البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تاريخ الآيات والسور القرآنيّة في دراسات المستشرقين نقد وتحليل

الباحث :  الشيخ محمد جواد اسكندر لو
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  55
السنة :  السنة الرابعة عشر خريف 1430هجـ 2009 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 24 / 2015
عدد زيارات البحث :  1794
تاريخ الآيات والسور القرآنيّة في دراسات المستشرقين
نقد وتحليل
الشيخ محمد جواد اسكندر لو (*)
تمهيد
إنّ المراد من (تأريخ القرآن) هو تعيين تاريخ نزول السوَر القرآنيّة. وحيث أنّ طابع مثل هذا البحث تاريخيٌ فإنَّ المنهج والأسلوب العلميّ الذي يَلزم اتّباعه هو الاستناد إلى الأدلّة التاريخيّة، والروايات المُعتَبرة، وكذلك مضامين الآيات والسور القرآنيّة، وبهذا اللحاظ فإنّ الباحثين في علوم القرآن من المسلمين يَستندون في هذا المجال غالباً إلى رواية (ابن عباس) الحاوية لترتيب نزول السور القرآنيّة، وأمَّا المستشرقون فقد اعتمدوا في الغالب على لحن وأسلوب الآيات والسوَر ملاكاً لمعرفة ذلك، واستندوا أحياناً إلى الروايات الضعيفة وبالتالي فقد توصّلوا من خلال ذلك إلى نتائج متناقضة لا تمتلك أساساً من صحّة، فمضافاً إلى ما يُلاحظ من اختلاف نتائج دراساتهم في ترتيب السوَر مع الترتيب الروائيّ المشهور، نرى التناقض والاختلاف القائم فيما بينهم أيضاً، وهذه الملاحظة كافيةٌ بنفسها للإشارة إلى أنَّ المعايير والمباني المُعتمَدة لدى كلِّ واحدٍ منهم ليست سوى معايير ذوقيّة ومجرّد تخيّلات وهميّة.
وقد عالجنا في هذه الدِّراسة ما توصّل إليه ثمانية من هؤلاء المستشرقين في مجال تأريخ القرآن ومن ثمَّ نقد هذه النتائج، وهؤلاء المستشرقون عبارة عن: (تيودور
________________________________________
(*)كاتب إيراني وعضو الهيئة العلمية في مدرسة الإمام الخميني(قدس‏ سره) العليا. ترجمة الشيخ محمد أيوب
[الصفحة - 294]
نولدكه، غوستاف ڤايل، رودول، بلاشير، ريتشارد بل، ويليام موير، جريم وهرشفلد).
إنّ مصطلح (تأريخ القرآن) يُعتبر من الاصطلاحات الجديدة التي وضِعت مؤخّراً من قبل الباحثين الغربييّن في موضوعيَّ الإسلام والقرآن، ففي الفترة التي سبَقت القرن الحاضر لا نَعثر على مثل هذا التعبير والاصطلاح في المدوّنات والكُتب المرتبطة بعلوم القرآن عند المتقدّمين كإتقان السيوطيّ وبرهان الزركشيّ ومناهل عرفان الزرقاويّ وغيرهم، نعم هناك إشارة إلى وجود أصل المصداق وبعض المسائل المرتبطة به. وبعبارةٍ أُخرى فإنّ مصادر وبحوث تأريخ القرآن كانت مطروحة منذ صدر الإسلام وكمثالٍ على ذلك ما نجده من روايات متعدِّدة في الصحيحين حول كيفيّة تدوين القرآن وترتيبه، وكذلك أيضاً حول كتّاب الوحي. ومن ثمَّ فقد تعرَّض الزركشيّ في برهانه والسيوطيّ في إتقانه إلى العديد من المسائل الراجعة إلى تأريخ القرآن، ككيفيّة نزول الوحي وترتيب الآيات والسور وتسميتها، وإلى أنَّ ترتيبها وتواليها توقيفيّ أم غير توقيفيّ، وكيفيّة تدوين المصاحف المختلفة، والرسم العثمانيّ للخطّ، واختلاف القراءات، وغيرها...
وأمّا في عصرنا الحاضر فقد ظَهرت الكثير من المؤلّفات حول تأريخ القرآن من قبل المستشرقين، وقد رتّب (الدكتور محمّد حسين علي الصغير) سيَر هذه المؤلَّفات وفق التسلسل التاريخيّ (1). وممّا يجدر الإشارة إليه ها هنا أنّنا قد نجد العديد من القضايا التي يُمكن أن تُطرح في مجال تأريخ القرآن، كالوحي، وتقسيم القرآن، وأسباب النزول سواء الآيات أو السور، وكيفيّة نزول القرآن، وترتيب النزول. إلا أنَّ هذه الدِّراسة الماثلة بين يديك تتعرّض فقط إلى خصوص ترتيب نزول الآيات والسور القرآنيّة.
وحيث أنَّ القرآن الكريم قد نزل بشكلٍ تدريجيّ، وطبقاً للمقتضَيَات والظروف والحاجات، لذا كان من الضرورة بمكانٍ التعرّض لتأريخ نزول الآيات القرآنيّة، ولذا فإنَّ المنهج التاريخيّ هو أفضل منهجٍ يُمكن اعتماده في سبيل تقديم التفسير الصحيح والواضح للقرآن الكريم.
________________________________________
(1)علي الصغير، محمد حسين، المستشرقون والدراسات القرآنية، ص: 27-34، الطبعة الثانية، قم، دفتر تبليغات إسلامي، 1413هـ .ق.
[الصفحة - 295]
هذا وقد اهتمّ المستشرقون ـ منذ أواسط القرن الثالث عشر ـ أمثال: دايل، نولدكه، بلاشير، رودول، موير، هرشفلد، ريتشارد بل وجريم بالأبحاث والدِّراسات المتعلّقة بتأريخ نزول القرآن، ومن ثمَّ قاموا بنقدها وتحليلها وسوف تَظهر الجوانب المختلفة والمتعدّدة لهذا الموضوع لذوي الشأن والاهتمام القرآني.
تحقيق غوستاف ڤايل (2)
يُعتبر نظام (غوستاف ڤايل) ذي المراحل الأربعة في تأريخ نزول الآيات والسور القرآنيّة والذي ذكره في كتابه «المقدّمة التاريخية النقديَّة للقرآن الكريم» من أكثر النُّظم المتلقّاة بالقبول في هذا المجال، ومن ثمَّ أصبح مورداً للاهتمام والمتابعة من علماء آخرين أمثال (نولدكه)، (بلاشير) و (رودول).
قدّم (غوستاف) تاريخ السور وفق معايير ثلاثة:
1 ـ الاستناد إلى الوقائع التاريخيّة المعلومة من مصادر تاريخيّة متعدِّدة أي إنّه قد أُشير إلى بعض الوقائع التاريخيّة في القرآن إلا أنَّ شرحها وتفسيرها لا بدّ وأن يُبحث في المصادر التاريخيّة.
2 ـ مضامين الوحي أو محتوى الآيات التي تُشير إلى الوظائف المتعدّدة للنبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم).
3 ـ سبك وسياق نظام الوحي بلحاظ أسلوب الّلحن والنغَم وكيفيّة نثر الكلمات وسجعها. والجدير ذكره ها هنا أنّ هذا المعيار الأخير كان مورداً للإشكال والنقد وسنُشير إلى ذلك لاحقاً. كذلك قسّم (غوستاف) السور القرآنية إلى أربعة طوائف ثلاثة منها مكيّة والرابعة مدنيّة، ومن ثمَّ رتَّب السور المكيّة بناء على هذه المقاطع والمراحل التاريخيّة:
أ ـ منذ بداية البعثة وحتَّى الهجرة إلى الحبشة الموافقة لسنة 615م.
ب ـ من الهجرة إلى الحبشة (615م) وإلى حين رجوع النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) من الطائف سنة 620م.
________________________________________
(2)ولد «?ايل» في الرابع والعشرين من شهر نيسان سنة 1808م في زولتسبورغ ـ مدينة صغيرة في جنوب المانيا ـ وفي سنّ الثالثة عشر دخل المدرسة التلموديّة في مدينة متس، والتحق في السابعة عشر بجامعة هايدلبرغ لإكمال دراسته الدينيّة، إلا أنّه لم يلبث أن تنحّى عن دراسة الإلهيّات ليدرس التاريخ والألسنيّات، في سنة 1816م نال مقام الأستاذيّة في اللغات الشرقيّة. توفّي في تاريخ الثلاثين من آب سنة 1886م مدينة فرايسبورغ. (عبد الرحمن بدوي، دائرة معارف المستشرقين، ترجمة صالح الطباطبائي، ص: 672-675).
[الصفحة - 296]
ج ـ ومن التاريخ الأخير إلى هجرة النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) إلى المدينة الموافق لسنة 622م.
وبناءً على هذه المراحل التاريخيّة فقد حدّد (ڤايل) خصائص معيَّنة للسور النازلة في كلِّ مقطع منها:
خصائص الطبقة الأولى:
ـ ابتداء أغلب السور بنوعٍ من القسَم.
ـ إنّ أغلب الآيات قصيرة ومؤثّرة.
ـ إنّ آياتها موزونة ولها سجعها.
ـ إنّ لسان هذه السور مشبعٌ بالتصاوير والتمثيل الشاعري والجاذبيّة الشعريّة (3).
إنَّ هذه الخصائص التي أشار إليها (ڤايل) بالنسبة للطبقة الأولى من السور المكيّة يعتمد على مبنى سَبك الآيات وظاهرها، ومثل هذا الاستظهار ليس جامعاً ولا مانعاً بحيث يُمكن على أساسه من تقسيم كلِّ السور وتمييزها عن بعضها البعض؛ وبعبارةٍ أخرى، فإنّ الكثير من التغييرات طرأت بلحاظ الأسلوب في طول مدّة نزول الوحي، إلا أنّه لا يوجد أي دليلٍ يدلُّ على أنَّ السور ذات الأسلوب والنهج الواحد لا بدّ من تعلّقها بمرحلة زمانيّةٍ معيَّنةٍ بخصوصها، وبالتالي عدم إمكان وجودها في غيرها من المراحل الزمنيّة. وكمثالٍ على ذلك يُمكن الإشارة إلى ملاك قِصر الآيات والسوَر وطولها والذي يُعتبر ملاكاً ذوقيّاً وشخصيّاً، ففي الأساس لا ملازمة إطلاقاً بين قصر الآيات أو كونها اعتقاديّة مع كون السورة مكيّة أو اختصاصها بالمرحلة الأولى من نزول الوحي المكيّ في جميع الموارد. بل ثمّة موارد متعدِّدة للنقض أيضاً ومن باب المثال، فإنّ بعض السور الطوال قد نزلت في مكّة كسُوَر: الأنعام، الأعراف، الإسراء، الكهف، طه، مريم، الأنبياء والمؤمنون.
وفي المقابل نزلت العديد من السور القِصَار في المدينة المنوّرة كسور: النصر، الزلزلة، والبيّنة.
________________________________________
(3)W. Montgomery Watt, ALKURAN. The Encyclopedia of Islam, V5, p 416.
[الصفحة - 297]
لا يتقبل العقل والسيرة العقلانيّة والأدبيّة للعلماء إلزام الله عز وجل بإنزال قصار السور في أوائل الوحي، ومن ثمّ البدء بإنزال السور الطوال بالتدريج. حيث إنّ خصوصيّة الموضوع ومحتواه أهمُّ بكثيرٍ من نوع الكلمات والعبارات وتعدادهما طولاً وقصراً.
خصائص الطبقة الثانية
ـ طول السور وقربها من النثر.
ـ لا زلنا نرى فيها الخيال والجاذبيَّة الشعريَّة.
ـ أُشير فيها إلى الصفات الإلهيّة كالرحمة، وذُكرت فيها أوصاف الجنّة والنار، وكيفيّة العقاب والعذاب، وكذلك ذُكرت فيها آيات الله في الطبيعة.
خصائص الطبقة الثالثة
ـ طول سورها بالمقايسة مع سور الطبقة الثانية، وكونها أكثر منها قرباً إلى النثر.
ـ أنزلت بنحو الخطابة والوعظ وتفتقد للجانب العاطفيّ.
ـ تعرَّضت لبيان قصص الأنبياء، وبتفصيلٍ أكبر للعقاب الأخرويّ.
خصائص الطبقة الرابعة
ـ بيان سير الأحداث بعد الهجرة.
ـ الآيات والسور أطول من سابقاتها.
ـ يتبيّن حجم القوّة والقيادة السياسيّة والاجتماعيّة الواسعة للنبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) (4).
ونقول ها هنا، إنَّ نفس الإشكال الأوّل العام يرد هنا أيضاً، ويرجع إلى عدم صحّة الاستناد إلى أسلوب وظواهر الآيات والسور من أجل الفصل بين السور وتعيين تاريخ نزولها، بلا حاجةٍ إلى مزيد من التوضيح والتحليل.
وبعبارة ثانيةٍ إنَّ مثل هذه الخصائص يُمكن أن تكون ذات جنبةٍ تغليبيّة وأكثريّة إلا أنّها لا تمتاز بالضرورة بوصف الجامعيّة والمانعيّة.
________________________________________
(4)المصدر نفسه، p. 418
[الصفحة - 298]
دراسة نولدكه
قام (تيودور نولدكه) (5)بتقسيم سور القرآن ـ طبقاً للمعايير الثلاثة التي ذكرها غوستاف ڤايل ـ إلى أربع طبقات ثلاثة منها مكيّة والرابعة مدنيّة، وقد عرَض نتائج دراساته في كتابه (تاريخ القرآن) المنشور سنة 1860 ميلاديّة، وقد قام (نولدكه) بتقديم أسلوبٍ جديد في ترتيب وتأريخ السور القرآنيّة متجاهلاً الروايات الصحيحة والأخبار الواردة في المقام والمنقولة عن صحابة النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) والشاهدة بنفسها على نزول الوحي الإلهيّ والواضحة الدلالة على زمان ومكان نزوله. وقد سمع التَّابعون ذلك تفصيلا من صحابة النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) ونقلوها كذلك إلى تابعيهم وهكذا.
والجدير ذكره هنا، أنّه لا منافاة في الاستناد إلى الروايات الصحيحة وإِعمال النظر الاجتهاديّ والتتبّع والتحقيق الشخصيّ في موردها. وخاصّة في الموارد التي لا وجود فيها لرواياتٍ صريحةٍ أو معتبَرة، إذ أنّه حينئذٍ يُمكن إبداء الرأي استناداً إلى القرائن والأمارات الموجودة والفحص والتتبّع في مفاد الآيات والتمسّك بتاريخ وسيرة النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم).
ولكن (نولدكه) ذهب إلى القول بضرورة ترتيب نزول الآيات والسور القرآنيّة خلافاً للطريقة الإسلاميّة المعتمَدة، وقد اختار لنفسه أسلوباً جديداً فرض تأثيره على الكثير من المستشرقين والذين تابعوه في ذلك رغم أنّهم لم يصلوا إلى نتائجَ مشتركةٍ أحياناً.
وشيئاً فشيئاً شغل هذا الأسلوب في تأريخ القرآن أذهان المستشرقين عامّة ممَّا ولّد الكثير من الاشتباهات العظيمة، وعرّض ساحة الدِّراسات القرآنيّة لمزيد من المخاطر.
ذكر (نولدكه) خصائص السور ضمن طبقات مختلفة على أساس النحو التالي :
خصائص السور النازلة أوائل الوحي في مكّة
1 ـ إنَّ السور المرتبطة بالمرحلة الأولى من الوحي المكيّ تُشير في أغلبها إلى شدّة اضطراب النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وتشنّجه وقد كان هذا التشنّج والانفعال يَبلغ من الشدّة إلى حدِّ عدم تمكّن النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) من اختيار كلماته بل كانت تصدر دون قصد على لسانه (6).
________________________________________
(5)ولد سنة 1836م في مدينة هامبورغ الالمانيّة، وقد تمكَّن بسبب جهوده البنّاءة ومواهبه الفكريّة واطلاعه الواسع على الأدب اليونانيّ، ومعرفته الكاملة باللغات الثلاث الساميّة (العربيّة، السريانيّة، والعبرانيّة) أن يتبوأ مقاماً عالياً وشهرةً عظيمة ليس فقط بين المستشرقين الألمان بل بين المستشرقين في العالم أجمع. أمضى تحصيلاته الابتدائية في مدينة لينجن وتحصيلاته الجامعيّة في مدينتي غوتنبرغ وبرلين، ونال شهادة الدكتوراه في سنة 1856م عن رسالة بعنوان تاريخ القرآن والتي تُعتبر من أشهر آثاره. (فرهنك كامل مستشرقان، ترجمة شكر الله خاكرند، ص 419، وآراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره، ص: 185).
(6)NOLDEKE: The Origins of the Koran, Edited by Ibn Warraq, p. 51, 1998
[الصفحة - 299]
ويمكن ردّ هـذا الكلام من جهة أنَّ القـرآن المجيد يَذكـر ثلاثة آيات فقط تُذكِّر النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بعدم الاستعجال في التلفّظ بآيات القرآن والوحي وتُطمئن النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بأنّـه لن ينسَ أبداً أي كلمـةً من الوحي: {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً } (7)، {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } (8)و {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى } (9).
وكما يُلاحظ فإنّ أياً من هذه الآيات الثلاث لا تدلُّ على أنّ النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) لم يكن يمتلك قدرة التسلّط على اختيار كلماته، وأنّها كانت تخرج من فمه بشكل لاإراديّ، بل إنّ مفاد هذه الآيات يدلٌ على أنّ النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) كان يكرِّر بسرعة ما يُلقى إليه لئلا ينساه فقط، ولذا فإنّ ما أفاده (نولدكه) وادّعاه من أنّ اضطراب النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وانفعاله في أوائل الوحي كان كبيراً لدرجة عدم القدرة على اختيار الكلمات أمرٌ في غاية الضعف ولا يُمكن القبول به.
2 ـ إنّ سور تلك المرحلة من الوحي تَشبه الأقوال الغيبيّة للكهنة، ولم تكن بالسور الطوال أبداً بل كانت تحوي الجمل القصيرة التي طرأ عليها أسلوب السجع (10).
لقد شبّه (نولدكه) كلام القرآن في سوَر المرحلة الأولى المكيّة من حيث التسجيع والقصر والمُقترِن بالقسَم بكهانة الكهنة الملحدين المدّعين للغيب قبل نزول القرآن، وهذه المقايسة لا صحّة لها على الإطلاق، بل لا يُمكن إنكار الاختلاف الموجود بين القرآن والكهانة، حيث إنّ الكهانة فيها التكلّف والكذب والأباطيل والأراجيف والكلام اللامأنوس بينما لا يوجد أي نقصٍ أو عيبٍٍ وأمثال هذه الأمور في القرآن الكريم.
3 ـ إنَّ أغلب تلك السور قد ابتدأت بالقسَم وهو أمرٌ كان معتمَداً من الكهنة في كلماتهم، ولقد كان أسلوب القسم في بعضها قويَّاً وشديداً لدرجةٍ لا يُمكن الإحاطة به ومعرفته، بل لعلّ البناء كان على عدم معرفته، حيث نجد في هذه السور الكثير من الأمور والمضامين العجيبة والغريبة.
________________________________________
(7)طه، الآية 114.
(8)القيامة، الآية 16.
(9)الأعلى، الآية 6.
(10)المصدر في الحاشية رقم 6 NOLDEKE
[الصفحة - 300]
4 ـ وجود صفاتٍ واضحةٍ ومؤكّدةٍ عن يوم القيامة في هذه السور، فقد ذكرت نِعمَ الجنّة وعذاب النار وعقابها بشكلٍ جذّاب ومؤثّر وجدانيّاً، نعم ليست كافّة سور هذه المرحلة بنفس النمط من الحدّة والشدّة بل إنّ السور النازلة في أواخر هذه المرحلة اتّخذت شكلاً أكثر هدوءاً (11).
وبعد أن يبيَّن (نولدكه) الخصائص الأربعة للطبقة الأولى من السور المكيّة يُذعن بصعوبة تعيين تاريخٍ دقيقٍ لنزول السور المكيّة، فيقول:
مع كلِّ هذا يجب الإذعان بأنّ تعيين تاريخٍ دقيقٍ لنزول السور صعبٌ جداً كمثال فإنّه لا يوجد أيُّ طريقٍ يبعث على الاطمئنان بأنّ أوائل سورة العلق هي أقدَم أقسام الوحي القرآنيّ، حيث إنّ الرواية التي تذكر بأنّ سورة العلق هي أوّل سورة تنُسب إلى عائشة زوجة النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، مع أنّها لم تكن قد ولدت بعدُ عند نزول الوحي، ومضافاً إلى ذلك فإنّ عائشة لا تتمتّع بأيّ وجهٍ بمقدارٍ كافٍ من الوثاقة والاعتبار، والدليل الآخر على ذلك وجود بعض السوَر الأخرى التي يعتبرها البعض من أوائل السور القرآنيّة المُنزَلة (12).
وما يُسجّل على كلامه هذا:
أولاً: إنّ هذه الرواية نُقلت في كتب أهل السنّة أيضاً بطريق لا ينتهي إلى عائشة، فقد نقل الطبرانيّ في المعجم الكبير بسندٍ صحيحٍ عن أبي رجاء العطارديّ قوله: «كان أبو موسى الأشعريّ يُقرئنا فيُجلسنا حلقاً، عليه ثوبان أبيضان فإذا تلا هذه السورة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ... } قال هذه أوّل سورة أُنزلت على محمّد رسول الله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)» وأخرج هذا المعنى (ابن أشتة) في كتاب المصاحف عن (عبيد بن عمير) (13).
ثانياً: صرَّحت المصادر الشيعيّة أيضاً بوجود رواياتٍ متعدِّدة تُشير إلى أنَّ سورة العلق هي أوّل سورة أُنزلت على النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) (14).
خصائص السور في أواسط المرحلة المكيّة
أولاً: «قلَّ أسلوب التخيّل بشكلٍ محسوس (15)».
ونقول ها هنا في الجواب على ذلك: إنّ هذا الافتراض المُسبَق حول قلّة
________________________________________
(11)المصدر نفسه.
(12)المصدر نفسه.
(13)السيوطيّ، جلال الدين، الاتقان في علوم القرآن، ج1 الطبعة السابعة، بيروت، دار الكتب العلمية (بلا تاريخ).
(14)الكلينيّ، محمّد بن يعقوب، ج2، ص 628-629، الحديث 2.
(15)المصدر NOLDEKE (حاشية رقم 6)
[الصفحة - 301]
استعمال الأسلوب التمثيليّ والتخيّلي تدريجاً في السور القرآنيّة قابلٌ للنقد، إذ ما هو الدليلٍ على نَفي تتاليّ التدرّج صعوداً وهبوطاً وكذا العكس في الاستعارة والتمثيل في القرآن، والحكم نتيجة ذلك أنّها اتّجهت فقط هبوطاً. بل أين هو مقام الاستعارة والتمثيل؟ إنّ المراد من أسلوب التخيّل هو الاستفادة من أنواع المجاز. وقد اعتَبر ابن رشيق بأنّ الاستعارة من محاسن الكلام بشرط استعمالها في محلِّها وموضِعها المناسب (16).
نعم ليس كلُّ استعمالٍ للاستعارة يوجب تحسين الكلام، ولذا قسّم (عبد القاهر الجرجانيّ) الاستعارة إلى قسمين: استعارة مفيدة وغير مفيدة، ويقول: إنّ الاستعارة غير المفيدة يُراد منها فقط مجرّد التنوّع في التعبير والتفنّن في أداء الكلام وهذا ما يقلّل من قيمة الكلام، وذلك خلافاً للاستعارة المفيدة التي يترتّب عليها غرضٌ في التعبير كالموارد المشتملة على أنواع التشبيه (17).
مثلاً قوله تعالى : {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ }(18). حيث استعمل فيها التشبيه المطويّ والباعث على تحسين الكلام وجماله، لأنّه شبَّه الأرض والسماء بمن له عقل ودراية وكلام، ولهذه المناسبة نَسب الكلام إليهما (19).
ومع الالتفات إلى ما ذكرناه فإنَّه لا دليل يدلُّ على أنّ الاستعارة والتمثيل في القرآن كانت في مرتبة أعلى ثم تدنّت إلى الأسفل وبشكلٍ تدريجيّ. بل إنّ القرآن الكريم نزل على أساس مقتضى الحال. وبعبارةٍ أُخرى يُمكن القول بأنّ الاستفادة من أمثال هذه الأمور شائعٌ ومتداول في كلِّ الألسنة والتي من جملتها الِّلسان العربيّ الذي نزل القرآن بلغته.
ثانياً: «إنّ هذه السور ورغم استمرار حالة الحماس والاندفاع فيها إلا أنّها ومن حيث المجموع تعمل وبشكل ملحوظ على تخفيف حالة الاضطراب عند النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) (20)».
لقد اعتبر (نولدكه) أنّ تخفيف حدّة الاضطراب وعدم الاستقرار عند النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) هو من خصائص وعلامات السور في أواسط المرحلة المكيّة مع أنّه لم يذكر أيّ دليلٍٍ
________________________________________
(16)الزمخشري، الكشاف، ج2، ص 398 (بلا مكان، بلا تاريخ).
(17)الجرجاني، عبد القاهر، اسرار البلاغة، ص 33، بيروت، دار المعرفة، 1398هـ . ق.
(18)فصلت، الآية 11.
(19)الزمخشري، الكشاف، ج4، ص 189.
(20)NOLDEKE (حاشية رقم 6).
[الصفحة - 302]
أو شاهدٍ على أصل هذه الحالة، ونسبتها إلى النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، مضافاً إلى عدم وجود أي دليلٍ عقليّ أو نقليّ لإثبات هذا المدّعى، نعم عندما كان النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) يتَّصل بعالم الغيب كانت تصيبه حالة يُطلق عليها في الاصطلاح «برحاء الوحي».
إلا أنّه لا بدّ من القول بأنّ مثل هذه الحالة ليست دليلاً على الاضطراب والشكّ والخوف والقلق، بل كانت ناشئةً عن إدراك وإحساس عظمة وكبرياء مقام الحقّ تعالى مرتبطاً بزمان الاتِّصال المباشر بعالم الغيب وكما كان يقع في مكّة فقد كان يقع مثله في المدينة أيضاً.
ثالثاً : «تمَّ اختيار مكان القسَم في أوائل السور والآيات (21)»
اعتبر (نولدكه) أنّ استعمال القسَم في بداية الآية الأولى في العديد من السور دليلٌ على كون هذه السور مرتبطةً بالمرحلة الوسطى للوحي المكيّ. وهذه السور هي: الذاريات، الطور، النجم، القلم، القيامة، المرسلات، النازعات، البروج، الطارق، الفجر، البلد، الشمس، الليل، الضحى، التين، العاديات والعصر.
إنّ هذه السور المصدَّرة بالقسَم قد اعتبرها (نولدكه) نفسه جزءاً من السور النازلة في المرحلة الأولى من الوحي المكيّ، والغريب أنّ تعداد مثل هذه السور أكثر من السور التي اعتبرها من المرحلة الوسطى للوحي المكيّ والمصدَّرة بالقسَم ولذا كيف يمكن تعيين مرحلة نزول السور بالاستناد إلى مثل العلامة كابتدائها بالقسم؟
رابعاً: «إنَّ هذه الطائفة من السور والتي يصل مجموعها إلى إحدى وعشرين سورة تنبعث منها جاذبيّة الوحي وجمال آياته، إنَّ إحدى سور القرآن والتي تسمّى بسورة الفاتحة ترتبط ببداية هذه المرحلة (22)».
هذه إحدى الاشتباهات الرئيسية التي وقع فيها (نولدكه) حيث اعتبر نزول سورة الفاتحة مرتبطاً بالمرحلة الوسطى للوحي المكيّ وخصّص لها في مقام الترتيب والتعداد الرقم (48)، مع أنَّنا نعلم بأنّ سورة الفاتحة جزءٌ لا ينفكُّ عن الصلاة ومن شرائط صحّتها كما ورد في العديد من الروايات من أنّه «لا صلاة إلا بفاتحة
________________________________________
(21)المصدر نفسه.
(22)المصدر نفسه.
[الصفحة - 303]
الكتاب (23)». هذا ومن المسلَّم به أنّ الصلاة من أوائل الأحكام الشرعيّة التي صُرّح بوجوبها في صدر الإسلام وكان النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) مأموراً بإقامتها مع أصحابه، ولذا لا إمكان لكون سورة الفاتحة في المرتبة الثامنة والأربعين من السوَر النازلة كما أرّخ «نولدكه».
وبناءً على ذلك وكما هو الموجود في جدول ترتيب النزول المنسوب لعلماء الإسلام فإنّ سورة الفاتحة هي السورة الخامسة المنزلة في أوائل الوحي المكيّ أي في بداية البعثة النبويّة (24).
خصائص السور في المرحلة النهائيّة للوحي المكيّ
إنّ سوَر هذه المرحلة جاءت وبشكل كاملٍ تقريباً بشكل نثريّ واحتوى بعضها على التسجيع، وشيئاً فشيئاً بدأت تأخذ لنفسها قالباً وشكلاً معيّناً عادة ما يختم بـ «ون» و «ين»، وقد قلَّ فيها أسلوب التمثيل والخيال، واتّخذت آيات الوحي أسلوب الخطابة، وقد تكرّر فيها ذكر قصص الأنبياء والأفكار والعقائد الماضية. وبعض هذه السور كبيرٌ بشكلٍ لافتٍ، وكذلك فإنَّ بعض الآيات في هذه السور أكبر بالمقايسة إلى آيات السور في المرحلة السابقة، وأحياناً تبرز فيها أطياف من القوّة الشعريّة.
إنّ هذه الطائفة من السور والتي يَصل عددها إلى إحدى وعشرين سورةً أيضاً، يُمكن اعتبارها مظهراً لغضب النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وتألَّمه في مقابل ردّة فعل بعض أفراد قبيلته في مكّة على رسالته (25).
إنّ هذه الخصائص التي اعتمدها (نولدكه) للسور في المرحلة النهائيّة للوحي المكيّ تستند في أغلبها إلى الأسلوب الظاهريّ للآيات، كالتسجيع والخيال و...إلخ. وقد تعرَّضنا فيما سبق لنقدها وتحليلها وبالتالي لا حاجة لتكرارها ها هنا.
خصائص السور في مرحلة الوحي المدنيّ
إنّ أسلوب السور المدنيّة يشبه إلى حدٍ بعيد السور في المرحلة النهائيّة للوحي المكيّ.
________________________________________
(23)الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج4، كتاب الصلاة، الباب الأول من أبواب القراءة في الصلاة، ح6، طهران، الطبعة الإسلامية 1367هـ .ق.
(24)معرفت، محمد هادي، التمهيـد في علوم القرآن، ج1، ص 135 و170، الطبعة الثـانية، قم، دفتر انتشارات إسلامي، 1415هـ . ق.
(25)NOLDEKE (p. 53)
[الصفحة - 304]