البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ضرورة الحوار في الموضوعات الخلافيَّة وشروطه قراءة في كتاب: «علّموا أولادكم محبّة آل بيت النبيّ (ص) »

الباحث :  أ. مختار الأسدي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  22
السنة :  السنة السادسة صيف 1422 هجـ 2001 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  878
ضرورة الحوار في الموضوعات الخلافيَّة وشروطه
قراءة في كتاب: «علّموا أولادكم محبّة آل بيت النبيّ (ص) »

أ. مختار الأسدي (*)

جاء هذا الكتاب (1)بقلم الدكتور محمد عبدة يماني، وزير الإعلام السُّعودي السَّابق، وتأتي هذه القراءة النَّقديَّة مروراً سريعاً على بعض موضوعاته بغية إثراء عنوانه الرئيسي وملء بعض الفراغات التي لا بدَّ من إملائها، وفي دائرة احترام الرَّأي والرَّأي الآخر.
ونقول: قراءة سريعة، لأنَّها لم تتوقَّف كثيراً عند بعض العناوين، تحاشياً من الانجرار إلى ما أراد الدكتور الكاتب عدم الانجرار إليه، حرصاً منه على وحدة الصَّف الإسلامي وتقريب وجهات نظر المسلمين ضمن قاسم مشترك كريم اختاره أن يكون هذه المرَّة «محبة آل بيت النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)». فوقف مشكوراً على أرضيَّةٍ مشتركة يمكن أن يقف عليها عموم المسلمين، انطلاقاً نحو هدف كبير في توحيد كلمتهم وترسيم معالم وحدتهم، ونحو غدٍ يمكن أن يكون أكثر محبَّةً وأكثر مودَّة، متمنِّين، أيضاً، أن يكون أكثر نضجاً وأكثر وعياً ومسؤولية، لبناء مجتمع مسلم متين قائم على أسس الحق والقسط ومبادىء العلم والقيم.
الاختلاف المندوب
جميل جدّاً أن يكون الاختلاف بين الأفراد والجماعات سبباً من أسباب التكامل، وأجمل منه أن نفهم الاختلاف ضرورة من ضرورات هذا التكامل، وبخاصة إذا اقتحم الفرق والطوائف الإسلامية، ولم يكن منه بدّ أو محيص، وأجمل
________________________________________
(*)باحث من العراق
(1)الدکتور محمَّد عبدة،علِّموا أولادکم محبَّة آل بيت النَّبي صلي الله عليه و آله وسلم ،جدَّة و بيروت :دارالقبلة للثَّقافة الإسلامية علوم القرآن،الطَّبعة الثَّانية،1992 م

[الصفحة - 219]


من كليهما أن يفهم هذا الاختلاف بوصفه سنَّة كونيَّة، أو إلهية، لتمحيص الناس وإحقاق الحق وتأكيد الارتقاء نحو عالم المثل الطَّاهر الذي أراده الله سبحانه وتعالى لبني البشر.
{يا أيُّها النَّاسُ إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجَعَلْنَاكُم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا...} [الحجرات/13]، ولكن على أساس هذه السنَّة الإلهية الكريمة القائلة: {ولو شاء ربُّك لجعل النَّاس أمَّةً واحدة ولا يزالون مختلفين إلَّا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود/118 و119].
والأخرى: {لكلٍّ جَعَلْنا منكُم شرعةً ومنهاجاً، ولو شاء الله لَجَعَلَكُم أمَّةً واحدةً، ولكن ليَبْلُوَكم في ما آتاكُم، فاستَبِقُوا الخيراتِ إلى الله مرجعكم جميعاً فيُنْبِئكُم بما كنتم فيه تختلفون} [المائدة/48].
وحين نقول: إن الاختلاف ضرورة، وضرورة جميلة، أو سبب جميل للتكامل، فإنَّما ننطلق من ضرورة وجود قاسم مشترك، أو معيار معيَّن، توزن به الأعمال والأفعال وتحاكم على أساسه النَّوايا والأهداف. أو قل: لا بدَّ من قَوْلٍ فصلٍ في نهاية المطاف يلتقي فيه أو حوله «المعتدلون والمتطرِّفون»، أو «الحمائم والصقور»، أو اليمين واليسار، كما يقولون في المصطلحات الحديثة، أي كما صار ينظر في الحكومات والمجتمعات المعاصرة...
ولعل أجمل ما تفضَّل به الله، سبحانه وتعالى، على المسلمين في هذا العصر والعصور جميعها وحبَّبه إليهم وزيَّنه في قلوبهم هو الإيمان به سبحانه واجتماعهم على أصول دينٍ لم يختلفوا فيها، والحمد لله، كالتوحيد والنبوَّة والمعاد، وجعل لهم كتاباً يرجعون إليه يستنطقونه، ويلتقون على ثابته وأوامره ونواهيه، وجعل لهم في الوقت نفسه قاسماً مشتركاً اختلفوا ويختلفون حوله لتحقيق هذه الهدفية الكريمة في الرقي والتكامل، وجعله معياراً جميلًا لتمحيصهم والارتفاع بهم إلى مستوى المثل الإلهية التي هي غاية الإنسان في سعيه الحثيث لتحقيق هذا الإرتقاء والتكامل...
{يا أيُّها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربِّك كدحاً فملاقيه} [الانشقاق/6].
هذا الهدف الكريم وهذا السعي الحثيث وهذه الضرورة الجميلة، جميعها،
________________________________________

[الصفحة - 220]


أراد الدكتور محمد عبدة يماني تحقيقها في كتابه القيِّم هذا... ولم يجد قاسماً مشتركاً أفضل من أهل البيت (عليهم السلام)لتأكيد هذه الأهداف الكريمة... بين الطائفتين المسلمتين المعروفتين عبر التاريخ الإسلامي الطويل..
نعم، وجد الدكتور يماني هذا القاسم المشترك الجميل، وهو الدَّعوة لحب آل البيت (عليهم السلام)لتأكيد حرصه الكريم على توحيد هاتين الطائفتين عبر الاعتراف بحقِّهم أو بـ «برِّهم وإكرامهم وتوقيرهم»، ولكن مع «عدم الغلو فيهم أو رفعهم فوق منزلتهم، وإضافة ما ليس لهم إليهم»، كما جاء في مقدمة الكتاب المذكور (ص 19).
وبكلمات العصر يمكن القول: إن آل البيت (عليهم السلام)ومنهجهم، يمكن أن يكونا معياراً مهمَّاً لتحقيق هذا الغرض، وهو كونهم (سلام الله عليهم) كابحاً لمن يريد أن يمزّق وحدة المسلمين عبر «الغلو فيهم أو رفعهم فوق منزلتهم» ورادعاً لمن يريد التَّفريط في تجاهل خطِّهم أو هلهلة منهجهم، وبالتالي تضييع المقياس العظيم الذي من خلاله يرتقي الإنسان إلى عالم القيم والمثل العظيمة التي رسموها، أو حاولوا رسمها، ودعوا الناس إلى الارتقاء إليها جهد إمكانهم...
من هم أهل البيت؟
إنَّ هذا القاسم المشترك الذي أراد الدكتور يماني تجليته، متفضّلًا مشكوراً، رغم حرصه على أن يكون علميَّاً ودقيقاً، ولكن بدا ـ مع الأسف ـ غير دقيق؛ إذ إنَّه أكَّد قائلًا:
روى الإمام أحمد والترمذي عن أم سلمة أنّه لما نزل قوله تعالى: {إنَّما يريد الله ليذهب عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيراً} أدار النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين(رضي الله عنهم) فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً» (ص 16).
ولكن في الفقرة التالية مباشرة، راح يروي روايةً أخرى وبالدقَّة نفسها والإسناد نفسه ومن الكتب التاريخية والحديثية المعتبرة نفسها، وبنص واضح للنبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، حين سئل، أو سأله الناس عن أهل بيته في غدير خم، فقال: «هم آل علي وآل عقيل، وآل جعفر وآل عباس» (ص 17) من دون التَّمييز بين النصَّين والرِّوايتين والواقعتين.
________________________________________

[الصفحة - 221]


ويأتي التشويش أكثر حين يروح الدكتور يؤكِّد، في عموم كتابه، ومن رؤوس فصول الكتاب وفهرسته أن أهل البيت هم: «رأس البيت الكريم، سيد الأوَّلين والآخرين محمد رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، وأم المؤمنين خديجة (رضي الله عنها) والسيدة فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) والإمام علي (رضي الله عنه) والإمام الحسن بن علي(رضي الله عنه) والإمام الحسين بن علي(رضي الله عنه) وعلي بن الحسين، وزينب بنت رسول الله ورقيَّة المهاجرة الصابرة وأم كلثوم وإبراهيم ابن رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)..». ثم يعدِّد أمهات المؤمنين (رضي الله عنهن) زوجات النبيّ السيدات الكريمات: خديجة وسودة وعائشة وحفصة وزينب بنت خزيمة وهند بنت أبي أمية (أم سلمة) وزينب بنت جحش، وجويرية وصفية ورملة بنت أبي سفيان وميمونة الهلالية وماريا القبطية.. ثم يضيف الدكتور الكاتب إلى أهل بيت النبي، أيضاً، أعمامه حمزة والعباس، وعماته وسراريه ومواليه. وقد أفرَدَ الدكتور الكاتب فصلًا خاصاً لكل اسم من هذه الأسماء الكريمة في معرض إحصائه، أو قراءته لأهل البيت هؤلاء، حسب تشخيصه طبعاً... وهكذا حتى يكاد حديث الكساء الأوَّل ينسى تحت سلسلة «أهل البيت» الأخرى الطويلة المطروحة.. لا سيما وأن الآية القرآنية الكريمة النازلة في التطهير لم توضَّح، أو تشرح هي الأخرى، إلا في ظاهرها المألوف المعروف:
{يا أيُّها النَّبي، قُلْ لأزواجك...* يا نساءَ النَّبي من يأتِ منكنَّ بفَاحشةٍ...* يا نساءَ النَّبي لستُنَّ كأحدٍ من النِّساء إن اتَّقَيْتُنَّ فلا تَخْضَعْنَ بالقَوْل فَيَطْمَعَ الذي في قلبه مرضٌ وقُلْنَ قولًا معروفاً * وقَرْنَ في بُيوُتِكنَّ ولا تَبَرَّجْن تَبَرُّجَ الجاهليَّة الأولى وأقِمْنَ الصَّلاة وآتين الزَّكاة وأَطِعْنَ الله ورسولَه، إنَّما يريدُ الله ليذهبَ عنكم الرِّجسَ أهل البيت ويُطَهِّركم تطهيراً...* واذكرنَ ما يُتْلى في بُيُوتكنّ...} [الأحزاب/29 ـ 34]إلى آخر هذه الآيات الكريمات...
من هذا التَّشخيص، وبالأحرى اللَّاتشخيص، الذي لم يحدِّد فعلًا من هم أهل البيت المعنيُّون بآية التَّطهير وحديث الكساء، وحرصاً على عدم استبعاد أحد من أهل هذا البيت الطَّاهر، وبنيَّة استقطابهم جميعاً، أو استقطاب المسلمين جميعاً، بجميع فرقهم ومذاهبهم وطوائفهم على حبِّهم، حاول الدكتور المؤلِّف تحقيق هدفين رئيسيين كريمين لا نشك في ذلك، وهما:
________________________________________

[الصفحة - 222]


الأوَّل: منع المغالين والمتنطِّعين بالانتساب لهذا البيت الكريم من ممارسة وصايتهم على الآخرين، وتحذيرهم من الاعتماد على النَّسب فقط من دون الفعل والعلم انطلاقاً من قوله (صلي الله عليه و آله و سلم): «من أبطأ به عمله، لم يسرع به نسبه» (ص 38) أو قوله الشَّريف الآخر، حين سئل عن تفسير: {وأنذر عشيرتك الأقربين} ، قال: «يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار.. يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النَّار..، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإنَّني والله لا أملك لكم من الله شيئاً، ألا إنَّ لكم رحماً سأبلها ببلالها». أي سأصلها بما أمر الله من صلتها (ص 48).
الثَّاني: تقريب المسافة بين محبِّي أهل البيت أو المنتمين إليهم نسباً فعيّن أولئك الجاحدين حقهم، الجافين لهم، المنكرين لفضلهم. إذ ناشد الصِّنف الثَّاني بأن يصفحوا عمَّن أساء لهم من آل البيت ويتجاوزوا عن خطئه إكراماً لرسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) (ص 42)، أو على الأقل التشبُّه بهم، كما قال: فتشبَّهوا إن لم تكونوا مثلهم، إن التشبه بالكرام فلاح، فيما ناشد الصِّنف الأول، أي آل البيت، بـ «أن يكونوا مصابيح هداية للمسلمين علماً وعملًا، وأن يكونوا أكثر الأمَّة غيرة على دين الله من أن يضيع، وعلى حرماته من أن تنتهك، وعلى سنة نبيه من أن تترك... وأن يكون لهم بجدِّهم (صلي الله عليه و آله و سلم) أسوة في إعراضه عن الدنيا وإقباله على الآخرة، وأن يكونوا آمرين بالمعروف سابقين له، ناهين عن المنكر متجافين عنه... وأن.. وأن» (ص 47).
التَّسوية البريئة
في خضم هذا الحرص النَّبيل على وحدة الصَّف وتلاقي الكلمة لم يتردَّد الدكتور يماني في أن يوصي المسلمين عموماً بـ «أن يرضوا بما وقع على أنه قدر لا يردّ، وقضاء لا يغيَّر، وحكم لا معقِّب عليه إلّا الله، وكفى بالله حسيباً» (ص 52).
وفي محاولة بريئة وصادقة لاختزال الفتن وإسدال الستار على الماضي الذي سبَّب لنا هذه المحن جميعها، يروح يلتقط المواقف الشريفة لهذا الصحابي أو ذاك في حبِّه لأهل البيت وتفضيله على غيرهم، لا سيما وأن {تلك أمة قد خَلَت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون}[البقرة/134]، وكيف «أن عمر
________________________________________

[الصفحة - 223]


كان محبَّاً لعلي وولديه الحسن والحسين (رضي الله عنهم)... وكيف فرض لكل منهما خمسة آلاف ولولده عبدالله ألفاً، فلما راجعه في ذلك قال: «ويحك يا عبدالله، هل لك جد كجدهما، أو جدة كجدتهما، أو أمٌّ كأمهما أو أب كأبيهما!!» (ص 53) وهكذا...
وأقول: محاولة بريئة وصادقة لأنَّه كان يعبرُ على بعض المواقف عبوراً سريعاً لا يريد أن يلتفت إليه أحد، أو لا يريد أن يلتفت إليها من قبل أحد، فيقول عن الزهراء مثلًا:
«إنَّها (رضي الله عنها) كانت ذات إرادة قوية لا تلين، فقد بدا ذلك من زواجها وفي محاجَّتها لأبي بكر وعمر..» (ص 84)، من دون الإشارة إلى هذه المحاجَّة أو سببها أو نتائجها وآثارها، وهل ماتت (رضي الله عنها) راضية عنهما أم غاضبة عليهما...، لا سيما ورسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) هو القائل:
«فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني..» (رضي الله عنها) وهل يترتَّب على هذا الغضب، أو الرضا، موقف جدير بالدِّراسة والتأمّل، حتى مع التماس العذر للرجلين الصحابيَّين الراشدين الجليلين، أم لا.
وكذلك في عبوره على قول الإمام علي (رضي الله عنه): «إنه لعهد النَّبي الأمِّي إلي أنه لا يحبني إلَّا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق» (ص 104، رواه مسلم) وتركه موضوع الحرب التي وقعت بين علي (عليه السلام) ومعاوية مثلًا، وهل هي حب أو بغض أو نفاق أو إيمان، رغم أنه علَّق على ذلك في الهامش قائلًا:
«أمَّا الحروب الواقعة بين الصَّحابة، فإن وقع من بعضهم لبعض بغض فإن ذلك من غير هذه الجهة، بل للأمر الطارىء الذي اقتضى المخالفة، ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنِّفاق، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام..».
فتراه يقول: معاوية (رضي الله عنه) وعلي (رضي الله عنه)...، أي أنَّ حربهما كانت مجرَّد اجتهاد في أحكام، وأن الدماء التي سالت بسبب الحرب هي للطارىء الذي اقتضى المخالفة، وكان الله يحب المحسنين... ومن دون الإشارة،
________________________________________

[الصفحة - 224]


أيضاً، إلى السنَّة التي سنَّها معاوية في سبّ علي (رضي الله عنه) وهل يعدّها من الطوارىء أو من المقتضى، مع أنَّها دامت أكثر من ثمانين سنة كما هو معلوم. وممَّا يجدر ذكره، هنا، أن أحد أصحاب علي (عليه السلام) مرّ يوماً على قبر حجر بن عدي (عليه السلام) فوجد شيخاً أعرابياً يبكي عنده، فقال له: ما يبكيك يا هذا؟ فقال: أبكي على حجر بن عدي الجليل (رضي الله عنه). فقال: ولماذا تبكي عليه؟ فأجاب: لأنه مات مقتولًا (رضي الله عنه). فقال صاحبه: ومن قتله؟ فأجاب: قتله سيدنا معاوية (رضي الله عنه). فقال: ولماذا قتله معاوية (رضي الله عنه)؟ فأجاب: لأنه امتنع عن شتم سيِّدنا علي(رضي الله عنه). وهنا تظاهر صاحب الإمام علي (عليه السلام) بالبكاء، فسأله الأعرابي: وأنت ماذا يبكيك؟ فقال: وأنا أبكي عليك رضوان الله عليك!
وهكذا في عائشة، أم المؤمنين (رضي الله عنها) في حربها مع علي أمير المؤمنين (رضي الله عنه).. مع أنه يقول، في المنقبة الخامسة التي أحصاها لعلي أنه (رضي الله عنه) يقاتل على تأويل القرآن كما قاتل رسول الله على تنزيله (ص 109)، وهل القتال على التَّأويل يعدل القتال على التنزيل؟ وهل كان ذلك القتال فعلًا بمقتضى الطوارىء ومقتضيات الحال أو أنَّه قتال سالت فيه دماء وحرِّفت مناهج وغُيِّرت سنن وتبدَّلت أحوال!؟
وحين يصل إلى الإمام الحسن (رضي الله عنه) وخلافه مع معاوية (رضي الله عنه) لم يزد الدكتور (حفظه الله) عن ذكر مشكور طبعاً للمنقبة التي سجلها هذا الرجل العظيم في تحقيقه لنبوءة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وقوله فيه: «إن ابني هذا (يقصد الإمام الحسن) سيّد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين» (ص 125) وأنه رضوان الله عليه: «لم يهرق في خلافته محجمة من دم» (ص 125).
وعلى الرّغم من تأكيد الكاتب على أن الحسن شرط شرطاً في صلحه مع معاوية خلاصته كما قال: «أنه لا يحقُّ لمعاوية أن يعهد لأحد بعده، بل يكون الأمر شورى» (ص 129)، ولكنه مع الأسف الشَّديد لم يعلِّق، ولم يسأل: هل وفى معاوية بهذا الشرط، وهل جعلها شورى بين المسلمين، أو إنه اكتفى بذكر المنقبة الأولى للإمام الحسن وأعادها: «إن ابني هذا سيِّد..» واكتفى بالتعليق على موقف المتخاصمين بقوله:
________________________________________

[الصفحة - 225]


«بتنازله (أي تنازل الإمام الحسن) انتهت مدة الخلافة الراشدة التي ذكر النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أنها ثلاثون سنة» (ص 130).
وكأن الذي أنهى الخلافة الراشدة هو «المتنازل»، وليس الذي مزَّق الشرط ووضعه تحت قدميه، كما يقول التاريخ. أي أنه قفز على هذه الحقيقة التأريخية التي كانت سبب الكوارث على الإسلام والمسلمين قفزة تستحق الرثاء إن لم نقل غير ذلك فعلًا.
بهذه التَّسويات البريئة يستمر الدكتور الكاتب ملتمساً عذراً لهذا، وغاضَّاً الطرف عن ذاك، على الرغم من أنه لم يعدم الوسيلة في عرض جانب واحد من إحدى الحقائق لا سيما حين يذكر في المتن والهامش، مثلًا، كيف أنَّ «السِّبطين الكريمين كانا أسبق الشباب الهاشمي في الدِّفاع عن الخليفة عثمان (رضي الله عنه)، حين حاصره الثوار، بأمر من أبيهما علي (رضي الله عنه) حتى تخضّبا بالدماء...». ويضيف: «ولثبات البطلين السبطين في الدِّفاع لم يستطع الثوار الدخول إلَّا بتسوُّر الدار من الخلف بينما الحسنان يدافعان لدى الباب..». ثم يذكر في الهامش معلِّقاً على هذا الموقف: «تأمل هذا الإخلاص وهذه التَّضحية دفاعاً عن الخليفة العظيم عثمان...، وقارن ذلك بما يقوله الشانئون عن عثمان وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين» (ص 138)؛ وذلك من دون أن يذكر أسماء الثوار، وسبب خروجهم وثورتهم، وكيف قال علي فيهم وفي قتيلهم مثلًا: «استأثر فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع»، بل اكتفى بذكر الخليفة العظيم والموقف العظيم والسبطين العظيمين البطلين وأبيهما البطل العظيم!
ومع أبي هريرة، تتكرّر الحكاية؛ إذ يذكر الكاتب موقفاً له حين راح يوماً «ينفض التّراب عن قدمي الحسين اللتين اغبرَّتا في تشييع جنازة، فقال له الحسين: أتفعل هذا؟ فقال أبو هريرة: دعني، فوالله لو علم الناس منك ما أعلم لحملوك على رقابهم» (ص 140).. ويخرج من هذا الموقف ليكتب في هامشه معلِّقاً:
«انظر هذا الوفاء وهذا الحب والتعظيم من أبي هريرة (رضي الله عنه) لآل البيت، وقارن ذلك بموقف الرّافضة منه، وما يصفونه به من أوصاف ظالمة..» (ص 140).
________________________________________

[الصفحة - 226]


عن استشهاد سيِّدنا الحسين (عليه السلام)
ولعل أكثر ما يثير الشجون، ويثير الالتفات، في كتاب الدكتور يماني القيِّم هذا، هو قراءته الُأحادية الجانب هذه، وبخاصَّة في فصل مهم يعدّ من أهم فصول الكتاب وضعه تحت عنوان: «استشهاد الحسين (رضي الله عنه)».
اللَّافت الأهم، في هذا الفصل، هو خلُّوه من المصادر التأريخية والهوامش، علماً بأنَّ الكتاب، ومن أول صفحة إلى آخر صفحة فيه، مليء بالهوامش والمصادر التاريخية الموثّقة والمدقّقة والمحقَّقة...
ولا نريد، في هذا المقام، محاكمة هذا الفصل، أو قراءته قراءة ثانية، لأن ذلك لا يناسب هذه القراءة السريعة التي اخترناها لهذا الكتاب، فضلًا عمَّا يمكن أن يثيره من شجون حاول الكاتب ـ جزاه الله خيراً ـ عدم إثارتها، واكتفى بنقل القصة مجملة تحت عنوان لافت هو: «مجمل قصة استشهاده»، مفتتحاً هذا المجمل بالقول:
«كان معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه) قد جعل لابنه يزيد ولاية العهد من بعده..» من دون الإشارة إلى هذه المفارقة المرعبة في تاريخ الإسلام..، واكتفى مضيفاً:
«ولم يعتد نفر من الصحابة (لاحظ نفر) بما وقع من البيعة ليزيد بن معاوية على اعتبار أنَّها تمَّت خلافاً للطَّبيعة (لاحظ خلافاً للطَّبيعة) التي اتّبعها الخلفاء الرَّاشدون (رضي الله عنهم)، ونظر بعضهم إليها على أنها غير ملائمة ولا منسجمة مع ذلك النهج، وكلهم مجتهدون ولم يدخلوا تحت رأي غيرهم ممَّن بايع» (ص 147).
هكذا، وبكل بساطة، واختصار، راح الدكتور يصنِّف الصحابة، كل حسب اجتهاده، فمنهم من بايع، ومنهم من رفض، ومنهم من «رأى أنّ السَّلامة أنسب، محافظة على عدم سفك الدّماء، واكتفوا بالامتناع عن البيعة بالهرب من مواضع سلطان يزيد..» (ص 147) فيما «رأى الحسين وعبدالله بن الزبير وجوب الخروج عليه دفعاً للجرأة على تغيير نظام الخلافة المتَّبع في عهد الخلفاء الراشدين من التشاور وعدم إيثار قريب واختيار الأفضل ودفعاً لجور يزيد» (ص 147).
________________________________________

[الصفحة - 227]


ثم راح يسرد القصَّة على أساس هذا الاختصار، أو التَّبسيط، جاهداً في أن يدفع التّهمة عن يزيد وأبيه في كونهما سبباً، أو دافعاً، لهذه الرزيَّة الكبيرة التي حدثت في تاريخ الإسلام، واضعاً اللَّوم تارة على عبيدالله بن زياد، وأخرى على عمر بن سعد، وثالثة على شمر بن ذي الجوشن، ورابعة على شيعة العراق الذين راسلوا الحسين (عليه السلام) وغدروا به، ملتمساً العذر تلو العذر ليزيد بقول مختصر جاء نصُّه كما يأتي:
«لو أنّ يزيد بن معاوية حين علم بموقف الحسين(رضي الله عنه) وخروجه إلى الكوفة قد ذكر قرابته من رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) وما ورد فيه وفي أخيه من الأحاديث الصحيحة وحبّ الأمَّة له، ولو أنه تدارك الأمر فأرسل على وجه السرعة أمراً صريحاً بالكف عن قتاله، ووجوب المحافظة عليه، وعلى الذين كانوا معه من رهطه وشيعته (رضي الله عنهم) لجنَّب الأمة الإسلامية هذه المصيبة العظيمة ولحاز فضل إكرام آل بيت النَّبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، ولو أنَّ ابن زياد أجاب الحسين إلى طلبه حين عرض عليه العودة من حيث أتى، أو الذَّهاب إلى يزيد في دمشق، ليضع يده في يده (كذا!) ما وقعت هذه الكارثة، ولكنّه التسليم لقضاء الله والحزن على ابن بنت رسول الله وأحد سيدي شباب أهل الجنَّة، وسيِّد من سادات المسلمين، وعالم من كبار علمائهم، وعلى الذين استشهدوا معه من قرابته وأنصاره (رضي الله عنهم) من رجال صدقوا ما عاهدوا عليه..» (ص 154) وإن الله لمع المحسنين...
ثم يضيف بكل بساطة أيضاً:
«فلْنَتَّق الله في هذا الأمر، وليكن لنا من صدق الإيمان وأدب التفويض ما يجعلنا راضين بقضاء الله وقدره، موقنين أن الله عز وجل يحكم بين العباد في ما اختلفوا فيه، ولو شاء الله ما وقع على خلاف ما يحبُّه الله والمؤمنون، إنه عليم حكيم...».
فما دام الله قد شاء، وما دام الأمر قد وقع، وما دام الذي وقع كان ضمن مشيئة الله وحكمته وحبه (والعياذ بالله)، فلنتق الله ونفوّض الأمر إليه سبحانه، ونكف عن قراءة التاريخ والتّعريض بأولئك الذين لم يعرفوا سبط النبي وسيد شباب أهل الجنة
________________________________________

[الصفحة - 228]


ولم يكرموه ولم يتركوه يذهب إلى حيث يريد، بل فلنكف عن التعريض بأولئك الذين غيّروا.. «طبيعة» الولاية «ونظام الخلافة» ونعدّهم جميعاً مجتهدين أتقياء ورعين، للذي قتل منهم الحسين «حسنة» باعتباره مجتهداً مخطئاً! أو تأوّل فأخطأ، وللذين عرفوا حكم الله في قتله (حسنتان) باعتبار أن الذي فعلوه هو ضمن حكمة الله ومشيئته!
ولم يعدم الأخ الدكتور الكاتب حظاً من الاستمرار في هذا النهج «الحبيب» والتَّنظير للمحبَّة والتقريب من أن يسجل في خاتمة كتابه «القيِّم» هذا النص الجيِّد:
«أسأل الله أن يرزقنا الأدب مع سيدنا محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) وآل بيته الطَّيبين الطَّاهرين، ومع أصحابه الكرام البررة، وأن يعرِّفنا أقدارهم وحقوقهم وحسن الأدب معهم، وأن يحفظ ألسنتنا عن الخوض في ما لا يعنينا، وأن نتعلَّم وجوب السكوت عمَّا شجر بينهم، فقد كانوا مجتهدين ناصحين مخلصين لله في ما اختلفوا فيه... وأن نكرمهم ونعاملهم بما يليق بهم، وبآل بيت رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) امتثالًا لأمره، ومودَّة لقرابته، وتقوى لله في عترته، وصلةً لآله...» (ص 246).
هل السُّكوت هو الأفضل دائماً؟
ونعود إلى ما بدأنا به هذه القراءة السَّريعة حول موضوع الاختلاف وضرورته، ونلتمس من الأخ الكاتب أن يعرِّفنا منهجَ السكوت «عن الخوض في ما لا يعنينا»، أو «وجوب السكوت عمّا شجر بينهم»، وعمّا إذا كانوا جميعهم مجتهدين ناصحين فعلًا. القاتل والضّحية، والغالب والمغلوب، والظالم والمظلوم، وهل كل سكوت فاضل؟ وهل الصمت فضيلة دائماً، وهل قراءة التاريخ ومناقشة أولئك الذين حرَّفوا «طبيعة الخلافة» يدخلنا في دائرة سوء الأدب مثلًا.. وهل الذي قاتل مع سيدنا علي (عليه السلام) هو مثل الذي قاتل مع معاوية.. والذي خرج على عثمان مثل ذاك الذي زوَّر كتاباً وحرَّض النَّاس للثورة عليه؟ ومن هم «أولئك الذين زوَّروا الكتب على لسان عثمان (رضي الله عنه) حتى أنفذوا قتله (ص 159)؟ وهل يتحمّل الرجل وزر تعيينهم واعتبارهم من حاشيته؛ حيث ملّكهم ختمه؟ وهل جميع الذين ثاروا ضده هم من أصحاب «العقائد الباطنية» الذين قالوا «بأن علياً هو الله وجاءوا بعقائد التقمُّص
________________________________________

[الصفحة - 229]


والحلول وما تفرَّع عنها من المذاهب المنحرفة» (ص 159)، حسب تعبير الأخ الدكتور طبعاً؟
هذه التَّساؤلات جميعها وغيرها هي موضوعات اختلاف يمكن أن تبقى محاور جميلة للحوار، وتعلم أدب الحوار، واستيعاب أهداف الحوار، ولعلها أفضل من السُّكوت الذي لم يحفظ (ولا يحفظ ولن يحفظ) وحدتنا؛ إذ إنه لم يعرِّفنا أهدافَ رسالتنا بعد، ودليل ذلك ابتعادنا عن بعضنا. والحوار ضرورة، شريطة أن يبقى في سياق الأدب ودائرة الخلق الكريم، وبعيداً عن الأحكام الجاهزة والقراءة المبتسرة والقولبة الممقوتة التي تخرجنا فعلًا عن الأدب، وتنأى بنا بعيداً عن الخلق الإسلامي الذي به ساد المسلمون، وباختلافهم المؤدَّب ميّزوا الحق من الباطل والأصح من الصحيح، والأفضل من الفاضل، وجعلهم ممن وصفهم خالقهم بقوله عز من قائل:
{الذين يَسْتمِعُون القَوْلَ فيتَّبعُون أحسنَه، أولئِكَ الذين هداهُم الله وأولئك هُمْ أولو الألباب} [الزُّمر/18].
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا... وثبِّتنا على دينك ما أحييتنا.. ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للّذين آمنوا من إخواننا، إنك على ما تشاء قدير، وبالاستجابة جدير...
________________________________________

[الصفحة - 230]