البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مع الدکتور محمد عمارة في مقابلته المنشورة في مجلة الوطن العربي

الباحث :  الإستاذ حسن الأمين
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  5
السنة :  السنة الثانية ربيع 1417 هجـ 1997 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  980

مع الدکتور محمد عمارة في مقابلته المنشورة
في مجلة الوطن العربي

الإستاذ حسن الأمين

نشرت مجلّة «الوطن العربي»، في عددها الصادر بتاريخ 5/11/1996، مقابلة مع الدكتور محمّد عمارة، جاء فيها ما يستوجب الردّ، وهذا ما سنفعله في ما يأتي:
الدكتور محمد عمارة الذي يظهر نفسه كاتباً إسلامياً منافحاً عن الإسلام وحقائقه، لا يبالي أن يطعن الإسلام في الصميم حين يسخِّر قلمه للطعن في كتلة إسلامية تقف اليوم وحدها حاملة السلاح في وجه أعدى أعداء الإسلام!..
والدكتور محمد عمارة الذي يدعي العلم بالإسلام يكتب كأنه أجهل الناس بواقع الإسلام تاريخاً وحاضراً.
ومن يتصدى للشؤون الإسلامية متحمساً مغرقاً في الحماسة عليه أن يكون، قبل كل شي‏ء، على علم بأبسط شؤون الإسلام مذهبياً وفكرياً، لا على مثل هذا الجهل، ولعله التجاهل، الذي بدا به هذا الكاتب في حديث له لمجلة «الوطن العربي».
إنه يفتتح حديثه فيقول: يقتضي التمييز تاريخياً بين تيارات الفكر الشيعي لأن الفكر الشيعي ليس تياراً واحداً في حضارتنا الإسلامية، ثم يسترسل قائلاً: الحضارة الإسلامية عرفت الغلو الشيعي... فرقاً من الغلات الشيعة وهؤلاء أغلبهم قد انقرض مثل القرامطة والحشاشين وغيرهما...
التَّشيُّع تيَّار واحد لا مكان للغلاة فيه‏
من العيب على من يتصدى للدفاع عن الإسلام أن يسطر قلمه مثل هذا الكلام، وكان عليه لو كان سليم النية صادق الدعوة أن يتحرى الحقيقة في كل كلمة يكتبها، وأن يدرس التاريخ الإسلامي ليكون على علم بما يكتب.
وأبسط ما نقوله له: ليس في الفكر الشيعي تيارات مختلفة، بل هو تيار واحد في حضارتنا الإسلامية لا يعدو كونه مذهباً ككل المذاهب الإسلامية: عقائد وفقهاً وعملاً، فإذا اختلف عن أحد المذاهب في شي‏ء وافق غيره في هذا الشي‏ء، وهذه كتبه العقائدية والفقهية تملأ مكتبات الدنيا.
________________________________________

[الصفحة - 276]


إن التشيع لا يعدو هذه الحدود، وما خرج عنها فالتشيع براء منه.. لذلك فقوله: «الحضارة الإسلامية عرفت الغلو الشيعي» هو افتراء على التشيع، افتراء لا يليق بمن يعرض نفسه داعية إسلامياً.
إذا صح وجود من يسميهم غلاة، فهؤلاء لا تصح نسبتهم إلى التشيع لأن التشيع كان أول من تنكر لهم وحاربهم، إن هؤلاء في التشيع كاليزيدية في التسنن، فمن يزعم أن في التشيع غلواً، وينسب أصحابه إلى التشيع نقول له: إن في التسنن غلواً يتمثل في فرقة «اليزيدية» فهل يرضى محمد عمارة أن نقول له هذا القول، فإذا كان لا يرضى، فعليه أن لا ينسب القرامطة إلى التشيع، لأنه كما يتبرأ هو من اليزيدية ولا يرى فيهم مذهباً سنياً مغالياً، كذلك يتبرأ التشيع من القرامطة وغير القرامطة إذا تجاوزوا الحد الإسلامي الشيعي.
إن الشيعة هم الذين حاربوا القرامطة، وظلوا على حربهم حتى قضوا عليهم، حاربهم الفاطميون حرباً لا هوادة فيها، وحاربهم شيعة البحرين بقيادة الأمير الشيعي عبداللَّه بن علي العيوني جد الشاعر علي بن المقرب، وظل يقاتلهم أربع سنين حتى قضى عليهم نهائياً. وفي ذلك يقول علي بن المقرب:
سل القرامط من شظى جماجمهم طراً وغادرهم بعد العلا خدما
من بعد أن جل بالبحرين شأنهم وارجفوا الشام بالغارات والحرما
فهل يصح بعد ذلك لمسلم صحيح الإسلام يدعي العلم بالإسلام وتاريخه أن ينسب القرامطة إلى التشيع؟!
وجهل محمد عمارة بالإسلام وتاريخه ومذاهبه جعله يقرن من سماهم «الحشاشون» إلى القرامطة، ويضمهم إلى من سماهم غلاة الشيعة، ويقول إنهم انقرضوا!..
إن الذين تسميهم «الحشاشون» وتزعم انقراضهم وتنسبهم إلى التشيع، هم الذين أطلق عليهم مزيفو التاريخ هذا اللقب بعد أن حوروه عن لفظه الحقيقي الذي هو «الحشائشيون»؛ ذلك أنَّهم إذ كانوا يتعاطون جمع الحشائش الطبية وبيعها في كل مكان، فوصفوا بهذا الوصف «الحشائشيون»، ثم جاء المزيفون من خصوم كل حقيقة فحولوه إلى «الحشاشين»، وهم لم ينقرضوا بل أن وجودهم اليوم أشهر من نار على علم، إنهم اتباع آغاخان.
وإذا كنا نقول أن لا صلة لهم بالتشيع، فهذا لا يمنعنا من أن نعترف لهم
________________________________________

[الصفحة - 277]


بما أثخنوا في الصليبيين وما فتكوا بهم...
فكر إسلاميٌّ نقيٌّ، رجاله حماة الإسلام‏
ويبلغ محمد عمارة أقصى الطعن في حملة الإسلام حين نسب إلى فريق منهم خلط الفكر الإسلامي والتصورات الإسلامية بالفكر الهلليني وبمواريث اليهودية القديمة. إنه إذا صح وجود من فعل ذلك ـ وهو غير صحيح ـ فكيف يحلل محمد عمارة لنفسه أن يذكر هؤلاء وهو يتحدث عن التشيع، ويلصق أفكارهم بالفكر الشيعي الإسلامي النقي الصافي.
إن محمد عمارة في ذلك يدخل نفسه ـ من حيث لا يدري ـ في زمرة هدامي الإسلام ومخربي كيانه، إنه حين ينسب ما نسب إلى من يزعم دخولهم في الشيعة إنما يحمل معولاً يضرب به في أساس الإسلام. إنه يفعل ذلك وهو ينتحل صفة المعمر في الإسلام.
ولن يخرب الإسلام إلا مثل هؤلاء الذين راحوا يحاولون تحطيم من ظلوا أبداً حماة الإسلام، وهم اليوم في الذروة من هذه الحماية بما يسفكون من دمائهم في قتال الصهيونية ونضال الإسرائيلية، ونيرانهم وحدها هي التي تهز اليوم عرش اليهود وتزلزل أرضهم، فيجي‏ء راغد منعم مترف يتقلب على وثير الدولارات ليقرن اسمهم باليهودية!
ويحاول محمد عمار توهين أمر الشيعة اليوم فيقول إنهم يمثلون عشرة بالمئة من عدد المسلمين. ونقول له: إنهم يمثلون اليوم ما يكاد يصل إلى ربع عدد المسلمين.. ويظل يحاول التشنيع على الشيعة فيقول: «إذن في النظرة إلى الشيعة لا بد من التمييز بين الغلاة وبين شديدي الاعتدال وبين المتوسطين في الموقف ما بين الغلو والاعتدال».
ونقول له: ليس هناك تمييز في التشيع بين هذه الأصناف التي اختلقها، هناك تشيع يرتكز على الإيمان باللَّه ورسوله وكتابه ويتميز من بقية المسلمين كما يتميز كل مذهب إسلامي من غيره من المذاهب. فما تجاوز ذلك ليس بتشيع.
ونعيد هنا ما قلناه من قبل من أنه إذا صح أن يقول محمد عمارة وغير محمد عمارة هذا القول، فإنه يصح لغيره أن يقول: يجب التمييز في النظرة إلى أهل السنة بين الغلاة (وهم اليزيدية) وبين شديدي الاعتدال (وهم أتباع المذاهب الأربعة) وبين المتوسطين في الموقف ما بين الاعتدال والغلو (وهم القاديانية).
________________________________________

[الصفحة - 278]


قضيَّة الإمامة
وحقيقة التشيع البارزة تضطر محمد عمارة لأن يعترف بأن التشيع مذهب من المذاهب الفقهية الإسلامية، وتضطره لأن يعترف بأنهم في مصر عمدوا أخيراً إلى الأخذ ببعض أحكامه. ولكنه يعمد إلى التهويل بقضية الإمامة قائلاً: إن أهل السنة يعتبرون أن الإمامة بمعنى الخلافة جزء من الشورى وأنها جزء من سلطة الأمة وأن الإمامة بالبيعة والاختيار والشورى، بينما الشيعة يعتبرون الإمامة بالنص.
إننا نسأله متى أخذ غير الشيعة في اختيار الخلفاء بالشورى وبسلطة الأمة؟
ألم ينص الخليفة الأول على الخليفة الثاني؟ ألم ينص الخليفة الثاني على الخليفة الثالث، وإن جعل هذا النص على غير واحد، ولكنه جعله في حقيقته على واحد بتركه الأمر لعبد الرحمن بن عوف المعروف بأن هواه مع عثمان. ومهما يكن من أمر فهو على كل حال نص سواء كان على واحد أم على أكثر.
وهل كان تولي يزيد بن معاوية ومن تلاه من الطغاة حتى آخر خليفة عثماني عبد المجيد. هل كان بالاختيار والشورى؟!
وعندما اختارت الأمة خليفتها بنفسها، عندما اختارت جموع الشعب علي بن أبي طالب ثار على هذا الاختيار أسلاف من يدّعون اليوم أن الخلافة متروكة لاختيار الأمة!!
من شقَّ صفَّ الأمَّة؟
ويبلغ الأمر بمحمد عمارة إلى أن يقول: إن تعصب الشيعة لأئمتهم جعلهم يشقون صف الأمة..
إن الذين شقوا صف الأمة هم الذين ثاروا على الخليفة الذي اختاره الشعب، والذين تعصبوا لهم وأيدوهم.
ثم يهول محمد عمارة ويطيل التهويل في أمور الإمامة ويشعب القول ويفرعه تهويلاً في تهويل ليس فيه شي‏ء من الحق، بل ما فيه إلا الباطل وإلا إثارة الفتنة.
ومحمد عمارة لا يبالي بأن يناقض نفسه. إنه يقول: «أمة تتعارك داخلياً على قضايا تاريخية دون أن ترى التحديات التي تقتلعها من جذورها وتريد أن تطوي صفحة الإسلام».
من هو الذي يعارك؟ ألست أنت الذي فتحت باب التعارك في هذا الظرف الإسلامي الدقيق ورحت تتهجم وتفتري على جمهور من المسلمين يحمل اليوم السلاح، ويضرب به المحتلِّين الذين
________________________________________

[الصفحة - 279]


يريدون أن يقتلعوا أمة الإسلام من جذورها ويطووا صفحة الإسلام؟!
وما الداعي للانتقاص من المجاهدين الصامدين في وجه الطغيان الصهيوني المقاتلين له ذوداً عن الوطن الإسلامي!
ويقول: إنه ينظر إلى الشيعة باعتبارهم جزءاً من الأمة الإسلامية!..
إذا كانوا في نظره جزءاً من الأمة الإسلامية فهل يصح له العمل على محاولة تهشيم هذا الجزء والطعن فيه وإسباغ صفات عليه كلها باطل في باطل وافتراء في افتراء؟ وهل يصح له السعي في فصل هذا الجزء من الأمة عنها، وفي هذا الوقت بالذات!؟
ويقول: «لا بد أن نتنبه إلى أن التحديات الخارجية تجتاحنا جميعاً ولا بد أن نتكاتف لأنها تضعنا جميعاً في سلة واحدة فيجب ألا نجعل التناقضات الداخلية أعلى وأقوى من التناقضات الخارجية بيننا وبين أعداء هذه الأمة».
ونقول له: هل من التنبه للتحديات الخارجية أن تسلط قلمك بالافتراء والطعن بمن قلت أنت نفسك إنهم جزء من الأمة الإسلامية؟! وهل من التكاتف أن تقول ما قلت في حق الشيعة وأن تفتري عليهم ما افتريت بشأن الصحابة؟!
تحويل الحسنات إلى سيِّئات‏
ويدخل محمد عمارة في غمار التاريخ، فيشوهه، ويحيل الحسنات إلى سيِّئات، فيقول عن الدولة الفاطمية إنها كانت تحكم والمجتمع كان مجتمعاً سنياً..
هذه هي مفاخر الدولة الفاطمية التي لم تتدخل في شؤون المسلمين المذهبية وتركت اتباع كل مذهب على مذهبهم، وقد كانت قادرة على غير ذلك.
والصحيح أن المجتمع لم يكن سنياً بحتاً، بل كان سنياً شيعياً فلم يتعرض الفاطميون لمن ليسوا بشيعة، بل ساعدوهم على الاحتفاظ بمذاهبهم وأنشأوا لهم الجامعات الخاصة بهم، سواء في القاهرة حيث أقاموا جامعة سنية في جامع عمرو إلى جانب الأزهر، وفي الاسكندرية؛ حيث أنشأوا لأحمد بن محمد بن سلفة، المعروف بالحافظ السلفي، مدرسة كبرى صارت محطَّ رحالٍ، إليها وشجعوا المعاهد السنية وتركوا لأصحابها حريتهم الكاملة.
ويعترف د. محمد عمارة أن
________________________________________

[الصفحة - 280]


الحاكم بأمر اللَّه الذي أنشأ دار الحكمة كان يأتي بعلماء السنة ليجلسوا مع علماء الشيعة في هذه الدار التي بناها للتشيع. ثم يضيف إلى ذلك وصفاً لهذا التشيع بأنه التشيع الفاطمي الإسماعيلي الباطني المغالي.
وهو بهذا يدل على جهله بالمذاهب الإسلامية، فالتشيع الفاطمي لا يوصف بهاتين الصفتين: (الباطني المغالي) لأنه لو وصف بهما لخرج عن التشيع كما بينا من قبل، وهاتان الصفتان يمكن أن تطلقا على من سماهم «الحشاشون». على أنه لا بد من تبيان ما هو المقصود بالباطني لتبيان حقيقة الأمر. وهذا ليس هنا مكان الدخول في تفاصيله.
تشويه حقائق التاريخ‏
ويبرز محمد عمارة مذهبياً متعصباً تعصباً ذميماً، هذا الذي يدعي أنه داعية إسلامي متجدد، هذا الذي يزعم حماية الإسلام، نراه ينخر في جسم الإسلام ويعمل فيه تمزيقاً وتقطيعاً، ولا يبالي بأن يقحم نفسه في حقائق التاريخ ويعمل فيها تشويهاً وتزييفاً.
وما دام قد سمى الشيعة باسمهم، وسمى السنة باسمهم، فنحن مضطرون أن نفعل ذلك دفاعاً بعد أن فعل ذلك هجوماً.
إنه يقول: إن القول بأن الفكر الشيعي فكر ثوري وأنه تصدى لنظم الجور والطغيان على مر التاريخ هو أكذوبة.
يقول ذلك بعد أن قال قبل سطرين: إن الشعب المصري تعاطف من كل ثورات العلويين.
وهكذا فإن علينا أن نقول له ما قيل لغيره: إذا كنت كذوباً فكن ذكوراً.
على ماذا كانت ثورات العلويين التي اعترفت بها؟ ألم تكن تصدياً لنظم الجور والطغيان؟
وهل كان باعثها إلا الفكر الشيعي الثوري؟
وتزعم أن الشيعة منذ جعفر الصادق امتنعوا عن الثورة وعن العمل السياسي وعن الدخول في كل قضايا السياسة، ورضوا بكل النظم الحاكمة بصرف النظر عن جورها وعن عدلها.
إن الشيعة منذ جعفر الصادق لم يحصروا نضالهم لنظم الجور والطغيان بالثورات المسلحة، بل رأوا أن مقاومة الجور والطغيان يجب أن تكون في ميدانين: ميدان الثورة المسلحة وهي التي ظل يقوم بها من سميتهم أنت
________________________________________

[الصفحة - 281]


(الثوار العلويون). والميدان الثاني هو ميدان توعية الشعب ببث العلم وتثقيف الفكر وبعث حركة التأليف بعد أن أماتها منع التدوين بأوامر سلطوية، فنجحوا في ذلك كل النجاح.
فكان منهم العاملون في ميدان السياسة الثورية، والعاملون في ميدان القتال الثوري، والعاملون في ميدان العلم والفكر والشعر.
كل ذلك بإشراف جعفر الصادق وتوجيهه وإشراف من تلاه من الأئمة، ومن هنا خيل إليك ما خيل أو تعمدت طمس الحقيقة.
وتقول: «إن الذي كان يعارض ويناقش... و.. الخ كان من علماء السنة. إذن الفكر الذي كان يقوم بالثورات وكان له دور في المعارضة والانتقاد والسياسة والعمل السياسي كان هو الفكر السني».
هذا هو البهتان الذي ما بعده بهتان. إن الفكر غير الشيعي كان دائماً في خدمة السلطة ليبرر طغيانها ويحرم الثورة على هذا الطغيان، وإذا استثنينا بعض الأحداث الفردية فقد كان الفكر غير الشيعي يستلهم السلطة في مجراه كله.
ولتعرف ماذا كان يشغل الفكر غير الشيعي من السلطة نحيلك على الصفحتين 385 و386 من الجزء الأول من كتاب (مرآة الجنان) وعلى الصفحة 76 وحاشية الصفحة 77 من الجزء السابع من كتاب (نشوار المحاضرة) مما نخجل من ذكره هنا، وكل ما نقوله إن القاضي أبا يوسف انشغل طوال النهار وهزيعاً من الليل ليجد لهارون الرشيد تلك الفتوى المعروفة. ويقفز محمد عمارة من عصر جعفر الصادق إلى سنة 1920 زاعماً أن الفكر الشيعي امتنع فيه الشيعة عن الدخول في أي عمل من الأعمال السياسية. وقال إن أول فتوى تصدر عن الشيعة بالعمل السياسي كانت من الشيرازي في العراق عندما أباح للشيعة أن يشتركوا في مقاومة الاستعمار الإنكليزي سنة 1920، ثم يتساءل: أين هي الثورية التي يخدعون بها بعض الشباب؟
وما دام قد تجاوز كل تلك القرون وما فيها من ثورية شيعية واستسلام غير شيعي فإننا نماشيه في ذلك ونقول له: في الحين الذي كان فيه الشيخ أبو الهدى الصيادي يحلل للسلطان عبد الحميد كل أفاعيله الاستبدادية وكان مشايخ الإسلام يباركون طغيانه، كان شيرازي آخر غير
________________________________________

[الصفحة - 282]


الذي ذكره، كان المرجع الأعلى السيد محمد حسن الشيرازي يقف لطغيان ناصر الدين شاه بالمرصاد، فلما علم بأن هذا الشاه قد منح شركة إنكليزية امتيازاً يتعلق بالتنباك لا يتفق ومصالح الشعب الإيراني أصدر فتوى بتحريم التدخين واستعمال التنباك فاستجاب له الشعب الإيراني وامتنع حتى نساء القصر عن استعمال التنباك، ورفض خدم القصر إعداد (الشيشة) للشاه حين طلب إعدادها.
وأدركت الشركة الإنكليزية أن مصيرها الإفلاس، واضطر الشاه لإلغاء الامتياز وعادت للشعب حقوقه.
هذه هي الثورية الشيعية التي عاشها الشيعة طوال حياتهم، فقاوموا بها طغيان الطغاة واستبداد المستبدين.
وعندما تحرك الشعبان العثماني والإيراني للمطالبة بالدستور والحياة النيابية كان فقهاء الشيعة هم المطالبون بذلك، فقادوا الثورة على الحكم الفردي الاستبدادي حتى حطموه وفرضوا الدستور والحياة النيابية، في حين كان الفقهاء في الدولة العثمانية هم السائرون في ركاب الاستبداد والطغيان المحللين له كل محرم.
وفي الحرب العالمية الأولى عندما هاجم الإنكليز العراق نسي فقهاء الشيعة مذابح العثمانيين في الشيعة، وما عانوه في ظل الحكم العثماني من اضطهاد وحرمان، وما كابدوه من الجور والظلم، ولم يتذكروا إلا أن الدولة العثمانية هي أكبر دولة إسلامية، وأنها تحمل أكبر رمز إسلامي هو رمز الخلافة فأعلنوا الجهاد على الإنكليز وتقدموا صفوف المجاهدين حاملين السلاح لأن الجهاد إذا وجب، فأول ما يجب عليهم.
تقدم السيد محمد سعيد الحبوبي والسيد مهدي الحيدري والشيخ مهدي الخالصي وكل واحد منهم قد تجاوز السبعين من عمره، وكانوا يومذاك يمثلون قمة المرجعية الدينية الشيعية. تقدموا وبنادقهم على أكتافهم، وجموع المجاهدين الشيعة تحف بهم وخاضوا المعارك بإيمان وصبر واحتساب.
في حين أن شيخ الإسلام في استنبول أعلن الجهاد من شرفات قصره ثم أوى إلى الفراش الوثير وتجلبب بالدمقس والحرير.
وفي الوقت الذي كان فيه مجتهدو الشيعة يعلنون الجهاد ويمشون إلى القتال،
________________________________________

[الصفحة - 283]


كان نظراؤهم من غير الشيعة، في بغداد والموصل والبصرة، يرتعون في بحبوبة العيش التي أمنتها لهم ولآبائهم من قبلهم الدولة العثمانية ويتجاهلون الهجوم الإنكليزي ويعرضون عن فتوى الجهاد الذي أصدرها (شيخ الإسلام) في استنبول، بوصفه الرئيس الروحي وصاحب أرفع منصب ديني في الدولة العثمانية.
لقد أصدرت الدولة العثمانية لائحة رسمية سنة 1894 اعترفت بها بخمس أسر عراقية دينية غير شيعية مشمولة بالمنح السلطانية والامتيازات، فأثرت هذه الأسر ثراء لا حدود له وامتلكت إقطاعيات واسعة. ولمِّا جدَّ الجدّ، ووقف شيخ الإسلام في السابع من تشرين الثاني عام 1914 يعلن الجهاد كان رجال هذه الأسر الدينية غير الشيعية يسكتون عن تلبية صوت الجهاد ويلوذون بمتارفهم وعيشهم الرغيد.
ويذكر د. محمد عمارة فتوى الشيخ محمد تقي الشيرازي بالثورة على الإنكليز بهذا اللفظ: إباح للشيعة أن يشتركوا في مقاومة الاستعمار الإنكليزي سنة 1920.
بهذا التوهين يعبر عن فتوى الشيخ محمد تقي الشيرازي الثورية، أي أن الشيعة كانوا لا يستحلون المشاركة في مقاومة الاستعمار الإنكليزي فأباح لهم الشيرازي ذلك.
إن الشيعة في العراق هم الذي قاوموا الاستعمار الإنكليزي منذ اللحظة التي وطئت فيها أقدام الإنكليز أرض العراق، فثارت عليهم أول ما ثارت النجف فاستشهد في ثورتها من استشهد. وكانت الجماهير الشيعية المتوثبة تنتظر أمر القيادة لتبدأ ثورتها العامة فأصدر الشيخ محمد تقي الشيرازي فتواه بدعوة تلك الجماهير إلى الانطلاق الثوري فهبت من كل مكان تخوض ميادين القتال الضاري في حرب الاستعمار الإنكليزي، فعرف منها الإنكليز ما لم يعرفوه قبلها.
من الذي كان يقاوم الاستعمار الإنكليزي قبلها ليبيح لها الشيرازي المشاركة في هذه المقاومة؟.. إنها هي التي افتتحت المقاومة وسارت بها مقدمة الشهداء وراء الشهداء.
إنها قاومت الإنكليز بقيادة فقهائها مناصرة الدولة العثمانية، ولما تخلت دولة الخلافة عن العراق ورحلت عنه، عادت تقاتلهم وحدها بقيادة الشيخ محمد تقي الشيرازي وإخوانه من الفقهاء.
هذا ما يسميه د. محمد عمارة:
________________________________________

[الصفحة - 284]


إباحة للمشاركة في المقاومة!..
فتح أبواب الحقائق‏
يصل محمد عمارة إلى ابن تيمية ويقول إنه جاهد التتار، ليصل من ذلك إلى القول بأنه لا يريد أن يفتح الأبواب.. الذين مالأوا التتار وفتحوا أبواب بغداد إلى آخره..
إن ابن تيمية جاهد الإيلخانيين المسلمين ولم يجاهد التتار الوثنيين، جاهدهم لأنهم كانوا قد أعلنوا إسلامهم غير متمذهبين بمذهب إسلامي معين، وابن تيمية المتعصب تعصباً مذهبياً أعمى لا يقبل إسلام أحد إلا إذا كان إسلامه على مذهبه هو، هذا المذهب الذي يحارب السنة والشيعة معاً.
إن التتار الذي غزوا البلاد الإسلاميَّة انفصلوا بعد هولاكو عن قومهم في «قراقورم» واتخذوا عاصمة لهم مدينة «تبريز»، وكان نصير الدين الطوسي قد شجع هولاكو على هذا الانفصال، فكان البادى‏ء فيه في الحقيقة هولاكو وأكمله الذين جاءوا بعده. شجع نصير الدين على هذا الانفصال لأنه كان قد أخذ في التمهيد لإدخال التتار في الإسلام في تفاصيل يضيق عنها هذا المقال، وكان الأسهل عليه في دعوة التتار إلى الإسلام أن ينفصل هذا الفريق من التتار عن أصوله وجماعته الكبرى فتنحصر جهود نصير الدين في نطاق محدد ولا تتبعثر في مجالات واسعة. ونجح نصير الدين الطوسي في ذلك إلى الحد الذي بدّل فيه التتار اسمهم لينفصلوا انفصالاً تاماً عن قاعدتهم في «قراقورم» فبعد أن كانوا يعرفون باسم «التتار» أو «المغول» صاروا يعرفون باسم «الإيلخانيون». وبدأت الدعوة الإسلامية بالتغلغل في صفوفهم بجهود نصير الدين الطوسي، ومات هولاكو وقد أصبح الجو مهيأ للإسلام. وكان نصير الدين الطوسي قد أعد أحسن الإعداد فريقاً يتولى مواصلة العمل الإسلامي بعد وفاته، وكان على رأس هذا الفريق «آل الجويني». ومات نصير الدين وقد أصبحت الثمرة على وشك النضوج، فأكمل آل الجويني إنضاجها.
وكانت خطة نصير الدين الطوسي ثم خطة آل الجويني العمل على أن يسلم رأس الدولة فتسلم الدولة بإسلامه؛ وهكذا كان..
فاستطاع آل الجويني، تلاميذ الطوسي متعاونين مع أبناء الطوسي، التمركز في مواقع حساسة في الدولة الإيلخانية، فاستغلوا مواقعهم هذه للنفاذ
________________________________________

[الصفحة - 285]


إلى العقائد المغولية لتحويلها إلى الإسلام وراهنوا على الابن الثاني لهولاكو (تكودار) فاستطاعوا تليينه وإمالته إلى الإسلام، على أمل أن يجي‏ء يوم يتولى فيه الملك فيجاهر بالإسلام، ويسلم المغول تبعاً له. ونجحوا في إيصاله إلى سدة الملك في تفاصيل يضيق عنها مجال الكلام هنا فحكم باسم (أحمد تكودار) ولكن انقلاباً عسكرياً تتاريا قام عليه فقتله.
على أن الجذور التي كان أحكم غرسها نصير الدين الطوسي وأبناؤه وتلاميذه وفي الطليعة منهم آل الجويني كانت قد تأصلت ولم يعد من الممكن اقتلاعها، فلم يطل الأمر.. فتم الأمر في عهد غازان الذي اغتسل يوم الرابع من شعبان سنة 694هـ وارتدى ثوباً جديداً وأعلن إسلامه وتسمى «محمود غازان» فأسلمت الدولة بإسلامه.
ومع أن الشيعة هم الذين أسلم غازان وأسلم الشعب التتار على أيديهم فقد أبوا أن يكون إسلام التتار إسلاماً مذهبياً، بل إسلاماً مطلقاً غير منتم لأي مذهب.
ومن الطبيعي أن تكون للتتار المسلمين عواطف شيعية لأن الذين دعوهم إلى الإسلام فأسلموا هم الشيعة.
وهذه العواطف هي التي حملت ابن تيمية على قتالهم بالرغم من إسلامهم، وحملته وحملت غيره على تجاهل اسمهم الذي ارتضوه لأنفسهم «الإيلخانيون» والإصرار على تسميتهم «التتار» ليوهم هو وغيره البسطاء من الناس بأنهم إنما يقاتلون «التتار» الذي لهم ذكر سي‏ء في نفوس المسلمين.
إن ابن تيمية كان يقاتل الإيلخانيين المسلمين لا التتار الوثنيين، وهذه من أعظم سيئات ابن تيمية... ومن أفظع تمويهاته.
أما ما لوّح به د. محمد عمارة عن الذين مالأوا التتار وفتحوا أبواب بغداد.. وقال بأنه لا يريد أن يفتح الأبواب.
فإننا نقول له: إننا نحن سنفتح الأبواب ونريه ونري أمثاله من هم الذين فتحوا أبواب بغداد للتتار، ومن هم الذين قاتلوا المسلمين مع التتار في معركة عين جالوت، ومن هم الذين فتحوا أبواب الشام أمام الصليبيين.
إنهم أسلاف ابن تيمية وأسلاف محمد عمارة.. محمد عمارة الذي يقاتل الشيعة اليوم، ويجهل، أو يتجاهل، أنَّهم وحدهم يقاتلون اليهود في جنوب لبنان.
سنفتح الأبواب على مصاريعها في مقال قادم لتبيضَّ وجوه وتسود وجوه، ولنضع حدَّاً للضلال الذي استشرى.
________________________________________

[الصفحة - 286]