البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

June / 5 / 2024  |  104البُنْيَة الصغرى للنصّ القرآني مدخلاً لتاريخ القرآن عند أنجليكا نويفرت

د. أحمد بوعود المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية شتاء 2023 م / 1444 هـ
البُنْيَة الصغرى للنصّ القرآني مدخلاً لتاريخ القرآن عند أنجليكا نويفرت

المُلخَّص

تريد أنجيليكا نويفرت أنْ تشير إلى أنّ قراءة البنية الصغرى للنصّ الرسمي تعكس إجراءً ممتدًّا لنقل المعلومات، ويوضح بجلاء مراحل ما قبل الترسيم الذي تمّ استدعاؤه للسؤال في العلم المعاصر، وأنَّ حصر الاستقصاء في الإثبات ما بعد الترسيم سيعني، في نظرها، إلغاء اعتبار آثار إجراء نقل المعلومة. مِن هنا، ترى أنّ تاريخ القرآن لم يبدأ مع الترسيم، وإنّما هو كامن ومتأصّل في القرآن نفسه، ليس فقط على مستوى المحتويات، وإنّما أيضًا على مستوى البنية التي يمكن أنْ تقرأ كآثار لإجراء تاريخي أو قانوني ترسيمي للاعتراف بظهور كتاب مقدّس، وفي الوقت نفسه ظهور جماعة. إنّ هذه الجماعة التي تتحدّث عنها الباحثة، إنّما ظهرت مِن خلال العمل بالقرآن الكريم، وبتوجيهات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وتربيته.

هذه هي الأطروحة التي تريد أنجيليكا نويفرت أن تبلّغها للقارئ في دراسة مكثّفة وغنيّة بالمصادر، بدأت بعرض الدراسات الاستشراقيّة المعاصرة للقرآنيّة للكريم، وهي: المقاربة الهيرمينوطيقيّة، والمقاربة التاريخيّة، والمقاربة اللسانيّة.

الكلمات المفتاحيّة:تاريخ القرآن - أنجيليكا نويفرت - التلاوة - بنيّة الخطاب - الاستشراق.

المقدِّمة

يُعتبر تاريخ القرآن مِن المباحث الكبرى في الدراسات القرآنيّة عمومًا، والدراسات القرآنيّة الغربيّة خصوصًا، قديمها وحديثها، ويتلخّص موضوعها في الجدل حول القرآن الكريم باعتباره كلامًا أوحي به إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونطق به أمام أصحابه، ثمّ جُمع وصار بعد ذلك وثيقةً مكتوبةً ونصًّا رسميًّا. والمستشرقون يدرسون القرآن الكريم باعتباره نصًّا عاش ظروف النقل مِن الشفوي إلى الكتابي، ليصير بعد ذلك نصًّا مقدّسًا وفوق التاريخ.

وتُعتبَر الباحثة الألمانيّة أنجليكا نويفيرت (Angelika Neuwirth) (ولدت عام 1943) والأستاذة بالجامعة الحرّة ببرلين، مِن أشهر الباحثين في الدراسات القرآنيّة، إذ اهتمّت بتاريخ القرآن مِن زوايا عدّة، منها علاقة القرآن الكريم بغيره مِن الكتب قبله، ومدى أخذه مِن هذه الكتب، وكذلك نقل القرآن مِن الشفوي إلى المكتوب ليصير بعد ذلك نصًّا رسميًّا ومقدّسًا. وفي هذا السياق تؤكّد الباحثة أنّه ينبغي أنْ نميّز بين إجراء ترسيمه، وبين فعل جمع النصّ وكتابته حتّى اعتبر نصًّا غير قابل للتغيير[2]، وتشير إلى أنَّ الاقتصار على استثمار النصّ القرآني لمرحلة ما بعد الإثبات الرسمي، يعني عدم الانتباه إلى الآثار الناجمة عن إجراء الترسيم ونقل المعلومة، وبالتالي سيوقف النظر في العلاقة بين القرآن والتاريخ. إنَّ القرآن باعتباره نصًّا رسميًّا وكتابة مقدّسة إسلاميّة، يضع نفسه خارج التاريخ ووراءه.

فإنّ النقطة التي تريد أنجيليكا نويفرت أنْ تشير إليها بداية، هي أنّ قراءة البنية الصغرى[3]للنصّ الرسمي تعكس إجراءً ممتدًّا لنقل المعلومات، يوضح بجلاء مراحل ما قبل الترسيم الذي تمّ استدعاؤه للسؤال في العلم المعاصر، وإنَّ حصر الاستقصاء في الإثبات ما بعد الترسيم سيعني، في نظرها، إلغاء اعتبار آثار إجراء نقل المعلومة.

- فما علاقة القرآن بالتاريخ؟ وكيف تمّ ترسيم النصّ القرآني في نظر الباحثة أنجيليكا نويفيرت حتّى صار نصًّا مقدّسًا؟ وما هي الدلالات التي يحملها هذا الترسيم؟

- وما موقف الباحثة مِن الدراسات القرآنيّة السابقة للموضوع؟ وكيف يمكن تقييمها؟

- وهل يمكن الحديث عن تاريخ للقرآن قبل مرحلة ترسيمه؟ وكيف يمكن للبنية الصغرى للخطاب القرآني أنْ تكشف عن ذلك؟

1. مقاربات الدرس القرآني الحديث وقضايا

توضح أنجيليكا أنّه عادة ما يُتأسّف على كون الدراسات القرآنيّة في الاصطلاح المنهجي متأخّرة عن الدراسات الإنجيليّة،إذ لم يمارس على النصّ القرآني أيّ نقد بشكل مؤسّس، ولا قراءات مختلفة له لتقويمه، إذ إنَّ هناك إحجامًا عن النقد. وترى الباحثة أنّه ينبغي أنْ نميّز بين إجراء الترسيم الذي أخذ مكانه مع الأيام، وبين فعل جمع النصّ وكتابته، والذي اعتبر غير قابل للتغيير.

أ. المقاربة الهيرمينوطيقيّة

تستشهد الباحثة هنا بالباحث وانسبروغ[4] (John Edward Wansbrough) الذي ينطلق مِن أرضيّة لاهوتيّة، ويحاجج الموضوع هيرمينوطيقيًّا، ولم يقبل القرآن كمدوّنة شاملة لنصوص تعود إلى نفس إجراء نقل المعلومة مِن متكلّم كاريزمي إلى أنصاره. إنّ النصّ في نظره مختلف كثيرًا، ويظهر مختلفًا كثيرًا عن الكتابات المقدّسة اليهوديّة والمسيحيّة بخصوص طبيعة الوحي. إنّ القرآن، في نظره، ذو تكوين عشوائي، شكّله المنقول، ويدلّ على مشاركة تمثيليّة لمختلف الثقافات السائدة أكثر ممّا يدلّ على أنَّه كلام شخص واحد.

وهنا أقول: إنَّ الحديث عن «عشوائيّة» ترتيب سور القرآن الكريم، ليس بالشيء الغريب عن الدراسات القرآنيّة الاستشراقيّة. ويحضرني هنا محمّد أركون الذي يرى أنَّ ترتيب الآيات والسور في المصحف لا يخضع لأيّ معيار زمني أو عقلي، بل إنَّ عدم الترتيب يفاجئ القارئ[5]، ويخبر أنَّ فائدة احترام التسلسل الزمني للآيات القرآنيّة، أو للعبارات النصيّة كما يحبّذ أنْ يسمّيها، أنّه «يتيح لنا أنْ نتعرّف بشكل تاريخي دقيق على تلك المجادلة المتكرّرة ضدّ المعارضين العديدين، وعلى المواقع الاجتماعيّة والسياسيّة للفئات الاجتماعيّة الموجودة في الساحة»[6].

أمّا ما يدّعيه أركون مِن التعرّف بشكل تاريخي دقيق على تلك المجادلة المتكرّرة ضدّ المعارضين العديدين، وعلى المواقع الاجتماعيّة والسياسيّة للفئات الاجتماعيّة الموجودة في الساحة، فإنّه مردود، ولو رتّب القرآن الكريم بحسب نزوله؛ ذلك أنَّ القرآن الكريم ليس كتاب تاريخ، أو قصّة أدبيّة، الغاية منه رواية الأحداث. لا! بل هو كتاب هداية، الأصل فيه ما حواه مِن الأحكام في مختلف المجالات، وليس لكلّ حكم قصّة أو سبب نزول.

هذا، وأشير إلى أنَّ دعوة أركون هي في عمقها تطبيق لقواعد النقد الأعلى والأدنى على القرآن الكريم. مِن هذه القواعد:

1. لا بدّ للباحث أنْ يستخدم قاعدة الشكّ المنهجي، فلا يجزم بشيء يتعلّق بالراوي إلّا بعد التثبّت مِن ذلك بأسباب قويّة.

2. دراسة البيئات السياسيّة والاجتماعيّة والأحداث التاريخيّة والصراعات العقديّة، ومدى انعكاسها على الكاتب، وبالتالي على النصّ.

3. كيف جمع النصّ أوّلًا، وما الأيدي التي تناولته، وما النسخ التي اشتمل عليها؟

4. لا يؤخذ النصّ ككلّ، بل يحلّل إلى أجزاء، ويدرك كلّ جزء على حدة.

5. التحليل الداخلي الدقيق للنصّ للعثور على الأخطاء والاختلافات والتناقضات.

6. ملاحظة تطوّر الفكر العقدي مِن عصر إلى آخر لاكتشاف اختلاف تواريخ كتابة أجزاء النصّ.

وإذا كانت هذه القواعد قابلة للتطبيق على النصّ البشري، فإنَّ تطبيقها على القرآن الكريم، يفترض القول إنَّه كتاب مِن تأليف بشر.

وتنتقل الباحثة إلى فريد دونر[7] (Fred Donner) الذي حاول أنْ يبرهن أنَّ القرآن، لأسباب إيديولوجيّة واصطلاحيّة، لا يمكن أنْ يكون قد ظهر في المكان الذي أنتج الحديث والسيرة. يقول: «إنّ الاختلاف بين القرآن والحديث في مسألة القيادة السياسيّة بارز، ويفترض بقوّة أنّهما ليسا نتيجة بيئة مذهبيّة مشتركة، وإنَّما منحدران مِن سياقات تاريخيّة مختلفة... الطريقة الأكثر ملاءمة لشرح السكوت الافتراضي حول مسألة القيادة السياسيّة هي أنْ نفترض أنَّ القرآن، كما هو لدينا، يستبق الهموم السياسيّة المدّخرة في النصّ الحديثي»[8].

لكنْ ما ينبغي الالتفات إليه، هو أنّ القرآن الكريم جاء بكلّيات عامّة فصّلتها السنّة الشريفة باعتبارها تطبيقًا لها، كما يُعتبر الحديث الشريف تبيانًا وتفصيلًا لما في القرآن. وفي هذا السياق يلخّص الشيخ مصطفى السباعي خمس طرق[9] تبيّن علاقة السنّة بالقرآن الكريم، نكتفي بأهمّها:

الطريقة الأولى: أنَّ القرآن دلّ على وجوب العمل بالسنّة، فكلّ عمل بما جاءت به السنّة عمل بالقرآن، وهذه الطريقة كما ترى طريقة عامّة، وممّن أخذ بها عبد الله بن مسعود.

الطريقة الثانية: وهي الطريقة المشهورة عند العلماء أنّ الكتاب مجمل، والسنّة مفصِّلة له، كالأحاديث الواردة في بيان ما أجمل ذكره مِن الأحكام، إمّا بحسب كيفيّات العمل، وإمّا أسبابه أو شروطه، أو موانعه أو لواحقه أو ما أشبه ذلك...

الطريقة الثالثة: وهي النظر إلى المعاني الكلّيّة التي يقصدها التشريع القرآني في مختلف نصوصه، وإنَّ ما في السنّة مِن أحكام لا يعدو هذه المقاصد والمعاني. وتفصيل ذلك أنَّ القرآن جاء لتحقيق السعادة للناس في حياتهم الدنيا والأخرى...

والأهمّ مِن هذا كلّه، هو أنَّ القرآن الكريم من عند الله لفظًا ومعنى، بينما الحديث النبوي يعتبر لفظه من عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).

ب. المقاربة التاريخيّة

تؤكّد الباحثة نويفرت أنّ النزعة التعديليّة والتنقيحيّة هي بالأساس إعادة لكتابة التاريخ، وتستشهد هنا بابن الراوندي[10] الذي يرى أنّ الحقيقة الوحيدة التي لا شكّ فيها، هي أنَّ الربع الثاني للقرن التاسع عرف انتشارًا واسعًا للشرق الهيلّيني مِن قبل العرب.

إنّ النقطة الأكثر أهميّة في هذه القضيّة هي: هل كان فقط مجرّد فعل للاستغلال السياسي؟ أم أنَّه كان مدفوعًا مِن قبل بعض القوى السياسيّة؟

نعم، هناك مَنْ يذهب إلى القول بأنّ السلطة السياسيّة كان لها دور حاسم في جمع القرآن الكريم والاتّفاق على النسخة النهائيّة... لكنْ ما الغريب في قضيّة جمع القرآن الكريم حتّى تثار حوله هذه الضجّة؟ وكيف يمكن أنْ يكون ما جُمع مِن القرآن مناصرًا للسلطات الحاكمة آنذاك، والقرآن يرمى به عرض الحائط منذ زمن الانقلاب الأموي والعباسي، حتّى اليوم، لأنّه يتناقض مع سلوك الحكّام وأهدافهم؟

إنَّ مَنْ يستقصي التاريخ يجده يحدّثه عن الكتابة المبكّرة للقرآن الكريم، إذ كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر الصحابة بأنْ يكتبوا ما ينزل عليه مِن القرآن. روى أحمد عن عثمان بن عفّان قال: «كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا يأتي عليه الزمان ينـزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء، يدعو بعض مَنْ يكتب عنده، فيقول: «ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا»[11].

وبخلاف وانسبروغ الذي أعلن أنَّ ما وقع حقيقة ليس معروفًا؛ لأنَّ الصورة التقليديّة لا أصل لها، لأجل الإسلام لم تكن إعادة كتابة شاملة للأحداث التي كانت معروفة ومشاعة، وإنَّما كان إملاء وفيًّا لفراغ محيّر، فإنَّ كرون[12] (Crone Patricia) وكوك[13] (Cook Michael) يتّخذان بجرأة أطروحة إيجابيّة رواية مخالفة للرواية التقليديّة.

إنّ الوثائق الأولى تَعتبِر أتباع النبيّ محمّد «هاجريين»[14]؛ أي منحدرين مِن هاجر، لذا يدّعي كرون وكوك أنَّ أتباع محمّد ربَّما رؤوا أنفسهم يسترجعون مكانتهم في الأرض المقدّسة بجانب اليهود، وبما أنّه لا توجد سجلّات عربيّة للقرن الأوّل للإسلام مِن المنهج، فإنَّهما توجّها إلى بعض غير المسلمين في روايات القرن السابع الميلادي، مقترحين صورة جديدة للنبيّ. إنّه لم يكن يُنظر إليه كمؤسّس لدين جديد، ولكنْ كواعظ مِن العهد القديم، السبب الوارد بترحيب مِن المسيح. وهذا يضعنا أمام مسألة الأخذ مِن الديانات السابقة، وهو موضوع تناولته الدراسات الاستشراقيّة، كما الحداثيّة، فمثلًا نجد عبد المجيد الشرفي يتوقّف عند الحالات التي عاشها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل بعثته، ليستخلص مِن ذلك كلّه «المادّة التي تخمّرت في ذهنه(صلى الله عليه وآله وسلم) ووصل بها إلى اليقين، بأنَّ الله اصطفاه لتبليغ رسالته إلى قومه أوّلًا، وإلى الناس كافّة مِن خلالهم»[15]. وهذه المادّة تتكوّن في نظر الشرفي مِن:

- المعلومات التي تلقّاها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مِن حوله، واطّلع عليها في أسفاره وعن طريق «الأحناف» أو «أهل الكتاب»، ممّا كان يبلغ إلى مسامع معاصريه مِن دون أنْ يولوه أدنى أهميّة؛ لأنّه خارج عن آفاقهم الذهنيّة ومشاغلهم.

- ومِن نتائج تأمّله الطويل عندما كان ينقطع عن الناس ويتحنّث في غار حراء.

وهذا الرأي سبق إليه المستشرق تيودور نولدكه الذي يقول: «إنّ الدين الذي قدّر له أنْ يهزّ العالم انصهر في وجدان(صلى الله عليه وآله وسلم) مِن مواد مختلفة. ما أضافه هو إلى ذلك يقلّ أهميّة عمّا أخذه عن الآخرين»[16]. وهذه المواد المختلفة هي ما كان سائدًا مِن تعاليم ديانات بلاد العرب. وهو الرأي نفسه الذي ذهب إليه الشرفي.

إنّ الانطلاق من بشريّة النصّ القرآني جعلت نولدكه يقرّر أنَّ سور القرآن الكريم أعدّها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بتفكير واع، وبوساطة استخدام قصص مِن مصادره غريبة مثبتة، وكأنَّها وحي حقيقي مِن الله...[17]، فما هي هذه المصادر؟ هذا ما لا نجد له تحديدًا عنده.

ويوضح أنَّ «لا لزوم للتحليل لنكتشف أنَّ أكثر قصص الأنبياء في القرآن، لا بل الكثير مِن التعاليم والفروض، هي ذات أصل يهودي. أمّا تأثير الإنجيل، فهو دون ذلك بكثير»[18]. ثمّ يؤيّد قراره هذا بشهادة مِن الواقع، مؤدّاها أنَّ اليهود كانوا موجودين في أماكن عدّة بالجزيرة العربيّة، وكانوا يقيمون في مناطق يثرب التي كانت على صلة وثيقة بموطن محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانوا يتردّدون كثيرًا على مكّة.

ولا يعتري نولدكه الشكّ في أنّ جزءًا مِن تعاليم النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ذو مصدر مسيحي، ويقدّم أمثلة على ذلك: التهجّد، وبعض أوصاف الصلاة... ثمّ يستخلص أنَّ «الإسلام، في جوهره، دين يقتفي آثار المسيحيّة؛ أو بعبارة أخرى هو الصيغة التي دخلت بها المسيحيّة إلى بلاد العرب كلّها»[19].

كما يعتبر نولدكه أنَّ أحد أهم مصادر تعاليم النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) يتمثّل في الاعتقادات التي اعتنقها قومه، ويردّ ذلك إلى أنَّ ما مِن مصلح يمكنه أنْ يتنصّل تمامًا مِن المعتقدات التي تربّى عليها.

هذه الأطروحة كما أطروحة وانسبروغ، تمّ نقدها مِن قبل جوزيف فان إس[20]، ومؤخّرًا مِن قبل فريد دونر. وتزعم الباحثة نويفرت أنّ هاتين النظريّتين تثبتان أنَّ فقدانًا حادًّا للذاكرة فرض على المسلمين الأوائل. وهكذا نجد أنفسنا مطوّقين بمقولة التأثّر بالديانات السابقة وبالمحيط الثقافي السائد، وهذا يفتح الباب واسعًا للقول بالسياق الخارجي للنصّ القرآني. وتنبغي الإشارة إلى أنّه إذا كان القرآن الكريم نصًّا بشريًّا، فإنّه يمكن حينذاك الحديث عن التأثيرات الثقافيّة في خطابه، لأنّه يستحيل على العقل البشري التفكير خارجه، ولكنْ ينبغي على الدارس أنْ يضع في ذهنه، ولو احتمالًا واحدًا، أنَّ القرآن سماويّ المصدر.

فهل ينبغي إثبات فرضيّة الأخذ مِن الديانات السابقة؟

ت. المقاربة اللسانيّة

إنّ الدليل اللساني والأسلوبي هو الذي قاد غونتر لولينغ[21] (Günter Lüling)، ومِن بعده كريستوف لوكسنبرغ[22] (Christoph Luxenberg)، إلى إعادة بناء للنصّ ما قبل الرسمي. إنّ القرآن يعكس لغة عربيّة خالصة، ويعترف بعلاقته القريبة مِن المدار الثقافي واللساني للمنطقة العربيّة. ولكنْ بما أنَّ الموروث التوحيدي الذي واصله القرآن، مؤسّس على الكتاب المقدّس المدوّن بالعبريّة والإغريقيّة، ويجول بشكل مسيطر في السرياليّة التي كانت أيضًا لغة حشد كبير من النصوص الطقسيّة العباديّة، فإنَّه مِن الصعب التصديق أنَّ القرآن سيكون خاليًا مِن آثار ذاك الخبر، سواء روحيًّا أو لسانيًّا. إنّه ليس مفاجئًا أنْ نجد عددًا مِن الكلمات المستعارة، أغلبها سريانيّة، في القرآن الكريم، كما نصّ على ذلك الفيلولوجيّون الإسلاميّون الأوائل. ويستدلّ هنا ببعض الأمور التي كانت سائدة في الجاهليّة فأقرّها الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو عدّلها. وهكذا، يخلص نولدكه بالقارئ إلى أنَّ الدين الذي قدِّر له أنْ يهزّ العالم «انصهر في وجدان محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) مِن مواد مختلفة. ما أضافه هو إلى ذلك يقلّ أهميّة عمّا أخذه عن الآخرين»[23].

في باب «هل ورد في القرآن كلمات خارجة عن لغات العرب أو لا»[24]، بيّن القرطبي أنَّه لا خلاف بين الأئمة أنَّه ليس في القرآن كلام مركّب على أساليب غير العرب، وأنَّ فيه أسماء أعلام لمَن لسانه غير العرب، كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ولوط.

لكنَّهم اختلفوا هل وقع فيه ألفاظ غير أعلام مفردة مِن كلام غير العرب، فيذكر القرطبي أنَّ القاضي أبا بكر بن الطيب والطبري وغيرهما، ذهبوا إلى أنَّ ذلك لا يوجد فيه، وأنَّ القرآن عربي صريح، وما وجد فيه مِن الألفاظ التي تنسب إلى سائر اللغات، إنَّما اتّفق فيها أنْ تواردت اللغات عليها، فتكلّمت بها العرب والفرس والحبشة وغيرهم. وذهب بعضهم إلى وجودها فيه، وأنَّ تلك الألفاظ لقلّتها لا تخرج القرآن عن كونه عربيًا مبينًا، ولا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن كونه متكلّمًا بلسان قومه، فالمشكاة: الكوّة، ونشأ: قام من الليل، ومنه «إنَّ ناشئة الليل» و«يؤتكم كفلين»؛ أي ضعفين. وفرّت مِن قسورة؛ أي الأسد، كلّه بلسان الحبشة. والغساق:البارد المنتن بلسان الترك. والقسطاس:الميزان بلغة الروم. والسجّيل:الحجارة والطين بلسان الفرس. والطور: الجبل. واليم: البحر بالسريانيّة. والتنّور: وجه الأرض بالعجميّة.

ويستشهد القرطبي بكلام ابن عطيّة مبيّنًا حقيقة هذه الألفاظ الأعجميّة بقوله: «فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنَّها في الأصل أعجميّة، لكنْ استعملتها العرب وعرّبتها، فهي عربيّة بهذا الوجه. وقد كان العرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة تحارت... فعلّقت العرب بهذا كلّه ألفاظًا أعجميّة، غيرّت بعضها بالنقص مِن حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها، حتّى جرت مجرى العربي الصحيح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحدّ نزل بها القرآن»[25].

2. بحثًا عن التصحيح

أ. التشكّل القرآني ومقتضياته التاريخيّة

لم تبيّن الباحثة موقفها مِن هذه المقاربات الحديثة للدرس القرآني، فقد اكتفت بعرضها، لكنَّ انتقالها إلى البحث عن التصحيح يمكن أنْ يكون ناتجًا عن عدم اقتناعها بكلّ مِن المقاربة الهيرمينوطيقيّة والمقاربة التاريخيّة والمقاربة اللسانيّة، رغم أنَّ القارئ متشوّق لمعرفة مواطن الاتّفاق والاختلاف معها، فماذا تقترح؟

تحاول الباحثة تحويل التركيز مِن ظروف الحدث القرآني إلى القرآن نفسه بوصفه مركزًا للسؤال، واعتبار الدلالات التاريخيّة المتضمّنة في شكل القرآن؛ يعني أنَّها تحاول البحث عن أصالة القرآن مِن القرآن نفسه.

ترى الباحثة أنجيليكا نويفرت أنَّ النصّ القرآني كما هو بين أيدينا، ينبئ عن تكوين غريب؛ ذلك أنَّ تسلسل وحدات النصّ المفرد لا يخضع لأيّ ضابط منطقي، فضلًا عن الضابط الثيولوجي، رغم أنَّ التقسيم إلى سور، معظمها وحدات فصيحة أصيلة، أمر تمّت المحافظة عليه. وهنا يمكن استحضار الملاحظة السابقة نفسها حول الترتيب والتقسيم، وهناك وقفنا على وصايا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بترتيب آي القرآن الكريم, ووضعها في مكانها بتوجيه منه.

إنّ هذا الترتيب ترتيب محافظ، وفي الوقت نفسه لاهوتي، غير مبال، يقترح القول إنَّ تحرير النصّ كان مِن غير تصميم. وكنتيجة لذلك، فإنَّ السور غاية ما تتوقّف عن اعتبارها وحدات أدبيّة أصيلة، ترسل رسائل خاصّة بها، وتعكس المراحل الخاصّة لسيرورة نقل المعلومة.

إنَّ الباحثة هنا تعيد أطروحة الاتجاه الهيرمينوطيقي التي سبق لها أنْ عرّفتها وناقشتها، لكنْ ما يمكن إضافته هنا، هو إسقاط التفكير العقلاني البشري على أمور إلهيّة ربانيّة، وكذلك إغفال جانب مهمّ، وهو المقصد الأعظم مِن آيات القرآن الكريم، وهو مقصد الهداية ‎﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾[26]‏. وما دام القرآن ربّاني المصدر، فإنَّه مِن الصعوبة بمكان إدراك أسرار هذا الترتيب، رغم أنَّ العلماء قد اجتهدوا في بحثها.

ب. الشفويّة

لإصلاح تاريخ ما قبل ترسيم القرآن، تقول الباحثة: دعنا أوّلًا نقول إنَّ خاصيّة أساسيّة للنصّ الذي له تأثير ووقع على تمثّلات القصة القرآنيّة هي: حقيقة أنَّ القرآن ليس كتابًا للدراسة، بل كتاب للقراءة.

وتستشهد نويفرت بالباحثة كريستينا[27] (Kristina Nelson) التي تشدّد على أنَّ نقل القرآن ووجوده الاجتماعي كانا في الأساس شفويًّا. وإذا كان غرض القرآن[28] هو التلاوة، فإنَّ هدف الأداء الشفوي يجب أنْ يكون مبيّنًا في تكوين النصّ نفسه. إنّ إيقاعه وسجعه هو الذي يعني أنّه يجب أنْ يُسمع.

وهنا تنبّه الباحثة كيف يتغيّر السياق مِن حالة حكي قصّة ما إلى توجيه أخلاقي عام، كما هو الشأن في سورة يوسف عليه السلام مثلًا: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّـهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾[29].

تحمل القصّة فعل التصدّق، وهذا الفعل مادّي ينتفع به المتصدِّق عليهم، وهو ما طلبه إخوة يوسف، لكنَّ هذا الفعل له آثار أخرويّة، تتمثّل في الجزاء الحسن عند الله، كما أنّه يزكّي نفس المتصدّق. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ أحكام القرآن الكريم ذات مقصدين: مقصد استخلافي ترمي إليه تكاليف تهتمّ أساسًا بعلاقة الأفراد بعضهم مع بعض، أو مع أجهزة الحكم، قوامها العدل بجميع صوره ومجالاته وفكّ رقاب الناس مِن ظلم الطغاة، ومقصد توحيدي إحساني تقصد إليه تكاليف تهمّ بالأساس علاقة الإنسان بربّه عزّ وجلّ، تعنيه هو أوّلًا في مصيره وعاقبته[30]، وهذا ما ينطبق على فعل التصدّق.

 وقوله تعالى في نفس السورة: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِين﴾[31].

إنَّ الخاطئ هو المذنب، والمقصود هنا بقوله تعالى الإنسان عامّة، الرجل والمرأة على حدّ سواء، فكلّ مَنْ يفعل هذا الفعل يكون خاطئًا، والخاطئ هو المذنب. إنّ هذا توجيه أخلاقي رفيع جمع بين أمري الدنيا والآخرة.

إنَّ هذا الأسلوب ذا الحدّين يعكس بعدي الخطاب القرآني؛ فهو يشير إلى: العالم والآخرة، وإلى الزمان والأبدي في وقت واحد. وهذا أيضًا ينطبق عليه ما ينطبق على فعل التصدّق؛ فهذا الأخير أمر، بينما الآخر ذنب منهي عنه.

إنَّ الوعي بأنَّ هناك اتّفاقًا أساسيًّا، ليس على مستوى السلوك الأخلاقي الإنساني فقط، ولكنْ أيضًا على مستوى التصوّر أيضًا بأنَّ الله القادر الفاعل حاضر دائمًا في التفاعل الإنساني. هذه الخاصيّة الأسلوبيّة تشير إلى شفويّة القرآن، وتؤثّر على خاصيّة مهمّة للوجود ما قبل الترسيم، وهي أنَّ القرآن ينبثق مِن إجراء نقل.

ت. مِن التاريخ القرآني إلى التاريخ في القرآن

مِن خلال هذه اللمحات المتعلّقة بالنصّ ما قبل الترسيم، يمكن أنْ ننظر إلى قضيّة الترسيم مِن زاوية جديدة. إنَّ نشر كتاب غير قابل للتغيير لا يلتقي بالضرورة مع الترسيم، وقد تمّ تقديم هذا كحجّة ضدّ تاريخيّة الكتابة العثمانيّة، فهل يمكن أنْ نفهم مِن هذا أنَّ الباحثة لا توافق على الأطروحات القائلة بالترسيم؟ وهل يفهم مِن هذا اقتناعها بأنَّ القرآن الكريم اكتمل بنزول آخر آية على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

في حالة القرآن، ترى الباحثة نويفرت أنَّه مِن المؤكّد أنَّ القانون مِن الأسفل يسبق القانون مِن الأعلى، هذا الأخير تمّ فقط مع التحرير القسري النهائي الذي تحوّل بالضرورة إلى وقف ضغط التيّار الرجعي تجاه التجزئة والتشظّي. فما التحرير القسري النهائي؟ وما المقصود بالتيّار الرجعي؟

إنَّ هذا المبحث في نظر الباحثة خلاصة لما قبله. لقد أنكر القرآن أيّ اهتمام جدّي بالتاريخ: القصة الإنجيليّة معروفة كقصّة تاريخيّة. لقد اعتبر التقديم القرآني للقصّة دائمًا بمثابة استمراريّة. إنّ المعالجة المكرّرة لإرسال النبويّ مع التّشابه وتطابق بعض الرسائل أحيانًا، قاد العلماء إلى استخلاص أنَّ هناك شيئًا،كالقصّة القرآنيّة، يعترف ليس بمفهوم خطّي[32] للوحي، بل بمفهوم دائري له. وهنا تعود الباحثة إلى فريد دونر الذي أثبت البعد الأخلاقي للقصّة القرآنيّة[33].

ثمّ تخلص إلى أنَّ القرآن نصّ شعائري تعبّدي، ليس فقط على مستوى الاستعمال الجماعي المتأخّر، وإنَّما أيضًا مِن خلال تكوينه نفسه. إنّ السور تشكّل أنواعًا مركّبة، ممّا يميّزها عن رواية القصّة الإنجيليّة، بل ويميّزها أكثر عن الكلام البشري المدنّس.

وكأنَّ الباحثة هنا تفنّد أطروحة التّطابق والتّشابه بين الإنجيل والقرآن، ما دامت القصّة القرآنيّة مختلفة عن القصّة في الإنجيل؛ لأنَّ القصّة القرآنيّة قصّة ذات أبعاد أخلاقيّة، ولا تهتمّ بالتاريخ، عكس القصة الإنجيليّة. إنَّ القصة في القرآن إنَّما تتميّز عن القصّة في الإنجيل بتميّزها عن الكلام البشري، وفي هذا إقرار مِن الباحثة أنجيليكا نويفرت أنَّ القرآن الكريم ليس بشريّ المصدر، فضلًا عن كونه بعيدًا عن أنْ يكون اقتباسًا مِن الإنجيل.

بعد هذا التحليل تخلص الباحثة إلى أنَّ العلاقة بين القرآن والتاريخ علاقة معقّدة، والمقاربة الواعدة التي تأمل أنْ تكون قد بيّنتها، هي المقاربة الأدبيّة، وتقصد قراءة البنية الصغرى للقرآن نفسه. إنَّ تاريخ القرآن لم يبدأ مع الترسيم، وإنَّما هو كامن ومتأصّل في القرآن نفسه، ليس فقط على مستوى المحتويات، وإنَّما أيضًا على مستوى البنية التي يمكن أنْ تُقرأ كآثار لإجراء تاريخي أو قانوني ترسيمي للاعتراف بظهور كتاب مقدّس، وفي الوقت نفسه ظهور جماعة. إنّ هذه الجماعة التي تتحدّث عنها الباحثة نويفرت إنَّما ظهرت مِن خلال العمل بالقرآن الكريم، وبتوجيهات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وتربيته.

وخلاصة المناقشة فيما ذكرته هنا، أنَّ القرآن كان مؤلَّفًا ضمن سور متفرِّقة في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وغير مجموع في موضع واحد، ولا مرتَّب السوَر، إذ رحل النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن منثور على العُسُب، واللِخاف، والرقاع، والأديم[34]، وعِظام الأكتاف والأضلاع، والحرير والقراطيس، وفي صدور الرجال. ومع أنّ السوَر كانت مكتملة على عهده(صلى الله عليه وآله وسلم)، مرتَّبة آياتها وأسماؤها، غير أنَّ جمعها بين دفَّتين لم يكن حاصلًا بعد؛ نظرًا لترقُّب نزول قرآن في حياة النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم). ولهذا، لم يُقدِم على جمع القرآن ضمن دفّتين[35].

ويمكن إيجاز أدلَّة أصحاب هذا الاتّجاه بالآتي:

ث. الدليل الأوَّل: الشواهد التاريخيّة: إنَّ قضيّة جمع القرآن قضيّة تاريخيّة، فلا بدَّ مِن البحث عن حقيقتها بين طيَّات التاريخ، والشواهد التاريخيّة تثبت أنَّ القرآن جُمِعَ على شكل مصحف بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومِن هذه الشواهد:

- ما قاله زيد بن ثابت: قُبض النبيُ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن القرآن جُمِعَ في شيء[36].

- ما نقله ابن قتيبة الدينوري عن ابن عيينة عن الزهري: قبض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والقرآن في العسب والقضم[37].

- ما نقله الزركشيُّ عن أبي الحسين بن فارس في «المسائل الخمس»: جمع القرآن على ضربين: أحدهما: تأليف السور، كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين، فهذا الضرب هو الذي تولَّته الصحابة، وأمَّا الجمع الآخر -وهو جمع الآيات في السور- فهو توقيفيٌّ، تولّاه النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم)[38].

- ما نقله الزركشيُّ عن أبي عبد الله الحارث بن أسيد المحاسبي في كتاب «فهم السنن»: كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنَّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كان يأمر بكتابته، ولكنَّه كان مفرّقًا في الرِّقاع والأكتاف والعسب، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأمر أبو بكر بنسخها مِن مكان إلى مكان مجتمعًا، فجمعها جامع، وربطها بخيط حتّى لا يضيع منها شيء[39].

ج. الدليل الثاني

تدرُّج نزول القرآن واستمرار حالة ترقُّب نزول الوحي في حياة النبيِّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو ما حال دون أنْ يجمعه النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه[40].

ح. الدليل الثالث

لو كان القرآن مجموعًا ضمن مصحف في حياة النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بشكله الحاليِّ، فما معنى أنْ يبادر الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) إلى جمعه مرَّة أخرى؟ ولماذا أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام عليّ(عليه السلام) بجمعه بعد رحيله؟

 

خاتمة

هذه هي الأطروحة التي تريد أنجيليكا نويفرت أنْ تبلّغها للقارئ في دراسة مكثّفة وغنيّة بالمصادر، بدأت بعرض الدراسات الاستشراقيّة المعاصرة للقرآنيّة للكريم، وهي: المقاربة الهيرمينوطيقيّة، والمقاربة التاريخيّة، والمقاربة اللسانيّة.

 لتعرض بعد ذلك وجهة نظرها بخصوص تاريخ القرآن، لافتة انتباه القارئ إلى أنَّ القرآن يتميّز بخاصيّة أساسيّة، وهي خاصيّة التلاوة. ومِن أجل ذلك ركّزت على البنية الصغرى للنصّ القرآني التي تثبت تاريخ هذا النصّ نفسه بعيدًا عن إشكالات الترسيم.

لكنْ يلاحظ عليها ما يلي:

- اعتماد مصادر غربيّة في الأساس، ولم تعد إلى المتخصّصين المسلمين في الدراسات القرآنيّة، وسواء قديمًا أو حديثًا، ولو عادت إليها لكان لموضوعها نفس آخر.

- لم تعلّق على المقاربات المعاصرة للدرس القرآني، بل اكتفت بسردها فقط، فلم تبيّن موقفها منها، لا بالتأييد ولا بالنقض.

- إنّ دعوى استلزام جمع القرآن بعد رحيل النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم تحريفٌ في نصوص الكتاب العزيز، إذ إنَّ طبيعة الجمْع المتأخِّر تستدعي وقوع نقص أو زيادة في القرآن، وهذا مخالف لضرورة الدِين. مردودة بأنّ استلزام تأخّر الجمْع تحريف في كتاب الله، هو احتمال مجرَّد لا سنَد له، بعد معرفتنا بضبط الجامِعين، وقُرب عهدهم بنزول الآيات، وشدَّة احتياطهم على الوحي، بما لا يدَع مجالًا لتسرّب احتمال زيادة أو نقصان.

وعلى العموم تبقى هذه الأطروحة موضوعًا قابلًا لمزيد من البحث والدراسة والتعمّق.

 

لائحة المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصريّة – القاهرة، ط2، 1384هـ/ 1964م.

الإتقان في علوم القرآن، ج1.

أحمد بوعود، مقاصد الشريعة من النظر إلى السلوك، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2013.

أندري لالاند، موسوعة لالاند الفلسفيّة، تعريب: أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت، باريس، ط2، 2001.

البرهان في علوم القرآن، ج1.

التمهيد في علوم القرآن، ج1.

تيودور نولدكه، تاريخ القرآن، ترجمة: جورج تامر، بيروت، ط1، 2004.

السيد محمّد باقر الحكيم، القصص القرآني، المركز العالمي للعلوم الإسلاميّة، ط2، 1425.

شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق مجموعة من المحقّقين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسّسة الرسالة، ط3، 1405هـ/ 1985م.

عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، ط2، 2002.

غريب الحديث، ج2.

محمّد أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، ط2، 2002.

محمّد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، عيسى البابي الحلبي وشركائه ط3، 2/ 164.

مصطفى بن حسني السباعي، السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي، المكتب الإسلامي - دار الوراق للنشر والتوزيع، ط1، 2000م.

مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1.

الميزان في تفسير القرآن، ج12.

لائحة المصادر الأجنبيّة

Angelika Neuwirth, Qur’an and History a Disputed Relationship Some Reflections on Qur’anic History and History of the Qur’an, Journal of Qur’anic Studies, Vol. No 5, (2003).

Fred M. Donner, Narrative of Islamic Origins The Beginnings of Islamic Historical Writing, (The Darwin Press, Princeton, 1998).

Mohammed Arkoun, L’Islam. Approche Critique 3e éd., Paris, J. Grancher, 1998.

Teun A. van Dijk, An Interdisciplinary Study of Global Structures in Discourse, Interaction, and Cognition. (Lawrence Erlbaum Associates, Publishers Hillsdale, Newy Jersy, 1980).

 

[1][*]- باحث مغربي، جامعة عبد المالك السعدي - المغرب.

[2]- Angelika Neuwirth, Qur’an and History a Disputed Relationship Some Reflections on Qur’anic History and History of the Qur’an, Journal of Qur’anic Studies, Vol. No 5, (2003), p.1- 18.

[3]- تتناول البنية الصغرى (microstructure) المستوى البسيط مِن الخطاب، وهو ما يسمّيه فان دايك بالمستوى المحلّي للتحليل كالكلمات والجمل والعبارات والفقرات؛ إنّها تركز على أفعال الكلام الفرديّة وروابطها. وقد أورد البنية الصغرى في مقابل البنية الكبرى (macrostructure) التي تتناول المستوى المعقّد، وهو المعنى الكلّي للخطاب. ينظر:

Teun A. van Dijk, An Interdisciplinary Study of Global Structures in Discourse, Interaction, and Cognition. (Lawrence Erlbaum Associates, Publishers Hillsdale, Newy Jersy, 1980), p.13.

[4]- جون إدوارد وانسبروغ مؤرّخ أمريكي ولد عام 1928، وتوفّي عام 2002، له مجموعة من الدراسات حول الإسلام، أهمّها الدراسات القرآنيّة مصادر ومناهج التفسير الديني Quranic Studies: Sources and Methods of Scriptural Interpretation صدر عام 1977،

[5]- Mohammed Arkoun, L’Islam. Approche Critique 3e éd., Paris, J. Grancher, 1998. p.75.

[6]- محمّد أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي، ترجمة: هاشم صالح، (دار الساقي، بيروت، ط2، 2002)، ص137.

[7]- فريد ماك كراو دونر عالم أمريكي متخصّص في الدراسات الإسلاميّة والقرآنيّة، ولد عام 1945، مِن مؤلّفاته الفتوحات الإسلاميّة الأولىThe Early Islamic Conquests صدر عام 1981 وكتاب محمّد والمؤمنون بحث في جذور الإسلام Muhammad and the Believers. At the Origins of Islam صدر عام 2010، وكتاب روايات الأصول الإسلاميّة بدايات الكتابة الإسلاميّة التاريخيّة Narrative of Islamic Origins The Beginnings of Islamic Historical Writing، صدرعام 1998.

[8]- Fred M. Donner, Narrative of Islamic Origins The Beginnings of Islamic Historical Writing, (The Darwin Press, Princeton, 1998), p.45 -46.

[9]- مصطفى بن حسني السباعي، السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي، (المكتب الإسلامي - دار الورّاق للنشر والتوزيع، ط1، 2000م)، ص421.

[10]- قال الذهبي: «الريوندي أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق الملحد، عدو الدين أبو الحسن أحمد بن يحيى بن إسحاق الريوندي، صاحب التصانيف في الحطّ على الملّة، وكان يلازم الملاحدة، فإذا عوتب قال: إنّما أريد أنْ أعرف أقوالهم»... قال ابن الجوزي: «كنت أسمع عنه بالعظائم، حتّى رأيت له ما لم يخطر على قلب... وقد سرد ابن الجوزي من بلاياه نحوًا من ثلاثة أوراق... مات سنة ثمان وتسعين ومائتين». شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق مجموعة مِن المحقّقين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسّسة الرسالة، ط3، 1405هـ-1985م، 14/ 56.

[11]- مسند الإمام أحمد، مسند العشرة المبشَّرين بالجنة، مسند عثمان بن عفان.

[12]- باتريسيا كرون مؤرّخة دانمركيّة ومستشرقة متخصّصة في فجر التاريخ الإسلامي، ولدت عام 1945 وتوفيت عام 2015.

[13]- مايكل آلان كوك مؤرّخ بريطاني متخصّص في التاريخ الإسلامي، ولد عام 1940، اشترك مع كرون في تأليف كتاب الهاجريّة: تشكّل العالم الإسلامي Hagarism: The Making of the Islamic World، صدر عام 1977.

[14]- حسب المؤلّفين كرون وكوك، فإنَّ لفظ الهاجريّة Hagarism لفظ استخدمته مختلف المصادر لوصف الفتوحات العربيّة للقرن السابع الميلادي.

[15]- عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي، ترجمة: هاشم صالح، (دار الساقي، بيروت، ط2، 2002)،ص34.

[16]- تيودور نولدكه، تاريخ القرآن، ترجمة: جورج تامر، بيروت، ط1، 2004، ص19.

[17]- م.ن، ص5.

[18]- م.ن، ص7.

[19]- م.ن، ص8.

[20]- جوزيف فان إس، مستشرق ألماني، ولد عام 1934، وتوفّي في نونبر 2021، له مجموعة من المؤلّفات في تاريخ الفكر الإسلامي وقضاياه.

[21]- غوتر لولينغ لاهوتي بروتستانتي وعالم فيلولوجي رائد في دراسة الأصول الإسلاميّة الأولى، ولد عام 1928، وتوفّي عام 2014.

[22]- كريستوف لوكسنبرغ هو الاسم المستعار لمؤلّف كتاب القراءة السيروآراميّة للقرآن مساهمة في الكشف عن لغة القرآن الذي صدر عام 2000 باللغة الألمانيّة.

[23]-  تيودور نولدكه، تاريخ القرآن، ترجمة: جورج تامر، م.س، ص19.

[24]- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصريّة – القاهرة، ط2، 1384هـ/ 1964م، 1/ 67.

[25]- أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، م.س.

[26]- سورة الإسراء، الآية 9.

[27]- كريستينا نيلسون، باحثة أمريكيّة، ولدت عام 1945، زارت مصر منذ أزيد مِن أربعين سنة، وانبهرت هناك بتلاوات القرآن الكريم التي كانت تنبعث من كلّ مكان، فتدرّبت على هذه التلاوة وأدائها، وخلصت إلى أنَّ القرآن كتاب أنزل للتلاوة، وتلاوته عبادة، وكتبت في ذلك كتاب فن تلاوة القرآن (The Art of Reciting the Qur’an) صدر عام 2010.

[28]- يحدّد الشيخ محمّد عبد العظيم الزرقاني ثلاثة مقاصد رئيسيّة للقرآن الكريم: «أنْ يكون هداية للثقلين، وأنْ يقوم آية لتأييد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنْ يتعبّد الله خلقه بتلاوة هذا الطراز الأعلى مِن كلامه المقدّس»، محمّد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه ط3، 2/ 164.

[29]- سورة يوسف، الآية 88.

[30]- ينظر: أحمد بوعود، مقاصد الشريعة من النظر إلى السلوك، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2013.

[31]- سورة يوسف، الآية 29.

[32]- المفهومان الخطي والدائري مفهومان متقابلان؛ يقوم الأوّل على ثنائيّة السبب والأثر، بينما يقوم الثاني على المثاليّة والانفتاح والشكّ والتواصل الهادف.

[33]- يحدّد السيّد محمّد باقر الحكيم أغراض القصّة في القرآن الكريم في أغراض رساليّة، وأغراض تربويّة أخلاقيّة، وأغراض اجتماعيّة وتاريخيّة، ينظر:السيد محمّد باقر الحكيم، القصص القرآني، المركز العالمي للعلوم الإسلاميّة، ط2، 1425، ص31 وما بعدها.

[34]- العُسُب: جمع عسيب، وهو جريد النخل، إذ كانوا يكشفون الخوص ويكتبون في الطرف العريض. واللخاف: جمع لخف، وهي الحجارة الرقيقة (صفائح الحجارة). والرِّقاع: جمع رقعة، وهي من الجلد أو الورق أو غيرهما. والأديم: الجلد المدبوغ. انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص202.

[35]- انظر: الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص170-172. مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص203-204. الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص120. التمهيد في علوم القرآن، ج1، ص285.

[36]- انظر: الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص160.

[37]- انظر: غريب الحديث، ج2، ص304.

[38]- انظر: البرهان في علوم القرآن، ج1، ص237.

[39]- م.ن، ص238.

[40]- انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص204. التمهيد في علوم القرآن، ج1، ص285.

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف