البحث في...
عنوان المقطع
الملقی
محتوى المقطع
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

عنوان المقطع : المحاضرة (3)

الملقی : الشيخ علي ديلان

تاريخ إضافة المقطع : November / 17 / 2021

عدد زيارات المقطع : 373

حجم الملف الصوتي : 29.268 MB

عدد مرات تحميل المقطع : 351

تحميل المقطع الصوتي

محتوى المقطع :
بسمه تعالى
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين محمد وآله الطاهرين المعصومين(ع)..

وأمّا الجواب على السؤال الثاني والذي كان مفاده: السؤال عمّا يفترق به الإنسان عن باقي الحيوانات، فنقول: هنا توجد نظريّتان رئيسيتان تجاه الإنسان:

الأولى: ترى الإنسان كائن حيواني بامتياز لا يفترق عن باقي الحيوانات بأيّ فارق جوهري وأما ما نرصده من اختلافات بيننا وبين باقي الحيوانات فإنّما هي اختلافات كيفية بمعنى أن كلاً من الإنسان والحيوان له إرادة ولكن إرادة الإنسان أقوى وأشد، وكلاً منهما له وعي و أسلوب للتفاهم وقوة مفكّرة، إلّا أنّ هذه الأشياء أشدّ في الإنسان، فالاختلاف في الشدّة والضعف، وهو ما يمكن التعبير عنه بالاختلاف الكيفي، هو الفارق بين الإنسان وغيره، وهذا يعني أن الاختلاف بين الإنسان والحيوانات هو من سنخ الاختلاف بين أفراد الإنسان بعضهم مع البعض الآخر.
ذهب إلى هذه النظرة الفلاسفة الماديّون لاسيّما في العصور الأخيرة ممن وظّفوا فكرة وفرضية التطوّر في هذا الموضوع، حيث لا يعدو الإنسان أن يكون نتاجاً لسلسلة من عمليّات التطوّر الأحيائي، وتقف بجانبه حيوانات أخرى كانت أيضاً نتيجة هذه السلسلة، فلا فارق حقيقي جوهري بين جميع الكائنات الحية، إلّا أنّ بعضها امتاز عن البعض الآخر بسبب العوامل والظروف البيئية وحصول شرائط عملية التطوّر، وأيضاً ممّن التزم بهذه النظرة بعض الفلاسفة الغربيّين، ومن أهمّهم (توماس هوبز) رغم إيمانه بوجود الله سبحانه إلّا أنّه يعتقد بالطبيعة المادية المحضة للإنسان، ولا يختلف عنده عن باقي الحيوانات من هذه الناحية. وأسس فلسفة ورؤى على هذه النظرة في كتابه (الليفاثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة) وأوضح في القسم الأول من كتابه ما يتعلق بنظرته المذكورة. وقد رتّب بعض الآثار على هذه النظرة منها أنّ للإنسان كفرد أن يفعل كل شيء في سبيل بقائه وجعل هذا حقاً طبيعياً، ومن هنا فسّر ظاهرة الصراعات بين البشر واعتبر القوانين التي تفرض حماية الأفراد من الأفراد الأخرى ضد الحق الطبيعي، وتعامل معاملة الفكر المادي مع الإنسان وعلاقته بالإنسان الآخر ورفض ما تسمى بالأخلاق وحسن المعاملة، وجعل المعيار من كون الشيء حسناً وقبيحاً هو أن ينسجم مع اللذة والألم. وهذا خلاف المبادئ الاخلاقية العالية التي جعلناها من المصادرات المفترضة.

الثانية: ترى هذه النظرة الإنسان برؤية معاكسة لسابقتها، وتعتبر الإنسان ممتازاً ومختلفاً جوهرياً عن باقي الحيوانات، ومن الممكن تصنيف جميع الرؤى المعتقدة بثبوت النفس البشرية بما هي كائن ما ورائي في هذه النظرة، حيث تتمثل حقيقة الإنسان بالجوهر الروحي وأنه يمتاز عن باقي الحيوانات بقوى خاصة وإمكانات مميزة منها: الاختيار والإرادة الناضجة ومنها أنه موجود أخلاقي مدرك للقيم الإنسانية ومنها انه مفكّر بقوته العاقلة فيحلل الأفكار ويستنتج أخرى ويبتكر ويكتشف ويتطلع إلى المستقبل، ومنها أنه كائن ساع نحو الكمال العلمي والعملي. وغير ذلك مما حظى به الإنسان من خلال الحقيقة الروحية التي نفخها الله تعالى فيه، وقد أشار القرآن الكريم في توصيفه إلى خلق الإنسان بقوله تعالى: (لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ ‌تَقۡوِيمٖ)([1])
ولو لاحظنا الآية الكريمة فسنجد أن الله سبحانه الخالق لهذا الكون والعارف بأسراره، هو الذي أعطى هذه الصفة للخلق الانساني وأنه خلق ذات تقويم مميز، وقال تعالى عندما استعرض خلق الإنسان من الجانبين المادي والماورائي بأن الله تعالى هو أفضل وأحسن الخالقين، قال: (ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ‌ٱلۡعِظَٰمَ ‌لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ )([2])
وكذا في قصة خلق آدم، أن الله سبحانه قال بعد استفسار الملائكة عن هذا المخلوق بقولهم: (أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن ‌يُفۡسِدُ ‌فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ)([3]) فيقول تعالى: (إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ)([4]) وقال تعالى أيضاً: (وَلَقَدۡ ‌كَرَّمۡنَا ‌بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا)([5]) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي تقرّر أنّ الخلق الإنساني هو خلق مميز ومكرم، وأنه في أحسن تقويم، مؤهل لاستعمار الأرض بالخيرات المشير إلى أنه الموجود الأعلى بالقياس إلى الكائنات الأرضية، قال تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ ‌وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا)([6]) 
 ومن هنا يعلم أن هذا الموجود أعني الإنساني يختلف جوهرياً عن الموجودات الأخرى، منظور إليه من قبل السلطة العليا الإلهية، وسيأتي أيضاً في المحور الثالث ممّا يؤكّد هذا المعنى. ومن الخطأ اعتبار الإنسان حيوانا لا يختلف نوعاً عن باقي الحيوانات.
هاتان رؤيتان في الإجابة على السؤال الثاني وقد التزم بكل من الرؤيتين جماعة، إلّا أنّ الرؤية الثانية هي محل اعتقاد الكثير من الفلسفات القديمة والحديثة، وهي رؤية جميع الأديان - تقريباً-.
وأما الجواب على السؤال الثالث، حيث الحديث عن قيمة الإنسان والغاية من وجوده، فالانقسام الواقع بين الاتجاهات الفكرية البشرية على قسمين:
اتجاه يعتقد بأنّ الموجود الإنساني لا يحمل أي قيمة غائية، ويبتني هذا الرأي على بعض الأفكار المسبقة من قبيل الإلحاد، أو يبتني على بعض المغالطات من قبيل ما يشهده الإنسان من واقع مرير فيتصور أنّ الحياة الإنسانية هي على حد الحياة الغابوية لا يحمل الإنسان فيها أي رسالة و لا معنى لأن يسعى نحو ما يسمى بتحقيق العدل فإن كل ذلك لا معنى له وفق هذا الاتجاه، بل ليس للإنسان إلّا مصلحته الشخصية الفردية وعلى أساس هذه المصلحة ينبغي أن تسنّ القوانين وتضبط الدساتير ويعبّر عن هذا الطرح ب(أصالة الفرد) وقد قامت الأنظمة الرأسمالية اقتصادياً وقانونياً على هذه الأصالة التي تجعل كل المحاولات البشرية تدور في خدمة المصلحة الشخصية، ولا معنى لما يسمى بالمصالح العامة أو الاجتماعية.
نعم، إنّ بعض المدارس الفلسفية الإلحادية تبنّت أصالة المجتمع  كالفلسفة الماركسية إلّا أن هذه الرؤية لا تنسجم مع البناء الفلسفي الإلحادي، ولهذا لم يكتب لها الاستمرار في حياة الإنسان الفكرية.
واتجاه آخر يقع في قبال الاتجاه السابق حيث يعتقد بأن الوجود الإنساني وجود غائي وليس وجوداً عبثياً كما تعتقد الفلسفة الوجودية والعبثية، وقد أشرنا إلى ذلك في المحاضرة الأولى، وممّن يعتقد بهذه الرؤية القرآن الكريم، قال تعالى: (وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا ‌لَٰعِبِينَ)([7]) (وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا ‌بَٰطِلٗاۚ)([8]) بل أردف الله سبحانه وتعالى هذه الآية ناقداً الاتجاه الأول بقوله: (ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ ‌فَوَيۡلٞ ‌لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ)([9]) 
وأيضاً قال سبحانه: (أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ ‌عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ)([10])وهناك روايات كثيرة تشير إلى الغائية من قبيل ما في نهج البلاغة (الدنيا خلقت لغيرها ولم تخلق لنفسها).
إنّ هاتين الرؤيتين تنعكسان على انطباعات الإنسان من ناحية حياته وتفكيره وعمله فتؤثران على الواقع النفسي والاجتماعي والأخلاقي والقانوني، فمثلاً أنّ الإحساس الغائي لوجودنا يعطي تأثيراً إيجابياً لنا ويوجب حالة من الاندفاع والاشتداد والارتباط بكل ما هو خير، ويقوّي علاقتنا بالله سبحانه. وكذا يزيد من أواصر العلاقات الاجتماعية بين الفرد والفرد الآخر لأنّ الجميع يشترك في غاية واحدة تكون العلاقة بينهما تكاملية، وهكذا إنّ الغائية الوجودية تشرّع الأخلاق الحسنة الفردية والاجتماعية كالتعاون والإيثار وحبّه للآخرين ما يحبه لنفسه ونحو ذلك، وأيضاً يؤثر هذا البحث في تحديد القوانين المشرّعة فإما أن تتناسب مع العبثية أو مع الغائية.
والخلاصة: إنّ الإنسان وجود مركب من وجود مادي وآخر ما ورائي، وأنه موجود يختلف جوهرياً عن باقي الحيوانات وهذا الموجود هو موجود غائي لا عبثي. ونتائج هذا المحور يدفعنا إلى البحث عن خلافة الإنسان في المحورين الثالث والرابع.

المحور الثالث
الخلافة العامّة للإنسان.
إنّه وبحسب النتائج التي انتهينا منها إلى الآن في المحورين الأول والثاني نصل إلى الحديث عن مرتبة الإنسان والنتيجة الطبيعية لما تقدم هو أن يقال: إنّ الإنسان يقف في المرتبة العليا في دائرة الوجود الكوني، ولكن ليس جميع الرؤى التي تعتقد بهذه المرتبة للإنسان متوافقة على نظرة موحدة للإنسان. فضلاً عن ذلك الرؤى التي لا تعتقد بهذه المرتبة.
-------------------------------
[1] (التين /4).
[2] (المؤمنون /14).
[3] (البقرة /30)
[4] (البقرة /30)
[5] (الإسراء /50)
[6] (هود / 61)
[7] (الأنبياء / 16)
[8] (سورة ص / 27)
[9] (سورة ص / 27)
[10] سورة المؤمنون / 115)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف