البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

December / 1 / 2020  |  1029مشروع ديفيد رآوبيني اليهودي للاستيلاء على فلسطين 1522 - 1538م

د. مصطفى وجيه مصطفى إبراهيم المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية ربيع 2020 م / 1441 هـ
مشروع ديفيد رآوبيني اليهودي  للاستيلاء على فلسطين 1522 - 1538م

سنتناول في مقدمة  هذا البحث التعريف بالموضوع وأهمّيته، ثم  نعالج الموضوعات وفق الترتيب الآتي: التطلّعات المشيحانيّة عند ديفيد رآوبيني  ودلالاتها،  القبائل المفقودة: ملامح ودلالات، رايات القبائل اليهوديّة عند رآوبيني ومغزاها، تقديم مشروع الحملة إلى سادة الغرب الأوروبي،  محاولة رآوبيني استغلال الخلافات الغربية، الغربية لصالح الجماعات اليهوديّة،  محاولة التحالف (البابويّة وموقفها،  ملك البرتغال ووعوده،  مقابلة الإمبراطور شارل الخامس،  النهاية والفشل،  الخاتمة).

التعريف بالموضوع:

من ضمن ما ضمّته موسوعة الرحّالة اليهود (Jewish travelers) للباحث الأميركي اليهودي النّشط ألكن ناثان أدلر(Elkan Nathan Adler)[1] ضمّت رحلةً غايةً في الأهميّة، وهي لمغامر يهوديٍّ يدعى ديفيد رآوبيني (DAVID REUBENI). وحتّى الآن لم يتمكّن الباحثون من التعرّف على اسمه الحقيقي، ولا أصل ديفيد رآوبيني، ويعتقد بعض المؤرّخين أنّه كان يهوديًّا شرقيًّا، ويُمثّل هذا الفريق المستعرب هيللسون (Hillelson)[2]. إلّا أنّ فريقًا آخر ممثّلًا بإفرهام نيبور يعتقد بأنّ ناشر طبعة أكسفورد كان يهوديًّا أشكنازيًّا، وبالتحديد ألمانيًّا استوعب كلّ صفات الشّرق[3]، كما أنّ جراتز (Graetz) مؤرّخ اليهود علّق حكمه واكتفى بطرح تساؤل: هل كان رآوبيني  متعصّبًا أو صاحب حلم؟ أو هل كان ينوي أن يلعب دورًا في الحركة المشيحانيّة أو في السياسة؟ أو هل كان مجرّد مغامر؟ الثابت أنّ هذا اللّغز عن أصول جراتيز لم يتم حلّه بشكلٍ قاطعٍ.

 وديفيد رآوبيني -أو بالأحرى الرآوبيني- نسبة لسبط رآوبين الّذي زعم انتسابه إليه، يُصوَّر بوصفه مغامرًا يهوديًّا عاش في النّصف الأوّل من القرن السادس عشر. والمصدر الرئيس لمعلوماتنا عن حياته هي «يوميّاته»، أو بالأحرى رحلته التي كتبت بالعبريّة، وجعلت من شخصه المزعوم شقيقًا لملكٍ يهوديٍّ أسطوريٍّ يحكم الأسباط المفقودة من رآوبين - ومن هنا اكتسب اسمه «الرآوبيني- وسبط جاد، ونصف منسى في صحراء خيبر: وقُدّر عدد رعيّة شقيقه الملك يوسف بثلاثمئة ألف يهوديّ يعيشون في بريّة خيبر بصحراء شبه الجزيرة العربيّة (؟!). وفي حقيقة الأمر، لا أحد -حتى الآن- يملك معلومةً مؤكّدةً عن الأيام الأولى لديفيد رآوبيني (أصوله- بلد الميلاد والطفولة والشباب وما إلى ذلك) تمامًا كما أنّنا لا نعرف شيئًا عن أيّامه الأخيرة.

زعم ديفيد أنّ دافعه للارتحال هو أنّ أخاه الملك يوسف قد أمره بالتوجّه إلى روما للقاء البابا، فقال: «وقمت بالرحلة من قبل الملك شقيقي وأصحابه ومستشاريه وأَعنى السبعين الكبار؛ كلّفوني أن أذهب بداية إلى روما مقرّ البابا»[4]؛ لأجل دراسة مصلحة القوى المسيحيّة بغرض القيام بعمل مشترك من اليهود ونصارى الغرب الأوروبي ضدّ العثمانيين المسلمين غير المؤمنين لاحتلال فلسطين[5]. ولا بدّ أن نعلم أنّ هذه الفترة كانت تُمثّل أوج النشاط البرتغالي في البحر الأحمر وفي الحبشة[6]، وكانت هذه الفترة أيضًا فترة التوسّع العثماني، ويبدو أنّها على أيّة حال الفترة التي أخذت فيها طموحات ديفيد بضرورة قيام دولة لليهود في فلسطين موضع الجديّة[7]، وظهر ذلك في مواضع عديدةٍ من اليوميّات، منها قوله: «لن أموت حتّى أعيد شعب إسرائيل إلى أورشليم»[8]

  لقد كانت دوافع ديفيد رآوبيني من رحلته تلك سياسيّة وعسكريّة، حيث تمثّلت بعض هذه الدوافع في: شراء أسلحة، وتدريب اليهود المنفيّين من إسبانيا والبرتغال وإرسالهم شرقًا عبر القرن الإفريقي لمحاربة الأتراك. وقد وضّح بعض معالم ذلك في مقابلته للبابا بعد أن تمكّن من الوصول إليه[9].

وعن مخطوط الرحلة ؛ فقد كان لرحلة رآوبيني أصلٌ وحيد كُتب بخطّ سليمان كوهين دي براتو (Solomon Cohen of Prato)، كاتم سرّ رآوبيني (سكرتيره الخاصّ). وتُلمح تلك المخطوطة أنّ كوهين نقل ما دونه من رحلة رآوبيني عن نسخة أصلية (Autograph) بخطّ رآوبيني نفسه، يشهد بذلك -كما توحي ظواهر الأمور- تواتر استخدام رآوبيني ضمير المتكلّم في السَّرد. وقد فقد الأصل بطبيعة الحال، بينما آلت تلك النسخة -بخط سليمان كوهين- إلى مكتبة بودليان عام 1848، ثمّ صُوّر منها نسخة بالفاكسميلي، كما نُسخ منها نسخة واضحة لصالح كليّة اللّاهوت اليهودي ببرسلاو، إلا أنّ النسخة الأصليّة -أعني تلك التي بخطّ سليمان كوهين- اختفت في ظروف غامضة عام 1867 أي بعد 20 عامًا فحسب من العثور عليها. وبعد عقدين من ذلك التاريخ قام نيبور في أكسفورد بتحرير ونشر بعض نصوص تلك اليوميّات. ثمّ قام كثير من المحرّرين بنشر نصوص المذكّرات التي نشرها نيبور، ومن ضمن النشرات كانت نشرة إدلر التي اعتمدنا عليها هنا، والتي تقع في موسوعته الرحّالة اليهود (Jewish travelers) في الصفحات من (250-328).

وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها الدراسة الأولى بالعربية التي بحثت في جذور الدعوات اليهودية...، كما أسلفنا في المدخل.

 على أيّة حال؛ إذا ما حاولنا التعرّض لموضوع البحث بشيءٍ من التفصيل، فإنّنا نلحظ أنّ أولى المحاولات التي أخذت مبدأ الجديّة لتهجير يهود العالم وإقامة وطن لليهود في فلسطين، قد بدأت في القرن السادس عشر، عندما سعى هذا اليهودي الّذي لا يُعرف أصله، والمدعو ديفيد رآوبيني، إلى العمل على خلق وطن لليهود على أرض فلسطين، وقدّم مشروعه لسادة الغرب الأوربي النصراني سنة 1522م، وكان الغرب آنذاك لا يزال يعاني من الرّوح الصليبية تجاه الشرق الإسلامي؛ لذلك وجد ديفيد رآوبيني أذانًا صاغية له في العالم المسيحي الغربي حين قدّم مشروعه الّذي يقضي بالتحالف بين يهود العالم والغرب الأوروبي؛ لأجل خلق كيانٍ يهوديٍّ خادمًا للتطلّعات الغربيّة في الشرق، على أن يقوم الغرب بتمويل اليهود بالسلاح؛ حتّى يتمكّنوا من احتلال فلسطين، ويصبح اليهود تابعين للغرب وعبيدًا لهم. وقد لقيت محاولة التحالف هذه صداها بين الفريقين: اليهود الأوربيين الذين يعانون من ملاحقة محاكم التفتيش، والغرب الذي يتشوّق لعودة احتلال فلسطين، وضرب الدولة العثمانية الّتي تصول وتجول في مقتل. وإذا كان اليهود شعبًا عضويًّا منبوذًا، فإنّ أوروبا التي تعيش بواكير عصر النهضة اكتشفت نَفْع اليهود، وإمكانيّة الاستفادة منهم لصالح الحضارة الغربيّة. وبالرغم من أنّ محاولة التحالف بين الجماعات اليهوديّة والغرب الّتي قدّمها ديفيد رآوبيني لم يكتب لها النجاح لأسباب يأتي عرضها في أثناء الدراسة، إلا أنّ أهمّيتها تظهر في كونها أوّل محاولة يهوديّة هدفت لاحتلال فلسطين، وإقامة دولة لليهود فيها، وحلّ المشكلة اليهوديّة[10].

وتمضي اليوميات قُدمًا لتقصَّ علينا نبأ خروج رآوبيني من مقرّ ملك اليهود المزعوم في خيبر متّجهًا للسودان وادي النيل سنة 1522م ومنه للقاهرة، ثم سفره للقدس للحج والزيارة[11]، ثمّ سفره إلى البندقيّة في خريف عام 1523م. ووفقًا لتقدير بعض الباحثين، كان رآوبيني قد تجاوز العقد الرابع من عمره آنذاك. وهناك أعلن عن هويّته الحقيقيّة، وأنّه قائد جيش أخيه الملك يوسف، وطلب من يهود البندقيّة مساعدته في توصيل رسالة مهمّة للبابا[12]. على الرغم من أنّ معظم اليهود شكّكوا في قصّته فقد وجد الدعم من بعضهم. وفي فبراير من عام 1524 دخل رآوبيني روما على متن جواد أبيض، واستقبل من قبل الكردينال إيجيديو (Egidio)، الذي دعم موقف رآوبيني، وأوصى به يهود روما، وأمرهم بتلبية احتياجاته، والسهر على راحته. وبعد ذلك بوقت قصير استقبله البابا كليمنت السابع (VII Clement)، فعرض عليه رآوبيني مشروعه الذي يقضي بالتحالف بين شقيقه الملك يوسف وبين العالم المسيحي الكاثوليكي ضدّ الدولة العثمانية، والعمل على إعادة اليهود إلى فلسطين، وزرعهم هناك شوكة في حلق الدولة العثمانية[13].

ووفقًا لما جاء في يوميّاته فقد طلب رآوبيني من البابا أن يعطيه رسائل إلى الإمبراطور الروماني المقدّس تشارلز الخامس (Charles V)، وإلى فرانسيس الأوّل (Francis I) ملك فرنسا، وأن يوصيهم بمساعدته، ولا سيما في إمداده بالفنيين والحرفيين اللازمين لصناعة البنادق والمدافع. كما طلب رسالة أخرى إلى «بريستر جون (Prester John)» نجاشي الحبشة الأسطوري. ومع ذلك بدا أنّ هدفه الحقيقي لم يكن أيًّا من تلك البلدان، لقد كان تركيز رآوبيني منصبًّا على الوصول إلى البرتغال، القوّة البحريّة الهائلة في القرن السادس عشر، والتي كان بإمكانها الوقوف في وجه الدولة العثمانية. وتلقّى رآوبيني بالفعل توصيةً خاصّةً من البابا موجّهةً لملك البرتغال جون الثالث (John III) يطلب فيها البابا من الأخير إكرام السفير اليهودي وإحسان وفادته وتلبية مطالبه. وقبل رحيله من روما وجد رآوبيني دعمًا من بعض الدوائر اليهوديّة «المستنيرة»، ولا سيما المصرفيين دانييل وفيتالي دي بيزا وآل أبرافانيل، وزوّده عميد العائلة الأخيرة بالمال وأعطاه راية الحرير المطرّز بالذهب كتبت عليها الوصايا العشر. هذا فضلًا عن بعض البيارق الأخرى التي حملها أينما يمَّم، فخلقت انطباعًا عاطفيًّا عند اليهود المحلّيين أينما سار وأينما ارتحل، لا سيّما وأنّ اليهود المستضعفين آنذاك كانوا متعطّشين إلى المسيح المنتظر، وإلى الخلاص الموعود[14].

وفي عام 1525 وصل رآوبيني أخيرًا إلى البرتغال، وسرعان ما مثل بين يدي الملك جون الثالث، الذي استقبله بوصفه سفيرًا رسميًّا. بالرغم من أنّ تقبيل المارونيين أو اليهود الذين أجبروا على اعتناق النصرانيّة ليد رآوبيني -وكان هذا حقًّا لملك البرتغال حصريًّا- قد عكّر ذلك صفو الملك. إلّا أنّ الملك تجاهل هذا، وضرب عنه صفحًا[15].

وفي البرتغال أقام رآوبيني شبكة اتصالات قويّة امتدّت إلى ملك فاس، ويهود شمال أفريقيا. لكن هيبته -أي رآوبيني- بين المارون، ونظرة هؤلاء إلى الأخير باعتباره المسيح المنتظر ونذير الخلاص، جعلت بعض النبلاء البرتغاليين -الذين لم يخفوا كرههم لرآوبيني- يثيرون بعض الشكوك الخطيرة حوله في البلاط الملكي. وأخيرًا استدعى ملك البرتغال رآوبيني، واتّهمه بأنّه ما جاء إلى البرتغال إلّا لإعادة المارونيين إلى اليهوديّة مجدّدًا. وأمر رآوبيني بمغادرة البرتغال فورًا[16].

غادر رآوبيني البرتغال مطرودًا، وأثار ذلك حزن المارونيين، لكنّه عزّاهم بالقول: إنّه ما جاء إليهم إلا ليبلغهم بأنّ الخلاص بات وشيكًا، وها قد فعل. وسرعان ما قُبض على رآوبيني قبالة سواحل إسبانيا، وسجن حتى أطلق سراحه بناءً على تعليمات من الإمبراطور تشارلز الخامس. عند هذه النقطة تنتهي يوميات رآوبيني فجأةً[17]. ولكن ثمّة معلومات إضافيّة عن رحلة رآوبيني المزعومة تُستقى من خلال إضافات بسيطة كتبها سليمان كوهين وبعض المصادر اليهوديّة المتأخّرة. وتزعم تلك الأخيرة أنّ رآوبيني وصل إلى ساحل بروفانس عقب غرق سفينة كانت تقلّه، وسجن في قلعة المدينة مدّة عامين من قبل لورد كليرمونت (Claremont)، ثمّ أُفرج عنه بناءً على وساطة ملك فرنسا بعد دفع فدية كبيرة. وفي نوفمبر من عام 1530 عاد رآوبيني إلى البندقيّة، وحاول الحصول على وساطة حكّام البندقية لدى الإمبراطور فريدريك (Frederick)، وسافر قاصدًا إليه. لكن بعض الحاقدين عليه من بني جلدته من اليهود سرعان ما أبلغوا فريدريك أن رآوبيني قد زوّر عدّة رسائل للبابا ولتشارلز إلى اليهود من رعيّة شقيقه الملك يوسف  لتحلّ محلّ الوثائق التي ادّعى أنّها فُقدت إبّان غرق سفينته ثمّ أسره. وانتهت مغامرة رآوبيني نهايةً مأساويّةً عندما أمر الإمبراطور باعتقاله وإرساله في أغلاله إلى إسبانيا، حيث هلك في الطريق قرب بطليوس نحو عام 1538م[18].

وفي حقيقة الأمر، كان اليهود في غرب أوروبا وقت أن ذهب إليهم ديفيد يتشوّقون إلى الخلاص والعقيدة الاسترجاعيّة، وهي الفكرة الدينيّة التي تذهب إلى أنّه كيما يتحقّق العصر الألفي، وكيما تبدأ الألف السعيدة التي يحكم فيها الماشيح (الملك الألفي)، لا بدّ أن يتمّ استرجاع اليهود إلى فلسطين تمهيدًا للفردوس الأرضي. ومن هنا، فإنّ العقيدة الاسترجاعيّة هي مركز وعصب العقيدة الألفيّة. ويرى الاسترجاعيّون أنّ عودة اليهود إلى فلسطين هي بُشرى الألف عام السعيدة، وأنّ الفردوس الأرضي الألفي لن يتحقّق إلّا بهذه العودة. كما يرون أّن اليهود هم شعب الله المختار القديم أو الأوّل (باعتبار أنّ المسيحيين هم شعب الله المختار الجديد أو الثاني). ولذا، فإنّ أرض فلسطين هي أرضهم التي وعدهم الإله بها، ووعود الربّ لا تسقط. وقد قدّم ديفيد رآوبيني نفسه لليهود في غرب أوروبا، وفي المشرق أيضًا، وبالتحديد في غزّة والإسكندريّة، على أنّه يسعى لجمع شمل اليهود. حقيقية هو لم يقدّم نفسه على أنّه نبي أو ماشيح، لكن تعريفه بنفسه لليهود  يؤكّد على تطلّعات الرجل المشيحانيّة التي يأمل أن يكون تحقيقها على يديه، كما أنّ موضوع الحملة اليهوديّة التي اقترحها تؤكّد الزعم نفسه أيضًا. 

ولكن أين وجْه الشّبه بين اليوميات والأفكار المشيحانيّة؟ الإجابة نجدها في ماهيّة الماشيح عند اليهود. فمن المعروف أن الماشيح عند اليهود هو ملك من نسل داود، يأتي ليُعدّل مسار التاريخ اليهودي، بل والبشري، فينهي عذاب اليهود ويأتيهم بالخلاص ويجمع شتات المنفيين ويعود بهم إلى صهيون ويحطّم أعداء جماعة يسرائيل[19]، ويتّخذ أورشليم «القدس» عاصمة له، ويعيد بناء الهيكل، ويحكم بالشريعتين المكتوبة والشفوية، ويعيد كلّ مؤسّسات اليهود القديمة، ثمّ يبدأ الفردوس الأرضي الذي سيدوم ألف عام[20]. هذه الأفكار بالنصّ نجدها ظاهرةً للعيان في حديث رآوبيني عن نفسه في يوميّاته. فقد عرّف نفسه بأنّه ابن لملك يُدعى سليمان وأخ لملك يُسمّى يوسف من قبيلة رآوبيني [21]، وحديثه هنا له تفسيرٌ باطنيٌّ آخر غير الظاهري، ففي جانب منه يوحي لمستمع حديثه-الموجّه لليهود في المقام الأوّل- أنّ الملك سيأتي إليه بعد أخيه، وهذه الأولى، وأمّا الثانية الخاصّة بأن وجوده مرتبط بتعديل مسار التاريخ اليهودي، وإنهاء عذاب اليهود وخلاصهم، وجمع شتاتهم، والعودة بهم إلى صهيون فقد قاله أيضًا صراحة إلى يهود روما أثناء مدّة وجوده بها فقال : «... لن أموت حتى استعيد إسرائيل إلى أورشليم، وأقوم ببناء المذبح وأقدّم الأضاحي...»[22]، وأكّد ذلك بصورةٍ أخرى حين كان في البرتغال يُمنّي اليهود فيها بمستقبل طيّب، حيث قال: إنّ اليهود في البرتغال «... كانوا يثقون في شخصي وقوّة عقيدتي، مثلما يؤمن بنو إسرائيل في سيّدنا موسى عليه سلام الربّ...»[23]. وبما أنّ الماشيح هو ملك محارب: فقد أكّد ديفيد على ذلك الأمر مرارًا؛ على سبيل المثال أصرّ على ذكر دخوله روما راكبًا فرسه وهي إحدى علامات الماشيح[24]، ثمّ عرّف نفسه على أنّه رجل حرب ومحارب في مواضع كثيرة[25]، وممّا جاء في اليوميات أنّ ديفيد قال لليهود الذين قابلهم: «... في كلّ مكان إنّني ابن الملك سليمان،... أنا رجل حرب منذ شبابي حتّى اليوم، جئت... حتى أرشدكم إلى طريق الخير والهداية إلى أرض إسرائيل...»[26].

وفي واقع الأمر، فإنّ النّزعة المشيحانيّة عند ديفيد رآوبيني هي باعتبارها تعبيرًا عن الحلوليّة اليهوديّة تكتسب بُعدًا ماديًّا قوميًّا شوفنيًّا متطرّفًا؛ حيث إنّ وصول الماشيح يعني عودة الشّعب المختار إلى صهيون، أو وصوله إلى أورشليم التي سيحكم منها الماشيح قائد الشعب اليهودي، بل قائد شعوب الأرض قاطبة، فهنا هو خلاص لليهود وحدهم، وسينتقم اليهود من أعدائهم شرّ انتقام، ويشغلون مكانتهم التي يستحقّونها كشعب مقدّس. وهذه هي الصورة الأولى للنزعة المشيحانيّة عند ديفيد والتي تأخذ صورًا ثلاث. ويمكن أن نجد مثالًا على الصورة الأولى للنزعة المشيحانية في اليوميات في حديث رآوبيني مع تاجر يهوديٍّ من بيروت التقى به في الخان قرب غزّة، وحين اشتكى التاجر اليهودي لديفيد من سوء المعاملة التي يلقاها اليهود في بيروت أجابه رآوبيني قائلًا : «... لا تخشى الفزع، إنّ اليوم الآخر قريب، وإنّ الربّ سوف يذلّ الخبثاء ويرفع المستضعفين درجات، وسوف يجعلك الربُّ ترى الأهوال، ولسوف ترى الفوضى بين الملوك...»[27].

ويُمكننا ملاحظة وجود شكلٍ ثانٍ للنزعة المشيحانيّة عند رآوبيني  فيما دونه في اليوميات، وهذا الشّكل يتمثّل في صورة مشيحانيّة أخرى عالميّة غير قوميّة، وهي تعبّر عن الحلوليّة الكونيّة الشاملة السائلة، وحسب هذه الرؤية يكون العصر عصرَ سلامٍ ووئامٍ بين الأمم. وإذا كان الشعب اليهوديّ ذا مكانةٍ خاصّةٍ، فإنّ هذا لا يستبعد الشعوب الأخرى من عمليّة الخلاص. هذا الشّكل وضح جليًّا في حواره مع قاضي فاس (Fez)، الذي قابله في البرتغال، ودون ذلك الحوار -الذي لا نعرف درجة مصداقيّته وعمّا كان حقيقي أو مختلق- إذ قال عن نفسه :«... وسألني القاضي: «ماذا تريد من هذا الملك ذلك الذي جعلني انتقل من الشرق للغرب؟» قلت: «إنّنا تعلّمنا فنون الحرب منذ شبابنا، ونحن نستخدم السّيف والرّمح والقوس، ونحن نسير على أمل المساعدة من الربّ، إلى أورشليم حتّى نأخذ أرض إسرائيل من المسلمين إلى يوم الدين ومجيء الخلاص... واندهش القاضي وقال: «تعتقد أنّ الأرض ستعود لكم في هذا الزمان وإذا عادت فهل ستحسنون إلينا؟ ويكون هذا فضلًا منكم علينا!!» وقلت له نعم لسوف نفعل الخير بكم ولكلّ من يحب الخير لإسرائيل... وقلت له نحن ملوك، وأجدادنا كانوا ملوكًا منذ هدم المعبد حتّى يومنا هذا، في فيافي خابور...»[28]

أمّا الصورة الثالثة للنزعة المشيحانيّة في يوميات رآوبيني، وهي أساس مشروعه الذي حاول تنفيذه، فهي مرتبطة بالتعبير الفجائي وبمظاهر العنف الذي قد يأخذ شكل العبث العسكري أحيانًا، وهو هنا يتشابه مع الصهيونيّة، ووضّحت هذه الصورة في باقي حديث المشياح الدجّال رآوبيني  مع قاضي فاس «... سألني القاضي «ماذا ستفعل بكلّ اليهود المنتشرين في ديار الغرب، هل تأتي للغرب لأجلهم، وكيف تتعامل معهم» أجبتُ أنّ الخطوة الأولى أن نأخذ الأرض المقدّسة وما حولها، وقيادات حشودنا تتقدّم بقوّة نحو الغرب والشرق حتى تجمع اليهود من الشتات، والحاكم المسلم الحكيم هو الذي يرعى اليهود ويرسلهم إلى أورشليم...»[29].

 هذه هي الصّور الثلاث للنزعة المشيحانيّة في يوميات رآوبيني، وبطبيعة الحال فإنّ مرجعها هي الحالة التي كان عليها اليهود إبّان فترة محاكم التفتيش من سيطرة مفاهيم العقيدة الاسترجاعيّة والأفكار الألفيّة، والخلاص والفداء، خاصّة بعد أن لعبت القبالة، أو التصوّف اليهودي، دورًا مهمًّا في تطوّر العقل اليهوديّ، وقد كانت كلّ التوغّلات الصوفيّة تدور حول شيءٍ واحدٍ هو التطلّع إلى ظهور الماشيح الّذي سينقذ اليهود شعب الله المختار- من آلامه، ويُملكه العالم.

ومن جهةٍ ثانيةٍ، معروف أنّه يؤخذ من مجمل التفسيرات التلموديّة التي تعود لنصوص التوراة أنّ الماشيح هو إمّا من نسل داود أو من نسل يوسف، وقد قدّم رآوبيني نفسه على أنّه من نسل داود، وإن كان رآوبيني نفى عن نفسه الفكر القبالي في قوله: «... لست حكيمًا ولا قبليًّا...»[30] فهو هنا يؤكّد بصورة أخرى على انتشار الفكر القبالي  بين يهود الغرب الأوروبي بصورة كبيرة وراسخة أي أن الظروف الفكريّة/ اليهوديّة كانت دافعًا لظهور مشروع رآوبيني ودعم اليهود له أملًا في مستقبل السيادة والريادة اليهودية بعد[31]؛ لإقامة دولة اليهود في فلسطين.

لذلك، يمكن تفسير اختلاف صور النزعة المشيحانيّة عند ديفيد رآوبيني في طبيعة الفكر اليهودي الذي كان منتشرًا آنذاك، والذي يعني أنّ مجيء الماشيح يُعتبر تجديدًا للعالم، فلا بدّ أن يسبق مجيئه عودة للفوضى-كما في الصورة الأولى-، وكانت كلّ الآلام والمصائب التي يتحمّلها اليهود آنذاك تُفسّر وتُقبل على أنّها آلام المخاض، التي تسبق مجيء الماشيح. وبعد مجيء المخلّص، وانتهاء فترة المخاض؛ فإنّ العالم الجديد المقبل لن يكون كالعالم الذي يعيشه اليهود، فالسلام سيعمّ العالم الجديد-كما في الصورة الثانية- البكاء والأنين يختفيان من العالم، ولن يكون بعد ذلك شكوى أو احتجاج أو حزن، تُبَاركُ إسرائيل بمجيء الماشيح اليهودي، وينتهي عنها الضغط، وتتبوّأ مركزها العالمي الذي أعدّه الربّ لها. ويتبدّل مصير يسرائيل لدرجة أنّ كثيرًا من الغرباء سيحاولون الانضمام إلى الطائفة، ولكنّه يتوجّب رفضهم؛ لأنّ رغبتهم ينقصها الإخلاص-كما في الصورة الثالثة.

ولعلّ أغرب ما تضمّنته صور النزعة المشيحانيّة عند رآوبيني هي النزعة الأولى التي تضمن محاكمة الأمم، حيث محاكمة أعداء يسرائيل الأرضيين، ولعلّ هذا المعتقد مستوحى من حياة التشتّت التي وصلت مداها الأبعد بعد 1492م، والطرد ثمّ التنصير الجبريّ في الأندلس، وهو ما ولّد حقدًا وكراهيّة لبقيّة الشعوب عند اليهود، وولّدت أمالًا مأساويّة بنهاية العالم لخدمة مصالح اليهود في عالم آخر مادي، أو غير مادي، للانتقام من أمم الأرض التي ناصبت اليهود العداء، بعدما يُجمع منفيي إسرائيل، ويضمّ يهوذا من أطراف الأرض الأربعة. هذه العقيدة أدّت إلى ظهور الأدعياء والدجّالين واحد بعد الأخر، كلّ يدّعي أنّه الماشيح، وكان رآوبيني أحد هؤلاء الدجّالين [32]، وإن لم يعلنها بصورة مباشرة. وهنا يجب التأكيد على أنّ الأفكار المشيحانيّة بقيت مسيطرةً على العقل اليهوديّ وكانت تشتدّ كلّما وقعت حركة اضطهاد لليهود[33].

وفي الصدد نفسه، حوت يوميات رآوبيني أمرًا آخرَ مهمًّا، هو الربط بين التمكين والعودة لصهيون وبين ذنوب اليهود وعودة الماشيح الذي سيأخذهم إلى صهيون، وهو بذلك يؤكّد تطلّعاته المشيحانيّة من زاوية أخرى ولكن بثوب قشيب. وفي هذا الجانب، فسّر حاخامات اليهود تأخّر وصول الماشيح بأنّه ناتج عن الذنوب التي يرتكبها اليهودي، ولذا فإنّ عودته مرهونة بتوبتهم[34]. لذلك؛ حوت اليوميات أمثلة كثيرة تفيد أنّ ديفيد قدّم نفسه لليهود بأنّه منقذهم الذي سيعيدهم إلى أرض الميعاد من ناحية، كما تضمّنت أيضًا مادّة إضافيّة لليهود بضرورة الإقلاع عن الذنوب كي يتيسّر أمر العودة  إلى أورشليم. على سبيل المثال، إنّ أحد يهود غزّة الأثرياء يُدعى الرابي دانيال كان عنده ولد أرعن، لذلك يبغضه اليهود فقال رآوبيني: «... استدعيته ووبّخته فيما بيننا وقلت له، ابتعد عن أساليبهم الفاسدة، قبل أن تضيع أورشليم، وإذا لم يتوبوا سوف يتحمّلون مصيرهم، واقسم على التوبة...»[35].

تكرّرت النصيحة نفسها منه أيضًا ليهود غزّة في رحلة إيّابه قائلًا: «... قلت لهم: بارك فيكم الربّ، انزعوا الكراهية من قلوبكم وعودوا إلى الربّ، انزعوا الكراهية من قلوبكم وعودوا إلى الربّ لعلّه يساعدنا على الخلاص وعلى استرداد دار إسرائيل...»[36]. الأمر نفسه نجده في حديثه ليهود فيتربوا بعد ما مرّ عليهم في طريقه من روما إلى البرتغال، فقد قال عن يهود فيتربو «... وكانت ثمة مشاجرات بينهم وخلافات، وعندما ذهبت عمّ بينهم السلام، بفضل حديثي الطيّب إليهم...»[37]. وفي البرتغال قال: إنّ اليهود فيها «... كانوا يثقون في شخصي وقوّة عقيدتي، كما يؤمن بنو إسرائيل في سيّدنا موسى،، وقلت لهم...جئت حتّى أرشدكم إلى طريق الخير والهداية إلى أرض إسرائيل...»[38] ونجد يوميّاته تضمّ عبارات تفيد المعنى نفسه مثل «... وصنعت السلام بين كلّ المارون في كلّ مكان ذهبت إليه، واستجابوا لكلامي...»[39] أو «... ثقوا في الربّ وافعلوا الخير لذلك اليوم العظيم، يوم الفزع، يوم الرب آت...»[40]. وهكذا أسرف رآوبيني في الرّبط بين الإقلاع من الذنوب والخلاص الذي سيكون على يديه. جريًا وراء تفسيرات الحاخامات والتي طوّعها لخدمة مراده، حالمًا بدولة لليهود في فلسطين بأيّة وسيلة. 

لقد توسّعنا في الحديث عن النزعة المشيحانيّة عند ديفيد رآوبيني؛ لسببين مهمّين:

الأوّل: إنّ النزعة المشيحانية عند ديفيد تقترن بالعودة إلى أرض المعاد أو «الميعاد» في فلسطين، فلا تكون العودة ولمُّ شمل اليهود إلّا على يد الماشيح الذي سيقود اليهود إلى فلسطين أرض المعاد، ويرفع الذلّ والاضطهاد عنهم، ويقضي على أعدائهم، ويقيم دولتهم في فلسطين «أرض الموعد»، ويُمكّنهم من السيطرة على العالم. وهذه الأمور هي لبّ مشروع حملته قيد الدرس.

الثاني: إنّ هذه النزعة عند ديفيد مردّها العقيدة المشيحانيّة نفسها التي قضت إلى وجود يهود المارون الذين يعلنون النصرانية، ويؤدّون طقوسها، ويبطنون اليهودية، وظهور رآوبيني معناه صدق الفكر نفسه والفرحة بالخلاص أيضًا والعودة إلى أرض الآباء.

قصّة القبائل المفقودة كما تضمّنتها اليوميّات: ملامح ودلالات

حين عرّف رآوبيني نفسه في اليوميّات ذكر أنّه ابنًا لملك يدعى سليمان وشقيق أصغر لملك يدعى يوسف يحكم ثلاثين ألفًا من اليهود مِن قبيلة جاد وقبيلة روبين، وجزء من قبيلة منسى في صحراء خيبر في الجزيرة العربية[41]. وطوال اليوميّات لا يُعرّف نفسه إلا مقترنًا بذكر للقبائل [42]، وقد بيّنّا سابقًا بما لا شكّ فيه أنّ ذلك ينتمي إلى عالم الخيال والأسطورة الرومانسيّة، التي تعود جذورها إلى كثير من القصص، التي كانت سائدة في تلك الأيّام عن القبائل العشر وأبناء موسى الذين يعيشون في بلد بعيد ويعيشون حياة الأبطال الشجعان، وربما كان ديفيد متأثّراً جدًّا بالأدب الأسطوري الذي نتج عنه تعبير واضح في قصّة إلداد هاداني، وهلمّ جرًّا.

وتعتمد المخيّلة اليهوديّة في هذه القضيّة أساسًا على ما ورد في التوراة من تدمير الآشوريين للسامرة (مملكة الشمال) وإزالتها من الوجود وتهجير سكّانها أو أغلبهم إلى مناطق في إمبراطوريّتهم. وقد وردت هذه الحادثة أكثر من مرّة في التوراة،[43] بالنصّ التالي «وصعد ملك آشور على تلك الأرض كلّها وصعد إلى السامرة وحاصرها ثلاث سنوات، وفي السنة التاسعة لهوشع استولى ملك آشور على السامرة وجلا إسرائيل إلى أشور وأسكنهم في حلاح وعلى الخابور ونهر جوزان وفي مدن ميديا».  ويعود هذا الاعتقاد إلى زمن موسى عليه السلام حين خرج من مصر ومعه اثنا عشر سبطًا من أسباط اليهود، وهذه الأسباط تنحدر من أولاد يعقوب الاثني عشر: روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا وساخر وزبولون ويوسف وبنيامين ودان ونفتالي وكاذ وأشار. وكان هؤلاء الأخوة (قبل أن يتكاثروا ويشكّل كلّ منهم قبيلة) قد عادوا لمصر ليفتدوا أخاهم بنيامين بعد اتّهامه بسرقة صواع الملك، وحين دخلوا على عزيز مصر - وعرفوا أنه يوسف - طلبوا منه الصفح، فقال لهم ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [44] وهكذا أحضروا أهلهم إلى مصر حيث عاشوا وكثر عددهم ونسب كلّ سبط إلى أحد الأخوة. 

 وبعد زمن اشتدّ عليهم بطش فرعون فهربوا بقيادة موسى عليه السلام ولكنّهم تاهوا في سيناء لمدّة أربعين عامًا -مات خلالها موسى- فقادهم هارون إلى فلسطين. وطبقًا لما تذكره التوراة، فإنّ مملكة سليمان انقسمت بعد وفاته بسبب حرب أهلية إلى قسمين: السامرة في الشمال، ويهودا في الجنوب. وكانت تسكن في يهودا قبيلتان هما يهوذا وبنيامين والقبائل العشر الأخرى سكنت السامرة. وطبقًا للتوراة والحوليات الأشورية، فإنّ الأشوريين قضوا على السامرة في القرن الثامن قبل الميلاد، وأسروا كثيرًا من سكّانها، فأطلق على هؤلاء الأسرى «القبائل العشر الضائعة»[45]. ومنذ ذلك الحدث، يتحدّث اليهود عن «القبائل الشماليّة» كقبائل مفقودة وأسطورة تنتظر الظهور بقيادة الماشيح، الذي سيجمعهم في فلسطين. ومع أنّ هذه القبائل كانت قد اندمجت في الشعوب التي عاشت بينها وأصبحت جزءًا منها وفقدت تميّزها، فإنّ كثيرًا من اليهود حاولوا تقفّي أثرها ولم يفقدوا الأمل في العثور عليها وما زال البحث عنها مستمرًّا إلى اليوم[46]!! وهناك العديد من المصادر التي أشارت إلى وجود هذه القبائل منذ القرن الأوّل للميلاد؛ على سبيل المثال ما قاله فلافيوس يوسيفوس المؤرّخ اليهودي - الذي عاش في القرن الأوّل الميلادي - عن وجود هذه القبائل عبر نهر الفرات «ولا يمكن عدها لكثرتها»[47].

  وفيما بعد يوسفيوس وجد عددًا من المغامرين والمبشّرين والرحّالة والمدّعين من يهود وغير يهود ممّن بحثوا عن هذه القبائل وتقفّوا أثرها وأكّدوا وجودها في مكان، ومؤكّد أنّ ذلك كان دون حسن نيّة لكن ادعاء. فكان من هؤلاء شخص يهودي من القرن التاسع الميلادي اسمه إلداد الداني، وسمّى نفسه الداني نسبة إلى إحدى هذه القبائل وهي «دان»، وهو قد ادّعى أنّ عددًا من هذه القبائل يوجد في منطقة في إثيوبيا، وأنّ لها ملوكًا، وهي في حرب مع جيرانها، وأعطى لها وصفًا مبهرًا لثرائها وعددها. وقد انتشر ادّعاء هذا الشّخص بين اليهود وغير اليهود من الشرق إلى الأندلس[48].  وقد عثر على مؤلّف صغير يُنسب إلى هذا الدجّال يُسمّى «سفر الداد» (كتاب إلداد). وممّا ذكر عن الداد هذا أنّه ظهر في الشرق، وذهب إلى مصر وشمال أفريقيا، ويعتقد أنّه مرّ بالعراق أيضًا، وأنّه كان يتحدّث اللّغة العبريّة فقط. وقد قال عن هذه القبائل إنّ بعضها يعيش قرب الحويلة[49]. ولا يعرف أين تقع هذه الأرض، ولكن اليهود يعتقدون أنّها قرب أثيوبيا أو في منطقة فيها. وقال الداني إنّ ملكًا اسمه اوريل أو أوديل يحكم مملكة الحويلة، وهي في حرب دائمة مع سبع ممالك من جيرانها. وذكر من هذه القبائل جاد ونفتالي وآشر ودان (التي نسب نفسه إليها). وهو يذكر رواية عن هذه القبائل ربّما يكون متفرّدًا بها، إذ يقول إنّ هذه القبائل كانت قد هاجرت ليس بعد الأسر الآشوري، وإنّما هي كانت قد هاجرت بعد وفاة سليمان مباشرة لتتفادى الحرب الأهليّة، التي وقعت بين قبائل بني إسرائيل بعد وفاته. وهو يعطي وصفًا مبهرًا لهذه القبائل من حيث العدد، والحكمة، والقوّة العسكريّة. وتحدّث عن طهارة اللاويين الذين سمّاهم أبناء موسى، الذين يعيشون عبر نهر سمباتيون. ووصف هذا النهر الأسطوري بأنّه نهر لا يجري فيه ماء وإنّما تنهال فيه الرمال، وتتدحرج فيه الصخور الضخمة بدل المياه، وهي تتوقّف عن التدحرج والانهيال يوم السبت، وقال إنّ هذا النهر يغطّيه الغمام وتحيط به النيران[50].

ثم كان من هؤلاء بنيامين التطيلي صاحب الرحلة المعروفة من القرن الثاني عشر، الذي زار عشرات المدن وتحدّث فيها عن الجاليات اليهوديّة، وذكر أنّ بعض هذه القبائل تعيش في إيران وبعضها في الجزيرة العربية، ومع أنّ الرجل لم يلتقِ هذه القبائل ولا شاهدها وأعطى أعذارًا لصعوبة الوصول إليها، فإنّه مع ذلك وصف حالها وذكر رقمًا لمدنها وأسماءَ ملوكها وبحبوحة عيشها، وكأنّه رآها رؤية العين[51]. وكان من الذين أكّدوا على وجود هذه القبائل الفقيه والفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون (ت1204م). وكان قد سُئل مرّة عن وجودهم، فكان جوابه «أمّا بالنسبة إلى سؤالك عن القبائل العشر الضائعة فلا بدّ أن تعلم أنّ وجودها حقيقيٌّ ومؤكّد، وأنّنا نتوقّع وصولها كلّ يوم من الجبال المظلمة ومن نهر جوزان ونهر سمباتيون، حيث هم مختبئون في هذه الأماكن عن الناس»[52].

وفي الصدد نفسه، كان إلياه فيراري سنة 1437م[53] حيث قال في خطابه : «... في الهند اليوم ملك قويّ عظيم، يحكم سبط اليهود فقط،...،  ويعيش أبناء موسى على جزيرة قرب نهر سامبتيون، وتعيش قبيلة المنشا بالقرب من ديارهم. وراء هذا النهر قبائل دان، ونفتالي، وجاد، وآشر،...  وتعيش قبيلة سيمون أقصى الجنوب ولهم ملوكهم، أمّا قبائل زبولون، ورآوبين يعيشون على ضفاف الفرات، والأولى تعيش على هذه الضفّة، والأخرى عند طرف النهر. وهم أصحاب مشناة وتلمود. لغتهم العبرية والعربية،  وقبيلة إفرايم جنوب بابليون، هم شعب محارب، يعيشون على الغنائم ولغتهم العبرية...»[54]

ثمّ كان صاحب الدراسة، الدجال رآوبيني؛ وهو أيضًا نسب نفسه إلى قبيلة ضائعة هي «رآوبيني» وادّعى أنّه من هذه القبائل التي تعيش في مكان ما في الجزيرة العربية، وأنّ عدد أفرادها يصل إلى مئات الآلاف، وأن أخاه يوسف هو الملك عليها، وأنّ لها جيشًا يصل تعداده إلى 300 ألف شخص، وهو نفسه قائده، وهي في حروب مع جيرانها[55].

هذا الأمر المتعلّق بالقبائل، والذي له تاريخه عند اليهود، وبه تتعلّق آمالهم، أسرف الدجّال رآوبيني كثيرًا في تناول خبره، ولم يترك مناسبة تمرّ دون التأكيد عليه، وهذا يرجع في جانب منه إلى التأكيد على ظهور المخلّص متمثّلًا في شخصه؛ لأنّ المخلّص هو من سيجمع المنفيين من الشتات، وهو هنا يحدّث اليهود دون غيرهم، وفي جانب آخر يحدث الغرب أنّ أعدادَ اليهود كافية للتحالف معهم من ناحية، ويمكن الاعتماد عليهم، إذا ما وجدوا الدعم، للوقوف في وجه العثمانيين العدو المشترك بين اليهود ونصارى الغرب، والذي امتدّت توسعاته في أسيا وأوروبا وأفريقيا.

ومن أمثلة ذكر رآوبيني  خبر القبائل في يوميّاته، ما ذكره حين هرب من سودان وادي النيل متّجهًا لمصر، إذ ذكر أنّه بينما كان يستريح على حدود مصر قبل الإبحار في النيل للوصول للقاهرة؛ جاء لمقابلته وفدًا من خمسة شباب ممثِّلين لقبيلتين من قبائل اليهود غير الثلاثة الذين يحكمهم أخوه ملك اليهود المزعوم[56]. ثم زاد الأمر في حديث رآوبيني  مع قاضي فاس-والذي لا نعلم صدق روايته- وهو الحوار الذي يوضّح أمانيّ ديفيد، حيث قال للقاضي : «... نحن ملوك وأجدادنا كانوا ملوكاً منذ هدم المعبد حتى يومنا هذا، في فيافي خابور، نحن نسيطر على قبائل رآوبيني وقبائل جاد ونصف من قبيلة منسى، في فيافي خابور، وهناك تسعة قبائل وجزء من قبيلة في أرض إثيوبيا أعلى مملكة شيبا (Sheba)، وهم يسكنون ما بين النهرين الأزرق والأسود.... وأعدادهم مثلنا...ونرتبط معهم بوشائج قويّة...»[57].

ولعلّ حديث ديفيد -المكذوب- غرضه تذكرة اليهود بالأيّام الخوالي لأسلافهم، ويؤكّد أنّ قبائلهم الضائعة لم تعد ضائعة، فكلّها في المشرق وعلى اتّصال ببعضها، وتنتظر من يوحّد صفوفها، كي تستحوذ على أرض أورشليم وتبني المعبد وتقدّم الأضاحي، وتسود العالم. وقد دعم هذا الإفك برواية ثانيةٍ، وهو لا يزال بالبرتغال وزعم أنّه قدم إليه رسول من قبائل اليهود الموجودة بالصحراء المغربية!! بغرض التعاون لتحقيق الحلم اليهودي، ويقول رآوبيني بأنّه عرّف نفسه للرسول قائلًا : «... إنّني من بريّة خابور، وهناك ثلاثون ألفًا، زاد الله أعدادهم، هم أبناء رآوبيني وجاد ومن قبيلة منسى، والملك يوسف شقيقي ملكهم، وأنا سيّد هذا الحشد، بالإضافة إلى القبائل التسعة، وغيرها من القبائل التي توجد في أرض السودان في إثيوبيا، في أربعة أماكن، ويوجد أبناء موسى في موضع آخر، حيث يعيشون على ضفاف نهر سمباتيون، بالإضافة إلى قبيلتي شمعون وبنيامين يعيشون على رأس نهر النيل والنيل الأبيض وراءها هؤلاء يقطنون بين نهرين، وراء مملكة شيبا. هذه القبائل ترسل لنا رجالهم ونرسل لهم رجالنا، وينقلون لنا أخبار من حولهم في أرض السود القريبة من موطنهم، وبلدنا بعيد عنهم لأنّنا في جهة الشرق...»[58]. ولعلّ هذا النصّ الذي اقتبسناه بنصّه من اليوميات يُغنينا عن شرح عشرات الصفحات فيما يخصّ تأكيد رآوبيني لليهود بقرب تحقّق أمانيهم، ووعد الرب، وخلاصهم،... وغير ذلك من الأمور التي كانت قبل ذلك أضغاث أحلام وأماني يتمنّاها اليهود!!. 

وجدير بالذكر أنّ قول رآوبيني إنّهم يحكمون قبائل «جاد ورآوبيني ونصف قبيلة منسى» دون غيرهم، له سبب توراتي يؤمن به اليهود، وملخّص ذلك أنّه بعد انتهاء الحرب مع سيحون وعوج طلب سبط جاد وسبط رآوبيني ونصف من سبط منسى أن يكون نصيبهم في امتلاك الأرض في شرقي الأردن؛ لأنّ مواشيهم كانت كثيرة، وكانت الأرض صالحة لرعاية المواشي. فأجابهم موسى إلى طلبهم على شرط أن يساعدوا أخوتهم باقي الأسباط في افتتاح أرض كنعان[59]. وبعد أن عادوا إلى نصيبهم في شرقي الأردن أقاموا مذبحًا للدلالة على العهد الذي قطع بينهم وبين بقية أسباط إسرائيل[60] وفي أيّام شاول حارب سبط رآوبيني  الهاجريين وغلبوهم وسكنوا مكانهم[61].

 إذًا، فاختياره الأسباط الثلاثة دون غيرهم قد يؤدّي إلى تصديق اليهود له بسبب المكان الذي كان يعيش فيه الأسباط من ناحية، ووجود الأسباط الثلاثة في مكان ما بالقرب من الجزيرة العربية من ناحية أخرى، وعلى ذلك كان الرجل عبقريًّا في ادّعائه. كما كان قارئًا جيّدًا للتوراة وحاول الاستفادة من قراءته !!

رايات القبائل اليهودية ومغزاها

وفي الصدد نفسه، ربط ديفيد رآوبيني  بين شتات القبائل وبين رايات لها تجمعها، وتسير خلفها، وقد بيّن ذلك عند حديثه مع ملك البرتغال بعد صدور أمر طرده من بلاد ملك البرتغال والاتجاه لروما ثانية. فقال إنّ الملك سأله: «... عن الرايات التي أحملها، وقال إنّه معجبٌ بها، وسألني عن فائدتها، وأجبته بأنّها رمز بيني وبين قبائلنا، وأرفعها عندما تسير الجيوش...»[62]وحين سألته الملكة زوجة ملك البرتغال حنا الثالث عن الرايات أيضًا قال لها : «... الرايات تدلّ على وجودي...»[63]. ووصف الرايات وذكر أنّ كلّ من شاهدها أعجب بها «... وبجمال الصنعة اليدويّة، منها واحدة مطرّزة بخيوط الذهب والحرير الأبيض، وحول الراية زخارف عرضها قرابة إصبع، وفي وسط الراية الثانية مساحة مرسوم عليها أسدين كبيرين يمسكان بلوحة تمسك بشيء في أيديها، والصورة في مجملها من الذهب، ومكتوب عليها وصيّتين من الوصايا العشر في مربّعين، وحول الراية من الجهتين آيات من سفر التثنية من البداية حتى النهاية، بالإضافة إلى بعض المزامير، والراية الثانية من الحرير الأخضر، وكلّ زخارفها من الفضّة، مثل الراية الأخرى من الذهب، وخمس رايات أخرى من الحرير...»[64]. وهكذا نجد أنّ حديثه عن القبائل وراياتها أمر متوازٍ ومتلازم وله وقت محدّد، هو الحرب، التي سوف تشتعل للسيطرة على فلسطين، وهو مشروع مهمّته.

ويبدو أنّ البحث عمّا يُسمّى بالقبائل الضائعة وتهويدها سوف يستمرّ ولا يتوقّف[65]. وهذا النشاط ليس جديدًا، وإنّما كان قد بدأ منذ زمن بعيد وهو جزء من المشروع الصهيوني. وفي رأينا أنّ هذا النّشاط اليهوديّ المستمرّ عبر الأزمنة بخصوص تهويد غير اليهود والبحث في الشعوب الأخرى عن أصلهم اليهودي المزعوم.. هذا نشاطٌ سوف لا يوقفه شيءٌ؛ لأنّه مدفوع بهدف استراتيجيّ، وهو الإحساس بالضعف الديموغرافي، وهو هاجس يؤرّق اليهود على مرّ العصور، كما يُؤرّق الكيان  الصهيوني في فلسطين المحتلّة ويخيفه وهو كذلك يقلق اليهود بصورةٍ عامّة. وربّما هدف هذا التخطيط البعيد الأمد ليس فقط لملء فلسطين التاريخيّة بالمهاجرين الصهاينة ومنع إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، ولكن لخلق بؤرٍ من هذه المجموعات في أنحاء العالم تكون سندًا للكيان الصهيوني وظهيرًا له في عالم متغيّر ومضطرب. خاصّة إذا عرفنا أنّ بعض هذه المجموعات أقامت كيانًا خاصًّا بها مثل قبائل منسى في الهند[66].

البداية والنهاية لمشروع التحالف اليهودي – النصراني :محاولات كسب الدعم للحملة اليهودية

 تمّت الإشارة سابقًا إلى أنّنا لا نعرف بالضبط في أيّ عامٍ ولد ديفيد رآوبيني، إلّا أنّنا نعرف تاريخ أوّل ظهور له في أوروبا. وكان ذلك في سنة 1523م، ثمّ ظهر ديفيد رآوبيني في البندقيّة، واتّجه إلى يهود البندقيّة الّذين توسّطوا له كي يقابله البابا، حتّى يتمكّن من شرح مهمّته والتعريف بمشروع حملته، ولتقديم اقتراحاتٍ مهمّة لخدمة التطلّعات اليهوديّة والنصرانيّة أيضًا، وقد أيّده العديد من اليهود أصحاب المقام الرفيع حتّى وقف أمام البابا.

  وكان وصول رآوبيني لعرض محاولة التحالف اليهودي/  النصراني المشترك على البابا كليمنت السابع في شهر آذار سنة 1524 حيث وصل إلى روما، وكان يمتطي جوادًا أبيض، وحظي بالقبول من قبل الكاردينال إيجيديو دي فيتربو. وبفضل توصية من الكاردينال حظي ديفيد رآوبيني بالوقوف بين يدي البابا كليمنت السابع. والذي يريد منه الدّعم بأيّة طريقة حتى يتمكّن من تقديم مخطّطه إلى حكّام المسيحيّة أصحاب المكانة آنذاك.

 وقد وصف ديفيد رآوبيني هذا الاجتماع بالبابا قائلًا:

«... وقلت له: إنّ الملك يوسف[67]، ومعه الشيوخ الكبار، أمروني أن أتحدّث إليك، وأن توقّع سلامًا بين الإمبراطور وملك الفرنجة بكلّ الوسائل، وأنَّه سيكون الأفضل لك ولهما أن تصنع هذا السلام، اكتب لي رسالةً أحملها إلى هذين الملكين، ولسوف يقدّمون لنا المساعدة، ومِن ثَمَّ سوف نساعدهم، واكتب لي رسالة إلى الملك بريستر جون أعني ملك الأحباش». أجابني البابا: «أمَّا عن الملكيين المعنيين أن أصنع سلامًا بينهما، لا أستطيع أن أفعل هذا، ولكن إذا أردت مساعدة ملك البرتغال، فلسوف أكتب له، ولسوف يفعل كلّ جهده، وبلاده قريبة من بلدك وهم معتادون على السفر باستخدام البحر الكبير كلّ عام، أكثر من هؤلاء الذين هم في بلد الملوك الآخرين»، وأجبت البابا: «إنّني على استعداد أن أفعل كلّ ما تريده، ولن أحيد قيد أُنملة عن الذي تأمرني به، أنا جئت في خدمة الرب، وليس لهدف آخر، ولسوف أصلي لأجل الرفاهيّة والخير ما دمت على قيد الحياة».

 هذا النصّ الذي اقتبسناه من رآوبيني كاملًا، والذي يُبيّن فيه سبب توجّهه للبابويّة وقوى الغرب، يتضمّن، على الرغم من اختصاره، نقاطًا غايةً في الأهميّة لعلّ أوّلها: هي محاولة الاستفادة من الخلافات الأوربية -الأوربية لصالح الجماعات اليهوديّة، في قوله «تصنع سلامًا بين الإمبراطور وملك الفرنجة» قاصدًا بذلك الصراع الطويل بين الإمبراطور شارل الخامس إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدّسة، والملك فرنسوا الأوّل ملك فرنسا.

ولعلّ من المفيد أن نوضّح أمر الخلاف بين الملكين الذي حاول رآوبيني العزف على وتره للاستفادة منه في تحقيق آماله. ففي الوقت الذي توجّهت فيه الدولة العثمانية لضمّ أراضي سلطنة المماليك في مصر والشام والحجاز، وكذلك ضمّ بعض بلاد شمال أفريقيا تحت لوائها؛ لتعزيز سيادتها في إفريقيا وآسيا بعد أوروبا. شهدت الدول الأوربية خلال النصف الأوّل من القرن 16م أوضاعًا غير مستقرّة، في نواحي عدّة، نتيجة التحوّلات الجذريّة التي شهدتها القارّة الأوروبيّة حينئذٍ، وكان أبرز هذه التحوّلات سعي كلّ دولة لبناء كيان سياسيٍّ وإقليميٍّ خاصٍّ بها على حساب الدول المجاورة لها. ونتج عن ذلك تغيّر الحدود السياسيّة بين الحين والآخر، وهو الأمر الذي تنامى بعد دخول فرنسا حربًا مع الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة في النصف الأوّل من القرن السادس عشر، وقد صاحب ذلك تطوّرات سياسيّة ودبلوماسيّة تراوحت بين المواثيق والمعاهدات تارةً والصّراعات والحروب تارة أخرى[68]. وتألّبت القارّة الأوروبيّة على فرنسا بعدما وقفت وحدها بقيادة فرانسوا الأوّل في وجه شارل الخامس[69]. وترتّب على هذا الحال الملبّد بالغيوم، أنّ تزايد الخطر العثماني على أوروبا، الذي تجسّد في طموحات السلطان سليمان القانوني (1520-1566م) التوسعيّة صوب غرب أوروبا، مستفيدًا من تناحر الدول الأوربيّة فيما بينها إلى مستوًى مكّنه من توقيع أوّل معاهدة امتيازات عثمانيّة في تاريخ العلاقات النصرانية–الإسلامية مع فرنسا، بعد أن حاول ملكها فرنسوا الأوّل كسر التحالف ضدّه وإنقاذ سمعته وعرشه، الأمر الذي أقلق أوروبا وفي مقدّمتها البابويّة من الخطر العثماني على مصالحها الاقتصادية ووحدتها الدينيّة واستقرارها السياسيّ على السواء[70].

وسبب الصراع بين الإمبراطور وملك فرنسا يرجع إلى عام 1515م، وهو العام الذي ورث فيه شارل ممالك قشتالة وأرغون ونافالا ونابولي وصقلية ومملكة هولندا، بعد وفاة أبيه فيليب الجميل في العام المذكور، وبذلك صارت فرنسا محاصرة بين ممتلكات شارل الواسعة، ومن عجائب القدر أنّه تولّى عرش فرنسا في العام نفسه الذي كان فيه لفرنسوا الأوّل طموحٌ، وكان شغله الشاغل أن تكون له صلاحيّات مطلقة كسابقيه من ملوك فرنسا، فأعدّ حملةً كبيرةً للاستيلاء على إقليم ميلان الإيطالي؛ لذلك نشبت الحرب بينه وبين شارل الذي تمّ انتخابه في تلك الظروف إمبراطورًا  للإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة على غير مراد فرنسوا الأوّل[71].

ونجح شارل في ضمّ إنجلترا إلى جبهته ضدّ فرنسا رغم تجديد فرنسوا معاهدة لندن مع الملك الإنجليزي هنري الثامن، الذي لم يكن مستعدًّا للبقاء على الحياد؛ لذلك اشتعلت أوروبا بسبب صراع الملك والإمبراطور[72]؛ لذلك حين طلب رآوبيني من البابا التوفيق بينهما لمصلحة الحملة المقترحة أجاب البابا: «أمّا عن الملكين المعنيين أن أصنع سلامًا بينهما، لا استطيع أن أفعل هذا». هذا في الوقت الذي قامت الدولة العثمانية بشنّ حملاتها العسكريّة نحو الممتلكات الأوروبيّة على حساب الجميع، فبدأ سليمان القانوني بجزيرة رودس، تلك الجزيرة التي لم تسعفها الاستحكامات التي وضعها الملك فرنسوا الأوّل؛ لدرء الخطر العثماني في الحادي والعشرين من آذار عام 1521م، بعدما صرف جلّ جهده في الجهات الأوروبية؛ لصدّ هجمات التحالف الإمبراطوري الذين احتلّوا ميلان وتورناي في تشرين الثاني1521م[73]. ثمّ هزيمة فرنسوا أيضًا من حلف الإمبراطور في معركة بيكوك (Bicoque) في 27 نيسان 1522م، وتعاقب الهزائم على الحدود الشماليّة لفرنسا، وأصبحت الأوضاع كارثيّة على فرنسا وتهديد أمن باريس العاصمة نفسها، بعد مهاجمة الإنجليز والجيش الإمبراطوري بيكارديا والاستيلاء على كثير من المواقع الفرنسيّة وعبورهم نهر السوم (Some)[74]. هذه الحروب كانت ذائعة الصيت في العالمين الإسلامي والأوروبي؛ لذا حاول رآوبيني الاستفادة من ذلك الوضع لصالح اليهود، أي أنّه أدرك إمكانيّة الاستفادة من التطلّعات العسكريّة لأوروبا نحو الشرق ومن الصراعات الداخلية فيها.

لكن ما يثير الدهشة هو موقف البابا من وباء الحرب بين الملكين المتصارعين، إذ نجده على الرغم من أنّ أوروبا كانت على شفا هاوية، إلّا أنّ البابا أبلغ رآوبيني أنّه لا يستطيع سوى الوقوف موقف المشاهد للأحداث؛ حتى يستطيع أحد الطرفين حسم الصراع لصالحه. ولعلّ الموقف البابوي يثير كثيرًا من علامات الاستفهام.. أتراه يشجع طرف على آخر في الخفاء؟ أم إنّه لا يملك قوّة عسكريّة وروحيّة لها جدواها في المعترك الدائر؟ أم إنّ البابويّة نفسها كانت راغبة في استمرار الوضع كارهة لحاجة في نفسها، يمكن تفسيرها في ضوء ما كان هناك في تلك الحقبة من تنافس وصدام بين السلطتين الدينية والزمنية؟

في واقع الأمر، كان الكرسي البابوي وقت أن وصل رآوبيني إلى روما، قد آل إلى الكاردينال جيل دي مديتشي (Gills de medici) ولقّب بالبابا كلمنت السابع (ClementVII)، والذي كان دبلوماسيًّا بارعًا ذا ثقافةٍ عميقةٍ وتجاربَ واسعةٍ، لذلك سعى إلى إبعاد البابويّة عن تأثير العاهلين المتصارعين، حسبما تقضي الاستفادة البابويّة، لذا نراه في وقت صديقًا للإمبراطور، وبعد فترة وجيزة ينبذ تحالفه مع الإمبراطور شارل وينضمّ إلى جانب الملك الفرنسي[75]، محاولًا وضع نفسه منذ البداية موضع الزعامة الروحية والسياسية، أمّا عن الزعامة الروحية فلا سبيل إلى الشكّ فيها أو النيل منها، وأمّا عن الزعامة السياسيّة فقد حاول الوساطة بين الطرفين عند معركة بافيا 1524م؛ طمعًا في تحقيق مكانةٍ سياسيّةٍ على حساب العاهلين؛ إلّا أنّه فشل في تحقيق هدفه، فعقد تحالفًا سريًّا مع البنادقة والملك الفرنسي فرانسوا الأوّل[76]، بعدما ضمن لنفسه السيادة على الملك الفرنسي إذا ما تمّ له الأمر، وبذلك تعود السلطة الروحيّة أعلى مكانة من السلطة الزمنية، وقد أكّد له الملك الفرنسي ذلك قائلًا: «... في حالة عدم القيام بذلك، فإنّ من حقّ البابا عدم تصديقه، واحترامه كملك وكذلك كمسيحي...»[77]؛ لذلك سارع البابا بإنهاء تحالفه مع الإمبراطور بعد هزيمة الأخير من ملك فرنسا في موقعة ميلان 1524م؛ لأنّ البابا هو الحاكم المطلق على كلّ إيطاليا الوسطى ويتصرّف بأموال الكنيسة بصفته رئيسًا لبيت مديتشي، وكان البابا يدرك أنّ المتصارعين كلّ منهما يحاول جذب البابا لصفّه لتقوية موقفه، وفي هذا الصدد فشلت كلّ محاولات شارل في إحراز أيّ تقدّم. إذ إنّ البابا يريد سموّ السلطة الروحيّة وهو الأمر الذي لم يسمح به شارل ممثّل السلطة الزمنيّة[78].

وجاءت الفرصة سانحة للبابا لكسب زعامة سياسية سنة 1524م أثناء معركة بافيا والحملة الفرنسية على إيطاليا، فسعى البابا في إقامة صلح بين الإمبراطور والملك لوقف حالة الحرب، وإقناع الإمبراطور بالواقع الإيطالي الجديد بعد سيادة الملك على دوقيّة ميلان، وبأن واجبه الديني كرئيس للكنيسة الكاثوليكية، وخليفة للقديس بطرس ونائب المسيح، ومصالحه السياسية والاقتصادية تلزمه بالعمل على إيقاف الصراع، غير أنّ شروط الصّلح التي وضعها البابا، والتي كانت تصبّ في مصلحته الخاصّة، وتعلوا من زعامته السياسية على حساب المتصارعين، أدّت إلى رفض الجانبين الفرنسي والإمبراطوري شروط الصّلح التي اعتبرها كلّ طرف غير ملائمة لهيبته وطموحاته[79]

هذه هي الأسباب الحقيقية الكامنة وراء اعتذار البابا لديفيد رآوبيني بعدم قدرته على إقامة سلام أو صلحٍ بينهما؛ لأنّ هذا الصلح قد يُؤدّي لسيطرة السلطة الزمنيّة على السلطة الروحية، وهو الجرح الذي لم يندمل بين البابويّة والملوك حتى نهاية القرن السادس عشر على الأقل، بعدما تحوّل الجرح إلى نزيف مستمرٍّ بين القوتين على السيادة العالميّة.

لا شكّ أنّ هذه الأمور كلّها يعلمها رآوبيني جيّدًا، ويعلم أنّ البابا يسعى إلى تعزيز سلطته الدنيوية بكلّ الطرق؛ لكن دون جدوى بسبب قوّة السلطة الزمنية آنذاك. ولعلّ البعض يتساءل هنا: أنّه طالما الأمور تجري هكذا ويعلمها رآوبيني... فلما طلب ديفيد من البابا صنع سلام بين الملكين؟ ألا يعدّ ذلك نوعًا من السذاجة !!

وممّا سبق نرى أنّ هذه الدعوة من قبل رآوبيني للبابا بتوقيع سلام، على الرغم من تيقّنه بعجز البابا عن ذلك؛ هذه الدعوة فيها نوع من خبث «شيطان مقدّس» ذلك أنّ ديفيد يعلم مراد البابا الحقيقي، وأنّ تعزيز سلطته في نظر نصارى الغرب لن يأتيَ إلّا بتسيير حملة صليبيّة (على حدّ تعبير ديفيد) تحت زعامة البابا وهو السلاح الذي استخدمته البابويّة منذ أوربان الثاني حين دعا للحملة الصليبية الأولى 1095م، إذ يبدو أنّ البابا كليمنت السابع عاودته الأحلام الاستيطانيّة الاسترجاعيّة، وكان يتصوّر أنّ بإمكانه دعم طريق الكنيسة مرّة أخرى واستعادة شيء من نفوذها عن طريق تجريد حملة صليبيّة، ولكنّ البابا كليمنت عاجزٌ عن مثل هذا الأمر؛ لذلك قدّم «الشيطان المقدّس» أو الدجّال ديفيد رآوبيني حملته اليهوديّة على أنّها تفي بهذا الغرض، وعلى ذلك سعى للحصول على منافع لليهود من وراء الخلافات داخل العالم الغربي. مع العلم أنّ البابا كان ينظر لليهود في دولتهم المقترحة أنهم مجرد مادّة بشريّة تُوظّف لصالح الغرب، أي على أنّهم مجرّد موضوع أو وسيلة لا قيمة لها في حدّ ذاتها.

وإذا كان اليهود مجرّد وسيلة من نظر البابا، لكن من منظور اليهود هم وسيلة مهمّة تُوظّف في إطارٍ كونيٍّ أو تاريخيٍّ ضخم بسبب مركزية الشعب اليهودي، ولذلك فإنّ اليهود تقبّلوا الرؤية الحلوليّة الكمونيّة اليهوديّة، وأنّ كثيرًا منهم قبلوا الرؤية النفعيّة، وأصبح من المألوف أن تمتزج الرؤية الحلولية بالرؤية الماديّة النفعيّة، وثمرة هذا المزج هو النظر إلى فلسطين باعتبارها أرض الميعاد بالنسبة لليهود من ناحية، وباعتبارها موقعًا ذا أهميّةٍ اقتصاديّةٍ واستراتيجيّةٍ بالغة للبابا والغرب الأوروبي من ناحية ثانية، ومن ناحية ثالثة، ينظر رآوبيني  لذلك الأمر باعتباره اليهود شعبًا مختارًا يقف في مركز الكون، حجر الزاوية في عمليّة الخلاص. أمّا الغرب فعنده اليهود إذا ما دعمهم لإقامة دولتهم المقترحة هم مادّة استيطانيّة تخدم الحضارة الغربية. أي أن اليهود هنا هم أداة الإله الطيّعة، وهم في الوقت نفسه العميل المطيع للحضارة الغربية.

ماهيّة الحملة اليهودية

لعلّ أهم ما في مشروع التحالف اليهودي - النصراني الأوروبي، هو أنّ هذه هي أوّل مرّة يرحّب فيها دعاة المشروع الصليبي بأن يكون المشروع اليهودي بديلًا، وتقبل فيها المؤسّسة الكنسيّة الغربيّة استخدام المادّة البشريّة اليهوديّة المقاتلة بدلًا من الماّدة المسيحيّة. حيث تركت الحروب الصليبيّة تأثيرًا عميقًا في إدراك الوجدان الغربي لفلسطين أو العرب، فأصبحت فلسطين الأرض المقدّسة التي لا بدّ أن تسترجع ليوطّن فيها عنصر مسيحيّ غربي، وأصبح العرب (أهل فلسطين) هم الغرباء الذين يجب استبعادهم. وعلى أيّة حال، فقد أصبحت هذه الصيغة هي الصيغة التي تمّت علمنتها فيما بعد لتصبح الصهيونية. 

وهنا لا بدّ أن نعرج على نقطة أخرى، وهي ماهيّة الحملة اليهوديّة، التي عن طريقها سوف تقام دولة اليهود في فلسطين، والتي يسعى ديفيد إلى التجهيز والإعداد والدعوة لها في الغرب الأوروبي، والتي قدّمها للبابا على أنّها بديلٌ للحملة الصليبيّة، التي لا يستطيع البابا الدعوة إليها بسبب التطاحن الدائر في غرب أوروبا، وبالخصوص بين شارل وفرنسوا، وقوة السلطة الزمنية. ليس هذا فحسب، بل إنّ البابوية لم يعد لها المكانة الروحية المعهودة نفسها، لدرجة جعلت الجنود إبّان الحرب بين شارل وفرانسوا لحيازة ميلانو وجمهورية بيزا، أن قام الجنود اللاندسكينشت بقيادة الجنرال جورج فون فروندسبيرغ، وهي القوّات التي تتّبع شارل الخامس، بنهب روما مقرّ البابوية عام 1527م، واجتاحت القوّات الجرمانيّة المدينة ونهبتها تمامًا مدمّرة كلّ ما يمكن تدميره واضطرّ البابا للتحصّن في قلعته خوفًا من أن يلحقه أذًى، وعرفت هذه الحادثة بنهب روما، والتي أثارت السخط والاستهجان-الظاهري- بين كثير من الأوروبيين. وذراً للرماد في العيون، أدان شارل هذه الأعمال من جنوده مبرّرًا حدوثها بأنّهم تصرّفوا دون إشراف قائدهم الذي اضطرّ للعودة إلى ألمانيا لأسباب صحيّة. ولا يستبعد أن يكون الأمر تمّ بإيعازٍ من شارل نفسه بعد علمه بالمراسلات السريّة بين البابا والملك الفرنسي[80].

هكذا تدهورت مكانة البابويّة لدرجة مهاجمة الجنود المقرّ البابوي ونهبه، فكيف سيتمكّن البابا من دعوة الجنود أنفسهم للقيام بحملة صليبية تهدف لتعزيز سلطته وعلوّ مكانته؟ كان ديفيد يعلم أنّ البابا كليمنت السابع ليس ساذجًا على الإطلاق ولديه طموح يودّ به أن يصل بالكرسي البابوي إلى المكانة نفسها التي كان عليها  أسلافه ممّن جلسوا على كرسيّ بطرس الرسول؛ لذلك لمّح له ديفيد بإمكانيّة مساعدة اليهود للبابا في ذلك إذا ما تمّ دعمهم. وعمل ديفيد على كسب ودّ البابا بكلّ الطرق، حيث ذكر «... وقلت للبابا:«أحبّ أن أحضر في مقامك مرّة كلّ يومين، ذلك لأنّه عندما أرى وجهك كأنّي أرى وجه الرب...» وقال للبابا أيضًا: «... لا اعتمد على أحد غير الرب، وقداستكم، وأنا في خدمتك طوال حياتي... وكلّ أبناء شعبي يميلون إليك...»؛ لأنّ رآوبيني يعلم أنّ البابويّة أيًّا كانت موقفها فهي حجر الزاوية في أيّ قرار يؤخذ داخل العالم الغربي، ومن أجل كسب ودّها تُحسب الحسابات. وموضوع إقامة دولة لليهود في فلسطين بدعم أوروبيّ لا بدّ أن يكون بموافقة بل وحماس البابويّة.

وقبل أن نتحدّث عن صورة الدعم البابوي والأوروبي الذي يريده رآوبيني من أجل إنجاز مشروع التحالف اليهودي-الغربي؛ بهدف إقامة دولة لليهود في فلسطين، يجدر بنا أن نشير أوّلًا إلى تركيز ديفيد رآوبيني  في حديثه على الأهميّة العسكرية لليهود؛ إذ إنّ اليهود ركن أساس في مشروع التحالف اليهودي-الغربي، ويمكن الاعتماد على اليهود في الحرب ضدّ الدولة العثمانيّة ووقف خطرها، كما أن اليهود في أوروبا يمثّلون عبئًا، ولا يكلّون أو يملّون في تدبير المؤامرات التي تؤدّي إلى اضطرابات، فإذا ما تمّ دعم اليهود سوف يتمّ ترحيلهم وصرفهم إلى محاربة الدولة العثمانية وهو ما يعود بالنفع على الدول الغربية التي تعاني حربًا ضروسًا من قبل السلطان سليمان القانوني من ناحية، وتعاني خطر يهود المارون على المسيحيّة من ناحية أخرى. وفي هذا الصدد أكّد رآوبيني للبابا، وفي كلّ مناسبة غالبًا، أنّ أخاه ملك اليهود لديه ثلاثمئة ألف جندي مدرّبين على الحرب، ولكنّهم لسوء الحظ ينقصهم السلاح، لذا طلب من البابا تزويدهم بما ينقصهم؛ حتى يمكنهم طرد العثمانيين من فلسطين[81].

وكلّما تحدّث عن موضع جاء فيه ذكر لليهود لا بدّ أن يربطه بكثرة عدد اليهود وشجاعتهم[82]، وإذا تحدّث عن أيّ يهوديّ بصيغة المفرد نجده يقول عنه «رجل قويّ وشجاع»[83] أو «أشدّ قوّة من غيره»[84] وكذلك «وكانوا شجعانًا»[85]. وفي الواقع فإنّ تقريظه لقوّة اليهود العسكريّة كثير، وَقَلَّ أن تجد عنده خبرًا يرتبط بوجود يهوديّ في موضع دون الإشارة إلى الفائدة العسكريّة لليهود، والتي يمكن الاعتماد عليها قائلًا مثلًا:«... إنّنا تعلّمنا فنون الحرب منذ شبابنا...»[86]، وكلّما مرّ ببلد به جماعة من اليهود يقول عنهم: «...ويوجد بين المارون رجال أقوياء ومحاربون وحكماء، وصنّاع أسلحة، وقد رأيتهم أقوياء وأفضل من كلّ اليهود الذين قابلتهم من قبل...»[87]. ووظّف الأمر نفسه على شخصه مشيرًا في مواضع متعدّدة من اليوميات قائلًا: «... وأنّني رجل حربٍ منذ شبابي حتى اليوم...»[88]. وجدير بالذكر أنّ التنبيه على الفائدة العسكريّة لليهود أمام الغرب الأوروبي المتطلّع نحو الشرق مرجعه أن ديفيد يقدّم الجماعات اليهوديّة على أنّها الحلّ السياسيّ الواقعيّ لمسألة فلسطين من ناحية، وللمسألة اليهودية من ناحية أخرى. أي أنّه يقول للبابا امنحونا سلطة على قطعة من الأرض في هذا العالم [غير الغربي] تكفي حاجاتنا القوميّة المشروعة، ونحن سنعمل ما يتبقّى!

على أيّة حال، إن كان البابا قد قال لديفيد إنّه لن يستطيع تنفيذ أوّل أمر، وهو الخاصّ بالتوفيق بين الملكين، فإنّه في الوقت نفسه أرشده لمن في استطاعته مساعدته فقال البابا لديفيد: «... وإذا كنت بحاجة إلى مساعدة، فإنّ ملك البرتغال سيمدّها إيّاك، وسأكتب له، وسوف يفعل كلّ شيء، وأرضه قريبة جدًّا إلى أرضك، وطريق البحر العظيم على بعد خطوات للذهاب إليه كلّ سنة، أكثر من الملوك الآخرين الذين ذكرتهم...».

وفي واقع الأمر، فإنّ البابا كليمنت السابع كان يتمتّع ببعد نظر في هذا الصدد، وكيف لا وهو في بؤرة الصّراع بين الإمبراطور والملك يقاتل من أجل تعزيز مكانته؟ لقد اعتقد البابا أنّ ملك البرتغال قد يساعد رآوبيني ومخطّطه أكثر من الملكين شارل وفرانسوا، وكان محقًّا في ذلك، إذ إنّ المأساة العظيمة لديفيد وكذلك شولومو مولكو جاءت لهما من الإمبراطور[89] -كما سيأتي-.

والجدير بالذكر هنا، أنّه على الرغم من أنّ البابا وعد بإعطاء ديفيد رآوبيني رسائل توصية إلى ملك البرتغال، إلّا أنّه لم يعطها له إلّا بعد عام من وصوله روما[90]. ولا يمكن تفسير ذلك إلّا في ضوء وعي كليمنت السابع، الذي لم يكن سهلًا على الإطلاق، والذي اعتبر مشروع التحالف اليهودي-الغربي جيّدًا جدًا في تنفيذ السياسات الغربية البعيدة، لذلك أبقى ديفيد في ضيافته حتى يحسب حساباته بدقّة[91]؛ لأنّ اليهود إذا أُتيحت لهم الفرصة واحتلّوا فلسطين بدعم أوروبيّ، سيصبح اليهود بالتبعيّة تابعًا إمبرياليًّا للغرب، يؤكّد ذلك البعد أنّه على الرغم من لقاء البابا لديفيد بحرارة، إلّا أنّه رغم ذلك لم يصادق على كلامه بنسبة مئة في المئة وذلك في خطابات التوصية التي التزم بها في النهاية لديفيد رآوبيني، وكتبها من بين أمور أخرى لملك البرتغال[92]. إذا، إنّ أهمّ المنافع التي يمكن الحصول عليها للطرفين أنّها ستُحوِّل المادّة البشريّة اليهوديّة إلى عملاء للدولة الغربيّة مانحة السيادة، ويأخذ هذا أشكالاً كثيرة: فبالنسبة لليهود الاستيطانيين: يمكن حلّ المسألة الشرقيّة والمسألة اليهوديّة في آنٍ واحد. وسوف يكون لهذا الحلّ تأثيرٌ في العالم الغربي بأسره، ويكون ذلك بأن يُقام في فلسطين حائط لحماية أوروبا وآسيا، أي ستكون دولة اليهود بفلسطين دولة وظيفيّة تكون بمنزلة حصن منيع لأوروبا في وجه الدولة العثمانية بالخصوص. ويتوجّب على اليهود البقاء على اتصال مع أوروبا التي ستضمن وجودهم بالمقابل.

كما أنّ رآوبيني في يوميّاته قد لمّح إلى أنّ نَقْل الشعب العضويّ المنبوذ هو الحلّ المطروح، مبيّنًا منافع الحلّ اليهوديّ المطروح. فبالنسبة للدولة الراعية، ستكون الهجرة هجرة فقراٍء وحسب، ولذا فإنّها لن تؤثّر على اقتصادها. كما أنّ الخروج سيتمّ تدريجيًّا، دون أيٍّ تعكيرٍ، وستستمرّ الهجرة من ذلك البلد حسب رغبة ذلك البلد في التخلّص من اليهود. كما أنّه يُذكّر بشيءٍ من التفصيل الثمن الذي سيدفعه اليهود، الدور الذي سيلعبونه والوظيفة التي سيؤدّونها، ومدى نفعهم للراعي الاستعماري الذي سيضع المشروع اليهودي موضع التنفيذ.

كلّ هذه الأمور كانت تدور في ذهن البابا؛ لذلك كتب البابا لملك البرتغال عن المشروع اليهودي-النصراني المقترح: «... هذه الأشياء (التي قال لنا ديفيد رآوبيني)، نحن بعيدون كلّ البعد عن هذه الأماكن، لم نكن نعرف من قصّة ديفيد هذه، تمامًا ما كانت عليه، ومن ناحية أخرى لم نكن نريد إلغاء الأشياء تمامًا، لذلك قرّرنا أن نرسله إلى سعادتكم، حيث لديك الكثير من النّاس الذين يسافرون بشكل متكرّر إلى هذه الأماكن ويزورون تلك المناطق، ومنهم يمكنك أن تعرف كلّ هذا بقدر أكبر من اليقين...».[93] هكذا، طلب البابا، أوّلا وقبل كلّ شيء، التحقّق من كلمات ديفيد رآوبيني، وإذا كانت كلماته صحيحة، فقط يجب على ملك البرتغال أن يساعده من أجل تحقيق مشروع التحالف اليهودي -النصراني.

أخذ ديفيد رسائل التوصية المكتوبة له من البابا متوجّهًا إلى ملك البرتغال، وحظي بترحاب جمّ من قبل الملك البرتغالي، حتى عيّن له سكرتيرًا لتسجيل نفقاته وعامله على أنّه سفير ملك اليهود، وهنا نلاحظ أنّ ظهور ديفيد في أراضي مملكة البرتغال أدّى إلى تجمّع العديد من المارون الذين آمنوا به وبرسالته حوله، ومن الناحية النفسية، سهّل أن نفهم أنّ المارون حافظوا بتفانٍ على الشرارة اليهوديّة التي لم تنطفئ وعرفوا كيف يُقدّروا قيمة الخلاص الذي جاء به ديفيد رآوبيني. ففي كلّ تلك السنوات كانوا يتطلّعون إلى الخلاص والتخلّص من المعاناة من محاكم التفتيش ومآسي التظاهر بأنّهم مسيحيون[94]. ولكن هذه المكانة الكبيرة التي بلغها ديفيد وسط يهود البرتغال، أدّت إلى تشكّك ملك البرتغال في طبيعة مهمّة رآوبيني، عمّا إذا كان يعمل على إعادة المارون إلى اليهوديّة أم أنّه بالفعل جاء لينجز مشروع تحالف يهودي -أوروبي ضدّ المسلمين؟ إلّا أّن قلّةَ المعلومات لدى ملك البرتغال عن مملكة اليهود -المزعومة- في المشرق، جعلت ملك البرتغال يتريث في حكمه على رآوبيني، حتّى يتسنّى له التأكّد من جديّة حديث ديفيد؛ لأنّ مشروع مخطّطه إذا صحّ ما يحويه من معلومات، فهو مخطّط جيّدٌ لا يمكن التضحية به لما سوف يحرزه من نتائج لصالح الغرب الأوروبي ضدّ الدولة العثمانيّة[95].

 وكان ديفيد حين وقف أمام ملك البرتغال جون الثالث[96] وشرح له مهمّته، الّتي ذكرها له البابا أيضًا في خطاب التوصية بالبحث والتقصّي عن جديّة المعلومات، وطلب منه أيضًا تزويده بالسلاح الناري، وصنّاعه «... حتى ينتقلوا إلى بلادنا يصنعون الأسلحة ويعلّمون جندنا...»[97]. حتى يتمّ تحقيق مشروع التحالف اليهودي- الغربي. ويشير رآوبيني إلى ردّ فعل ملك البرتغال على ذلك فقال: «... وكان الملك شديد السرور بكلامي، وسرّ قلبه، وقال: «إنّ الأمر متروكٌ للربّ، إنّني أرغب أن أفعل هذا، إنّني أرى أنّ الأمر حسن العاقبة، وكذلك في عيون جميع السادة الآخرين...»[98].  وفي سياق غير متّصل، وبعد استطراد في غير محلّه، يكمل ديفيد موقف ملك البرتغال من مشروع التحالف قائلًا: «... ووعدني الملك أن يُقدّم لي في شهر نيسان ثماني سفن محمّلة بأربعة آلاف قطعة سلاح نادرة ما بين الصغيرة والكبيرة...»[99].

ومثلما أبقى البابا على ديفيد مدّة سنة في روما حتّى يتأكّد من صحّة قوله، فعل الملك جون الثالث الأمر نفسه، حيث مكث ديفيد في البرتغال، مدّة عام إلّا أيام معدودة، حاول ملك البرتغال خلال هذه المدّة التأكّد من صدق روايات رآوبيني، ولكن دون جدوى. وحدث خلال فترة بحث الملك عن الأصل الذي يستند إليه ديفيد في حديثه، أن وقعت بعض الأمور التي جعلت الملك جون الثالث يتشكّك في الدافع الحقيقي لمهمّة ديفيد، ولعلّ أهمّ هذه الأمور هو عودة كثير من المارون إلى اليهوديّة ثانية، حتى إنّ ديو جو بيريس، وهو يهودي من المارون، تلقّى تعليمًا علمانيًّا وعُيّن سكرتيرًا لملك البرتغال، حين قابل ديفيد رآوبيني في لشبونة تملّكه الحماس وتختّن وأعلن يهوديّته، وسمّى نفسه مولكو، فنصحه ديفيد بضرورة الهروب حتّى لا يتعرّض للحرق على يد محاكم التفتيش[100]، وعندما علم ملك البرتغال بالأمر تزايد قلقه في طبيعة مهمّة ديفيد وأخذ قراره بطرد ديفيد رآوبيني من البرتغال، فاستدعاه الملك: «... وخاطبني قائلًا: «إنّ مسؤولياتي كثيرة، ولسوف أعجز على أن أوفّر لك سفينة تحملك إلى الشرق، سواء هذا العام أو العام المقبل، وإذا كنت ترغب في الرحيل إلى بلدك ارحل في سلام، لسوف أعطيك إذن الخروج، وسوف أباركك وأشكرك على هذه الأيّام الّتي قضّيتها هنا لخدمتي ومساعدتي اذهب إلى الإمبراطور، إذا شئت، وقصّ عليه، أو إذا رغبت العودة إلى روما أو فاس (fez) اختر ما تريده...»[101].

