البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

June / 22 / 2022  |  212معضلة التقنية الغربية بانفصالها عن الأخلاقيات المتعالية

الحوار مع :د. السيد مصطفى تقوي
معضلة التقنية الغربية بانفصالها عن الأخلاقيات المتعالية

الدكتور مصطفى تقوي باحث في فلسفة العلم وعضو الهيئة العلمية في جامعة صنعتي شريف في إيران، ويشغل مهنة التدريس والتحقيق في موضوع فلسفة العلم والتكنولوجيا، وفلسفة الفيزياء، ودراسات العلم والتكنولوجيا. وقد صدر له حتى الآن الكثير من الكتب والمقالات، منها: (العلم المنسوب إلى عقيدة خاصة: دراسة مسألة الإمكان)، و(العلم الديني: ردّة فعل في مواجهة العلم الطبيعي)، و(نقد على النظرية الانتقادية التكنولوجية)، و(العلم الإنساني/ الاجتماعي الإسلامي: مسألة الإمكان وطرق التنمية)، و(مستويان بديلان للتفكير من أجل التكنولوجيا)، وما إلى ذلك من الأعمال الأخرى. ومن بين انشغالاته في هذا الشأن البحث حول مختلف أبعاد دراسات العلم والتكنولوجيا.

في هذا الحوار نسعى إلى تناول جملة من القضايا الراهنة والإشكالية حول موضوع العلم والتكنولوجيا والتقدّم.

«المحرّر»


* ما هو الحقل العلمي الذي يطلق عليه عنوان دراسات العلم والتكنولوجيا؟ وما هو موضوعه وما هي أهدافه؟

- في مقام معرفة جذور دراسات العلم والتكنولوجيا أو (STS) وهي اختصار لعبارة: (science and technology studys)، يجب القول: إنّه بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية تبلور شوقٌ متزايد لمعرفة العلم والتقنية، سواء بين أولئك الذين خاضوا في أبحاث فلسفة العلم والتقنية مدفوعين بهواجس تنمية العلم والتقنية، أو أولئك الذين كانوا متفائلين وسعداء بما كان لديهم مـن العلم والتقنية. وبـذلك فقـد كانت هنـاك طائفتان خاضتا فـي فلسفـة العلم والتقنية: طائفة كانت تحسن الظن بالعلم والتقنية وتنميتهما، وطائفة أخرى تسيء الظنّ بهما ويساورها الخوف والقلق منهما. وكانت كلتا الطائفتين بحاجة إلى تأمّل فلسفيّ؛ فيحدث مثل هذا الشيء، وتزدهر فلسفة العلم والتقنية، ويتمّ تأسيس الحقول والأكاديميات المتنوّعة في بعض الجامعات في العالم، حيث تتخصّص في بحث فلسفة العلم والتقنية. وبالتدريج حيث اقتربنا من نهاية القرن العشرين بدأ العلماء يدركون عدم كفاية المدخل الفلسفي لفهم العلم والتقنية؛ لا أنّ هذا الاتّجاه خاطئ، بل هو غير كاف. وفي الحقيقة نحن نحتاج إلى شيء آخر أيضًا، وهو الدراسات التجريبية، والدراسات الاجتماعية للعلم والتقنية، بمعنى أنّه يجب دراسة العلم والتقنية بوصفهما ظاهرة اجتماعية، ودراسة الواقعيّة الاجتماعيّة والمؤسّسة الاجتماعيّة بوصفها بنية اجتماعية، ومن لوازم هذه الدراسة العمل على جمع المعطيات التجريبية أيضًا. وفي الحقيقة فإنّ جمع المعلومات في مورد العلم والتكنولوجيا والظواهر التابعة لها، من لوازم معرفة هذه الظاهرة والحكم بشأنها. وبطبيعة الحال بعد بيان هذا الأسلوب ـ أي: الاتّجاه التجريبي في دراسة العلم والتقنية ـ لم يضعف الاتجاه الفلسفي. وذلك لأنّ المعطيات في كلّ أمر إنّما يتمّ فهمها وتفسيرها في ضوء النظريات الفلسفية على الدوام، ويتمّ التنظير حولها على هذا الأساس. ومن هنا فإنّ دراسات العلم والتقنية تعني رؤية العلم والتقنية بمثل هذه العدسات. بمعنى أنّ التوجه إلى دراسة العلم والتقنية تجريبيًّا، هو جمع المعطيات بشأنها والسعي إلى فهمها. وفي هذا الشأن من الضروري إلى هذه النقطة وهي أنّ دراسات العلم والتقنيّة لا تستغني عن التأمّلات الفلسفية أبدًا. وفي هذا الشأن فإنّ الغاية من هذه الدراسات بشكل محدّد هي معرفة العلم والتقنية، ولكن لا بالاتّجاه الفلسفي البحت فقط. وإنّما الاتّجاه إلى مختلف مسائل هذا العلم من خلال الالتفات إلى الأبعاد المتنوّعة المفهوميّة والتجريبيّة والفلسفيّة والأخلاقيّة. ومرادي من التجريبي هنا هو ذات الـ (empirical data) بمعنى المعطيات التجريبية. بمعنى في مورد ذلك الشيء الذي يعد في حقل العلم والمعرفة. في الاتّجاه الفلسفي ننظر إلى العلم والتقنية في الغالب بوصفهما مفهومًا، وعندما يرد الكلام حول دراسات العلم والتقنية، ننظر إلى العلم والتقنية بوصفهما مؤسّسة ومنظومة اجتماعيّة، وفي هذه الحالة ينفتح باب تجميع المعطيات التجريبية.

