البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

علم اجتماع المعرفة في القرآن

الباحث :  صادق كلستاني
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  57
السنة :  السنة الخامسة عشر ربيع 1431هجـ 2010 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 10 / 2015
عدد زيارات البحث :  2036

علم اجتماع المعرفة في القرآن

صادق كلستاني (*)

مقـدِّمة
شغل موضوع (المعرفة) الباحثين والمفكّرين ولا سيّما الفلاسفة منذ أمد بعيد، وشكّلت مسألة قيمة المعرفة ومسألة إمكانها محورا رئيساً في البحث والنقاش فيما بينهم، وقد أدّت هذه المباحث بالتدريج إلى تشكّل فرعٍ في الفلسفة اصطلح عليه بـ (علم المعرفة)، وهو العلم الذي يَبحث حول معارف الإنسان وتقييم أنواعها وتعيين ملاك صحتَّها وخَطَئِهَ(1) .
تُدرس في هذا الفرع المباحث المعرفيَّة، ويُبيّن معيار الوصول إلى الحقيقة التي يَفترض وجودها ويؤكّدُ على إمكان الوصول إليها. في هذا النوع من علم المعرفة يكون للعلم البشريّ منطقه الداخليّ الخاصّ، ولا تُلحظ فيه العلاقة مع الأسباب الخارجيّة.
وفي المقابل فإنّ لبعض علماء الاجتماع رؤية أُخرى يطرحونها في باب المعرفة، فيؤكّدون في مجال دراستهم لعمليَّة تشكّل هذا العلم وتقييم صحَّته وخَطئِه على الأسباب الخارجيّة بدلاً من المنطق الداخليّ، ويَتحدّثون عن الارتباط ما بين المعرفة والمجتمع ودور العوامل الاجتماعيَّة في تشكّل المعرفة. وبعبارةٍ أُخرى، يَعتقدون بأنّه لا ينبغي اعتبار أنّ عمل المعرفة هو مجرّد سعي ذهنيّ نظريّ؛ لأنّ ذهن الإنسان هو حاصل مجموعة من العناصر غير النظريَّة التي تحصل نتيجة مشاركة الإنسان في الحياة الاجتماعيَّة والحوادث والاتِّجاهات المتنوّعة التي يواجهها في حياته.
________________________________________
(*) باحث في الفكر الإسلامي، من إيران، ترجمة الشيخ جهاد فرحات.
(1) اليزدي، محمّد تقي مصباح، آموزش فلسفه، ج 1، ص 153، الطبعة الثامنة، طهران، الناشر سازمان تبليغات إسلامي، 1377 هـ . ش.

[الصفحة - 307]


من هنا تتَّضح الحاجة إلى فرعٍ جديد في علم المعرفة، هو علم اجتماع المعرفة، يحلّ محلّ علم المعرفة السابق(2) ، ويُبحَث في هذا الفرع حول التعيّنات الاجتماعيَّة للمعرفة، وعن دور العوامل الاجتماعيَّة في نحو تشكّل العلم ونوعه. وقد تصدّى المفكّرون من زوايا متعدِّدة إلى بحث طبيعة هذه العلاقة، وقد أدّت هذه البحوث بالتدريج إلى إيجاد فرع مستقلّ باسم (علم اجتماع المعرفة). وتهدف هذه المقالة إلى التعرَّض بالبحث حول رؤية القرآن الكريم في ما يخصّ الارتباط ما بين المجتمع والمعرفة والتعيّنات الاجتماعيَّة للعلم.
تعريف علم اجتماع المعرفة
علم اجتماع المعرفة علمٌ يُبيِّن الصِّلات المتقابَلة وتناسب أنواع الحياة الاجتماعيَّة مع أنواع المعارف والعلوم(3) ، وفي الواقع فإنّ هذا العلم، يدلّل على أنّ معارفنا في المفردات (التصورات) وأحكامنا (القضايا والأحكام) إلى أيّ حدٍّ قد وقعت تحت تأثير طبيعة المجتمع والعوامل الاجتماعيّة(4) .
قال (شلر) في تعريفه: «هو علم موضوعه يبحث العلاقات والصِّلات ما بين أنواع الحياة الاجتماعيَّة والأقسام المتنوّعة للمعارف»(5) .
وعلى هذا فإنّ علم اجتماع المعرفة يَسعى للكشف عن الظواهر الاجتماعية الواقعة في طرق المعرفة؛ يعني الأنواع المختلفة للنُّظُم الفكريَّة، الثقافيَّة، النِتَاجات الذهنيَّة، المعرفة العلميَّة، الدينيَّة، الفلسفيَّة، السياسيَّة، الحقوقيَّة والفنّية. ويسعى من جهةٍ أُخرى إلى دراسة الظروف الاجتماعيَّة والوجوديَّة مثل العوامل البنيويَّة، الثقافيَّة، السياسيَّة والشخصيَّة.
إنّ عالم اجتماع المعرفة يَهدف إلى التوصّل إلى هذا الارتباط، وإلى دراسة العمليّة التي تتشكّل بها أنواع المعرفة وتكون عرضة للثبات أو التبدّل(6) . طبعاً المنظّرون لهذا الفرع العلمي مثل (ماركس)، (مانهايم)، وآخرين لم غفلوا عن هذه السِعَة في معنى هذا العلم، بل إنّ كلاً منهم تعرّض إلى دراسة قسمٍ منه، ثمّ عمّموا النتائج
________________________________________
(2) توكّل، محمّد، وآخرون، جامعه شناسي معرفت، ص 165، قم، الناشر مؤسسه آموزشي و پژوهشي إمام خميني، 1383هـ . ش.
(3) رضوي، مرتضى، گذرى بر جامعه شناسي شناخت، ص 3، طهران، الناشر كيهان، 1371 هـ . ش.
(4) المصدر نفسه، ص 17.
(5) توكّل، محمّد، مصدر سابق، ص25 ـ 26.
(6) المصدر نفسه.

[الصفحة - 308]


الحاصلة إلى كافّة الدوائر المعرفيَّة(7) .
علم اجتماع المعرفة؛ النظريات والمشكلة الأساس
تتوافر وجهتا نظر مختلفتان فيما يخصّ نحو العلاقة بين المجتمع والمعرفة؛ فبعض علماء اجتماع المعرفة مثل دوركيم، ماركس والماركسية الوضعيّة يَعتقدون بأنَّ محتوى المعرفة يَتعيّن ويتشخّص تبعاً للعامل الاجتماعي، يعني أنّ الأمر الاجتماعيّ يُوجِد ماهيَّةَ وذات المعرفة، وبناءً على هذا الفهم والتلقّي فإنّ أصل المعرفة أصلاً وماهيَّة توجد من قِبَل المجتمع.
ولكن في المقابل هناك نظريّات أُخرى ترى أنّ تأثير ونفوذ العامل الاجتماعيّ يَنحصر في اختيار شكل وصورة المعرفة، من جملة القائلين بذلك ماكس شلر وماكس وبر(8) . المسألة الأساس في علم اجتماع المعرفة هي توضيح علاقة محتوى المعرفة مع العوامل الاجتماعيّة، وبحث كيفية تشكّل العلوم المختلفة في المجتمعات المختلفة، وطبيعة هذه العلاقة أيض(9) .
طبعاً هناك اختلاف في وجهات النظر حول أنّ أيّ نوعٍ من المعرفة وإلى أيّ حدٍّ يتأثّر بالمجتمع، فالبعض ادّعوا أنّ المعرفة العلميَّة هي الأقلّ تقبّلاً لتأثير المجتمع بينما المعرفة الأيديولوجيَّة هي الأكثر تقبَّلاً لهذا التأثير(10) .
القرآن الكريم والمعرفة
المعرفة هي من أهمّ القضايا التي أَشار إليها القرآن الكريم في آيات مختلفة وبمناسبات متعدٍّدة، فقد دعا الله سبحانه الإنسان في آيات متعدّدة إلى التفكّر والتأمّل وكسب العلم، ومدح طلاّب المعرفة ومعلّمي العلم، كما وبيّن أيضاً المسائل المختلفة لعلم المعرفة، مثل إمكان المعرفة، مصادرها وموانعها.
تهتمّ هذه المقالة بدراسة رؤية القرآن في مجال العلاقة بين المعرفة والمجتمع بمعناها الكلّي الشامل لمختلف العوامل الاجتماعيَّة، وتهدف إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية:
________________________________________
(7) عليزاده، عبدالرضا، نگاهي به جامعه شناسي معرفت ماكس شلر، ص 47ـ 39، مجلة حوزه و دانشگاه،العدد 11 و 12 (1376 هـ . ش)، قم، دفتر همكارى حوزه و دانشگاه.
(8) المصدر نفسه.
(9) كچوئيان، حسين، «جامعه شناسى معرفت و علم»، كرّاسة تدريسيّة، الفصل الثاني، الناشر مؤسسه آموزشي و پژوهشي إمام خميني، 1384 هـ . ش.
(10) اژدرى زاده، حسين، «مؤلفه هاي تعين در آراء معرفتي ماركس»، ص 17، مجلة حوزه و دانشگاه، العدد 11 و 12.

[الصفحة - 309]


1 ـ هل يقرّ القرآن الكريم تأثير العوامل الاجتماعيَّة على المعرفة الإنسانيَّة، أم أنّه يرى العلم والمعرفة مستقلاّن عن العوامل والظروف الاجتماعيّة؟
2 ـ في حال كان الجواب بالإيجاب، يُسأل: هل يرى هذه العلاقة في مضمون المعرفة؟
3 ـ هل يرى الأمور الاجتماعيّة عوامل مسيطرة على تحديد هذا المضمون؛ بمعنى أنّ الإنسان يكون ملزَماً في ظلِّ ظروف اجتماعيَّة خاصَّة أن يحمل المعرفة المتناسبة مع تلك الظروف؟
القرآن ومصادر المعرفة
يذكر القرآن الكريم للمعرفة مصادر متعدِّدة، أي أنّه يبيّن قَنوات مختلفة يَستطيع الإنسان من خلالها كسب المعرفة وتنمية دائرة معرفته بالتناسب مع هذه المصادر. ويُمكننا أن نلمح أنواعاً من المعرفة، الأعمّ من الشهوديّة، الحسيّة والعقلية، ولكلٍّ منها مصدره وقنواته الخاصَّة. وبالرجوع إلى الآيات الشريفة يُمكن استخراج أربعة مصادر معرفيَّة هي عبارة عن: العقل، التاريخ، القلب، والطبيعة(11) .
العقل
يُوصف العقل ـ والذي لعلّه أهمّ مصدر معرفيّ من وجهة نظر القرآن الكريم ـ بأنّه الرسول الباطنيّ؛ ويدعو الله تعالى الإنسان في آياتٍ كثيرة إلى التفكّر والتعقّل، الأمر الذي يدلّل على مكانة العقل الخاصَّة كمصدرٍ للمعرفة. فعندما تتحدّث بعض الآيات عن خلق السماء والأرض تحثّ البشر على التفكّر في عظمة الله، وعندما تُخاطب معارضي الأنبياء الذين اتخذوا موقفا يبتعدون فيه عن المعرفة الحقّة، تلجأ إلى ذمّهم بسبب عدم تعقّلهم وتفكّرهم(12) . وهناك آيات أخرى أيضاً تشير إلى التعقّل في دائرة السلوك، وتدعو الأفراد ذوي السلوك المنحرف إلى التعقّل والتفكّر في أعمالهم(13) .
بعض الآيات تدلّ على أنّ العقل يُعدّ ضروريا لهداية الناس، وترى صحَّة
________________________________________
(11) مطهّري، مرتضى مجموعه آثار، ج 133، ص 374، الطبعة الثامنة، طهران، الناشر صدرا، 1380 هـ . ش.
(12) الانبياء: 67، كذلك. المائدة: 103 ، الانفال: 122 ، يونس: 42، هود: 51.
(13) الانعام: 151، كذلك البقرة: 79 و 44.

[الصفحة - 310]


الاحتجاج بالعقل؛ وكمثالٍ على ذلك: الآيات النازلة في شأن النبوة العامّة، فإنّها تتحدث عن هذا المضمون، فالقرآن الكريم يحدد أن الحجة سوف تكون للناس على الله لو لم يبعث الأنبياء فإنهم سوف يرون السبب في وقوعهم في الضلال هو تركهم دون هاد(14) . إذاً عقل الإنسان قادرٌ على الاستدلال على أنّ الوصول إلى المقصد غير ممكن إلا باتِّباع الوحي(15) .
الآيات المذكورة ترى أنَّ العقل مصدرٌ مهم لبعض المعارف، وإذا لم يكن طريق العقل موجوداً فالأمر فلا فائدة للأمر باتِّباعه، ولا معنى للمؤاخذة على تركه. وعلاوة على هذه الآيات هناك آيات كثيرة أخرى استفيد فيها من براهين عقليّة، إمّا لإثبات المدّعى وإمّا لإبطال معتقدات المنكرين.
التاريخ
شغل التاريخ، كمصدرٍ من مصادر المعرفة، حيِّزاً كبيراً من الاهتمام القرآنيّ، فهناك قسمٌ لا بأس به من الآيات الشريفة خُصَّ بنقل قصص ووقائع الماضين. وبما أنّ القرآن الكريم هو وحي الإله الحكيم المنزّه عن العبث واللغو، فلا شكّ في أنّ غرض هذا الكتاب السماويّ لم يكن سرد القصص فقط، بل الغرض هو أخذ العِبَر والحصول على العلم والمعرفة من ثنايا هذه القَصَص، والاستفادة منها في مسيرة الحياة. ومن هذه الجهة نَلحظ في آيات مختلفة دعوة البشر إلى السير في الطبيعة والتفكّر والتأمّل في أثار الماضين: { قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ } (الروم، 42)(16) .
فهذا أمرٌ للنبي (عليهما السلام) أن يأمرهم أن يسيروا في الأرض فينظروا إلى آثار الذين كانوا من قبل، حيث خربت ديارهم، وعَفَت آثارهم، وبادوا عن آخرهم، وانقطع دابرهم، بأنواع من النوائب والبلايا، كان أكثرهم مشركين، فأذاقهم الله بعض ما عملوا ليعتَبِرَ به المعتبرون فيرجعوا إلى التوحيد. (17)
وفي بعض الآيات الأخرى نجد أنّ القرآن الكريم يوبِّخ البشر بسبب عدم سيرهم
________________________________________
(14) النساء: 164ـ165 ، طه: 134.
(15) جوادى آملى، عبد الله، شناخت شناسي در قرآن، ص 141 الطبعة الثانية، قم، الناشر فرهنگى رجا، 1372.
(16)آل عمران: 137 ، النحل: 36 ، النمل: 69، الأنعام: 11 ، العنكبوت: 20 ، يوسف: 109.
(17) الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان، ج11، ص 197.

[الصفحة - 311]


في الأرض للاعتبار من مصير من سبقوا، فيقول: { أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ } (غافر، 21).
والاستفهام في الآية إنكاريٌ، والمقصود هو أنّه لماذا لا يسير هؤلاء الناس الذين أرسلنا إليهم الرسول في الأرض فينظروا نظر التفكّر والاعتبار، كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم، وكيف أخذهم الله بسبب تكذيبهم الأنبياء(18) .
كيفيَّة دلالة آيات السير على كون التاريخ مصدرا للمعرفة: تبتني دلالة الآية الشريفة على كون التاريخ مصدراً للمعرفة على المقدِّمات الآتية(19) :
ألف ـ التاريخ سنّة وقانون: تدلّ هذه الطائفة بوضوح على أنّ التاريخ قانون اجتماعيّ؛ لأنّه لو لم يكن هناك قانونٌ سائدٌ على المجتمع والظواهر الاجتماعية، فإنّه لا يمكن من خلال السير والنَّظر كشف القاعدة، وفي هذه الصورة لن تحصل البصيرة التي يَهدِف إليها القرآن المجيد، وحينئذٍ لن يكون اختيار الطريق الصحيح في الحياة ميسّراً.
إنّ آيات السير والنَّظر تدلّ صراحةً على اشتراك المجتمعات في السُّنَن وعلى الأقلّ في بعض القوانين الاجتماعيَّة، ومع الالتفات إلى أنّ هذه الآيات قد تعرَّضت إلى بيان عامل أو عوامل نشوء مثل هذا المصير من قبيل الفساد، الجرم والشرك، فإنّها مضافاً إلى دلالتها على كون الظواهر الاجتماعيَّة ذات قانون، تبيّن أيضاً نوعاً خاصاً من القانون الحاكم على تلك المجتمعات والمجتمعات المشابهة لها.
باء ـ القوانين الاجتماعيَّة قابلةٌ للاكتشاف: إنَّ الآيات التي تدعونا إلى السير والتفكّر في آثار الماضين تتحدّث عن إمكانيَّة كشف القوانين الحاكمة على الحياة الاجتماعيَّة؛ لأنّه لو لم تكن هذه القوانين قابلة للاكتشاف لكان الأمر بالسير والنظر لغواً، ولم يكن هناك وجهٌ حينئذٍ للتوبيخ على تركهما. وعلاوة على هذا لن تتحقَّق النتيجة التي رُتِّبت في بعض الآيات ـ ومن جملتها الآية 46 من سورة الحجّ ـ على السير والنَّظر، ألا وهي البصيرة الداخلية والتعلّم من الحوادث التاريخيَّة.
________________________________________
(18) المصدر نفسه، ج 17، 326 ـ 327.
(19) رجبي، محمود، «قانونمندى جامعه و تاريخ»، فصلية تاريخ در آيينه پژوهش، العدد 3، ص 43ـ 44 قم، مؤسسه آموزشى و پژوهشى امام خمينى (ره)، 1383 هـ . ش.

[الصفحة - 312]


القلب : المصدر الثاني للمعرفة هو قلب الإنسان، والمراد من ذلك هو أنّ هناك بعض الإلهامات تحصل للقلب، ودرجتها الكاملة هي الوحي، وهذا يعني الإقرار بعالم ما وراء الطبيعة؛ لأنّ الطبيعة لا يمكنها أن توجّه هذا النوع من الإلهامات إلى الإنسان، ومن هذه الجهة فسنخ الإلهام هو سنخ الغيب(20) .
يعرّف القرآن الكريم القلب بعنوان كونه أحد من مصادر المعرفة، ويرى أنّ طريق الوصول إلى المعرفة القلبيَّة أو وسائل هذه المعرفة هي تهذيب النفس(21) : {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَ ...} (العنكبوت، 69)(22) ومفاد هذه الآية الشريفة يرجع إلى أنّ الذين يجاهدون في سبيل الله، ويهذّبون أنفسهم، ويُخلِصون نيّاتهم، فإنَّنا سوف نهديهم عبر أحد طرق الغيب، ونعطيهم نوراً يدركون به حقائق الحياة(23) .
بعض آيات القرآن ترى تقوى الله وتهذيب النفس طريقاً لحصول نوعٍ خاص من المعرفة، من جملة هذه الآيات: { إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً } (الأنفال، 29).
يذكر العلامة الطباطبائي في تفسيره لهذه الآية: «الفرقان ما يُفرَق به بين الشيء والشيء، وهو في الآية بقرينة السِيَاق وتفريعه على التقوى الفرقان بين الحقِّ والباطل سواء كان ذلك في الاعتقاد بالتفرقة بين الإيمان والكفر، وكلِّ هدى وضلالة أو في العمل بالتمييز بين الطَّاعة والمعصية، وكلُّ ما يُرضي الله أو يُسخِطه، أو في الرأي والنظر بالفصل بين الصواب والخطأ، فإنّ ذلك كله ممّا تُثمِره شجرة التقوى»(24) .
الطبيعة : هي أحد مصادر المعرفة، والطبيعة هي العالم الجسمانيّ، عالم الزمان والمكان وعالم الحركة، هي عين العالم الذي نَعيش فيه ونرتبط معه بحواسِّن(25) . يُعرّف الله سبحانه في ضمن آيات كثيرة الطبيعة وأجزائها بعنوان أنّها أحد مصادر المعرفة الإنسانيَّة، ويدعونا إلى التأمّل والتفكّر في أجزاء عالم الخلق: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ } (آل عمران، 190)(26) .
________________________________________
(20) مطهّري، مرتضى، مصدر سابق، ص 374 ـ 365.
(21) المصدر نفسه، ص 374 ـ 365.
(22) مريم: 76 ، محمّد: 17، يونس: 9، التغابن: 11، المؤمنون: 51، الكهف: 13 و 14.
(23) مطهّري، مرتضى، مصدر سابق، ص 368.
(24) الطباطبائي، السيد محمد حسين، مصدر سابق، پيشين، ج 9، 56)
(25) مطهّري، مرتضى، مصدر سابق، ج 13، ص 372.
(26) البقره: 164، الروم: 22ـ27، الملك: 3.

[الصفحة - 313]


المراد من مفردة (خلق) كيفيَّة الوجود وآثار وأفعال الحركة والسكون واختلاف الليل والنهار، لا وجودها وظهورها، وفي النتيجة فإنّ خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار تشتمل على أكثر آيات الله تعالى المحسوسة(27) . وعلى هذا عندما يعرّف الله سبحانه عالم الطبيعة بأنّه آياته المحسوسة فإنّه يدعو الإنسان إلى التفكّر فيه لكي يكسب علماً خاصاًَ من هذا المصدر المعرفيّ هو معرفة الله تعالى.
ومن جهةٍ أُخرى قد أُشير في القرآن الكريم إلى وسيلة هذه المعرفة، وهي وسيلة الحسّ: { وَالله أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (النحل، 78).
ذكرت الآية الشريفة العين والأذن، كوسيلتين حسيِّتين للطبيعة، وتخصيصهما بالذكر لأهميَّتهما لا لانحصار الوسائل بهما، خصوصاً أنّ مقصود الآية هو التأكيد على الاستفادة من الوسائل المختلفة لأجل معرفة الحقّ والتكليف، وما له أهميَّة كبيرة في هذا المجال هو العين والأذن والقلب، وقد ذكرتهم الآية الشريفة(28) .
وعلى هذا، ما يمكن استفادته من النصّ القرآني هو أنّ الإنسان يستطيع عبر طرق مختلفة أن ينال مختلف المعارف، وما يحدِّد نوع الطرق هي المعرفة التي يراد الوصول إليها؛ فإذا كانت المعرفة مربوطة بالموضوعات الحسّية فإنّ وسائل هذه المعرفة سوف تكون حسّية أيضاً، وكذلك الحال في سائر الموضوعات. وعلى هذا فبحسب الرؤية القرآنية يجب اعتماد الوسيلة المناسبة لكلّ موضوع والسير بما يناسبه(29) .
موانع المعرفة في القرآن (الأصنام الأربعة)
يواجه الإنسان في سيره للوصول إلى المعارف العلم بعض العقبات والموانع التي لا بدّ له من السعي لتلافيها، وأهمّها الأخطاء التي يبتلي بها الذهن. ونظراً لكون هذه الأخطاء سبّباً لضلال الإنسان، يُعبّر عنها بالأصنام، وهي أربعة أنواع، وقبل أن نتعرّض إلى بيان موانع المعرفة من وجهة نظر القرآن الكريم نذكر توضيحاً إجمالياً حول مفهوم هذه الأصنام:
________________________________________
(27) الطباطبائي، السيد محمد حسين، مصدر سابق، ج 4، ص 136.
(28) اليزدي، محمّد تقى مصباح، معارف قرآن، ص 398، قم، مؤسسه در راه حق، 1373 هـ . ش.
(29) أژدري زاده، حسين، جامعه شناسي معرفت در قرآن، ص 59ـ 60 رسالة ماجستير، قم، مؤسسه آموزشى و پژوهشى امام خمينى، 1379 هـ . ش.

[الصفحة - 314]


القسم الأوّل، الأصنام المشتركة: أي الأخطاء التي هي من خصائص طبع البشر، فكما أنّ المرآة المعوّجة تحرف أشعة النور وتخرّب الصور وتبشّعها، كذلك المحسوسات والمعقولات تنحرف في ذهن الإنسان وتضيع؛ مثلاً: يميل الذهن لإدراك الأمور بنحو تام ومنتَظِم، فيبني خطأ على التشابه بينها؛ فحيث يرتضي الدائرة نراه يحكم بكرويّة العالم واستدارة حركات أجزائه. وأيضاً يقوم بقياس كل شيءٍ على النفس، ويظن أنّ لكل شيءٍ علَّة غائيَّة، كما أنّه يتبنّى في أي ودون تأمّل عقيدة غيبية، ويسعى للبحث عمّا يؤيّد صحتهاطلب دائماً ويغفل عمّا يضعّفها؛ فإذا رأى مناما يطابق الواقع صدفة يَبني عليه، ولا يتذكّر عدم مطابقة مائة من المرّات بين المنام والواقع، ويتعصّب لما يختاره من عقائد، وغالباً ما يفتقد الإنصاف ويحكم وفقاً لعواطفه ونفسيّاته من الغرور والنخوة والخوف والغضب والشهوة. فحواس الإنسان التي هي منشأ علمه قاصرة، وفي معرض الخطأ، ولا يسعى لإصلاح أخطائه عبر التأمّل والتعمّق، فنظرته ظاهريَّة ولا يتعمّق في المطالب، وبدل أن يشرّح أمور الطبيعة يهتم دائماً بالتجريدات الذهنيّة ويظن أنّ أمور ذهنه التجريديّة والانتزاعيَّة حقيقةً من الحقائق.
القسم الثاني، الأصنام الشخصيَّة: أي الأخطاء التي يُبتلى بها الأشخاص بمقتضى طبائعهم الخاصّة؛ كما لو تعلّق قلب الشخص بأمرٍ ما فإنّه يجعله مداراً ومحوراً لعقائده، فأرسطو مثلاً كان شغوفاً بالمنطق، وقد بنى فلسفته عليه. وهناك بعض الأفراد يلحظون المشابهات ويعمدون إلى الجمع بين الأمور، وهناك بعضٌ آخر يلحظون بشكل مستمرّ ما بين الأمور من اختلافات وفروق.
بعضٌ من الناس يُصدِرون أحكاماً جازمة في كلِّ باب، وبعضهم يعيش حالة الترديد والتأمّل ما يجعله شكّاكاً. البعض يعشقون القدماء، وآخرون لا يرونهم شيئاً ويميلون إلى المتأخّرين غافلين عن لزوم أن لا يكون الزمان هو المناط في الرأي؛ بل لا بدّ من قبول قول الحقّ من كلِّ قائل، سواء كان من المحدَثين أو من القدماء. وهناك بعض الأذهان تلاحظ الجزئيّات دائماً، وآخرون همهم الكلّيات، والحال أنّه لا بدّ من ملاحظة كلا الاثنين.
________________________________________

[الصفحة - 315]


القسم الثالث، الأصنام السوقيَّة: وهي الأخطاء التي تنتقل بين الناس نتيجة عشرتهم مع بعضهم البعض، وذلك بسبب النقص والقصور الموجود في الألفاظ والعبارات؛ لأنّها موضوعة من قبل العامّة ولم تخضع للبحث والتدقيق. فهناك الكثير من الألفاظ ليس لمعانيها وجود في الخارج، مثل الحظّ والصدفة والأفلاك. أو أنّ معانيها مجملة ومشوّشة وغير واضحة وصريحة؛ مثل الجوهر، العرض، الوجود، الماهيَّة، الكون، الفساد، العنصر، المادّة، الصورة وأمثالها. لهذا السبب هناك الكثير من الأمور لا تُفهم بشكلٍ صحيح فتُعطي للناس تصوّرات خاطئة.
القسم الرابع، الأصنام الاستعراضيَّة: وهي الأخطاء التي تحصل نتيجة التعليمات والاستدلالات الخاطئة للحكماء. يرى (بيكن) في هذا المجال أنّ كلَّ مذهبٍ من مذاهب الحكماء يملك نمطاً استعراضيّ، ويرى أنّها ثلاثة أقسام: القسم الأوّل يُسمّيه السوفسطائيّ أو النظريّ؛ يعني أنّ الفيلسوف ومن دون أن يحقّق ويدقّق في بعض الأمور المتداولة يتّخذها أساساً يَنسج عليه جملة من الخيالات؛ القسم الثاني الحكمة التجريبيّة، وهو على عكس القسم الأوّل قلّما يعتمد فيها على التعقّل والاستدلال، ويُكثر من الاعتماد على التجريبيَّات والأمور العمليّة. القسم الثالث يَبتني على المنقولات والإحساسات والعقائد المذهبيَّة، مثل تعاليم فيثاغورس وأفلاطون والذين أرادوا صنع الفلسفة اعتماداً على سفر التكوين وكتاب أيوب، حتَّى أنَّهم أخذوا معلومات من الأرواح والجنّ والملائكة، ويُطلِق بيكن على هذا القسم الفلسفة الموهومات(30) .
هوى النفس (الصنم الشخصيّ)
من الموارد التي هي منشأ لخطأ الذهن هوى النفس الشخصيّ والتي يُطلق عليها الصنم الشخصيّ. وقد أُشير إلى هذا المانع في العديد من الآيات القرآنيّة، كالآية في سورة النجم: { إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى } (النجم،23)(31) .
________________________________________
(30) فروغي، محمد علي، سير حكمت در اروپا، ج 1، ص 139ـ 142، الطبعة الثانية، طهران، زوّار، 1367هـ . ش.
(31) محمّد: 14، الروم: 29.

[الصفحة - 316]


فالآية الشريفة تُشير إلى أمرين: 1 ـ أولئك الذين يأخذون بالظنِّ بدلَ العلم، 2 ـ أولئك الذين يَنطِقون بما تريدهم قلوبهم، فما يقولونه ليس هو منطق العقل والفكر ومنطق الاستدلال، بل هو منطق ولسان هوى النفس(32) . ومعنى اتّباع الأهواء هو إمارة وسيطرة الطبع على القلب والعقل. إذاً فالقلب غير المحكوم للطبع، والباقي على طهارته النظريَّة والأصلية لا يتأخَّر في فهم المعارف الدينيَّة والحقائق الإلهيَّة(33) .
تقليد القدماء (صنم السوق)
عُبّر في القرآن عن صنميَّة السوق أو صنميَّة الاستعراض بعنوان التقليد؛ ويؤكّد القرآن كثيراً على بيان أنّ تقليد القدماء يوقِع الإنسان في الخطأ. وينقل القرآن ينقل عن الأنبياء كافّة نهيهم عن التقليد(34) . وفي معرض حديث القرآن عن دعوة الأنبياء وردّة فعل الناس ورفضهم لاتِّباع المعـارف الإلهيَّة يشير إلى مسألة التقليد: { فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ } (هود، 109) (35) . يعني لا شكَّ في بطلان ما يعبُدُ هؤلاء، فإنّهم ما يعبدون إلى ما كان يعبد آباؤهم.
إذا مرَرنَا على احتجاجات الأنبياء التي نقلها القرآن الكريم نرى أنّ أصولها مشترَكة والاختلاف بينهم إنّما هو في لغة بيان ذلك. وأحد الأصول المشترَكة بين جميع الأنبياء هو نفي التقليد. فكلُّ نبيٍّ كان يُعالج في محيطه مشكلة خاصة؛ مثلاً شعيب(عليه ‏السلام) كان يركّز على مسألة النقص في المكيال والميزان، فيُعلم من ذلك أنّ هذه المشكلة كانت رائجةً جداً في مجتمعه. وكذلك لوط(عليه ‏السلام) كان يصرّ على النهي عن تلك الفاحشة الخاصّة لابتلاء قومه بها؛ وموسى(عليه ‏السلام) كان مهتمَّاً بموضوع خاص، وعيسى(عليه ‏السلام) كان يركّز على موضوع آخر، ولكن الأمر الذي تحدّث به الجميع بالاتّفاق هو نفي التقليد؛ لأنّ من الأمور التي توقِع البشر في الخطأ هو ميل الإنسان إلى الحكم بصحَّة كلِّ ما قاله أسلافه. يعني لأنّ لديه هذا الميل فإنّه يَقبل كلامهم ثمَّ يَجترح لهم بعد ذلك الأدلَّة، الأدلَّة المخترَعة التي لا توجب العلم أيضاً للإنسان. ولو أنَّ الإنسان قطع سنّة اتّباع السلف، واعتمد على عقله الفطريّ الإلهيّ فإنَّه يَستطيع حينئذ أن يعرفَ
________________________________________
(32) مطهّري، مرتضى، مصدر سابق، ص 579.
(33) الطباطبائي، السيد محمد حسين، مصدر سابق، ج 18، ص 356.
(34) مطهّرى، مرتضى، مصدر سابق، ج 4، ص 577.
(35) هود: 62، يونس: 78 ، الاعراف: 28، الانبياء: 53 و 54، الشعراء: 74، لقمان: 21، الزخرف: 22 و 23.

[الصفحة - 317]


إن كان ما يقوله الأسلاف صحيحاً أو باطلاً، أو أنّ نصفه صحيح ونصفه الآخر باطل(36) .
التقليد الأعمى يُمكنه أن يمنع الإنسان من الوصول إلى المعرفة وكذلك من قبولها؛ كما يقول القرآن الكريم: { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ...} (الأنعام، 39) والمقصود من الصمّ في الآية الشريفة أولئك الذين كانوا يتّبعون زعماءهم بشكلٍ أعمى، وهذا الاتّباع والتقليد وصل إلى حدّ سلبهم حسّ سماع دعوة الحقّ. والمراد من البُكم أولئك الكِبَار الذين كان الناس يتّبعون أوامرهم برفض دعوة التوحيد، بالرغم من معرفتهم بأنّها دعوة حقّة، لذا فبسبب امتناعهم من قول الحقّ والاعتراف به والشهادة به أصبحوا بُكم(37) .
اتّباع الكبراء (الأصنام الاستعراضيّة)
مسألة اتّباع الكبراء والأعيان غير مسألة تقليد الأسلاف؛ ففي تقليد الأسلاف يكون الإنسان متعلّقاً بأسلافه وراغباً في السير على طريق آبائه وأجداده نفسه، أمّا اتِّباع الكُبَراء فهو ما يُطلِق عليه (بيكن) الأصنام الاستعراضيَّة، ومقصوده المذاهب الفلسفيَّة، والشخصيَّات العلميَّة الكبيرة التي تُضِلُّ فكر الإنسان؛ مثلاً، يسعى للإنسان للتفكير في مسألةٍ ما، لكنّه عندما يرى أمامه عظمة أرسطو وأبي علي سينا الَّلذين ملآ روحه وفكره فإنّه يقبل كلامهما بشكلٍ كاملٍ؛ لأنّه يرى أنّهما منزّهين عن الاشتباه. وهذا يكون سبباً لجهله بأنّه واقعٌ في أسر رعب عظمة الكِبَار.
يطرح القرآن الكريم مسألة اتِّباع الكُبَراء ـ غير الآباء ـ بشكلٍ صريح؛ ففي معرض حديثه عن السؤال الذي يُوجّه يوم القيامة إلى بعض الناس عن سبب سيرهم في طريق الخطأ والضلالة، ينقل جوابهم: { وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ } (الأحزاب، 67)؛ فإنّ كِبَار القوم لأنّهم كِبَار وعظماء، عندما يَسيرون في طريق معيّن فإنَّ الصِّغَار يسيرون وراءهم. وهذه مسألة أخرى غير مسألة اتِّباع الأسلاف(38) .
________________________________________
(36) مطهّري، مرتضى، مصدر سابق، ج 4، ص 577.
(37) الطباطبائي، السيد محمّد حسين، مصدر سابق، ج 7، ص 119.
(38) مطهّري، مرتضى، مصدر سابق، ج 4، ص 580.

[الصفحة - 318]


عندما يَنقل القرآن الكريم قصَّة امتناع قوم شعيب عن قبول دعوته يبيّن استدلالهم على ذلك فيقول:{ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَ ...} (هود، 87) وللعلامة الطباطبائيّ كلامٌ في تفسير الآية يَستشفُّ منه تفسيره الآية بمسألة اتّباع الكُبِراء لا تقليد الأسلاف، فيقول: إنّهم إنّما قالوا : «أن نترك ما يعبُد آباؤن» دون أن يقولوا: «أن نترُكَ آلهتنا أو أن نترُكَ الأوثان» ليُشيروا بذلك إلى الحجَّة في ذلك وهي أنَّ هذه الأصنام دام على عبادتها آباؤنا فهي سنّة قوميَّة لنا، ولا ضير في الجري على سنّة قوميَّة ورثها الخلف من السلف، ونشأ عليها الجيل بعد الجيل، فإنّا نعبد آلهتنا وندوم على ديننا وهو دين آبائنا ونحفظ رسمَّاً مليّاً عن الضيَعَة»(39) .
التعصّب (صنم الطائفة)
جُبِلَت خلقة الإنسان بنحو يتَّجه بتفكيره إذا كان يحمل لوناً خاصَّاً من الناحية العاطفية إلى حيث لا يستطيع أن يرى الحقائق كما هي عليه، بل يراها بحسب ذلك اللون. إنَّ العشق والبغض عاملان يُوجِبَان قيام حالة التعصّب في روح الإنسان، فلا يَقدر حينئذٍ على رؤية الشيء كما هو عليه في الواقع(40) . وطبقاً لتعبير العلاّمة الطباطبائي: «فإنّ التعصّب للمذاهب هو الذي صرف كثيراً من العلماء الأذكياء عن إفادة أنفسهم وأمّتهم بفطنتهم وجعل كتبهم فتنة للمسلمين»(41) .
ولعلّنا نجد آياتٍ كثيرة لها نوع دلالة على مانعيَّة التعصّب من تحقّق المعرفة الصحيحة لدى الإنسان { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } (المؤمنون، 53).
تستَعرِض الآية حقيقة نفسيَّة واجتماعيَّة وهي أنّ التعصّب الجاهليّ للأحزاب والفئات يمنع وصولها إلى الحقيقة؛ لأنّ كلاًّ منها قد اتَّخذ سبيلاً خاصّاً به. وأصبح في قوقعةٍ لا تَسمح للنور بالدخول إلى قلبه(42) .
إنّ قصة بني إسرائيل ومعتقداتهم العجيبة التي نقلها القرآن الكريم لهي نموذجٌ صارحٌ لهذه المقولة، إنّ تعصّبهم لدينهم وأصلهم هيّأ الأرضية لقيام تلك المعتقدات الخاطئة وحرمهم من الوصول إلى المعرفة الحقيقيَّة، { وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا }
________________________________________
(39) الطباطبائي، السيد محمّد حسين، طباطبائى، الميزان، ج 10، ص366.
(40) مطهّري، مرتضى، مصدر سابق، ج 13، ص 419ـ420.
(41) الطباطبائي، السيد محمّد حسين، مصدر سابق، ج 4، ص 329.
(42) الشيرازي، ناصر مكارم شيرازي، تفسير نمونه، الطبعة الواحدة والعشرون، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1367، ج 14، ص 259.

[الصفحة - 319]


{وَصَمُّوا } (المائدة،71)(43) .
ظنّوا أنّهم غير معذّبين، ولذلك أصبحوا عُميَاً عن رؤية الحقائق وصُمّاً عن سماع قول الحقّ: فيُمكن أن يُستفاد من الآية الشريفة أن تعقَّب بني إسرائيل لدينهم وأصلهم كان السبب لعمَاهم وصمَمِهم. يقول العلاّمة الطباطبائي في هذا المجال: «فمعنى الآية ـ والله أعلم ـ أنّهم لمكان ما اعتقدوا لأنفسهم من كرامة التهود ظنّوا أن لا يُصيبَهم سوء أو لا يُفتنون بما فعلوا فأعمى ذلك الظنُّ والحسبان أبصارهم عن إبصار الحقّ، وأصمّ ذلك آذانهم عن سِمَاع ما يَنفعهم من دعوة أنبيائهم»(44) .
النزعة الحسّية
المانع الآخر من موانع المعرفة التي أُشير إليها في القرآن الكريم وليست من ضمن الأصنام الأربعة هو النزعة الحسّية، والسبب في ذلك هو أنّ محلّ عيش الإنسان هو الطبيعة، فيأنس كثيراً نتيجة لذلك بالمحسوسات. هذا التماس القريب الذي يَحصل للإنسان مع الطبيعة من دون أيّ جهدٍ ومشقَّة يوجب أن يَستفيد الإنسان في الموضوعات غير المحسوسة وما وراء الحسّ من الحسّ، وأن يَبحث دائماً عن الأمور الحسّية. نَلتقي بآيات متعدِّدة من القرآن الكريم تحكي عن أقوام امتنعوا عن قبول كلام الله والوحي بسبب هذا المانع. وبنو إسرائيل هم المصداق الواضح لذلك: { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةً } (البقرة، 55) ونظيرها آية: { وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا } (الفرقان،21).
وهذا التوقّع غير المعقول وغير الصحيح والذي نشأ من أُنسهم بالمحسوسات وقُربِهم إلى الطبيعة هو الذي مَنَعهم من التفكير والمعرفة الصحيحان للحقائق وللخالق تعالى وفي النهاية من الإيمان(45) .
ويصف القرآن الكريم المعرفة التي يملكها هؤلاء: { يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } (الروم، 7).
مراد هذه الآية هو أنّ هؤلاء لديهم علمٌ بظاهر الدنيا فقط، وهم غافلون عن
________________________________________
(43) راجع أيضا، البقرة: 80.
(44) الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، مصدر سابق، ج 6، ص 68.
(45) اليزدي، محمّد تقى مصباح، أخلاق در قرآن، ج 1، ص 311ـ 312، الطبعة الثالثة، قم، مؤسسه آموزشى و پژوهشى امام خمينى (ره)، 1377 هـ . ش.

[الصفحة - 320]


باطن الدنيا التي هي نشأة المِثَال والعقل، والدليل على ذلك أنّ الكفّار يَعتمدون في المعرفة على الحسّ والمذهب الحسّي، وأمّا العقل فلا يرونه وسيلةً يُمكن من خلالها تحسين إدراك الحواسّ. وقد أشار الله تعالى في سورة النجم إلى ضعف وتفاهة علمهم(46) .
إنّ ما هيّأ الأرضية لاحتيال ومكر السامري عند غيبة موسى(عليه ‏السلام)، ومكّن من عباده العجل بين قوم موسى(عليه ‏السلام)، لهو الميل الحسّي لدى بني إسرائيل؛ فإنّ الشخص الذي يتعرّف على العالم من خلال المعرفة الحسّية، فيؤمن طبقاً لها، إذا تبدّلت آلة معرفته وحسّه، أو تحوّل متعلّق حسّه وتغيّر، فإنّه سوف يترك إيمانه. هكذا كان إيمان بني إسرائيل، فإنّهم آمنوا لما رأوا عصا موسى(عليه ‏السلام)، وبعد ذلك لمّا رأوا جسد العجل له خوار اتّبعوا السامري(47) .
القرآن الكريم وعلاقة المجتمع والمعرفة
إنّ ما نسعى للوصول إليه في بحثنا هذا هو معالجة رؤية القرآن الكريم فيما يرجع إلى العلاقة بين المعرفة والمجتمع، بصرف النَّظر عن نحو هذه العلاقة، كتأثير الاجتماعيَّات في مضمون المعرفة، أو سيطرة العوامل الاجتماعيَّة على المعرفة، السؤال هنا هو أنّه هل يقرّ القرآن الكريم بوجود علاقة بين المجتمع والمعرفة، بمعناها العام الشامل للأخلاق والسلوكيَّات والميول؟ هل يرى القرآن الكريم ارتباطاً بين مجتمع معيّن ونوعٍ خاص من المعرفة؟ وبعبارةٍ أُخرى: هل يمكن وجود معارف تختص بمجموعات محدّدة؛ بمعنى أن يكون للمجموعات الاجتماعيَّة أفكار، أخلاق، سلوكيَّات، وميول متشابهة، بمعنى أن يكون لهذه المجموعات ـ نظراً لكونها تعيش الحياة اجتماعيّة وتقوم بينها علاقات اجتماعية ـ نوع موحّد من الأفكار والميول؟
يُستفاد بملاحظة العديد من آيات القرآن الكريم الدلالة على وجود نوعٍ من المعرفة الخاصة بمجموعات محدّدة. أي ثمّة آياتٍ متعدّدة من الكتاب العزيز تدلّ على أنّ المجموعات الاجتماعيَّة بسبب تعاملها فيما بينها، لها نوع معرفة وخلق وسلوك
________________________________________
(46) جوادى آملى، عبد الله، مصدر سابق، ص 195ـ 199.
(47) المصدر نفسه.

[الصفحة - 321]


واحد جمعيّ. أمّا نحو هذا الارتباط وأنّه ارتباط ضروريّ أو غير ضروريّ فهذا ما سوف نتعرّض له في القسم الثاني من هذه المقالة.
الآيات التي تدلّ على هذا الموضوع يمكن تقسيمها كالآتي:
آيات التقليد
تعرّضنا عند حديثنا عن مصادر المعرفة للآيات التي تتحدّث عن التقليد، وتشكِّل هذه الآيات نموذجاً واضحاً للعلاقة بين المعرفة والمجتمع وتأثير العوامل الاجتماعيَّة على المعرفة والتحديد الاجتماعيّ لها. ومفَاد هذه الآيات يدلُّ على أنّ بعض الجماعات المرتبطة اجتماعياً وبسبب تقليدهم للأسلاف تكوَّنت لديهم معرفة من نوعٍ خاص، فكانت عقيدتهم جميعا عبـادة الأصنام، { مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ } (هود، 109).
آيات الولاية
تتحدَّث بعض الآيات في القرآن الكريم عن قبول أو رفض ولاية بعض المجموعات بالنسبة إلى مجموعات أُخرى اجتماعيَّة، فبعض الآيات تؤكّد على ولاية المؤمنين على بعضهم البعض، وبعضها الآخر يحذّر المؤمنين من تولّي الكفّار { لاَ يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ }(آل عمران، 2)(48) .
يذكر العلاّمة الطباطبائي في تفسير هذه الآية التالي: «فاتِّخاذ الكافرين أولياء هو الامتزاج الروحيَّ بهم بحيث يؤدّي إلى مطاوعتهم والتأثّر منهم في الأخلاق وسائر شؤون الحياة وتصرّفهم في ذلك... وعلى هذا فأخذ هذه الأوصاف في قوله: { لاَ يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } للدلالة على سبب الحكم وعلَّته، وهو أنّ صفتيّ الكفر والإيمان مع ما فيهما من البُعد والبينونة، ولا محالة يَسري ذلك إلى من اتَّصف بهما فيفرِّق بينهما في المعارف والأخلاق وطريق السلوك إلى الله تعالى وسائر شؤون الحياة لا يلائم حالهما مع الولاية، فإنّ الولاية يوجب الاتِّحاد والامتزاج، وهاتان الصفتان توجِبَان التفرّق والبينونة؛ وإذا قويت الولاية كما إذا كان من دون
________________________________________
(48) راجع أيضا، المائده: 51، الممتحنه: 1، المجادلة: 22.

[الصفحة - 322]


المؤمنين أوجب ذلك فساد خواصّ الإيمان وآثاره ثمّ فساد أصله»(49) .
وعلى هذا، يُستفاد من الآية الشريفة أنّ المجموعات الاجتماعيَّة، كالكفّار والمسلمين، قد يتحقّق لديهم نوعٌ خاصٌ من المعرفة والفكر والميل، نتيجة طبيعة علاقاتهم الاجتماعيَّة وحياتهم الجمعية. وبعبارةٍ أُخرى: إنّ للعلاقات الاجتماعيَّة تأثيراً في تعيّن المعرفة والميول لدى الأفراد والجماعات؛ كما أنّ قبول ولاية جماعةٍ اجتماعيَّةٍ خاصَّة والتَّعامل معها يبعث على قبول الإنسان لأخلاقها وتصرّفاتها وعقائدها.
الآيات المتعلقة بالاقتصاد
إنّ لعلاقة الاقتصاد بالمعرفة، ولتأثير الإمكانات الماليَّة على نوع المعرفة والميول، مكانةً خاصَّةً في مجال علم الاجتماع، وبالخصوص في علم اجتماع المعرفة. ويرى بعض الباحثين أنّ هذه العلاقة تمتاز بالقوّة والمتانة إلى درجةِ أنّه يراها العامل الوحيد المحدِّد للمعرفة وللميول الإنسانيَّة. والذي يبدو أنّ مفاد بعض الآيات يحكي عن نوعٍ من العلاقة بين العوامل الاقتصاديَّة والمعرفة، وبعبارةٍ أُخرى: هذه الآيات تحكي عن تأثير الإمكانات الاقتصاديَّة على معارف الإنسان وميوله.
{وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} (القلم،10ـ 15) (50) .
يقول العلاّمة الطباطبائي بأنّ قوله { أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ } «الظاهر أنّه بتقدير لام التعليل، وهو متعلّق بفعل محصّل من مجموع الصفات الرذيلة المذكورة، أي هو يفعل كذا وكذا لأنَّ كان ذا مال وبنين فبَطر بذلك، وكفر بنعمة الله وتلبّس بكلِّ رذيلة خبيثةٍ بدَلَ أن يشكر الله على نعمته ويصلح نفسه»(51) .
وقصة قارون هي نموذجٌ واضحٌ عن العلاقة بين المعرفة والاقتصاد، وقد عرضها القرآن الكريم في عدّة آيات: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ }
________________________________________
(49) الطباطبائي، السيد محمّد حسين، مصدر سابق، ج 3، ص151 ـ 152.
(50) راجع أيضا، الكهف: 32ـ34 ، العلق: 6ـ7.
(51) الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، مصدر سابق، ج 19، ص 372.

[الصفحة - 323]


{الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ الله الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} (القصص، 76 ـ 78).
إنّ قارون كان سبطاً من الأسباط، أي من قوم موسى ومن المستضعفين الذين استضعفهم فرعون، هذا الفرد الذي عاش الاستضعاف وآلامه سابقاً، عندما أصبح ثريّاً كبيراً انقلب على قومه الذين عاشوا الاستضعاف معه وطغى عليهم(52) .
إنّ الآية الشريفة وإن كانت تتحدَّث بالأصل عن شخصٍ بعينه هو قارون، لكنّ هذا التوهّم الخاطئ الذي عَرَض له وسبّب له الهلاك لا يختصّ به، بل إنّ جميع أبناء البشر الذين رَسَخَت المادّيات في أذهانهم مبتَلون مثله بهذا التوهّم الخاطئ؛ فعامّة أبناء الدنيا يتخيَّلون أنّ ما هم عليه من ثروة ومقام قد أوصلهم إليه علمهم ومعرفتهم(53) .
ويَلجأ القرآن الكريم في تحذيره لمشركي مكّة ـ وقد كان قادتهم من أثرياء مكّة ـ إلى أمرهم بالسير في الأرض، ودعوتهم إلى التأمّل في ما آل إليه أمر من سبَقَهم من الكفّار الذين كانت لديهم القدرة الماليَّة العظيمة. ويُستفَاد من هذه الدعوة أنّ إحدى عوامل المعتقدات الفاسدة لمشركي مكَّة وأسلافهم من وجهة نظر القرآن الكريم هي قدرتهم الماليَّة.
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون } (غافر،82 ـ 83).
«والمراد بفرَحِهم بما عندهم من العلم شدّة إعجابهم بما اكتسبوه من الخبرة والعلم الظاهريّ وانجذابهم إليه الموجِب لإعراضهم عن المعارف الحقيقيَّة التي جاءت بها رسلهم، واستهانتهم بها وسخريّتهم به»(54) .
الموضوع الآخر المهمّ في مسألة علاقة المعرفة بالاقتصاد ظاهرة المترَفين، ونُشير إليه بشكلٍ مستقلّ لما له من أهميَّة.
________________________________________
(52) مطهّري، مرتضى، جامعه و تاريخ، ص 174، الطبعة العاشرة، طهران، الناشر صدرا، 1376 هـ . ش.
(53) الطباطبائي، السيد محمّد حسين، پيشين، الميزان، ج 16، ص77، بتصرّف.
(54) المصدر نفسه،همان، ج 17، ص356.

[الصفحة - 324]


المُترَفون، معرفة وميول خاصّين
يُطلق القرآن الكريم على مُنكري المعارف الإلهيَّة تسميات متعدّدة نحو: (الملأ)، (المترَف)، (المستكبر)، (الملوك)، وأمثالها. وتقع تسمية (المترفون) على رأس تلك الجماعة الرافضة لأوامر وتعاليم الأنبياء، { وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } (الزخرف، 23) {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } (سبأ، 34)(55) .
«مترَفوها جمع مترَف من مادّة تَرف، بمعنى التوسّع في النعمة، والمترف الذي قد أبطرته النعمة وسِعَة العيش، وأترفته النعمة أي أطغته»(56) .
ويستفاد من الآية الشريفة أنّ طبقة المترفين، وهي طبقة أصحاب النفوذ والأثرياء في قومهم يملكون نمطاً خاصّا من التفكير. وبعبارةٍ أُخرى: ظاهر الآية يوحي بمحدِّدٍ اجتماعيّ للمعرفة يتعلّق بهذه الطبقة؛ أي إن المكانة الاجتماعيَّة للمترَفين تستتبع مثل هذه المعرفة والميول، ولو فرضنا أنّ هؤلاء لم يكونوا في مثل هذا الوضع الاقتصاديِّ لكان من الممكن أن يكونوا بعيدين عن هذا النوع من المعرفة.
وبناءً على هذا، يُستفاد من الآية الشريفة بوضوح أنّ المترفون هم قادة المعارضة للأنبياء، وهم الذين كانوا يحتجّون بتقليد الأسلاف(57) .
نحو ارتباط المجتمع بالمعرفة في القرآن
إنّ ما نصل إليه من خلال العرض المتقدّم للآيات القرآنيّة هو أنّ القرآن الكريم يؤيّد نظرية علاقة المجتمع بالمعرفة، وبتعبير آخر: يؤيّد تأثير العوامل الاجتماعيّة على المعرفة، وعلى النمط المعرفي الذي تتبّعه الجماعات.
لكنّ السؤال الذي يُطرح هنا هو عن نحو هذا الارتباط من وجهة نظر القرآن الكريم؟ فهل يمكننا الوصول من خلال ملاحظة الآيات المذكورة في موضوع علاقة المجتمع بالمعرفة إلى:
أوّلاً: أنّ للعوامل الاجتماعية دخالةً في مضمون المعرفة، أو أنّ تأثير هذه العوامل
________________________________________
(55) راجع أيضا، الإسراء: 6 ، المؤمنون: 64.
(56) الشيرازي، ناصر مكارم، تفسير الأمثل، ج 13، ذيل الآية 34 من سورة سبا.
(57) المصدر نفسه، ج 21، ص 38.

[الصفحة - 325]


لا يتجاوز تحديد الموضوع، والظروف المحيطة بالعلاقات الإنسانيّة؟
وثانياً: إذا كانت للمجتمع تأثيره على مضمون المعرفة من وجهة نظر القرآن الكريم، فهل أنّ هذا التأثير هو بنحو العلّة التامّة، أو في حدّ الاقتضاء والعلّة الناقصة؟ وبعبارةٍ أُخرى، هل يُستفاد من الآيات الشريفة أنّ الاجتماعيَّات تكون عاملا محدِّداً لنوع المعرفة، وأنّ الإنسان في أيّ جماعة أو طبقة كان، يملك نوعاً من المعرفة والميول بالنحو الذي تفرضه تلك الطبقة والجماعة؟
ثالثاً: هل يحدِّد القرآن الكريم بدائرة تأثير المجتمع على المضمون المعرفي للجماعة بنحو ينفي تأثير التفكير الفردي على المعرفة، ألا يمكن أن يمتلك الفرد نمط تفكير خاص لا يعود إلى الجماعة التي يعيش ضمنها؟
القرآن ودور المجتمع في مضمون المعرفة
الآيات المذكورة في باب العلاقة بين المعرفة والمجتمع على طائفتين:
أ ـ يُستفاد من طائفة من الآيات أن دور المجتمع لا يقتصر تأثيره صورة وشكل المعرفة، بل له تأثير على المحتوى والمضمون المعرفيّ، أي إنّ دوره لا ينحصر في تعيين الموضوعات وأنماط العلاقات بل يتعداه إلى تحديد المحمولات وحملها على موضوعاتها. وكمثالٍ على ذلك، عندما يتمُّ التعرّض لموانع المعرفة ودور (الكُبَراء)، ودور تقليد الأسلاف، فلعلّ الظاهر أنّ تلك الآيات تدلّ على أنّ الأتباع كانوا يتلقّون المضمون المعرفي بتمامه من هؤلاء، دون أن يكلِّفوا أنفسهم عناء التدقيق ودون اتِّباعٍ منهم للمنطق العلمي، فما كان يقوله كبراؤهم وأسلافهم كانوا يقبلونه.
ب ـ المستفاد من بعض الآيات أنّ بعض العوامل الاجتماعية لا دور لها في مضمون المعرفة، وأنّ تأثيرها ينحصر في تحديد العلاقات القائمة بين الأفراد؛ فالآيات التي تشير إلى علاقة العوامل الاقتصادية بالمعرفة، هي من هذا القسم؛ فالظروف الاقتصادية المُثلى توفّر الأرضية لقيام نوعٍ خاص من الميول، أو لقبول نوعٍ خاص من المعرفة، دون أن يكون لها دخلٌ في محتوى المعرفة. فالجماعات التي تملك ثراء
________________________________________

[الصفحة - 326]