البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

شهداء مرج عذراء حجر بن عدي و أصحابه (رض)

الباحث :  د. علي زیتون
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  3
السنة :  السنة الاولى خريف 1417هج - 1996 م
تاريخ إضافة البحث :  March / 25 / 2015
عدد زيارات البحث :  1897
شهداء مرج عذراء حجر بن عدي و أصحابه (رض)
د. علي زیتون (*)
المكان، من الوجود الجغرافي إلى الوجود التاريخي‏
تنشأ بين الإنسان والمكان علاقة يتحوَّل بها المكان من الوجود الجغرافي إلى الوجود التاريخي الإنساني. يعطي الإنسان، في هذه الحالة، المكان وجوده هذا، فيذكر ليكون معلماً من معالم حياته.
ومن العلاقات الفريدة بين الإنسان والمكان ما نشأ بين حجر بن عديّ الكندي ومرج عذراء.
________________________________________
(*)رئيس قسم اللغة العربية بالجامعة اللبنانية - کلية الآداب - الفرع الرابع

[الصفحة - 202]


مفارقة فريدة
وأوَّل ما يلاحظ، في شأن هذه العلاقة، مفارقة نادرة وفريدة في التاريخ الإنسانيّ، تتمثل في أن الصحابيّ الذي يفتح بلدة «عذراء» ويكون أول مسلم يكبّر فيها، ويرسي فيها أسس الدين الحنيف، لا يلبث أن يقتل فيها بأمر ممَّن تولَّى الحكم باسم الإسلام. جاء، في سير أعلام النبلاء، أن حجراً قال لما صار هو وأصحابه إلى عذراء: «أما واللَّه، إني لأول مسلم نبَّح كلابها في سبيل اللَّه» (1).
يصوِّر الشيخ عبداللَّه السبيتي اللحظة التي عاشها حجر، وهو يتقدم مصفّداً بالقيود إلى مرج عذراء، فيقول: «و..أعادته الكلمة إلى‏ عقدين من الزمن ويزيد، عندما كان يتقدَّم بنفسه، وهو يقود كتيبة من الجيش الإسلامي، ليفتح مرج عذراء، فكان أوَّل من وطأتها قدماه، وأول من نبحته كلابها في سبيل اللَّه، وهو الآن يعود إليها، مصفّداً بالحديد في سبيل اللَّه، ولا تكاد المحنة التي أصابته تؤثر على نفسه، أو تفلُّ شيئاً من عقيدته» (2).
لهذه المفارقة قصَّة تروي سيرتيّ المكان والإنسان، وهاتان السيرتان تمثلان جانباً من جوانب التحول التاريخيّ الذي حدث بعد أن خرج والي الشام، معاوية بن أبي سفيان، على قيادة الأمَّة الشرعيَّة، وتمكن، في ملابسات معروفة من استلام الحكم.
عذراء ومرجها
نبدأ هذه القصَّة بالتعرّف إلى المكان. يقول ياقوت الحموي (المتوفى سنة 626هـ):
«عَذْراء.. قرية بغوطة دمشق، من إقليم خولان معروفة. وإليها يُنسب مرج. وإذا انحدرت من ثنية العقاب، وأشرفت على الغوطة، فتأملت على يسارك، رأيتها أول قرية تلي الجبل، وبها منارة. وبها قتل حجر بن عديّ الكندي، وبها قبره. وقيل إنه هو الذي فتحها. وبالقرب منها «راهط» الذي كانت فيه الوقعة بين الزبيرية والمروانيَّة. قال الراعي:
________________________________________
(1)شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، سير أعلام النبلاء، حقق بإشراف شعيب الأرنؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط4، 1406ه، 1986 م، الجزء الثالث، ص 464 و465. ياقوت بن عبداللَّه الحموي، معجم البلدان، تحقيق يزيد عبد العزيز الجندي، الجزء الرابع، ص 103.
(2)عبداللَّه السبيتي، حجر بن عدي، بيروت: مؤسسة أهل البيت، ط1، 1408ه، 1988م، ص 136.

[الصفحة - 203]


وكم قتيلٍ يوم عَذْرَاء لم يكُن لصاحبه، في أوَّل الدَّهر، قاليا» (3)
وعذراء من قرى غوطة دمشق، تقع في الشمال الشرقي منها. وتبعد عنها خمسة عشر ميلاً، وقال ابن منظور: عذراء قرية بالشام معروفة.. قال ابن سيدة: أراها سُمِّيت بذلك لأنها لم تُنَل بمكروه ولا أصيب سكانها بأذاة عدوّ (4).
ويا مَن عن نجدِ العقاب، وياسرتْ بنا العيس عن عذراء دار بني الشَّجْب‏
وهي، الآن، بلدة عامرة يقصدها زائرو مقام حجر بن عديّ وأصحابه. وفيها قبور: مدرك بن زياد الفزاري وسعد بن عبادة وأسيد الخزرجيّ ودحية الكلبي.
فمن هو هذا الصحابيُّ الجليل الذي اتَّبع الحقَّ، ولم يحد عن دربه، وقدَّم حياته راضياً مرضيّاً في سبيله.
________________________________________
(3)معجم البلدان، 4/103.
(4)ابن منظور، لسان العرب، مادة عذر، ج‏4، ص 552.

[الصفحة - 204]


حجر بن عدي الكندي‏
هوية حجر
هو حُجْر بن عدي الكندي (بضم الحاء وسكون الجيم)، قتيل مرج عذراء. عُرف بحجر بن الأدبر، وبحجر الخير تمييزاً له من ابن عمه حجر بن يزيد، الموصوف بحجر الشر، الذي شهد صفين في جيش معاوية. أما كنيته فأبو عبد الرحمن. وُصف بالكندي نسبة إلى قبيلته كندة، وبالكوفي نسبة إلى إقامته في مدينة الكوفة. وهو من الأربعة الذين انتهى إليهم الجمال في تلك المدينة.
لم تذكر المصادر من أسرته سوى ابنيه: عبيداللَّه، وعبد الرحمن اللذين قتلهما مصعب بن الزبير صبراً. ولعل دافعه إلى قتلهما هو أنه خشيهما، لما لهما من مقام في نفوس الشيعة ولما يمكن أن يؤدياه من دور في توجيه المسار السياسي العراقي باتجاه الخط الشيعي الرافض لكل من السياستين: الأموية والزبيرية.
________________________________________

[الصفحة - 205]


فضله ومقامه‏
أجمل السيد محسن الأمين في موسوعته «أعيان الشيعة» (5) ما ذكرته المصادر في فضل حُجر بن عدي ومقامه. فكانت صفات خلقية في جانب منها، ركزت على «رياسته وشجاعته» الموجبة لاستحقاقه تولي قيادة الجيوش التي سيّرها الإمام علي(ع) في مواجهة أعدائه. وظهرت شجاعته في اقتفائه آثار الضحاك بن قيس، قائد جيش معاوية، من العراق إلى تدمر حتى اضطره إلى الفرار ليلاً. وأما «إباء نفسه» فقد حمله على تمني الموت قبل الرغم والذل، وأما «مجاهرته بالحق ومقاومته الظلم» فهو مما اشتهر به فلم يغرُّه زخرف الدنيا، وقد بذل زيادٌ له ما يجب إن هو كفّ عما هو فيه فلم يفعل.
وكانت صفات إيمانية في جانب آخر. فهو من «خيار الصحابة» كما شهد له بذلك كبار العلماء، وهو«عابد» وصفه الحاكم في «مستدركه» بأنه راهب الصحابة، وأنه ما أحدث إلا توضَّأ، وما توضّأ إلا صلّى، وهو «زاهد»، «عارف»، «مستجاب الدعوة» قارب الأنبياء والمرسلين، وهو «مسلم لأمر اللَّه تعالى» سلم نفسه للقتل اختياراً دون البراءة من علي(ع)، وهو لو فعل ذلك دفعاً عن نفسه لكان معذوراً لا إثم عليه. وهو إلى ذلك موالٍ علياً(ع)، من أعيان أصحابه على حد تعبير ابن الأثير في «أسد الغابة»، وكان ثقة معروفاً لم يرد عن غير علي(ع) شيئاً كما في «الإصابة»، صحبه وكان من شيعته، وهو أول من قتل صبراً في الإسلام بسبب قناعته بخط علي(ع).
وما دمنا نتحدث عن رواية الحديث، فلا بد من الإشارة إلى أن البخاري قد ذكر في تاريخه أن حُجر قد سمع علياً وعماراً وهو معدود في الكوفيين.
حجر في معترك الجهاد
ذكر ابن سعد في «طبقاته» أن حجر بن عدي وفد مع أخيه هانى‏ء إلى الرسول(ص) مسلماً، فكان إسلامه بداية صحبة مباركة، وفاتحة درب جهادي طويل. سمع من الرسول(ص) أحاديث شريفة حفظها، فكانت جزءاً من السنة النبوية المتبعة.
أجاب داعي الجهاد «فكان مع الجيش الإسلامي الذي فتح الشام كما ذكر ابن
________________________________________
(5)راجع السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، بيروت: دار التعارف، ط1986، ص 568 - 586.

[الصفحة - 206]


عساكر، ولعل حكمة إلهية شاءت أن يكون قائد الفرقة العسكرية التي فتحت مرج عذراء الذي شهد، فيما بعد، مأساة مقتله بسبب تمسكه بأوامر الإسلام ونواهيه». ولم تفته القادسية التي أبلى فيها بلاء حسناً.
لفت انتباهه الخلصاء من رجال الصحابة، فلم يكن حضوره موت أبي ذر الغفاري بالربذة مصادفة، ولكنه يعني أنه يسير على خطى ذلك الصحابي الجليل في مقاومة أي انحراف عن جادة الإسلام المستقيمة. ومع هذا فإنه لم يشترك في الفتنة التي اشتعلت ضد عثمان، لأنه كان موجوداً في الكوفة لم يغادرها.
يوم الجمل‏
وإذا شارك في أعمال الدعوة والفتح بشكل نشيط، فإنه كان نشيطاً في مقاومة الانحراف والفتنة أيضاً. لما أرسل علي(ع) إلى أهل الكوفة يستنجدهم يوم الجمل، قام حجر بن عدي فيمن قام، فقال: «أيها الناس أجيبوا أمير المؤمنين وانفروا خفافاً وثقالاً مروا وأنا لكم». ولم يقتصر دوره على استنهاض الهمم، ولكنه خاض المعركة من موقع القيادة القتالية على كل من مذحج والأشعرين.
يوم صفين‏
كان حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يعلنان البراءة واللعن من أهل الشام يوم كان علي(ع) يعد العدة لحرب صفين، فنهاهما عن ذلك قائلاً: «كرهت لكم أن تكونوا لعّانين شتّامين تشتمون وتتبرأون، ولكن لو وصفتم مساوى‏ء أعمالهم فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا.. كان أصوب في القول وأبلغ في العذر». فقبلا عظة الإمام وقام حجر بن عدي معلناً استعداده واستعداد قومه للحرب قائلاً: «نحن بنو الحرب وأهلها الذين نلقحها وننتجها». ولقد أمّره علي(ع) على كندة حضرموت وقضاعة ومهرة في أثناء تلك الواقعة.
________________________________________

[الصفحة - 207]


غارة الغامدي على الأنبار
لما أغار سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار وقتل حسان بن حسان البكري، وندب علي(ع) أصحابه إلى الجهاد تباطأوا، فقام حجر بن عدي وسعيد بن قيس الهمداني فقالا: «لا يسؤك، يا أمير المؤمنين، مرنا بأمرك نتبعه. فواللَّه ما نعظم جزعاً على أموالنا إن نفدت، ولا على عشائرنا إن قتلت في طاعتك.
الضحّاك بن قيس‏
ويبدو موقفه أكثر وضوحاً في تقديم التضحيات طاعةً للَّه، حين اختاره علي(ع) سنة 39هـ لرد أذى الضحاك بن قيس الذي أرسله معاوية، ليعيث فساداً في الأرض، ويشيع الذعر في أطراف المناطق التي يسيطر عليها جيش الإمام(ع). فما كان من حجر بن عدي إلا أن تعقبه من العراق حتى التقاه عند تدمر، فقتل تسعة عشر رجلاً من رجال الضحاك الذي اعتصم بالليل واتخذه دريئة للفرار.
حرب الخوارج‏
ولقد ظلت رؤيته للأمور واضحة في مختلف الظروف والأحوال، وظل في موقع القيادة القتالية في مواجهة الفتنة، خاض مع علي(ع) جميع حروبه ضد الخوارج فكان على ميمنة الجيش يوم النهروان الشهير.
المغيرة بن شعبة والياً على الكوفة
ولما ولي المغيرة بن شعبة الكوفة كان لا يدع ما وصَّاه به معاوية من شتم علي(ع) والدعاء لعثمان. فيقوم حجر بن عدي فيقول: «بل إياكم قد ذمّ اللَّه ولعن.. وإني أشهد أن من تذمونه أحق بالفضل ممن تطرون». وما كان حجر ليرتدع من تهديد المغيرة وتخويفه. حتى إذا ليم المغيرة من قبل قومه في احتماله حجراً، قال: «إني قد قتلته، سيأتي بعدي أمير فيحسبه حجر مثلي فيصنع به شبيهاً بما ترونه، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتله».
________________________________________

[الصفحة - 208]


فهل كانت نظرة المغيرة حكيمة، أم أنه لم يستطع أن يفهم رجالاً باعوا أنفسهم للَّه ينتظرون الشهادة. وما بدَّلوا تبديلاً؟
في طريق الاستشهاد
ولّى معاوية زياد بن سميّة، أو ابن أبيه، العراق، في صفقة معروفة. قدم زياد الكوفة وهدَّد أهلها، وقال في ما يتعلق بحجر بن عدي: «ما أنا بشي‏ء إن لم أمنع باحة الكوفة من حجر وأدعه نكالاً لمن بعده. ويل أمّك، يا حجر..» (6).
ويروى، في السبب المباشر لأمر حجر، أنَّ زياداً خطب يوماً في الجمعة، فأطال الخطبة وأخَّر الصلاة. فقال له حجر: «الصلاة»، فمضى في خطبته. ثم قال: «الصلاة». فمضى في خطبته. فلما خشي حجر فوت الصلاة، ضرب بيده إلى كف من الحصا، وثار إلى الصلاة، وثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس. فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره، وكثَّر عليه، فكتب إليه معاوية أن شدَّه في الحديد، ثم احمله إليّ.
حاول زياد أن يعتقل حجراً، فأرسل إليه الشّرط، فقاتلهم بمن معه، فانفضوا عنه. ولما لم يستطع زياد الوصول إليه توسَّل الحيلة، فأبلغه بوساطة محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وحجر بن يزيد الكندي، وهو المعروف ب «حجر الشرّ» وجرير بن عبداللَّه، وعبداللَّه بن الحارث، أخي الأشتر أنَّه يؤمِّنه، ويبعث به إلى معاوية فيرى فيه رأيه.
أقبل حجر حتى أتى زياداً، فنكث هذا بوعده، وأمر بحبسه. وقال عبيدة الكندي ثم البدِّي، وهو يعيِّر محمد بن الأشعث خذلانه حجراً، وبقتله في ما بعد «وافد آل محمد»، أي مسلم بن عقيل:
أسْلَمت عمَّك لم تقاتل دونه فرقاً، ولولا أنت كان منيعا
وقَتَلْتَ وافد آل بيت محمد وسلَبْت أسيافاً له ودُرُوعا
أصحاب حجر
وراح زياد يطلب رؤساء أصحاب حجر، فغادر رفاعة بن شداد وعمرو بن الحمق
________________________________________
(6)راجع أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، بيروت: مؤسسة الأعلمي، الجزء الرابع، ص 187 - 212.

[الصفحة - 209]


الكوفة إلى الموصل، فقبض عاملها على عمرو وكان مريضاً، وطعنه تسع طنات فمات في الأولى منهن أو الثانية، واستطاع رفاعة الإفلات من الشرط بعدما فرَّقهم، وراح يرميهم بسهامه.
اعتقل زياد أربعة عشر رجلاً من أصحاب حجر بعدما خدعهم بالأمان، واللافت في الأمر ذلك الحوار الذي كان يدور بينهم وبينه، ومن نماذجه ما دار بينه وبين صفيّ بن فسيل، وقد بدأه زياد بقوله:
ـ يا عدوَّ اللَّه، ما تقول في أبي تراب؟
ـ ما أعرف أبا تراب.
ـ ما أعرفك به!
ـ ما أعرفه.
ـ أما تعرف عليّ بن أبي طالب.
ـ بلى.
ـ فذاك أبو تراب.
ـ كلا، ذاك أبو الحسن والحسين، عليهما السلام.
ويتدخل صاحب الشرطة قائلاً: يقول لك الأمير هو أبو تراب، وتقول أنت لا!
يبتسم صفي، ويقول: وإن كذب الأمير أتريد أن أكذب، وأشهد له على باطل، كما شهد!؟
يغضب زياد، ويصيح: وهذا أيضاً مع ذنبك، عليَّ بالعصا. ويلتفت إلى صاحب شرطته ويأمره:
ـ اضربوا عاتقه بالعصا حتّى يلصق بالأرض.
فضُرب حتى لزم الأرض، فقال زياد لشرطته:
ـ اقلعوا عنه..
والتفت إلى صفي، وسأله:
ـ إيه، ما قولك في علي؟
فأجابه: واللَّه، لو شرحتني بالمواسي والمدى ما قلت إلا ما سمعت منِّي.
________________________________________

[الصفحة - 210]


اشتد غضب زياد، وعَاد يصيح: لتلعننَّه أو لأضربنَّ عنقك.
ابتسم صفيّ، وقال: إذاً تضربها، واللَّه، قبل ذلك. فإن أبيت إلاّ أن تضربها رضيتُ باللَّه وشقيت أنت.
فانتفض زياد، وصرخ: أوْقروه حديداً والقوه في السجن.
أمْرُ زياد: اكتبوا شهادتكم على حجر وأصحابه‏
استدعى زياد رؤساء الأرباع في الكوفة، وأمرهم أن يكتبوا شهادةً تفيد أن حجراً «جمع إليه الجموع...» ففعلوا، ثم رأى أن ذلك غير كاف، فأمر أن تكتب شهادة أخرى باسم أبي بردة بن أبي موسى، وأن يوقعها سبعون رجلاً، فتم له ذلك.
يورد الطبري نصَّ الشهادة كما يلي:
«بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى للَّه رب العالمين. شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة، وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة، وخلع أمير المؤمنين، وكفر باللَّه عز وجل كفرة صلعاء».
ويضيف الطبري: إنَّ زياداً دعا رؤساء الأرباع والناس، وقال: «اشهدوا على مثل هذه الشهادة، أما واللَّه، لأجهدن على قطع خيط عنق هذا..»، ففعل ذلك حوالى سبعين رجلاً عاتبهم قومهم على ما فعلوا بقولهم: شهدتم على أوليائنا وخلفائنا؟! فأجابوا: ما نحن إلاّ من الناس..
وكتب زياد، في الشهود، اسمي شريح بن الحارث القاضي وشريح بن هانى‏ء الحارثي، فأما شريح القاضي فقال: سألني عنه، فأخبرته أنه كان صوّاماً قواماً. وأما شريح بن هانى‏ء فكان يقول: ما شهدت. ولقد بلغني أن قد كتبت شهادتي فأكذبته و.. (7).
بعث زياد بحجر وأصحابه إلى معاوية، فأنزلهم قرية عذراء وأمر بقتلهم. ولم يدخلهم مدينة دمشق خوفاً من أن يعرف الناس حقيقة ما يفعل. واللافت أن شريح بن هانى‏ء أرسل كتاباً إلى معاوية، فقرأه، فإذا فيه:
________________________________________
(7)تاريخ الطبري، الجزء الرابع، ص 200 و201.

[الصفحة - 211]


«.. فإنه بلغني أن زياداً كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي، وأن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه» (8).
وعاد زياد فكتب إلى معاوية: «.. فإن كانت لك حاجة في هذا المصر فلا تردَّنَّ حجراً وأصحابه إليّ..» (9).
وحدثت وساطات، فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستة وبقتل ثمانية، فقال لهم رسول معاوية: إنا قد أُمِرْنا أن نعرض عليكم البراءة من عليّ، واللعن له، فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم. وإن أمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم، غير أنه قد عفى عن ذلك فابرؤوا من هذا الرجل!؟ نخلِّ سبيلكم.
قالوا: اللهم، إنا لسنا فاعليّ ذلك، فأمر بقبورهم فحفرت، وأُدْنيت أكفانهم، وقاموا الليل كله يصلون. ولما أصبحوا، قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء، لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة، وأحسنتم الدعاء، تبرؤون من هذا الرجل. قالوا: بل نتولاه ونتبرأ ممن تبرّأ منه، فأخذ كل رجل منهم رجلاً ليقتله. ثم إن حجراً قال لهم: دعوني أتوضأ. قالوا له: توضأ.
فلما أن توضأ قال لهم: دعوني أصلِّ ركعتين فأيْمُنُ اللَّه ما توضأت قط إلا صليت ركعتين. قالوا: ليصل. فصلى ثم انصرف، فقال: واللَّه ما صلّيت صلاة قط أقصر منها، ولولا أن تروْا أن ما بي جزعٌ من الموت لأحببت أن أستكثر منها. ثم قال: اللهم إنا نستعديك على أمتنا، فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشام يقتلوننا، أما واللَّه لئن قتلتموني بها إني لأوَّل فارس من المسلمين هلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحَتْه كلابُها.
وإني واللَّه، إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب. فقتله الجلاَّد، وأقبلوا يقتلونهم واحداً واحداً حتى قتلوا ستة. وقيل لحجر: مدّ عنقك. فقال: إن ذاك لدمٌ ما كنت لأعين عليه.
وأُرسِل عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم بن عفيف الخثعمي إلى معاوية، فشفع
________________________________________
(8)المصدر نفسه، ص 203.
(9)المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

[الصفحة - 212]


بالثاني ابن عمّه شميرٌ الخثعمي، فخلى سبيله على أن لا يدخل إلى الكوفة ما كان له سلطان. ثم أقبل على عبد الرحمن العنزي فقال له: إيهٍ يا أخا ربيعة ما قولك في عليّ. قال: دعني ولا تسألني، فإنه خيرٌ لك. قال: واللَّه لا أدَعك حتى تخبرني عنه. قال: أشهد أنه كان من الذاكرين اللَّه كثيراً، ومن الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس. قال: فما قولك في عثمان؟ قال: هو أول مَن فتح باب الظلم وأرْتجَ أبواب الحق. قال: قتلت نفسك. قال: بل إياك قتلتُ ولا ربيعة بالوادي (يقول حين كلم شَمِرٌ الخثعمي في كريم بن عفيف الخثعمي ولم يكن له أحدٌ من قومه يكلمه فيه) فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه:
أما بعد فإن هذا العنزى شرٌ من بعثت، فعاقبْه عقُوبته التي هو أهلها واقتلْه شر قتلةٍ.
فلما قُدِم به على زياد بعث به زياد إلى قُسِّ الناطف فدفن به حياً.
أوَّل الذلِّ.. وموبقات الحاكم الظالم‏
ويُروى أن عائشة كانت تقول: أما واللَّه أن كان حجرٌ، ما علمتُ، لمسلماً حجاجاً معتمراً.
ويروى، كذلك، أن معاوية حين حج مرّ على عائشة فاستأذن عليها، فأذنت له. فلما قعد قالت له: يا معاوية أأمنت أن أخبِّى‏ء لك من يقتلك؟ قال: بيتَ الأمن دخلتُ: قالت: يا معاوية، أما خشيت اللَّه في قتل حجر وأصحابه؟ قال: لستُ أنا قتلتهم إنما قتلهم من شهد عليهم.
ويروي الطبري أن الناس كانوا يقولون: أوّل ذُلٍّ دخل الكوفة: موتُ الحسن بن علي(ع) وقتل حجر بن عدي(رض) ودعوة زياد (أي نسبة زياد إلى معاوية).
وقال معاوية عند موته: يوم لي من ابن الأدبَرِ طويل، ثلاث مرات، يعني حجراً.
ويروي الطبري: قال أبو مخنف عن الصقعب بن زهير، عن الحسن البصري، قال: أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزَّها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة،
________________________________________

[الصفحة - 213]


واستخلافه ابنه بعده سكِّيراً خمِّيراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «الولد للفراش وللعاهِر الحَجرُ»، وقتله حجراً، ويْلاً له من حجر وأصحاب حجر مرتين.
تجبَّرت الجبابر بعد حجرٍ
وقالت هند ابنة زيد بن مخرمة الأنصارية وكانت تشيَّع، ترثي حجراً.
تَرفَّع أيها القمرُ المنِيرُ تَبَصَّرْ هل ترى حُجراً يَسيرُ
يسيرُ إلى معاويةَ بن حرْبٍ لِيَقْتُلَهُ كما زعم الأميرُ
تجبَّرَتِ الجَبابِرُ بعد حجْرٍ وطابَ لها الخَورْنَقُ والسَّدِيرُ
وأصبَحَتِ البلادُ لها مَحُولاً كأن لم يُحْيها مُزْن مَطِيرُ
ألا يا حُجْرُ حجْرَ بني عَدِيٍ تَلّقتْكَ السلامةُ والسُّرُورُ
أخافُ عليك ما أرْدَى عَدِيًّا وَشيخاً في دِمَشقَ له زئيرُ
يرى قَتلَ الخِيارِ عليه حقاً له من شَرِّ أمَّتهِ وَزيرُ
ألا يا ليتَ حُجْراً مات مَوْتاً ولم يُنحَرْ كما نُحِرَ البعيرُ
فإن يَهلك فكلُّ زعيمِ قَومٍ من الدنيا إلى هُلكٍ يَصِيرُ
________________________________________

[الصفحة - 214]


أسماء من قتل من أصحاب حجر، رحمهم اللَّه‏
حُجْرُ بن عدي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصَيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة ابن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب السعدي ثم المِنْقَري، وكدام بن حيان العنزي وعبد الرحمن بن حسان العنزي، فبعث به إلى زياد فدفن حياً بقسّ الناطف، فهم سبعة قُتلوا، وكفنوا وصُلِّي عليهم.
ويروى أن الحسن البصري، لما بلغه قتل حجر وأصحابه، قال: صلوا عليهم وكفَّنوهم ودفنوهم، واستقبلوا بهم القبلة؟
قالوا: نعم.
قال: حجّوهم ورب الكعبة.
عذراء في هذه الأيّام‏
وعذراء، في هذه الأيام، قرية تبعد عن دمشق ثلاثين كلمتراً تقع على يمين الطريق المؤدي إلى حمص، تقل المساحات الخضراء في هذه القرية، وبيوتها بسيطة ومعظمها يتألَّف من طابق واحد، يختلط القديم منها بالحديث. شوارعها معبدة، وأبرز معلم فيها هو مرقد الصحابي الجليل حجر بن عدي وأصحابه، وقد غدا مزاراً يقصده المؤمنون ليقرأوا آيات من القرآن الكريم يهدونها إلى هؤلاء الذين ضحّوا بأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الحق، ولم تأخذهم باللَّه لومة لائم.
وأول ما يطالعك، في هذه القرية الصغيرة، قبة محكمة البناء إلى جانب مئذنة قديمة.
________________________________________

[الصفحة - 215]


وقد شُيّد على‏ القبر منارة عالية وقبّة رمادية اللون برّاقة، وباحة عريضة حول مرقده. وتوزَّعت على‏ جدرانه المعلَّقات والهدايا الثمينة، وبُني حول قبره ضريح من المعادن الثمينة وفرشت أرض الحرم الطاهر بالسجّاد الثمين. ويَؤمُّ المرقد جمع غفير في كل يوم من الزوّار.
على‏ أحد جدرانه علقت لوحة فنية جميلة مطرز عليها بخيوط الحرير أبيات من الشعر جاء فيها:
ماذا أقول بحجرٍ بعد تضحيته نفسي الفداء بحجر وهو مقتولُ
فحب الإمام علي كان منهله قد ذاب في حبه والسيف مسلول
هذا الولاء وإلا كان مهزلة أو لا ادعاء لكذب وهو معسول
ما أنت يا حجر إلا رمز تضحية في كل جيلٍ له حمد وتهليل
كنت الشهيد وفي التاريخ مفخرة وذكر خصمك في التاريخ مرذول‏
وإلى جانب المرقد الشريف شيد جامع كبير يُسمى جامع حجر بن عدي تقام فيه
________________________________________

[الصفحة - 216]


صلاة الجماعة يومياً، ويزدحم به أهل القرية التي يقع فيها المقام والجامع خصوصاً يوم الجمعة.
وبالإضافة لذلك يحتوي المقام على‏ قاعة واسعة نسبياً لاستقبال الضيوف مجهزة بوسائل الراحة. وما زال العمل جارياً لتوسيع المقام وبناء ممراته الأساسية، ولكأن «مرج عذراء» مهيّأة لتتحول إلى قرية كبيرة زاخرة بالحركة والنشاط والعمران بفضل وجود هذا الصحابي الجليل فيها.
وإذا تقدمت إلى القبة تجد صخرة كتب عليها:
«بسم اللَّه الرحمن الرحيم. سكان هذا الضريح أصحاب رسول اللَّه، صلى اللَّه عليه وآله وسلم، حجر بن عدي، حامل راية رسول اللَّه(ص) وصفي بن فسيل الشيباني، وقبصة بن ضبيعة، وكرم بن حيان، ومحرز بن شهاب السعدي وشريك بن شداد الحضرمي».
تقرأ ما كتب، وتسلِّم على الشهداء، وتهديهم سورة المباركة الفاتحة، وترى، وأنت تتأمل مقامهم الباقي على الرغم من مر السنين، أن الشهداء باقون.. أحياء عند ربهم يرزقون.
________________________________________

[الصفحة - 217]