* ما هي برأيكم أبرز المنعطفات التي شهدها إدراك الإنسان للعلم في خلال الأحقاب المتعاقبة؟

- الجواب عن هذا السؤال في غاية التفصيل. ومن هنا سوف أحصر السّؤال على القرن العشرين، ففي القرن العشرين على نحو الإجمال كلّما تقدّم بنا الزمن، نجد رضوخًا من قبل أكثر العلماء والمفكرين لتقبّل دور القيَم في العلم، حيث يرون تدخّلاً للقيَم ودور القيم في العلم. يذهب أغلب الناس إلى الاعتقاد بأنّ المباني الميتافيزيقية والفلسفيّة وفرضيات المفكرين تؤثّر في تبلور العلم، وهذا يُعدّ أيضًا بوصفه تصنيفًا لاتّجاه العلم. وفي الحقيقة في بداية القرن العشرين حيث كانت الأفكار الوضعية هي السائدة، لم يكن هناك تقبّل لمثل هذا الاتّجاه. إنّ الآراء الوضعية تذهب إلى الاعتقاد بسلسلة من المعايير الشاملة والتي تفوق التاريخ. بمعنى أنّنا نميّز بين العلم وغير العلم على أساس سلسلة من المعايير الشاملة وما فوق التاريخية. حيث نميّز بين العلم الصالح والعلم الطالح. ولكن حيث نتّجه شيئًا فشيئًا لنقترب من نهاية القرن، أي عندما نتّجه إلى النصف الثاني من القرن العشرين، تضمحل هذه الرؤية، حيث نجد على سبيل المثال منظّرًا مثل ألان تشالمرز، يقول في كتابه (Science and its Fabrication): (أنا أخالف المعايير الشاملة وما فوق التاريخية. فأنا أرى أنّ هذه الأساليب والمعايير المطروحة في العلم، إنّما هي مسائل يُراد منها أن تميّز بين العلم الجيّد والعلم السيّئ، أو أن تفصل بين ما هو علم وما هو ليس بعلم، إنّ هذه الأساليب والمعايير إنّما هي بلحاظ تاريخي وإمكاني. فربّما تغيّرت المعايير في كلّ عصر بحسب الأساليب والتكنولوجيا [حيث إنّه يضيف التكنولوجيا أيضًا].

* إذا كانت التقنية تعني أساليب توظيف الأدوات والأجهزة والمواد وما إلى ذلك، لتسهيل أعمال الإنسان وحلّ مشاكله، فما هو الاختلاف الذي طرأ على هذه التقنية في المرحلة المعاصرة؟

- أشير في هذا الشأن إلى مورد أو موردين. إنّ الإنسان منذ ولادته أخذ الأمور الخام من الطبيعة وأجرى عليها بعض التعديلات، ليصنع منها شيئًا اسمه الآلة. ويبدو أنّ هذا كان أمرًا شائعًا ومألوفًا على طول التاريخ. من ذلك مثلاً أنّه كان يعمل على ثلم بعض الأحجار بشكل خاص وجعلها مسنّنة أو مدبّبة؛ ليتّخذ منها أداة لصيد الحيوانات أو تقشير الثمار أو ذبح الماشية وسلخ جلدها. وعلى كلّ حال فإنّ الإنسان قد تدخّل في صُلب الطبيعة وتوصّل إلى قوانينها العليّة، وربّما عمل على الربط فيما بينها. وبعبارة أخرى: إنّ الإنسان إنّما تدخّل في صُلب الطبيعة؛ ليستخرج منها سلسلة من القوانين العليّة، والعمل على الربط فيما بينها؛ ليخلق من ذلك تقنيات معقّدة نسبيًّا. ولكن توجد هنا نقطة، وهي ما هي القيَم والرؤى التي انطلق منها مدفوعًا إلى القيام بهذه الأمور؟ في الحقيقة إنّ هذا التدخّل في صلب الطبيعة، واستنباط قوانينها العليّة انطلاقًا من القيَم التي أعتقدها وأتمسّك بها، إنّما تحدث على أشكالٍ مختلفةٍ. وهذه الأنواع والأقسام موضع تأمّل. لنفترض أنّ شخصًا كان يؤمن بالرواية المأثورة عن الإمام الصادق (ع)، والتي يقول فيها ما مضمونه: يكفيك من الأمور ما يرفع حاجتك. بينما لا يرى الآخر ذلك. إنّ هذين الشّخصين سوف يتعاملان مع الطبيعة انطلاقًا من هاتين الرؤيتين المختلفتين بشكلين مختلفين. حيث يذهب أحدهما ويأخذ نصيبه من الطبيعة بما يتناسب ورفع حاجته مكتفيًا بها وهو يقول: ليس لي حاجة إلى المزيد. بينما يقول الآخر: بل عليّ أن أدّخر وأضمن حاجتي المستجدّة في المستقبل. يُبيّن هايدغر في مقالته الشهيرة والمؤثّرة تحت عنوان: (questions concerning technology): أنّ ماهيّة التكنولوجيا الحديثة هي الغاشتل أو الانكشاف. والغاشتل هنا يعني اعتبار العالم قابلاً للقياس والحساب. انظر إلى العالم بوصفه شيئًا قابلاً للتقييم والتقدير، وأنّه مشتمل على قوانين قابلة للحساب، وانظر إليه أيضًا بوصفه عالمًا أزليًّا. وأنّه يحقّ لنا التعرّض إلى العالم والتصرّف فيه. ويمكن لنا ادّخار طاقاته والاستفادة منها حيثما نشاء. إنّ مجموع هذه الخصائص هي التي تمثّل الانكشاف. وهنا يقول هايدغر إنّ ماهيّة التكنولوجيا الحديثة هي من قبيل الانكشاف والغاشتل، وأمّا ماهيّة التكنولوجيا قبل العصر الحديث فلم تكن كذلك. إنّ الغاشتل من أنواع الانكشاف، حيث إنّ الغاشتل يعني انكشاف الوجود أمام الإنسان أو الدازاين. وعلى هذا الأساس فإنّه إثر سؤالكم توصّلنا إلى هذه النقطة الهامّة وهي أنّ التكنولوجيا ليست مجرّد التصرّف والتدخّل في الطبيعة وقوانينها العليّة وربطها ببعضها لصنع التكنولوجيا فقط. لماذا ليست هذه فقط؟ إذ يمكن القيام بهذا الأمر بأنحاء مختلفة وثقافات متنوّعة وقيَم متفاوتة وآراء متضاربة حول الطبيعة أيضًا. وهذه نقطة هامّة. والنقطة الهامّة الأخرى هي أنّ الإنسان بالإضافة إلى تدخّله في الطبيعة واستخراج قوانينها العليّة وما إلى ذلك، قد تدخّل كذلك في المجتمع بوصفه مصدرًا مؤثّرًا آخر. كيف يمكن للمجتمع أن يكون مصدرًا، وبعبارة أخرى: هو مصدر لأيّ شيء؟ إنّه مصدر للأثر. بمعنى أنّنا نرى سلسلة من الآثار في المجتمع، من قبيل: التضخّم، حيث إنّ هذا الأثر لا ينبثق عن المادة، وإنّما التضخّم ينتج عن نوع العلاقات التي تحكم الإنسانية. إنّه التضخّم الذي يؤثّر على حياتنا، ويجعل الناس في قلق واضطراب وانعدام للأمل. تكثر حالات الطلاق، وينخفض الإقبال على الزواج، ويزيد الضغط الروحي والنفسي على النّاس، وهذا لا ينشأ من المادة فقط. هناك مصدر آخر للتأثير، وهو المجتمع والعلاقات الإنسانية/ الاجتماعية. لقد أدرك الإنسان بالتدريج أنّ التكنولوجيا البحتة ـ أي الأجهزة الصلبة ـ لا تستطيع لوحدها أن توصله إلى الغاية المنشودة. ومن هنا أخذ الكنولوجيون يفكّرون في ضمّ هذه الحقيقة الإنسانية / الاجتماعية بشكل وآخر إلى هذه الأجهزة الصلبة؛ لكي يعمل هذان الأمران معًا على تحقيق الأهداف التي يريدها الإنسان. وعلى هذا الأساس تكون هناك أهميّة للإنسان والعلاقات البشريّة والمجتمع الإنساني إلى جانب الأجهزة الصلبة، بمعنى الأدوات الفيزيقيّة. وبعبارة أخرى: إنّ المجتمع والعلاقات الإنسانية والاجتماعية منضمّة إلى الأجهزة الصلبة تعمل معًا على تحقيق غاية ما. وبذلك نشهد ظهور منظومات اجتماعية تقنيّة. من قبيل المنظومة الاجتماعية والتقنية للتلغرام والفيس بوك والمنظومات الاجتماعية التقنية للخطوط الجوية، حيث تجلسون هناك في الطائرة وتتعلّمون مباشرة. وإذا لم تنتبهوا إلى تلك التعليمات، قد لا يمكن لهذه المنظومة أن تحقّق أهدافها. لقد ذكرت نقطتين حتى الآن، وهما: أن نتوصّل إلى صلب الواقعية، ونستخرج منها القوانين العليّة، ونعمل على الربط والتلفيق فيما بينها. ولكن هذه ليست القصّة كلّها؛ فإنّ نوع الثقافة والقيَم المتّخذة في القيام بهذا المؤثّر، تؤثّر هي الأخرى في تبلور حتى الصورة المادية للتكنولوجيا. لنأخذ مثلاً أنّ بعض المجتمعات تعمل على صنع الدمى لغرض إشباع الغريزة الجنسيّة. مع أنّ الثقافة الإسلامية لن تسمح بإنتاج مثل هذه الأمور أبدًا. إنّهم يستفيدون من المادة ويصنعون روبوتات ودمى شبيهة في قوامها بجسد الإنسان تمام الشبه، وربّما أمكن بفعل تطوّر الذكاء الصناعي أن نشهد في الأعوام القادمة إنتاج روبوتات ناطقة للاستهلاك الجنسي، حيث يمكن لهذه الدمى الناطقة أن تغنّي أو تقرأ الأشعار والقصائد أو العبارات المثيرة لشهوة الإنسان الحقيقي. بيد أنّ بعض القيَم لا تجيز مثل هذه التقنيات. وعليه فإنّ الأمر لا يقتصر على مجرّد الاستحواذ على الطبيعة والتصرّف فيها والمزج بين موادها من أجل صنع الأدوات. والسؤال الرئيس هو: ما هي القيمة، والرؤية، والثقافة، التي نقوم بهذه الأعمال على أساسها؟ الأمر الثاني أنّ الأبعاد الاجتماعية من القضية لها أهمّيتها الخاصّة أيضًا، ونحن الآن نشهد منظومات تقنيّة اجتماعيّة تحظى بأهميّة كبيرة.

* كيف ترى إلى الأضرار التي فاقمها التقدّم التقني في العصر الراهن، وذلك بمعزل عن جميع المحاسن المذهلة والرخاء الكبير الذي وفّره للإنسان المعاصر؟

- يذكر الناقدون للتكنولوجيا سلسلة من الآثار والتبعات السلبية، من قبيل: الأزمات البيئية، ويقولون ـ على سبيل المثال ـ إنّ التنمية التكنولوجية لغايات اقتصادية قد تسبّبت في ظهور الكثير من الأزمات البيئية. وهناك من يقول بأنّ التقدّم التكنولوجي قد أضرّ بالعلاقات الإنسانيّة والأسرية؛ إذ كان الأولاد الصغار في السابق يتحلّقون حول الجدّ أو الجدّة ويستمعون إلى القصص والروايات المحكيّة على لسانهما، أمّا الآن فالكلّ منهمك في تصفّح الهواتف النقّالة. أو يقولون: إنّنا نعاني على الدوام من سلسلة من التداعيات الجانبية المترتّبة على التنمية التكنولوجية. ومن ذلك أنّه تمّ إنتاج الاتصال التصويري، وازدهرت التكنولوجيا في ذلك، بيد أنّ البعض أخذ يسيء استغلال هذه التقنية لغايات غير أخلاقيّة، ربّما لم يكن المخترع قد فكّر فيها أو لم يمرّ في ذهنه ترتّب مثل هذه التداعيات على مثل هذا الاختراع. إنّ الناقدين للتكنولوجيا يشيرون إلى الكثير من الآثار والتداعيات السلبية المترتّبة على التنمية التكنولوجية. وفي المقابل يقول المدافعون عن التكنولوجيا: انظروا إلى فوائدها الكبيرة. نحن في مواجهة مثل هذه المسألة. فهل التكنولوجيا ضررها أكبر من نفعها، أم نفعها أكبر من ضررها، وكيف يمكن الحكم على التكنولوجيا؟ وللأسف الشديد لا يمكن الحكم في هذا الشأن بضرس قاطع. فهل كان للعلم والتكنولوجيا خدمات إيجابية؟ وهل ساعدا على تسهيل التواصل بين الناس أم لا؟ فإن قلنا: إنّهما ذلّلا الكثير من العقبات، ولكنّنا لا نحبّذ ذلك؛ يجب توضيح السبب الذي يدعو البعض إلى عدم تحبيذه لتسهيل التواصل بين الناس؟ فما هو الضير في ذلك؟ يبدو أن التكنولوجيا ليست سيئة مئة بالمئة، كما أنّها ليست حسنة مئة بالمئة. فهنا إيجابيات وهناك سلبيات أيضًا. لا سيّما عندما نرى في القرآن الكريم أنّ ذا القرنين أقام السد بواسطة صهر الحديد بالنحاس، بغية إنقاذ شعب من ظلم يأجوج ومأجوج، أو صناعة السّفن والدروع أو البنيان الذي أمروا ببنائه مسجدًا على كهف أصحاب الكهف بعد انكشاف أمرهم، والكثير من الموارد الأخرى. إنّ القرآن ـ على ما يبدو ـ لا يخالف الاستفادة البحتة من القوانين والخيرات الموجودة في الطبيعة. فهو يقول: إنّ نوحًا قد صنع السفينة تحت رعايتنا (ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا) [سورة هود -الآية 37]؛ وهذا يعني أنّه يؤيّد صناعة السفن. ولكن السؤال الماثل هنا هو: هل يجيز القرآن جميع أنواع تصنيع السفن؟ كلّا قطًعًا. فقد ورد النهي عن الإسراف في الكثير من الآيات والروايات. ولكنّنا نشاهد اليوم أنّ التنمية التكنولوجيّة تشجّع على صناعة ما يفوق مستوى الحاجة، وهناك إسراف وتبذير في هذا الشأن. وقد تقدّم أن أشرنا إلى مضمون الرواية المأثورة عن الإمام الصادق (ع) والتي تنهى عن أخذ ما يزيد على مقدار الحاجة. وعليه لا شكّ في أنّ الإسلام يعارض بعض أساليب التنمية التكنولوجيّة. وبطبيعة الحال لا يمكن قول ذلك حتى في المجتمعات الدينيّة؛ إذ ما أن يقال ذلك، حتى ينبري لك من يقول: إنّك بهذه الأبحاث الدينيّة تريد أن تعيق عجلة التنمية التكنولوجية! يقول كاتب مقال بعنوان (Philosophical Inputs and Outputs of Technology): إنّ هناك خمسة أصول ميتافيزيقيّة / أخلاقيّة للتنمية التكنولوجية المعاصرة. ويشير في هذه الأصول الخمسة إلى أنّ الإنسان يمكنه بل ويجب عليه الاستفادة من الطبيعة لمصالحه الفرديّة والاجتماعيّة؛ ليستخرج منها أكبر الأرباح بأقلّ الخسائر، وإذا كانت هناك من مسؤوليّة أخلاقيّة فإنّما تقع على عاتق من يضع السياسات فقط. والنقطة الهامّة الموجودة في البين، فهي أنّ التكنولوجيا أمرٌ قيَميٌّ. إنّ التكنولوجيا تقوم على أساس من القيَم الخاصّة، ومن بين الطرق إلى إصلاح التكنولوجيا وتنميتها بشكلٍ صحيحٍ، هي أن نعمل على انتقاء تلك المباني القيَميّة واختيارها بشكل صحيح. إنّ تلك الرُزمة القيَميّة والمعياريّة التي نعمل من خلالها على تنمية التكنولوجيا، يجب العمل على إصلاحها بشكل صحيح. عندها سوف يتمّ طرح هذا السؤال القائل: ما هو ذلك المبنى القيَمي الذي نروم على أساسه تنمية التكنولوجيا؟ للأسف الشديد لا يتمّ الخوض حاليًا في فلسفة التكنولوجيا في هذه المقولة الاستراتيجيّة والهامّة بشكلٍ جادٍّ. ومن نماذج ذلك فيربك الذي أصدر عام 2011 م كتابًا بعنوان (جعل التكنولوجيا أخلاقية). عندما تطالعون هذا الكتاب تتوقّعون منه أن يجيب عن السؤال القائل: كيف نعمل على تنمية التكنولوجيا مع الحفاظ على أخلاقيّة المهنة؟ ولكن هذا الكتاب لم يترك شاردة ولا واردة إلا وتحدّث عنها، باستثناء هذا السؤال الجوهري للأسف الشديد. والذي أريد قوله هو أنّه بحسب ماهيّة التكنولوجيا، وما الذي يريده الإنسان منها، تؤدّي هذه التكنولوجيا إلى ظهور مجموعة (الإنسان التكنولوجي)، وأنّ تركيب واتّجاه تلك القضيّة تنتظم بحسب ماهية التنكنولوجيا وما يقصده أو يبتغيه الإنسان منها. ومن بين الأسئلة الهامّة في هذا الشأن هو: ما هي المعايير والقيَم التي أروم على أساسها المطالبة بالتنمية التكنولوجية؟ إنّ هذا السؤال يبقى في هذا الكتاب دون جواب. والمنتقد الآخر هو أندرو فين بيرغ الذي ألّف العديد من الكتب بوصفه فيلسوفًا بارزًا في حقل التكنولوجيا. وقد ذهب في واحد من كتبه الهامّة بعنوان (Questioning Technology) إلى الاعتقاد بأنّ النّظام التقني يقوم على سلسلة من القيَم. إنّ هذه القيَم هي التي تنضمّ إلى بعضها وتوجد النظام التقني. إنّه يعتقد أنّ علينا الخروج من النّظام التقني الراهن والذي يمثّل مظهرًا للقيَم الرأسمالية، وأن نقيم نظامًا تقنيًّا جديدًا. وفي الحقيقة فإنّه يبحث عن حداثوية بديلة. ولكن عندما نسأله: ما هي القيَم والمعايير التي يجب أن يكون هذا النظام الجديد على أساسها؟ لا يبدي جوابًا واضحًا في هذه الفلسفة. إنّ هذه المسألة هي واحدة من المسائل الأصلية التي تأخذ حاليًّا بتلابيب فلسفة التكنولوجيا والمفكرين المعاصرين في حقل التكنولوجيا. إذا أردنا للتكنولوجيا أن تنمو بشكل صحيح وصائب، فإنّ الاتّجاه الهام في هذا الشأن هو أن نرى ما هي القيَم والمعايير التي يتم على أساسها مثل هذا الأمر.

* هل يمكن في تطوّر العلم والتكنولوجيا اعتبار مدخل ما بحيث يتم فيه اجتذاب المحاسن ونبذ المساوئ؟ وما هي نسبه الغرب الراهن إلى هذا المدخل؟

- أن نعمل على تنمية العلم والتكنولوجيا بحيث تشتمل هذه التنمية على محاسن دون مساوئ، فهذا يُعدّ ضربًا من توقّع ما لا يُطاق. فإنّ هذه الرؤية ضاربة في المثاليّة، بحيث إنّها لا تتناسب مع ماهيّة البشر؛ لأنّ الإنسان يجوز عليه الخطأ. وفي الأساس فإنّ الإنسان ليس بحيث يتّخذ قراراته بوحي من إرادته فقط. فإنّ البنى الاجتماعية لا تسمح له بذلك. إنّ البنى الاجتماعية لا تسمح للمرء بتطبيق ما يفكّر فيه بشكل صحيح. إذًا، من بين الموانع هي البنى الاجتماعية. ومن بين المسائل على ما ورد في نهج البلاغة أن الله يريد أن يجري مقاديره. وعلى هذا الأساس فإنّه طبقًا للرؤية الدينيّة حتى الإرادة الإلهيّة تلعب دورًا أيضًا، حيث يتّخذ الإنسان قرارًا ضمن مجموعة من الشرائط، وليس له علم كامل بما سيحدث. وإنّ علم الإنسان في هذا الشأن قليل جدًا. والشيء الذي يبدو أنّ الإنسان يعلم به ـ في الرؤية الدينية ـ هو أنّه يوجد هذا الإمكان على كلّ حال، وهو أنّ الإنسان مختار. والقرآن يشير في الكثير من آياته إلى ما هو الطريق الصحيح وما هو الطريق الخاطئ. وعليه يجب على الإنسان أن يتّخذ القرار في الانتخاب بنفسه. يمكن للإنسان ـ على أساس العلم الذي يمتلكه ـ أن يكون له اتّجاه تكليفيّ. وأن يعمل بتكليفه على أساس المجهود الصادق الذي يبذله من أجل تحصيل العلم. هذا مستمسك يمكن للمرء أن يمتلكه. لا يمكن له ضمان النتيجة المترتبة على ذلك. وعلى هذا الأساس لا يمكن العلم بالتداعيات والتبعات المترتبة على تنمية العلم والتكنولوجيا مسبقًا. وفي الأساس لا يمكن التكهّن أو التنبّؤ في هذا الشأن. ولكن يمكنه العمل على أساس التكليف. أن يقول صادقًا: هذا هو الواجب المطلوب مني القيام به، وهذا ما سأقوم به، وأمّا النتيجة فهي متروكة إلى المستقبل. والنقطة الهامّة هي أنّ الغرب يعمل على المحاسبة في هذا الشأن بشكل دقيق، ويسعى إلى الحصول على العلم والتقنية بشكل حثيث؛ كي يتمكن من التكهّن والتنبّؤ بما سيحدث في المستقبل على كل حال، وأن يعمل على طبق ذلك، أو إذا عجز عن التنبّؤ بالمستقبل أن يأخذ مختلف الحالات والسيناريوهات المحتملة بنظر الاعتبار، وأن يعدّ العدّة لمختلف السيناريوهات، ويقوم على استبعاد بعضها وتقريب بعضها أو تقويتها وما إلى ذلك. وبعبارة أفضل هناك اتّجاهان في هذا الشأن؛ وهما: الاتّجاه التكليفي، والاتّجاه الغائي. وهذا لا يعني أن الاتّجاه التكليفي لا ينظر إلى الغاية، فالشخص الذي يعمل بتكليفه يسعى بدوره إلى تحقيق السعادة والسكينة وإيجاد الحلول، ولكنّه يقول في الوقت نفسه إنّني مقيّد بالتكليف. وأمّا في الاتّجاه الغائي فإنّني أعمل على تحديد النتيجة وأقوم بتعيين الشيء الذي أسعى إليه وأريد تحقيقه. وهذان الاتّجاهان مختلفان. وفي الغرب نشهد في الغالب ثقافة تميل إلى الاتجاه الثاني. وإنّ الثقافة الأولى التي هي ثقافة تكليفيّة، هي ثقافة دينيّة. وفي الغرب تغلب الغائية على المحاسبة، وإنّ الرؤية الاستقبالية في الأساس تقوم على هذه الرؤية. إنّ البحث المستقبلي معرفة تساعدنا على الذهاب باتّجاه المستقبل الغامض والمعقّد، ونعمل على تحقيق مستقبلنا المنشود. ولا يقول إنّي أعمل على بناء مستقبلي من خلال التدبير التكليفي، وإن كان يعود علينا بالضرر المرحلي والمؤقّت.

* ما هو أساس النسبيّة في العلوم التجريبية ومفهومها، وكيف يبدو هذا الأساس في فضاء الميتافيزيقا والكليات الدينية؟

- يجب علينا أن نعرّف النسبيّة والاتّجاه النسبي أوّلاً؛ لنرى ما الذي تعنيه النظرة المعقولة أو الاتّجاه المعقول؟ والنقطة الهامّة في البين هي أنّ الاختلاف بين النظرة المعقولة والنظرة النسبيّة تدور حول معيار واحد. وهو المعيار الشامل للزمن والعابر له. يذهب القائلون بالنسبيّة إلى عدم وجود مثل هذا المعيار، بينما يذهب القائلون بالمعقول إلى وجوده. يقول النسبيّون: لا يوجد معيار لنعمل من خلاله على تحديد آليّة المعيار للتمييز بين العلم وغير العلم، وبين العلم الصالح والعلم الطالح. كما أنّ للقائلين بالنسبية أدلّتهم أيضًا. يذهب أصحاب الاتّجاه المعقول إلى القول بوجوده، وأنّه إذا لم يتمّ العثور عليه حتى الآن، سوف يتمّ العثور عليه في المستقبل. ولكنّنا للأسف الشديد عندما نراجع أصحاب الاتّجاه المعقول نجدهم مختلفين حول ماهيّة الشمول وما فوق التاريخيّة، ولا يوجد عندهم وحدة في الكلمة. وعندما نراجع أصحاب الاتّجاه النسبي نجد رؤيتهم بالغة الخطورة. لماذا؟ لأنّك إذا كنت في العلم ـ ونعني بالعلم هنا: العلم القائم على أساس المعطيات التجريبية ـ من القائلين بالنسبيّة، عندها كيف يمكنك مواجهة النسبيّة في الأخلاق؟ فما هو السبب والدليل الذي يمنعنا من قول الشيء ذاته في حقل الأخلاق أيضًا؟ هنا يصبح الجوّ ملبّدًا بسُحُب الظلام وموحشًا، وإذا كنّا في الأخلاق من القائلين بالنسبيّة، عندها لن يستقرّ حجر على حجر. هناك من ينتصر للنسبيّة في الأخلاق، وعندها أقول في المقابل: لو تعرّضتَ حينها إلى ظلم، عليك أن تستذكر المعايير الأخلاقيّة، وعندها سوف تدرك أنّه لا يمكن لأيّ شخص أن يسوق دابته في الأخلاق كما يحلو له. أو أن يعمل كلّ شخص على استئصال الآخر وقطع رأسه. وإذا سألناه عن سبب قيامه بذلك؟ قال: إنّ منهجي الأخلاقي يوجب عليّ ذلك! عندها سوف يُقضى على المجتمعات البشرية. والذي أريد قوله هو أنّنا نشهد في فلسفة العلم ظهور مدارس قائلة بالنزعة النسبية، وهي لا تشهد في الوقت الراهن انحسارًا أو تباطؤًا، وهناك مخاوف فيما إذا تحوّلنا إلى نسبيين في العلم؛ عندها ما الذي سوف يحدث في الأخلاق والفلسفة؟! ثم إنّ لديكم في العلم معطيات تجريبيّة؛ فهل نفلسف الفلسفة على أساس المعطى التجريبي؟ وهل نحدّد المدارس الأخلاقيّة في علم الأخلاق في الغالب على أساس الـ (historical) و(universal)؟ وعليه توجد مثل هذه المخاوف.

* كيف يبدو لكم المصير الذي سوف يرسمه التقدّم العلمي العميق والتغييرات المتسارعة في مستقبل العالم والإنسان؟ وإلى أيّ حد ترون هذا التقدّم مبشّرًا أو مقلقًا في المستقبل؟

- هذا سؤال جيّد، وجوابي هو أنّنا لا نستطيع التنبّؤ في هذا الشأن والتكهّن؛ إذ لا نمتلك أداةً أو علمًا يُساعدنا على القيام بمثل هذا التكهّن؛ لنرى إلى أين يتجه العلم وأين سترسو سفينة التقنية. بيد أنّ النقطة الهامّة والتي نعرفها في البين هي أنّ العلم والتكنولوجيا من الظواهر الإنسانيّة. وحيث يكون التمر والعنب موجودين في صلب الطبيعة، فإنّ البعض يستخرج منهما شرابًا خبيثًا ومسكرًا، والبعض الآخر يستخرج منه زادًا طيّبًا ونافعًا. وحيث إنّنا نعمل على استثمار المواد الموجودة في الطبيعة، يتوقّف الأمر هنا على نوع القوّة العليّة الكامنة في صلب هذه الطبيعة. وفيما نحن فيه تكون هناك مدخليّة للقيَم. وأنّه كيف نعمل على التركيب والمزج بين هذه المواد، حيث يكون هناك تدخّل من القيَم في هذه العمليّة. إنّ فلاسفة التكنولوجيا يؤكّدون على هذه المسألة. وهناك تدخّل من القيَم في كيفيّة الربط بين هذه التقنيّة الحاصلة وبين البنى الإنسانية علاقاتها. هناك مدخليّة للقيَم في كيفيّة الاستفادة من هذه الأجهزة الصلبة وهذه المنظومات التقنية الاجتماعية، وهذا يثبت وجوب التوجّه إلى إصلاح هذه القيَم. وإذا كنّا في قلق على المستقبل، وجب علينا العمل على تنمية الأخلاق والسجايا الإنسانية وإصلاحها. يجب علينا أن نعمل على الارتقاء بإنسانية الإنسان، ويحتاج هذا الإنسان المرتقي إلى رفع احتياجاته من الناحية الأخلاقية والوجودية؛ ومن هنا فإنّه يبني لنفسه حضارة ومدينة. وعليه نتوقّع من الإنسان الراقي في هذه المدينة والحضارة على المستوى الوجودي والأخلاقي أن لا يمارس الإسراف، وأن لا يلوّث البيئة، وأن لا يتّجه إلى تصنيع الأسلحة الفتّاكة. وعليه يجب أن نكون في قلق على الإنسان في الدرجة الأولى؛ لأنّه هو مصدر العلم والتكنولوجيا ومنشأهما، وإذا أمسك هذا الإنسان المتخلّق بالأخلاق الفاضلة زمام أمور المجتمع، وأصبحت تربية الإنسان هي المحور في النشاط البشري، عندها يجب أن لا نكون في قلق من ناحية تنمية العلم والتكنولوجيا. وإن حدث هناك خطأ ما، فإنّ هذا الإنسان الأخلاقي سوف يعمل على حلّ هذه المسألة بواسطة ما يتّصف به من الأخلاق المتعالية.


تعريب: حسن علي مطر الهاشمي.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف