البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

February / 15 / 2024  |  522نظريات حول نشوء الدّين (دراسة تحليليّة نقديّة)

سامر توفيق عجمي المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية صيف 2023 م / 1445 هـ
نظريات حول نشوء الدّين (دراسة تحليليّة نقديّة)

الملخّص

يلاحظ الراصد لسيكولوجيا الشعوب أنّ الغريزة الدينيّة بمعنى الشعور بالجذبة النفسيّة إلى موجودٍ مفارِق للطبيعة حالةٌ مشتركةٌ بين الحضارات البشريّة. وظهرت دراساتٌ عدّة في تفسير نشوء الأديان، فذهب بعضهم إلى أنّ الدين وليد الجهل بالتفسير العلمي للظواهر الطبيعية، أو الخوف منها، وفي (زمن العلم) حيث فهم الإنسان الظواهر الطبيعيّة في ضوء المنهج التجريبي، انسحبت التفسيرات الدينيّة الأسطوريّة لتخلي موقعها للتّفسير العلميّ، فلم يعد ثمّة حاجةٌ إلى الدِّين، واستنفد الإيمان بالله الغرض منه.

لكن هؤلاء غفلوا عن أنّ العلم لا يناقض الإيمان؛ فلا تعارض في أنْ يكون للظاهرة الطبيعية سببان: مادّي وغيبيّ، فاكتشاف القوانين الطبيعية لا يعني تراجع الإيمان بالله خطوةً إلى الوراء، بل تقدّمه خطوةً إلى الأمام؛ لأنّه يكشف أسرار عظمة الله في تصميم الطبيعة، وإنّما الذي يناقض الدين هو استغلال العلم لضغط الإنسان في قالبٍ مادّيّ نفعيّ محض، وتغريبه عن أشواقه العليا وراء حدود الطبيعة.

الدين يمنح الحياة تفسيرًا ذا هدفٍ ومعنى، والشعور الديني يمدّ الإنسان بالطمأنينة ويطرد عنه القلق، ويُكسِبه القوّة على مواجهة التحدّيات، فلا يؤدّي إلى النزعة العدميّة والتشاؤم والضياع. وكلّما توغّل الإنسان في أعماق ذاته، يزداد شعوره بالحاجة إلى التديّن؛ لأنّه يكتشف ضعفه وعجزه، وهذا نقيض ما طرحه فويرباخ في تفسير الدين. وأمّا تصوير كارل ماركس للدين على أنّه ناتج إرادة استغلال الطبقة الحاكمة والغنية لخدمة مصالحها، فهو خطأٌ منهجي؛ لأنّه خلط بين الدين في ذاته كمعطى إلهيّ يحارب الاستغلال ويقاوم الاستكبار، وبين الدين في الاجتهاد البشريّ والممارسة الشعبويّة، حيث سوء التطبيق والاستغلال الذي يشوّه الدين، فيتحول التديّن من قوّة خلاص إلى رافعة للبؤس وتخدير العقول.

الكلمات المفتاحية : الدّين، الإيمان بالله، الجهل بالظواهر، الخوف من الطبيعة، الغربة عن الذات، التناقض الطبقي، التفسير العلمي.

 

Abstract

The observer of the psychology of peoples observes that the religious instinct in the sense of feeling psychological attraction to a paradoxical existence of nature is a common condition among human civilizations. Several studies appeared in explaining the emergence of religions, some of them argued that religion is born of ignorance of the scientific explanation of natural phenomena, or fear of them, and in (the time of science) where man understood natural phenomena in the light of the experimental method, mythological religious explanations withdrew to abandon their position for scientific interpretation, so there is no longer a need for religion, and faith in Allah has exhausted its purpose.

But these people overlooked that science does not contradict faith, so there is no objection to the natural phenomenon having two reasons: physical and metaphysical, the discovery of natural laws does not mean the decline of faith in Allah a step back, but rather a step forward, because it reveals the secrets of the greatness of Allah in the design of nature, but what contradicts religion is the exploitation of science to pressure man in a purely physical utilitarian form, and alienation from his higher longings beyond the limits of nature.

 Religion gives life an explanation with purpose and meaning, and religious feeling reassures humans, expels them from anxiety, and gives them the strength to face challenges, so as not to lead to nihilism, pessimism, and loss. The deeper a person goes deeper into himself, the more he feels the need for religiosity, because he discovers his weakness and helplessness, which is the opposite of what Feuerbach put forward in explaining religion. Karl Marx's portrayal of religion as the result of the will to exploit the ruling and rich class to serve its interests is a systematic mistake because he confused religion itself as a divine given, which fights exploitation and resists arrogance, and religion in human ijtihad and populist practice, where misapplication and exploitation distort religion, turning religiosity from a salvation force into a lever for misery and numbing minds.

 

Keywords: religion, belief in Allah, ignorance of phenomena, fear of nature, alienation from oneself, class contradiction, scientific explanation.

 

تمهيد

يمكن للمتتبّع لتاريخ الحضارات البشريّة ومعطيات علم الآثار والحفريّات وغيرها... ملاحظة كون التديّن ــــ بمعناه الأعم ــــ مقارنًا لوجود الإنسان منذ القدم. وثمّة نظرياتٌ عدّة طرحها مؤرّخو الأديان وعلماء الاجتماع والفلاسفة وغيرهم حول ظروف وعوامل نشأة الدِّين في حياة البشر؛ فمنهم من أدخل الشعور الدِّيني ضمن الغرائز الإنسانيّة كالدفاع عن النفس وحبّ الاستطلاع والتعرّف. يقول معجم لاروس للقرن العشرين: «إِنّ الغريزة الدينيّة مشتركةٌ بين كلّ الأجناس البشريّة، حتى أشدها همجيّةً، وأقربها إِلى الحياة الحيوانيّة… وإِنّ الاهتمام بالمعنى الإِلهيّ وبما فوق الطبيعة هو إِحدى النزعات العالميّة الخالدة للإِنسانيّة»[1].

ومنهم من جعله مُنبثِقًا من الجهل بالأسباب الطبيعيّة والتفسير العلمي للظواهر كعالم الاجتماع الفرنسي أوجست كونت. ومنهم ـــ برتراند رسل ـــ من عدّه وليد خوف الإنسان من الظواهر الطبيعيّة كالزلازل، والبراكين، والصواعق، أو الحروب، والأمراض، ونحو ذلك.

ومنهم ـ كارل ماركس ـ من يُرجِع الدين إلى التناقض الطبقي والصراع الاجتماعي. ومنهم ـ لودفيغ فويرباخ ـ من يفسّر الدّين بأنّه ناشئٌ عن غربة الإنسان عن ذاته... إلخ. ومنهم ـ سيجموند فرويد ـ من يصنّف الدِّين ضمن الأمراض النفسيّة، حيث يقول: «تقودنا أبحاثنا إلى الاستنتاج بأنّ الدين ما هو إلّا عصاب تشكو منه الإنسانية، وحين تبين لنا أنّ قوّته الهائلة تجد تفسيرها على النحو نفسه الذي نفسّر به الوسواس العصابي لدى بعض مرضانا»[2].

وهذه النظريّات جميعها قد تورّطت في أخطاء منهجيّة ومعرفيّة من جهات:

الأولى: الخلط بين الدِّين بوصفه وحيًا إلهيًّا، وبين الدِّين بوصفه ممارسةً اجتماعيّةً في التاريخ البشري.

الثاني: التعميم المُفرِط، فإنّها لم تميّز بين الأديان من حيث نشأتها.

الثالثة: أنّها فرضيّات لا دليلَ علميًّا يدعم صحتها.

فقد يصدق بعض هذه النظريّات في تفسير نشأة هذا الدِّين الوضعي أو ذاك كما اشتغل عليه مؤسّسوه، دون الدّين الإلهيّ الذي نعتقد بأنّه الله تعالى أنزله إلى الناس بوساطة الأنبياء. وليس من الضروري أنْ تكون الأديان جميعًا مشتركةً في دوافع النشوء، بل قد تختلف نشأة دينٍ عن دينٍ آخر باختلاف الحضارات البشريّة.

وسنحاول في هذه المقالة، تسليط الضوء على بعض هذه الأطروحات، وتحليلها، وتوجيه النقد إليها، ثم تقديم النظريّة البديلة التي نعتقد بصحّتها.

أوّلًا: الدِّيانة تتولّد من الجهل بالتفسيرات العلميّة لظواهر الطبيعة

تعتقد هذه الأطروحة بأنّ التديّن والاعتقاد بوجود الله هو حالةٌ ساذجةٌ لم تنشأ من الأدلّة العلميّة، وإنّما هي وليدة عجز الإنسان القديم عن تفسير الظّواهر الطّبيعيّة، وعدم امتلاكه الأدوات العلمية اللازمة لفهمها، كالأمراض، وتنوّع الفصول، والخسوف والكسوف، والمدّ والجزر، والزلازل، والبراكين، والفياضانات، والعواصف والصّواعق. فأمام ما يعتريه من الحيرة ونوبة الجهل، يختلق عقله كائنًا فوق الطّبيعة (الإله)، يُسند هذه الظواهر إليه، وتناقلت الأجيال بالتثاقف هذه العقيدة أبًا عن جدّ، وأصبحت أيديولوجيا متمكِّنة من نفوس البشر.

وفي (زمن العلم)، أي عصر اعتماد الإنسان على المنهج الاستقرائي والتجريبي القائم على أساس الملاحظة الحسّيّة في فهم الطبيعة، واكتشاف الأسباب الطبيعيّة للظواهر والعلاقات القائمة بينها، لم يعد ثمّة حاجةٌ إلى الدِّين، فالدّين ليس إلّا خرافة، وتفسيرًا خياليًّا وأسطوريًّا للطبيعة.

ومن المفكّرين الذين تبنّوا هذه الأطروحة عالم الاجتماع الفرنسي أوجست كونت، الذي يعتقد بأنّ الذهن البشريّ لا يدرك سوى الظواهر المحسوسة، والقوانين الطبيعية من علاقات بين هذه الظواهر. وأنّ الاختبار الحسيّ هو السبيل الوحيد إلى المعرفة العلميّة. وبنى كونت رفضه للدّين واللاهوت على هذين الأساسين، مقسّمًا تاريخ العقل البشري إلى ثلاث مراحل[3]:

1- المرحلة الدينيّة أو اللاهوتيّة: وكان الإنسان فيها يبحث عن الطبيعة والعلاقات بين ظواهرها في ضوء منهجٍ خياليّ أسطوريّ لا علاقةَ له بمنطق البحث العلمي التجريبي، فيُسندها إلى قوى ما ورائيّة غير منظورةٍ حسيًّا.

2- المرحلة الميتافيزيقيّة أو الفلسفية: وفيها تقدّم الفهم البشري خطوةً واحدة إلى الأمام معتمدًا الاستدلال العقليّ الفلسفيّ، مُستبدِلًا الآلهة والعلل المُفارِقة للطبيعة بعللٍ داخليّةٍ كامنةٍ في ذوات الأشياء كالنفس المجرّدة، ولكنه منهجٌ عقيمٌ أيضًا؛ لأنّه قائمٌ على الحدس العقلي دون التجربة والملاحظة الحسيّة.

3- المرحلة الوضعيّة أو العلميّة: وهي التي نعاصرها اليوم بعد تطوّر عقل الإنسان، فأصبح يفهم الطبيعة في ضوء القوانين التجريبيّة[4]، فحلّت الملاحظة الحسيّة والاستقراء محلّ التفسيرات الدينيّة السّاذجة، والاستدلالات الفلسفيّة الكليّة، واستعيض عن العلل المفارِقة، أو الصميميّة، بالقوانين الطبيعيّة، أي العلاقات المطّردة بين الظواهر.

إنّ النقطة الأهمّ في تفكير كونت، هي تصوّره عن الله؛ إذ إنّه كلّما تقدّم اكتشاف القوانين الطبيعية تراجع الإله خطوةً إلى الوراء، إلى أنْ نصل إلى مرحلةٍ يكون قد استنفد غرض الإيمان به، أو ـ كما نقل فلاماريون عن كونت ـ يؤدّي العلم إلى عزل أبي الطبيعة عن عمله، بعد أنْ يكون قد قدّر له خدماته المؤقّتة[5]!!

ومّمن تبنى وجهة النظر هذه أيضًا، الفيلسوف الماركسي جورج بولتزر، حيث يقول: «إنَّ الدّيانة لمّا كانت تتولَّد من الجهل فإنّها تُحِل محلّ التّفسيرات العلميّة تفسيراتٍ خياليّة، فتَعمل بذلك على ستر الواقع وإسدال السّتار على التفسير الموضوعي للظواهر، ولهذا كان الرّجل المتديِّن مُناوئًا لمبادئ العلم التي هي من عمل الشّيطان؛ لأنّه حريصٌ على أوهامه»[6].

إذًا – من وجهة نظر كونت وأنصاره - ينبغي انسحاب الدّين عن الساحة البشرية ليخلي المكان للعلم؛ لأنّه مجرد خرافة[7]، فالإنسان يتمكّن بوساطة العلم من حلّ مشكلاته وإدارة حياته وتحقيق سعادته، ووفق قول أرنست رينان (1823-1892) في كتابه (مستقبل العلم) : إنّ العلم هو الذي يقدّم إلى الإنسان الوسيلة الوحيدة التي يستطيع بها أنْ يُصلح أحواله والشيء الذي لا تستطيع أن تعيش بدونه، أي الرمز والناموس[8].

ومما يُدَعِّم الفكرة المطروحة هو ما يُلاحِظه الإنسان عندما يعقد  مقارنةً بين المجتمعات العربيّة المتديّنة والمجتمعات الغربيّة، فنظرةٌ سريعةٌ إلى المجتمعات الثّانية تُظهِر لنا مديات التقدّم الهائل الذي ولّده اعتمادها المنهج العلمي والوضعي في بناء النموذج الحضاري، من الصّناعات التقنية والآلات الحديثة كالأقمار الصّناعية والقطارات والحواسيب والطّائرات...، والمصانع الضّخمة ومعامل الإنتاج، والتنظيم المدني والازدهار العمراني في الأبنية الشّاهقة، وتصميم الطّرقات، والجسور والأنفاق...، وتطوّر العلوم الطّبيّة ونظام الصّحة والاستشفاء، وتقديم أفضل أنواع الخدمات التعليميّة في المدارس والجامعات... إلخ. في المقابل، نظرةٌ خاطفةٌ إلى المجتمعات الدِّينيّة ترسم في أذهاننا انطباعًا مغايرًا، حيث الفقر والتّخلّف والفوضى والبطالة والجهل.

وما تمكّنت المجتمعات الغربيّة العلمانيّة من بناء هذا اللون من النّموذج الحضاري إلّا بسبب تمسّكها بالعلوم التجريبيّة والتحرّر من سلطة الدِّين وعزله عن الحياة، فانطلقَت بالعلم لاكتشاف أسرار الطّبيعة وتسخيرها لخدمة الإنسان وسعادته ورفاهيته، بينما بقيت المجتمعات الدِّينيّة أسيرة تقديس التصوّرات الدِّينيّة التقليديّة عن الطّبيعة والاعتقاد بالمعجزات والملائكة والجنّ، وتمجيد الزّهد والقناعة وتحقير الدّنيا. فقعدت عن التمسّك بمنجزات العلم الحديث؛ لكونها تعارض الدِّين، فأصيبت بالعجز والشّلل عن الارتقاء في معارج التقدّم الحضاري، فالدِّين يشكِّل مانعًا عن تقدّم الحياة الإنسانيّة. ولن تتمكّن المجتمعات المتديّنة من الالتحاق بقافلة الحضارة الحديثة إلّا بأمرين:

الأول: التحرّر من سلطة الدِّين، والتّخلي عن تلك التّصوّرات الأسطوريّة عن الإنسان والطّبيعة.

والثاني: تَبنِّي النّظرة العلميّة والعلمانيّة إلى الإنسان والطّبيعة والوجود والمادّة.

ثانيًا: نقد أطروحة كونت وبولتزر في كون نشأة الدّين وليدة الجهل بالتفسير العلمي للطبيعة

النقطة الأولى: التي يمكن إثارتها في مناقشة هذه النظريّة هي أنّ التقسيم الكونتي الثلاثي تقسيمٌ جزافيّ اعتباطيّ لا يتّصف بأيّ معيارٍ موضوعيّ؛ لأنّ الباحث في تاريخ الفكر البشري، إذا أراد أنْ يقسِّم مراحله، إنّما ينبغي له أنْ يتخذ الميزان في ذلك حركة نمو آراء قادة الفكر الذين أنتجوا المعرفة ودفعوا عجلتها إلى الأمام، لا عامة الناس، في حين أنّنا لا نلاحظ مثل هذه المراحل الثلاث العموديّة المزعومة؛ لأنّها في الحقيقة أفقيّة، إذ قد تجتمع في حياة فردٍ واحدٍ أو مجتمعٍ ما أو عصرٍ واحد، بنحوٍ يقنع هذا الفرد أو المجتمع بتفسيراتٍ لاهوتيّةٍ في بعض الأشياء، وبفلسفيّةٍ في أخرى، وبعلميّةٍ تجريبيّةٍ في ثالثة، أي يمكن أنْ يمتلك مجتمعٌ واحدٌ أسلوبًا فكريًّا إلهيًا وفلسفيًّا وعلميًّا معًا[9].

النقطة الثانية: ممّا يدلّ على قصور تفكير كونت في رسم تصوره عن الله، أنّ االله تعالى ليس x المجهول في معادلة الكون، لنبحث عنه لتغليف جهلنا، بإسناد العلل المجهولة إليه، فإذا تمّ اكتشاف القوانين الطبيعية أدّى ذلك إلى تراجع الله خطوةً إلى الوراء، بعد أنْ يكون – كما ادّعى كونت - قد استنفد غرض الإيمان به، وقدّر له خدماته المؤقتة!! لأنّ علاقة الله تعالى بالكون والطبيعة واقعيّةٌ تكوينيّةٌ على نحو الإضافة الإشراقيّة أو المعنى الحرفي، وغير خاضعةٍ لعلم الإنسان وجهله؛ فاللّه تعالى لا يقف على خطٍّ موازٍ مع العلل الطبيعيّة، ليقع الترديد بينه وبينها على نحو القضية المنفصلة الحقيقيّة في المنطق، من أنّ هذه الظاهرة إمّا صنع الله وإمّا وليدة العلة الطبيعيّة المعيّنة، فالله تعالى الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، فهذه الأسباب الطبيعية تستمدّ عليّتها من عليّته، فتؤثّر فيما تؤثّر فيه بإذنه تعالى، فالظواهر في عين ارتباطها بعللها الطبيعيّة تنتسب إلى الله تعالى في قانونٍ طوليّ الإسناد.

فالأكثر عجبًا في هذه الأطروحة يكمن فيما تدّعيه من التعارض بين اكتشاف السّبب الماديّ لظاهرةٍ طبيعيّةٍ ما، والاعتقاد بأنّ سببها هو اللّه تعالى؛ لأنّه بحسب هذه الدعوى كلّما تقدّم العلم خطوةً إلى الأمام ينبغي أنْ يتراجع الإله خطوةً إلى الوراء، فإذا كان السّبب الماديّ معروفًا فإنّ نسبة الظّاهرة إلى اللّه جهل وتخلّف. لكن في الحقيقة، أنّ العقل البشري لا يرى تناقضًا في وجود سببين لظاهرةٍ ماديّةٍ معيّنة: السّبب الأول: مادّيّ محسوس، ككون النّار علّةً لارتفاع درجة حرارة الماء، ومن ثمّ الغليان. والسّبب الثاني: غيبي، وهو القدرة الإلهيّة التي سبّبت الأسباب بحيث يؤثّر موجودٌ في موجودٍ آخر بإذن اللّه تعالى، فاللّه تعالى هو الذي أعطى النّار سببيّتها لارتفاع درجة حرارة الماء.

عن الإمام الصّادق (عليه السلام) أنّه قال: «... أبى اللّه أنْ يجري الأشياء إلّا بأسباب، فجعل لكلِّ شيء سببًا»[10]. والقرآن الكريم يؤكّد هذه الحقيقة التكوينيّة، قال تعالى: Pاللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًاO، [سورة الرّوم، الآية: 48] فأسند القرآن إثارة السّحاب إلى الرّياح، وذلك ضمن قانون السّببيّة. وقال تعالى: Pوَأَنْزَلَ مِنْ السّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْO [سورة البقرة، الآية: 22]. والباء في (فأخرج به) للسببيّة، والضّمير يرجع إلى الماء. فالسببيّة بين الموجودات الماديّة أمرٌ يؤكّده القرآن الكريم والعقل السليم، لكن لا بمعنى تأثيرها على نحو الاستقلال، بل هي تابعةٌ لمشيئة اللّه تعالى وإرادته.

فقول كونت هذا أيضًا من السّخافة بمكان؛ لأنّه لا يوجد أدنى تلازمٍ بين اكتشاف القوانين الحاكمة على الطّبيعة وبين نقص الإيمان باللّه تعالى؛ إذ الإيمان باللّه تعالى لا يلغي الاعتقاد بأنّ هذا الكون يعمل في ضوء قوانين طبيعيّة يمتلك الإنسان القدرة على اكتشافها والوصول إليها.

النقطة الثالثة: لا يمكن نفي دور العلم في تقدّم حياة الإنسان وتسهيلها، وحلّ العديد من المشكلات التي يواجهها، إلّا أنّ هذا لا يستدعي أنْ يكون العلم الأطروحة الفاضلة لقيادة المجتمع البشري نحو كماله الطبيعي. هذه رؤيّة تختزل أبعاد هويّة الإنسان، وتضغطه ككيانٍ بيولوجيّ في قالبٍ مادّيّ نفعيّ محض، وتعزله عن كلّ علاقةٍ خارج حدود المادة والطبيعة، فهذه أطروحةٌ تمارس تغريب الإنسان بإقصائه عن الإيمان بالله، بدل أنْ توفّر له سعادته الواقعيّة بتحقيق الهدف الوجوديّ الذي صمّم تكوينه لأجله. وإذا استطاعت البشريّة أنْ تقضي على هذه الفكرة فإنّها تكون قد وضعت حدًّا فاصلًا للمؤامرة على الإنسان وحركته نحو سعادته وكماله؛ لأنّ النّظام الأصلح لقيادة حياة الإنسان، هو النظام التوحيدي الديني[11]؛ ذلك أنّه يعبّد له الطريق في كدحه نحو هدفه، ويكافح كلّ المُثل المصطنعة والمنخفضة والتكراريّة، التي تريد أن تُحوِّل مسيرة البشريّة من أعلى إلى أسفل، بقطع صلة الإنسان بأشواقه العليا، وتحويل مساره إلى كومةٍ مادّيّةٍ نفعيّة، محدودة الأشواق والطموحات[12].

إذًا، فقد تورَّطَ أصحابُ هذه الأطروحة في مشكلةٍ معرفيّةٍ كبرى يمكن أنْ نصطلح عليها (اختزال الإنسان وضغطه في قالبٍ مادّيّ محض)، في حين أنّ الإنسان كائنٌ ثنائي الأبعاد: المادّة، والروح، ويحتاج إلى إشباع البعد المادّي من وجوده، ويشترك في ذلك مع باقي أنواع الحيوانات، وهذا يمثِّل المستوى المنخفض من الحياة الإنسانيّة، ومركز التمايز الإنساني هو في إشباع حاجاته الرّوحيّة كالشّعور الدِّينيّ بالارتباط بخالق الكون والخضوع أمام عظمته والإحساس بالطمأنينة بين يديه تعالى، وإعطاء الحياة معنى بالإيمان بالقضايا الدينيّة كعالم ما بعد الموت وخلود الرّوح. إذ تفقد الحياة الإنسانيّة قيمتها من دون الاعتقاد بالمبدأ والخالق وخلود الحياة؛ لأنّه لا معنى للحياة المختومة بالعدم واللاشيئيّة. فقد يكون مجتمعٌ ما متقدّمًا في البعد المادّي وعالم الأشياء والآلات والتكنولوجيا والعمران، ولكنّه متخّلفٌ في الحياة الرّوحيّة والمعنويّة والارتباط باللّه تعالى، وإذا اتّصف مجتمعٌ ما بالتخلُّف الرّوحيّ والمعنويّ، فلا يمكن الحكم عليه بالتسامي والرّقيّ، لغفلته عن البعد الأعلائي في وجود الإنسان والانغماس في المستوى المنخفض منه.

هذا، وقد حثّ الدِّين الحقّ الإنسانَ على اكتشاف أسرار الطّبيعة والقوانين الحاكمة عليها، فأمر بالتدبّر والتفكّر والنّظر في الآفاق (الجبال، والرّياح، والبحار، والسّماء والكواكب، والنّجوم، والنباتات، والحيوانات...)، وليس العلم التجريبي إلّا اكتشاف قوانين الطّبيعة والسّنن الحاكمة عليها لتسخيرها في خدمة الإنسان، وقد حفّز الله تعالى الإنسان أيضًا على التقدّم في البعد الماديّ والطّبيعي وعمارة الأرض والاستثمار الإيجابي فيها Pهُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَاO[سورة هود، الآية: 61]، فليس الدِّين في ذاته هو العامل لتكون المجتمعات الدِّينية أقلّ تقدّمًا ماديًّا مقارنةً بالمجتمعات الغربيّة التي تسود فيها الحضارة الماديّة، بل العكس هو الصّحيح؛ لأنّ العامل الحقيقي في تراجع المجتمعات الدينيّة عن بناء الحضارة الماديّة هو في تخلّيها عن سنّة الاستخلاف والتسخير وعمارة الأرض وفق الإرادة الإلهيّة. فقد ربط القرآن الكريم بين إقامة الدِّين الحقّ وبين رفاهيّة الحياة الماديّة، يقول تعالى:Pوَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمO[سورة المائدة، الآية:66]

Pوَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًاO [سورة الجن، الآية:16]، Pفَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ❁ يُرْسِلِ السّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ❁ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًاO [سورة نوح، الآيات:10-12].

والعامل الآخر تراجع المجتمعات الدينيّة، أنّ الدّول المستكبرة التي تمثّل المجتمعات الغربيّة العلمانيّة سيطرت على ثروات المسلمين ونهبت خيراتهم، ومنعتهم من استثمار مقدراتهم، فبنت حضارتها الماديّة على سرقة ثروات مجتمعاتنا ونهب خيراتها. وليس أمام المجتمعات الإيمانيّة من أجل بناء الحضارة الإنسانيّة الشّاملة في بعديها المادّي والرّوحي إلا:

أولًا: العودة إلى إقامة الدِّين الحقّ، وليس التخلّي عنه.

ثانيًا: التحرّر من أيّ سلطةٍ خارجيّة.

ثالثًا: استثمار العلوم التجريبيّة في اكتشاف أسرار اللّه تعالى في الطّبيعة التي سخّرها للإنسان، ليستثمر في منافعها إيجابًا من أجل إشباع حاجاته الماديّة بما يضمن تكامله الرّوحي والمعنوي.

ثالثًا: (فتنة الخوف) نظرية برتراند رسل في نشوء الدّين

في السّياق نفسه، ثمّة تفسيرٌ آخر لظاهرة الإيمان الممتدّة عميقًا في التاريخ الإنساني، تُرجع نشوء الدِّين إلى عاملٍ نفسيّ آخر غير الجهل، اصطلح عليه اسم (فتنة الخوف)، أيّ خوف الإنسان من تلك الظّواهر الطّبيعيّة والشّعور بالعجز عن مواجهتها، فقام العقل البشري باختراع فكرة الإله كقوةٍ عظمى تتحكّم بالعالم، تمتلك من صفات القدرة والقوّة التي تجعلها مؤهّلةً ليلجأ إليها الإنسان لتخلّصه من خوفه ومعاناته، وتحميه من المخاطر والتهديدات؛ فيرتفع الخوف من داخله، ويشعر بالأمان النّفسي والسّكينة.

يقول الفيلسوف البريطاني اللاأدري برتراند رسل: «يقوم الدِّين، برأيي، بصورةٍ أساسيّةٍ وأوليّةٍ على الخوف، إنّه جزئيًّا الخوف من المجهول... إنّ الخوف هو أساس الأمر كلِّه، الخوف من كلّ ما هو غامض، الخوف من الهزيمة، والخوف من الموت، إنّ الخوف هو أبو القسوة وأمها؛ لذا لا عجب إذا ما كان الدِّين والقسوة يسيران يدًا بِيَد»[13]. ويقول رسل أيضًا: «في عقيدتي أنّ الإقبال على الدين والتدين في تاريخ الإنسان ينشأ عن الخوف؛ فإنّ الإنسان يرى نفسه ضعيفًا إلى حدٍّ ما في هذه الحياة، وعوامل الخوف في حياة الإنسان ثلاثة:

فهو يخاف أولًا من الطبيعة التي قد تحرقه بصاعقةٍ من السماء، ويبتلعه زلزال الأرض تحت قدميه، ويخاف ثانيًا من الإنسان الذي قد يسبّب له الدمار والخراب والهلاك ممّا يثيره من حروب، ويخاف ثالثًا من شهواته التي قد ينحرف معها وتتحكم في سلوكه وتفوت عليه ما يندم عليه في ساعات استقراره وهدوئه، ويكون الدين سببًا في تعديل هذا الرعب والتخفيف منه»[14].

وتقدّم في الأطروحة الأولى أنّ عقل الإنسان قد تطوّر واكتشف بوساطة العلوم التجريبيّة العلاقات القائمة بين الظّواهر الطّبيعيّة وأسباب حدوثها، فارتفع جهله بها، ولم يعد هناك داعٍ للخوف منها، فعلى الإنسان والحال هذه أنْ يتحرّر من العقائد الخرافيّة الموروثة التي تعارض العلم الحديث، ولا بدّ من ارتفاع الاعتقاد بالإله تبعًا لارتفاع الجهل والخوف وسيادة المنطق العلمي. فالحلّ يكمن في الإيمان بالعلم وقدرته على تغيير حياة الإنسان؛ لذا يتابع رسل قائلًا: «العلم يستطيع أنْ يساعدنا في تجاوز هذا الخوف الذي يصيبنا بالجبن، والذي عانى منه الجنس البشري لأجيال عديدة»[15].

رابعًا: الإيمان باللّه تعالى سببٌ للشعور بالأمان النّفسيّ

نشير بدايةً إلى أنّ وجوه المناقشة التي سنوجّهها إلى هذه الأطروحة تصلح أنْ تكون نقدًا للأطروحة الأولى التي قدّمها كونت أيضًا.

النقطة الأولى في النقاش هي أنّه لو كان ما تطرحه هاتان النظريتان ـــ من أنّ الجهل بالأسباب الطّبيعيّة أو الخوف منها هما العلّة التامّة لنشوء الإيمان باللّه تعالى ــــ صحيحًا، لاسلتزم منطق قانون السّببيّة ـــ القائم على أساس أنّه عندما يوجد السّبب يوجد المُسبَّب، وعندما ينتفي السّبب ينتفي المُسبَّب ـــ أنْ يكون المجتمع الأكثر إيمانًا باللّه تعالى هو المجتمع الأكثر جهلًا وخوفًا، فأينما يوجد الخوف والجهل يوجد التديّن، وعندما ينتفي الخوف أو الجهل ينتفي التديّن وتكثر النّزعة الإلحاديّة. بينما المسألة على عكس ذلك تمامًا؛ إذ نلاحظ أنّ الملحد يعيش القلق الوجودي والخوف من المستقبل، في حين أنّ المجتمع العلمائي الدِّيني أكثر فهمًا للوجود، وأشدّ شعورًا بالطمأنينة والسّكون نتيجة الارتباط باللّه تعالى، كما أنّ الاعتقاد بوجود اللّه تعالى أكثر انتشارًا عند علماء الطّبيعة والفيزياء الحديثة والفلك في المجتمع العلمي المعاصر من الإلحاد وإنكار وجود اللّه تعالى بأضعافٍ كبيرة.

فالاعتقاد بالله تعالى والتديّن يعزّز الصِّحة النفسيّة للإنسان بما يمنحه من شعورٍ بالأمان والطمأنينة وسكون النفس، فيزول عنه الاضطراب والقلق من المستقبل؛ لأنّ الدين الحقّ يعطي للحياة تفسيرًا ذا هدفٍ ومغزى ومعنى، فلا يؤدّي ذلك إلى تولّد النزعة العدميّة والشعور بالضياع. يُنقل عن كارل يونج - مؤسّس علم النفس التحليليّ - أنّه يقول: «إنّ انعدام الشعور الدينيّ يسبّب كثيرًا من مشاعر القلق والخوف من المستقبل، والشعور بعدم الأمان والنزوع نحو النزعات المادّية البحتة، كما يؤدّي إلى فقدان الشعور بمعنى هذه الحياة ومغزاها، ويؤدّي ذلك إلى الشعور بالضياع»[16].

كما أنّ التديّن هو الذي يُكسِب الإنسان القوّة في الحياة على مواجهة التحديات، ويمنحه الشجاعة والثقة بالنفس، نتيجة شعوره بالمعيّة الإلهيّة، وهذا ما نلمسه في حياة الأنبياء (عليهم السلام)، فيوسف (عليه السلام)، ذلك الطِّفل الذي كان في التاسعة من عمره، حين ألقاه إخوته في غيابة الجُبّ، من المفترض أنْ يشعر بالخوف والاضطراب والقلق والكآبة والوحشة والغربة.... لكن، حين التقطه بعض السيّارة وأُخرج عليه السّلام من البئر، قال لهم قائل: استوصوا بهذا الغريب خيرًا. قال لهم يوسف: «من كان مع اللهِ فليس عليه غربة»[17]. فالشعور بالمعيّة الإلهية يُشعِر الإنسان بالطمأنينة وسكون النفس ويطرد عنه الخوف والحزن.

النقطة الثانية: إنّ العلم التجريبي يكشف أسرار الطّبيعة ودقّة تصميمها وإتقان صنعها، فيجعل الإنسان يرى آثار عظمة اللّه تعالى وعلمه وقدرته ظاهرة في التصميم الذكيّ للكائنات المختلفة في عالم الطّبيعيّة فيتقدّم خطوةً إلى الأمام نحو الإيمان باللّه تعالى. وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيان هذه الحقيقة: «انْظُرُوا إِلَى الَّنمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا، وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ، وَلاَ بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا، وَصَبَتْ عَلَى رِزْقِهَا[18]، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا[19]، وَتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا. تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وَفِي وُرُودِهَا لِصَدَرِهَا[20]، مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا، مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا[21]، لاَ يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ[22]، وَلاَ يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ[23]، وَلَوْ فِي الصَّفَا[24] الْيَابِسِ، وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ[25]! وَلَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أُكْلِهَا، وَفِي عُلْوهَا وَسُفْلِهَا، وَمَا فِي الجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ[26] بَطْنِهَا، وَمَا فِي الرَّأسِ مِنْ عَيْنِهَا وَأُذُنِهَا، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَبًا، وَلَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَبًا! فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا! لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ، وَلَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ... وَكَذلِكَ السَّماءُ وَالْهَوَاءُ، وَالرِّيَاحُ وَالْمَاءُ. فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ والقمَرِ، وَالنَّبَاتِ وَالشَّجَرِ، وَالْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَاخْتِلاَفِ هذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَفَجُّرِ هذِهِ الْبِحَارِ، وَكَثْرَةِ هذِهِ الْجِبَالِ، وَطُولِ هذِهِ القلاَلِ[27]، وَتَفَرُّقِ هذِهِ اللُّغَاتِ، وَالألْسُنِ الْـمُخْتَلِفَاتِ. فَالوَيْلُ لِمَنْ جَحَدَ الْمُقَدِّرَ، وَأَنْكَرَ الْمُدَبِّرَ! زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارعٌ، وَلاَ لاِخْتِلاَفِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ، وَلَمْ يَلْجَأُوا إِلَى حُجَّةٍ فِيَما ادَّعَوا، وَلاَ تَحْقِيق لِمَا أَوْعَوْا، وَهَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ... ؟!»[28].

وفي هذا السياق يقول الشهيد الصدر في نصّ مهم: «توصّل الإنسان إلى الإيمان بالله منذ أبعد الأزمان، وعبده وأخلص له، وأحسّ بارتباطٍ عميقٍ به قبل أنْ يصل إلى أيّ مرحلةٍ من التجريد الفكري الفلسفي، أو الفهم المكتمل لأساليب الاستدلال (...) ولم يكن هذا الإيمان وليد مخاوف وشعور بالرعب تجاه كوارث الطبيعة وسلوكها المضادّ، ولو كان الدين وليدَ خوفٍ وحصيلةَ رعبٍ لكان أكثر الناس تديّنًا على مرّ التاريخ هم أشدّهم خوفًا وأسرعهم هلعًا، مع أنّ الذين حملوا مشعل الدين على مرّ الزمن كانوا من أقوى الناس نفسًا وأصلبهم عودًا. بل إنّ هذا الإيمان يعبّر عن نزعةٍ أصيلةٍ في الإنسان إلى التعلّق بخالقه، ووجدانٍ راسخٍ يدرك بفطرته علاقة الإنسان بربّه وكونه (...) وحينما بدأت التجربة تبرز على صعيد البحث العلمي كأداة للمعرفة، وأدرك المفكّرون أنّ تلك المفاهيم العامّة لا تكفي بمفردها في مجال الطبيعة لاكتشاف قوانينها والتعرّف على أسرار الكون، آمنوا بأنّ الحسّ والملاحظة العلميّين هما المنطلق الأساس للبحث عن تلك الأسرار والقوانين.

(...) وكان بالإمكان لهذا الاتّجاه الحسّي والتجريبي في البحث عن نظام الكون أنْ يقدّم دعمًا جديدًا وباهرًا للإيمان بالله سبحانه وتعالى؛ بسبب ما يكشفه من ألوان الاتّساق ودلائل الحكمة التي تشير إلى الصانع الحكيم»[29].

النقطة الثالثة: لا يمكن تصنيف الخوف بحدِّ ذاته كحالةٍ مَرَضيّة؛ لأنّ الخوف حالةٌ نفسيةٌ يعيشها كلّ إنسانٍ سويٍ بشكلٍ طبيعي. نعم، قد يتحوّل الخوف إلى حالةٍ مرضيّةٍ فيما لو تجاوز حدّه الطّبيعي، كما هو شأن كلّ صفةٍ إنسانية، ومؤشِّر معرفة ذلك بأنْ يفقد الإنسان بسبب الخوف توازنه الطّبيعي في التعامل مع الأشياء. فلنسلِّم أنّ دافع حاجة الإنسان إلى الدِّين هو الخوف، ولكنّه لا يصلح أنْ يكون ذريعةً بيدهم، بل على العكس من ذلك هو حجةٌ قويةٌ بيد المتديّن، فإذا كان الإنسان يجد في اللّه سبحانه وتعالى أمانه وطمأنينته ﴿ألا بذكرِ اللّهِ تطمئنُ القلوبُ﴾. [سورة الرّعد، الآية:28]، فما المشكلة في أنْ يكون الدّافع الذي يحرّك الإنسان نحو الإيمان باللّه تعالى هو الخوف الطّبيعي الذي يعيشه كلّ إنسانٍ سويّ ليشعر بالأمان الدّنيوي، ويدفع عن نفسه الضّرر الأخروي.

هذا فضلًّا عن أنّ هذا الشّعور بالخوف هو أحد الدّوافع التي تحرّك المُلحد نحو اللّه تعالى، عندما تتقطّع به الأسباب الماديّة التي كان يتوسّل بها ليشعر بالأمان، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَو قَاعِدًا أَو قَآئِمًا فَلّمَّا كَشَفنَا عَنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّم يَدعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلمُسرِفِينَ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ﴾. [سورة يونس، الآية:12]، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي ٱلفُلكِ دَعَوُا لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُم إِلَى ٱلبَرِّ إِذَا هُم يُشرِكُونَ﴾ [سورة العنكبوت، الآية:65].

عن الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام): «اللّه هو الذي يَتألَّه إليه عند الحوائج والشّدائد كلّ مخلوقٍ عند انقطاع الرّجاء من كلّ مَنْ دونه، وتَقطُّعِ الأسباب من جميع من سواه»[30].

خامسًا: فويرباخ: « الدِّين عبارة عن انفصال الإنسان عن طبيعته المتعالية ونسبتها إلى اللّه»

ليس من السهولة بمكان تلخيص نظرية فويرباخ في نشوء الدين؛ إذ يمكن القول إنّ نظريته تنشطر إلى نظريات في الحقيقة، فتارةً يظهر منه تأييده لعامل الجهل، وأخرى لعامل الخوف والمحنة، وأخرى الشعور بالتبعية حيث يقول: «الشعور بالتبعيّة عند الإنسان هو مصدر الدين»، ولكن ثمّة فكرة يتميّز بها فويرباخ، عرضها في كتابَيْه (جوهر المسيحيّة)، و(جوهر الدين)، وهي التي سنركز عليها هنا.

يقول فويرباخ: «الدين هو انفصال الإنسان عن نفسه؛ إنّه يضع الإله إزاءه باعتباره نقيضه. الإله هو كلّ ما ليس عليه الإنسان، والإنسان هو كلّ ما ليس عليه الإله، الإله لا متناهٍ، الإنسان متناه، الإله كامل، الإنسان ناقص، الإله خالد، الإنسان فانٍ، الإله مطلق القدرة، الإنسان ضعيف، الإله مقدّس، الإنسان مدنّس... لكن في الدين يتأمّل الإنسان في طبيعته الكامنة ذاتها، ولذلك يجب توضيح أنْ هذا التناقض، هذا التمييز بين الإله والإنسان، والذي يبدأ به الدين، هو تمييز داخل الإنسان بينه وبين طبيعته... لأنّ الإنسان متناهٍ فهو يتصور إلهًا لامتناهيًا؛ ولأنّه ناقص فهو يتصوّر إلهًا كاملًا، ولأنّه ينظر إلى نفسه على أنه خطَّاء وشرير فهو يتصوّر إلهًا خيِّرًا، ولأنّه ينظر إلى نفسه على أنّه مجموع كلّ ما هو سلبي فهو يتصوّر الإله على أنّه مجموع كلّ ما هو إيجابي، باعتباره مصدر كلّ خير، وكلّ قداسة، وكلّ بركة، الإله ليس سوى النقيض لكلّ ما يشعر به الإنسان من تناهٍ ونقصٍ وضعفٍ وشر، ولذلك فالدين يعبر عن اغتراب وانفصال الإنسان عن ذاته وطبيعته، وعن إمكانيّة تحقيقه للخير والكمال بنفسه، عندما يلحق الإنسان القوة والعلم والكمال والخير بإلهٍ مفارِق، فهذا يعني أنّه عاجز عن تحقيق هذه الأشياء بنفسه، ويصعدها إلى أعلى، ويجعل منها صفاتٍ لإلهٍ يعبده، ويستمدّ منه البركة»[31].

ويقول في كتابه (جوهر الدين): «الكائن الروحي الذي يضعه الإنسان فوق الطبيعة، ويعتقد أنّه خالقها وموجِدها ليس إلا الجوهر الروحي للإنسان نفسه، والذي يبدو له رغم ذلك كآخر يختلف عنه، ولا يوجد وجهٌ للمقارنة بينهما؛ لأنّه جعل منه علّة الطبيعة وعلّة المؤثّرات التي لا يستطيع عقله الإنساني وإرادته أو فكره أن ينتجها»[32].

مفاد نظرية فويرباخ أنّ الإنسان كائنٌ مركَّبٌ من بعدين: الأول: حبُّ الخير والتسامي والانجذاب إلى الأعلى. والثاني: التثاقل إلى الشّر والتسافل والانحطاط. ونتيجة شعور الإنسان بالعجز والفقر والنّقص، وجهله بأنّ الخير ينبع من أعماق نفسه، يقوم بنسبة الخير وصفات الكمال إلى موجودٍ أعلى منه مُفارِق له، يتمتّع بصفات الكمال المُطلَق والعلم والقدرة والغنى... وبهذا يكون جوهر الدِّين عبارة عن نكران الإنسان لكون الخير صفةً طبيعيّةً في ذاته، ونسبتها إلى موجودٍ أعلى مُفارِق، فيجعلُ اللّه هو كلّ ما ليس عليه الإنسان: الإنسان ناقص واللّه كامل، الإنسان جاهل واللّه عالم، الإنسان عاجز واللّه قادر، الإنسان شرّير واللّه خيّر.

والحقيقة، أنّ هذه الثّنائيات هي بين الإنسان وذاتِه، وليست بينه وبين موجودٍ مُفارِق له، فلأنّ الإنسان متناهٍ وعنده رغبةٌ بالخلود يتصوّر موجودًا غير متناهٍ، ولأنّه ناقصٌ وعنده عشقٌ للكمال المطلق يتصوّر إلهًا كاملًا، ولأنّه يمارس الشّرّ في حياته فيقتل ويسرق، ونحو ذلك، فيتصوّر إلهًا هو خيرٌ محض.

فجوهر الدِّين أنّه اغتراب، فإذا كان الاغتراب هو انقلاب الأنا إلى آخر، فإنّ الانقلاب يحدث أساسًا في تحوّل الإنسان إلى الله. فعندما حدث زلزالٌ في كيان الإنسان، وخللٌ في وجوده الشرعي ظهر ذلك إلى اللجوء إلى الله كسند وتعويض[33]. فالدّين تعبيرٌ عن شعور الإنسان بالغربة عن ذاته وانفصاله عن طبيعته وعدم قابليته لتحقيق الخير بنفسه من دون حاجةٍ إلى قوّةٍ خارجية، في حين أنّ اللّه في الحقيقة ليس إلّا طبيعة الإنسان في بعدها المتسامي، لكن الإنسان نتيجة جهله بذاته وشعوره بالعجز والحرمان أمام تحقيق أهدافه، يتصوّر ذلك البعد المتسامي الكامن كقابلية في ذاته حقيقةً منفصلةً عنه في كائنٍ آخر، يطلق عليه اسم (اللّه) وينسب إليه كلّ ما يطمح أنْ يكون عليه من الكمال، ففكرة اللّه تنشأ من شعور الإنسان بالعجز والحرمان إلى ما يحتاجه من الخير والكمال والعلم والقدرة و...، وعندما لم يعثر عليه في نفسه نسبه إلى قوّةٍ منفصلةٍ عنه، ليجد فيها عزاه، لكن إذا عرف الإنسان نفسه حقّ المعرفة فسيكتشف أنَّ اللّه ليس هو إلّا الإنسان في بعده المتسامي.

سادسًا: نقد نظرية فويرباخ في فهم جوهر الدّين

النقطة الأولى التي تجدر الإشارة إليها هي أنّنا نوافق فويرباخ على بعض الأفكار الواردة في أطروحته المذكورة، لكن نخالف النّتيجة التي استخرجها من المقدّمات؛ لأنّه لا تلازم منطقي بينهما. فصحيحٌ أنّ الإنسان كائنٌ محتاجٌ ضعيفٌ ناقص، وإلّا لما سعى إلى الكمال والتكامل ورفع النّقص، والإنسان يملك قابلية التكامل وإلّا لما استطاع ذلك، ويشعر في أعماق ذاته بأنّه لا يمكنه التكامل إلّا بالارتباط بالكامل المطلق. لكن، موضع الخطأ المنهجيّ في هذه الأطروحة أنّها عدّت شعوره الأخير خاطئ؛ لأنّ الكامل المطلق لا واقعيّة له، بل العقل يخدع الإنسان فيتصوّر أنّ الكمال حقيقةٌ منفصلةٌ عنه موجودةٌ في كائنٍ آخر، في حين أنّها موجودة في أعماق ذاته، مع أنّه لا يوجد أدنى تلازمٍ منطقيّ بين المقدّمات والنّتيجة، فالعقل لا يمنع من تصادقهما معًا، فكيف يتعارض افتراض امتلاك الإنسان قابلية التسامي ذاتًا مع واقعيّة الإله؟!! إنّ قابليّة التسامي لا تعني فعليّته؛ ولذا يحتاج الإنسان إلى قوّةٍ خارجيّةٍ في تحويل هذه القابليّة إلى الفعليّة، وإخراجها من حيّز الإمكان إلى الواقعيّة، لتفيض عليه تلك القوّة الكمال والعلم والقدرة والحياة؛ لكونه فاقدًا لهذه المعاني في ذاته، وإلّا لو كان واجدًا لها على نحو الفعليّة لما سعى إلى تحصيلها، فإنّ السّعي لوجدان شيءٍ فرع فقدانه، وفاقد الشّيء لا يكون معطيًا له، فما تفترضه الشُّبهة أنّه دليلٌ على إنكار وجود اللّه هو على العكس من ذلك دليلٌ على واقعيّة القوّة العليا الواجدة لما يفقده الإنسان لتفيضه عليه وتمنحه إياه.

النقطة الثّانية: هذه الثّنائية المشار إليها في شخصيّة الإنسان من الوجدان والفقدان، أيّ أنّ فيه بُعدًا يُمثِّل القوّة والعلم والقدرة والخير، وبُعدًا يشكّل الضّعف والجهل والعجز والفقر خير دليلٍ على وجود اللّه تعالى. وقد روي عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عدّة رواياتٍ في توضيح هذا المعنى، منها ماورد عن الإمام جعفر الصّادق (عليه السلام) في قوله لابن أبي العوجاء: «وَيْلَكَ، وَكَيْفَ احْتَجَبَ عَنْكَ مَنْ أَرَاكَ قُدْرَتَهُ فِي نَفْسِكَ؟! نُشُوءَكَ ولَمْ تَكُنْ، وَكِبَرَكَ بَعْدَ صِغَرِكَ، وَقُوَّتَكَ بَعْدَ ضَعْفِكَ، وَضَعْفَكَ بَعْدَ قُوَّتِكَ، وَسُقْمَكَ بَعْدَ صِحَّتِكَ، وَصِحَّتَكَ بَعْدَ سُقْمِكَ، وَرِضَاكَ بَعْدَ غَضَبِكَ، وَغَضَبَكَ بَعْدَ رِضَاكَ، وَحَزَنَكَ بَعْدَ فَرَحِكَ، وَفَرَحَكَ بَعْدَ حَزَنِكَ، وَحُبَّكَ بَعْدَ بُغْضِكَ، وَبُغْضَكَ بَعْدَ حُبِّكَ، وَعَزْمَكَ بَعْدَ أَنَاتِكَ،  وَأَنَاتَكَ  بَعْدَ عَزْمِكَ، وَشَهْوَتَكَ بَعْدَ كَرَاهَتِكَ، وَكَرَاهَتَكَ بَعْدَ شَهْوَتِكَ، وَرَغْبَتَكَ بَعْدَ رَهْبَتِكَ، وَرَهْبَتَكَ بَعْدَ رَغْبَتِكَ، وَرَجَاءَكَ بَعْدَ يَأْسِكَ، وَيَأْسَكَ بَعْدَ رَجَائِكَ، وَخَاطِرَكَ  بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي وَهْمِكَ، وَعُزُوبَ مَا أَنْتَ مُعْتَقِدُهُ‌ عَنْ ذِهْنِكَ»[34].

فهذه التقلّبات الثّنائية التي يعيشها الإنسان خيرُ دليلٍ على وجود قوّةٍ خارجيّةٍ لا تعتريها التقلّبات، وإلّا لو كانت تعرضها التقلّبات الثّنائية من الوجدان والفقدان لكانت ناقصةً مثل الإنسان تحتاج إلى قوّةٍ أخرى تفيض عليها، وهكذا إمّا أنْ نتسلسل وهو محال عقلًا، وإمّا أنْ نقف عند قوّةٍ واجدة ٍلكلّ كمالٍ بالفعل.

النقطة الثّالثة: إنّ جعل شعور الإنسان بالعجز والحرمان مولِّدًا لانجذابه نحو اللّه تعالى هو أمرٌ طبيعي على مقتضى التكوين النّفسي للإنسان، وهذا هو معنى فطريّة الشّعور الدِّينيّ باللّه تعالى. نعم؛ لأنّ الإنسان ناقصٌ ينجذب إلى الكمال المطلق وهو اللّه تعالى، ولأنّ الإنسان جاهلٌ وعاجزٌ وفقيرٌ يميل فطريًّا للارتباط بموجود يتصف بالعلم والقدرة والغنى، من دون أن يكون هناك تلازمٌ بين واقعيّة هذا الشّعور الفطريّ في الذات الإنسانية وبين لا واقعيّة فكرة (اللّه)، بل فطريّة هذا الشّعور خير دليلٍ على واقعيّة موضوعه في الخارج.

قال رجلٌ للإمام جعفر الصّادق (عليه السلام): يا ابن رسول اللّه، دلّني على اللّه ما هو؟ فقد أكثر عَلَيّ المجادلون وحيَّروني.

فقال له: «يا عبدَ اللّه، هل ركبتَ سفينةً قط؟».

قال: نعم.

قال: «فهل كُسِرتْ بكّ حيث لا سفينةَ تُنجيك، ولا سباحةَ تُغنيك؟».

قال: نعم.

قال: «فهل تعلَّقَ قلبُك هنالك أنّ شيئًا من الأشياء قادرٌ على أنْ يُخلصّك من ورطتك؟».

قال: نعم.

قال الصّادق (عليه السلام): «فذلك الشّيء هو اللّه، القادر على الإنجاء حيث لا مُنجي، وعلى الإغاثة حيث لا مُغيث»[35].

فالأفكار الواردة في الأطروحة تؤكّد فطريّة الشّعور الدِّينيّ، وأنّ الإيمان باللّه ينطلق من أعماق الذات البشريّة دون العكس؛ ولذا ورد في النّصوص الدِّينيّة ما يؤكّد هذا الأمر، ونضيف إلى ما تقدّم:

عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن قولِ اللّه (عزّ وجلّ): ﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيرَ مُشرِكِينَ بِهِ﴾ [سورة الحج، الآية:31]؟ قال: «الحنيفيّة من الفطرةِ التي فطرَ اللّهُ النّاسَ عليها، لا تبديلَ لخلقِ اللّه. قال: فطرَهم على المعرفةِ به.... وقال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): كلُّ مولودٍ يُولَد على الفطرة، يعني المعرفة بأنّ اللّه (عزّ وجلّ خالقه)، كذلك قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللّه﴾ [سورة لقمان، الآية:25] »[36].

النقطة الرّابعة: تدّعي هذه النظرية أنّ الإنسان يعيش الغربة عن ذاته نتيجة جهله، وعندما يكتشف ذاته بالعلم والمعرفة، تتفتح آفاقه، فينكر وجود اللّه؛ لأنّه يرى ذاته تنطوي على الكمال بنفسها، ولا يحتاج إلى طلبه من الخارج.

لكنّ الأمر على العكس من ذلك؛ فإنّ الإنسان كلّما توغّل في أعماق ذاته، ستزداد معرفته باللّه تعالى وشعوره بالحاجة إليه؛ لأنّه سيكتشف ضعفه وعجزه وفقره وحاجته أكثر فأكثر، وسيرى في ذاته من العجائب والغرائب ما يعجز عن أنْ يكون تصميمه بلا إلهٍ عالمٍ خبيرٍ بصير... ففي الحديث النّبوي: «من عرفَ نفسَه فقد عرفَ ربَّه»[37]. ومن هنا أكّد القرآن ضرورة التأمّل والتفكّر في النّفس: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَٰتِنَا فِى ٱلْآفَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ﴾. [سورة فصّلت، الآية:53]، ﴿وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ❁ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [سورة الذاريات، الآيتان:20-21].

فمعرفة النّفس تزيد الإنسان من اللّه قربًا لا بُعدًا، فكلّما تأصّلت معرفة الإنسان بنفسه؛ اشتدّت جذور الشّعور الدِّينيّ في ذاته.

سابعًا: الماركسية: الدّين وليد التناقض الطبقي بين المُستغِلّين والمُستغَلّين

يتبنى كارل ماركس ما تقدّم في نظرية فويرباخ مع بعض الإضافات، ولا يهمنا هذه الناحية من نظرية ماركس، وإنّما يهمّنا ما أشار إليه من كون التناقض الطبقي هو الذي يؤدّي الدور الأبرز في نشوء الدّين، إلّا أنّنا ننقل نصّ ماركس لأهميّته في بيان فكرته، إذ جاء فيه: «إنّ الإنسان يصنع الدِّين، وليس الدين هو الذي يصنع الإنسان. يقينًا أنّ الدين هو وعي الذات والشعور بالذات لدى الإنسان الذي لم يجد بعد ذاته، أو الذي فقدها. لكن الإنسان ليس كائنًا مجرّدًا جاثمًا في مكانٍ ما خارج العالم. الإنسان هو عالم الإنسان، الدولة، المجتمع. وهذه الدولة وهذا المجتمع ينتجان الدين، الوعي المقلوب للعالم؛ لأنّهما بالذات عالم مقلوب. الدين هو النظريّة العامّة لهذا العالم، خلاصته الموسوعيّة، منطقه في صيغته الشعبية، موضع اعتزازه الروحي، حماسته، تكريسه الأخلاقي، تكملته الاحتفاليّة، عزاؤه وتبريره الشاملان. إنّه التحقيق الوهمي للكائن الإنساني، لأنّ الكائن الإنساني لا يملك واقعًا حقيقيًّا. إذًا فالصراع ضدّ الدين هو بصورةٍ غير مباشرةٍ صراعٌ ضد العالم الذي يؤلّف الدين نكهته الروحيّة. إنّ التعاسة الدينيّة هي في شطرٍ منها تعبيرٌ عن التعاسة الواقعيّة، وهي من جهةٍ أخرى احتجاجٌ على التعاسة الواقعيّة.

الدين زفرة الإنسان المسحوق، روح عالَمٍ لا قلبَ له، كما أنّه روح الظروف الاجتماعيّة التي طرد منها الروح. إنّه أفيون الشعب، إنّ إلغاء الدين، من حيث هو سعادة وهميّة للشعب، هو ما يتطلّبه صنع سعادته الفعليّة. إنّ تطلب تخلّي الشعب عن الوهم حول وضعه هو تطلب التخلي عن وضع بحاجة إلى وهم. فنقد الدين هو بداية نقد وادي الدموع الذي يؤلّف الدين هالته العليا»[38].

فالماركسية لم ترضَ تفسير الدّين بأنّه «نشأ نتيجةً لعجز الإنسان القديم وإحساسه بالضعف، بين يدي الطبيعة وقواها المرعبة، وجهله بأسرارها وقوانينها...، لأنّه يشذّ عن قاعدتها المركزية، فلا يربط الدين بالوضع الاقتصادي، القائم على أساس الإنتاج الذي يجب أنْ يكون هو المفسّر والسبب الوحيد»[39]، ومن هنا انطلقت الماركسيّة في البحث عن سبب نشوء الدين من فهم طبيعة العلاقات الاقتصاديّة في المجتمع خصوصًا في التناقض الطبقي.

وثمة تصوّران تقدّمهما الماركسيّة في كيفيّة نشوء الدّين عن التناقض الطبقي في المجتمع، أوضحهما جورج بولتزير- في تتمة نصّه الذي تقدّم في بداية البحث- حيث يقول: «تستخدم الطبقات المُستغِلة هذه الخاصية لاهتمامها بإخفاء استغلالها عن أعين الطبقات الكادحة، فهي بحاجةٍ إلى سلبيّةٍ هذه الطبقات وجمودها، كي يستمر اضطهادها، كما أنّها بحاجةٍ لخضوعها وإيمانها بالقضاء المحتوم، هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى، يجب توجيه أمل الجماهير بالسعادة نحو العالم الآخر، وهكذا يعوّض الأمل والعزاء بدخول الجنة على أنّهما تعويضٌ عمّا بذلته الطبقات الشعبيّة من تضحيةٍ على الأرض فيتحوّل الاعتقاد بخلود النفس الذي كان ينظر إليه في القدم على أنه مصيبة مرهقة إلى أمل بالخلاص في الآخرة فاستخدمت الديانة منذ أقدم العصور كقوةٍ فكريّةٍ للمحافظة على النظام وكأفيون للشعوب حسب ما يقول ماركس»[40].

فالتصورّ الأول: أنّ الدّين مُخدِّرٌ أفيوني تعطيه الطبقة المُستغِلة للفئات المُضطهَدة، لتخدّرها فتستلسم لواقع البؤس، وتعتكف عن المطالبة بحقوقها من الطبقة الحاكمة. وهي بهذا تغضّ النظر عن الحراك النبويّ الممتد في التاريخ، والذي يدلل على أنّ الدين كان ينشأ دائمًا في أحضان الفقراء والبائسين، قبل أنْ يغمر بنوره المجتمع كلّه. فكيف يمكن أنْ يُفسَّر الدين على أنّه نتاج للطبقة الحاكمة المالكة المسيطرة، خلقته لتخدير المضطهَدين وحماية مصالحها؟!! فهل كان – مثلًا - من مصلحة طبقة أغنياء مكّة المكرّمة في عهد الدعوة المحمديّة، أنْ تجعل الدين الإسلامي أداةً فعّالةً في القضاء على الاقتصاد الرأسمالي الربويّ الذي كان يعود على أغنياء مكّة بثرواتٍ هائلةٍ وأرباحٍ طائلةٍ قبل أنْ يتشدّد القرآن في تحريمه كما في قوله تعالى: Pالَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَO. [سورة البقرة، الآية:275]؟! وهل كان من مصلحة أغنياء مكّة التنازل عن أرستقراطيتهم، وتسخير الدين للدعوة إلى أنّه لا فضل لغني على فقيرٍ ولا عربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى؟! وفرض الضرائب المالية من الزكاة والخمس وغيرها على الأغنياء، فتصنع دينًا يؤدّي وجوده إلى عدمها؟!!

أمّا التصوّر الثاني: أنّ الطبقة المُستغَلة الفقيرة البائسة هي التي تصنع الدّين لنفسها لتجد فيها عزاء لها فتمتلأ نفوس الفقراء بالأمل بالتعويض عن بؤسهم بدخول الجنة بسبب التضحية والفقر.

 ولكن دراسة تاريخ المجتمعات البدائية، التي تحسبها الماركسية، تعيش في حالةٍ شيوعيّةٍ لا طبقية، يعطينا انطباعًا أنّها قد «مارست هذا اللون من التفكير، وظهرت فيها العقيدة الدينيّة بأشكالٍ شتى. فلا يمكن أنْ يُفسَّر الدين تفسيرًا طبقيًّا، أو أنْ يعتبر انعكاسًا عقليًّا لظروف الاضطهاد، التي تحيط بالطبقة المُستغلَة، ما دام قد وجِد في حياة الإنسان العقليّة، قبل أنْ يوجد التركيب الطبقي، وقبل أنْ يغرق الوادي بدموع البائسين والمستغلين. فكيف تستطيع الماركسية بعد هذا أنْ تجعل من الوضع الاقتصادي أساسًا لتفسير الدين؟! (...)

وكيف يمكن أنْ نفسّر وجود العقيدة الدينيّة، منفصلةً عن الواقع السيء، وظروف الاضطهاد الاقتصادي؟!...

إنّ الماركسية لا يمكنها أنْ تنكر وجود العقيدة الدينيّة، عند أشخاصٍ لا يمتّون إلى ظروف الاضطهاد الاقتصادي بصلة، وصلابة العقيدة في نفوس بعضهم، إلى درجةٍ تدفعهم إلى التضحية بنفوسهم في سبيلها. وهذا يبرهن – بوضوح - على أنّ المُفكِّر لا يستوحي فكرة إيديولوجيّة – دائمًا - من واقعه الاقتصادي؛ لأنّ الفكرة الدينيّة عند أولئك الأشخاص، لم تكن تعبيرًا عن بؤسهم، وتنفيسًا عن شقائهم، وبالتالي لم تكن انعكاسًا لظروفهم الاقتصاديّة، وإنّما كانت عقيدةً تجاوبت مع شروطهم النفسيّة والعقليّة، فآمنوا بها على أساس فكري»[41].

فتفسير الماركسية لنشوء الدّين من السخافة بمكانٍ واضحٍ؛ لأنّ الإيمان بالله تعالى سبق في تاريخ البشريّة أيّ تناقضاتٍ وصراعاتٍ من هذا القبيل الذي تصوّره الماركسية. وعلى كلّ حال، لا شكّ في وجود طبقتين اجتماعيتين في تاريخ الإنسان، والقرآن الكريم يحدّثنا عن وجود المُستغِلّين والمستكبرين والمضطَّهِدين من جهة، ووجود المُستغَلّين والمستضعفين والمضطهَدين من جهةٍ ثانية، ولكن التديّن والإلحاد يجتمعان مع كلا الطبقتين، ففي الطبقة الأولى ثمّة متديّنين وملحدين وكذلك الأمر في الطبقة الثانية، وهذا مؤشّرٌ إلى أنّ نشوء التديّن لا علاقة له بالتناقض الطبقي بين الفئتين.

وثالثًا إنّ المنطق الإسلامي في النظر إلى الاستكبار والاستضعاف يقوم على منظورٍ آخر غير المنظور الماركسي، فليس منشأ الاستكبار والاستضعاف دائمًا العامل الاقتصادي والاجتماعي، بل ثمّة استكبارٌ واستضعافٌ له منشأ آخر أهمّ يشكّل محورهما، وهو في المنطق القرآني الاستكبار القائم على أساس الكفر والشرك والنفاق والترف، والاستضعاف القائم على أساس التوحيد والإيمان والتديّن، فهو اضطهادٌ قائمٌ على أساس الاختلاف في العقيدة، وغالبًا بل دائمًا ما كانت حركة الصراع بين الأنبياء وأقوامهم من هذا النوع دون الصراع المتمحّض في البعدين الاقتصادي والاجتماعي، وإلّا فإنّ في المعسكر الأول طبقتين اجتماعيتين غنية وفقيره تقوم الأولى باستغلال الثانية من دون أن يكون ذلك منشأً لاختلاف الدين بينهما، بل تقوم عقيدة الطبقتين على الوثنية والشرك مثلًا دون أنْ نلاحظ صراعًا وتناقضًا عميقًا بينهما.

لائحة المصادر والمراجع

الآصفي، محمد مهدي، دور الدين في حياة الإنسان، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1975م.

برتراند، لماذا لست مسيحيًّا؟ ترجمة عبد الكريم ناصيف، دار التكوين، دمشق- بيروت، ط1، 2015م.

بوليتزر، جورج، وجي بيس وموريس كافين، أصول الفلسفة الماركسيّة، ترجمة شعبان بركات، منشورات المكتبة العصرية صيدا- بيروت.ج. بنروبي، مصادر وتيّارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا، ترجمة عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1980م.

حنفي، حسن، دراسات فلسفيّة، مكتبة الأنجلو مصريّة، القاهرة.

دراز، عبد الله، الدين- بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، دار القلم.

الزمخشري، جار الله، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، مؤسّسة الأعلمي، بيروت، ط1، 1412هـ.

الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.

الصدر، محمد باقر، اقتصادنا، دار التعارف، بيروت، 1411هـ-1991م.

الصدر، محمد باقر، السنن القرآنيّة للمجتمع والتاريخ، دار المرتضى، بيروت، 1413هـ-1993م.

الصدر، محمّد باقر، المرسل الرسول الرسالة، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1412هـ-1992.

الصّدوق، محمد بن علي، التوحيد، تحقيق علي أكبر الغفاري، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط1، 1427هـ-2006م.

الصّدوق، محمد بن علي، معاني الأخبار، تعليق علي أكبر الغفاري، تقديم حسين الأعلمي، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط1، 1410هـ-1990م.

العيسوي، دراسات في تفسير السلوك الإنسانيّ، دار راتب الجامعيّة، بيروت، 1419هـ.

 فويرباخ، لودفيج، جوهر الدين، ترجمة وتقديم أحمد عبد الحليم عطية، دار المعارف الحكمية، بيروت، ط1، 1438هـ-2017م.

فرويد، سيجموند، موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط4، 1986.

كرم، يوسف، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار القلم، بيروت، (د. ط) (د. ت). ماشيري، بيار، كونت الفلسفة والعلوم، ترجمة سامي أدهم، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1414هـ-1994م.

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، صحّحه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري، ط3، دار الكتب الإسلاميّة، 1388هـ.

كونت، أوجست، دروس في الفلسفة الوضعيّة، نشره ليتريه سنة 1864.

ماركس، كارل، نقد فلسفة الحقّ عند هيجل، نقلًا عن: الحوار المتمدن، العدد: 3362-11/5/2011م.

المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، مؤسسة الوفاء، بيروت، ط2، 1403هـ-1983م.

مطهّري، مرتضى، الدوافع نحو الماديّة، ترجمة محمد علي التسخيري، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط2، 1980م.

مطهّري، مرتضى، المجتمع والتاريخ، دار المرتضى، بيروت، 1413هـ-1993م.

اليزدي، محمّد تقي المصباح، النظرة القرآنيّة للمجتمع والتاريخ، ترجمة عبد المنعم الخاقاني، دار الروضة، بيروت، ط1، 1416هـ-1996. 

Renan, Ernest, Lavenir de la science, pensees DE 1848, Paris, Calman levy, Editeur, xx,p31..

Ludwig Feuerbach: The Essence of Christianity. Translated by George Eliot (New York: Harper & Brothers, 1957), p33-34.

 

------------------------------------------

[1]  نقلًا عن: دراز، عبد الله، الدين، بحوث ممهّدة لدراسة تاريخ الأديان، دار القلم، ص83.

[2] فرويد، سيجموند، موسى والتوحيد، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط4، 1986، ص78.

[3] انظر: ماشيري، بيار، كونت الفلسفة والعلوم، ترجمة سامي أدهم، المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1414هـ-1994م، ص17-39.

[4] كونت، أوجست، دروس في الفلسفة الوضعيّة، درس 28، نشره ليتريه سنة 1864، ج2، ص299. نقلًا عن: ج. بنروبي، مصادر وتيّارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا، ترجمة عبد الرحمن بدوي، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1980م، ج1، ص13. وليتريه، إميل، أقوال في الفلسفة الوضعيّة، ص53 وما يليها. نقلًا عن المصدر السابق.

[5] نقلًا عن: مطهّري، مرتضى، الدوافع نحو المادية، ترجمة محمد علي التسخيري، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط2، 1980م، ص32.

[6] بوليتزر، جورج، وجي بيس وموريس كافين، أصول الفلسفة الماركسية، ترجمة شعبان بركات، منشورات المكتبة العصرية صيدا- بيروت، ج1، ص208.

[7] كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار القلم، بيروت، (لا ط) (لا ت)، ص370.

[8] Renan, Ernest, Lavenir de la science, pensees DE 1848, Paris, Calman levy, Editeur, xx,p31..

[9] انظر: مطهّري، الدوافع نحو الماديّة، مصدر سابق، ص39.

[10] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، صححه وعلق عليه علي أكبر الغفاري، ط3، دار الكتب الإسلامية، 1388ه، ج1، ص183.

[11] انظر: اليزدي، محمد تقي المصباح، النظرة القرآنية للمجتمع والتاريخ، ترجمة عبد المنعم الخاقاني، دار الروضة، بيروت، ط1، 1416هـ-1996م. ومطهري، مرتضى، المجتمع والتاريخ، دار المرتضى، بيروت، 1413هـ-1993م.

[12] الصدر، محمد باقر، السنن القرآنية للمجتمع والتاريخ، دار المرتضى، بيروت، 1413هـ-1993م.

[13] رسل، برتراند، لماذا لست مسيحيًّا؟ ترجمة عبد الكريم ناصيف، دار التكوين، دمشق-بيروت، ط1، 2015م، ص26.

[14] نقلًا عن: الآصفي، محمد مهدي، دور الدين في حياة الإنسان، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1975م، ص74.

[15]  لماذا لست مسيحيًّا، مصدر سابق، ص35.

[16]  نقلًا عن: العيسوي، دراسات في تفسير السلوك الإنسانيّ، دار راتب الجامعيّة، بيروت، 1419هـ، ص193.

[17] الزمخشري، جار الله، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، مؤسّسة الأعلمي، بيروت، ط1، 1412هـ، ج3، ص5.

[18] » وَصَبَتْ عَلَى رِزْقِهَا: أيّ كيف همّت حتى انصبت على رزقها انصبابًا، أيّ انحطت عليه.

[19] جُحْرِهَا: بيتها.

[20] وَفِي وُرُودِهَا لِصَدَرِهَا: أيّ تجمع في أيام التمكّن من الحركة لأيام العجز عنها؛ وذلك لأنّ النمل يظهر صيفًا ويخفى في شدة الشتاء لعجزه عن ملاقاة البرد.

[21] بِوِفْقِهَا: أيّ بما يوافقها من الرزق ويلائم طبعها، أو بقدر كفايتها.

[22] المنان: من أسماء الله تعالى، أيّ كثير المن والإنعام على عباده.

[23]  الدّيّان: من أسماء الله تعالى، المُجازي للعباد على أفعالهم.

[24] الصَفا: الحجر الأملس لا شقوق فيه.

[25]  الجامس: الجامد.

[26]  الشراسيف: أطراف الأضلاع المشرفة على البطن.

[27] القلال ـ جمع قُلّة بالضم ـ: وهي رأس الجبل.

[28] الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ج2، ص117-118.

[29] الصدر، محمد باقر، المرسل الرسول الرسالة، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1412هـ-1992م، ص13-14.

[30] الصّدوق، محمد بن علي، التوحيد، تحقيق علي أكبر الغفاري، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط1، 1427هـ-2006م، ص231.

[31]Ludwig Feuerbach: The Essence of Christianity. Translated by George Eliot (New York: Harper & Brothers,- 1957), p33-34.

[32] فويرباخ، لودفيج، جوهر الدين، ترجمة وتقديم أحمد عبد الحليم عطية، دار المعارف الحكمية، بيروت، ط1، 1438هـ-2017م، ص110.

[33] حنفي، حسن، دراسات فلسفية، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، ص404.

[34]  الكافي، مصدر سابق، ج1، ص76.

[35] الصّدوق، محمد بن علي، معاني الأخبار، تعليق علي أكبر الغفاري، تقديم حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط1، 1410هـ-1990م، ص5.

[36] الكافي، مصدر سابق، ج2، ص12.

[37] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، مؤسسة الوفاء، بيروت، ط2، 1403هـ-1983م، ج2، ص32.

[38] ماركس، كارل، نقد فلسفة الحق عند هيجل، نقلًا عن: الحوار المتمدن، العدد: 3362-11/5/2011م.

[39] الصدر، محمد باقر، اقتصادنا، دار التعارف، بيروت، 1411هـ-1991م، ص107-108.

[40] أصول الفلسفة الماركسية، مصدر سابق، ج1، ص208.

[41] انظر: الصدر، اقتصادنا، مصدر سابق، ص118.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف