البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

October / 21 / 2021  |  300مهمة علم الاستغراب زعزعة الأساس المعرفي الذي قام عليه جوهر الغرب

الحوار مع :د. عمر الأمين أحمد عبد الله
مهمة علم الاستغراب زعزعة الأساس المعرفي الذي قام عليه جوهر الغرب

محور هذا الحوار مع الدكتور عمر الأمين أحمد عبد الله، هو بيان الجذور التاريخيّة واللاَّهوتيّة والثقافيّة للاستعمار الفكري. فقد بدا واضحًا في سياق أجوبته العميقة على أسئلتنا الرّبط الوطيد بين التنوير والقيم التي أعلنها فلاسفته وعلماؤه وبين الحركة الاستعماريّة التي أطلقت فكرًا سياسيًا يسوغ للاحتلال والسيطرة على مقدّرات الشعوب.

حول التحوّلات الكبرى التي شهدها تاريخ الاحتدام بين الإسلام والغرب جرى هذا الحوار مع البروفسور عمر الأمين عبد الله؛ حيث اعتبر أنّ مهمّة علم الاستغراب الكبرى هي دحض الأساس المعرفي والفكري واللاَّهوتي الذي سوَّغ لإيديولوجيّة الهيمنة والاستعلاء.

«المحرّر»


* نودّ أن نستهلّ حوارنا معكم حول الجدل الذي ينتهي بصدد علاقة دائمة الاحتدام بين الاسلام والغرب. والسؤال هو أين يقع المشروع النهضوي الإسلامي اليوم بعد سلسلةٍ طويلةٍ من المواجهات مع الحركة الاستعمارية؟

يبدو أنّ عمليّة التحرّر من نتاج الهيمنة الاستعماريّة بمختلف تجلّياتها قد أصبح هاجسًا طال وجوده حتى صبغ بصبغته أخصّ خصائص حركات التحرّر المعرفي والعلمي والثقافي من هذه السيطرة الاستعمارية. وتلك حقيقة لا يمكن القفز من فوقها، بفعل أنّ المؤسّسة المعرفيّة التي ننطلق منها في عالمينا العربي والإسلامي هي نفسها نتاج للاشتباك المعرفي الاستعماري بثقافتنا العربية ومشروعنا العربي الإسلامي.

فقد استولى عصر التنوير وربّما قبله عصر النهضة على مقوّمات المشروع الثقافي العربي الإسلامي، ودخل معها في صراعٍ غير متكافئٍ، فاستسلمت التشكيلات الفوقيّة لهذا المشروع، حتى أصبحت النّهضة الأوروبية نفسها كأنّما هي نهضة شرقيّة إسلاميّة، وكذلك عصر التنوير، دون أن نلاحظ كمفكرين إسلاميين أنّ عصور الظلام الأوروبي، وهي التي سبقت حركتي النّهضة والتنوير، ثم لاحقًا عهد الحداثة وما بعد الحداثة، كانت تتزامن مع ما كان يعمّ العالم الإسلامي من شموس علومٍ سواطع، كانت هي المحرّك الأوّل والأصيل لإخراج أوروبا من ظلامها الدامس.

النّاظر بحذاقةٍ من خلال هذا النور الساطع في العالم الإسلامي كان وما يزال ينظر من داخل حدود مشروع التحرّر الإسلامي، ثم الصعود إلى قيَم الترقي الأخلاقي والمعرفي والعلمي منذ بداية ظهور ديانات التوحيد في الشرق المتوسّط، وذلك لإخراج الإنسان من طفولته المعرفيّة وحيوانيّته إلى عصر التحرّر الذي لازم انفكاك الإنسان من تلك الحيوانية. فقد كان الفداء الإسماعيلي العظيم، وبدايات ديانة التوحيد الحنيفيّة، هي بداية سير الإنسان في إطار مشروع تحرّره وخلاصه من هذه الحيوانيّة، عبر إنسانيّةٍ مختلطةٍ بهذه الحيوانيّة إلى بني آدمية وبشرية خالية من أي شوائب حيوانيّة. فالبني آدميّة هي نفسها متخارجة من الإنسان إلى وعدٍ إلهيٍّ بشري إنسان منظف من الحيوانيّة إلى بشري بشرية وبني آدمية، تستظلّها ظلال الحقيقة المحمّديّة الساطعة المتنوّرة بالعلم، مبدؤها علم بسم الله متزامن مع قراءة باسمه، ومنتهاها علم بمعيّة إلهيّة كما في قوله جل وعلا: (ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ). التي أتت بعد قوله: (ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ).

ذلك مشروع وإن تقاصر طموح الإنسانيّة عن بلوغه فإنّ الحقّ جلّ وعلا قد وعد بحمل الإنسان إلى بلوغه طوعًا أو كرهًا، لقوله جل وعلا لنبيّه: (وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ)، ويعلم الكثير من العارفين أنّ رضا خاتم أنبياء البشريّة لا يكون إلا بتحقيق كمال محمديته فينا كلّنا، خاصّة أنّنا ندعو لها صباح مساء، بعلم منّا أو بدونه قائلين: (وابعثه مقاماً محمُوداً الذي وعَدته)، ولا يظنّ جاهلنا أنّ الموعود ببلوغ المقام المحمود هو نفسه ما ننطلق نحوه بألسنتنا داعين له ببلوغ هذا المقام. ولا نتوقّع من جهلنا وظلمنا لأنفسنا أنّه سينتظر تحقيق دعوتنا هذه حتى يبلغ المقام المحمود في يوم الدين. فمن نظنّ أنّنا ندعو له ببلوغ المقام المحمود. هو صاحب المقام المحمود، بل هو المقام المحمود نفسه، عليه أفضل وأكمل الصلاة وأتم وأوجب التسليم. ولكن لا يخيب ظنّنا في صاحب المقام المحمود، في دعوتنا له بحسب أنّها دعوةٌ لأجل أنفسنا، ولكأنّما نقول (وابعثه فينا مقامًا محمُودًا، الذي وعَدته، إنّك لا تُخلفُ الميعاد). فذلك الوعد الإلهي هو بعث الحقيقة المحمدية كاملة وصافية في أمّته، أي أنّ ما يرضاه ويرتضيه المصطفى، هو أن يتّفق تطوّر أمّته في سلم البني آدميّة والبشريّة إلى مرحلة العلم، ذلك الذي يتحقّق فيه بعث الحقيقة المحمدية في كمالها على مطلق البشر، وهذا الترقي القيمي المعرفي العلمي الذي سيحمل الحقّ جلّ وعلا الإنسانيّة إليه طوعًا أو كرهًا، وهو ما تركناه من مشروعٍ إلهي وراء ظهورنا. فالمشروع الذي تركناه نحن مطلق الإنسانيّة وراء ظهورنا يلاحقنا تحت مسؤوليّة صاحب التنزيل الذي سيتم نوره ولو كره الكافرون. في حين أنّنا في مطلق إنسانيتنا الأوّليّة البسيطة فارقنا هذا المشروع فراقًا بيّنًا، انظر لقوله جل وعلا: (قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ) فدأب الإنسان هو المفارقة، أمّا دأب الذين يعملون من الذين أوتوا العلم فهو ما يُباعد بينهم وبين أحلام طيش الإنسانيّة وهواها، الذي لم يغادر مرحلة طفولة معرفيتها بعد. في مثل هذا الحديث يحيلنا إلى بدء؛ إذ نلاحظ أنّ قصورًا منهجيًّا أساسيًّا يعترض تساؤلاتنا هذه حتى نكاد نرى فعل امتداد الاستعمار على مؤسّساتنا، والذي هو مهيمن على هذه المؤسّسات وربّما معرفيتنا ومصطلحيتنا، كأنّما هنالك منهجيّة متكاملة تُطرَح كبديلٍ مؤسّسٍ يبطل مفعول مؤسّس التنزيل الحكيم، بمحاولة دؤوبة لاجتثاثها لا عن أرض الإسلام فقط، بل عن ارتيادها مشروع الترقي الإنساني إلى البني آدمية والبشرية.

 لكنّنا إذا ما لاحظنا إلى أقصى مدى بلوغ ما تبلغه المعرفة الإنسانيّة هو الاعتراف بطفولتها الفكريّة والمعرفيّة، فإنّ الإنسان الأوروبي لم يتسنّ له إلى يومنا هذا الوصول إلى هذا الاعتراف، وإذا كان لي أن أمثّل ما يعيشه هذا الإنسان تمثيلاً ببزوغ أنواع المعرفة المحمديّة على هذا الظلام المعرفي الدامس. لكن ما التقطته أوروبا منذ القرن الخامس الميلادي، والذي تحوّلت فيه أوروبا من الوثنيّة الرومانيّة إلى نصرانيّة مدجنة بوثنيّة جاء بها القديس بولص أخذ بها الأمبراطور قسطنطين، فتحوّلت بواسطته أوروبا إلى ديانة التوحيد النصرانيّة، دون المرور بمرحلة ديانة التوحيد اليهوديّة التي سبقت ذلك. ثم حارب قدرٌ معتبر من أوروبا الديانة الإسلامية، تلك التي فتحت عين أوروبا إلى العلم والبحث العلمي، فحاربته أوروبا بمحاكم تفتيشها، وقاتلت العلم والعلماء تمسّكًا بذهنيّة الفيلسوف الإغريقي أرسطو ومنهجيّته في الاستنباط المعرفي. ثم خاضت أوروبا بعد ذلك عصرًا للتنوير قد يكون مبدؤه المفكر الألماني هيغل، وكان قبله فلاسفة آخرون، منهم إيمانويل كانط، وقبله ديكارت، وكذلك الإنجليزيان روجر، وفرانسيس بيكون، ثم انتهى التنوير إلى الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، ثم المدرسة الألمانيّة، وعلى رأسها كال ماركس، وفردريك إنجلز. كلّ هؤلاء خرجوا من أوروبا إلى مواعيد الثورة الفرنسيّة تلك التي انطرح فيها وبعدها تحول مجتمع القنانه إلى مجتمع رأسمالي حديث، دونما أيّ طفراتٍ علميّةٍ سواء في بعض العلوم التطبيقية التي رافقت ظهور الجامعات في أوروبا في القرن الثامن عشر الميلادي. ولا يظنّ أنّ نشأة الأكاديميات الأوروبية العريقة كانت بداية تحوّلٍ علميٍّ، فما زالت العلوم الأوروبية إلى يومنا هذا تقبع تحت خطوط المعرفة الإنسانيّة التي تحبو في طفولةٍ علميّةٍ رغبةً في الوصول إلى مصاف العلم، فالعلمنة كمصطلح يتمدّد ليشمل معرفة الإنسان بنفسه، ثم معرفته بالكون الذي من حوله ثم ترقية في سلم إنسانيّته إلى مرحلة بلوغ شأن مرحلة علميّة مدّخرة ما زالت البشريّة تحبو في طفوليتها نحوه.

ولقد سبق لي أن قبلت بوصف لأستاذنا البروفيسور عبد الله علي إبراهيم المحاضر بالولايات المتحدة الأميركية؛ حيث وصف محاولتي للاعتراض على فهم الغرب لمصطلحي العلم والمعرفة مع عدم توافقه مع مصطلح العقل ذي الوجود العربي الإسلامي الواضح، وبالتالي ضُعف منهج البحث العلمي في أوروبا، وقد وصف البروفيسور دراستي تلك، والتي صدرت في كتيب بعدها تحت عنوان: (العلم والمعرفة والعقل مقاربات نقدية ومفاهيمية)، وصفها بـ (ردّ الصَّاع) ذاكرًا أنّنا أمّة مقتولة بحثًا بواسطة أوروبا، وأنّ جهدي ذاك هو ردٌّ لصاع ذلك البحث ببحث مقابل يردّ لأوروبا صاع ما اقترفته فينا، وقد قبلت بذلك التوصيف ووضعته كمقدّمة لأستاذنا العزيز لمكتوبي بعد صدوره، وها أنا اليوم أستلفه مشيرًا إلى كيفيّة أنّ دراسات الاستغراب هي بمثابة ردٍّ لصاع دراسات الاستشراق، والتي حاول من خلالها الاستعمار الأوروبي أن يفرض بها هيمنته المعرفيّة والعلميّة والثقافيّة.

* ألا ترون أن ثمة مفارقة شديدة التعقيد على المستوى المعرفي بين قيم التنوير في أوروبا والسلوك الاستعماري حيال الشعوب في أفريقيا وآسيا وخصوصًا في بلادنا الإسلامية؟

- يجب ألّا نفصل تاريخ التنوير والحداثة وما بعدها في أوروبا عمّا قبلها، حتى ننظر إلى حقيقة الاستعمار وما يقع حوله من هيمنةٍ استشراقيّةٍ فكريّةٍ فهمًا قد نعي ونلاحظ من خلاله جهل الاستعمار الأوروبي، وحركته الاستشراقية وعصر حداثته وما بعدها، عن فهم الضعف الظاهر البيّن في أصوله المعرفيّة، التي لا تدخله باب حضرة العلم، فيظلّ لاهثًا في طفولةٍ معرفيةٍ تشير إلى فقدانه العقل والدين، كما ذكرت عندما شبهت الغرب بالنساء، وذكرت النساء لسماح إلهي عظيم أصبحن ناقصات عقل ودين، بما يشير إلى كمال متمّم بغير ما في العقل والدين من حجى تعبره النساء بحسب السماح الإلهي، لكن تظلّ أوروبا فاقدة العقل والدين دون أيّ مبرّرٍ، ودون أي سماح إلهي. وما أقصده وأعنيه في هذا الصدد هو فهم طبيعة الإنسان والمجتمع الأوروبي فهمًا لا بدّ أن ينسحب على لاحق المشاريع الأوروبية، فيظلّ مؤثّرًا فيها تأثيرًا قد لا يلحظه الإنسان الأوربي، فالشخصيّة الأوروبيّة هي شخصيّة ذات وجودٍ تاريخيٍّ وجغرافيٍّ لا تنفكّ عمّا نشأت فيه من بيئة، ولا تخرج عمّا أودعته فيها تلك البيئة. أوروبا تاريخيًا وجغرافيًا هي ليست موطنًا أصيلاً لنشأة إنسانيّة تنتمي إلى بيئتها، بل هي أرض مهجر بدأت هجرة الإنسان الأوّل إليها، مع بداية ذوبان عصر الجليد، أي قبل حوالي خمسة عشر ألف سنة (15000 سنة) قبل ميلاد سيدنا عيسى، وبالطبع فقد كانت جغرافيا أوروبا التاريخية تلك هي ما يحيط بحوض البحر الأبيض المتوسط، أي أقاصي جنوبها؛ إذ إنّ شمالها استمرّ يعاني من غطاء جليدي ما ذاب عن أواسطها إلا صيفًا، وفي آخر أربعة آلاف عام قبل الميلاد. وقد بدأ النّشاط الإنساني في أوروبا ونشأ نشأةً مصريةً، إذ إنّ حوض البحر الأحمر المتوسّط وجزر بحر إيجا المتاخمة لليونان وألمانيا كانت أوّل ما شهدت آثارًا لوجود الإنسان المهاجر من إفريقيا، وتحديدًا من مصر عبر السفن. وقد أقام ذلك الإنسان ما يمكن أن نسمّيه امتداد الحضارة المصرية القديمة، تحديدًا في منطقة جزر بحر إيجا وبلاد اليونان، وقد استقبلت أوروبا هجرة أخرى جاءت إليها من القارة الآسيوية، تلك التي استقبلت هجرات أقدم من القارة الأفريقية، كان عمرها هو عمر ذوبان الجليد عن جنوب وأواسط آسيا 30000/40000 عام قبل الميلاد، وهناك آثار في بلاد ما بين الرافدين وبعض مناطق حوض السند ومناطق أخرى في آسيا لهجرات تلك الحقبة، والتي تميّزت بامتلاك الإنسان لصناعة الآلات الحجريّة وصناعة الخزف، وتلك ما وجدت لها مخلّفات ترجع لتلك الحقبة في تلك المناطق.

* قد يكون من أبرز ما شهده الفكر السياسي الغربي المعاصر هو سيطرة النّزعة النّفعيّة والماكيافليّة المفرطة على منظومات القيم الأخلاقيّة والسياسيّة. ما هو برأيكم أثر هذه السيطرة في انعكاسها على العلاقات التي تحكم النظام العالمي الراهن؟

- معرفة أثر المركز السياسي الأوروبي على مجمل نشاطه، مضافًا إليه نشاط الاجتماع الأوروبي، أي في بنيته الفوقيّة والتحتيّة أنّه نشاط لم يرتقِ مواقع ذات أخلاقيّة معرفيّة رفيعة، بل ظلّ يتمحور حول نشاطه النفعي. وحتى نشاطه النّفعي هذا ما اكتسى بصفات الإنسانية، لارتباط الاجتماع الأوروبي منذ دولة أثينا، ثم الدولة الرومانية لفرز طبقي حاد ما بين سادة وعبيد، أو مالكين ومملوكين، ثم أخيرًا أصحاب رأسمال وإجراء عند أصحاب هذا الرأسمال. ومن باب البداهة والمنطق أنّ محاولات ذلك المجتمع ذا السمات الطبقية، هي محاولات ينتفي عنها البعد الإنساني، وتضلّلها قيَم المنافع المتبادلة في أحسن حالاتها، والتنافس الشرس على امتلاكها في حالات هي الغالبة. وأتّفق هنا مع السؤال الأوّل أن سيطرة الفكر النفعي و«الميكافيلية» كآليّة قد تسبّبت في تراجع النّزعة الأخلاقيّة، وتراجعت معها القيَم الأخلاقيّة النبيلة؛ فسبقت الفكر السياسي وفعل المنظومة السياسية الأوروبية بصفة النفعيّة والميكافيلية، وصفة البُعد والتخلّي عن القيَم الأخلاقيّة الرفيعة، وهذه صيغة واضحة أصبحت سمة ملازمة للمجتمع الأوروبي، لا تحتاج منا إلى تمثيل، أو تشخيص، أو حتى تثبت معلوماتي. فمجمل حسن سير الفرض الأوروبي هو الالتزام الصارم بالقانون الذي لا يضمن سواء سداد ومضاء الفاعليّة الاجتماعيّة. وإذا ما تمّ الفرض الأوروبي موجبات هذا الالتزام القانوني فلا يسأل عمّا يفعله بنفسه أخلاقيًّا، وهذا ما جعل الاعتراف بالشذوذ الجنسي حقيقةً اجتماعيّةً أوروبيّةً مماثلة درجة تجويز زواج المثليين جنسيًّا، ولو كانا من نوع جنس واحد.

اتّفقنا فيما سبق أنّ الغرب قد بدأ حياة التمدين فيه، فجعلها تقوم على الطبقية. أي أنّ هنالك طبقة سادة وحاكمة تتحكّم في طبقتين برجوازية وسيطة، وطبقة كادحة مملوكة أو أجيرة. ويبدو أنّ تحكّم الطبقة العليا هو نفسه تنزّل تاريخيّ عن تحكم نخبة هي في واقع أمرها نخبة الملاك العقاريين، أي الإقطاعيين والنبلاء؛ حيث تعتبر ملكية الأرض في أوروبا هي مركب النبالة وبداعتها. فليس هنالك من نبيلٍ إلا ويكون إقطاعيًّا وصاحب أملاك فردية شاسعة، نقول قولنا هذا ونتذكر كيف حاول بشدّة التجار اليهود الذين أثروا من تجارتهم أن يرتادوا طبقة النبلاء وهيهات. اقرأ وراجع الكاتب الشهير موليير في مسرحيته الشهيرة البرجوازيين، لفهم تطلع طبقة أثرياء البرجوازية من التجار اليهود إلى الركوب في مركب النبالة الأوروبية، هؤلاء الذين سخر منهم أشدّ السخرية الكاتب الفرنسي الشهير موليير، وشايعه في ذلك الشاعر الإنجليزي في مسرحيته (تاجر البندقية). ولا نعتبر نبالةً أوروبية ظاهرةً أصيلة منبتة بل راجعة للتراث الأوروبي الأمبراطوري (الأثينو روماني)؛ حيث الملكية الأمبراطورية الكامنة للإنسان والأرض، وصف الأمبراطور هو نفسه صاحب حقوقٍ ملكية ترتبط بعطاء إلهي خاص، حاز عليه هؤلاء الأباطرة، وقد آل الاصطلاح الأمبراطوري في الفكر السياسي إلى الحصار ضمن إطارٍ ميثوبولوجيّ، مثّل في غالبه قيمًا غير مواتيةٍ اجتماعيًّا، كما هي في مصطلح إمبريالية وانعكاساتها السالبة في الفكر السياسي المعاصر. وحتى ظاهرة الإمبريالية هذه المتمثلة في حقوق السلوك الامبراطوري الأوروبي، فهي ليست مصطلحًا، فقد أورد المفكر الأوروبي الكبير فرانسيس فوكوياما في كتابه الشهير «خاتم البشر» أنّ الصراع العسكري هو حامل أوروبا بالتطور والتفوق في عالمنا المعاصر، وقد ذكر أنّ تاريخ الإنسان الأوروبي في أوّل سيرته وقبل مرحلة التمدين، بحيث إنّ الأوروبيين كانوا أناسًا متقاتلين ومتشاكسين، فإذا ما التقى أوروبيان في ذلك التاريخ الباكر فهما سيقتتلان ويشتبكان بمختلف أنواع الأسلحة التي يمتلكانها حتى يقتل أحدهما الآخر، فيسود الحي على المقتول، ويستولي على أملاكه، أو ينهزم أحد الطرفين أو يستسلم، وفي تلك الحالين يقوم المنتصر باستعباد المنهزم والمستسلم، بما في ذلك اغتصاب أملاكه من نساء أو خيرات أو أراض. وهذه مرجعيّة أوروبيّة واضحة تاريخيّة ظلّت ملازمة للإنسان الأوروبي عبر مختلف تجلياته.

* أين أصبحت مركزيّة الغرب الآن، في ظلّ التحوّلات الكبرى التي تُشير إلى تشكُّل عالم متعدّد الأقطاب، وهل ثمّة إمكانيّة واقعيّة لقيام مثل هذا النظام المتكافئ في العلاقات الدولية؟

يتنقل المركز الأوروبي عادة بين السادة المنتصرين والممسكين بالسّلطة كالإمبراطور، إلى النبلاء، وإلى طبقة الرأسماليّة. ويلاحظ مصاحبة الدولة لهذا التفوّق المركزي منذ المركزيّة الأثينيّة التي غزت واستولت على مملكة إسبارطة القويّة والغنية المجاورة، ثم استيلاء روما على كل أوروبا، وشمال إفريقيا، والشرق الأوسط، حتى نهر السند، ثم تحوّلت سيطرة الدولة إلى مراكز متفرّقة متشاكسة أوروبيًّا، فقد استعمرت فرنسا، وألمانيا، وإنجلترا، وإسبانيا، والبرتغال، استعمرت كلّ أجزاء عالمنا الأرضي. وفيما قبل القرن الخامس الميلادي قد كانت روما هي مركز العالم الغربي الأوروبي. وباستيلاء القوط على أوروبا في العام أربعمئة وخمسين ميلادية، برزت دولتان مركزيتان ألمانيا وفرنسا، تنافسان المركز الإيطالي، ثم برزت بريطانيا العظمى مع بداية سيادة الأساطيل البحرية، وذلك مطلع القرن التاسع عشر إلى منتصف خمسينيات القرن العشرين؛ حيث ظهرت الولايات المتحدة الأميركية قوّة مضافة إلى الصراع الأوروبي على السيطرة والهيمنة، ما يمكننا أن نطلق عليه المركز الأوروبي، ويبدو أنّه في الولايات المتحدة الأميركية على أيامنا هذه، بحسب القطبية الحالية، وذلك بعد انهيار القطب الثاني المضاد للمركز الرأسمالي، ألا وهو الاتحاد السوفيتي. ولكن المتأمّل بحذاقة للطبيعة الأحادية القطبية في الولايات المتحدة يلاحظ أنّها سيادة لطبقة تمثل المنحدرين من أصول أنجلوسوكسونية، فليس هناك من رئيس خارج هذه النخبة للولايات المتحدة خلال تاريخها سوى ثلاثة رؤساء كان انتخابهم فلتةً سياسيةً، مثل باراك أوباما، وجيمي كارتر. الناظر إلى النخبة الأنجلوسوكسونية المسيطرة، والممثّلة لأحادية القطبية السياسية على نطاق العالم، يلاحظ أّن رؤساء الولايات المتحدة على اختلافهم لا يمثلون أكثر من مدراء تنفيذيين في «تروستات» ماليّة كبيرة لهذه النخبة، والتي ما زالت قيادتها الفعلية في بريطانيا العظمى، وتحديدًا إنجلترا. ويلاحظ أنّ انقسامات سياسيّة طرأت على تساؤل هرم القطبية الأميركية وملحقاتها في الاتحاد الأوروبي، وذلك إثر «زوبعة سياسية» ذات مرجعيّة وخلفيّة اقتصاديّة قامت نتيجة للصراع المستعر بين الولايات المتحدة من ناحية، والصين وروسيا من ناحية أخرى؛ ذلك الصراع الذي يقترح على عالمنا تعدّد قطبانيته.

 فالشكل الجديد الذي يبدو أنّ توازن قوّة جديد سيفرضه على الساحة السياسية والاقتصادية ربّما قطبية ثلاثيّة، حيث الاتحاد الأوروبي قُطبٌ متمايز، في حين أنّ الصين في المستقبل القريب هي المرشحة للصعود وقيادة الاقتصاد العالمي، ثم ينضم إليها الاتحاد السوفيتي، لأجل تقوية المركز الشرقي، الذي يبدو أنّ الهند وباكستان وإيران سيكونان ضمن أعمدته. تعدّد القطبيّة في عالمنا المعاصر، والتي أصبحت واقعًا لا يمكن الإفلات من بين براثنه تعلن إعلانًا واضحًا: موت منظمة التجارة العالمية. وهذا يعني ضمن ما يعنيه أنّ المخطّطات الأحاديّة القطبانيّة التي كان العالم مجبورًا على خوضها قد ذهبت إلى غير رجعة. والحال هذه فسيقف الغرب والشرق في حوار يبدو فيه أن كثيرًا من الخير يمكن أن يعمّ العالم، نتيجة لضعضعة مركزيّة الغرب التي كانت تتسم بالحماقة واللَّاإنسانيّة. 

* شهد الربع الأخير من القرن العشرين والعقدان الأوَّلان من القرن الجاري تحولاَّتٍ جذريّةً في المفاهيم التي انبنى عليها الفكر السياسي، لا سيّما لجهة تحكُّم الليبراليّة الجديدة بمصير العالم المعاصر وتحوّلاته. ما هي برأيكم الآثار التي ترتّبت على اتّجاهات التفكير في إدارة النّزاعات الدوليّة، وخصوصًا ما يتعلّق منها بمسارات الحرب والسلام؟

-يبدو أنّ ملاحظة طبيعة السياسات التحوّليّة الأوروبية ومدى ارتباطها بمراكز التفكير السياسي. فهي ضمن الأزمة التي تعيشها أوروبا منذ الأمبراطور الروماني قسطنطين في القرن الرابع الميلادي. إنّ تحوّلاتٍ عميقةً ذات صبغةٍ تحتيّةٍ انتظمت خلفها الطبقات الدنيا، والتي كانت تتمثّل في المملوكين إقطاعيًّا حسب لغة ذلك العصر، وعامة الشعب، حسب اللغة السياسيّة المعاصرة. فقد أحدثت رحلة سيدنا عيسى عليه السلام من اليمن الحالي عبر إثيوبيا الحالية، ثم السودان الحالي، إلى صعيد مصر، والتي ابتدأت وعمره ثمانية أعوام، واستمرّت عشرة أعوام، إلى أن وصل عبر العريش ودمياط، إلى أرض فلسطين الحالية التي كان يتحكم فيها حلف يهودي روماني. ويبدو أنّ ولادة سيدنا عيسى بساحل اليمن، في جبل الجليل المقابل لجبل القدس، بالقرب من سهل تهامة، أي ميناء الحديدة الحالي، ومعجزته أثناء ولادته، تلك التي انتشرت انتشار النار في الهشيم في أعراب اليمن وسكان الحبشة إلى حوض وادي النيل، فتلك كانت منطقة امتداد جغرافي واحد، أصبحت عن بكرة أبيها تؤمن بابن العذراء الذي نطق في مهده بالحق الصّراح، ذلك الإيمان الذي جعل رحلة العذراء مريم من سهل تهامة عبر إثيوبيا، ثم عبر وادي النيل، وعبر أسيوط ودمياط إلى العريش، ثم فلسطين شأناً يشير إلى نهوض أمة جديدة لا تؤمن بآخر ملوك مصر، ولا بالأباطرة الرومانيين، أصحاب السلطة في ذلك العهد، بل بالمخلِّص والمبشِّر الذي سقطت بفعل بشارته سطوة الامبراطورية الرومانية، ولم يكن الامبراطور قسطنطين يأبه بأي قيمة توحيدية أتى بها سيدنا عيسى وهو يحمل رسالته، فهو لا يفرق بينها وبين ما كان يجري من وثنيّةٍ يُقيمها كهنة المعابد الوثنيّة الرومانيّة، فهو لم يطالع كتابًا مسيحيًّا جديدًا، أو يتعرّف على مفرق ما كان يطرحه سيدنا عيسى (ع) عن الوثنية الرومانية، أو ما طرحه القديس بولس من مزاوجة وثنيّة مسيحيّة، عبر أطروحته الأقانين الثلاثة: الأب، والابن، والروح القدس. فالأمبراطور قسطنطين كان يأمل في استقطاب جموعٍ غفيرةٍ كانت كلّها تطلب الخلاص عن طريق سيدنا عيسى عليه السلام وديانته، فعمل على لملمة ذلك، وذلك بإضافة ما عرف بعدها بالإكليروس الكنسي، كمكوّنٍ أساسيٍّ من مكوّنات الدولة في روما، فالأمبراطور قسطنطين (كان متعجّلاً لإعلان ولايته على أهل الصليب، حتى إنّه لم يصر على دعوته المسكونيّة للمجمع، إلى حين اكتمال مدينته الجديدة القسطنطينية، فعقد المجمع في الولايات المجاورة «نيقية» التي كانت لسوء اختيار موضعها تسمى أيامها مدينة العميان! وقبلها بعام واحدٍ كان الأمبراطور يقضي حياته مشغولاً بأمرٍ وحيد، هو تثبيت سلطان الحرب ضدّ رفاقه القدامى العسكريين. ولمّا انتهى من حروبه إلى الظفر بهم، أراد الظفر بالولاية الدينيّة على رعاياه، فدعى كلّ رؤوس الكنائس إلى المجمع المسكوني، وأدار جلسته وتدخل في الحوار اللاهوتي، ثم أملى على الحاضرين من الأساقفة والقُسُس القرارات، مع أنّه لم يكن يعرف اللغة اليونانية، وأظنّه لم يقرأ كتابًا واحدًا في اللاهوت، وحين كان يحتدم بها الحوار اللاهوتي بين الأساقفة في نيقية، لم يكن يهتم أصلاً بالخلاف اللاهوتي بين القس آريوس، وأسقف الاسكندرية. يظهر ذلك من رسالة الأمبراطور إليهما، التي يصف فيها خلافهما حول طبيعة يسوع المسيح، بأنّه خلافٌ تافهٌ وسوقيّ وأحمق ووضيع! يؤكد عليهما أن يحتفظا بآرائهما في باطنهما، ولا يشغلا بها الناس. الرسالة مشهورة وفي الأسقفيات نسخٌ منها. ثم انتصر الأمبراطور للأسقف إسكندر؛ ليضمن قمح مصر ومحصول العنب السنوي، وحرّم الرّاهب آريوس وحرّم تعاليمه وحكم بهرطقته، كي يصير بذلك مصير المسيحية. لقد ضُيّع اليوم على يد الجهلة الذين يزعمون أنّهم أتباعه، ويتخذونه مدخلاً للهرطقة ونقض الديانة. إنّ الآريوسيين الذين يملؤون اليوم البلاد من حولنا، يجنون على آريوس مثلما جنى عليه الأمبراطور قسطنطين قبل مئة عام، وارتضى باغتياله في وضح النهار) انتهى. القديس الشهيد نسطور بطريرك كنيسة أنطاكيا ثم القسطنطينية بعدها في حديث ورد 27 شهر سبتمر (توت - أيلول) من العام مئة وسبعة وأربعين ميلادية، ونشر بقلم الطبيب المصري هيبا في الرق الثاني من مدوناته البالغة واحد وثلاثين رِقًّا، وجدت كأثر تاريخي بأطلال دير الرهبان المتاخم لمدينة حلب، والتي ما زالت أطلاله ظاهرة إلى يومنا هذا، ومعلوم قصة ذلك الإنسان الشهيد، والقديس التي تتوافق أنوار هدايته وقداسته مع ما جاء بعدها في التنزيل الحكيم بعد ذلك بأربعة قرون، فقد مات شهيدًا نستور كما مات قبله أستاذه الشهيد آريوس، وأستاذه المباشر القديس تيودور المصيصي، أسقف كنسية أنطاكيا، ومعهم صديقهم الاسكندراني الشهير الشهيد القديس يوحنا فم الذهب، وهؤلاء كلهم قتلوا وهم يدافعون عن طبيعة سيدنا عيسى عليه السلام الإنسانية، في مقابل ما كانت تقوده كنيسة الاسكندرية من وثنيّةٍ مفرطةٍ؛ تقول بألوهيّة سيدنا عيسى عليه السلام، وتشايعها في ذلك روما بإمبراطورها، ووثنيّته الصارخة. يبدو أنّ نضال هؤلاء الشهداء مقروءًا مع سفسطائيّة وديماغوجيّة الكنيستين الكاثولوكيّة والأرثوذوكسيّة في روما والاسكندرية في محاولة تفرّدهما الجمع بين السلطتين الزمانيّة والمكانيّة. وقد قامت بعد ذلك ببضعة قرون ثورةٌ عارمة في فرنسا، ابتدأت بكيمونة باريس، ثم انتهت بثورة ومقتلة عظيمة، طالت الملوك والكرادنة المتحالفين، فتمّ على إثرها إعلان الجمهورية الفرنسية. وهي الجمهورية ذات النظام الرأسمالي والعمل الأجير، والذي هو أكثر إنسانيةً من استعباد النبلاء والقيصر لعامة أفراد الشعب. كان لا بدّ لنا أن نلاحظ أن مجمع نيقية المنعقد في العام ثلاثمئة وواحد وثلاثين ميلادية، أن ذلك اندراجًا باكرًا للفكر السياسي، صاحَب تحوّلات عميقة في بنية الاجتماع الأوروبي، نتيجةً لانعتاق العامة تبع الثورة العيسوية الضخمة، ومحاولة القياصرة للاستئناس بذلك التحوّل الخطير، ثم تبع بعد ذلك تحوّل الفكر السياسي بظهور بوادر الثورة الفرنسية، كما هو عند المفكر الفرنسي جان جاك روسو، والشاعر فولتير، وبرزت قيم الحرية والإخاء والمساواة كشعارٍ أساسي للثورة الفرنسية، التفّ حوله واستأنست به طبقة الملاك الرأسماليين الجديدة، والتي يبدو على أيامنا هذه أنّ عقدها الاجتماعي الذي انتظمت أوروبا حوله هو عقد مجحف في حقّ الكادحين. لذلك رأينا ظهور ثورة مثل (السُّترات الصَّفراء في فرنسا) و(اهدموا) (وول ستريت) في أميركا؛ حيث تعمل هذه الحركات القويّة الناهضة على إصدار عقدٍ اجتماعيٍ جديدٍ، يحدّ من سطوة الطبقة الرأسمالية، ويُبدّد سيطرتها الاحتكاريّة. ونلاحظ انحسار سير نفوذ الأباطِرة بعد ثورة سيدنا عيسى عليه السلام، ثم انحسر شأن الكنيسة في أوروبا، وخرجت عن التأثير الحيوي الاجتماعي خروجًا كاملاً. وكانت قد خرجت وانحرفت قبلها النّخبة اليهودية، تلك التي لم تُدِر ساقية العلم الموسوي لتسقي به الإنسانية، لكنّها احتكرته لنفسها كنخبة واستعملته لصالحها، فاحتكرت الديانة اليهوديّة وعلومها كعلم حساب العقود احتكارًا جعل منها فئة عنصرية، لا يشغل بالها إلا شأنها الخاص غير الموضوعي. الخروج اليهودي عن موضعة نفسه ضمن الأثر الإنساني العام، ثم ما تبعه من خروج كنسي عن الحياة السياسية والدولة في أوروبا، فذلك مما أحدث فصالاً عميقًا تطاول أثره حتى بلغ المؤسّسة الأكاديمية، فما زال الفصل قائمًا ما بين التاريخ الإنساني وتجريبهم عبر هذا التاريخ وحركة الدين وتجريدته. فالثورة العيسويّة والثورة المحمديّة بعد ذلك هي شأن خاص لا يندرج ضمن العام وعلومه، وهو يتحدّث قائلاً: إنّ سيدنا موسى موجود في الدين وليس في التاريخ، إنّ لفلسطين تاريخًا ليس من بين مؤثّراته العلمية الديانات التوحيدية الثلاث، وهذا فصل متعسّف. يحتاج للتملي البصري الذي يعيد إليها الحياة فننظر إلى شهداء دين التوحيد الثلاثة: القديس نسطور، وتيودور، وآريوس، كفاعلين في التاريخ فعل طال المؤسّسة السياسيّة ومسّها مسٌّ مباشر مهدّدًا تمسّكها باستقلالها بالإنسان. وذلك هو نفس ما قام به شهيد الإسلام الكبير سيدنا الحسين بن سيدنا علي (ع).

* بدأت نظريّة الفوضى الخلَّاقة الأساس الذي حكم النظام الدولي على مدى ثلاثة عقود متتالية، ماذا عن العوامل التي أدّت إلى ولادة النظريّة، وما هي الأسباب التي جعلت تطبيقها يجري بشكلٍ متزامنٍ مع الحروب الكلاسيكيّة مثل الاحتلال المباشر وعمليات الغزو؟

-يبدو أنّ منطق القهر والاستعباد الذي قامت عليه الحياة السياسيّة الأوروبية منذ أثينا وروما، قد أخذ يستأنس ويتجدّد في دوراتٍ سياسيّةٍ متعاقبةٍ، كان طابعها صراع المستضعفين لنيل حقوقهم، فالدولة الأمبراطورية الأولى تأنسنت بدولة الإقطاع والقنانة، ثم تأنسنت بالدولة الرأسماليّة، وهي آخذة في التأنسن جريًا وراء الليبراليّة الجديدة، التي تدقّ أبواب الاجتماع الأوروبي بقوّة. ويبدو أنّ أوروبا بامتلاكها السلاح الناري، وضعف قبضة الطبقة المالكة على مصائر البشر، وعلى إثر ذلك اتّجهت أوروبا إلى استعمار العالم وحكمه. وقد أفرز واقع الاستعمار الأوروبي للعالم حركات الاستقلال والتحرّر الوطني، متزامنةً مع حركات التفرقة العنصرية و(الأبارتايد). تلك الحركات التي أفضت إلى سيادة الدولة الوطنية القطرية، بعد أن تمّ إحلالها خوفًا من ثورة شعوب العالم الثالث، فتمّ وضع أنظمة حكم عميلة في الدولة الوطنيّة القطريّة، تسير تحت قيادة العالم القيادي الأوروبي سياسيًّا واقتصاديًّا. مع ذلك فقد عجزت  أوروبا من أن تلحق عناصر الثقافة المجتمعيّة في العالم الثالث، فترغمها على الانكسار أمام السيادة السياسية، والتعالي الطبقي الغربي، وقد واجه الغرب مقاومةً ثقافيّة شديدة الأنفة، إثر تمسّك العالم الثالث بأنظمته الثقافيّة المجتمعيّة، وعلى أخصّ الخصوص أكثرها مضاء، وهي الثقافة المجتمعيّة التي تحكم الشّرق الأوسط، أي العالم العربي الإسلامي خاصّة. ففي ذلك العالم أي الشرق الأوسط وحدةٌ ثقافيّةٌ عربية إسلاميّة عابرة للحدود السياسية، ومنفصلة انفصالاً تامًّا عن النخبة السياسية الحاكمة الرأسماليّة، فعجزت هذه النّخبة عن الدخول على العلاقات البينيّة الثقافية، ومن ثم عجزت عن تحويل الإنتاج المجتمعي الثقافي إلى سلع تباع وتشترى، يتحقّق من خلالها امتلاك ناصية المجتمعات ثقافيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، فتفتّقت عبقريّة إحدى مخطّطي السياسة الخارجية الأميركية، ويُسمى هنري كسينجر، عن مخطّطٍ شيطانيّ أسماه الفوضى الخلّاقة، وهو مصطلح يعني في معناه وفي نهاية أمره تخريبًا للثقافة المجتمعيّة في العالم الثالث، وعلى أخصّها الشرق الأوسط العربي الإسلامي تخريبًا خلاقًا. ويعني التخليق هنا تخليق نُخبةٍ أي طبقة حاكمة ومتحكّمة تلوي عنق الثقافة، وتضع سوار أنفها على الأرض معلنةً الاستسلام لسيادة تسويق فعاليات المجتمع، ضمن سلع منظمات التجارة العالمية، فلا يكتب الشعراء أو الأدباء إلا شعرًا متّفقًا عليه ومأجورين على فعلته، ولا يُغنّي المغنّون رسميًّا إلّا تحت قياد مؤسّسة التسويق الثقافي، فتموت وتنتهي إلى الأبد المبادرة المجتمعيّة، ويحلّ بدلاً عنها قانون العرض والطلب التجاري. وهم يعلمون أنّ هذا الأمر صعب التنفيذ. رغم ذلك فقد جندت قوّة أمنيّة واستخباراتيّة خاصّة ساعدت على ارتخاء قبضة الدولة الوطنيّة، ومن ثم انفكاك قبضتها على مجتمعاتها، وهو ما سمح بقيام انتفاضات الربيع العربي.

 وهم يعلمون أنّ الظروف الموضوعيّة لثورات الشعوب العربية الإسلامية هي ظروف مكتملة الأركان، ومعلوم كذلك فشل الانتفاضات وثورات الربيع العربي، وقد تمّت بفعل فاعل، ذلك أنّ المكوّن الذاتي لثورات المجتمعات الإسلاميّة لم يكتمل بعد، والمتمثّل في عدم وضوح برامج التغيير، وعدم وجود قيادةٍ ملهمة تحمل تلك الجماهير عبر تلك البرامج لذا فهم يعتبرون ما حدث من ثورات هو ضمن فعل الفوضى الخلّاقة. لكن غاب عن وعيهم أنّها ثوارات مجتمعات تبحت عن دولةٍ ضايعةٍ منهم كان من ضيّعها هم مخططو الفوضى الخلاقة أنفسهم .

* ماذا عن الثقافة الاستشراقيّة التي مهّدت للحركة الاستعماريّة الغربية في الشرق ورافقتها، هل انتهت أم إنّها لا تزال تجري على خطوطٍ مستأنفةٍ ولكن بأشكال أخرى؟ ثم ألا تعتقد أنّ الأطروحات التي شاعت مؤخّرًا حول الإسلاموفوبيا هي استئناف لثقافة الاستشراق وتوظيفاتها في الفكر السياسي الاستعماري؟

- مما هو معروف أنّ الفوضى الخلاقة نفسها هي حركة استشراقيّة مغطاة. وسبب تغطيتها اكتشاف مهم. وإنّ في  ثقافة الشرق، ما هو جدير بالاحترام لفكرٍ تام التناسل، وسبب التغطية هو اكتشاف ناتج عن اعتراف ضعف الحيلة، مع عدم إمكانيّة النزول إلى حوض هذه الثقافة، ومن ثم الغوص فيه، والحال هذه فقتل هذه الثقافة جريمة غير معترف بها، يتمّ بموجبها إفراغ حوضها، مما يمكن أن يغوصوا فيها، أو يغرقوا في بحر إنسانيته العامر بالروح والإيمان. لذلك فجريمة قتل الثقافة المجتمعية (شنيعة ومنكورة) وهذا سبب كاف لاعتبار الفوضى الخلاقة هي حركة استشراقية مغطاة كذلك، فدراسات الاستشراق هي نفسها اعتراف بالتفوّق الثقافي العربي الإسلامي، وبحمولته الكبيرة من الإيمان والإنسانية. مع ذلك فهنالك محاولات لمجاراته وابتزازه فقط دون قتله، أو الاسترواء من دمه، لذلك فدراسة الاستشراق هي أقلّ خجلاً من الفوضى الخلاقة، وربما تصطحب معها مصطلح «الإسلاموفوبيا» وحركته التي تعمد إلى استجلاب روح الخوف من أطرافٍ تفتعل الإسلامية السياسية، كما هي منظمات الإرهاب المتمسح بالإسلام، تلك التي تطلقها المخابرات الغربية والصهيونية بالتضامن والانفراد. 

* أخذت نظريّة ما بعد الاستعمار ولا تزال، مساحة جدلٍ واسعة بين النّخب في الغرب والشرق معًا.. كيف ترون إلى هذه النظريّة التي ظهرت في حقبة ما بعد الحداثة؛ لتؤسّس لفكرٍ سياسيٍّ يُعيد تأسيس الهيمنة بأدوات ومناهج كثيرة، وخصوصًا في حقول العلوم الإنسانية. ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى ما سمّي بالاستعمار الأكاديمي والمعرفي، الذي يُعيد إنتاج نفسه من خلال اختراق البنية الثقافيّة والفكريّة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.. كيف تنظرون إلى هذه النظريّة في ميدان التطبيق، وما هي الأسس التي تقترحونها لمواجهة الآثار الناتجة عنها؟ 

- بات معلومًا أنّ الاستعمار الحديث؛ وهو الذي ورث الاستعمار الاستيطاني التقليدي، قد أسّس مؤسّساته بصفتها مؤسّسات تُعلن استمرارية مؤسّسات الاستعمار الاستيطاني التقليدي المنتهية ولايتاتها، بدايات ومنصف القرن العشرين. ومما هو معلوم أنّ المؤسّسات الثقافيّة نشأت على بناءات منهجيّة الثقافة الغربية، حيث إنّها جعلت فعلها لأجل تسجية الفراغ والإبداع في مكتشفات اللعب واللهو، كما هي دُور السينما والمراقص والملاهي والمسارح...، أما المؤسّسة الأكاديمية فقد كانت في غالب أمرها مؤسّسة توظيف لمخطّطات الحكومة في الواقع السياسي والاقتصادي للدولة المتخارجة من الاستعمار، فلم تنل تلك الدول صفة المباحثيّة إلّا مؤخرًا ما بعد سيتينيات القرن العشرين، أي بعد أن تأهل لها بروفيسيرات وأساتذة ودكاترة في مؤسّسات الغرب، فتم تدريبهم على سياقات معرفيّة منتقاة تعلن أستاذية الغرب عليهم إلى أبد الأبدين. والحال هذا لا مهرب من أنّ اختراقًا كبيرًا للمخططات الثقافية والسياسية والاقتصادية والعلمية للعالم الثالث تضمن سيادة الطفولة المعرفية الأوروبية، والتي ذكرنا أنّها متخارجة من دولة الإقطاع، ومن اصطفائيّة منهجيّة المفكر الإغريقي أرسطو، والتي أشرنا إلى طفولته ويفاعته المعرفية الظاهرة وما نقترحه في هذا المجال هو ان فعل الهيمنة والسيطرة الثقافية هو فعل يفضحه نهج التطوّر الإنساني وتراكم معرفيّته ناهيك عن بث روح العلم ذلك الذي تقترحه الحقيقة المحمدية. (فالله متمّ نوره لو كره الكافرون).

* إلى أيّ مدى تستطيع النّخب في مجتمعاتنا صوغ استراتيجيات معرفيّة للمواجهة الحضارية مع الغرب، في إطار مشروع التأسيس لعلم الاستغراب وهو العلم الذي يقضي بفهم الغرب كما هو في مساره وتجربته التاريخيّة، بما تحمله من نزعات الهيمنة الثقافية والسيطرة السياسية والاقتصادية على العالمين العربي والإسلامي؟

-إنّ ضعف معرفيّة الاستشراقيّة الغربيّة بذاتيتها وكينونتها المتقاصرة عن بلوغ مرحلة تخطي حدود الطفولة المعرفية وذاتيتها إلى ما بعد تلك الحدود من موضوعيّة مؤطّرة بالعلم، ذلك الذي لم تدخل أوروبا إلى حقله إلى يومنا هذا كما ذكرنا سابقًا، لذلك فنظريّة الاستغراب ينبغي أن تكون مدًّا ليد المساعدة لأوروبا، كي تعبر بها الحدّ الفاصل ما بين ذاتية (الأنا) المعرفيّة الأوربيّة، إلى موضوعيّة العلم الذي لا أنا أو ذاتية تعتريها. فدأب الثقافة المجتمعيّة الإسلاميّة التي ينبغي أن نتمنطق بها؛ ألا وهي الإفشاء بالحقيقة المحمدية، ومن ثم إحلالها بدلاً عن أنا ذاتيتنا وفردانيتنا، حتى نكون من داخلي مدينة علمه، الوالجين إليها من بابها الوحيد، عليه تكون حركة الاستغراب ليست ترياقًا مضادًا لحركة الاستشراق ولا ردًّا لصاعها، بل هي محاولة جادة للأخذ بيد أوروبا، محاولة إخرجها من طفولة معرفيتها، إثر ما بُث فيها من علمٍ ما نزال نستقرئه من مدينة العلم. فتصير حركة الاستغراب بناء على ذلك، وبعدها حركة الاستغراب هذه هي حركة هدايا تأخذ بيد أوروبا فتساعدها على سلوك الطريق المستقيم، ذلك الذي يعبر بها حاجز المعرفة إلى بحر العلم، كما عبر سيدنا الخضر بسيدنا موسى عليهما السلام قبلها. وهذا بلا شكّ معروف ومذكور فامتطاء مطية علم الاستغراب هو في ذاته يمكن أن يتطابق مع غربة بدأ بها الدين وسينتهي إليها. قال المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في شأن هؤلاء المتمنطقون بغربتها: (طوبى للغرباء) وهم كما قال عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم (الذين يُحيون سنتي بعدَ اندثارِها)، وليس هنا من إحياء للسنة أكثر من الإمساك بمنهج الهداية من الصراط المستقيم ومن ثم الولوج من باب مدينة العلم.