البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

July / 24 / 2021  |  542منهجيّة الفاروقي في قراءة النموذج المعرفي الغربي شرط المعرفة وضرورة النقد

حسان عبد الله حسان المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية خريف 2021 م / 1442 هـ
منهجيّة الفاروقي في قراءة النموذج المعرفي الغربي شرط المعرفة وضرورة النقد

لم يكن اتّصال الغرب بالشرق عمومًا، وبالجغرافيا العربيّة الإسلاميّة على وجه الخصوص، سوى تواصل هيمنة وغلبة. تلك هي الخلاصة الكبرى البادية للعيان منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا. ما الذي نشأ من هذا الاتّصال غير المتكافئ، وإلى أيّ مدى كان للغرب المهيمن من أثر على مسارات التقدّم والتنمية والاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي على مجتمعاتنا؟

      تسعى الدّراسة إلى الكشف عن الوعي المنهجي للفاروقي في قراءته للنموذج المعرفي الغربي، وتحديد المنطلقات الفكريّة لهذه القراءة المنهجيّة، والتعرف على الأدوات المنهجيّة التى استخدمها الفاروقي في هذه القراءة. وذلك بهدف استخلاص الخبرة المعرفيّة للفاروقي في النّظر للنموذج المعرفي الغربي باعتبارها خبرةً مضافةً نحو التأسيس المعرفي الحضاري للأمة في نظرتها إلى الآخر وتحديد ضوابط التثاقف الحضاري معه، وذلك من خلال الاعتماد على منهجيّة تحليل النص “الفاروقي” في جوانبه المتعدّدة، واستخلاص لأدواته المنهجيّة ومفاهيمه التحليلية التى قدمها في قراءته للنموذج المعرفي الغربي.

المحرّر


اتّصل المسلمون بالغرب في العصور الإسلاميّة الباكرة، فعرفوا حضارته واستوعبوها، دون أن يتأثّروا بها في تصوّراتهم ورؤاهم الأساسيّة، وذلك بفضل القوّة النّفسيّة من ناحية، وامتلاك القدرة المعرفيّة والمنهجيّة المستمدّة من الرؤية الكليّة المستقلّة والمتفرّدة والتصوّر الحضاري الشامل من ناحية أخرى. ثم تجاوز المسلمون حضارة الغرب، وأسّسوا حضارة عرفت في التاريخ الإسلامي ونسبت إلى عقيدتهم ودينهم وهي “الحضارة الإسلامية”.

ثم كان اللقاء الثاني على “خوف من الغرب وفكره وعمله”، والذى تزامن مع التراجع الحضاري للعقل المسلم وإصابته بالجمود والذبول الفكري، وفقدانه لقوّته النّفسيّة وقدراته المعرفيّة والمنهجيّة الذاتيّة الدافعة ـ والذى تجاوز في خطورته فقدان مؤسّسة الخلافة ذاتها ـ هذا مع بروز التفوّق الغربي في مجال العلوم والاكتشافات العلميّة، أو ما يمكن أن نُسمّيه بـ”الأرصدة المادية للحضارة”، وتزامن ذلك ـ  أيضًا ـ بالاحتلال الغربي العسكري للعالم الإسلامي المُفكّك سياسيًا وفكريًا، فكان “الاستدراج” الفكري والثقافي أداة الغالب، والاستتباع حيلة المغلوب وحالته.  

تحرّك العقل المسلم إزاء هذا الاتّصال الثاني بالغرب حركتين: الأولى، حركة الخائف والمتوجس من “الانصهار” و“الذوبان” في نهر التفوّق الغربي، وسارت هذه الحركة في مسارين أساسيين، الأوّل: تمثّل في اتّجاه التعبئة والتحذير للعقل المسلم من “الاستلاب”و”الغزو الفكري والثقافي” و”التغريب” كما عند رشيد رضا، ومحي الدين الخطيب، ومصطفى صبري، وجلال آل أحمد. والمسار الثاني: تبنّى دعوة “المقاومة” و“استعادة الهوية” في مقابل “الآخر”، فظهرت في صورة ردود تحمل عناوين “الإسلام والمدنية”، “الدين والعلم”، كما عند محمد عبده، ومصطفى الغلاييني، وأحمد عزت باشا، أو في دعوات تجديديّة كما عند محمد إقبال، أما الحركة الثانية للعقل المسلم، فهي حركة يبدو فيها طابع “التسليم” بتفوّق الحضارة الغربية وتفوّق حضارته ونهضته، وسارت هذه الحركة – أيضًا – في مسارين: الأوّل، حاول التوفيق بين عناصر الذات الأصيلة وما أنتجه الفكر الغربي من نظريات واكتشافات تحت عنوان “التوفيق” بين منجزات هذه الحضارة وبين المبادئ الإسلامية كما عند الطهطاوي، أمّا المسار الثاني، اتخذ من منهجيّة “النقل والاقتباس” طريقًا لاستعادة الدور والمكانة، وهو ما عرف بمسار “التغريب”، ويظهر جليًا عند طه حسين، وإسماعيل مظهر، ونامق كمال، ومدحت باشا، ورضا خان.

وفي النّصف الثاني من القرن العشرين ظهر مسار آخر في تناول الفكر الغربي وقراءته، يقوم على الانطلاق من الذات، ومن استحضار القوة الدافعة الوجدانيّة، مع امتلاك المنهجيّة المعرفيّة الذاتيّة؛ وذلك بهدف تحقيق الاستيعاب القائم على التبصّر والبصيرة الحضارية. ومن الذين أسّسوا لهذه “المدرسة الحضارية”  مرتضى مطهري ومحمد حسين الطباطبائى في “أسس الفلسفة والمذهب الواقعي”، ومحمد باقر الصدر في “فلسفتنا” و”الأسس المنطقية للاستقراء”، وعلي شريعتي في “العودة إلى الذات”، وعلي عزّت بيجوفيتش في “الإسلام بين الشرق والغرب”، ومراد هوفمان في “الإسلام كبديل”، وغيرهم ممن ساهموا في تأسيس قراءة معاصرة للفكر الغربي لا تقوم على “الخوف” أو “التعبئة” أو “الاستلاب” أو “ التلفيق”، بل تقوم على تأسيس منظور حضاريٍّ قائم على الانفتاح على الآخر واستيعابه، انطلاقًا من الثوابت الحضاريّة التي قامت عليها الشخصيّة المسلمة، واستهدافًا  لاستعادة الدّور والمكانة وفقًا لهذه الثوابت الحضاريّة.

كما اهتمّ “الوعي الإسلامي” خلال العقدين الأخيرين بالنّظر إلى النموذج المعرفي الغربي من خلال تأسيس آليات لدرسه ونقده لا سيّما آليات إبراز “التحيّز” المعرفي في هذا النموذج. وهو ما أشار إليه عبد الوهاب المسيري في تقديمه لبحوث مؤتمر “إشكالية التحيز”، والذي رصد فيه مجموعة من التحيّزات في النموذج المعرفي الغربي منها: التحيّز الطبيعي المادي على حساب الإنساني وغير المادي، تحيّز للعام على حساب الخاص، تحيّز للمحسوس والمحدود وما يُقاس والكمي على حساب غير المحسوس واللّا محدود وما لا يقاس والكيفي، وتحيّز للبسيط والواحدي والمتجانس على حساب المركّب والتعدّدي.

وإسماعيل راجي الفاروقي (1921-1986) ممن ينتمون إلى هذه المدرسة الحضارية في قراءة الفكر الغربي ونموذجه المعرفي قراءة تستند إلى استدعاء تلك القوّة الوجدانيّة الدافعة، واستحضار أسس المنهجيّة المعرفيّة التوحيديّة.

ويدعو الفاروقي في رؤيته الحضاريّة إلى التّثاقف الحضاري مع الحضارات القائمة بصفة عامة، ومع الغرب بصفة خاصة، انطلاقًا من الموقف الحضاري الإسلامي القادر على الانفتاح والاستيعاب ثم التجاوز في ظلّ ثوابته ورؤاه الأصيلة “... إنّ حضارتنا الإسلاميّة مفتوحة غير منغلقة. ولا شكّ أنّنا مكلّفون بتحصيل العلم أنّى وجد والاستفادة منه في تعزيز الأمّة وتنمية مواردها وازدهارها. فقد حثّنا الله تعالى على العلم وتلقيه وفضل الذين يعلمون على الذين لا يعلمون، وفرض
رسول الله طلب العلم على كلّ مسلم ومسلمة، من المهد إلى اللّحد. ودلّ على أنّ الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنّى وجدها. وما من دين ولا ثقافة في الدنيا رفعت شأن العلم والتعلّم وحثّت الناس على طلبه كما فعل الإسلام”[2]

ويطرح – أيضًا- شروطًا عدّة للتثاقف الحضاري مع الغرب، لا سيّما فيما يتعلق بدرس العلوم التي يتفوق فيها في اللحظة الحاليّة “...أوّلها إتقان العلم والهيمنة عليه، أي الإلمام التام والتفهّم الكامل لكلّ ناحية من نواحيه. فالتعرّف السطحي بالعلم لا يكفي ولا يغني والاكتفاء به جرم. على المسلم الذى يطلب العلم عند الغرب وأن ينفذ إلى كافة الحقول والمكامن، ويحيط بتاريخ العلم ومنجزاته، ويدرك مناهجه النظريّة ومسالكه العمليّة، ويعرف مشاكله وآماله حتى يقف على نشأته وحاجاته وإمكانياته”[3]

 وتسعى الدّراسة الحاليّة إلى الكشف عن الوعي المنهجي للفاروقي في قراءته للنموذج المعرفي الغربي، وتحديد المنطلقات الفكريّة لهذه القراءة المنهجيّة، والتّعرّف على الأدوات المنهجيّة التى استخدمها الفاروقي في هذه القراءة. وذلك بهدف استخلاص الخبرة المعرفيّة للفاروقي في النّظر للنموذج المعرفي الغربي، باعتبارها خبرةً مضافة نحو التأسيس المعرفي الحضاري للأمّة، وذلك من خلال الاعتماد على منهجيّة تحليل النّص عند “الفاروقي” في جوانبه المتعدّدة، واستخلاص لأدواته المنهجيّة ومفاهيمه التحليليّة التى قدّمها في قراءته للنموذج المعرفي الغربي.

و بناءً على ما تقدّم تحاول الدراسة الحاليّة الإجابة على ثلاثة أسئلة أساسيّةٍ تتلاقى مع عنوان الدراسة وأهدافه، وهي:

ما الإطار المرجعي الذي يستند إليه الفاروقي في نموذجه التفسيري؟

ما الدّوافع الحضارية للفاروقي في قراءة النموذج المعرفي الغربي؟

كيف قرأ الفاروقي النموذج المعرفي الغربي وأدواته المنهجيّة المستخدمة في هذه القراءة؟ 

محدّدات مفاهيميّة

1 - المنهجيّة

لغة: المنهج أو المنهاج هو الطريق الواضح، وفي القرآن لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا {سورة المائدة، الآية48}، قال صاحب المفردات: النهج الطريق الواضح، ونهج الأمر وأنهج: وضح، ومنهج الطريق ومنهاجه[4].

اصطلاحًا: المنهاجيّة هي”علم بيان الطريق والوقوف على الخطوات...أو الوسائط والوسائل التى يتحقق بها الوصول إلى الغاية، على أفضل وأكمل ما تقتضيه الأصول والأحوال...والمنهجية مصدرًا لابتغاء الرشد...من خلال تحديد المراحل والتمييز بين المستويات والتحقق من علامات الاستدلال عند المفارق وإدراك مراجع الاتصال بحيث يُمَكِن السالك من التزام جادة المسار وتعرف مناكب الاستدلال، فالمتابعة واللحاق”[5].

والمنهجيّة على هذا النحو تتفاعل مع عوامل أخرى في الإنسان تأثّرًا وتأثيرًا، يشير ملكاوي إلى ثلاثة عناصر تؤثّر في منهجيّة تفكير الإنسان ووعيه بالواقع “الأوّل هو المدركات القبلية المستقرّة في ذهن الإنسان، وتتمثّل عادة بمجموعة المبادئ والقيم التى تتصل بالفطرة أو تأتى من النظم والظروف الاجتماعية، والثاني هو الأدوات التى يستخدمها والعمليات العقليّة والشعوريّة وملكات الحدس والخيال والإرادة التى يمارسها، والثالث هو الحقائق الموضوعيّة المرتبطة بالواقع؟ أي خصائصه الكمية والكيفية، وعلاقاته بما حوله. ويتم التفاعل بين هذه العناصر في العقل الإنساني الذي يقوم بتنظيمها ضمن ما يُسمّى بالخبرة الإنسانيّة، وهذه الخبرة هي المضمون الذى يستخدمه الوعي لفهم الواقع الطبيعي والاجتماعي، وإدراك موضوعاته وظواهره، وتفسيرها وبيان دلالاتها وإمكانات توظيفها في الفهم والسلوك”[6].

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى التفاعل الذي تم بين الفاروقي والحضارة الغربية، حيث التقى بها في فترة مبكرة من حياته واهتمّ باستيعاب النموذج المعرفي الغربي في أصوله وفروعه، حيث درس في الجامعة الأميركية ببيروت، ثم جامعة إنديانا، ثم جامعة هارفارد، ثم جامعة ماكجل بكندا، وجامعة شيكاغو، ثم جامعة سراكيوز، وأخيرًا جامعة تمبل بفلاديفيا. وقضى سنتين في كليّة اللّاهوت وتعرّف عن قرب على الفكر الديني المسيحي في الغرب، وألف كتاب (Christian Ethics) الأخلاق المسيحية، هذا بالإضافة إلى دراسته التأصيليّة ودرسه للإسلام والعلوم الشرعيّة في الأزهر الشريف (1954-1958) واستيعابه لعلوم الشريعة وفقهها، هذه العوامل مجتمعة شكّلت فكر الفاروقي وعقله العلمي وأثرت بشكلٍ واضحٍ في تصوّره الفكري ورؤيته الحضاريّة ومنهجيّته وقراءته المعمّقة للفكر الغربي وفلسفته وأصوله ومسلّماته وجعلته أكثر اتصالاً ومعرفةً بحقيقة ما يحمله النموذج المعرفي الغربي من قضايا وطروحات وتناقضات وإشكالات متباينة، نعرض لبعض منها في هذه الدراسة من خلال وقوفنا على أدواته في التعامل مع النموذج الغربي.

 وقد أثر ذلك التفاعل على التكوين العقلي والمنهجي للفاروقي؛ حيث جمع بين بُعدين رئيسين، الأوّل: البُعد الفلسفي؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في الفلسفة عام 1941 من كلية الآداب والعلوم بالجامعة الأميركية ببيروت، ثم حصل على ماجستير «الفلسفة» عام 1949 من جامعة إنديانا ثم درجة الماجستير في «الفلسفة» أيضًا من جامعة هارفارد عام 1951. أما رسالته للدكتوراه فكانت بعنوان «نظريّة الخير، الجوانب الميتافيزيقيّة والقيم الابستمولوجية للقيم»؛ حيث حصل بها على درجة الدكتوراه عام 1952 من جامعة إنديانا.

أمّا المكون الثاني لعقل الفاروقي فهو: البُعد الشرعي، والذى تمتدّ جذوره إلى نشأته العائليّة (المسجد ووالده)، ثم أراد أن يكون هذا التكوين الشرعي على علم ودراسة، فاتّجه إلى مصر للحصول على دراسات ما بعد الدكتوراه في الأزهر لمدّة أربع سنوات (1954– 1958)؛ حيث قام بدراسة العلوم الشرعيّة بطريقةٍ مكثّفةٍ خلال هذه الفترة والتى ساهمت بشكلٍ أساسيٍّ في تحديد رؤيته الفكريّة التى جمعت بين ثلاثة رؤى أساسيّة استوعبها الفاروقي ورسم من خلالها تصوّره الفكري الحضاري.

 وفي ضوء هذا التكوين المنهجي المتعدّد للفاروقي بين درسه المنهج الغربي، والمنهج الفلسفي التحليل التأملي، ومنهج الدراسات الشرعية الإسلامية، هذا بالإضافة إلى تمرّسه في علم مقارنة الأديان ودراسته وتدريسه للعلوم اللاهوتيّة المسيحيّة. كلّ هذه العناصر شكّلت ما يُمكن أن نطلق عليه في لفظه ومعناه «العقل الفاروقي»، الذي انشغل بالهم الإسلامي من خلال أفق يتّسم بالرحابة والتأمّل الصادق والإنجاز الإيجابي الملموس والبصيرة الحضارية.

وهذه الدّراسة محاولة لتحليل بعض القواعد والأسس التى انطلق منها الفاروقي في قراءته للنموذج المعرفي الغربي، والأدوات المستخدمة في تلك القراءة، والتي نطلق عليها «المنهجيّة».

2 - النموذج المعرفي (Paradigm)

من خلال تتبّع عام لدراسة توماس كون «بنية الثورات العلميّة» في نسختها العربية نلاحظ استخدام كون مجموعة من التعبيرات الفلسفيّة للدلالة على مصطلح «النموذج المعرفي» أو كما سمّي في طبعته العربيّة الأولى «النموذج الإرشادي» ومن هذه التعبيرات «التصوّر الذّهني المسبق»، «فهم العالم»، «التعميمات والمفاهيم»، «القيم والتصورات»، «التعميمات الرمزية»، ورغم أنّه كما يذكر ـ كون ـ أنّه استخدم أكثر من اثنين وعشرين معنًى للدلالة على مفهوم «النموذج المعرفي» إلّا أنّه كان أكثر استخدامًا لمعنيين رئيسين معبّران عنه «فهو من ناحية يُعبّر عن جماع المعتقدات والقيم المتعارف عليها والتقنيات المشتركة بين أعضاء مجتمع بذاته، ومن ناحية أخرى إلى عنصر منفصل في هذا المركب الجامع وهو الحلول الواقعية للألغاز»[7].

كما نجد أنّ ما قدّمه كون حول مفهوم النموذج المعرفي يشير إلى: توافر إطار تفسيري عام لجماعة علميّة محدّدة /أو مجتمع علميّ معيّن[8]، ويتضمّن هذا الإطار التفسيري عناصر عدّة أبرزها: المفاهيم، التعميمات الرمزية، والمستوى الميتافيزيقي (المسلمات)، والقيم، ويركز كون أيضًا على قيم التآلف والانسجام بين هذه العناصر بعضها البعض داخل الحقل المعرفي لهذه الجماعة العلميّة. 

ويتداخل مفهوم «رؤية العالم» مع مفهوم النموذج المعرفي، وقد تتبّع ملكاوي هذا المفهوم ونشأته عند «إيمانويل كانط» (1724-1804م) و«وليلهام دلثاي» (1833-1911م) وغيرهم من المفكرين والفلاسفة، وتوصّل إلى أنّ رؤية العالم هي «مجموعة من المفاهيم والمعتقدات والتصوّرات الإدراكيّة التي تُمكّننا من فهم الكون والحياة والإنسان والعلاقات القائمة بينهما»[9]، من ناحية أخرى فإنّ «رؤية العالم» تُساعد في عمليّة التحليل والتفسير للظواهر الإنسانيّة المختلفة، باعتبارها وحدة تحليل، كما «أنّها تُعيننا على تفسير التنافس بين النظريات والمبادئ العامّة والخاصّة ببعض المجالات المعرفيّة نتيجة توجّهات المتخصّصين والعلماء الذين يصوغون هذه النظريات والمبادئ»[10]

ويقترب من «النموذج المعرفي» اصطلاح آخر هو «النظام المعرفي» (Cognitive system)، ويقع هذا الاصطلاح في ميدان علم اجتماع الثقافة، وعلم اجتماع المعرفة وفي علم النفس الاجتماعي، ويفترض نظريًا أنّ لكلّ مجتمع ولكلّ شخص “نظامًا معرفيًا” خاصًا به يتكوّن من مجموعات من عناصر المعرفة أو المعتقدات التى يستند إليها المجتمع أو الشخص في تعرّفه على العالم من حوله وفي تعامله مع هذا العالم، أو التى تتكوّن منها (في حالة المعتقدات) عقيدته الكلية...ويتكون النظام المعرفي من: نظم معرفيّة جزئيّة تتشكّل من تفاعل: المعلومات والمفاهيم والتصوّرات الذّهنيّة لكي يتكوّن من هذه النظم الجزئيّة الفرعيّة في النهاية “النظام المعرفي” الكلي أو الشامل الذى يتميّز به مجتمع أو فرد بعينه”[11].

واهتمّ عبد الوهاب المسيري باصطلاح “النموذج المعرفي” بتحديد ماهيّته وطرق تكوينه، وعناصر تشغيله، ومحتواه ومضمونه، ويعرّف المسيرى النموذج بأنّه “بنية فكريّة تصوّريّة يجرّدها العقل الإنساني من كمٍّ هائلٍ من العلاقات والتفاصيل، فيختار بعضها ثم يرتبها ترتيبًا خاصًّا، أو يُنسّقها تنسيقًا خاصًّا، بحيث تصبح مترابطة بعضها ببعض ترابطًا يتميّز بالاعتماد المتبادل، وتشكّل وحدة متماسكة يقال عنها أحيانًا “عضويّة”[12]. أمّا “المعرفي” فيُوصف بأنّه “ما يتعامل مع الظاهرة من منظور كلّي ونهائي”[13].

ويرى المسيري أنّ لكلّ نموذج بُعده المعرفي، أي أنّ خلف كلّ نموذج معاييره الداخليّة التى تتكون من معتقدات وفروض ومسلمات وإجابات عن أسئلة كليّة ونهائيّة تشكل جذوره الكامنة وأساسه العميق، وتزوّده ببُعده الغائي، وهى جوهر النموذج والقيمة الحاكمة التى تحدّد النموذج وضوابط السلوك، وحلال النموذج وحرامه، وما هو مطلق وما هو نسبيّ من منظوره. فهي باختصار مسلّمات النّموذج الكليّة أو مرجعيّته التى تجيب على الأسئلة الكليّة والنهائيّة (ما الهدف والغاية من الوجود في الكون؟ هل الإنسان مادة وحسب، أم مادة وروح؟ أين يوجد مركز الكون : كامنًا فيه أم مفارقًا له؟[14].

والنموذج المعرفي وفقًا لما تقدّم يحمل رؤى الإنسان الفيزيقيّة والميتافيزيقيّة، ونظامه القيمي وعلاقاته المعياريّة، ومصادر تشكيل معرفته، وإطاره المرجعي، وهذا يجعل النموذج أداةً تحليليةً يمكن من خلالها إدراك جوهر الظاهرة وفروعها، ويساهم في عملية التفسير بصورة أساسية.

وتنقسم الدراسة الحالية إلى ثلاثة محاور -بالإضافة إلى المدخل المنهجي والدرس المعرفي المستفاد والخاتمة هما:

- المحور الأوّل: الإطار المرجعي عند الفاروقي في قراءته للنموذج المعرفي الغربي.

- المحور الثاني: معالم منهجيّة الفاروقي في قراءة النموذج المعرفي الغربي.

- المحور الثالث: بعض تجليات النموذج الغربي وتمثّلاته.

المحور الأوّل: الإطار المرجعي عند الفاروقي

كلمة «مرجعيّة» تعني الفكرة الجوهريّة التى تُشكّل أساس كلّ الأفكار في نموذج معيّن، والركيزة النهائيّة الثابتة له، التى لا يمكن أن تقوم رؤية العالم دونها، «فهي ميتافيزيقا النموذج». والمبدأ الواحد الذى تُردّ إليه كل الأشياء وتنسب إليه ولا يرد هو أو ينسب إليها[15].

وإسماعيل الفاروقي -موضوع الدراسة- ينتمي إلى أصحاب «المرجعيّة النهائيّة المتجاوزة» والتى تستند إلى فكرة «التوحيد» للإله المنـزّه عن الشرك والمادة، «وعن الطبيعة والتاريخ، الذي يحرّكهما، ولا يحلّ فيهما ولا يمكن أن يرد إليهما. ووجوده هو ضمان أنّ المسافة التى تفصل الإنسان عن الطبيعة لن تختزل ولن تلغى. فالإنسان قد خلقه الله ونفخ فيه من روحه وكرَّمه واستأمنه على العالم واستخلفه فيه، أي أنّ الإنسان أصبح في مركز الكون بعد أن حمل عبء الإمامة والاستخلاف»[16].

