نقد الفكر الديني الغربي عند العلامة البلاغي

نقد الفكر الديني الغربي عند العلامة البلاغي

تأليف 

أ.د. عامر عبد زيد الوائلي

مقدمة المركز

تهدف سلسلة «نحن والغرب» إلى إحياء الحركة المعرفية والنقدية وتفعيلها حيال فكر الغرب وقيمه في الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة.

وتقوم منهجية هذه السلسلة على تظهير أعمال مفكِّرين وعلماء من الذين أثروا الثقافة العربية والإسلامية بإسهامات نقدية وازنة في سياق المساجلات والمناظرات مع الأفكار والمفاهيم الغربية، ولا سيما منها التي ظهرت بالتزامن مع تدفّقات الحداثة وما رافقها من عمليات توسّع استعماري إلى بقية العالم.

إنّ المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية إذ يقدّم هذه السلسلة إلى القرّاء يحدوه الأمل بأن يُسهم هذا المسعى المعرفي في تنشيط فضاءات التفكير النقدي وتأسيس مناخات فكرية جادّة في العالمين العربي والإسلامي.

 * * *

هذا الكتاب "نقد الفكر الديني الغربي عند العلاّمة البلاغي" هو دراسة تحليلية نقدية للباحث والأكاديمي العراقي عامر عبد زيد الوائلي، حيث يتناول بالبحث والتحليل رؤية العلاّمة الشيخ محمد جواد البلاغي للفكر الديني في الغرب الحديث، والمنهج النقدي الذي اعتمده لمواجهة نظريّاته العلمانية، واللاهوتية في قضايا الإيمان والوجود. مع الاهتمام بتظهير نقد الشيخ البلاغي لمباني الخطاب الديني الغربي وأطروحاته التلفيقية ضد الإسلام، وبيان معاثر هذا الخطاب وتهافته.

والله ولي التوفيق

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

 

مقدمة المؤلف

شكَّل الخطاب التبشيريّ جزءاً من الأطروحة الغربيّة التي حاول الغرب من خلالها أنْ يسيء للإسلام، عبر إسقاط صفات الإرهاب والقمع والديكتاتوريّة والظلم والاضطهاد عليه، ليثبت أنّ الإسلام نقيض الليبراليّة، مستعيداً بما ساد أوروبا والغرب في حقب زمنيّة طويلة من استبداد وتعصّب وكراهيّة للنساء، وعنصريّة وقمع للحرّيّات، ليأتي لاحقاً ويلصقه بالإسلام، مما يرجّح كفّة تزكية الغرب؛ ليظهر بمظهر الديمقراطيّة المتسامحة، وأنّ ليبراليّته المنقذ الوحيد، كونها تجسِّد كلّ ما هو منافٍ للإسلام[1].

وقام الغرب برسم صورة نمطيّة عن الإسلام على أنّه يمثّل الخطر الأكبر على الحرّيّة والمساواة والتسامح والمرأة...، وفق تفسيرات تتعمّد الإساءة إلى التعاليم الإسلاميّة وتأويلها وتحريفها لمصلحته المستمرّة منذ عقود، حيث تهيمن على الفكر الغربيّ الرؤية الأحاديّة حتّى مداخل الخطابات اللاهوتيّة التي عبّر عنها أحد رجالات اللاهوت المعاصر بقوله: «على أساس الرسالة التي مؤدّاها أنّ الله قد مات، تخلع الوجوديّة على الإنسان الاكتفاء الذاتيّ (أو الغنى الذاتيّ) الإلهيّ»[2]. فهذه الرؤية شكّلت نقطة محوريّة في الفكر الغربيّ الليبراليّ، وكانت حاضرة في تلك الحملات الطويلة المعادية للإسلام؛ كما تجلّت في عهد العلامة البلاغي بالتبشير؛ حيث علّلت هدف حملاتها التبشير الليبراليّة وسعيها الدؤوب إلى نشر قيمها بين المسلمين، بأنّها تسعى إلى إنقاذهم ممّا يعانون منه من نظام استبداديّ وتعصّب وكراهيّة للنساء![3]. ويبدو أنّ هذه الرؤية كامنة وراء المهمّة الليبراليّة التي تقتضي إعادة تشكيل الإسلام؛ ليكون على شاكلة المسيحيّة البروتستانتيّة الليبراليّة، وفي حال رفض المسلمين أهداف هذه الحملة، والتحوّل طواعيّة إلى الليبراليّة، عندها يجب استعمال القوة العسكريّة؛ لأنّ رفضهم يعني التصدّي للحداثة، والقيم الليبراليّة، والحرّيّة، والمساواة، والفردانيّة، والمواطنة، وحقوق المرأة، والحرّيّات، وحرّيّة المعتقد، والعلمانيّة، والعقلانيّة. كما أنّ مقاومتهم تُعدّ تهديداً لقيمة جوهريّة من قيم الليبراليّة، وهي عالميّتها وضرورة تعميمها؛ كالعولمة.

وأمام هذا الواقع جنّد الشيخ البلاغي نفسه من أجل الدفاع عن مباني الإسلام وعقيدته، وبذل جهده في تحليل الأطروحة الغربيّة والتبشيريّة، والكشف عن أوجه الضعف فيها، ومن ثمّ تقديم موقف بديل عبّر عنها في مؤلّفاته، ولا سيّما كتابيه: «الرحلة المدرسية»، و«الهدى إلى الدين المصطفى »، فانتهج موقفاً حجاجيّاً وبرهانيّاً في الدفاع عن العقيدة؛ من منطلق كونه رجل دين ومثقّف دينيّ «يتّجه بنظره، نحو العصر، ونحو القضايا والمشكلات والتحدّيات المعاصرة، بحاجة إلى أنْ يقدِّم تصوّراته وأطروحاته بمعايير تتّصف بالمنهجيّة والعلميّة والحضاريّة، وعلى قاعدة الموازنة بين الأصالة والمعاصرة، الثوابت والمتغيّرات، الأصول والفروع، والمطلقات والنسبيّات، وعلى ضوء التمسّك بمناهج الاجتهاد، وقطعيّات العقل في التشريع الإسلاميّ»[4].

ومن هذا المنطلق، يُعنى هذا الكتاب بتحليل آراء الشيخ محمد جواد البلاغي في سياق نقده لمباني الخطاب الدينيّ الغربيّ وأطروحاته التلفيقيّة ضدّ الإسلام، التي شكّلت مورداً مهمّاً لاشتغالات الشيخ البلاغي البحثيّة المعرفيّة والثقافيّة، فعمل على تحليلها ونقدها وبيان تهافتها، بالاعتماد على البرهان في تأسيس موقف أو دحض موقف آخر وتشخيص نقاط الضعف والفساد في المباني التي ينطلق منها هذا الخطاب، وتقديم رؤية منهجيّة في تفكيك المنهج المعتمد لديها، ومن ثمّ الكشف عن نقاط الضعف والخلل والبرهنة في نقد أطروحاتها وآرائها.