حين سمع ديفيد هذا الكلام من الملك استشاط غضبًا وقال: «...وكنت في هذا الوقت ساخطًا حتى الموت من قول الملك، ورددت على ملك البرتغال ردًّا خشنًا، وقلت إنّك وعدتني بالسفن، ولسوف يكون هذا في شهر نيسان إذن لماذا تغيّر رأيك. إنّني لا أرغب في الذهاب إلى الإمبراطور الآن، ولا أريد الرحيل إلى فاس، ولكن أرغب في الذهاب إلى روما، حيث البابا، وقال الملك «أمامك ثمانية أيام تفكّر فيها...». وهكذا فشل رآوبيني في تحقيق الحلم اليهودي –الذي كان منتظرًا- بمساعدة ملك البرتغال، وأخذ طريقه في العودة إلى روما ثانية. وتشير اليوميات إلى سوء المعاملة التي لقيها ديفيد طوال الطريق حتّى روما من قبل رجال ملك البرتغال[102]. على عكس ما أُتبع معه حين كان قادمًا للبرتغال[103].

وفي الواقع، لا تمدّنا اليوميّات بأيّ شيء عمّا إذا كان ديفيد استطاع أن يقابل البابا ثانية بعد طرده من البرتغال أم لا ؟ ولكنّه لم يفقد الأمل في تحقيق حلم اليهود، ففي روما تقابل مع سكرتير ملك البرتغال الهارب شولومو مولكو الذي عاد لليهوديّة وهرب فارًّا بنفسه، واستطاعا الذهاب معًا إلى الإمبراطور شارل الخامس؛ من أجل اقناعه بخطّتهم لتنظيم وتسليح المارون وتعبئة جيش كبير منهم للحرب ضدّ العثمانيين والاستيلاء منهم على فلسطين من أجل اليهود، ولكن نظرًا لانشغال إمبراطور الإمبراطورية الرومانيّة المقدّسة بأمور عظمى على رأسها الخطر الفرنسي والخطر العثماني من الخارج والخطر البروتستانتي من الداخل، وعلمه بالقوّة العثمانيّة العتيدة التي تجتاح العالم شرقًا وغربًا ولا يستطيع أحد الوقوف في وجهها، وأن حديث الدجّالين رآوبيني  ومولكو بشأن الوقوف في فوهة البركان العثماني مجرّد هراءٍ؛ لذلك لم يكن عند الإمبراطور متسع من الوقت، فقبض عليهما وأمر بنفيهما مقيدين إلى مدينة مانتو في إيطاليا؛ حتّى يقدموا إلى محاكم التفتيش، فحكمت بحرق مولكو بتهمة الارتداد عن المسيحيّة، ونفذت فيه حكم الإعدام، ووضع ديفيد رآوبيني  في السجن ومات مسمومًا[104]..

خاتمة

1. نلحظ أنّ يوميات ديفيد في أوروبا نادرًا ما تضمّنت بُعدًا سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا لمجتمع غرب أوروبا، خلا بعض الإشارات البسيطة عن أنشطة المارون، وكانت معظم الأخبار الواردة في اليوميات فيما يخصّ أوروبا تدور في فلك مخطّطه للدولة اليهوديّة.

2. ربّما أهمّ الأمور التي يُمكن الخروج بها من مشروع التحالف اليهودي- النصراني، يتمثّل في كونه حلّا صهيونيًّا للمسألة اليهوديّة، فرغم استفادة رآوبيني من التطلّعات المشيحانيّة لدى اليهود وإيمانهم بالخلاص والفداء.. إلّا أّنه لم يقل إنّه نبي أو ماشيح؛ بل حاول أن يُقدّم برنامجًا سياسيًّا واقعيًّا عمليًّا.

3. تبيّن أنّ الحلّ الصهيونيّ ومشروع التحالف اليهودي – النصراني الأوروبي للمغامر ديفيد رآوبيني متماثلان، فكلاهما مبنيٌّ على التحالف بين الجماعات اليهوديّة والغرب؛ لتهجير اليهود وإعادة توطينهم في الشرق، وبذلك تتخلّص أوروبا منهم، وفي الوقت نفسه تفتح أجزاء من العالم المتخلّف للنفوذ الغربي.

4. إنّ اهتمام الغرب بمخطّط رآوبيني راجع إلى تشابهه مع المشروع الصليبي الذي احتلّ الأرض العربيّة من 1095-1291م فمن ناحية، كان المخطّطان الفرنجي القديم 1095م والفرنجي الحديث 1522م (مخطط رآوبيني ) يهدفان إلى حلّ بعض مشاكل المجتمع الغربي وتخفيف حدّة تناقضاته.

5. على الرغم من فشل محاولة وجود دولة لليهود في فلسطين؛ إلّا أنّنا يجب أن نعلم أنّ هذه كانت أوّل محاولةٍ لإقامة دولة لليهود في فلسطين، وعلى الرغم من فشل المحاولة إلّا أنّه ممّا لا شكّ فيه أنّها كانت الأساس الذي قامت عليه الدعوات اليهوديّة فيما بعد، ولا ننسى أنّ عمليّة التحديث في الغرب متلازمةٌ تمامًا مع العمليّة الاستعماريّة، ولا يُمكن فصل الواحدة عن الأخرى.

6. من الأمور المهمّة، أنّ رآوبيني في مشروعه ربّما حاول الاستفادة من الخطوط العريضة الّتي قامت عليها دولة الاحتلال الصليبي في المنطقة نفسها تقريبًا 1099-1291م إذ إنّ المشروعين الفرنجي ومخطّط رآوبيني مشروعان استعماريّان من النوع الاستيطاني الإحلالي. فالمشروع الفرنجي كان يهدف إلى تكوين جيوب بشريّة غربيّة، وممالك فرنجيّة تدين بالولاء الكامل للعالم الغربي. ولذا، لم تأتِ الجيوش وحسب، وإنّما أتى معها العنصر البشري الغربي المسيحي ليحلّ محلّ العنصر البشري العربي الإسلامي.

7. يمكن القول إنّ مخطّطات اليهود قديمًا وحديثًا كانت مثل دويلات الفرنجة التي احتلّت الساحل الشامي في العصور الوسطى، وفي الوقت نفسه تشابهت معهما في تلك النقطة الدولة الصهيونية، كما أنّ كلّ مخطّط منهم قام على ترساناتٍ عسكريّةٍ تكون دائمًا في حالة تأهّبٍ للدفاع عن النفس وللتوسّع كلّما سنحت لها الفرصة.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

الكتاب المقدّس (طبعة القدس)

بنيامين التطيلي، رحلة بنيامين التطيلي، ترجمة عزرا حداد، ط1، المجمع الثقافي (أبو ظبي)، 2002م.

عبدالوهاب المسيري: اليهود واليهودية والصهيونية: الموسوعة الموجزة، دار الشروق (القاهرة) 2003م.

المصادر والمراجع الأجنبية

Armstrong، Edward.، The emperor Charles V، vol 1.، martins، London،1910.

ELIJAH of FERRARA 1434، (ed) Adler،in J T، (London) 1930،pp.150- 156

DAVID REUBENI، Itinerary of DAVID REUBENI1522-1525A D، in J.T. (ed) Adler (London) 1930،pp.251- 328.

De Caravlho،Vaxo،. La Domination portugaise Al’ Maroc،Lisbonne، 1936.

Doucet،Roger.، Etude sur le Gouvernement de francais 1er  Dans ses rapports avec le parlement de paris (1515-1525) vol 1،paris،1912.

Duffy، James.، Pottuguese Africa، London، 1959.

E. A LIVINGSTONE ،. The Concise Oxford Dictionary of the Christian Church. Date: 2000.

Elias Lipiner، O Sapateiro de Trancoso e o Alfaiate de Setْbal، Rio de Janeiro 1993.

E.N.،Adler. Jewish Travellers، (London) 1930.

. E.، Avichail، The Tribes of Israel، U.S.A 1989.

Grant،A.J.، the French monarchy (1483-1789) paris 1931،vol 1.

G.،Shalom،.(ed.) Hebrew and the Bible in America،(London)1971.

אהרון זאב אסקולי، סיפורו של דוד הראובני: על פי כתב היד באוקספורד، מוסד .ביאליק: ירושלים 1993עמ '133

Jacqueton،G.، La politique exterleure de lauise de savoie lirelations Diplomatique De la franceet De langletrre pendant la captivit de francois Ler،paris، 1892.

Jewish Encyclopedia. New York Reubeni.

John C. Olin، Desiderius Erasmus، «Six essays on Erasmus and a translation of Erasmus› letter to Carondelet، 1523« Fordham Univ Press، 1979.

Larousse،Grand.، encyciopediqa، T.5، paris 1962.

Mignet، par.، Rivalite francois 1er et Charles V،paris، 1875،vol 1.

Palffy، Geza.، The impact of the ottoman Rule on Hungary، Hungary studies،V: 28،nos: 1- 2،2001.

S. Hillelson، »David Reubeni، an early visitor to Sennar»، Sudanese Notes and Records،1933،pp.55- 66.

Ursu.J، la politique orientale de francoise 1er 1515- 1547، paris،1908.

Zvi Ben-Dor Benite.، The ten lost Tribes،Oxford university press،2002، F.،Josephose،. Jewish Antiquities،X1،( London)،1920.

------------------------------------


[1] (DAVID REUBENI، Itinerary of DAVID REUBENI1522-1525A D، in J.T. (ed) Adler (London) 1930،pp.251-328.

[2] سيقمار هيللسون، هو عالم لغويّ يهوديّ مولود في 12/ 8/ 1883م في برلين بألمانيا، ونال الجنسية البريطانية 1908م ودرس العربية والفرنسية بجامعة لندن وتلقّى دراساته العليا في كليّة باليول بجامعة أكسفورد العريقة والتحق بعد ذلك بخدمة حكومة السودان في عام 1911م وظلّ بها حتّى عام 1933م حيث  شغل عدّة مناصب في مصلحة التعليم وقلم المخابرات والسلك الإداري، كتب مقال في « مجلة السودان في مذكّرات ومدوّنات» عام 1933م وتحدّث فيه عن رآوبيني وذكر أنّه أوّل يهوديّ تطأ قدمه أرض السودان منذ دخول الإسلام.

  See: S. Hillelson، »David Reubeni، an early visitor to Sennar»، Sudanese Notes and Records،1933،pp.55-66.

[3] Hillelson، »David Reubeni،p.55.

[4] DAVID REUBENI، Itinerary،p.251.

[5] DAVID REUBENI، Itinerary،p.272.

[6] Duffy، James.، Pottuguese Africa، London، 1959،pp.24، 54-76،81; ) De Caravlho،Vaxo،. La Domination portugaise Al’ Maroc،Lisbonne،1936،p.15.

[7] DAVID REUBENI، Itinerary،p.273.

[8] DAVID REUBENI، Itinerary،p.273.

[9] سيأتي تفصيل ذلك  وانظر:  DAVID REUBENI، Itinerary،p272.

[10] وقد حفظ صهاينة اليوم الجميل لابن جلدتهم ديفيد رآوبيني  الذي يعدّ أوّل من فكّر في إيجاد حلٍّ يُنهي به مسألة تلذّذ اليهود صبراً باضطهاد الأوربيين لهم والتعوّد على ذلك الاضطهاد، وتبريره بالامتحان الإلهي حتى يجيء الزمن الموعود؛ زمن إقامة الهيكل من جديد،الأمر الذي جعل لهم خصوصيّة نفسيّة أيضاً عزّزتها تفاعلات العزلة الذاتية والعزلة المفروضة من الخارج!؛ لذلك لم ينس صهاينة اليوم الذين احتلّوا الأراضي الفلسطينية فضل ديفيد رآوبيني  في تحقيق ذلك الحلم وأقاموا له أحد الشوارع الرئيسة في منطقة الوزارات الصهيونية في القدس المحتلّة يحمل اسمه تخليدًا لذكراه وعمله. وعن ذلك ينظر: خريطة منطقة الوزارات للكيان الصهيوني بالقدس المحتلة على جوجل.

[11] DAVID REUBENI، Itinerary،pp.251-157.

[12] DAVID REUBENI، Itinerary،pp.266-268.

[13] DAVID REUBENI، Itinerary،p.272.

[14] DAVID REUBENI، Itinerary،pp. -277-280.

[15] DAVID REUBENI، Itinerary،p.288.

[16] DAVID REUBENI، Itinerary،p.304.

[17] DAVID REUBENI، Itinerary،p. 328.

[18] Jewish Encyclopedia، Reubeni.

[19] The Concise Oxford Dictionary of the Christian Church. Date: 2000. Author: E. A. LIVINGSTONE

[20] سفر التثنية: 3، 5 :30؛ صمويل الثاني 6/  8؛ عوبديا 21/ 1؛زكريا : 9/ 10؛ أيضًا ينظر:

Vocabulaire de Théologie Biblique. Publié sous la direction de Xavier Léon-Dufour Douzième édition. Les Eddition du CERF «Messie، déclaqué de l›hébreu et de l›araméen، et Christ، transcrit du grec، signifient tous deux (Oint). P. 608 .

[21]DAVID REUBENI، Itinerary،pp.251.

[22] DAVID REUBENI، Itinerary،pp.271.

[23] DAVID REUBENI، Itinerary،pp.288.

[24] DAVID REUBENI، Itinerary،pp.271.

[25] DAVID REUBENI، Itinerary،pp.292.

[26] DAVID REUBENI، Itinerary،pp.288.

[27] DAVID REUBENI، Itinerary،p.259.

[28] DAVID REUBENI، Itinerary،p.292.

[29] DAVID REUBENI، Itinerary،p.292.

[30] DAVID REUBENI، Itinerary،p.292.

[31] جدير بالذكر، أنه ظهر بين أعضاء الجماعات اليهودية عدد من المشحاء الدجالين بنفس فكر الدجال رآوبيني ومنهم من سبقه مثل : بركوخبا، وأبي عيسى الأصفهاني، ويودغان، وداود الرائي. ومنهم من ظهر بعده مثل شبتاي تسفي وجوزيف فرانك.

[32] ونلاحظ أن مشروع رآوبيني يتشابه بشكل كبير مع مشروع الدجال الذي سبقه  أبو عيسى يعقوب ابن إسحاق الأصفهاني الذي بدأ مشروعه في أصفهان وابتدأ دعوته في زمن أخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد 742-750م وقال : إن عودة فلسطين لليهود لن تتم إلا بالقتال، وأعد جيشًا قوامة عشرة آلاف مقاتل من اليهود، وقد عاشت حركته فترة من الزمن في عهد الخليفة أبي العباس السفاح، إلا أن الخليفة المنصور قضى علي هذه الحركة وهزم جيش اليهود وفر أبو عيسى إلى الشمال، وهكذا نلحظ التشابه بين فكر ديفيد والأصفهاني  إذ أدعيا أن فلسطين لن تعود إلى اليهود إلا بالقتال هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى يتبين أن الحل العسكري كان ماثل أمام أعين اليهود دائمًا وفي انتظار فرصة لاقتناصها. ينظر : المسيري: اليهود واليهودية: الموسوعة الموجزة، المجلد الثاني ص104.

[33] على سبيل المثال حين وقعت حوادث الاضطهاد في بولونيا 1648م، قيل عنها أنها بشير لليهود بقرب مجيء الماشيح ؛ لذلك ظهر أشهر مدعي المشيحانية شابتاي زيوي. ينظر عنه : المسيري : اليهود واليهودية: الموسوعة الموجزة،  مجلد2ص112

[34] المسيري، الموسوعة الموجزة،ج2ص105

[35] DAVID REUBENI، Itinerary،p.266.

[36] DAVID REUBENI، Itinerary،pp.266-267.

[37] DAVID REUBENI، Itinerary،p.280.

[38] DAVID REUBENI، Itinerary،p.288.

[39] DAVID REUBENI، Itinerary،p.278، 280،281.

[40] DAVID REUBENI، Itinerary، p.266، 267.

[41] DAVID REUBENI، Itinerary، p.251.

[42] ينظر على سبيل المثال تعريفه بنفسه ليهود غزة،  ونفس الأمر مع يهود الإسكندرية، وما قاله لقنصل البنادقة بالإسكندرية، والتعريف بنفسه ليهود البندقية،  وحديثه مع قاضي فاس بالبرتغال في نص اليوميات. 

[43] منها على سبيل المثال ما جاء في سفر الملوك الثاني 17: 5-6.

[44] سورة يوسف الآية :88.

[45] T.،Parfitt،. The LostT tribes of Israel،p23.

[46] Zvi Ben-Dor Benite.، The ten lost Tribes،Oxford university press،2002،pp.57-62.

[47] F.،Josephose،. Jewish Antiquities،X1، 1.

[48] E.N.،Adler. Jewish Travellers، pp.7 ff.

[49] ورد ذكر الاسم في سفر التكوين2-11 على أنها أرض الذهب وحجر الجزع والمُقل.

[50] E.N.،Adler. Jewish Travellers، pp.7 ff.

[51] بنيامين التطيلي: رحلة ص 314-317.

[52] G.،Shalom،.(ed.) Hebrew and the Bible in America،p94.

[53] وإلياه فيرارى طبيب ورجل ديني يهودي إيطالي، وكل ما نعرفه عنه مأخوذ من نص خطابه،وقد جاء في الخطاب أن إلياه فيرارى قرر الذهاب للقدس حين صار شيخاً طاعناً في السن،حيث غادر مدينة فيرارى الإيطالية أرض المولد والنشأة ؛ ليقوم برحلة فيما وراء البحار سنة 1437م / 841ه،متوجهاً خلالها إلى فلسطين عبر مصر،وذلك في صحبة من أهلة،وسافروا جميعهم عبر البحار والقفار في رحلة شاقة،مات خلاله رفاقه،ولكن إلياه فيرارى استطاع أن يصل القدس،وعاش فيها حين من الدهر،ونظراً لمكانته العلمية عهد إليه رؤساء طائفة اليهود بالقدس مهام التدريس والتوجيه الديني والفتوى مقابل أجر مادي. وقد ترك لنا بطريق غير مباشر صورة جيدة ومعلومات مهمة عن الوجود اليهودي في القدس في النصف الأول من القرن الخامس عشر الميلادي،جاء ذلك في خطاباته التي وجهها لزوجته وأولاده الذين تركهم في موطنه إيطاليا حين عزم على الرحيل للقدس. والجدير بالذكر أن خطاب إلياه فيراري  منشور في موسوعة ألكن إدلر تحت عنوان : ELIJAH of FERRARA 1434، (ed) Adler،in J T، (London) 1930،pp.150-156.

[54] ELIJAH of FERRARA،p.154-155.

[55] كما ظهر رحّالة يهوديّ في القرن السابع عشر اسمه ليفي مونتزينوس ادّعى أنّه التقى بأفراد من هذه القبائل في أميركا اللاتينية، وسمعهم يقرأون الصلاة اليهودية «الشمع» بالعبرية، وقد أقسم على ذلك أمام محكمة دينية يهودية في هولندا. وفي هذا القرن نفسه ظهرت شائعات بظهور مئات الآلاف من أفراد هذه القبائل عندما ادّعى شبتاي صبي أنّه المسيح المخلّص، حيث تبعه كثير من اليهود من اليمن إلى بولندا وقد أشيع أن هذه القبائل قد حاصرت مكّة وتطالب السلطان العثماني بإعطاء فلسطين لليهود لفكّ الحصار عنها. وقد صدّق الكثير من الناس هذه الإشاعات إلى حدّ أنّ بعض المسلمين لم يذهبوا إلى مكّة في تلك السنة لأداء الحج. E.، Avichail، The Tribes of Israel،pp144-145 وكان المبشرون قد توافدوا على العالم الجديد بعد اكتشافه ليس فقط للتبشير، ولكن أيضًا للبحث عن القبائل الضائعة ولم يتردّد بعض هؤلاء في التأكيد على أن السكان الأصليين هم من القبائل الضائعة، وأخذوا يقارنون بين العادات والتقاليد والسلوك والطقوس عند هؤلاء وما عند اليهود بل حتى في اللغة. وأخذوا يذكرون بعض المفردات على أنّها من اللّغة العبرية بل إنّ أحد هؤلاء نشر كتابًا من عدّة أجزاء يؤكّد فيه أنّ السكّان الأصليين في أميركا هم من القبائل الضائعة. وفي القرن الثامن عشر أعلن الرحّالة الأسكتلندي جيمس بروس الذي ذهب لاكتشاف منابع النيل أنّه عثر على مجموعة من القبائل في إثيوبيا لها تقاليد وممارسات يهوديّة يطلق عليهم الفلاشا فاعتقد اليهود أنّ هؤلاء من القبائل الضائعة وتابعوا هذه الأخبار وتقفوا آثار الفلاشا وبحثوا عنهم واتصلوا بهم وتوج عملهم بتهجيرهم إلى إسرائيل في القرن العشرين كما هو معروف. وفي القرنين التاسع عشر والعشرين، أخذ بعض المبشّرين يكتبون عن القبائل الضائعة ووجودها في الصين وأفغانستان والهند وغيرها. K. Primark، Jews in Places you Never Thought of،p.11 وكان اليهود على علم بهذه التقارير لذلك أنشأت مجموعة من الشخصيات الصهيونية المعروفة لجنة عند ظهور إسرائيل، رأسها اسحق بن زفي - رئيس دولة إسرائيل لاحقا - وهدف اللجنة كما ذكر مؤسّسوها هو جلب هؤلاء إلى إسرائيل حيث جاء في نصّ أهدافها: «والآن مع إنشاء دولة إسرائيل يكون من واجبنا النبيل أن نجلب هؤلاء الإخوة المبعدين والمنفصلين ونرجعهم إلينا وعلينا تزويد هذه القبائل بالتربية والمعرفة الدينية ومساعدتها على الهجرة إلى إسرائيل».. ومعروف أنّ في الكنيست اليوم لجنة خاصّة تهتمّ بهذا الأمر وأنّ هذه اللجنة، كما يذكر مؤلف الكتاب، قد ناقشت في السنين الأخيرة جلب مجموعة من الهند - من منطقة ميزورام - يسمون بني منسا، إلى إسرائيل. وأعلنت الحكومة أنّها ستجلب بعض الآلاف منهم هذه السنة. ويقدر عدد هؤلاء بأكثر من مليوني شخص، كما جلب مئات من هؤلاء من البيرو أيضًا على أنّهم من هذه القبائل. I.Ben Zvi، The Exiled and the Redeemedpp.234-235 وهناك اليوم أكثر من منظمة غير حكومية تبحث عن هذه القبائل وتقوم بنشاطات واسعة وجدية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بالتعاون مع الدولة في تهيئة هؤلاء للهجرة إليها.

Zvi Ben-Dor.، The ten lost Tribes،pp.57-62.

[56] DAVID REUBENI، Itinerary،p.256.

[57] DAVID REUBENI، Itinerary،p.293-294.

[58] DAVID REUBENI، Itinerary،p.293.

[59] سفر عد 32.

[60] سفر يش 22: 1-34.

[61] 1 أخبار 5: 10، 18، 22.

[62] DAVID REUBENI، Itinerary،p.306.

[63] DAVID REUBENI، Itinerary،p.309، 307.

[64] DAVID REUBENI، Itinerary،p.308.

[65] يؤكد ذلك أنه هناك اليوم معهد باسم معهد بن زفي في الجامعة العبرية بفلسطين المحتلة هدفه القيام بهذا النشاط.

[66] I.Ben ZviT،he Exiled and the Redeemedpp.234-235; E.، Avichail، The Tribes of Israel،pp144-155.

[67] إيماءه إلى أخيه ملك اليهود المزعوم.

[68] عن ذلك بالتفصيل يراجع  دراسة :

Jacqueton،G.، La politique exterleure de lauise de savoie lirelations Diplomatique De la franceet De langletrre pendant la captivit de francois Ler،paris، 1892،pp.28-29.

[69]Palffy، Geza. ،The impact of the ottoman Rule on Hungary، Hungary studies،V: 28،nos: 1-2،2001، pp.110-111.

[70] Doucet،Roger.، Etude sur le Gouvernement de francais 1er  Dans ses rapports avec le parlement de paris (1515-1525) vol 1،paris،1912،p.239.

[71] Armstrong، Edward.، The emperor Charles V، vol 1.، martins، London،1910،p.20.

[72] Ursu.J، la politique orientale de francoise 1er 1515-1547، paris،1908،p.18.

[73] Ursu، la politique،p. 18-19.

[74]ينظر ذلك بالتفصيل عند:

  Mignet، par.، Rivalite francois 1er et Charles V،paris، 1875،vol 1،pp. 120-122.

[75] Grant،A.J.، the French monarchy (1483-1789) paris 1931،vol 1،p.181.

[76] Larousse،Grand.، encyciopediqa، T.5، paris 1962،p.244.

[77] ursu، la politique،p.3.

[78]Grant، the French،p. 182.

[79] Larousse، encyciopediqa،p.243; Grant، the French،pp. 182-183.

[80] Grant، the French،p. 182.

[81] DAVID REUBENI، Itinerary،p.272.

[82] DAVID REUBENI، Itinerary،p.278.

[83] DAVID REUBENI، Itinerary،p.280.

[84] DAVID REUBENI، Itinerary،p.282.

[85] DAVID REUBENI، Itinerary،p.286.

[86] DAVID REUBENI، Itinerary،p.290.

[87] DAVID REUBENI، Itinerary،pp.292،295.

[88] DAVID REUBENI، Itinerary،pp.292-293.

[89] see Jewish Encyclopedia، vi. 598b، s.v. Inquisition، also ةvora.

[90] DAVID REUBENI، Itinerary،p.

[91]  See: article incorporates text from a publication now in the public domain: Singer، Isidore; et al.، eds. (1901–1906). »Reubeni، David«. Jewish Encyclopedia. New York: Funk & Wagnalls Company.

[92] אהרון זאב אסקולי، סיפורו של דוד הראובני: על פי כתב היד באוקספורד، מוסד ביאליקירושלים 1993עמ '133

[93] אהרון זאב אסקולי، סיפורו של דוד הראובני: על פי כתב היד באוקספורד، '133: اكتشف هذا الخطاب صمويل شوارتز في أرشيف « توري دي تومبو» بالبرتغال، ونشره البرفسور أس يهودا في الترجمة العبرية. وانظر نشرة إشكولي، وكذلك  Elias Lipiner، O Sapateiro de Trancoso e o Alfaiate de Setْbal، Rio de Janeiro 1993، pp. 319–320. والتمس الفرصة هنا وأتقدم بالشكر الجزيل للصديق العزيز محمد كمال، العميد بقسم اللّغة العبرية بكلية الآداب جامعة المنوفية على اقتطاع جزء من وقته، بين الحين والأخر؛ لمساعدتي في ترجمة بعض الخطابات المكتوبة باللغة العبرية.

[94] see Jewish Encyclopedia، vi. 598b، s.v. Inquisition، also ةvora.

[95] אהרון זאב אסקולי، סיפורו של דוד הראובני: על פי כתב היד באוקספורד، עמ '-137 133.

[96] للمزيد عنه يراجع :

  John C. Olin، Desiderius Erasmus، «Six essays on Erasmus and a translation of Erasmus› letter to Carondelet، 1523» Fordham Univ Press، 1979 ، p.47.

[97] DAVID REUBENI، Itinerary،p.291.

[98] DAVID REUBENI، Itinerary،p291-292.

[99] DAVID REUBENI، Itinerary،p.304.

[100] DAVID REUBENI، Itinerary،pp.303-304.

[101] DAVID REUBENI، Itinerary،p.304.

[102] DAVID REUBENI، Itinerary،p.306-308.

[103] DAVID REUBENI، Itinerary،pp.279-284.

[104] Jewish Encyclopedia، Reubeni.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف