البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

March / 17 / 2022  |  263التبشير الكنسي بات أكثر فعالية بسبب الظاهرة التكفيرية في المجتمعات الإسلامية

الحوار مع :د. محمد مسجد جامعي
التبشير الكنسي بات أكثر فعالية بسبب الظاهرة التكفيرية في المجتمعات الإسلامية

إثر الاحتدام الكبير الذي شهدته عصور الحداثة بين الكنيسة والدولة العلمانيّة، ظلّت السّجالات على ديمومتها حول الآثار المترتّبة على هذا الاحتدام.

في هذا الحوار مع الدكتور محمد مسجد جامعي سوف نتوقّف بإسهاب عند تحليل البنى المؤسّسة للحداثة واستقرائها، انطلاقًا ممّا أسفرت عنه عمليّة الانتقال الكبرى من القرون الوسطى إلى ما سمي بعصري النّهضة والتنوير.

نشير إلى أنّ الدكتور مسجد جامعي حائز على شهادة دكتوراه جيوسياسية من جامعة بيزا الإيطالية. وهو حاليًا عضو في الهيئة العلميّة لكلية العلاقات الدوليّة لوزارة الخارجيّة. من أبرز تحقيقاته في مجالي دراسة العالم العربي والمسيحيّة نذكر «من شمال إفريقيا إلى الفاتيكان»، و«المسيحية المعاصرة: الاتجاهات، الأهداف»، و«الإسلام والمسيحيّة والحضارة الحديثة»، و«المسيحيون في العالم المعاصر»، و«الإسلام وحوار الأديان»، و«الانحراف الأخلاقي في الكنيسة»، و«الإسلام وحوار الأديان»، و... مضافًا إلى عقده لدورات وصفوف تعليمية كثيرة حول المسيحية؛ حيث كان ممثلاً عن إيران في الفاتيكان لفترة من الزمن. ومن هنا، فإنّنا نسعى في هذا الحوار إلى التعرّض لعدد من القضايا المهمّة حول الكنيسة والمسيحيّة في العصر الحديث.

«المحرّر»


* بداية نرجو أن نتوقف معكم حول أنواع الفرق والمذاهب المسيحيّة في العصر الحديث، والأسباب التي أدّت إلى ظهورها؟

توجد في الوقت الحاضر، وبنحوٍ مختصرٍ، الكنيسة الكاثوليكيّة، وتضمّ مجموعة من الكنائس الروميّة الكاثوليكيّة، والكنائس الكلدانيّة الكاثوليكيّة، والأرمنيّة الكاثوليكيّة، والقبطيّة الكاثوليكيّة. وهذه كنائس شرقيّة قد أصبحت بنوع ما كاثوليكية، ولكنّها حافظت على خصوصيّة شرقيّتها. وهذه كنائس كاثوليكية أو رومية كاثوليكية مركزها في الفاتيكان وبزعامة البابا. وفي المقابل توجد كنيسة شرقيّة قد أصبحت خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة كاثوليكية باعتبار ما، ولكنّها لم تصبح روميّة كاثوليكية. وإنّما هم أناس لهم كنيستهم الخاصّة، ولكنّهم بالنهاية قبلوا زعامة البابا ومرجعيته، ولكن ضمن تغييرات جزئيّة أخرى. وعلى كلّ حال، فهناك الكنيسة الكاثوليكية وهي تمثّل القسم الأعظم بملاحظة هذه الفروع لها، وهناك الكنيسة الأرثوذكسية وهي تحتاج إلى بحث تفصيلي واسع، وباعتبارٍ ما فإنّ لها جذرين، فهناك جذر بيزنطي مثل الكنيسة الروسية، وكنيسة اليونان، وصربيا، وبلغاريا، ورومانيا، وهناك مجموعة أيضًا هي أرثوذكسية وهي باعتبار ما شرقية مثل الكنيسة الأثيوبية، والكنيسة الآشورية، والكنيسة الأرمنية، والغريغورية، و... فهذه جميعها أرثوذكسية، وتشبه بعضها بنحو كبير، ولكنّها على كلّ حال لها جذور بيزنطية وأقدم زمانًا. وهناك الكنيسة السريانية التي لها باعتبار ما جذور شرقيّة غير بيزنطيّة. وهناك الكنيسة البروتستانتية الأوروبية أيضًا وأهمّها الكنيسة اللوثرية، والميتودية، والإصلاحية، وكنائس متعدّدة في أوروبا وخاصّة في شمال أوروبا؛ حيث تبدأ من ألمانيا وصولاً إلى دول شمال أوروبا. وطبعًا فإنّ الطابع الأميركي منها يختلف عن الطابع الأوروبي. وهناك أيضًا الكنيسة البريطانية المرتبطة بإنكلترا، ورغم أنّ الكنيسة كانت ترتبط ابتداءً بإنكلترا باسم كنيسة كانتربري، ولكنّها توسّعت بعد ذلك بسبب نشاطها التبشيري. وتتواجد الكنيسة البريطانية في أماكن عديدة وذلك بسبب سعة نفوذها، فهي متواجدة في مناطق مثل أفريقيا وأستراليا ونيوزلندا و... ولذا فقد كانت معروفة بالكنيسة الإنجليكانية. وتأسّست بعد ذلك مجموعة من الكنائس أصبحت مهمّة جدًا في الوقت الحالي مثل الكنائس المتواجدة في أميركا، أي تأسّست الكنائس البروتستانتية الأميركيّة، والتي ترجع جذورها عمومًا إلى البروتستانتيين الذين كانوا يعيشون في أوروبا وقد هاجروا منها. ولكنّه ولأسباب عدّة فقد طرأت عليهم مجموعة من التغيّرات والتحولات داخل أميركا والمجتمع الأميركي، وتبدّلوا إلى كنائس بروتستانتية إنجيلية عمومًا، وهذه لها فروع كثيرة تابعة لها مثل المعمدانية، والمشيخية، وشهود يهوه، و... وفي الواقع فإنّ هذه كنائس بروتستانتية أميركية ونشأت في أميركا. ولكنّها حاليًا ذات نشاط تبشيري قوي، ولها فعاليّة كبيرة في كثير من الدول ومنها الدول الإسلامية.

* برأيكم، هل يُعتبر حصول انشقاقات وفرق مسيحية جديدة مثل المورمونية وشهود يهوه وسواها، بمثابة مخالفة للقراءة الرسمية للكنيسة؟

- للصدفة فإنّ هذين المثالين أو الثلاثة الذين ذكرتهم فإنّ الكنيسة لا تعتبرهم جماعات مسيحية بنحو جدي. أمّا المورمونيون فلا يعتبرونهم كذلك مطلقًا، وأمّا شهود يهوه فهم كذلك تقريبًا. بل يعتبرونهم نوعًا ما من جملة الفرق؛ لأنّهم يفتقدون لتلك المقوّمات الاعتقادية والدينية التي تدلّ على كونهم أشخاصًا مسيحيين، ولذا فإنّ كلا الجماعتين وخاصّة المورمونيين منهم يُعتبروا فرقة من الفرق وليسوا طائفة متفرّعة عن المسيحية.

أمّا كونهم متأثّرين من المسيحيّة، فهذا ليس أمرًا قريبًا من الواقع. في حين أنّ تأثّرهم بالأديان الآسيوية أو أديان الهنود الحمر الغربيين ليس قليلاً. ومن الممكن أن يقوموا بالإرجاع إلى الكتاب المقدّس، ولكن بلحاظ الماهية الفكرية والاعتقادية فإنّ تأثّرهم بالميراث المعنوي الآسيوي أو الأميركي اللاتيني أو الروحانية الإفريقية ليس قليلاً. وطبعًا فهذا يرتبط بالدّقّة بحسب الجماعات المعنويّة التي نلحظها. فالمورمونيون وشهود يهوه لا يعتبرون أنفسهم جزءًا من الجماعات المعنويّة بالمعنى الجديد، بل يعتبرون أنفسهم نوعًا من الدين. وطبعًا فإنّ فرقًا من نوع عبَّاد الشيطان وحتى أنواع أخرى من قبيل جماعة (المسيح العالِم) تقع موضوعًا لهذا السؤال، وتصدق في حقّهم هذه المسألة أيضًا. فإنّهم لا يقعون بشكلٍ جدي تحت تأثير الكتاب المقدّس. وقد كانت مثل هذه الجماعات توضع سابقًا في خانة التكفير، كما أنّه كانت هناك أيضًا محاكم التفتيش. وفي الواقع فإنّ التكفير كان موجودًا إلى ما قبل قرنين أو ثلاثة أعمّ مما إذا كان الشخص الذي تم تكفيره يتم قتله أم لا. وكان لوثر من جملة الأشخاص الذين تم تكفيرهم. فالتكفير بمعنى أنّه كافر في الأصول العمليّة أو الاعتقاديّة كان موجودًا في السابق. وأما بعد ذلك، وبالأخص في القرنين الأخيرين، فلا أذكر أنّهم كانوا يكفرون الكنائس الأخرى حتى الكنيسة البروتستانتية. لقد كانت الكنيسة الإنجليكانية تحرق حتى القساوسة الأميركيين. وهناك شارع في مدينة أكسفورد قد تم فيه إحراق الإنجليكانيين وكذلك الكاثوليكيين. وطبعًا فقد كان هناك اصطلاح بعنوان خلع اللباس، ويحصل ذلك أحيانًا في الوقت الحاضر. فمثلاً كان هناك قسيس برازيلي معروف اسمه ليوناردو بوف، وكان من الشخصيات المهمّة للاهوت التحرير قد تمّ خلع لباسه من قِبل البابا السابق جوزيف راتسينغر الذي استقال، وطبعًا حصل هذا قبل وصوله لمقام البابويّة وذلك عندما كان مسؤول مجمع الإيمان، وكذلك فإنّ إيندرسكو في الحكومة الأولى لنيكاراغوا في حكومة السانديين في عام 1980 ولأنّه استلم منصبًا حكوميًا وأصبح وزيرًا للتربية والتعليم فقد تمّ خلع لباسه؛ لأنّ القس لا يصحّ أن يكون له منصب رسمي. وهناك موارد عدّة أخرى قد تمّ فيها خلع اللباس لبعض الأشخاص. وعلى كلّ حال، فهناك موارد قليلة يتم فيها خلع اللباس للأشخاص.

* ما هي العناصر الأساسيّة في نهضة الإصلاح الديني؟ وكيف تقيّمون هذه النهضة حاليًا بلحاظ تلك العناصر وبعد مرور قرون عدّة من تاريخ الكنيسة؟

في الواقع فإنّ الكثير من المفكّرين الإسلاميين لا يملكون تصوّرًا صحيحًا عن نهضة الإصلاح الديني. فلم يكن لتلك الحادثة بُعدًا دينيًّا فقط، بل كان للعوامل السياسية والاجتماعية والسلطة حتى الاقتصادية منها دخالة فيها. بمعنى أنّه كان في زمان لوثر، ولفترة من بعده أيضًا، كان الأشخاص الذين يصبحون بروتستانيين لوثريين ليس بدليل أنّهم قد قبلوا هذه الكنيسة، وإنّما لأنّ حكام تلك المنطقة قد قبلوا لوثر، وعملوا على تقبّل الناس لحاكمية اللوثرية. وعلى كل حال، فإنّ أصل الموضوع الذي أدّى إلى اعتراض لوثر وإعلاميّة الـ 95 مادة له أدلّة كثيرة جدًا، وقد كان مؤثّرًا بنحوٍ ما في تكون التاريخ المعاصر لأوروبا. وفي الواقع فإنّ هذا الاعتراض له تأثير كبير على حركتي النهضة والإصلاح الديني. وكانت هاتان الحركتان مؤثّرتين جدًا في تكوّن أوروبا من جهة حضارية وعلمية واقتصادية. وهذا بحث فنيّ دقيق. والأفضل أن لا نقف عنده، ونكتفي بهذا المقدار؛ لأنّه لا يمكن التعرّض له بنحوٍ مختصر وناقص. وأمّا أنّه ما هو موقف الكنيسة من الإصلاحات في الوقت الحاضر؟ فلا بدّ أوّلاً من الالتفات إلى أن الإصلاح أعم من كونه إصلاحًا للعقيدة أو إصلاحًا للأمور المذهبية _ الدينية أو حتى إصلاحًا للمؤسّسات المتكفّلة للأمور الدينية، فإنّها إنّما تكون ناجحة فيما إذا كان الدين الذي يُراد نسبة الإصلاحات إليه يمتلك خصائص دالّة على قبوله لتلك الإصلاحات. وإلا فلا معنى للإصلاحات في مجاله. وللمثال، فإن دعوى البروتستانتيين كانت أنّنا نرجع إلى الكتاب المقدس، وأمّا سنة آباء الكنيسة فلا قيمة لها عندنا. والحال أنّ سنّة آباء الكنيسة كيفما كان فإنّ لها مكانة بلحاظ الكتاب المقدس نفسه. ولكن طبيعة ماهية المسيحية تسمح نوعًا ما بهذا، بمعنى أن يكون المِلاك للكون مسيحيًّا هو الاعتقاد بما جاء في الكتاب المقدس، وليس الاعتقاد بما وضعه آباء الكنيسة من السنن. فهذان الأمران يمكن التفكيك بينهما. وعلى هذا يجد الإصلاح معناه هنا. وليس المهم أن تتم المخالفة أم لا، بل المهمّ أنّ متن ذلك الدين هل يمتلك خاصيّة قبول هذا النوع من الإصلاح أم لا؟ والمسيحية تمتلك هذه الخاصيّة؛ فالشخص يستطيع أن يكون مسيحيًا ولكنّه لا يقبل مرجعيّة البابا. ويمكنه أن يكون مسيحيًا ولا يقبل سنّة آباء الكنيسة.

* كيف تنظر إلى التحديات الجديدة للكنيسة الكاثوليكية ولا سيما لجهة التحولات المعرفية والاجتماعية الحاصلة في العصر الحاضر؟

إنّ مشاكل الكنيسة الكاثوليكية في الوقت الحاضر مختلفة بحسب مناطق آسيا وإفريقيا. ففي الوقت الحاضر قد تحوّلت عمليًّا مسألة إيذاء الأطفال إلى أهم تحدٍّ للكنيسة الكاثوليكية عند الرأي العام ووسائل الإعلام والمجتمع في أوروبا وأميركا. لماذا أصبح الأمر هكذا الآن ولم يكن كذلك سابقًا؟ رغم أنّ هذه المسألة ليست جديدة ولها تاريخها. لقد أخذت الآن هذا الطابع من الجديّة والشدّة والحساسيّة، وطغت بنحوٍ ما على الجو المذهبي الكاثوليكي في أوروبا وأميركا، وذلك لأسباب أخرى لا ترتبط بمشكلة إيذاء الأطفال نفسها. وهناك أشخاص كثيرون لهم حصّة في هذا الموضوع، وذلك مما يحتاج إلى بحث فنيّ تفصيلي. وأمّا الكنيسة الكاثوليكية في إفريقيا فلا تواجه مشكلة حادّة. إنّ الكنيسة الكاثوليكية في الوقت الحاضر ليست بموقع التبشير والتبذير كما كانت في السابق. فهي تسعى لحفظ أبنائها، وتسعى لزيادة الكيفية الكاثوليكية باللحظات المختلفة، وهذا ضمن السعي لكون الكاثوليكيين في كلّ منطقة هم مواطنو تلك المنطقة؛ أي مواطن صالح، متوقف فيه. وعلى هذا، فلا توجد تحديات كثيرة في إفريقيا، وبسبب النشاطات التكفيرية لجماعة بوكو حرام والشباب في الصومال والمناطق الأخرى فقد أصبح لها عمليًّا مكانة أفضل. وطبعًا فهناك أسباب أخرى أيضًا. وفي آسيا فإنّه يوجد فيها أقلّ مقدار مسيحي بالقياس إلى القارات الأخرى. والتجمّعات المسيحيّة في آسيا في الشرق الأقصى أي كوريا والصين تتمتّع بمكانة جيّدة جدًا رغم المشاكل المعقّدة الموجودة في الكنيسة الكاثوليكية. ولها في فيتنام مكانة جيّدة، وكذلك لها مستقبل جيد. ولها أيضًا مكانة جيّدة جدًا في دول آسيا البعيدة. ويمكن القول بأنّه من بين القارات المختلفة فإنّ المكانة الجيّدة تحتلّها قارة آسيا بلحاظ المستقبل وبالأخص في مناطق آسيا البعيدة. وتحسّن مكانة الكاثوليكية في هذه المناطق لا يرجع إلى الزيادة الكمية، وإنّما بلحاظ الكيفية، بمعنى أنّه أوّلاً فإنّ المتفوّقين من الطبقات المتعلّمة، وكذلك الأكثر ثراءً من الناحية الاقتصادية، وبالأخص في الصين؛ قد أصبحوا مسيحيين. ولذا، فإن الكاثوليكيين مثلاً خلال السنوات العشر القادمة في الصين وفيتنام وكوريا _ رغم أنّه ربّما لن يكون عددهم كبيرًا بلحاظ عدد سكان الصين _ ولكنّهم سوف يكون لهم نفوذ كبير. وأمّا في دول أوروبا وأميركا فإنّ العلمانية يشتدّ عودها في الكنيسة الكاثوليكية وهي تعتبر تحديًا كبيرًا فيها. فافرضوا أنّكم في فرنسا وهي التي كانت دائمًا مدافعة عن الكنيسة الكاثوليكية فإنّكم لا تستطيعون في المدارس الحكومية أن تعلّقوا الصليب أو العلامات التي لها دلالات دينية في غرفة إدارة المدرسة. ويمكن القول بأنّ حفظ العلمانية في المجتمع هو التحدّي الكبير الذي يواجه الكنيسة في أميركا وأوروبا.

* كيف تعلقّون على الأساليب والطرق الجديدة للمبشرين المسيحيين في الدول الإسلامية؟ وبالتالي، هل ثمة مقترحات للمواجهة في هذا الميدان؟

في الوقت الحالي فإنّ ما عدا الكنيسة البروتستانتية الأميركيّة من سائر الكنائس أعم من الكاثوليكية والبروتستانتية والأنغليكانية والأرثوذكسية فإنّها لا تقوم بالتبشير وليس لها ميل للتبشير. وطبعًا فهذا معاكس للسابق. فجميع هذه الكنائس التي ذكرتها كانت لها في السابق ميول للتبشير وكذلك كانت تقوم بهذا التبشير المسيحي. ولكنّها الآن قد تغيّرت في أسلوبها. ولكن الكنيسة الأنجليكية كان لها تبليغ تبشيري مسيحي كبير، ولها نشاط واسع. وهي بلحاظ تصنيفي تشبه الماركسيين خلال العقد 50 و 60. فلها إيديولوجيّة متحرّكة، متحفّزة، مضحية، ذات عاطفة قويّة، فهم يستطيعون إيجاد تغيير في المجتمعات التي يرتبطون بها، وقد أحدثوا فيها التغيير. وعلى هذا، فالكنيسة الأنجليكية هي التي لها هذه الخصوصيات. ولا شكّ أنّ الأرضيّة الاجتماعية كانت مناسبة في الدول التي قبلتها. وممّا يؤسف له فإنّ العوامل الاجتماعية في الدول الإسلامية قد أصبحت مناسبة ومهيّأة لهم. ومن الممكن أن تغدو هناك شريحة كبيرة من الناس تشعر بالنفور بسبب الجماعات التكفيرية، ولكن القسم المهم من الأشخاص الذين يقعون تحت تأثير هذه الدعايات التبشيريّة لهم أسباب أخرى أيضًا. ولكن أحد الأسباب المهمّة هو نفورهم من دين أنفسهم بسبب نشاط الجماعات التكفيرية، وكذلك بسبب الانتقادات التي يطلقها الآخرون حول الإسلام بسبب النشاطات التبشيرية. ولا شكّ أنّ هناك عوامل كثيرة ولكنّه بالنتيجة فممّا يؤسف له أنّ هناك نوعًا من القبول لكلام الأنجليكيين في الدول الإسلامية.

* ما تعليقكم على الأساليب الحديثة التي تعتمدها الكنيسة الأنجليكية خلال العقد الأخير من أجل جذب الأتباع إليها؟

إنّ الأساليب ترتبط بالمنطقة، فالانزجار الموجود في المناطق التي يسكنها المسلمون تجاه المسلمين التكفيريين والداعشيين يُعتبر أفضل أرضية للجذب باعتباره طاقةً كامنةً سلبيةً تجاه الإسلام. والكاثوليكيون والبروتستانتيون الأوروبيون في المناطق الأخرى مثل آسيا البعيدة وأفريقيا يتم جذبهم من قِبل هذه المجموعات. كما أنّ سبب جذب الناس في أميركا اللاتينية يختلف عنه في أفريقيا. فالكنيسة الكاثوليكية الموجودة في أميركا اللاتينية هي كنيسة قديمة قد أصابها الهرم والخمول، بينما نجد أنّ الكنيسة الأنجليكية نشيطة وتتمتع بعاطفة قوية، وبعيدة عن التشريفات الرسمية وتأخذ طابع الشبكية، أي أن الشخص فيها تتم إحاطته بشبكة من الأصدقاء والزملاء وأهل تلك المنطقة وتلك المحلة، ويكون على ارتباط مستمر معهم. فعندما يرتبط شخص بهذه الكنيسة فإنّه عمليًّا يقع ضمن مجموعة شبكية من الصداقات، ويطلبون منه العمل، كما أنّه هو أيضًا يقوم بذلك باختياره وبدافع الميل والرغبة. إنّهم يتمتّعون بطاقة وعاطفة كبيرتين، ويتواصلون فيما بينهم باستمرار، ويتعاونون كذلك فيما بينهم، وحتى أنّهم يقدّمون الخدمات للكنيسة، فينظّفون حتى مغاسل الكنيسة، ويوزّعون المناشير، ويقومون بالتبليغ لصالح الكنيسة.

* في هذا الإطار كيف تنظر إلى السياسة التي تعتمدها الكنيسة الرسميّة لاستعادة نفوذها في المجتمع الغربي؟

هذا يرتبط بالكنيسة. ولعلّ أفضل حظوظ الكنيسة الكاثوليكيّة انتخاب البابا الفعلي. ففي عهد البابا السابق راتسينغر أصابت الكنيسة مشاكل كبيرة جدًا. وطبعًا فلم تكن تلك المشاكل ناشئةً من تقصيره هو، وإنّما يرجع قسم منها إليه. وأمّا أنّ زعامته كيف كانت، فهذا يحتاج إلى بحث واسع. فمشاكل زعامته كانت تتمثّل في السنوات الأخيرة بأنّه عمليًّا كان قد أصبح كبيرًا وهرمًا وضعيفًا لدرجة أن الكاثوليكيين أنفسهم كانوا ينادون باستقالته وتنحيه جانبًا، رغم أنّه لا وجود للتنحّي والاستقالة في عرف الكنيسة، ولكنّه باعتبار ضعفه الشديد بلحاظ جسمه، ورغم أنّه كان يمتلك شخصيّة نافذة قويّة، وحتى أنّه يمكن القول بأنّه كان يسلك منهجًا استبداديًّا بنحوٍ ما، ولكن الأمور في هذه السنوات الأخيرة كانت تخرج بشكلٍ ما عن إرادته وقدرته. وأمّا أنّه من الذي كان يسيطر على الأمور، فهذا موضوع آخر ليس هنا محلّه. وعلى كل حال، ففي المحصّلة كان وضع الكنيسة الكاثوليكية في آخر عهد راتسينغر صعبًا. وفي المقابل فإنّ البابا الجديد أي فرانسيس كان موهبة كبيرة للكنيسة الكاثوليكية. وأمّا أنّه كيف كان ذلك؟ فهذا أيضًا له محلّ آخر؛ لأنّ فيه كلامًا كثيرًا. وأمّا أنّه ما هو مستقبل الكنيسة؟. فإنّه يمكن التنبّؤ بمقدار معيّن. وقد ذكرنا سابقًا أنّ لها مستقبلاً جيّدًا في آسيا البعيدة. وكذلك في أفريقيا _ أفريقيا السوداء _ فإنّ لها مستقبلاً جيّدًا. وأمّا في أميركا اللاتينية فإنّ مستقبلها يواجه صعوبات؛ لأنّها تواجه تحدّيات كبيرة مع الأنجليكانيين. ويظهر هذا التحدّي بشكله الحاد في البرازيل وغواتيمالا. ولذا فالكنيسة الكاثوليكية تواجه تحديًا كبيرًا في أميركا اللاتينية، ولو أنّ البابا الفعلي لم يكن أرجنتينيًا ومن أميركا اللاتينية لكانت هذه المشكلة أكبر من ذلك. وعلى كل حال، فإنّها تواجه تحديات كثيرة. وأمّا في أوروبا وفي القسم الذي يسكنه الكاثوليكيون فإنّه يمكن القول بأنّها تواجه تحديات داخلية. والتحديات الداخلية بمعنى قلّة الأشخاص الذين يريدون أن يصبحوا قساوسة أو راهبات، فهم قلّة قليلة، ويواجهون نوعًا من العلمانية المتزايدة، ونوعًا من عدم الاهتمام بالدين والتدين، وبالأخص التدين الموجود في الكنيسة الكاثوليكية. باعتبار أنّ قسمًا من الأوروبيين الذين يتمتّعون بثقافة جيّدة ومستوى علمي جيّد لديهم ميول دينية وسوف تبقى لديهم هذه الميول، ولكنّهم يفضّلون أن تكون هذه الميول الدينية «فردية» وليست تحت إشراف القسيس. ولكن نوع خصوصيات الكنيسة الكاثوليكية لا تنسجم مع الأشخاص ذوي الميول المذهبية في أوروبا. وطبعًا فإنّ عدم الميل هذا الموجود في أميركا يختلف نوعًا ما عنه في أوروبا.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف