البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

May / 25 / 2021  |  999من واجبنا النقدي زحزحة يقين الحداثة بذاتها

الحوار مع :د. عمر بن بوجليدة
من واجبنا النقدي زحزحة يقين الحداثة بذاتها

سعينا في هذا الحوار مع الدكتور عمر بن بوجليدة إلى الحضر المعرفي في بنية الحداثة وتاريخها وسلوكها في الميادين الفلسفيّة والسوسيولوجيّة والسياسيّة. وقد أظهرت إجابات بن بوجليدة مجموعةً من المقاربات النقديّة العميقة، تناولت أبرز الأركان التي قامت عليها حداثة الغرب على امتداد قرون متّصلة وصولًا إلى يومنا هذا. الجدير ذكره أنّ الدكتور بن بوجليدة متحصّلٌ على الدكتوراه في الفلسفة، ويشارك في الكثير من الندوات العلميّة والمؤتمرات الفكريّة

معه كان هذا الحوار.

«المحرّر»


* في التجربة التاريخيّة للحداثة نجد أنّها أنتجت تقليدًا نقديًّا طاول مجمل مواريثها الفكريّة وأنماط حياتها، إلا أنّ هذا التقليد النقدي -على وزنه في تنشيط الفكر وبث الحيوية في أوصاله- لم يتعدَّ الخطوط الكبرى للميراث الإغريقي. فالمعاثر التي عصفت بالعقل الغربي في طوره المعاصر ليست حديثة العهد، ما يعني حسب كثيرين أنّ الحداثة هي بمجمل بناءاتها الفلسفيّة الكبرى تشكّل امتدادًا نقليًّا للموروث اليوناني ولم تغادره قط إلى يومنا هذا. ما هو تعليقكم؟

صحيح أنّ التأسيس الذي قامت به الحـداثة هو ضرب من النّضج العقلي، إلّا أنّ المقام يستوجب العمل على زحزحة يقين الحـداثة بذاتها. ولـسنا نـريد هنا التقليل من هذه الظاهرة، ولكنّنا نبتغي تفجير الغلاف العـقلاني للحـداثة؛ إذ نـودّ طرح أسـئلةٍ مـشاغـبةٍ ومـدمّرةٍ؛ نسـفًا للتطابق وانـفتاحًا على الاختلاف مع الآخـر، المطموس، والمنبوذ، والمغيّب. وقصد الإفصاح عن مبتغانا، فإنّه أصبح من الواجب علينا أن نجاهر بهذه الأسئلة، ذلك أنّه ليس يُمكن التّعرّف على الحداثة في عمقها إلّا متى ما بحثنا في مرتكزاتها. (= العقل، الحرية، التقدم).

*  فـمـا هي إذًا، استتباعـات الحـداثة ورهاناتها؟ كيف نتعامل مع أنفسنا في ظل الحداثة؟  كيف نـتعـامـل مـع كـياننا؟ كيف نتعامل مع «الآخر» حينما نصبح ليس نحن؟ وبـسؤال جـامـع: كـيف تـكـون الـعـناية بأنـفسنا فـي ظـلّ الاخـتـلاف والخصوصيّة والنسبيّة؟

لـنقـل إذًا إنّـنا نـحـاول الـتّـدرّب عـلـى كـيفـيّة التفكير بوجهٍ آخـر حـسـب تعبير الفرنسي ميشال فوكو، لئلّا نخلط بين الكونيّة والمركزيّة الغربية الضيّقة، فهذه الأخيرة غير تواصليّة: بل هي «اسـتبعادية للآخر». و«الآخر» ها هنا هو ما أحيل على الصمت، وأقصي في الهامش، فلا بدّ إذن من استنطاق المسكوت عنه واستقدام المقصي، واستحـضار المنسي، ومساءلة المهمّش. بيد أنّه علينا أن ننـتبه إلى أنّ «الآخر» يبدأ حين يبرز الوعي باختلافي، ويـنـتهي عندما نعـتـرّف هـو وأنا بكونـنا نـشكّـل ذواتا مغايـرةً كما يقـول «بول ريكـور». لـكـن أفــليـس يـجـب أن نـجـدّد الـنّظـر فـي السـؤال عـن ظـهـور الحـداثـة (=مـتى ظهر لفظ «الحداثة»؟)، ذلـك أنّ مُـرادنـا، أن نـتـوصّل إلـى إثـبات ما نعـتقده، من أنّ الحداثة استبعاد للآخر. يرجح البعـض نـسـبة  ظهـور الحـداثة رؤيـة للعـالـم، إلـى عـصر الأنـوار والبعـض الآخر يعود إلى القرن السابع عشر أو إلى بداية النهضة العلميّة الأوروبيّة، فـ «هـابرماس» يـرى أنّ عصر الأنوار هو عصر انبثاق مـشروع الحداثة القائم على «تطوير العلوم المضفية للموضوعـيّة، والأسـس الكـونيّة للأخلاق والقانون، وأخيرًا الفن المستقل، من أجل تحويل عقلاني لظـروف الـوجـود، ذلـك أنّ عصر «كانط» و«الأنـوار»، هـو عصر العقل، بمعنى عصر الوعي الحديث، أمّا البعض الآخر فيعود للأسباب نفسها إلـى «ديكارت». فـفـي القـرنين السابع عشر والثامن عشر أرست الحداثة قـواعـدها الفكريّة مع عقلانيّة ديكارت الذي يعتبره «ريتشارد رورتي» أب الحداثة ومؤسّسها. 

ولكن لنا أن نؤكّد أنّ عـبارة «الأزمنة الحديثـة» تشـير إلـى معـنى التـحوّل والانـتقال من مرحلة غير مـسبوقـة، إنّها عتبةٌ تاريخـيّةٌ بين العـصر الـوسيط والأزمنة الجديدة، ولكن ما يـنبغي أن يوجّه إلـيه النّظر ليس عمليّة التقسيم ذاتها، إنّما ما أوجـبته علينا مـن ضـرورة تدبّـر عملية التقـويم الـتـي صحـبتها، فالحـداثة بهذا المعنى ليست حقبةً تاريخيةً، بل قيمةٌ تستمدّ معناها من ذاتها كحـركةٍ مستـمرةٍ، وسيلان أبدي، «إنّها دعـوةٌ إلى خلق عالـم وإنـسان جديدين بالتخلّي عـن الماضي وعن العـصور الوسطى وبالعثور لدى القدماء على الثقة في العقل»، هـاهـنا يتوضّح أنّ الحـداثـة بما هي قيمة تنبني إذن على مفهوم للعقل على أساسه يتم فهم العالم، إنّه إيمان بالعقل البشري، وقدراته حتى غدا الكون كلّه صورة للعقل، وغدا العقل البشري يسود الوجود.

انطلاقًا من «الذاتية» الديكارتيّة وصولًا إلى ذاتيّة «هيغل» والتطابق بين الواقع والمعقول، شكل العقل والمعقولية مركز الاهتمام في فلسفة الأنوار وفلسفة التقدّم، تجاوزًا للديني والأسطوري والتقليدي، إنّه إثباتٌ للعقل إذًا واستبعادٌ لتجليات اللّا عقـل، وهـكـذا تقوم الحداثة على حركيّة إثبات المعقول واستبعاد اللا معقول. إنّ ذلك يعني أنّ عصر التنوير إنّما قرّر «أن الإنسانية هي سقف العقل» وفكرة التقدم سقف الإنسانيّة: تلك هي الملامح الأساسيّة لفكرة الحداثة.

* كما تعرفون فإنّ الميتافيزيقا بذلت مذ ولدت في أرض الإغريق وإلى يومنا الحاضر ما لا حصر له من المكابدات. لقد اختبرت النومين (الشيء في ذاته) والفينومين (الشيء كما يظهر في الواقع العيني)، لكنّها ستنتهي إلى استحالة الوصل بينهما. ذريعتها في هذا، أنّ العقل قاصرٌ عن مجاوزة دنيا المقولات الأرسطيّة العشر، أمّا النتيجة الكبرى المترتِّبة على هذا المُنتهى، فهي إعراض الفلسفة الأولى عن سؤال الوجود كسؤال مؤسِّس، واستغراقها في بحر خضمِّ تتلاطم فيه أسئلة الممكنات الفانية وأعراضها. كيف تُعلّقون على ذلك؟

- ما هو مؤكّد أنّ الإلزام الأخلاقيّ الواجبيّ ليس بدوره من دون صلات تجمعه مع استهداف الحياة الجيّدة الخيّرة. وبهكذا استنتاج نميط اللثام عن رسوخ لحظة أخلاق الواجب في الاستهداف الغائيّ، وإنّ ذلك ما كان جليًّا بفضل المكانة التي يحتلّها عند «كانط» مفهوم الإرادة الخيّرة «من كلّ ما يمكن تصوّره في العالم، بل وخارج العالم بعامّة، ليس ثمّة ما يمكن أن يعدّ خيرًا بدون حدود أو قيود اللهمّ إلّا الإرادة الخيّرة». وللتدليل على ما نذهب إليه من رسوخ في التراث الغائيّ، بل قل من رسوخ في التجربة الأخلاقيّة العاديّة -ذلك أنّه كما أنّ الأمر عند «أرسطو« فإنّ الفلسفة الأخلاقيّة عند «كانط» لا تنطلق من لا شيء، فمهمّتها، ليست اختراع الأخلاق ولكن استخراج معنى واقعة وجود الأخلاقيّ- وبالتالي نلاحظ تكرار ملافيظ مثل: «تقدير»، و«يقدّر»، و«يستحقّ التقدير» في ثنايا القسم الأوّل من كتاب «تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق»، وهي ما تنفكّ على صلة بالإرادة الخيّرة. يتراءى في أعطاف هذا الاستدلال إمكان انبثاق مجالات اهتمام تُضمر تأكيدين يسعى كلّ واحدٍ منهما إلى المحافظة على نوع من الاستمراريّة.

وتحت هدي هذا النحو من النّظر، يُصبح بيّنًا أنّ ما هو جيّد وخيّر أخلاقيًّا واجبيًّا يكون لا محالة جيّدًا وخيّرًا من دون قيدٍ أي في كلّ الظروف ومهما كانت الأحوال فينبغي أن يكون كذلك دائمًا.

وجلي من خلال هذا التحليل أنّ المحمول خيّرًا وجيّدًا يحتفظ بصبغته الغائيّة، فإنّ التحفّظ -دون قيد- يعلن عن استبعاد كلّ ما يمكن أن يسحب ممّا اعتبر خيرًا، صفته الأخلاقيّة والواجبيّة، ويتّضح في مستوى ثاني التأكيدين أنّ من يحمل بعد الآن المحمول خيرًا إنّما هو الإرادة، وتطالعنا هنا مرّة أخرى استمراريّة معيّنة مع المنظور الأخلاقيّ قد أبقي عليها. وإنّ هذا الأمر ليفترض المساواة بين المفهوم الكانطي للإرادة والاقتدار على التدخل في مجرى الأشياء؛ لإحداث انطلاقةٍ جديدةٍ، واتّخاذ القرار لأسباب ودوافع، وهذا الاقتدار هو موضوع تقدير الذات، مع أهمّية الإشارة إلى أنّ الإرادة في الأخلاق الواجبة عند «كانط» تحلّ محلّ الرّغبة الحكيمة في الأخلاق عند «أرسطو«. لقد بان ممّا فات أنّنا نتعرّف إلى الرغبة من خلال استهدافها، أمّا الإرادة فإننّا نتعرّف إليها عبر علاقتها بالقانون. وإنّنا لنعثر على علامةٍ حاسمةٍ تؤكّد أنّ تعريف «كانط» للإرادة في معناها الأعمّ إنّما يحمل بصمة هذه الإحالة إلى المعيار الواجبي، فلئن كانت الظواهر الطبيعيّة تتبع القوانين فإنّ الإرادة هي ملكة التصرّف بحسب تصوّر القوانين -كما ذهب إلي ذلك كانط - وإنّ مثل هذا التعريف يُبيّن الأسلوب التشريعيّ الذي يخترق مصنّفات كانط جميعًا. في هذا الموضع بالذات يستعيد السؤال: «ماذا عليّ أن أفعل؟» مشروعيّته. وهكذا فالإرادة إنّما تعبّر عن نفسها في أفعال خطاب تنتمي إلى مجموعة أفعال الأمر، في حين قد نرى أنّ الملافيظ المستعملة في الرّغبة وحتّى في السعادة هي أفعال خطاب انتماءها ظاهر إلى طابع التمنّي.

 ويرى «دلبوس» (Victor Delbos) أنّ الخلاف بين «أرسطو« و«كانط»، هو في تصوّرهما للعلاقة بين النظرية والتطبيق، فـ «أرسطو« يرى أنّ النظريّة تترتب على التطبيق، وأحيانًا يمكنها أن تختفي أمام التطبيق، أما «كانط» فيرى أنّ النظرية هي التي تنظّم وتتحكّم في التطبيق، ويجب بالتالي أن توضع بصرف النّظر عن التطبيق: صحيح أنّ الأخلاق وضعت لتطبّق على الإنسان، لكن يجب تأسيسها أوّلًا قبل تطبيقها.

ولمّا كانت عناية «جيورجيو أغامبن» مصروفة إلى بسط الكلام في ذلك الغرض، طفق يوضّح أنّ مقتضى ما التبس وغمض وأشكل أنّه إنّما ثمّة مسافة بعيدة وعميقة لا بدّ من سبر أغوارها، فقد استبان في أماراتها أمرًا مبهمًا مأتاه فيض موروث قديم، آن لنا أن نُبيّن تركيبه المتردّد. لقد استقرّت عندهم في دهر سالف، شبكة من الفضاءات والمقامات الدينيّة، ظلّ مثواها الدفين الأمر اللاهوتي الذي يستهدون به، والذي لم تكن له دلالة إلّا من أجل عقاب أو ثواب ولم يكن بالإمكان فصله عنهما. والأرجح عنده أنّ «كانط» هو من أفلح بشكلٍ خفيٍّ في نقله إلى الفلسفة لتيسير المهمّة، حتى وقر في القلوب والعقول، حيث انتهى إلى تقمّص شكل الواجب المطلق أو القطعيّ، من حيث إنّ أخلاق كانط تقوم بهذا المعنى على مفترضات لاهوتيّة خفيّة.

إنّنا إذا مددنا نظرنا صوب ما آل إليه الحال يتّضح لنا أنّ في جوف هذا التفسير، أمرًا ذا دلالة هو أنّه على عتبة الحداثة عندما بدا أنّ الميتافيزيقا واللّاهوت أخليا المكان نهائيًّا للمعقوليّة العلميّة، وزالت كلّ الحوائل التي حالت بينهما. مثّل فكر «كانط» في مهارة واقتدار، عودة الظهور المعلمن لأنطولوجيا الـ «كن» صلب أنطولوجيا الـ «يكون». إنّه انعطاف حاسم، بل ذهب ذاهبون إلى أنّها عودة كارثيّة للقانون وللدين في قلب الفلسفة، في مواجهة انتصار المعرفة العلميّة. وإذا ما رمنا الاستزادة استشفافًا للمشكل واستجلاء لما غمض وارتبك من معناه، فإنّ «أغامبن» يعدّد الدلائل والأمارات التي تؤكّد أنّ «كانط -وهو لا يجد في نفسه حرجًا- هو من حاول تأمين استمرار الميتافيزيقا؛ بترحيل أنطولوجيا الأمر داخل أنطولوجيا الكينونة والجوهر، معتقدًا أنّه يُؤمّن بهذه الكيفيّة إمكان الميتافيزيقا ويُؤسّس في الوقت نفسه إتيقا لا تكون لا قانونيّة ولا دينيّة. وحريّ بنا أن نبصر استتباعات ذلك التمشي، فقد استقبل «كانط» دون أن يدري إرث التقليد اللاهوتي-القانوني للواجب وللفعّالية وأطرد نهائيًّا الأنطولوجيا الكلاسيكيّة.

* بعد ما يزيد على ستة قرون من تاريخ الغرب بدت المدارس والتيارات الفلسفيّة والفكريّة وخصوصًا منها العقلانيّة والوجوديّة والوضعية، في حالة تعكس أزمتها في إنتاج قيم تستجيب للتحولات الكبرى التي تجتاح عالم اليوم. كيف تقوِّمون على نحوٍ مجملٍ، هذه المسيرة التاريخيّة والاختلالات التي تعرّضت لها، ولا سيّما لجهة أثرها على إنتاج القيم؟

- لقد كان الصراع عنيفًا بين الوجوديّة والبنيويّة حول موقع الذات والتاريخ والممارسة، فلقد رأى «سارتر» أنّ البُنى هي تركيباتٌ زائفةٌ تصنعها ذاتٌ معلّقة في الفضاء، فالذات الفردية شاهد لازم على فاعلية البنى. وقد ردّ «كلود ليفي ستراوس» بأنّ التاريخ لدى سارتر نشاطٌ ذاتيّ تمارسه الذات لذاتها وهكذا فـ «سارتر» أسير أناه المعرفي، والسؤال: كيف ستحمي الأنطولوجيا نفسها من «الانغلاق على الذات» أو «الانفتاح بلا ذات»، وهكذا طوّر «ريكور» مثلًا مشروعه نحو أنثربولوجيا فلسفيّة: تحرّر الذات من الفردية، وتفتّحها على أفق المجتمع والتاريخ والآخر، ونحو تأويليّة نقديّة تسدّد خطى الاتّجاه الأوّل. ولأنّه لم تعد لحقيقة الكوجيتو الدلالة الأنطولوجية عينها، التي كانت لها، ولمّا لم تعد كافية لتأسيس رمزيّة الوجود، أصبح من الضروري اقتران «الأنا أفكر» بـ «الأنا أكون»، وبهكذا فقد أصبح يمكن عندئذٍ وفقط، للوجود، أن يحقّق بعض اكتماله في العالم وأصبح يمكن أيضًا أن تكون الأنطولوجيا تعبيرًا عاقلًا عن الإنسان إّبان فهم علاقته بمن ليس هو. وحده هذا التفسير يستطيع أن يجمع جنبًا إلى جنب، التأكيد المطمئن: «أنا أكون» والشك المؤلم: «من أكون؟».

لقد وجدت الإنسانيّة الحالية في «الغرب» الجهة التي تمكّن كلّ تفكير غير غربي من الاهتداء إلى نفسه، إلّا أنّها عاينت أيضًا أن «الغرب» الذي طالما وثقنا به وتمسّكنا بحبله إنّما قد بات غربًا يتمزّق. فلو تمعّنّا في مسار التفكير حول «العلمنة» مثلًا، لاتّضح لنا أنّها أخفقت سياسيًّا؛ لأنّها لم تكن دائمًا نتيجة أو حصيلة لتطوّر مجتمعي ذاتي داخلي بقدر ما كانت حصيلة للهيمنة والسيطرة، ولم تنتبه إلى الرهانات الروحيّة المختلفة لضربين من الإنسانيّة: إنسانيّة تريد القضاء على الأسطورة؛ لتحقيق الإنسان في النوع الإنساني تحقيقًا تامًّا، وليس الجنس الإنساني بالنسبة إليها إلا قوانين تصبح فيها النّزعة الروحية ثقافة. وإنسانيّة تشفّ عن مقاومة خالصة في ما تزعم، ولكنّها مهزوزة في واقع الأمر. وهكذا لا بدّ من إعادة توسيع دلالات المفهوم، تدبرًا لما من شأنه أن يوفّر القاعدة المشتركة. وكلّ ما كان تعبيرًا عن ذهنيّة متعصّبة للوضعانيّة والعلماويّة من ناحية، مؤسّسة للمركزيّة الأوروبيّة من ناحية ثانية، مجسّدة لعداءٍ معلنٍ على «الآخر» عمومًا من ناحية ثالثة. ولن يتمّ انفضاح المحورية «الغربية» وإبانة تصدّع كثير من مرتكزاتها وتفكيكها بالانكفاء على الذات وقد انطوت في ركن ركين تحاصرها الاتهامات، وتلهث بحثًا عن أدلّة تثبت براءتها وآيات تبطل مطاعن ومزاعم مستشرق مفعم بالتلذّذيّة والنزوع العجائبي. كما لا يتم ذلك بالعداء المعلن أو المضمر ولا بالردود السجاليّة المتسرّعة، فمثل هذا المنهج يخلق تمركزًا جديدًا لا يحرّر الثقافة بقدر ما يجعلها أسيرة ذلك الوهم الاستشراقي: الدونية والعجز «وهذا مأزق يجب تلافي السقوط فيه» وإنما يتم ذلك -تفكيك المركزية وإبطال هيمنتها- بالتعامل الموضوعي الواعي.

 ثم إنّ الخروج من نيّر تلك الهيمنة يقتضي الوعي أوّلًا بأنّ اهتمام «الغرب» بالشرق لم يكن في أيّة حال من الأحوال من أجل «الشرق» بل كان دومًا من أجله هو (=الغرب) ويتم ثانيًا بتحليل الفكر الأوروبي عمومًا والفكر الاستشراقي بخاصة تحليلًا نقديًّا من الداخل فـ «مراجعة الاستشراق الأوروبي لا تقوم بنقد الاستشراق فحسب بل بنقد الفكر الأوروبي ذاته». فقد نسي الأوروبيون ما يدينون به للفلسفة واللاهوت العربيين، إنّه نسيان ينبع من تمركز حول الذات، فمثل هذا التحليل يوقفنا على الرؤية التي تحدوهم والمنهجيّة التي يسلكونها ورصد الآليات والأساليب التي يتوسلون بها، فتحدث خلخلة جذريّة ونقد يهزّ نظام المفاهيم والمعرفة السائد، بل قل البناء النظري، الذي يتأسّس عليه هذا الاستشراق، هذا الإقلاق هو الذي يزحزح علاقتنا بالاستشراق و«خلخلة تلك الإشكاليّة بإحداث رجّةٍ نقديّةٍ في مفاهيمها الأساسيّة تعني نهاية المعرفة المؤسّسة عليها» والتملك النقدي للفكر الغربي، من موقع التجاوز التحرّري. وبضرب من السابقيّة طريف، سيعرب «جيورجيو أغامبن» عمّا طال أمد كتمانه، ذلك أنّ كلّ من يعتقد أنّه يجب عليه أن يفعل يدّعي أنّه ليس كائنًا وإنّما عليه أن يكون، آنئذ يرتبط الواجب بالخضوع. وعندما نكون رفعنا القناع ـ كاسح التغلغل وشديد الوطء ـ يصبح الواجب وقتذاك دالًّا على القيام بفعل يلزم أن يحدث حتمًا بالخضوع إلى القانون. ولسوف نلحظ أنّ الواجب ينخرط، بجملة دلالاته واستعصاءاته وعلاقاته، في رهانات إتيقيّة وإستيتيقيّة سياسيّة-أخلاقيّة. ولم يكن «أغامبن» غافلًا عن أنّه، وهو يطرح اليوم مفارقة الحريّة والحتميّة، يضع على المحكّ مسؤوليّة الفاعل في علاقته بالقانون، فضلًا عن علاقة القانون بالعنف، وتحويل عنف الفرد ضدّ الفرد إلى عنف الجميع ضدّ الفرد باسم القانون. وللتمكّن من استكمال عين الإشكال، أومأ «أغامبن»، بإشارات مبثوثةٍ طيّ نصّه، إلى أنّ «التذكّر المسيحي لقربان يسوع المسيح أقوى بكثير من الذاكرة اليهوديّة لقرابين الهيكل، بما أنّ التذكّر هو تنشيط قربان ابن الله الذي أنجزه الكهنة». ومع أنّه كان قربانًا لمرّة، فإنّه يموت كلّ يوم، على الطريقة التي استنّها أغسطينوس؛ ليخطّ أثرًا فريدًا غير متكرّر، ويثبت أمرًا جللًا، يظلّ مفعمًا بالرّموز مضمّخًا بالمعاني التي من شأنها أن تيسّر ممكنات إعادة إنتاج المضامين المبعثرة أصلًا، من جهة ما تنتمي في جذورها البعيدة إلى الأوّلين وإذا نحن تأمّلنا هذا، علمنا يقينًا أنّ «أغامبن» يعتزم النظر والحديث هاهنا عن «فاعل الفعل» وليس عن «فعل الفاعل» ولم يكن التفريق بينهما هيّنًا ولا يسيرًا. فيستبين وقد هيّأ إلى الغايات سبلها أن جدّة التمييز لا تتمثّل في كونه يفصل الذّات عن فعلها وحسب، بل في كونه يفصل في الفعل ذاته بين الفعل الذي وقع اعتباره في مرّة أولى عمليّة يقوم بها فاعل ومرّة ثانية في ذاته نعني في إنجازيّته. فالكينونة ليست كائنة بل هي تتكوّن وتتحقّق، إنّها دائمًا نتيجة ممارسة فاعلها هو الإيمان، ففي الإيمان الفعل هو الكينونة، من جهة ما هو تمام الدّرك. ولأنّ «أغامبن» يوقن أنّه بناء إلى هذا كلّه حاجةٌ شديدةٌ، يكشف أنّ الإيمان المسيحيّ هو تعبئة الأنطولوجيا التي رهانها هو تحويل الكينونة إلى فعّالية. ها هنا استبان لنا ما لم يكن يستبين: كلّ شيء في الحياة قائم على الواجب، الالتزام به هو المقصد الشريف والمنزع اللطيف في حين التخلي عنه هو العار.

*  من المسلّمات الأساسيّة التي قامت عليها فلسفة العلم في الغرب أنّ الهدف من تنمية العلوم هو التحكم بالعالم الخارجي واستغلال الطبيعة، وبالتالي السعي الحثيث إلى جلب المنافع أنىَّ وُجِدَت... ما الذي ترونه حيال هذه المسلَّمة في تداعياتها على النظام البيئي والتصدعات الخطيرة التي عصفت به في مجمل الميادين؟

- هناك فرضيّة مُفادها أنّ الإنسان سيصبح كأيّ إنتاجٍ حيوانيٍّ مصنّعٍ في الوجود، نظرًا لما توفّره جميع التقنيات الجديدة التي تحيط بإنتاجه اليوم، ومن المفيد أن نذكر أبرز هذه التقنيات:

- تقنية التخصيب الاصطناعي: تقنية الإيداع في عنق الرحم للمساعدة الطبيّة على الحمل، عملية الزرع بالأنبوب: تقنية تمكّن من التخصيب خارج الجسد الإنساني، تشخيص الجنين: وهي طريقة تمكّن من معرفة الخصائص الوراثيّة لجنين عند التخصيب بتقنية أطفال الأنابيب، إمكانية تأجير وكراء بطون حوامل: استعمال تقنية الأرحام الاصطناعية محل الأرحام الطبيعية. ويمكن إضافة أصناف شتّى من التقنيات الجديدة: كالمعالجة الخلوية، أي عبر تحضير يتم من خلال خلايا حيّة قد تكون في أصلها حيوانيّة أو إنسانيّة... فهل تنذر الإمكانات المتاحة من طرف علوم البيولوجيا والهندسة الوراثية بتحوّل عميق في أسس المجتمعات البشرية؟

يبقى الهدف هو وصول التفكير الأخلاقي إلى إرساء قوانين ومعايير للعامل البيولوجي ذاته، مما يجب الاعتراف معه بأنّ التحوّل الذي تبشّر به «الهندسة الجينية» في طبيعة الإنسان، يحمل معه تحوّلًا راديكاليًّا في طبيعة تلك الذات الإنسانيّة، التي يشتغل عليها القانون، وما نريد التشديد عليه أنّ القانون ذاته -كما جرت به العادة- مقبل لا محالة على تغيّرات ومراجعات جذريّة ستغيّر من مفهوم تعريف القانون للفرد ذاته. ولا يخفى ما يطرح على القانون من إشكاليّات عويصة، نتجت عن تطوّر «البيوأخلاقيات» و«البيوتكنولوجيا». هكذا تأسّست الأخلاقيّات والمعايير القانونيّة الحديثة على فصل جوهري بين «الأفراد» و«الأشياء»، فالعنصر الأوّل يمسّ كلّ ما له كرامة وهو غاية في ذاته، أمّا العنصر الثاني فيخص الممتلكات التي لها «ثمن» وتنتمي إلى دائرة الوسائل وتنسحب عليها قواعد التملك والعرض والطلب.

ولنا أن ننتبه إلى رأي «يوناس» الذي يرى أنّ مخترعات التقنيّة المتواصلة والمتكاثرة أحدثت من التقلبات في أمور الحياة ما لا يمكن تصوّر قدره ولا إحصاء أحواله ولا تبين مآلاته، كما يرى أنّه لا مخرج لنا من هذه الوضعيّة الدائمة التبدّل، التي يتعذّر فيها التنبّؤ بما سوف تؤول إليه أمور الإنسان إلا بأن نجدّد أخلاقيّاتنا عن طريق إقامة ميثاق بيننا وبين الطبيعة كما أقمنا ميثاق بيننا وبين المجتمع. ميثاق نتحمل فيه مسؤوليتنا كاملة إزاء وجود الطبيعة باعتبار هذا الوجود موضوعًا متمتّعًا بمشروعيّة قانونيّة، وأوّل واجبات هذه المسؤوليّة تحصيل الشعور بالخوف، خوف مسؤول يحمل على العمل ويقترن بالرجاء، في تجنب الأسوأ ودفع الأسوأ، فـ «لتأت فعلك على الوجه الذي يجعل أثاره تصون الحياة الإنسانيّة الحقّة على وجه الأرض». كما أنّ «آبل» ينطلق من ملاحظة هول الأخطار وسوء الآثار القريبة والبعيدة التي تتسبّب فيها للحياة الإنسانيّة التحكمات الصناعية والتكنولوجية المختلفة، ويستنبط من هذه الملاحظة ضرورة التعجيل بتأسيس ما يسميه باسم «الأخلاقيّات الكبرى» (Macro-éthique). وهي أخلاقيّات تشترك في وضعها جميع أمم الأرض على اختلاف ثقافاتها، ولا سبيل إلى هذا الاشتراك إلا بقيام تواصل دائم؛ لأنّ هذا التواصل ينبني على معاييرَ أخلاقيةٍ كلية وقبلية، تتنزل من كل خطاب منزلة شرائط الإمكان أو شرائط الصحة، يستوي في ذلك الخطاب العادي الذي يشترك فيه جميع أفراد الجماعة التواصلية والخطاب العلمي الذي تنفرد به فئة مخصوصة من هذه الجماعة. وقد تولى «هابرماس» أيضًا تأسيس أخلاقيات التّواصل الذي يتّخذ عنده صورة المناظرة. كما نجد نظريّة الضعف عند الفيلسوفين «جاك ايلول» و«دومنيك جانيكو«، فلمّا كانت التصرفات التقنية في نظر «ايلول» جملة من الوسائل التي تظهر القوّة فوق القوّة وتجلب الضرر بعد الضرر، فقد رأى أنّه لا سبيل إلى دفع مساوئها إلا بمعارضتها بأخلاقيات تقرّر حاجة الأفراد والمؤسّسات إلى الزهد في جزء من هذه الوسائل، لا عجزًا عن استعمالها وإنّما اختيار لبعضها دون البعض، ويكون ذلك بأن نمتنع عن المشاركة في إنجاز أية تقنيّة ما لم نتبيّن آثارها الشاملة والبعيدة. أمّا «جانيكو« فقد اتّجه إلى بيان كيف أنّ التصرّفات التقنية تصير إلى الإضرار؛ حيث كان يجب أن تأتي بالنفع: لكن العقلنة لا تلبث أن تنقلب إلى نقيضها، حتى أنّه يصحّ القول بوجود قانونٍ جدليٍّ هو قانون الانقلاب ومقتضاه أنّ كلّ عقلنة تطلب بلوغ النهاية في القوّة ترتدّ إلى ضدّها، فيكون الانقلاب هو الحدّ المرسوم الذي لا يمكن أن تتخطاه العقلانيّة في تزايد سلطانها.

وعليه يذهب «ريكور» إلى أنّ الشّرّ لم يعُد يستطيع هو أيضًا أن يقيم في تخريب العقل، فالكائن خارج القانون لن يكون شريرًا لكثرة ما هو شيطاني (...) وإنّني لأرى على نحو أكثر دقّة كذلك في «كانط» التجلي الفلسفي التام بأنّ الشر الأعلى لا يمثل المخالفة الكبيرة للواجب، ولكنّه يمثّل الخبث (pravitas, vitiositas)  الذي يجعلنا نرى الخيانة فضيلة.

*  ثمة رأي يقول: إنّ كلّ ما جاء به العقل الغربي من محاجَّات، فإنّما من تضخّم ذاته الحضارية التي أسلمت نفسها العلمي القائل بأنّ كلّ شيءٍ يجب أن يخضع لقوانين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، وقد نظر إلى الروحانيات والأخلاقيات بأنّها مجرّد متغيِّرات في كيمياء الدماغ تتفاعل مع مجموعة من القوانين الميكرو-بيولوجية المرتبطة بتطوّر الإنسان. كيف تُقوّمون هذه الرؤية في ضوء التطوّرات الانعطافيّة التي يعيشها الغرب اليوم في مواجهة فيروس كورونا على سبيل المثال؟

- ليكن منا على بال، إنّه من هنا أثير جوهر الإشكال؛ إذ تعتبر «عقيدة الصدمة» استراتيجيّة سياسيّة تستخدم الأزمات واسعة النطاق للدفع بالسياسات التي تعمّق التفاوت على نحو منهجيّ، وإثراء النخب وإضعاف الآخرين. هذا الاقتران «الواقعي» بين السياسة والأزمات أمر حاسم. ففي فترات الأزمات، يتجه الناس إلى التركيز على الطوارئ اليوميّة المتعلّقة بالنجاة من تلك الأزمة، مهما كانت طبيعتها، ويتّجهون إلى وضع ثقةٍ متزايدةٍ في أولئك القابضين على زمام السلطة. إنّنا نفقد التركيز قليلًا أثناء فترة الكوارث كما وضحت «نعومي كلاين».

ولا بدّ لنا أوّلًا حتى نقف على ما تختص به هذه «الواقعات» أن نتعقّب الإكراهات، ومحاصرة المتطلبات المتناقضة مع الرغبات الأكثر مشروعيّةً للفرد. إنّها حريّةُ المصالح وحريّةُ الشّروط والعمليات المالية، وليست حرية الإنسان والأذهان والقلوب، فـ «العائلات أصبحت لأسباب ماليّة مستبدّة؛ حيث يفلت الزمن من أي تحكم ومن يقينيّة المواسم، وحيث يُسلب الإنسان من رغباته من خلال قوانين المصلحة». ولا يتعلّق الأمر بإدراك التاريخ فقط، بل برفضه. وذلك حنين إلى حكمة قديمة ضاعت أسرارها في جنون المعاصرين.

ويجوز الجهر أنّ ما انوسم به الوضع فأثقل وعرقل الخطى، هو أنّ إدارة الأخلاق أصبحت ملجومة بالتجارة والاقتصاد. وبذلك يتم إدراج الفكرة البرجوازية الكبيرة -التي ستصبح فكرة جمهورية- القائلة بأن «الفضيلة» هي الأخرى قضيّة من قضايا الدولة، ويجب أن تتخذ إجراءات لفرضها. ولحظتذاك يمكن أن نذهب إلى أنّه في ظلّ «المدينة البرجوازية»، ولدت تلك الجمهورية الغريبة لـ «الخير»، التي ستفرض الخير بالقوّة على كل أولئك الذين يُتّهمون بانتمائهم إلى الشّرّ. إنّها الوجه الآخر لذلك الحلم الكبير، لانشغالات البرجوازية في المرحلة الكلاسيكية: تطابق بين قوانين الدولة وقوانين القلب. «على سياسيينا أن يتواضعوا وينسوا حساباتهم، وليتعلّموا، ولو مرّة واحدة، أنّ بإمكاننا الحصول على كلّ شيء عن طريق المال دونما حاجة إلى الأخلاق والمواطنين». لقد شكّلت هذه المؤسّسات ما يُشبه محاولة البرهنة على أنّ النّظام يمكن أن يكون متطابقًا مع «الفضيلة» وبهذا المعنى فإنّ «الحجز» يخفي داخله، في الوقت ذاته، ميتافيزيقا للمدينة وسياسة للدين. ولعلّ أوّل ما يجدر التذكير به أنّ «فوكو« يذهب إلى أنّ الحجز يقع، باعتباره مجهودًا استبداديًّا، في تلك المنطقة التي تفصل حديقة الله عن المدن التي بناها الناس بأيديهم عندما طردوا من الجنة». إنّه الوسم المشين والرهيب على جسد السياسة، الوسم الواسع في عمقه. يقع ضمن نسق من الأخطاء، ولهذا النسق صانعوه وضحايا سذج وقابلون للخداع. ودفعًا بالإشكال إلى مداه وإجلاء لما غمض وتيسيرًا لما عسر يبادر «فوكو إلى توضيحٍ مُفاده أنّ «الداء الذي حاولوا إخفاءه داخل الحجز سيظهر من جديد وقد اتّخذ مظهرًا عجائبيًّا، كما أنّه يشيع حالة من الرعب في أوساط السكان. إذ ولدت وتطوّرت في جميع الاتجاهات ثيمات حول داء، بدني وأخلاقي، تشتمل، دون ضبط أو تحديد، على سلطات متشابكة فيها التدمير والرعب». حقيق بنا أن نشير إلى أنّ «الدولة» تخلّت عن الفرد ضمن تقلّبات هذا الزمن، وهذه أمم تعيش بـ «التجارة»، فالذهن المشغول دائمًا بالمضاربات يتربّص به الخوف والأمل. ذلك أنّ «السلطة الملكية» كانت قد شرعت في إعادة تنظيم الثروة الضخمة التي تركها الذين هلكوا من الجذام (...) وخصّصت الأموال هذه المرة من أجل مساعدة الفقراء في عيشهم». وعبر إضاءاتٍ مستحدثةٍ لا أبين منها ولا أجلى، صاغ «فوكو« مسارًا نظريًّا جذريًّا جديدًا، وكيفيّة من كيفيات التعاطي والربط بين «التحولات» و«القوانين» المتحكّمة في تطوّر المجتمعات، فـ «ابتداء من تلك اللحظة لم يعد البؤس حلقة ضمن جدليّة الذّلّ والمجد، بل أصبح مرتبطًا بثنائيّةٍ أخرى هي اللا نظام والنظام، ثنائيّة تصنّف البؤس ضمن الشعور بالذنب. فالبؤس الذي كان يحمل -منذ زمن «لوثر» و «كالفين»- آثار العقاب الأرضي سيصبح داخل كون إحسان الدولة إساءة إلى النفس وخطيئة ضد السير العادي للدولة. لقد انتقل البؤس من تجربة دينيّة، إلى تصوّر أخلاقي يدين البؤس، وعند هذه النقطة بالذات تلتقي كلّ دور الحجز: علمنة الإحسان دون شك، ولكن أيضًا عقاب أخلاقي للبؤس». ولأنّ الإشكال يحتاج إلى توجّهٍ عقليٍّ أدق يفسح «فوكو« مكانًا لممكن وارد فـ «لا تتفاخروا، أيّها المتحضرون الحكماء، فهذه الحكمة المزعومة التي تعتزون بها قد تدمّر في لحظةٍ واحدةٍ وتشوّش صورتها، من قبيل حدث غير متوقع أو انفعال حاد ومفاجئ للروح الأشدّ معقوليّة والذهن الثاقب».

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف