البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

August / 21 / 2021  |  234لن ينجو الغرب من كبوته الراهنة إلا بـ«روحنة» حضارته

الحوار مع :د. سهيل فرح
لن ينجو الغرب من كبوته الراهنة إلا بـ«روحنة» حضارته

هل سينجو الغرب مما فيه اليوم من معاثرَ واضطراباتٍ وخصوصًا لناحية ما يتّصل بأزمة القيم وسيطرة الماديّة والنّفعيّة على مجمل مساره الحضاري؟ إنّه سؤالٌ كبيرٌ يشغل اهتمام المفكرين وعلماء الاجتماع من المتشائمين، وحتى المتفائلين بحذر، من واقع الغرب ومستقبله في ظلّ أزماته المتصاعدة على المستويين المادي والروحي، حول هذا السؤال الإشكالي الكبير كان لنا هذا الحوار مع عضو أكاديميّة التعليم الروسية، رئيس الجامعة المفتوحة لحوار الحضارات، الدكتور سهيل فرح.

وفي ما يلي نص الحوار:

«المحرّر»


* قد يكون علينا أن نبدأ حوارنا معكم من الحدث الأخير الذي يعصف بالعالم وبالمجتمعات الغربية على وجه التحديد، وهو ما تفعله جائحة كورونا من تحوّلات كبرى في نظام العلاقات الدولية، سؤالنا باختصار هل من نجاة للغرب في زمن كورونا وفي ظلّ تعثّر العقل العلمي فيه؟

 تجتاح العالم اليوم موجةٌ من الرّعب الفردي والجماعي، هي أشبه ما تكون مماثلة لوضع الناس في جو الحروب العالمية القاتلة. وإذا تمعّنّا بما يجري اليوم من مرافقة إعلاميّة غربيّة مكثّفة لآفة فيروس الكورونا نلمس بأم العين والعقل بأنّ هناك ما يُشبه التوتاليتاريّة الإعلاميّة المريعة التي تقصف العقول وتخرّب نفوس معظم سكان الكوكب، جعلتهم أسير الخوف المعولم من واحدة من أصغر الفيروسات. هذه التي شلّت عقل الحكام والمحكومين وسجنت معظم عوائل الناس في بيوتها الصغيرة، وجمّدت حركة الاقتصاد العالمي، وشلّت منظومات التعليم ومعظم شرايين الحياة في العالم. إنّني لا أقلّل إطلاقًا من خطر هذا الفيروس الخطير ولا من ضرورة التقييد الشديد الصرامة بكلّ أنواع الوقاية الصحيّة منه، بل أشدّد عليها وأثمّن كلّ الطرق العلميّة والطبيّة المستحدثة؛ من أجل التخفيف للحد الأقصى من مخاطر هذا الفيروس، الذي يرجّح أن يكون مصنّعًا، ومن أمثاله في ما يسمى بسيلان الحرب البيولوجية وتأثيراتها الواضحة والأخرى غير المعلنة على الجسم الإنساني. مع ذلك فإنّني لن أتعب أبدًا من طرح تساؤلاتٍ وجوديّةٍ تحضر بقوّة لدى عدد ليس بالقليل من الذوات المفكّرة حول المآرب الحقيقية من هذا الهلع العالمي، وحول الهدف من هذا التجييش الإعلامي العالمي الذي سرعان ما تقوي حدّته عند بروز فيروس جديد من فصيلة حمى الطيور والخنازير وألآيبولا وغيرها، وبعد كلّ فترةٍ وجيزةٍ سرعان ما ينطفئ الاهتمام به. ويمضي الإعلام الغربي وغير الغربي لاحقًا وكعادته في شحن العيون والأذان وسائر الحواس يوميًا حول سائر المناطق الملتهبة في نفوس المجتمعات والثقافات والأديان والهويات؛ ليجعل من نفوس البشر مختبرًا دائمًا لمواده الإعلاميّة المدمّرة في معظمها لمنطقة الطمأنينة والاستقرار والسلام والعدل والمحبة التي ينشدها الجميع. وليعذرني أهل الإعلام على تساؤلي الذي قد يخدش كبرياءهم: ما حقيقة الرسالة التي يحملها أصحاب وسائل الإعلام والأهداف من وراء كبس سرّ الإضاءة المكثّفة على هذه النقطة الساخنة أو تلك؛ لتخرج علينا كلّ ثانية، لا بل كلّ لحيظة، جوقة الإعلاميين الذين يتصدّرون شاشات التلفزة والإذاعة والصحافة المكتوبة والرقميّة؟ وإن كنت استثني القلّة القليلة منهم التي تعطي للضمير الإنساني مكانته والذين يولون لأخلاقية المهنة ودورها التنويري الأولويّة فيما يقومون به أو يسمح لهم القيام به. أسألهم ملحًّا طالبًا منهم زيارة أطباء الأعصاب والنفس ليستقصوا ويستنتجوا سبب الارتفاع الكبير من نسبة المرضى الذين يكتظون في عياداتهم من جراء تهييج الإعلام وتخويفه لهم حول الكثير من القضايا الحسّاسة، التي تثير الهيجان الدائم في نفسيتهم وعالم القيم التي يؤمنون بها.

وفي ظلّ هذا الطوفان الإعلامي وضياع اتّخاذ القرارات الحياتيّة الصائبة من قبل صنّاع أو أصحاب القرار في مراكز صنع القرار، في الغرب المنتمي إلى محور «المليار الذهبي»، وأمام فقدان التحكم العقلاني بالبوصلة الإنسانيّة عمومًا، أطرح في هذا السياق عددًا من التوجّسات والهواجس التي تدور في ذهن الكثيرين من أمثالي، علّها تحرك صوت الضمير من تحت هذا الرماد الأسود، الذي صنعه البشر بأنفسهم، والذي جاء نتيجة أنماط تفكير وسلوكيات أبعد ما تكون عن فضاءات ومجالات البناء والنور والجمال، وأقرب بكثير من المنطقة المعتمة والمدمّرة في الشخصيّة الإنسانيّة .

* برأيكم ألا يشي التخويف المتكرّر من هجوم الفيروسات التي تتفرّخ من جينوم سلالة الفيروسات الطبيعية والمصنّعة في مختبرات «غرف الظلام» بأنّ هناك سيناريوهات متنوعةً، بدأت تتكشف بدايات خططها الجهنمية، والأخرى ما زالت خفيّة، تصنعها تلك الغرف الشريرة وتحضرها من أجل الفتك بالخصم أيٍّ كان نوعه وقوّته وعمره ومكانته؟ ثم هنالك سؤال آخر: لماذا لم تتم الإضاءة الصحيّة الواعية على أنواع أخرى من الإنفلونزا والرشح التي تقتل أكثر بكثير كلّ عام من الفيروسات المستجدة؟ أليس فيما وراء ذلك لعبة قذرة تقوم بها مجدّدًا مافيات تصنيع الدواء بهدف الربح وتنظيف جيوب البشر من بقايا ما تبقى من أموال لديهم؟

طبعًا لن أمضي بعيدًا في زرع الرّعب في النّفوس الخيّرة الطيّبة، بل أتساءل مع غيري ماذا يخطّط غيتس في مشاريعه المالتوسيّة الهادفة لتحجيم عامل الديموغرافيا على الكوكب؟ وماذا يدور في خلد الأمير فيليب زوج الملكة البريطانية إليزابيت والذي يترأس المنظمة العالمية للطبيعة المتوحّشة؟ وما هي حقيقة القيمين على نادي روما وأهدافهم حول ضرورة إنهاء الكثير من المسلمات الغربية بما في ذلك إنهاء الحقبة الليبرالية، التي حملوا لواءها ردحًا طويلًا من الزمن؟ ... وماذا يدور الآن في الدوائر المصغّرة لأغنى الشركات والعائلات والمنظّمات العلنيّة والسرية التي أسّسوها؟ أليس الهدف الاستراتيجي لهم هو تقليص حجم سكان الكوكب إلى بيكور الدائرة الصغرى المحصورة فقط بالمليار الذهبي؟ لست من طينة النّاس الساذجين الذين يرجعون كلّ مشاكلهم وعثراتهم وتخلّفهم لما يؤمنون، أو ما أطلقوا على تسميته، بنظريّة المؤامرة، إلّا إنّني لا أخلي مسرح السجال العالمي من مخاطر الطريقة المغرقة في نرجسيتها وبراغماتيتها، التي لم تعد خفيّةً عن بصيرة القاصي والداني، والتي يرى أصحابها بأنّها الأنجع في خدمة المصالح الأنانيّة الضيّقة لهؤلاء ولكبار حيتان المال والسلطة في الغرب. فالزاوية غير الخيرة وغير العادلة التي ينظرون من خلالها، يصرّون وبأيّ ثمن من خلالها قيادة السفينة البشريّة وسط هيجان براكين التّمرّد عليهم من قبل الأكثريّة البشريّة التي تعيش حالة ضياع كبير وقلق أكبر على حاضرها ومستقبلها...

ما هو الهدف من سياسة وسائل الإعلام التي تزرع من خلال تركيزها على كلّ النقاط الملتهبة وترويجها لكلّ أنواع «اللا ثقافة» المنبثقة من نقاط ضعف البشر ومن أنانياتهم الفرديّة والجماعية وإفرازات غرائزهم المريضة، في ظل الغياب الملموس لترويج الثقافة العقلانيّة الإنسانيّة التي تدعو لتمثّل القيم الإنسانية والسماوية المشتركة والمتسامية»؟ أليس وراء هذا التخويف اليومي أهداف مدمرة للفتك بالجانب المتسامي من قيم الأخوة الإنسانية؟ أليس المثابرة في هذا النهج الأعوج عن وعي وأحيانًا عن غير وعيٍ سعي غير بريء لتعميم «لا ثقافة المجتمع الاستهلاكي» التي ابتكرها العقل الليبرالي الغربي، والمضي في تسطيح فارغ للوعي، والإسهام في تشرذم التركيبة النّفسيّة والعقليّة للبشر، ومتابعة تصحّر الرّوح الخلّاقة في الشّخصيّة الإنسانيّة؟

* إلى أيّ مدى سوف يتّعظ العالم الصناعي ما بعد الحداثي من الصدمات الكبرى التي هزَّت أركانه خلال العقود المنصرمة؟

لا أدّعي اكتشاف أيّ حقيقةٍ مرّةٍ، ليست بجديدة على القارئ العزيز، طالبًا العذر، إنْ شدّدت وكرّرت مع زملاء باحثين مرموقين في الغرب والشرق بقولنا النقدي بأنّ لا أهميّة للثقافة والأخلاق وحتى الهويّة الثقافيّة لصانعي ومروّجي نمط النتاج الاستهلاكي الملبرن، كلّ ما يهمّهم أن يبقى قطوع جماهير البشر مادّة لشراء قيمهم المادية الاستهلاكية. ولا هم لأباطرة وسائل الإعلام ولمن يوجّهها إلا المتلقي الفاقد للوعي العقلاني السليم وللروح النقدية البناءة. ما يهمهم أن يكون الناس معظم الناس عبيدًا بلهاء خائفين من يومهم وغدهم، يفتقدون إحساس الرقيب الواعي لحاضرهم ومستقبلهم. وليعذرني مرّة أخرى أهل الإعلام بنطق الحقيقة الفاقعة والمرّة، وهي أسفي من سيادة نمط من السلوك الأعوج تساهم في صنعه جوقة واسعة جدًا من المحرّرين والمذيعين والمخرجين والمصوّرين وسائر العاملين في وسائل الإعلام: إمّا أنّهم مهووسون بشهرة الأمجاد الزائلة، أم منتفعين من رواتب كبيرة أو متوسطة أو مجبرين مهدّدين بسياسة العصا والجزرة من قبل المالكين الكبار والصغار لهذه الوسائل الحديثة الإعلامية، التي أرى طاقة الهدم في دواخلها أكبر بكثير من طاقة البناء.

ما يجرى في الأعوام الأخيرة، من قبل من يحتكر السلطة والمال والقوّة والمعرفة، من تسعير محسوس لكلّ أنواع الصراع بين المنظومات المعرفيّة والاقتصادية والثقافية والدينية والأكسيولوجية، ليس موضع قوة وفخر لحضارة الإنسان الراهنة. بل نتيجة منطقية لترهّل منظومات القيم وهشاشتها، التي عرفتها البشرية في بناء الجيل الثالث والرابع من الدورات الحضارية على مستوى الشقّ الغربي والشرقي من كوكبنا الأرضي. تلك التي تصدرت وتتصدّر أقوال وأفعال الخطابات الاكسيولوجية الحداثوية وما بعدها، ومعها القيم الاشتراكية بمنظومتها الكلاسيكية والمحاولات اليائسة لتجدّدها. ولعلّ الأهم النّظر في جوهر الحقائق المغلقة المطلقة التي تتصدر الخطابات الدينية على مختلف أنواعها.... أين هذه المنظومات القيمويّة كلّها من النّرجسية القاتلة للأنانيات الفردية والجماعية؟ وأين هذه كلّها من عجز الإنسانيّة بأسرها من الانتقال من منطق «الداروينية الاجتماعية المغرقة في خبثها ونرجسيتها وكبريائها الفارغين»؟. ففيها ولديها السلطة والمنبر وكلّ الوسائل المؤثّرة متوفّرة وبقوّة المتسلّط للتسلّط والهيمنة على عقل البشر ونفوسهم... متى يستيقظ الضمير البشري للانتقال حقًا إلى رحاب الأخوّة الإنسانيّة الحقّة حيث المكانة المثلى للإنسان الخلاق - الحر فعلًا والاكفأ أخلاقيًا وذهنيًا وعمليًا وروحيًا؟

وأوسّع دائرة الأسئلة الايكولوجيّة المنحى لأطرح التساؤل الآخر المحق: أين كلّ هذه المنظومات ومعها ما كنا وما نزال نأمله من حكمة العلوم والمعارف والفلسفات، التي سعت لاكتشاف ومعرفة أسرار الطبيعة البشريّة ومحيطها الكوكبي من أجل رفاه حقيقي للبشر وتعميم رسالة السلام وإسعاد البشر؟ وما حقيقة أحوال الطبيعة بعد الثورة العقلانية الديكارتية والتجريبية البيكونيّة التي دشّنت لعصر الحداثة ومهّدت للثورات العلميّة الملهمة للتقدّم المبهر لرخاء الإنسان والمخرب للطبيعة؟ أرى في حساب الربح والخسارة في تجربة إدارة المكان في القرون الأربعة الأخيرة، بالنسبة للإنسان والطبيعة، بأنّ النتيجة تكاد تكون متعادلةً بمساوئها وإيجابياتها بالنسبة للقطبين. وأكثر ما يخرق التوازن والتناغم المطلوب بين الطرفين هو تدخل الإنسان الأرعن المغرق في نرجسيّته، والذي زرع الخراب في بيئته الإيكولوجية من على سطح الكرة الأرضيّة وفي أعماق اليابسة والأنهار والبحيرات والبحار والمحيطات وفي فضاء الكون الأقرب إلى كوكبنا؟ 

متى ينتقل الإنسان من مخلّفاته العدوانية الغرائزية التي تأكل الأخضر واليابس، الحي والميت؟  نظرة بانوراميّة لنظام الغذاء وللكثير من أنماط السلوك الشائبة في بلاد الشرق والغرب، توحي بأنّ تعميم نمط المثل الإنسانيّة العليا المتسامية ما زال حلمًا طوباويًا بعيد المدى... ما نلمسه في واقع الأحوال هو المزيد من الدمار ومن اختلال التوازن بين الإنسان وأمّه الطبيعة والمحيط الكوني وخالقه أو محرّكه ... علينا أن نوسّع من دائرة نظرتنا لكوكبنا ومحيطنا ونكون أكثر حكمةً وتواضعًا، ويتوجّب علينا ألّا ننسى لحظة بأنّنا على هذه القشرة الأرضيّة بما لها وما عليها نعيش ضمن مختبر كوني كبير شديد التفاعل بين مجمل مكوّناته الأرضيّة والسماويّة؟؟؟؟؟

ورجوعًا إلى مخاطر كورونا، أطرح السؤال المزعج: أين أنت يا علوم طب الغرب التي ينتظرك الجميع من سكان هذا الكوكب المسكين الضعيف من أجل التخفيف من كوارث أصغر الفيروسات التي تزرع الرّعب الآني لدى كلّ سكان الكوكب؟ 

ونحن الذين آنيًا نعيش في بداية الثورة العلمية الرابعة نعيد طرح السؤال الحيوي: لماذا لا يترافق مع كلّ عمل علميٍّ مهما كانت قيمته وفعالياته تواجد قوي لما يسمى بأخلاق العلم، وإلحاحيته راهنة وضرورية جدًا في عصر الزمن الرقمي ودخول كلّ منتجات الذكاء الاصطناعي في معظم معالم تسيير ليس شؤننا الدنيوية فقط؟ أطرح هذا السؤال الأخلاقي بشدّة؛ لأنّني أتوجّس مع غيري نوعًا جديدًا يرسم بداية معالمه التوتاليتارية، إنّها توتاليتارية العصر الرقمي التي لا تقل مخاطرها أبدًا عن توتاليتاريات الأنظمة المستبدّة البائدة والمستجدّة المتمثّلة تحديدًا في زمننا الراهن بتوتاليتاريّة النظام النيولبرالي المقيت. الخطر داهم، وقريب جدًا سيقوم باقتحام عوالم مشاعرنا ومجمل قيمنا، إنّه نوع جديد من التوتاليتارية الرقميّة.

كنت وما أزال أصرّ في اجتماعات دوريّة مع عدد من زملائي في أكاديمية العلوم الرّوسية، ومع أكاديمية التعليم الروسية، التي لي شرف العضوية فيها، أن نعمل معًا على استحداث قانون جديد يلزم أهل العلم بالتقيّد بأخلاقيّة العلم نفسه، ويحول من جهة أخرى، وهنا الأهمية الأخرى للقانون المنتظر، التحكم العقلاني الحكيم في الحركة المتسرّعة جدًا لبعض العلوم. والهدف من ذلك هو ردم الهوّة التي تتوسّع مع الزمن من جرّاء التطوّر البيولوجي عند الإنسان نفسه. بين تكوينه البيولوجي وقدرته الذهنية الاستيعابية، وبين التحوّلات والاستخدامات التكنولوجية الواسعة والمتسارعة النمو. والنتيجة المتوقّعة والتي تصطدم الضمائر الحيّة لأهل العلم، هي التّوسّع من مخاطر طاقة الهدم لدى العقل التقني على حياة الحضارة الإنسانية. وهذا يتوجّب ألّا يدخل فينا أيّ ذرّة شكّ في قيمة العلم. علينا الصراع ضدّ كلّ من يقلّل من أهمّيته في حضارتنا المعاصرة، وأن تقوم الحكومات والأفراد بتقديم الدّعم الأقصى لنقاط البناء والتّقدّم والإبداع التي يقدّمها لنا فعلًا العلم في بنيان حضارتنا الإنسانية الراهنة، والتي بدونه لا انتصار على كلّ أنواع الجهل والأوهام وبدونه لا تقدم، وهذه من بديهيات ابتكارات وفوائد العقل العلمي.

 إلى جانب ذلك كلّه هناك الكثير من نقاط التّعثّر والضّعف في أنماط تفكير القسم الأوسع من سكان الكوكب وسلوكه، منها ولعلّ أبرزها جبال الأوهام التي تكدّست في ما أسمّيه بالعوامل السلبية في الذاكرة التاريخية للشعوب الغربيّة والشّرقيّة معًا، وفي سيادة حضور الجهل المقدّس والمدنّس الذي يعشعش في ذهن ومخيّلة كلّ صانعي وعبدة الأوهام والدوغماتيات الصارمة على مختلف انتماءات هوياتها الإتنية والدينية والإيديولوجية والحزبية في بلدان الشرق الأوسط تحديدًا، تلك التي تفرخ موروثات التقوقع حول الذات وتخلق دائمًا معها موجات التّعصّب والكراهيّة وتعنيف الآخر، وتصحب أيضًا معها العديد من الأزمات الديموغرافيّة والبيئيّة والصّحيّة، وهي نفسها -بنقاط ضعفها الحضاري- تغذّي شرايين يوميات البشر بأخطائها وخطيئاتها، فهي تنصبّ، وبإصرار وعنادٍ شديدين، الجدران السيكولوجية والثقافية بين مرضى المهوسين بالخندقة في أسوار الهويات الضيقة والحقائق المغلقة. هذه المساحة البشرية المخصّصة للمخدرين الضعفاء من سكان الكوكب.

علمًا بأنّ علينا ألّا ننسى ولو للحظة واحدة بأنّ «رأس كوبرا» المشاكل العظمى ممثلة قبل كلّ شيءٍ بمجمل سياسات بيوتات المال الكبرى في الغرب وسلوكياتها، عبدة الدولار و«العجل الذهبي» الذين يملكون مجمل ثروات الأرض، والذين يعيشون في عالم أبراجهم العاجيّة، ويقودون بدون أيّ رادع ضمير هذه الأوركسترا النشازة الكوكبية. عليهم قبل غيرهم تقع المسؤوليات الكبرى للكوارث التي يعيشها كوكبنا.

 أسئلة البدايات الصّعبة المفعمة في قلقها التي يطرحها المرء على نفسه، قد لا تنتهي ولا يتّسع المجال هنا حتى لسرد عناوينها الأخرى.....!!! . أختصر الكلام هنا لأقول بأنّ كلّ المخاطر المحيطة والمحدقة فينا جميعًا، تدلّ بأنّ الغرب أمام نهاية تجربة، لا بل تجارب إنسانيّة في إدارة مكانه وزمانه بإيجابياتها وسلبياتها. أمام نهاية حقبة كاملة مما نسمّيه نحن الاختصاصيين في علم الحضارات بنهاية الجيل الرابع لدورة الحضارة الكوكبية-البشرية المترافقة، لفترة قد تطول أو تقصر حسب وضع كلّ دولة، بأعمق الأزمات الايكولوجية والاقتصادية والديموغرافية والسوسيوثقافية وضمنها الأخلاقية والروحية.

كيف تبدو لكم مظاهر تهافت البنية القيميّة في الحضارة المعاصرة، وما هو السبب الأساسي الذي دفع الغرب تحديدًا إلى التمركز في دائرة التقنية على حساب المثل الأخلاقيّة؟

- بعد أن أحدث العقل العلمي ثوراته المعرفيّة الكبرى، والتي تركت انعكاساتها العميقة والمريحة ماديًّا، على مسيرة المجتمعات التي دخلت الأطوار المختلفة لعصر الصناعة والحداثة، ومع تدشين حقبةٍ جديدةٍ، بدءًا من الربع الأخير من القرن الماضي، لعصر المجتمع ما بعد الصناعي أو ما بعد الحداثوي، فلقد حدثت تبدلات واسعة في العمر الزمني للدورات الحضارية الحالية. حيث نجتاز حقبةً تكنولوجيةً معيّنةً، ونشرع بتأسيس حقبةٍ جديدةٍ يغلب عليها علم تقنيات المعلوماتيّة واقتصاديات المعرفة المؤتمتة الموجهة لمجتمع ما بعد الصناعة، فإنّ العمر الزمني لاستتباب النمط الجديد للحضارة ما بعد الصناعيّة سيكون أسرع.

هذا في المجتمعات التي اجتازت حقبة الحداثة، وبالتالي فإنّ أجواءً من التبلور والاستقرار التقني ستعيشه تلك المجتمعات المرتكزة على موروث علميٍّ وتقنيٍّ، وعلى قوّةٍ اقتصاديةٍ ومناخٍ سياسيٍّ ديمقراطيٍّ مقبول في بلدانها.

في حين أنّ العمر الزمني لدخول استقرار ولمحاولة إنجاح نمط حياة ما بعد المجتمع الصناعي في الدول المتوسّطة أو الضعيفة النّمو، فإنّ العمر الزمني للاستقرار وللولوج الواسع والعميق في حركيّة وفعاليّة وإنتاجيّة العصر الما بَعْد صِناعيّ، سيأخذ فترةً أطول وأكثر تعقيداً. بينما المسألة ستكون أكثر تعقيداً واغترابًا لدى المجتمعات الأخرى التي هي أصلاً ما زالت حتى الآن تعيش على ضفاف الحداثة.

وفي ظلّ التمايز الحاد بين ثلاثة أنماطٍ للتّطوّر الثّقافي والعلمي والاقتصادي والمعلوماتي، من المتوقّع أن يشهد العالم كوارث اجتماعيّةٍ كثيرةٍ وتصاعد موجات الحقد والكراهية بين الدول الغنيّة والفقيرة. فعلى حدّ قول عالم المستقبليات الأميركي المشهور ألفين توفلر “إنّ المراحل الأولى من تطوّر المجتمع الما بَعْد صِناعيّ ستشهد هزاتٍ اجتماعيّةً كبرى، وتطوّرات متلاحقة ودراماتيكية في قواعد اللعبة التقنية والاقتصادية، ومن المتوقّع أن تحدث كوارث تتمثل بحدوث عدم استقرار سياسيٍ ونشوء موجاتٍ جديدة من العنف والحروب... وبهذا فإنّ صدام حضارتين متنازعتين سيشكّل بحدّ ذاته خطراً كبيراً على مصير الإنسانية”.

    وفي إطار تحكمٍ معيّنٍ للفكر التكنوقراطي وللتطوّر التقني والاقتصادي لدى أطراف فاعلة في الغرب تحديداً، قد يضفي على مشهد العلاقات الدولية والمجتمعات البشرية جوًّا تشاؤميًّا، في حين أنّ مساهمات ومحاولات عاقلة ستحاول أن تصعد برأسها لتركّز القول والفعل من أجل تأسيس خطابٍ إنسانيٍّ شموليٍّ يدعو لعلاقات أكثر عدلاً وتكافؤًا على المستوى التقني والاقتصادي بين محوري الشمال والجنوب. وهذا الخطاب سيسعى من أجل تحرير البشريّة من مخاطر اقتحام وحشيّة الإنسان الآلي والعقليّة التقنيّة العدوانية مع الإنسان والطبيعة. كما سيسعى لإقامة منظومة من علاقات التعاون العلمية والتعليمية والمعرفية، تكون أكثر مرونةً ومعقوليّةً وتكون رقابتها على تطبيق الديمقراطية في نشاط المنظمات الحكومية ومؤسّسات المجتمع المدني أكثر فعاليّةً وقوّةً.

    فالبعض من المتشائمين يتنبّأون بتصادمٍ كبيرٍ بين العقليات والثقافات في ظلّ انفجار التقنيات المعلوماتيّة. فرغم تسهيلاتها الكبرى في تقريب التواصل المتنوّع الوسائل والأهداف بين كلّ أصقاع الأرض، فإنّها تحمل في طياتها مخاطر أكثر رعباً حتى من المخزون النووي للدول الكبرى...

    فمن يتحكّم بالثّورة المعلوماتيّة بشكلٍ أنانيٍّ وجشعٍ سيتحكم في عقول البشر وأذواقهم، وتصبح هذه الثورة المعلوماتيّة في زحفها المتواصل وفي طوفانها الهادر على عين المتلقي وذهنه، أشبه بتسونامي كوكبي قاتل ومدمر لكل ما هو إنساني داخل الإنسان.

   فالإنسان الذي يصبح عبداً للآلة والتقنيات يقتل في نفسه كلّ دفء مشاعر التّواصل الإنساني، ويدخل في مدى جاف من التّصحّر الرّوحي الذي يصعب التنبؤ بمصيره.

   بكلمات موجزة وفي هذا السياق، فإنّ السيناريو المستقبلي القائم على إنجاز المجتمع التكنوقراطي ـ المعلوماتي سيصطدم مع الروح الإنسانيّة الساعية للتناغم بين البعدين المادي والروحي للشخصية الإنسانيّة. وسيشكّل بدوره واحدةً من معادلات الصراع بين الطرفين في المستقبل القريب والمتوسّط.

   في اعتقادي، إنّ إحدى المعضلات الأخرى التي تشكّل المرض العضوي في سلوكيّة البشر، هي تقديس القوّة والتنظير النرجسي لفلسفة الصراع بين الإنسان ومحيطه. لقد مرّت البشريّة في مراحل متنوّعة من صراع بقاء (Homo sapiens) مع الطبيعة ومع أخيه الإنسان، رافقتها نزاعات وحروب صغيرة وكبيرة، محليّة وعالميّة، تعدّت عشرات الآلاف من الحروب النوعيّة... ومع الزمن اجتهدت العقول الإنسانية في التنظير لفلسفة القوة والصراع إلى أن تكرّست بشكلٍ ممنهجٍ في الفلسفة الداروينيّة الاجتماعيّة، التي أسّست لخطاب متكامل لفلسفة القوّة للأقوى، مرتكزة في ذلك على العنصر البيولوجي وعلى الطاقة العدوانيّة في الشخصيّة الإنسانيّة. والتي كان من تطبيقاتها على المدى الأنجلو ساكسوني في البداية ومن ثم تعميمها عالمياً، هي تبرير كل أنواع الحروب الكولونيالية، واستعباد الشعوب، وتأجيج كافة الصراعات والحروب، والانقضاض على كلّ مواقع الضعف عند المستضعفين، ووضع ثقافة السلام والأخلاق الإنسانيّة في قائمة الذاكرة المتخفّية للشعوب، أو في قائمة العدو الدائم لها...

إنّ من السذاجة بمكان القول بأنّ الانفعال العنيف والعدوانيّة ليسا من صفات الإنسان في حياته اليوميّة... فالنّزعة الغاضبة العدوانيّة تسكن فينا جميعًا في داخل العائلة، مع الجار، داخل الشارع، والقرية والمدينة، في الدين الواحد، في البلد الواحد، مع الشعب الآخر، مع المنتمين إلى إثنيات وأديان وحضارات أخرى... هذه مسلمات معروفة للجميع... ولعلّ ظاهرة العنف والصراع والحروب طبعت علاقات الحضارات الأقوى مع الحضارات الأضعف... وهي التي غذَّت دائمًا نزعة الهيمنة والتّسلّط عند الزاهي بانتصاراته الطاووسيّة.

هل ترون أنّ عالمنا يمكن أن يعيش في عالمٍ خالٍ من الحروب، ويشكل بديلاً عن حتميّة العدوان والصّراع والبقاء للأصلح؟

في الحقيقة، منذ نشأت الفلسفة اليونانيّة العظيمة ويراود الإنسان العاقل الحكيم حلم السلم... بيد أنّ هناك من يقول بأنّ حلم السلام لا يمكن أن يتحقّق رغم أهمّيته ومشروعيّته بمجرّد أن نتنازل عن فكرة الحرب، أو نخاف منها ومن مخاطر الإرهاب.

الحرب كما يشير المفكر الفرنسي كلود ليفي ستراوس: “تنتهي حيث ينتهي زمنها الافتراضي، الذي يمكن إنتاجه وتحريكه من خلال جهودنا بتحمل المسؤوليّة المشتركة عن إيداع البديل، ومظاهر العنف والإرهاب حين تزول أسبابها، ويتكرّر فشلها التطوري، وليس فقط الواقعي والمرحلي”.

ففكرة الحرب هي جزء لا يتجزّأ من مفهوم سلطوي للقوّة يتأسّس عليه المجتمع والدولة، وتبنى على أساسها الأفكار والتشريعات الخاصّة لحقوق الإنسانيّة وللقيم الحضاريّة الدينيّة. بل إنّ المنظرين لعقيدة القوّة أمثال الأب الروحي للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة الفيلسوف ليف شتراوس يعملون على تأسيس خطابات معينة حول مفهوم السلطة والتاريخ من خلال الحرب... ففي الحرب تتجسد مفاهيم ومضامين الهيمنة على الآخر بأقصى مضامينها وأكثرها بعداً عن النزعة الإنسانية.

في الحرب القاتل والمقتول، المنتصر والمهزوم، الاثنان معاً في جحيم النار، نار الدنيا، التي لا يجد القاتل «المنتصر» نفسه إلا في مستوى أقرب إلى الحيوانية الغرائزية العدوانية.

والحلم البشري البديل قد يتحقق إذا ما اعتقد البشر في الغرب والشرق بأن فلسفات تروج لفلسفة القوة والصراع والبقاء للأصلح أمثال العقيدة الداروينية الاجتماعية التي تأسست وتأصلت في العقيدة العسكرية لمجمل النخب السياسية الحاكمة في الغرب، والتي ما زالت مهيمنةً للأسف في خطاب الجنرالات الكبار الموجّهين للحروب والدّاعمين لشركات الموت، هذه الفلسفات هي في الحقيقة مصدر هلاك للقاتل والمقتول على المستوى الوجودي.

وإنّ الحروب كان بالإمكان أن تكون على وشك بلوغ عمرها الافتراضي بعد انتهاء الحرب الباردة، إلا أنّ نزعة الهيمنة وتقديس القوّة وصرف الميزانيّة الماليّة الأكبر لها تبقى حاضرة وبقوّة في البلدان الكبرى، وتبقى هذه السياسة فارضة نفسها على الميزانيات العسكريّة للبلدان الصغرى، ولكلّ الحركات المسلّحة المشروعة وغير المشروعة في العالم.

منذ فلسفة الداروينية الاجتماعيّة التي نظّر لها سبنسر، ومفهوم الصراع الطبقي التي نظّر له ماركس وأنجلس ولينين وماوتسي تونع وستالين، وفكرة «تأكيد الذات العدوانية» عند فرويد وقبل هؤلاء جميعاً فكرة البقاء للأصلح لتشارلز داروين... ومع كلّ جوقة المنظرين الغربيين للحروب والذين تفرّخ دائمًا مخيّلتهم العدوانية المريضة كلّ أنواع الإجلال والتقديس للقوّة وكل التبريرات والتنظيرات من «المستكبرين» و «المستضعفين» معًا، والتي جميعها بلا استثناء تبرّر اللّجوء إلى القوّة بحجّة الدفاع عن الهويّة والنّفس والدين والثقافة.

هذا الشبح الكوكبي كلّه لا يمكن أن يوجّه بوصلة البشر نحو برّ الأمان... فالمخيّلة البشرية عند «المنتصر» و«المهزوم» المهووسة بفكرة القوّة والصراع والحروب، هي كلّها مأزومة إنسانيًّا وأخلاقيًّا، كلّها تمضي بفبركة الستريوتيبات عن نفسها وعن غيرها... الكلّ يمضي في لعبته الجهنّميّة وهي اللعب بالنار، في قتل البشر.... دون أن يشتغلوا بشكلٍ جادٍ في قتل أوهامهم والعمل قبل كلّ شيء على كبح عدوانياتهم وحجز المناطق المعتمة في دواخلهم وإيقاظ دائرة السلام والنور والشراكة الإنسانيّة في ما بينهم.

ولعلّ بداية الخروج من نفق الحروب والصراعات وتقديس القوّة، هو تضافر العقلاء، كلّ العقلاء، في الغرب والشرق من أجل ضرب فكرة «العدو« في النظرة الداروينية الاجتماعية وأمثالها، التي تروج بشكلٍ عدوانيٍّ وأرعنٍ لفكرة البقاء للأصلح. يجب أن نسعى معاً لانتهاج فكرة تطور التعاون والشراكة الإنسانيّة والديمقراطية بين أبناء البيت الإنساني الواحد، أو ما أسماه العالم الكندي جان ريليتفورد «الإيثار البيولوجي»، أو ما يسمّى بفكرة «تطور التعاون». أضيف إليها الحوار والتحالف الصادق والمكثف بين الحضارات والأديان والمستند إلى ميثاق مشرف أخلاقي عالمي يقره ويؤمن به الجميع.

* ما قدَّمتموه قبل قليل يدفعنا لطرح السؤال التالي: إذا ما افترضنا بأنّه جرى تهميش واسع لحضور البعد الرّوحي في الشخصيّة الحضاريّة الغربيّة، هل بالإمكان إنقاذ الغرب بنوع متجدّد من الثقافة الروحيّة؟

في ظلّ هيمنة شبح الأزمة الأخطوبوطيّة المتعدّدة الرؤوس، والمترافقة بتصاعد هيجان الأزمات الإيكولوجية، وبداية شحّ الموارد الطبيعية، وضمور نمو الاقتصاد العالمي، وغياب شبه تام للعدالة الاجتماعية، وتزايد المواجهة الجيوسياسية بين الغرب والشرق، ومع الجنوح الجنوني نحو تطوير التقنيات العسكرية وهجوم العقل التقني على خلايا الذهن البشري ومجمل حراكه، لا بديل في حلّ المشكلات العالميّة إلا بتفعيل الحوار العقلاني الهادئ بين الثقافات وإطلاق ورشة عالميّة من أجل الشراكة الحقيقيّة بين الحضارات وعلى كلّ المستويات..

إنّ الدور الريادي في ضمان الحوار العقلاني المثمر بين الثقافات، يكمن في تجديد الأداء المادي والروحي للغرب ولكل سكان هذا الكوكب. ينبغي البحث عن الطرق الفعّالة لتحسين العلاقات الدوليّة وحلّ المشكلات العالمية المزمنة للبشريّة.

وهنا يلعب العامل الأكسيولوجي ووهج الثقافة الروحيّة البنّاءة دور الضمير الموجّه لهكذا مسيرة. ففي الطاقة الإيجابية البناءة للثقافة الروحية، التي تحدّد القيم والمواقف الأيديولوجية للمجتمع، يمكن سلك درب السبيل القويم؛ لإشباع الاحتياجات الطبيعية للحياة البشرية وإتساع الرغبة في الحفاظ على معنى وجودنا. بلا أدنى شك، فإنّ الاقتصاد والرفاهية، وأمن الحياة، والتفاهم والثقة المتبادلين، وتضامن الناس من مختلف الجنسيات والأديان يعتمد إلى حد كبير على أولويّة تطوير العلم والتعليم، والتنوير والتنشئة، وعلى ثقافة التمسك في القانون وعلى الحوكمة الرشيدة للإدارة..

منذ سوابق الأزمنة وحتى يومنا هذا، شكّل البعد الأكسيولوجي المفتاح الإنساني للحوار والتفاهم والانسجام المتبادل؛ من أجل التغلب على عدوانية الأنانيات الفردية والجماعية والاختلافات والصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لذلك، فإنّ المهمّة الملحّة للتنمية المستدامة والأمن الإنساني في الغرب والشرف معًا هي التطوير المتقدّم للثقافة الفكرية والأخلاقية للناس بمساعدة نظام فعال للعلم والتعليم والتنوير. ولضمان حضور التنمية المستدامة تتطلب ضمان ثقافة عالية للعمل والإنتاج والحوكمة، والجمع بين مبادئ الديمقراطية وحضور الكفاءات في المجتمع، المتناغمة مع تناضح الثقافات ومصالح المواطنين

يرتبط البعد الأكسيولوجي ارتباطا عميقا بما أسميه بالثقافة الروحية المتسامية للمجتمع، التي لا علاقة لها بالتدين الشعبوي والتي لها رابط الحبل السري بالتنامي الثقافي المستمر للإنسان. الإنسان هو خالق الثقافة الروحية وحاملها. المعيار الحقيقي لقيمة الإنسان ليس العرق، وليس الدين، ولا الأصل الاجتماعي، ولا مكان الميلاد، ولا محل الإقامة، ولا حتى المهنة، بل ثقافته الفكرية والأخلاقية. ففي نتائج الأنشطة التي تنجم عن تنامي القيم الإنسانية والوطنية، يتم تحديد مستوى ثقافة الشّخص من خلال صفات مثل - المعرفة والمهارة والتنظيم والأخلاق والنشاط الإبداعي. وبناء على ذلك، في جميع أنحاء العالم، يجب التعبير عن حب الوطن، أوّلاً وقبل كلّ شيء، في خدمة كلّ دولة لتنمية الثقافة الروحية لمواطنيها بمساعدة العلم والتعليم والتنوير والتنشئة. وهذا يفتح الفرص لتشكيل الهويّة الثّقافيّة و«القرابة الروحيّة» بين ممثلي مختلف الأمم والأديان.

 تحليل البُعد الأكسيولوجي الذي يتموضع بالثقافة الروحيّة من خلال منظور الاحتياجات البشريّة، على أساس مبادئ الانسجام البشري، والسلام النفسي، واستنفار الطاقات القصوى؛ لتحقيق الذات من خلال التحوّل الإنساني للمؤسّسات الاجتماعيّة للثقافة، والتغيير في وعي الناس لدى مختلف المجتمعات. ... انطلاقًا من هذا، يبدو أنّ المهمّة العاجلة المطروحة أمام الفكر الغربي هي باستخدام أكثر فاعليّةً لإمكانيات الثقافة الروحية، كقوّة مبدعة وتحويليّة، بهدف الحفاظ على حياة الإنسان وتحسينها على هذا الكوكب.

* كيف ترون إلى الاستراتيجيّة المعرفيّة والثقافيّة التي من شأنها تفعيل و«روحنة» التواصل المتكافئ مع المجتمع الثقافي الغربي؟

لا شكّ أنّنا اليوم في أمسّ الحاجة إلى القيام بالتثاقف المكثّف بين الغرب والشرق والتثقيف الأوسع للجمهور لنقله إلى معايير الثقافة المتسامية، إلى معرفة تاريخ وممارسة، ليس فقط الثقافة والحضارة الوطنية، ولكن أيضًا الثقافة والحضارة العالمية. على ما يبدو، من الضروري هنا استخدام المقاربة المنهجيّة للتعليم الثقافي الإضافي والتنوير المتواصل بشكل هادف؛ لتغيير وعي الناس وسلوكهم بشكلٍ إيجابيٍّ، وهذا يساهم في تحقيق الانسجام بين ثقافات مختلف شعوب العالم ومصالحهم.

على الرغم من نشاط التيّارات المتنوّعة في الغرب نفسه والداعية إلى النّزعة الإنسانيّة في ظروف التنافس والصراع ربما تبدو طوباوية، بعيدة المنال إلى حد ما، إلا أنّه ليس أمام البشريّة سبيل آخر للخلاص، إلّا بالشراكة الواسعة والعادلة بين الحضارات، إلّا بتعميق الثقافة الروحية السامية وتوسيعها، التي تنطوي على رفض استعمال القوّة في العلاقات الدولية، وعلى الرفض للفرض القسري لقيم وأملاءات بعض الأنماظ «الحضارية» على الآخرى. إنّ مبادئ الثقافة الروحية المتمثلة بقيم الأنسنة والعدالة والحكمة وغيرها من الفضائل التي طلعت بها خيرة العقول الغربية، لن تفقد أهميتها أبدًا، والتي بدونها يكون التواصل الإيجابي بين الناس مستحيلاً. الثقافة الروحية، باعتبارها «القوة الناعمة»، تعمل بشكل متزايد كأساس «علاجي» لإنقاذ العالم من العمليات والظواهر المدمرة للحضارة.

يتطلّب توحيد الأشخاص والتيارات العاقلة في الغرب، ذوي الثقافة الرفيعة على فهم المعنى غير المتنازع عليه للثقافة الروحية كعامل للخلاص، وهذا يعتمد أوّلاً وقبل كلّ شيء على العلماء والسياسيين؛ لتكوين تضامن وهويّة ثقافيّة دوليّة للشعوب من أجل تنمية متناغمة ومستدامة وآمنة على المستويين الوطني والعالمي. وهذا لا ينبغي أن يُنظر إليه وكأنّه تهديد لفقدان السيادة الوطنية والهوية الثقافيّة للدول.

مع تثميننا العالي للأعمال والمواقف الأيديولوجية للكاتب الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي، نودّ أن نشير إلى أنّه ليس «الجمال»، ولكن «الثقافة» ستنقذ العالم! على الرغم من أنّ دوستويفسكي كان يجول في ذهنه العالم الأخلاقي للإنسان. علمًا بأنّ الواقع يعطي صورةً تراجيديّةً لعالمنا الراهن! فكم من الحروب الدمويّة التي فتكت بالبشر والحجر! لذا يبدو لأوّل وهلة بأنّه من عاشر المستحيلات إنقاذ العالم بالثروة الأخلاقية فقط؛ ذلك لأنّه في إطار الحضارة هناك العديد من العوامل المدمرة والقوى المدمرة، والتي عادة ما تكون عاجزة أو مغيّبة تمامًا. من دون ثقافة فكريّة عالية يستحيل اتخاذ القرارات الصحيحة، كما يستحيل حماية الثقافة وفتوحاتها من العدوانية والتوحشن.

إنّ الفهم الصحيح للثقافة الروحية لا يكتمل بدون إدراك المعنى والتناغم بين جناحيها. الجناح الأوّل هو الثقافة الفكرية، والآخر في الثقافة الأخلاقية. إذا تخيلنا مجازيًا ثقافة على شكل طائر، يصبح من الواضح أنّ الطائر لا يمكنه الطيران بجناح واحد. في الوقت نفسه، إذا لم يتم تطوير أحد الأجنحة بشكل كافٍ، فستكون «الرحلة» معيبة، عفوية ومحفوفة بالمخاطر. إنّ عدم كفاية الثقافة الفكرية يؤدّي إلى التخلّف. في الوقت نفسه، غالبًا ما تؤدي الدونية المرتبطة بنقص الأخلاق إلى تنامي الأنانية - الهدامة والتنافس الخطير. كلّ أمة وكلّ شخص مشبع بالاهتمام بالحفاظ على ذاته وحياته والحرص الدائم على تحسينها. إذا لم يكن لدى الشخص ثقافة فكرية، فسيكون من الصعب عليه الانخراط في الإبداع واتّخاذ القرارات الصحيحة، وقد يصبح ضحيّة للقوى المدمرة. من ناحية أخرى، يمكن للمفكر المغيب للأخلاق أن يشكل خطرًا على المجتمع والدولة.

وعند الحديث عن تطور الثقافة الروحية، يجب على المرء أن يأخذ في الاعتبار التطور المتناغم لـ «جناحيها» أي الثقافة الفكرية والثقافة الأخلاقية، التي تحتلّ دورًا مهمًا في التطور التدريجي للمجتمع، مثل: ثقافة العمل والأسرة والقانون والإنتاج والبيئة، فضلاً عن ثقافة العلاقات الإنسانية، التي تركز على تطوير المثل الإنسانية كالتعاطف والتضامن والتعاون والمحبة والسلام.

* ما التصورات الإجماليّة التي تقترحونها، والتي ترون أنّها تؤدّي إلى تحقيق الثّقافة الروحيّة على نطاق عالمي؟

-للحصول على النتائج المتوقّعة في الاستخدام المثمر للإنجازات الثقافية، ينبغي للمرء الغربي، أوّلاً وقبل كل شيء، أن يبدأ بفهم علمي صحيح للثقافة كظاهرةٍ اجتماعيةٍ تفتح زوايا الرؤية لإمكانيات غير محدودة؛ لتنمية الفرد والمجتمع والدولة. الثقافة معرفة وخير وتنمية وازدهار، والجهل شر وفقر. يجب استخدام الإمكانات غير المحدودة للثقافة بشكل خلّاق؛ لتحقيق التنمية المستدامة في الغرب وفي جميع أنحاء العالم.

 لسوء الحظ، غالبًا ما تُفهم الثقافة الروحية اليوم في شرقنا فقط بالمعنى الضيق، إمّا عبر رؤيةٍ مذهبيةٍ دينيةٍ ضيقةٍ، أو أنها مموضعة بالفن وبعض المعايير الأخلاقية، مما يؤدي إلى استخدام محدود لإمكاناتها الاجتماعية. لتحقيق فعالية التحولات الاجتماعية والثقافية التي تلبي احتياجات العصر. من الضروري، أوّلاً وقبل كلّ شيء، الوقوف على فهم علمي واسع للثقافة كنظامٍ اجتماعيٍّ متكاملٍ تم إنشاؤه وتطويره بواسطة العقل والمشاعر والعمل الجسدي للفرد؛ من أجل الحفاظ على حياة الإنسان وتحسينها.

في جوهرها، تعدّ ثقافة كلّ مجتمع نظامًا اجتماعيًا متكاملًا للحياة البشرية، ولكلّ جزء من الأجزاء المترابطة جوهرها وخصائصها ورسالتها وأهدافها وهيكلها وطاقتها ونابض الحركة والتاريخ والإنجازات وقدرات التحويل فيها. مع الأهميّة غير المشروطة للاقتصاد. فإنّ القوى الدافعة الرئيسة لهذا النظام، والتي تحدّد قابلية المجتمع للبقاء والقدرة التنافسية للدولة، هي: العلم والتكنولوجيا؛ التربية والتنوير والتنشئة. يساعد الفهم العلمي للثقافة في تقييم دورها كعامل تكنولوجي في نمو الرفاهية، كنشاط يهدف إلى إنشاء تقنيات فعّالةٍ للحياة وإنتاج المنتجات اللّازمة لتلبية الاحتياجات الروحيّة والمادية للناس. في إطار هذه الرؤية الثقافيّة، يجب الاعتراف بأنّ الثقافة الاقتصاديّة، كأساس لرفاهيّة الإنسان، هي نتاج تجسيد نتائج العمل الفكري. يعتمد تطوير الثقافة الاقتصاديّة إلى حدٍّ حاسم على مستوى الثقافة الفكرية. على إنجازات العلم، وجودة التعليم والتنوير، فضلاً عن ثقافة العمل والإدارة. وللغرب في هذا المسار تجاربه الثقافيّة المتنوّعة الناجحة منها والفاشلة..

وبالتالي، فإنّ الفهم الصحيح لظاهرة الثقافة، كنظامٍ اجتماعيٍ متكاملٍ، تتمثّل بتنفيذ البرامج الدولية لتنمية الإنسان والمجتمع، وفي تطوير الهويّة الثقافية الدولية، والتبادل الثقافي والتعاون الدولي. ولعلّ هذا هو السبيل لإنقاذ الغرب والبشريّة بأسرها من العمليات المدمّرة المتأصّلة في الحضارة المعاصرة.