البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المرجعيّة القرآنيّة والاتجاه الإخباري في الفكر الشِّيعي(1)

الباحث :  الشيخ حيدر حبّ الله
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  33
السنة :  السنة التاسعة ربيع 1425هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  1979
المرجعيّة القرآنيّة والاتجاه
الإخباري في الفكر الشِّيعي(1)

الشيخ حيدر حبّ الله

تمهيـــــــد
قد لا يكون مبالغةً القول: إنّ إعادة ترسيم مصادر المعرفة في الفكر الديني، وتحديد مراتب هذه المصادر ودرجاتها، ثم ـ وعلى أساسٍ من ذلك ـ تحديد علاقات بعضها ببعضها الآخر.. إحدى أهم مشكلات هذا الفكر في العصر الحديث، وإحدى الضَّرورات بالغة الأهمية لإعادة تكوين هذا الفكر بما يبعث فيه على الدوام الحيوية والنضارة.
وفي خضم هذه التحدِّيات، يواجه الفكر الإسلامي عموماً والشيعي خصوصاً موضوعاً شائكاً يتمثّل في مرجعية النص القرآني في الفكر والثقافة، فهل يمكن الرجوع لهذا النص مباشرة؟ وهل يمكن الاستناد إليه في استنباط النظريات الإسلامية؟ وما هو المقدّم على الآخر: القرآن أم العقل أم السنَّة؟ هل السنّة ذات أولوية على النص القرآني حتى تجمّد من مرجعيته ليكون الوصول إليه عن طريقها فقط أو للنص القرآني شخصيّته المستقلة وعلاقته المباشرة بالعقل الإنساني والفهم البشري؟
أسئلة كثيرة لسنا في صدد الحديث عنها، إنما نهدف إلى ممارسة قراءة تاريخية للمناخ الشيعي في ما يخصّ مرجعية النص القرآني مقابل الاتجاه الداعي إلى مرجعية السنَّة، مع ادّعاء العجز عن فهم النص القرآني ـ بدرجة أو بأخرى ـ من دون الاستعانة بالسنّة المنقولة.
________________________________________

[الصفحة - 274]


هذا الموضوع، انفجر قنبلةً هائلةً في المناخ الشيعي عندما دوَّت صيحة الاسترآبادي (1036هـ) تعلن تكوين الاتجاه الإخباري الحديث عند الشيعة، اتجاهٌ أحدث ظهوره إحدى أكبر الانفجارات في تاريخ الثقافة الشيعية، قرنان من الزمان مُلئا صراعاً فكرياً حادّاً، بلغ أحياناً حدّ القتل حينما دخلت جماعة على منزل الميرزا محمد الإخباري (1232هـ) في بغداد لتقتله مع ولده وأحد تلامذته، في إشارة إلى بلوغ هذا الصراع حدّاً بالغاً (1).
سندرس، في هذه الصفحات، الظاهرة الإخبارية من زاوية موقفها من مرجعية النَّص القرآني ونصّ السنّة فقط، ونحاول تحليل تطوُّر المفهوم الإخباري لهذه المقولة أي «مقولة السنّة وحدها لا غير»، كما نحاول رصد التفاعلات التي أعقبت انطلاق مقولة «السنّة فقط»، فيما عرف بعد ذلك بالصراع الإخباري الأصولي، لنحدّد ـ في النهاية ـ الخاتمة التي بلغها الفكر الشيعي بعد حراك فكري زاخر بالمعطيات الثرّة دام قرنين من الزمن، وبحسب رأينا: لا يزال قائماً.
ولكي نحدّد أطر دراستنا هذه نبيّن:
أ ـ أننا سندرس تطوُّر الموقف تاريخياً بالدرجة الأولى، ولن نحاكم الاتجاهات محاكمة نهائية، وإن كنا نأخذ برأي الأصوليين من حيث المبدأ، لكننا قد نتوقّف أحياناً لنقد مقولة في هذا الطرف أو ذاك، عندما نجد لذلك حاجة أو ضرورة.
2 ـ سنركّز على المناخ الشيعي، ولن تكون هذه الدراسة معنيَّةً بتطوّرات الموقف السنِّي.
3 ـ لن نقف عند تطوُّر النظرية (السنّة فقط أو أن للقرآن مرجعية) فقط، بل سندرس تطوُّرات البرهنة عليها، كما سندرس تطوُّرات انهيارها ونقدها، وسنعمل على تحديد أدوار الشخصيات الأساسية من الطرفين، والتي كان لها الإسهام الأكبر في هذا المجال.
4 ـ سوف يهمّنا تحديد بدايات الأفكار، فهذه وظيفة الباحث التاريخي في مجال العلوم.
5 ـ لن ندرس الإخبارية عموماً بوصفها ظاهرة، فلهذا مجال آخر درسناها فيه،
________________________________________
(1)راجع: كتب التراجم مثل: أعيان الشيعة، 9/173.

[الصفحة - 275]


ومن ثم سيكون تركيزنا على الإخبارية من زاوية عنوان البحث، أي النصين القرآني والروائي.
6 ـ لمَّا كنا معنييِّن بالإخبارية الحديثة ومضاعفاتها كما سيبين سببه، لم نفصِّل الكلام على المدرسة القديمة لأجل الاختصار، لكننا حاولنا الإطلالة مع القارى على الوضع آنذاك.
الاتجاهات العامَّة في مرجعيَّة النَّص القرآني
ثمَّة اتجاهات أربعة تجاذبت ـ ولا تزال تتجاذب ـ التيارات الفكرية الإسلامية نوجزها مدخلًا:
الاتجاه الأوّل: وهو الاتجاه الذي يذهب إلى حصر المرجعيّة النصِّيّة بالقرآن وحده، وقد نادى به جماعة «القرآنيون» الباكستانية، وأعلنه في العالم العربي أمثال محمد توفيق صدقي (2)، وهناك ما يلوح أنه كان موجوداً لدى جماعات قديمة كبعض المعتزلة (3).
الاتجاه الثاني: ويرى حصر المرجعية الفكريَّة بالحديث خصوصاً، مستبعداً القرآن، نادى بذلك جماعة الإخباريين في المناخ الشيعي على تفصيل سوف يأتي بعون الله تعالى.
الاتجاه الثالث: ويرى وجود القرآن والسنَّة في رتبة واحدة وإن تقدَّم أحدهما على الآخر هنا أو هناك، يشكِّلان معاً مرجعية موحَّدة، وهو الاتجاه الغالب في التراث الإسلامي عموماً.
الاتجاه الرابع: ويرى للقرآن الرتبة الأولى بلا حاجة للحديث حتّى في فهمه، لكن الحديث له مجاله الخاص، وهو ما ذهبت إليه بعض الاتجاهات، وأبرزها مدرسة العلَّامة الطباطبائي (1983م).
التُّراث القديم وإشكاليَّة مرجعيَّة السنَّة والقرآن
يحاول الاتجاه الإخباري إيجاد نفسه في العمق التُّراثي القديم، سيّما مع مدرسة الشيخ محمد بن علي بن الحسين الصدوق (381هـ)، وحتى لا ندخل
________________________________________
(2)انظر دراساته في مجلة المنار، 1906م، المجلد 9.
(3)انظر: ابن إدريس الشافعي، كتاب الأم، دار المعرفة، لبنان، 7/273 ـ 278؛ حيث عقد فصلًا حمل عنوان «باب حكاية قول الطائفة التي ردّت الأخبار كلّها»، ما يدل على وجود اتجاه كهذا في عصره، وانظر في موقف المعتزلة، الفرق الكلامية الإسلامية، مدخل ودراسة، الدكتور علي عبدالفتاح المغربي، نشر مكتبة وهبة، مصر، الطبعة الأولى، 1986م، ص203، وقد تمّ التصريح بمخالفة الجبائي ـ أحد أعلام المعتزلة ـ لخبر الواحد في نهاية الوصول إلى علم الأصول للعلامة الحلي، حجري، ص290، كما نسب إنكار حجيّة الخبر إلى أبي الحسين الخيّاط وجماعته في موسوعة الفرق الإسلامية، لمحمد جواد مشكور، مجمع البحوث الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى، 1995م، ص242، وأيضاً في القاموس الإسلامي، لأحمد عطية الله، دار النهضة المصرية، الطبعة الأولى، 1966م، 2/306، ونسب الفخر الرازي إنكار الإجماع وخبر الواحد إلى النظّامية من المعتزلة في كتابه: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1986م، ص41، وإنما قلنا: «بعض المعتزلة»، لأن بعضهم الآخر لم يكن كذلك، انظر زهدي جار الله في كتابه «المعتزلة»، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة السادسة، 1990م، ص 249 ـ 252، وكذلك راجع الدكتور عبد الستّار الراوي، «العقل والحرّية، دراسة في فكر القاضي عبد الجبّار المعتزلي»، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1980م، ص 146 ـ 150.

[الصفحة - 276]


الموضوع على عجلة كان من اللازم الإشارة إلى أنَّ حصر المرجعية النصيَّة في السنّة واستبعاد الكتاب مشروع جديد ظهر مع الاسترآبادي (1036هـ)، كما يصرِّح بذلك روَّاد الإخبارية أنفسهم(4)، ولم يكن مناخ الثقافة الشِّيعيَّة ليَعِيَ إشكاليةً من هذا النوع قبل ذلك، لكننا في سياق بحثنا وجدنا نصّاً مهمّاً ربما يكون بدايات أوليَّة لا تماهي مقولة الإخباريين بل تهيِّى لها، ويعود هذا النص إلى الشيخ الصدوق (381هـ) في كتابه «معاني الأخبار»، حيث يحاول إقامة الدليل على عصمة الإمام (عليه السلام) بالقول: إنَّ القرآن والسنَّة النبوية يحتملان التأويل والوجوه الكثيرة، فإذا لم يجعل الله مخبراً عن كتابه في كل عصر لزم تسويغه تعالى الاختلاف في الدين، ولما جعل مخبراً لزم أن يكون صادقاً معصوماً، وعقب هذا الاستدلال أكَّد الصدوق برهانه بدليل نقضي، ثم قال: «كذلك لا يجوز أن نتعبّد نحن به (أي بالقرآن) إلا ومعه من يقوم فينا مقام النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في قومه وأهل عصره في التبيين لناسخه ومنسوخه، وخاصِّه وعامِّه، والمعاني التي عناها الله عز وجل بكلامه دون ما يحتمله التأويل...» (5)، ثم ردَّ الصدوق القول: إنَّ الأمة هي الشارح لنا لهذا النص المقدَّس (6)، ونحو هذا النص نصّ آخر في كتابه «كمال الدين وتمام النعمة»، حيث يؤكِّد على احتمالات التأويل في القرآن وعدم إمكان حل هذه التأويلات حلًّا جذرياً إلا بالأئمة (عليهم السلام) .
ربما يكون هذا النَّص من أقدم النصوص التي وصلتنا ـ إذا استبعدنا الروايات بوصفها أحياناً مواقف للرواة ـ ولسنا في صدد تحليل هذا النص، والإجابة عن السؤال: هل ينفي مطلقاً فهم القرآن ومرجعيته أو يحاول استشراف الفهم التام للقرآن بتمام آياته عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) ؟ كلّ ما نريده هو التأكيد على أنه نصّ دالّ في الثقافة آنذاك، صدر من أكبر مدرسة حديثية شيعية قديمة.
ويتلو هذا النص، في دلالته، نص آخر لاحق زماناً (ق 6هـ)، لا يكاد يخلو من أهمية، فقد سجَّل الشيخ الفضل بن الحسن الطبرسي، صاحب تفسير مجمع البيان مقدّمةً لتفسيره، تحدَّث فيها ـ في ما تحدَّث ـ عن هذا الموضوع فقال: «واعلم أنَّ الخبر قد صحّ عن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وعن الأئمة القائمين مقامه (أن تفسير القرآن لا يجوز إلا بالأثر الصحيح، والنص الصريح...»(8)، إلا أن الطبرسي لم يُنظرنا كثيراً حتى دخل في تحليل مسألة التفسير بالرأي، ففسّره بحمل القرآن على الرأي من دون
________________________________________
(4)انظر: الشيخ يوسف البحراني، الدرر النجفية والملتقطات اليوسفية، تحقيق ونشر شركة دار المصطفى (صلي الله عليه و آله و سلم) لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1423هـ، 2/339.
(5)الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، تصحيح علي أكبر غفاري، نشر جامعة المدرسين، قم، 1982م، ص 133 و134، وتجدر الإشارة إلى أنه كانت توجد بعض حالات الجدل حول الموضوع خارج المناخ الشيعي آنذاك أيضاً، وقد رأيت في شرح المواقف، للشريف الجرجاني، منشورات الشريف الرضي، إيران، عن الطبعة الأولى، 1907م، 8/382 أن هناك فرقة من المعتزلة كانت تسمّى الهشامية، نسبةً إلى هشام بن عمر الفوطي، تذهب إلى أنه لا دلالة في القرآن على حلال أو حرام، ولست أدري ماذا تعني هذه الجملة بالضبط، هل نفي الدلالة، أو نفي التشريعات...؟
(6)معاني الأخبار، ص 134 و135.
(7)الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، تحقيق علي أكبر غفّاري، نشر جماعة المدرّسين، قم، الطبعة الرابعة، 1422هـ، ص 129 ـ 131، وإنما جعلنا نصّ «المعاني» أقدم النصوص، لأن الطهراني في الذريعة 2/204، ينقل عن السماهيجي، في حاشية نسخة من نسخ «المعاني»، أنه كتب عن السيد ابن طاوس في الطرائف أن نهاية كتابة «المعاني» كان سنة 331هـ، ويؤكد الطهراني رؤيته لهذه النسخة، أما كتاب «كمال الدين» فينصّ الصدوق في المقدّمة، ص 32 و33 أن سبب تأليفه له كان ما وقع معه في نيشابور، وقد ذكر الأمين في الأعيان 24/10، أن الصدوق زار مشهد في أعوام 352 و367 و368هـ ومنها أحياناً كان يذهب إلى نيشابور، وينص الغفّاري محقق «كمال الدين» أنه زار نيشابور عام 352 و355هـ، إذن فقد ألف «المعاني» 331هـ و «كمال الدين» بعد 350هـ فمعاني الأخبار قبله.
(8)الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، 1988م، 1/80.

[الصفحة - 277]


العمل بشواهد ألفاظه، مستشهداً لذلك بمدح الله تعالى «الذين يستنبطونه» وذمّه من لم يتدبّر فيه، وذكره أن القرآن عربي، وكذلك أحاديث عرض الروايات على الكتاب.. ذلك كلّه يؤكِّد ـ عند الطبرسي ـ أنه سبحانه «بيّن أنّ الكتاب حجّة، ومعروض عليه، وكيف يمكن العرض عليه وهو غير مفهوم المعنى؟! فهذا وأمثاله يدلّ على أنّ الخبر (أي رواية النهي عن التفسير بالرأي التي رواها السنّة كما يقول الطبرسي ـ ولو أصاب) متروك الظاهر...» (9). كما يحتمل الطبرسي أن يراد بهذا الخبر تفسير الآية المجملة التي لا ينبى ظاهرها عن المراد بها تفصيلًا كتفاصيل العبادات(10).
وإذا قايسنا النص الأوَّل للطبرسي مع تتمَّة كلامه بدا لنا:
أوّلًا: إن جدله في قضية إمكانية فهم القرآن من دون أيّ شيء آخر كان مع اتجاهات غير شيعية، ولا يدل النص بأكمله على أن جدلًا داخلياً كان مستعراً.
ثانياً: إن تتمّة كلام الطبرسي تبيّن أنه يقرّ بإمكان فهم القرآن وحجيَّته، وأنه المحك لقبول الحديث، مما يعني أن المقطع الأول فيه شيء من المنافرة مع التتمّة تجعلنا على الأقل نقف دون الجزم برأي نهائي في أقوال الطبرسي، وإذا ضممنا إلى ذلك ما اخترناه في دراسة أخرى من أن الطبرسي لم يكن قائلًا بحجية خبر الواحد، فهمنا أن قوله: «الأثر الصحيح، والنص الصريح» أريد به النصوص القطعية المؤكّدة.
ثالثاً: رغم وجود بعض التشوُّش في مصطلح التفسير عند الطبرسي إلا أنه عرّف، في بداية الفن الثالث من مقدّمة مجمعه التفسيرَ والتأويلَ بالقول: «التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل، والتأويل ردّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر» (11)، وهذا التعريف لمصطلح التفسير إذا ضممناه لنص الطبرسي السابق (موضع الشاهد) أيقنّا بأن مراده من ضرورة الرجوع إلى السنّة لتفسير القرآن، هو الرجوع في الآيات المشكلة، لا في تلك التي يمكن حلّ الإشكال فيها بالاعتماد على الظهور، فإن هذا لا يسمّى عنده تفسيراً بل تأويل، ومعنى هذا الكلام أن الطبرسي لا يرى مرجعية النص القرآني مباشرة وإمكانية فهمه إلا في حالات تنسدّ فيها سبل كشف المراد ويغدو المعنى بالنسبة إلينا مُشكلًا، أو لا أقل من أننا لا نستطيع التأكّد من أن الطبرسي كان يمنع عن الاعتماد على ظهور النص القرآني، حتى يكوّن خلفية تاريخية للإخباريين في عمق التراث الشيعي.
________________________________________
(9)المصدر نفسه، ص 80 و81.
(10)المصدر نفسه، ص 81 و82.
(11)المصدر نفسه، ص 80.

[الصفحة - 278]


لكن موقف الشيخ الطوسي (460هـ) يغدو حاسماً حينما يذكر نص الطبرسي (في الحقيقة هو نص الطوسي أخذه عنه الطبرسي) بعينه ثم يسجل نقده على القائلين بعدم إمكان فهم القرآن، مستدلًّا بجملة آيات تبين أنه «مبين»، «عربي»، «لسان قومه» «تبيان»...
ثم يقول: «فكيف يجوز أن يصفه بأنه عربي مبين، وأنه بلسان قومه وأنه بيان للناس ولا يفهم بظاهره شيء؟...» (12) ويذكر ما أسلفناه عن الطبرسي، فيؤوّل أخبار التفسير بالرأي بشكلٍ يصرفها عن النهي عن تفسير القرآن.
والمهم عند الطوسي تقسيم معاني القرآن إلى أقسام أربعة:
«1 ـ ما اختصّ الله تعالى بالعلم به، فلا يجوز لأحد تكلُّف القول فيه...
2 ـ ما كان ظاهره مطابقاً لمعناه، فكل من عرف اللغة.. عرف معناها..
3 ـ ما هو مجمل لا ينبى ظاهره عن المراد به مفصّلًا... (تفصيلات العبادات مثلًا).
4 ـ ما كان لفظه مشتركاً بين معنيين فما زاد عنهما، ويمكن أن يكون كل واحدٍ منهما مراداً، فإنه لا ينبغي أن يقدم أحد به فيقول: إن مراد الله فيه بعض ما يحتمل إلا بقول نبي أو إمام معصوم...»(13).
ثم يشير الطوسي إلى رفضه الاعتماد على طريقة (أخبار) الآحاد من الروايات الشاردة والألفاظ النادرة (14).
وبهذا يظهر لنا أن الموقف الشيعي القديم لم يكن على عداء مع الخوض في تفسير القرآن من دون نصّ روائي إلا في حالات محدودة يقبل بها الفكر الشيعي اليوم أيضاً على وجه العموم أو الغالب، وإذا ما كان فهو كامن في ثنايا التيارات الحديثية إذا قبلنا أن لنصّ الصدوق دلالة أو...
ويجب أن يلتفت القارى إلى أننا لا نزعم عدم وجود تيار إخباري قديم، فهذا ما يجانب الصواب، خصوصاً مع وجود تصريحات بوجود هكذا تيار ممّن سبق الاسترآبادي، كما هو النص الواضح الذي يتحدّث به العلامة الحلي (726هـ) في
________________________________________
(12)الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت،ج 4/1 ـ 5.
(13)المصدر نفسه، 5 و6.
(14)المصدر نفسه، ص 7.

[الصفحة - 279]


«نهاية الوصول» (15)، أو من يسمّيهم الطوسي في العدّة بـ «المقلّدة» (16)، كما تؤكّده مصادر كلامية غير شيعيّة أيضاً (17)، وإنما نقصد عدم وجود جدل نظري في شرعية الاعتماد على النص القرآني وإمكان فهمه، وإن كنا نعتقد بأن الحالة الغالبة للتفسير عملياً قبل الشيخ المفيد (413هـ) كانت تعتمد النص الروائي في تفسير القرآن، ولهذا وجدنا الدراسات الأصولية القديمة غير متعرِّضة لهذا الموضوع كما يظهر من مراجعة المعارج للمحقّق، وتهذيب الوصول للعلامة، والذريعة للمرتضى، والعدة للطوسي، والمعالم للشيخ حسن، ومقدّمة الذكرى للشهيد الأوّل و... وقد ذكر ذلك الشيخ محمد تقي، صاحب الحاشية على المعالم، مصرّحاً بأن الخلاف في هذا الموضوع ظاهرة جديدة مع من سمَّاهم بـ «ظاهرية علمائنا» (18).
الاسترآبادي وتنحية النصّ القرآني
ظلّ الوضع، في المناخ الشيعي، على ما هو عليه من الارتسام الذي خطّه الطوسي، إلى أن جاء الشيخ محمد أمين الاسترآبادي (1036هـ) مؤسِّس المذهب الإخباري الحديث، وفي جعبته سيول من النقد على الاتجاه العقلاني عند الشيعة، سيما مدرسة العلَّامة الحلِّي (726هـ)، أطاح الاسترآبادي بالعقل أولًا (19)، ثم أحدث ثغرةً في نظرية الإجماع (20)، وعرَّج على القرآن فرفض مرجعيته من دون السنّة (21)، وأنه لا يمكن فهمه من دونها، بل أفرط الاسترآبادي حينما ضمّ السنّة النبوية إلى القرآن فقال: «مذهب الإخباريين أن القرآن في الأكثر ورد على وجه التعمية بالنسبة إلى أذهان الرعيّة، وكذلك كثير من السنن النبويّة... وأنه لا سبيل إلا السماع من الصادقين (عليهم السلام) ، وأنه لا يجوز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر كتاب الله، ولا ظواهر السنن النبويّة ما لم يعلم أحوالها من جهة أهل الذكر (عليه السلام) ، بل يجب التوقّف والاحتياط فيهما»(22)، ويقول في موضع آخر: «إن من المعلوم أنّ حال الكتاب والحديث النبوي لا يعلم إلا من جهتهم (عليهم السلام) ، فتعيّن الانحصار في أحاديثهم» (23).
والنَّص الثاني أكثر دلالةً، إذ هو يطلق الكلام في الكتاب والسنَّة النبوية ولا يتحدَّث عن الغالب أو الأغلب، كما أنه يصرِّح بفكرة انحصار المرجع بسنّة أهل البيت (عليهم السلام)، ما يعطي وضوحاً أكبر.
________________________________________
(15)العلامة الحلي، نهاية الوصول (الأصول) إلى علم الأصول، حجري، ص 296.
(16)الشيخ الطوسي، العدّة في أصول الفقه، تحقيق محمد رضا الأنصاري، الطبعة الأولى، 1417هـ، 1/131 و132.
(17)انظر: الملل والنحل، عبدالكريم الشهرستاني، مكتبة الإنجلو المصرية، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1988م، 1/146 و147، والمواقف في علم الكلام، عضد الدين الإيجي، عالم الكتب، بيروت، ص423، وشرح المواقف، الشريف الجرجاني، 8/392.
(18)هداية المسترشدين في شرح أصول معالم الدين، الشيخ محمد تقي الرازي النجفي الأصفهاني، نشر جماعة المدرّسين، الطبعة الأولى، 1421هـ، 3/315.
(19)محمد أمين الاسترآبادي، الفوائد المدنيّة، حجري، دار النشر لأهل البيت (عليهم السلام) ، ص 129 ـ 132.
(20)المصدر نفسه، ص 133 ـ 135.
(21)المصدر نفسه، ص 17 و125 و172 ـ 175.
(22)المصدر نفسه، ص 47.
(23)المصدر نفسه، ص 17.

[الصفحة - 280]


ونجد أنفسنا في غنى عن تلمُّس نصوص الاسترآبادي المتفرِّقة، لنعطف نظرنا ناحية عنوان الفصل الثاني من كتابه «الفوائد المدنية» وهو: «في بيان انحصار ما ليس من ضروريات الدين من المسائل الشرعية أصلية كانت أو فرعية في السماع عن الصادِقين (عليهم السلام)» (24)، وهو عنوان واضح الدلالة، يسجِّل الاسترآبادي تحته تسعة أدلّة لتأكيد مرجعية سنّة أهل البيت فقط، لا القرآن ولا العقل ولا...
والنصّ دالّ بوضوح على عدم استثناء شيء عدا الضروريَّات، أي تلك القضايا الواضحة البديهية المعلومة بجلاء من الدين الإسلامي، كتوحيد الله ووجوب الصلاة، وهذا يعني أنّ كلمة النظريات في عبارة الإخباريين تعني ما يقابل الضروري الواضح.
وللاطلاع على طبيعة الأدلّة التي كوَّنت نظرية مرجعية السنة فقط، نستعرض ـ إيجازاً ـ أربعة أدلة ذكرها الاسترآبادي وهي:
الدليل الأول: ليست هناك دلالة قطعية، أو إذن أكيد في التمسُّك في نظريات الدين بغير كلام العترة، أما كلامهم (عليهم السلام) فلا ريب في جواز التمسّك به (25).
ويحاول الاسترآبادي، في هذا الاستدلال، أن يستغل الخلاف الواقع بين بعض المسلمين قبله في حجية النص القرآني لكي يضعف من مكانة هذا النص، أو أنه يحاول الانطلاق من مناخه الفكري الخاص ـ وهو مناخ يضع الأولوية للنص الروائي ـ لكي يجعل نص السنّة مؤكّداً فيما يلقي بغمام التشكيك على النص القرآني.
وكلٌّ من المحاولتين مشوب بالخطأ المنهجي، فمجرّد الخلاف في نقطةٍ لا ينحيها جانباً، كما أن مجرد الاتفاق لا يمنحها يقيناً، سيما وأن المدرسة الإخبارية لا تؤمن بفكرة الإجماع والاتفاق، كما أن محاكمة الموقف انطلاقاً من فرضيات خاصة يبدو هو الآخر غير دقيق هنا، لأن الأطراف الأخرى بإمكانها أن تعكس القضية انطلاقاً من مناخها الخاص، ومن ثم لا يغدو هنا مرجع يمكن الأيلولة إليه للتحاكم.
الدليل الثاني: إن كل طريق غير التمسُّك بكلامهم يفضي إلى اختلاف الفتاوى والكذب على الله، وكل ما هو كذلك مردود (26)، ويعيد الاسترآبادي روح الاستدلال هذا في دليل آخر، وهو الدليل السادس عنده، حين يذهب إلى أن العقل والنقل يحكمان بأن مصلحة إرسال الرسل وإنزال الكتب هي رفع الاختلاف، والعودُ إلى
________________________________________
(24)المصدر نفسه، ص 128.
(25)المصدر نفسه.
(26)المصدر نفسه، ص 128 و129.

[الصفحة - 281]


الظن ـ وهو عند الاسترآبادي كل مرجع غير أهل البيت (عليهم السلام) ورواياتهم ـ فيه اختلاف(27).
وتستوقفنا هذه المحاولة، لأنّها تتعامى عن الاختلاف الناشى عن الحديث والسنّة، وهو اختلاف يدّعي بعضهم أنه الأساس لاختلاف المسلمين (28)، فقد وقع التعارض في النصوص الروائية إلى حدّ لا يتصوّر، وتسبب هذا التعارض في اختلافات حادّة بين المتكلّمين والفقهاء و... إن ادعاء أن النصوص التي وردت إلينا عن أهل البيت (عليهم السلام) تبدّد شبح الاختلاف ادعاءٌ لا يتطابق والواقع أبداً، فإن مبدأ الاختلاف لا يميز بين نصّ وآخر، بل لقد ألّف الطوسي كتابه «الاستبصار في ما اختلف من الأخبار» وهو أحد الكتب الأربعة لأجل حل اختلافات آلاف الأخبار المتعارضة.
الدليل الثالث: النصوص الروائية الكثيرة التي فسّرت آية الذكر، وهي قوله تعالى: {فَاسْاءَلُوا اءَهْلَ الذِّكْرِ اءِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} النحل/43, حيث دلّت الروايات على سؤال أهل البيت (عليهم السلام) عن كل ما لا يعلم، وهذا الاستدلال الخامس عند الاسترآبادي يشبه الاستدلال السابع عنده، وهو العودة إلى الروايات الآمرة بالرجوع إلى الرواة، وكذلك الاستدلال الثامن، وهو ما دلّ على أن هذا العلم عليه قفلٌ مفتاحهُ المسألة (29).
والذي يشعر به مطالع هذا الدليل أن الاسترآبادي أراد تكوين نظرية «السنة فقط» هنا من خلال نص السنّة نفسه، وهو بذلك يصطدم في منهجه بخللٍ معين، وهو أن العقل غير حجة عنده غالباً، والقرآن ليس بحجة والسنة النبوية كذلك، إذن كيف وصلنا إلى حجية سنة أهل البيت (عليهم السلام) حتى نأخذ بها للإطاحة بالحجج الأخرى؟! والمفروض أن النصّ قد أخذ حجيته من هذه المرجعيات، إذن ثمة خلل ما يجب على الاسترآبادي لتفاديه القيام بالمحاولة نفسها التي قام بها محمد باقر المجلسي في بحاره حينما ذهب إلى أن العقل حجّة حتى نصل إلى إثبات الإمام، فإذا عرفناه توقفت حجية العقل (30).
ولهذا الموقف يُحْسب المجلسي، على صعيد حجية العقل، على تيار الاعتدال الإخباري، لكن محاولته تشطير المنهج ـ إذا تمّت ـ ليس ثمة ما يتمّمها هنا في كلام
________________________________________
(27)المصدر نفسه، ص 129.
(28)راجع على سبيل المثال: إبراهيم فوزي، تدوين السنّة، دار رياض الريّس للكتب والنشر، لبنان، الطبعة الثالثة، 2002م، ص 64 و293 ـ 409، ولاحظ مجمل الفصل الثالث من الكتاب.
(29)الفوائد المدنيّة، ص 129.
(30)العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت، الطبعة الثالثة، 1983م، 2/314.

[الصفحة - 282]


الاسترآبادي هذا، إلا على نظرية كاظم الخراساني في تفسير كلام الاسترآبادي في حجية العقل(31)، إضافة إلى أن الحثّ على سؤالهم عند عدم العلم لا ينافي الرجوع إلى غيرهم لتحصيل العلم أو بالأحرى لا يشمل حالة العلم، الناشئة من مصدر آخر.
الدليل الرابع: حديث الثقلين الذي تحول إلى دليل استند إليه الطرفان معاً لإثبات نظريّتهما، وقد فتح بابه عند الإخباريّين الاسترآبادي حيث ذهب إلى عدم صدق التمسّك بالثقلين معاً إلَّا بالأخذ بكلامهم فقط في فهم القرآن، وإلا انفرد القرآن عن الثقل الأصغر (32).
وقد أجاد الشيخ جوادي آملي في الردّ على هذا الكلام (33) حينما أكّد على الفصل ما بين العترة والأخبار المرويّة عنها، فالاجتماع بين القرآن والعترة لا بين القرآن في ما نفهمه وأخبار العترة التي وصلتنا بطريق ظنِّي.
وبهذا ـ وعبر مطالعة تجربة الاسترآبادي التأسيسيّة ـ نكون قد استطلعنا بدايات تكوين نظرية «السنة فقط» وهدم مرجعية القرآن، وقد وجدنا أنها محاولة ابتدائية سرعان ما نمت مع التيار الإخباري في أدلّة أكثر تطوّراً كما سنلاحظ.
الحسين بن شهاب الدين الكركي وجمع النَّص النافي
لم يشر الاسترآبادي، في استدلالاته، إلى كمّ كبير من النصوص الروائية تساعده على دعم رأيه، بل أعمل المعول العقلاني في هدم الظواهر القرآنية عبر الاستعانة بمفاهيم تنتمي للمعقول، مع إسنادها بيسير من النص الرِّوائي، ولم يشر صاحب «الفوائد المدنية» أيضاً إلى فكرة تفسير القرآن بالرأي لتكون معيناً له لسدّ باب النظر في القرآن، ولهذا وجدنا أدلّته ما زالت تخضع لدوائر المعقول أكثر من دوائر المنقول.
لكن الوضع لم يدم على ذلك طويلًا، بل ظهرت محاولة لعلها الأولى من نوعها، وكانت هذه المرّة مع الشيخ حسين بن شهاب الدين الكركي (1076هـ)، فقد ألّف الكركي كتابه الشهير «هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار» اعتمد فيه سحب البساط العقلاني من تحت مشروع علم أصول الفقه، حينما حاول أن يجمع في الموضوعات الأصولية، مختلف النصوص المتعلِّقة بهذه الموضوعات، فبدل أن
________________________________________
(31)وهذه النظرية هي أن الاسترآبادي لم يرفض العقل القطعي الجازم بل رفض الاستنتاجات الظنية العقلية، راجع: كفاية الأصول، نشر جماعة المدرّسين: ص 311 و312، ولعل الخراساني أخذ هذا التحليل عن المحدّث النوري الذي أفاض في الكلام حوله في الفائدة الحادية عشرة من فوائد خاتمة المستدرك، فانظر موقفه في الخاتمة 9/309.
(32)الفوائد المدنيّة: 128، واستدل بالحديث نفسه أيضاً الحرّ في الفوائد الطوسية، المطبعة العلميّة، قم، الطبعة الثانية، 1423هـ، ص194، والبحراني في الدرر النجفية 2/345 و346.
(33)عبد الله جوادي آملي، تفسير تسنيم، مركز نشر إسراء، قم، الطبعة الأولى، 1999م، ص 76.

[الصفحة - 283]


تُدرس فكرة: هل أن صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب أو لا، على نطاق التحليل العقلاني اللغوي؟ عمد الكركي إلى جمع الروايات التي يُفهم منها ـ حسب رأيه ـ أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أعطوا قاعدةً في هذا المجال، ومن ثم وضع تلك الروايات في كتابه هذا.
وقد كانت محاولة الكركي هذه خطوةً أولى في إضفاء لباسٍ نصِّي على موضوعات الأصول، تفرغ جهد الأصولي ـ خصيم الإخباري ـ من مبرّراته، وقد تلا هذه الخطوة خطوات أكبر وأكثر تنظيماً، فبعد الكركي جاء الفيض الكاشاني (1091هـ) ليؤلّف كتابه «الأصول الأصيلة»، وبعدهما عمد الحر العاملي (1104هـ) إلى كتابه «الفصول المهمة في أصول الأئمة» جمع فيه موضوعات علم الأصول، والكلام والفقه، والطب و... على الطريقة نفسها (34) ، وتوالت الخطوات.. فجاء المجلسي (1111هـ) ليضمّ إلى المجلّد الثاني من بحاره روايات من هذا النوع، وليُنسب إلى الفتوني قيامه بذلك في كتابه «الفوائد الغرويّة» (35) وهكذا، أدّت هذه الخطوة إلى التأثير على علم أصول الفقه حتى بعد انتصاره على الإخبارية، فدخلت هذه النصوص مجال الدرس الأصولي بدرجة أو بأخرى، ولنا أن نلاحظ نصوص الاحتياط، ونصوص ظواهر الكتاب، و.. في ثنايا البحوث الأصولية.
بل لقد تركت هذه الخطوة التي افتتحها الكركي أثراً حتى على الأصوليين من ناحية أخرى، فقد ألَّف السيد عبد الله شبّر (1242هـ)، أحد أعلام المجتهدين، كتابه «الأصول الأصلية والقواعد الشرعية» على هذا النسق، لكنه جمع النصوص بما ينتصر به لصالح مدرسة الاجتهاد لا الأخبار، وسبب ذلك ـ على ما قيل (36) ـ أن موطنه ـ الكاظمية ـ كان معقلًا للتيار الإخباري في زمانه، فكان بحاجةٍ لمخاطبتهم بلغتهم، بسحب الشرعية منهم، تماماً كما حاول الكركي من قبل في الطرف الآخر.
ولسنا نعارض هذه الخطوات برمّتها، بل ندعو إليها كما سبق وذكرنا ذلك في دراسة أخرى (37)، إنما نريد أن ننفتح على أفق جديد أحدثه الكركي.
وبالعودة إلى خطوة الكركي، نجد عنده تطوّرات لدعم اتجاه الاسترآبادي وتطوير نظريته على صعيد تدعيم أدلتها هي:
________________________________________
(34)ومما أسلفناه يظهر النقاش في ما ذكره الباحث الإيراني مهدي علي پور في كتابه «در آمدي به تاريخ علم أصول» نشر مركز جهاني علوم إسلامي، قم، الطبعة الأولى، 2003م، ص240، من أن تجربة الحرّ العاملي في «الفصول المهمّة» كانت أوّل تجربة في هذا المجال، فلاحظ.
(35)نسب إليه ذلك البحراني في لؤلؤة البحرين، ص 108 و109.
(36)مقدّمة مصابيح الأنوار في حلّ مشكلات الأخبار، بقلم جواد شبّر، ص: ل، ويذكر أن شبّر لم يقصر محاولته هذه على علم الأصول، بل كان ـ كما يصفه القمي في سفينة البحار، 6/78 ـ مشتهراً في عصره بـ «المجلسي الثاني»، بل كان كتابه «الأصوال الأصلية» على ما يبدو جزءاً من كتاب ضخم له اسمه: جامع المعارف والأحكام، مع ذلك كان لشبّر دور في الردّ على الإخبارية، فألّف مجموعة كتب من أبرزها 1 ـ زبدة الدليل 2 ـ منية المحصّلين وأحقية طريقة المجتهدين 3 ـ بغية الطالبين في صحّة طريقة المجتهدين، انظر المقدّمة المذكورة، ص: (ح) و(ط) و(ل).
(37)حيدر حب الله، نحو إعادة ترتيب للمصادر النصوصية، الفقه نموذجاً، مجلّة فقه أهل البيت (عليهم السلام) ، قم، العدد 24، ص 139 ـ 141.

[الصفحة - 284]


1 ـ جمعه كمّاً من النصوص التي تؤيّد سدّ مجال الرجوع إلى القرآن إلَّا عبر منافذ السنّة، وقد بلغت تلك النصوص تسعة عشر نصاً، وضعها تحت عنوان: «في تفسير القرآن والعمل به» (38)، وبذلك راكم المستندات النصيّة لصالح الإخبارية مضاعفاً جهد الاسترآبادي قبله، ليدّعي في نهاية بحثه وعرضه للأخبار، أن الروايات كثيرة (39).
2 ـ فتحه ـ شيعيّاً ـ إشكالية التفسير بالرأي، حيث ذهب إلى تظافر النصوص عن الأئمة (عليهم السلام) بالمنع عن تفسير القرآن على ظواهره، واستنباط الأحكام النظرية منها، وقد أتى على ذكر بعض نصوص التفسير بالرأي في الفصل نفسه (40).
3 ـ إسهامه في تكوين فكرة، أن القرآن خاصّ بالأئمة (عليهم السلام) وأنهم هم المخاطبون به خاصّة، لا سواهم، ما يحيل للآخر مجال الرجوع للكتاب العزيز بلا سنَّة (41).
4 ـ محاولته تثوير سيرة السلف لصالحه، كما كانت طريقة الاسترآبادي في عدّة مواضع من «فوائده»، فقد تقرّى بعض التفاسير القديمة فوجدها روائيةً، فأسند إلى متشرّعة الشيعة سلوكاً من هذا النوع، ذاكراً، على سبيل المثال، تفسير أبي حمزة الثمالي، وتفسير القمّي، وتفسير ابن مسعود العيّاشي و... ولمّا اصطدم بتجربة الطوسي وأمثاله حاول الالتفاف عليها بالقول: إنهم عملوا أيضاً في تفاسيرهم بما صحّ عندهم من كلام الأئمة (عليهم السلام)، وإذا ما فقدوا نصاً عنهم (عليهم السلام)، سردوا تفاسير أهل السنّة، من دون ترجيح مبيّنين اللغة والإعراب لا غير.
ولكي يحافظ الكركي على محاولته هذه نسب الغفلة عن نصوص المنع إلى العلماء الذين تكلَّموا في التفسير من الشيعة (42).
وبهذا طوّر الكركي مشروع «السنّة فقط» مصرّحاً بشموله لأصول الدين وفروعه، ليسمح فقط بالأمور البديهية الواضحة.
الفيض الكاشاني ومقولة تحريف القرآن
في رصدنا لتطوُّر بناءات نقد مرجعية النص القرآني، لا يمكننا ـ بعد الكركي ـ تخطّي الفيض الكاشاني (1091هـ)، فثمّة مقولة ألقاها الكاشاني سرعان ما نفذت
________________________________________
(38)الشيخ حسين الكركي، هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار، ص 155 ـ 162.
(39)المصدر نفسه، ص 162.
(40)المصدر نفسه، ص 156 و157.
(41)المصدر نفسه، ص 155.
(42)انظر المصدر نفسه، ص 155 و156.

[الصفحة - 285]


إلى مكوِّنات الصراع حول مرجعية القرآن، لكن هذه المقولة غدت مع الكاشاني مترجِّحة لتستقرّ في خاتمة المطاف مع المحدِّث النوري (1320هـ)، وقد أثار الكاشاني المقولة في وجه إمكانية الاعتماد على النص القرآني، وإن لم يقصد، ونتيجة منزعه هذا في الدخول إلى القرآن عبر السنّة، ألَّف الكاشاني كتابه التفسيري الروائي الشهير «الصافي».
في المقدمة الأولى لتفسيره، كما في الأصول الأصيلة أيضاً، يؤكِّد الكاشاني أنه لا يعلم ظاهر القرآن وباطنه و... إلا من نزل فيهم (عليهم السلام) فلا تعويل إلا عليهم (43)، ثم يخصِّص مقدِّمته الثانية لجمع النصوص التي أكَّدت أنّ علم القرآن كلَّه عند أهل البيت (عليهم السلام) (44)، وهكذا يستمرّ الكاشاني في تطوير نظريته فيعقد المقدِّمة الخامسة على التفسير بالرأي، لكنه يفتح الطريق هنا متجاوزاً أمثال الكركي، ومحدثاً شرخاً في الجبهة الإخبارية.
يذهب الكاشاني إلى أن مفهوم الراسخين في العلم يشمل كل من انفتح قلبه وصفت نفسه، «وليس ذلك من كرم الله تعالى بغريب»، ومن ثم فلا يختصّ بأهل البيت (عليهم السلام) بل يشمل أمثال سلمان الفارسي و...، وهذا يعني أن نصوص النهي عن التفسير بالرأي يجب فهمها بأحد شكلين:
الأول: أن يكون له رأي فيعمل في القرآن رأيَه، ولو لم يرَ هذا الرأي لما لاح له هذا المعنى.
الثاني: المسارعة إلى التفسير بالعربية بلا رجوع إلى السماع والنقل (45).
وفي الأصول الأصيلة فسَّر أدلّة المنع باختصاصها بالمتشابهات (46).
وفي «المحجّة البيضاء» فسّر الكاشاني النهي بأنّه يتعلّق بكشف المراد أو ردِّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الآخر من دون تجويز بل على الاحتمال (47)، مصرّحاً في كتابه «الحقائق في محاسن الأخلاق» بوجود فسحةٍ في التعدِّي عن النقل وبلوغ معاني القرآن، مندِّداً بمن يسمِّي ذلك تفسيراً بالرأي (48).
وأمام هذه النظرية في تفسير القرآن بالرأي تستوقفنا نقاط:
________________________________________
(43)الفيض الكاشاني، الصافي في تفسير القرآن، دار الكتب الإسلامية، تحقيق السيد محسن الحسيني الأميني، إيران، الطبعة الأولى، 1419هـ، 1/45، وانظر الأصول الأصيلة، دار إحياء الإحياء، إيران، الطبعة الثالثة، 1412هـ، ص 20 و21.
(44)الصافي 1/54 ـ 59.
(45)انظر المصدر نفسه، ص 72 و73 والأصول الأصيلة، طبعة إحياء الإحياء، قم، ص 21 و38 و40 ـ 44 و49 وحول جواز العمل بالكتاب لا أقلّ محكمه لاحظ ما تقدم، وأيضاً كتابه «الحق المبين في تحقيق كيفية التفقّه في الدين» الملحق بكتاب الأصول الأصيلة في طبعة إحياء الإحياء، ص 4 و5.
(46)الأصول الأصيلة، ص 37.
(47)المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء، الفيض الكاشاني، نشر جماعة المدرسين، قم، الطبعة الثانية، 2/253 و254.
(48)الحقائق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1979م، ص 253.

[الصفحة - 286]


الأولى: يبدو أن هذه النظرية صدرت عن النزعة العرفانية التي تأثَّر بها الكاشاني، فحاول أن يقوم بتوفيق بين معطيات العرفاء في سبر أغوار النص القرآني، وبين نزعته الإخبارية القاضية بمرجعية السنّة أوّلًا ثم القرآن.
الثانية: الذي يبدو أن الكاشاني يقبل العودة إلى النص القرآني، لكن بعد المرور بنص السنَّة، فإذا كان لنص السنَّة موقف كانت الأولوية له، وإذا لم يكن له موقف أمكن الرجوع للقرآن مباشرةً(49)، وهذا ما يعبِّر عنه أحد المفسِّرين المعاصرين بقوله: إن حجيَّة التفسير هل هي حجية فعليَّة أم معلقة شأنية على عدم ورود تفسير حديثي؟ (50).
وسوف نعرّج على هذه النقطة لاحقاً فلها دور في بعض التقييمات.
وعلى أية حال، وكما أشرنا، ثمة مقولة أدخلها الكاشاني في بحثنا هنا، وهي فكرة تحريف القرآن، فقد سرد في المقدّمة السادسة جملة من الروايات تفيد وقوع التبديل والتغيير في القرآن (51)، ولم يقف الكاشاني عند حدود التحريف بل استوقفته ملاحظة صارخة وهي أن مقولة التحريف تستدعي عدم إمكان الرجوع بعد ذلك إلى النص القرآني رغم أننا ملزمون بالتمسُّك بالقرآن وعرض الروايات عليه (52).
وهذه الملاحظة التي شكَّلت بداية مساندٍ قوي لسقوط الدلالات القرآنية لدى التيار الإخباري، سجَّلها الكاشاني نفسه في كتبه «الوافي» (53) ، و «علم اليقين» (54)، و «المحجَّة البيضاء» (55)، لكنه هناك عدَّها دليلًا قوياً لرد نصوص التحريف وحملها على أنها أرادت تفسير القرآن لا القرآن نفسه، أو أن التحريف فيها أريد منه التحريف المعنوي لا اللفظي (56)، أما هنا ـ في تفسير الصافي ـ فحاول ردَّها لإبقاء فكرة التحريف ـ مع ما تقدَّم ـ وفي الوقت نفسه عدم المساس بالدلالة القرآنية، وذلك عبر القول: إنَّ التغيير الذي تتحدَّث عنه نصوص التحريف لا يخلّ بالمقصود كثيراً، كحذف اسم علي، وآل محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وأسماء المنافقين، حيث لا يؤدي ذلك إلى خسارة قدرة التعميم في النص، فلا هدر للنص رغم التحريف، أو بالقول: إنَّهم (عليهم السلام) كانوا يتداركون ما فاتنا من النقص، ومن ثم فلنا الرجوع للكتاب وما نقص نأخذه عنهم (عليهم السلام) (57).
________________________________________
(49)أصل جواز الرجوع للقرآن صرّح به الفيض في الأصول الأصيلة، 36 و37 و135.
(50)الشيخ جوادي آملي، تسنيم، 1/46.
(51)المصدر نفسه، ص 75 ـ 89.
(52)المصدر نفسه، ص 89.
(53)الفيض الكاشاني، الوافي، نشر مكتبة أميرالمؤمنين (عليه السلام) العامّة، أصفهان، الطبعة الأولى، 1406هـ، ج5، القسم 3، المجلّد 9، ص 1778.
(54)الفيض الكاشاني، علم اليقين، انتشارات بيدار، إيران، 1400هـ، 1/565.
(55)المحجية البيضاء في تهذيب الإحياء، 2/260 ـ 263.
(56)الوافي: 1778، وعلم اليقين: 565، والمحجّة 2/263، والجدير ذكره أن الصافي كان من أواخر كتب الفيض تأليفاً، فقد أنهاه عام 1075هـ، أما الوافي فعام 1068، وعلم اليقين عام 1042هـ، والأصول الأصيلة 1044، والمحجّة عام 1046، راجع في ذلك لؤلؤة البحرين، ص 122 و123.
(57)الصافي، مصدر سابق، ص 89 و90.

[الصفحة - 287]


وهكذا يتبيَّن لنا أن الفيض الكاشاني، رغم أخذه بظواهر الكتاب أخذاً مشروطاً لنا وقفة معه لاحقاً، ورغم تشكيله تراجعاً إخبارياً كان حقَّق التقدُّم فيه من قبل الكركي في «هدايته»، إلا أنه أثار مسألة التحريف ودورها في سقوط الدلالات القرآنية، ما شكَّل في ما بعد عماداً من أعمدة مقولة عدم حجية ظواهر الكتاب العزيز، لكن الإخباريين لم يعتمدوا على فكرة التحريف هنا، ولم يدرجوها في سياق أدلَّة سقوط الدلالات القرآنية، وإنما أدرجها الأصوليّون أنفسهم في ما بعد، وإن ناقشوها كما يصرِّح بذلك التبريزي في أوثق المسالك (58).
فلم يكن دور الفيض هدم مرجعية القرآن، بقدر ما أسهمت دراساته القرآنية في تعزيز الهدم هذا، رغم أنه، هو نفسه، سعى جهده إلى تفادي الآثار السلبية هذه، لكنَّ مَنْ بعده استفادوا مما فتحه الكاشاني، ولهذا وجدنا في ما بعد النباطي الفتوني (ق 12هـ) يرى أن السرَّ في الإرشاد إلى أمر الولاية والإمامة، والإشارة إلى فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وفرض طاعتهم، هو وقوع التغيير في القرآن والتحريف، ذاهباً إلى طاعتهم (عليهم السلام) بحسب بطن القرآن وتأويله والإشعار بذلك على سبيل التجوُّز والرموز والتعريض في ظاهر الكتاب (59)، في محاولة منه لتوجيه جملة نصوص التأويل، وهي نصوص أفاض في الحديث عنها المحدّث هاشم البحراني في تفسير البرهان.
الحرّ العاملي والعصر الذهبي لمرجعية «السنّة فقط»
يمكننا، في ما تتبّعناه، أن نطمئن إلى أن الاسترآبادي قد أسّس هدم مرجعية القرآن، أساساً مشوباً بالضعف الطبيعي لمرحلة الانطلاق، وقد أسهم كل من الكاشاني والكركي و.. في تشييد أعمدة جديدة لنظرية الاسترآبادي، لكن محمد بن الحسن الحرّ العاملي (1104هـ) والشيخ يوسف البحراني (1186هـ) يمثلان أهم شخصيتين إخباريتين أسهمتا في تشييد نظرية «السنّة فقط» ودعمها، وردّ سيول النقد الجارف عليها، وإن كان البحراني في الوقت عينه يمثّل بداية التراجع كما سنرى.
لقد كانت الخطوات التي اتبعها الحر العاملي أكثر عمقاً وشمولية وبنيوية، وهي خطوات يمكننا إيجازها كما يأتي:
________________________________________
(58)أوثق الوسائل في شرح الرسائل، الميرزا موسى التبريزي، حجري، ص79، نعم عبارة السيد الخميني في تهذيب الأصول 2/417 و418 تفيد أن الإخباريّين هم من استدلّ بالتحريف على عدم حجية دلالات القرآن، لكننا لم نجد ما يؤكد هذا الكلام.
(59)أبو الحسن ابن محمد الطاهر العاملي النباطي الفتوني، مقدّمة تفسير البرهان المسمّاة «مرآة الأنوار ومشكواة الأسرار»، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى، 1999م، ص62، ولاحظ ما استدعاه من نصوص لذلك وللتحريف في الفصل الثالث من المقدّمة الثانية، ص 73 ـ 83. الحر العاملي، الفصول المهمة في أصول الأئمة، تحقيق وإشراف محمد بن محمد الحسين القائيني، نشر مؤسسة معارف إسلامي إمام رضا (عليه السلام) ، الطبعة الأولى، 1418هـ، 1/594 ـ 598.

[الصفحة - 288]


أولًا: استوعب الحر العاملي، بخبرته الحديثية، عدداً كبيراً من النصوص التي راكمها للاستدلال بها على عدم جواز الاستنباط من القرآن غير الأمور الواضحة الجليّة، فرغم أنه لم يجمع، في كتابه «الفصول المهمة في أصول الأئمة»، سوى ثمانية روايات رآها تمنع الرجوع إلى القرآن إلا عن طريق السنّة، وروايتين فقط تمنعان عن الأخذ بظواهر حديث النبي المروي عن غير الأئمة(60)، إلا أنه سجّل في «وسائل الشيعة»، قبل ذلك، اثنين وثمانين حديثاً في الموضوع الأوّل، وأربعة أحاديث في الموضوع الثاني (61)، وهو عدد لم يُسبق العاملي إليه، بل نصَّ الحر في «الفوائد الطوسية» على أنه جمع هذه النصوص فبلغت مئة وعشرين حديثاً، وفي نسخة أخرى للفوائد أنها بلغت مئتين وعشرين حديثاً (62).
وبقطع النظر عن تقييم هذه الأحاديث، إلا أن جمعها على هذه الحال، وبهذه الضخامة، خطوة غير مسبوقة، من شأنها أن تحسم النـزاع لصالح الإخباريين، وقد سعى البحراني، في «الدرر النجفية»، إلى جمع عدد كبير من الأحاديث، لكنه لم يبلغ مبلغ العاملي في ما فعل (63).
إن عملية التجميع التي قام بها الحرّ العاملي كانت تحتاج إلى فنّين معرفيين لم يكن يتسنّى لغير الحرّ ـ ربما ـ التحلّي بهما، ما جعل هذه الخطوة ترى أكبر نجاحٍ لـها على يديه، وهذان الفنّان والعاملان هما:
الأوّل: الموسوعية الحديثية التي تحلَّى بها العاملي، فالروايات الإثنان والثمانون التي سردها الحرّ في وسائله، أدرجها في كتاب القضاء، وهو الكتاب الذي يقع في الجزء السابع والعشرين من الوسائل المؤلّف ـ بحسب نسخة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ـ من ثلاثين جزءاً، والذي اشتمل مع المكرّرات والتقطيعات على 35868 حديثاً، وهذا يعني أنّ سيطرة الحرّ على المصادر الحديثية للشيعة وتصدّيه لتأليف موسوعة حديثية ضخمة كالوسائل جعلاه أقدر من غيره على جمع النصوص وتأليفها، فقد اعتمد الحر في الوسائل على ثمانيةٍ وسبعين مصدراً حديثيّاً قديماً، غير الكتب الأربعة المشهورة عند الإمامية (64)، وهذا رقم ليس بالسهل اليسير إحصاؤه والتحكّم به، وبهذه السمة نجح الحرّ في تقوية موقف الإخباريين عبر خبرته الحديثية
________________________________________
(60)الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، إيران، الطبعة الأولى، 1412هـ، 27/176 ـ 209.
(61)الحر العاملي، الفوائد الطوسيّة، ص 169.
(62)الشيخ يوسف البحراني، الدرر النجفية والملتقطات اليوسفية، 2/340 ـ 345.
(62)وسائل الشيعة، 30/153 ـ 159، الخاتمة، الفائدة الرابعة.
(63)الفوائد الطوسية، ص 163.
(64)المصدر نفسه، ص 186 ـ 195.

[الصفحة - 289]


الموسوعية التي انتجت غير وسائل الشيعة كتباً أخرى مثل «الفصول المهمة» و«إثبات الهداة» و...
الثاني: الخبرة التنظيمية التي اكتسبها الحرّ من تجربة الوسائل، فليس بالأمر اليسير أن توضع مئات العناوين لتجمع تحتها روايات فقهية متفرِّقة، إن خبرة الحرّ العاملي في ربط النصوص بالعناوين رغم أن علاقة هذه النصوص مع عناوينها تختلف وتتخلَّف، من حيث دلالة النص أحياناً على العنوان دلالةً مطابقية، وأحياناً أخرى دلالةً تضمّنية، وثالثة دلالةً إلتزامية بدرجات الالتزام المختلفة قرباً وبعداً.. هذا النوع من الخبرة يجعل الباحث الموسوعي قادراً على استدعاء نصوص موزَّعة لإدارتها حول نقطة معينة، وهذا ما جعل الحرّ قادراً على استدعاء عددٍ كبير من النصوص ذات الموضوعات المختلفة وجرّها إلى محور واحدٍ هو النهي عن استنباط الأحكام النظرية من القرآن من دون الرجوع إلى السنّة، ولعلّنا نأتي على ذكر المجموعات التي تتكوّن منها نصوص الحرّ وغيره عمّا قريب لولا خوف الإطالة.
ولسنا ندَّعي أن الحر العاملي قد أصاب في اختياره هذه النصوص، فقد نختلف معه، إلا أن احتمال العلاقة القائمة بين النص والعنوان تسمح للحرّ، ومن ثم لأنصار المدرسة الإخبارية، بتدعيمها لتحويلها إلى دليل قوي على مرجعية السنّة فقط، ومن ثم يكون الحرّ قد أسهم في تعبيد الطريق أمام نقّاد المدرسة الإخبارية لهدم مرجعية النص القرآني.
ثانياً: كانت الخطوة الأولى التي قام بها الحرّ دفاعيةً، لكن على صورة هجوم، لكن الحرّ مرّة أخرى مارس الأمر نفسه بردّ أدلّة الأصوليين القائلة بظواهر القرآن، ففي كتابه الشهير «الفوائد الطوسية» خصّص العاملي الفائدة الثامنة والأربعين لدراسة موضوع حجية ظواهر الكتاب، رادّاً على ما وجده عند بعض معاصريه من أدلّة سيقت لنصرة مقولة الأصوليين، وقد استبق الحر ردّه هذا بالقول: إن هذه المقولة على خلاف النصوص المتواترة (65)، مشيراً بذلك إلى ما سجّله في وسائله وغيره من روايات.
ولن نحلّل فعلًا طبيعة تقييم الطرفين لأدلّة بعضهما البعض، ما سنتركه إلى نقطة قادمة، وإنما نحاول التماس التطويرات التي أدخلها الحرّ في التصوُّر الإخباري
________________________________________
(65)المصدر نفسه، ص 169.

[الصفحة - 290]


أو البرهنة الإخبارية، ويمكننا هنا اعتبار نصّ الفائدة الــ 48 ما قد يكون أوسع عملية جدل في هذه المقولة حتّى حينه، فلم نعثر على وثيقة تؤكِّد حصول جدل بهذه السعة والغزارة من المعطيات قبل الحر العاملي، ولك أن تتأكَّد من هذا الأمر عندما تلاحظ الفصل الملحق بنص هذه الفائدة، حيث أدرج فيه العاملي ثمانيةً وعشرين دليلًا على إثبات نظرية الإخباريين في رفض مرجعية «القرآن دون السنّة» (66)، وهو عدد ليس بالسهل اليسير إذا ما قايسناه بما قبله، سيما وأن الحرّ اعتمد في كثير من هذه الأدلة، أدلةً عقلية عقلانية لا مجرّد سرد نصوص.
ثالثاً: في أوَّل نقد من نوعه يسحب البساط من تحت أدلّة المدرسة الأصولية في دفاعها عن مرجعية القرآن، يثير العاملي ملاحظة مهمَّة وفقاً للقواعد الأصولية نفسها، فهو يقول: إنّه لا مانع من الاعتراف بكل الأدلّة المذكورة لإثبات حجية ظواهر القرآن، لكن وجود أدلّة أخرى تدل على لزوم العمل به عن طريق سنَّة أهل البيت (عليهم السلام) تقيّد تلك الأدلة الأولى، لأن الأدلة الأولى تلزم بالعمل بالكتاب مطلقاً، من دون أن تنصّ على أن ذلك مباشرةً أو عبر الأخذ بأقوال شرّاحه، وهم أهل البيت (عليهم السلام) ، فإذا ما جاء دليل آخر يُلزِم ـ للأخذ بالكتاب ـ بالرجوع إلى السنّة فإنه يقيّد الدليل الأوّل بهذه الصورة طبقاً لما يسمَّى في علم أصول الفقه بقواعد الجمع العرفي في باب المطلق والمقيد والعام والخاص (67).
وعبر هذه المحاولة، افترض العاملي سلامة أدلّة الأصولي، لكنه أفرغها من طاقة الإنتاج التي تولّد مرجعية الظهورات القرآنية.
ولسنا فعلًا في صدد محاكمة هذه المحاولة، فهي، في رأينا، غير سليمة، لكنها على أيّ حال أوّل محاولة تتجاوز نقد دليل الأصولي إلى الاعتراف به مع إفراغه من قوّة التأثير، الأمر الذي يجبر الأصولي على دراسة أدلّة الإخباري قبل الخروج بنتائج، لأنّ أدلته الخاصة لم تعد تكفي لوحدها في إنتاج المطلوب.
وثمَّة محاولة أخرى للعاملي في نسف أحد أهم أدلّة الأصولي، وهي أخبار العرض على الكتاب نرجئها إلى حين الحديث عن دور البحراني عمَّا قريب، لأنّ مداخلة البحراني أهم علميّاً من الحرّ هناك.
________________________________________
(66)المصدر نفسه، ص 186.
(67)الميرزا القمي، القوانين المحكمة، حجري، 1/383، والسيد عبد الله شبّر في الأصول الأصليّة، ص 105، والسيد باقر الصدر في مباحث الأصول: 2/238.

[الصفحة - 291]


رابعاً: ربما بإمكاننا القول: إنَّ الحرّ العاملي كان أوّل من استخدم النصّ القرآني نفسه في نسف حجية هذا النص، وهذه المحاولة تبدو للوهلة الأولى غير منطقية، ذلك أنّها تؤدي إلى التورّط في الدور الباطل منطقياً، كيف يمكن الرجوع إلى القرآن لإثبات أن لا قيمة للرجوع إليه؟ أليس هذا تناقضاً صريحاً؟! فإذا كان القرآن غير حجّة، فكيف جاز لنا الرجوع إليه بغية إسقاط قيمته؟! وإذا كان حجة فكيف يمكن القول بعدم حجيّته؟!
لم تثنِ هذه الإشكالية الحرّ العاملي عن المضي قدماً في استنطاق النص القرآني في العديد من آياته، انطلاقاً مما رآه مبرّراً منطقياً، وذلك:
1 ـ إننا بالعودة للنصّ القرآني نفحم خصمنا الذي يرى مرجعية هذا النص، ومن ثم نوقعه في تناقض.
2 ـ إن ما نستفيده من هذه النصوص القرآنية وما نفهمه منها، قامت روايات متواترة مؤيّدة له، وهذا معناه أننا نمارس رجوعاً للنص القرآني عبر السنّة، الأمر الذي يبدّد شبح الإشكالية المزعومة(68).
ولعلّه من المناسب هنا تسجيل ملاحظة مشتركة تطال على السواء المبرّر الثاني المذكور آنفاً، ومحاولة تقييد ما دلّ على الرجوع إلى القرآن بالرجوع إليه عن طريق السنّة، وفاءً بما وعدنا به عند الحديث عن الكاشاني وهذه الملاحظة هي: هل أن ما يسمّى بالرجوع إلى النص القرآني عبر نص السنّة رجوعٌ في واقعه المعرفي إلى النص القرآني أم هو رجوع في حقيقته إلى نص السنّة لا غير؟!
إذا كان نصّ السنة قطعياً مؤكّداً، في مصدره ودلالته، فبالإمكان حينئذٍ التأكّد من دلالة النص القرآني، لأن هذا معناه أننا سمعنا النص من النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) مباشرةً، وحيث لا فصل بين النبي والقرآن في هذا الإطار كان المدلول القرآني واضحاً لنا حينئذٍ، فالسنّة الواقعية شارح للقرآن، والعمل بالقرآن على أساسٍ منها رجوع إلى الكتاب والسنّة معاً، وأمّا إذا ما كانت السنّة ظنيةً كأخبار الآحاد ـ كما هو الغالب ـ فإن الرجوع إليها ليس رجوعاً إلى قول النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، بل هو رجوع إلى ما يدّعي أنه يحكي لنا قول النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وإذا كان ما يدّعي ذلك حجةً مبرءاً لذمّتنا العمل به، فلا
________________________________________
(68)انظر على سبيل المثال كفاية الأصول للآخوند الخراساني، ص337، ونهاية الدراية للمحقّق الأصفهاني، 2/189 ـ 191، وحقائق الأصول للسيد محسن الحكيم، 2/110 و111.

[الصفحة - 292]


يعني ذلك أنه ـ واقعاً ـ قول النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، ومن ثم فهذا الفصل المعرفي والواقعي بين السنّة الواقعية والسنّة المنقولة المحكية يمنع اعتبار الرجوع للكتاب عبر السنة المحكية رجوعاً لـه، وإنما هو في واقعه رجوع للسنّة فحسب.
وبهذا يتبيّن لنا أن الرجوع إلى السنّة المحكية ليس رجوعاً للقرآن، حتى لو كانت هذه السنّة تفسّر القرآن نفسه، كما يصرّح بأصل المطلب بشكل موجز الميرزا القمّي في القوانين وغيره (69)، وهذه نقطة جديرة بالملاحظة، لأن واحدةً من أهم إشكالياتنا المعاصرة في الوسط الإسلامي هي الغفلة عن التفرقة ما بين السنّة الواقعية والسنّة المحكية، رغم أن دراسات علم أصول الفقه أجلت الفرق بين نوعي السنّة هذين من حيث المبدأ (70).
وعلى أيّة حال، ومنذ الحرّ العاملي، ظهرت أدلّة الكتاب إلى جانب أدلّة السنّة لنصرة نظرية الإخباريين، ما شكّل تحوُّلًا جديداً في الصراع الإخباري الأصولي.
خامساً: ثمّة تشابه بين تجربة الحرّ العاملي والفيض الكاشاني، فقد أثار الكاشاني مسألة التحريف التي سرعان ما التقمها موضوع الظهور القرآني، وعلى المنوال نفسه قام الحر العاملي بخلخلة عماد آخر يقوم عليه النص القرآني، وذلك حين ادّعى أن الظهورات القرآنيّة أكثرها «بل كلّها على التحقيق» متعارضة، وليس لدينا قاعدة يدلّ عليها دليل ويعتدّ بها المنصف في الترجيح وحلّ إشكاليّة التعارض هذه، ولم يكتفِ العاملي بادّعاء تعارض النصوص القرآنية بل تعدّى إلى القول بأن الاختلاف الحاصل في نصوص السنّة أقل بكثير بالنسبة إلى اختلاف ظواهر الكتاب (71).
إن هذه المقولة حسّاسة جدّاً يجدر بنا تحليلها ومن ثم نقدها، إن معناها أن النص القرآني ـ لا أقلّ بالنسبة لنا ـ متناقض تناقضاً داخلياً، وليس فقط غير مفهوم، فتارةً نقول: هذا النص لا نفهمه ولا يلوح لنا منه شيء، وأخرى نقول: إن استنتاجنا وفهمنا لهذا النص يجعلنا نشعر بأنَّه يعارض النص الآخر، ومن الطبيعي أن الحرّ العاملي لا يريد الزَّعم أن كتاب الله متناقض، فهذا ما لم يتفوّه به مسلم، بل يريد القول: إنَّ فهم كتاب الله يفضي إلى دلالات متناقضة، وكأن الكتاب جعل واضحاً لغيرنا، أي لأهل البيت (عليهم السلام).
________________________________________
(69)الفوائد الطوسيّة، ص 192 و193.
(70)أما أنها أقلّ من خمسمائة فراجع في ذلك الشيخ مسعود السلطاني في «أقصى البيان في آيات الأحكام» 1/17، تبعاً للمقداد السيوري في كنز العرفان، النسخة المحققة، ص29، وقد نسبا القول بالخمسمائة إلى المشهور، وأما مقولة تجاوز الألف، فانظر الشيخ محمد مهدي شمس الدين في «الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي»، ص 82.
(71)يعتقد الشيخ محمد كاظم الخراساني، أحد أكابر علماء الأصول الشيعة، أن معنى جعل المولى سبحانه خبراً ما حجةً مثلًا فيما لو كان في واقعه مجرّد ظن، أنه يجعله منجزاً ومعذّراً، أي لو أخبرنا بتكليف لدخل في ذمتنا، ولو أعلمنا برخصة لغدونا معذورين لو صادف أن الواقع لم يكن رخصة، ولمّا ربط الخراساني حجية الظنون بهذا الأمر اضطرّ إلى حصر قيمتها بالمجال العملي، لأنه هو المجال الذي فيه فعلٌ أو ترك، تنجيز وتعذير، ولذلك خرجت الظنون عنده عن عالم التاريخ والعقيدة والتكوينيات، راجع نظريّته في كتابه الشهير، كفاية الأصول، ص 319 و395، وقد ردّ عليه بعض العلماء بأن إخراج غير آيات الأحكام إنما ينسجم مع نظريته هذه، وحيث يذهب الأكثر إلى نظريات أخرى، مثل نظرية الطريقية، لم يكن كلام الخراساني سليماً عندهم، انظر على سبيل المثال، الميرزا جواد التبريزي، دروس في مسائل علم الأصول، دار الصدّيقة الشهيدة، إيران، الطبعة الأولى، 2003م، 3/132، لكن المحقق العراقي مع ذلك تبنّى جواب الخراساني بإخراج آيات الأحكام عن المشكلة في كتابه نهاية الأفكار 3/591.

[الصفحة - 293]


ونكاد، في تحليلنا لمقولة العاملي، أن نطمئن إلى سبب يسوِّغ قوله: إن اختلاف نصوص الكتاب أكثر من اختلاف نصوص السنّة، فإن هذا القول لا يمكن أن يصدر عن مفسّر قدير خبير بالنص القرآني كالعلامة الطباطبائي الذي ادّعى على العكس تماماً أن مثل هذه التوهّمات لا أساس لها من الصحّة، وأن كتاب الله يفسّر بعضه بعضاً. إن مقولة العاملي ناجمة عن عدم اهتمام التيار الإخباري بالكتاب من دون السنّة، فكانت خبرة هذا التيار محدودة نسبيّاً على هذا الصعيد، إن الذي يخبر السنّة وتعارضاتها يسهل عليه حلّ الكثير من هذه التعارضات، ولذلك زعم العاملي أن تعارض السنّة قليل، والعكس صحيح أيضاً، وإلا كيف يمكن القول بقلّة تعارض السنّة، ولا يكاد يخلو بحث في الفقه الإسلامي من نصوص متعارضة، فليراجع الخبير أبواب الفقه يجد ذلك جليّاً؟! وليست درجة التعارض هذه من كونها أوّلية لا تستعصي على الحل أو مستقرّة تأباه بمفارقةٍ للقرآن، فإن ما يتصوّر أنّه نصوص متعارضة يجب التأكيد أنها مستقرّة لا أوّلية.
إن مقولة العاملي تخطّت ما ذهب إليه المستشرقون، فقد حاولوا ادعاء وجود تعارض في الكتاب، لكنهم لم يقولوا: إن جميع نصوص القرآن ذات الدلالات الظهوريّة متعارضة.
نعم، يمكن الدفاع عن العاملي بأن كلامه في استنباط الأحكام من القرآن، ومن ثم حديثه، خاصّ بآيات الأحكام التي اشتهر أنّها خمسمئة آية، وإن بلغ بها بعض المتأخّرين ما يزيد على الألف، وأنقصها بعضهم عن الخمسمائة (72)، لكن تفكيك العاملي بين النص التشريعي وغيره لا يبدو واضحاً، سيما إذا قلنا بما ذهب إليه البهبهاني وغيره من أنّ الإخباريّين قائلون بعدم حجية ظواهر الكتاب حتى في مثل «قل هو الله أحد»، على أنّ أدلّة الإخباري في غالبها لا تختص ـ كما لاحظنا ونلاحظ ـ بآيات الأحكام، وإن حاول الأصولي أحياناً كالآخوند الخراساني جعل المشكلة في هذا النوع من الآيات فحسب على نظرية خاصّة به في مفهوم الحجية (73).
بل لو تأكَّد أن الإخباري يحصر نظريته بآيات التشريع، فلا نكاد نفهم معرفياً ولغوياً كيف تمّ الفصل بين نوعي الآيات؟ وهل كانت التراكيب القرآنية مزدوجة
________________________________________
(72)الفوائد الطوسية، ص 193.
(73)انظر حول ذلك كفاية الأصول، ص 274 ـ 276، وفوائد الأصول للنائيني، 2/561، وصاحب المعالم في معالمه، ص 140 ـ 142، والعلامة الحلي في تهذيب الوصول إلى علم الأصول: 236، والسيد الخوئي في «محاضرات في أصول الفقه»، 5/309 ـ 315، والبيان، ص 400 ـ 403.

[الصفحة - 294]


تختلف في ما بينها؟ رغم أن التسلسل الزمني لا يساعد على فصل آيات التشريع كما التسلسل الترتيبي للقرآن الموجود بين أيدينا اليوم؟ فإذا فصل العاملي بين هذين النوعين ففصله غير مفهوم، وإذا ضمّهما، كما هو المعروف عن الإخباريين، فهذا يعني تناقض النصوص القرآنية الظهوريّة كافّة، وهل يتصوّر وجود كتاب تزيد آياته على ستة آلاف مبتلى بتناقض إلى هذا الحد حتى لو قلنا: إن ظهوراته هي ألف آية أو ما يقاربها فقط!؟ وما هو التحقيق الذي يراه العاملي مؤكّداً في جميع النصوص القرآنية؟ إلا إذا قال العاملي: إن النصوص واضحة الدلالة كثيرة جداً، كما سنتحدّث عنه، بحيث تغدو الظهورات بحجم أصابع اليد، وهو بعيد عمَّا يعطيه كلامه.
سادساً: يحاول العاملي أن يرهن نظرية الإمامة برمّتها لإسقاط النصّ القرآني، وهي محاولة لا تخلو من حساسية ودلالة، فهو يرى أنّ النص القرآني لو أمكن لنا الرجوع إليه لجاز لنا الاستغناء عن الإمام (عليه السلام) ، إذ ما من مطلب أصلي أو فرعي، إلا ويُستنبط من القرآن، وفقاً لما أشار إليه القاضي عبدالجبار المعتزلي (74).
ويبدو أنَّ العاملي يغض الطرف، في مقولته، عمّا كان أسلفه سابقاً من تعارض دلالات النص القرآني، أو أنه يجاري خصمه الذي يزعم أنه بالإمكان استخراج قضايا الأصول والفروع من القرآن، لكن على أية حال، فمحاولة ربط هدم النص القرآن بنظرية الإمامة محاولة غير منطقية، ذلك أنّها تتجاهل عدّة عناصر لها تأثير في الموضوع، وقد عُني بالجواب عن هذه الإشكالية ومؤسسو اتجاه تفسير القرآن بالقرآن وأنصاره، الذين يقف على رأسهم في العصر الحديث العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، إن الإقرار بمرجعية القرآن لا يعني سقوط نظرية السنّة، فلا ربط بين الموضوعين:
1 ـ أما الاتجاه السائد في مدارس علم أصول الفقه، فيأخذ بالنص القرآني، لكنه مع ذلك لا يأبى الأخذ بالسنّة، بعد أن تمّ الدفاع عن نظرية تخصيص العام الكتابي بخبر الواحد (75)، وهذا معناه أن النص القرآني يمكن أن يخضع لتعديلات في الاستنتاج الحكمي عن طريق السنّة، بل يذهب أحد روّاد هذا الاتجاه، وهو السيد أبو القاسم الخوئي في كتابه «البيان»، إلى أن القرآن يفهم عن طريق ظواهر الكلمات، والعقل، والسنّة، ما يعني أنّ بعض النصوص القرآنية عنده قد تحتاج
________________________________________
(74)السيد أبو القاسم الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ج 50 من موسوعة الإمام الخوئي، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، ص 397 و398.
(75)السيد محمد حسين الطباطبائي، القرآن في الإسلام، ترجمة السيد أحمد الحسيني، دار الإسلام، الطبعة الأولى، 1999م، ص 63 ـ 77.

[الصفحة - 295]


إلى نصّ من السنّة لكي تنجلي، من دون أن نسقط الدلالات القرآنية برمّتها كما فعل الإخباري(76).
2 ـ أما اتجاه تفسير القرآن بالقرآن، الذي يؤكّد على إمكان فهم النصوص القرآنية كافّة، من دون حاجة إلى السنّة، فهو الآخر لم يلغِ دورها، بل قد صرّح العلامة الطباطبائي، في كتابه «القرآن في الإسلام»: إن للحديث مع ذلك دورين أحدهما تعليمي والآخر تفصيلي (77)، فمن جهة تسهم السنّة في اختصار مراحل الاجتهاد في القرآن بلفتها النظر إلى عناصر مؤثّرة في النص، كما تعلّمنا أحياناً كيفية استنطاق النص القرآني، وتجعلنا السنّة أيضاً أقدر على الإشراف على زوايا الكتاب الكريم كلّه، كما ترشدنا إلى نهج استنباط الأحكام منه، أو منهج إجراء الشريعة القرآنية.
وإلى جانب هذا الدور التعليمي، ثمة دور تفصيلي آخر للسنَّة يتمثّل في ذكرها تفاصيل الأحكام الموجزة في القرآن أو غير المذكورة، وتفاصيل القضايا التاريخية التي أتى على ذكرها القرآن، وكذلك تفاصيل المعاد والقيامة، وما يتعلَّق أيضاً ببطون القرآن.
وأعتقد بأنَّنا لم نعد بحاجة إلى إضافة أشياء أخرى تسهم السنّة فيها، وهذا يعني أن لا تناسب عكسياً بين نظرية الإمامة واعتبار النص القرآني، خصوصاً إذا أخذنا بالمقولات الفلسفية العرفانية الأخيرة في تحليل مفهوم الإمامة (78).
سابعاً: للمرَّة الأولى نجد فقيهاً إخباريّاً يحاول درء التهمة عن الإخبارية في موضوع إسقاط ظواهر القرآن، فقد ختم العاملي دراسته في هذا الموضوع بالجواب عن هذا التساؤل: أين هو القرآن في الفكر الإخباري؟
تساؤل يطرأ على ذهن أيّ إنسان يقرأ التصور الإخباري لمصادر المعرفة الدينية، ويحاول العاملي سرد ثمانية فوائد للكتاب تبقي له قيمةً واعتباراً في ميادين معيّنة، ولأجل أننا نريد درس هذه المحاولة من العاملي، نذكر هذه الفوائد وهي:
1 ـ «إن الكتاب معجزة النبوَّة ودليل صحة الإسلام.
2 ـ إن إمامة العترة (عليهم السلام) وحجية أقوالهم (عليهم السلام) تُعلم من الكتاب...
________________________________________
(76)وهي نظريات تربط الإمامة بالعالم الباطني والولاية على عالم التكوين.. انظر حول ذلك كمثال العلامة الطباطبائي في نظرية الهداية الإرائية والهداية الإيصالية، وانظر المطهري في بحث الإمامة و...
(77)الفوائد الطوسيّة، ص 194 و195.
(78)لم أعثر على هذا الكتاب لكن نُقِلَ ذلك.

[الصفحة - 296]


3 ـ إنه مرجّح قوي عند تعارض أخبار العترة.
4 ـ إنه يمكن الاحتجاج به على العامة (أهل السنة) لأنهم يعتقدون بحجيَّة تلك الظواهر..
5 ـ إنه مؤيد عظيم لأحاديث العترة.
6 ـ إنه مشتمل على مطالب مهمّة متواترة فيه صريحة مؤيّدة للأدلة العقلية القطعية، كآيات التوحيد والعدل و...
7 ـ إن فيه من الحكم والآداب النافعة المتواترة الضروريّة ما لا يُحصى..
8 ـ إنه دالّ على وجوب الرجوع إلى العترة في تفسيره وتأويله...» (79).
ويمكننا تسجيل عدّة ملاحظات على محاولة العاملي منح القرآن دوراً ما في العقل الإخباري امتصاصاً لأيّ نقمة هي:
الملاحظة الأولى: إن الفوائد: الثانية والثالثة والخامسة والثامنة ليست دوراً للقرآن بقدر ما هي تحويلٌ له إلى أداة لخدمة السنّة نفسها، فلا تعطي هذه الفوائد ـ بما فيها الثالثة على تفسير الإخباريين لأخبار العرض على الكتاب كما سيأتي ـ أصالةً للنص القرآني بقدر ما تجعله معيناً للسنّة.
الملاحظة الثانية: إن الفائدة الخامسة محاولة لتوظيف القرآن في سياق جدل لا منح القيمة له في حدّ ذاته، ولولا أن الطرف الآخر هو الذي منحه القيمة الدلالية لكان الإخباريّ في غنى عنه.
الملاحظة الثالثة: لقد أسلفنا النقد على العاملي في الاستدلال بالكتاب على أيّ موضوع فلا نعيد، ولا فرق فيه بين الموضوع العقدي المتصل بالإمامة والموضوع الفقهي المرتبط بالأمور العملية، وافتراض أن دلالة آيات العقيدة نص صريح افتراض يجانب الصواب في بعض التفاصيل.
الملاحظة الرابعة: إن الفائدتين السادسة والسابعة تمثّلان دلالة مهمَّة لفهم الموقف الإخباري، فهل يعتقد الإخباريون بأن آيات العقيدة والآداب والوعظ والتذكير جميعها نص صريح وهي تشكّل حجماً ضخماً من الكتاب؛ الأمر الذي لم
________________________________________
(79)الشيخ يوسف البحراني، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، 1/167، وقد كثرت الأقوال في الفروقات ما بين الأصولية والإخبارية، فقد أوصلها الشيخ عبد الله البحراني السماهيجي في كتابه «منية الممارسين في أجوبة الشيخ ياسين» إلى ثلاثة وأربعين فرقاً، وقد ذكر محمد باقر الخوانساري في «روضات الجنّات» 1/127 ـ 130، منها ثلاثين فرقاً، كرّرها الدكتور علي رضا فيض في كتابه ويژكَيهاي اجتهاد وفقه پويا، ص69، وتطرّف قوم فجعلوها ستةً وثمانين كما فعله محمد بن فرج في كتابه «فاروق الحق»، كما تعرّض الشيخ جعفر كاشف الغطاء في رسالته التي نأتي على ذكرها «الحق المبين» إلى عدد كبير من الفروقات، وقد قلّص هذه الفروق إلى ما دون العشرة بل أقل صاحب الحدائق في حدائقه، 1/167 ـ 169، وسرد بعض الفروق أيضاً محمد صادق بحر العلوم في دليل القضاء الشرعي، ج3 من القسم الأوّل، ص18، وجعفر الخليلي في موسوعة العتبات المقدّسة، ج7، قسم النجف 2/67 ـ 71، ورشيد الصفّار في مقدّمته على ديوان الشريف المرتضى، نشر المؤسسة الإسلامية للنشر، الهدى، بيروت، الطبعة الثانية، 1987م، 1/74 و75، وأهم من قلّص هذه الفروق هو الشيخ فرج العمران في كتابه «الأصوليّون والإخباريّون فرقة واحدة».

[الصفحة - 297]


يتفوّه به الأصوليّون أنفسهم عدا نزرٌ يسير؟ أم أن مقالة العاملي فيها حسن ظن بالدلالة القرآنية؟
وهاتان الفائدتان ربما تساعداننا على تحديد أدق، فالإخباري يناقش في ظواهر الكتاب، ولا يناقش في دلالته الصريحة، وإذا رجعنا إلى نص العاملي سنكتشف أن الدلالات الصريحة كثيرة جداً وأكثر من أن تحصى على حدّ تعبير العاملي نفسه، وهذا ما قد يعزّز أن ما ركّز الإخباري عليه نظره كان ـ في الغالب ـ عبارة عن آيات الأحكام، وإن كان بين الإخبارية تيار يسدّ الطريق مطلقاً، كما أشير ونشير لاحقاً، وهذا يعني أنّ العاملي محسوب في هذا الموضوع على تيار الاعتدال الإخباري إلى حدّ ما رغم جميع جهوده.
المحدِّث البحراني وبداية تراجع النظرية الإخباريّة
المحدِّث الشيخ يوسف البحراني (1186هـ) أشهر معتدلي الإخبارية، وخاتمة المدّ الإخباري الساحق، عاصر البحراني العلامة محمد باقر المشهور بالوحيد البهبهاني (1205هـ)، ودارت بين الطرفين نقاشات طاحنة وطويلة دوَّن قسماً كبيراً منها السيد حسن الصدر (1354هـ) في كتابه «بغية الوعاة» (80)، وقد أسفرت المناظرات عن تراجع ملموس للتيار الإخباري عموماً، بدا واضحاً في جُماع بعض المواقف العلمية التي اتخذها البحراني، ومسلكه الاعتدالي الذي ذهب فيه ـ كما ينصّ عليه في المقدّمة الثانية عشرة من مقدّمات أهم كتبه: «الحدائق الناضرة» ـ إلى تقليص الفروق المزعومة بين الإخبارية والأصولية إلى حدّ قليل جداً قياساً ببعض من أفرط في سرد عشرات الفروق بين المدرستين، كما فعل الشيخ عبد الله السماهيجي البحراني؛ حيث ادّعى وجود ثلاثة وأربعين فرقاً (81)، كما أعلن البحراني في نهاية مقدّمات الحدائق أنه كان ينتصر للإخباريين لكنه الآن يختار إسدال الستار لجملة أسباب أبرزها عنده، إلى جانب قلّة الفروق، استلزام هذا النزاع القدح في علماء الطرفين، بل ربما انجرّ إلى القدح في الدين نفسه على حدّ تعبيره هو، وقد انتقد البحراني ـ ومن قبله الفيض ـ تجربة الأمين الاسترآبادي، حيث ذكر أنه اءَكثَرَ من الطعن على العلامة الحلّي (726هـ)، واعتبر ارتفاع صيت الاختلاف مبتدءاً من زمنه
________________________________________
(80)الحدائق الناضرة، 1/167 و170، وانظر نقده له أيضاً في لؤلؤة البحرين، تحقيق السيد محمد صادق بحر العلوم، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) ، للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، ص 117 و118، ولاحظ نقد الفيض في رسالته «الحق المبين في كيفيّة التفقّه في الدين»، ص 12.
(81)حول السلوك الأخلاقي للبحراني مقابل الأصوليين والوحيد راجع، الشيخ محمد مهدي الآصفي، دور الوحيد البهبهاني في تجديد علم الأصول، دراسة أدرجت بوصفها مقدّمة للفوائد الحائرية، ص 42 ـ 45.

[الصفحة - 298]


(ره) معبّراً عنه: «سامحه الله برحمته المرضية، فإنه جرّد لسان التشنيع على الأصحاب، وأسهب في ذلك أيّ إسهاب، وأكثر من التعصّبات التي لا تليق بمثله من العلماء الأطياب» (82).
بهذا الشعور الأخلاقي (83) المنضمّ إلى الإحساس بأن تعظيماً للخلاف قد وقع، إلى جانب الجدارة التي أبداها الوحيد البهبهاني ـ كما سنلاحظ ـ في ردّ مقولة الإخباريين مع ضعف الدولة الصفويّة... عوامل ثلاثة أخلاقية، معرفية، خارجية أدّت إلى انحسار الإخبارية على يد البحراني أو في عصره.
ويبدو أن التيار الإخباري ـ كأكثر تيارات النص في الفكر الديني ـ تعاطى بقسوة مع تيار العقل والعقلانية الذي تمثّل بالفلاسفة وعلماء أصول الفقه، ما قارب بين تياري الفلسفة والأصول ليبلغ هذا التقارب أوجَهُ مع الشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمپاني (1361هـ)، وكان الإفراط في حدّة الصراع سبباً دفع البحراني ذا النزاعة الأخلاقية إلى التنحّي، وكان تنحّيه ـ وهو في العمق العراقي آنذاك (كربلاء) حيث الحوزات الشيعية الكبرى ـ سبباً في ضربة قاصمة مني بها هذا التيار.
لكن هذا لا يعني أنّ البحراني لم يكن إخبارياً صلداً في أفكاره، بل جمعت أفكاره عصارة الأطروحات الإخبارية مع تعديلات، وفي موضوع مرجعية السنّة فقط ومرجعية القرآن كانت للبحراني إسهامات كثيرة في ما يأتي:
أوَّلًا: التقف البحراني مقولة الفيض الكاشاني في التحريف، فذهب بها حتى النهاية، مطوّراً هذه المرّة من تداعياتها، فقد ذهب في الدرّة التاسعة والستّين من «الدرر النجفية» إلى القول بتحريف القرآن، مستدلًّا على ذلك بعدّة أدلة (84)، لكنه لما واجه ذلك الإشكال التقليدي الذي أثاره من قبل الكاشاني نفسه من أن نتيجة هذا القول عدم العمل بالقرآن، أجاب عنه البحراني: إنَّنا لا ندّعي التحريف بالزيادة، بل بمثل النقيصة، وحيث إننا مأمورون بالرجوع إلى القرآن فنلزم بالرجوع إليه حتى مع نقصه، وليس ثمة إشكاليّة في ذلك، ذلك أننا نرجع إلى السنّة رغم ما فيها من نواقص، حيث لم تصلنا نصوص السنّة جميعها، فحيث لا مشكلة هناك، لا مشكلة هنا تلقائياً (85).
________________________________________
(82)الدرر النجفية، 4/66.
(83)المصدر نفسه، ص 67 ـ 70.
(84)الدرر النجفية، 3/290 و300، الدرّة التاسعة والخمسون.
(85)الحدائق الناضرة، 1/27 و169، والدرر النجفية 2/339 و340.

[الصفحة - 299]


وهكذا تقدّم البحراني خطوة أكثر من الكاشاني، فبعد أن حاول الكاشاني تخصيص النقص بما لا يفقد النص قدرة التعميم، تعدّى البحراني ذلك إلى إفقاد النص القرآني أكثر من دلالة، غاية ما في الأمر أن النص الناقص يمكن ـ عنده ـ العودة إليه، تماماً كما نرجع إلى نصوص السنّة.
وهكذا جمع البحراني بين الرجوع إلى القرآن وتحريفه.
ثانياً: يحدِّد البحراني ـ صاحب الحدائق ـ في الدرّة الثامنة والثلاثين، وهي الدرّة التي خصّصها لدراسة موضوع استنباط الحكم الشرعي من القرآن، يحدّد لنا الاتجاهات التي بلغها التيار الإخباري في هذا الموضوع الشائك الذي كان البحراني نفسه في موضع آخر قد عدّه أهم فرقٍ بين الأصولي والإخباري (86)، وتحديد البحراني له قيمته الخاصّة كونه يجعلنا نطلّ على الاتجاهات الداخلية التي تجاذبت الإخباريّة في هذا الموضوع، ويعيد البحراني سرد هذه الاتجاهات في مقدّمات الحدائق أيضاً، وهذه الاتجاهات هي:
الاتجاه الأول: اتجاه إفراطي منع الرجوعَ إلى القرآن مطلقاً حتّى في مثل: {قُلْ هُوَ الُ هُوَ أحَد})الإخلاص: 1( ، ويمثّل البحراني له بالاسترآبادي.
الاتجاه الثاني: اتجاه تفريطي بحسب تعبير البحراني، وهو من جوَّز الرجوع إلى النص القرآني حتى «كاد يدّعي المشاركة لأهل العصمة في تأويل مشكلاته»، وهو ما يعتقد البحراني، أن الفيض الكاشاني كان من روّاده، وقد تبيّن معنا أنَّ الفيض كان يرى جواز تفسير المتشابه ـ طبعاً بعضه ـ لمن صفت نفسه ورقّ قلبه.
الاتجاه الثالث: وهو اتجاه وسطي يقول عنه البحراني: إنه يقبل الرجوع إلى المحكمات من دون المتشابه، ولعلّه كان يقصد به الحرّ العاملي (87).
الاتجاه الرابع: وهو الاتجاه الاعتدالي الذي نفهمه من رأي صاحب الحدائق نفسه، والذي نذكره في فقرة (خامساً) القادمة.
ثالثاً: يقرّ صاحب الحدائق بوجود تضارب في النصوص الحديثية إزاء هذه الموضوع، ولكي يحلّ البحراني إشكالية التضارب هذه رجّح النصوص المؤيّدة
________________________________________
(86)الدرر النجفية، 2/340، والحدائق الناضرة، 1/27.
(87)الدرر النجفية، 2/245، وانظر ما ذكره من نصوص في الحدائق، 1/27 ـ 30.

[الصفحة - 300]


للإخباريين لسببين: أحدهما: الكثرة العددية التي فيها، والتي ساعده عليها من قبل الحر العاملي، وثانيهما: الصراحة التي تتمتّع بها نصوص تفسير القرآن عبر السنّة (88).
ويشرع البحراني، في سرد ثمانية عشرة رواية، تدعم موقف الإخباريين، لينتهي إلى القول: إنَّ «صراحتها في المدّعى، لا ينكره إلا من قال بالصدّ عن الحقّ واستكبر» (89).
ويفتح البحراني جدلًا حول مقولة التفسير بالرأي، فيخرج بالقول: إن معنى ذلك هو الاعتماد على العقل من دون الرجوع إلى أهل البيت (عليهم السلام) (90)، لكن معركة الآراء تقع هذه المرّة بين عَلَمين لإخباريين هما: البحراني والكاشاني، فبعد أن رفض البحراني حصر التفسير بالرأي بما إذا كان عن هوى وميل طبيعي؛ حيث عدّه بعيداً كل البعد عمَّا نطقت به الروايات (91)، حمل على الكاشاني في قوله بتفاوت مراتب الناس وكمالاتهم الروحية، ليرى التفسير من حقّ أصحاب المعنى الذين صفّوا أرواحهم عن اللوث والدنس، ويقول البحراني معلّقاً على كلام الكاشاني: «فظنّي بُعده غاية البُعد، وإن جرى فيه على عادته وعادة أصحابه الصوفية من دعوى المزاحمة للأئمة (عليهم السلام) في تلك المراتب العليّة» (92)، ثم يحاول البحراني ـ مجارياً خصمه الكاشاني ـ الإقرار معه بالمبدأ، لكنه يشكّك في وجود أشخاص غير الأئمة (عليهم السلام) بلغوا تلك المراتب المزعومة (93).
وبهذا سدّ البحراني الثغرة التي أحدثها الكاشاني في الجبهة الإخبارية، ليعيد الأمور إلى ميزانها الطبيعي، وهذا الذي بالغ البحراني في رفضه ـ وهو تفسير مقولة «التفسير بالرأي» على أساس الأهواء والميول أو على أساس الظنون والاستحسانات ـ عاد وسيطر على الدرس الأصولي والقرآني بعد سقوط الإخبارية، وأخذ بالتداول بوصفه شبه بديهة رغم أن البحراني لم يُبقِ له باقية(94).
وفي تحليل موقف البحراني حتّى الآن، نجد إقراراً بوجود تضارب في النصوص، ولعلّه أوّل إقرار صريح من عَلَم إخباري كهذا، فلم يسبق أن أقرّ الإخباريّون بنصوص تخالف رأيهم، بحيث لا يمكن التوفيق بينها وبين النصوص كما قال الحرّ من قبل، وهذه خطوة جديدة ما تركها البحراني تسير بعد تقديمه نصوص المنع عن التفسير.
رابعاً: يشترك البحراني والعاملي في تقديم رد لواحد من أهم أدلّة الأصوليين، وهو نصوص العرض للأحاديث على الكتاب، حيث يستدل بذلك على أنّ المرجعيّة
________________________________________
(88)الدرر النجفية، 2/345 و360.
(89)المصدر نفسه، ص 345.
(90)المصدر نفسه، ص 353 ـ 355.
(91)المصدر نفسه، ص 355 و358، وانظر نقده للفيض في الحدائق 1/34 و35.
(92)تبنّى هذان التفسيران ونحوهما جماعة كبيرة نذكر منها الخراساني في كفاية الأصول، ص 327، والأنصاري في فرائد الأصول، طبعة النعمان، بيروت، 2/57 و58، واحتمله الصدر في البحوث، 4/287، وتبنّاه الخوئي في البيان، ص 267، ومصباح الأصول، 2/125، والسبحاني في المناهج التفسيريّة، ص 45 و46 و62، والشيرازي في الأمثل، 1/9، والأردبيلي في زبدة البيان في أحكام القرآن: 21، والمظفّر في أصول الفقه، 2/146.
(93)مباحث الأصول، 2/238 و239، والبحوث، 4/288.
(94)الفوائد الطوسية، ص 174 و175.

[الصفحة - 301]


الأولى للكتاب، بل هذا الدليل من أقوى الأدلّة وأحسنها دلالةً كما يقول السيّد الصدر (95)، يقف دائماً عند الأصوليين إلى جانب النصوص التي دلَّت على ضرورة عرض شروط المعاملات التجاريّة على القرآن، ما يعني إمكان فهمه، بوصفه معطىً مسبقاً ومستبطناً.
لقد حاول هذان العالمان ردّ هذا الدليل، فناقشه الحرّ في عشرة مناقشات كان أبرزها ما يأتي:
أ ـ إنه يفترض وجود حديثين متعارضين، فيؤخذ بما يوافق الكتاب فتكون النتيجة هي العمل بالكتاب مع أحد الحديثين، لا بالكتاب وحده (96).
وهذا الردّ غير موفّق، لأننا نتحدّث عن عملية الإرجاع نفسها التي تستبطن فهم القرآن من خارج الحديثين المتعارضين حتى لو كانت النتيجة هي العمل بالكتاب والسنّة معاً، علاوةً على أن نصوص العرض ليست جميعها واردة في الخبرين المتعارضين بل المهم منها وارد بوصفه قاعدةً عامّة، ولهذا سمّيت في علم الأصول بأخبار العرض أو الطرح، مقابل أخبار الترجيح.
ب ـ إن أخبار العرض آحاد، وأخبار الإخباريين متواترة فلا تقاومها (97).
وهذا الكلام غير واضح بعد تفكيك نصوص الإخباريين وتحليل أسانيدها بما لا يجعلها حتى في قوّة خبر واحد، ولا مجال لهذا البحث هنا.
أمّا المحدّث البحراني فحاول الالتفاف عبر القول: إنَّ تفسير أهل البيت (عليهم السلام) يمكن نسبته للقرآن، فعند عدم وروده نتوقّف، فيكون ذلك نوعاً من التقييد، أي نعرض الأحاديث على القرآن المفسّر، فبعد تفسيره يكون قادراً على البتّ في الأحاديث المتعارضة (98).
ويبدو أن البحراني غفل عن نقطة، وهي: إن تقييم الحديث ـ ولو لم يكن تعارض ـ بالردّ إلى القرآن لا فرق فيه بين ما يدّعي التفسير أو لا... فإن المفروض أن هذه النصوص تؤكد لنا ميزاناً، فإذا تعارض الحديثان المفسّران ماذا يفعل البحراني؟ هذا فضلًا عن المناقشة السالفة التي فصلنا فيها بين السنّة الواقعية والسنّة المحكية وأنّ الثانية ليست مدلولًا للقرآن بل لنفسها فقط.
________________________________________
(95)المصدر نفسه، ص 175.
(96)الدرر النجفية، 2/347.
(97)الدرر النجفية، 2/350، وانظر تأييده لتقسيم الطوسي في الحدائق، 1/32.
(98)الدرر النجفية، 2/351.

[الصفحة - 302]


خامساً: رغم جميع المحاولات التي بذلها البحراني، غير أنّ النتيجة التي خرج بها تكاد تكون غريبة وغير متوقّعة، وهذه النتيجة هي التي سمحت لنا اعتبار البحراني بداية التراجع الإخباري هنا، لقد صرّح البحراني بأنّه يتبنّى تماماً الموقف الذي كان الطوسي قد شاده في مقدّمة التبيان، وهو التقسيم الرباعي الذي أسلفنا الحديث عنه، فيراه «الصحيح والمذهب الحق» (99).
ورغم البداية الهجومية المندفعة للبحراني في قوله: إنَّ نصوص المنع أكثر وأصرح، ما يعني أنّها لا تجتمع وإنما تريد من يحكم بينها لصالح أحدها، إلا أنه يرى أن مقولة الطوسي هي القادرة على جمع الأخبار جميعها، بل هي عنده «وسط بين ذينك القولين، وخير الأمور أوسطها» (100).
ويطابق كلام البحراني كلام الشيخ الإخباري نعمة الله الجزائري؛ حيث يذهب ـ في كتابه منبع الحياة ـ إلى تأييد كلام الطوسي وترجيح كلام الأصوليين على الإخباريين صراحةً (101).
وإذا ما رجعنا بالذاكرة إلى نظرية التبيان وجدناها قريبة بل مطابقة لما تقوله المدرسة الأصولية، وهذا معناه أن البحراني الذي كان قد عدّ موضوع الظهور القرآني أهم الفروق بين المدرستين عاد وطابق المدرسة الأصولية، ما يدفعنا إلى التوقّف والاستغراب قليلًا.
هل كان البحراني متناقضاً في بداية كلامه ونهايته؟ كيف يدافع عن مقولة الإخباري ثم يؤيّدها بعد صفحات؟ إن مسلسل بحثه هذا متطابقٌ في كتابيه «الدرر النجفية» و «الحدائق»، ما يبعد أي احتمال في السهو أو الغفلة عنه، فكيف يمكننا فهم كلامه؟ هل كان الطوسي، وفاقاً لتقسيمه الرباعي، إخبارياً أم أن أصوليي العصر الحديث أقل إفراطاً في استخدام العقل من أتباع المدرسة الأصولية ما قبل الإخبارية؟!
أسئلة سوف نعود إليها في نهاية حديثنا عندما نجيب عن سؤال: هل كان هناك فرق حقيقةً بين الإخباري والأصولي في موضوع مرجعية النص القرآني؟
وعلى أية حال، وبهذه المتابعة التاريخية، لاحظنا كيف تولّدت فكرة هدم
________________________________________
(99)الشيخ نعمة الله الجزائري، منبع الحياة، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الثانية، ص 44 و48 ـ 752.

[الصفحة - 303]


الظهور القرآني لصالح فكرة «السنّة فقط»، وكيف تطوّرت ونمت لتبلغ، في نهاية المطاف، مرحلة توافقية في مدرسة الأصول العقلانية، ولن يكون بإمكاننا مراجعة آثار هذا المشروع الإخباري حتى عصرنا الحاضر إلا إذا رصدنا تطوُّرات ردّ الفعل الأصولي على هذا المشروع، حينذاك يكون بالإمكان الخروج بحصيلة عن المسار التاريخي لنظرية «السنّة فقط»، ونقدر حينئذٍ على الجواب عن السؤال المذكور أعلاه.
(يتبع)
________________________________________

[الصفحة - 304]