البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

December / 6 / 2020  |  916رجل الاستشراق، مسارات اللغة العربية في فرنسا

جهاد سعد المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية ربيع 2020 م / 1441 هـ
رجل الاستشراق، مسارات اللغة العربية في فرنسا

نناقش في هذا العدد كتاب دانيال ريغ ( Daniel Reig) «رجل الاستشراق اللّغة العربيّة في فرنسا منذ القرن التاسع عشر»، هذا هو العنوان الأصلي كما ورد على موقع الناشر ( MAISONNEUVE ET LAROSE)، والذي يُقدّم للكتاب بقوله: لم يكن الشرق مصدر إلهام للخيال الأوروبي فحسب، بل ربّما كان أيضًا قبل كلّ شيءٍ موضوعًا للدراسة. لم يُقل الكثير عن هذا الجانب حتى الآن ... دانيال ريغ، المتخصّص في العربيّة، دكتور في الدراسات الإسلامية، ودكتور في الآداب، يوضح هنا كيف تمّ تشكيل الاستشراق في العلم من خلال بناء طرق التفكير والبحث الخاصّة به، في وقت كان فيه العالم العربي إقليمًا تركيًّا بالكامل تقريبًا. مع الهيمنة الفرنسيّة في شمال أفريقيا.. يشكّل الكاتب صورة المستشرق في هذا الكتاب من خلال  الوجوه المختلفة للعلماء، التي كانت معاصرة للتوسّع الاستعماري أو شاهدًا على إنهاء الاستعمار. اليوم، أحد الأسئلة العديدة التي تواجهه، هو ما إذا كان سيتمكّن من الانفتاح على الحركة العميقة للالتقاء التي تحرّك الأجيال الجديدة التي ولدت في فرنسا في ثقافتين مختلفتين.[1]

ويضيف وليد خالد أحمد تعريفًا أوسع للكاتب واهتمامه الخاصّ بالأدب العربي المعاصر، فيقول: أستاذ في السوربون ومعهد الدراسات السياسيّة والمعهد العالي للمعلّمين، ارتبط اسمه بوجود اللّغة العربيّة وأدابها في الجامعات الفرنسيّة، فهو المبدع لطريقة محدثة عمليّة وسهلة في تعلّم اللّغة العربيّة، وهو المؤلّف لقاموس السبيل من العربية إلى الفرنسيّة، والعكس بالعكس. وكذلك لكتاب تصريف الأفعال العربية الذي يتوجّه إلى العرب وغير العرب، وهو الباحث في العديد من الروايات والقصص العربية التي جعل منها موضوعًا لأطروحته في دكتوراه الدولة. أوّل من عرّف بـ الطيب صالح، وعبد الرحمن منيف، والطاهر وطار، وجمال الغيطاني، ويوسف القعيد، وصنع الله ابراهيم.. في ندوات جامعة السوربون والكولج دو فرانس... يرفض لقب مستشرق أو مستعرب، ويدعو نفسه بـ الفرنسي العربي.[2] ولا بدّ أن نذكر أنّ مؤلّف الكتاب المستشرق الفرنسي دانيال ريغ، قد توفي في شهر فيفري/ شباط 2007.[3]

بين أيدينا نسخة مترجمة إلى العربية للدكتور الجزائري إبراهيم الصحراوي، صدرت عن دار التنوير سنة 2013، تحت عنوان: رجل الاستشراق مسارات اللّغة العربية في فرنسا، ويذكر المترجم أنّ الكاتب أشرف على رسالته في الدكتوراه سنة 1989 ممّا أتاح له مناقشة أفكار الكتاب الذي كان صدر بطبعته الأولى سنة 1988.

وقد وجدنا صعوبة في تأمين النسخة الفرنسيّة بسبب الظروف السائدة، لمقارنتها مع النسخة المترجمة، خصوصًا أنّ للدكتور الصحراوي اجتهاداتٍ في الترجمة تستحق المراجعة والمقارنة بالنسخة الأصليّة، فمقتضى الأمانة العلميّة أن نقول إنّنا اعتمدنا على الناشر في تعريف الكتاب فترجمنا تعريفه عن الفرنسية، أمّا مناقشة الأفكار بالتفصيل فنعتمد فيها على النسخة المترجمة إلى العربية… ونعود إلى المواقع الفرنسيّة في معرض الردّ أو الشرح أو حلّ الالتباسات التي لا يكفي فيها مجرّد ترجمة النصّ والتعليق عليه.

قُسّمت النسخة العربية إلى خمسة فصول، وهي: اللّغة العربية الأسطورة والواقع، منبع الأنوار، ميلاد الاستشراق المستعرب، عاصمة الاستشراق، الاستشراق بلا مشروع. ولكن منهجيّتنا في المناقشة تعتمد على أهميّة الأفكار المثارة أو المعلومات المذكورة، التي يجدر بنا التوقّف عندها في إطار تعزيز المسار النقدي للتجربة الاستشراقية.

والحقّ أنّ دانيال ريغ ليس متعاليًا في حديثه عن الاستشراق الفرنسي، بل كثيرًا ما يعرض الأمور بشفافيّة تُساعدنا على تأكيد عدم حياديّة المؤسّسة من جهة، وعدم تماميّتها من جهة أخرى تلك التمامية التي تمّ التسويق لها للإبهار، أو لتعزيز النظر بدونيّة إلى كلّ ما يصدر عن الخبير الأجنبي.

1.  نقد رؤية الشرق من الغرب

يُمكننا أن ندرج دانيال ريغ ضمن فئة من المستشرقين تُطالب بمعايشة الشرق بدل التعرّف عليه من منصّة الغرب، مقابل فئة يتزعّمها برنارد لويس سقطت من الاعتبار الأكاديمي من شدّة تمسّكها بالأجندا الصراعيّة الإيديولوجيّة، التي تحرص على تعليم «الجهل بالشرق»؛ لتسهيل تمرير الصور النمطيّة المناسبة لمشروعها.

لا يمكن الحديث عن استشراق فرنسي بدون التوقّف عند الدور الأساسي والتأسيسي لسيلفستر دي ساسي، الذي يُعتبر أسطورة هذا الاستشراق ومنبره الأبرز، وكانت الرّحال تُشدّ إليه من أطراف أوروبا للتعلّم منه.

ولكن ريغ يسلّط سهام انتقاده إلى دي ساسي، ويشير في أكثر من مكان من الكتاب إلى أنّه تعرّف على الشرق من المكتبة: «ألم يمكن القول عن دي ساسي ستنقضي حياته كلّها في الأحياء العتيقة المحيطة بالمكتبة الوطنية في اللكسمبورغ، باستثناء رحلة واحدة إلى جنوة في مهمّة للبحث عن مخطوطات شرقيّة وبغضّ النّظر عن بضعة أشهر يقضيها كلّ سنة تقريبًا في ضواحي العاصمة. وعليه، فإنّ الرجل الذي سيعرّف الغربيين أفضل من أيّ شخص آخر بالشرق وبماضيه، لم يقرب هذا الشرق إلّا من خلال المخطوطات وحكايات تلاميذه وأصدقائه». ص26

ثمّ يصل به الأمر إلى التعريض بكبير المستشرقين الفرنسيين عندما يبرز دور مستشرق آخر كنموذج للمستشرق الحقيقي، فعن القنصل المستشرق جون -لوي- باتيست روسو 1780-1831م، يقول ريغ: كان هذا الديبلوماسي البارع -غريب الأطوار- يتمتّع بالصّفات الحقيقيّة للمستشرق. وهذا مقطع من تقرير أعدّه حوله أحد كبار الموظّفين بطلب من وزير الشؤون الخارجية: يهتم هذا القنصل كثيرًا باللّغات الشرقيّة، أكثر من اهتمامه بلغتنا؛ يعتبرونه في طهران أحد أكبر شاعرين فارسيين. وهي الشهرة التي يتقاسمها والأمير عباس ميرزا، الذي يُشرّفه بعناية خاصّة. وهو أمهر في إنشاء قصيدة بالفارسيّة منه في كتابة عريضة...» يدلّ هذا على أنّ روسو سخّر كلّ الوقت الذي تتركه له انشغالاته الوظيفيّة في إثراء مجموعته من المخطوطات الشرقيّة والاهتمام بالمسائل العلميّة. وقد كان من جهة أخرى مراسلًا للمعهد، وعضوًا بالجمعيّة الجغرافيّة. كان مستشرقًا ميدانيًّا لا ينفر من الكتابة. وهو بخلاف دي ساسي، يعرف جيّدًا البلدان التي يهتمّ بثقافتها، ما يجعل دي ساسي نفسه يستنجد أحيانًا كثيرةً بمعرفته هذه. كما يستنجد بمعرفة غيره من الديبلوماسيين الذين أمضوا حياتهم في أماكن لم يذهب هو إليها قط، وإنما اكتشفها بواسطتهم فقط. ص96-97

ثم يدهشنا بمعلومة لم يكن أحد يتصوّرها عن رجل ألّف كتبًا لتعليم العربية، معتبرًا أنّ تفكّك الاستشراق الفرنسي ناتجٌ عن طريقة دي ساسي في مقاربة الشرق: الواقع أن سلفستر دي ساسي بطبعه وبذوقه وبتكوينه كان النقيض الخالص لرجل الميدان، رغم أنّه بذل جهودًا جبّارةً -حسبما يبدو- إذا اعتبرنا العدد الهائل من الكتب التي كان يملكها في مكتبته، وهي الكتب التي تتعلّق باللّغة العربية الحديثة، العلميّة، الدارجة، اليوميّة، والتي بإمكانها أن تتيح ممارسة لغويّة، يعرف هو أكثر من غيره أنّها ضروريّةٌ. فقد صرّح لأحد أصدقائه قائلًا: «لا أستطيع مواصلة حديث بالعربية». من هنا إذًا سيبدأ الاستشراق الفرنسي في التفكّك بعد خمسين سنة. ص160

يُدخلنا هذا الكلام إلى مسائل تأسيسيّة في الحوار-الصراع بين الغرب والشرق. إنّه يقول بصراحة يكفي أن تكون مدركًا للمصالح الغربيّة؛ لكي تدخل إلى نادي الاستشراق الواسع، وتُعلّم النّاس من منصّة المكتبة الوطنية الفرنسية، ولا يُعيبك أن لا تُتقن بعض مهارات التعايش مع الشرق، الذي يبقى موضوعًا للدراسة من خلال الكتب والمعاجم. هذه مدرسة تطوّرت بكلّ أسف على حساب فئةٍ قليلةٍ من المستشرقين سمحت للشرق أن يُغيّرها باعتباره وجهًا من وجوه الحضارة الإنسانيّة أمثال محمد أسد ورينيه غينو وآنا ماري شيمل وزيغريد هونيكه ويوهان رايسكه وروجيه غارودي... وليست هي المهيمنة اليوم على دوائر الغرب الحديث، بل على العكس يحتلّ مراكز التفكير في الغرب اليوم جماعة من المتعصّبين توقّفت حتّى عن التعرّف على الشرق، وتصدّت باستعلاء أيضاً «لإملاء ما يجب على الشرق أن يفعله» باعتبار دونيّته الأنطولوجيّة.

والسبب هو خضوع المؤسّسة الاستشراقية للسّلطة السياسيّة وأهدافها وتمويلها، كما هو واضح وبدون مواربة في هذا الكتاب الشفّاف الذي يتضمّن معلومات قيّمة عن علاقة الجمعيّات الاستشراقية بوزارة الشؤون الخارجيّة الفرنسية، ما يكشف أنّ التمجيد الذي أحاط بشخصيّة دي ساسي ناتج أصلًا عن اعتماده لإدارة المؤسّسة الاستشراقية من قبل الدولة.

2. غرب - شرق

إطار من الأفكار والمشاعر شيّدته الأنتلجنسيا الغربيّة ليلقى غزوها للشرق قبولًا عند عامّة الشعب، هؤلاء الذين تتشكّل منهم وحدات جنود الغزو، ومن هذه الأفكار أسطورة التفوّق الوجودي (الأنطولوجي)، التي تفضح معنى «الإنسان» في ثقافة الغرب، حينما تساوي هذه الكلمة من خلال الممارسة «المواطن الغربي» داخل سور المدينة المركز حصراً أما «الآخر فيحاط بهالة من الغموض أو الألقاب التي تسهّل العدوان عليه: ذلك أنّ الغرب قد تحدّد أنطولوجيًّا في أوروبا (مع أنّنا نعلم أنّه يضمّ اليوم بالإضافة إلى ذلك الولايات المتحدة الأميركية، التي تسهر من خلال البنتاغون والأحلاف على حماية وحدة هذا الغرب في أيّ مكان في العالم) وأظهر نفسه آنذاك كأرض مسيحيّة، أرض للوضوح والنّظم الإلهيّة يقابلها فضاء ضبابي وغامض، فضاء لا يمكن تحديده إلا بالشرق، معمور بالكفّار والملحدين (البرابرة، الوثنيون و.... المسلمون) وقد يُقال اليوم للاختصار، ولكنّه اختصار عنيف في الواقع لضرورات إعلامية: (الإرهابيون العرب والمتعصّبون المسلمون). ص33

تتفاقم المشكلة عندما تنتج هذه الأفكار ما يناسبها من مشاعر تضيف إلى عقدة الفوقيّة كمًّا من الكراهية تحرص المؤسّسة الغربية على إعادة إنتاجها باستمرار، ذلك أنّ الحفاظ عليها أصعب من الحفاظ على الأفكار. وبالفعل دامت هذه المشاعر مع الأفكار المنتجة لها عقودًا حتّى تحوّلت إلى سجن لمن أنتجها تحبسه عن رؤية الحقيقة ولو أراد. إنّ المستشرق الذي يريد الاقتراب من الشرق كان يحمل في داخله «المبعّد»، يقول الكاتب: إن للمستشرقين المعاصرين الفرنسيين منهم على الخصوص، بعض الحقّ أحيانًا بعدم الشعور بالارتياح، سواء أكانوا فرنسيين في الأصل أم ذوي أصول عربيّة. فمع كونهم ورثة لتقاليد قديمة، فإنّهم يعلمون بأنّهم متابعون ومحكوم على أعمالهم. إنّهم يشعرون بأنّ الاستشراق قد اتّهم بالتعاون مع المؤسّسة الاستعماريّة، بل إنّهم متّهمون أحيانًا بنهب التراث الثقافيّ العربيّ، أو بتشويهه على الأقلّ برؤى هدّامة، وبالمقابل فإنّه من الصعب عليهم هم أنفسهم التخلّص من نظرتهم المتعجرفة لأعمال نظرائهم من الباحثين العرب. ص59

وكمثال واضح على النجاح في إعادة إنتاج الكراهية لاحظ تمدّد المشاعر العدائيّة في فترة كان العرب فيها مهزومين مرّة بوصفهم رعايا الدولة العثمانية المفكّكة، ومرّة بفعل تأسيس الكيان الصهيوني، ولا يُستثنى من مشهدهم المأساوي إلّا حرب التحرير في الجزائر التي استغلّت أيضًا لإحاطة المسلم والعربي وحتى الفرنسي المستعرب بالمعنى الثقافي بشبكة مصطلحات تمنعه من نقل الثقافة العربية إلى فرنسا. لاحظ هذا النص: والواقع أنّنا نسجّل في هذه الفترة (الستينيات) عداءً واضحًا للعرب وبعض الرّفض لثقافتهم، وهذا رغم وصول عدد كبير من الأوروبيين العائدين من الجزائر (الأقدام السوداء) والذين كان عليهم على الأقلّ، الاهتمام باللّغة العربية، إن لم تكن هذه العودة هي السبب. ص61

يساعدنا المترجم على فهم لقب «الأقدام السوداء» فيقول: الأقدام السوداء، لقب يطلق على الأوروبيين الذين كانوا يستوطنون الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي والذين عادوا إلى فرنسا غداة استعادة الاستقلال سنة 1962م. وتقدّرهم الإحصائيات بأكثر من مليون شخص (المترجم). هامش ص61.

الكلام بقي عامًّا حتى بعد شرح الكاتب والمترجم للمصطلح، ولذلك عدنا إلى جذور الكلمة لنعرف من أطلقها فوجدنا إشارات إلى تعمية المصدر لما يحمله اللّقب من عنصريّة، فقاموس «لاروس» الموسوعي لا يقول أكثر: من أنّها صفة أُطلقت على أناس من أصل أوروبيٍّ سكنوا شمال أفريقيا لغاية فترة الاستقلال.[4] سألنا المواقع الفرنسيّة من أين جاء المصطلح فوجدنا موقع «هذا يهمّني» يجيب بالتالي: ما هو مؤكّد هو أنّ التعبير قد اُستخدم لأوّل مرّة في فرنسا الكبرى باعتباره إهانة. حتى أوائل الستينيات، رفض الفرنسيون في الجزائر هذا اللّقب الذي كان يُعتبر مهينًا.[5]

تصوّر أنّ التحقير انسحب حتى على الفرنسي الذي وُلد في الجزائر، يُوضّح جان إيف لو ناوور سببًا ملطّفًا لهذه الإهانة عندما يقول: «نحن لا نعرف من أين يأتي هذا التعبير الذي يُعين الفرنسيين من الجزائر الذين عادوا إلى فرنسا عام 1954 (حوالي 800000 شخص)، بدايات الحرب الجزائرية، أولئك الذين اختاروا الحقيبة بدلاً من التابوت، والذين يُعرفون بالأقدام السوداء».[6] أيضًا يُضلّلنا ناوور عندما يقول إنّ السبب هو أنّهم فرّوا من المعركة، بل الأصحّ ما أشار إليه الكاتب ريغ تلميحًا كموقف ثقافي، من كلّ ما يمكن أن يحمل لغة أو عادات عربية أو إسلاميّة بفعل الولادة أو التربية.

دعنا إذًا نكتب ما لم نجده في القواميس، وهو أنّ الفرنسي المولود في الجزائر أصبح مخلوقًا هجينًا لا يحمل «النّقاء العرقي الفرنسي» أو النّقاء الأوروبي إذا لم يكن فرنسيًّا، وقد جاء ليترك بصمة قدم «سوداء» على الأرض الفرنسية من شمال أفريقيا العربي والإسلامي.

لماذا هذا الخوف؟ ربّما يكمن الجواب في البدايات، حينما أتانا الغرب غازيًا متعصّبًا ثم غزته روح الشرق في ابنائه. يقول ريغ: بعد انتهاء الحرب الصليبيّة، عاد كثير من الرحّالة -الديبلوماسيون أو المفكّرون الذين كانوا يتنقّلون بإحدى الصورتين ديبلوماسي أو مخبر- من الرحلات التي قاموا بها إلى الشرق متأثّرين. وهو ما يمكن قوله في بداية القرن السابع عشر عن سافاري دوبروفاس (Savary de Breves)، الذي بقي فترة طويلة في القسطنطينية إلى حدّ أصبح معه محمّديًّا. وزعم بعضهم أنّه فارق الحياة وهو يذكر الله. ص84-85

ويمكننا أن نضيف ناصر الدين دينيه (1861-1929) الذي أعلن إسلامه رسميًّا سنة 1908م، ورينيه غينون عبد الواحد يحيى (1886-1951)، وغيرهم ممّن سمحت له روحه الإنسانية ونزعته الروحيّة بالتخلّص من الفوقيّة الاستعمارية والإندماج في الثقافة الشرقيّة والإيمان الإسلامي، وهذا الأخير لم يكن مجرّد قنصل تأثّر بأنماط الحياة الإسلامية كما كان دينيه، بل تحوّل وهو عالم الرياضيات والفلسفة إلى ناقد جذري للأسس التي قامت عليها الحضارة الغربية، كما يظهر من كتابه «أزمة العالم الحديث».[7] ولا يزال الإسلام يُشكّل خيارًا من خيارات الخلاص الفردي في كلّ أنحاء العالم، وهو الدين الأكثر انتشارًا بلا منازع، ولكن السؤال المحيّر هل يحصل هذا بجهود منظّمة من دول إسلامية كما حصل التغريب والاستشراق بجهود منظّمة من دول غربية؟ أم إنّه نتيجة جهود فرديّة وجمعيات تبليغية وعلاقات اجتماعية وتوفيقات إلهيّة، كما هو الواقع... يعني أنّ الإسلام وفي ذروة الحرب عليه لا يزال ينتشر بقوّة «روح الحقيقة التي يحملها» أكثر بكثير ممّا ينتشر بخطط مقصودة من دول وأجهزة، لا بل الواقع أصعب، فإنّ دولًا إسلاميّة بعينها تسيء للإسلام أكثر ممّا تخدمه، عندما تُسخّر إمكانياتها لنشر التطرّف والتخلّف والإرهاب بعناوين إسلامية... نطرح هذه الأسئلة لِما يعتصرنا من ألم عندما نلاحظ كيف أنّ دولًا غربيّة عنصريّة كفرنسا وبريطانيا فكرت بطريقة عالميّة، فيما أصحاب الدين العالمي أصلًا يتّجهون يومًا بعد يوم إلى القبيلة والطائفة والمنطقة وأصنام الجاهلية وينتجون أنواعًا من الصراعات بينهم لا تكفّ عن التوالد في كلّ مرحلة حسب موجتها...

3. عميقًا في آسيا

بمراسيم وقوانين رسميّة كانت تنشأ الجمعيات الاستشراقية، التي تُشكّل ذراع الدولة العلمي للإمتداد عبر الحدود، وما أبعدها من حدود تبدأ بمحيط المتوسّط وتمتدّ عميقًا إلى الشرق الآسيوي الأقصى، يساعدهم على التفكير بهذه الطريقة، إمكانيات الدولة المسخّرة لخدمة مصالحها السياسية والاقتصادية، وتوفّر نخب متفرّغة للقيام بهذا الدّور، وإن لم تتوفّر أنشأت مدارس لكي تزوّد المؤسّسة الفرنسيّة بحاجتها من الكوادر الديبلوماسية والعلمية واللغوية.

وأحدثت الشركة الآسيوية في الفاتح من أفريل /  نيسان سنة 1822م المستشرقون، أناس من العالم، أصدقاء الشرق وترأسها شرفيا دوق أورليان، وكان من أعضائها البارزين: سلفستر دي ساسي، شمبوليون الصغير، آبل ريميسات (Abel Remisat): مختصّ في الشؤون والدراسات الصينية)، جون لوي بيرنوف (Jean Louis Burnouf): مختصّ في الدراسات اليونانيّة، و ولده أوجين (Eugene): مختصّ في الدراسات الهنديّة، دانيال كييفر (Daniel Kieffer): ناشر النسخة التركيّة للإنجيل، كلود فوريـال (Claude Fauriel): عالم وفيلسوف، إسكندر دوهمبولدت (Alexandre De Humboldt)، الدوق دوريشليو (De Richelieu): وزير الحربيّة سابقًا، وقريبه آميديه (Amedee): مستعرب، فرنسوا ليتريه (Francois Litre): مختصّ في الدراسات الهنديّة، وولده إميل مؤلّف «القاموس الكبير للّغة الفرنسية» فيما بعد، دون أن ننسى شاتوبريان (Chateaubriand): الأديب المعروف. وعلى امتداد القرن التاسع عشر كلّه كان المستشرقون من ذوي الأسماء اللّامعة، سواء في فرنسة أو في غيرها، يتطلّعون إلى تقديم محاضرات فيها. وكان نشاط الشركة موضوعًا لتقرير سنويّ يُقدّمه الرئيس أو الأمين. وقد قدّم دي ساسي تقريرها الأوّل سنة 1823م، وطالب فيه بإنشاء متحف آسيوي: مخزن واسع للأشياء مهما كانت طبيعتها، والرسوم والكتب الأصليّة والبطاقات وحكايات الأسفار، مهداة إلى كلّ الذين سيتخصّصون في دراسة آسيا بصورة تمكّن أيًّا منهم من الاعتقاد بأنّه نقل بسرعة سحريّة إلى وسط قبيلة في منغولية أو عرق ما في الصين... متحف أراه الشرح الحي للمعاجم ووساطتها الضرورية». ص30

وأصبح كلّ تقرير من هذه التقارير بعد ذلك يرسم صورة حقيقيّة للاستشراق العلمي. و قد تمّ تجميع تلك التي قدّمها: جول موهل (Jules Mohl) فيما بين سنتي 1840 و1867م مثلا تحت عنوان: سبع وعشرون سنة من الدراسات الشرقية. ونضيف أنّه كان بإمكان الاستشراق وبالصورة التي ظهر بها منذ بداية القرن التاسع عشر أن يمثّل العلم في تلك الفترة. بل كان وبصورة ما العلم كلّه. وكان أربعة من أعضاء الجريدة الآسيويّة الخمسة -ومن ضمنهم دي ساسي- ينتمون إلى أكاديمية الفنون والآداب. أمّا الخامس -كيفييه Cuvier- فكان الوحيد الذي ينتمي إلى أكاديميّة العلوم، التي كان ينتمي إليها ثلاثة فقط من الكتاب الاثني عشر، بينما كان الآخرون مؤرّخين أو علماء آثار أو فلاسفة أو علماء لغة، ومن ضمنهم المستشرق شيزي (Chezy) المتخصّص في الدراسات الفارسيّة. ص31

توقّف طويلًا عند تلك الجملة التي تُشعرك باهتمامهم بأدقّ التفاصيل: «مهداة إلى كلّ الذين سيتخصّصون في دراسة آسيا بصورة تمكّن أيًّا منهم من الاعتقاد بأنّه نقل بسرعة سحريّة إلى وسط قبيلة في منغولية أو عرق ما في الصين... متحف أراه الشرح الحيّ للمعاجم ووساطتها الضرورية»... فالفوائد منها متعدّدة في فهم آليات اشتغال المؤسّسة الاستشراقية:

أولاً: نفهم أنّ الحركة كانت باتجاهين: نذهب إلى الشرق، أو نأتي بالشرق إلينا ونضعه في متاحف ومختبرات إلى جانب المعاجم لنفهم اللّغة فهمًا حيًّا،،،

ثانيًّا: ليس صحيحًا أنّ الأنثروبولوجيا بحسب اقتراح أرنست غيلنر كانت مرحلةً تاليةً للاستشراق أو بديلة عنه، فالكلام عن العرق والقبيلة يشير إلى أنّ المنهج الأنثروبولوجي كان متضمّنًا في آليات عمل المستشرقين من خلال البحث في الإنسان المستهدف تاريخًا واثارًا وانتماءاتٍ أوليّة وثانويّة والمستهدف في تركيبته الاجتماعية وأديانه ولغاته وطقوسه.... الواقع هو أنّ العملية نفسها تبدّل جلدها وألفاظها وتحافظ على جوهرها بحسب مقتضيات الواقع ومساحة السيطرة على العلوم والأذهان والسلطة المعرفيّة. ففي مكان آخر من الكتاب يقول ريغ: وكان علم الاجتماع الذي بدأت ملامحه الأولى تلوح كمشروع أبيستمولوجيٍّ لدى الفلاسفة في القرن الثامن عشر، والإيديولوجيين أمثال فولناي، يلوح بوضوح شيئًا فشيئًا، ويخلف التاريخ كعلم إنسانيٍّ طلائعيٍّ، كما يظهر وجوده الغضّ، من خلال الأبحاث المتعلّقة بالإنتوغرافيّة الأنتروبولوجيّة وعلم اللّهجات، فطوّر المختصّون عددًا من الدّراسات في جرد ووصف اللّغة، كانت في أحيان كثيرة ذات طابع عمليٍّ. ص221-222

ثالثاً: وعي مبكر لربط الجهود الاستشراقية بالمصالح التجاريّة: فلمّا قدم لويس لانغلاس سنة 1790م مشروعه للمرّة الأولى إلى الجمعيّة التأسيسيّة جعل عنوانه: «في أهمية اللّغات لتنمية التجارة وتقدّم الآداب والعلوم». أخيرًا وفي مارس/ آذار 1795م أصدرت قانونًا -مرسومًا- بتأسيس هذه المدرسة: «الموجّهة لتعليم اللّغات الشرقيّة الحيّة ذات الأهميّة، المعترف لها بالمنفعة العامّة في السياسة والتجارة» (المادّة الأولى)...«مدرسة موجّهة لتكون بسرعة تراجمة متخصّصين قادرين على تعويض الذين تخلّوا عن خدمة وطنهم». ص40

4. الإستشراق وحملة نابوليون على مصر 1798م

في مطلع القرن الثامن عشر كانت البعثات العلميّة تُجري مسحًا شاملًا لمصر، وكان المستشرق فولناي مثالًا «للرائد الذي لا يُكذّب أهله» فحرص كما سنرى على عدم الدخول في الشطحات الرومانسيّة والأساطير، وكان بشهادة العسكريين الفرنسيين أهمّ من اُعتمد عليه في التخطيط للحملة: وشكّلت رحلة فولناي المنشورة سنة 1788م مرجعًا هامًّا لحملة نابليون على مصر إن لم تكن دليلًا لها. وهكذا أمكن القول منذ 1740م: «يعرف النّاس النّيل كما يعرفون السين، حتى الأطفال وصلت مسامعهم أصوات شلالاته و مصبّاته... الأهرام، أشياء تحدث فيها طويلا، حتى أن من يشرع في إضافة معلومات إلى ما أدّى الناس عنها، هو كمثل الذي يريد أن يعرف الباريسيين بسان -دوني-» St Denis. ص89

ويؤكّد رأي الجنرال بيرتييه أنّ فولناي لم يكن وحده، بل كانت حلقة متراصّة تكمّل بعضها البعض، لرسم المشهد المصري، أمام أقدام وعيون قوّات الغزو الفرنسي: حيّا كثير من الرحالة الذين أتوا بعده دقّة ملاحظته، وفيما يخصّ الحملة على مصر كتب الجنرال بيرتييه (Berthier): «اللّمحات السياسيّة حول مداخيل مصر، ووصف معالمها وتاريخ وعادات مختلف الأمم التي تسكنها. تناول المواطن فولناي هذه الأمور بدقّة وعمق لم يدعا مجالًا للملاحظين الذين أتوا معه. كان كتابه دليلًا للفرنسيين في مصر، وهو الوحيد الّذي لم يكذّبهم قطّ ؟!» استشهد ج. قولمييه (Gual-Mier) بهذا المقطع في كتاب: «الإيديولوجي فولناي» ص: 117. لكن فولناي يرجع في كتابه أحيانًا إلى ملاحظات حول مصر لأنفيل (Anville)، في الكتاب المنشور سنة 1766م الذي يضمّ كلّ المعطيات المتجمّعة آنئذ حول هذا البلد. وقد استفاد بونابرت أيضًا من الخرائط الواردة فيه. ص88-89

ويشهد فولناي على طريقة عمله فيقول: «لم أسمح لنفسي بأي تخيل (...)  ولم أصور البلدان أبدا أكثر جمالا مما بدت لي، و لم أرسم الأشخاص أبدًا أحسن أو أقبح مما رأيتهم. و ربما كنت مهيئا لرؤيتهم ما هم بم أنني لم ألق منهم خيرًا أو شرًا». ص77

من الواضح أن الرجل لم يكن ذلك المستشرق الهائم برومانسية الشرق والأساطير المحبوكة حوله، بل رجل مكلف بمهمة استطلاع بالمعنى العسكري، وبالتالي فإن الخطأ في نقل الواقع والابتعاد عن الموضوعية لا يخدم المعركة.

الغزو الثقافي والدعاية بين الأمس واليوم

 أخذ نابليون معه في رحلته أيضًا الحروف المشهورة بـ ميدسيس (Medicis) التي حفرها في روما الجواهري والنحّات الباريسي روبير قرونجون في 1584م. وكان قد صادرها من مطبعة «الرهبانيّة المقدّسة لنشر العقيدة» المتواجدة بروما وضمّها إلى حروف سافاري. لكن الأسطول الإنكليزي بقيادة الأميرال نلسون أغرق أجمل سفن بونابرت في أبي قير بتاريخ 1 أغسطس/  آب 1798م،... ثم اكتشفت في جوان/  يونيو/  حزيران 1984م حروف مطبعة عربية كانت موجّهة للدعاية لحملة نابليون. ويُحتمل أن تكون قد استعملت في طبع البيان الموجّه إلى سكان الإسكندرية: «أيّها المصريون، إنّي صديقكم. لقد جئت لتحريركم من المماليك». ص153-154

تُحدّثنا مصادر أخرى عن الاهتمام بالحرف العربي لدوافع تبشيريّة: فقد وضع بيدرو دي ألاكالا المعجم العربي بالحرف القشتالي، وأنجزه سنة 1505 في غرناطة بهدف استخدامه في الأوساط الإسلامية والمتنصّرين حديثًا في مملكة غرناطة من قبل المبشرين.... وقد ألحق بالقواعد نصوصًا بطريقة نطق سكّان غرناطة يحتاج إليها المبشّر بشكل ملحّ. في البداية الصلوات المعهودة وعبارات الإيمان بالعقيدة، يتبعها الجزء المباشر وهو إرشادات بكيفيّة تعميد النّصارى الجدد، مع إعادة كاملة لجميع مسائل التعميد باللغتين العربية والإسبانيّة.

ولحسابات سياسيّة داخل فرنسا سعى شارل الأوّل لتعزيز العلاقات مع الدولة العثمانيّة العظمى التي كانت قد وصلت إلى أبواب فيينا سنة 1529، وفي سنة 1534، استطاعت بعثة فرنسية السفر إلى القسطنطينية والحصول على الاستسلام المعروف، الذي يمنح السلطان بموجبه تابعه فرانس الأوّل الحقّ للإقامة في تركيا ومزاولة التجارة، والتمتّع بحقّ الحماية القنصليّة. وبغية تعزيز العلاقات تمّ تعيين علماء في البعثات المرسلة، وهكذا أرسل شارل الأوّل، سنة 1534 أو بعد قليل، «فلهلم بوستل» لشراء مخطوطات شرقيّة، وإلى هذا تدين أوروبا بفضل قواعد اللّغة العربية... استدلّ بوستل برفقة موسى المعلمي وهو يهوديّ كان يشغل وظيفة الطبيب الخاصّ للبعثة، استدلّ على المكتبة اليهوديّة حيث قرأ (الزهار). لكنّه اهتمّ بدراسة العربيّة بوجه خاصّ، وقد ساعده على دراسة نحوها أستاذ تركي.

وفي سنة 1538، نشر بوستل كتابًا عالج فيه الأبجديات في عدّة لغات، منها السريانيّة والعبريّة والعربيّة. ويمتدح بوستل ثراء المصادر العربية: «لا أحد يستطيع الاستغناء عن طرق علاج وأدوية الطبّ العربية. وإنّ ما قاله ابن سينا في صفحة أو صفحتين يزيد على ما ذكره جالينوس في خمسة أو ستة مجلّدات ضخمة». وبعد أن يبرز وجه القرابة بين العبريّة والعربيّة التي تجعل التعلّم سهلًا جًّدا، يوجز الجدوى من معرفة اللغة العربية: بوصفها لغة عالمية، فإنها تفيد في التعامل مع المغاربة والمصريين والسوريين والفرس والترك والمغول والهنود. وهي لغة غنيّة بالمراجع، من يتمكن من إجادتها سيتسنّى له اختراق سائر أعداء العقيدة المسيحيّة بسيف الكلمة المقدّس ودحض حججهم بمعتقداتهم نفسها، والطواف حول العالم بلغة واحدة فقط». وقد ألّف كتابًا باسم جمهورية الترك سنة 1543 أو 1540 وأعيد طبعه تكرارًا.[8]

ولم أجد ذكرًا لفلهلم بوستل في كتاب دانييل ريغ هذا ربّما لأنّه حصر عمله بالقرن التاسع عشر، ولكنّه في الواقع المؤسّس الأبرز للاستشراق الفرنسي، فكان يجب أن يُشار إليه في المقدّمات التاريخية للاهتمام باللّغة العربية لأغراض تبشيريّة وهي نطاق عمل واختصاص المؤلّف. خصوصًا أنّها كانت إلى القرن السادس عشر لغة العلم العالميّة التي يعترف لها بوستل بالغنى والثراء في مصادرها ومصطلحاتها.

 وتُعتبر إيطاليا من أوائل الدول التي طبَعت الكُتب العربيّة كما طبعت القرآن لأوّل مرَّة باللّغة العربيّة في البندقيّة سنة 944هجري/ 1537م. ولقد كان ذلك على يد باغانينو ودي باغانينو وفي ذلك التاريخ نفسه تأسَّست مطبعة سافاري. وتُعتبر الوحيدة التي اهتمّت بالنشر العربي في فرنسا في ذلك الوقت.[9]

وهكذا تتكامل جهود التبشير والاستعمار، ويخبرنا التاريخ أنّ هذه المراحل من الدوافع للاستشراق، لم تنته عمليًّا وإنّما تخادمت وتداخلت بحيث يستفيد الغازي من المبشّر، ويُحضّر المبشّر للغزاة أدواة العمل ولغة الخطاب وحروف الطباعة. ونحن نجزم من موقع الاختصاص أنّ الأبعاد التبشيريّة والاستعمارية وما تأسّس على أيدي المستشرقين لا يزال فاعلًا بكلّه في سياسات الغرب تجاه الشرق، فليس إعلان التخلّي عن مصطلح الاستشراق في مؤتمر سنة 1973 قطيعة تاريخية ومرحلة جديدة في أصل العملية، بل هو لعبة لغة تمّ التخلّي فيها عن مصطلح افتضحت خلفياته ولم يعد نافعًا في المسار المستقبلي للعملية نفسها.

أمّا تقنيات الدعاية الخادعة فيظهر أنّها قديمة ومستمرّة أيضًا، حيث يُقدم نابليون نفسه «صديقًا» للمصريين ومحرّرًا، من حكم المماليك. ولطالما كانت هذه الأساليب ناجعة إمّا في خداع العامّة، أو في انقسام النخبة، ودائمًا كانت تُساهم في تراخي المجتمعات المغزوّة خصوصًا في فترة قوس النزول في الممالك الإسلامية. ومع تطوّر لغة الدعاية اليوم زاد مكر المحتوى وتمكّن بالفعل من تحويل العدو بنظر الضحايا إلى صديق.

ولا يعود الأمر إلى سذاجة بعض الناس فحسب، بل أيضًا إلى ترهيف السيطرة العسكرية، بتأسيس الروابط الثقافية والعلمية التي تبني مصالح استعمارية مستدامة على المدى الطويل. 

فقد حرص نابليون على إحاطة نفسه بمئة من كبار العلماء جمعهم من بعد في منظّمة للبحث أطلق عليها اسم: معهد مصر، الذي تحوّل فيما بعد إلى: معهد القاهرة الفرنسي للآثار. وقد اختار بعض الجنود المشاركين في الحملة البقاء في مصر، ومنهم من اعتنق الإسلام حيث التقى جيرار دو نرفال بعد ذلك بطويل ببعضهم أثناء رحلته، وتحدّث عنهم في الكتاب الذي خصّصه لهذه الرحلة 1843م. ص74

5. اللّغة العربية

يُبدي دانيال ريغ في كلّ الكتاب اهتمامًا خاصًّا باللّغة العربية، شاكيًا من تقصير العرب مع لغتهم المنطقيّة كما يقول، مادحًا محاولات تحديثها من قبل بعض الكتّاب العرب كيوسف القعيد، ومعترضًا على الفترات التي شهدت تراجعًا في الاهتمام بتدريسها في الثانويات الفرنسية، خصوصاً في الثمانينيات من القرن الماضي.

أوّل معجم عربي، مرتّب ترتيبًا عقلانيًّا، هو كتاب العين للخليل بن أحمد الفرهيدي، المرتّب على مخارج الحروف. يعود تاريخه إلى نهاية القرن الثامن الميلادي. واكتفت المعاجم الكبرى التي ألّفت بعد كتاب الخليل هي الأخرى بترتيب الأصول ترتيبًا مغايرًا (ألفبائيًّا، أو حسب الثقافة) دون أن تأتي بإضافات كبرى للمضمون، الذي يبقى تكديسًا نهمًا للمعاني. كما لم تشهد الفترة المعاصرة دراسة علميّة لهذا المعجم الثريّ بصورةٍ فريدةٍ، حيث يجري الاكتفاء مرّة أخرى بتكديس الكلمات في خلطٍ بين العمليّ والبلاغيّ، وبين الأساسي والثانوي، وبين الحديث والقديم؛ دون محاولة تأريخ ظهور هذه الكلمات. ص55-56

لا يمكننا إلّا أن نتوقّف عند هذا الحكم المجحف بحقّ المعاجم العربيّة مع الاعتراف بعبقريّة الفراهيدي، فقد تنوّعت مناهج العلماء العرب في وضع المعاجم بحيث شكّل كلّ معجمٍ مقاربةً جديدةً وأصيلةً للّغة، أمّا البحث في تاريخ الكلمات فكانوا يتتبّعونه في كلام العرب وأشعارهم، حتّى وصل الأمر إلى تصنيف لهجات القبائل، أمّا القرآن الكريم فقد أطلق جهودًا حثيثةً في البحث عن جذور الكلمات واستخداماتها تشير إليها المعاجم وكتب التفسير.

بالعودة إلى مناهج المعاجم: فقد اتّبع الفراهيدي منهج التقليبات الصوتيّة في كتاب العين، وتتبّع هذه المدرسة أبعد الحروف في مخارج الصوت فكبر، وربك، وبكر، وبرك، توضع تحت أبعد الحروف مخرجًا، وهو الكاف؛ لأنّ مخرجه من أقصى اللّسان مع ما يُحاذيه من الحنك الأعلى.

أمّا مدرسة التقليبات الهجائيّة فاتّبعها ابن دريد صاحب الجمهرة وهو أسلوب ترتيب الكلمات بحسب الحرف الهجائي الأوّل وتقلّباته في الكلمة، فالكلمة كبر وجميع تقليباتها (كرب، ركب، ربك، بكر، برك) توضع تحت فصل «الباء» لأنّها الحرف السابق في الترتيب الهجائي.

وتعتبر مدرسة القافية الحرف الأخير بابًا والأوّل فصلاً، فالكلمة «كبر» توضع في باب الراء فصل الكاف، وقد اعتبر الجوهري أنّها أسهل على الباحث من المناهج السابقة، واتبعه ابن منظور في لسان العرب، والفيروز آبادي في قاموسه، والزبيدي في تاج العروس، وأحمد فارس الشدياق في الجاسوس على القاموس.

ثم مدرسة الهجائية العادية وتعتبر حديثة ولكنّها ليست كذلك فقد ألّف فيها أبو عمرو الشيباني كتابه «الجيم»، ولم يراعِ في الترتيب إلّا الحرف الأوّل. وسار الزمخشري على هذا النظام في (أساس البلاغة). ثم سارت المعاجم والقواميس الحديثة نسبيًّا على نهج الزمخشري كالصباح للفيومي والمحيط للبستاني والمعجم الوسيط للمجمّع اللّغوي في القاهرة.[10]

هذا ولا يخفى على المختصّ مميّزات كلّ منهج في مقاربة مفردات اللّغة من حيث تنوّع الحقل الدلالي والمعجمي، وتحديد مادّة الكلمة واشتقاقاتها، وقيمتها الصوتيّة في الموسيقى، وتقلّبات القافية في الشعر، هذا فضلًا عن أثرها على مدارس الصرف والنحو ومباحث الألفاظ.

ويجب أن لا ننسى جهود ترجمة العلوم إلى العربية التي نجحت في مصر والعراق وسوريا، واستفادت من جهود أصحاب المعاجم، لذلك لا صحّة لما يقوله ريغ: من أنّ الجامعة العربية، وهي تدرك هذه المشاكل، قد دعت إلى مؤتمر انعقد في الرباط أيام 5 و 6 و 7 أفريل/ نيسان 1961م أي: منذ أكثر من ربع قرن لدراسة قضيّة التعريب. و قد طالب هذا المؤتمر:

«بوضع معجم حيّ، يكون في متناول الجميع، وبسيط، ويتضمّن كلّ المفردات العربيّة السليمة والجارية في اللّغة المعاصرة». ...ولم يتحقّق أبدًا قرار المؤتمر الأوّل للتعريب هذا في الواقع، إلا بصورة عابرة بواسطة «السبيل» الذي صدر عن دار لاروس (Larousse) سنة 1983م في إطار سلسلة زحل للمعاجم المزدوجة اللّغة. وأعيد طبعه مرّات عديدة منذ ذلك التاريخ. كما أعيدت كتابته بشكلٍ مختصرٍ، وصدر عن دار لاروس أيضًا سلسلة المريخ بعنوان: السبيل الوسيط. لكن السبيل عمل مستشرق مستعرب وليس إبداعًا عربيًّا. ص56-57

كيف ذلك!! وقد صدر المعجم الوسيط عن المجمّع اللّغوي في القاهرة سنة 1962 بعد مؤتمر الرباط بسنة واحدة، وسبقه أقرب الموارد للشيخ سعيد الشرتوني (1889).[11]

ـ وهذه شهادة من مستشرق عريق هو وليم مارسيه عن تعامل العرب مع لغتهم، أوردها الكاتب نفسه في أواخر الكتاب:

«إن فقه اللّغة العربية الكلاسيكية الأهلي هو، وأنتم لا تجهلون ذلك، بحث معتبر جدًّا، من الأبحاث المعروفة في هذا المجال. إنّ كميّة كتب النحو والمعاجم المتخصّصة والدراسات البلاغيّة والمجموعات ودواوين الشعر والحكمة التي جمعت لديها لأزيد من ألف سنة، بإمكانها ربّما أن تُغطّي جدران هذه القاعة وتتجاوزها. لم تحظ أمّة بهذا القدر من الحبّ من طرف أبنائها، لم تدرس قطّ أيّ لغة من لغات الحضارة بهذا القدر من الورع والإخلاص والدقّة، ولم تظفر أيّ لغة مثل العربية بما ظفرت به هي من التمييز والفرز والترتيب والقبول والرّفض لما يجب أن يُقال وما لا يجب أن يُقال؛ إضافة إلى شروح النصوص وشروح الشّروح وحواشي الشّروح. تكاثر قويّ، لكنّه كثيف وكأنّه معقّدٌ حيث يجب على المتبحّر الأوروبي أن يدخل هذا العالم، لكنّه معرّض لأن يُعرقل نفسه إذا لم يكن له دليل في دخوله هذا. كلّ شيء يذهل في هذا العالم، التعريف، التركيب، عرض المصطلحات، المصطلحات في حدّ ذاتها...»[12]. ص270

نعم تأثّرت عمليّة عصرنة اللّغة بتراجع البحث العلمي في العالم العربي، فكلّما زادت البحوث والاكتشافات العلميّة تمّ إنتاج مفردات ومصطلحات مناسبة لها، وهذا من مآسينا حين استسهل العرب كتابة المصطلح الأجنبي بالأحرف العربية من دون الالتفات إلى أنّ جذور بعض هذه الكلمات مرتبطة بمفاهيم شركيّة وأساطير وثنيّة، فكلمة «هرمونطيقا» التي تعبّر عن علم فهم اللّغة أو فهم الفهم كما يقول آخرون، أصلها مهارة منسوبة إلى إله إغريقيّ هو «هرمس» الذي كان مكلّفًا بترجمة وتفهيم كلام الآلهة، فيما يُمكننا أن نستخدم كلمة «علم التأويل» كمقابل لها مع توسعة الحقل الدلالي بحيث يشمل التأويل وفهم التأويل.

ويعترف الكاتب للعربية بالفضل والمرونة والمنطقيّة ولكنّه يرجع تراجع رصيدها إلى عاملين: نهاية الاستعمار الفرنسي للجزائر ثم تراجع الإهتمام باللّغة العربية: ففي الستينيات (1962-1965) بدأ تراجع الاهتمام باللّغة العربية في الثانويات الفرنسيّة، لصالح الرياضيات والعلوم. وبقيت المعاهد الاستشراقيّة توفّر تعليم العربيّة للكبار.

كان يمكن تصوّر وضعيّة ثقافيّة أخرى تكون فيها اللّغة العربيّة صاحبة الدّور المكوّن. فنحوها وصرفها وتراكيبها منطقيّة بصورة استثنائية تُمكّنها من إدماج وتطبيع كلّ مساهمةٍ خارجيّةٍ، بتجدّدها انطلاقًا من مادّتها ذاتها. كان بإمكانها أن تلعب هي أيضًا هذا الدّور، فالفضل يرجع إليها وإلى مساهماتها في مجال الفلسفة والعلوم والتقنيات في اكتشاف أوروبا لأصولها الثقافية اليونانية الرومانية في القرون الوسطى. ومع ذلك، فقد نسيت الوسيلة مبكّرًا، لكي لا تحفظ الذاكرة سوى المضمون الذي حملته هذه الوسيلة، والمتمثّل في (الإنسيّة Humanisme) العربية الإسلامية، التي نهلت في جزء منها من الإنسيّة الإغريقية اللاتينيّة. ومنذ 1830م، لم تعرف اللّغة العربيّة كلغة حضارة، ولم يعترف لها بذلك إلّا مجموعة من الأفراد القلائل، هم المستشرقون على وجه التحديد. وهذا إلى حين استقلال الجزائر، الذي قرع الأجراس معلنًا نهاية الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسيّة. ص64

لا أعرف من أين أتى ريغ بمصطلح «الإنسية الإغريقية اللاتينية» فلا تاريخ الفكر السياسي اليوناني ولا تاريخ الفلسفة يشير إلى نزعة «إنسانويّة بالمعنى العالمي» في حضارة الإغريق، فقد بدأ تاريخ التمدّن - اليوناني بالمدينة الدولة المحاطة بأسوار يقطنها أحرار هم المواطنون والعبيد، وتشكّل الصراع السياسي بين مدينيتين أثينا وإسبارطة، ومن هو خارج تلك الأسوار كان موسومًا بالبربريًة والتوحّش، تقول حنّة أرندت: بنيت أسوار المدينة-الدولة، وخارج نطاق تلك المدينة أي خارج نطاق السياسة بالمعنى الإغريقي للكلمة، «فإنّ القويّ فعل ما بوسعه، والضعيف قاسى ما يجب عليه أن يقاسيه»، والكلام للمؤرّخ الآثيني العظيم ثوقيديدس من القرن الخامس قبل الميلاد[13]. هذا في السياسة منطق القويّ في مقابل الضعيف، ومن المعروف أنّها كانت جزءًا من الفلسفة آنذاك. أمّا في الفلسفة فكانت نخبويّة تحتقر العوام من النّاس وتحتقر المرأة. وأذكر في هذا الصدد ما ذكره ويل ديورانت في قصّة الفلسفة عن أرسطو، الذي عاش حياته يعتقد بأنّ عدد أسنان الرجل أكثر من عدد أسنان المرأة، وبأسلوبه الطريف يقول ديورانت: مع أنّه عاش مع امرأتين طوال حياته ولم يكلّف نفسه أن يفتح فم المرأة ويعدّ أسنانها ليقارنها بأسنان الرجل. الإنسان في الفلسفة اليونانية هو الرجل النبيل الحرّ مقابل العبيد والمرأة والعوام، فلا أدري كيف يستسلم باحث بمقام ريغ لأسطورة الإنسانويّة الإغريقيّة كصورة نمطيّة أريد لها أن تُقلّل من البُعد الإنساني الواضح في الحضارة الإسلامية. على الرغم من أنّه يتصدّى في كتابه هذا لصور نمطيّة ورموز طبعت الاستشراق الفرنسي.

إنّ تحطيم إطار الصور النمطيّة الذي يُكبّل حتى النّخب، في مقاربة الغرب للشرق أو الشرق للغرب، بإمكانه أن يفتح نهر الحوار الحضاري ويكسر الأصنام ويُزيل السدود والحدود النفسيّة والثقافيّة التي تمنع التأثّر المتبادل. وهذه مسؤوليّة تقع على عاتق النخب على ضفّتي المتوسّط وعميقًا إلى الشرق الأقصى والغرب الأقصى.

خذ مثلاً هذه المعلومة التي يُقرّرها الكاتب عندما يقول: ومنذ 1830م، لم تعرف اللّغة العربية كلغة حضارة، ولم يعترف لها بذلك إلّا مجموعة من الأفراد القلائل، هم المستشرقون على وجه التحديد. وهذا إلى حين استقلال الجزائر، الذي قرع الأجراس معلنًا نهاية الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية... فهي تكشف عن واقع تسببت به عوامل شرقية وأخرى غربية.

فمن جهة الشرق ما كانت الدولة العثمانية حاملة لهذا الهمّ الثّقافي، بل توسّعت عسكريًّا «كدولة» لا كحضارة، وتأثّرت في تلك الآونة بما ينتجه الغرب، وكان كبار موظّفيها من الأجانب الذين تمّت تربيتهم على طاعة السلطان ابتداءً من الصّدر الأعظم الذي يحتلّ مكان رئيس الوزراء بالمصطلح الحديث. ولو أنّ الاهتمام ببسط السّلطة والسيطرة ترافق مع إنتاجٍ علميٍّ غزير باللّغة العربية لفرضت هذه اللّغة نفسها من جديد على العالم. هذا من دون أن ننسى الميول الطورانيّة التي كانت تنمو مع الميل التدريجي إلى تقليد الغربيين... والتي تُشكّل بدورها محبطًا للاهتمام بالعربيّة.

أمّا من جهة الغرب، فقد كان بدأ يشعر بأنّه الأقوى، وأنّ فرض الفرنسة أهمّ من استمرار العربية كلغة علمٍ وحضارةٍ، وكان نقل التراث العلمي عن العرب في نهاياته في حين بدأت تظهر الاكتشافات العلميّة من المختبرات الغربية، وأصبحت الأولوية هي استغلال هذه الاكتشافات عسكريًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، ومع انتشار اللّغة الفرنسيّة في الدّول الإسلاميّة والعربيّة المستعمرة بما تحمله من مضامينَ تبشيريّة وتغريبيّة سيكون من الصّعب المحافظة على اندفاعة العربية في دوائر الاستعمار، كما بيّن الكاتب أنّ استقلال الجزائر كان من أسباب تراجع الاهتمام بلغة المستَعمرين.  

ولعلّ المقارنة الطريفة مع البدايات توضّح المزيد من الأسباب، فقد كانت فرنسا تُروّج أنّها حاميةً للعرب والمسلمين، بل قوّة إسلاميّة وعربيّة!!!!: وكان يحلو للدعاية الرسميّة دائمًا، وحتّى ذلك الحين، تصوير فرنسا بالقوّة الإسلاميّة لتواجدها في شمال أفريقية الاستوائية، و«القوّة العربيّة» اعتبارًا للحماية التي كانت توفّرها لثلاثين مليون عربي في إطار المقاطعات الفرنسيّة (الجزائر)، والحماية (تونس والمغرب)، والانتداب (سوريا ولبنان). ص64

وأكّد ماسييه سنة 1930 على هذا الشعار الترويجي بقوله: «في الوقت الذي يحتفل فيه الفرنسيون بمرور مئة سنة على استقرارهم بالجزائر، نستطيع التذكير بأنّ فرنسا غدت أثناء القرن التاسع عشر قوّةً إسلاميّةً عظمى (...) والعرب (حوالي 38 مليون شخص) يمثلون أغلبية المسلمين الملحقين بفرنسا (...) إنّ هذا العدد نفسه يعفينا من التأكيد على الواجب الذي يفرض نفسه على الفرنسيين أكثر فأكثر. أي: حيازة معرفة كافية بالإسلام وبمختلف القضايا المتعلّقة به». غير أنّ الشهادة المهنيّة لتعليم العربية في الثانويات (CAPES) لم تحدث إلّا سنة 1975م. وتخرّج بها منذ ذلك التاريخ أساتذة مؤهّلون. ص64-65

ويبدو أنّ هذه الاندفاعة لم تستمر طويلًا ممّا جعل الكاتب يتساءل مستنكرًا: كيف يمكن فهم قرارات الوزارة (وزارة التربية الوطنية) المتخذة من جوان حزيران 1987م، والقاضية بعدم تجديد امتحان الشهادة المهنيّة (CAPES) لسنة 1988م، إن لم يكن تراجعًا، وعودة إلى وضعيّة ما قبل 1975م؟

6. الأدب والفنّ والماسونيّة

في الفصل الثاني تحت عنوان «منبع الأنوار»، يعود الكاتب إلى صورة الشرق كما ارتسمت بصورة شخصيّة في الأدب والفنّ الفرنسي لافتًا إلى أهميّة زيارة الشرق في تأهيل أعضاء المحافل الماسونية آنذاك، فقد كان من مبادىء الماسونيّة: تحسيس الأعضاء الجدد من خلال الرحلة الرمزيّة إلى الشرق. ومهما كانت طبيعة الرحلة: البحث عن المكان أو الكائنات، البحث عن الذات أو عن الآخرين. فقد غدت مشروعًا قام به (أو سيقوم به) الكتّاب أمثال: لامارتين (Lamartine)، ونرفال (Nerval)، وقوتييه (Gauthier)، وفلوبير (Flaubert)، ورامبو (Rimbeaud)؛ كما قام به الرسّامون أمثال: شاسوريو (Chasserieu)، ودولاكروا (DelaCroix)، وديكامبس (Descamps) وفرنيه (Vernet) وفرومنتان (Fromentin). ص73.

كانت الحروب الصليبيّة لا تزال حاضرةً في أذهان البعض: وكان السفر إلى هذه الشواطئ البعيدة يبدو دائمًا وكأنّه عودة. وهذه العودة حرّة في أن تأخذ شكل الحملة التأديبيّة أو الحملة الصليبيّة الثأريّة. يظهر من خلال كتابات شاتوبريان خصوصًا في كتابه: «الطريق من باريس إلى القدس» الذي روى فيه أخبار وحوادث الرحلة التي قام بها إلى المشرق في 1806-1807م: «قد أكون آخر فرنسي أخرج للسفر إلى الأرض المقدّسة بأفكار وهدف وشعور الحاج القديم». ص74.

و قد اهتمّ لامارتين في كتابه: رحلة إلى الشرق، بتبيين الاختلاف بين الدوافع التي قادت شاتوبريان، والدوافع التي قادته هو شخصيًّا: «ذهب السّيد شاتوبريان إلى القدس حاجًا وفارسًا، وهو يحمل العهد القديم والإنجيل والحملات الصليبيّة. أمّا أنا فقد مررت بها كشاعر و فيلسوف فقط». ص75

و من جهته كان فيكتور هيغو (Victor Hugo)، يجنح بخياله في هذه الأجواء من خلال قراءته لكتاب وصف مصر الذي تزيّنه لوحات لفيفانت دونون (Vivant Denon) 1747-1825م محافظ اللوفر. ولم يمنع نفسه من إنشاء قصائد في شرقياته ذات طابعٍ غنائيٍّ أحيانًا. ص76.  ونراها لدى فيكتور هيغو في إحدى شرقيّاته من خلال صيحات يتخيّلها على ألسنة محاربين مسلمين:

«اسحقوا يا مؤمني نبي الله

هؤلاء العساكر الثملين من فرط السكر

هؤلاء الرجال الذين يكتفون بإمرأة واحدة!!». ص82

أما طريقة تكيّف جيرار دو نرفال مع الحياة الشرقيّة فقد كانت تميل إلى الاندماج في الحياة العاديّة سواء في القاهرة أو اسطنبول: فقد حَلَقَ نرفال شعر رأسه ولم يحتفظ سوى بخصلةٍ منه، وقصّ لحيته حسب «آخر موضة في اسطنبول» وكان يتزيّن بسروال أزرق قصير وواسع، وصدريّة مطرّزة، ويضع على رأسه طاقيّتين الواحدة فوق الأخرى، وبهذه الصورة كان «يُنظر إليه على أنّه بدويٌّ سوريٌّ من صيدا أو طرابلس». ص79

وبدى عليه الارتياح من التشبّه بالأتراك: «أخيرًا، خرجت من عند الحلّاق وقد تغيّرت سحنتي وأنا سعيد لعدم تشويه مدينة جميلة كهذه بمعطفي وقبّعتي الدائريّة. كانت هذه القبّعة مدعاة لسخرية المشارقة، حيث يُحتفظ في كلّ المدارس بقبّعة فرنسيّة لإلباسها للجهلة وغير المؤدّبين. إنّها قبّعةُ الحمار لدى التلاميذ الأتراك». ص78-79

 إنّما المهمّ الذي يجب الاحتفاظ به، هو أنّ الاستشراق أو بالأحرى: الشرقانيّة (Orientalite) تطبع العقول وتغزو الحياة الثقافيّة كلّها بسرعة. فقد تراجع رفض الإسلام وعداوته شيئًا فشيئًا ليفسحا المجال لنوع من الفضول والاهتمام، وإن لم يكن كذلك فالتعاطف مع الأشخاص ومع الدّين، كما هو الحال لدى الفونس دولا مارتين، وتمكّن سحر الصحراء في آخر الأمر من الرحّالة، سواء أكانوا رجال أدب أم غير ذلك. وقائمة الشعراء والكتّاب والفنّانين والمغامرين والعلماء الذين رسموا معالم نوع من الشرقانيّة في استشراقنا حتى أيّامنا الحاضرة هذه طويلة. 81

تكمن فائدة هذه المشاهد في تذكيرنا بالطابع الإنساني البشري، للرّحلة إلى الشرق. فهؤلاء الذين يزوروننا بالنهاية بشر يحملون صورًا من الماضي قد تجعلهم منغلقين، أو يتمتّعون بعقل منفتح يجعلهم متعاطفين مع المشرقيين أو مندمجين معهم في حياتهم وعاداتهم. حتى إنّ بعضهم كما رأينا مع فيكتور هيغو أصبح يستخدم الإسلام والعادات الشرقية؛ لتوجيه رسائل نقديّة إلى نمط الحياة الغربي بأسلوبه الشاعري المتأثّر بعمق برسالات الشرق.

من دروس الأمس يجب أن نتعلّم أنّ من يأتي إلينا بعناوين مختلفةٍ قد يتحوّل إلى رسول لثقافتنا، إذا أحسنّا الإحاطة بشخصيّته وأهدافه بلا سذاجة، ونتحدّث هنا عن الأدباء والفنانين الّذين يملكون ذلك الحسّ الإنساني الذي يُحرّرهم من الموانع النفسيّة والنظرة الفوقيّة، فيتواضعون ويبدون استعدادًا للتأثّر والتفاعل مع محيطهم الجديد، وهؤلاء بخلاف الجواسيس والأمنيين الذين يأتون إلينا بمهامّ عدوانيّة تمّ تأهليهم لها حتى من الناحية النفسيّة، فأصبحوا مجرّد آلات تسجيل فوتوغرافيّة لما يحصل.

7. العودة إلى البدايات

في الفصلين الثالث والرابع الموسومين ب: ميلاد الاستشراق المستعرب، وباريس عاصمة الاستشراق. يعود الكاتب إلى البدايات، وكما في كلّ كتب المدارس الاستشراقية يبرز تعداد الإنجازات من قبل كبار المستشرقين في: تجميع المخطوطات، وأرشفة المكتبات، ووضع المعاجم، وابتداع مناهج في تعليم اللّغات. وينتهز ريغ الفرصة؛ لإعادة ترميم شخصيّة دي ساسي التي جرّحها في البداية مركّزًا على بُعدها عن الميدان، وبمجموعة من الاقتباسات المنتقاة بعناية يعود ذلك الدّور القياديّ والتأسيسيّ لِدي ساسي ليتصدّر المرجعيّة الفرنسية في الاستشراق الأوروبي: فسلفستر دي ساسي، «يعدّ من تلاميذه عددًا من فحول الفكر، في كلكتا كما في لندن، في القسطنطينية وسورية، في مصر كما في ألمانيا العالمة، في بطرسبورغ كما في لندن، أو لكي نعبّر عن مقصودنا أحسن، نقول: كلّ الأشخاص الذين كانت لهم إسهامات في الأبحاث التّي تتعلّق بالشرق قديمه وحديثه». ص164

وقد خلّف بطريق الأدب الشرقي هذا، لدى وفاته، إرثًا يكفي الجزء الصغير منه -الفتات، حسب إيساب دوسال بخصوص تفتيش الكتابة الشرقيّة- لإعطاء الحياة وإعادتها إلى شخص ما. لم يكن الطموح هو محرّك سلفستر دي ساسي من دون شكّ، بل كان الشعور بالواجب هو ذلك المحرّك.... و قد يتساءل أحدكم، كيف يفعل السّيد دي ساسي لتأليف هذه الكتب التي تتطلّب اهتمامًا زائدًا؟ فأُجيب بأنّ السّيد دي ساسي يأكل قليلًا، وأنّ عقله دائم العمل في الوقت الذي لا يكون فيه نائمًا». ص183-184 نقلًا عن رينو. الجريدة الآسيوية 1938. VI.

ويعود المستشرق الفرنسي البارز فولناي، الذي رأينا فضله في التمهيد لحملة نابوليون على مصر، ليظهر مؤسّسًا «لجيش المترجمين» الذي سيُزيل عقبة التواصل اللّغوي من أمام المصالح التجاريّة الفرنسيّة، في ملاحظات سجّلها: أثناء رحلته إلى مصر وسوريّة، والتّي امتدّت من سنة 1782م إلى 1795م، وقدّمها في مشروعه لتبسيط اللّغات الشرقية 1794/ 1795م :

«ذلك أنّنا لا نسمع لغات آسية التي نتعامل معها منذ عشرة قرون، ولا نعرفها. ولأنّ سفراءنا وقناصلنا لا يتحدّثون هناك إلّا بواسطة المترجمين، ويعيشون هنالك أجانب دائمًا. ولا يستطيعون توسيع علاقتنا ولا حماية مصالحنا... لأنّ مفاوضينا لا يعرفون لغة الموانئ التي يعيشون بها كالسجناء بصورة تجبر كلّ كتلتنا التجاريّة على المرور عبر الطريق الضيّق لبعض الوسطاء والترجمة». ص121-122

وقد ذهب فولناي إلى أبعد من هذا النّحو الأوّلي في طريق التعريف التطبيقي، فتصوّر نظامًا للتكوين الاستعرابي بنموذجين:

يتكفل بالنموذج الأوّل معهد الترجمة بمرسيليا، الذي عليه أن يضمّ عددًا من التلاميذ يتراوح بين 10 و15 تلميذًا في كلّ اختصاصٍ: التركية، الفارسية، عربيّة مصر، عربيّة المغرب، وسيقوم بالتعليم في هذا المعهد أساتذة وُلدوا في اللّغات التي سيُدرّسونها، ويكون عمّال المدرسة أنفسهم من البلدان التي تدرس لغاتها. وبهذا سيكون الطلبة في اتصال دائم مع اللّغة التي سيدرسونها، وقد تمّ تطبيق هذه المبادئ البيداغوجيّة الثوريّة -إن أمكن القول- بنجاح ماهر في أميركا أثناء الحرب العالمية الثانية من طرف الولايات المتّحدة الأميركية، التي كوّنت في آجال قصيرة ضبّاطًا بإمكانهم الإندساس بسهولة داخل الجماهير التي درسوا لغاتها دون أن يُكتشف أمرهم. ص124

وهكذا نرى أنّ معهد المترجمين الذي اقترحه فولناي كان صيغةً توفيقيّةً بين مدرسة اللّغات الشرقيّة ومنظّمة كان بالإمكان أن تكون تمهيدًا لمعهد العالم العربي، الذي أُحدث بصورةٍ رسميّةٍ في باريس يوم 14 أكتوبر /  تشرين الأول 1980م، رغم أنّ مقرّه الرائع الجديد برصيف سان–برنار على ضفاف السين لم يُدشّن إلّا في شهر ديسمبر 1987م. وحدّد قرار إحداث هذا المعهد وظيفته في: «تطوير معرفة العالم العربي، تنشيط بحوث معمّقة عن لغته وقيمه الثقافيّة والروحيّة. وتشجيع المبادلات والتعاون وخصوصًا في مجالات العلوم والتكنولوجية. والمساهمة بذلك في تطوير علاقات هذا العالم بأوروبا». ص125

الواقع أنّ هذا النّوع من المعاهد المختصّة بالعالم العربي في فرنسا وغيرها قد بدأ يتعامل أو قُلْ يُنشىء ظاهرة المتغرّب-المستشرق، وهو مثقّفٌ عربيٌّ أو مسلمٌ درس في الجامعات الغربية وتشرّب مناهجها ثمّ سخّر ما عنده لتعريف الغرب ببلده أو بطائفته أو بمجتمعه الأصلي مرتكزًا على معرفة باللّغة الأم لا تتوفّر إلّا لمن عاش في الشرق مدّة طويلة. وهذه الفئة من الباحثين أصبحت تقوم بأدوار استشاريّة مهمّة للإدارات الغربية، وبعضها يتبنّى منظورًا خاصًّا لما يجب أن تكون عليه السياسة في بلده ويحاول تسويقه مستعينًا بمراكز الدراسات ولوبيات الضغط.

لا نُريد أن ندخل هنا في الأسماء، ولكن إجمالاً تنوّعت مساهمات هذه الفئة بحسب القدرات العلميّة والمهارات الشخصيّة للباحث وفهمه لمسألة الهويّة والإنتماء، فترى البعض يُقدّم صورةً واقعيّةً مضيئةً عن بلده وإن كان خصمًا لنظامها السياسي الحالي، فيساهم في ترشيد سياسات الدولة الغربية التي يعمل مستشارًا لها، وهناك الصنف اللامنتمي الذي يُقدّم ما عنده بغض النظر عن أثره على مصير بلاده وعلاقاتها بالغرب، أمّا الأسوأ والأخطر فهو السّلفي الوهابي أو العلماني، الذي يتحالف مع الصهيوني ليستقوي باللوبيات اليهوديّة على خصومه في بلده خصوصًا والمشرق عمومًا.

هذه الفئة أصبحت تُوفّر على المؤسّسة الاستشراقيّة المستمرّة بأسماء جديدةٍ، جهودًا مضنيّة بُذلت من أجل إتقان اللّغات واللّهجات والتقاليد والأعراف والعقائد والتراث والقيم والمجتمع عامّة.

8.  المستعمرة ميدان عمل المترجمين

وما تلبث الهدنة مع منهجيّات دي ساسي أن تنتهي لصالح رسالة واضحة يُدافع عنها المؤلّف حتّى آخر سطر من الكتاب، وهي تدعو إلى تغييرٍ بيداغوجيٍّ في أساليب تعليم اللّغة العربية، وتغليب الاحتكاك الميداني على الدراسات النظريّة بعيدًا عن بيئة اللّغة. وتأتي الصعوبات التي واجهتها فرنسا في الجزائر كمساعد للمؤلّف حين يستعرض الحلول التي لجأ إليها الاحتلال الفرنسي نتيجة تقصير المدرسة الشرقية في تأمين حاجة فرنسا من المترجمين:

يقول ريغ: إذا لم تكن مدرسة اللّغات الشرقيّة قد وجدت السبيل بعد إلى تكوين التراجمة الذين كانت فرنسا بحاجة إليهم كما كان يريد لها منشؤوها، فإنّ غزو الجزائر سيُعطيها وبسرعةٍ فرصةً تُظهر من خلالها أهمّيتها وضرورتها. ورغم أنّه كان يجب انتظار سنة 1863م لكي يتمكّن تلاميذها من متابعة دروس في العربية الجزائرية، فإنّ خرّيجيها قد وجدوا ابتداءًا من سنة 1830م ميدان عمل طبيعي في المستعمرة. فالمترجمون هم الأكثر عددًا، على أنّهم كانوا يصبحون فيما بعد أساتذةً للعربية أيضًا، وبعضهم يجد تكوينًا مكمّلًا في مجالاتٍ أخرى، كالصحّة والجيش والإدارة، ويواصل البعض تطويره هناك. ص190-191

غير أنّه يظهر في بداية التدخّل الفرنسي، أنّ التراجمة الذين كان عليهم أن يلعبوا دورًا جدّ مهمّ حين الإنزال، مثل ذاك الذي لعبوه بإشراف فنتور دوبراديس أثناء حملة نابليون على مصر، لم تكن لهم معرفة كبيرة باللّغة التي يُفترض أنّهم يتحدّثونها في هذا البلد، وفيما عدا أبراهام دانينوس، المولود بالجزائر، والمترجم بالمحكمة التجاريّة بالسين، قبل تعيينه دليلًا - مترجمًا لدى أركان حرب الجنرال دوبورمون، فإنّ كل تراجمة الحملة كانوا اختصاصيين في اللّهجات الشرقية. ص191.

ويصف أندري – شارل جوليان  كيف تمّ حلّ مشكلة التراجمة: «وقد وظّف خلاف ذلك أربعون مترجمًا، بعضهم ذوي ثقافةٍ جيّدةٍ جاؤوا من الهيئات القنصلية أو من الأكليروس أو من التعليم. ولكنّهم يجهلون العربية الدارجة. وبعضهم وُظّفوا بالصدفة ضمن المسافرين المشارقة أو المماليك القدماء الذين نجوا من مذبحة 1811م، أو حتى يهود الجزائر القادرين على إفهام السكّان على الأقلّ، إن لم يكسبوا عطفهم». ص195

هذه الصعوبات التي يُلاقيها المسؤولون المدنيّون والعسكريون في المستعمرة الجديدة في الترجمة الصحيحة للوثائق الرسميّة من لغة إلى أخرى، ليست مستغربة، لأنّ المختصّين في الترجمة هم إمّا: «رجال فاسدون دائمًا تقريبًا وغير جديرين بالثقة، وهم يُؤكّدون المثل الشرقي: المترجمون ألعن من الطاعون». ص195-196 كما يقول الجنرال برتيزان، ثمانية عشر شهرًا في الجزائر. وإمّا يجهلون العربية تمامًا مثل: «هؤلاء الخدّام الغاسكونيين، الذين أدخلهم القائد العام دوكلوزال إلى سلك الترجمة». ص196 بيلسييه دورينو، حوليات جزائرية I.

ويستمرّ حشد الشواهد على عقم الطريقة النظريّة المعتمدة في تعليم اللّغة، في دعوةٍ صريحةٍ تصل إلى نقد منهجيّة المقاربة التي أوصلت في النهاية إلى استشراق بلا مشروع.

توماس إسماعيل أوربان سيف المترجم العربي في غمده

و مع ذلك، فإنّ سلك المترجمين العسكريين هذا لم يتأخّر في تنظيم نفسه، و ضمّ العديد من الضبّاط الموهوبين الذين عرفوا كيف يُظهرون بالمناسبة صفات العسكري أو المفكّر وتسخير معارفهم الحقيقية في اللّغة العربية في الميدان. ومن هؤلاء واحد على الخصوص احتلّ مكانةً مهمّةً طيلة النّصف الأوّل من القرن التاسع عشر، ولعب دورًا أساسيًّا، وهو: توماس إسماعيل أوربان، الذي كان سان سيمونيّاً، تعلّم العربية في مصر، واعتنق الإسلام. نراه في جيش أفريقيا ينتقل بين الفرنسيين هنا وهناك، وهم الفرسان الذين يظهرهم هوراس فرنيه بوضوح في لوحته التي تمثّل سقوط زمالة عبد القادر يضربون سيوفهم ذات اليمين وذات الشمال، وأوربان إلى يسار الدوق دومال، هو الوحيد الذي كان سيفه في غمده، وأثناء عرض اللّوحة في أحد المعارض سيق التوضيح التالي لدى الاستفسار عمّن يكون ذلك الضابط الشاب: «ملحق بشخص الأمير، مترجم عربي، لم تكن مهمّته القتل بل التهدئة». ص197

و قد اُعتبر أنّ تلك هي مهمّته طوال فترة خدمته. وقد حاول لمّا كان موظّفًا ساميًا في الجزائر أن يُقنع السلطة من خلال كتاباته الكثيرة بعدم اتباع سياسة الإدماج، وكان من أصحاب فكرة الممكلة العربية لنابليون الثالث الذي كان يسمع له كثيرًا. (يأخذ برأيه؟). ص197

لعلّ نصيحة المترجم أوربان قد سمعت أخيرًا، عندما منحت الدول العربية والإسلامية نوعًا من الاستقلال الشكلي، بضمانة نخب حاكمة تابعة للغرب، خفّفت من حساسيّة الوجود الاستعماري المباشر، ولم تحل دون تعميق مسار التبعيّة، فمعظم الدول العربية والإسلامية اليوم إلا ما ندر، هي من ناحية السيادة المنقوصة، وآليّة اتخاذ القرارات الاستراتيجية بل حتى في التفاصيل الأقلّ من استراتيجية..مجرّد ممالك لدول الاستعمار القديم أو الحديث، وبذلك نفهم كيف أنّ مترجمًا نابهًا مهمّته دخول المستعمر بسلاح الكلمة يجب أن يبقي سيفه في غمده لأنّه سلاح بدائيّ جدًّا قياسًا لِمَا يحمله من أفكار.

9. دروس الجزائر

إنّ الجزائر بالضبط هي التي ستكون حجر المحكّ بالنسبة للاستشراق الفرنسي. فهي المكان الذي ستتأكّد فيه بداية المواهب التي ظهرت في باريس، قبل أن تظهر بها هي الأخرى مواهب أخرى بعد ذلك. إنّها المكان الذي سيجد فيه نواة المكتبة، بفضل المخطوطات المجموعة هنا أو هناك. وأُسندت إلى أحد مفتّشي التربية العموميّة مهمّة هذا التعليم العمومي المجاني: دروس في اللغة الفرنسية للجزائريين المسلمين واليهود، وأخرى في العربية للفرنسيين. و قد أُوكل هذا الأمر للمترجم جواني فرعون قبل أن يُعيّن لذلك بصفة رسمية سنة 1832م كأستاذ خلفًا للقطبي عقوب الذي كان أستاذًا بثانويّة لويس الكبير، والذي تُوفّي قبل أن يتمكّن من الالتحاق بمنصبه الجديد. كان الأمر حسب الدوق دوفيقو يتمثّل كما كتب في إحدى الرسائل في: «تسهيل التواصل والتبادل بيننا وبين الأهالي وجعله أكثر سرعةً.ص203

ويُصرّح في الرسالة ذاتها: «لن أيأس في أن أرى بقليل من الوقت لدى الأستاذ نفسه، وفي الساعة نفسها، الفرنسيين والإسبانيين واليهود والمورس مجتمعين». برنامج جميل في الواقع، غير أنّه حرص قبل ذلك ببضعة أسطر على أن يُوضّح توطين لغتنا (أي: جعلها وطنية) هو الشرط الوحيد لأنْ تُصبح الجزائر من الممتلكات الفرنسية، وسبيل ذلك: «الشيء الخارق للعادة حقيقة، والذي يجب القيام به، هو إحلال الفرنسية محلّ العربيّة شيئًا فشيئًا، لأنّها وهي لغة السلطات والإدارة، لن تجد صعوبة في الانتشار بين الأهالي، خصوصًا إذا جاءت الأجيال الجديدة للتعليم في المدارس وبأعداد كبيرة». ص204

في حكمه على هذا التوجّه الهادف إلى «فرنسة الجزائر» يقول الكاتب: «يمكن اعتبار هذه التصريحات نظرةً نافذة إلى بواطن الأمور، خصوصًا إذا نظرنا إليها ضمن آفاق سياسية استعمارية راديكالية». ولكنّها مع الفشل في دعم العربية أفضت بالفعل إلى تحوّل العربية إلى لغة أجنبية في الجزائر، وحتّى بعد الاستقلال بقيت هذه الازدواجية اللّغوية تصارع لتدخل البلاد في نقاشات أزمة الهويّة التي بُنيت بدورها على خلفيّات إيديولوجيةٍ تدافع عن ضعف العربية في مقابل اللّغات الأخرى: وتبنّت السلطة منذ الاستقلال خطابين مختلفين تجاه هذه المسألة: خطابًا رسميًّا دستوريًّا يُقرّ بترسيم وتعميم اللّغة العربية، وخطابًا فعليًّا يهمّش هذه اللّغة ويجعل اللّغة الفرنسية هي اللّغة الرسميّة بلا ترسيم. وأمام تذبذب الخطاب الرسمي نشأ الخطاب الأيديولوجي المعارض للغة العربية، بل رفض كلّ ما هو عربي، ورفض الإسلام والبحث في الأصول الأولى للهويّة (كالأمازيغية، إلى آخره). وهذا ما فتح المجال لبقاء الفرنسيّة، كما سمح للّهجات بأن تنال بعضًا من الاهتمام وعلى حساب اللّغة العربية.[14]

و إذا صحّت إحصائيّة برنييه فإنّ العامل العددي الديمغرافي لم يكن مع بدايات الاحتلال لصالح المسلمين: ففي العدد الموالي من الجريدة الآسيوية (VI) نشر برنييه صورة عامّة عن العربية المنطوقة في الجزائر. وأعطى في بدايته إحصائيّات لسكان الجزائر في الفاتح من جانفي/  يناير/  كانون الآخر 1838 الذي يبلغ عددهم 25962 ساكن موزعين كما يلي:

ـ الأوروبيون 7575.

ـ المسلمون 12332.

ـ اليهود 6065.

و يتوزّع المسلمون كما يلي:

ـ الأتراك والمورس (سكان الأندلس المسلمون) 9031.

ـ القبائل 1580.

ـ أهل بسكرة 596.

ـ السود 351.

ـ المزينة 146.

(يستعمل أفراد الأصناف الأخيرة من السكان في الأعمال الفلاحية وأشغال البناء وحمل الأثقال).

وبني مزاب 629.

( وهم يحتلّون مختلف فروع التجارة). ص208-209

وتشرح هذه الإحصائيّة كيف سهّلت المكوّنات السكانيّة عملية الفرنسة، في مقابل اعتماد المسلمين على طريقة الكتاتيب والزوايا الصوفية. 

وكان من الطبيعي أن ينسحب ضعف العربية في الجزائر، على إضعاف الاهتمام بها في فرنسا، ولكن ريغ يصرّ على أنّ الأمور كانت لتسير بطريقة أفضل لو أنّ الاهتمام بالعربية تطوّر من النظريّ إلى العمليّ: وللوصول إلى السيطرة على أداة التبليغ هذه يجب عدم التوقّف عند مبادئ عامّة ونظريّة حول عمل النحو الذي لا يُفسّر إلّا أمورًا واقعة، ولا ضرورة له إلّا بعد الممارسة. ص213

لقد صوّر الأدب الساخر، وكذلك فعلت الأمثال، في كلّ لغات العالم، العالم الفلكي الذي يسقط في الحفرة أمامه لا يراها، وهو الذي يُمضي وقته في مراقبة النجوم. نستطيع أن نقول بلا تهكّم، أنّ هذا هو حال الاستعراب الفرنسي بعض الشيء منذ القرن التاسع عشر. ص215

إنّ المعادلة التي يُحاول الكاتب أن يكرّسها، قد فقدت دوافعها في توازنات القوى، فهو يُقارب الاستشراق بل يريده رسالة حوار نبيلة، أو عملية سيطرة مرهفة ناتجة عن تعمّق حقيقي في لغة الدول المستعمرة، والواقع أنّ المسؤولين الحكوميين المموّلين لهذه المؤسّسة في واد آخر يهدف إلى إلغاء الآخر في لحظة تاريخيّة سنحت بعد قرون من تحوّل الإسلام إلى قوّة عالميّة اختزلت بالدولة العثمانية التي غلبت منطق الدولة التوسّعي على منطق الحضارة.

10. نقد المركزية

كان يمكن للتواجد الفرنسي في العالم العربي أن يكون فرصة له، غير أنّ المركزيّة المبالغ فيها للملكية، ثم الأمبراطورية، ثم الجمهورية، حكمت على الاستشراق بأن يكون من باريس أو لا يكون. ومنذ ذلك الحين لم يكن يمكنه تأمين الاستقرار لنفسه إلا بالتميّز، الذي ستكون له نتائج ستظهر بعد قرن من ذلك. نتائج غير متوقّعة على التصرّف الذي يمليه عليه الواجب، لأنّه أراد أن يكون، في يوم ما ازدواجيًّا دون أن يبحث لنفسه عن الإمكانيات، ودون أن يجدّدها من الداخل.. ص215-216

هذا ما يحصل دائمًا عندما يكون العلم: «حقلاً من حقول السلطة» كما يقول ميشال فوكو، والمثل الفرنسي يقول: من يعطي يأمر، ولا حلّ لذلك إلا بأن يكون البحث العلمي من شؤون الأمّة، مستقلًا في تمويله وتوجّهاته وأهدافه عن السلطة السياسية، أو شاهدًا عليها، سواء كان موضوعه العلوم الاجتماعية أو البحتة أو علوم الدين. إنّ النظام المتّبع في الحوزات العلميّة وحتّى بعض الجمعيات العلميّة في العالم والمموّلة من جهات خيريّة اجتماعية، حيث يتمّ تأمين حياة العالم أو الباحث أو طالب العلم من مرجعيّة منفصلة عن السلطة السياسية، هو في تقديري الحلّ العملي الأمثل الذي يحفظ حريّة العلم والعالم والبحث العلمي، ويضمن أنّ يتطوّر بالشكل الطبيعي بمضمون إنساني بلا غرض ولا مرض. فما يطلبه الكاتب في عمليّة شديدة الصّلة بغايات وأهداف الدولة في عصر حلّت فيه الدولة مكان الكنيسة، بل على طريقة بعض الفلاسفة مكان الإله، لا يملك أيّ فرصة للتحقّق وكلّ ما ورد في كتابه يُساعد على الوصول إلى هذه النتيجة، خصوصًا عندما يرتبط الاستشراق لا بالسلطة السياسية وحدها بل أيضًا بالطغمة العسكرية: فقد يكون المستعربون ضباطًا أيضًا، كالجنرال دوماس الذي نشر عددًا من المؤلّفات لبعضها عناوين موحية: الأخلاق والعادات، الحياة العربية والمجتمع الإسلامي (1869). والتي كان للمترجم السابق إسماعيل أوربان، حسبما يبدو، دورٌ مهمٌّ في تحريرها. وقد حدّد هذا (الجنرال الذي فتح المدارس) العربية سنة 1844 لضبّاطه مهمتين أساسيتين: الاتصال والاحتكاك الشخصي، وممارسة العدالة. ص221

إن متطلّبات السيطرة حكمت حتى التوجّهات التي بدأت تُطوّر في فهم الشعوب: فالاهتمام بأخلاق الشعوب والجماعات المحلية وعاداتها، الذي رأيناه يتزايد شيئًا فشيئًا، يُترجم احتياجات جديدة، بالنسبة للاستشراق الفرنسي على الأقل. بما أنّه تأكّد أنّ هذه الاحتياجات سياسية، ولنقلها إيديولوجية أيضًا بمفهوم ماركسي. لأنه يمكن فهمها كغطاء فكري أو تبرير أخلاقي، وهو إن كان على وعي بذلك أم لا من إنتاج المستعمر بهدف إخفاء سيطرته. كما كان يجب أيضًا فهم الشعوب العربية في قسم كبير منها، والبربرية في بعضها بعد قهرها، ثم إقناعها بأنّ المستقبل مع المستعمر، وأنّ لا مستقبل لها بدونه. وهكذا فإنّ الاستشراق كان يسلك شيئًا فشيئًا طريقًا يمرّ على حدّ الموس إن أردنا التعبير عن ذلك بطريقة مسرحيّة بعض الشيء. ص223

لا بل كان الاستشراق طرفًا في لعبة المعرفة-السلطة، تفتح له الجيوش ميدان العمل، فيدخل لإقناع أهل البلاد الجديدة بأن «لا مستقبل لهم بدون المستعمر» فأين هو حدّ الموس هنا؟! لقد سمّى ريغ نفسه «بالمستعرب الفرنسي» متجنّبًا الإيحاء السلبي لصفته كمستشرق، ولكن أطروحته تركّزت في الحقيقة على تطوير أساليب الاستشراق نفسه، من غير أن ترتقي إلى نقد أصل العمليّة، حتى وإن كان ينظر إلى تحقيق مصالح الدولة بأساليب أخرى.

------------------------------------


[1] https://www.babelio.com/ livres/ Reig-Homo-orientaliste--La-langue-arabe-en-France-depu/ 605722.

[2] https:/ / kitabat.com/ 2019/ 03/ 10/ %C2%A4-/ .

[3] https:/ / www.djazairess.com/ elbilad/ 9704.

[4] Français d’origine européenne installé en Afrique du Nord jusqu’à l’époque de l’indépendance،https://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/pied-noir/ 60796?q=pieds-noirs#60408.

[5] https:/ / www.caminteresse.fr/ culture/ pourquoi-les-francais-dalgerie-ont-ils-ete-appeles-les-pieds-noirs-1183412/.

[6] https:/ / www.franceinter.fr/ histoire/ d-ou-vient-l-expression-pieds-noirs.

[7] صدر الكتاب مترجما إلى العربية عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية ضمن سلسلة «دراسات غربية.

[8] يوهان فوك: تاريخ حركة الإستشراق، من ص41 - 50 بتصرف.

[9] https:/ / e3arabi.com/ %D8%

[10] عبد الحميد محمد أبو سكين: المعاجم العربية مدارسها ومناهجها، الفاروق للنشر، القاهرة، 1981، ص26-28 بتصرف.

[11]  عبد الحميد محمد أبو سكين: المعاجم العربية مدارسها ومناهجها، الفاروق للنشر، القاهرة، 1981، ص 28 بتصرف.

[12] تقرير عن جلسات أكاديمية الآداب و النقوش الجميلة 1938م – ص: 81-82.

[13] حنة أرندت، في الثورة، ترجمة عطا عبد الوهاب، المنظمة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت 2008، ص15.

[14]حسنية عزاز، اللغة العربية في الجزائر بين التعريب والفرنسة، مجلّة عود الند، العدد الفصلي 8، ربيع 2018، على الرابط التالي: https:/ / www.oudnad.net/ spip.php?article1950

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف