بل إنها من مسلَّمات عقائد المذاهب الإسلامية الأصولية، باستثناء من شذ من الحنابلة مثل ابن تيمية وتلامذته، وقد تعرض علماء المذاهب للأحاديث والروايات التي يستند إليها هؤلاء الشرذمة المخالفون بالشرح والتحليل، وقدموا فهماً وشرحاً يختلفان كثيراً عما فهمه منها ابن تيمية وأتباعه من الوهابية، مؤكدين على ضرورة فهم تلك الأحاديث في إطار سياقها التاريخي عند بداية الدعوة الإسلامية، فالأمر بالهدم مثلاً كان المقصود به قبور المشركين التي كان بعض منها يُعبد أو تُقام عليه أو بجانبه بعض الشعائر الشركية، ومنها من كان قد نُصب عليه بعض الأصنام من الحجارة، فتحولت إلى آلهة تُعبد من دون الله، لذلك طلب رسول الإسلام(صلي الله عليه و آله) بهدمها وانهالت الشواهد والعلامات القائمة عليها، أما قبور المسلمين، فليس هناك أي دليل على وجوب هدمها، بل تواترت الأخبار على زيارة الرسول(صلي الله عليه و آله) وأمهات المؤمنين والصحابة والأئمة قبور الشهداء والموتى في أحد والبقيع، وكانوا يترحمَّون على أصحابها ويقرأون عندها القرآن ويهدون ثوابه إلى أهل القبور، وكانوا يعرفون كل قبر وصاحبه، وهذا يعني
________________________________________

[الصفحة - 241]


أن القبور كان لها شواهد وعلامات، وهي واضحة للعيان، ولم يخطر ببال أحدهم أن فعلهم هذا محرم أو منهي عنه، ناهيك عن أن يكون طريقاً للشرك بالله سبحانه وتعالى!
وقد ظهر ذلك جلياً في إجماع المسلمين، صحابة وتابعين، علماء ومقلدين، وإلى يوم الناس هذا، كما هو مشاهد للعيان وثابت للوجدان، فقبل فتنة الوهابية وسيطرتهم على الحجاز والأماكن المقدسة، كان أغلب قبور الأئمة والصحابة والعلماء مبني وعليها أضرحة وقباب، يزورها المسلمون من كل بقاع العالم، والآن أغلب المناطق الإسلامية في مصر والعراق وبلاد الشام والمغرب وتركيا وإيران وبلاد الهند، تبنى فيها القبور والأضرحة والمراقد، أو تُبنى بجانبها مساجد أو زوايا تقام فيها الصلاة ويقرأ فيها القرآن، ولم يقل أحد: إن ذلك شك أو كفر، وكيف يكون ذلك كفراً وأنت لو سألت أي شخص من عوام المسلمين من زوار تلك المراقد، فسيقول لك: هذا قبر فلان، الإمام أو الصحابي أو العالم، وأنه يزوره ليترحم عليه ويدعو له أو عنده، ولن تجد من يدَّعي أنه إله أو شريك لله في صفة من صفاته، أو أنه يعبدُه ليقربه إلى الله زلفى. وبجانب هذه المقامات تقام الصلوات الشرعية، ويرفع الأذان بالتوحيد، فكيف يكفر أو يُشرك بالله من يُوحِّده ويتلو كتابه آناء الليل والنهار.
إن الفهم الوهابي (السَّلفي) للتوحيد، هو فهم ساذج بسيط، ففي الوقت الذي يستدل الوهابيون فيه بأحاديث يدعون صحتها ويوهم ظاهرها بموافقة فتاويهم، فإنهم يغضون الطرف عن عشرات الأحاديث الأخرى والأخبار والآثار وأقوال الأئمة التي تخالف آراءهم واختياراتهم، والبحث العلمي الموضوعي والاجتهاد الشرعي الصحيح، كل ذلك يقتضي عرض جميع الأدلة ومناقشتها وتحليلها، ثم الركون بعد ذلك إلى أحسن القول. وقد تبين للمحققين، من أهل السنة والشيعة الإمامية، أن ادعاء الوهابية الإجماع على تحريم البناء على القبور - مثلاً - هو كذب محض، وعلى خلاف ادعائهم فالإجماع منعقد على الجواز وليس على المنع، ولن يظهر هذا الإجماع من شذ عنه مثل ابن تيمية وتلامذته وأتباعه.
وقد أشار المؤلف إلى مسألة مهمة جداً في هذا السياق، وهي أن اجتهاد كل مذهب هو حجة على أصحابه ومقلديه، لذلك فجملة من الأدلة التي يستند إليها الوهابية لا تنهض حجة على الإمامية أو غيرهم من المذاهب الأخرى، وأشار مثلاً إلى عدم حجية أخبار
________________________________________

[الصفحة - 242]


الآحاد إلا إذا جمعت شرائط خاصة، وكذلك لا حجية للإجماع إلاَّ إذا كان كاشفاً عن رأي الرسول(صلي الله عليه و آله) أو الإمام المعصوم.
وهذه القاعدة - أي حجِّية الاجتهاد لدى أصحابه - من القواعد المعترف بها لدى جميع المذاهب، وإلا أنكرنا الاجتهاد في جميع الأبواب، فالحديث قد يثبت عند مالك ولا يثبت عند أبي حنيفة أو الشافعي، فيختلف الاجتهاد والاستنباط، ولم يكفِ المالكية الأحناف لأنهم لم يعملوا بالحديث الذي صحَّحه إمامهم وعمل به. وفي المذهب الحنبلي هناك عشرات المسائل يروى فيها عن ابن حنبل روايتين أو ثلاثة، فأيهما رأي المذهب؟ وهل من أفتى بمضمون رواية منهما وخالف غيره يكون كافراً؟ إضافة إلى الاختلاف في فهم الحديث وفقهه، فعلماء أهل السنة والإمامية فهموا من النهي الوارد في بعض الأحاديث والروايات، الكراهة وليس التحريم، ناهيك عن القول بالكفر أو الشرك. كما خصَّ الإمامية كراهة البناء في غير قبور الأنبياء والأولياء والعلماء (ص. 28). أما بخصوص هدم ما بُني من القبور أو هدم القباب المبنية عليها والأضرحة، فقد أكَّد المؤلف عدم مشروعيته فضلاً عن وجوبه، وجهة هدمها كحرمة نبشها لما روي عن الرسول(صلي الله عليه و آله): “حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً". ولم يُنقل لنا في عصر من العصور السالفة صدوره من ولاة أمور المسلمين، ولو كان الهدم من الواجبات التعبدية لشاع وذاع وسُطِّر ونُشر قبل زمن هؤلاء الذين لن يرون لمؤمن ميت حرمة ولا يبالون بهتكه وتحقيره وإهانته (ص. 42).
والسؤال الكبير الذي طرحه المسلمون ولا يزالون هو: لم يُصّر الوهابيون على محو آثار المسلمين ومعالم تاريخهم؟ فعندما تدخل مقبرة البقيع بالمدينة المنورة، اليوم، تسأل: لمن هذه القبور التي لم يبق منها إلا بعض الأحجار الناتئة هنا وهناك؟ فيجيبك أحد زبانية المقبرة بخشونة وغلظة: “لا أحد يعرف”. ونحن نسأل: ما يضر الوهابية لو عرف الحجاج والزوار أن هذا القبر هو للصحابي فلان أو لأحد الأئمة أو العلماء؟!
ما يضرهم لو رُقِّمت تلك القبور وبُنيت وعُرف أصحابها؟! أليس في ذلك أبلغ العبرة للمسلمين اليوم، عندما يقفون أما قبر إمام أو صحابي قرأوا عنه وعلموا فضله وجهاده في سبيل الإسلام؟! لم كل هذا العداء للقبور وللآثار الإسلامية، وها هي المقابر والأضرحة منتشرة في طول العالم الإسلامي وعرضه، ولم نسمع أن أحداً من المسلمين قد اتخذها قبلة أو جعل أصحابها آلهة يعبدهم من دون الله؟! نعم هناك بعض الأفعال والأقوال تثير بعض
________________________________________

[الصفحة - 243]


الإشكالات، وقد تكون مطية أو مدخلاً للشرك، مثل الصيغ غير الشرعية للنذر والتوسل والأدعية، والذين يخطئون فيها هم عادة من العوام الذين لا يعلمون الصيغ الشرعية للنذر والتوسل، ويقومون بذلك بقلب سليم من الشرك، والواجب تعليمهم وإرشادهم وليس رميهم بالشرك أو تكفيرهم أو قتلهم!!
ومن المسائل التي ناقشها المؤلف كذلك، مسألة الصلاة عند القبور، وقد خلُص إلى أن الصلاة إلى القبور أو بينها، وإن قلنا: إنها محرمة وباطلة، لا توجب إلا الإثم والفساد، ولا توجب كفر فاعلها ولا تستلزم شركه، فلو صلَّى بحضرة قبر أو قبور، لم يفعل ما يخرج به عن الإسلام والتوحيد، ولم يصدر منه ما يوجب إباحة دمه وعرضه (ص. 49). نعم، كره بعض العلماء أن يستقبل المصلي القبر في صلاته، لكن لو صلَّى وعن يمينه أو شماله قبر، فلا يستلزم كون القبر مسجداً، حتى لو كان في قبلة المصلي، لأن المنهي عنه، جعله قبلة يُسجد إليه... (ص. 63).
كذلك أفتى الوهابيون بحرمة مسح الضرائح الشريفة، وخصوصاً حجرة النبي الأكرم(صلي الله عليه و آله)، أو الطواف بها وتقبيلها والتمسُّح بها، وقد ردَّ المؤلف على هذا التحريم مؤكداً أن مقتضى الأصل في الجميع هو الجل والإباحة حتى يقوم الدليل على المنع والتحريم، ولا دليل للمانعين هنا - حسب المؤلف - إلاَّ خيالات باطلة وأوهام عاطلة ووساوس شيطانية وتسويلات إبليسية يلهمها بسطاء الأمة وسذج الرعاع ليغويهم بها فيحرمهم من البركات والخيرات ونيل القربان(ص. 81). وقد ثبت أن فاطمة(عليها السلام) جاءت إلى قبر أبيها، فأخذت قبضة من التراب فوضعته على عينيها وبكت. وروى ابن عساكر أن بلال جاء قبر النبي(صلي الله عليه و آله) فجعل يبكي ويمرغ وجهه على القبر، كان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكر عليه منهم أحد، وقد كان جُلّ الصحابة وأئمة المذاهب يتمسحون بمنبره الشريف تبركاً ويقبِّلونه، وما ذاك إلا لأنه محل جلوسه وموضع حلوله، والضريح المقدَّس الذي ضمَّ بدنه الشريف وصار مستقر روحانيته ومهبط جسده القدسي أولى بذلك وأجدر (ص. 83).
والتمسح والتقبيل هو من مظاهر الحب والإجلال لصاحب القبر، لقربه من الله سبحانه وتعالى، ولا علاقة له بالشرك أو الكفر، بل هو مظهر من مظاهر الإيمان.
كذلك الأمر النسبة للذبائح التي يذبحها المسلمون عند الضرائح والمقامات، فالموجب للشُّرك هو الذبح لغير الله ذبح عبادة وتقرُّب، كما كان يذبح أهل الأوثان لأوثانهم مع
________________________________________

[الصفحة - 244]


الإهلال ورفع الصوت باسم ذلك المذبوح له، بأن يقول: اذبح باسم الولي فلان، مثلاً، سواء كان ذلك باعتقاد إلهيته واستحقاقه للعبادة أو لأنه يقربه زلفى عند الله.
أما الذبح للصدقة أو الفداء أو لليمين والتبرُّك ودفع الشر، مع مشروعية ذلك وذكر اسم الله عليه، فلا عبادة فيه أصلاً للمتصدق عنه، ولا للمفدى به ولا محذور فيه، إلا أن يكون مما أبطله الشارع كما في حديث "نهى عن ذبائح الجن" كانوا إذا اشتروا داراً أو بنوا بنياناً ذبحوا ذبيحة مخافة أن تصيبهم الجن، فأبطله النبي(صلي الله عليه و آله). فإذا ثبت ذلك كان فعله محرماً لا غير (ص. 86).
النَّذر للضرائح والأموات والتوسل بهم
أما النذور للضرائح والقبور والأولياء والصالحين، فهي في أغلبها تكون بمعنى جعل الجزاء له كأن يقول: إن رزقني الله ولداً أو فرَّج ما بي، فلله علي أن أقرأ على قبر فلان كذا سورة من القرآن، أو أسرج على قبره أو أذبح شاة وأطعمها زواره أو سدنته، وغيرها من الطاعات التي تشرع فيها النيابة عن الأموات. وهذه النذور لا محذور فيها ولا شائبة شرك تعتريها، وقد أشار المؤلف إلى بعض الصيغ الخاطئة مع القصد السليم للزائر يقول: وقد اتفق لنا مراراً أن أعلمنا من لا يعلم منهم أن النذر لا ينعقد بقول: هذا نذر للولي الفلاني، ولا يجب الوفاء به شرعاً (ص. 88).
والخلاصة: فكل استعانة، أو استفادة أو استنصار ونحو ذلك، سواء كانت بالأموات أم بالأحياء، إذا كانت على نحو طلب استعانة المربوب من الرب والمخلوق من الخالق كانت شركاً وكفراً. أما الحكم بأن مطلق الاستغاثة بغير الله كفر وإشراك بديهي البطلان، لا يحكم به إنسان إلا إذا لم يكن ذا وجدان (ص. 92).
وبخصوص التوسل، فقد أكد المؤلف أنه يجوز التوسل إليه تعالى بكل محبوب له وكل مقرب لديه، وكذلك التوسل إلى إجابة الدعاء باختيار الأماكن الشريفة، مثل المساجد ومراقد الأئمة كذلك واختيار الأوقات التي دلت الروايات أنها أوقات يُرجى فيها قبول الدعاء، وقد توسل الصحابة بالرسول، وثبت أن عمر بن الخطاب توسل بالعباس عم النبي(صلي الله عليه و آله)، ولم ينكر ذلك سوى أتباع ابن تيمية وابن عبد الوهاب.
كذلك ناقش المؤلف مسألة الشفاعة، فأكد أن ثبوتها للنبي(صلي الله عليه و آله) مما اتفقت عليه الأمة
________________________________________

[الصفحة - 245]


سلفاً وخلفاً لجوازها عقلاً ونقلاً. وقد ميزوا فيها بين شفاعة الشريك في الألوهية، وشفاعة العبد المأمور الذي لا يفعل شيئاً إلا بأمر مولاه، ولو دققت النظر - كما يقول المؤلف ـ في كلام هؤلاء ـ أي الوهابية - في الشفاعة، لوجدتهم يؤمنون بلفظها ويكفرون بمعناها، فيثبتونها وهم لها نافون، ويعترفون بها وهم في الحقيقة لها منكرون(ص. 104).
وقد ختم المؤلف أجوبته الأربعة الأولى بفائدتين:
الأولى تحدث فيها عن بيان المسلم الذي لا يجوز تكفيره أو غيبته أو انتهاك حرمته ويجب احترام دمه وعرضه وماله، المسلم الذي قتاله كفر وسبابه فسق، وهو المعتصم بالشهادتين ويؤدِّي الفرائض الخمس التي بني عليها الإسلام، وجميع المسلمين الذين يكفرهم الوهابية ويُبيحون دماءهم هم معتصمون بالشهادتين، ويقيمون الصلاة ويؤدون الزكاة ويصومون رمضان ويحجون ويفعلون الطاعات الكثيرة فكيف يُحكم بكفرهم؟!
الفائدة الثانية ناقش فيها المؤلف فكرة الفرقة الناجية، فتعرض للأحاديث المروية عن الفرقة الناجية، وذكر أن كل فرقةٍ من الفرق الإسلامية أدعت أنها الفرقة الناجية وأن غيرها في النار، وهذا ما تفعله الآن الوهابية عندما تكفِّر الأشاعرة من أهل السنة والصوفية والشيعة الإمامية، وبعد مناقشة ما يتشبث به الوهابية من أدلة، خلُص المؤلف إلى أن الفرقة الناجية هي من اتبع الرسول(صلي الله عليه و آله) وأهل بيته، فهم أهل السنة وأتباع القرآن، لأنهم عملوا بالأمر الوارد في أحاديث الرسول(صلي الله عليه و آله) التي تحث على موالاة أئمة أهل البيت(عليه السلام) وأتباعهم واتخاذهم قدوة في الدين والدنيا، مصداقاً لقوله(صلي الله عليه و آله) في الحديث الذي رواه أصحاب السنن وفي مسند أحمد بن حنبل. قال رسول الله(صلي الله عليه و آله): "إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله وأهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض جميعاً". وقد ورد هذا الحديث في كتب الأحاديث بطرق مختلفة.
في القسم الثاني من الكتاب، طالب المؤلف أهل الإفتاء من الوهابية بتقديم الأدلة على صحة إفتائهم بهدم القبور والمشاهد والمراقد في مكة والمدينة، هذه الفتاوى التي لم يقُم عليها عند عموم المسلمين دليل يعتمد على ظهوره ويقطع بدلالته وصدور، والاستناد إلى أدلة غير واضحة في الدلالة، ولا صريحة في المطلوب، ولا قوية في الإسناد، لم يعمل بها نقاد
________________________________________

[الصفحة - 246]


الأحاديث ومحقِّقو الأخبار. (ص. 132). كما تساءل عن فحوى ادعائهم بأن مرجعهم القرآن والسنة، فهذا قول يجهر به كل مسلم ويعتمده كل موحد، لذلك لا بد من بيان الوجه في الاعتماد على ما ينفردون بالاعتماد عليه، في تعريفهم للتوحيد، وما هي العبادة التي لا تكون إلا لله تعالى، ولو أتى بها لغيره كان الآتي بها مشركاً خارجاً عن الإسلام؟ وما الفرق بين الإطاعة والعبادة؟ وما هي البدعة المحرَّمة في الدين؟ وما الدليل على هدم القبور وتسويتها بالأرض؟ ولماذا يمنعون النساء من زيارة القبور؟ وتحريمهم لعدد من الأفعال المرتبطة بالتطور الحضاري. وقد أعاد المؤلف استعراض بعض الأدلة مما كان قد أورده في القسم الأول وأحال عليه. كما أكد خطورة الإفتاء من دون علم مُشيراً إلى التناقض الذي وقع فيه الوهابيون، فهم في الوقت الذي يتحرجون فيه من الإفتاء في قضايا بسيطة بحجة أنهم لم يجدوا لها ذكراً في كلام القدماء، يسارعون إلى تكفير المسلمين والاعتداء على آثارهم وهدمها، ويخاطبون الموحدين المسلمين بالآيات الواردة في حق المشركين والكفار الجاهليين؟!
الإكراه المذهبي
من القضايا المهمَّة كذلك التي ناقشها المؤلف، قضية الإكراه المذهبي، لأن الجزيرة العربية فيها أتباع السنيَّة والشيعية، ولمَّا استولى الوهابيون على الحجاز والأماكن المقدسة حاربوا كل من لا يقلدهم في العقائد والفقه، وقتلوا عدداً من علماء أهل السنة، ولم يعترفوا بأي مذهب، إلا مذهبهم الخاص، وهو مذهب ابن تيمية، ولم يسمحوا لمخالف بإبداء رأيه. وقد تعرض الشيعة الإمامية، في مناطق الأحساء والقطيف في المنطقة الشرقية من الجزيرة - وهي منطقة أغلب أهلها شيعة إمامية - إلى اضطهاد مذهبي ولا يزالون يعانون منه إلى الآن، حيث حاول الوهابيون إكراههم على اعتناق الوهابية بالقوة، وطلبوا من أميرهم إلزامهم بالبيعة للوهابية، ومنعوهم من بناء المساجد والصلاة فيها وفق مذهبهم بل ألزموهم بالصلاة جماعة وراء أئمة من الوهابية، كما منعوهم من إقامة شعائرهم مثل الاحتفالات بمناسبة مولد الرسول(صلي الله عليه و آله) وأئمة أهل البيت(عليه السلام) ووفياتهم. وقد دافع المؤلف عن قناعة الإمامية بعقائدهم، وخصوصاً ارتباطهم بأئمة أهل البيت(عليه السلام) مؤكداً أنه لا يجوز إكراه أي مسلم على اعتناق مذهب معين أو اتباع مجتهد بعينه، لعدم وجود دليل على ذلك،
________________________________________

[الصفحة - 247]


فلكل مذهب أدلة وبراهين من الكتاب والسنَّة، والشيعة الإمامية رغم اقتناعهم بصحة اعتقادهم بأن الإمامة من أصول الدين، فإنهم لا يرون أن مخالفيهم كفار، بل يحكمون ويُفتون بصحة أعمالهم وفقاً للمذاهب التي يقلدونها، ولا وجه ولا دليل لتكفير من يعمل وفق ما يقتضيه مذهبه، لأنه يتدين بما يراه حجة في مذهبه، اللهم، إلا إذا كان ذلك مما يلزم به أهل المذهبين معا.
ويستمر الهدم والتخريب
إن أهم ما يميز هذا الكتاب هو منهجه في معالجة القضايا المختلفة، فليس هناك سب أو تحقير أو تكفير أو شتم للمخالف، كما هي عادة الوهابية، وإنما هناك عرض للأدلة بلغة عالم مجتهد يُتقن أصول الحوار والمناظرة، همُّه عرض الدليل والرد على الخصم بلغة علمية بُرهانية، ثم يترك للقارئ حرية الاختيار والتأمل في قوة الأدلة أو ضعفها. وقد تبين لنا من خلال هذه القراءة السريعة للكتاب أن أهل السنة من الأشاعرة والشيعة الإمامية متقاربون كثيراً في القضايا المختلف فيها مع أتباع ابن تيمية وتلميذه ابن عبد الوهاب. لذلك على المسلمين ان ينتبهوا لهذه الملاحظة، فما يروِّج له الوهابية أو ما يُطلق عليهم اليوم السلفية من عقائد وآراء، إنما هو اجتهاد لفقيه حنبلي له آراء كثيرة شذَّ فيها عن مذهبه وعن مذاهب المسلمين الأخرى سنة وشيعة، وأن هناك اجتهادات أخرى لعلماء آخرين هي من القوة والقرب من الحقيقة الإسلامية لدرجة أن أي مسلم أو باحث بمجرد ما يطلع عليها ينظر إلى الآراء الوهابية أو السلفية نظرة احتقار، ويتهم أصحابها بالسذاجة والبُعد عن العقلانية وعظمة الإسلام وبُعد نظره وعمق قيمه ومبادئه.
لقد كُتب الكثير في الرد على الوهابية، ولو جُمع ما كتبه علماء أهل السنة وعلماء الشيعة الإمامية، لوجدنا تراثاً ضخماً لو أطلع عليه المسلمون لما وُجِد من يقلد أو يتبع الآراء والعقائد الوهابية، لكن مع الأسف، الكتابات السلفية تُغرق الأسواق وتوزع مجاناً وخصوصاً في موسم الحج، وعلماء باقي المذاهب ركنوا إلى الصمت خوفاً أو طمعاً، والحرب السلفية على الرأي الآخر مستمرة، فأي مخالف من أهل السنة يكفرونه ويحاربونه في وسائل الإعلام حتى تضيق به الأرض بما رحبت. أما الشيعة فهم كفار سلفاً، والخاسر الأكبر في هذه المعركة المذهبية هي الحقيقة الإسلامية والآثار الإسلامية في الجزيرة العربية
________________________________________

[الصفحة - 248]


والحرمين، فرغم النداءات الكثيرة والردود المتنوعة لم يُعر الوهابيون آذانهم لأي أحد، واستمروا في الهدم والتخريب بحيث لن يتركوا أثراً يدل على الأجداد وسلف هذه الأمة مع أنهم دعاة السلف.
إن الحجاز، وخصوصاً المدينتين المقدستين، من أكثر البقاع زخراً بالآثار الإسلامية، مقابر ومساجد ومواقع مرتبطة بأحداث مهمة في تاريخ الإسلام والمسلمين، ولكن الوهابية يعادون كل ما يمت بصلة إلى هذه الآثار، بحجة الخوف من الشرك والكفر. لا أعرف كيف تُهدَّم المساجد التاريخية خوفاً من الشرك، وفي الوقت الذي يُنقِّب العالم فيه باطن الأرض بحثاً عن حجر أو قطعة قُماش أو حديد أو أي شيء يكشف عن حياة القدماء وتاريخهم، وتُصرف على ذلك الملايين!؟ لِمَ يهدم الوهابيون آثار العرب والمسلمين التي حافظت عليها الأجيال السابقة؟ إنه تساؤل لا يمكن أن أجيب عنه أو أجد له تفسيراً منطقياً، فهل هدم هذه الآثار هو للدفاع عن عقيدة التوحيد خوفاً من عدو لا يعرفه أحد يسميه الوهابية "شرك"، أو أن هدم هذه الآثار والمعالم الإسلامية يُخفي وراءه مؤامرة يُمثل فيها هؤلاء الأعراب النجديون دور المعول والفأس الصماء التي لا إرادة لها وإنما هي مفعول به؟ لا أستطيع الجزم لأن الحيرة تتملكني كما تتملك غيري، وهو ينظر إلى الآثار الإسلامية تخرب بأيدي المسلمين في الوقت الذي يصرف فيه الصهاينة ملايين الدولارات للبحث في باطن الأرض الفلسطينية عن قطعة حجر تدل على أن أجدادهم المزعومين قد مروا من هنا، ولو وجدوها لطلعوا على العالم وعرضوها بوصفها أدلة تسوِّغ استعمارهم لفلسطين وتجعل وجودهم شرعياً. عن نكبة الآثار في جزيرة العرب وهدم البقيع ومقابر المسلمين في مكة وغيرها من مدن الحجاز لا تماثلها فظاعة سوى نكبة بغداد على يد المغول، والتراث العلمي الذي ضاع في دجلة والفرات؟!!
إن الهدم والتدمير لا يزال مستمراً، فقد أفنى الوهابيون آثار النبي(صلي الله عليه و آله) والصحابة والأئمة في المدينة المنورة ومكة، حتى كاد - كما يقول يوسف بن السيد هاشم الرفاعي وهو من أهل السنة في الكويت - لا يبقى منها إلا المسجد النبوي الشريف وحده، في حين أن الأمم تعتز وتحتفظ بآثارها ذكرى وعبرة ودليلاً على ماضيها التليد. بل إنهم ينتهزون كل عام فرصة صيانة وصباغة وترميم المسجد النبوي لإزالة الكثير من المعالم الإسلامية الموجودة في خلوة المسجد الشريف من الآثار والمدائح، مثل محاولتهم طمس أبيات البُرْدَة
________________________________________

[الصفحة - 249]


النبوية المكتوبة على الشباك لولا تدخل السلطة التي منعتهم من ذلك.
والآن، إنهم يتربَّصون بالقبة الخضراء، قبة القبر النبوي الشريف، فقد طالب ناصر الألباني بإخراج قبر المصطفى(صلي الله عليه و آله) من المسجد النبوي وزعم أن إبقاء القبر النبوي في المسجد من بدع المدينة المنورة، كما اعتبر مُقبل بن هادي الوادعي كذلك - وهو من عتاة السلفية وأشدهم سباً وشتماً لمن خالفهم - وجود القبر والقبة الشريفة، بدعة كبيرة وطالب بإزالتها وهدمها وإخراج القبر الشريف من المسجد، فليعذر المسلمون، إن الوهابية يتربصون بالقبر النبوي الشريف ليهدموه ويهدموا القبة الخضراء المبنية فوقه، ولولا خوف ساستهم من العواقب لأصبحت الآن أثراً بعد عين، لكنهم ينتظرون الفرصة فقط؟! لذلك نجدِّد نداءنا للمسلمين في كافة بقاع العالم، ونطالب بإرسال رسائل تحذيرية للسلطات السياسية هناك من عواقب الانجرار وراء الفتاوى الوهابية والسلفية المتطرفة الداعية إلى هدم ما تبقى من الآثار الإسلامية، وخصوصاً قبة قبر الرسول(صلي الله عليه و آله)، ونذكِّر من يقرأ الفكر الوهابي المعادي لبناء القبور والقباب والأضرحة، بأن الصحابة والتابعين هم من دفن الرسول(صلي الله عليه و آله) حيث هو الآن، وقد وسَّعوا مسجده ولم نسمع عن أحد منهم أنه طالب بإخراج قبره(صلي الله عليه و آله) من المسجد أو طالب بهدم قبره أو هدم القبة المبنية عليه، وهم من بنى القبور والقباب وحافظ عليها، وهؤلاء هم سلف هذه الأمة، فأين الاتباع للسلف يا أدعياء السلفية؟!
إنه ابتداع محض، واعتداء صارخ على الإسلام ومعالم حضارته ومقوماتها، فهل من مذَّكِّر!؟
________________________________________

[الصفحة - 250]