والتوحيد عند الفاروقي هو رؤية عامّة للحقيقة، وللواقع، وللعالم، وللمكان، وللزمان، ولتاريخ الإنسانية ولمصيرها، ومن خلاله يفسر الأحداث والوقائع، ويستنبط منه نظام القيم والمعرفة والأخلا.، وتقوم هذه «الرؤية التوحيدية» للفاروقي بدور المرجعية والأداة التحليليّة في التفسير داخل الإطار الكلي، وتعتمد بدورها على عناصر عدّة مفسّرة هي:

أ- الثنائيّة: وهذا المبدأ يقسم (الكون) العالم إلى نوعين متمايزين «إله، ولا إله -خالق ومخلوقات- أما نظام الإله فهو قاصر على الله سبحانه وتعالى وحده، فهو وحده الرب السرمدي، الذى لا بداية له، ولا نهاية، وهو الخالق، المتعالي، المتفرّد على الدوام، بلا شبيه ولا شريك... ونظام الخالق مغاير تمامًا وبشكل مطلق لنظام المخلوقات، من حيث الكنه، والكينونة، ومن حيث الوجود والوظيفة. ومن المستحيل على الإطلاق أن ينصهر أحد هذين النظامين في الآخر، أو يحلّ فيه أو يختلط به، أو أن يتّحد أحدهما بالآخر. فمن المُحال أن يتحوّل الخالق إلى مخلوق، ولا أن يتسامى المخلوق ليصير ويتجلّى في صورة الخالق بأي منطق، ولا بأيّ شكل كان»[17].

ب- التصوّريّة: وهو العنصر الثاني داخل الإطار التوحيدي الكلي الذى يتبناه الفاروقي، ويقصد به أن «العلاقة بين نظامي الخالق والمخلوق فكريّة تصوّريّة في طبيعتها، وركيزة مرجعيتها في الإنسان هي ملكة الفهم. ويشمل الفهم بوصفه أداةً للمعرفة، ومستودعًا لها: كافّة الوظائف المعرفيّة كالذاكرة والتخيّل والملاحظة والحدس والإدراك...وكل البشر فُطروا على الفهم بدرجة تكفي لمعرفة المشيئة الإلهيّة بواحدة من طريقتين أو بكلتاهما: الوحي المنـزل من عند الله تعالى، واستنباط تلك الإرادة من ملاحظة السنن الإلهية في الكون التى لا تتبدل ولا تتغير»[18].

ج ـ الغائية: ويقوم هذا المبدأ على اعتقاد غائية الكون، وهو ضدّ العبثيّة والصدفيّة والفوضى، بمعنى «أنّ الكون له غاية خلقه خالقه من أجلها.. فالعالم كون مترابط ومنتظم ومتناغم، لا تفاوت فيه ولا فطور تتحقق فيه إرادة خالقه على الدوام... هذا باستثناء الإنسان فيما يتعلّق بالأوامر التكليفيّة الإلهيّة المُوجّهة إليه. فالعمل الإنساني الأخلاقي لا يتوافق بالضرورة مع الإرادة الإلهيّة لكونه في جوهره عملاً يرتكز على التدبّر الحرّ الإرادي المقصود. أمّا الإنسان في بعده الجسدي فهو متكامل مع بقية المخلوقات، وخاضع للسنن التكوينيّة، وغير مختار في الاستجابة لمقتضياتها»[19].

د ـ القدرة الإنسانيّة وقابليّة الطبيعة للتطويع: يرتبط هذا المبدأ بالحلقة الثانية في سلسلة الإطار التفسيري عند الفاروقي وهي الغائيّة، «فإنّ سنن الله تعالى في الخلق، ومنطق الخلق يقتضي إمكانيّة تحقيق غايته في الزمان والمكان في هذه الحياة الدنيا، فيما بين الخلق واليوم الآخر. ولا بدّ أن يكون الإنسان بوصفه فاعل الفعل الأخلاقي قادرًا على تغيير ما بنفسه... وأنّ الخليقة لا بدّ وأن تكون طيّعة وقابلة للتحوّل وللتغيير في جوهرها وهيكلها وشروطها وعلاقتها بالفعل الأخلاقي الإنساني كشرط لتضمين النموذج أو القصد الإنساني في الطبيعة، أو تجسيدها له... والخليقة بعمومها مؤهّلة لتحقيق ما ينبغي أن يكون، أو بالأحرى تجسيد المثال الإلهي المطلق في حدود الاستطاعة في الفضاء المكاني والزماني الذي تعيش فيه الإنسانيّة على هذه الأرض»[20].

هـ ـ المسؤوليّة والمحاسبة: وهذا المبدأ هو نتيجة لما تقدّم من تكليف الإنسان بتغير نفسه، والمجتمع والبيئة بما يتماشى مع الأمر الإلهي، وهو ما يتطلب أن يكون الإنسان حرًّا وقادرًا على القيام بهذا التكليف، ويترتّب على هذه المقدّمات المسؤوليّة والحساب «فالالتزام الأخلاقي مستحيل دون المسؤوليّة والحساب... ومبدأ المحاسبة متأصل في طبيعة المعياريّة نفسها، وهو مبدأ قرآني كلّي يمثّل الأساس الذي يقوم عليه النظام الأخلاقي الديني الإسلامي برُمّته»[21].

ز ـ النموذج المعرفي التوحيدي والنّظام الكوني: يوضّح الفاروقي في هذا المبدأ علاقة بين التوحيد «باعتباره رؤية تصوّريّة ونظامٍ معرفيٍّ» بالحقيقة الاجتماعيّة والوجوديّة وعلاقاته بالأشياء والإنسان، مبرزًا الارتباط بين النظام القيمي التوحيدي والظاهرة الطبيعية بخصائصها المادية، والذي يتمثّل في الضبط القيمي الذي يُقدّمه النموذج التوحيدي للظاهرة المادية، ويُؤكّد في هذا المجال المعرفي على حقيقتين كونيتين هما[22]:

إنّ الظاهرة الطبيعيّة حقيقيةٌ لا تنكر قط. لكنّها ليست كلّ ما في الوجود. فالوجود ليس كلّه مادة محسوسة خاضعة لقوانين المعرفة الحسية/ هنالك ملكوت واسع من الظواهر المعنوية. فالقيم لا تحس ولكنها موجودة بوجود أقوى وأغنى من وجود الأشياء. فهي فاعلة محرّكة بينما الأشياء والطبيعة جامدة محرّكة. وليس صحيحًا أنّ المعرفة لا تعرف يقينًا. بل إنّ لها علم لا يقل شأنه عن العلوم الطبيعية: له ضوابطه ومنهجه، وله أحكامه وله تاريخ حافل طويل.

كما أنّ رغبات الإنسان لأحوج ظواهر الطبيعة إلى الانقياد بالقيم المعنويّة؛ لأنّها أميلها إلى الطغيان، وإفساد نفسها بنفسها كلّما تعدّت الحدود التى ترسمها لها القيم. لذلك، يوجب التوحيد علينا أن نُلجم رغباتنا بلجام القيم، وألّا نشبعها إلّا بعد التّأكّد من أنّ إشباعها المطلوب لا ينتهك قيمة ولا يتعدّى حدًا. فالشريعة ليست إلا تطبيق القيم على الظواهر الطبيعيّة. وهي حقّة وصادقة مرتين: مرة بالتنـزيل ومرة بالفعل. فهي تعرف يقينًا، ولذلك هي خير معيار لكلّ شيء هذا في مقابل ما ادّعته المسيحيّة أنّ الطبيعة شرّ كلّها ليست السعادة في الإسلام سعادة إشباع رغبات، بل سعادة تحقيق الذات كلّها من رغبة طبيعيّة، وبشوق روحي. وهذا الانقياد للقيم لا ينطبق على الفرد فحسب، بل على الجماعة ـ أيضًا... ولا سيطرة للإنسان على الطبيعة ولا تنافس عليها مع أخيه الإنسان. إنّما استثمار للطبيعة بتعاون الإنسان مع أخيه الإنسان وبالتواصي والتآخي والمعروف.

المحور الثاني: معالم منهجيّة الفاروقي في قراءة النموذج المعرفي الغربي

 اعتمدنا في استخلاص هذه المعالم الأساسيّة في قراءة النموذج المعرفي الغربي عند الفاروقي على قراءة تحليليّة للنص الفاروقي -المتوفر لدينا- متتبعين الآثار والأصول والتجليات التي طرحها في كتاباته، وقد اهتمّ بصورةٍ أساسيّةٍ بالظلال والتمثّلات للنموذج الغربي مع تقديم نظرة تحليليّة للمبادئ والقيم الحاكمة في هذا النموذج والتصوّرات الكليّة له ومسلّماته، والتي نشير إليها في العناصر التالية.

أوّلاً: السياقات الفكريّة والاجتماعيّة لنشأة النموذج المعرفي الغربي   

أدرك الفاروقي العوامل الفكريّة والاجتماعيّة التى أخرجت النموذج المعرفي الغربي إلى الوجود بوضعيّته الماديّة على هذا النحو مبيّنًا دور الكنيسة المحوري (السلبي) في هذه النشأة، والصراع بين التيّارين المثالي والوضعي؛ حيث يرى الفاروقي «أنّ معتنقي المذهب العقلي في القرنين السابع عشر والثامن عشر قد أقاموا نظامًا عظيمًا للفكر حاولوا بمقتضاه إعادة تأسيس الدعامة الأولى للثقافة الغربية والمسيحية على أساس عقلي. ولقد كان معظم الأوروبيين الغربيين ينظرون إلى الثورة الفرنسية على أنّها الحركة الظاهريّة التى أدّت إلى تدعيم ذلك النظام وحاولت أن تضفي عليه الصبغة العالميّة، ولقد كان فشلها اللّاحق يمثل كلاً من العلّة والمعلول لظهور مذهب النـزوع إلى الشك الذي كان قد شنّ معركةً قاسيةً على مدى قرون عديدة من قبل ضدّ سطوة الكنيسة. ولقد تمّ خوض تلك الحروب الطويلة القاسية في مجالات العلوم الطبيعية، وبصفةٍ رئيسيةٍ علم الفلك وعلم الكون حيثما كان كلّ من الكنيسة والكتاب المقدس يعتنقان آراء تتعارض مع ملاحظات العلوم التجريبية؛ ولقد نجح ذلك النـزوع إلى الشك في هدم المذاهب التى اعتنقتها الكنيسة حول الكون، وأيضًا النظم العقلية التى بالرغم من منطقيتها كانت لا تزال تؤمن بصحّة المبادئ الرئيسيّة للمسيحيّة»[23].

ومن ناحية أخرى تأثّرت نظرة أوجست كونت الوضعيّة بالتطوّرات التي شهدها العقل الأوروبي لا سيّما في فترة تراجع دور الكنيسة والاستبداد الديني؛ حيث «شهد أوجست كونت تلك الفترة القصيرة التى سيطر فيها العقل باعتبارها الفترة التى نجحت فيها أوروبا في إنهاء الطغيان الفكري للكنيسة، ولكنّه عندما كان يتطلّع إلى المستقبل، كان يشعر بالتفاؤل ويستطيع أن يتنبّأ بظهور فجر عصر جديد، عصر العلم الإيجابي، الذي يستطيع فيه الإنسان – بعد تحرّره النّهائي من كلّ الإيمان الساذج والأفكار الجازمة – أن يأخذ مكانه في العالم الذي يكون بدوره قد تحرّر من الاثنين. ومن ثم فإنّ الإنسان طبقًا لـ«كونت» يجب أن يطبّق العلم لتنظيم حياته ذاتها، ومثلما طبق الطب على وجوده الفردي المادي، يجب أن يبتدئ في تطبيق العلوم الاجتماعيّة على سلوكه الاجتماعي وعلى سلوك الجماعة ككل، وطبقًا لأب العلوم الاجتماعية في الغرب، فإنّ العلوم الطبيعية تحوز على ميثودولوجيا الحقيقة التى لا يمكن وضعها موضع الشك. ونظرًا لأنّه قد تمّ تطبيق تلك العلوم في النطاق المادي، فقد حان الوقت الآن لأن يمتدّ ذلك النجاح إلى نطاق العلاقات الإنسانية»[24].

والمرحلة الأخرى التي أثرت في تشكيل النموذج المعرفي الغربي من وجهة نظر الفاروقي هو ما تعرّض له العقل الغربي من صدمةٍ في الحرب العالميّة الأولي؛ حيث “اصطدم الفكر الديني بالحرب العالميّة الأولى، ودعا إلى الانسحاب والانعزال عن العالم ورأى الخلاص في القفزة العمياء إلى المسيح والسكون إليه وفيه وجوديًا -وذلك حسبما رآه المفكر الديني الأوّل كيركجارد- ولكن عند صدمته بالحرب العالميّة الثانية اضطرّ إلى التدخل...وما إن وضعت الحرب أوزارها حتى ظهرت الدعوات التى تنادي بالتخلّص من الدين ومن كلّ عنصر ما ورائيّ مطلق؛ إذ يكمن الشّرّ والاستبداد في الما ورائيّة والإطلاق بالذات”[25].  

وفي الوقت نفسه، انتشر الفكر الوضعي وظهر تحديه للمسائل الفلسفيّة بدعوى أنّ مسائل الفلسفة كلّها مسائل لغويّة تفتيتيّة لا جوهر لها سوى ما وضعه المتكلّمون من معانٍ ألصقوها بالكلمات التي يتفوّهون بها، وبالفعل عمّ فكر إير وفيتجنشتاين جميع دوائر الفلسفة في العالم الغربي، فأصبحت الوضعيّة المجرّدة -أي التقنية- مدار الدراسة العلمي في الطبيعة وهدفه الأوّل والأخير، والوضعيّة المنطقيّة مدار الدراسة في الفلسفة وحقولها، وفي العلوم الإنسانية والاجتماعية، وأخيرًا في الفكر الديني نفسه[26].  

ويرى الفاروقي أنّ أهمّ جوانب اتّفاق الفكر الغربي مع المسيحيّة الأوروبية تتمثل في موضعين أساسيين، هما: “عزل العقل وإحلال الشّعور مكانه كمنهج للمعرفة، ذلك أنّ العقل لا يسوغ التثليث والتجسيد وصلب الإله وموته وإعادته إلى الحياة وتخليص البشر بتعذيبه، إنّما الشعور المسيحي يسوغ ذلك عند المسيحيين المؤمنين بهذه الأركان، وثانيًا أنّ الخطيئة الأصليّة وسقوط البشر أجمع بالضرورة الناتج عنها أفسد جبلّة الإنسان بحيث أصبحت لا يُرجى منها خير، وعجزت بالكليّة عن الإتيان به حتى لزم أن يتجسّد الإله ويُكفّر عن الإنسان خطيئته ويحدث له خلاصة. وبالتالي فالزمان والمكان؛ بل والخلق كلّه مفسود وساقط لا يستغرب من قيامه على تعارك جميع القوى والعناصر والمخلوقات التي يتألّف منها بعضها مع بعض دون جدوى أو نهاية”[27].   

وفي ضوء هذه العوامل والمؤثّرات لا سيّما المؤثّر الديني نشأ الفكر التنويري الغربي في ظلّ هذه العوامل والمؤثّرات مما أنتج ردود فعل معرفيّة قائمة على التمرّد على العقل المعرفي الكنسي بالأساس، والانتقال إلى عقل جديد هو العقل النقدي، وفي الوقت نفسه تبلور النموذج المعرفي الغربي مستمدًا أصوله من الفلسفة اليونانيّة والإغريقيّة، لا سيّما في نزعتهما المادية بعد حالة الفراغ الذي تسبّبت المسيحيّة في إيجاده خلال العصور الوسطى.

ثانيًا: المسلّمات الأساسيّة للنموذج المعرفي الغربي

حدّد الفاروقي أبرز المسلّمات التي يقوم عليها النموذج الغربي، وهي النّـزعة الشكوكيّة مبيّنًا أبعادها المعرفيّة في العقل والتصوّر الفكري الكلّي الذي يحمله التصوّر الغربي، ويرى بأنّ هذه النّـزعة الشكيّة هي الأساس المعرفي الذي ساهم في بناء كثير من القيم في النموذج الغربي بدءًا من عصر التنوير الأوروبي، ويؤكّد على مخاطر النّـزعة الشكوكيّة التي “تفاقمت بدرجةٍ بالغة الخطورة في عالم اليوم عامّة، وفي الغرب بوجه خاص. وباتت تلك النّـزعة هي المبدأ السائد في أوساط المتعلمين، فضلاً عن شيوعها في أوساط العوام المحاكين للمثقفين في مجتمعاتهم. ويعود هذا الانتشار المشهود جزئيًا إلى نجاح العلم بمفهومه الغربي، المنظور إليه على أنّه بمثابة الانتصار المتواصل للعقل التجريبي على العقل الديني. وروّج الغرب تعريفًا للعقل الديني على أنّه العقل الملتزم بتعاليم الكنيسة ورؤيتها. وفقدت الكنيسة في رأي التجريبيين حجّيتها ومرجعيّتها في تعليم الحقيقة من أمد طويل. بل إنّ الكنيسة لم تكن يومًا ما أملاً لحيازة مثل تلك المرجعيّة والحجيّة”[28]. ويقوم المذهب الشكّي على مجموعة من الافتراضات والاعتقادات المعرفيّة الأساسية، هي: [29] -

لا شيء يعرف حقيقة سوى الظواهر الطبيعيّة. وفي العلاقات الإنسانيّة، الظاهرة الطبيعيّة هي الرغبة.

الظواهر الأخلاقيّة لا تُعرف حقيقة. فهي دائمًا وأبدًا مشكوك فيها لا تُعرف بشرّ حقّ ولا خير حقّ.

لا يجوز للإنسان أن يدّعي أنّ سلوكًا ما خير من سلوك آخر إلا إذا أدّى ذلك السلوك إلى إشباع رغبة من رغباته هو دون الآخرين.

ويربط الفاروقي بين نظرة المسيحيّة وتصوّرها لطبيعة الإنسان وبين تأصيلها للمذهب الشكّي في مبحث الأخلاق الذي قام أصلاً ضدّ معتقداتها ومضامينها المعرفيّة، وكانت سببًا في نموّه وازدهاره؛ حيث “باركت المسيحيّة مذهب الشكّ الأخلاقي، وذلك باعتقادها أنّ الإنسان مخلوق ساقط بُنيت جبلّته على الإثم والعدوان والمنكر، لا أصل ولا جدوى من اجتهاده وعمله. فحياته كلّها كتلة من الخطيئة والفجور، والمجتمع ليس إلا ميدان الشيطان. أرادت المسيحية أن تبرهن على ألوهيّة المسيح فرأت أنّه يلزم للاقتناع بعمليّة التخليص التى قام بها الإله بتجسمه في المسيح وصلبه: أن يكون الإنسان عاجزًا عن تخليص نفسه بفعله. لذلك حطّت من قدر الإنسان ونفت الأخلاق من سلوكه. فاتّفقت مع مبدأ الشكّ بأنّ سلوك الإنسان لا حقيقة معنويّة أو قيميّة فيه”[30]

ورغم تأكيد الفاروقي على بعض الجوانب الإيجابيّة لهذا المبدأ الأساسي (مبدأ الشك) في النموذج الغربي مثل احترام الذات الإنسانيّة وحمايتها، وهو ما أدّى إلى توثيق روابط الاجتماع الغربي وذلك للاتّفاق على ضرورة التعاون من أجل إشباع رغبات الذات، إلا أنّ ذلك أدّى في الوقت نفسه إلى مجموعة من الآثار السلبية التي تأصّلت في الشخصيّة الغربية، وأهمّها: [31]

غال الغرب في رعاية الذات الإنسانيّة وحمايتها بأن ألّهها وجعلها وحدها الحقيقية، فأصبح إشباع رغباتها هو معيار الخير والشر.

عرف الغرب عصبيّتين: عصبيّة القوم على الفرد، وعصبيّة القوم على القوم. أدّت الأولى إلى انحسار الشخصيّة الفرديّة بضرورة تطبّعها بطابع الجماعة إلى أن أصبحت التربية عندهم لا معنى لها سوى التشبيه الاجتماعي (Socialization)، التثقّف الاجتماعي (Acculturation)، التوحّد الكيفي الاجتماعي (Homogenization)، التكامل الاجتماعي (Adjustment).وأدّت الثانية إلى استعمار الإنسان لأخيه الإنسان بالجملة أي بالملايين.

غال الغرب في استغلاله للطبيعة. فبالرغم من ازدهار العلوم الطبيعيّة على كافّة أنواعها وتقديم التقنية في خدمة الإنسان، فإنّ تأليه الرغبات ومنع العنف ضدّ الزملاء النمور أدّى إلى اغتصاب الإنسان للطبيعة، أي إلى استثمار الطبيعة وتطويع قواها لإشباع الرغبات دون وازع أخلاقي، دون معيار يعلو على الطبيعة والرغبات معًا ويخضعهما لقيمه وأوزانه. فكان تلويث الموارد الطبيعية ونهب الثروة الأرضيّة بلا حساب ممّا أدّى بدوره إلى قلب توازن الطبيعة في كثير من الحقول.

والنّزعة الشكيّة التي يُشير إليها الفاروقي ليست خاصّة بالفكر الغربي الحديث أو المعاصر، وإنّما ترجع في جذورها إلى القرن الرابع قبل الميلاد، والتي قامت في مواجهة تفسير الواقع عن طريق التأمّلات العقليّة، كما ظهر عند السفسطائيين والذين جاؤوا من بعدهم من الشكّاك الأوائل مثل بيرون، وإينسيديموس، وكارنيادس، وغيرهم، ثم ظهرت في الفلسفة الحديثة عند باسكال وهيوم وكانط والتي أرادت تقويض الإيمان الديني بالمفهوم الكنسي.

ثالثًا: نقد العلوم الاجتماعيّة الغربيّة وإدراك التحيّز

شمل هذا النّقد للعلوم الاجتماعيّة جوانب عدّة لا سيّما ما يتعلّق بالمنهج ذاته، الذي نادى منذ البدء بفصل العلوم الإنسانيّة عن العلوم الطبيعيّة، وهو ما أثّر بوضوح على مكانة هذه العلوم من ناحية، وأحكامها ومناهجها من ناحية أخرى، ثم تفريغها من المضامين الإيمانيّة بصورة تامة “... وكانت النتيجة: هي استحواذ الحقائق الواقعيّة لكلّ مجتمع على المقدرة لتكوين المعايير الخاصة به. لقد أدّى مبدأ الواقعيّة، ومن ثم الاستقلال الذاتي القيمي للحقائق الاجتماعية، ووضعها موضع الاختبار إلى التدهور الأخلاقي الحتمي للمجتمع. ومن ناحية أخرى، فإنّ منح الغرب العلوم الإنسانية مكانًا خارج نطاق العلم قد أعفى تلك العلوم من التشدّد الخاص بالموضوعيّة، وبإنزالها إلى المرتبة الدنيا حتى لا تطالب بالموضوعيّة العلميّة، أو حيث لا يمكن إحراز تلك الموضوعيّة أبدًا، فإنّها قد أصبحت عرضةً للهجمات من مذاهب النسبيّة، والتشكك والذاتية، مما ساعد على إبطال أثرها بصفة أكبر وإفساد قوّة متضمّناتها (أي الإيمان، والعقيدة، والأمل، والخير، والواجب، والجمال،...) في تقرير الحياة والتاريخ”[32].

كما اهتم الفاروقي أيضًا بنقد بعض الدّعاوى التي طرحها النموذج المعرفي الغربي الخاصة بنتائج العلوم الاجتماعية الغربية، لا سيّما ما يتعلّق بالموضوعيّة والمحايدة، وهو التناقض الذي يقع فيه المنهج الاجتماعي الغربي. ففي الوقت الذي يؤكّد فيه نسبيّة الحقيقة الاجتماعيّة، فإنّه يُؤكّد من ناحيةٍ أخرى موضوعيّة وحياديّة نتائج العلوم التي تختصّ بدراسة هذه الحقيقة عنده؛ حيث “يدعي الغرب أنّ علومه الاجتماعيّة تتسم بالصفة العلميّة؛ لأنّها محايدة، وتتعمّد تفادي الأحكام والتفصيلات الإنسانيّة، وتعامل الحقائق باعتبارها حقائق وتتركها تتحدث عن نفسها، ولكن ذلك يعدّ إدّعاءً غير ذي جدوى؛ فإنّه ليس ثمة إدراك نظري لأية حقيقة بدون إدراك طبيعتها وعلاقتها القيميّة، ومن ثم، فإنّه بدلاً من الامتناع عن تحليل الناحية القيميّة الذي لا يمكن تطبيقه على أي حال، والسماح للاعتبارات القيميّة أن تقرّر الاستنتاجات بطريقةٍ سريّةٍ، سوف يتولّى أحد العلماء الصادقين القيام بعمل جميع التحليلات بطريقةٍ صريحةٍ، ذلك العالم الذي لن يدّعي أبدًا التحدث عن المجتمع الإنساني في حين أنّه في الحقيقة يعني المجتمع الغربي، أو يدّعي التحدّث عن الدين في حين أنّه في الحقيقة يعني المسيحية، أو يدّعي التحدث عن القوانين الاجتماعية والاقتصادية، في حين أنّه في الحقيقة يعني بعض الممارسات العامة للمجتمعات الغربية”[33].

ثم انتقد الفاروقي الاتجاه الذي أطلق دعوى “أن ما كان تطبيقه ممكنًا بالنسبة للطبيعة قد تمّ افتراض إمكانيّة تطبيقه بالنسبة للإنسانية، أي بالنسبة لكلّ من الفرد والمجتمع، فإنّ كليهما يمثل الطبيعة، ويجب إخضاعها للأساليب نفسها، إن لم يكن لنفس قوانين فهمها”[34].

وقد أدّى ذلك الخطأ الجوهري في تعريف حقائق العلوم الاجتماعيّة والتعرّف عليها إلى ظهور خطأ آخر هو أنّ أي شخص يقوم بالملاحظة يكون في إمكانه وضع القوانين التى تتحكّم في الحقيقة الاجتماعيّة لو أنّه اتّبع القواعد العلميّة بطريقةٍ مدقّقةٍ؛ ولكنّه يجب أن يتأكّد من إبطال أي نوع من التحيّز الشخصي والامتناع عن إصدار أي حكم سابق، فالحقائق يجب أن تدرك لتتحدّث عن نفسها. ولقد ساد الاعتقاد أنّه بمقتضى ذلك التشدّد لن تستطيع الحقائق إلا أن تكشف عن أسرارها وهكذا تصبح خاضعة للمعالجة العلمية[35].

كما انتقد الفاروقي العلماء الغربيين في تأكيدهم على الموضوعيّة، رغم تحيّزهم الكامن في خطوات منهجيّتهم ونتائجها؛ “حيث كان العلماء الاجتماعيون الغربيون من الجرأة بحيث أعلنوا أنّ أبحاثهم تتّسم بالموضوعيّة، ولكنّنا نعلم جيّدًا أنّهم يدينون بالتحيّز وأنّها غير مكتملة،... إنّ العقل الغربي، بالرغم من التقدّم المفاجئ في علم القيم الفينومينولوجي، كان بعيدًا عن الإدراك بأنّ فهم الأديان والحضارات والثقافات الخاصة بالشعوب الأخرى يتطلّب نوعًا من التحيّز المضاد وتعاطفًا مع الحقائق لو أنّه سيتم فهم تلك الحقائق على الإطلاق”[36].  

ويؤكّد الفاروقي على البُعد الذاتي للباحث ودوره في إدراك الحقائق، مما ينتفي معه صفة الموضوعيّة، ففيما يتعلق بإدراك القيم “نجد أنّ الشخص القائم بالملاحظة هو الذي يؤكّد الحقائق أو يتعاطف معها بطريقة فعليّة سواء أكان مؤيّدًا أم معارضًا، وإدراك القيم يعدّ في حدّ ذاته تقريرًا لتلك القيم، أي أنّه يحدث فقط عندما يتمّ تفهّم القيم في واقع الحياة. وبعبارة أخرى، فإنّنا لا نستطيع القول إنّه قد تمّ إدراك القيمة إلا إذا كانت قد حرّكت، أو أثرت في أو أثارت عاطفة أو شعورًا في الشخص القائم بالملاحظة وفقًا لما تتطلّب طبيعتها، ويعتبر إدراك القيم شيئًا مستحيلاً لو لم يتم إحداث ذلك التأثير من خلال قوّتها المقرّرة أو إغرائها المؤثّر، ولكن ذلك ليس من الممكن حدوثه بدون إعداد من قبل الشخص القائم بالملاحظة الذي سوف يمرّ بذلك التأثّر، وبدون التعاطف الوجداني مع الشيء. إنّ اتّجاه الشخص القائم بالدّراسة تجاه الحقائق موضع الدراسة يقرّر نتيجة تلك الدراسة، وذلك هو السبب في أنّ الدّراسات الإنسانيّة الخاصّة بالرجل الغربي والتحليلات الاجتماعيّة للمجتمع الغربي التى يقوم بها العلماء الغربيون تتسم بالضرورة بالصفة “الغربية”، وليس من الممكن أن تكون نماذج تُحتذى لتطبيق دراسات على المسلمين أو مجتمعاتهم”[37].

وينتقد الفاروقي تشكّل الذهن الغربي الذي يقوم على التعميم وإهمال الخصوصيات الثقافيّة والدينيّة والبُعد الديني والأخلاقي على وجه الخصوص، وهي العناصر الأساسيّة المكونة للظاهرة الإنسانيّة حتى في أقلّ المجتمعات تحضرًا “...إنّ الطالب الغربي الذي يدرس طبيعة الإنسان والمجتمع لم يكن في حالة تجعله يدرك أنّه ليس بالضرورة أن تكون جميع الحقائق المتعلّقة بالسلوك الإنساني، قابلة للملاحظة عن طريق الحواس، ومن ثم خاضعة للقياس؛ فإنّ الظاهرة الإنسانيّة لا تتكوّن من عناصر “طبيعية” على وجه القصد، بل يتدخّل فيها عناصر أخرى تنتمي إلى نظام مختلف، أي النظام الأخلاقي الروحي، وتقرّرها إلى درجة فائقة؛ وتلك العناصر لا تعدّ بالضرورة بمثابة نتائج لازمة لعناصر الطبيعة أو قابلة للاستنتاج من تلك العناصر، وهي لا تتسم بالتماثل العالمي في الجماعات الإنسانيّة، بل إنّها تعتمد على التقاليد والثقافة، والدين، والأولويات الشخصيّة والجماعيّة التي ليس من الممكن أبدًا وضع تعريف شامل لها، وبمقتضى كونها روحيّة، فإنّ تلك العناصر ليس من الممكن عزلها أو فصلها عن أصولها الطبيعية، وليس من الممكن أبدًا إخضاعها للأسلوب القياسي الوحيد الذي يعرفه العلم، وهو الأسلوب الكمي”[38].

ويشير الفاروقي إلى تقسيم آخر وفصل بين العلوم الإنسانيّة العلوم الاجتماعيّة في الغرب، والذي ترتب عليه استبعاد جميع التقييمات في العلوم الاجتماعيّة من ناحية وهيمنة التأمّل الذاتي على العلوم الإنسانيّة من ناحية أخرى “لقد فصل الغرب العلوم الإنسانية عن العلوم الاجتماعيّة؛ بسبب الاعتبارات الميثودولوجيّة؛ ولقد نجح ذلك الفصل في استبعاد جميع التقييمات من العلوم الاجتماعيّة فيما عدا تلك التي تقوم على أساس غاياتٍ مقيّدةٍ، فإنّ الموضوعيّة (العلمية) لم تستطع إجازة تلك التقييمات ومن ثم صرفتها إلى العلوم الإنسانيّة التى أصبح اهتمامها وتطبيقها يتّسم بالصّفة الشخصيّة والفرديّة التامّة، وذلك التطهير المتعمد للعلوم الاجتماعيّة من جميع اعتبارات القيم الجوهرية قد جعلها عرضة للتأثر بأيّ قوّة تتعرض لها؛ وكانت النتيجة لذلك هي استحواذ الحقائق الواقعية لكل مجتمع على المقدرة لتكوين المعايير الخاصّة به. لقد أدّى مبدأ الواقعيّة، ومن ثم الاستقلال الذاتي القيمي للحقائق الاجتماعيّة، ووضعها موضع الاختبار إلى التدهور الأخلاقي الحتمي للمجتمع[39].

4 - المنظور الحضاري المُقارن

انطلق الفاروقي في قراءته للنموذج المعرفي الغربي من منظور حضاري مقارن، وذلك من خلال إبراز أهم التباينات والاختلافات التى توجد بين عناصر ومكوّنات النموذج المعرفي التوحيدي المنتمي إليه، والنموذج المعرفي الغربي.

وفي أحد هذه العناصر المشكلة للنموذجين، وهو موقفها من “الإنسان”، يرى الفاروقي “أنّ الإسلام يختلف جذريًا، أوّلاً: مع الرؤية الإنسانيّة الإغريقيّة، التى تعترف بإنسانيّة المواطنين الأحرار، بينما تصنف العبيد في فئة أخرى أدنى من سابقتها. ويختلف الإسلام ثانيًا مع الرؤية الإنسانيّة اليهوديّة بالدرجة ذاتها، التى تسلّم بوجود الصورة الإلهيّة في كلّ البشر بالفطرة، ولكنّها تفرّق بينهم بالمولد والطبع معطيةً أبناءها وضعيّة مختارة...ويختلف الإسلام ثالثًا عن المسيحية التى تمايز بين البشر من حيث امتلاكهم جميعًا ناموسًا طبيعيًا وتدّعي اختصاص أتباعها بناموس إلهي بحكم إيمانهم وتعميدهم، ويختلف الإسلام رابعًا وأخيرًا، مع الرؤية الإنسانيّة العلمانيّة الأوروبية التى تستمدّ هويّتها من الثقافة الأوروبية على سبيل الحصر، وتهبط بالأسيويين والأفارقة وغير الأوروبيين عامة، إلى أدنى من مستوى البشر. فلم يستطع حتى رائد التنوير كانط، المنادي بالعقل الخالص، أن يصل بعقلانيّته إلى نهايتها المنطقيّة، وخصّص وضعيّة أدنى للأسيويين والأفارقة”[40]

أمّا رؤية الإسلام للإنسان التي يقدّمها الفاروقي فتتلخّص في ذلك التصوّر القرآني الذى يقوم على المبادئ التالية:

- كلّ البشر سواسية (المساواة المطلقة للإنسانيّة) (سورة الحجرات، الآية13؛ سورة الروم، الآيتان 20 – 22، سورة الزمر، الآية9).

- تحرير الإنسان من الخطيئة: فالخطيئة الأولى لآدم عليه السلام لا تمتدّ أثرها على أبنائه، فضلاً عن أنّها خالية من أيّ أثر كوني –أيضًا- ومن ثم فلا مكان لمفاهيم من قبيل “الخلاص اللّاهوتي” لا يعرف الإسلام أي خلاص لاهوتي. فالخلاص في منظوره مفهوم دينيّ غير مناسب. لا نظير له في المفردات الإسلاميّة. والإنسان لا يواجه أيّ مأزق يحتاج على تخليصه منه”[41].  

وفي مثال آخر لاستخدام الفاروقي “المنظور الحضاري المقارن” كأحد الأدوات المهمّة في منهجيّته في قراءة النموذج المعرفي الغربي، يطرح الفاروقي “النظام الاجتماعي” وموقف الإسلام، والمسيحية واليهوديّة منه، ويرى “أنّ الدعوة العيسويّة الموجّهة إلى داخل الإنسان، مع خاصيّة الكراهية –غير السوية– للمادة التى تتسم بها الغنوصيّة، وتحول توجّهها النقدي للسياسة القبلية اليهودية إلى إدانة كليّة للدولة ذاتها، وللحياة السياسية برمّتها...وليس لدى المسيحيّة الآن نظريّة للمجتمع، فإدانتها للزمان والمكان، وللعمليّة السياسيّة، وتحفّظها بشأن كل الأنشطة الدنيوية، واعتبارها أنّ النّظام الاجتماعي نفسه أمر ثانوي عديم الجدوى في عمليّة الخلاص، يحول بينها وبين أن تكون لها نظرية بهذا الصدد”[42].   

أما النموذج الإسلامي فيستمدّ مرجعيّته من التوحيد والإقرار بأنّ هناك غاية للخلق، وأنّ تلك الغاية هي تحقيق الأوامر الإلهيّة المتعلّقة بهذا العالم الذي تتّخذ منه الحياة البشريّة مسرحًا لفعلها الإنساني الحرّ المسؤول “يقتضي ذلك من المسلم النّظر إلى الحياة بزمانها ومكانها بعين الجد، لارتباط فلاحه أو خسرانه بتمثّله للسنن الإلهيّة المتّصلة بالزمان والمكان الذي يحيا فيه.. [43]  ومن ثم يقوم النّظام الاجتماعي في الإسلام على مقومات عدّة منها[44]:

- الطابع العام الذي يحكم الحياة الإسلاميّة (أخلاقية النية).

- الحاجة إلى نسيج اجتماعي ملموس حقيقي للوجود.

 - علاقية القيميات.

ويصل الفاروقي إلى وصف دقيق لشكل الأمّة. كما تحدّدها النظريّة الاجتماعيّة في الإسلام، بكونها (أي الأمة) بنية مدنية، عضوية، متعاضدة، غير محدودة بأرض أو شعب، أو بثقافة، أو بعرق، عالمية، وكلية، ومسؤولة، في حياتها ككيان اعتباري مشترك، وكذا في حياة كلّ فرد منها. وهي مقوم أساسي لا غنى عنه في تحقيق أي إنسان لسعادته في الحياة الدنيا وفي الآخرة”[45].  

ويقدّم الفاروقي في صورة أخرى مقارنة بين النموذجين التوحيدي والغربي المادي من حيث المنطلقات المعرفية الأساسية والكلية، فالنموذج التوحيدي ينطلق من مصدريّة القيم في النّظر إلى الطبيعة، وهو ناتج عن مبدأ التسخير والاستخلاف، لذا فالفعل الإنساني مع الطبيعة هو “الاكتشاف”، بينما النموذج الغربي ينطلق من مصدرية الذات “الرغبات والدوافع” وهو ما جعل عنوان الفعل الإنساني في الطبيعة هو”الإبداع” والذي بدوره يعتمد على” القهر والسطو والسيطرة”. 

 وهو ما جعل النموذج التوحيدي نموذجًا منفتحًا يؤمن بالانفتاح والتواصل انطلاقًا من أصالة مبدأ “التغيير الإيجابي”. في مقابل الانغلاق والانعزال في النموذج الغربي الذي ينطلق من أصالة مبدأ “الصراع والشر” في الاجتماع الإنساني.

وفي مقارنة بين الميثودولوجيا الغربية والإسلامية يصل الفاروقي بعد مناقشة للميثودولوجيا الغربية إلى نتائج عدّة أهمّها: إن العلوم الغربيّة تعدّ ناقصة، وهو ما طرحه تحت عنوان “نقائص الميثودولوجيا الغربية” -والتي أشرنا إليها في نقد العلوم الاجتماعية الغربية- والنتيجة الثانية هي: ذاتية العلوم الغربية في مقابل دعاوى عالميتها، أما النتيجة الثالثة هي أنّ العلوم الاجتماعيّة الغربية تنتهك متطلّبًا حاسمًا للميثودولوجيا الإسلاميّة، وهذا المطلب عند الفاروقي هو مبدأ وحدة الحقيقة -في مقابل تعدّدها في الميثودولوجيا الغربية- ويتناول الفاروقي هذا المبدأ (مبدأ وحدة الحقيقة) في العناصر التالية:

1 - يقرّر ذلك المبدأ أنّ الحقيقة تعدّ شكلاً من أشكال الله، وليس من الممكن فصلها عنه، وأنّ الحقيقة واحدة مثلما أنّ الله واحد، فالحقيقة لا تشتقّ وجودها من الله الذي هو خالقها وسببها النهائي فحسب بل إنّها تشتقّ معناها وقيمتها من إرادته التي تعدّ غايتها وغرضها النهائي، وتقاس فاعلية تلك الحقيقة بمقتضى تحقيقها أو عدم تحقيقها للقيمة. وفي الواقع فإنّ الحقيقة أصبحت تتسم بالفعاليّة، حتى غدا من الممكن وصفها بأنّها صياغة للإرادة الإلهيّة، ولذلك يجب دراستها في إطار تحقيق القيم وانتهاكها. وبمثل ذلك الأسلوب، فإنّ الحقيقة خارج هذا الإطار لا تعني شيئًا على الإطلاق. ومن ثم، فمما لا أساس له من الصحّة أن نحاول إقامة معرفة الحقيقة الإنسانيّة بطريقةٍ منفصمةٍ عمّا يجب أن تكون عليه تلك الحقيقة، ولذلك، فإنّ أيّ بحث يتعلّق بالإنسان، يجب أن يتضمّن موقف تلك الدراسة إزاء الغايات[46].

2 - وذلك المبدأ الخاص بالميثودولوجيا الإسلاميّة لا يتماثل مع المبدأ الذي يقرّ بوثاقة صلة الناحية الروحيّة، ولكنّه يضيف إليه شيئًا يتميّز بكونه إسلاميًّا، وهو المبدأ المتعلّق بالأمّة؛ ذلك المبدأ الذي يُقرّ أنّه ليس ثمّة قيمة ومن ثم ليس ثمّة أمر يتّسم بالصّفة الشّخصيّة أو يتعلق بفرد واحد. وإدراك القيم أو تحقيق القيم لا يتّصل بالشعور الشخصي في لحظةٍ معيّنةٍ أو بالفرد وعلاقته الخاصّة مع الله. إنّ الإسلام يُؤكّد أنّ وصايا الله، أو الأمر الأخلاقي يعدّ بالضرورة شيئًا خاصًّا بالمجتمع، إنّه بالضرورة يتّصل بالنّظام الاجتماعي في الأمّة ولا يُمكن أن يسود إلّا بها؛ وذلك هو السبب في أنّ الإسلام لا يدين بأيّة فكرة تتعلّق بالأخلاق أو التقوى الشخصيّة إلّا إذا عرفها في إطار الأمّة، وحتى في الصلاة التى تعدّ مواجهة شخصيّة للغاية مع الله وعبادته، فإنّ الإسلام قد أعلن أنّها وسيلة لتحقيق الأوامر الأخلاقيّة المتعلقة بحبّ الغير وما يماثلها[47].

3 - إنّ الإسلام قد جعل قيمه متوقّفة على تلك الأوامر، وذلك هو السبب الذى جعل الإسلام يحرّم الأديرة والامتناع عن الزواج، ويترجم مثله الدينية والأخلاقية في الشريعة، أو القانون العام، ويربط وصاياه الأخلاقية بالمؤسّسات العامّة التى لا يمكن أن تزدهر إلا إذا كانت الدولة ذاتها إسلاميّة، ذلك هو مغزى تجاوز الإسلام لحدود الفضيلة المسيحيّة، وفي حين أنّ المسيحية قد عرفت الخلاص في إطار النية، أي الشعور الشخصي في لحظة معيّنة، فإنّ الإسلام قد عرّفه في إطار العمل، أي الحياة العامة في إطار الزمان والمكان والمجتمع، وفي الحالة الأولى، كان الضمير هو الحكم النهائي على وجه الأرض، أما في الحالة الأخيرة، فإنّ الحكم أصبح يتمثل في القانون العام، والمحكمة العامة، والقوانين العامة، والثواب والعقاب بواسطة الله على مدى التاريخ. لقد صاغ الإسلام الإيمان بالأخرويات من أجل تدعيم ذلك الصرح التاريخي من الأفكار. والقيم، والقوانين، والمؤسسات، وحتى المعرفة الإسلامية، ذاتها، أي معرفة إرادة الله كما هي واضحة في الوحي، قد جعلها الإسلام ممكنة فقط في إطار المجهود الجماعي الدائم من خلال الإجماع والتواتر. وطبقًا للرأي الإسلامي، فإنّ الناحية الخاصّة بعلم القيم والناحية الخاصّة بالأمة يعتبران متكافئين وقابلين للتحويل، وهما سويًا يُكَوِنان بعدًا جوهريًا، وشرطًا لا بدّ منه للحقيقة، وليس من الممكن أن يكون ثمة معرفة لتلك الحقيقة بدون قيمة، وليس من الممكن أن تكون ثمة قيمة دينيّة أو أخلاقيّة إلا في إطار الأمة”[48].

المحور الثالث: بعض تجليات النموذج المعرفي الغربي وتمثّلاته

ربط الفاروقي في قراءته للنموذج المعرفي الغربي بين الأصول المعرفيّة من جهة والتجليات الواقعة في المشهدين الفكري والاجتماعي من جهة أخرى. وهو ما نتناوله هنا تحت عنوان تجليات النموذج المعرفي الغربي وتمثلاته، والتي تظهر بشكل أساسي مجال الأفكار والقيم والمذاهب الفلسفية المتعدّدة ذات الأصل المعرفي الواحد.

أوّلاً: في ميدان الأفكار والمذاهب الغربيّة

أشار الفاروقي إلى بعض تجليات النموذج المعرفي الغربي وتمثلاته المعرفية وظلاله الاجتماعية، لا سيما في ميدان الأفكار والمذاهب الفكرية، واهتم الفاروقي اهتمامًا خاصًا –أيضًا- بتمثلات النموذج الغربي في ميدان الفن والاقتصاد. ففي ميدان المذاهب الفكريّة ربط بين ظهور المدارس الفكرية الغربية ومبدأ الشك، ويرى أنّ الغرب عرف ثلاثة أنظمة أقامها على أساس مبدأ الشك:

1 - الفوضويّة: قامت في أوّل عهدها تحت تأثير المسيحيّة المباشر. فالمسيحيّة أبت أن تشرّع للسلوك الاجتماعي وتركته للشيطان قيصر؛ لأنّ الحياة الاجتماعية في نظرها، مقطوع منها. وأبت أن تشرّع للسلوك الفردي؛ لأنّه ميدان الرغبة والرغبة شرّ في ذاتها. فلا رأي للمسيحية إلا التنكر للرغبة ومحاربتها والانعزال عن الجماعة. وهذه الرهبانيّة التي ابتدعتها مثالاً للسلوك البشري. وترك السلوك الإنساني بلا شريعة دعوة إلى الفوضوية[49].

2 - الوجوديّة: أكّدت الوجوديّة أنّ لا أمل يُرجى من حياة الإنسان؛ لأنّها لا خير فيها. بل هي مليئة بالألم والحزن والأسى وتنتهي بموت أكيد، وسعي الإنسان لن يرى؛ لأنّه كلّه غرور. فالوجود مأزق يجب التخلص منه ولا خلاص إلا بالارتماء في أحضان المسيح، الإله المخلص...وإذا كان الدين خروجًا من مأزق الوجود، فلا حاجة للاعتناء بمأزق. ليذهب به القياصرة إلى حيث ألقت[50].

3 - الليبرالية: تقوم الليبرالية على الشك بأن علاقة الإنسان بالإنسان فيها حقيقة أخلاقية أو قيمية. فابتداء منه تعارض الليبرالية كلّ امتداد لتأثير الإنسان في الإنسان الآخر. فالإنسان ذات تحيا في رغباتها، ولا يدخلها مؤثر إلّا هتكها. وكون الرغبة أو الطبيعة الحقيقةَ الوحيدة، فهذا تأليه للرغبة؛ لأنّه ينفي وجود الحقيقة المعنويّة أو العتمويّة التي هي وحدها القادرة على تطويع الحقيقة الطبيعيّة. فالموجود الذي لا وجود لغيره: إله في ملكوته[51].

4 - الشيوعيّة: تقوم الشيوعيّة كما قامت الليبراليّة الانجلوسكسونيّة على مبدأ الشك، أي تأليه الرّغبات بجعلها الحقيقة الوحيدة، وبالتالي، باعتبار الرغبات معيارًا نهائيًا لكلّ ما هو خير وشر. إلا أنّها تختلف عن الليبرالية بأنّها لا تعترف برغبات الفرد إلا بقدر اعترافها برغبات الجماعة. والجماعة عندها ليست القوم بل الطبقة. فالشيوعية نظام تجنيدي (Requinentational) بالضرورة؛ لأنّ رغبة الطبقة عندها أولويّة كبرى، لا تنسق رغبات الأفراد معها بل تُنقض وتُنكر، لذلك كان تصوّر علاقة الإنسان بالإنسان في الشيوعيّة: أنّ العامل زميل العامل أنّى وُجد، وأنّهما مجنّدان لخوض حربٍ ضروريّةٍ مع طبقة الرأسماليين المتسلّطة، وأنّ حالة الصراع هذه: حالة دائمة إلى أن تُبيد الطبقةُ الطبقةَ الأخرى.[52]    

5 - العلمانيّة: أسّست العلمانيّة قضيّتها على الدعوة إلى عدم تقرير الشأن العام بقيم نابعة من الدين، بدعوى أنّ الدين مصدر غير جدير بالثقة. وزعمت العلمانية أنّ هذا المصدر غير عقلاني وخرافي وقائم على الجزم بمقولات لا دليل عليها. ومن الممكن أن يتفهّم المرء مثل هذه التّهم حال توجيهها إلى المسيحيّة، أو على الأديان التى أسّست مبادئها على عقائد لا دليل على صحّتها أو إلى أديان تمرّ بمرحلة وهن معيّنة. إلّا أنّ تلك التّهم لا تتعلق لا من بعيد ولا من قريب بالأديان ذات العقائد المنسجمة مع الفطرة، أي التي تسلّم بالصحّة العامة للمعايير العقليّة، ولا بالأديان التى تشهد صحوة إحياء تسعى من خلالها إلى التخلص من حالة الركود والوهن، بالطرح العقلاني النقدي لمقولاتها على نحو يجسد قيمًا إنسانيّة حقيقيّة[53].

ثانيًا: مجال علوم الإنسان، أما في علوم الإنسان وممارساته، فيقوم مبدأ الشك على اعتبار أنّ الرغبات الإنسانيّة – الفرديّة والاجتماعيّة – هي المعطيات الوحيدة. ذلك أنّها وحيدة في كونها مرئيّة محسوسة قابلة للفرز عمّا سواها، كما هي قابلة للقياس والتقييم الكمي. وعلى هذا المعطى كأساس، يمكن للعلوم الإنسانيّة والاجتماعية أن تقوم كعلوم موضوعيّة. وليس الشك في تأكيد معطى ما، إنّما الشّكّ في نفي أي فاعل آخر في تفسير الظواهر السلوكيّة. فالسلوك البشري كان يفسّر – قبل حركة الإصلاح الدينى – بإرجاعه إلى المبادئ والقيم الصادرة عن الدين والثقافة، إلا أنّ حركة الإصلاح أودت بسلطة الكنيسة وتعاليمها وأبعدتها كلّ البعد عن السلوك الإنساني[54].

ثالثًا: نزعة تأليه الإنسان، أنجبت الحضارة الإغريقيّة فلسفةً إنسانيّةً قويّةً تبنّاها الغرب واعتبرها نموذجًا يُحتذى من عصر النهضة، بيد أنّ تأسيس تلك الفلسفة الإنسانيّة الإغريقيّة على نزعةٍ طبيعيّةٍ مبالغ فيها، أفضى بها إلى تأليه الإنسان، بل تأليه رذائله. وهذا هو السّرّ في أنّ الإغريقي لم يجد غضاضة في تصوير آلهته ككائنات يخدع كل منها الآخر ويتآمر ضده، ولا تتورع عن الزنا والسرقة وسفاح أولى القربى، والعدوان والغيرة، والانتقام، وما شاكل ذلك من الأفعال الوحشيّة[55].

رابعًا: في مجال الفن، حينما تحوّل مركز القوّة المسيحيّة إلى العالم الهيليني فقدت المسيحية قدرتها على مواصلة الصراع ضد التجربة الجمالية الإغريقية، وأصبحت نفسها هيلينيّة بالطبع. ومع ذلك، فقد احتفظت ببعض أصولها السامية، ومن ثم كان الفنّ البيزنطي مرآة انعكس عليها كلا الطابعين الفكريين. فلقد كان الفنّان البيزنطي غير مهتم بالتعبير عن الطبيعة الطابعة اللّا نهائيّة في الإنسان، وهذا قدر مؤكد في فنه فوعيه بالإلوهية المنـزهة منعه من الانزلاق في أدنى خلط بين الحقيقة القدسية وبين الطبيعة... ولكن هذه الأصالة السامية أصبحت ضعيفة خاصة بعد الاعتقاد بالتثليث، وبعد أن لبست المسيحيّة ثوبًا غنوصيًا هيلينيًا في مؤتمر نقيا. ومن ثم فإنّ الفنّان [المسيحي] في بحثه عن الحقيقة المنـزّهة لم يقف عن حدّ معيّن... بينما رأى الوثني الإغريقي الإله في الفكرة الأولى الثابتة عن الإنسان والطبيعة، فإنّ المسيحي الهيلينى رآه مباشرة، في صورة مؤسلبة – كاريكاتورية – للإنسان، وغير مباشرة، خلال لوحات روائية عن الإيمان، تلك اللوحات التى استخدم فيها البيزنطي الرموز والنصوص الدينية، ليوحي للمشاهد – بطريقة كلاميّة منطقيّة – عن الفكرة الأولى في تلك اللوحة أو ذاك. لقد كان الفن الإغريقي في مجموعه حسيًا... وكان الفن البيزنطي حسيًا في جزء منه، ومنطقيًا في جزئه الآخر. فالجانب الحسّي منه، أي تصوير الإنسان والأشياء الطبيعية، لم يعبّر عن “فكرة أولى” مطلقًا، طالما أنّ الفنان لجأ إلى تعبيراتٍ نمطيّةٍ مؤسلبة تخالف الطبيعة... ولهذا فإنّ الفنّ الديني المسيحي في بيزنطة قد تنازل عن النصف الأهم من وظيفته للفهم المنطقي[56]

خامسًا: في ميدان الاقتصاد، إنّ النّموذج الغربي للتطوّر مبنيّ على نظام الفائدة بأعلى درجاتها، ومن ثم على الإنتاج فالاستهلاك، وذلك بالتالي يستلزم قدرًا من الغشّ من خلال إعلانات مركّزة مع بعض الإهمال في نوعيّة الإنتاج. إنّ النموذج الغربي للتنمية يعنى بالإنتاج الاقتصادي والاستهلاك بصفة مركزة...واهتمامه بكيفيّة حياة الناس يكاد لا يوجد. كون النموذج الغربي للتطوّر مهتمًا بالفائدة، فهو يميل غالبًا لتركيز الثروة في أيدي القلّة التي توظفها لمصلحتها المنافية لشروط العدالة الاجتماعية[57].

سادسًا: مبدأ النفعيّة في العلوم وانتشار النسبيّة المطلقة، أوجد التأكيد على الجانب النفعي للعلوم الطبيعية والتركيز على جنيها إلى اتساع موارد التطبيق والتقنية اتّساعًا شاسعًا لا ينكر فضله على البشر. لكنّه أدّى – أيضًا إلى انتشار النسبية التى سرعان ما تحالفت مع مخلفات الماضي الغربي حيال الطبيعة: أي مخلفات عصر النهضة من أنّ الطبيعة يجب أن يقبض عليها ويناهض الإله بالتمكّن منها رغم أنفه كما فعل بروميثيوس، ومخلفات المسيحية من أنّ الطبيعة، بل الخلق برمّته، ساقط لا خير فيه ولا خلاص. فأدّى ذلك التحالف إلى ما نشاهده اليوم من نهب واغتصاب وتدمير للطبيعة، ما أدّى بدوره إلى اختلال توازنها وتهديدها بالقضاء على الإنسان والحياة[58].  

سابعًا: العلوم الاجتماعيّة، قامت العلوم الاجتماعيّة على مبدأ الشّكّ في تأكيداته ومنفياته، معتقدة أنّ المرغوب إطلاقًا هو المرغوب فيه فعلاً، وأنّ ما بني على غير المرغوب فيه فعلاً ليس حقيقة بل منية تمنى، وأنّ السبيل إلى معرفة الحقيقة السلوكيّة هو السبيل نفسه إلى المعرفة الطبيعيّة، أي استقراء المحسوس وافتراض النظرية المفسّرة له والمثبتة به. أمّا المحسوس فهو الرغبات الكامنة في تحرّكات الإنسان المرئيّة الخاضعة للقياس الكمي. وأما العلوم الإنسانية فلا حقيقة فيها أصلاً، فهي ليست علومًا، بل آداب تجمع ما يدور في قلب الإنسان وذهنه من تمنيات دون الاعتماد على الظواهر المحسوسة[59]

ثامنًا: الفردانيّة، على الصعيد الفردي دعت العلوم الاجتماعيّة الإنسان إلى الاعتماد على الذات وتقويتها؛ لأنّها منبع القيم المستقلة والمرجع الأخير لوجود الإنسان ووعيه بوجوده. وأصبحت الحرية في نظر الغرب كافّة متساوية مع الممارسة التى لا تخضع لمبدأ أو قانون، بل تصدر عن الإرادة الشخصيّة المجرّدة. ومن الفلاسفة الذين دعوا إلى تمركز الأخلاق حول “الأنا” نيتشه على أساس أنّ الوجود كلّه نزعةٌ إلى القوّة والسيطرة. أمّا شوبنهاور فأكّد أنّ الوجود نزعةٌ إلى الحياة والوجود والبقاء. ولحقتهما الوجوديّة العدميّة على لسان سارتر وكامو تمجّد الممارسة الحرّة كأعلى ما يمكن أن يصبو إليه الوجود الإنساني[60]

تاسعًا: في مجال المنهج، حقائق العلوم الطبيعية يتمّ التوصّل إليها عن طريق “البراهين” الناتجة عن التجربة فقط، والتى تُعتبر أساسًا للنظريّة التى تظلّ صحيحة طالما لم يتم دحضها عن طريق أيّ تجربة أخرى. وتعتبر النظرية بمثابة قانون طبيعي عندما تثبت صحتها من خلال التجارب والملاحظات المتكرّرة. لقد تضمّنت تلك النظريّة دعوة لجعل العالم بأجمعه شيئًا قابلاً للتفسير، ولقد تم إرغام الطبيعة أخيرًا على أن تفتح أبوابها. فإنّ العلم قد أرغمها على ذلك بمقتضى تحقيقه في أسباب حدوث الظواهر ونتائجها... وهكذا فإنّ العلوم الطبيعية تعدّ المفتاح لتحقيق السيطرة على الكون؛ وإنّ مقدرة تلك العلوم على فهم الأشياء تعدّ بصفة مباشرة مقدرة على التوجيه والسيطرة. ومن ثم فهي تعدّ قوّة مثلما تعدّ سعادة. لقد استحوذت تلك الرؤية العلميّة على الرجل الغربي وأطلقت طاقات هائلة لاستكشاف الطبيعة واستغلالها، وقد أثبتت المكاسب التى تم إحرازها وتحقيقها تلك الرؤية بما لا يترك مجالاً للشك، وجعلت العلم الطريق المؤكد لتحقيق الحياة المثالية[61]

الدرس المعرفي المستفاد

من قراءة الفاروقي للنموذج المعرفي الغربي

الدرس الأوّل: في هذه الدراسة: هو ذلك التكوين المنهجي المتميّز لإسماعيل الفاروقي، والذي استطاع أن يجمع فيه بين إدراك النموذج المعرفي الغربي من واقع الدرس والدراسة  من ناحية ومن واقع الخبرة المعاشة من ناحية أخرى، وعل الرغم من معايشته لهذا النموذج إلا أنّه لم يقع في أسره؛ بل نظر إليه نظرة نقديةً من واقع نموذجه المعرفي التوحيدي الذي اتّخذه ميزانًا يمكن أن يزن به أي نماذج أخرى. وهو ما يلفت الفاروقي نظرنا إليه بضرورة التكوين المنهجي للباحث المسلم إزاء العلم الغربي، فمع تأكيده على انفتاح ثقافتنا وحضارتنا الإسلامية على التراث والمنجزات العلمية البشرية، إلا أنّه يُحدّد طبيعة هذا الانفتاح وشكله بأنّه انفتاح واع لا انفتاح المنبهر المأسور. وهذا الانفتاح الواعي يتطلّب “...إتقان العلم والهيمنة عليه أي الإلمام التام والتفهم الكامل لكل ناحية من نواحيه. فالتعرف السطحي بالعلم لا يكفي ولا يُغني والاكتفاء به جرم. على المسلم الذي يطلب العلم عند الغرب أن ينفذ إلى كافة الحقول والمكامن، ويحيط بتاريخ العلم ومنجزاته، ويدرك مناهجه النظرية ومسالكه العملية، ويعرف مشاكله وآماله حتى يقف على نشأته وحاجاته وإمكانياته... والتمكن منه والهيمنة الكاملة عليه”[62].  ومن ناحية أخرى يتطلب أن يعي المسلم رسالته وذاته وينطلق منهما نحو الآخر، ويتحقق ذلك عن طريق الوعي بالتوحيد ومعطياته في الانسان والكون والحياة.

الدرس الثاني: هو الحاجة إلى درس النموذج المعرفي الغربي؛ لتفنيد المقولات التى أطلقها الغرب على نفسه وروج لها بقوّة، واستقرّت في أذهان بعض من وقعوا في أسر الوافد في الأمة المسلمة، وأهم هذه المقولات هو “عالميّة” الغرب و”مركزيّته” الكونيّة و”حيادية” علومه و”موضوعيتها”، ومطلقية طريق نهضته وتقدمه، و”أحادية” ميزان التأخر والتقدم كما صورها هو..والقراءة المعمقة للنموذج الغربي وعناصره ومكوناته وتجلياته توضح بما لا يدع مجالاً للشك تهافت هذه المقولات وردّها، وهذا ما جعل المسيري يقرّر أنّ أيّ مشروع معرفيٍّ حضاريٍّ لا بدّ وأن يبدأ بنقد المشروع الغربي معرفيًا وتفنيد مقولاته الفكرية وتفكيكها، وهو ما تعرّض له الفاروقي في كتاباته لا سيما في سفره القيّم “التوحيد ومضامينه على الفكر والحياة”، والتي اعتمد فيها على تفكيك النموذج المعرفي الغربي ورصده من منظور توحيدي، ولهذا التفكيك دور مهم في “ التخلص من وهم النموذج المعرفي الغربي، وبناء الوعي بتهافته لافتقاره إلى ثابت، بل تحويل ما حقّه أن يكون متغيّرًا إلى ثابت، وما حقّه أن يكون ثابتًا إلى متغيّر، في مقابل تميّز البديل المعرفي الإسلامي بامتلاك نواة جامعة ناظمها التوحيد”[63].

الدرس الثالث: هو ما قدمه الفاروقي من إدراكه لمسألة “التحيّز” في الفكر الغربي، ونموذجه المعرفي، وهذا الوعي الذي تشكّل لدى الفاروقي انتبه إليه لاحقًا بعض المفكرين وقدّموا له جهودهم مثل عبد الوهاب المسيري -الذي دعا إلى تأسيس علم التحيّز- ورجال المعهد العالمي للفكر الإسلامي[64]*، ويرى السيد عمر أهميّة إدراك التحيز في الوعي الإسلامي “باعتباره الخطوة الأولى للتمكن من تجاوزه... ومن شأن إدراك حتميّة التحيّز الوعي بأنّ كلّ سلوك إنساني يعبّر عن نموذج معرفي كامن. واكتشاف النموذج الكامن لا يمكن أن يكون عمليّة فرديّة بل عملية جماعية تفاعلية متكاملة تتم على مستويات الرصد والتصنيف والنقد وبناء الأنماط مع ربط البعد المعرفي بالبعد الديني”[65]

الدرس الرابع: الذي قدمه الفاروقي هو الاهتمام بعلم اجتماع المعرفة عند درس النموذج المعرفي الغربي وقراءته، من خلال التعرّف على السّياقات الاجتماعيّة المختلفة التي أدّت إلى نشأة هذا النموذج بعناصره المختلفة والمتناقضة أيضًا، وهو ما يساهم في تفسير كثير من مكونات ذلك النموذج وعناصره، فاستبعاد الدين وتحديدًا (دين الكنيسة) كان ناتج عن ذلك الصراع الطويل بين (دين الكنيسة) وبين العقل الغربي، والذي انتهى بالقضاء ليس فقط على دين الكنيسة، ولكن على فكرة الدين ذاتها في الإنسان والحياة، كما يُفسّر أيضًا درس هذه السياقات غرق النموذج الغربي في “حوسلة الطبيعة والإنسان والعقل، مع إلغاء النموذج العلماني الشامل لمفهوم الإله أو تهميشه، ونسف مفهوم الإنسان الكوني، وتوظيف ذلك لصالح ترسيخ مركزيّة الإنسان الغربي، وتحويله إلى مستغل لبقيّة البشر ولكلّ ما بالكون، وذلك بإحلال العقل الأداتي محلّ العقل النقدي”[66]. في ضوء تغييب الدين والقيم الروحيّة وهيمنة الوضعيّة، والتي يكمن وراءها نموذج مادي أحادي النظرة للإنسان والكون، والذي يعترف فقط بكل ما يخضع للحس والمشاهدة والتجربة، وينكر ما دون ذلك من ظواهر ترتبط بالمرجعيّة المتجاوزة.

الدرس الخامس: إذا كان النموذج المعرفي بنيةً تصوّريّةً يجرّدها العقل البشري، وأنّه عبارة عن مجموعة من المعتقدات والفروض و المفاهيم والمسلّمات، إلّا أنّه يبدو ملموسًا في تجلياته وتمثّلاته، لذا حرص الفاروقي على ذكر تمثّلات النموذج المعرفي الغربي في: الحياة العقلية والاجتماعية والاقتصادية الغربية، وهو ما يجعل العقل المسلم يقظًا وراء دعوات العالميّة للمذاهب الفكرية والاجتماعية ومجالات الفنون المختلفة، لأّنها في حقيقتها ليست إلا معبِّرًا عن نموذج مادي له خصوصياته الاجتماعية والفكرية وأسسه الفلسفية؛ بل تكمن نتاجات ذلك النموذج-أيضاً- في مجالات العلوم الرياضيّة والطبيعيّة[67].

خاتمة

وقفت المنهجيّة الإصلاحيّة الحديثة والمعاصرة أمام مفصلين فكريين شكّلا رؤيتها لعمليّة الإصلاح: الأوّل هو الدين، والثاني الغرب. وظهر ذلك عند محمد عبده، والأفغاني، وعلي شريعتي، ومرتضى مطهري، ومالك بن نبي، ومحمد باقر الصدر وغيرهم... من أصحاب الأفكار الإصلاحيّة، وهو ما شكّل قناعة عقلية بضرورة بناء إطار تحليلي لدرس النموذج المعرفي الغربي ينطلق من الرؤية التوحيديّة.

إنّ ما حاولت الدراسة طرحه بشكلٍ أساسيٍّ ونذكره هنا هو أنّ عمليّة التأسيس الحضاري الإسلامي تتطلب التعرّض للنموذج المعرفي الغربي ذاته ودرسه من منطلق توحيدي حضاري وتفكيك مقولاته الأساسية، ثم نقد القراءات الاستلابيّة التى تبنّت الفكر الغربي، ولا يكون ذلك إلّا بنقد جذور هذا الفكر وتمثلاته الأساسية وعناصره المكوّنة ومفاهيمه وتصوّراته؛ حيث إنّ الارتهان الحاصل لدى قطاع من المثقفين المسلمين إلى الفكر الغربي وثقافته ونموذجه المعرفي، أو القطيعة الكاملة والرفض الكامل – دون التأمّل والتشريح الفكري ـ في القطاع المقابل لهذه الفئة المستلَبة فكريًا، لا يؤسّسان لمنظور حضاري متكامل وعلمي نحو الحضارة الغربية وتصوّراتها الأساسية؛ لذا فإنّ العقل الإسلامي المعاصر في حاجة إلى نماذج معرفيّة أكثر منهجيّةً وعلميّةً لتناول الفكر الغربي ونقد مقولاته وتقديم بدائل معرفيّة توحيديّة.

وهذا لا يتحقّق بالطبع إلا بتكوين عقليّةٍ بحثيّةٍ مسلمة تتمتع بقدرات معرفيّة متميّزة تستطيع أن تكون على دراية كاملة بالمناهج الأساسيّة في هذا الدرس، والعناصر المعرفيّة الأساسيّة لنموذجها التوحيدي الذي يمثل لها إطارًا مرجعيًا وهويّة معرفيّة ومدخلاً أساسيًا للإصلاح المعرفي، وهو ما استطاع الفاروقي في جمعه بين: الدرس التوحيدي، والدرس الغربي، والدرس المنهجي الفلسفي التحليلي.

والله من وراء القصد

----------------------------


[1] [*]- باحث وأستاذ في جامعة دمياط – جمهورية مصر العربية.

[2]- الفاروقي، إسماعيل: “حساب مع الجامعيين”، مجلة المسلم المعاصر، العدد31،  مايو 1982، ص49.

[3]- الفاروقي، إسماعيل: “حساب مع الجامعيين”، م.س، ص49.

[4]- الأصفهاني، الراغب: مفردات ألفاظ القرآن، لا ط، دمشق، دار القلم، 1992، ص825.

[5]- أبو الفضل، منى عبد المنعم: نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات، لا ط، القاهرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996، ص8.

[6]- ملكاوي، فتحي حسن: منهجية التكامل المعرفي..مقدمات في المنهجية الإسلامية، لا ط، عمان، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2011، ص120.

[7]- كون، توماس: بنية الثورات العلمية، ترجمة: جلال شوقي، الكويت عالم المعرفة، العدد168، ديسمبر 1992، ص 244.

[8]- يتألف المجتمع العلمي/أو الجماعة العلمية الذي يقصدها كون من “ مجموعة من الممارسين لتخصص علمي محدد. ويكونون قد مروا بمرحلة متماثلة من حيث التعليم والتنشئة المهنية،...ويستوعبون خلال هذه العملية ذات الأدب التقني، ويفيدون منها نفس الدرس”( انظر: المرجع نفسه، ص 246).

[9]- ملكاوى، فتحي: “رؤية العالم والعلوم الاجتماعية” إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، العدد42-43، 2006، ص 96.

[10]- م.ن، ص 92.

[11]- خشبة، سامي: مصطلحات فكرية، لا ط، القاهرة، المكتبة الأكاديمية، 1994، ص579.

[12]- المسيرى، عبد الوهاب: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، لا ط، القاهرة، دار الشروق، 1999، ج1، ص107.

[13]- م.ن، ص122.

[14]- المسيرى، عبد الوهاب: العالم من منظور غربي، كتاب الهلال، العدد 602، القاهرة، فبراير 2001، ص20 – 21.

[15]- المسيرى،عبدالوهاب، موسوعة اليهودية والصهيونية، م.س، ج1، ص54.

[16]- المسيرى،عبدالوهاب، موسوعة اليهودية والصهيونية، م.س، ص54.

[17]- الفاروقي، إسماعيل: التوحيد.. مضامينه على الفكر والحياة، ترجمة: السيد عمر، القاهرة، لا ط، مدارات للنشر والتوزيع، 2015م، ص52.

[18]- م.ن، ص 53.

[19]- الفاروقي، إسماعيل: التوحيد.. مضامينه على الفكر والحياة، ص52.

[20]- م.ن، ص 54.

[21]- م.ن، ص54. 

[22]- الفاروقي، إسماعيل: “نحن والغرب”، المسلم المعاصر، العدد الحادي عشر، سبتمبر 1977، ص32-33.

[23]- الفاروقي، إسماعيل: صياغة العلوم الاجتماعية صياغة الإسلامية، رسائل إسلامية المعرفة(5)، لا ط، فيرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، (لا ت) ص8.

[24]-  الفاروقي، إسماعيل: صياغة العلوم الاجتماعية صياغة الإسلامية، م.س، ص8-9.

[25]- الفاروقي، إسماعيل : “التحرك الفلسفي الإسلامي في العصر الحديث”، المسلم المعاصر، العدد 39، ( مايو 1984)، ص15.

[26]- الفاروقي، إسماعيل : “التحرك الفلسفي الإسلامي في العصر الحديث”، المسلم المعاصر، ص16.

[27]- م.ن، ص15.

[28]- الفاروقي،إسماعيل، التوحيد..مضامينه على الفكر والحياة، م.س، ص85. 

[29]- الفاروقي،إسماعيل: “نحن والغرب”، المسلم المعاصر، العدد الحادي عشر، ص22، سبتمبر 1977، ص22.

[30]- م.ن، ص23.

[31]- م.ن، ص29.

[32]- الفاروقي، إسماعيل، صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية، م.س، ص19.

[33]- م.ن، ص22.

[34]- م.ن، ص13.

[35]- م.ن، ص13.

[36]- الفاروقي، إسماعيل، صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية، م.س، ص14-15.

[37]- م.ن، ص14.

[38]- الفاروقي، إسماعيل، صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية، م.س، ص12.

[39]- م.ن، ص19.

[40]- الفاروقي،إسماعيل، التوحيد، م.س، ص138.

[41]- م.ن، ص140. 

[42]- م.ن، ص167.

[43]- الفاروقي،إسماعيل، التوحيد، م.س، ص170.

[44]- م.ن، ص172-173.

[45]- م.ن، ص182. 

[46]- الفاروقي، إسماعيل، صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية، م.س، ص16.

[47]- م.ن، ص17.

[48]- صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية، م.س، ص18.

[49]- الفاروقي، إسماعيل، “نحن والغرب”، م.س، ص23.

[50]- الفاروقي، إسماعيل، “نحن والغرب”، م.س، ص24.

[51]- م.ن، ص24.

[52]- م.ن، ص26.

[53]- الفاروقي، إسماعيل، التوحيد..مضامينه على الفكر والحياة، م.س، ص169.

[54]- الفاروقي، إسماعيل، “التحرك الفلسفي الإسلامي الحديث”، م.س، ص13.

[55]- الفاروقي، إسماعيل،  التوحيد..مضامينه على الفكر والحياة، م.س، ص123.

[56]- الفاروقي، إسماعيل: “التوحيد والفن”، المسلم المعاصر، العدد24 ( ديسمبر 1980)، ص188.

[57]- الفاروقي، إسماعيل: “الإسلام في القرن المقبل”، المسلم المعاصر، العدد38 (إبريل 1984)، ص25.

[58]- الفاروقي، إسماعيل، “التحرك الفلسفي الإسلامي الحديث”، م.س، ص12.

[59]- م.ن، ص13.

[60]- الفاروقي، إسماعيل، “التحرك الفلسفي الإسلامي الحديث”، م.س، ص14. 

[61]- الفاروقي، إسماعيل، صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية، م.س، ص11.

[62]- الفاروقي، إسماعيل: “حساب مع الجامعيين”، المسلم المعاصر، العدد31( يوليو1982)، ص49. ص32.

[63]- عمر، السيد،»صوب معايرة معرفية لمفهوم التحيز الثقافي من فكر المسيرى ومنى أبو الفضلـ«، م.س، ص29.

[64]- انظر : مجموعة من الباحثين: إشكالية التحيّز (جزآن)، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، نقابة المهندسين (مصر)، 1995.

[65]- عمر، السيد، «صوب معايرة معرفية لمفهوم التحيز الثقافي من فكر المسيرى ومنى أبو الفضلـ«، م.س، ص32.

[66]- م.ن، ص15.

[67]-  انظر حول التحيز في العلوم الطبيعية:مجموعة من الباحثين: إشكالية التحيز (جزآن)، لا ط، مصر، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، نقابة المهندسين (مصر)، 1995، ج1، ص 363-514.