فهرس المحتويات

إهداء | 7

بين يَدَي الكتاب | 8

● القسم الأوَّل: جولة في التصميم العظيم | 11

■ الفصل الأول: لغز الوجود | 13

■ الفصل الثاني: حكم القانون | 19

■ الفصل الثالث: ما هو الواقع؟ | 27

■ الفصل الرابع: التواريخ البديلة | 43

أ ـ  الطبيعة المزدوجة للأشياء (The Dual Nature) | 44

ب ـ  مبدأ اللاحتمية (The Uncertainty Principle) | 47

ج ـ  صيغة فاينمان (Feynman Formulation) | 50

د ـ  التواريخ البديلة ومجموع التواريخ | 52

هـ ـ  أثر المراقب (Observer Effect) | 53

■ الفصل الخامس: نظرية كل شيء | 60

أ ـ  الكهرومغناطيسية: | 60

ب ـ  سرعة الضوء: | 62

ج  ـ  الزمكان: | 64

د ـ  القوى الأربعة في الطبيعة: | 69

هـ ـ  نظرية الأوتار: | 77

■ الفصل السادس: اختيار كوننا (Choosing our Universe) | 82

■ الفصل السابع: المُعجزة الظاهرية (The Apparent Miracle) | 92

■ الفصل الثامن: التصميم العظيم (The Grand Design) | 100

●القسم الثاني: القراءة النقديَّة | 103

■ الفصل الأول: البحث المعرفي.. السؤال والوسيلة | 106

ما المقصود بالوجود؟ | 107

ما المقصود بالعدم؟ | 108

هل السؤال الأول صحيح؟ | 109

هل وسيلة البحث في السؤال الأول صحيحة؟ | 111

البحث عن الله | 112

الوجدان والوجود | 115

■ الفصل الثاني: حكم القانون أم حاكميَّة العقل؟ | 118

القانون العلمي | 121

المكونات العقلية في طبخة القوانين العلمية | 123

القانون العلمي والنموذج العلمي والواقع الخارجي! | 127

■ الفصل الثالث:هل هناك أي شيء بالخارج؟ | 130

■ الفصل الرابع: هل تخطئ الحواس؟ | 136

أولا: هل يُمكن تقديم دليل موضوعي على وجود الواقع الخارجي؟ | 136

ثانيا: كيف يُمكن الاستناد إلى الحواس لمعرفة الخارج؛ | 137

■ الفصل الخامس: الإرادة الحرَّة، هل الوجود مُنحصر بالمادة؟ | 142

كيف نبحث عن إجابات لأسئلتنا؟ | 149

علِّية أم مُلازمة وارتباط؟ | 151

الوحدة الشخصية للأشياء | 153

■ الفصل السادس: هل نشأ الكون من العدم؟ | 156

■ الفصل السابع: لماذا نحتاج للخالق؟ | 162

الخاتمة | 169

● التعليقات | 175

1 ـ  «ما هي الفلسفة؟ وما موضوعها؟» | 176

2 ـ  «الأدوات التي تستخدمها الفلسفة في تحقيقاتها | 178

3 ـ  «مصدر اليقين البشري في البديهيات العقلية | 184

4 ـ  «العقل ودوره في المعرفة» | 190

5 ـ  «الأسلوب المتبع في التحقيقات الفلسفية» | 196

● التعليق الثاني: السبية: القانون والقواعد والتطبيقات | 203

1 ـ  «مفاد قانون السببية وبديهيته» | 204

2 ـ  «وجوب وجود المعلول لوجود علته» | 206

3 ـ  «بين المعلول وعلته تناسب وسنخية» | 209

4 ـ  «القعر الأعمق للعلة والمعلول» | 210

5 ـ  «سر الغنى في العلة ومنشأ الفقر في المعلول» | 213

6 ـ  «العلة التامة والعلل الناقصة» | 220

● التعليق الثالث: الحركة والزمان الجوهريان ونشوء البُعد اللامادي | 224

1 ـ  «سير الاستعدادات من القوة إلى الفعل» | 228

2- «روابط القوة والفعل» | 229

3 - «حقيقة الحركة» | 233

4 ـ  «صلة الزمان بالحركة» | 235

5 ـ  «الجوهر والعرض ومصب الحركة وفاعلها» | 237

6 ـ «ارتقاء المادة إلى أفق التجرد»: | 240

● التعليق الرابع: بُرهان الصدِّيقين وأشكاله الثلاثة | 244

1 ـ  «ما القصد من برهان الصديقين؟» | 246

2  ـ  «الواجب والممكن» | 247

3  ـ  «برهان الصديقين بالأسلوب السينوي» | 250

4 ـ  «برهان الصدِّيقين لدى صدر الدين» | 252

5 ـ  «برهان الصدِّيقين وأصل الواقعية» | 263

مصادر الكتاب | 267

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة نقد الالحاد 3 المصمم الأعظم قراءة نقدية في كتاب ((التصميم العظيم)) ل ستيفن هوكنج تأليف: الدكتور حسن بن أحمد اللواتي تعليقات محمد بن رضا اللواتي

الفهرس

إهداء7

بين يَدَي الكتاب8

القسم الأوَّل: جولة في التصميم العظيم11

الفصل الأول: لغز الوجود13

الفصل الثاني: حكم القانون19

الفصل الثالث: ما هو الواقع؟27

الفصل الرابع: التواريخ البديلة43

أ ـ  الطبيعة المزدوجة للأشياء (The Dual Nature):44

ب ـ  مبدأ اللاحتمية (The Uncertainty Principle):47

ج ـ  صيغة فاينمان (Feynman Formulation):50

د ـ  التواريخ البديلة ومجموع التواريخ52

هـ ـ  أثر المراقب (Observer Effect):53

الفصل الخامس: نظرية كل شيء60

أ ـ  الكهرومغناطيسية:60

ب ـ  سرعة الضوء:62

ج  ـ  الزمكان:64

د ـ  القوى الأربعة في الطبيعة:69

هـ  ـ  نظرية الأوتار:77

الفصل السادس: اختيار كوننا (Choosing our Universe)82

الفصل السابع: المُعجزة الظاهرية (The Apparent Miracle)92

الفصل الثامن: التصميم العظيم (The Grand Design)100

القسم الثاني: القراءة النقديَّة103

الفصل الأول: البحث المعرفي.. السؤال والوسيلة106

ما المقصود بالوجود؟107

(4)

الفهرس

ما المقصود بالعدم؟108

هل السؤال الأول صحيح؟109

هل وسيلة البحث في السؤال الأول صحيحة؟111

البحث عن الله112

الوجدان والوجود115

الفصل الثاني: حكم القانون أم حاكميَّة العقل؟118

القانون العلمي121

المكونات العقلية في طبخة القوانين العلمية123

القانون العلمي والنموذج العلمي والواقع الخارجي!127

الفصل الثالث:هل هناك أي شيء بالخارج؟130

الفصل الرابع: هل تخطئ الحواس؟136

أولا: هل يُمكن تقديم دليل موضوعي على وجود الواقع الخارجي؟136

ثانيا: كيف يُمكن الاستناد إلى الحواس لمعرفة الخارج؛137

الفصل الخامس: الإرادة الحرَّة، هل الوجود مُنحصر بالمادة؟142

كيف نبحث عن إجابات لأسئلتنا؟149

علِّية أم مُلازمة وارتباط؟151

الوحدة الشخصية للأشياء153

الفصل السادس: هل نشأ الكون من العدم؟156

الفصل السابع: لماذا نحتاج للخالق؟162

الخاتمة169

 التعليقات175

1 ـ  «ما هي الفلسفة؟ وما موضوعها؟»176

2 ـ  «الأدوات التي تستخدمها الفلسفة في تحقيقاتها178

3 ـ  «مصدر اليقين البشري في البديهيات العقلية184

(5)

الفهرس

4 ـ  «العقل ودوره في المعرفة»190

5 ـ  «الأسلوب المتبع في التحقيقات الفلسفية»196

التعليق الثاني: السبية: القانون والقواعد والتطبيقات203

1 ـ  «مفاد قانون السببية وبديهيته»204

2 ـ  «وجوب وجود المعلول لوجود علته»206

3 ـ  «بين المعلول وعلته تناسب وسنخية»209

4 ـ  «القعر الأعمق للعلة والمعلول»210

5 ـ  «سر الغنى في العلة ومنشأ الفقر في المعلول»213

6 ـ  «العلة التامة والعلل الناقصة»220

التعليق الثالث: الحركة والزمان الجوهريان ونشوء البُعد اللامادي224

1 ـ  «سير الاستعدادات من القوة إلى الفعل»228

2 - «روابط القوة والفعل»229

3 - «حقيقة الحركة»233

4 ـ  «صلة الزمان بالحركة»235

5 ـ  «الجوهر والعرض ومصب الحركة وفاعلها»237

6 - «ارتقاء المادة إلى أفق التجرد»:240

التعليق الرابع: بُرهان الصدِّيقين وأشكاله الثلاثة244

1 ـ  «ما القصد من برهان الصديقين؟»246

2  ـ  «الواجب والممكن»247

3  ـ  «برهان الصديقين بالأسلوب السينوي»250

4 ـ  «برهان الصدِّيقين لدى صدر الدين»252

5 ـ  «برهان الصدِّيقين وأصل الواقعية»263

مصادر الكتاب267

(6)

إهداء

 

إلى والديَّ الحبيبين

هذا مِن ثمار تعبِكُما وسهرِكُما عليَّ

أسألُ اللهَ القديرَ أن يجزيكما خيرَ الجزاءِ وأحسنه وأفضله

إلى رفيقة درْبِي في الرَّخاء والشدَّة.. زوجتي «فاطمة»

وشريكيْ طريقي ابني «ميثم»، وابنتي «ياسمين»

(7)

بين يَدَي الكتاب

 

لعلَّ من أبرز سمات الفكر أنه يُمكن التحاور فيه لأجل إثرائه، وبلوغ الحقيقة التي لأجلها كان. وهذا الكتابُ ينتمي إلى هذه الفئة؛ إذ إن مضمونه عبارة عن محاورة الفيزيائي الشهير «ستيفن هوكنج»، وزميله الفيزيائي «ليوناردو ملودينو»؛ في كتابهما «التصميم العظيم»؛ غايتُها طرح رؤية أخرى تخالف رؤيتهما عن الكون، عبر عرض الدلائل المستندة إلى أشد الأفكار يقيناً في صرح المعرفة البشري؛ تؤكد دعوى هذه المُحاورة؛ وهي أن لهذا الكون مُوجِدًا، وأن فرض عدم وجوده توأم للقول بعدم وجود العالم. وبما أنه لا مناص للعقل إلا أن يعترف بأصل الواقعية ووجود العالم، فتغدو فكرة وجود مُوْجِد العالم ـ بحسب هذه القراءة النقدية ـ حتمية الإذعان.

ودواعي هذه المحاورة تأتي من منطلقين جوهريين؛ هما:

 ـ  الأول: أن موضوع كتاب العالميْن الفيزيائييْن يمسُّ جميعَ البشر على وجه الأرض  ـ أعني: «الله» ـ  فلقد تناول الرجلان الداعي الذي يدعو البشرية إلى افتراض وجوده. وبحسب نظرهما؛ أن ذلك الداعي يكمُن في سبق العدم على الوجود. وقد حاولا في كتابهما المشار إليه  ـ ومن خلال مناقشة مجموعة من أسئلة الفكر الكبرى؛ من قبيل: «لماذا هناك وجود؟»، و «لماذا وُجدنا؟»، و»لماذا هناك هذه المجموعة من القوانين العلمية وليس غيرها؟» ـ  أن يُقدما، وعبر قراءة للظواهر والقوانين العلمية المكتشفة، طرحاً يُغني البشرية عن اللجوء إلى الألوهية؛ لتفسير منشأ العالم، أطلقا عليه «نظرية الأكوان المتعددة». وبما أن موضوع الكتاب أمرٌ عامٌّ وليس مجالاً يُمكن عدُّه حكرًا على اختصاص مُعين، كان من الضروري أن يتناوله فكرٌ آخر برؤية أخرى، وهذا الذي سعى إليه هذا الكتاب.

(8)

ـ  الثاني: أنَّ الكاتبيْن استندا إلى مقدِّمات في مجال العلوم الطبيعية، إلا أنهما خرجا باستنتاجات تتعلق بمجال علمي آخر؛ وهو: المجال الفلسفي!. وبعبارة أخرى: دون الاتكاء المباشر على القواعد العقلية التي ينبغي الاتكاء عليها لبلوغ نتيجة متوافقة معها، قرأ العالمان الظواهر الكونية، وخرجا باستنتاجات لا علاقة لها بالمقدِّمات التي كان ينبغي لهما أن يستندا إليها  ـ كما سيُلاحظ ذلك القارئ من خلال فصول هذا الكتاب ـ  ومن هُنا، كان لا بد من قراءة نقدية  ـ مُتفحصة ومتأنية ـ  للمسيرة الفكرية التي انتهجها الكاتبان في فصول كتابهما ذاك؛ وذلك لتدليل القارئ الكريم على الفجوة الواقعة بين المقدِّمات والنتائج؛ من مُنطلق المقولة الشهيرة : «أهمية الاستنتاج تفرض علينا أهمية البحث ووسائله ودقته».

فالكتابُ يقع في قسمين؛ يستعرض الأول منهما مضمون كتاب «التصميم العظيم»؛ وذلك عبر ثمانية فصول. وسيجدُ القارئ فيه المقاطع المُترجمة من أصل الكتاب «بين الأقواس»، مع تصرُّف بسيط للغاية؛ غرضُه: جعل الفقرات المُترجمة مُتسقة مع أسلوب الكتابة بالعربية، دون تغيير لمعنى النص الأساسي إطلاقا. بينما يستعرضُ القسم الثاني قراءتنا النقدية للكاتب؛ في سبعة فصول.

مصبُّ المحاورة؛ هي: الاستنتاجات التي خرج بها «هوكنج» و»ملودينو» من خلال نظريات الفيزياء الكونية، وليس مصبُّها نفس تلك النظريات بما هي نظريات علمية مستندة إلى قوانين مُعينة.

وأما المنهج، فهو مجموعة القواعد العقلية، أو الفلسفية، التي تستند إلى الأفكار البديهية أو القريبة منها.

ولأنه تم عرض القواعد الفلسفية بمقدار حاجة هذه القراءة النقدية لها، ارتأينا أن نمدَّ القارئ العزيز بالخلفية الفلسفية التي تستند إليها تلك القواعد المُستخدمة في

(9)

المحاورة، عبر أربعة من التعليقات؛ تتناول طبيعة الفلسفة الإلهية ومنهجها، وقانون العلية، والحركة والزمان الجوهريين، وبُرهان الصديقين؛ باعتباره من أنضج البراهين التي طُرحتْ لإثبات المبدأ الأعلى.

نتمنى للقارئ الكريم رحلة فكرية مُمتعة

 المُؤلف المُعلق

(10)

 

 

 

القسم الأوَّل: جولة في التصميم العظيم

 

نستعرض في هذا القسم أفكارَ كتاب “التصميم العظيم”، بفصوله الثمانية، للعالميْن “ستيفن هوكنج” و “ليوناردو ملودينو”، دُوْن أن نُبدي أيَّ رأي من جانبنا تجاه ما أورداه؛ على أن نعودَ إليها بقراءتنا النقدية في القسم الثاني.

(11)
(12)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

لغزُ الوجود

(13)

 

الفصل الأول: لغز الوجود

 

بدأ الكاتب الفصل بالتعليق على طبيعة البحث البشرية: «إننا نعيشُ لبُرهة وجيزة من الزمن، وفي تلك البُرهة الوجيزة نستعرض جزءًا صغيرًا جدًّا من الكون، ولكن لحب الاستطلاع فينا، فنحن نبحث عن إجابات لأسئلة عديدة»، «..كيف نفهم العالم الذي نعيشُ فيه، كيف يتصرف الكون؟ ما هي طبيعة الواقع؟ من أين أتى كل هذا؟ هل احتاج الكون لخالق؟ إن مُعظمنا لا يصرف معظم أوقاته للبحث عن إجابات لتلك الأسئلة، ولكن معظمنا ابتُلي بها في وقت من أوقات حياته».

ثم يقول: «في العادة، فإن هذه الأسئلة أسئلة فلسفية، ولكن الفلسفة ميتة لأنها لم تتواكب مع التطورات الحديثة في العلوم، وبالخصوص في علوم الفيزياء. وعليه؛ فقد حمل علماء الطبيعة شعلة الاستكشاف والبحث. وهدفُ هذا الكتاب هو تقديم إجابات من وحي الاكتشافات والنظريات الحديثة».

إذن؛ يتضح هُنا أن الكتاب يحاول استبدال البحث الفلسفي بالبحث العلمي؛ للإجابة عن الأسئلة التي هي فلسفية بالمقام الأول؛ لأنه يعتبر ـ لسبب أو لآخر ـ  أن الفلسفة ميتة منذ زمن، ولو أردنا أن نكون موضوعيين أكثر لقلنا إن تلك الأسئلة هي مثل العملة التي لها وجهان؛ أحد الوجهين يتعلق بالعلوم الطبيعية، والوجه الآخر يتعلق بالفلسفة والبحث العقلي؛ لأن البحث عن طبيعة الواقع، وممَّ يتكون الكون والعالم حولنا، أمرٌ فيزيائيٌّ، ولكن البحث عن احتياج الكون للعلة الموجدة له بحثٌ فلسفيٌّ؛ لذا فإننا قد نجد للكاتب قليلاً من العُذر في بحثه الفيزيائي عن الإجابات

(14)

الفلسفية، ولكن ـ وكما سيتضح لاحقا ـ فإن ذلك ليس مُبررًا كاملًا للاستغناء عن الفلسفة؛ بحُجة أنها لم تواكب البحث الفيزيائي.. وسنناقشُ هذه النقطة فيما بعد.

ثم يتطرق الكتاب إلى أن النظرية التي كانت مبنية على رؤية العالم البريطاني «إسحاق نيوتن»  ـ في تفسير الظواهر الفيزيائية ـ كانت ولا تزال أداة مُمتازة للتعامل مع فيزياء الأجسام كبيرة الحجم؛ من قبيل ما نتعامل معه في الحياة اليومية، ولكنها لا تصلح للتعامل مع فيزياء الأجسام الذرية، وما دون الذرية، والتي تتطلب نوعًا آخر من الفيزياء؛ من قبيل ما تقدِّمه الفيزياء الكمية  ـ بدءًا من العقد الثاني من القرن العشرين ـ  ومع تطور النظريات في الفيزياء الكمية، اتضح يومًا بعد يوم أن الفيزياء الكمية تستطيع تقديم تنبؤات دقيقة جدًّا للظواهر الكونية؛ سواء على مستوى الأجسام الذرية، أو حتى على مستوى الأجسام الكبيرة للحياة اليومية، والتي اعتدنا التعامل معها بالنظرية النيوتونية، مع أن النظريتين ـ النيوتونية والكمية ـ مبنيتان على مفاهيم وقواعد مختلفة جدًّا.

ثم يتطرَّق الكاتب إلى مسألة مُهمة جدًّا؛ وهي: آلية تكوين واعتماد النماذج العلمية لوصف الواقع. وقبل الدخول إلى تفصيل ذلك، يجدُر بنا أن نشرح ما نقصده من «النموذج العلمي لوصف الواقع».. إننا حينما نلاحظ حولنا ظواهر طبيعية من قبيل نزول المطر، ونرغب في تفسير تلك الظاهرة؛ فإننا نلجأ إلى تكوين وبناء نموذج علمي يُمكن من خلاله أن نصف تلك الظاهرة الطبيعية «نزول المطر». وفي مثالنا هذا، فإننا نحتاج لأن نفترض أن الماء يستطيع أن يتواجد في ثلاث حالات فيزيائية؛ هي: الحالة السائلة، والحالة الغازية، والحالة الصلبة. وأن حالة الماء الفيزيائية تتغيًّر بتغيُر بعض الظروف الفيزيائية؛ من قبيل: الحرارة، والضغط مثلا. كما نفترض أن سلوك الماء في كل حالة فيزيائية يختلف عن سلوكه في الحالات الأخرى؛ وبهذا فقد كوَّنا النموذج العلمي لوصف ظاهرة نزول المطر، وما علينا عنها إلا أن نربط بين

(15)

النقاط لنقول إن الماء في ظل تعرضه للحرارة على سطح الأرض يتبخَّر (يصبح في حالة غازية)، ويصعد إلى الأعلى في طبقات الهواء؛ حيث يتعرَّض للبرودة؛ مما يُسبِّب تكثفه؛ الأمر الذي يُؤدي إلى سقوطه على شكل مطر على الأرض.

ويجب أن يكون النموذج العلمي الذي اعتمدناه لتفسير نزول المطر كافيًا لعدة أشياء؛ منها:

 ـ  أن يكون كافيًا لتفسير نزول المطر في كل مرة ينزلُ فيها المطر في أي مكان في العالم.

 ـ  أن يكون كافيًا لتقديم تنبؤات علمية مُسبقة بظاهرة نزول المطر؛ من قبيل: ما يُستفاد منه في الأرصاد الجوية للتنبؤ بنزول المطر في مكان ما في زمان ما.

وهذان الشرطان مُهمَّان جدًّا في تكوين النموذج العلمي لوصف الواقع؛ ولكن: هل يعني ذلك أن النموذج الذي اعتمدناه هو صحيحٌ ومطابقٌ للواقع، خصوصًا إذا ما اكتشفنا أن هناك من بنى نموذجًا آخر يصفُ نفس الظاهرة تمامًا بطريقة أخرى، وأن نموذجه الآخر أيضًا كافٍ لتقديم تفسير جيِّد لنزول المطر، وكافٍ كذلك للتنبؤ بالأرصاد الجوية؟

هُنا؛ يقول هوكنج: «إذا ما استطاع نموذجان (أو استطاعت نظريتان) وصف نفس الظواهر والأحداث؛ فإننا لا نستطيع أن نقول إن أحد النموذجين أكثر واقعية من الآخر، بل إننا نكون أحرارًا في اعتماد النموذج الذي نجده مريحًا أكثر لنا». ثم يدعم الكاتب قوله بعرض بعضٍ من تاريخ العلوم والنظريات والنماذج العلمية؛ حيث يقول: «إننا وجدنا في تاريخ العلم سلسلة من النظريات والنماذج العلمية التي كانت تتحسَّن مع تغيُّرها في وصفها للواقع؛ فمن نظريات أفلاطون إلى نظريات الفيزياء الكلاسيكية لنيوتن، إلى نظريات الفيزياء الكمية الحديثة. وعليه؛ فمن حقنا

(16)

أن نسأل: هل ستصل تلك السلسلة من النظريات إلى نهاية قصوى، ونظرية عُظمى؛ لتفسير الظواهر الكونية؛ بحيث تشمل كلَّ القوى الطبيعية، وتقدِّم كلَّ التنبؤات المطلوبة لكل الملاحظات التي يُمكن أن نجريها لكل شيء، أو أننا سنستمرُ للأبد في اكتشاف نظريات أفضل مما لدينا، ولن نصل إلى تلك النظرية التي لا يُمكن تحسينها أو تطويرها أو استبدالها بغيرها؟ إننا لا نملك إجابة عن هذا السؤال حاليًا، ولكن لدينا مرشح لمثل هذه النظرية، إن كان ثمة نظرية كهذه».

وفيما تبقَّى من الفصل الأول، يُقدِّم الكاتب مُقدمة لهذه النظرية والتي تسمى بنظرية (م) (M theory)؛ وحيث إن الكاتب سيتكلم في فصول لاحقة عن هذه النظرية؛ لذا فإننا سندع الكلام عنها لما بعد.

(17)
(18)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

حكم القانون

(19)

 

الفصل الثاني: حكم القانون

 

يبدأ هذا الفصل بعرض بعض الأساطير القديمة، التي كانت تُستعمل كنماذج علمية لوصف الواقع عند بعض القدماء، والتي تطوَّرت إلى قدرة البابليين على التنبؤ بموعد الخسوف. ومع ذلك؛ ظلت مُعظم الظواهر الطبيعية غامضة في تفسيرها، والتنبؤ بها لدى البشر؛ الأمر الذي أدَّى إلى اعتبارها كمظاهر لغضب الآلهة (المفترضة) على البشر وسلوكهم.. فتراه يقول: «قدرة البشر على الإحساس بالذنب كانت مصدرًا لاكتشاف طرق أخرى لإلقاء اللوم على أنفسهم». «جهلُ البشر في القِدَم بطرق الطبيعة، أدى بهم إلى اختراع آلهة تعزى إليها كل مناحي الحياة البشرية».

ويبدو من خلال ذلك أنَّ هوكنج يعزي مسألة الإيمان بالخالق أو الإله لدى البشرية بشكل تام، إلى حاجتهم الفطرية لإيجاد تفسيرات منطقية للظواهر الطبيعية الغامضة حولهم. أو بعبارة أخرى؛ فإن فكرة الإله والخالق هي «النموذج العلمي لوصف الواقع»، الذي اعتمده البشر القدماء؛ في ظلِّ غياب التفسيرات العلمية الحديثة لتلك الظواهر الكونية؛ وبالتالي فإن النماذج العلمية لوصف الواقع والمبينة على العلوم الحديثة تشكِّل بديلاً أفضل لنموذج الإله.

ثم يستعرض الكاتب بعضًا من تاريخ اليونانيين العلمي، ومحاولاتهم تقديم نظريات ونماذج علمية لوصف الواقع، وتفسير الظواهر الطبيعية؛ بدءا من: طاليس (Thales)، وأرسطوطاليس (Aristotle)، والأيونيين (Ionians)، وفيثاغورث (Pythagoras)، وآرشميدس (Archimedes)، وأناكسيماندر (Anaximander)، وإمبيدوكليس (Empedocles)، ودميقريطس (Democritus)، وأريستارخيوس(Aristarchus)،

(20)

وأبيقيور (Epicurus)، وهيراكليتس (Heraclitus). وكان لهذا البحث آثاره على المفكرين المسيحيين؛ من قبيل: ثوماس أكويناس (Thomas Aquinas). والعلماء الأوروبيين؛ مثل: الفلكي الألماني جوناس كبلر  (Johannes Kepler)، والفيزيائي الإيطالي جاليليو جاليلي (Galileo Galilei). وأخيرًا؛ تطرق الكاتب لرينيه ديكارت (René Descartes)، الذي كان أول من عبَّر بشكل صريح وقوي عن مفهوم القوانين كما نفهمها اليوم.

وحيث وصل الكاتب لـ«ديكارت» ومفهوم القانون؛ فإنه يبدأ بالحديث عن القوانين الطبيعية؛ لأن هذا الفصل مُخصَّص للحديث عنها؛ فالقوانين (بالنظرة الأولية) تسمح لنا بالمعرفة والتنبؤ بسلوك الأشياء الطبيعية عبر الزمن؛ إذا ما كانت الحالة الأولى لتلك الأشياء معروفة لنا. وبهذا الاعتقاد الجديد بوجود القوانين الطبيعية؛ أتت محاولات جديدة للتوفيق بين تلك القوانين وبين مفهوم الإله. فطبقاً لديكارت؛ فإن الإله لا يستطيع ـ حسب رغبته ـ أن يغيِّر من القوانين الطبيعية؛ لأنها القوانين الوحيدة التي يُمكن أن توجد في الطبيعة وليس غيرها؛ وذلك  ـ حسب اعتقاد ديكارت ـ لأن تلك القوانين نفسها تعكس طبيعة الإله التي لا تقبل التغيُّر.

... يعتقدُ مُعظم العلماء أن قوانين الطبيعة هي قواعد مبنية على مشاهدة، ومُلاحظة الانتظام ـ في الطبيعة ـ  وتزودنا بتنبؤات وتوقعات عن الحالة المستقبلية. أو بعبارة أخرى؛ فإن مَلاك تسمية الشيء بالقانون هو قدرتُنا على تعميم تلك الحالة الموصوفة على ما يمكن مُشاهدته ومُلاحظته في أوقات وأماكن أخرى ذات ظروف مُشابهة لتلك التي يشملها القانون؛ فإن قلنا ـ مثلًا ـ إن الشمس تُشرق دائمًا من الشرق؛ فإن ذلك يصلح أن يكون قانوناً؛ لأنه يُمكن تعميمه. في حين أن قولنا بأن الحواسيب الآلية في هذا المكتب سوداء اللون؛ ليس بقانون في خارج إطار المكتب نفسه.

 

(21)

ثم يشرح الكاتب مسألة القانون الطبيعي بطريقة جميلة عبر استخدامه لمثال فيزيائي استعاره من الفيلسوف جون كارول (John W. Carroll)؛ وهذا المثال هو: مقارنتنا للعبارتين التاليتين:

 ـ العبارة الأولى: «كلُّ كرات الذهب ستكون أصغر من الميل في قطرها».

 ـ العبارة الثانية: «كلُّ كرات اليورانيوم 235 ستكون أصغر من الميل في قطرها».

فالعبارة الأولى ليست بالقانون الطبيعي، في حين أن العبارة الثانية قانون طبيعي.. لماذا؟

بالطبع؛ نحن لا نلاحظ أيَّة كرات ذهب بحجم الميل في قطرها، ونشكُّ كثيرا أننا سنجد أيًّا منها في المستقبل، ولكن في الحقيقة لا يوجد هناك سبب منطقي أو علمي يمنع من وجود كرة من الذهب بقُطر الميل أو أكثر. والسبب الوحيد الذي يجعلنا نشكُّ بوجودها هو أننا لا نجد ولا نلاحظ ولا نكتشف الذهب بهذا الشكل والكمية حولنا في بيئتنا التي يمكن استكشافها؛ ولهذا السبب فإن العبارة الأولى هي عبارة عن ملاحظة اتفقنا عليها بشكل مُتعارف، ولكن هذه الملاحظة قد تختلف باتساع دائرة مشاهداتنا في المستقبل في أوقات مختلفة وأماكن مختلفة في الكون. ولعلَّ أبناءنا وأحفادنا في المستقبل يكتشفون كرة من الذهب بقُطر الميل في مكان ما من الكون؛ حيث لا يُوجد ما يمنع ذلك من الناحية العقلية أو العلمية.

أما في العبارة الثانية؛ فإننا نعلم أن أي تكتل لليورانيوم 235 أكبر من ست بوصات فإنه سينفجر في انفجار نووي؛ ولذا فإن لدينا مانعًا علميًّا يجعلنا متأكدين أن كرات اليورانيوم 235 ستكون أصغر من الميل (بل أصغر من الست بوصات) في قطرها مهما اتسعتْ دائرة مشاهداتنا في الكون، ومهما طال الزمن بأبنائنا وأحفادنا في مشاهداتهم. وهذا يجعلُ من العبارة الثانية قانونًا طبيعيًّا علميًّا، وهذا يُوضِّح الفارق

(22)

بين التعميم الذي يمكن اعتباره قانوناً علميًّا للطبيعة، والتعميم الذي ليس بقانون علمي، كما يرغب الكاتب القول أيضًا بأن «مُعظم القوانين الطبيعية توجد مُترابطة في نظام كبير مُترابط للقوانين العلمية الأخرى».

«في مجال العلوم الحديثة، يُعبَّر عن القوانين بأسلوب رياضي، وقد تكون دقيقة بشكل تام أو تقريبية، ولكنها في كل الأحوال لا بد وأن تكون صحيحة في ملاحظاتنا كلها بلا استثناء، على الأقل في الظروف التي يتم اشتراطها في ذلك القانون».

«فإذا كانت الطبيعة محكومة بالقوانين؛ فإن الأسئلة الثلاثة التالية تتطلب إجابة عنها:

 ـ ما هو منشأ القوانين؟

 ـ هل هناك استثناءات في تلك القوانين؟ أو بعبارة أخرى: هل هناك مُعجزات تكسر القوانين؟

 ـ هل هناك مجموعة واحدة من القوانين الطبيعية فقط؟

لقد حاول عُلماء الطبيعة والفلاسفة وعلماء اللاهوت الإجابة عن تلك الأسئلة؛ فعلى سبيل المثال: كانت إجابة كبلر وجاليليو وديكارت ونيوتن عن السؤال الأول؛ هي: أن القوانين هي نتاج عمل الإله. ولكن هذه الإجابة لا تُعطي تعريفًا للإله أكثر من كونه مجرَّد تجسيم لمجموع قوانين الطبيعة. وفي حالة إضفاء صفات إضافية على ذلك الإله  ـ من قبيل: الإله المذكور في العهد القديم ـ  وذلك بهدف الإجابة عن السؤال الأول، فإن كل ما يفعله ذلك هو استبدال لغز وأمر غامض بلغز وأمر غامض آخر ليس إلا».

كما أن الاستعانة بفرض وجود الإله للإجابة عن السؤال الأول يفرض علينا السؤال الثاني؛ وهو: هل هناك استثناءات ومعجزات لتلك القوانين؟. إنَّ الآراء حول هذا السؤال اختلفت؛ فأفلاطون وأرسطو آمنا بأنه لا يمكن أن تكون هناك استثناءات

(23)

لتلك القوانين؛ في حين أن الرؤية التوراتية تقول بأن الإله يُمكن اللجوء إليه لإجراء استثناءات من تلك القوانين؛ من قبيل: علاج المرضى الميئوس من شفائهم، أو لإنهاء حالات الجفاف مثلاً. وقد آمن أكثر المفكرين المسيحيين بأن الإله يجب أن يكون قادرًا على إيقاف عمل القوانين لإجراء المعجزات، وحتى نيوتن آمن بنوع من المعجزات.

ثم أخذ النقاش في الفصل منحًى أكثر تطورًا؛ حيث ناقش الكاتب موضوع الحتمية العلمية، وعرَّفها بالطريقة التالية: «إذا ما علمنا بالحالة الأولية الابتدائية للكون في لحظة معينة؛ فإن مجموعة كاملة من القوانين العلمية بإمكانها أن تحدِّد مستقبل وماضي الكون، وهذا بدوره يستثني احتمال وجود معجزات أو احتمال أي دور نشط للإله في الكون. وهذه هي الإجابة التي سيقدمها علماء الطبيعة للسؤال الثاني، بل إن هذه الإجابة هي الأساس لكل العلوم الطبيعية الحديثة، وهي أيضا مبدأ مهم في كتاب «التصميم العظيم»، القانون العلمي لن يكون قانونًا علميًّا إذا ما كان عُرضة لقرار من موجود خارق بالتدخل لإلغائه» (ص:52).

ثم يتطرَّق الكاتب لموضوع جانبي عمَّا يُسمى بـ«الإرادة الحرة» في الإنسان والمخلوقات الأخرى. وخلص إلى أن سلوك الإنسان هو نتاج التفاعلات الفيزيائية الكيميائية بين الجزيئات المكونة لجسمه ودماغه، وعليه فلا مكان للإرادة الحرة والاختيار في الإنسان، وإنما يتبع في سلوكه أنماطا شبيهة بالتي تنتج عن التفاعلات المادية بين الجزيئات؛ شأنه في ذلك شأن أية مواد أخرى حوله. وحيثُ إن سلوك الإنسان نتاج التفاعلات المادية الخاضعة للقوانين الطبيعية، فإنه يُمكن نظريًّا أن نتنبأ بسلوك الإنسان إذا ما علمنا حالته الابتدائية في لحظة معينة، ولكن لأن ذلك يتطلب معرفة حالة ألف تريليون تريليون جُزيء مكونة لجسمه، فإن ذلك يتطلب حلَّ عدد ضخم جدًّا من المعادلات الرياضية؛ الأمر الذي يتطلب بلايين السنين للتنبؤ بسلوك ذلك الفرد؛ الأمر الذي قد يدفعنا إلى التخلي عن هذه النظرية من الأساس.

(24)

ولكن الكاتب يُعرفنا في هذه اللحظة على مفهوم «النظرية الفاعلة» (Effective Theory)، والتي هي إطار عمل نُوجده لنتمكن من صنع نموذج يُفسر ظواهر طبيعية معينة في ملاحظاتنا، من غير الحاجة إلى وصف تفصيلي لكل العمليات المشمولة في تلك الظاهرة. ويشرح الكاتبُ مقصودَه من هذا التعريف عبر مثال الجاذبية: فنحنُ لا نستطيع أن نحلَّ بالدقة كل المعادلات الرياضية في عملية تفاعل كل ذرة من ذرات الجسم، أو مع كل ذرة من ذرات الكرة الأرضية في عملية الجاذبية، لكننا نستطيع للأغراض العملية أن نصف مُجمل الجاذبية بين الجسم والكرة الأرضية عبر معادلات وأرقام بسيطة جدًّا. وهذه هي النظرية الفاعلة للجاذبية.

ثم يستعملُ الكاتب مفهوم النظرية الفاعلة؛ ليقول إن ما نسميه بـ «الإرادة الحرة» ليس إلا نظرية فاعلة تصف التفاعلات الكيميائية التي تحكم سلوك الإنسان. أو بعبارة أخرى: فإن تسمية الإرادة الحرَّة هي تسمية جزافية غير صحيحة، وأنه ما من إرادة حرة لدى المرء؛ لأن سلوكه محكومٌ بالتفاعلات الكيميائية والظواهر المادية الطبيعية.

ويرجعُ الكاتب إلى السؤال الثالث؛ والذي يبحثُ في كَوْن القوانين الحاكمة للكون وسلوك الإنسان واحدة فريدة، أم أن هناك أكثر من مجموعة من القوانين؟

... إنْ كانت إجابتك عن السؤال الأول؛ هي: أن الإله هو الذي خلق القوانين، فإن السؤال الثالث هو عمَّا إذا كان ذلك الإله قد اختار هذه المجموعة من القوانين من ضمن مجموعات عديدة منها؟ لقد آمن أرسطو وأفلاطون وديكارت  ـ ولاحقا آينشتاين ـ بأن مبادئ الطبيعة (القوانين) توجد بداعي الضرورة؛ لأنها الوحيدة منطقيًّا. بالطبع؛ فإن اعتبار «المنطقية» في القوانين الطبيعية أدى بأرسطو إلى تجاهل المنهج التجريبي في مقابل التحليل المنطقي؛ ونتيجة لذلك فإن تلك القوانين التي استنبطها كانت غير صحيحة وغير مفيدة مع أنها كانت سائدة لقرون عديدة، إلى أن قام جاليليو بتغيير هذا المنهج المنطقي في البحث الطبيعي إلى منهج الملاحظة والتجربة.

(25)

ويختم الكاتب الفصل الثاني بقوله إن الكتاب ينبعُ من جُذور الحتمية العلمية؛ وبالتالي فإن الإجابة عن السؤال الثاني؛ هي: أنه لا توجد معجزات أو استثناءات للقوانين الطبيعية، ولكننا ـ والكلام للكاتب ـ سنعود لنبحث بعمق أكبر في السؤالين الأول والثالث: كيف نشأت القوانين؟ وهل هي القوانين الوحيدة الممكنة؟ ولكننا في الفصل القادم، سنُناقش مسألة: ما الذي تصفه قوانين الطبيعة؟ معظم العلماء سيقولون إن القوانين العلمية هي الانعكاسُ الرياضي للواقع الخارجي الذي يُوجد بالاستقلال عن المراقب له، وعندها سنواجه سؤالاً آخر عندما نبحث في الطريقة التي نلاحظ بها الواقع ونكوِّن مفاهيمنا عنه؛ وهو: هل لدينا سببٌ وجيه يدعونا للاعتقاد بأن هناك واقعًا موضوعيًّا مستقلًا في الخارج؟

(26)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

ما هو الواقع؟

(27)

 

الفصل الثالث: ما هو الواقع؟

 

يبدأ الكاتبُ هذا الفصل بقصَّة حدثتْ في مدينة «مونزا» بإيطاليا قبل عدة سنوات؛ حيث منع مجلس المدينة مالكي السمكة الذهبية من وضعها في إناء زجاجي مكوَّر؛ والسبب في ذلك هو أنه من القسوة أن نضع السمكة في إناء ترى من خلاله ما حولها على أنه مقوَّس ومكوَّر ومشوَّه عن الحقيقة.

ولكن ـ يتساءل الكاتب ـ كيف نعلم أن الصورة التي نملكها نحن عن الواقع هي الصورة الصحيحة الحقيقية غيرالمشوَّهة عنه؛ قد نكون نحن أيضًا في إناء زجاجي ضخم نرى فيه الواقع مختلفا عما هو عليه؟ إن مفهوم السمكة الذهبية عن الواقع الخارجي مُختلف عن مفهومنا نحن عنه، ولكن ما الذي يدعونا إلى الاعتقاد أنه أكثر صحة عنه؟

إن رؤية السمكة الذهبية للواقع مُختلفة عن رؤيتنا، ولكن السمكة الذهبية ـ مع ذلك ـ  تستطيع أن تشكل معادلات وقوانين عن الواقع (كما تراه هي)؛ بحيث أن تلك القوانين والمعادلات تفسِّر لها بشكل مُرضٍ ما يحدثُ في الواقع، وتعطيها القدرة على التنبؤ بحركة الأجسام حول الإناء الزجاجي. ستكون قوانين السمكة العلمية أكثر تعقيدًا عن قوانيننا (لأن الحركة لديها تكون في خطوط مُنحنية، على خلاف الحركة التي تكون في خطوط مستقيمة في عالمنا)، ولكن البساطة والتعقيد هما أمور ذوقية؛ فإذا تمكنت السمكة من إيجاد تلك القوانين لما حولها؛ فإن علينا عندها أن نسلم بأن رؤيتها للواقع الخارجي صحيحة وسليمة كما هي رؤيتنا نحن.

ثم يسرد الكاتب كيف أن البشر أنفسهم وضعوا ـ على مر التاريخ العلمي ـ  نماذج مختلفة لوصف الواقع الخارجي، وكيف أن كلًّا من تلك النماذج كانت ناجحة ـ إلى

(28)

حد ما ـ في وصف الواقع؛ فحتى في النموذج الذي كان يعتقد أن الأرض مُسطحة مُستوية (وليست كروَّية) فإن النظرة اليومية لنا على الأرض كانت تؤيد ذلك النموذج؛ لأننا نرى بالفعل (بالعين المجردة ودون الاستعانة بصور فضائية) أن الأرض مُسطحة ومُستوية، ولا نراها كروية أو حتى مُنحنية. كما يسردُ الكاتب بعضَ النماذج التي كانت تصف حركة الكواكب السيارة والشمس (أو عدم حركتها)، وكيف أن جاليليو حُوْكم بتهمة الهرطقة لمخالفته نموذج الكنيسة عن الواقع.

...إن هدف الكاتب من هذا السرد؛ هو: أن يقول إن كل النماذج الموضوعة لوصف الواقع وتفسير الظواهر الطبيعية والقيام بتنبؤات مستقبلية ناجحة ـ إلى حد ما ـ  في جانب من الجوانب، وغير ناجحة  ـ إلى حد ما ـ  في جوانب أخرى؛ وبالتالي فإن أيَّ نموذج نضعه لوصف الواقع وتفسيره والتنبؤ به سيكون نموذجا تقريبيا وليس بالضرورة واقعيا تماما؛ لأنه يظلُّ عُرضة للتحسين والتطوير والإتمام يومًا بعد يوم؛ لذلك فإن أيَّ نموذج لدينا هو بمثابة العدسة التي ننظرُ من خلالها للواقع أكثر مما هو صورة مطابقة للواقع الخارجي الذي لا نعلم بالدقة المتناهية كيفيته. وقد نظل لا نعلمه بتلك الدقة التامة في المستقبل أيضًا.

ولهذا السبب، استعان بمثالٍ آخر استعاره من فيلم الخيال العلمي «ماتريكس» (مصفوفة)؛ وتدور قصة الفيلم عن كون الجنس البشري يعيش ـ من حيث لا يعلم ـ في «واقع» خيالي رقمي داخل برامج الحاسب الآلي التي استطاعتْ عبر الذكاء الصناعي أن تأسر وعي البشر في برامجها الرقمية، وتبقيهم في حالة راضية لأسبابها الخاصة. وموضع الشاهد في استعانة الكاتب بقصة الفيلم؛ هو: أن البشر في الفيلم يعتقدون أنهم يرون ويعيشون الواقع كما هو، في حين أنهم يرون ما تريده الحواسيب الآلية أن يروه كواقع؛ وبالتالي يتساءل الكاتب بوضوح: «كيف نعلم أننا لسنا مجرَّد شخصيات في سيناريو خلقته الحواسيب الآلية؟».

(29)

ولأن المخلوقات داخل برامج الحواسيب الآلية لا تستطيع أن تنظر إلى ما هو خارج عن تلك البرامج الرقمية، فإن كلَّ ما ستراه داخل تلك البرامج سيكون الواقع الوحيد الذي تدركه وتعلم عنه، ولن تستطيع حتى أن تتخيَّل وجود ما وراء ذلك الواقع المُصطنع في البرامج؛ ما لم تسمح لها تلك البرامج بذلك. وحتى نقرِّب مقصود الكاتب في ذلك إلى الفهم، لا بد لنا أن نتذكَّر أننا حين نحلم فإننا نعيش ما نراه في الحلم كواقع محسوس تام، وحينما نرى أنفسنا في الحلم أننا نطير ونتحرك مُعاكسين للجاذبية، فإن ذلك يبدو منطقيًّا ومتناسبًا مع القوانين العلمية في أثناء الحلم، ولا نُدرك أن الطيران على الكرة الأرضية بدون الاستعانة بتقنيات خاصة مُخالف لقوانين الجاذبية، كذلك لو رأينا في الحلم أن الماء يغلي في درجة حرارة صفر مئوية ويتجمَّد في درجة 100 مئوية؛ فإننا سنعتقد أن ذلك أمرٌ عاديٌّ لا غرابة فيه، وأن ذلك قانون علمي حتمي. هذا بالإضافة إلى أننا لا نُدرك أن ذلك كله كان حلمًا إلا حينما نستيقظ من النوم وينتهي الحلم، عندها فقط ندرك أن هناك واقعًا أكبر من الحلم، وأن الحلم على شدَّة الواقعية التي كان يبدو لنا فيها أثناء النوم ليس إلا طيفاً سطحيًّا مقارنة مع الواقع الحقيقي الذي نعيشه في اليقظة، وأن القوانين العلمية الواقعية الصحيحة هي التي نلاحظها أثناء اليقظة وليس ما نلاحظه أثناء النوم في الأحلام، فكيف لنا أن نعلم الآن أننا لسنا في حلم آخر كبير يصوِّر لنا أننا نعيش الواقع وندركه كما هو؟

وبذلك؛ فقد آن الأوان للكاتب أن يُعلن عن استنتاج مهم يعتمد عليه في كتابه «التصميم العظيم»؛ وهو: أنه «لا يُوجد مفهوم للواقع مستقلٌ عن النظرية التي تحاول تصويره ووصفه والتنبؤ به». وبعبارة أخرى: فإن هناك مفاهيمَ عن الواقع بعدد النظريات التي تُحاول وصفه وتفسيره وتصويره لنا. وعليه؛ فإنك لو عملت بعشر نظريات مختلفة تصف لك الواقع، فإن هناك عشرة مفاهيم عن الواقع

(30)

وليس أحدها بالضرورة هو الواقع بعينه أكثر من الأخريات. وللإشارة إلى هذا المفهوم الجديد، يستعملُ الكاتب مصطلح «الواقع المبني على النموذج» (Model ـ dependent realism)، أو فلنقل على سبيل الاختصار في خلال هذا الكتاب «واقع النموذج»؛ وبالتالي سيتم البحث عن الواقع من خلال النموذج المقدَّم لوصفه. وفي العلوم الطبيعية غالبًا ما يكون هذا النموذج عبارة عن معادلات رياضية. وهنا؛ لا بد من الإشارة إلى أن الرياضيات هي العمود الفقري للنماذج العلمية؛ لأنه بالرغم من أننا نستطيع أن نستعمل الأسلوب الوصفي النوعي الخالي من الرياضيات لوصف الظواهر الطبيعية إلى حد ما، إلا أن الدقة العلمية تأبى الوقوف عند حدود الوصف الكلامي للظواهر الطبيعية، وتصرُّ على اقتحام مستويات من الدقة في الوصف، والتنبؤ بما يتطلب استعمال الأرقام والمعادلات والأدوات الرياضية. ولتوضيح ذلك؛ لنقل إنك ترغب في الذهاب لنزهة برية في يوم الجمعة القادم، وتتطلب نزهتك أن يكون الجو صحوًا، والسماء صافية، ودرجة الحرارة مُعتدلة حتى تستمتع بنزهتك، في هذه الحالة فإنك تستطيع أن تستعمل نموذجًا وصفيًّا نوعيًّا غير رياضي؛ من خلال النظر إلى السماء بعينك المجرَّدة يوم الخميس أو الأربعاء (أي قبل النزهة بيوم أو يومين مثلاً)، وتُجري بعض التنبؤات حول حالة الأرصاد الجوية في ذهنك؛ لتتخذ قرارَك بشراء مستلزمات النزهة مُسبقا. وقد يكون ذلك المستوى من الدقة مقبولاً لديك، ولكنك لو كنت من علماء الطبيعة، فإنك لن تقبل بهذا المستوى من الدقة المنخفضة جدًّا، لا سيما إذا كانت نزهتك تتطلب منك شراءَ أو استئجارَ مُعدات غالية الثمن، أو تتطلب منك جدولة مواعيدك المزدحمة جدًّا مثلاً، وسوف تلجأ إلى نموذج رقمي كمي يستعمل الأرقام والمعادلات الرياضية، وقد تحتاج للحاسب الآلي لحل المعادلات للحصول على تنبؤات أدق بالأرصاد الجوية. كما أنك حين تزور طبيبك، ويصفُ لك الدواء، فإنك ستفضل أن يستعمل نموذجًا رياضيًّا لحساب جُرعة الدواء

(31)

لك، وكذلك لو كنت تائهًا أثناء قيادة السيارة في مدينة مُزدحمة، وتحتاج لاستعمال جهاز التموضع العالمي لتحديد موقعك، والحصول على وصف الطريق لمقصدك.

إذن؛ فغالبية النماذج العلمية التي تُحاول وصف الواقع هي نماذج رياضية معقدة، ولكن المعروف عن كاتبنا «ستيفن هوكنج» قدرته الفائقة على شرح الحقائق العلمية في كتبه الموجَّهة للجماهير، دون استعمال حتى معادلة واحدة من الرياضيات؛ وبذلك فإننا لا نحتاج لمواجهة أسوأ كوابيسنا في أيام المدرسة الثانوية؛ أي: المعادلات الرياضية في خلال هذا البحث.

نرجع للفصل الثالث من الكتاب؛ حيث يقول الكاتب إن النظريات الكلاسيكية في العلوم الطبيعية مبنية على الاعتقاد بأن هناك واقعًا وعالمًا خارجيًّا؛ له من المواصفات ما هو مُحدد ومُستقل عن المراقب لذلك الواقع، أو بعبارة أخرى إن هناك أشياءً في الواقع لها صفات وقيم مُحدَّدة جدًّا؛ من قبيل: الكتلة، والسرعة وما شابه ذلك. وعليه؛ فإن نظرياتنا المبنية على هذه النظرة هي محاولات لوصف الأشياء وخواصها، ووصف لقياساتنا وإدراكاتنا لها. كذلك؛ فان كلاً من المراقِب وما يراقبه في هذا النموذج هُما جزءٌ من عالم له وجود موضوعي، وأيُّ تمييز بينهما ليس له أهمية مُعتبرة. وبعبارة أخرى (والمثال للكاتب) فإنك لو رأيت في مواقف السيارات مجموعة من حمير الوحش تتنافس على مكان ما؛ فذلك لأنه بالفعل هناك مجموعة من حمير الوحش في موقف السيارات تتنافس على ذلك المكان. كما أن أيَّ مُراقب آخر لنفس الظاهرة سيُلاحظ نفس الخواص التي لاحظتها أنت، بل إن هذه الظاهرة ـ حسب هذا النموذج ـ  ستكون واقعة بنفس الخواص والصفات؛ سواء راقبها أيُّ مراقب أم لم يراقبها أحد البتة. وبلغة الفلسفة؛ يُسمى هذا الأمر بالواقعية «المذهب الواقعي». ويُضيف هوكنج بأن الواقعية قد تبدو مغرية للاعتقاد بها، ولكن ما سنراه من الفيزياء الحديثة يجعل الدفاع عنها صعبًا؛ فمثلا: طبقًا للفيزياء الكمية  ـ والتي هي وصف

(32)

دقيق للطبيعة ـ  فإن الجسيمات الدقيقة ليس لها مكان مُحدد أو سرعة محددة إلا أن يتم قياسها عن طريق مُراقب لها؛ وبالتالي فليس صحيحًا القول بأن عملية القياس تعطينا نتائج مُعينة ناتجة عن كون الشيء الذي نراقبه فيه من الخصائص والقيم ما وجدناه في عملية المراقبة والقياس في ذلك الوقت، بل إنه في بعض الحالات فإن بعض الأشياء ليس لها وجود مُستقل، وإنما وُجُودها ضمن مجموعة من الأشياء، وإذا ما صحت النظرية المسماة بـ«المبدأ الهولوغرافي» فإننا وعالم الأبعاد الأربعة الذي نعيش فيه قد نكون ظلالاً على أطراف نسيج زماني مكاني من خمسة أبعاد، وفي هذه الحالة فإن وضعنا سيكون شبيهًا بوضع السمكة الذهبية من ناحية نظرتنا إلى العالم.

... إن المؤمنين بالواقعية بشدة يعتقدون ـ كما يظن الكاتب ـ أن الدليل على أن النظريات العلمية تصوِّر الواقع كما هو يقع في نجاح تلك النظريات العلمية، ولكن النظريات العلمية المختلفة تستطيع وصف نفس الظاهرة عبر طرق مُختلفة وفي أطر عمل مختلفة، بل إن بعض النظريات العلمية الناجحة استُبدلت بنظريات مختلفة ناجحة بشكل مكافئ؛ في الوقت الذي كانت النظريات المُستبدلة والبديلة معا مبنيتين على مفاهيم مختلفة جدًّا عن الواقع.

ثم يعرضُ الكاتبُ لفئة من المفكرين الذين رفضوا قبول الواقعية؛ وبالتالي سُمُّوا باللاواقعيين. وقد افترض اللاواقعيون تمييزًا بين المعرفة التجريبية والمعرفة النظرية؛ حيث إنهم جعلوا الملاحظة والتجربة ذات قيمة معرفية، في حين أنهم اعتبروا النظريات مجرَّد أداة مُفيدة، ولكنها لا تحمل حقيقة الظاهرة التي تصفها. وبعض اللاواقعيين أرادوا أن يحدُّوا العلم والمعرفة بما يُمكن ملاحظته بالحواس فقط؛ ولهذا السبب فقد رفض العديد من المفكرين في القرن التاسع عشر فكرة الذرة؛ بناءً على أننا لن نستطيع رؤية الذرة. وقد ذهب بيركلي إلى القول بأنه لا يوجد في الواقع إلا الذهن وأفكاره، في حين أن ديفيد هيوم كتب أنه بالرغم من أننا لا نملك دليلاً منطقيًّا

(33)

للاعتقاد بأن هناك واقعًا موضوعيًّا في الخارج؛ فإننا في الوقت ذاته لا نملك خيارًا إلا أن نتصرف في سلوكنا بناءً على أن هناك واقعًا موضوعيًّا خارجيًّا عنا.

وحيث إن الكاتب قد عَرَض باختصار فكر المؤمنين بالواقع، وفكر المُنكرين له (اللاواقعيين)، فإنه يعرضُ بعد ذلك مفهومًا يقعُ بين منطقة المؤمنين بالواقع وبين منطقة المُنكرين له؛ وهو: مفهوم «الواقع المبني على النموذج»، أو ما سميَّناه باختصار بـ«واقع النموذج». فطبقا لواقع النموذج، فإنه من غير المفيد أن نسأل عمَّا إذا كان النموذج واقعيًّا أم لا، وإنما يجب أن نسأل عمَّا إذا كان ذلك النموذج متوافقًا مع الملاحظات التجريبية أم لا. ولو وجدنا نموذجين مُختلفين يتفقان مع الملحوظات التجريبية بنفس الدرجة (مثل: افتراضنا عن نموذجنا كبشر، ونموذج الأسماك الذهبية في داخل الأوعية الزجاجية المكورة)، فإننا لا نستطيع القول بأن أحدهما أكثر واقعية من الآخر، بل نستطيع أن نتعامل مع أيٍّ من النموذجين بناءً على مقدار ارتياحنا له، وسهولة التعامل معه؛ فمثلا: لو كنا داخل الوعاء الزجاجي المكوَّر فإن نموذج السمكة الذهبية عن الواقع أكثر فائدة وسهولة لنا في الاستعمال لوصف الظواهر الطبيعية التي نلاحظها عبر الزجاج المكوَّر، ولكن للذين يعيشون حياتهم خارج الوعاء الزجاجي المكوَّر، فإن استعمال نموذج السمكة الذهبية عن الواقع سيكون غريبًا جدًّا وصعبًا حينما يُحاول وصف الظواهر الطبيعية التي تحدث في المجرَّات البعيدة مثلاً، لا سيما أن ذلك الوعاء الزجاجي بأكمله يتحرَّك مع حركة الأرض حول نفسها وحول الشمس.

وكما أننا نصنعُ النماذج في العلوم الطبيعية، فإننا أيضًا نصنعها في حياتنا اليومية؛ فواقع النموذج لا ينطبق فقط على النماذج العلمية، وإنما أيضًا ينطبق على النماذج الذهنية الواعية وغير الواعية التي نصنعها بهدف فهم وتفسير الحياة اليومية حولنا؛ وبالتالي ليس هناك أي مجال لإزالة اعتبار المراقب (أي نحن) من إدراكاتنا للعالم، والتي نصنعها من خلال الإدراكات الحسية، ومن خلال التفكير والمنطق، «إن

(34)

إدراكاتنا، وبالتالي ملاحظاتنا التي نبني عليها نظرياتنا العلمية ليست نتاجًا مباشرًا للواقع، بل تمر عبر عدسة التفسير التي نملكها». وهنا؛ أجدُ أنني يجب أن أتوقف لعدة ثوانٍ لشرح هذا الأمر المهم، الذي علَّق الكاتب عليه بشكل عابر ومُختصر؛ فالكاتب يقصدُ هنا أن هناك أمرين مُختلفين:

 ـ الأول: هو ما نسميه بالإحساس المجرد (Sensation): وهو حزمة المعلومات التي تصل إلى الدماغ عبر أجهزة الحواس الخمس؛ من قبيل: الضوء، والصوت، والجزيئات الكيميائية التي تلامس النهايات العصبية في الأنف...وما شابه ذلك.

 ـ الثاني: هو ما يمكن تسميته بالإدراك (Perception): وهو ما نعلمه من خلال حزمة المعلومات في الأمر الأول، مضافاً إلى التفسير المسبق أو الصورة الذهنية غير الواعية التي تختلط مع حزمة المعلومات الخامة لتشكل معلومة مفيدة لنا.

ولِنَشْرَح الفارقَ بينهما؛ نستعينُ بمثال أو أكثر؛ ومن أبسط الأمثلة التي أستطيع استعمالها؛ هي: رمز الدائرة في الكتابة (O)، فعندما يصل المعلومات الحسية عبر أجهزة الحس إلينا، فإن ما سميناه بالإحساس أو حزمة المعلومات هو عبارة عن رمز دائري لا أكثر، ولكن عندما تضاف صور ذهنية مسبقة إلى ذلك الرمز، فإنه يتحوَّل إلى إدراك ذي معنًى خاص لنا؛ فمثلا: لو كانت تلك الدائرة في سياق أرقام مكتوبة بالكتابة الهندية (التي نسميها عرفاً بالأرقام العربية)؛ فإننا سنفهم من تلك الدائرة الرقم (خمسة)، في حين لو كانت تلك الدائرة في سياق أرقام مكتوبة بالكتابة العربية (التي نسميها عرفا بالأرقام الإنجليزية)، فإننا سنفهم منها (الصفر)، ولو كانت تلك الدائرة في سياق الحروف العربية لفهمنا منها (الهاء المربوطة)، ولكن في سياق الحروف الإنجليزية، فإننا سنفهم منها (الحرف O)، وهكذا يُمكننا أن نضع نفس الدائرة في سياقات أكثر لنفهم أمورًا مختلفة غيرها. ومثال آخر لذلك؛ هو: اللون الأسود؛ ففي بعض الثقافات يعني اللون الأسود الأمر الحزين، ويُستعمل في لباس

(35)

العزاء والمواساة، في حين أن البذلة السوداء هي التي يستعملها الرجل في مناسبة زواجه في بعض البلدان الأخرى (بالطبع يستطيع البعض هنا أن يستعمل التحليل الفرويدي ليقول إن الرجل يلبس البذلة السوداء في زواجه للدلالة على مناسبة حزينة أيضًا بشكل غير واعٍ، ولكن ذلك خارج مجال نقاشنا البسيط حول الإحساس والإدراك)؛ لذا وباختصار فإن الإحساس لا يُعطينا أكثر من معلومات خامة غير مصقولة لا تعني أيَّ معنى خاص، في حين أن الإدراك يُعطي معاني خاصة جدًّا حسب السياق، وحسب الصور الذهنية المسبقة لدى الشخص المدرك. وبالتالي؛ فإن ما يقوله الكاتب أعلاه هو أن عملية إضافة المعنى لملاحظاتنا التجريبية، والتي نستعملها لبناء النظريات العلمية، تؤثر بشكل أو بآخر على موضوعية تلك النظرية. أو بعبارة أخرى أن النظرية العلمية قد لا تكون موضوعية بالدرجة التي تصوَّرناها بها؛ وذلك لأن مُعطياتها من الملاحظات التجريبية قد تكون أكثر من مجرد معلومات حسية موضوعية، وإنما قد تكون مخلوطة بإدراكات ذوات معانٍ خاصة لنا في ثقافة أو أخرى.

«واقع النموذج يتطابق مع الطريقة التي ندرك فيها نحن الأشياء»، وللدلالة على ذلك يستعملُ الكاتب أمثلة علمية؛ ففي عملية الإبصارـ مثلاً ـ يتلقى الدماغ مجموعة من الإشارات عبر العصب البصري، وهذه الإشارات ليست بالجودة التي ستقبل بها على شاشة تلفازك؛ فهناك «البقعة العمياء» في المكان الذي تتصل شبكية العين فيه مع العصب البصري، كما أن الجزء الوحيد ذا الدقة البصرية الجيدة من المجال البصري لديك لا يتعدى مساحة تساوي درجة «هندسية» واحدة من زاوية النظر لديك، أي بمساحة عرض عقلة إبهامك حين تنظر إليها على بُعد ذراع واحد منك. وبالتالي؛ فإن المعلومات الخام التي تُرسل إلى دماغك عبر العين هي بمثابة صور رديئة مع ثقب فيها، ولكن لحُسن الحظ فإن الدماغ البشري ينفِّذ عمليات تصفية وتحسين على تلك الصور الرديئة؛ عن طريق إضافة معلومات من خلال العين الأخرى

(36)

أيضًا؛ وذلك لتعبئة الفراغات التي تُوجد في الصورة القادمة من العين الأولى (وهنا يفترض الدماغ أن المجال البصري هو نفسه للعينين)، بل أكثر من ذلك، فإن الدماغ يتلقى الإشارات الواردة على الشبكية التي هي بمثابة فيلم فوتوغرافي ذي بُعدين اثنين فقط؛ ليُضيف إليها من عنده بعدًا آخر ليُحوِّلها إلى صورة ذات ثلاثة أبعاد. وبعبارة أخرى، فإن الدماغ يبني نموذجًا ذهنيًّا من تلك الصورة الرديئة، إن الدماغ بارعٌ في بناء النماذج؛ بحيث أنه لو قام شخص ما ـ على سبيل التجربة ـ بارتداء نظارة بها عدسات تجعل الصورة التي يراها ذلك الشخص مقلوبة له، فإن دماغه بعد بُرهة من الزمن سيقوم بتغيير الصورة التي يراها ذلك الشخص؛ بحيث تكون صحيحة (غير مقلوبة)، ولو نزع ذلك الشخص نظاراته تلك؛ فإنه سيرى العالم مقلوباً لفترة من الزمن حتى يقوم الدماغ مرة أخرى بعمل التغييرات المطلوبة لجعله يرى الصورة صحيحة؛ بعبارة أخرى فإن الدماغ يستخدم الأشعة الضوئية المُنعكسة من الأشياء ليبني نماذج بصرية مفيدة للاستعمال.

وفي عدة صفحات أخرى ـ بعد ذلك ـ يعرضُ الكاتبُ ما يُسميه فائدة أخرى لواقع النموذج؛ وهي ما عبَّر عنه بما نفهمه من وجود الأشياء حين لا نراها، ولكن لأن هذه الميزة غير مُختصة بواقع النموذج، وإنما هي مُشتركة مع المؤمنين بالواقعية العامة، فلا نرى من داعٍ لذكرها هنا، وإنما قد نتطرَّق لها باختصار في أثناء نقاش الأفكار لاحقاً.

ثم يضع الكاتب معاييره لتمييز النموذج الجيد من غيره؛ وهي أن النموذج الجيد:

 ـ أنيق.

 ـ يحتوي على عدد أقل من العناصر الاعتباطية أو القابلة للتعديل.

 ـ يتفق مع الملاحظات التجريبية ويفسرها بنجاح.

 ـ يستطيع إيجاد تنبؤات وملاحظات مستقبلية مُفصَّلة؛ بما يُمكننا من مقارنة

(37)

الملاحظات التجريبية مع التنبؤات النظرية التي أنتجها النموذج، والحكم بناءً على ذلك بنجاح أو فشل النموذج.

فمثلاً: نظرية أرسطو عن العناصر الأربعة؛ حيث تكون الأشياء في العالم مكوَّنة من أربعة عناصر؛ هي: الماء، والهواء، والنار، والأرض، وأن الأشياء تتصرَّف بطرق للوصول إلى أهدافها، هي نظرية (أنيقة)، ولا تحتوي على عناصر اعتباطية قابلة للتعديل، ولكنها لم تكن تولد لنا تنبؤات لملاحظات يُمكننا أن نجريها في تجاربنا، وحين كانت تُعطي بعض التنبؤات فإنها لم تكن تتوافق مع الملاحظات التجريبية كثيرًا؛ فمثلا إحدى تلك التنبؤات كان أن الأشياء الثقيلة يجب أن تسقط بشكل أسرع من الأشياء الخفيفة؛ لأن هدفها هو السقوط، ولم يسترع ذلك انتباه أحد ليختبر ذلك إلى حين جاء جاليليو، الذي يُقال إنه أسقط جسمين أحدهما أثقل من الآخر من برج بيزا المائل؛ ليرى أنهما اكتسبا السرعة بشكل متساوٍ.

... إن المعايير أعلاه غير موضوعية (Subjective)؛ فالأناقة مثلاً أمرٌ ليس من السهل قياسه، ولكن الأناقة في النماذج والقوانين أمرٌ يُثمنه العلماء كثيرًا؛ فالقوانين معنيَّة بأن تُعبر عن مجموعة كبيرة من الظواهر المنفردة في معادلات رياضية أبسط من التعدُّد في الحالات الفردية. والأناقة تتعلق بشكل النظرية وهيئتها، ولكنها (أي الأناقة) مُرتبطة بالتقليل من العناصر القابلة للتعديل في تلك النظرية؛ فالنظرية المُعبَّئة بالعناصر القابلة للتعديل حسب الرغبة ليست أنيقة كثيرًا، وحسب تعبير آينشتاين؛ فالنظرية يجب أن تكون بسيطة قدر الإمكان، ولكن ليس أبسط من ذلك؛ فالنظرية التي يُشكلها صاحبها لتوائم الملاحظات التجريبية  ـ على غرار الخياط الذي يُفصل الثوب على مقاس الزبون ـ  هي أقرب للفهرس لتلك الظواهر الطبيعية والملاحظات التجريبية منها إلى النظرية التي تفسِّر تلك الظواهر والملاحظات، وتقدِّم تنبؤات مستقبلية.. إننا سنرى في الفصل الخامس كيف أن العديد من العلماء ينظرون

(38)

لـ»النموذج المعياري» لنشوء الكون على أنه غير أنيق؛ فمع أنه تنبأ بنجاح وجود عدد من الجسيمات قبل اكتشافها تجريبيًّا، ومع أنه تنبأ بنجاح نتائج العديد من التجارب قبل إجرائها، إلا أن هذا النموذج يحتوي على الكثير من العناصر القابلة للتعديل على شكل الثوابت المُستعملة في المعادلات، والتي تحتاج منا أن نحدِّدها بأنفسنا حتى تتواءم تنبؤات النظرية مع النتائج التجريبية؛ في حين أن تلك الثوابت كان يجدر بها أن تكون من نتائج النظرية نفسها، وليست وليدة رغبتنا في مواءمة التنبؤات بالنتائج.

أما بالنسبة للمعيار الرابع للنماذج الجيدة؛ وهو: القدرة على تقديم تنبؤات مستقبلية، فإن العلماء دائمًا ينظرون بإعجاب إلى النظرية والنموذج عندما يكتشفون أن تنبؤاته قد طابقت التجارب الجديدة، أو نتائج الرصد والمراقبة والقياس الجديدة، في حين أنه في حالة النموذج الذي لا تطابق تنبؤاته النتائج المرصودة، فإن رد الفعل الأولي قد يكون لدى العلماء أن هناك أمراً غير صحيح بالتجربة نفسها، وحتى إن ثبت أنه ليس هناك شيء خاطئ بالتجربة، فإن العلماء قد لا يتخلُّون عن النموذج دفعة واحدة، وإنما يحاولون إجراء تعديلات وإصلاحات على النموذج إلى حد ما، ولكن كلما كثُرت تلك الإصلاحات قلَّت أناقة النموذج، وحينما تصل التعديلات إلى حد معيَّن، فإن ذلك يعني الحاجة إلى بناء نموذج جديد تمامًا. ومن أمثلة النماذج التي تمخَّضت عنها نماذج جديدة تحت ضغط الملاحظات والمراقبات الجديدة: نموذج «الكون الساكن»؛ ففي العشرينيات من القرن العشرين كان العلماء يعتقدون أن الكون ساكن أو ثابت في حجمه، إلى أن نشر «إدون هبل» في 1929م نتائج مراقباته الفلكية التي تشير إلى أن الكون في توسع، والجدير بالتركيز هنا: أن هبل لم يُلاحظ مباشرة توسع الكون، وإنما لاحظ تغيُّر خصائص الضوء المُنبعث عن المجرَّات الأخرى؛ الأمر الذي يُمكن حدوثه عند تغيُّر موقع تلك المجرات بالنسبة لنا، ولكن هذا التغيُّر من نموذج الكون الساكن إلى نموذج الكون المتوسع لم يتم قبوله دفعة واحدة من قبل بعض العلماء الآخرين؛

(39)

مثل: فرتززويكي؛ حيث حاول بعضهم إيجاد تفسيرات فرضية لظاهرة تغيُّر خصائص الضوء القادم من المجرات الأخرى. وبالفعل؛ فقد استمر بعض العلماء بالتمسك لعقود بعد هبل بنموذج الكون الساكن، إلى أن تراكمت الملاحظات التي دفعتهم إلى تغيير النموذج المُعتمد.

... إننا في سبيل بحثنا لاكتشاف القوانين الحاكمة للكون، مَرَرنا بعدَّة نظريات ونماذج؛ من قبيل: نموذج العناصر الأربعة، والنموذج البطليموسي، ونموذج الانفجار العظيم...وغيرها، ومع كل نموذج مررنا به، فإن مفاهيمنا عن الواقع والمكوِّنات الأساسية للكون كانت تتغيَّر باستمرار. ولنأخذ الضوء كمثال على ذلك؛ فقد كان نيوتن يعتقد أن الضوء مكوَّن من جسيمات؛ الأمر الذي كان يُفسر بنجاح انطلاق الضوء في خطوط مُستقيمة، كما استخدم نيوتن نفسه هذه الخاصية في نموذجه لتفسير ظاهرة انكسار الضوء عند تغير الوسط الذي يقطعه، ولكن نموذج نيوتن لجسيمية الضوء لم يستطع تفسير ظاهرة لاحظها نيوتن بنفسه؛ وهي: ظاهرة حلقات نيوتن الضوئية؛ في حين أن نفس الظاهرة يُمكن تفسيرها بنجاح في نموذج آخر يفترض أن الضوء عبارة عن موجات «بدلا عن الجسيمات»؛ وذلك عن طريق خاصية التداخل الموجي. وفي عرضنا هذا الموجز للكتاب لن نتعرَّض للتفاصيل التقنية للظاهرة، أو لتفسيرها عبر التداخل الموجي؛ حيث يستطيع القارئ الرجوع لنفس الكتاب في حالة رغبته في قراءة النص مُباشرة. المهم هُنا؛ هو: أنه في القرن التاسع عشر الميلادي، كانت خاصية التداخل الموجي للضوء تُعتبر دليلاً على صحة نظرية مَوْجيَّة الضوء، و خطأ نظرية جُسيْمِيَّة الضوء، إلى أن أظهر آينشتاين  ـ في بدايات القرن العشرين ـ من خلال ظاهرة «الأثر الكهروفوتوني» أن طبيعة الضوء كما هي موجية فإنها أيضًا جسيمية، أو بعبارة أخرى فإن للضوء خصائص موجية وأخرى جسيمية في الوقت ذاته.

لقد أَلِفَ الإنسان ظاهرة الموجات؛ من خلال ملاحظته للتموجات المائية على

(40)

سطح بركة ماء حينما يرمي بها قطعة حجر صغيرة؛ فيرى الموجات، ويرى أيضًا تداخلها البنَّاء حينما يرمي حجرًا آخر مُباشرة، وكذلك أَلِفَ الإنسان ظاهرة الجسيمات؛ من خلال كل الأجسام حوله، ولكن أن يكون للشيء الواحد طبيعة الموجات وطبيعة الجسيمات في وقت واحد، فإن ذلك ممَّا لم يألفه الإنسان في حياته اليومية؛ لذا نرجع لنقول إن ثنائيات مثل هذه حيث تقوم نظريتان مختلفتان جدًّا بتقديم وصف دقيق لنفس الظاهرة؛ هي تعزيز لمفهوم واقع النموذج الذي تحدَّثنا عنه سابقا؛ فكلا النظريتين تقوم بتفسير بعض خصائص الظاهرة، ولا يُمكن أن نصف إحدى تلك النظريتين بأنها أكثر واقعية من الأخرى. وحينما ننقل الكلام للقوانين التي تحكم الكون، فإننا نستطيع القول بأنه لا توجد نظرية رياضية واحدة أو نموذج رياضي واحد يستطيع تقديم وصف أو تفسير مُتكامل لكل ناحية من أنحاء الكون. وعِوَضًا عن ذلك ـ وكما أسلفنا في الفصل الأول ـ  فإن هناك شبكة من النظريات المُترابطة التي كل منها يقوم بتفسير ووصف جانب من الكون دون الجوانب الأخرى. وهذه الشبكة نسميها بنظرية (م) المكوَّنة من النظريات الجزئية فيها، ومع أن شبكة النظريات المختلفة ليس هو ما كان الفيزيائيون يطمحون إليه لعقود من الزمن، إلا أن هذا الأمر مقبولٌ في ظل مفهوم واقع النموذج.

... إننا سنتعرض أكثر للخاصية الثنائية للضوء ولنظرية (م) في الفصل الخامس، إلا أننا نرغب في تقديم مبدأ أساسي جديد في النظرية الكمية؛ وهو: مبدأ «التواريخ البديلة» (Alternative Histories)؛ وفي هذا المبدأ فإن الكون ليس له وجود واحد أو تاريخ واحد، وإنما كل نسخة مُمكنة من الكون، فإنها موجودة في نفس الوقت عبر ما يُسمى بـ«التراكب الكمي». وقد يبدو هذا الأمر شنيعًا للوهلة الأولى بقدر شناعة افتراضنا بأن الطاولة تختفي من الغرفة عندما لا نكون في نفس الغرفة لمراقبة ورؤية تلك الطاولة، إلا أن هذه النظرية وهذا النموذج قد نجحا في كل اختبار تجريبي أُخضعا له حتى الآن!!

 

(41)
(42)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

التواريخ البديلة

(The Alternative Histories)

(43)

 

الفصل الرابع: التواريخ البديلة (The Alternative Histories)

أ ـ  الطبيعة المزدوجة للأشياء (The Dual Nature):

 

يبدأ الكاتب الفصل الرابع بعرض تجربة علمية تمَّت في العام 1999م؛ وتُسمى بـ«تجربة الشق المزدوج» (Double ـ Slit Experiment).. وتجربة الشق المزدوج تمَّت باستخدام الضوء فقط في بدايات القرن التاسع عشر، ثم أُجريت باستخدام الإلكترونات في العام 1927م، والتجربة التي يتحدَّث عنها الكاتب هنا هي بتعديل بسيط للتجربة الأصلية؛ وكان يتم في هذه التجربة تصويب جزيئات كان كل منها مكوناً من 60 ذرة كربون (وأطلقت تسمية كرات بَكي على تلك الجزيئات) على لوح كان يحتوي على شقين رفيعين جدًّا (حوالي 50 نانومترًا)، وتم مراقبة تلك الجزيئات وهي تخرج من خلال الشقين على لوح حساس خلف الجدار ذي الشقين. وما لاحظه فريق التجربة النمساوي؛ هو: أن الجزيئات التي تخرج من الشقين وتلامس اللوح الحساس خلفه، تشكِّل نوعًا من التداخل الموجي الذي يحوي مناطق تداخل بناءة ومناطق تداخل هدَّامة (للاختصار: لا نتعرَّض هنا بالشرح التفصيلي للجوانب العلمية لتجربة الشق المزدوج أو لعمليات التداخل الموجي، ويُمكن للراغبين بالاستزادة الرجوع إلى نفس الكتاب، أو إلى مصادر أخرى على شبكة المعلومات الدولية «الإنترنت»). موضع الشاهد هنا؛ هو: أن الجزيئات كما نتخيلها هي جُسيمات شبيهة بكرات (وبالفعل هذه هي التسمية التي أطلقناها عليها؛ حيث ذكرنا أنها سُميت بـ«كرات بَكي»)، ولكن لو كانت أجسامًا كروية بالفعل؛ فإنها كانت ستخرج من الشقين وتستقر على اللوح الحساس في منطقتين اثنتين فقط، ولم تكن لتسبِّب أنماطَ

(44)

التداخل الموجي التي لاحظها فريق العلماء في التجربة؛ ولكي نفهم ما الذي حيَّر العلماء، نذكر هنا: أننا يُمكن أن نُجري نفس التجربة، ولكن ليس بقذف أجسام كروية على الشقين، وإنما بإرسال موجات ماء إلى الشقين، وملاحظة ما سيحدُث خلف جدار الشقين على اللوح الذي تقع عليه تلك الموجات. وفي الحالات الاعتيادية، فإن موجات الماء ـ مثلاً ـ كانت ستشكل أنماطاً من التداخل الموجي؛ بحيث يكون تداخلا بناءً في مناطق (موجة ذات قمة عالية أكبر من قمة الموجة الأصلية)، ويكون تداخلاً هدَّاماً في مناطق أخرى (موجة ذات قمة منخفضة أصغر من قمة الموجة الأصلية)، وهذا الأمر مفهوم تمامًا حينما يكون الحديث عمَّا نعلم أن طبيعته موجية؛ مثل: تيارات الماء (مثلاً)، ولكن حينما نقذف جدار الشقين بأجسام كروية، ونلاحظ أنماط التداخل الموجي على اللوح الحساس خلفه، فإن ذلك أمرٌ كان محيرًا جدًّا للعلماء؛ فهو يعني أن تلك الأجسام الكروية (الجزيئات المكونة من 60 ذرة كربون، أو كما سميناها بـ«كرات بَكي») لها طبيعة موجية مثل تيارات الماء التي نلاحظها في البحر والمحيط، «إن حقيقة أن الجسيمات المادية مثل الإلكترونات تسلك سلوكًا شبيهًا بموجات الماء، كان مما أوحى بنشوء الفيزياء الكمية»، وحيث إننا لا نرى ظاهرة التداخل الموجي في الأجسام الكبيرة؛ مثل: البرتقال، أو كرة القدم...أو ما شابه ذلك، فإنَّ من اهتمامات العلماء ـ منذ تجربة الشق المزدوج ـ كان أن يعلموا إلى أيِّ حجم من الجُسيمات المُستعملة في التجربة يُمكن الحصول على ظاهرة التداخل الموجي. وكما رأينا، فقد أمكنهم ذلك باستخدام جزيئات ضخمة جدًّا؛ مثل: كرات بَكي التي تحوي ستين ذرة كربون. ويأمل العلماء الحصول على التداخل الموجي باستخدام الفيروسات التي هي أكبر كثيرًا في حجمها من تلك الجزيئات الضخمة، وهي أقرب في سلوكها إلى الكائنات الحية أيضًا.

إذن؛ فخلاصة القول مما سبق حتى الآن في هذا الفصل؛ هي: أن الجسيمات

(45)

المادية تسلك سلوكاً مزدوجًا؛ فهي تسلك تارة سلوك الأجسام، وتسلك تارة أخرى سلوك الموجات. وقد كُنا قبل تجارب الشق المزدوج نعتقد أن الأشياء إمًّا أجسام أو أمواج، وكانت قسمتنا هذه للأشياء مانعة للتداخل بين القسمين؛ فما هو جسم ليس بموجة، وما هو بموجة ليس بجسم، ولكن هذا الحاجز بين الجسم والموجة أصبح أقل صلابة، وبدأ بالسماح لبعض الأشياء من كل قسم بالانتماء للقسم الثاني أيضًا. قد يتذكَّر القارئ الكريم أننا في عرض الفصل الثالث للكتاب ذكرنا أن آينشتاين استطاع من خلال الأثر الكهروفوتوني أن يبيِّن أن الضوء الذي كنا نعتقد أنه ذو طبيعة موجية فقط له أيضًا طبيعة جسيمية، وقد تم قبول وهضم تلك الازدواجية بسهولة أكثر، ولكن تجربة الشق المزدوج عبرت الحدود بين الجسيم والموجة بالاتجاه المخالف أيضًا؛ فبيَّنت أن الجسيمات لها طبيعة موجية أيضًا، وكان قبول وهضم هذه الازدواجية صعبًا أكثر.

الأمر الآخر الذي كان مُحيرًا ـ ربما بدرجة أكبر ـ في تجربة الشق المزدوج؛ هو: أننا نحصل على نفس النتائج من أنماط التداخل الموجي حينما نقذف جدار الشق المزدوج بجُسيم واحد فقط كل عدَّة ثوانٍ، أو بفوتون ضوئي واحد كل عدَّة ثوانٍ؛ الأمر الذي كان يعني أن الطبيعة الموجية لم تكن فقط خاصية لمجموعة الجسيمات أو الفوتونات التي تتداخل مع بعضها البعض (أي: الجسيمات مع الجسيمات الأخرى، أو الفوتونات مع الفوتونات الأخرى)، وإنما كان نفس الجسيم الواحد أو نفس الفوتون الواحد عبارة عن موجة تنقسم إلى موجتين اثنتين عند مرورها من الشقين الاثنين (أو تنقسم إلى عدد أكبر من الموجات حسب عدد الشقوق في الجدار)؛ بحيث أن كلَّ واحدة من تلك الموجتين الناتجتين عن الشقين الاثنين، تداخلتا مع بعضهما البعض لإنتاج أنماط التداخل الموجي على اللوح الحساس. أو بعبارة أخرى: فإن كل جسيم وكل فوتون كان يعبر من كلا الشقين معًا في آن واحد، أو تخيل أنك تدخل بناية ما من مدخلين اثنين (أو أكثر) لنفس البناية في نفس الوقت!!

(46)

 

ب ـ  مبدأ اللاحتمية (The Uncertainty Principle):

وبعد تأسيس مسألة الطبيعة المزدوجة للجسيم ـ الموجة، ينتقلُ الكاتب في الفصل الرابع إلى دعامة أساسية ومبدأ مُهم جدًّا في الفيزياء الكمية؛ وهو: مبدأ اللاحتمية (أو ما تسميه بعض الكتب المكتوبة بالعربية بـ«مبدأ الشك»).. ففي العام 1926م، وضع عالم الفيزياء النظرية الألماني ورنرهايزنبرج(Werner Heisenberg) أسس مبدأ اللاحتمية؛ الذي ينصُّ على: أن هناك حدودًا لإمكانية قياس بعض الكميات في الوقت ذاته، من قبيل قياس موضع الجسيم وقياس سرعته في الوقت عينه. أو بعبارة أخرى: كلما ازدادت دقة قياس موضع الجسيم، انخفضت في الآن نفسه دقة قياس سرعة الجسيم نفسه (والعكس صحيح). وفي عالم الجسيمات الدقيقة؛ حيث تكون السرعات عالية، والكتل صغيرة، فإن أثر فقدان الدقة يبدو واضحًا جدًّا. وبناءً على الفيزياء الكمية، فإنه بغض النظر عن مقدار المعلومات التي بحوزتنا، وبغض النظر عن قدراتنا الحاسوبية، فإن نتائج العمليات الفيزيائية لا يُمكن التنبؤ بها بحتمية؛ لأنها ليست أساسًا «محددة أو محتومة»، «عوضًا عن ذلك، فإن الطبيعة تحدِّد مستقبل حالة أي نظام عبر عملية غير حتمية. وبعبارة أخرى، فإن الطبيعة لا تُملي نتيجة أية عملية فيزيائية أو تجربة، حتى في أبسط الحالات، وإنما تسمح بعدد من النهايات المختلفة التي تملك كل منها احتمالاً رياضيًّا معيناً للحدوث في الواقع». وما يُريد الكاتب قوله هنا؛ هو: أن الطبيعة لا تخضع لنظام عِلل وأسباب ثابتة؛ بحيث أن معرفتنا بالعلة والسبب في بداية التجربة أو قبلها يجعلنا على علم حتمي ومعرفة مُسبقة بالمعلول والنتيجة في نهاية التجربة، وإنما تظلُّ هناك إمكانيات كثيرة مُرشَّحة لتكون نتيجة التجربة أو العملية الفيزيائية، ولكل إمكانية منها احتمال نجاح مُحدَّد للتحقق والحصول، ولكن يظل ذلك احتمالاً لا أكثر، ولا يصل إلى حد الحتمية مهما حاولنا الإحاطة بالمعلومات أو الحساب أو التنبؤ.

(47)

«قد يبدو أن الفيزياء الكمية تقوِّض فكرة أن الطبيعة محكومة بالقوانين، ولكن ذلك غير صحيح. وعِوضا عن ذلك، فإن الفيزياء الكمية تفرض علينا نوعا جديدا من الحتمية»؛ فقوانين الطبيعة تحتم الاحتمالات (وليس النتائج) لمختلف الحالات التي كُنا نعتبرها ماضيًا أو مستقبلًا العمليات الفيزيائية. وما يقصده الكاتب بماضي ومستقبل العمليات الفيزيائية؛ هو: أننا في العلوم التجريبية نسعى أحيانا لمعرفة الحالة، والوضع الذي كان عليه نظام معين قبل فترات من الزمن قد تصل إلى بلايين السنين (كما في حالة دراسة كيفية نشوء الكون)، ونسعى أحياناً أخرى لمعرفة الحالة والوضع الذي سيكون عليه ذلك النظام بعد فترات من الزمن قد تصل إلى بلايين السنين (كما في حالة بحثنا لمستقبل الكون مثلاً). وفي كلتا الحالتين، فإننا لا نستطيع أن نحدِّد ـ بحتمية ـ كيف كان ماضي أو كيف سيكون مستقبل هذا النظام الذي ندرسه ونبحث فيه! بل إن أقصى ما نستطيع الحصول عليه من دراساتنا وبحوثنا  ـ طبقا لمبدأ اللاحتمية ـ  هو أن نحصل على عدد (كبير جدًّا أحيانًا) من الإمكانيات والسيناريوهات والفرضيات لماضي أو مستقبل النظام، تحت البحث مع احتمال رياضي«مُحدَّد» لكل واحدة من تلك الإمكانيات والسيناريوهات والفرضيات للماضي أو المستقبل في ذلك النظام، «ومع أن ذلك قد يكون غير مستساغ للبعض، إلا أن على العلماء أن يتقبلوا النظريات التي تتوافق مع التجارب العلمية، وليس التي تتوافق فقط مع أفكارهم المسبقة».

«إن ما يتطلبه العلم من أية نظرية؛ هو: أن تكون قابلة للاختبار، ولو كانت الطبيعة الاحتمالية لتنبؤات الفيزياء الكمية غير قابلة للتأكيد أو النفي، لكان ذلك يعني أن النظريات الكمية لا ترتقي لمستوى النظريات المقبولة علميًّا. ولكن الحال هي أن تلك الطبيعة الاحتمالية لتلك التنبؤات قابلة للاختبار والتمحيص؛ فمثلا: يُمكننا أن نعيد إجراء تجربة ما عددًا من المرَّات، ونتأكد ما إذا كان تكرار النتائج المختلفة فيها يتوافق مع الاحتمالات المتنبأ بها».

(48)

هنا؛ نحتاجُ إلى وقفة قصيرة للتأكد من أننا شرحنا فكرة الكاتب بما لا يقبل الشك فيها؛ لأن مبدأ اللاحتمية يلعب دور عمد الخيمة في أبحاث الفيزياء الكمية، ولو صرفنا بعض الوقت والجهد الإضافيين في شرحه، فإن ذلك استثمارٌ مقبولٌ جدًّا.

إننا نستعملُ كلمة «احتمال» في الحياة اليومية بطريقة تختلف عن الطريقة التي تستعملها بها الفيزياء الكمية لوصف الإمكانيات لنتائج العمليات الفيزيائية والتجارب؛ فمثلاً ـ والمثال للكاتب ـ لو كنا نراقب شخصًا (ولنسمه أحمد) يرمي بالسهام لوحًا عليه دوائر متفاوتة المساحة ومُتحدة المركز، فإننا نستطيع أن نقول إن احتمال إصابة أحمد لمركز الدوائر بسهم هو 10 % (على سبيل المثال)، ونقصد بذلك أنه لو رمى بمائة سهم فإنه قد يصيب في عشرة منها مركز الدوائر، وهذا تنبؤ احتمالي لا حتمي كما نرى، ولكن هذا الاحتمال وهذه اللاحتمية نابعة من عدم إحاطتنا العلمية بالطريقة التي يُطلق بها أحمد سهامه تلك، ولو كان بإمكاننا أن نعلم بالدقة معلومات أكثر عن مقدار شد أحمد لوتر القوس، ومقدار مرونة ذلك الوتر وطول السهم وكتلته وانسيابيته وسرعة الرياح واتجاهها، والرطوبة في الجو، ودقة نظر أحمد، ومقدار التوتر في عضلاته، وزاوية تصويبه، والكثير من المعطيات الأولية عن وضع أحمد وهو يصوِّب السهم للهدف، فإننا ـ بالاستعانة بحاسوب ذي قدرات جيدة، وبالاستعانة بمهارات شخص متمرس بالرياضيات والفيزياء ـ  سنستطيع بشكل حتمي أن نحدِّد أين سيقع السهم عند تسديده، ولن نحتاج لاستعمال الاحتمالات. إذن؛ فحاجتنا إلى الاحتمالات في التنبؤ بنتيجة عملية تسديد شخص ما لسهم لهدف ما، هي نابعة من جهلنا بالمُعطيات الأولية لتلك العملية، وقصورنا عن الإحاطة بالكثير من المؤثرات التي قد تتداخل للتأثير في نتيجة إطلاق السهم.

وفي المقابل، عندما نٌطلق جسيمًا صغيرًا جدًّا ـ مثل: الإلكترون ـ تجاه جدار ذي شقين (كما في التجربة أعلاه)، فإن هناك احتمالاً «مُحددًا» كبيرًا بأن يمر الإلكترون

(49)

من أحد الشقين تجاه اللوح الحساس خلفه، ولكن هناك أيضًا احتمال صغير بأن نجد ذلك الإلكترون في نهاية نجم «ألفا قنطورس»، وهناك احتمال صغير أيضًا أن نجد ذلك الإلكترون في فطيرة مدرس الفيزياء الكمية في مقهى الكلية أثناء الاستراحة. وهذا الاحتمال ليس نابعًا من عدم إحاطتنا العلمية بأي من المعطيات في بدء التجربة وقبل إطلاق الإلكترون؛ لأنه ـ وحسب مبدأ اللاحتمية ـ مهما جمعنا من معلومات ومعطيات أولية عن وضع الإلكترون وما حوله قبل التجربة، ومهما كان حاسوبنا قويًّا، فإن ذلك لن يحوِّل التنبؤ الاحتمالي إلى تنبؤ حتمي كما فعلنا في حالة إطلاق السهم. إذن؛ الطبيعة الاحتمالية للتنبؤات في الفيزياء الكمية؛ هي: خاصية ذاتية في الطبيعة الكمية، وليست وليدة الجهل وقلة المعلومات، وهذا فارق أساسي بين الاحتمالات في حياتنا اليومية، وبين الاحتمالات في عالم الفيزياء الكمية، «ففي الفيزياء الكمية تعكس الاحتمالات عشوائية أساسية في الطبيعة. إن النموذج الكمي للطبيعة يحوي مبادئ تتضارب ليس فقط مع خبراتنا في الحياة اليومية، وإنما أيضًا مع مفاهيمنا الحدسية عن الواقع، وإن كنت تجد ذلك غريبًا وصعب التصديق فإنك بذلك تشارك هذا الإحساس آينشتاين وريتشارد فاينمان، الذي قال (أعتقد أن من الآمن أن أقول إنه لا يوجد من يفهم الفيزياء الكمية)؛ قاصدًا بذلك صعوبة هضم نتائج الفيزياء الكمية على الصعيد الفلسفي. ولكن الفيزياء الكمية تتفق مع الملاحظات والأرصاد، ولم يحدث إلى الآن أن فشلت في أي اختبار. وقد تم إخضاعها لاختبارات أكثر من أية نظرية أخرى في العلوم الطبيعية».

 

ج ـ  صيغة فاينمان (Feynman Formulation):

ثم يأخذ الكاتب الموضوع إلى درجة أكبر من الغرابة؛ حيث يعرض نموذج العالم

(50)

الأمريكي ريتشارد فيليبس فاينمان (فاينمان اختصاراً) في تفسير نتائج تجربة الشق المزدوج؛ فلو افترضنا أننا أنشأنا جدارًا كبيرًا به منفذان يتَّسع كل منهما لمرور كرة قدم منها، وكرَّرنا تجربة الشق المزدوج بالاستعانة بهذا الجدار الكبير، وبقذف كرات القدم عبرها (بدلاً من الإلكترونات)، فإننا سنجد أن كل واحدة من كرات القدم قد سلكت منفذًا واحدًا فقط من المنفذين دون الآخر، في حين أننا نجد أن تجربة الشق المزدوج باستخدام الإلكترونات (أو الجزيئات المسماة بـ«كرات بَكي») تعطي من أنماط التداخل الموجي خلف الجدار ما يُوحي لنا بأن كل واحدة من تلك الإلكترونات قد مرَّت عبر المنفذين معًا في آن واحد، أو لنقل إن كل إلكترون منها كان على علم بكل المنافذ الموجودة في الجدار أمامه؛ بحيث أن تلك المعرفة لدى تلك الإلكترونات قد أثرت على سلوكه في مروره عبر الشقين معًا. ويستنتج فاينمان من ذلك أن كل جسيم (إلكترون) لا يملك مسارًا واحدًا مُحدَّداً منذ انطلاقته باتجاه الجدار ذي الشقين وحتى استقراره على اللوح الحساس خلف الجدار؛ وذلك  ـ حسب فاينمان ـ  لا يعني أن الإلكترون لم يتخذ أيَّ مسار من نقطة البدء إلى نقطة الانتهاء، بل يعني أن ذلك الإلكترون قد اتخذ كل المسارات المُمكنة في نفس الوقت بين نقطة البدء وحتى نقطة الانتهاء، «وهذا الأمر ـ حسب فاينمان ـ  هو ما يجعل الفيزياء الكمية مُختلفة جدًّا عن الفيزياء النيوتونية»، وقد يبدو لنا ذلك من ضروب الخيال العلمي، ولكنه ليس كذلك، بل إن فاينمان ترجم افتراضه ذلك إلى صيغة رياضية تُسمى بـ«تواريخ فاينمان التجميعية» (قد تختلف الترجمة من كتاب لآخر) (Feynman Sum Over Histories)، ولكي نبيِّن غرابة نموذج فاينمان، فإننا نستطيع القول إن الإلكترون الذي انطلق نحو الجدار ذي الشقين قد عبر رحلته باتجاه اللوح الحساس، مرورًا بكل الطرق المُمكنة له في الكون، والتي قد تكون مرورًا بالمطعم الذي يقع على بُعد عدَّة مبانٍ بالغرب من منزلك، ومرورًا بكوكب المُشتري لعدَّة مرات، ومرورًا بأيِّ مكان آخر

(51)

في أقاصي الكون. وهذا هو تفسير فاينمان لكيفية معرفة الإلكترون بوجود منافذ أخرى (شقوق أخرى) في الجدار الذي يعبره، ومع أن تفسير فاينمان ونموذجه يفوق في غرابته ما يُمكننا أخذه على محمل الجد عادة، إلا أن نموذجه هذا (حسب رأي الكاتب) قد أثبت أنه أكثر فائدة من النماذج التي سبقته في الفيزياء الكمية.

 

د ـ  التواريخ البديلة ومجموع التواريخ
(The Alternative Histories and The Sum Over Histories):

الكاتب يرى من المهم أن يتعمَّق في شرح بعض الجوانب التقنية من صيغة فاينمان، وسننقل باختصار بعض ما يعرضه في هذا الأمر؛ حيث يشرح كيف أن الجُسيم في انطلاقته من النقطة (أ) إلى النقطة (ب)، يشرع في تجربة عينات من كل طريق مُمكن بين النقطتين (أ) و(ب)، ومن كل طريق مُحتمل يحصل الجسيم على رقم يُمثل (طورًا من أطوار الموجة)؛ حيث يُمثل ذلك الرقم موقعًا من الموجة المحتملة لذلك الطريق (قمة الموجة أو قاعها أو في نقطة محددة فيما بينهما)، وتقوم صيغة فاينمان الرياضية بجمع كل أرقام الأطوار الموجية لكل الطرق المحتملة لتحصل على ما يسمى بـ«سعة الاحتمال» أو «مدى الاحتمال» (Probability Amplitude)، وبالحصول على مربع سعة الاحتمال، نحصل على الاحتمال الرياضي بقطع الجسيم للمسافة بين (أ) و(ب). وبالنسبة للأجسام الكبيرة، فإن أفضل احتمال تحصل عليه تلك الأجسام هو الذي يدعم طريق سير مباشر بين النقطتين (أ) و(ب)؛ ولهذا السبب نلاحظ أننا عندما نركُل كرة القدم مثلاً؛ فإنها تسير في خط مُحدَّد وواضح لنا، ولكن هذا الوضوح في خط السير يُصبح أقل في حالة الجسيمات الصغيرة جدًّا.

وكما استطاعت صيغة فاينمان التعامل مع احتمالات حركة جسيم واحد بين

(52)

نقطتين، فإنها أيضًا تستطيع أن تتعامل مع أنظمة كبيرة كالكون كله مثلاً، «وبين الحالة الابتدائية للنظام (الكون مثلاً) وبين حالته حين نقيس ونرصد خواصه في وقت ما، فإن تلك الخواص تتطوَّر بطريقة ما. وهذا التطور لخواص ذلك النظام بين الحالة الابتدائية وحالته أثناء القياس والرصد هو ما يسميه علماء الفيزياء بـ«تاريخ النظام» (System’s History)»، وفي تجربة الشق المزدوج يُمكننا أن نقول إن تاريخ النظام هو الخط الذي يقطعه الإلكترون بين لحظة إطلاقه ولحظة وصوله إلى اللوح الحساس، وكما رأينا (طبقا لصيغة فاينمان) فإن فرصة وصول الإلكترون ـ في تجربة الشق المزدوج ـ إلى نقطة معينة على اللوح الحساس تعتمد على كل الطرق المُمكنة له أخذها، وكذلك نستطيع القول إن فرصة أن نجد نظامًا معيناً مثل الكون في حالة مُعينة يعتمد على كل التواريخ المُمكنة التي كان النظام (الكون) يستطيع أن يعيشها بين لحظة حالته الابتدائية ولحظة قياسنا ومراقبتنا ورصدنا له، وهذا هو السبب في التسمية «التواريخ البديلة» أو «مجموع التواريخ»، والتي يُقصد بها «السيناريوهات البديلة» أو «مجموع السيناريوهات»، التي كان من الممكن للكون أن يعيشها منذ بدئه وحتى لحظة مراقبتنا له.

 

هـ ـ  أثر المراقب (Observer Effect):

في الفيزياء الكمية، فإنك لا تستطيع أن تراقب أيَّ نظام دون أن تُساهم في التغيير فيه في نفس لحظة المراقبة له؛ وبالتالي تكون جزءًا من التجربة أو الملاحظة نفسها، أو بعبارة أخرى لا يُمكنك أن تعلم كيف كانت التجربة ستكون، أو كيف كان النظام سيكون، لو لم تكن تراقبه.. فما هو السبب في ذلك؟

عندما تُريد أن تنظر إلى شيء أمامك، فإنك تحتاج لأن تسلط الضوء على ذلك

(53)

الشيء، فإن كان ما تريد النظر إليه عبارة عن اليقطين (القرع)؛ فإن شعاع الضوء الذي ستُسلطه على اليقطين لن يؤثر كثيرًا في اليقطين نفسه، وبإمكانك أن ترى اليقطين كما هو دون تأثير ملحوظ عليه، ولكن إذا سلطنا الضوء على جُسيم دقيق (مثل: الإلكترون) بغية مُلاحظته، فإن الفوتونات في الضوء ستتفاعل مع الإلكترون وتغيِّر من خصائصه الفيزيائية؛ وبالتالي فإن ما ستُلاحظه أثناء عملية المراقبة والرصد هو الإلكترون بعد حدوث التغيُّر فيه، وليس الإلكترون قبل حدوث التغيُّر.

ولعل الفكرة تبدو إلى الآن بسيطة بما يكفي لتجاهلها كأمر بديهي لا أهمية له، ولكن لنرى عواقبها من خلال تطبيقها على تجربة الشق المزدوج؛ ففي صيغة فاينمان: نحن لا نعلم أيَّ طريق يسلكه كل إلكترون من إطلاقه إلى وصوله للوح الحساس؛ لذلك فإن صيغة فاينمان لمجموع التواريخ المحتملة (مجموع الطرق المحتملة للإلكترون من إطلاقه إلى وصوله) تحسب لنا الاحتمالات لكل طريق منها، وتعطينا نتائج مُتطابقة مع ما نلاحظه من أنماط التداخل الموجي على اللوح الحساس، ولكن لاحظ أننا حصلنا على تطابق بين النتائج على اللوح الحساس وبين الحسابات الرياضية عن طريق التضحية بمعرفتنا بالطريق أو الطرق التي سلكها الإلكترون بين النقطتين، وهذه تضحية لا بد منها حسب صيغة فاينمان، ولكن هَبْ أننا رفضنا هذه التضحية، وتمرَّدنا على صيغة فاينمان، وأصررنا على مُراقبة الإلكترونات؛ لنرى أيَّ طريق مُحدَّد تسلكه بين النقطتين، ولأجل ذلك وضعنا جهازا بالقرب من الشق الأول من الجدار ذي الشقين؛ بحيث أن أيَّ إلكترون يمر من الشق الأول يُسجله الجهاز، في حين أن أيَّ إلكترون يمرُّ من الشق الثاني لا يُسجله الجهاز. وعليه؛ فإننا سنعلم في النهاية أي الإلكترونات مرَّت من الشق الأول باتجاه اللوح الحساس، هنا ـ وحسب صيغة فاينمان ـ فإنه لن يكون هناك إلكترونات تمرُّ من الشقين معًا؛ لأننا ـ حسب مراقبتنا بالجهازـ سنحصل على مجموعتين من المعلومات؛ الأولى: هي الإلكترونات

(54)

التي مرَّت من الشق الأول فقط، والثانية: هي للإلكترونات التي لم تمرُّ من الشق الأول. ولأن أنماط التداخل الموجي تتطلب مرورَ الإلكترونات من الشقين معًا، فإن صيغة فاينمان ستحسب لنا نتيجة غير التداخل الموجي. وبالفعل؛ فإن مثل هذه التجربة لا تُنتج أنماطَ التداخل الموجي كما توقعت صيغة فاينمان. ولِنَفهم ذلك بوضوح أكثر، نقول إنه يبدو أن الإلكترونات التي أطلقناها علمتْ أننا سنراقبها أثناء مرورها من الشق الأول؛ فأطاعتنا ونفَّذت لنا رغبتنا ومرَّت من أحد الشقين فقط وليس منهما معا؛ وبذلك أعطتنا نتائج مُختلفة عن تلك التي كنا نحصل عليها لو لم نكن نراقب الإلكترونات، وضحيَّنا بمعرفتنا بالطرق التي تسلكها. ولكي يؤكد العلماء صحَّة هذا الاستنتاج، فإنهم كرَّروا التجربة، ووضعوا جهازًا ذا قُدرات أضعف في الرصد؛ بحيث أنه يرصد بعض الإلكترونات دون بعضها الآخر. وعليه؛ فإننا نحصل على معلومات عن بعض الإلكترونات دون بعضها، والنتيجة كانت أن تلك الإلكترونات التي لم نرصدها مرَّت من الشقين معًا، وأنتجت أنماط التداخل الموجي؛ في حين أن تلك التي رصدناها وسجلنا تحركاتها تمرَّدت علينا، ورفضت المرور من الشقين معًا، ولم تنتج تداخلاً موجيًّا، وهو ما يُؤكد أننا نعجز عن مراقبة الإلكترونات دون أن نُزعجها ونتدخل في سلوكها وعملها.

ولعلك الآن تكرِّر تساؤلك عن أهمية هذا الاكتشاف وسبب الإطالة في شرحه. حسنًا، السبب هو أن العلماء يستنتجون أمرًا فلسفيًّا من هذه النتائج التجريبية؛ وهو: أننا عندما نتعامل مع ظاهرة مثل التداخل الموجي على اللوح الحساس في تجربة الشق المزدوج (على سبيل المثال)، فإننا لا نستطيع أن نعلم الطرق التي سلكتها تلك الإلكترونات في سبيل إنتاج تلك النتيجة. ومع علمنا أنها سلكت كلا الشقين كطريق لها، إلا أننا لا نستطيع أن نعلم ما إذا كانت سلكتْ الشق الأول ثم الثاني، أو أنها سلكت الثاني ثم الأول، أو أنها سلكت الشقين معا، أو أنها سلكت الأول

(55)

وكرَّرت طريقها عدة مرات قبل أن تتجه للثاني...وهكذا. الأمر أشبه بشخص سافر من مسقط (بسلطنة عُمان) إلى تورونتو (بكندا)، ومع علمنا بأنه وصل إلى تورونتو إلا أننا سنظل في جهل ما إذا كان قد سلك طريقاً يمر بلندن أو بأمستردام أو فرانكفورت، وإذا ما حاولنا التجسس عليه في رحلته تلك لنرى أين كانت محطته الوسطى، فإنه سيعلم بذلك حتمًا، ويُعاقبنا بأن يغيِّر وجهته النهائية إلى بوسطن بدلاً من تورونتو. أو بعبارة أخرى، فإن ماضي النظام الذي نبحثُ فيه يظل مجهولاً علينا.

وفي الفيزياء النيوتونية، فإن الافتراض هو أن الماضي أمرٌ مُحدَّد عبر سلسلة أحداث؛ سواء علمنا به أم لم نعلم به، فلو رأيت مزهرية الورود الخزفية الثمينة التي اشتريتها في الصيف الماضي على الأرض مكسورة، ورأيت ابنك الصغير بجانبها وعلى محياه نظرات الخوف، فإنك تستطيع أن ترجع بحساباتك لتفترض (على درجة كبيرة من اليقين) أنه هو الذي أوقعها؛ فالماضي واقع حاصل حسب هذه النظرة النيوتونية، في حين أن الفيزياء الكمية تقول إن الماضي الذي لم يتم ملاحظته هو أمر غير مُحدَّد، وإنما يُوجد فقط على شكل طيف (مجموعة) من الإمكانيات. وفي مثالنا السابق، فإن ماضي المسافر الذي وصل إلى تورونتتو هو مجموعة تشمل كلَّ مدن العالم، مع أن بعض المدن لها احتمال أكبر من غيرها لتكون ماضي المسافر أثناء رحلته؛ فاحتمال أن يكون قد مرَّ بلندن أكبر من احتمال أن يكون مر بنيروبي أو موسكو مثلاً، إلا أن تعيين ذلك بالتحديد أمرٌ غير مُمكن. إذن؛ فمن الصحيح القول إن المسافر الذي وصل إلى تورونتو ليس له ماضٍ مُحدَّد في رحلته هذه.

أعتقد أنك بدأت الآن تُدرك غرابة الأمر على إحساسك الحدسي الذي تعيشه في الحياة اليومية؛ فطبقا لهذه النظرية فإن الكون ليس له ماضٍ مُحدَّد أو تاريخ محدد، وإنما له مجموعة لا نهائية من التواريخ الماضية البديلة التي لكل منها احتمالٌ مُحدَّد، ولكن لا سبيل إلى تحديد أيٍّ منها بشكل نهائي، ما دمنا لم نراقب ماضي الكون وتاريخه.

(56)

ولكن يبدو أن الفيزياء الكمية تستمتع بالعبث بما نجده مألوفاً لدينا؛ عن طريق إضافة المزيد من الغرابة للأمر؛ فطبقاً للفيزياء الكمية فإن الملاحظات التي نجريها في الحاضر على الكون مثلاً تؤثر في ماضيه، وقد أجرى عالم الفيزياء جون ويلر (John Wheeler) تجربة سُمِّيت بـ«تجربة الاختيار المتأخر»؛ حيث كرَّر تجربة الشق المزدوج، ووضع جهاز رصد لمراقبة طريق الإلكترونات، ولكن بدلاً من وضع الجهاز بالقرب من أحد الشقين، وضعه بالقرب من اللوح الحساس؛ وبذلك فإنه يُراقب سلوك الإلكترون بعد أن أجرى ذلك الالكترون اختياراته الفعلية في مروره عبر أحد الشقين أو كليهما، وكأنه يُرغم الإلكترون على معرفة ماضيه بعد أن يكون الإلكترون قد عاش ذلك الماضي؛ بحيث لا يستطيع الإلكترون تغيير ذلك الماضي كما فعل حين وضعنا الجهاز قريبًا من الشق، إلا أن النتائج التي حصلنا عليها حين وضعنا جهاز الرصد بالقرب من الشق تكرَّرت حين وضعنا الجهاز بالقرب من اللوح الحساس، وكأنما علم الإلكترون بعد مروره من الجدار ذي الشقين أن هناك جهاز رصد قبل اللوح الحساس؛ فرجع وغيَّر ما فعله قبل قليل ليجعلنا نستمر في الجهل بسلوكه، بل إن الأمر شبيه بمُجرم ارتكب جريمة قبل ساعات، وعندما أدرك أن رجال الأمن على وشك الحصول على الأدلة التي تُدينه بتلك الجريمة عاد لمسرح الجريمة فغيَّر من تلك الأدلة؛ ليُعمي الأمر على رجال الأمن!!

ولم يكتف ويلر بهذا القدر من التجربة، فأعطاها بُعدًا كونيًّا كبيرًا؛ بحيث أنه افترض أن هناك ضوءًا مُنبعثًا من كوازار بعيد (الكوازار هو جسم شبيه بالنجوم، ومصدر نشط للضوء وبقية الموجات)، وحين يمرُّ ذلك الضوء المُنبعث من الكوازار بمجرة في طريقه، فإن الضوء قد ينقسم إلى مجموعات تمرُّ حول تلك المجرة، ثم تلتقي مرة أخرى بفعل جاذبية تلك المجرة (كما تركز العدسة مجموعات الضوء المتناثرة في نقطة واحدة)؛ الأمر الذي قد يولِّد أنماطاً من التداخل الموجي في ذلك الضوء ما بعد

(57)

المجرة، وحين يصل ذلك الضوء إلى الأرض، فإنه يُفترض أن يكون قد أجرى اختياراته الفعلية لمروره بنقاط حول تلك المجرة قبل بلايين السنين؛ لأن تلك المجرة بعيدة عن الأرض ببلايين السنين الضوئية، ولكن عندما نرصده على الأرض فإن تلك الاختيارات (يُفترض بها أن) تبدو وكأنها تتخذ في تلك اللحظة وكأنما علمت الفوتونات في الضوء أننا نرصدها فعادت أدراجها إلى المجرة البعيدة وغيَّرت سلوكها من جديد. والجدير بالذكر أن هذه التجربة نظرية ذهنية، ولم تجرَ عمليًّا، وما أشرنا إليه كان ما يتوقعه ويلر منها بالنظر إلى تجارب الاختيار المتأخر في الشق المزدوج.

وفي نهاية هذا الفصل، يُشير الكاتب إلى أن الخطوة القادمة من النقاش ستكون في البحث عن القوانين الطبيعية التي تحكم الكون كمقدِّمة للبحث عن منشأ تلك القوانين في الفصول اللاحقة.

(58)

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

نظرية كل شيء

(The Theory of Everything)

(59)

 

الفصل الخامس: نظرية كل شيء (The Theory of Everything)

أـ الكهرومغناطيسية:

 

«الكون قابل للفهم لأنه محكوم بالقوانين الطبيعية. أو بعبارة أخرى؛ لأنه يُمكن بناء نظريات ونماذج له، ولكن ما هي تلك القوانين؟»..إن أول قوة طبيعية تم وصفها بالطريقة الرياضية كانت قوة الجاذبية؛ قانون نيوتن للجاذبية الذي نُشر عام 1687م؛ نصَّ على أن كلَّ جسم في الكون يجتذب كل جسم آخر فيه بقوة تتناسب طرديًّا مع كُتلته. وقد كان لذلك القانون تأثيرٌ علميٌّ كبيرٌ في ذلك العصر؛ لأنه أظهر أن ناحية واحدة على الأقل من الكون يُمكن أن يُعبَّر عنها بنموذج علمي. وقدَّم أيضًا التعبير الرياضي لذلك. أما القوة الثانية التي أمكن صُنع نموذج علمي لها؛ فهي قوى الكهرباء والمغناطيسية. وكما نعلم، فإنَّ الأقطاب المُتشابهة من الكهرباء والمغناطيس تتنافر، في حين أن الأقطاب المتخالفة تتجاذب لبعضها. وقوى الكهرباء والمغناطيس أقوى من قوة الجاذبية، ولكننا لا نُلاحظ تأثيرات القوى الكهربائية والمغناطيسية؛ لأن الأجسام الكبيرة (كالتي توجد في حياتنا اليومية) تحوي مقدارًا متقاربًا من الشحنات الكهربائية والمغناطيسية الموجبة والسالبة؛ مما يعني أن القوى الكهربائية والمغناطيسية بين جسمين كبيرين يتساوى فيها التجاذب والتنافر؛ مما يلغي أحدهما الآخر، على عكس قوى الجاذبية التي تعمل في كل الأحوال. إن بدايات معرفتنا بالعلاقة بين القوى الكهربائية والمغناطيسية توطَّدت عبر قرن من الزمن عبر تجارب تفصيلية أجراها العلماء على القوتين، وأدركوا أن القوتين مُرتبطتان كثيرًا؛ فالشحنات الكهربائية المُتحركة تولِّد قوة على المغناطيس، كما أن المغناطيس المُتحرك

(60)

يولِّد قوة على الشحنات الكهربائية، وأول من أدرك أن هناك علاقة بين القوتين؛ هو: الفيزيائي الدانماركي هانز كريستيان أورستد (Hans Christian Ørsted)؛ حيث لاحظ ـ عن طريق الصدفة ـ أن مرور التيار الكهربائي في بطارية ما قد أدى إلى تحرُّك بوصلة بالقرب منها؛ وبالتالي كان أول من وضع مصطلح (الكهرومغناطيسية) للتعبير عن مزيج القوى الكهربائية والمغناطيسية المُتبادل. وبعد ذلك بعدة سنوات، وضع الفيزيائي البريطاني مايكل فاراداي افتراضاَ بأنه إذا كانت القوة الكهربائية قادرة على توليد مجال مغناطيسي حولها، فإن من المُمكن أيضًا أن تستطيع القوى المغناطيسية توليد القوة الكهربائية بالمقابل. كما استطاع ـ فيما بعد ـ اكتشاف تأثير المغناطيس القوي على الضوء المقَّطب (Polarized light)، كما أن من إنجازات فاراداي أنه طرح مسألة «مجالات القوى» لأول مرة؛ حيث كانت مسألة تأثير الأجسام على أجسام أخرى عن بُعد أمرًا غامضًا قبل ذلك. وبعد ذلك، ظلَّ التطور في أبحاث الكهرومغناطيسية بطيئًا حتى استطاع الفيزيائي الاسكتلندي جيمس كلارك ماكسويل (James Clerk Maxwell) تطوير أفكار فاراداي عن الكهرومغناطيسية إلى صيغ رياضية؛ حيث رسَّخ ذلك فكرة أن القوى الكهربائية والقوى المغناطيسية هي نتاج مجال قوة واحد مُشترك؛ وهو: المجال الكهرومغناطيسي. وبهذا؛ فقد وحَّد ماكسويل بين قوتين لتكونا في الحقيقة قوة واحدة فقط، كما أنه استطاع أن يبيِّن أن المجال الكهرومغناطيسي ينتقل عبر الفضاء على شكل موجات بسرعة الضوء، بل إنه اكتشف أن الضوء نفسه ليس إلا موجات كهرومغناطيسية. إن التطبيقات التقنية التي استفادتْ من معادلات ماكسويل في الكهرومغناطيسية كثيرة من حولنا؛ من قبيل: الأجهزة الكهربائية المنزلية، والحاسب الآلي...وغيرهما، بل إن تلك المعادلات تصف أيضًا أنواعًا أُخر من الموجات الكهرومغناطيسية؛ مثل: أشعة إكس، والمايكروويف، وموجات الراديو، والأشعة تحت الحمراء...وغيرها، والتي لا تختلف عن بعضها إلا في

(61)

طول الموجة؛ فموجات الراديو لها طول يُقارب المتر أو أكثر، في حين أن موجات الضوء المرئي تصل إلى أجزاء من عشرة ملايين من المتر. أما أشعة إكس (الأشعة السينية)، فطول موجتها أقل من جزء من مائة مليون من المتر.

 

ب ـ  سرعة الضوء:

ثم ينتقل الكاتب إلى سرد قصة اكتشاف أمر سيكون له أهمية كبيرة في النظرية النسبية لاحقًا؛ حيث إن ماكسويل استطاع أن يحسب سرعة الضوء (300 ألف كيلومتر في الثانية أو 670 مليون ميل في الساعة)، ولكن الحديث عن السرعة دون تحديد إطار لها لا معنى له؛ فما هو إطار سرعة الضوء؟ ولتوضيح معنى إطار السرعة (أو إطار الحركة)، فإن الكاتب يضرب مثالًا لرجل يمشي داخل طائرة نفاثة بسرعة كيلو مترين في الساعة، ولو سألته هو عن سرعته؛ لقال لك «إن سرعتي هي كيلو مترين في الساعة» (لأنه يحس بأن الطائرة ثابتة غير متحركة تحت قدميه)، ولكن لو سألت مراقبًا على الأرض عن سرعة الرجل في الطائرة لقال لك «إن سرعته هي 572 ميلاً في الساعة» (لأنه يرى الرجل في الطائرة يتحرك بنفس سرعة الطائرة). أما لو سألت مخلوقاً افتراضيًّا على الشمس عن سرعة الرجل على الطائرة، فإنه سيجيب بأن سرعته هي 18 ميلاً في الثانية؛ (لأنه يرى أن الأرض تتحرك حول الشمس بتلك السرعة جاذبة الطائرة، والرجل بداخلها بنفس تلك السرعة). إذن؛ فالتعبير عن السرعة لا بد أن يكون مقروناً بإطار ثبات يُقارن به. وبناءً على ذلك، فقد نتساءل عندما نجد أن معادلات ماكسويل تنتج لنا قيمة لسرعة الضوء، بأنه: ما هو الإطار الثابت الذي تُقارن به سرعة الضوء؟ قد يقول قائل إن إطار المقارنة لسرعة الضوء هو الأرض، ولكن معادلات ماكسويل تصلح لكل مكان في الكون. إذن؛ لا توجد خصوصية للأرض

(62)

كإطار ثبات لسرعة الضوء، ثم اقتُرِح أن يكون إطار المقارنة الثابت هو وسط غير مُكتشف يتخلل كل الفضاء ويسمى بـ«الأثير المضيء»، أو بالتعبير المختصر «الأثير»، وقد كان أرسطو قد استخدم هذا المصطلح للتعبير عن المادة التي تملأ كل الكون خارج الأرض. وعلى هذا الفرض، فإن الأثير هو الوسط الذي تعبُر من خلاله الموجات الكهرومغناطيسية تمامًا كما أن الهواء ـ مثلاً ـ من الأوساط التي يعبُر الصوت خلالها، فإن ثبُتَ وجود الأثير فإن ذلك سيكون بمثابة المعيار المطلق للسكون (أو الحركة أو سرعة الأجسام) في الكون (أي: السكون بالنسبة للأثير، أو الحركة بالنسبة للأثير، أو سرعة شيء ما بالنسبة للأثير). وحيث إن افتراض وجود الأثير كان مبنيًّا على أسس نظرية، فإن العديد من العلماء ـ ومن ضمنهم ماكسويل نفسه ـ سعوا لإثبات (أو نفي) وجوده. وقبل تبيان ذلك، لا بد من شرح أمر ما.

إنك لو كنت مُسرعًا تجاه شيء مُتحرك (وجهًا لوجه)، فإنك ستلاقيه في وقت أقصر مما كُنت ستلاقيه لو كنت ساكنًا. ولو كنت مسرعًا بعيدًا عن شيء مُتحرك، فإنه قد يصل إليك (لو كان أسرع منك) في وقت أطول مما كان سيُلاقيك فيه لو كنت ساكنًا. وبتطبيق نفس المنطق، فإن الضوء المُتحرك في اتجاه ما بالنسبة للأثير ستختلف سُرعته عمَّا لو قيست تلك السرعة للضوء وهو يتحرك في اتجاه معاكس للأول. وعلى هذا الأساس، اقترح ماكسويل تجربة يقيس فيها سرعة الضوء في وقتين مُختلفين من السنة؛ وذلك لأن الأرض تدور حول الشمس في مدارات بيضاوية الشكل (تُسمى بـ«القطع الناقص» أو «الإهليليجية»)؛ وبذلك فهي في بعض الشهور تسير في اتجاه الشمس، وفي بعض الشهور تسير مُبتعدة عن الشمس. وفي تجربة ماكسويل، فإن المفروض في حالة وجود الأثير أن سرعة الضوء الصادر عن الشمس تكون أكبر حينما تسير الأرض في اتجاه الشمس، من سرعة ضوء الشمس حينما تكون الأرض مُسرعة مُبتعدة عن الشمس. وأراد ماكسويل نشر فكرة تجربته في مجلة علمية، إلا أن رئيس تحريرها

(63)

أقنعه بعدم جدوى فكرته؛ وبالتالي عدل عن نشرها إلى قبيل وفاته عام 1879م جرَّاء سرطان المعدة؛ حيث أرسل فكرته أخيرًا كرسالة إلى صديق له، قام بنشرها له بعد وفاته في مجلة علمية أخرى؛ حيث قرأها العديد  ـ ومن ضمنهم الفيزيائي الأمريكي ألبرت مايكلسون (Albert Michelson)، والذي قام بمعية فيزيائي أمريكي آخر يُسمى إدوارد مورلي (Edward Morley) بتجربة دقيقة ـ وما لاحظه مايكلسون ومورلي أن سرعة الضوء لم تختلف في أي من اتجاهات حركة الأرض حول الشمس. وبالرغم من هذه التجربة المفصلية التي كان من شأنها إزالة فكرة الأثير من النموذج العلمي آنذاك، إلا أن أحدًا من العلماء آنذاك لم يستنتج منها دليلاً ينفي وجود الأثير، بل استمر الاعتقاد القوي بوجود الأثير لعقدين آخرين من الزمن، وهو شاهد آخر على أن العلماء أحياناً حينما يواجهون نتائج تجريبية مُخالفة لتوقعاتهم، فإنهم ـ وعوضًا عن تغيير نموذجهما العلمي لوصف الواقع ـ يحاولون إجراء ترميمات على ذلك النموذج ليتوافق مع النتائج التجريبية. المهم أن مسألة الأثير استمرت لعشرين سنة أخرى حتى قام موظف شاب (عمره آنذاك 26 سنة) ومغمور من مكتب براءات الاختراع السويسري يُسمى ألبرت آينشتاين (Albert Einstein)، بنشر مقالة مميزة عن «كهروديناميكيات الأجسام المُتحركة».

 

ج  ـ  الزمكان:

في تلك المقالة، وضع آينشتاين افتراضاً مُهمًّا ينص على: «أن القوانين الفيزيائية ـ وبالأخص سرعة الضوء ـ  هي ثابتة بالنسبة لأي مراقب يتحرك بحركة منتظمة (غير مدفوعة بقوة) في الكون». وهذا يعني أن سرعة الضوء ستكون نفسها بالمقارنة مع أي إطار مفروض للحركة بخلاف بقية الأجسام التي تتحرك في الفضاء. وهذه الفكرة

 

(64)

على بساطتها مؤداها كبير في مفاهيم الزمان والمكان في الفيزياء؛ فعلى سبيل المثال لو أن راكبًا في طائرة نفاثة راقب حَدَثين على متن الطائرة في وقتين مختلفين، ولنقل إن الحدث الأول هو سقوط كُوب من الماء على الأرض على الممر بجانب المقعد رقم 33، ثم سقوط كُوب من الشاي على الأرض بعدها بدقيقة على نفس المكان من الممر بجانب نفس المقعد 33. فبالنسبة له، أن الحدثين قد وقعا في نفس المكان بالضبط، ولكن بالنسبة لمراقب على سطح الأرض، فإن الحدثين قد وقعا في مكانين مُختلفين مُتباعدين جدًّا تفصل بينهما المسافة التي قطعتها الطائرة خلال الدقيقة التي تخللت بين سقوط كوب الماء وكوب الشاي. وهذا يظهر (أن مراقبيْن يتحركان بالنسبة لبعضهما لن يتفقا على المسافة (المكان) بين حدثين اثنين).

الآن؛ افترض أن راكبًا جالسًا في آخر مقعد من الطائرة (في الخلف)، أطلق شعاعًا من الضوء حتى يرصده راكب آخر في أول مقعد من تلك الطائرة (مُقدمتها)، وكما رأينا في المثال السابق، فإن المراقب الموجود على متن الطائرة سيحسب المسافة التي قطعها الضوء بين الراكب بالخلف وبين الراكب بالأمام لتساوي مسافة كابينة المسافرين في تلك الطائرة، في حين أن المُراقب على سطح الأرض سيحسب تلك المسافة التي قطعتها الطائرة بين نقطة انطلاق أشعة الضوء من مؤخرة الطائرة وبين نقطة وصوله في مقدمتها، مع إضافة المسافة التي قطعتها الطائرة في ذلك الأثناء، وحيث إن سرعة الشيء المُتحرك تحسب بقسمة المسافة التي قطعها ذلك الشيء على الزمن الذي استغرقه في تلك الحركة، وحيث إن سرعة الضوء ثابتة ـ حسب فرض آينشتاين ـ  فإن التفاوت في حساب المسافة التي قطعها الضوء من مؤخرة الطائرة إلى مقدمتها بين المراقبين الاثنين يعني تفاوتاً في الزمن الذي احتسبه نفس المراقبين لنفس الحدث؛ أي أن شخصيْن يتحركان بالنسبة لبعضهما، ويراقبان نفس الحدث، سيرصُدان زمنين مختلفين ومسافتين مختلفتين لنفس ذلك الحدث. وقد كان ذلك الأمر أحد أعمدة

(65)

نظرية آينشتاين التي نشرها في ورقته عام 1905، والتي سُمِّيت كما نعلمها اليوم بـ«النسبية الخاصة».

وبذلك؛ فإنه وطبقاً للنسبية الخاصة، فإنه لو راقب شخصان ساعة واحدة؛ وكان أحدهما ساكناً بالنسبة لتلك الساعة، والآخر مُتحركًا بالنسبة لها (أي أن الساعة هي إطار مقارنة الحركة والسرعة للشخصين)، فإن الشخص الساكن سيرصد عقارب تلك الساعة (أو مرور الوقت فيها) بشكل أسرع من الآخر المتحرك بالنسبة لتلك الساعة. وبالطبع؛ فإن هذا التباطؤ في مرور الوقت ليس نتاجًا لنوع الساعة أو دقتها أو ماركة صانعها؛ لأن هذا الأثر سيجري حتى على ما نسميه بـ«الساعات البيولوجية» في أجسام الكائنات الحية.

... إن هذا الأمر يتطلب منا بعض التكرار لغرابته؛ فحسب آينشتاين ونظريته، فإن الزمن مثل الحركة والسكون ليس بمطلق، بل لا بد من نسبته لشيء ما (وهو منشأ تسمية النظرية بالنسبية)، ولا يمكن أن نعيِّن لأي حدث زمنًا واحدًا يتفق عليه كل المراقبين، ولكل مُراقب يرصد ذلك الحدث زمنٌ خاصٌّ يُسجله لوصف ذلك الحدث. ولأننا نتعامل في حياتنا اليومية سرعات بطيئة جدًّا (بالمقارنة مع سرعة الضوء)، فإننا لا نستطيع أن نحس بهذا التفاوت في الزمن بحواسنا، ولكن الأمر تطابق مع نتائج الاختبارات التجريبية.

إن افتراض ثبات سرعة الضوء في كل أطر المقارنة للحركة، كان له نتائج أخرى أيضًا؛ فالزمن صار يُعامل على أنه بُعد من الأبعاد؛ مثل: الطول، والعرض، والارتفاع (أو العمق)؛ أي أن الزمان صار متشابكًا مع المكان، ولا يُمكن فصل أحدهما عن الآخر (كما رأينا في الفقرة السابقة)؛ فتأثير الحركة في المكان يؤدي إلى تأثير في الزمان أيضًا؛ لذا أطلق العلماء على مزيج أو نسيج الزمان والمكان مصطلح «الزمكان» (Space ـ time).

(66)

ثم أدرك آينشتاين أنه لكي تنسجم الجاذبية مع نظريته في النسبية، فإنه يحتاج لإجراء تعديل آخر على النظرية؛ فحسب نظرية نيوتن في الجاذبية، فإن أيَّ جسمين يتجاذبان بقوة تتناسب مع المسافة بينهما في تلك اللحظة، ولكن مهلاً، حينما تقول في تلك اللحظة فإنك في صدد حساب الزمان، ولكن كما رأينا أن حساب الزمان يختلف من مراقب لآخر. وعليه؛ فإنه من غير الممكن الاعتماد على مسألة الزمان لحساب الجاذبية، ولا يُمكنك أن تقول «المسافة بين الجسمين في تلك اللحظة»؛ لأن كلَّ مراقب يسمعك تقول هذا سيسألك: «أية لحظة تقصد؟». وعليه؛ عكف آينشتاين طوال فترة إحدى عشرة سنة بعد النسبية الخاصة، على تعديل النظرية لتستطيع التعامل مع الجاذبية دون الاعتماد على عامل الزمان. وبالفعل؛ أنتج ما سُمِّي بـ«النسبية العامة»؛ حيث طرح مفهومًا جديدًا تمامًا عن الجاذبية فيها، وهذا المفهوم مبنيٌّ على أن الزمكان ليس مُتجانسا في قوامه (كالورقة المسطحة)، وإنما هو من قبيل النسيج الذي يتقوَّس وينحني بفعل كتلة وطاقة محتوياته، ولتقريب الفكرة دعني أضرب لك مثالًا، تخيَّل كُوبًا به كمية مُتجانسة من حلوى الجيلاتين (الجيلي أو الجيلو) المُتماسكة (الباردة)، ثمَّ تخيل أنك أسقطت حبة من العنب في تلك الحلوى. بالطبع سترى أن حلوى الجيلاتين اكتسبت انحناءة بسيطة على سطحها حول حبَّة العنب. وكلما كانت حبة العنب (أو الجسم الذي تضعه في تلك الحلوى) أثقل، كانت تلك الانحناءة أكبر. الكاتب يستعمل مثالاً آخر حين يصوِّر لنا كيف أن سطح الأرض الكروي يبدو لنا (ونحن عليه) مُسطحًا ذا بُعدين. وحسب الهندسة التقليدية، فإن أقصر مسافة بين نقطتين على الأسطح غير المنحنية هي الخط المستقيم بين تلك النقطتين، ولكن حينما نتعامل مع الأسطح المنحنية؛ مثل: سطح الكرة الأرضية، فإن أقصر مسافة بين النقطتين ليست تلك التي تتبع الخط المستقيم بينهما، وإنما تلك التي تتبع أحد الخطوط المنحنية؛ فمثلا لو أردت السفر من نيويورك إلى مدريد، وسافرت في خط

(67)

مستقيم شرقا؛ فإنك ستقطع مسافة 3707 أميال لتصل إلى مدريد، في حين أن الخط الأقصر حقيقة هو الذي يبدو منحنيًا حينما ترسمه على الخريطة المسطحة غير المنحنية ولكنه في الواقع يجعلك تقطع مسافة 3605 أميال فقط لتصل إلى مدريد. وهذا الخط يُحتم عليك السفر في البداية نحو الشمال الشرقي، ثم إلى الشرق قبل أن تتجه إلى الجنوب الشرقي. ثم يقدِّم الكاتب بعض التفسيرات التقنية عن العلاقة بين الخطوط المستقيمة على الأسطح المنحنية، والخطوط المستقيمة على الأسطح غير المنحنية؛ ليخرج بتفسير للجاذبية طبق النسبية العامة التي تقول إن تقوُّس الفضاء حول الأجسام يجعل الأشياء تمشي في مسارات مُنحنية تجعلنا نحس أنها مُنجذبة إلى الجسم الآخر.

الآن؛ يُحاول الكاتب أن ينقلنا نقلة أخرى؛ يربط فيها بين: نظرية ماكسويل في الكهرومغناطيسية والنظرية النسبية العامة لآينشتاين، بنظريات الفيزياء الكمية التي تطرَّق لها في الفصل الرابع؛ حيث يقول إن تلك النظريات (الكهرومغناطيسية والنسبية العامة) هي نماذج تفترض أن الكون له تاريخ واحد، وبناءً على ما توصلنا إليه في الفيزياء الكمية، فإن علينا اعتماد نماذج يمكن أن يكون للكون فيها أي تاريخ مُمكن، ولكل تاريخ مدى احتمال خاص به، ومع أن النماذج غير الكمية كافية للتعامل مع فيزياء الحياة اليومية، إلا أننا إذا أردنا فهم سلوك الجسيمات الذرية، فعلينا أن نعتمد على نسخة معدلة من نظرية ماكسويل في الكهرومغناطيسية تعتمد على الكمية. وإذا أردنا أن نفهم بدايات نشوء الكون حينما كانت كل المادة والطاقة في الكون مضغوطة في حجم صغير جدًّا، فعلينا أن نعتمد على نسخة معدَّلة من النظرية النسبية العامة، بل إننا كي نفهم الطبيعة جيدًا علينا أن نجد طريقة تكون كل القوانين فيها مُتجانسة مع بعضها؛ بحيث لا يكون هناك تعارض بين النسبية العامة والفيزياء الكمية، ومثل هذه النظريات المتجانسة (التي نبحث عنها) تُسمَّى بـ«نظريات المجال الكمي».

(68)

 

د ـ  القوى الأربعة في الطبيعة:

يُمكن تصنيف القوى المعروفة في الطبيعة إلى أربعة مجموعات؛ هي:

 ـ الجاذبية؛ وهي أضعف قوى الطبيعة، ولكنها أطولها في مدى تأثيرها؛ حيث تمتد لمسافات شاسعة عبر الكون.

 ـ الكهرومغناطيسية؛ وهي أيضًا من القوى الطويلة المدى في تأثيرها، وهي أقوى من الجاذبية، ولكنها تؤثر فقط في الجسيمات التي تحمل شحنة كهربائية؛ حيث إن الشحنات المتخالفة ـ كما نعلم ـ  تتجاذب، والمتشابهة تتنافر، ولحُسن الحظ فإن عدد الشحنات الموجبة في الأجسام الكبيرة تقارب عدد الشحنات السالبة في تلك الأجسام؛ مما يلغي ويُضعف من تأثيرها الكهرومغناطيسي على بعضها، ولكن على مستوى الجسيمات الذرية والجزيئات فإن لها تأثيرًا كبيرًا؛ لذا فالكهرومغناطيسية مسؤولة عن التفاعلات الكيميائية والحيوية.

 ـ القوى النووية الضعيفة؛ وهي مسؤولة عن النشاط الإشعاعي، وعن تكوُّن العناصر في باطن النجوم، وعن تكوُّن الكون المُبكر، ولكننا لا نشعر بآثار هذه القوى في حياتنا اليومية.

 ـ القوى النووية القوية؛ وهي التي تلصق البروتونات مع النيوترونات داخل أنوية الذرات، بل هي التي تلصق الكواركات التي تكوِّن البروتونات والنيوترونات مع بعضها (وسيجيء لاحقاً في هذا الفصل معنى الكوارك)، وهذه هي القوى المسؤولة عن الطاقة النووية، وهي وقود الشمس والنجوم.

وكما قلنا سابقاً، فإن العلماء يُحاولون إنتاج نسخة (أو إصدار) خاص من كل من

(69)

تلك القوى الأربعة بلغة الفيزياء الكمية؛ لأن البحث في أصول الكون والبحث في عالم الجسيمات الدقيقة يتطلب هذه اللغة. وأولى القوى التي نجح العلماء في إنتاج نموذج كمي لها؛ هي: الكهرومغناطيسية، وسُمِّي ذلك النموذج بـ«الكهروديناميكيات الكمية» (Quantum Electrodynamics ـ QED)؛ وذلك في أربعينيات القرن العشرين على يد ريتشارد فاينمان وغيره. و في حين أنه حسب النظريات الكلاسيكية فإن انتقال القوى كان عبر مجالات القوة: «المجال الكهربائي، المجال المغناطيسي...»، فإن النموذج الكمي يفترض وجود جسيمات أولية خاصة لنقل القوة تسمى بـ«البوزونات» (Bosons)، والتي تتطاير بين جسيمات المادة لنقل القوى بينها؛ أي أن جسيمات المادة تتقاذف البوزونات بينها للتأثير على بعضها. وللتمييز بين جسيمات نقل القوة وجسيمات المادة سميت الأخيرة بـ«الفرميونات» (Fermions). وبهذا؛ فإن الإالكترونات والكواركات (التي تكون البروتونات والنيوترونات...وغيرها) هي أمثلة للفرميونات، في حين أن الفوتون (جسيم الضوء) من أمثلة البوزونات، والبوزونات هي التي تنقل القوة الكهرومغناطيسية، وحين اختبرت الكهروديناميكيات الكمية فإنها أظهرت نتائج متطابقة مع الاختبارات التجريبية بدقة عالية، ولكن إجراء الحسابات الرياضية بالكهروديناميكيات الكمية صعب؛ لأن من متطلبات النماذج الكمية أن تشتمل الحسابات على كل التواريخ البديلة (الطرق المختلفة) التي يُمكن للبوزون أن يسلكها بين الفرميونات، ولكن لحسن الحظ فإن فاينمان ابتكر أيضًا طرقاً بيانية جديدة تُمكننا من الأخذ بالاعتبار تلك التواريخ البديلة. وقد سُمِّيت هذه الطريقة البيانية للتعبير عن التواريخ البديلة بـ«أشكال أو رسومات فاينمان البيانية» (Feynman Diagrams)، والتي تُعتبر من أهم الأدوات الفيزيائية الحديثة، ورسومات فاينمان ليست فقط طريقة بيانية أنيقة للتعبير عن الطرق المختلفة التي يمكن للجسيمات أن تتفاعل بها مع بعضها، وإنما تمكننا أيضًا من تطوير طرق رياضية

(70)

للحصول على معادلات تقدِّم لنا احتمالات لسلوك الجسيمات؛ فمثلا إذا كان هناك إلكترون ما قادمًا بكمية تحرك (سرعة) مُعينة ليتفاعل مع جسيم آخر، فإنه يُمكننا  ـ عن طريق تلك الرسومات، وما يرافقها من معادلات رياضية ـ أن نحسب احتمال سرعة نهائية معينة لذلك الإلكترون بعد التفاعل. وبالرغم من أن العملية الحسابية ليست سهلة؛ لأنها تتعامل مع احتمالات لا نهائية من الطرق (التواريخ) الممكنة لذلك الجسيم، إلا أنها قدَّمت للعلماء عونًا كبيرًا جدًّا لتخيُّل أنواع تلك التفاعلات، ولإجراء الحسابات الضرورية لعمليات الكهروديناميكيات الكمية، إلا أنهم واجهوا مشكلة أخرى؛ وهي: أنه نتيجة للعدد اللانهائي للتواريخ (الطرق) المُمكنة للتفاعل الواحد، فإن الأرقام التي يحصلون عليها جرَّاء إضافة كل احتمال لكل تاريخ مُمكن هي أرقام لا نهائية؛ فمثلا: تكون شحنة وكتلة الإلكترون المحسوبة من خلال رسومات فاينمان لا نهائية وذلك واضح البطلان؛ لذلك لجأ العلماء إلى تطوير عملية رياضية تسمى بـ«إعادة التسوية»؛ تقوم بإضافة كل الكميات اللانهائية السالبة مع كل الكميات اللانهائية الموجبة؛ الأمر الذي يُؤدي إلى التخلص من الكميات اللانهائية (لأن الموجب يلغي السالب، وكذا العكس)، ويتبقى من إعادة التسوية كميات محددة بسيطة. هذا النوع من التلاعب بالأرقام يبدو من شأنه أن يُعطيك درجات سيئة في امتحان الرياضيات بالمدرسة. وبالفعل؛ فإن عملية إعادة التسوية مُثيرة للشك من الناحية الرياضية؛ فمثلا: تستطيع بواسطة إعادة التسوية أن تحصل على أية قيمة لكتلة الإلكترون وشحنته، ولكن ما إن نثبت قيمة كتلة الإلكترون وشحنته (اللتين حصلنا عليهما من النتائج التجريبية)، فإن بقية حسابات الكهروديناميكيات الكمية التي تستعمل إعادة التسوية، والمبنية على هاتين القيمتين تكون دقيقة جدًّا ومتطابقة مع النتائج التجريبية؛ لذا فإن عملية إعادة التسوية هي مكوِّن أساسي من مكوِّنات الكهروديناميكيات الكمية، وتعد قدرة الكهروديناميكيات الكمية على التنبؤ الدقيق

(71)

بما يسمى بـ«تغير لامب» من الانتصارات المبكرة لها، وتغير لامب الذي اكتشف عام 1947م؛ هو: تغير طفيف في إحدى حالات ذرة الهيدروجين.

... إن نجاح إعادة التسوية بالكهروديناميكيات الكمية قد شجَّع العلماء على البحث عن صيغ وإصدارات كمية لبقية أنواع القوى الطبيعية الأخرى. وبالطبع؛ فإن تقسيم قوى الطبيعة إلى أربعة أنواع هو تقسيم اعتباطي ناتج عن ضعف فهمنا للطبيعة؛ لذا فإن العلماء انطلقوا في بحثهم عن «نظرية كل شيء» أو النظرية الموحَّدة لكل قوى الطبيعة في إطار كمي. ولو قدِّر لنا العثور عليها لكان ذلك ـ حسب تعبير المؤلف ـ بالكأس المقدسة للفيزياء، و»الكأس المقدسة» هي تعبير من الميثولوجيا المسيحية، وهي كأس أو طبق أو كوب استخدمه المسيح في العشاء الأخير، وتُعزى لذلك الكأس قدرات فوق الطبيعية، ويُستخدم تعبير الكأس المقدسة في الأدبيات للدلالة على الأهمية العظمى لأي شيء؛ مثل: دلالة كلمة «الكنز» على الهدف المرجو من أي بحث.

بعض مؤشرات صحة مسار النظرية الموحَّدة (نظرية كل شيء) للبحث الفيزيائي، استُوْحِي من نظرية القوى النووية الضعيفة؛ حيث إن نظرية المجال الكمي التي كانت تحاول وصف القوى النووية الضعيفة بالإطار الكمي لم تكن ناجحة في إعادة تسوية حسابات التواريخ البديلة لها، ولكن في العام 1967م، قدَّم الفيزيائيان عبد السلام وستيفن وآينبرج  ـ كلٌّ على حدة ـ  نموذجًا لنظرية دمجت بين الكهرومغناطيسية والقوى النووية الضعيفة، وسُمِّيت بـ«النظرية الكهروضعيفة»، واستطاعت هذه النظرية حل مشكلات إعادة التسوية في نظرية القوى الضعيفة، وتنبأت بوجود جسيمات «بوزونات» غير مكتشفة سابقا (جسيم +W وجسيم W وجسيم ºZ)، وقد وجد العلماء دليلاً غير مباشر على وجود الجسيم ºZ عام 1973م. وعلى إثر ذلك (أي بعد ست سنوات)، حصل كلٌّ من: عبد السلام وواينبرج على جائزة نوبل عام

(72)

1979م، بالرغم من أن الدليل المباشر لوجود تلك الجسيمات لم يتوفر حتى العام 1983م.

أما القوى النووية القوية، فقد تم وضع صيغة كمية لها تسمح بعمليات إعادة التسوية، وسُمِّيت بـ«الكروموديناميكيات الكمية»، وكلمة «كرومو» مُشتق لاتيني؛ يعني: اللون. والسبب في هذه التسمية هو أنه طبقا للصيغة، فإن البروتونونات والنيوترونات يُفترض أنها مكونة من مكونات تسمى بـ«الكواركات» التي تلتصق مع بعضها بالقوى النووية القوية، ولسبب ما فقد أطلق العلماء أسماء ثلاثة ألوان على ثلاثة أنواع من الشحنات لقوة الكروموديناميك: (الأحمر والأخضر والأزرق)، [ولعل سبب اختيار الألوان الأساسية لتسمية الكواركات هو أن كلها مكونات أساسية ينتج بخلطها بقية الألوان والجسيمات]، ولكن يجدر الانتباه إلى أن تسميات الألوان التي أطلقت على شحنات الكواركات لا تعني إطلاقا أن تلك الكواركات مُلونة بتلك الألوان. وبعد نجاح العلماء في دمج القوى الضعيفة مع الكهرومغناطيسية فيما سمَّيناه بـ(الكهروضعيفة)، فقد اتجهت أنظارهم في السبعينيات من القرن العشرين إلى إدخال القوى النووية القوية في تلك الحظيرة، وأنتجت محاولاتهم تلك ما يسمى بـ«النظريات الموحدة العظمى (Grand Unifying Theories−GUT)، والتي حاولت أن تجمع في طياتها الكهرومغناطيسية والقوى النووية الضعيفة والقوية، إلا أن معظمها كانت تتنبأ بأن البروتونات تتحلل بعد فترة معدلها 3210 سنة [100000000000000000000000000000000 سنة]، وهي بالطبع فترة أطول من عمر الكون نفسه الذي يقارب 1010 سنة [10000000000 سنة]، ولكن من الخطأ الاعتقاد ـ حسب هذا التحليل ـ بأن معظم البروتونات سوف تعيش لفترة 3210 سنة قبل أن تتحلل، وإنما المقصود هو أن كل بروتون لديه فرصة سنوية أن يتحلل باحتمال 1 من 3210؛ وعليه فلو كنت تراقب خزانًا يحوي 3210 بروتون لعدة سنوات،

(73)

فإنك ستفتقد عدة بروتونات بعدها. وعمليًّا، لم يكن بالصعب على العلماء أن يُجروا هذه التجربة، ولكن عندما أجروها وجدوا أن البروتونات إن كانت تتحلل فإن عمرها سيكون أكبر من3410 سنة؛ الأمر الذي لم يكن بالخبر السار لأصحاب النظريات الموحَّدة. ونتيجة لذلك، كان على العلماء أن يرضوا بالتسوية والتنازل عن مضض لنموذج سمي بـ«النموذج المعياري» (Standard Model) وهو مركب من النظرية الكهروضعيفة (للتعامل مع الكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة) والكروموديناميكيات الكمية (للتعامل مع القوة النووية القوية). وبالطبع، يتضح أن هذا النموذج ليس مصداقاً للنظرية الموحدة، بل هي سلة جمعت نظريتين، وبالرغم من أن النموذج المعياري ناجح جدًّا ومتوافق مع الملحوظات التجريبية، إلا أنه لا يشمل الجاذبية (القوة الرابعة)؛ وذلك سبب آخر للإحساس بعدم الرضا والارتياح الكامل.

...إن قوى الجاذبية أثبتت تمرُّدها وعصيانها على العلماء حتى الآن؛ فليس فقط أن العلماء لم ينجحوا في ضم الجاذبية في نظرية موحَّدة مع أشقائها الثلاثة (الكهرومغناطيسية والقوى القوية والضعيفة)، بل إنهم لم يتمكنوا حتى من صياغة نموذج كمي للجاذبية بحد ذاتها. وهذا أمر يستحق التوقف عنده للحظات؛ فالسبب في أن الجاذبية مستعصية على النمذجة الكمية راجع إلى (مبدأ اللاحتمية) الذي طرحناه في الفصل الرابع، ولكن فيما سبق كنا نتكلم عن اللاحتمية في تحديد موضع الجسيم وسرعته معًا، ولكننا هنا نعطي مثالاً آخر للكميات اللاحتمية، وبالتحديد فالكميتان هما «قيمة مجال الجاذبية» و«مقدار التغير في مجال الجاذبية»، وبالتالي فكلما استطعنا تحديد أحدهما بدقة كان تحديد الآخر منهما غير دقيق بما يتناسب مع دقة الأول، وهذا يعني أنه لا يمكن أن تكون القيمتان معًا تساويان الصفر بشكل حتمي، فإن كانت (قيمة المجال) صفرًا كانت قيمة التغير فيه غير محددة. ومؤدَّى ذلك بلغة بسيطة أنه لا يوجد ما يُسمى بـ«الفراغ الكامل» في

(74)

الفضاء (Empty Space)؛ لأن الفراغ الكامل يعني أن المجال ومقدار التغير فيه كلاهما صفر، ولأن مبدأ اللاحتمية لا يسمح بكونهما محددين معا فليس هناك فراغ كامل. وهذا يعني أن هناك مقدارًا ضئيلاً من الطاقة في الفراغ يُسمى بـ«الخواء» (Vacuum)، وطاقة الخواء هذه ليست ثابتة بل تتعرض لنوع من التذبذب المستمر Quantum Jitters/Quantum Fluctuations/Vacuum Fluctuations؛ حيث تنشأ أزواج من الجسيمات الدقيقة، ثم تضمحل في أجزاء من الثانية «الجسيمات الافتراضية» (Virtual Particles). إن استخدام لفظة (virtual) باللغة الإنجليزية قد يُعطي معاني وإيحاءات مختلفة تكاد تكون متقابلة تمامًا مع بعضها؛ فمع أن المعنى الحرفي للفظة يعني: (واقعي، فعلي)، إلا أن المعنى المقصود بها يختلف حسب مجال الكتابة والاستخدام. وفي الفيزياء والتقنية الرقمية، فإن هذه اللفظة تعني ما ليس بحقيقي تمامًا، وإنما أمر له مقدار من الحقيقة أو خصائص الأمر الحقيقي؛ فمثلا عندما نقول «الحقيقة الافتراضية» في عالم الحاسب الآلي، فإننا نقصد أن الحاسوب يقدِّم لك ما يُشبه الواقع الحقيقي في بعض صفاته المرئية والمسموعة والمحسوسة، ولكن ليس نفس الواقع الحقيقي؛ لذا يصح أن نقول إن مُراد اللفظة هو (تقريبا) في هذا المجال. أما في عالم الجسيمات الدقيقة، فإن اللفظة تعني أن هناك جسيمات لها بعض الخصائص التي تتشابه مع خصائص الجسيمات العادية الأخرى الموجودة بشكل أكبر وأوضح في عالم الفيزياء. والسبب الذي يجعلنا نعتبر تلك الجسيمات افتراضية (شبه حقيقية، أو تقريبا واقعية)؛ هو: أن الجسيمات الافتراضية  ـ بخلاف الجسيمات الحقيقية ـ لا يمكن مراقبتها مباشرة باستخدام أجهزة كشف الجسيمات (Particle Detectors)،ولكن من خلال بعض آثارها غير المباشرة؛ مثل: حدوث تغيرات طفيفة في طاقة مدارات الإلكترونات، والتي يُمكن قياسها ومقارنتها مع المشاهدات التجريبية، والتي تطابقتْ إلى حد كبير مع تلك القياسات.

(75)

وبسبب هذه الجسيمات الافتراضية، نشأت مشكلة عويصة في محاولات إنتاج نموذج كمي للجاذبية؛ فالمفروض أن هناك عددًا لا نهائي من تلك الجسيمات الافتراضية في الكون؛ ولأن كلًّا منها يملك مقدارًا بسيطاً من الطاقة، فإن مجموع طاقة تلك الجسيمات اللا نهائية يجب ألا يكون نهائيًّا. وطبقا للنسبية العامة، فإن ذلك من شأنه أن يكوّر الكون ويضغطه في حجم صغير جدًّا؛ الأمر الذي نعلم بوضوح أنه لا يحدث.

ومشكلة الكميات اللا نهائية التي نراها هُنا في قوى الجاذبية شبيهة بما واجهناه عند التعامل مع القوى الثلاثة الأخرى، مع فارق أننا كنا نستطيع في الثلاثة الأخريات أن نجري عمليات إعادة التسوية للتخلص من هذا الوباء، إلا أننا لأسباب تقنية لا نستطيع الاستعانة بهذه العملية في التعامل مع الجاذبية.

وفي العام 1976م، لاحت في الأفق بوادر حل للمشكلة؛ سُمِّيت بـ«الجاذبية الفائقة»، والحقيقة أن كلمة الفائقة كانت وصفًا لما نسميه بالتناسق الموجود في النظرية (Symmetry). عليه؛ فهناك (تناسق فائق) في النظرية (Supersymmetry)، وفي الفيزياء فإن لفظة «تناسق» تُطلق على أيِّ نظام لا تتغيَّر خصائصه الفيزيائية عند حدوث تحوُّلات في ذلك النظام. وأبسط مثال يضربه الكاتب للتناسق في الأنظمة؛ هو: الكعك المقلي، والمسمَّاه بـ«الدونَت»، والذي في أشهر أنوعه على شكل إطار ذي فجوة مركزية، ولو قلبت الدونَت فإن الإطار سيظل بنفس الشكل والهيئة. ورجوعًا للتناسق الفائق، فإن مُقتضى ذلك في الفيزياء أن المادة والطاقة هما وجهان لعملة واحدة (أي أن هناك تناسقاً بين المادة والطاقة). وعليه؛ فإن لكل جسيم من جسيمات المادة (مثل الكوارك) له ما يناظره من جسيمات الطاقة والعكس صحيح. ومبدئيًّا، فإن ذلك من شأنه أن يحل إشكالية الكميات اللا نهائية في الجاذبية؛ لأن جسيمات الطاقة لها كميات لا نهائية موجبة، في حين أن جسيمات المادة لها كميات لا نهائية سالبة،

(76)

وحيث إن هناك تناسقاً بين الاثنتين فإن الكميات اللا نهائية الموجبة والسالبة تلغي بعضها، ولكن مع ذلك فإن محاولة البحث عن أية كميات صغيرة باقية بعد إلغاء الكميات اللانهائية هي مغامرة رياضية صعبة جدًّا وطويلة جدًّا، وبها إمكانية الخطأ إلى درجة لم يجرؤ أحد على اقتحامها. ومع ذلك، اختار أغلب الفيزيائيين الاعتقاد بأن (الجاذبية الفائقة) هي الحل الصحيح المؤدِّي إلى إيجاد نظرية موحَّدة تجمع الجاذبية بغيرها من القوى، ويعلقون آمالهم في إيجاد شواهد مؤيدة لهذه النظرية؛ من خلال التجارب المزمع إجراؤها في «مصادم الهادرونات الكبير» في سويسرا.

 

هـ  ـ  نظرية الأوتار:

إن مفهوم التناسق الفائق الذي أدَّى إلى نموذج الجاذبية الفائقة، لم يكن بالأمر الجديد؛ لأنه كان محلَّ تداول قبلها بعدة سنوات حينما كان العلماء يدرسون نظرية تسمى بـ«نظرية الأوتار» (String Theory)، وطبقا لنظرية الأوتار؛ فإن الجسيمات ليست على شكل كريَّات أو نقاط صغيرة، وإنما على شكل شُعيرات لها أنماط من التذبذب، وهي متناهية في الصغر، ولها طول محدَّد، ولكن ليس لها سُمك، ونظريات الأوتار تواجه أيضًا مُشكلة الكميات اللانهائية، ولكن يُعتقد أنَّ النظرية المناسبة من تلك المجموعة ستتغلب على المشكلة؛ عن طريق إلغاء الكميات الموجبة بالكميات السالبة، ولكن نظريات الأوتار لها مطلبٌ غريبٌ آخر؛ وهو: أن يكون عدد الأبعاد عشرة بدلاً من أربعة. وبالطبع؛ سنحس بالغرابة من ذلك، ونتساءل: لماذا لا نلاحظ تلك الأبعاد الإضافية إن كانت موجودة فعلاً؟ وهُنا؛ يُقدم لنا مؤيدو النظرية تفسيرًا يقارب في غرابته ما يحاول تفسيره؛ فتلك الأبعاد ملويَّة على نفسها في حجم صغير جدًّا؛ بحيث لا نستطيع ملاحظتها بحواسنا. وأقرب مثال لهم لتوضيح ذلك؛ هو: أننا

(77)

إذا نظرنا إلى قطعة حبل من مسافة ما، فإننا سنلاحظها كخط مستقيم ذي بعد واحد (لا سمك له)، وحينما نقترب قليلاً سنلاحظ البُعد الثاني له؛ أي أننا سنُلاحظ أنه حبل ذو سُمك مُعيَّن، ولو صغُر حجمنا ليساوي حجم نملة تمشي على ذلك الحبل، فإننا سنلاحظ ـ بالإضافة إلى طول الحبل وعرضه ـ أن للحبل ارتفاعًا أيضًا، وهو البُعد الثالث لذلك الحبل. وبنفس الطريقة، فإننا بحواسنا ـ وفي عالمنا ـ نُلاحظ أربعة أبعاد (الطول والعرض والارتفاع والزمن)، ولكن لو قدِّر لنا أن نكون بحجم الجسيمات الذرية فإننا سنعيش في عالم من عشرة أبعاد (حسب النظرية)، ولكي نتجنب الدخول في تفاصيل تقنية لا تعنينا، نكتفي بالقول إن الهدف المتوخَّى بتوحيد النظريات عبر نظرية الأوتار لم يتحقق، بل بالعكس من ذلك فإن نظرية الأوتار نفسها تنوَّعت في صيغها إلى العديد من النظريات الأخرى، ولكن المُتمسِّكين بالنظرية يرون أن الصيغ المختلفة لها ما هي إلا أوجه مختلفة للنظر إلى نفس الشيء من زوايا مختلفة حسب الأوضاع المختلفة؛ لذا فقد ظهرت سُلَّة من النظريات تسمى بـ«نظرية م»، ويرى هوكنج أن ذلك لا يضرنا بشيء؛ حيث إن مُتطلبات الواقعية المبنية على النموذج العلمي لا تتعدَّى حاجتنا إلى ما يزوِّدنا بتنبؤات دقيقة مُتفق عليها من تلك النظريات المختلفة. وقد أجرى أصحاب النظرية تعديلات تقنية عليها، وما يهمُّنا من ذلك الآن أن تلك النظرية تنسجم مع فكرة أساسية يرغب الكاتب في الوصول إليها منذ البداية؛ وهي: إمكانية وجود أكوان مُتعددة، لكل كون منها قوانينه العلمية تصل إلى 10 أمامها 500 صفر من الاحتمالات في عدد الأكوان الممكنة!

والسؤال هو: إن كان بالإمكان نشوء عدد ضخم جدًّا من الأكوان، فكيف انتهى بنا الوضع إلى هذا الكون الخاص بالتحديد؟

عزيزي القارئ، أعلم أنك تحمَّلت الكثير من المشقة في قراءة تاريخ النظريات العلمية في الفصول السابقة وهذا الفصل، ولعلك تتساءل مع نفسك عمَّا إذا كنت

(78)

قد أضعت وقتك في ذلك سدًى، وعمَّا إذا كان لكل ذلك مغزى نسعى إليه من السرد الطويل، ولكنك إن قرَّرت الاستمرار بالقراءة في الفصول القادمة (وهو قرار شجاع بالمناسبة)، فإنك سترى أن المؤلفين يبدآن من هُنا في عرض مرتكزاتهما النظرية العلمية ومبانيهما الفلسفية المستوحاة من تلك النظريات العلمية للوصول إلى نتيجة البحث التي يسعيان لها في الكتاب..خُذْ نفسًا عميقاً؛ لأننا سنغطس من جديد، ولأعماق أكبر في هذه المرة.

(79)
(80)

 

 

 

 

 

 

الفصل السادس

اختيار كوننا

(Choosing out Universe)

(81)

 

الفصل السادس: اختيار كوننا (Choosing our Universe)

بعد أن يبدأ الكاتب بسرد مُوجز لبعض الأساطير القديمة عند بعض القبائل في إفريقيا الوسطى والمكسيك، يرجع ليطرح السؤال الذي حاول الإنسان منذ القدم الإجابة عنه؛ وهو: لماذا يُوجد الكون؟ ولماذا هو على الطريقة التي هو عليها الآن؟ وبالاستعانة بما أوجز له الكاتب في الفصول الماضية، فإنه يعتقد أنه يستطيع طرح إجابات عن تلك الأسئلة، يُعطينا الكاتب مُلخصًا مُوجزًا عن تاريخ نشوء الكون؛ ليستطيع ـ بناءً على ذلك ـ مُعالجة الأسئلة أعلاه.

 ـ تبدأ أهم أحداث القصة في العشرينيات من القرن العشرين باكتشاف إدوين هَبْل لأمور أدَّت به إلى الاستنتاج بأن الكون في تمدُّد، وبخلاف ما يحضر إلى أذهاننا من تصور عن كلمة «تمدُّد»، والتي نفهم منها عادة أن شيئًا ما كان يحتلُّ حجمًا مُعيَّناً من المكان صار بعد فترة يحتل حجمًا أكبر من المكان، فإن التمدُّد الذي اكتشفه هَبْل ليس توسُّعَ الشيء في المكان، وإنما هو توسُّع المكان نفسه!! نعم؛ أعلم أن تصوُّر ذلك يستدعي توقفاً لبضعة دقائق في محاولة لتخيُّل الأمر؛ ففي تصوُّرنا العرفي العادي فإن المكان أمرٌ ثابتٌ مُطلقٌ ونحن موجودات ماديَّة نتحرك في الحيز المكاني الثابت، ولكن الأمر ليس كذلك؛ فالمكان «شيء» مثل بقيَّة الأشياء، وهو عُرضة للتمدُّد والتوسُّع؛ مثل: البالون. وفي هذه الحالة، فإن التوسع والتمدد الذي اكتشفه هَبْل هو عبارة عن توسع للمكان حاملاً معه الأشياء التي فيه بعيدًا عن بعضها. ويجدُر القول بأن المجرَّات والأجسام الفلكية التي ترتبط مع بعضها بالتجاذب لا تبتعد عن بعضها، وإنما تبتعد كمجموعة واحدة عن بقية المجموعات الأخرى.

(82)

ـ حينما نقول إن الكون (والفضاء) في توسُّع، فإننا بالملازمة نقول إن الكون كان أصغر حجمًا فيما مضى. وعلى ذلك؛ فلو تتبعنا الكون في الماضي لوجدناه أصغر حجمًا بكثير عمَّا هو عليه الآن، بل إننا نصل إلى لحظة يكون الكون كله فيها محوِّياً في حجم يُساوي الصفر، أو ما يُسمى بلحظة الانفجار العظيم. ومرَّة أخرى يضيق علينا التعبير اللفظي في كلمة الانفجار؛ فعادة ما نفهم من انفجار الشيء أنَّ الشيء المُنفجِر كان يحتل موقعًا مكانيًّا مُحددًا، ومن ثم يتأثر بقوة كبيرة جدًّا تؤدي به إلى التناثر والانتشار في أرجاء «المكان» المُختلفة، ولكن  ـ كما تتذكر من النقطة السابقة ـ  فإن الكوْن هو نفسه المكان، وليس أن الكون موجودٌ في المكان وجزءٌ من محتوياته. وعليه؛ فإن الانفجار الذي نفترضه هُنا هو أمر حدث في كل أرجاء الكون، وفي كل مكان فيه. أو بعبارة أخرى: أن الانفجار لم يحدُث في الكون، وإنما حدث للكون في حدوثه؛ وهو أمر آخر يجعلك تحك فروة رأسك في محاولة لتخيُّله دون جدوى. ومع أن افتراض الانفجار العظيم هو التصوُّر المنطقي لمسألة توسع الكون المستمر، إلا أنه يظل بحاجة إلى دليل لحدوثه.

 ـ هذا الدليل على حدوث الانفجار العظيم لم يتوفَّر حتى العام 1965م، حينما كان اثنان من المهندسين يحاولان إصلاح التشويش في هوائي الإرسال لديهما عبثًا، وتبيَّن لاحقاً أن ذلك التشويش ناتجٌ عن التقاط ذلك الهوائي لموجات المايكروويف المسماة بـ«إشعاع المايكروويف الكوني الخلفي» (Cosmic Microwave Background Radiation– CMBR)، والذي هو عبارة عن: شفق وبقايا الانفجار العظيم؛ حيث إن الحرارة المرتفعة في الكون المُبكر أخذتْ في الانخفاض والبرود تدريجيًّا مع توسع الكون؛ حتى وصلت إلى مقدار 3 درجات فوق الصفر المطلق (أو 270 درجة مئوية تحت الصفر). وكما استنتجنا من خلال توسُّع الكون الحالي أنه كان في الماضي أصغر مما هو عليه الآن، فإننا نستنتج من خلال

(83)

بقايا أشعة المايكروويف الحالية أن الكون كان في الماضي أكثر حرارة مما هو عليه الآن؛ وهي دلالة على افتراض الانفجار العظيم.

أمرٌ آخر كان بمثابة الدليل على افتراض الانفجار العظيم؛ فحسب نموذج الانفجار العظيم، كان الكون كله في بداياته عبارة عن أتون أكثر حرارة من مركز النجوم، ويعمل بأكمله كمُفاعل نووي، ولكن مع توسُّع الكون وانخفاض حرارته، فإن التفاعلات النووية تتوقَّف وحسب حسابات نموذج الانفجار العظيم تكون مُعظم مادة الكون من الهيدروجين، في حين تكون 23 % منه من الهيليوم، ونسبة بسيطة من الليثيوم (أما بقية العناصر التي هي أثقل من هذه الثلاثة؛ فقد تكوَّنت في بواطن النجوم فيما بعد). ومع مقارنة هذه التنبؤات مع ما نرصده اليوم من كميات الهيدروجين والهيليوم والليثيوم في الكون، فإننا نجد تطابقاً قريبًا جدًّا، وهو دليل آخر على افتراض الانفجار العظيم. لعلك لاحظت أنني استخدمتُ كلمة «افتراض» في التعبير عن الانفجار العظيم؛ وذلك لأن نظرية النسبية العامة تتنبأ بأن الكون في بداياته كان له من الحرارة والكثافة والانحناء درجة لا نهائية؛ وهي ظروف نطلق عليها «التفرُّد» (Singularity). والنظرية النسبية العامة تتوقَّف عند «جدار» التفرُّد، ولا تستطيع اختراقه وتقديم أية تنبؤات لما وراء ذلك الجدار. وبالتالي؛ فلا يُمكن استخدامها للتنبؤ بحدوث الانفجار العظيم. أو بعبارة أخرى: أن النظرية مع أنها في البداية تضعنا على مسار نفترض فيه حدوث الانفجار العظيم، إلا أن نفس النظرية  ـ فيما بعد، وفي نقطة ما قبل الانفجار العظيم ـ  تضع لنفسها حدًّا لا يُمكنها تجاوزه.

 ـ  طبقاً لنموذج الانفجار العظيم، فإن الكون قد مرَّ بمرحلة من التضخم والتوسُّع السريع (Inflation)، الذي حدث خلال فترة زمنية بالغة الصغر. وبلغة الأرقام، فإن حجم الكون قد توسَّع بمقدار (100000000000000000000000000000 مرة) ـ ثلاثون صفرا على يمين الواحد ـ في فترة زمنية تساوي (0.0000000000000000000000000000000001

(84)

ثانية) ـ 34 صفرًا على يمين الفاصلة العشرية ـ ولمن يجد لغة الأرقام عسيرة على الهضم؛ فإننا نستطيع تشبيه الوضع له بتمدُّد عملة معدنية قطرها 1 سنتمتر إلى مساحة تفوق الـ10 ملايين مرة من مجرَّة درب التبانة!! ومع أن انتقال أي شيء (في المكان) بأسرع من سرعة الضوء أمرٌ ممنوعٌ في النسبية، إلا أن هذا القيْدَ لا ينطبق على تمدد (المكان نفسه) ـ أرجو أن ينتبَّه القارئ هنا إلى أننا استعملنا وسنستعمل مصطلح «التوسع السريع»؛ للتعبير عن مصطلح (Inflation)، وهو التوسُّع السريع جدًّا الذي حدث في بداية الكون، ولكننا سنحتفظ بمصطلح التوسع (دون كلمة «السريع») لوصف التمدُّد الذي يحصل في الكون باستمرار.

 ـ  حسب نموذج الانفجار العظيم، فإن العلماء يتوقعون أن ذلك التوسع السريع لم يكن منتظمًا بالكامل في كل الأنحاء؛ الأمر الذي يعني أن مُخلفات الانفجار العظيم من أشعة المايكروويف لن تكون بدورها مُنتطمة بالكامل في كل أنحاء الكون. وقد كان من المُتعذَّر اختبار هذه النبوءة في حينها (أي في الستينيات من القرن العشرين) إلى أن تم التحقق من ذلك من خلال القمر الصناعي (COBE)، الذي أطلقته ناسا في العام 1992م، ولاحقاً القمر الصناعي (WMAP) في العام 2001م. وكنتيجة لذلك؛ فإننا الآن على ثقة أكبر بأن التوسع السريع قد حدث بالفعل.

 ـ  مسألة التوسع السريع مُهمَّة جدًّا ومفصلية جدًّا في نموذج الانفجار العظيم؛ لأنها تُمكِّن العلماء من تفسير وضع الكون الحالي بناءً على نموذج الانفجار العظيم، وتمكِّنهم من تفسير حالة الانتظام التقريبي في أشعة المايكروويف الكونية (نقول انتظام تقريبي؛ لأننا كما أسلفنا أنها ليست منتظمة بالكامل)، ولولا التوسُّع السريع في الكون، والذي حدث بسرعة أكبر بكثير جدًّا من سرعة الضوء، لما كان هناك انتظام تقريبي في أشعة المايكروويف الكونية؛ لأن حرارة الكون لم تكن لتستطيع الانتشار بشكل شبه مُنتظم في أرجاء الكون بالسرعة الكافية؛ وذلك للقيود التي تفرضها النسبية على سرعة حركة الأشياء في المكان.

(85)

ـ لكن في الوقت ذاته، فإن ظاهرة التوسُّع السريع فرضت مشكلة (على الأقل هكذا وصفوها) أمام بعض الفيزيائيين؛ فلكي يكون نموذج الانفجار العظيم / التوسُّع السريع قابلاً للعمل، فإننا نضطر لأن نفترض أن وضعية الكون في لحظة الصفر (ما قبل التوسع السريع) كانت في حالة خاصة جدًّا لا يُمكن للصدفة وحدها أن تفسرها، ولولا تلك الوضعية الخاصة جدًّا في لحظة الصفر في نشوء الكون لما استطعنا بناء نموذج الانفجار العظيم ـ التوسُّع السريع ـ ولعُدنا بيدين خاليتين من جديد. وبالطبع؛ فغير خافٍ على القارئ الكريم أن هذا الطريق يتجه إلى نتيجة فلسفية فكرية بوجود مُصمم وخالق للكون؛ جعله بتلك الوضعية الخاصة جدًّا، والتي أمكن من خلالها أن يحدث التوسُّع السريع للكون، مع ما له من نتائج على نشوء المجرات والكواكب والحياة على الأرض. وحيث إن هوكنج يرغب في نتيجة مخالفة، فإنه سيحاول عرض نظرية أخرى لتفسير تلك الحالة الخاصة ـ كما سنرى لاحقاً.

 ـ من الأمور التي أقلقت هوكنج في تعامله مع نشأة الكون وتفسيرها: مسألة البداية الزمانية للكون؛ فحسب الفهم العُرفي نعلم أن أيَّ شيء له بداية زمانية مُحدَّدة إنما يحتاج إلى فاعل يُوْجِد ذلك الحدث أو ذلك الشيء للوجود، بعد أن لم يكن موجودًا، ولكن إن استطعنا ـ حسب افتراض هوكنج ـ أن نتخلص من مسألة البداية الزمانية للكون (أي أن نتخلص من اللحظة الزمانية التي نشأ فيها الكون)، فإننا لا نحتاج عندها لافتراض وجود فاعل مُوْجِد للكون، وهو ما سعى لإثباته عن طريق اللجوء إلى القول بأن الزمن في بدايات نشأة الكون كان يسلك سلوكًا أشبه بالأبعاد المكانية الثلاثة؛ بحيث أننا نستطيع القول بأن الزمن لم يكن أمرًا مُنفصلاً عن المكان، إنما كان بُعدًا مكانيًّا رابعًا، إضافة إلى الطول والعرض والارتفاع، وسُمِّي النسيج الرباعي من تلك الأبعاد الأربعة بـ«الزمكان» (Space time). وعليه؛ فإن ذلك كفيلٌ بالتخلص من الزمن كبُعد مستقل غير مكاني. وعندها؛ لا معنى للسؤال عن لحظة

(86)

البداية لأن البداية كانت غير زمانية (وإنما زمكانية)؛ وبالتالي تسقط الحاجة إلى الافتراض بوجود فاعل مُوْجِد للكون أوجده من العدم للوجود.

 ـ بيد أن هوكنج لم يقف عند نفي البداية الزمانية للكون لنفي الفاعل المُوْجِد له، وإنما سعى لإثبات عدم الحاجة للفاعل من زاوية أخرى؛ حيث قال: «إن إدراكنا أن الزمن كان يسلك سلوك المكان يقدِّم لنا بديلاً جديدًا؛ فهو يُزيل الاعتراض القديم بأن الكون له بداية، ولكنه يعني أيضًا أن بداية الكون كانت محكومة بقوانين العلم، ولا يحتاج لأن يبدأه إله ما». وعليه؛ فإن هوكنج يرى في القوانين العلمية بديلاً منطقيًّا عن الإله الخالق لتفسير نشأة الكون!

 ـ عند دراسة الكون في حجمه الحالي، فإننا نلجأ إلى قوانين النسبية العامة؛ لأنها تتعامل مع الأحجام والمسافات الكبيرة للأشياء، ولكن الكون في باكورة حياته كان له حجم صغير جدًّا؛ وعليه فإن دراسته في تلك المرحلة يتطلب اللجوء إلى قوانين النظريات الكمية التي تتعامل مع الأحجام الصغيرة جدًّا، ولكي نفعل ذلك فإننا نستعمل أساليب فاينمان الرياضية لحساب كل الاحتمالات التي يُمكن أن يكون قد سلكها الكون منذ نشأته وحتى وقتنا الحاضر. وبفعل ذلك يظهر لنا (والكلام لهوكنج) أن الكون ظهر تلقائيًّا ليبدأ بكل طريقة مُمكنة له أن يبدأ بها. وبعبارة أخرى: لم يظهر كونٌ واحدٌ، وإنما عدد لا نهائي من الأكوان؛ فبعض تلك الأكوان يختلف عن كوننا قليلاً، في حين أن بعضها الآخر يختلف عن كوننا حتى في القوانين العلمية التي تحكمه. ولتصوير ذلك، يضربُ هوكنج مثالاً تقريبيًّا؛ حيث يصوِّر سطح الماء الذي يغلي، ولو تأملت فيه سترى الآلاف من فقاعات الهواء بعضها صغير لدرجة مايكروسكوبية لا تُرى بالعين المجرَّدة، وبعضها مُتوسط، وبعضها كبير. وعلى نفس الصورة، فإن التذبذبات الكمية (التي ذكرناها في الفصل الماضي؛ في معرض الكلام عن طاقة الفراغ، وعن عدم وجود فراغ مطلق)، تنشئ عددًا لا نهائيًّا من الأكوان التي تبدأ صغيرة جدًّا،

(87)

ولكن بعضها يَفْنَى في صِغره وبداياته، وبعضها يستمر بالتوسُّع والبقاء حتى يُنشئ نجومًا ومجرات وكواكب، وفي حالة واحدة على الأقل مخلوقات حية وأناسًا.

ـ يستمر الأمر في عمق الغرابة، فقد جرت عادة البحث العلمي أن يبدأ العالم بمراقبة حدث واضح ومحدد (كما لو نظر إلى قطعة حجر في الهواء على ارتفاع معين من الأرض)؛ ليحاول توقع سلوكه في المستقبل (لمعرفة أين سيقع وبأية سرعة وما إلى ذلك). وهذه الطريقة يُسمِّيها الكاتب من الأسفل إلى الأعلى، ولكنه يقول إنه بالنظر إلى أن الكون كان حدثاً كميًّا في بدايته، وأن حساب الأحداث الكمية يتطلب استعمال أساليب فاينمان للأخذ بالاعتبار كافة التواريخ المحتملة لذلك الحدث، فإن الطريقة الصحيحة لدراسة بداية الكون هي «من الأعلى للأسفل»، أو في مثالنا السابق حساب سلوك الحجر في الماضي (لمعرفة كيفية انطلاقه من الأرض ونقطة انطلاقه وسرعة انطلاقه والزاوية...وما إلى ذلك). وبطريقة فاينمان للأحداث الكمية، سنجد أن الحجر كان يُمكن أن يكون له عدد لا نهائي من التواريخ المُحتملة قبل وصوله لتلك النقطة، ومع أن بعضها قد يكون غريبًا إلى حدٍّ الخيال، إلا أن ذلك لا يجعله خاطئًا علميًّا، وإنما يجعله حدثًا مختلفًا ناتجًا عن كونٍ مُختلف له قوانين مُختلفة؛ حيث قد يكون سلوك الحجر تبعًا لتلك القوانين أنه يرتفع عن سطح الأرض دون الحاجة إلى قوة إضافية ترفعه؛ فيرتفع تلقائيًّا (كأن تكون الجاذبية الأرضية طاردة له إلى الأعلى)، في حين أنه يحتاج إلى قوة إضافية لإنزاله إلى الأسفل؛ فمثلاً: (والمثال للكاتب) قد يكون الكون في أحد تواريخ الكون المحتملة؛ مُشتملا على قمر مصنوع من جبنة روكفورت، ولكننا نعلم أن القمر ليس مصنوعًا من تلك الجبنة؛ لذلك فإن ذلك التاريخ المُحتمل لا يتطابق مع وضعية كوننا الحالي، ولكنه قد يكون بالفعل مُتطابقًا مع كونٍ حقيقيٍّ آخر.

ـ وبناءً على ذلك؛ فإن تفكيرنا السابق الذي كان مبنيًّا على استنتاج الأحداث والتواريخ من القوانين العلمية، ينقلبُ حسب هذا المفهوم إلى العكس؛ أي أننا

(88)

نستطيع أن نفترض أيَّ نوع من أنواع القوانين العلمية المختلفة حسب التواريخ الكثيرة اللانهائية؛ فيمكنك أن تفترض قانوناً يتجمَّد الماء فيه عند التسخين ويغلي عند التبريد، ومع أن ذلك ليس بصحيح في كوننا نحن، إلا أنه قد يكون أمرًا واضحًا وبسيطاً وبديهيًّا في كونٍ آخر له قوانين مُختلفة.

 ـ ويُبنى على ذلك أننا نحن من نؤسس التاريخ (الماضي) عن طريق وسائل المراقبة التي نستعملها (في الحاضر) لملاحظة الطبيعة، وليس أن التاريخ (الماضي) هو من يبني واقعنا (الحالي)؛ أي: أن هناك عددًا لا نهائيًّا من التواريخ الماضية، وكلٌّ منها يُمكن أن يكون صحيحًا مع تفاوت في احتمالات حدوثها، إلا أن ذلك التفاوت لا يفرض إحداها على الأخرى بالضرورة (ما لم يكن احتمال أحدهما صفرًا). ويُعطي لذلك مثالاً؛ فالبابا حاليا ألماني، ولكنه كان يُمكن أن يكون صينيًّا، بل إن الاحتمال الأكبر هو أن يكون صينيًّا؛ لأن عدد الصينيين بالأرض أكبر بكثير من عدد الألمان فيها، ولكن ذلك لم يعنِ بالضرورة أن يكون البابا صينيًّا؛ فالواقع أنه ألماني.

ـ يختتم الكاتب الفصل السادس بفقرة يقول فيها: «هناك إمكانية لوجود عدد هائل من الأكوان، ولكننا كما سنرى في الفصل القادم فإن وجود أكوان فيها حياة مثل التي لدينا نادرة. إننا نعيش في كونٍ الحياة فيه مُمكنة، ولكن لو كان الكون مُختلفاً قليلاً لما أمكن وجود كائنات مثلنا.. ماذا نستنتجُ من هذا الضبط الدقيق للكون؟ هل ذلك دليلٌ على وجود خالق للكون صمَّمه بتلك الطريقة الدقيقة التي توائم وجودنا، أو أن العلم يوفر لنا تفسيرًا آخر لذلك؟».

بهذه الفقرة المثيرة جدًّا ينتهي الفصل السادس؛ ليتركنا مُتحمِّسين جدًّا لنقرأ ما سيقوله الكاتب في الفصل السابع، المثير جدًّا بحق عن دقة الضبط في الكون، أو ما يُعرف في علم الكلام بـ«برهان النظم على وجود الخالق»؛ لأن الكاتب سيعرض هذا البرهان بأفضل مما عرضه أصحابه (حسب قرائتي له) قبل أن يُحاول نقضه فيما بعد.

(89)
(90)

 

 

 

 

 

 

الفصل السابع

المعجزة الظاهرية

(The Apparent Miracle)

(91)

 

الفصل السابع: المُعجزة الظاهرية (The Apparent Miracle)

في هذا الفصل، يعرض لنا الكاتب عددًا من الأمور التي حظينا بها في بيئتنا الكونية التي مكَّنت لنا وجود الحياة على كوكب الأرض؛ فمع أن عدد المجرات والأنظمة النجمية والكواكب في الكون هائلٌ وضخمٌ، فإن هناك شروطاً معيَّنة يتطلب وجودها في النظام النجمي ـ الكوكبي الذي يُمكن له أن يحتضن نشوء الحياة عليه، وهذه الشروط نادرة جدًّا إلى درجة تدفعنا للاعتقاد بأنها صُمِّمت على يد مُصمِّم ذكي جدًّا أراد للحياة أن تنشأ على هذا النظام النجمي ـ الكوكبي الخاص. أو بعبارة أخرى: فإن وجودنا على هذا النظام النادر الخاص مُعجزة تدفعنا إلى الاعتقاد بوجود إله مُصمِّم ذكي. ولكن، مهلاً.. فالكاتب يُضيف كلمة تصف تلك المُعجزة، إنه يقول «المعجزة الظاهرية» كدلالة على اعتقاده بأنها ليست حقًّا بالمعجزة.

ما يدفعنا للإعجاب في هذا الفصل أن الكاتب عرض بأمانة علمية ودقة بحثية جوانب الندرة في نظامنا النجمي الكوكبي (النظام الشمسي الأرضي)، والتي سمحتْ للحياة بالنشوء على الأرض، وقد عرض ذلك بدقة واختصار مُذهليْن يندُر وجودهما في كتب أخرى، ولكنه أيضًا سيحاول تقديم تفسير بديل للتفسير الذي يذهب لوجود إله مُصمِّم للكون؛ لنطلع على جوانب الإعجاز «الظاهري»  ـ على حد وصف الكاتب:

ـ حوالي نصف عدد الأنظمة النجمية في الكون مُكوَّنة من نجمين أو أكثر، ولو كانت الأرض تدور حول شمسين اثنتين بدلاً من واحدة، فإن ذلك يستلزم أن تكون الأرض معرَّضة لحرارة عالية جدًّا في فترات، وحرارة منخفضة جدًّا في فترات أخرى، وكلا الأمرين لا يتواءم مع نشوء الحياة على الأرض، والأمر أسوأ في الأنظمة التي 

(92)

تحوي أكثر من شمسين؛ إذن فنحن «محظوظون» بوجود شمس واحدة فقط في نظامنا الشمسي.

ـ تقتضي قوانين نيوتن أن تكون مدارات الكواكب حول النجوم إما دائرية أو بيضاوية الشكل (إهليجية)، ويُمكن التعبير عن مقدار التفلطح بالمدار البيضاوي رياضيًّا برقم بين الصفر والواحد؛ بحيث أن الصفر يعني أن المدار دائري تمامًا، في حين أن الرقم القريب من الواحد يعني أنه مُفلطح جدًّا، ودرجة التفلطح بمدار الأرض حول الشمس هي 2 % فقط (0.02) أي أنه مدار قريب جدًّا من كونه دائريًّا؛ في حين أن درجة التفلطح في مدار عطارد هي  20 % (0.2)؛ الأمر الذي يُؤدِّي إلى أن يكون الفارق في حرارة الكوكب بين النقطة الأقرب للشمس وبين النقطة الأبعد عن الشمس هي 93 درجة مئوية. فبالنسبة للأرض، فإن ميلان محور دوران الأرض حول نفسها بالنسبة لمدارها حول الشمس يُخفف كثيرًا من فروقات الحرارة بالنسبة لبُعدها عن الشمس، ولو كان تفلطُح مدار الأرض قريبًا من الواحد لكانت بِحَار الأرض تغلي في الصيف وتتجمَّد في الشتاء. وهذا يعني أننا «محظوظون» بكوْن مدار الأرض حول الشمس قريبًا من الدائري.

ـ كلما كبرت كتلة الشمس، فإن الطاقة المُنبعثة منها تكون أكبر (والعكس بالعكس)، وهناك نجوم أكبر من شمسنا بمائة مرة، كما أن هناك أخريات أصغر منها بمائة مرة، ولو كانت الشمس أكبر مما هي عليه بـ20 % لكانت حرارة الأرض أكبر مما هي عليه في كوكب الزهرة، ولو كانت كتلتها أصغر بـ20 % مما هي عليه لكانت حرارة الأرض أقل مما هي عليه في المريخ.

ـ يحسب العلماء منطقة ضيِّقة قابلة للحياة في بُعد الكوكب عن الشمس؛ بحيث تكون حرارة الكوكب في تلك المنطقة الضيقة بما يسمح للماء بأن يكون في حالة سائلة تسمَّى بـ«المنطقة المعتدلة» أو «منطقة جولديلوكس» (يستخدم العلماء مُصطلح

(93)

«جولديلوكس»؛ وهو مصطلح مُستعار من الأدبيات الإنجليزية في قصة «الدببة الثلاثة»، والقصد في الاستعارة هو في دلالة المصطلح على الاعتدال والإتقان والإحكام في الصنع والعمل، وكون الشيء في محله المناسب له). وفي تلك المنطقة المعتدلة ـ حيث يكون الماء في حالته السائلة ـ فإن نشوء صور الحياة الذكية مُمكن.

ويصف الكاتب الأمور الأربعة الماضية بأنها بيئيَّة؛ بمعنى أننا ننظر إلى البيئة واعتدالها المُتناسب مع نشوء الحياة في هذا الوقت من عمر الكون، وفي هذا المكان بالذات من الكون. وهناك أمور أخرى تتعلق بنوعية القوانين العلمية التي تجعل من وجود الحياة أمرًا مُمكنًا. أو بعبارة أخرى: يجب علينا أن نفسِّر ليس فقط تناسب البيئة مع مسألة نشوء الحياة، وإنما أيضًا أن نفسر القوانين العلمية التي سمحت لمثل هذا الشيء بالحدوث؛ إذ لو كانت تلك القوانين مُختلفة لما أمكن وجود بيئة مُناسبة لنشوء الحياة.

ـ إن نشوء حياة مبنية على الكربون (حيث إن كلَّ الكائنات الحية مبنية من وحدات عضوية؛ أي: تحتوي على الكربون)، يتطلب سلسلة من الأحداث الدقيقة التي تفضي إلى هذه النتيجة من نشوء الحياة الكربونية؛ ففي البداية ـ في مرحلة ما بعد الانفجار العظيم ـ كان توزيع المادة في الكون متناسقاً جدًّا إلى درجة يكاد يكون كاملاً تمامًا، ولاحظ أننا استعملنا لفظة «يكاد»؛ لأن التوزيع ليس متناسقاً تمامًا، ولو كان متناسقاً بالكامل لما نشأت الحياة، والسبب أن هذا الاختلاف في كثافة المادة الكونية في بداية نشوئه، والتي تقارب جزءًا واحدًا من كل مائة ألف جزء هي السبب في وجود ما يُمكن أن نصفه ببذور تكوُّن النجوم التي تشكلت و«طبخت» في أتونها العناصر الثقيلة الأخرى؛ ومن ضمنها: الكربون. ولكن وجود النجوم وتكوُّن العناصر الثقيلة في باطنها لا يكفيان وحدهما؛ فعلى القوانين العلمية أن تقتضي انفجار تلك النجوم في مرحلة من مراحل عمرها بطريقة خاصة تُسمَّى بـ«السوبرنوفا»؛ لتمكن تلك العناصر الثقيلة من الإفلات من قبضتها والانتشار في الفضاء، ويجب على القوانين العلمية أن تكون بحيث

(94)

تقتضى تجمُّع تلك الشظايا المنفجرة من التجمع مرة أخرى لتكوين نجوم أخرى محفوفة بمجموعات كوكبية (نُظم شمسية)، تحوي تلك العناصر الثقيلة والكربون من ضمنها. وبعبارة أخرى؛ فإن ما يريد هوكنج قوله هنا؛ هو: أن القوى الأساسية للطبيعة يجب أن تكون في توازن خاص، وذات طبيعة محدَّدة لتنتج لنا سلسلة الأحداث النادرة الخاصة، التي من شأنها أن تولد لنا بيئة صالحة لنشوء وتطور الحياة كما نعلمها اليوم.

ويسرد هوكنج هنا تفاصيل تاريخية عن اكتشاف عملية «الألفا الثلاثية»، التي تشكلت بها أنوية الكربون؛ من خلال اندماج نواتين من الهيدروجين معًا لتكوين نواة هيليوم، وهي العملية التي تنتج الطاقة الحرارية الهائلة للنجوم، ومن ثمَّ اندماج نواتين من الهيليوم لتكوين نواة البيريليوم. والخطوة الأخيرة؛ هي: اندماج نواة بريليوم مع نواة هيليوم لتكوين نواة الكربون، ولكن الأمر ليس بهذه السهولة! فنواة البيريليوم ليست مستقرة، وتتحلل مرة أخرى إلى نواتي هيليوم في وقت قصير جدًّا قبل أن يتسنَّى لها الاندماج مع أي نواة أخرى، ولكن الوضع يتغيَّر عندما يَنفذ مخزون النجم من وقود الهيدروجين؛ حيث يبدأ مركز النجم بالتقلص والانهيار حتى تصل حرارته إلى قرابة المائة مليون درجة كلفن، وهو الوضع الذي يمكن معه لأنوية البيريليوم الاحتكاك، ومن ثم الاندماج مع أنوية الهيليوم قبل أن يتسنَّى لها التحلل مرة أخرى، ولكن هذا التفاعل الاندماجي من شأنه أن يكون بطيئًا في إنتاج الكربون لولا أن هناك ـ وحسب نظرية فريد هويل ـ  ظاهرة تسمى بـ«الرنين»، والتي تعني أن مجموع طاقات أنوية البيريليوم والهيليوم تساوي تقريبًا طاقة حالة كمية لإحدى نظائر نواة الكربون. وهذه الظاهرة من شأنها أن تسرع من عملية إنتاج الكربون في باطن النجم. والجدير بالذكر هنا: أن هوكنج وشريكه في تأليف الكتاب قد أوردا عبارة لـ«فريد هويل»، والتي يقول فيها: «إنني لا أعتقد أن أي عالم تفحص الأدلة سيفشل في الوصول إلى الاستنتاج بأن قوانين الفيزياء النووية قد صُمّمت عن عمد لتنتج ما تنتجه في بواطن النجوم».

(95)

والأكثر إثارة للانتباه هو تعليق الكاتب على هذه العبارة؛ حيث يقول: «وفي ذلك الوقت لم يكن أحد يعلم من الفيزياء النووية ما يكفي ليقدِّر مقدار السرنديب المؤدِّي إلى هذه الأحداث الدقيقة». والمقصود بـ«السرنديب» هو تسلسل الأحداث وتوافقها التام كمًّا ونوعًا وتوقيتاً لتُنتج النتيجة المطلوبة أو المرغوبة. ويُعطينا الكاتب شرحًا عمليًّا لـ«السرنديب» المؤدِّي لتكوُّن الكربون، والذي هو حجر الزاوية في نشوء الحياة؛ فيقول: «إن النماذج الحاسوبية والحسابات تخبرنا بأن:

ـ تغيرًا طفيفًا بمقدار 0.5 % في القوة النووية القوية أو تغيرًا بمقدار 4 % في القوة الكهربية، كفيلٌ بتدمير كافة الكربون والأكسجين في كل النجوم؛ وبالتالي تدمير إمكانيات نشوء الحياة كما نعلمها. إن تغيرًا طفيفاً في القوانين (الموجودة) في كَوْننا سيؤدي إلى اختفاء الظروف المؤدية لوجودنا». ثم يزيد على ذلك: ”يتضح أنه ليست فقط القوى النووية القوية أو الكهرومغناطيسية قد وُضعت لتجعل من وجودنا أمرًا مُمكناً، بل إن معظم الثوابت الأساسية في نظرياتنا هي موضوعة بدقة عالية؛ بحيث أنه لو تم تغييرها بشكل طفيف، فإن الكون كان سيختلف نوعيًّا، وفي كثير من الحالات غير صالح لنشوء الحياة فيه.. وعلى سبيل المثال:

ـ لو كانت القوى النووية الضعيفة أضعف مما هي عليه، فإن كلَّ الهيدروجين الذي كان موجودًا في بدايات الكون كان سيتحول إلى هيليوم؛ وبالتالي لم تكن لتتكون النجوم الطبيعية.

ـ ولو كانت أقوى مما هي عليه، لما أمكن لانفجارات النجوم بـ«السوبرنوفا» أن تُطلق محتويات النجوم إلى الفضاء؛ وبالتالي لم تكن العناصر الثقيلة لتصل إلى المجموعات الشمسية لتصنع الحياة.

 ـ  ولو كانت البروتونات أثقل بـ0.2 % مما هي عليه؛ لتحلَّلت إلى نيوترونات؛ وبالتالي فقدان الذرة لاستقرارها. ولو كانت كتل «الكواركات» المكوِّنة للبروتونات

(96)

مختلفة بــ 10 % مما هي عليه؛ لكان هناك القليل فقط من الذرات المستقرة. في الواقع: أن كتل «الكواركات» المكوِّنة للبروتونات مثالٌ لصنع أكبر عدد ممكن من الذرات المستقرة.

 ـ  إن عدد الأبعاد المكانية (ثلاثة) أيضًا مُحدِّد دقيق لإمكانية نشوء الحياة على الكواكب، وأهمية عدد الأبعاد متعلقة بمسألتين؛ الأولى: أن المسارات الإهليليجية المستقرة مُمكنة فقط في إطار المكان الثلاثي الأبعاد. أما المدارات الدائرية التي هي مُمكنة في الأطر المكانية ذات الأبعاد غير الثلاثية، فهي مدارات غير مستقرة، ولا تستطيع الاحتفاظ بالجُرم الدائر فيها. والأهمية الثانية للأبعاد الثلاثة؛ تتعلق بـ«التغير في قوى الجاذبية بالنسبة للمسافة بين الأجرام المُتجاذبة»؛ ففي الأبعاد الثلاثة تقل قوة التجاذب بين الجرمين بعلاقة عكسية مع مقدار المسافة بينهما بعامل الربع. وفي الأبعاد الأربعة (الافتراضية) بعامل الثُّمن، وفي الأبعاد الخمسة (الافتراضية) بعامل 1: 16. وكنتيجة لذلك؛ ففي حالة كون الأبعاد المكانية أكثر من ثلاثة يُهدم التوازن بين القوة الضاغطة التي تقذف بمحتويات الشمس (النجوم) إلى خارجها وبين القوة الجاذبة التي تسحب محتويات الشمس إلى باطنه؛ أي أنه إما أن محتويات الشمس ستتبعثر في الفضاء، أو أنها ستنهار إلى باطنه مكوِّنة ثقبًا أسود. وليس ذلك الأمر حكرًا على الأجرام السماوية العملاقة، بل إن للأبعاد الثلاثة أهمية مُشابهة على مستوى الذرة ومكوناتها وعلاقتها بالقوى الكهربائية الجاذبة بين الشحنات المتخالفة.

ـ «الثابت الكوني».. رقمٌ افترضه آينشتاين لتفسير ثبات الكون (من ناحية التجاذب والتنافر)، ولكنه تراجع عنه فيما بعد، إلا أن العلماء رجعوا ليفترضوا وجود قوة تنافر تعاكس قوة تجاذب المادة في الأجرام السماوية، وتحفظ الكون من الانهيار في نقطة واحدة، وعبَّروا عن تلك القوة باستخدام الثابت الكوني، وهو رقم مُحدَّد ومُهم جدًّا؛ بحيث أنه لو كان أكبر مما هو عليه لتشتت الكون وتبعثر قبل تكوُّن المجرات؛ مُبعثرا بذلك فرص نشوء الحياة.

وهنا يتساءل الكاتب عن التفسير لمثل هذا «الحظ» والسرنديب (؟). ويُؤكد أن

(97)

تفسير «الحظ» في طبيعة القوانين العلمية بالكون (العوامل 5 ـ 12 أعلاه) أصعب بكثير من تفسيره في العوامل البيئية (العوامل 1 ـ 4 أعلاه)، وهو أمر يفرض تفسيرات فلسفية لمثل هذا السؤال!

وبعد ذلك، يسرد الكاتب باختصار مجموعة من الرؤى الثيولوجية الدينية لتفسير خلق الكون عن طريق مُصمِّم واعٍ ذكي مُريد، ثم بدأ في التشكيك في هذه الرؤى والتفسيرات عن طريق القول بأن موقع الأرض ليس في مركز المجموعة الشمسية كما كان الاعتقاد القديم، كما أنه ليس في مركز المجرَّة أو مركز الكون، وهذا ينفي فكرة مركزية الإنسان في الكون. ثم أعقب بأن التفسير العلمي لما يبدو كتصميم دقيق وإرادة واعية لخلق الكون وخلق الإنسان فيه مُختلف عن ذلك.

... إن فكرة تعدُّد الأكوان ليست ـ حسب رأي الكاتب ـ  وليدة الرغبة في معارضة ونفي فكرة الخالق المُصمِّم، وإنما هي نتاج مبدأ (شرط انعدام الحدود) ـ في نظرية هارتل ـ هوكنج للكونيات ـ والتي تنصُّ على أنه لا توجد حدود زمانية أو مكانية لبداية الكون؛ لأن الزمان والمكان قبل بدء الكون لا وجود لهما (المؤلف). ولو صحَّ ذلك لكان تفسير الصدف في توافق القوانين العلمية سهلاً مثلما هو سهل في توافق العوامل البيئية مع نتيجة نشوء الحياة في الكون؛ حيث إن وجود البلايين من الأنظمة الشمسية في الكون، جعل من السهل أن نفسر كون إحداها (نظامنا الشمسي) مُتوافقاً في تركيبته مع شروط نشوء الحياة، وكذلك فإن وجود البلايين من الأكوان (لو صحَّ وجودها) التي لكل منها قوانينها العلمية الخاصة (كما افترض الكاتب سابقا)، يسهل علينا أن نستوعب وجود كَوْن واحد على الأقل منها له قوانين علمية وثوابت رياضية مُتوافقة بالدقة مع شروط نشوء الحياة في ذلك الكون، دون الحاجة إلى مُصمِّم وخالق خاص لذلك.

ثم ينتقل الكاتب ليتحدَّث عن النظرية الموحَّدة التي جهد العلماء في إيجادها لتفسير كل القوى الأساسية في الكون في إطار واحد. وسيُلخص الكاتب إجاباته في الفصل القادم عن الأسئلة الثلاث التي بدأ به الكتاب.

(98)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثامن

التصميم العظيم

(The Grand Design)

(99)

 

الفصل الثامن: التصميم العظيم (The Grand Design)

في هذا الفصل الأخير، يرجع الكاتب إلى الأسئلة الثلاث التي بدأ بها الكتاب؛ وهي:

 ـ  لماذا يوجد هناك شيء بدلاً من لا شيء؟

 ـ  لماذا نحن موجودون؟

 ـ  لماذا توجد هذه المجموعة من القوانين العلمية بدلاً من غيرها؟

ويعقب على ذلك بأن هناك من يطرح وجود الخالق كإجابة عن هذه الأسئلة، ولكنه يقول إن هناك إجابات علمية كافية عن هذه الأسئلة؛ وبالتالي لا نحتاج إلى افتراض وجود الله كإجابة لهذه الأسئلة.

فيدخل الكاتب في سرد طويل لبرنامج حاسوبي (لا نحتاج لذكره هنا) للوصول إلى استنتاج مُحدَّد؛ وهو: أن مجموعة من القوانين الفيزيائية البسيطة تكفي لإنتاج مجموعة أخرى من القوانين «الكيميائية» المُعقَّدة  ـ ونقصد هنا بالقوانين الكيميائية تلك القوانين التي يُمكن ملاحظتها من تفاعل الوحدات الفيزيائية المركبة مع بعضها البعض ـ  وبعبارة أخرى: فإننا حينما نبدأ ببضعة قوانين وثوابت فيزيائية، ونسمح لها بالتفاعل مع بعضها؛ فإننا نرى تولُّد وحدات وتفاعلات أكثر تعقيدًا لدرجة لا يمكن التنبؤ بها عمليًّا (وإن كان نظريًّا أمرًا مُمكناً). وهذه التفاعلات تولِّد لنا عملية تطورية تزداد تعقيدًا مع كل جيل؛ بسبب التفاعلات بين أفراد الجيل الأسبق؛ حتى تُنتج أنظمة غاية في التعقيد، مما يبدو للناظر أنه يستحيل نشوؤه بهذه العملية التطورية البسيطة في حد ذاتها. ولو لاحظت لوجدت أن هذه الفقرة تحاول الإجابة عن السؤال

(100)

الثاني من الأسئلة أعلاه؛ وهو: لماذا نحن موجودون؟ ومُلخص الإجابة: أنه متى ما وُجد الكون مع مجموعة محدَّدة من القوانين الفيزيائية التي تحكم تفاعلات الجسيمات الأولية فيه، فإن من شأن ذلك أن يُنتج سلسلة من التفاعلات التي ستستمر في إنتاج بُنى أكثر تعقيدا، ومركبات ذات خاصية توالد ذاتي، وخاصية التطور التي ستنتهي بوجود كائنات حية ذكية؛ مثل: الإنسان.

ويعرج الكاتب ـ بعدها ـ على مفهوم خطير جدًّا ـ سنقف عنده قليلاً في القسم الثاني من الكتاب ـ لمحاولة الإجابة عن السؤال التالي: هل يُمكن أن ينتج شيء من لا شيء؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يُناقش الكاتب مسألة الطاقة الإيجابية والطاقة السلبية للأشياء، وبالطبع فنحن لا نتكلم عن الطاقات الإيجابية والسلبية التي يتحدثَّون عنها فيما يتعلق بالنفسيات والتنمية الذاتية...وما شابه ذلك، وإنما الطاقة الفيزيائية التي يُمكن قياسها بالمعادلات والأجهزة. وخلاصة الحديث: أن الأجسام المُنفصلة في الفضاء لها طاقة إيجابية؛ بحيث أن إيجادها يُكلف ويتطلب وجود تلك الطاقة، وحيث إن طاقة الكون ثابتة فإنه لا يُمكن أن تظهر تلك الأجسام المنفصلة (مثل: النجوم، والكواكب) من لا شيء، ولكن طاقة الجاذبية سلبية (بحيث أنك تحتاج لصرف طاقة لمعاكسة أثر الجاذبية ومفعولها). والنتيجة: أنه لو نظرت للكون ككل، فإن الطاقة الإيجابية فيه تساوي الطاقة السلبية؛ وعليه فإنه من الممكن أن يخلق الكون نفسه وسيفعل ذلك. وهذا الخلق التلقائي هو السبب في وجود شيء بدلاً من لا شيء، وهو السبب في وجودنا نحن؛ وبالتالي لا نحتاج  ـ حسب رأي الكاتب ـ  أن نفترض وجود خالق للكون غير الكون نفسه (!). إذن؛ فهذه هي النتيجة الأساسية الأولى التي خلص إليها الكاتب من بحثه في هذا الكتاب، والتي تجيب عن السؤال الأول وتتلخص في أن الكون ككل (وليس جزءًا من أجزائه أو بعض أجزائه) يستطيع أن يُوجِد نفسه، أو بعبارة أخرى: يُمكن أن يَنْوَجِد من العدم تلقائيًّا. والمقصود من تلقائيًّا هو من تلقاء نفسه دون الحاجة إلى مُوْجِد آخر له.

(101)

ثم ينتقل للإجابة عن السؤال الثالث؛ وهو: لماذا توجد هذه المجموعة من القوانين العلمية بدلاً من غيرها؟
إن الجاذبية أمر ضروري في هذه النظرية؛ من حيث كونها ذات طاقة سلبية تعادل الطاقة الإيجابية للأشياء في الكون؛ وبذلك تسمح للكون ككل ـ كما أسلفنا ـ أن يَنْوَجِد ـ على رأي الكاتب ـ من العدم تلقائيًّا؛ ولكي تستطيع قوانين الجاذبية أن تتنبأ لنا بكميات محددة، فإنها يجب أن تنطوي على خاصية التماثل الفائق (Supersymmetry) بين قوى الطبيعة (الأربعة) وبين المادة التي تؤثر فيها تلك القوى، ثم يطرح نظرية «م» كأكثر نظرية عامة فائقة التماثل للجاذبية؛ ولأجل ذلك يرشحها دون غيرها لتكون النظرية الكونية الكاملة. وفي الختام «فإن هذه النظرية لو تم إثباتها عبر المراقبة والتجربة، فإنها ستكون الخلاصة الناجحة لمسيرة 3000 سنة من البحث، وسنكون قد عثرنا على التصميم العظيم».

(102)

 

 

 

القسم الثاني: القراءة النقديَّة

 

المُصمِّم العظيم
(قراءة نقديَّة في كتاب التصميم العظيم)

 

بعد أن استعرضنا ـ بشكل مُوجز ـ أفكار كتاب «التصميم العظيم» بفصوله الثمانية؛ للعالميْن «ستيفن هوكنج» و»ليوناردو ملودينو»، جاز لنا الآن أن نعرض قراءتنا النقدية عليه. ولكي يكون البحث منهجيًّا ومتسلسلاً تسلسلاً منطقيًّا؛ فإننا سنلجأ إلى مناقشة كل فكرة في فصل خاص، ونحاول ربطه (من جهة) بأفكار الكاتب.. مشيرين إلى مواطن الضعف في كلامه واستنتاجاته الفلسفية، ونحاول ربطه (من جهة أخرى) ببقية كلامنا في فصول القسم الثاني؛ حتى تتكوَّن لدى القارئ الكريم سلسلة أفكار مُترابطة عن الموضوع ككل.

(103)
(104)

 

 

 

 

 

 

الفصل الاول

البحث المعرفي..

السؤال والوسيلة

(105)

 

الفصل الأول: البحث المعرفي.. السؤال والوسيلة

في مَسعانا للمعرفة، فإن السؤال الصحيح هو نصف الطريق إلى الجواب الصحيح؛ فإن أردنا الحصول على إجابات صحيحة، فإن أوَّل ما يجب أن يهمنا هو إن كنا قد طرحنا السؤال الصحيح أم لا؛ لأن السؤال غير الصحيح قد تكون له إجابة صحيحة، ولكنها حتمًا لن تكون الإجابة الصحيحة التي نرغب في الوصول إليها لسد حاجتنا المعرفية في ذلك الأمر؛ فلو كنا نريد معرفة لون الوردة في الحديقة، فإننا لن نصل إلى الإجابة الصحيحة إن سألنا ناتج جمع 2 مع 2! فمع أن السؤال له إجابة صحيحة وهي أن 2+2=4، إلا أن تلك الإجابة الصحيحة ليست صحيحة بالمقارنة مع رغبتنا في معرفة لون الوردة!

إذن؛ فالخطوة الأولى في البحث؛ هي: تحديد السؤال الصحيح. وفي مثالنا أعلاه، فإن السؤال الصحيح هو: «ما لون هذه الوردة؟»، وهنا سنصل إلى الخطوة الثانية من البحث؛ وهي: اختيار الأسلوب الصحيح، والطريقة الصحيحة؛ للوصول إلى الإجابة الصحيحة. فلو حاول أحدهم الإجابة عن سؤالنا عن لون الوردة من خلال تذوق الوردة (وهو مغمض عينيه)، فإنه لن يصل إلى معرفة الجواب (إلا إذا كان هناك ارتباط تام بين لون الوردة وطعمها، وفي هذه الحالة فإن أسلوبه غير المباشر سيكون صحيحًا لمعرفة لون الوردة؛ وحيث إنه لا يوجد هناك ارتباط تام بين لون الوردة وطعمها، فإن أسلوبه غير صحيح، ولن يصل به إلى معرفة الجواب). وما لم يستخدم الباحث الأسلوب الصحيح؛ وهو: النظر إلى الوردة لمعرفة لونها (أو أية أداة أخرى من شأنها أن تحقق له «النظر» إلى الوردة)، فإنه لن يصل إلى معرفة اللون.

(106)

إذن؛ السؤال الصحيح متبوعًا بالطريقة الصحيحة في البحث شرطان أساسيان للوصول إلى الإجابة الصحيحة. والآن؛ لنحاول تسليط الضوء على السؤال الذي طرحه الكاتب في بدء كتابه؛ لنرى إن كان قد اتبع الطريق الصحيح للإجابة عنه أم لا!

أسئلة الكاتب الأساسية تتعلق بالوجود: «لماذا هناك شيء بدلاً من لا شيء؟»، ولو شئنا أن نسمِّي الأشياء بأسمائها الاصطلاحية؛ لأعدنا صياغة سؤاله كالتالي: «لماذا هناك وجود بدلاً من العدم؟»، ولكي نستطيع تفحُّص صحة هذا السؤال، لا بد لنا من فهم المقصود بالوجود والعدم.

ما المقصود بالوجود؟

إننا نُدرك مفهوم الوجود بداهة ومباشرة من غير وساطة أو تعريف، بل إن تعريف الوجود تعريفاً تامًّا أمرٌ غير مُمكن إطلاقاً؛ لأن «مفهوم الوجود مفهوم بسيط، وكل مفهوم بسيط معلوم بالذات، ومستغنٍ عن التعريف»[1]. إن أي أمر بسيط يعرَّف بنفسه وبذاته دون تعريف إضافي، بل لا يُمكن تعريفه لأن التعريف إنما يتم عن طريق تركيب «جزأين (في التعريف)؛ أحدهما: أعمُّ من المفهوم [المراد تعريفه]، والآخر: مساوٍ له»[2]؛ فمثلاً: حينما نريد تعريف الإنسان؛ فإننا نعرفه بأنه «الحيوان الناطق»؛ حيث يكون الحيوان هو الجزء الأعم له، والناطق هو الجزء المساوي له. وحيث إن الوجود بسيط غير مُركب؛ فإن تعريفه بأمر مُركب غير صحيح. ولكن: لماذا نقول إن مفهوم الوجود بسيط غير مُركب؟ الجواب: إن الوجود أعم من كل شيء، ولا يوجد شيء أعم من الوجود؛ فكل شيء إنما هو نوع من أنواع الوجود، ومرتبة له. وحيث إنه لا يوجد ما هو أعم من مفهوم الوجود؛ فإننا لا نستطيع تركيب تعريف من جزء أعم من الوجود ومن جزء مساوٍ له. أما ما قد نستخدمه هنا أو هناك من

(107)

تعريفات للوجود؛ من قبيل: «التحقق»، أو «الواقعية»، أو «الشيئية»، أو «الثبوت»...وما شابه ذلك، فإنما هو مجرد استبدال لفظ مكان آخر لتقريب المفهوم إلى الذهن؛ حيث إن ذهن شخص ما قد يكون أقرب لفهم التحقق، وذهن شخص آخر أقرب لفهم الواقعية؛ في حين أن شخصًا ثالثاً قد يكون أقرب لفهم الوجود بنفس اللفظة. وهذا ما يُطلق عليه «التعريف الاسمي»، الذي هو تعريف لفظ باستبداله بلفظ آخر، وهو ليس تعريفاً حقيقيًّا.

ما المقصود بالعدم؟

مفهوم العدم كمفهوم هو أمر «موجود» في أذهاننا، وهو أيضًا أمرٌ بسيط لا يمكن تعريفه، وإنما يُفهم بالذات مباشرة. وعليه؛ فإن مفهوم العدم ليس معدومًا، وإنما موجود في الذهن، ولكن ليس للعدم  ـ كعدم مطلق ـ حقيقة وواقعية إطلاقاً، بل هو بطلان محض، ولا شيئية محضة، وليس له مِصْداق خارجي؛ لذلك لا يمكن الحديث عن مصداق العدم المُطلق؛ لأنه ليس شيئاً حتى نتكلم عنه، وإنما يجوز الكلام فيما هو شيء، وما ليس بشيء فلا يُمكن الحديث عنه، أو وصفه، أو مقارنته بشيء؛ لذا نرجو الالتفات إلى أننا حينما نتكلم عن العدم المُطلق، فإنما نتكلم عن «مفهوم العدم المطلق»، وليس عن «مِصداق العدم المطلق وحقيقته»، ولكن يُمكننا الكلام عن «العدم المُضاف»؛ وهو: عدم شيء مُحدَّد؛ مثل: عدم البصر، أو عدم المال...وما شابه ذلك. أما العدم التام المُطلق، فهو ـ كما قلنا ـ ليس بشيء، والتعامل مع ما ليس بشيء على أنه شيء خطأ واضح ومُغالطة[1].

(108)
هل السؤال الأول صحيح؟

لنرجع الآن إلى السؤال الذي طرحه الكاتب في بداية الكتاب؛ لنرى إن كان صحيحًا أم لا. السؤال كان: «لماذا هناك شيء بدلاً من لا شيء؟». يتضح  ـ بعد المقدمة السابقة ـ أن هذا سؤال غير صحيح؛ فهو يقارن «الشيء» مع «اللاشيء»، ويحُاول معرفة السبب في حدوث «الشيء»، بدلاً من حدوث «اللاشيء»!. إن من أوضح الواضحات أننا عندما نجري عملية مُقارنة، فإننا نضع في كِفَّة الميزان الأولى «شيئاً»، ونضع في الكفة الأخرى «شيئاً آخر»، ثم نقارن الشيء الأول مع الشيء الثاني، ولكن عندما نضع في الكِفة الأولى شيئًا، ونترك الكفة الثانية فارغة تمامًا، فإننا لا نستطيع إجراء مقارنة؛ لأنه لا يوجد ما نقارن معه أساسًا.

بإمكاننا أن نسأل: لماذا هناك «حديد» بدلاً من «نحاس». وأستطيع أن أسأل: لماذا هناك «ترابـ« بدلاً من «ماء»، ولكن لا أستطيع أن أسأل: لماذا هناك «شيء» بدلاً من «لا شيء»!!؛ إذ إن اللاشيء ليس بشيء حتى نطلب السؤال عن سببه؛ لأن السؤال عن الأسباب مُنحصرٌ في الأشياء وتحديدًا الحادثة منها.

ولكن؛ لعلَّ الكاتب أراد من التساؤل المار أمرًا آخر.. لعله لم يكن يقصد الحديث عن العدم المُطلق بما هو عدم مُطلق، وإنما كان استخدامه للفظة اللاشيء استخدامًا استطراديًّا ليس إلا، وربما كان يريد الحديث عن سبب الوجود فقط، وكان سؤاله ليس مقارنة بين «سبب حدوث الشيء، وبين سبب حدوث اللاشيء»، وإنما كان مقارنة بين «سبب حدوث الشيء وعدم سبب حدوث ذلك الشيء». وواضح أن هذه المقارنة مختلفة جذريًّا عن المقارنة الأولى التي هي واضحة البُطلان.

وفي الواقع؛ فإن استخدام الكاتب مصطلح «العدم» في أطروحته جاء متأرجحًا كثيرًا بين «العدم»؛ بمعنى: «اللاشيء»، وبين «العدم»؛ بمعنى: «شيء غير الشيء الذي

(109)

نشأ عنه لاحقاً». فمع أنه يُكرر لفظة اللاشيء، إلا أن ما يُفهم من كلامه  ـ حينما يستعرض أطروحته عن التذبذبات الكمومية في الفراغ، وما قد ينشأ عنه من أكوان مُتعدِّدة ـ  هو: أن مقصوده من العدم هو «وجود شيء يحمل استعدادًا للتطور الذاتي إلى هيئة هذا الكون».

ولكن؛ ولكي نضمن أننا غطيَّنا الاحتمالين من مقصده (الأول: هو نشوء الوجود من العدم المحض، والثاني: هو نشوء الكون من شيء آخر موجود يُسمى بـ«الفراغ» بما يحويه من طاقة هائلة وتذبذبات كمية)، فإننا سنُناقش كلا الاحتمالين على حدة؛ لنرى كيف أن كلا الاحتمالين لا يرقيان إلى مستوى الاستغناء عن الخالق والعلة المُوْجِدَة.

وهكذا؛ فإن تحرير محل «النزاع» ـ كما يسمونه، أو لنقل: محل المناقشة الجوهرية ـ  يكمن في التالي (وسوف ننظر إليه من زاويتين مختلفتين):

لو فرضنا:

 ـ أن الكون نشأ عن عدم محض؛ فهل هذا يُصحِّح  ـ فحسب ـ  ضرورة وجود خالق له يُؤسسه ويبنيه من اللاشيء؟ وتزول هذه الضرورة إذا ما ثبت أن الكون ما أتى من الفراغ المحض؟

 ـ  أن الكون نشأ عن طاقة ما ووجود بنحو ما؛ فهل حينئذ تزول ضرورة القول بوجود خالق؟ أو أن هذه الضرورة تظل قائمة حتى في حالة وجود طاقة ما قبل نشوء الكون، والتي مهَّدت لانبثاقه عنها؟

فإذا تحرَّر موضوع المناقشة بدقة؛ نُعيد صياغة سؤال «هوكنج» السابق: «لماذا كان هنالك شيء بدلاً من لاشيء؟»، في هيئتين مُحتملتين؛ هما:

 ـ  «لماذا كان ينبغي أن يكون هناك شيء (الكون)، بعد أن لم يكن (على هيئته الحالية)؟».

(110)

ـ «لماذا كان ينبغي أن يكون هناك شيء (الكون) بعد أن لم يكن (شيئًا على الإطلاق)؟».

ولكن علينا أن نقوم أولاُ بتصميم المنهجية والإطار العام لهذه القراءة النقدية من خلال الفصول القادمة، على أن نرجع إلى المسألة الجوهرية بهيئتيها في الفصل السادس من هذه القراءة النقدية.

هل وسيلة البحث في السؤال الأول صحيحة؟

لكل عِلم موضوع كما انتهى إلى ذلك علماء المنطق. والمقصود بموضوع العلم؛ هو: «ما يبحث في كل علم عن أحواله وعوارضه والقضايا المُرتبطة به»[1]؛ فمثلا: موضوع العلوم اللغوية؛ هو: الكلمة وما يتعلق بها من تركيب وصياغة وبناء وتشكيل...وما إلى ذلك. وموضوع العلوم الطبيعية بشكل عام؛ هو: الطبيعة المادية. وفي ضمن العلوم الطبيعية؛ فإن موضوع الفيزياء؛ هو: المادة والطاقة وما يتعلق بهما من حركة وقوة وخصائص أخرى لهما. أما البحث في مطلق الوجود (أي دون تحديد)، فإنه موضوع بحث الفلسفة[2]؛ لذلك فإن أي سؤال يتعلق بمطلق الوجود (أو العدم)، فإنه إنما يوجَّه للفلسفة، وللفلسفة أن تجيب عن ذلك السؤال. بالطبع؛ نحن لا نتكلم عن وجود شيء مُحدَّد أو عدمه؛ فإن ذلك الوجود المُحدَّد ليس موضوع الفلسفة، وقد يكون موضوع أي علم آخر؛ فمثلا: وجود «بوزونات هيجز» أو عدم وجودها من اختصاص الفيزياء وليس الفلسفة، ولكن مُطلق الوجود ليس من اختصاص الفيزياء، ومحاولة البحث فيه من خلالها ليس إلا مضيعة للجهد والوقت.

... إن الخلط الذي يحصل في الكثير من العلوم التي تحاول البحث في مواضيع غير

(111)

مواضيعها؛ لهو من أسباب المغالطة والخطأ في الاستنتاجات. ولِنستطيع تقدير حجم المشكلة؛ نضرب مثالاً واقعيًّا:

هَبْ أن أحدنا أراد البحث في نوعية البرامج التليفزيونية التي تبثها قناة مُعيَّنة؛ فقام بتفكيك جهاز التليفزيون، واجتهد في تشريح توصيلاته الكهربائية ودراسة المُكثفات والمُقاومات وبقية الوحدات الإلكترونية فيه، وعكف على ذلك الأمر عدَّة سنوات من العمل الجاد والمُضني.. ماذا ستكون نتيجة البحث؟

إن النتيجة التي سيتوصَّل إليها ذلك «الباحث»؛ هي: أنه سيكون خبيرًا وعالمًا بتركيبة جهاز التلفاز، وقد يحصل على أعلى المؤهلات العلمية في ذلك المجال، ولكنه  ـ مع ذلك ـ  لن يكون اقترب قيد أنملة من معرفة الجواب عن سؤاله الأساسي عن نوعية البرامج التليفزيونية لتلك القناة؛ والسبب ببساطة: أن بحثه ـ رغم كثافته وعمقه ـ  كان في موضوع مُختلف عن موضوع السؤال المُراد الإجابة عنه. وهذا الأمر شبيه بمن أضاع شيئاً في مكان مُظلم؛ فذهب ليبحث عنه في مكان آخر مضيء؛ بحُجَّة أنه لا يستطيع الرؤية في الظلام!

... إن البحث في مُطلق الوجود من خلال الفيزياء، لن يُعطينا إجابات صحيحة مهما طال البحث، بل كلما توغَّلنا في البحث بهذا الاتجاه، فإننا سنبعد عن الهدف أكثر؛ لأن الهدف يقبع في اتجاه مُختلف من البحث والمعرفة.

البحث عن الله

كثيرًا ما يحاول الباحثون ـ من مختلف فروع العلم ـ البحث في وجود الله، أو لنقل وجود الخالق، ويحاولون تقديم إجابة بالتأكيد أو النفي. وعلى غرار نقاشنا أعلاه؛ نتساءل: إن كان هذا البحث سائرًا في الاتجاه الصحيح أو لا؟

وهل بإمكان عالم البيولوجي (علم الأحياء) أن يختبر الكائنات الحية في المختبر، أو

(112)

في الطبيعة، ويخرج بدليل ـ من خلال مجال علمه وعمله ـ  على وجود الله، أو بدليل على عدم وجوده؟ هل بإمكان عالم الفيزياء أن يفعل ذلك؟ هل بإمكان أي عالم من الطبيعيات ـ بشتى فروعها ـ أن يصل إلى إثبات وجود الله، أو إلى إثبات عدم وجوده دون الاعتماد على فكرة عقلية أولية ترى بأن كل حادث فهو مُحتاج إلى مُحْدِث، أو إلى استنتاجات فلسفية من النمط الذي مرَّت الإشارة إليه؟

كما أسلفنا القول؛ فإن مجال عمل علماء الطبيعية مًختلف عن مجال هذا السؤال؛ فإن كان لديهم اهتمام بمعرفة وجود الله، أو عدم وجوده؛ فإن ذلك الاهتمام إنما هو أمر إضافي جانبي، وليس من صميم البحث الطبيعي، أو الفيزيائي، أو البيولوجي، أو الجيولوجي...أو غيره. إن أولئك العلماء إنما يستخدمون معارفهم الطبيعية وخبراتهم في تلك المجالات كأصول موضوعة؛ فالبحث في وجود الله بحثٌ عقليٌّ بحت[1]، وإنما تتم الاستعانة بتلك المعارف والمعلومات الجانبية من بقية فروع العلم كأمور تسهِّل علينا الفهم، وتقرِّب لنا تخيُّل عناصر البحث ومُقدماته وأطراف الاستدلال، ولكن يظل الاستدلال والبحث عقليًّا بحتاً، ولا يوجد في هذا الأمر أدنى تردُّد.

إن شئت أن تستعين بمعلوماتك في العلوم الطبيعية؛ فذلك أمرٌ جيدٌ لا مانع منه؛ لأنه سيُقرب لك تصوُّر أطراف القضية، ولكن الاستدلال نفسه والبحث نفسه بحثٌ عقليٌّ تام. والعالم الطبيعي حين يحشدُ لنا الكثير من المعلومات الطبيعية، ثم يُقحم نفسه في استنتاج يُثبت أو ينفي فيه وجود الله، فإنه بذلك إنما يُمارس خدعة الساحر على المسرح؛ حينما يُخرج لنا أرانب من قبعته. فكما أن خِدَع ساحر المسرح تعتمد على إلهاء الجمهور بالتركيز على أمر معين في الوقت الذي تلعب أنامله المُتمرِّسة لإظهار أو إخفاء شيء آخر يُفاجئ به الجمهور الذي يرى في ذلك أمرًا سحريًّا، فكذلك العالم الطبيعي حين يجعلنا نُركز كثيرًا على معلوماته الطبيعية، في الوقت الذي يُحاول

(113)

فيه  ـ بقدراته العقلية ـ  أن يُجري استدلالاً عقليًّا يُثبت أو ينفي فيه وجود الله.

فالحقيقة هي أن عُمدة البحث والاستدلال عملية عقلية، ومربط الإثبات والنفي في وجود الله عقلي لا غير. ولولا الجانب العقلي من أي استدلال لما استقام لذلك البرهان قائمة، ولما كان أكثر من كومة معلومات عامة أو خاصة لا تفيدنا شيئاً في مجال بحثنا، ولظل  ـ كما قلنا سابقاً ـ  بحثاً عن البرنامج التلفازي من خلال أسلاك التلفاز؛ فالله كما يبحث عن وجودِه الباحثون، شيء غير مادي؛ فكيف يُمكن للبحث المادي أن يجده، وهو شيء فوق الطبيعة فأنَّى للبحث الطبيعي أن يثبته أو ينفيه؟!

لسنا نقول إن إجابة الباحث الطبيعي ـ بدون الاستعانة بالبحث العقلي ـ  هي إجابة خاطئة، بل نقول إنها إجابة لا علاقة لها بأصل البحث، ولا علاقة لها بموضوع السؤال من رأس؛ فكأنما كان السؤال عن لون الوردة وكان الجواب من خلال البحث في (2+2)!

إذن؛ فالبحث عن الله إثباتاً أو نفيًا لا بد أن يكون بحثاً عقليًّا في نهاية المطاف؛ سواء اقترن بمقدمات طبيعية، أو اكتفى بمقدمات وجدانية بديهية؛ لذا ليسمح لنا قارئنا العزيز أن نؤسِّس ها هنا قاعدة عامة تصلح للانطباق على ما مضى، ولما سيأتي، وما هو متحقق؛ مفادها: «أن العلوم الطبيعية دون استناد صحيح إلى البحث العقلي، لا تستطيع إثبات أو نفي وجود الله إطلاقاً؛ لذلك فإن المحاولات في ذلك ـ وإن استماتت ـ  فلن تكون مفيدة، إلا في إطار توضيح وتصوُّر أطراف القضية (المقدمات الصغرى بتعبير المنطق)» [1].

(114)

 

الوجدان والوجود

وقبل أن ننتقل إلى النقطة التالية من تسلسل البحث، نعود لإثبات النقطة المارة مُجددًا؛ حتى نمنحها مزيدًا من الثبات والوضوح؛ فعندما نبحث في وجود أمر ما من خلال البحث الطبيعي، فإننا قد نعثر على ذلك الشيء إن كان ذلك الشيء داخلاً في نطاق الطبيعيات؛ من قبيل: البحث عن جُسيم ذري، أو البحث عن كوكب، أو نجم، أو مجرَّة، أو البحث عن جينات (مورثات) مرض معين في المادة الوراثية بالخلايا، ولكننا قد لا نعثر على ذلك الشيء الذي نبحث عنه ـ والحديث لا يزال في نطاق الأشياء الطبيعية ـ وفي هذه الحالة عندما لا نجد الشيء الذي كنا نبحث عنه، فإن التسمية الصحيحة للوضع هي «عدم الوجدان»؛ بمعنى: أننا بحثنا عن شيء ولم نجده. ولكن، لا يُمكن أن نستنتج من حالة «عدم الوجدان» أن ذلك الشيء ليس موجودًا مُطلقا، (وهو ما نسميه بعدم الوجود)! بالطبع لن يسعنا ذلك. فكما يقولون «عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود». إن غاية ما يُمكنك قوله عند البحث عن شيء ما وعدم العثور عليه هو أنك لم تجد ما بحثت عنه، ولكنك لا تملك مُسوِّغاً منطقيًّا واحدًا لتقول إن ذلك الشيء غير موجود؛ فلعل بحثك كان قاصرًا من حيث الوسيلة أو القدرات البشرية أو لأي سبب آخر.

... إن إثبات عدم وجود شيء ما مُقتصر فقط على البحث العقلي لا غير. أما ما سوى ذلك، فإن أقصى ما يُمكن إثباته؛ هو: عدم الوجدان، وليس عدم الوجود. ولكن في البحث العقلي، عندما تبحث عن اجتماع النقيضين (مثلاً)؛ فإنك تستطيع بكل ثقة وأريحية أن تقول إن النقيضين لم يجتمعا سابقاً، وأنهما لا يجتمعان حاليًا، ولن يجتمعا في أي وقت في المستقبل إطلاقاً، بل إنك لا تحتاج حتى أن تبحث عن (وجدان

(115)

أو عدم وجدان) اجتماع النقيضين حتى تحكم باستحالة وامتناع اجتماعهما؛ لأن هذا الحكم إنما يكفي للتوصل إليه تصوُّر أطرافه والحكم عليها مباشرة.

إذن؛ فأي باحث طبيعي يدَّعي إثبات عدم وجود أمر ما، فإنما قد وقع في أحد أمرين:

 ـ  إما أنه استعار شيئاً من البحث العقلي بشكل ضمني، ولم يُصرِّح بذلك، ونسب الاستنتاج إلى بحثه الطبيعي من باب الخلط أو الخطأ أو غير ذلك.

 ـ  أو أنه غالط نفسه وغيره باستنتاج أمر لا يُمكن استنتاجه من البحث الطبيعي.

(116)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

حكم القانون أم

حاكمية العقل؟

(117)

 

الفصل الثاني: حكم القانون أم حاكميَّة العقل؟

لعل هذا الفصل، وهذا الموضوع تحديدًا، من أهم المواضيع التي يجدُر بحثها في إطار مناقشتنا للاستنتاجات الفلسفية والفكرية من البحوث العلمية، بل إنَّني أعتقد أنه يجدُر أن يتم تعليم هذا الموضوع لكل طالب جامعي في تخصُّصات البحوث العلمية؛ وذلك بسبب كثرة الأخطاء التي تقع في هذا المجال من قبل علماء الطبيعيات؛ بسبب عدم الإحاطة بمبادئ أساسية في العلاقة بين البحث العلمي الطبيعي، والبحث العقلي الفلسفي، ومدى حاجة كل منهما للآخر، والطريقة التي يُكمل فيها كل منهما الآخر.

 

ما المقصود بالفلسفة؟

قال الكاتب في الفصل الأول عن الفلسفة» «في العادة، فإن هذه الأسئلة أسئلة فلسفية، ولكن الفلسفة ميتة؛ لأنها لم تتواكب مع التطورات الحديثة في العلوم، وبالخصوص في علوم الفيزياء. وعليه؛ فقد حمل علماء الطبيعة شعلة الاستكشاف والبحث، وهدف هذا الكتاب هو تقديم إجابات من وحي الاكتشافات والنظريات الحديثة».

وكما نرى؛ فإن الكاتب قد حكم على الفلسفة بالموت بجرَّة قلم؛ مًعللاً حُكمه بأن الفلسفة لم تتواكب مع التطورات الحديثة في العلوم! وهذا يدلنا على أن مفهوم الكاتب عن الفلسفة يختلف جذريًّا عن المفهوم الذي نرغب بطرحه على القارئ الكريم.

(118)

فمع أن كلينا يستعمل لفظ «الفلسفة»، إلا أن المقصود لدينا (نحن والكاتب) مُختلف جدًّا، فما يبدو لنا من مقصود الكاتب بالفلسفة؛ هو: مجموع آراء المفكرين اليونانيين والأوروبيين، بل وحتى ما يشمل أساطير القدماء في مسائل الكون والطبيعة، والحاجة للخالق والمعجزات والقوى الخارقة...وما إلى ذلك. وما يدعونا لهذا الفهم؛ هو: ما نستطيع تلمُّسه من استعراض الكاتب لمختلف الأساطير والقصص التي تصف الكون، وآليات عمل الظواهر الطبيعية، ووصف تفسيراتهم للكون والخلق والمعجزات في عدد من فصول الكتاب، والتي يعقبها بالتفسيرات العلمية الحديثة لنفس المسائل؛ مُطبِّقاً بذلك ما ذكره أعلاه بقوله: «وعليه؛ فقد حمل علماء الطبيعة شعلة الاستكشاف والبحث....».

... إن مُصطلح الفلسفة قد مرَّ فعلاً بالعديد من المراحل المختلفة، وحمل معاني مُختلفة في كل مرحلة منها؛ لذلك فلا عجب إن تحدَّث طرفان عنها وهما في واديين مُختلفين فيما يقصدانه. وهُنا؛ لا يسعنا استعراض تاريخ تعريف الفلسفة والمقصود منها، وإنما سنوضِّح ـ بشكل عابر ـ  ما عنته لفظة «الفلسفة» على مراحل مختلفة من الزمن[1]، وُصولا إلى ما نقصده نحن منها؛ حتى يستطيع القارئ الكريم ربط المصطلح بمعناه، ومتابعة تسلسل الأفكار بسهولة ويُسر.

إن الفلسفة في أولى مراحلها كانت «اسمًا عامًّا لجميع العلوم الحقيقية، وكانوا يقسِّمونها إلى قسمين رئيسيين؛ هما: العلوم النظرية، والعلوم العملية؛ فالعلوم النظرية تشمل: الطبيعيات، والرياضيات، والإلهيات»[2]. أما العلوم العملية؛ فقد كانت تقسَّم إلى: الأخلاق، والسياسة، وتدبير المنزل. ومع مُرور الوقت مرَّت الفلسفة بمراحل أخرى ـ صعودًا ونزولاً ـ متأثرة بالعوامل التاريخية والسياسية والفكرية، ولكنها مع تفرُّع العلوم وتخصُّصها وتشعُّبها اتخذت طابعًا فكريًّا أكثر شيئاً فشيئاً؛

(119)

حتى انفصلت عن الطبيعيات والرياضيات والسياسة والاجتماعيات؛ لتختص بالبحث العقلي المحض المبني على المنطق الأرسطي.

... إن الفلسفة التي سنقصدها منذ الآن فصاعدًا (والتي يُطلق عليها أيضًا «الفلسفة الأولى» أو «الحكمة الإلهية»)؛ هي التي عرَّفوها بأنها «العلم الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود»[1]. ولعلنا نتذكَّر من خلال ما مرَّ من الفصل الماضي، أننا أشرنا إلى أن موضوع علم الفلسفة هو «مُطلق الوجود»، ويُعبَّر عنه أيضا بـ«الموجود بما هو موجود»؛ أي: «الموجود دون تحديد ماهية محدَّدة له». وكما يتضح؛ فإن هذا النوع من الفلسفة مُختلف كثيرًا عن الفلسفة التي أشار إليها الكاتب، والتي وصفها بأنها ميتة، وهو ما نتفق معه عليه بالنسبة للفلسفة التي كان يقصدها. ومنذ هذه اللحظة، فإن استخدامنا لمصطلح «الفلسفة» سيكون مقصورًا على ما عرَّفناها به في هذه الفقرة بالتحديد[2].

النقطة التالية من النقاش ستتناول موضوع القوانين العلمية بالتمحيص ومسألة حكم القانون.

(120)

 

القانون العلمي

يُعرَّف القانون العلمي بأنه «تصريح مبنيٌّ على ملاحظات تجريبية مُتكررة، تصف بعض أنحاء العالم». ومن خصائصها وشروطها: أنها تنطبق فقط على نطاق تلك الملاحظات التي اشتُّقت منها، وأنها تنطبق دائمًا بنفس الطريقة، وفي نفس ذلك النطاق، تحت نفس الظروف الطبيعية. وبتعبير هوكنج في «التصميم العظيم»؛ فإن معظم العلماء يتفقون على أن القانون العلمي هو «قاعدة مبنيَّة على ملاحظة (ظواهر) مُنتظمة، وتقدم تنبؤات لما بعد الحالة الأولية التي تبنى عليها تلك القاعدة (ص: 48. وعليه؛ فإن القانون العلمي هو «قدرتنا على تعميم تلك الحالة الموصوفة على ما يُمكن مشاهدته وملاحظته في أوقات وأماكن أخرى ذات ظروف مشابهة».

... إن التدقيق في ذلك، يوضِّح أن القانون العلمي هو وصف لعلاقة وجودية بين الأشياء الطبيعية (في مقابل العلاقات الاعتبارية التي يتم الاتفاق عليها بين البشر من قبيل العلاقة بين ألوان مصابيح الإشارات الضوئية وقوانين المرور)؛ بمعنى أن هناك علاقة ضرورية بين وجود الشيء الطبيعي (أ)، ووجود الشيء الطبيعي (ب). وهذه العلاقة  ـ كما يتضح من الفقرة السابقة ـ لا تختلف ولا تتخلف في ظل ظروف طبيعية مُعينة. والقانون العلمي يصف تلك العلاقة بين الشيئين (أ) و(ب)، ويعبِّر عنها من خلال الألفاظ تارة، أو من خلال التعبير الرياضي تارة أخرى.

وحينما نتكلم عن حكم القانون؛ فإننا في الواقع نتكلم عن تلك العلاقة الضرورية بين الأشياء الطبيعية،والتي نستطيع أن نقول إنها علاقة العلِّية أو السببية بين تلك الأطراف؛ حيث إن وجود الطرف (أ) في ظل ظروف معينة، يُحتِّم وجود الطرف (ب)

(121)

بالضرورة، وأن وجود الثاني هو نتاج ضروري لوجود الأول.. وهذا هو جوهر قانون العلِّية[1].

وعند هذه النقطة يتبادر إلى الذهن سؤالٌ آخر: كيف نتعرف على القانون العلمي؟ هل الاستقراء وعملية تسجيل التكرار في الملاحظات هو ما يُنتج القانون الطبيعي؟ ولكن كما ستلاحظ أن الاستقراء إن كان كاملاً، وشمل كل العينات الموجودة والتي يُمكن أن توجد في كل زمان ومكان، فإنك عندها لا تحتاج لقانون طبيعي. أما إن كان الاستقراء ناقصًا؛ فعندها تطرأ مشكلات أخرى على استنباط القانون، واستنباط علاقة السببية من تلك المشاهدات. وحيث إن النقطة التي نرغب في الوصول إليها لا تتعلق بالبحث في الاستقراء، وما يتعلق به؛ فإننا لن نتعمِّق في تفاصيله[2]. إذن؛ نرجع للسؤال: ما ملاك استخلاص واستنباط العلاقة السببية بين الطرفين في القانون العلمي؟ وما الذي يجعلنا نعلم أن ما توصلنا إليه هو قانون علمي؟

(122)

 

المكونات العقلية في طبخة القوانين العلمية

إننا نجد في نهاية التأمل والبحث عن ذلك الرابط الذي يربط بين الملاحظات التجريبية الجزئية، وبين تعميم الحكم في القانون العلمي؛ أن ذلك الجسر والرابط هو في «الحكم العقلي» الذي نجريه في عملية استنباط القانون العلمي. وهذا الحُكم هو ما يُسمّى بـ«سريان حكم الأمثال»؛ ومنطوقه: أن «حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد»[1]، ويُقصد به أنه لو انطبق حكم ما على شيء ما، فإن نفس ذلك الحكم سيسري على جميع ما يتماثل مع ذلك الشيء. وفي مثالنا السابق؛ فإن انطباق حكم الغليان (على الماء عند درجة حرارة 100 مئوية في ظل ظروف طبيعية معينة)، يسري على جميع ما يتماثل مع ذلك الماء أينما كان؛ فلو جيء لنا بعينة ماء من أقصى بقاع الأرض، وصدق عليها أنها تتماثل مع عينة الماء التي أجرينا عليها الملاحظة التجريبية، فإنها ستكون محكومة بنفس الأحكام التي جرت على عينة الماء التجريبية في نفس الظروف الطبيعية. وهذا ما جعلنا نستخلص القانون العلمي[2].

بل إن دور العقل في صنع القانون العلمي لا يقتصر على هذا؛ فهناك قانون عقلي آخر يسبق أيضا صُنع أي قانون علمي تجريبي؛ وهما ـ معا ـ مُكوِّنان ضروريان لأية عملية صُنع قانون علمي، ولا غنى عنهما، وأية محاولة للإفلات منهما إنما تهدم القوانين العلمية، وتجعلها فارغة وبلا قيمة علمية.. والقانونان العقليان المُشار إليهما؛ هما:

 ـ  قانون العلِّية (السببية)؛ الذي ينصُّ على: إن العلة (السبب) والمعلول (النتيجة)

(123)

لا يفترقان أبدًا، وأنه متى ما وُجدت العلة، فإن وجود المعلول ضروري، ولا يُمكن أن يتخلف أو يختلف عنه. وأنه متى ما تواجد المعلول، فإنه يدل على وجود علته. وهذا القانون هو مصدر اشتقاق مسألة سريان أحكام الأمثال إلى أمثالها  ـ كما رأينا أعلاه[1].

 ـ  قانون استحالة اجتماع النقيضين؛ فأي قانون علمي لا يحتمل القول بأن الطرف الأول يُنتج الطرف الثاني ولا ينتجه في نفس الوقت (مثلاً). أو أن درجة حرارة 100 مئوية تؤدي إلى غليان الماء ولا تؤدي إلى غليانه في نفس الوقت لنفس العينة تحت نفس الظروف الطبيعية. وهذا أمر واضح عند أدنى تأمل. [2]

وستلاحظ معي أيًّها القارئ العزيز عدَّة أمور مُهمَّة؛ هي:

أن قانون العلِّية (السببية) وقانون استحالة اجتماع النقيضين، هما قانونان بديهيان؛ بمعنى أنهما لا يعتمدان على أية تجارب مُسبقة أو مُشاهدات حسية سابقة. وإنما يتم إدراكهما بالعقل مُباشرة بمُجرد التوجُّه الذهني إلى أطرافهما؛ حيث إن مجرَّد تصورهما ذهنيًّا يكفي للتصديق بصحتهما[3]. بل أكثر من ذلك؛ فإن أية محاولة لنقضهما إنما هي في الواقع إثبات غير مباشر لهما. كيف ذلك؟

لنرى، ونتأكد:

لنفترض أنك أقمت الدليل على أن قانون العلِّية والسببية غير صحيح؛ سنتساءل عندها إن كان ذلك الدليل الذي أقمته يدلُّنا على خطأ قانون السببية أم أنه لا يدلنا على ذلك (؟)، إن كان لا يدلُّنا على خطأ قانون السببية، فإنه دليل لا قيمة له؛ لأنه لم يثبت مَدْعاه. أما إن كان يدلُّنا على مَدْعاه، فإن الرابط بين الدليل وما أراد إثبات إنما يتم بعلاقة السببية فقط؛ حيث إن الدليل كان سببًا وعلة لإدراكنا بخطأ قانون

(124)

السببية، وهو تناقض صريح. إذن؛ فلا بد من التسليم والاستسلام بأن قانون السببية لا يُمكن هدمه بأية وسيلة كانت، وإلا أصبحت تلك الوسيلة هي الدليل على صحته.

قانون استحالة اجتماع النقيضين أيضًا لا يُمكن التخلص منه، وإلا لجاز الشيء ونقيضه، ولصح القانون ونقيضه، وكان العلم والجهل سواء.

الجدير بالذكر أيضًا: أن قانون استحالة اجتماع النقيضين ـ كما يستحيل نقضه وإثبات خطئه ـ  فإنه يستحيل إثباته صحته أيضًا؛ وذلك لأنه اللبنة الأولى والقاعدة الأساس التي يبتني عليها أي برهان؛ لذا فإن محاولة إثباته تأتي في مرحلة متأخرة عن ثبوته بالبديهة.

إن قانون السببية عندما يصنع أي قانون علمي، فإنه يصيغه بصيغة شرطية؛ فعلى سبيل المثال: عندما تكتشف  ـ بالملاحظة ـ  أن قطع الحديد تتمدَّد بالحرارة، وترغب في صياغة قانون يربط بين ذات الحديد وبين خاصية التمدُّد بالحرارة؛ فإنك عند تطبيق القانون على قطع أخرى، ستقول إنه إن صدق، وإذا ثبت أن القطعة الأخرى أيضًا مُتماثلة مع الأولى في كونها حديدًا؛ فإنها ستنفعل بنفس الطريقة تجاه الحرارة كما فعلت الأولى. وبعبارة أخرى: فإن القانون العلمي الذي صاغه قانون السببية من خلال قاعدة (حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد)، سيُترك لك الأمر لتحدِّد إن كانت القطعة الثانية مُتماثلة مع الأولى؛ فإن تكفلت بالإقرار بمثليْتهما؛ فإن القانون سيُلزمك بتماثل سلوكهما في نفس الظروف. [1]

وصلنا إلى أن القوانين العلمية (التجريبية) التي أراد هوكنج أن تكون لها الحاكمية العُليا على تفكيرنا؛ إنما هي بنفسها محكومة وخاضعة بدورها للعقل والمنطق والبديهة. وفي هذه الحالة، تكون الحاكمية الحقيقية للعقل، وليس للتجربة

(125)

والنماذج التجريبية. وهذا يقودنا ـ بدوره ـ  إلى نقطة أخرى؛ وهي: أنه في حالة وجود تعارض ظاهري بين النماذج العلمية التجريبية في العلوم الطبيعية وبين القانون العقلي البديهي، أو القانون العقلي المُبرهن الثابت؛ فإن كِفة القانون العقلي هي الراجحة بلا أدنى شك. فلو وُجد هناك نموذج تجريبي علمي يقضي بإمكانية اجتماع النقيضين؛ فإننا لا نستطيع أن نأخذ مثل هذا النموذج بجدية، بل لا نستطيع الأخذ به مُطلقا؛ ليس فقط لأنه يصطدم مع قانون عقلي أعلى رُتبة منه، وإنما لأن الإيمان بإمكانية اجتماع النقيضين من شأنه أن يهدم نفس النموذج العلمي التجريبي؛ حيث إنه سيقتضي إمكانية اجتماع صحة هذا النموذج مع خطئه في الوقت ذاته؛ فيكون ذلك النموذج صحيحًا وخطأً في نفس الوقت معا! [1]

وطالما وصلنا إلى هذه النقطة؛ فلا بأس من الإشارة إلى أن الكُتب العلمية المُبسطة التي تشرح النظريات العلمية لغير المتخصصين؛ كثيرًا ما تذكر أن النظريات العلمية الحديثة تشمل «مفاهيم معاكسة للحدس العام» (counter ـ intuitive concepts) من قبيل كون الزمان بُعدَا من الأبعاد المُدمجة مع الأبعاد المكانية الثلاثة فيما يُسمى بـ«نسيج الزمكان» (space time)؛ أو من قبيل نسبية الزمن، وهذا في حد ذاته أمرٌ لا يوجد مانع عقلي منه، ونقبله تمامًا وإن كان مُخالفاً للمُتعارف عليه في الحياة اليومية الاعتيادية، وإن بدا غريبًا للبعض منا؛ فهو من شأنه أن يكون مألوفاً ومتقبلاً جدًّا على مرِّ الزمن، ولكن الأمر يتخطى هذا المقدار أحياناً في تلك الكتب حينما يفرض مؤلفوها أمورًا أخرى مُستحيلة عقلاً، ويغلفونها بغلاف المفاهيم المُعاكسة للحدس؛ بهدف تمريرها من مشرحة العقل، وغُربال المنطق؛ وحينها لا يُمكننا  ـ كعقلاء ـ  أن نقبل ذلك من أي «عالم» كان، مهما كانت سمعته وشهرته وشهاداته وإنجازاته؛ ذلك لأن القبول بالاستحالة العقلية هو خط فاصل بين العاقل وغير العاقل. وواضح أن

(126)

المرء لكي يكون عالمًا؛ فعليه أن يكون عاقلاً بالأول، وإلا فلا يسعنا قبول طروحات أي عالم في أي مجال علمي طبيعي أو غيره إن لم يكن مُلتزما بحدود العقل وقوانينه الأساسية. وفي الفصول القادمة، سنتعرَّض لبعضٍ من هذه المفاهيم التي وقع فيها الاختلاف بين الطرح العلمي الطبيعي وبين القانون العقلي، وسنتحرَّى موقع الخطأ المؤدِّي إلى مثل هذا الشرخ بين الطرحين.

 

القانون العلمي والنموذج العلمي والواقع الخارجي!

وقبل الوُلوج في التفاصيل العلمية، ومناقشتها؛ لا بد من طرح مسألة مُهمَّة جدًّا تطرَّق لها هوكنج في بدايات كتابه؛ حيث يقول: «إذا ما استطاع نموذجان (أو استطاعت نظريتان) وصف نفس الظواهر والأحداث؛ فإننا لا نستطيع أن نقول إن أحد النموذجين أكثر واقعية من الآخر، بل إننا نكون أحرارًا في اعتماد النموذج الذي نجده مُريحًا أكثر لنا». وكنا قد ذكرنا أعلاه تعريفاً مُتداولاً للقانون العلمي على أنه «تصريح مبنيٌّ على ملاحظات تجريبية مُتكررة تصف بعض أنحاء العالم». ويتضح هنا أن هناك فارقًا بين أن تصف الواقع الخارجي كما هو من خلال القانون العلمي، وبين أن تطرح نموذجًا يستطيع أن يصف أو يفسر الواقع الخارجي بشكل مُرضٍ، ويُقدم لنا تنبؤات تتطابق أو تتشابه مع ما نلاحظه من الواقع عبر الوسائل المتاحة لذلك. ففي الحالة الأولى، نستطيع القول بأن القانون العلمي هو الواقع في صورة أخرى. أما في الحالة الثانية، فلا نستطيع أن ندَّعي ذلك، وإنما غاية ما يُمكننا ادعاءه؛ هو: أن هذا القانون العلمي، أو أن تلك النظرية العلمية، هي أقرب وأدق وصف ممكن للواقع الخارجي الذي قد يكون في الحقيقة أمرًا مُختلفاً في مستوى مُعين.

فعلى سبيل المثال: لو أنك ألقيت بحجر ما إلى الأعلى ووجدته يسقط إلى الأسفل،

 

(127)

فإنك تستطيع أن تقول إن واقع الحجر وما حوله يُؤدِّي إلى سقوطه إلى الأرض بسرعة معينة، ولكن عندما تحاول أن تصيغ ذلك بشكل رياضي؛ فإنك قد تصل إلى نموذجين اثنين مُختلفين تماماً بإمكانهما أن يصفا تلك الظاهرة بشكل دقيق جدًّا؛ فالنموذج الأول: يفترض وجود قوة جاذبة بين الأرض وبين الحجر. في حين أن النموذج الثاني يفترض أن الفضاء المحيط بالأرض محدود، ويفرض على الحجر مسارًا متجها نحو الأرض دون أن تكون هناك فعلا قوة جاذبة من الأرض للحجر. وفي هذه الحالة البسيطة، فإن كلا النموذجين ناجح جدًّا في تقديم تنبؤات رقمية لنفس الظاهرة؛ الأمر الذي يجعلنا نتساءل: أيٌّ منهما يُمثل الواقع كما هو؟ بل قد نتساءل إن كان هناك نموذج ثالث مُمثل للواقع، وأن النموذجين الأولين ـ وإن كانا ناجحين من ناحية الخدمة العملية ـ فهما غير ممثلين للواقع كما هو(؟).

لعلك عزيزي القارئ قد تعتقد أننا نصل إلى طريق ضيِّق في تحديد الواقع ووصفه كما هو، بل لعلك تخشى أننا في طريقنا إلى الوصول إلى ما يُسمى بـ«السفسطائية» والتشكيك بالواقع الخارجي، ولن نلومك إن غلب عليك هذا الظن، فـ»هوكنج» نفسه، تساءل في نهاية الفصل الثاني من كتابه قائلا: «هل لدينا سبب وجيه يدعونا للاعتقاد بأن هناك واقعًا موضوعيًّا مُستقلًا في الخارج؟». ثم طرح ما يُسمى بـ«الواقع المبني على النموذج»، والذي فيه: «لا يوجد مفهوم للواقع مُستقل عن النظرية التي تحاول تصويره ووصفه والتنبؤ به». ولأهمية هذا الموضوع، سنناقشه بشيء من التفصيل في الفصل التالي.

(128)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

هل هناك

أي شيء بالخارج؟

(129)

 

الفصل الثالث: هل هناك أي شيء بالخارج؟

إن مناقشة موضوع حكم القانون العلمي في كتاب «التصميم العظيم»، قد تطرَّقت إلى موضوع جانبي إلى حدٍّ ما، ولكنه يظل موضوعًا مُهمًّا ومُرتبطاً بالبحث بشكل أو بآخر؛ ألا وهو: موضوع «الواقعية الخارجية».

هل لدينا سبب وجيه يدعونا للاعتقاد بأن هناك واقعًا موضوعيًّا مستقلًا في الخارج؟.. سؤالٌ طرحه هوكنج في كتابه «التصميم العظيم»، ويا لها من مناقضة أن يُناقش ويبحث عَالِم مثله في نشوء أقاصي الكون (من جهة)، ثم يطرح سؤالا يستفهم فيه عن وجود أي شيء في الخارج إطلاقا!

وهو سؤال قد تستغربه وأنت تُمسك بين يديك بكتاب تلمسه قارئنا العزيز، وتكاد تشم رائحة الورق في صفحاته، في الوقت الذي تجلس فيه على كرسيك المُريح، أو تستلقي فيه على سريرك الوثير، ولكنه مع ذلك سؤالٌ تم طرحه كثيرًا وعلى مرِّ مختلف أحقاب الزمن.

يُذكر أن فئة من المفكرين الذين عاشوا في القرن الخامس قبل الميلاد ـ قبل سقراط ـ أُطلق عليهم مصطلح «سوفيست»، الذي تُرجم فيما بعد إلى لفظة «السفسطائيين». و«سوفيست»؛ تعني: الحكمة؛ ولهذا السبب يُقال إن أرسطو عندما أراد أن ينأى بنفسه عن هذا التيار، سمَّى نفسه «فيلو سوفيست»؛ أي: مُحب الحكمة. وهي الكلمة التي نستعملها حاليًا للتعبير عن الفيلسوف والفلسفة. المهم: أن تيار السفسطة مرَّ بعدة مراحل في تعامله مع الإنكار أو التشكيك بالواقعية.

(130)

المرحلة الأولى؛ كانت في إنكار أي واقع إطلاقا[1]. وبمعنى آخر: نفي الوجود برُمَّته! وبالطبع لم تكن هذه المرحلة لتصمد كثيرًا أو طويلاً؛ لأن نفس طرح السؤال ونفس عملية الإنكار هي نوع من الوجود ونوع من الواقعية؛ فلكي يتحقق إنكار الواقع لا بد من «وجود» من يُنكره. إذن؛ فإنكار الواقع على هذا المستوى هشٌّ جدًّا، ولا يستحق أن نصرف فيه وقتاً أطول لمناقشته؛ لأنها مُناقشة لا تليق حتى بالمرضى العقليين، أو المعاقين العقليين، فضلا عن العقلاء.

المرحلة الثانية؛ شهدتْ اعترفاً بوجود واقع ما، ولكنها حصرته في تصوُّرات المفكر!. وبعبارة أخرى: أن كل ما يُوجد في الخارج؛ فهو: «أنا وتصوراتي وأوهامي وخيالاتي وأفكاري»[2]، ولكن ليس هناك أي شيء آخر في الخارج غيري. لعلك أيها القارئ العزيز لاحظت ـ أيضًا ـ أن مثل هذا الطرح مصيره إلى التعثر والانهيار بلمح البصر. فعندما نسأل هذا المُنكر لما سواه: ما الذي يدعوك إلى تكبُّد عناء الإخبار بأنه لا يوجد شيء في الخارج؟ ولمن تُعلن اعتقادك هذا؟ فسوف نجد أن في طيَّات هذه العملية برُمَّتها اعترافًا مطويًّا بوجود «الغير». إن التعبير عن الفكرة وصياغتها في ألفاظ وأفكار ذات دلالة، هو اعتراف بوجود من يتلقى تلك الألفاظ والأفكار في الخارج. وإلا: أوليست الألفاظ هي وسيلة نقل الأفكار بين طرفين؟ إن كان كل ما هنالك هو أنا فحسب ولا أثر للغير، فلن أحتاج لقوالب الألفاظ لأخفي أفكاري في ثناياها؛ فاللغة وُجدت لتكون جسرًا لإيصال الفكر إلى الآخر، وإن قيل ـ جدلاً ـ إن نفس وجود الألفاظ ليس إلا وهم لا يتجاوز الخيال؛ فعندها لن يسعنا إلا أن نترك ذلك المُفكر وأفكاره ليعيش في فضاء وجوده لا يُشاطره فيه غيره، فما عُدنا مُلزَمِين  ـ والحال هذه ـ  أن ندخل معه في مُحاججة حوارية.

(131)

وبالطبع؛ فإن مثل هذا الإنكار لم يكن ليُكتب له الحياة طويلا. ولكن إذا به يتطوَّر إلى مرحلة ثالثة يعترف فيها بوجود المُنكِر نفسه ووجود أفكاره وخيالاته، ووجود واقعية ما خارج ذاته وخارج تصوراته الذهنية، ولكنه يقف عند هذا الحد ليقول إنه لا سبيل لنا إلى معرفة ذلك الواقع الخارجي؛ فالواقع الخارجي ـ كائناً ما كان ـ هو أمر مجهول تماماً لنا، ولا سبيل إلى معرفته البتة.

ومرة أخرى نتساءل:

تُرى؛ كيف توصِّل ذلك المُنكِر لإمكانية معرفة الواقع، بأن ثمة واقعًا في الخارج ولا يُمكن إدراكه؟ أليس هذا شكلًا من أشكال الإدراك بحد ذاته؟. وبعبارة أخرى: لقد أدرك أن ما في الخارج لا يُدرك! وهذه دعوى تخالف الدعوى التي تقول بأن الواقع القائم خارج الذات لا يُمكن إدراكه! وبعبارة ثالثة: إن عدم إمكان إدراك الواقع يتطلَّب أن ندركه بنحو ما حتى نصل إلى أن إدراكه ممتنع.

تطوَّرت منهجية عدم إمكانية إدراك الواقع إلى صيغة أكثر تعقيدًا، وإذا بنا نسمع دعاوى تنادي برفيع الصوت: أن الوسيلة الوحيدة لمعرفة الواقع الخارجي هي عبر الحواس الظاهرية؛ في حين أن هذه الحواس  ـ كما نعلم جميعاً ـ  عُرضة للخطأ كثيرًا؛ وبالتالي فإن إدراكنا ومعرفتنا للواقع عُرضة للخطأ تبعاً لها. وعليه؛ فلا توجد لدينا وسيلة دقيقة لمعرفة الواقع بشكله الصحيح، ولعلنا عِشنا طوال عمرنا ونحن نُدرك الواقع بشكل مُختلف وغير صحيح دون أن ندري!

ولعلك قارئنا العزيز تذكُرـ وفي قراءتك للموجَز الذي استعرضناه عن كتاب «التصميم العظيم» ـ أن هوكنج أيضًا طرح هذا الإشكال من خلال مِثال «السمكة الذهبية» التي تعيش في حوض زجاجي كروي الشكل؛ وبالتالي فإن جميع ما تراه من الواقع يكون مقوَّساً ومنحنيًا، ثم تساءل: وما يُدرينا نحن أننا لا نُدرك واقعنا

(132)

بشكل غير صحيح مثل السمكة الذهبية في حوضها الزجاجي الكروي؟ لعلنا نعيش في وهم كبير ولا نستطيع حتى إدراك ذلك!

وباعتقادنا؛ أن الشبهة قد بلغت من التعقيد درجة تستحق معها أن نصرف مزيدًا من الوقت والجهد في مناقشتها والإجابة عنها. ولكن  ـ وقبل أن نخوض في ذلك ـ  لنلخِّص بالنقاط الآتية ما مرَّ حتى الآن من مناقشاتنا مع توجه المشككين والمانعين من معرفة الواقع كما هو:

 ـ  هناك واقع ما بغضِّ النظر عن تفاصيله، وأقرب واقع ندركه ونعترف به؛ هو: وُجودنا الشخصي.

 ـ  هناك واقعٌ خارجي خارج ذواتنا الشخصية.

 ـ  هناك إمكانية ما لمعرفة شيء ما عن الواقع الخارجي؛ وأقرب مثال على ذلك: محاولتنا إيصال أفكارنا إلى الآخرين عن طريق الكلمات التي نصيغ بها تلك الأفكار؛ إذ لولا علمنا ـ وتسليمنا ـ بأن الآخرين سيدركون أفكارنا عن طريق الألفاظ؛ لما تكبَّدنا عناء الكلام وكتابة الألفاظ.

 ـ  نُسلم جميعًا بأن الحواس هي طريق أساسي لمعرفة الواقع الخارجي.

 ـ  نُسلم أيضًا بأن هناك ما يُسمى بـ«الخطأ في المعرفة الحسية». ورجاؤنا ها هُنا أن يلتفت القارئ العزيز إلى أننا لم نقل بأن «الحواس تُخطئ»، وإنما نقول بأن ثمَّة «خطأ» ما يُقبل أن يقع في المعرفة التي تتأتى عبر الحواس.

ويبقى أن نجيب عن سؤالين مهمين لا يُمكن تجاهلهما في هذا الموضوع:

 ـ  الأول: هل يُمكن تقديم دليل موضوعي على وجود الواقع الخارجي؟

 ـ  الثاني: كيف يُمكن الاستناد إلى الحواس لمعرفة الخارج، في ظل تسليمنا بوجود أخطاء في المعرفة الحسية؟

(133)
(134)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

هل تخطئ

الحواس؟

(135)

 

الفصل الرابع: هل تخطئ الحواس؟

طرحنا في المقالة الماضية تساؤل هوكنج التشكيكي عن وجود أي دليل موضوعي يدعونا للاعتقاد بوجود واقع موضوعي خارج ذواتنا وأفكارنا، وناقشنا باختصار هذه الفكرة منذ عهودها القديمة في مرحلة السفسطائية، ومرحلة المثالية التشكيكية. وخلصنا إلى أنه لا مناص من التسليم التام بوجود واقع خارجي ما، وأن محاولة إنكار ذلك هي نوع من الاعتراف به؛ من خلال نفس عملية الإنكار تلك.

ولكننا لم نُجب جوابًا كاملاً عن التساؤل المار؛ والذي طرحه «هوكنج» في الفصل الثاني من كتابه «التصميم العظيم»؛ حيث إنه أراد دليلاً موضوعيًّا عن وجود الخارج؛ في حين أن ما أسندنا مناقشتنا إليه ـ كما قد يُقال ـ كان دليلاً ذاتيًّا وجدانيًّا وداخليًّا نابعاً من أعماق ذواتنا، وليس دليلاً موضوعيًّا خارجيًّا مما يُمكن تناوله بالتجربة والاختبار، أضف إلى ذلك مسألة «أخطاء الحواس» كما يطلقون عليها، والتي لا تزال معلقة وتنتظر منا معالجة فلسفية لها.

 

أولاً: هل يُمكن تقديم دليل موضوعي على وجود الواقع الخارجي؟

هذا السؤال يتضمَّن ما يُسمَّى بـ«الدور» أو «المناقشة الدورية» (Cyclical Argument)؛ ومن أبسط أمثلة الدور: ما يمكن الإجابة به عن السؤال عن مبدأ الدجاجة؛ فتكون الإجابة: مِن البيضة؛ ثم عندما نتابع سؤالنا عن مبدأ البيضة فتكون الإجابة: مِن الدجاجة.

(136)

وعندما نطلب دليلاً موضوعيًّا لوجود الواقع، فإن السؤال التالي؛ هو عن طبيعة ذلك الدليل الموضوعي: هل ذلك الدليل الموضوعي المطلوب إثبات الواقع الخارجي به موجود كواقع خارجي، أو أنه ليس من الواقع الخارجي؟ إن افترضنا أن ذلك الدليل الموضوعي المطلوب موجود كواقع خارجي؛ فقد ثبت الواقع الخارجي بنفس افتراض ثبوث ذلك الدليل الموضوعي. أما إن كان ذلك الدليل غير موجود واقعًا، فإنه لن يُصبح دليلاً موضوعيًّا أساسًا ـ حسب تعريف الدليل الموضوعي. وبعبارة أخرى: فإن من يطلب دليلاً مُوضوعيًّا لوجود الواقع الخارجي، فإنما يطلب واقعًا خارجيًّا ليثبت له وجود واقع خارجي!

إذن؛ فإثبات مبدأ الواقعية الخارجية نفسها، لا يُمكن أن يستند إلى دليل من نفس الواقع الخارجي، ولا بد بالتالي من استناده إلى المعرفة الوجدانية الذاتية؛ وهي: إدراكُنا للوجود كأول ما ندركه على الإطلاق[1].

 

ثانياً: كيف يُمكن الاستناد إلى الحواس لمعرفة الخارج؛ في ظل تسليمنا بوجود أخطاء في المعرفة الحسية؟

هذا السؤال يشمل عدة أسئلة فرعية لا بد من الإجابة عنها واحدة تلو الأخرى؛ حتى تتم الإجابة عن السؤال ككل.

 

هل تخطئ الحواس؟

الإجابة التي نتبناها ـ وفق المدرسة الفلسفية التي نقرأ على ضوء قواعدها

(137)

استنتاجات هوكنج ـ هي: لا! الحواس لا تخطئ؛ فما يصل للحواس من مُعطيات يُدركها الذهن كما هي.

إذن؛ ما معنى الخطأ في المعرفة الحسية؟

لقد ألمحنا إلى أننا أيضًا نقول بإمكان وقوع خطأ في المعرفة التي التقطناها عبر أدواتنا الحسية، ولكن ليس ذلك نتيجة خطأ في الحس، وإنما خطأ في الحكم على المعطيات الحسية. لا بد لنا أن نُدرك أن المعرفة الحسية تشمل عدة عناصر:

 ـ  المُعطيات الحسية التي تصل إلى جهاز الحس من قبيل الضوء الذي يصل إلى العين.

 ـ  الحُكم على تلك المعطيات الحسية من قبيل تقدير العمق في الصورة ثنائية الأبعاد؛ من خلال تقارب وتباعد الخطوط في تلك الصورة.

 ـ  المعنى المستوحى من ذلك الحُكم؛ من قبيل: إسناد الحزن إلى اللون الأسود في بعض المناسبات الاجتماعية (مثلاً).

ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة:

 ـ  عندما ننظر إلى جسم بعيد؛ مثل: القمر؛ فإننا نجده صغيرًا بمساحة تقارن بمساحة العملية النقدية الصغيرة، مع أن القمر أكبر من ذلك بكثير جدًّا. والسبب في ذلك: أنه عندما ننظر لجسم ما، فإن الضوء المُنعكس من أطراف ذلك الجسم (أضلاعه أو محيطه الخارجي) تتجه إلى نقطة واحدة؛ وهي: العين؛ وبذلك تتكون لدينا زاوية ضلعاها هما أطراف ذلك الجسم ورأسها عند العين. وعندما نحاول تقدير مساحة أو حجم جسم ما عبر النظر؛ فإن الدماغ يأخذ في الحسبان تلك الزاوية بين الأشعة الواردة من طرف الجسم والأشعة الواردة من طرفه الآخر المقابل له. وكلما كانت تلك الزاوية أكبر، كان تقدير الدماغ لحجم أو مساحة الجسم المرئي أكبر؛ في حين كلما

(138)

صغرت الزاوية كان تقديرنا للحجم أصغر. وعندما يبتعد الجسم عنا، فإن الأشعتين تتقاربان من بعضهما، وتصغُر الزاوية، في حين أنه كلما اقترب الجسم منا تباعدتْ الأشعتان وكبُرت الزاوية، مع أن حجم الجسم نفسه في كلا الحالتين. وبالنتيجة؛ فإن ما أدركته الحواس مباشرة كانت الزاوية وليس المساحة، وإدراك الزاوية لم يقع فيه الخطأ، وإنما وقع في تقدير المساحة من خلال الزاوية؛ وهي عملية عقلية غير حِسِّية.

 ـ  عندما نضع أحد أيدينا في ماء حار، والأخرى في ماء بارد، ثم نضعهما معًا بعد ذلك في ماء فاتر؛ فإن الأولى تحس أن الماء بارد؛ في حين أن الثانية تحس أن نفس الماء دافئ وحار؛ والسبب في ذلك: أن المُستقبلات الحسية في الجلد تقيس المقارنة بين حرارة الجسم المقيس مع حرارة الجلد (الحرارة النسبية)، ولا تقيس حرارة الجسم المقيس نفسه مباشرة. أما المفارقة الظاهرية بالحرارة بين اليدين في المثال؛ فناتجة من الخطأ في الحكم بأن اليد تقيس الحرارة المباشرة وليس الحرارة النسبية.

وبإمكاننا أن نطرح المزيد من الأمثلة لإيضاح الخطأ في الحكم مع سلامة وصواب المعطيات الحسية المنقولة من آلة الحس إلى الذهن، ولكننا سنكتفي بالمثالين أعلاه للاختصار؛ وبذلك يتبيَّن لنا أن الحواس ـ بما هي حواس ـ لم تخطئ في نقل المعطيات الحسية بشكل صحيح للذهن، إلا أن عمليات الحُكم العقلي على تلك المعطيات والمسلَّمات المُسبقة لدى الذهن، والتي تُوجِّهه نحو استغلال تلك المعطيات الحسية للخروج بمعرفة حسية؛ هي عنق الزجاجة التي يقع الخطأ فيها[1].

(139)
(140)

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

الإرادة الحرَّة،

هل الوجود مُنحصر بالمادة؟

(141)

 

الفصل الخامس: الإرادة الحرَّة، هل الوجود مُنحصر بالمادة؟

كامتداد آخر لموضوع القانون العلمي الذي طرحه هوكنج في الفصل الثاني من «التصميم العظيم»، والذي هو بحق من الفصول المُهمَّة جدًّا؛ لأنه يتعلق بالإرادة الحرة لدى الإنسان. وقبل عرض الموضوع، لا بد من طرح مقدِّمة بسيطة لموضوع القانون العلمي.

نوقش موضوع القانون العلمي في الفلسفة الغربية بشكل جيِّد، وأفرز اتجاهين مختلفين في فهم القوانين العلمية؛ ففي حين يرى الاتجاه الأول أن القانون العلمي هو مجرَّد تعبير عن ظواهر منتظمة دون أن يكون هناك أي قوة تفرض ذلك الانتظام والتكرار، فإن هناك اتجاهًا آخر يرى أن القانون العلمي هو قوة قاهرة تفرض نمطاً معيناً من انتظام الظواهر وتكرارها في سياق طبيعي معين. أو بعبارة أخرى: فإن الاتجاه الأول يرى أن القانون العلمي مجرَّد وصف للظواهر المُنتظمة، بعكس الاتجاه الثاني الذي يرى أن القانون هو المُنتج للظواهر المنتظمة وليس مجرَّد توصيف لها. ومن كلام هوكنج يبدو أنه يميل للاتجاه الثاني، وينسب الحركة العلمية والأساليب العلمية الحديثة لذلك الاتجاه بشكل عام. وعليه؛ فالقانون العلمي ـ حسب هذا الاتجاه ـ  يفرض على الكون ما يسمى بـ«الحتمية»؛ أي أن الكون محتومًا عليه إطاعة مجموع القوانين العلمية، والسير على ما تقتضيه بلا مُخالفة أو انحراف.

ثم تطرق هوكنج ـ في استطراد للموضوع ـ إلى أن الإنسان وسلوكه هما جزءٌ من هذا الكون الخاضع للقوانين العلمية التي تفرض على الكون حتمية علمية. وعليه؛ فإن سلوك الإنسان نفسه خاضع أيضًا لتلك القوانين العلمية؛ وبالتالي فإن ما يُسمى

(142)

بـ«الإرادة الحرة» لدى الإنسان ليست إلا وهمًا وافتراضًا خاطئاً وشعورًا زائفاً؛ حيث إن سلوك الإنسان أشبه بسلوك الآلة التي إن علمنا بالقوانين التي تتحكم في حركتها وسلوكها، وكنا نملك معطيات كافية عن وضع تلك الآلة في لحظة ما، فإننا قادرون على التنبؤ بسلوكها وحركتها في المستقبل.

فالبحث السيكولوجي يلجأ إلى العلوم العصبية (Neuroscience) في تفسير سلوك الإنسان بالتفاعلات الكهروكيميائية في جهازه العصبي؛ ومن خلال مزيج من المواد الكيميائية المعروفة بالناقلات العصبية والتي تولِّد إشارات كهربائية تعبُر الأنسجة العصبية بسرعة خاطفة، يتم تحديد رغبات الإنسان وسلوكياته واختياراته، إلا أن تلك الكيمياء أساساها الجزيئات والذرَّات، والكيمياء هي البنية الفوقية للفيزياء التي تُعتبر بنية أساسية لها. ومادام سلوك الذرات والأجسام الذرية خاضعًا للقوانين العلمية الحتمية، فإن الكيمياء والفيزيولوجي والسيكولوجي أيضًا خاضعة بالطبع للقوانين العلمية.

وتظهر التجارب أن استثارة أجزاء من الدماغ لدى المريض الواعي، تولِّد فيه رغبات مُعينة؛ مثل: الرغبة في تحريك جزء من جسمه؛ لذا يصعُب أن نتخيل كيف يُمكن أن تكون هناك إرادة حرَّة خارج نطاق المادة والطبيعة.

إلا أن الفارق بين الآلات البسيطة التي نتعامل معها وبين الإنسان: أن «آلة الإنسان» أكثر تعقيدًا بملايين المرات من الآلات الميكانيكية البسيطة التي هي بين أيدينا؛ لذا فمع أنه من الممكن نظريًّا أن نتنبأ بسلوك الإنسان في المستقبل، إلا أن ذلك عمليًّا أمر مستحيل لشدة تعقيده، ولاستلزام ذلك إجراء حسابات وحل معادلات وتوافر معطيات عن كل واحدة من الألف ترليون ترليون جزيء في جسم الإنسان؛ الأمر الذي قد يستغرق بضعة مليارات من السنوات، لكن يظل الأمر ـ عند هوكنج ـ  على الصعيد النظري والفكري مُمكناً.

(143)

هذا الأمر لم يرق لـ»ديكارت»؛ الذي آمن بوجود إرادة حرَّة لدى الإنسان؛ فكان طرحه ـ بالتالي ـ أن الإنسان مُكوَّن من جزء مادي آلي خاضع للقوانين العلمية الطبيعية، وجزء رُوحاني غير مادي لا يخضع لهذه القوانين. وعليه؛ فإن الإرادة الحرَّة تظل موجودة لدى الإنسان؛ حتى وإن كان بدنه خاضعًا للحتمية المادية الطبيعية.

وهذا يُلخص لنا موضوع الإرادة الحرة؛ فإن ثبت أن وجود الإنسان محصورٌ في بعده المادي وبدنه الميكانيكي؛ فإن الأمر سيؤول بالطبع إلى الحتمية المادية التي تسيطر على كل الأمور من نوعها  ـ أعني المادية ـ  بما فيها بدن الإنسان وإرادته النابعة من دماغه وجهازه العصبي وآلته الكهروكيميائية. أما إن ثبت أن في الإنسان أمرًا ما وراء المادة، وأن لديه بُعدًا رُوحانيًّا؛ فإن إنكار إرادة الإنسان الحرَّة ليس له ما يستند إليه، خصوصا وأن وجدان الإنسان ومعرفته بذاته يدلانه على وجود إرادة حرًّة لديه.

إذن؛ فقد انتهى البحث في الإرادة الحرَّة بنا إلى شُطآن بحث آخر أساسي؛ وهو: هل في وجود الإنسان (والوجود بشكل عام) بُعد غير مادي، أو أن كلَّ ما هناك لا يتجاوز المادة وقواها وتفاعلاتها؟

في بحثنا عن الإجابة عن هذا السؤال؛ سنلجأ إلى طرح مقدِّمة حول تعامل العلوم الطبيعية مع مفهوم الواقعية.

نقلَ هوكنج عن الفيلسوف ديفيد هيوم (1711 ـ 1776)؛ قوله: «بالرغم من أننا لا نملك أرضية منطقية للإيمان بوجود واقعية موضوعية، إلا أننا لا نملك خيارًا غير أن نتصرَّف على أن هناك واقعية منطقية». ومن ناحية أخرى، فإن مُبرر علماء الطبيعة للإيمان بالمنهج العلمي الطبيعي في البحث العلمي  ـ كما عبَّر عن ذلك ريتشارد دوكنز ـ  هو «أنه يعمل بنجاح»[1]. ومن ناحية ثالثة، فإن هوكنج الذي يطرح مفهوم «الواقع

(144)

المبني على النموذج» هو «أننا لا نحتاج لمعرفة إن كان النموذج نفسه واقعيًّا، وإنما يكفي أن يكون متوافقاً مع الملحوظات الطبيعية»[1]. ولو حاولنا أن نجد العامل المشترك بين المبررات الثلاثة الماضية لهيوم ودوكنز وهوكنج؛ فإننا سنجد أننا أمام براجماتية مُستندة إلى الجانب العملي للاعتقاد بالواقع أو بالمنهج العلمي بالبحث الطبيعي؛ فلأن النموذج المعيَّن أو المفهوم المعيَّن أو المنهج المعيَّن فاعل وعملي ويُنتج لنا نتائج مُتطابقة مع الملحوظات ومع التنبؤات المستقبلية، فإننا نعتبره صحيحًا بما يكفي للإيمان به. وحسب المُبرِّر البراجماتي؛ فإننا إن وجدنا أن مفهومًا أو نموذجًا أو منهجًا مُعيَّنا لا يعمل بشكل جيد لتقديم التفسير الكافي لظاهرة معينة، أو أن تنبؤاته لا تتطابق مع الملحوظات المستقاة من المشاهدات، فإننا إما أن نغيِّر فيه، أو نلجأ إلى منهج أو نموذج أو مفهوم آخر بديل عنه.

ولننظر الآن إلى قدرة النموذج المادي على تفسير ظاهرة؛ مثل: الوعي، والعلم، والمعرفة. فإن استطاع هذا النموذج المادي أن يفسِّر ـ بشكل ناجح وكافٍ ـ مثل هذه الظاهرة (وغيرها من الظواهر المشابهة)؛ فإننا نستطيع القول بأننا لسنا بحاجة للبحث عن نموذج يشمل البُعد غير المادي، ولكن إن وجدنا أن النموذج المادي لا يستطيع تقديم مثل هذا التفسير، فإنه لا محيص من القول بوجود بعد غير مادي في الوجود، ووجود الإنسان على أقل تقدير.

 
كيف فسَّر علماء الطبيعة ظاهرة الوعي والعلم والمعرفة؟

تدور معظم بحوث العلوم العصبية (Neuroscience) في مسألة الوعي حول تقديم ظواهر مادية مُلازمة لظاهرة التفكير أو العواطف أو الإرادة؛ فعند استخدام

(145)

أجهزة الرصد والمراقبة التي ترصد ما يحدث من نشاط كهربائي في الدماغ؛ من قبيل: الرنين المغناطيسي الوظيفي، نجد أن مناطق مُعيَّنة من الدماغ تكون أكثر نشاطاً من غيرها في الوقت الذي يُفكر فيه الشخص تحت المراقبة، بل وتختلف أجزاء الدماغ التي يزداد نشاطها الكهربائي باختلاف نوعية النشاط الممارس؛ من قبيل: التفكير، أو التذكُّر، أو الاستماع للموسيقى، أو الإحساس بعاطفة معينة.

ويبين الفحص الهيستوباثولوجي (علم الأمراض النسيجي) لعينات من الدماغ للمرضى الذين كانوا مصابين بأمراض عقلية أو أمراض عضوية ذات تأثير في الوعي والتفكير والذاكرة والمعرفة أو أمراض الاكتئاب والإسكيزوفرينيا...وغيرها، أن تلك الأنسجة إما أنها تفتقر أو تفيض بزيادة من مادة كيميائية (ناقل عصبي) مُعينة.

وعند علاج الأمراض التي لها أعراض نفسية، أو لها تأثير على الذاكرة والمزاج؛ فإننا نستخدم الأدوية التي هي مواد كيميائية. وفي المقابل؛ فإن استخدام المخدِّرات والمؤثرات العقلية والكحول يؤدي إلى تأثيرات واضحة وجلية على تفكير الإنسان ومشاعره وذاكرته ومزاجه، بل إننا نعلم تأثيرات الأطعمة والمشروبات والنوم والجنس على الجانب النفسي والمعرفة في الإنسان.

هذا الأمر يُوحي مبدئيًّا بأن النموذج المادي الكهروكيميائي لتفسير الظواهر النفسية والمعرفة والوعي لدى الإنسان هو نموذج ناجح؛ لأننا نرى ارتباط الأمور المادية مع الوعي والذاكرة والمزاج...وبقية الأمور النفسية. ولعل هذا النجاح الظاهري هو ما أدى بالعلماء الطبيعيين إلى أن يخرجوا بنتيجة مفادها أن الوعي وسائر الظواهر النفسية هي أمور مادية. وعليه؛ فإن الإنسان بكامله  ـ بدناً ووعيًا ومعرفة ونفسًا ـ ليس إلا آلة مادية تعتمد على التفاعلات الكيميائية والكهربائية في أداء وظائفها. وعليه أيضًا؛ فإن التدقيق في ما يفضي إليه النموذج الكهروكيميائي لتفسير الوعي والإرادة والتفكير والمشاعر هو أن حقيقة تلك الظواهر هي النشاط

(146)

الكهربائي والكيميائي المصاحب للإحساس بتلك الظواهر؛ أي أن التفكير هو نفسه سريان الكهرباء في عصبونات الدماغ، والوعي هو نفسه انتقال الشحنات الكهربائية من مجموعات خلايا عصبية لأخرى، والحب والكُره والرغبة في الأشياء أو النفور منها...وما إلى ذلك، ليس إلا حركة لجزيئات كيميائية من نهاية عصبية لأخرى في شبكة الجهاز العصبي المركزي بالجسم.

ولكي نختبر صحة نظرية النموذج الكهروكيميائي، سننظر عن قرب أكبر إلى تلك الظواهر من جهة، وننظر إلى ماهية الحركة الكهربائية الكيميائية من جهة أخرى؛ لنرى إن كانت الظاهرتان (النفسية والكهروكيميائية) تشتركان في نفس الخصائص أم لا.

... إن الظواهر الكهروكيميائية هي ظواهر مادية، وتملك من خصائص المادة ما تملكه بقيَّة الأمور المادية الأخرى؛ من قبيل: شغل حيز من المكان والزمان، وقابليتها للتجزئة والتقطيع...وبقية الخواص الأخرى للمادة. فهل يا تُرى نجد نفس هذه الخواص في الظواهر النفسية التي نبحث فيها؟ سنرى ذلك من خلال الشواهد والأدلة التالية:

 لنأخذ معلومة مُعينة؛ وهي: علمنا بالرقم (5)، ولنكتبها على الورقة، ثم لنأخذ تلك الورقة ونمزقها من حيث كتبنا عليها الرقم (5)؛ سنجد أن الورقة قابلة للتمزق إلى عدد ضخم من الأجزاء. والآن؛ لنحاول تمزيق نفس عِلمنا بالرقم (5) إلى قسمين؛ هل يُمكن فعل ذلك؟ هل يُمكنك أن تمزق المعلومة نفسها؟ بالطبع لا يُمكنك ذلك. إنك تستطيع أن تمزِّق الوسيلة التي استخدمتها للترميز على تلك المعلومة؛ سواء كانت تلك الوسيلة حبرًا على الورق، أو إشارات مغناطيسية على قرص حاسوبي، أو نحتاً على صخرة، أو صوتاً في شريط موسيقي...أو ما إلى ذلك، ولكنك لا تستطيع أن تمزِّق نفس المعلومة بتاتاً، وستظل المعلومة موجودة وغير قابلة للتمزق والتقطيع. إذن؛ المعلومة

(147)

هي غير الوسيلة المادية التي استخدمناها لترميز وحفظ تلك المعلومة على المادة؛ فالمعلومة نفسها غير مادية، وإن كنا نحفظها لأغراضنا على وسائل مادية تختلف حسب الإمكانيات التقنية التي نملكها، وهذا دليل على أن العلم نفسه غير مادي وإن كان يتم حفظه وأرشفته ونقله بوسيلة مادية[1].

ومن ناحية أخرى، فإننا نجد أن المعلومة (العلم) لا تتعرَّض لعوامل المكان والزمان؛ فالدماغ نفسه والتفاعلات الكيميائية والكهربائية التي تجري فيه، عُرضة للزمان والمكان وعواملهما؛ لأننا نرى ذلك بوضوح في تغيُّر تركيبة النهايات العصبية فيه، وما يجري عليه من آثار العمر والزمن والشيخوخة، في حين أن العلم والوعي والمعرفة بما هي هي، لا تتغير ولا تتبدل ولا تخضع لعوامل الزمان والمكان؛ فلا تجد أن الرقم (5) اليوم يُصبح (6) غدًا، بل يظل على مدار الأزمنة والأعوام نفسه كما هو. نعم تختلف قدرتنا على استحضار تلك المعرفة من وقت لآخر، ولكن حين نستحضرها نجدها كما هي بلا تغيير. إذن؛ المعرفة والعلم أمران غير خاضعين للأمور المادية؛ فلا يمكن أن نجعل العلم مساويًا للمادة بأي حال من الأحوال، بل جلَّ ما يُمكن قوله أن طريقة ترميز وحفظ العلم في أدمغتنا هي مادية مثلما أننا نحفظ المعلومة بكتابتها على ورقة أو بنحتها في صخرة أو بإشارات مغناطيسية على قرص ممغنط، ولكن نفس المعلومة والعلم والمعرفة أمور غير مادية؛ لذا فمن الخطأ أن نجعلهما في صف واحد[2].

ثم إننا نجد أن في نفوسنا أننا نستطيع استحضار صورة مكان شاسع كبير ضخم؛ مثل: صورة المجرات والكواكب والنجوم؛ في حين أن المادة التي نملكها في أدمغتنا لا تتعدَّى حجم رؤوسنا. وقد يعترض مُعترِض على هذا الكلام بأن يقول إن التقنية اليوم استطاعت حفظ آلاف المجلدات من الكتب في بطاقة ذاكرة لا تتعدى مساحة ظُفر

(148)

الخنصر، ولكننا نرجع لنقول إننا لا نعترض على طريقة الترميز والحفظ؛ فنحن نتفق جميعا على أن الدماغ بمادته طريقة مادية لحفظ العلم والمعرفة وأرشفة الوعي والمشاعر، ولكن الدماغ وتفاعلاته غير العلم والمعرفة والمشاعر[1].

إن القول بأن الدماغ وتفاعلاته هو نفسه المعرفة والوعي والمشاعر، أشبه بالقول إن التمثال هو نفسه مهارة الفنان الذي نحته، أو أن اللوحة الجميلة هي نفسها قدرات الرسام الذي رسمها. لا ينبغي الخلط بين الأمرين؛ فالتمثال الفني واللوحة الفنية هما مُجرَّد طريقة مادية لحفظ وترميز مهارات وقدرات الرسام والنحات التي هي أمور غير مادية بحد ذاتها.

إذن؛ خلصنا إلى أن الوعي والمعرفة والمشاعر...وما شابهها من الظواهر النفسية؛ هي أمور غير مادية، ولا يُمكن للنموذج الكهروكيميائي المادي تفسيرها ماديًّا، وهذا ما يقودنا إلى القول بثقة بأن الوجود لا ينحصر في الوجود المادي المكوَّن من المادة والطاقة ولواحقهما من المكان والزمان، بل إن هناك في الوجود ما يرقى عن ذلك.

وعليه؛ فإن نفي الإرادة الحرَّة على أساس عدم وجود دليل مادي عليها، ليس إلا تبسيطاً وتسطيحًا للوجود الهائل في إطار المادة ولواحقها ولوازمها، وليس هناك مُبرِّر منطقي أو علمي أو عقلي واحد يجعلنا ننزل بمستوى تعقلنا وفهمنا للإذعان بذلك.

 

كيف نبحث عن إجابات لأسئلتنا؟

الاتجاه الاختزالي في العلوم الطبيعية (Reductionism)؛ هو: اتجاه يرى أن الكل ليس إلا مجموع أجزائه، والذي من آثاره محاولة تفسير جميع الظواهر التي تعتبر غير مادية عبر آليات مادية صرفة من قبيل إرجاع علم النفس والطب السلوكي إلى

(149)

الآليات الكيميائية في الجسم؛ وبذلك فإنه يقترب كثيرًا مما يُسمَّى بـ«العلموية» (scientism)؛ والذي هو اتجاه لا يعترف بأية وسيلة للبحث عدا التي تستعملها العلوم الطبيعية عبر التجربة والملاحظة والرصد الحسي. وغنيٌّ عن القول أن من بدأ بالبحث واضعًا باعتباره أن وسيلة البحث الوحيدة التي سيستعملها هي التجربة والرصد الحسي، فإنه لن يعترف بأية إجابة لا تنحصر في إطار المادة؛ لأنه أغلق الباب على نفسه من البداية، ولكن أساس البحث عن الحقيقة يقتضي الإخلاص في البحث وفتح الأبواب وتوسعة آفاق العقل. أما أن يحشُر الباحث نفسه في زاوية ضيقة؛ رافضًا البحث في ما عداها؛ فذلك ليس من البحث العلمي عن الحقيقة في شيء.

قدَّمنا في مطلع هذه المحاورات أن المفتاح الأساسي للوصول إلى الإجابات الصحيحة يكمُن في أن نطرح السؤال الصحيح، وأن نستعمل الوسيلة الصحيحة للبحث عن الإجابة؛ فإن كان السؤال نفسه هو «هل الوجود مُنحصر بالمادة؟»؛ فإن الاقتصار بالوسائل المادية الحسية في البحث عن الإجابة لا يُساعد إطلاقا في البحث! حين نسأل: «هل الوعي ظاهرة غير مادية؟»؛ فإن من المضحك حقًّا أن نجيب: «لا؛ لأننا لم نجد في المختبر دليلاً على أن الوعي أمر غير مادي».

كما أننا ناقشنا أيضًا أنه ليكون البحث الطبيعي المادي منتجًا وفاعلاً؛ فإنه يحتاج أساسًا إلى مُقدِّمات من البحث العقلي الذي لولاه لما كان للبحث الطبيعي أية قيمة معرفية إطلاقاً، وخرجنا بالقول إن حاكمية العقل فوق حاكمية القانون الطبيعي المُشتق من البحث العلمي الطبيعي. وعليه؛  فإن رفض اللجوء إلى العقل في البحث، وعدم الاعتراف بالقوانين العقلية؛ هو: تراجع وتقهقر معرفي خطير؛ من شأنه أن يجعل البحث الطبيعي مُنهارًا وفاقدا لقيمته العلمية.

وحيث قد قلنا ذلك، نستطيع الآن أن نوضِّح كيف ينطبق هذا الكلام على بحثنا الحالي.

(150)

 

علِّية أم مُلازمة وارتباط؟

بالرجوع إلى بعض شواهد الاتجاه الاختزالي في البحث عن حقيقة الوعي؛ فإننا نجد أنه يعتمد على «ارتباط» بين ما ترصده أجهزة الأشعة من نشاط عصبي في الدماغ، وبين عملية التفكير في الإنسان[1]. وهنا؛ نرى كيف أن البحث الطبيعي تعامل مع (الملازمة والارتباط) كمرادفات (للعلِّية والسببية). بالطبع؛ لا نستطيع أن نلوم البحث الطبيعي كثيرًا في هذا الخلط؛ لأن العلية من المفاهيم الفلسفية التي تدرك بالبحث العقلي، ولا يُمكن إثباتها أو نفيها بالاعتماد على مُعطيات ونواتج البحث الطبيعي وحده، وهذه واحدة من المصاديق المهمَّة جدًّا لاحتياج البحث الطبيعي واعتماده على البحث العقلي؛ لأن جلَّ ما يستطيع الباحث الطبيعي قوله؛ هو: أن هناك ملازمة وارتباطًا بين الظاهرة الأولى والثانية؛ لذا فإن القول بأن وجود نشاط عصبي معيَّن بالدماغ في وقت التفكير هو دليل على أن التفكير ظاهرة مادية، هو بمثابة قفزة غير منطقية على الاستنتاج. أما الحكم بوجود علية بين أمرين؛ فذلك يتطلب إلقاء بعض الضوء على العلِّية (السببية) لنفهم الأمر بشكل أوضح.

ويقسِّم الفلاسفة[2] ـ بشكل عام ـ العلة إلى: علة تامة، وعلة ناقصة؛ فالعلة التامة ما يلزم من وجودها وجود المعلول ومن عدمها عدم المعلول. أما العلة الناقصة؛ فهي التي لا يلزم من وجودها وجود المعلول، ولكن يلزم من عدمها عدم المعلول. والعلة الناقصة لها أجزاء أيضًا؛ وفي الأمور التي تتعلق بالمادة، فإن من أجزاء العلة الناقصة:

(151)

العلة المادية، والعلة الصورية. أو بالتعبير المختصر: المادة والصورة. المادة؛ هي: الشيء القابل للتحول إلى شيء آخر؛ من قبيل: الخشب القابل للتحول إلى كرسي عبر عمليات النجارة. ولاحظ هنا أن الارتكاز في كون المادة كذلك هو القابلية والاستعداد للتغيُّر لشيء آخر. أما الصورة فهي ما يجعل (شيئاً ما) هو (ذلك الشيء تحديدًا)؛ أي أن صورة الكرسي هي القوام الذي يجعله كرسيًا وليس طاولة أو أي أمر خشبي آخر. وبالرغم من أنه لا وجود للمادة والصورة بانفصال عن بعضهما، إلا أنهما كيانان فلسفيان مُستقلان؛ فالأشياء أصبحت كذلك لأنها كانت تمتلك «القابلية» لتكون «بتلك الصورة»، وليس غيرها في ظروف معينة.

السبب في المقدمة الفلسفية التي أوردناها هو أننا لا نُنكر دور الدماغ والتفاعلات العصبية الكهروكيميائية والعوامل المادية الأخرى في كونها (العلة المادية) لحدوث التفكير والوعي في الموجود المادي. وبعبارة أخرى؛ فإن تلك العوامل المادية التي يرصدها الباحث الطبيعي في مختبره لا تعدو كونها (عللاً مادية) أو (مادة وقابليات واستعدادات) لحدوث ظاهرة الوعي والفكر في الموجود المادي. أما أن نقول إن التفاعلات الكهربائية والكيميائية هي نفسها الوعي والتفكير؛ فذلك يحوي من الثقوب المنطقية أكثر مما بالجبنة السويسرية من ثقوب مادية!

وفي المقابل؛ فإن (العلة الصورية أو صورة) الوعي والمعرفة والتفكير هي قوام تلك الظواهر التي يجعلها ما هي عليه. وهذا الجزء من علتها ليس بمادي، ولا يُمكن إثباته أو نفيه من خلال أنابيب الاختبار أو أجهزة الأشعة أو أدوات المختبر الأخرى[1].

وسنرى من خلال ما سيأتي ـ إضافة إلى ما ناقشناه في المقالة الماضية ـ أن في الإنسان أكثر من مجرد المادة (بمعناها الفلسفي ومعناها الفيزيائي معا)؛ حيث إن كيان الإنسان ـ بما هو إنسان ـ جوهر غير مادي.

(152)

 

الوحدة الشخصية للأشياء

ادَّعى بعض علماء الأحياء أن الإنسان ليس أكثر من مجرد (كيس من الكيمياويات)، وبتذكُّر ما قاله هوكنج في كتابه «التصميم العظيم»، فإنه ليس الوحيد الذي يؤمن بذلك؛ فهوكنج  ـ ومن معه في هذا الاتجاه الاختزالي ـ  يرى أن الإنسان ليس إلا ألف ترليون ترليون جزيء، وأنه لو أمكننا أن نحل المعادلات الرياضية لكل واحدة منها؛ فإننا سنصبح قادرين على معرفة ما سيفعله ذلك الإنسان في كل لحظة مُستقبلا، وهو ما سمَّاه بـ«الحتمية العلمية»، التي بنى عليها اعتقاده في أن الإرادة الحرَّة هي وهم وافتراض خاطئ وشعور زائف لدى الإنسان.

ولكن هوكنج ـ كغيره ممن حذا حذوه ـ فاته أن الألف ترليون ترليون جزيء لا تمتلك ـ فرادى وكمجموعة ـ هوية الإنسان الذي تشكله. وبعبارة أخرى: الإنسان له هوية شخصية واحدة؛ فهو يتعامل مع نفسه كشيء واحد وليس كألف ترليون ترليون شيء، ولا حتى أنه يتعامل مع نفسه كشيء واحد مجزَّأ إلى ألف ترليون ترليون شيء؛ فإن أراد شيئا فهو (وحده) يريد ذلك الشيء، وإن مددت يدك لتصافحه فأنت لا تصافح عدة بلايين جزء صغير منه، وإنما أنت تصافحه (هو ككل)، ولو تكلمت معه فإنك لا تكلم مجموعة من الترليونات منه فقط، وإنما تكلمه (هو شخصيًّا) وسيجيب عليك (هو شخصيًّا)، ولسنا مخطئين بالقول إن (ستيفن هوكنج كشخص واحد) يؤمن أنه لا يملك إرادة حرة وليس «ألف ترليون ترليون جزء صغير من ستيفن هوكنج».

الوحدة الشخصية هي غير الوحدة النوعية؛ فحين تقول: «إن زيدًا شخصٌ واحدٌ»؛ فأنت تشير إلى زيد كشيء واحد عيني خارجي. أما حين تقول: «إن نوع الإنسان واحدٌ»؛ فأنت تشير إلى مجموع الأفراد المكونين إلى نوع الإنسان، وتلك وحدة نوعية

(153)

لا نقصدها هنا؛ فالواحد الشخصي واحد فقط، أما الواحد النوعي فقد يكون واحدًا أو يكون عددًا لا نهائيًّا من الأفراد.

ويحق لنا هنا أن نسأل عن ماهية هذا الواحد الشخصي في كل واحد منا، وواضح جدًّا أن ذلك الواحد الشخصي لا يُمكن أن يكون ماديًّا[1]؛ لأن الجزء المادي في الإنسان مكوَّن ـ كما قال هوكنج ـ  من ألف ترليون ترليون جزيء؛ فإن كنا نؤمن بأن كل واحد منا شخص واحد؛ فإن ذلك الشخص لا محالة ليس ماديًّا، وإن كان له جسم مادي مكوَّن من ألف ترليون ترليون جزيء. أما إن كان هوكنج يُؤمن بأنه ليس شخصًا واحدًا، وإنما ألف ترليون ترليون شخص صغير، فإن محاورته ستكون حتمًا مُتعبة وطويلة جدًّا جدًّا!

ثم عندما نقول إن تفاعلات الخلايا العصبية (توْهِمُنا) وتولِّد (فينا) شعورًا زائفاً بالإرادة الحرة، فإنه يحق لنا أن نسأل: من المقصود بضمير (نا) في كلمات (توهمنا، تخدعنا، تجعلنا...)؟ إن كانت الخلايا العصبية وتفاعلاتها هي كل ما هناك في الإنسان؛ فمن الموهوم بأنه يملك إرادة حرة؟ هل هي الخلايا العصبية نفسها؟ كيف يمكن للخلايا أن تخدع نفسها وتوهم نفسها؟ إن في ذلك اعترافًا صريحًا جدًّا بأن هناك كيانًا مستقلًا مُنفصلًا عن تلك الخلايا والجزيئات المادية والتفاعلات الكيميائية الكهربائية ومستقل عن (كيس الكيمياويات).

يبدو لنا أننا بذلك قد أثبتنا ـ إلى درجة كافية من اليقين ـ أن كيان الإنسان غير مادي، وأن فيه جَنَبة غير مادية هي قوامه وهي شخصه وهي وحدته العينية الخارجية التي يُشار إليها، وهي التي تقتنع وتقبل وترفض وتؤيد وتعارض، وهي طبعًا غير ذلك البدن المادي المكوَّن من كيس الكيمياويات، ومن الألف ترليون ترليون جزيء[2].

(154)

 

 

 

 

 

 

الفصل السادس

هل نشأ الكون

من العدم؟

(155)

 

الفصل السادس: هل نشأ الكون من العدم؟

ذكرنا سابقا أن هوكنج استخدم كلمة «العدم» أو «اللاشيء» بطريقة مطاطية مُبهمة؛ تأرجحت بين أن يُفهم منها اللا شيئية المطلقة «العدم المحض»، وبين أن يُفهم منها «الفراغ الكمي»، والذي يتعرض لتذبذبات كمية قد تتعرض لتضخم لتصبح كوناً كاملاً. وحرصًا منا على تغطية جميع جوانب النقاش؛ فإننا سنناقش كلا الاحتمالين. وسنبدأ هنا بالتعامل مع «اللاشيء» الذي تكلم عنه هوكنج على أنه فراغ كمي، ثم نعقُب ذلك في نهاية هذا الفصل بالكلام عن «اللاشيء» بمعنى العدم المحض.

الأسطر التالية توضح باختصار القاعدة التي أسَّس عليها هوكنج تفسيره لنشوء الكون مما سماه بـ«اللاشيء» بمعنى الفراغ:

«قد تعتقد لوهلة أنه لو أزلنا كل الذرات والجزيئات من مكان ما؛ فإننا سنخلق فراغًا كاملاً في ذلك المكان؛  بحيث أنه يصلح أن نسمي ذلك المكان بـ«لا شيء»، ولكن حسب قوانين النسبية العامة؛ فإن الفضاء الخالي من الجسيمات ومن الإشعاعات يظل محتويًا على ما يسمى بـ«طاقة الفراغ» المخزنة في تحدُّب الفضاء. وحسب مبدأ الشك (اللايقين) لـ»هايزنبرج» في الطاقة والوقت؛ فإن طاقة الفضاء تلك تكون في حالة تموُّجات مستمرة تسمى بـ«التذبذبات الكمية» التي تنتج مناطق ذات تحدب إيجابي، وأخرى ذات تحدب سلبي بشكل عشوائي؛ وتسمى الظاهرة بـ«رغوة الزمكان»، كما تسمى تلك المناطق ذات التحدبات المختلفة بـ«فقاعات الفراغ الكاذب». وعندما يكون هناك تحدُّب إيجابي لفقاعة الفراغ الكاذب؛ فإن قوانين آينشتاين تسمح للفقاعة بأن تتضخم وتصل في خلال فترة قصيرة جدا تساوي

(156)

«10^ ـ 42 ثانية» (جزء من مليون مليون مليون مليون مليون مليون مليون جزء من الثانية)، إلى حجم البروتون، وأن تحوي من الطاقة ما يكفي لإنتاج كل كتلة الكون!

تبدأ تلك الفقاعة بدون أي مادة أو إشعاع أو مجال قوة، ولكنها تحوي طاقة في تحدبها؛ لذلك تسمى بـ«الفراغ الكاذب». ومع تضخمها؛ فإن الطاقة فيها تزداد بشكل لوغاريتمي هائل. ويقول العلماء إن ذلك لا يتعارض مع قوانين حفظ الطاقة؛ لأن الفراغ الكاذب ذو ضغط سلبي؛ مما يعني أن الفقاعة المتضخمة تبذل شغلاً على نفسها. ومع تضخم الفقاعة، يمكننا أن نسمي تلك الفقاعة الآن بـ«الكون»؛ لأن الطاقة فيها تتحول إلى جسيمات وقوى.

ولأن هذه العملية مستمرة طوال الوقت؛ فإن هناك عددًا لا نهائيًّا من الفقاعات (أو الأكوان) التي تنشأ طوال الوقت بلا توقف، والأمر شبيه بسطح الماء أثناء غليانه؛ حيث تنشأ فقاعات ذات أحجام مختلفة، وإن كلَّ واحد من تلك الأكوان له قوانينه الفيزيائية الخاصة به، ومعظم تلك الأكوان تكون قوانينها غير صالحة لاستمراريتها فتنهار وتفنى، ولكن لأن عددها لا نهائيًّا فإن بعضها يكون محظوظاً أكثر، وتسمح له قوانينه وثوابته الفيزيائية بالبقاء، وبعضها تسمح قوانينه بتشكيل المجرات والنجوم ومن ثم الكواكب ومن ثم الحياة، وعلى الأقل فإن أحدها قد نجح بالفعل في ذلك بدلالة أنني أكتب هذه السطور وأنك تقرأها الآن.

قد تميل لوهلة للقول بأن الأمر مجرَّد نظرية غير ثابتة، ولكن المقدار الذي نستطيع رصده وملاحظته عمليًّا هو أن تلك التذبذبات الكمية ـ وحسب مبدأ «اللايقين» لهايزنبرج ـ تنتج لنا جسيمات وجسيمات مضادة لفترات بالغة القصر قبل أن يلتقي الجسيم والجسيم المضاد ليفنيا بعضهما؛ مُنتجين طاقة تساوي الطاقة التي تطلب خلقهما من الفراغ، وكلما كانت الطاقة المطلوبة لخلق الجسيم والجسيم المضاد أكبر (أي كلما كانت كتلة الجسيمين أكبر)، كان الوقت الذي يبقيان فيه قبل

(157)

فنائهما أصغر؛ وعليه فإن الجسيمات الناشئة الكبيرة تعيش لفترة أقصر، في حين أن الجسيمات الناشئة التي تعيش لفترات أطول تكون ذات كتلة أصغر. ولكن الخلاصة: أن ظاهرة نشوء الجسيمات الافتراضية مستمرة طوال الوقت في كل مكان، وهذه الحركة المستمرة تشبه ـ كما ذكرنا ـ  سطح الماء أثناء غليانه؛ حيث تنتج فقاعات من الهواء مُختلفة الأحجام، وترى الفقاعات الكبيرة تنفجر بسرعة، في حين أن الفقاعات الأصغر حجمًا تبقى لفترات أكبر من الوقت».

جوهر كتاب «التصميم العظيم» ونظريته الأساسية هي في السطور القليلة أعلاه. وكل مناقشاتنا السابقة لم تتعدَّ أن تكون مقدِّمات منهجية تسمح لنا أن نفهم مناقشتنا الأخيرة للنظرية والإطار الذي سنحكمها فيه.

وكل الذي يهمنا هنا؛ هو: أن نحقق في المسألة التالية:

«هل الفراغ الكمي كان كافيًا لأن يُزيل ضرورة الاحتياج إلى الخالق؟».

فالتفاصيل العلمية المذكورة أعلاه نعتبرها أصولًا موضوعية؛ أعدَّها أصحاب الاختصاص في ذلك المجال، وليس لنا أدنى مناقشة معهم في ذلك.

نجد أن غاية ما فعله هوكنج ـ وزميله ـ في هذا الطرح هو أنه أضاف لنا حلقة أخرى من الموجودات في سلسلة نشوء الكون المادي؛ بأن أثبت له سبق الفراغ الكمي عليه، بل الأدق أن نقول إنه أضاف مجرَّد بعض التفاصيل في الآليات والميكانيكيات التي أدت إلى نشوء الكون المادي؛ فكل ما فعلته أطروحة التذبذبات الكمية في الفراغ الكمي هو أنها شرحت لنا بتفصيل أكبر بعض العمليات المادية التي ساهمت في نشوء الكون المادي، ولكن: هل سقط بموجب ذلك السؤال عن الحاجة للخالق؟

لنضرب مثلاً:

إنك إن وجدت أمامك كوباً من القهوة؛ فهذا قد يؤدي بك إلى أن تتساءل إن كان

(158)

هناك من جهَّز وحضَّر لك تلك القهوة، ثم إن رأيت فيزيائيا يشرح لك ـ بالتفصيل ـ عملية غليان الماء واختلاط مسحوق القهوة والحليب والسكر فيه بتفصيل دقيق جدًّا، فهل سيلغي ذلك السؤال الأساسي عمن حضَّر وجهَّز تلك القهوة؟

بالطبع لا!

إن معرفتنا بالمزيد من التفاصيل المادية عن نشأة الكون أمر جيد ومُمتع أيضًا، ولكنه لا يغنينا بأي حال عن الرغبة في التساؤل عن علة وجود ذلك الكون أساسًا؛ فلتكن التذبذبات الكمية في الفراغ أو لتكن غيرها هي الآلية، ولكن المبادئ العقلية تلح علينا أن الموجودات الحادثة تفتقر إلى علة غير حادثة في إيجادها.

المبادئ العقلية التي سبق وأن أوضحنا بأنها التي منحت لنا اعتقادنا بالواقع الخارجي، ومنحت للقانون العلمي حياته وبقاءه، وتحديدا مبدأ استحالة اجتماع النقيضين، ومبدأ السببية، يُمليان علينا بأن الشيء لا يستطيع أن يضفي على ذاته وجوده، ولا يمكنه تعبئة فراغه بذاته من ذاته؛ إذ إن فاقد الشيء لا يُعطيه.

إذن؛ فإن الفراغ الكمي والتذبذبات الكمية ليست نهاية المطاف، ولا يمكنها أن تضع السؤال عن الحاجة للخالق جانبًا لمجرد طرح أن تلك التذبذبات قد نتج عنها كون مادي؛ فتلك ـ كما أسلفنا ـ  مجرد آلية، وليس تفسيرا عن السبب المُوْجِد للعملية برُمتها كيفما كانت آليتها التفصيلية.

وإن افترضنا أن هوكنج يقصد من كلمة «لا شيء» (العدم المحض)، فإن النقاش يصبح أسهل؛ لأنه ليس هناك عدم حقيقي؛ لأن العدم لا شيء ولا يمكن افتراض وجود اللاشيء؛ لأن نفس افتراض وجوده مناقض لنفس الفرض؛ فنحن نستطيع أن نفترض وجود الشيء (أ) في قبالة وجود الشيء (ب)، ولكن أن تفترض وجود اللاشيء هو أن

(159)

تفترض وجود اللاوجود؛ وذلك واضح البطلان والفساد بأدنى قدر من التأمل، ولا يتطلب منك أن تكون عالم فيزياء ولا أن تكون حائزًا على الشهادات العليا في الطبيعة.

إننا حينما نتكلم عن العدم المحض؛ فإن أقصى ما يُمكننا الحديث عنه هو «مفهوم العدم المحض»؛ لأن هذا المفهوم لا مِصْداق له؛ وبالتالي فإن مجرد افتراض وجود عدم محض في نفسه باطل، فضلا عن أن يكون هذا العدم المحض منشأ للوجود.

(160)

 

 

 

 

 

 

الفصل السابع

لماذا نحتاج

للخالق؟

(161)

 

الفصل السابع: لماذا نحتاج للخالق؟

كرَّس هوكنج كتابه وأطروحته لإثبات أننا لا نحتاج لافتراض وجود خالق لأننا ـ حسب اعتقاده ـ نملك تفسيرًا أكثر بساطة لنشوء الكون (الأكوان اللانهائية). وقد تعرَّضنا لمناقشته فيما سبق، ورأينا أن ذلك التفسير لا يستقيم من الناحية العقلية؛ لسببين أساسيين:

 ـ أولهما: أنه يُفترض أن الوجود ينشأ من العدم؛ في حين أن ما افترضه عدمًا لم يكن كذلك، لا من وجهة نظر المادي الذي يساوق بين الوجود والمادة، ولا من وجهة نظر الميتافيزيقي الذي يرى أن الوجود أوسع من المادة.

 ـ وثانيهما: أنه ليس هناك عدم حقيقي؛ لأن العدم لا شيء، ولا يُمكن افتراض وجود اللاشيء؛ لأن نفس افتراض وجوده مُناقض لنفس الفرض؛ فنحن نستطيع أن نفترض وجود الشيء (أ) في قبالة وجود الشيء (ب)، ولكن أن تفترض وجود اللاشيء هو أن تفترض وجود اللاوجود؛ وذلك واضح البطلان والفساد بأدنى قدر من التأمل، ولا يتطلب منك أن تكون عالم فيزياء ولا أن تكون حائزا على الشهادات العليا في الطبيعة.

ولكي يكون البحث متوازناً؛ فلا بد ألا نكتفي بنقد نظرية هوكنج وإبطالها، بل لا بد لنا أن نطرح الرأي الآخر الذي يرى ضرورة وجود الخالق، وأن نثبت ذلك الرأي، كما أننا نتذكر مما مرَّ في الفصل السابق أن القول بعدمية العدم (أنه لا وجود للعدم) يفرض علينا أسئلة أخرى، ويلح علينا في إيجاد تفسيرات منطقية لحاجتنا للخالق في ظل أزلية الوجود الذي لم يسبقه عدم.

(162)

ولهذا؛ فإننا في هذا الفصل سنستعرض بعض الآراء التي تطرح ضرورة وجود الخالق؛ لنصل إلى الرأي الذي نراه صوابا ويقينيا ولا يتخلله أي شك. وفي عُرف الفلاسفة؛ فإن السؤال عن ضرورة وجود الخالق له عنوان خاص يُعرف بـ«ملاك احتياج المعلول للعلة». المعلول هو ما نصطلح عليه في تسميتنا الشائعة بالنتيجة، والعلة هي السبب. وعليه؛ فالبحث في ملاك احتياج المعلول للعلة هو السؤال عن ملاك احتياج النتيجة لسببها، أو السبب في احتياج الأشياء لأسبابها.

نبدأ بالرأي الذي طرحه هوكنج في بدايات كتابه؛ حين طرح جزءاً من تاريخ المعتقدات لدى البشر قبل تطور العلوم، وأشار إلى أن جهل الإنسان بأسباب حصول الأشياء وخوفه من الكوارث ورغبته في وجود ما ينقذه من الأمور المرعبة هو السبب الذي أدى بالإنسان إلى افتراض وجود خالق مدبر عالم قوي وحكيم يستطيع أن يفسر به حصول الأشياء المعقدة حوله، ويستعين به للتغلب على المشاكل ولإنقاذه من الكوارث والمفترسات؛ ولذلك فقد كان له آلهة كثيرة جعل لكل ظاهرة طبيعية منها إلهًا مُتخصصا له وظيفة خاصة. وبطبيعة الحال؛ فإن تطور علم الإنسان ومعرفته بآليات حدوث الأشياء، خففت من حاجته لافتراض الخالق والإله. ونحن نتفق مع هوكنج حول أن هذا الرأي ليس بسبب جيد لافتراض وجود خالق وإله، كما أننا لن نستعرض بقية الأسباب البراجماتية التي قد تجعل الإنسان يفترض وجود إله لأداء غرض معين ولحل مشكلة معينة؛ مثل: فرض نظام أخلاقي اجتماعي، أو لتنظيم شؤون الحياة عبر التعاليم الدينية...أو ما شابهه؛ لأن كل تلك الفرضيات البراجماتية يمكن مناقشتها وإضعافها بنفس المنطق.

النظرية الأكثر شيوعا للإجابة عن سؤال الحاجة للخالقية هي ما سُمِّي بـ«برهان النظم» (بفتح النون وسكون الظاء)؛ وفي هذه النظرية فإن المتأمِّل ينظر حوله في الأنظمة المعقدة في الطبيعة، ويرى أن الأشياء والأنظمة لها تركيب معين يجعلها

(163)

قادرة على أداء وظائف بالغة التعقيد؛ وحيث إن طبيعة الأشياء لوحدها هي الميل نحو الفوضى وعدم الانتظام، فإن وجود النظام المُعقد دليل على أن هناك من أعطاها ذلك النظام والتركيب الدقيق الذي مكنها من أداء وظائفها بتلك الطريقة التي ما زلنا ـ نحن البشر ـ مع كل إمكانياتنا العلمية والتقنية عاجزين عن تقليدها، بل إننا نتعلم منها لتطوير تقنياتنا وعلومنا، وهذه النظرية كذلك أشار إليها هوكنج بما أسماه بـ«المبدأ الإنساني»، الذي قسَّمه إلى: «مبدأ إنساني ضعيف» و«مبدأ إنساني قوي»، بل إن هوكنج ـ في نظري ـ هو أفضل من طرح هذه النظرية، وربما أفضل بكثير جدًّا ممن تبناها واعتقد بها؛ لأن من طرحها أساسا من معتنقيها طرح «المبدأ الإنساني الضعيف»؛ من قبيل: الأنظمة الحيوية البيولوجية في الكائنات الحية والطبيعة...وما إلى ذلك، ولكن هوكنج طوَّر من ذلك النقاش في (المبدأ الإنساني القوي) ورفعه إلى مستوى الثوابت الفيزيائية الدقيقة والقوانين العلمية التي تتحكم في قدرة الأنظمة البيولوجية على إنتاج تلك الوظائف المعقدة في الكائنات الحية. ويُمكن للقارئ أن يرجع للتفاصيل في الفصل السابع من القسم الأول من كتابنا هذا بعنوان «المعجزة الظاهرية». وقد ناقش هوكنج برهان النظم (تحت مسمَّى المبدأ الإنساني القوي)، عبر نظريته المبنية على التذبذب الكمي والتضخم السريع  ـ التي أشرنا إليها أعلاه.

مجموعة من المفكرين عُرفوا «بالمتكلمين» طرحوا مفهوم «الحدوث» كسبب لضرورة احتياج المعلول للعلة[1]، والحدوث هو وجود الشيء بعد عدمه؛ فمثلا لو كانت شجرة التفاح في الحديقة غير موجودة قبل سنتين ووجدت خلالها فإنه يمكن أن نقول إن الشجرة حادثة، وكذلك أي أمر أو أي شيء لم يكن موجودا بصورته الحالية، ثم وُجد بها فإنه حادث؛ فالمجرات والنجوم والكواكب وكذلك الذرات والجسيمات لم تكن موجودة بصورتها الحالية في وقت ما، وهي موجودة الآن. وهذا ما يجعلها

(164)

حادثة. وكل أمر حادث يحتاج إلى مُحْدِث، بناءً على قاعدة عقلية بديهية لا تحتاج إلى إثبات؛ فالشيء لا يمنح لذاته الوجود، وفاقد الشيء لا يُعطيه.

ولأن كل تلك الظواهر من حولنا في حالة حدوث مستمر، ولأن كل تلك الظواهر متغيرة ومتبدلة، ولم تكن موجودة فيما مضى من الوقت؛ فإن هذه الظواهر حادثة ومحتاجة إلى محدث يحدثها؛ أي يُوْجِدها بعدما كانت معدومة؛ لذلك فإن افتراض وجود الخالق ضرورة عقلية.

وبالطبع؛ فإن هذا الطرح متقدم كثيرا على ما سبقه من طروحات ونظريات أخرى؛ لأنه يلجأ إلى القواعد العقلية في إثبات الخالقية وليس إلى الأسباب البراجماتية أو المشاهدات للأنظمة الطبيعية. ولعلنا نستطيع ضم ما سُمِّي ببرهان الحركة والمحرك الأول...وغيرها في هذه المجموعة؛ لأنها وإن اختلفت في بعض التفاصيل الصغيرة، إلا أن مبناها العقلي واحد.

المتكلمون ـ استنادًا إلى هذا البرهان المار بيانه ـ اعتقدوا أن سرَّ الاحتياج إلى مُوجد وخالق يكمن في «الحدوث»؛ وبالمقابل فإن سر الاستغناء عن الموجد يكمن في «القدم»؛ فالظواهر الحادثة مسبوقة بعدم وجود، وهنا مكمن المشكلة! فلو كانت هذه الظواهر قديمة، وغير حادثة، لما احتاجت إلى مُوجد. والخالق لأنه قديم فهو مُرتفع عن الاحتياج. فسر حاجة الكائنات إلى الخالق يكمن في حدوثها، بينما سر عدم حاجة الخالق كامن في القدم.

هذه الإجابة واقع الأمر ليست دقيقة للغاية، ولا تصمد أمام النقد الفلسفي (لا يختلط على القارئ الأمر؛ فلسنا نقول بأن برهان الحدوث غير دقيق، بل إن اعتبار سر الاحتياج وملاكه كامن في الحدوث وهو ليس بدقيق)، وقد ردَّ عليها الفلاسفة ردًّا بليغا يكمُن في عدة نقاط؛ نورد واحدة منها، وبنحو مُختصر؛ على أن نوفر للقارئ قراءة موسَّعة ودقيقة للمسألة في باب التعليقات آخر الكتاب.

(165)

هذه النقطة؛ هي:

إن كان سر الاحتياج كامنًا في «الحدوث»؛ فالحدوث ليس إلا مرحلة زمنية ولت وانتهت، وهكذا فحامل السر يكون قد تلاشى وانتهى بزوال زمانه! إن التفتيش في مرحلة زمنية ماضية عما هو سبب احتياج الظاهرة الحالية إلى مُوجد لبحث غير مجدٍ؛ لأنه بحث في الزائل، بينما الحديث عما هو قائم ولماذا!

ومن هنا، سعى الفلاسفة لابتكار حل أكثر دقة وأشد انسجاماً مع الواقع.

تطور الطرح عند الفلاسفة ببروز مفاهيم (إمكان ووجوب الوجود[1])؛ فمفهوم الإمكان في الوجود هو (تساوي نسبة الشيء إلى الوجود والعدم)؛ في حين أن الوجوب في الوجود هو (ضرورة الوجود لذلك الشيء). الأشياء حولنا متساوية النسبة للوجود والعدم (قبل أن توجد بالفعل)؛ فكان من الممكن أن الكتاب الذي بين يديك الآن لم يكن ليوجد (لو لم تتوافر له الأسباب التي عملت على إيجاده)، وكان من الممكن أيضا أن يوجد (بدليل أنه موجود الآن بين يديك)؛ وعليه فهذا الكتاب مُمكن الوجود في نفسه وبحد ذاته. وفي نظر الفلاسفة؛ فإن (إمكان الوجود) ـ ونسميه أيضًا بـ«الإمكان الماهوي» لأسباب لا تحتاج حاليًا أن تقلق بشأنها ـ  هو ملاك احتياج المعلول للعلة؛ فالشيء مُمكن الوجود مثله مثل الميزان ذي الكفتين والمستوي؛ بحيث أن الكفتين متعادلتان ولكي ترجح كفة على أخرى؛ فإنه لا بد من مرجح لها، وإلا بقي على حاله مستويًا، وهذا المرجح الذي يرجح كفة الوجود على كفة العدم في الشيء الممكن الوجود هو العلة التي تمنح الوجود للشيء بناءً على أن الشيء لا يُمكنه أن يفرض وجوده من ذاته؛ ففاقد الشيء لا يعطيه ـ كما ألمحنا إليه سابقا.

(166)

وحيث إن الأشياء حولنا من أصغر الجسيمات إلى أكبر المجرات في حالة حركة وتبدل وتغير دائمة وتنتقل من حال إلى حال، وهذا الانتقال والتغير أمر يمكن أن يحدث كما يمكن ألا يحدث (حسب توفر علته)؛ فإن جميع تلك الأشياء هي مُمكنات الوجود ومتساوية النسبة للوجود والعدم، وحيث إنها الآن موجودة فذلك دليل ـ كما هو دليل على استحالة الدور أو التسلسل الباطلين عقلا ـ  على أن علة ما رجحت كفة الوجود فيها على كفة العدم ومنحتها الوجود، وهو دليل على احتياج الكون للخالق في برهان الإمكان الماهوي لدى الفلاسفة.

ولنوضِّح كيف أن الدور والتسلسل باطلان؛ الدور: هو أن يعتمد كل من الشيئين في وجوده على الآخر؛ وذلك واضح البطلان والفساد؛ فلا يُمكن لشيء أن يستمِّد وجوده من شيء آخر يعتمد بدوره على الشيء الأول نفسه. أما التسلسل؛ فهو: امتداد سلسلة العِلل لا إلى نهاية؛ فهو باطل وممتنع؛ لأن كل حلقة من السلسلة إنما تكون موجودة إن كانت الحلقة التي قبلها ثابتة الوجود، ولكن إن كانت الحلقة الأسبق بنفسها تتطلب إيجادًا؛ فإنها عاجزة عن تقديم الوجود في الوقت الذي لم تستطع توفيره لنفسها أساسًا. وهناك بالطبع تفاصيل أخرى في برهنة استحالة التسلسل شرحها الفلاسفة في كتبهم بالتفصيل.[1]

ويُعتبر هذا الدليل من أقوى الأدلة المطروحة، والتي لا تتطلب من المرء إجراء تجربة أو ملاحظة طبيعية (أكثر من ملاحظة أن الأشياء كان من الممكن أن توجد، أو لا توجد، وتلك ملاحظة عقلية قبل أن تكون خارجية)، ولا تتطلب إثبات وجود نظام مُعقد. كما قد تلاحظ معي أن هذا البرهان لا يتطلب منا افتراضَ وجود العدم المطلق؛ لأنه ناظر إلى «حالة الإمكان» التي قد تتوفر بشكل دائم، وإن فرضنا أن الكائن الممكن قديم زماناً، فبموجب هذا البرهان، فإن ملاك الاحتياج إلى الخالق

(167)

كامن في عمق كيان «الممكن» بما هو «ممكن الوجود»؛ أي الهوية الفارغة من الوجود. وبعبارة أخرى: إن الذي جعل الممكن مُحتاجا إلى العلة وإلى المُوْجد والخالق هو أن صميم كيانه عبارة عن الفراغ الوجودي، بينما الذي جعل المُوجد والعلة والخالق مرتفعًا عن الاحتياج إلى غيره هو امتلاؤه في صميم ذاته بالوجود.

ومع أن برهان الإمكان الماهوي أعلاه قوي جدًّا وكافٍ لإثبات الخالق والإله، إلا أن أحد الفلاسفة البارزين ـ وهو صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي؛ المعروف بملا صدرا اختصارا ـ  قام بتطويره ونقله إلى مرتبة نوعية أخرى أكبر، وسمَّي برهانه ببرهان الإمكان الوجودي أو الإمكان الفقري[1]. ويعتمد هذا البرهان على إثبات مقدمات فلسفية نرى أن طرحها يكلف القارئ جهدا كبيرا ووقتا ثمينا أيضا؛ لذلك سنكتفي هنا بأن نذكر خلاصته وما نتج عنه، تاركين التفصيل فيه للكتب المُختصة، ولكن لا بد من الإشارة هنا أيضًا إلى أن إثبات الخالق والإله في هذا البرهان أيضًا لا يستند إلى العدم المطلق.

مُحصلة البرهان أن الوجود حقيقة واقعية أصيلة، مستغنية عن الحاجة؛ فسر الغنى عن الاحتياج طبيعة الوجود بما هو وجود. أما الظواهر الناقصة للوجود، فسرُّ احتياجها كامنٌ في كونها كائنات متعلقة فقرًا بمُوجدها.

ومن أهم نتائج هذا الطرح: أن سرَّ الغنى عن الاحتياج يكمن في إطلاق الوجود، بينما سر الاحتياج يكمُن في فقر الوجود وتعلقه بالوجود الاطلاقي بالنحو الذي يكون مظهرًا وآية له[2].

(168)

 

الخاتمة

أيها القارئ العزيز، دعنا الآن أن نوجز لك محاورتنا النقديَّة في الأسطر التالية:

تبيَّن لك من خلال ما مر، أن هوكنج عندما أراد أن يهدم فكرة الألوهية والخالقية، ويُدشن أطروحة «الأكوان المتعددة» لتحل محلها، فإنه أسَّس له منهجًا يستند إلى: أولا: إبعاد الأفكار العقلية التي تحكم على القوانين الطبيعية عن أن تكون مصدرًا للاستنتاجات المتعلقة بمبدأ الوجود، وأحل محلها القوانين العلمية.

ثم شكَّك في وجود دليل موضوعي يدل على وجود الواقع (ثانيًا)، وشكك في إمكان معرفته كما هو (ثالثا)، ورابعا: اختزل الوجود في المادة فحسب. وبعد هذا ـ (وخامسا) ـ  صور لنا أن العدم الحقيقي لم يكن موجودًا في أية لحظة. وهكذا، وبعد أن أتم المنهج وحدَّد إطاره العام، قدم أطروحة الأكوان المتعددة لتحل محل الألوهية.

لكننا وجدنا أن الأفكار العقلية الأولية لا مناص من قبولها لأنها المانحة لنا يقينا بأننا وما حولنا موجودون، وهي حاكمة على القوانين التجريبية، بل القانون التجريبي يحيى ويتنفس في ظلها. وهنا؛ فإن أول وأقوى ضربة سددها «هوكنج» لنتاجه بيديه هي أنه جعل استنتاجاته مقطوعة الصلة بمبادئها العقلية، هذا أولاً.

وثانياً: أقمنا أدلة على أن الاعتراف بوجود الواقع الموضوعي أمرٌ لا يستطيع عقل إنكاره؛ لأن الانكار يتضمَّن اعترافا به، وكانت أدلتنا مستندة إلى المبادئ العقلية الأولية التي كان هوكنج قد طردها بعيدا عن منهجه.

ثالثاً: دحضنا شبهة التشكيك في عمل الحواس في المعرفة.

(169)

رابعاً: عثرنا على بُعد لا مادي؛ أي: روحي، في كيان الإنسان، يُبرر له إدراكه وعلمه.

وأخيرًا: أكدنا أن فرض العدم ليس بمُصحِّح لضرورة الألوهية؛ فمبدأ الإمكان يظل في مسيس الحاجة إلى من يملأ فراغه بالوجود، وإن لم يكن هنالك عدم حقيقي. وبعبارة أخرى: ليكن العدم غير مُتحقق، فإن احتياج الإمكان إلى الغني بالذات حتمي لا يختلف ولا يتخلف.

فإذا تهدمت المنهجية التي تأسست حولها نظرية «التصميم العظيم»؛ فمن المحتم أن تسقط النظرية نفسها بعد أن تضعضع إطارها.

وبانهدامها، أشرقت شمس «المُصمِّم الأعظم» كما لو أنها لم تكن قد غربت على الإطلاق.

ولعل من أقوى نقاط الضعف التي مرَّت من خلالها تأسيس المنهجية لنظرية كتاب «التصميم العظيم»؛ هي: ضحالة اطلاع أصحابها على نتاج الحكمة والفلسفة الإلهية. وما أذهلنا: أنه ورغم حدَّة الهجوم الذي شنه «هوكنج» على برهان «النظم»، إلا أنه لم يستطع نيل مقصوده منه. وعليه؛  فإن مشقة تفكيك براهين وجود الإله والخالق بخلخلة العدم تارة والهجوم على برهان النظم تارة أخرى، لَمَشقة أضخم بكثير من أن يتحملها هوكنج وبقية علماء الطبيعة، وإن تحملوها ـ جدلاً ـ إلا أن هذا الحمل الثقيل على الأكتاف لن يفضي إلى النتيجة المرجوة من وراء عناء حمله.

وقبل أن ننتهي من الكتاب يجدًر بنا ذكر بعض التعليقات التي أوردها (وليام كارول) ـ وهو فيلسوف ومؤرخ علوم، ومُتخصص في دراسة فلسفة وفكر توماس أكويناس، ومدرس في كلية الإلهيات في جامعة أكسفورد ـ على نظرية هوكنج أعلاه.

ففي مقالة نشرها كارول بتاريخ 30 سبتمبر 2010 في صفحة «مركاتور نت» على

(170)

الإنترنت؛ بعنوان: «التباس الخلق لدى ستيفن هوكنج»[1]؛ بدأ كارول بنقل عبارة عن هوكنج: «الخلق التلقائي هو السبب في وجود الأشياء والكون، ووجودنا نحن بدلا من عدم كل ذلك، ليس من الضروري أن نستحضر فكرة الإله لجعل الكون يعمل». وبعد أن استعرض بعض أفكار هوكنج في سطور قليلة، رأى كارول أن «هذه الأفكار الجديدة في الكتب العلمية تدعونا إلى مراجعة ما نعنيه بـ«الخلق»، وما يُمكن للعلوم الطبيعية أن تفيدنا فيه عن الخلق؛ إن كان ثمة ما يُمكنها إفادتنا به عنه. إن القول بأن الكون مُكتفٍ بذاته دون أية حاجة للخالق لتفسير الوجود (وهو ادعاء فلسفي وليس علميًّا بالتأكيد) هو نتاج التباس أساسي في النطاق التفسيري للعلم والفلسفة. وهذا القول ناتجٌ عمَّا يُمكن تسميته بـ«الشمولية الطبيعية»، التي لا ترى أية حاجة لأي تفسير يستعمل مبادئ تتعالى عن نطاق الأمور المادية».

ويقول كارول في المقالة: «إن العديد من علماء الكونيات ينفون الحاجة لوجود خالق لأنهم يعتقدون أن الخلق هو نفسه وجود بداية زمانية للأشياء». ويستنتج من ذلك أن العلوم الطبيعية تساوي بين التغير والخلق، ولكن الحقيقة أن التغيرات ليست إلا عمليات؛ في حين أن الخلق هو تسبيب وجود الأشياء، والخلق ليس مجرد عملية تغير فيها «أن تسبب الوجود لشيء هو أمر مختلف عن أن تجري تغييرات فيه، وليس أن تعمل على شيء موجود أصلا».

وحسب كارول؛ فإن كل ما تفعله العلوم الطبيعية هو أن تقدم لنا وصفاً لعملية التغيرات التي تطرأ على الأشياء ولا تقدم لنا شيئاً عن سبب وجودها أساسًا؛ والسبب الذي أدى للالتباس والخلط لدى هؤلاء العلماء؛ هو: أنهم فهموا لفظة الخلق بمعناها المُستعمل في الحياة اليومية؛ حيث إنها في هذا الإطار تعني التغيير من حالة إلى

(171)

حالة؛ من قبيل: خلق الرسام للوحة فنية، أو خلق النحات لتمثال، أو خلق الموسيقار لمقطوعة موسيقية. وكما تلاحظ؛ فإن كل تلك الاستعمالات لمصطلح الخلق ليست إلا تغييرًا للأشياء الموجودة من حالة إلى أخرى بآليات هي الأخرى موجودة أصلاً، في حين أن الخلق الذي نتحدَّث عنه في إطار الوجود هو تسبيب الوجود نفسه، وليس إجراء تغييرات عليه.

وهنا؛ لا بد من الإشارة إلى أن ما يعنيه كارول هو ما وصفه الفلاسفة بأنواع العلل؛ فهناك ما يُسمَّى بـ«علة الإيجاد»، وهناك ما يُسمى بـ«علل الإعداد»، وما تصفه العلوم الطبيعية عند وصفها لأسباب الأشياء هو علل الإعداد (تسمى أيضًا: المعدات). أما ما تتكلم عنه الفلسفة عند الحديث عن الأسباب؛ فهو علة الإيجاد (سبب الوجود). ولفهم الفارق، تأمل ما يفعله المزارع من توفير لأسباب نمو النباتات من ماء وتربة وسماد وتعرض لأشعة الشمس، والتي لا تعدو أن تكون علل إعداد أو معدات لنمو النبات، ولكن نفس وجود تلك المعدات ونفس وجود النبات (في مقابل عدم وجودها إطلاقاً) هو ما يُوصف بعلة الإيجاد.

ثم يعرج كارول على نقطة مهمة جدًّا؛ وهي: الفارق بين أصل الأشياء وبين بداياتها الزمانية. وأهمية تلك النقطة؛ هي: أن الفيزياء إنما تستطيع الحديث عن البدايات الزمانية للكون، ولكنها لا تملك أن تتحدَّث عن أصل الكون ومنبعه؛ وذلك كما قلنا لأن الفيزياء كغيرها من العلوم الطبيعية إنما تتبع التغيرات الحاصلة في حالة الكون الموجود أي بعد وجوده، ولكنها لا تستطيع أن تتبع نفس إيجاده. إن الاعتقاد بأن الخلق والإيجاد هو عبارة عن نقطة زمانية بعيدة أمرٌ خاطئ ومُلتبس؛ لأن الخلق هو ارتباط الموجود بمُوْجده، ولو حدث أن انفصل هذا الارتباط في أية لحظة لانتفى وجود الموجود المعلول أساسًا. إذن؛ فالخلق والإيجاد أمر مُستمر في كل آن وليس لحظة ولادة حدثت منذ أمد بعيد وانتهت؛ لذلك فإن الكون يُمكن دراسة التغيرات

(172)

الملحوظة عليه بالفيزياء، ومن خلال بقية العلوم الطبيعية، ويمكن أيضًا دراسة علاقته بمُوْجده بالفلسفة، ومن خلال بقية العلوم ذات العلاقة بهذا الشأن، وأن يكون للكون بداية زمانية أو لا يكون له بداية زمانية لا يتعارض في كلتا الحالتين مع كونه مُحتاجًا للعلة والسبب في وجوده؛ لذلك فإنه ليس من الصحيح البحث عن موضوع البداية الزمانية لإثبات الخالقية، كما أنه ليس من الصحيح محاولة نفي البداية الزمانية بهدف نفي الخالقية.

يستخدم كارول نموذجًا جيدًا لشرح العلاقة بين نطاق العلوم الطبيعية في تفسير الأشياء، في مقابل نطاق الفلسفة في تفسيرها؛ فيضع التغيرات التي تطرأ على الأشياء وتصميمها والنظام الحادث فيها على المستوى الأفقي لوجود الأشياء؛ في حين أنه يضع حاجتها لعلة وسبب يُوْجدها في المستوى العمودي للأشياء. وعليه؛ فإن تقديم تفسير تفصيلي عن وجود النظام في الأشياء والآليات التي تدفع بها إلى العمل وأداء الوظائف لا يغني إطلاقاً عن تفسير من نوع آخر عن سبب وجودها أساسًا واحتياجها للخالق، ولأن العبارة التالية مهمة من حديث كارول؛ فإنني أنقلها حرفيًّا: «يعتقد هوكنج أن النقاشات الحديثة عن التصميم، لا سيما تلك التي تشير إلى المصادفات الرائعة للشروط الأولية للكون (ما يُسمَّى بـ«المبدأ الإنساني القوي») لا تؤدي بنا إلى افتراض وجود مُصمِّم بالضرورة، وبدلا من ذلك فإن ذلك الضبط الدقيق في قوانين الطبيعة يُمكن تفسيره من خلال وجود أكوان متعددة، (ويتصادف أننا نعيش في هذا الكون من بين ربما عدد لا حصر له من الأكوان الأخرى التي لديها البيئة المناسبة بالنسبة لنا)؛ تماما كما شرح داروين كيف يُمكن أن يظهر تصميم ظاهره مُعجزة بالكائنات الحية دون الحاجة لافتراض تدخل من مُصمِّم علوي، إننا نستطيع بوساطة مفهوم الأكوان المتعددة أن نفسر ذلك الضبط الدقيق جدًّا لقوانين الفيزياء وثوابتها دون الاستعانة بمفهوم الخالق المصمم)، ولكن ـ والكلام هنا لكارول ـ المُصمِّم العظيم

(173)

الذي رفضه هوكنج ليس هو الخالق حقيقة، وعلى الأقل ليس الخالق الذي تؤكد الفلسفة التقليدية وعلم اللاهوت وجوده».

ويُكمل كارول: «في التصميم العظيم فإن هوكنج يمنح القوة والجدارة الكاملة للعلوم الطبيعية، ويقول: (لأن هناك قانونًا مثل الجاذبية، فإن بإمكان الكون أن يخلق نفسه من لا شيء)، لكن [في الحقيقة فإنه] لن يكون هناك أي جاذبية أساسا، بل لن يكون هناك شيء إطلاقا إن لم يخلق الله ما هو موجود».

وهنا؛ نرى مرة أخرى أن هوكنج افترض نشوء الوجود من العدم، ولكنه وضع الجاذبية كأساس ومنشأ لوجود الأشياء. ومن حقنا أن نسأله: «هل تلك الجاذبية عدم؟ أم أن الجاذبية شيء موجود؟ فإن كانت موجودة فما الذي أوجدها؟».

نرجو أن نكون قد وُفقنا في تبيان مواطن الخلل الكثيرة التي اجتاحت كتاب «التصميم العظيم». وقد حاولنا طرح القضايا الأساسية بشيء من الوضوح والاختصار، وتجنبنا الإطالة كلما استطعنا، وتركنا التفاصيل التقنية والتفاصيل الفلسفية لكُتبها المختصة بها؛ لأن القارئ الذي كنا نخاطبه ليس باختصاصي في العلوم الطبيعية ولا اختصاصيًّا في الفلسفة. ومع ذلك؛ فإننا نرى أنه لا يُتطلب منك أن تكون عالمًا في الفيزياء أو فيلسوفًا لكي تدرك بوضوح أنه لا يُمكن أن ينشأ الوجود من العدم؛ فإن كان هناك وجود فلا بد من التساؤل عن سبب وجوده، وإن كان ذلك الوجود من النوع الذي يتطلب علة لوجوده؛ فإن العقل الصريح يُرينا أن تلك العلة هي خالق الكون ومُوجده.

(174)

التعليقات

بقلم: مُحمد بن رضا اللواتي

 

التعليق الأول: الفلسفة الإلهية أو الفلسفة الأولى..

التعريف والأدوات والمنهج

«تمهيد»:

لعلك، أيها القارئ العزيز، قد أُصبت بإرباك بعض الشيء عندما قرأت عبارة المؤلف في (ص:135)، والتي يقول فيها بأنه يقتني الفلسفة التي تُعرف بـ«الإلهية»، والتي تدرس أحوال الموجود بما هو موجود، لا سيما وأن المؤلف قد نوى أن تكون هي المعني بها كلما جاء ذكر لمصطلح الفلسفة في سائر مناقشاته للتصميم العظيم. ومن هنا؛ لزم مدُّك بشرح لهذه الفلسفة، وسبر أغوار مسائلها، والتي يود المؤلف أن يزج بها في حلبة الحوار هذا. وهذا التعليق مُخصَّص لهذا الغرض؛ حيث سنضع بين يدك التالي:

ـ التعريف بالفلسفة الإلهية، ولماذا أيضًا تُسمى بالفلسفة الأولى؟!

ـ الأدوات المُستخدمة في الفلسفة، ودورها في دحض الشكوك ومنح اليقين في وجود الواقع.

(175)

ـ  مصدر وسر اليقين في البديهيات العقلية، وتقسيم العلم إلى حضوري وحصولي.

 ـ  دور العقل في المعرفة.

 ـ  الأسلوب المُتبع في التحقيقات الفلسفية.

 

1ـ «ما هي الفلسفة؟ وما موضوعها؟»

«جان فرانسوا دورتيه»[1] المعاصرـ ولنبدأ معه ونحن نتلمس طريقنا لشرح المقصود بتلك الفلسفة التي يتبناها المؤلف ـ رئيس تحرير مجلة العلوم الإنسانية (Sciences Humanness) الذي أراد أن يحطم رقم الكاتب البولوني الإسطوري «قومبروفيتش» وهو 6 ساعات وربع الساعة لأجل أن يتعرف جمهوره  ـ زوجته وصديق له ـ  على تاريخ الفلسفة الحديثة، بأن يقوم يتعريفها لقرَّائه خلال ساعة من الزمن فحسب؛ أي ما يُعادل قراءة 30 صفحة تقريبًا، كان قدَّم ثلاثة معانٍ للفلسفة؛ منها:

 ـ «طموح لا حدود له لبلوغ أعتاب الحقيقة وسبر أغوارها»، و»كيف يُمكن العيش بنحو حسن؟».

تٌرى؛ هل في التعريفين المارين شيء مما عناه مؤلف هذا الكتاب بالفلسفة الإلهية؟

الحق، نعم! وتحديدا في التعريف الأول. هذا، بعد إجراء تغيير طفيف جدًّا على التعريف؛ حتى يتوافق مع المقتنى الفلسفي للمؤلف؛ فتصبح في الهيئة التالية: «طموح لا حدود له لبلوغ أعتاب الحقيقة الكُبرى عبر سبر أغوار الوجود بما هو وجود وبغض النظر عن أشكاله وأطواره». وبهذا التعديل؛ نكون قد بلغنا شاطئ الفلسفة الأولى أو الفلسفة الإلهية التي تبناها مؤلف هذا الكتاب.

(176)

لعلك انتبهت عزيزي القارئ إلى أن التعريف الآخر للفلسفة ـ بحسب بيان «دورتيه» ـ  مُستند في الحقيقة إلى التعريف الأول؛ هذا المعنى يُشير إليه «مدكور» في عبارة موجزة تحوي جمالاً ملحوظاً، هذا عندما كان بصدد تعريف الفلسفة، وهو اللفظ الذي ترقد في أعماقه كلمتان مدمجتان بعناية فائقة لتعيشا جنبا إلى جنب دائمًا أبدا وهما: «فيلو: وتعني حب» و«سوفيا: وتعني الحكمة». قال «مدكور»: «فن رفيع للغاية، يبحث في معنى الحياة، ومشكلة المصير، لأجل توجيه السلوك»[1]. فهذا الأخير  ـ أعني: «كيف يمكن العيش بنحو أحسن؟» ـ  سيتخذ هيئة معينة فيما إذا لم تصل جهود التحقيق في الوجود إلى الألوهية، في حين أنه سيتخذ هيئة معينة أخرى وربما مغايرة للأولى تمامًا، فيما إذا رست جهود الفلسفة الأولى ـ كما يسمونها ـ إلى اكتشاف معالم الألوهية المسؤولة عن كل صغيرة وكبيرة في هذا العالم.

فالعيش الأحسن ـ في ظل الاعتراف بالألوهية ـ  سيكون ذا هيئة وطعم مختلفين. أما في غيابها، فسوف يتخذ منحًى آخر؛ منحى الفكرة الخجول التي لم تتمكن البراهين الدامغة من بلوغها، ومع ذلك جرجرتها العاطفة الإيمانية الفارغة من عمق الاستدلال الصحيح إلى مسرح الحياة ليعتنقها بعض البشر ممن يصرُّون على اعتناق ما يُريدون خلافاُ للعقل والمنطق. وبالتالي؛ ينطبق عليها ما ذكره «راسل».. قائلا: «حينما تتعارض المبادئ الدينية مع نتائج البحث العلمي، يكون الدين دائمًا في موقف دفاعي، ويتعيَّن عليه أن يُعدل موقفه لأن الإيمان ينبغي ألا يتعارض مع العقل، وإلا فإن عليه أن ينسحب»[2].

ولكن؛ وهل سيكون بإمكان البشرية أن تعيش حياتها بشكل حسن في ظل غياب الألوهية حقا؟

بحسب «نيتشه»: كلا!

(177)

لأن «هيدجر» القارئ الفذ لفلسفة العدمية ـ كما بشَّر بها «نيتشه» الأوروبيين ـ يُوجز لنا «عدميته» في بضع كلمات؛ هي: «أنه مذهب نقدي للحضارة الغربية بنظامها الفكري والأخلاقي، يعرض صورة الإنسان الغربي في المستقبل كيف سيكون بعد أن فقد إيمانه تحت وطأة التقدم المأساوي للعلوم والتقنيات»[1].

ألا يتفق القارئ العزيز على أننا في هذا العصر في مسيس الحاجة إلى تلك الفلسفة التي تريد التحقيق في الوجود لاكتشاف حقيقته وموقع الألوهية منه؟ ولكن، ما الذي يدعونا إلى أن نكون إيجابيين حقا تجاه ما سيتمخض عن نشاطها من نتائج؟ الواقع: لأنها قد استفرغت الجهد الكافي لبلوغ أعتاب الألوهية، وبلغتها حقا، وبنحو جيد جدا من الاستحكام المنطقي؛ لهذا فقد أطلق المؤلف عليها «الفلسفة الإلهية».

2 ـ  «الأدوات التي تستخدمها الفلسفة في تحقيقاتها ودورها في دحض الشك والاعتقاد الجازم بالواقع»

إلى الآن؛ قمنا بتعريف القارئ العزيز بالفلسفة التي كان يتحدث عنها المؤلف؛ أي: الفلسفة الإلهية، وتبيَّن له موضوعها وهو الوجود، ولكن ليس بأشكاله الماهوية؛ فالأرض بأحجارها وتضاريسها ليست موضوعها، ولا البحر بأمواجه وكائناته، ولا الفضاء بكواكبه ومجراته، وإنما ظاهرة التحقق والوجود هي موضوعها؛ فهي تتساءل:

هل من الممكن أن يتصف الوجود بالوجوب والضرورة؟

وهل بالإمكان أن يكون مُمكنا أيضًا؟

وهل العلية والمعلولية تقعان في الوجود؟

وماذا عن القدم والحدوث؟

(178)

والسبق واللحوق؟

والقوة والفعل؟

هل هذه كلها تجتاح الوجود ويتصف بها؟

كيف؟

ولكن السؤال الأصعب والأقوى هاهنا؛ هو:

ما الأدوات التي تستخدمها هذه الفلسفة في عملها التحقيقي هذا؟

أود هنا أن أذكر القارئ العزيز بأنه قد قرأ في المتن أن المؤلف قد وصف هذه الفلسفة التي يعتنقها بالفلسفة «الأولى»، تُرى، ماذا كان يقصد بها؟ في الواقع أن لهذا الوصف صلة حميمة بالأدوات التي تستخدمها الفلسفة الإلهية لأجل التحقيق في مسائلها. هذه الأدوات هي عبارة عن مجموعة من التحليلات العقلية التي تستند إلى أشد الأفكار يقيناً ورسوخاً في العائلة البشرية، والتي تُعرف بالبديهيات الأولى[1].

ومن هذا المنطلق أطلقوا على هذه الفلسفة التي تزج بأولى الأفكار يقيناً وسطوعًا في الذهن في عملياتها بالفلسفة الأولى. توجد مبرِّرات أخرى لتسميتها بالفلسفة الأولى، تأتي الإشارة إليها لاحقاً.

ورغم أن المذهب التجريبي قد عمل جاهدًا على إقناع الناس، ونجح ـ إلى حد كبير ـ في أن خارج حدود المختبر، وبدون التجربة، لا تكتسب أية فكرة قيِّمة علمية لها و«فرانسيس بيكون» كان طيب القلب جدًّا عندما سايرها أثناء تشييده لأركان فلسفته «الوضعية» إلى نهاية المطاف.. مُناديا بأن العلم ينبغي أن يكون تجريبيًّا فحسب، وكل ما سواه فلا طائل منه. ورغم هذا، إلا أنه مع شديد الأسف فلقد كانت دعوى بعيدة كل البعد عن الصواب.

(179)

ذلك؛ لأن ثمَّة قواعد «عقلية جدًّا» استندت إليها التجربة والتي بدونها لما أمكنها أن تكون أساسًا. تلك القواعد قد منحت للتجربة وجودها، كما منحت لموضوعها الوجود أيضًا. ولنُميط اللثام عن وجهها تدريجيًّا لقارئنا العزيز.

لا شك أنك أيها القارئ الكريم قد سمعت ـ وربما كثيرًا ـ عن أب الفلسفة الغربية الحديثة؛ أعني الفرنسي الكبير «رينيه ديكارت»، الذي أراد أن يضع حدًّا لمحاولات الشك في مدى مقدرة الإنسان على اكتناه الخارج، ومعرفة الواقع وراء ذهنه وتصوراته؛ فانطلق من «الفكر» ليحط الرحال في حتمية «الوجود» بناءً على أن وجود الفكر دليل على وجود الأنا المفكرة.

ولكن، لو لم تكن قاعدة «استحالة اجتماع النقيضبن» مُتحققة أساسًا لديه، هل كان بإمكانه الإذعان لأنه كان موجودا، فضلا عن وجود فكره؟ بزوال هذه القاعدة لا يُمكن لأحد أن يقيِّم فكرة واحدة مهما كانت بسيطة، ذلك لأن نقيضها أيضا قابل لأن يتحقق! لا توجد مدرسة على وجه الأرض تعلم الأطفال هذه القاعدة وتطبيقاتها؛ ذلك لأنها من الوضوح بمكان بحيث سائر الأذهان وحتى أذهان صغار الأطفال ممتلئة بها!

 

كيف حدث هذا؟

سنحيط القارئ بها علمًا عندما نحط رحال القلم عندها، إلا أننا هاهنا قد تعهدنا للقارئ العزيز بأن نكشف له عن الأدوات التي تستخدمها الفلسفة الأولى في تحقيقاتها العقلية الرصينة. وهذه كانت إحداها، بل وأهمها على الإطلاق. إنها قاعدة «استحالة اجتماع النقيضين» البديهية التي يأبى كل عقل في الوجود ألا يتسلح بها إن أراد أن يعتنق فكرة واحدة مهما كانت بسيطة.

(180)

كتب «محمد تقي المصباح» يقول: «تستند الفلسفة إلى المسائل العقلية البديهية التي هي من قبيل استحالة اجتماع النقيضين، ولأن هذه المسائل لا تحتاج لإثباتها إلى علم آخر؛ فالفلسفة لا تحتاج إلى أي علم لكي يثبت لها مسائلها»[1].

تُعد البديهيات الأولى والأساسية ـ وعلى رأسها «استحالة اجتماع النقيضين» ـ  من أدوات العمل للفلسفة الأولى. كتب «محمد بن إبراهيم الشيرازي» مؤسِّس المدرسة الفلسفية المعروفة بـ«الحكمة المتعالية» يقول: «سائر القضايا والتصديقات البديهية أو النظرية هي متفرعة على هذه القضية ومتقوّمة بها، ونسبتها إلى الجميع كنسبة الوجود الواجبي إلى وجود الماهيات الممكنة؛ لأن جميع القضايا يحتاج التصديق بها إلى التصديق بهذه القضية، وهي أولية التصديق غير مفتقرة إلى تصديق آخر»[2]. وهاهنا مُبرر ثانٍ لسبب تسمية هذه الفلسفة بالأولى، فلأنها تستخدم هذه القاعدة التي لا توجد فكرة أخرى تسبقها إلى الذهن إطلاقا، أي القاعدة الفكرية اليقينية الأولى، أضحى التحقيق نفسه منتسبا إلى هذه التسمية، أي الفلسفة الأولى.

ولنعد إلى أب الفلسفة الغربية الحديثة لأجل أن نُميط اللثام عن قاعدة بديهية أخرى كانت قد تسلَّلت إلى ذهن فيلسوفنا الكبير عندما كان بصدد إرساء منهج اليقين في قبال منهج الشك على دُعامة «الفكر».

ولنسأل قارئنا العزيز الذي نتوقع منه أن يكون متابعًا جيداً لنا، هذا التساؤل:

تُرى، أكان لـ»ديكارت» أن ينتقل من «الفكر» إلى الكائن «المفكر» بغياب الاعتقاد «بالعلية»؟ العلية التي تعني أن لكل حادثة مُوْجداً أوجده، هذه لو لم يكن ذهنه ارتكازيا وبحدة يعتنقها لكيف أمكنه أن يعتبر أن لفكره موجدًا وأن عليه أن ينتقل إلى وجوده من خلاله؟

الإجابة لا تحتمل التردد!

(181)

لا شك، فلقد سبق وأن أدرك ذهنه العلية، وأدرك أن لكل حادثة موجداً، ولكل معلول علة، وبناءً عليه تساءل عن علة وجود الفكر في ذهنه، ثم سار من الفكر إلى مُوجد الفكر الذي لم يكن إلا هو، الكائن المُفكر، جرى هذا كله من خلال إيمان راسخ ومُسبق بالعلية، وبدونها لما أمكنه التقدم خطوة إلى الأمام.

إذن؛ توفرت لدينا أداتان من الأدوات التي تستخدمها الفلسفة الأولى في أنشطتها العقلية وتحليلاتها الذهنية.

ولنُطلع القارئ العزيز على دور هاتين القاعدتين في إثبات الواقع الخارجي، ودحض الشك، وإسقاط حجج اللاأدريين وتجريد المنكرين للواقع الخارجي من سلاحهم.

تأمل معنا أيها القارئ العزيز العبارات التالية:

 ـ «لا يوجد في الحقيقة شيء على الإطلاق، الفكر والأفكار والمفكر، كلها هباء». تلك عبارة النافين لوجود أي شيء.

 ـ «لا يوجد غير الفكر والذات المفكرة، وما وراء الفكر فعدم». تلك مقولة المعترفين بالفكر والذات المفكرة فحسب.

 ـ  «إن كان هناك ثمة واقع؛ فإن الطرق إلى معرفته مسدودة». وتلك أيضا عبارة من عبارات المنكرين للمعرفة المتعلقة بالواقع الخارجي.

 ـ  «المعرفة التي بحوزتنا عن الواقع الخارجي قد لعبت بها أيدي طبيعة الفكر نفسه، والبيئة المحيطة وشتى الظروف الموضوعية التي تضفي على المعرفة العديد مما ليس منها، وإذن، لا نسلم بأن أفكارنا عن الخارج مطابقة للحقيقة فعلا»، وهذه من عبارات الشاكين واللاأدريين.

نود الآن من القارئ العزيز أن يلتفت إلى ملاحظتنا عليها؛ وهي: جميع هذه

(182)

العبارات، إنما طُرحت بناءً على أنها حق، وواقع، في الوقت الذي أرادت من خلاله إنكار الواقع! تأمل مليًّا أيها القارئ!

وإلا؛ فعبارة المنكرين لأي شيء ـ الأولى ـ لا شك في أنها انطلقت بناءً على كونها حق وصدق، وهكذا تكون قد ألغت ما تبنت؛ لاعترافها بوجود شيء.

تنطبق ملاحظتنا المارة آنفاً على المقولة الثانية أيضًا.

وفي العبارة الثالثة، نجد اعترافاً بوجود الواقع، واعترافاً بوجود المعرفة، واعترافاً بأنها لا تنال الواقع.

وفي الرابعة، فبالإضافة إلى ما مر، نجد اعترافاً بعدم تطابق المعرفة بالواقع، تُرى كيف تم اكتشاف أن ما بحوزتنا من معرفة كونها لا تحاكي الخارج والحقيقة ما دامت كل السبل إلى الواقع محصورة في المعرفة، وقد ادعينا بأنها مشتملة على الخطأ؟

وفيما يتعلق بالمقولة التي قبل هذه، والتي تعترف بالمعرفة لكنها تأبى أن تنال الواقع، كيف تسنى لأصحابها معرفة أن ثمة واقعًا لا تمثله هذه المعرفة، والحال أن صلة الإنسان بالخارج لا تكون إلا بما لديه من إدراك ومعرفة؟

ثم؛ كيف أدركنا الخطأ بكونه خطأ حقا؟ ألا يدل ذلك على اعتراف بأن ثمة أمرًا واحدًا على الأقل قد تم ملاحظته وإدراكه إدراكا صحيحا؛ وهو: الخطأ نفسه؟ وعندما يتم إدراك الخطأ، ألا يكون ذلك بالمقارنة مع الحق حتى يتم إدراك عدم تطابقه معه وبالتالي إدراك وجود خطأ في البين[1]؟

المُحصلة: أن جملة من الاعتقادات تضمنتها الاعترافات أعلاه باعتبارها موجودة وصحيحة. وهذا كله لا يتماشى ولا ينسجم أيها القارئ العزيز مع ما تضمنته دعوى تلك الاعترافات، فضلا على اتكائها على قاعدة استحالة تحقق التناقض أيضا.

وبإثباتها لوجود الواقع، وإمكان إدراكه، منحت الفلسفة الأولى لسائر الموضوعات

(183)

الخارجية ثباتا ووجودا؛ وبالتالي جعلت مجال العلوم برمتها واقعية، ومنحتها لتلك العلوم قيمة باعتبار أن ما تصبه عليها من الاهتمام العلمي موجود فعلا.

 

3 ـ  «مصدر اليقين البشري في البديهيات العقلية، وتقسيم العلم إلى حضوري وحصولي»

حصيلة ما مر عليك أيها القارئ العزيز؛ هو: أن لدى الإنسان جمعًا من الأفكار المتسمة بشدة الوضوح، لا يرتقي الشك إليها إطلاقا، ويقوم الذهن البشري بتوظيفها في سائر عملياته الفكرية، ويتكئ عليها حتى وإن أراد أن يبني فكرة مخالفة لتلك الأسس، كتلك التي تزعم بأن المعرفة غير متحققة، فضلا عن عدم تحقق شيء.

وتعمل الفلسفة الأولى ـ وقد سمِّيت كذلك لأنها تستخدم هذه الأفكار الأسبق من أية أخرى من مثيلاتها إلى الذهن البشري ـ على البرهنة على وجود الواقع، وقابليته للإدراك؛ من خلال تلك البديهيات الذهنية، مانحة بذلك للمعرفة المتعلقة به قيمة، ولكافة العلوم التي تشتغل بموضوعها، جدوى أيضًا.

وقد دار حديث طويل بين أعلام الفلسفة حول سر امتناع الشك والتردد تجاه هذه البديهيات. وبعبارة أخرى: تباحثوا كثيرًا حول الأسباب التي جعلت تلك الأفكار ترتقي إلى منزلة البديهيات ثابتة اليقين لدى كافة الأذهان البشرية بلا استثناء؛ ومن بين الآراء التي توصلوا إليها جوابًا:

 ـ  أن هذه الأفكار موجودة من قبل الله في الأذهان عند خلقها له. وهذا رأي اعتنقه ودافع عنه «رينيه ديكارت».

(184)

ـ  أن هذه الأفكار من لوازم الذهن البشري لا غير؛ فلو فرضنا أن عقلاً ما لو وُجد بشكل مختلف لما كان مُلتزمًا بهذه البديهيات، بل ولما أضحت بديهيات لديه.

 ـ  أن هذه الأفكار أنجبتها التجربة في الأذهان.

 ـ  أن هذه الأفكار، والعلية تحديدًا منها، لا تعني السببية إطلاقا، وإنما جل ما تعنيه هو التعاقب بين شيئين زمانا. وهذا رأي اشتهر «ديفيد هيوم» بالمنظِّر له.

 ـ  أن هذه الأفكار يتم إدراكها بالاطلاع على الواقع بنحو الخاص من الاطلاع المانح لها ذلك اليقين العالي الذي لا يقبل الشك والتردد، ويكتسح كل الأذهان ومنذ أولى مراحل عمر الإنسان.

لعلك أيها القارئ العزيز قد لاحظت أن الرأي الأخير فحسب هو المانح لهذه الأفكار البديهية قيمة واقعية، أي أن ما يجعلها أفكارًا تعلقت حقا بالواقع الخارجي وكشفته كما هو، قد ادعته الفكرة الخامسة من بين كل التي ذكرناها لك.

وهذا الذي تتبناه الفلسفة الأولى التي اعتنقها المؤلف.

وها نحن نوضح ذلك لك بتقسيم الأسلوب الذي تتحقق من خلاله معارفنا وعلومنا إلى أسلوبين:

الأول: حضور معلومة عن الواقع، وصورة ذهنية عنه، ومفهوما يتعلق به، دون أن يحضر واقع المعلومة بذاتها بين أيدينا. قراءتنا للأنباء في الصباح، ومشاهدتنا للتلفاز في المساء، تضع بين أيدينا كمًّا من المعلومات، غير أن الأوضاع التي استمعنا إلى أخبارها لم نشهدها نحن بأم أعيننا، ولست تشك أيها القارئ بأن احتمال عدم تطابق هذه الأنباء مع تلك الأوضاع وارد قطعًا، إن هذا الأسلوب في المعرفة يُفسح المجال لتسلل الأخطاء إلى معارفنا وإدراكاتنا.

(185)

ولست تشك قارئنا العزيز بأن معرفتنا ببداهة مفهوم استحالة اجتماع النقيضين، أو العلية، لا يمكن أن يكون من طور هذا الأسلوب في المعرفة، أعني الأسلوب غير المباشر، ولنسمي هذا الأسلوب في المعرفة اصطلاحًا بـ«العلم الحصولي».

وفي قبالة هذا الأسلوب، هناك أسلوب آخر؛ حيث يحضر فيه الواقع المراد معرفته بذاته، وبلا توسط معلومة عنه، بين أيدينا. وقوع جريدة الصباح بين يديك تغلق المجال أمام محاولة إقناعك بأن هذه ليست جريدة، بل كراسة التلوين المفضلة لابنتك مثلا! لم يتوسَّط المذيع ولا نشرة الأخبار بينك وبين واقع الجريدة، بل ذات الواقع قد حضر؛ فمجال ارتكاب الخطأ في تشخيصه غير وارد قطعًا.

تأمل أيضًا أيها القارئ العزيز مقدار الثقة والوضوح والقيمة التي تهبها للأمور التي تقع في عمق كيانك؛ من قبيل: مشاعرك الدفينة؟ نجزم بأن محاولة زحزحتك عن يقينك في صدقها وواقعيتها محال قطعًا.

حبك وبغضك، ما أشد قوة يقينك في صدقهما؟

ألمك وحزنك، وسائر مقتنياتك النفسية النفيسة، هذه حصدت لديك أقوى درجات اليقين، وباتت عندك أبْدَه البديهيات؛ ذلك لزوال الفاصلة بين وجودك وبينها؛ إذ تقع كلها في وجودك، ويُحيط بها علمك في اللحظة التي أحاطت بك فيه؛ الأمر ذاته يتعلق بإدراك لقواك الوجودية وكيفية تعاملك معها. إنك لن ترتكب خطأ تقديم أداة الاستماع، أي الأذن، عِوضًا عن تقديم أداة الرؤية، أعني العين، في الموقف الذي ينبغي لك أن تعير عينيك للموضوع وليس أذنيك!

هل وقعت في هذا الخطأ مرة؟ جزمًا: كلا!

عند قيادتك للسيارة، لن ترتكب خطأ استخدام العين لتوجيه المقود عِوضًا عن اليد، أو تقديم الأذن ومحاولة استخدمها لأجل الدوس على الفرامل، أو استخدام

(186)

اللسان لأجل حك فروة الرأس! بل ولا يمكن حتى فرض إمكان هذه الأخطاء؛ لذلك لا يقوم أحدهم في أية مدرسة على هذا الكوكب الأزرق بتعليم هذه الأمور ولا تدخل حتى في إتيكيت العصر!

ينبغي أن تكون تلك البديهيات التي نتحدث عنها ـ أعني استحالة اجتماع النقيضين والعلية كذلك ـ ينبغي أن تكون قد تعلقت بموضوعها بهذا الأسلوب حتى منحتها أذهاننا كل هذه القيمة؛ ذلك لأن الإدراك كما أوضحناه لك يتم عبر أسلوبين؛ الأول: «الحصولي» عاجز عن أن يهب لمقتنياتك الفكرية هذا المقدار الهائل من اليقين؛ فبقي بين أيدينا الأسلوب الآخر.

ولكي نتأكد من ذلك؛ لنتأمل مُفاد وموضوع هاتين القاعدتين البديهيتين اللتين يبدو أنهما المسؤولتان عن الثقة التي منحت لمشاعرك، ولم تشك إطلاقا في واقعيتها؛ ذلك لولا اعتقادك الجازم باستحالة اجتماع النقيضين لما أمكنك إطلاقاً أن تعتقد بوجودك وواقعية قواك النفسية ومشاعرك الباطنية، ولولا العلية لعجزت عن أن توجد علاقة بين فكرك وبينك، وبين مشاعرك وقواك وبينك كذلك!

ولنطلق اصطلاحًا على هذا الأسلوب في المعرفة؛ أعني: أسلوب وجود واقع المعلوم بين يدي العالم، بالعلم «الحضوري».

ولنرجع بدفة الحديث إلى النقطة التي كنا فيها؛ وهي: ما سر يقينية وبديهية الفكرتين عن استحالة اجتماع النقيضين والعلية؟

تدفعنا هذه المسألة ـ أولاً ـ نحو كشف مضمون وجوهر مفاد القاعدتين، عبر طرح التساؤل التالي على ذهن قارئنا العزيز:

ما الذي تخفيه قاعدة استحالة اجتماع النقيضين بين طياتها؟ وما موضوعها الأساسي؟

(187)

إنه التالي: الوجود ليس العدم ولا يجتمع معه! هذا كل شيء!

مهما تأملت مليًّا قارئنا العزيز، فإنك لن تعثر في طيات العدم على وجود لتنافر هاتين الحقيقتين وتصادمهما بطبعهما الأولي؛ إذ التحقق والواقعية لا يساوي قطعًا اللا تحقق واللا واقعية.

أما الذي تطويه قاعدة العلية من مفاد؛ فهو أن ما حدث بعد عدم، لا يمكن أن يكون قد حدث دون أن يقف وراء حدوثه مُحدِث! ذلك، لاستحالة نبوع الوجود من العدم دون سبب.

هاتان هما القاعدتان اللتان وهبتا لكل فكرة تطرأ على الذهن استقرارًا، ومنحتا لكل موضوع لأي بحث علمي قيمة، كما أن التجربة لا يُمكن أن تكون قد أنجبتهما لأنها مدينة في وجودها لهما؛ فالعالم الباحث عن أسباب مرض السُل فرضًا، إن لم يكن يعتقد باستحالة اجتماع النقيضين فكيف تستقر في ذهنه فكرة عن وجود مرض، فضلا عن وجوده ووجود ما حوله، في غياب الاعتقاد بأن نقيضها  ـ أي: عدم وجودها ـ  أيضا مُتحقق؟ وكيف أمكن له أن يعتقد بوجود سبب للمرض إن لم يكن يعتقد أساساً بأن لكل حادثة سببًا يقف وراء وجودها؟

كتب محمد باقر الصدر يقول: «إن مبدأ العلية لا يُمكن إثباته والتدليل عليه بالحس؛ لأن الحس لا يكتسب صفة موضوعية، إلا على ضوء هذا المبدأ؛ فنحن نثبت الواقع الموضوعي لأحاسيسنا؛ استنادًا إلى مبدأ العلية؛ فليس من المعقول أن يكون هذا المبدأ مدينًا للحس في ثبوته، ومرتكزا عليه، بل هو مبدأ عقلي يصدِّق به الإنسان، بصورة مستغنية عن الحس الخارجي»[1].

ولنميط اللثام عن كيفية بلوغهما الذهن بكل تلك القوة والحدة والوضوح،

(188)

سيكون ذلك أمرًا سهلاً الآن بعد أن وضعنا اليد على مضمونهما؛ فبناءً على أن الأسلوب الذي يهب للفكرة يقيناً في ذهن العالم هو ذاك الذي تكون الذات المعلومة حاضرة بين يدي العالم، أي «العلم الحضوري»، لا بد أن تكون هاتان القاعدتان قد وقع على مفادهما الذهن حضورًا حتى تأسستا بهذا النحو من القوة والحدة، وبناءً على أن صفحة النفس أقرب من صفحة الخارج، وأنها مسرح لوقوع أحداث هائلة عديدة في عمقها؛ إذن، مُفاد هاتين القاعدتين مُنتزعٌ من عمق النفس ومن توارد الوقائع على متنها.

ولكن؛ ما تلك الوقائع تحديدًا؟

إنها «وجود» النفس ووجود مشاعرها ووجود قواها. هذه الوجودات التي وَهبت للذهن أول تصوُّر عن الوجود وأنه غير العدم، وجعلت الذهن يصيغ من هذا المنظر الفكرة الأولى؛ وهي: أن الوجود غير العدم، وأنه نقيضه، وهما لا يجتمعان. وكيفية حدوث مشاعره وتوقفها في وجودها عليه وتعلقها به منحت لذهنه فرصة صياغة هذا المشهد الداخلي على هيئة قاعدة العلية[1].

ويجدُر بنا أن ننوِّه إلى أن «محمد حسين الطباطبائي» هو المبتكر للنظرية التي شرحناها لك قبل قليل؛ وذلك في المقال الذي حمل عنوان «ظهور الكثرة في العلم والإدراك» ضمن «أسس الفلسفة والمذهب الواقعي»، وكان المعلق على المقال، أعني «مرتضى المطهري» قد صرَّح يقول بأن هذا الاكتشاف يحدث لأول مرة في تاريخ الفلسفة[2].

(189)

 

4 ـ «العقل ودوره في المعرفة»

الفلسفة الأولى، والتي أدخلها المؤلف لمناقشة أطروحة التصميم العظيم؛ هي: مجموعة من التحليلات العقلية لأجل سبر غور الوجود بما هو وجود، وليس بما هو ماهية ما من الماهيات. وقد أطلقوا عليها بالفلسفة الإلهية لأنها برهنت على وجود الإله بشكل مُحكم، كما أن سر إطلاق الفلسفة الأولى عليها راجع إلى أنها وظفت أولى الأفكار بداهة وأشدها يقينا في تحليلاتها؛ ألا وهي: فكرة استحالة اجتماع النقيضين، التي لولاها لاستحال معرفة شيء لأن نقيضه مُحتمل جدًّا. وقاعدة أن لكل حادثة سببًا التي جعلت الذهن يؤمن بوجود أسباب لكل الحوادث الطارئة في الوجود.

القاعدتان المارتان من مُكتشفات العلم الحضوري للإنسان من خلال شهوده لقعر ذاته؛ حيث عثر على واقعية ومضمون تلك القاعدتين، وصاغ ذهنه لهما مفهومًا في هيئة قاعدتين عقليتين لا سبيل إلى الشك فيهما.. هاتان القاعدتان وظفتهما الفلسفة الأولى لسد الذرائع أمام كل فكرة تنكر الواقع أو تنكر إمكان معرفته؛ إذ كل إنكار من هذا النوع يحوي اعترافاً بالواقع.

وحان دور الحديث عن وجود «العقل» كأداة إدراك تعمل على منح نتاج الحواس قيمة واعترافًا، فضلا عن وجود نشاطها الخاص بها، والمتمثل في إدراك مجموعة من القضايا الفكرية التي تعجز الأحاسيس عن إنتاجها مُجتمعة. وسوف يوظف مؤلف هذا الكتاب هذا العقل في قراءته النقدية للتصميم العظيم، الذي أراد أن يجعل هذه الأداة المهمة مركونة في زاوية ومهملة بل وممنوعة من الاستخدام. وإلا، أيها القارئ العزيز، كيف للوجود أن ينبثق من عدم؟ وكيف للحادث أن يحبو من كتم العدم زحفاً دون أن تكون وراءه أنامل رشيقة جرته إلى ساحة التحقق؟ في الواقع أي ذهن هو ذاك الذي

(190)

يستطيع قبول هذا إلا إذا كان قد أبعد التعقل عن رصد الأفكار الواردة في صقعه؟

كان للوضعية دورٌ خطير للغاية في إقالة التفكير العقلي ـ الفلسفي ـ والمانح للحس قيمته، هذا من الحواضر العلمية، حتى بات «العلم» اليوم قريناً لـ«العلم التجريبي» فحسب! ومن المؤسف له أن نقول بأن مشروع التصميم العظيم أيضًا قد وقع تحت تأثير هذه الوضعية بنحو واضح وجلي.

ولنقض هذه الدعوة وإعادة العقل إلى ساحة الفكر باستقلاليته وقدرته، وليتبوأ مكانته السامية في تشييد البناء الحضاري للفكر؛ فلا مناص لنا من تقديم مفهوم «العقل» كما تراه الفلسفة الأولى ـ وتبرهن على وجوده ـ لقارئنا العزيز.

عندما تركل قدمك الكرة تنطلق نحو المرمى مُسرعة، هاهنا حدثان يتمثل الأول في الركلة، والآخر في انطلاق الكرة نحو المرمى. فعلان وقعا متعاقبين ولم ترَ العين غير هذا، ولكن ثمَّة أداة وراء العين ألزمت الركلة السببية وألزمت انطلاقة الكرة المسببية.

كيف حدث ذلك؟ وما تلك الأداة التي مارست هذا الفعل؟

لنضرب لك مثالاً توضيحيًّا آخر:

عندما نرى غليان الماء الموجود في القدر الموضوع على النار؛ فالذي تلتقطه العين هو تعاقب درجات الحرارة تصاعديًّا، ولكن هنالك أداة ألزمت النار وصف العلة، وألزمت الحرارة وصف المعلول؛ فمن المسؤول عن ذلك؟ والحال أن أداة الحس الناقلة للمشهد لا دخل لها في هذا التوصيف (!).

إن الذين جعلوا العقل ليس إلا القدرة على تحليل ما نقله الحس إلى الذهن لن يسعهم إلا الاعتراف بأن العقل قد خرج عن حدود عمله؛ فاستنتج ما وراء المعطيات الحسية أمرًا لا تساعد عليه تلك المعطيات. وهذه النقطة تحديدًا قد لفتت «ديفيد هيوم» كثيرًا، ولأنه كان وفيًا جدًّا لمنهجه الرافض لقبول ظاهرة فكرية لم تكن الحواس

(191)

قد موَّنت بها الذهن؛ فقد نفى وجود «العلية» و«السبيية»، وليته كان أقل وفاءً لمنهجه، لكان قد أدرك أن ثمة مكتشفات غير حسية على صعيد الإدراك العقلي، وينبغي التأمل الجاد فيها، علمًا بأن الذهن يشاهد منذ اللحظة الأولى تعاقب الليل والنهار، إلا أنه لم يقم بإلزام أحدهما وصف العلة والآخر وصف المعلول!

لنعد إلى التبرير الذي يقدمه تارة المنكرون لوجود القوة العقلية المستقلة عن الحس والمدركة للعلية، إنهم يقولون بأن ما تسمونه أنتم بالعلية نطلق عليه نحن هذا التعاقب لا غير، في الكون تعاقب وليس السببية!

حينئذ، نعود فنسألهم:

عندما تحرك اليد المفتاح ويُحرك المفتاح القفل؛ فهذه الأفعال الثلاثة (حركة اليد، والمفتاح، والقفل) وقعت في زمن واحد، ولا أثر للتعاقب فيها؛ فكيف تسنى لنا الادعاء بأن اليد علة لحركة المفتاح والمفتاح علة لانفتاح القفل؟

وبوصفكم أن العلية ليست إلا التعاقب، بينما هاهنا لم نرَ للتعاقب من أثر، ومع هذا فقد جعلنا اليد علة لحركة المفتاح، وجعلنا المفتاح علة لحركة القفل، فكيف فعلنا ذلك؟[1]

يبدو أنه لا جواب لهذا التساؤل فعلاً إلا بالقول بأن ثمة وظائفا غير التي كان قد توقعها «هيوم» وفريقه للعقل، أضحى بها مستقلا في عمله عن تحليل وتعميم مئونة الحواس فحسب، إننا أمام العقل كما تصفه الفلسفة الأولى، القوة التي تدرك نمطاً من الوقائع الوجودية في طور وراء طور الحس.

وليس ثمة علية وسببية فحسب، تلك التي اكتشفها العقل في طور وراء طور

(192)

الحس، أيها القارئ العزيز، بل مجموعة أخرى من الأفكار أيضًا؛ منها: الفكرة الأم لسائر الأفكار البشرية؛ بحيث أن سلسلة المعرفة الإنسانية تدين لها بالبقاء والاستمرار  ـ أعني: فكرة «استحالة اجتماع النقيضين» ـ  وهي فكرة الوجود العام؛ فالأحاسيس الظاهرية والمشاعر المعنوية إنما نقلت وجود الإنسان وشعوره وقواه الإدراكية، ولكن ثمَّة قوة أخرى تناولت هذه المعطيات الحسية، وابتكرت منها مفهوم الوجود، وأنه لا يساوي العدم إطلاقا.

دعنا نوضح الأمر لك بهذا المثال:

عندما تدخل غرفة باردة جدًّا، تتيقن أنها تخلو من الحرارة لشدة برودتها، رغم أن أحاسيسك قد وقعت على البرد الشديد ولم تقع على الحرارة، وبموجب القول بأن الحس هو المموِّن الأوحد للذهن بالمعلومة، فلا ينبغي أن تجزم بعدم وجود الحرارة في الغرفة! لقد نقلت الأحاسيس أمرًا واحدًا وهو البرد الشديد، بينما ابتكرت القوى العقلية مفهومًا مضمونه أن ما يُناقض البرد المُتحقق واقعًا لا يمكن أن يكون متحققًا أيضًا؛ فكيف حدث في ظل إلغاء دور العقل في المعرفة، واعتباره تابعًا للحس ومحللا لمضامينه ومُعمِّما لمعطياته فحسب؟[1]

إدراك هذه «المعقولات» إذن من صميم أعمال قوة وراء الحس يُطلق عليها «الفلسفة الأولى» بالعقل، إنه عقل مختلف عما اعتقدت به «الوضعية» أو «الاسمية»، ولا يقبع داخل الحدود التي رسموها له، وهاهنا إشارة إلى دورين آخرين لهذه القوة المبدعة؛ هما:

 ـ الأول: ابتكار «الكليات»؛ هذه المفاهيم التي جرت حولها محاورات طويلة انتهت إلى مشاجرات عقيمة بين رجال الفكر والمعرفة؛ فمفهوم «الإنسان» و«الحيوان»

(193)

ومفهوم «الخوف» وأمثالها التي تقبل الانطباق على عدد لا نهائي من الأفراد، كيف أمكن للإنسان أن يبتكرها؟

أشد الإجابات سطحية وضعفا هي تلك التي أرادت أن تجعل من الحواس منشئة لها، في حين أننا جميعا لا نستطيع مشاهدة «إنسان» في الخارج! إن ما نشاهده أفراد محدودو العدد؛ فكيف من عدد محدود تم ابتكار مفهوم يستوعب عددًا لا نهائيًّا من الأنواع؟

«الاسميِّين» ذهبوا إلى أن الناس في مرحلة ما من التاريخ قد ابتكروا هذه الأسماء من خلال عملية الوضع. هذا بعد أن لاحظوا وجود تشابه بين أفراد البشر، وتشابهًا بين أفراد الحيوانات...وهكذا. ولكن السؤال العويص الذي لم يتكمن منظرو الفلسفة الاسمية من الإجابة عنه؛ هو: كيف تم ابتكار مفهوم التشابه؟

العين تلتقط صورًا ولا تستطيع أن تقوم بأكثر من هذا، والأذن تلتقط أصواتا ولا يمكنها مد نفوذها خارج دائرة السمعيات. أما التشابه؛ فهو مفهوم آخر لا يموِّنه الحس للذهن. لم يقم الحس بتموين الذهن بمفهوم عن العدد اللانهائي لأنه وببساطة لم يقع بصر أحد على العدد اللانهائي من أي شيء. ومع هذا؛ فالذهن لديه مفهوم عن اللانهائي. إذن؛ ثمة قوة أخرى أدركت هذه الحقائق، ولأننا نطلق على تلك القوة «العقل» فمن الطبيعي أن تكون مدركاتها «معقولات».

 ـ الثاني: منح هذا العقل للمدركات عبر الحس قيمة، وليتابعنا قارئنا العزيز بدقة، نود أن نسأله هذا السؤال: لا شك أنك تؤمن بأشخاص ما وقع عليهم بصرك، ولا قرع أذنك صوتٌ لهم؛ كأفلاطون (مثلاً)، وأرسطو، والمسيح. والسؤال هو: كيف إذن وثقت في أن أولئك الأشخاص كانوا في زمن ما أحياء حقا؟

(194)

الإجابة المنطقية التي نتوقعها منك هي:

لقد سمعت عنهم سماعًا مستفيضًا وكثيرًا؛ بحيث أنك لم تعد تحتمل ولو واحدًا في المليون أن كلَّ أولئك البشر الذين تحدثوا عنهم أفاقون! وهذه إجابة جيدة بحق، ولسنا نملك حيالها إلا القبول، ولكننا نود لفت انتباهك إلى هذه الحقيقة؛ وهي: إنك قصارى ما رأيت وسمعت هو عدد محدود من البشر يتحدثون عنهم، إلا أن الذي موَّن ذهنك بأصوات أولئك الذين يتحدَّثون عنهم، ونعني به: السمع، والذي موَّن ذهنك بصور كتابات أولئك الذين كتبوا عنهم، ونعني به: البصر، لم يقوما بتموينك بهذه الفكرة التي أسَّست عليها تصديقك بما قالوه عن أولئك الناس، أعني: أنه من غير المقبول ـ بل من المحال ـ أن يتواطأ كل أولئك البشر الذين لا تجمعهم مصلحة، على الكذب بشأن أولئك الأشخاص ووجودهم!

هذه إذن من أين أتت؟

إنه عقلك الذي ابتكرها وعثر عليها كطور وراء طور الإدراكات الحسية. وإذن، بإبعاد العقل عن المحسوسات، تظل هذه بلا قيمة.

ألست قد سمعت عن مجموعة من القواعد العلمية التي تأسَّست بناءً على تجارب عديدة جدًا ـ كما قد يبدو لك من الوهلة الأولى ـ من قبيل أن الماء يغلي عند درجة حرارة تساوي مائة، وأن الحديد يمتد بفعل الحرارة؟ بلى قد سمعت، وربما آمنت بها كحقائق علمية لا تقبل النقض، ولكن كيف لأولئك المكتشفين أن يمدوا نتائج تجاربهم وراء مجرباتهم؛ فيعمِّموها على عدد لا نهائي من الأفراد؟ فلعل هنالك في إحدى زوايا هذا العالم ماء لا يقبل الغليان على درجة حرارة مائة! أو لربما هنالك قطعة حديد تقبع في أحدى حجور الجبال لا تتمدد بفعل الحرارة؟ لم يقم أحد بتجربة كافة مياه العالم وكافة قطع الحديد، ومع هذا فقد تم تعميم القاعدة لتشمل

(195)

كل أفراد المياه؛ فبناءً على ماذا تم ذلك؟ وكيف وهبنا هذا اليقين لهاتين القاعدتين؟

لقد تم تعميم هذه القاعدة لتشمل عددًا لا نهائيًّا من أفراد المجرب بناءً على قاعدة لا تموِّنها الأحاسيس للذهن إطلاقاً، هذه القاعدة تقول: «إن حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد»؛ فالمثلان تمامًا حكم أحدهما هو حكم الآخر.. فهل هذه الفكرة لها صلة بالحس؟

بالتأكيد؛ كلا أيها القارئ العزيز، وبواسطتها تم تعميم القاعدة العلمية المارة. إذن؛ ثمة قوة أخرى تعاملت مع المُعطى الحسي المحدود في المختبر لتعممه باستنتاج قاعدة رصينة وهي أن حكم المثلين واحد، هذه القاعدة من مُبتكرات القدرة العقلية التي وهبت لنتائج الحس قيمة وعمَّمتها إلى خارج حدود دائرتها، ونحن كنا ولا نزال ربما نظن بأنها قاعدة تجريبية صرفة[1]!

إذن؛ لعله بان الآن أن ثمة إدراكات لا يُمكن أن يكون الحس مسؤولاً عن انبثاقها من جهة، وثمة إدراكات تمنح لعدد هائل من المحسوسات قيمة. ومن المؤكد أن كلا الصنفين لا ينتميان إلى الحس؛ فنحن والحال هذه أمام العقل بمفهوم يُخالف المفهوم الذي منحته إياه الوضعية والتجريبية والاسمية والمادية من الفلسفات.

 

5 ـ  «الأسلوب المتبع في التحقيقات الفلسفية»

هذه هي المحطة الأخيرة في رحلة التعريف بـ«الفلسفة الإلهية» أو «الفلسفة الأولى»؛ فلقد مرَّ علينا لحد الآن التالي:

(196)

ـ  الفلسفة الأولى: عبارة عن مجموعة من التحليلات العقلية التي تحاول الكشف عن حقيقة ظاهرة الوجود وأحكامها.

 ـ هذه الفلسفة تعتمد على أشد البديهيات يقيناً لدى الإنسان، والتي منها استحالة اجتماع النقيضين وقاعدة العلية.

 ـ هاتان القاعدتان لا يُمكن أن يكون الحس مموِّنا للذهن عنهما؛ لأنه مُفتقر إليهما ليكون ذا قيمة ووجود.

 ـ هاتان القاعدتان ابتكرهما عقل الإنسان عبر شهوده لذاته وكيفية تعلق مشاعره وقواه به.

 ـ العقل الذي ابتكرهما يُمارس أيضًا مجموعة من الفعاليات المهمة، والتي منها ابتكار المعقولات الأولى، والتي تعني مجموعة من الحقائق التي تقبل الانطباق على عدد لا نهائي من الأفراد.

وفي هذه المحطة، نستعرضُ الأسلوب الذي تستخدمه الفلسفة الأولى في تحقيقاتها.

لا شك، عندما يريد الذهن معرفة أمر مجهول لديه؛ فإن حركته هذه أيها القارئ العزيز لا يمكن أن تكون من المجهول إلى المجهول! السير العقلي من مجهول لن يرسيه إلا على المجهول، لو قال لك صديقك بأن موعدنا الليلة عند مطعم «الحب من قضمة واحدة»، وأنت لا تعلم مكانه لما أمكنك أن تصل إليه إطلاقاً، إلا إذا سألت عنه، وفي كل سؤال منك عن مكانه تلقيت إجابات تتعلق بأوضاع معلومة لديك، كأن يُقال لك: هو عند المكان الفلاني الذي تعرفه أنت، وإلا فإن وصفوا لك المكان بدلالة أمور تجهلها عادت حركتك إلى نقطة الانطلاق وما تقدمت خطوة. إذن؛ السير العقلي إلى المجهول يحتاج إلى محطة معروفة حتى ينطلق منها نحوها، ويمكن تصوُّر هذه الحركات كالتالي:

(197)

ـ الحركة التي تنطلق من أشياء فيها تشابه بين ما تعلمه وبين ما تريد علمه من مجهول؛ فلو شاهدت مُصارعا مفتول العضلات وله لحية وشارب، ثم بعد فترة شاهدت رجلاً آخر بهذه المواصفات: مفتول العضلات وله لحية وشارب؛ فحكمت بأن هذا الرجل يمتهن المصارعة كذلك بناءً على التشابه الذي وجدته بين هذا الرجل وبين ذلك المصارع.

 ـ ولو وقع بصرك على طفل أشقر الشعر، ضائع ويبحث عن أمه، ثم أجلت البصر في الجوار فوجدت سيدة ذات شعر أشقر، فحكمت بأن هذا الطفل لتلك السيدة، فتكون قد استندت إلى التشابه لاكتشاف المعلومة المجهولة؛ وهي: من تكون أم هذا الطفل؟

إنهم يطلقون على هذه المسيرة المستندة إلى التشابه في الأشياء «بالتمثيل». وبالطبع أيها القارئ لست محتاجًا إلى برهان يُؤكد لك أنه من المحتمل جدًّا أن تفاجئك تلك السيدة بالقول بأنها ليست أم ذلك الطفل! لأن المعرفة التي يمنحها التمثيل لا ترقى إلى درجة اليقين؛ وبالتالي لا يُمكننا صناعة صرح المعرفة الجازمة، والتي لا تقبل الشك عبر هذا الأسلوب.

وهنالك حركة أخرى تستند إلى فحص عدد جيد من الأوضاع للحكم على سائر الأنواع بالحكم ذاته يسمونها بـ«الاستقراء»؛ فلو لاحظت أن أكثر من حيوان يمضغ باستخدامه فكه السفلي فانطلقت من هذه المعلومة لكي تحكم على سائر الحيوانات بهذا الحكم؛ لكنت قد مارست الاستقراء في حكمك هذا. ومرة أخرى، لن تكون بحاجة إلى دليل ليؤكد لك أن هذا الاستقراء الناقص لا يُمكنه أن يهب اليقين لنتائجك العلمية إلا إذا كان استقراء كاملا لم يترك جزئية إلا ومرَّ عليها قبل أن يصدر حكمه.

(198)

ومن أدوات المعرفة «التجربة»، والتي تعني تكرار المشاهدة المؤدية إلى استنباط معرفة. والتجربة بهذا المعنى تفيد اليقين فعلاً وتكون نتائجها غير قابلة للشك إذا ما توافر لها شرط أساسي؛ وهو: «إذا كانت جميع الجزئيات الخاضعة للتجربة متحدة تمامًا في الحقيقة مع ما نود أن نحكم عليه من أفرادها؛ فلو تمَّت تجربة الحديد وتمدُّده بالحرارة، لكان لا بد ولأجل سريان هذا الحكم في سائر أفراد الحديد أن تتحد حقيقتهم كلهم بكافة جزئياتهم فلا تكون قطعة حديد أخرى ـ مما لم تقع عليه التجربة ـ مختلفة عما هي عليه التي تم تجربتها. ولقد مرَّ عليك أيها القارئ العزيز أن العقل يُعين على إسراء الحكم بناءً على القاعدة التي يقرِّرها؛ وهي: أن «حكم الأمثال واحد»، لا يستطيع الحس تموين هذه الفكرة إطلاقاً لأنه لا يستطيع إدراك «الأمثال»؛ فهذه العملية خارجة على حدود عمله.

«جون ستيوارت ميل» رأى أن سريان الحكم في التجربة يتم بناءً على قاعدة مُفادها: «الطبيعة متحدة في الحقيقة والاقتضاء في جميع الأزمنة والأمكنة»، ولكنْ ناقدو هذه القاعدة طرحوا إشكالا عويصًا عليها يبدو أنه لا جواب لها، إلا بالقول بأن «حكم الأمثال واحد». وهذا الإشكال هو: كيف تسنى أن نعرف ذلك؟!

وأخيرًا؛ نشير إلى الطريقة التي تبنتها الفلسفة الأولى منهجًا لأجل التحقيق في مسائلها، وهي التي يُطلق عليها «الانتزاع» أو «الاستنتاج»؛ فلعلك أيها القارئ العزيز قد مرَّ عليك أن المسائل التي تتمتع بيقين عال جدا تنقسم إلى ستة أصناف؛ هي:

 ـ البديهيات الأولية: وهي قضايا يصدق بها المرء بمجرد الالتفات إليها؛ وأولى تلك القضايا؛ هي: قضية استحالة اجتماع النقيضين التي تمنح لكل فكرة استقرار ووجود. أيضًا أن لكل حادثة علة، وأن الكل أعظم من الجزء، وأمثالها المستغنية بذاتها عن

(199)

البرهان. وقد عرفت أن العقل ينتزعها ويؤسس مفاهيمها مستفيدًا من المشاهدات الباطنية؛ أي عبر الاطلاع على الإدراكات الحاصلة من خلال العمليات النفسية.

 ـ المشاهدات: وهذه تنقسم إلى مشاهدات حسية باطنية؛ وتعني مشاهدات الإنسان لأوضاعه المعنوية من قبيل اللذة والألم والفرح والحزن، وهي التي تُصبح مادة خصبة للعقل لإدراك المعقولات الأولية، وإلى مشاهدات حسية خارجية، وهي التي تلتقطها الأدوات الحسية من الواقع المادي للعالم، وكلا الصنفين محتاج للاعتراف بهما إلى قاعدة استحالة اجتماع النقيضين وإلى أن لكل حادثة سببا.

 ـ  التجريبيات: وقد مرَّ تعريفها، وحينها تبيَّن أن قيمتها اليقينية عالية بشرط الوحدة الحقيقية بين الموضوع الذي تم تجربته وبين الذي لم يتم تجربته، كما تبيَّن أن العقل بواسطة قاعدة «حكم الأمثال واحد»، يسري الحكم من التي وقعت التجربة عليها إلى أفرادها الأخرى.

 ـ  المتواترات: وهي قضايا يستبعد العقل أن تكون كاذبة إذ لا يجد مبررًا لسريان الكذب فيها؛ من قبيل: اتفاق جماعة كبيرة من الناس في روايتهم عن آخرين. وعبر هذه المتواترات أمكننا أن نعرف أخبار الماضين ووجودهم.

 ـ  الحدسيات: وهي قضايا يؤسس حدس قوي في النفس تجاهها اليقين لتوافر الأسباب الداعية إلى ذلك.

 ـ  الفطريات: وهي مسائل تحمل أسباب قبولها معها، من قبيل أن الواحد نصف الاثنين.

فإذا توضَّحت أقسام الضروريات، تُعد الحركة من إحداها إلى موضوع مشخص

(200)

منتج لليقين. والفلسفة الأولى تتحرك من الأحكام الكلية التي تنطبق على عدد لا نهائي من أفرادها، والتي تم انتزاعها بوصفها معقولات وبواسطة المقدرة العقلية؛ من قبيل: استحالة اجتماع النقيضين والعلية، إلى الأحكام الجزئية. وهذه الأمثلة تدل على هذه العمليات:

 ـ  بالاستناد إلى حكم كلي مفاده أن كلَّ حادثة فلا بد لها من علة أوجدتها، يُحكم بأن للعالم علة وسببًا يقف وراء وجوده، ويُحكم بأن للأوبئة أسبابًا أدت إليها. وهكذا يقر مباشرة وبلا أدنى شك أن الحادث لا يُمكنه أن يستقر من العدم إلى الوجود بلا مُوْجد ولا مُحْدث. ولو أنكرها على المستوى النظري، فإنه لن يسعه إنكارها على المستوى العملي؛ فمجرد أن يظهر على خده دمل إلا ويسعى لمعالجته حتى يزول؛ باعتباره أمرًا لم يكن فكان. وما إن يشعر بأن الحكة تجتاح فروة رأسه إلا ويمد يده لإيقافها يقيناً منه بأنها طارئ ولها أسبابها. وما إن يسمع هاتفه يرن حتى يمد يده مُسرعًا للرد إيماناً يقينيًّا منه بأن للاتصال سببًا، وأن ثمَّ متصلا به يود التحدث إليه.

 ـ عندما يتيقن المرء بأن زوايا المثلث تساوي 180 درجة؛ فإن هذا الحكم الكلي سوف يسري على كافة مثلثات الدنيا متى ما واجهه أحدها.

 ـ يتيقن المرء يقيناً جازمًا بأن فاقد الشيء لا يُعطيه. وبناءً عليه، يحكم بأن الحادث لا يوجد نفسه لأنه في مرحلة ما قبل الحدوث لم يكن يملك وجودًا حتى يمنحه لنفسه.

وبهذا الأسلوب، تعالج الفلسفة الأولى مسائلها، وتقدم لمسائل العقل الكبرى أجوبة مستندة إلى أعلى درجات من البديهيات اليقينية لديه.

وقد كتب «مرتضى مطهري»؛ مُعلقا على «أسس الفلسفة والمذهبـ« الواقعي..

(201)

يقول: «يدعي المنطق التعقلي أن الذهن يستطيع أن يجعل هذه البديهيات أساسًا له ثم يكسب بواسطتها قضايا مجهولة؛ أي أنه ينطلق منها إلى الاستنتاج والاستدلال العقلي والظفر بالجزئي من الكلي»[1].

وكتب «محمد باقر الصدر» يقول: «إن المقياس الأول للتفكير البشري بصورة عامة؛ هو: المعارف العقلية الضرورية؛ فهي الركيزة الأساسية التي لا يُستغنى عنها في كل مجال، ويجب أن تقاس صحة كل فكرة وخطئها على ضوئها، ويصبح بموجب ذلك ميدان المعرفة البشرية أوسع من حدود الحس والتجربة؛ لأنه يُجهز الفكر البشري بطاقات تتناول ما وراء المادة من حقائق وقضايا ويحقق للميتافيزيقيا والفلسفة العالية إمكان المعرفة»[2].

إلى هاهنا؛ نكون قد بلغنا السطر الأخير من غرض هذا التعليق.

(202)

التعليق الثاني: السبية: القانون والقواعد والتطبيقات

 

«تمهيد»:

أيها القارئ العزيز؛ ها نحن ذا نلتقي للمرة الثانية، وهذه المرة لأجل أن نضع بين يديك الكريمتين مفهومَ السببية أو العلية كما تتبناها الفلسفة الأولى أو الفلسفة الإلهية؛ ذلك لأن المقدار الذي استخدمه المؤلف من قواعدها، وإن كان يكفيه في قراءته النقدية للتصميم العظيم، إلا أنه لن يسد نهمك المعرفي للاستزادة في فهمك لها ولقواعدها. ومن هنا؛ ارتأينا أن نضع هذا التعليق مكملاً للمادة الموجودة عنها في متن الكتاب. ونتعهَّد لك عزيزي القارئ بأنك حالما تختم سباحتك بين أمواج هذه التعليقة ببلوغك شطآن السببية؛ فإنك لن تحتاج إلى أدنى مجهود فكري للإجابة عن التساؤل: «لماذا كان هاهنا ثمَّة شيء عوضا عن لا شيء؟».

وقبل أن نشرع في مسؤوليتنا هذه، نودُّ أن نؤجِّج حدة ذاكرتك عن العلية وفق اطلاعك على ما جاء عنها في التعليق الأول عن الفلسفة الأولى؛ فهناك اتضحت لك جملة من الأمور؛ منها:

 ـ  أن السببية قانون عقلي ومؤشر على وجود القدرة العقلية فوق التجربة، ويتولد باستقلال عنها؛ فهذا القانون هو المانح للتجربة قيمتها؛ لذا يستحيل أن يكون من منتجاتها.

 ـ  إن هذا القانون يقيني جدًّا، وتصل يقينيته إلى حد البداهة.

 ـ إن هذا القانون من مُكتشفات العلم الحضوري؛ ذلك لعجز العلوم الحصولية عن أن تهب كل هذا اليقين في معارفها الذهنية.

(203)

ـ إن هذا القانون شوهد لأول مرة في عمق الكيان الإنساني، ومنه تم للذهن صياغة مفهوم عنه.

والأسطر التالية ستضع بين يديك تحقيقا حول المسائل التالية:

* تعريف السببية: وما الذي يعنيه هذا القانون تحديدا؟

* قاعدة: إذا وجدت العلة فإن وجود معلولها ضروري.

* قاعدة: أن بين العلة ومعلولها تناسبًا.

 ـ القعر الأعمق للعلة والمعلول.

 ـ سر الغنى في العلة والفقر في المعلول.

 

1 ـ «مفاد قانون السببية وبديهيته»

يُمكننا الآن، بعد المقدمات المارة بتقديم تعريف «لقانون السببية» هذا، عبر صياغته في جملة واحدة؛ وهي: «تعني السببية أن أية ظاهرة وجودية حادثة أو ناقصة  ـ الحدوث علامة نقص الوجود ـ  فمن الواجب والضروري أن يكون ظهورها مستندًا إلى سببـ«[1]، هذا كل شيء!

وهذا «الواجب والضروري» الكامن في هذا القانون، في الواقع يستند تمامًا إلى قاعدة «استحالة اجتماع النقيضين»[2] التي تأبى أن تتواجد ظاهرة من ذات نفسها وتتحقق بلا مُسبِّب ولا علة.

ومع وضوح التعريف، إلا أننا ندين لك بالكشف عن أمرين مُهمِّين:

(204)

ـ  الأمر الأول: حجم الثقة التي تمنحها العقول البشرية لهذه القاعدة، وأن تمام منظومتها الوجودية مستندة إليها.

 ـ  الأمر الثاني: أنه وبسحب الوجوب والضرورة من التعريف المار لقانون السببية؛ يُعرضها للتأرجح على خط التناقض فعلاً.

ولنبدأ بالأمر الأول:

فمنذ اللحظة التي تقع فيها عيناك على الواقع الخارجي؛ سواء في منزلك بما يحويه من أفراد ومن أشياء، أو في الخارج بما يحويه من عدد هائل من الكائنات وأنشطتها التي تغمرك تمامًا؛ فإنك ـ وبلا أدنى تردد ـ  تعتقد جازمًا بأنها لهذه الصور التي تلتقطها لك عيناك، وهذه الأصوات التي تجذبها لك أذناك، وهذه الأفكار التي يُحللها لك ذهنك، وتلك المهام التي تتلمس لإنجازها عزيمة حقيقية تسري في كيانك؛ فإنك تواجه هذا كله بموقف واضح لا تردُّد فيه ولا ارتباك؛ وهو موقف المُعترِف بكل تلك الأحداث والوقائع، والجازم بوجودها. ومعنى هذا أنك أمام هذا الاجتياح لذلك الكم الهائل من الظواهر لكيانك، تعتقد جزمًا ويقيناً بوجود أسباب لها وعلل أنتجتها.

ومن المستحيل وأنت تقطع الشارع باتجاه عملك، ألا تلتفت وتحرك ساكناً وأنت تشاهد سيارة مُسرعة مُتوجِّهة نحوك، وبوقها العالي يُحذرك من البقاء ماشيًا في ممرها، لا شك أنه لولا اعتقادك الجازم بأن تلك السيارة المسرعة موجودة حقاً، أو أن زمورها العالي الذي قرع أذنيك له مصدر وعلة وسبب، لما أعرت لكل ذلك أدنى أهمية.

عجلة الحياة مستند تماما إلى واقعية وصدق مبدأ السببية، وأن مجراه الوجود وليس الفكر فحسب[1]. لا أحد منا يعتقد أن هذا القانون لا يجري في الواقع، وأنه من بنات الأذهان فحسب. كلا؛ الكل جازم جزمًا تامًّا بأن مجرى العلية والسببية هو

(205)

عالم التحقق والوجود. وشدة هذا اليقين أغنتنا عن أن نطالب المدارس بإيجاد حصة تعليمية عنه لأطفالنا.

والأعجب: أن كلَّ محاولة لنقض هذا القانون وعدم الاعتراف به، مؤشر على اعتراف أصحابه به من حيث لا يشعرون.

كتب محمد باقر الصدر يقول: «هؤلاء الذين يحاولون إنكار هذا المبدأ، والاستناد في ذلك إلى دليل، لم يكونوا يقومون بهذه المحاولة لو لم يُؤمنوا بأن الدليل الذي يستندون إليه سببٌ كافٍ للعلم ببطلان مبدأ العلية، وهذا بنفسه تطبيق حرفي لهذا المبدأ»[1].

الأمرالثاني؛ هو: حول تدحرج تمام المنظومة الفكرية البشرية في هاوية التناقض، فيما إذا تم مسح الوجوب والضرورة في تعريفنا للسببية  ـ المار ذكره آنفا ـ  فالظاهرة الحادثة إن زحفت من كتم العدم إلى فضاء الوجود من دون «علة فاعلية»  ـ مصطلح يُطلق على السبب أو الفاعل ـ  لكان معناه أن (لا شيء) يلبس لباس (الشيء) ويتحقق بذاته! غير أن فاقد الشيء لا يُعطيه؛ ففاقد الوجود لا يمنح لذاته الوجود، ونحن جميعًا نأبى قبول ذلك إطلاقاً في حياتنا الواقعية، بل ونؤسسها على أن للحوادث أسبابًا كما مرَّ بيانه، غير أن البعض عندما يلِجُون مُعترك الفكر نراهم يتخلون  ـ وبسهولة ـ  عمَّا لا يمكنهم إطلاقاً أن يتخلوا عنه في حياتهم اليومية، وقاعدة السببية إحدى تلكم القواعد.

 

2 ـ  «وجوب وجود المعلول لوجود علته»

ما مرَّ يُؤسس لأولى قواعد السببية؛ وهي: «إذا وُجد المعلول، فإن وجود علته

(206)

ضروري وواجب»[1]. بأدنى التفات إلى أطراف هذه القاعدة، نُجزم يقيناً صدقها وصحتها، ويُؤسس البيان المار كذلك لإبطال «الصدفة المطلقة»[2]؛ بمعنى إمكان بلوغ الشيء عتبة الواقع من رحم العدم بلا سبب ولا علة[3].

ولكن، هل يقف قانون السببية حائلاً أمام الاعتقاد بأن الشيء قد زحف من حالة إلى أخرى لم يكن قد بلغها، من خلال الإمكانات والاستعدادات الكامنة في عمق كيانه؟ وهل يقف في مواجهة الاعتقاد بأن ثمَّة أسبابًا وعللاً للظواهر الحادثة، إلا أن هذه الظواهر ليس بينها وبين عللها اتساق وانسجام؟ وبعبارة أخرى: لنعترف بوجود علل وأسباب، إلا أن طبيعتها لا تقتضي أن تتواجد عنها مُسببات مُشخصة ومعينة بالدقة والتحديد، وبناءً عليه فقد نشأت مجموعة من الظواهر عن علل لا تقصدها ولا تنسجم مع طبيعتها؟

نحن في الفرضين المارين أمام معنيين آخرين لـ»الصدفة»، وكلا المعنيين المارين لا يلغي الأسباب، إلا أن الفرض الأول يجعل سبب الشيء هو نفسه الذي تحرك ساعيًا إلى كسب وجود لم يكن يحتضنه، وعلة حركته استعداده الذاتي والإمكانات المضمرة في عمق كيانه، بينما الفرض الثاني لم يلغ الأسباب أيضا، إلا أنه افترض عدم وجود صلة

(207)

حميمة بينها وبين ما نتج عنها، كما لو أن مجموعة من القرود ظلت تعبث لسنين بآلة الطباعة، ثم نتج عن هذا العبث قصيدة من قصائد «شكسبير»!

هل ثمة ما يمنع من قبول الفرضين المارين؟ وهل يتأرجحان هما أيضا على حافة التناقض؟

أيها القارئ العزيز، مدعى الفلسفة الأولى  ـ العلم الوحيد الذي يدرس قاعدة العلية، ويحقق فيها مستندًا إلى الدلائل العقلية  ـ  هو نعم! الفرضان يحويان تناقضا، والاعتقاد بأن لكل حادثة سببًا يقف حائلاً أمام اعتناقها.

ولنتأمل بدقة الفرض الأول، ولنسأل السؤال أدناه حتى تتضح المسألة لنا بدقة:

هل الإمكانات والاستعدادات الكامنة في الشيء تعني:

 المقدرة على كسب وجود جديد

أو أن الوجود الجديد نفسه وعينه كامن في عمق الشيء كما سيكون عليه الشيء بعد كسبه؟

الطالب المدرسي، تارة نقول بأنه يمتلك الإمكانات الكافية لكسب علم جديد لم يكن يمتلكه قبل حضور الدرس، وتارة أخرى نقول بأن الطالب المدرسي يمتلك العلم في كيانه؛ ذلك الذي سيكتسبه بعد قليل عبر حضور الحصة!

ألم يلاحظ القارئ أن الفرض الثاني يحوي في داخله تناقضا لافتًا للغاية؟ وإلا؛ فكيف للشيء أن يكون الوجود الذي يود اكتسابه، قد كسبه سلفا وهو حاصل عليه أساسًا؟ أليس ذلك معناه أن ما ليس بموجود، في الواقع موجود أيضا وبنحو ما؟ تطلق الفلسفة الأولى على هذه الحالة «الدور»، وتعتبره محال التحقق[1] بالاستناد إلى

(208)

استحالة اجتماع النقيضين؛ ذلك لأن الشيء إذا كان عليه أن يكون موجودًا، وفي الوقت ذاته عليه أن يتواجد لاحقاً؛ فمعناه أن له قبل وجوده وجودًا!

إذن؛ المعنى المقصود بالاستعداد والإمكانية لا يعني إلا وجود المقدرة على كسب وجود لم يكن متحققا أولا، التلميذ يمتلك مؤهلات تلقي وفهم العلم، ولكن ما السبيل إلى ذلك؟ لا بد من سبب خارج عن ذاته وهو المدرس؛ فبالحضور إلى درسه يكسب وجودًا علميًّا كان يفتقده رغم وجود استعداد لديه لكسبه.

الاستعداد لكسب الوجود لا يعني تحقق الوجود. والاستعداد لا يولد الوجود، بل لا بد من سبب لكي يتحقق الوجود الجديد؛ إذن: الفرض الثاني بعد التحقيق في مقصده، كشف تمامًا أن قانون السبيية يُبطله؛ فهذا المعنى من «الصدفة» و «الاتفاق» أيضا يتأرجح على هاوية التناقض؛ فأية ظاهرة حادثة ووجود استعداد لوقوعها لا يغني عن ضرورة وجوب سبب وراءها لعب دور إيجادها.

 

ـ «بين المعلول وعلته تناسب وسنخية»

ولنتأمل الفرض الثاني، القائل بعدم وجود اتساق وانسجام بين العلل وبين ما أنتجته. ولنتساءل: ألسنا نرى شعاع الشمس يتسق ويتناسق مع مصدره؟ وبذرة التفاح لا تثمر بلوطًا؟ واصطكاك السُّحب المعبئة ماءً ببعضها لا يمكنه أن ينتج ازدياد الرصيد المصرفي؟ ألسنا عندما نسمع رنة هاتفنا، فإننا جزمًا لا نقبل بأن تكون هذه الرنة قد صدرت عن سفينة في عرض البحر تعلن عن رفعها لمرساتها واستعدادها للرحيل؟

وبعبارة أخرى: ثمة «نظام» يحكم هذا العالم؛ بموجبه ينتج كل سبب فيه مسببًا مُتسقا معه ومن نوعه وليس أجنبيا عنه إطلاقا. ألسنا نشهد هذا الأمر بأم أعيننا؛ سواء من خلال ما يصدر عنا وما نتلقاه عن غيرنا بشرًا كانوا أم لا؟ ولولا الاعتقاد الجازم بهذه القاعدة لوقعت فوضى عارمة، ولاجتاحت تمام المنظومة الفكرية البشرية

(209)

وأحالتها إلى جهل تام في ظل غياب الفهم بأن للظواهر الحادثة على أنواعها أسبابًا من نوعها أنتجتها، ولكان الإنسان يعتقد بأن كل شيء من الممكن أن ينتج أي شيء.

الفلسفة الأولى تصيغ من خلال ما مرَّ قانوناً ثانيًا من قوانين السببية؛ مفاده: «أن بين العلة ومعلولها تناسبًا وسنخية»[1]. على أنك عزيزي القارئ قد التفتت إلى أن الفرض المار يودُّ القول بأن علة ما، قد أنتجت ما لا ينبغي لها أن تنتجه، أي أنها قد أنتجت ما ليست ـ في الواقع ـ  علة وسببًا له! أليس هذا الفرض مؤداه أن السبب الحقيقي لظاهرة ما ليس موجودًا، وما صدرت تلك الظاهرة عنه فقد كان اعتباطا وإلا فليس ينبغي لذلك السبب أن ينتج تلك الظاهرة! إذن؛ هذا الفرض في الواقع يقول بأن ثمة ظاهرة ما تسللت إلى ساحة الوجود بلا سبب حقيقي لها، بالتسلق على أكتاف ما لا يؤدي إلى إنتاجها أساسا!

هذا الفرض يرتمي إلى أولى معاني «الصدفة» و»الاتفاق» الذي سبق وأن تم نقضه، وإثبات أن قانون السببية المضطرد في سائر العقول يقف حائلاً أمام اعتناقه؛ ومع ذلك، فإن التحقيق في قاعدتي السببية مارَّتي الذكر ستزيدانك وضوحًا حول ذلك.

 

ـ  «القعر الأعمق للعلة والمعلول»

لحد الآن، تعرَّف قارئنا العزيز على قانون السببية ومضمونه كما تعتنقه الفلسفة الأولى، وتأكد أن مجرى هذا القانون هو الوجود والواقع، وتأكد أيضًا كيف أنه يستند بتمامه إلى قاعدة أن النقيضين لا يجتمعان، كما توضحت لديه قاعدتي هذا القانون البديهيتين؛ وهما:

 

(210)

ـ إذا كان المعلول موجودًا، فإن علته حتمية الوجود، هذه القاعدة بالإمكان قراءتها أيضًا كالتالي: «إذا كانت العلة موجودة فوجود معلولها ضروري».

 ـ  وأن بين المعلول وعلته اتساقاً، وتبيَّن له أيضا بأن المعاني الثلاثة في حرب ضروس مع قاعدة استحالة اجتماع النقيضين؛ بحيث أن الذهن إن أراد أن يقبلها ـ وهو يقبلها بكل حرارة وشدة ولا يجد مهربا من عدم قبولها ـ فلن يسعه إطلاقا قبول أيٍّ من تلك المعاني المشار إليها للكلمتين مارتي الذكر.

ولنستأنف هاهنا من حيث انتهينا عنده؛ فلقد توضح أن قانون السببية يتناول ظاهرة تتميز بالحدوث، فيجزم أن لها محدثاً، ويُطلق على تلك الحادثة «المعلول»؛ بينما يُطلق على المحدث «العلة»، ولنسبر أغوار هذين ـ أعني «العلة والمعلول» ـ  لنكتشف قعرهما الأعمق.

ثمَّة تعريفات عدة لـ»المعلول» يُمكن إيجازها كلها في العبارة التالية: «إنه كائن يستند تمامًا في وجوده إلى غيره»، وبعبارة أوجز: «يُطلق المعلول على كائن يوجَد إذا ما تواجد سببه فقط، ويستحيل تواجده فيما إذا لم يكن مُوْجده موجودا». وبناءً على هذا التعريف يُضحى العمق الأبعد للمعلول ليس إلا «افتقارًا» إلى «العلة والسبب والموجد»، وبعبارة أوجز: «ليس المعلول إلا «تعلق فقري» بالعلة[1].

نعم أيها القارئ العزيز! ليست هوية المعلول عبارة عن كائن «مستقل» يتعرض  ـ ولأسباب غامضة ـ  إلى الارتباط والتعلق الفقري بعلته، كلا! بل تمام هويته وحقيقة وجوده أنه كائن متعلق فقرا ومرتبط ارتباط الحاجة، ليست له وراء هذه الحقيقة حقيقة أخرى.

أما العلة؛ فعلى ضوء ما مرَّ تتضح حقيقتها أيضًا؛ وهي: «الموجود الذي وجوده

(211)

سبب في وجود موجود آخر». وبعبارة أوجز: «الكائن الذي يتوقف على وجوده وجود موجود آخر»  ـ بناءً على هذا التعريف أيضًا ـ  يضحى العمق الأبعد للعلة أنه مفيض لوجود موجود آخر».

ومعنى هذا أيها القارئ العزيز:

وجود العلة هو بالنحو الذي يؤدِّي إلى وجود موجود آخر، ولأن ذلك الموجود الآخر، ليس له وجود وراء علته؛ فمن الطبيعي أن يكون رهن وجود علته.

ولكي تتأكد يقيناً مما مرَّ من تحليل، إليك هذه الفروضات لأجل التأمل فيها ومحاكمتها:

 ـ إذا وجدت العلة ـ التي سبق تعريفنا لها ـ  فإن وجودها يقتضي اقتضاء ذاتيا وجود معلوله، فإن لم يوجد المعلول ـ والذي عرفنا أنه محض ارتباط فقري بعلته ـ  فحينئذ، لم تقم العلة بسد سائر منافذ العدم أمامه، وأصبح وجوده لا يرتهن بتمامه إلى علته؛ فعلته لا تفتضيه اقتضاء حتميا، فيبقى السؤال العويص قائما: «ما الذي جعل من المعلول مرتبطا بعلته ومتعلقا بها؛ بحيث أن وجوده محال إلا إذا وُجدت علته؟». أما «الاتفاق» و»الصدفة» فلن يقوما بحل الأزمة إطلاقاً.

 ـ وإذا وجد المعلول ولم تكن علته موجودة؛ فحينئذ هذه العلة لا تقتضي وجود المعلول اقتضاء ذاتيا، وإلا استحال أن يتخلف عن وجودها! ويبقى السؤال ذاته فارضا نفسه فرضا لا يقبل الحل، وهو: «ما الذي جعل العلة علة لموجود آخر؟». ومرة أخرى: لن تحل لنا الصدفة أو الاتفاق على هذه الأزمة الفكرية إطلاقا.

ولكن، ليس مكتوبًا للتساؤل المار والذي قبله أيضًا أن يستقرا في الأبدية بلا حل؛ ذلك لأنه من غير المعقول، أن يتعرَّض كائن مستقل الوجود لشيء يجعله غير مستقل، ويُحيله إلى كائن مُفتقر بتمام كيانه إلى غيره، إلا إذا كانت هوية المعلول، وتمام

(212)

وجوده ليس سوى ذلك الارتباط، والتعلق الفقري بعلته المفضية لوجوده.

إذن؛ ضرورة ووجوب وجود المعلول لوجود علته، ووجود العلة لوجود معلولها، لا تفسير له إلا الاقتضاء الذاتي لكل منهما الآخر؛ فكيان العلة هو بالنحو الذي يفيض معلولا، وهذا المعلول ليس إلا محض ارتباط فقري وتعلق قهري بعلته.

هذا الأمر يجعلنا نؤسس قاعدة ثالثة من قواعد العلية؛ ألا وهي: «إن المعلول ليس إلا شأنا من شؤون علته، ومظهرًا من مظاهر وجودها». أيها القارئ العزيز، التحليل التالي يُساعدك على التأكد من هذه الحقيقة تمامًا.

 

5 ـ  «سر الغنى في العلة ومنشأ الفقر في المعلول»

توجد في مجال الرد على التساؤل العالمي حول سر احتياج المعلول إلى العلة، ولغز غنى العلة واستقلالها، وفرارها عن أن تطالها أصابع الاحتياج، 4 أجوبة:

 ـ الجواب الأول: تبناه أمثال الفيلسوف البريطاني «راسل». وفي الواقع، فقد عانى من هذا السؤال المحيِّر عدة من الفلاسفة بحجم «كانط» و»هيجل» و»سبنسر» و»سارتر»[1]، جواب «راسل» موجزة أن السر يكمن في «الوجود»! فما أن ترتدي أية ظاهرة لباس الوجود، حتى تصبح أسيرة للعلة، هذا كل شيء! ووفق هذه الإجابة فلا توجد علة مستغنية عن الحاجة؛ ذلك لأن ما فرضناها علة لظاهرة ما هي بدورها تعاني من المعلولية تجاه أخرى غيرها، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية.

إذن؛ طبيعة الوجود يورث المعلولية وهذا شأنه وواقعه. وبناءً عليه؛ فإن هذا الواقع يمتد ليشمل كل موجود بما فيه «الإله»! طالما كان «راسل» يُسأل عن السر الذي جعل الإله يفر من براثن المعلولية، بينما عانى سائر ما سواه من الوقوع في

(213)

قبضتها، في حين أن الإله أيضًا لا يعدو إلا شيئا من الأشياء فما بال المعلولية هجرته وفقا لدعاوى الأديان وبعض الفلسفات؟ فطالما أن الكل ـ الإله وما سواه ـ  يشملهم جميعا الوجود، إذن ليس من المفروض أن يقع استثناء لكائن واحد دون سواه، وعليه: هنالك استفهام يرسمه راسل على وجود الإله نفسه: ترى من الذي يقول بوجوده على حساب تحطيم نظام الوجود المانح لكل شيء معلولية واحتياجًا للغير؟ ومن هنا، نشر «راسل» كتابا بعنوان «لماذا لم أكن مسيحيا؟» وهو لا يعني المسيحية فحسب، بل يتجاوزها إلى سائر الأديان؛ فالسبب في عدم إيمانه هو عدم وجود إجابة للغز فرار الإله عن قانون السببية الذي ينبغي أن يكون توأم الوجود.

أيها القارئ العزيز، تتبنى الفلسفة الأولى في طياتها مسألتين عقليتين لا تساعدان بتاتاً على قبول الإجابة الأولى التي حاولت أن تضع يدها على سر الحاجة في المعلولية.. هاتان المسألتان هما:

 ـ  الأولى: أن سلسلة المعلولات لا يُمكنها أن تتصاعد إلى ما لانهاية، بل لا بد لها أن تقف عند محطة للعلية المستغنية بالذات عن الاحتياج؛ فالمعلول المتوقف في وجوده على علة ما، وتلك بدورها إن كانت مستندة إلى أخرى، وهذه الأخرى على غيرها؛ فإن هذا الأمر إن لم يتوقف عند علة مستغنية بالذات، فلن تأتي نوبة وجود الظاهرة إطلاقاً؛ ذلك لأن المعلول (أ) يُريد منحة الوجود من (ب)، ولكن هذا الباء مُحتاج أن يحظى بالوجود من موجود (ج)، وهذا بدوره ينتظر المنحة تأتيه من الموجود (د)؛ فلو تصاعدت السلسلة إلى ما لا نهاية، لكان ذلك معناه أن نوبة الوجود لن تصل الظاهرة (أ) أبدا! إن صفًا من السيارات إن تخيلناه، فلا بد أن منه تتحرك الأولى لتفسح المجال لحركة الثانية، ثم تأتي نوبة الحركة للثالثة، ولكن لو كانت قبل الأولى سيارة لكان ينبغي أن تتحرك أولاً؛ فماذا لو كان قبلها عددٌ لا نهائي من السيارات؟ لما جاء دور أية منها أن تتحرك! إذن؛ حقا سلسلة

(214)

العلل لا بد وأن تنتهي إلى واحدة غنية بالذات؛ ففرض «راسل» يبقى عاجزا عن كسب التأييد.

 ـ الثانية: لقد مرَّ على قارئنا العزيز في التعليق الأول عن الفلسفة الإلهية، أن الوجود والعدم أمران مُختلفان في الهوية؛ ففي الوقت الذي تكون فيه هوية الوجود الغنى وعدم الاحتياج، بينما هوية العدم اللاشيء والفقر من الوجود؛ فبناءً عليه كيف يُمكن القول بأن ظاهرة الوجود توأم للفقر والاحتياج إلى الغير؟ هذا أيضا يجعلنا نعجز عن اعتبار الوجود سر الفقر والتعلق بالعلة في الكائنات؛ لذا وَجب البحث عن حلول عقلية أخرى.

 ـ الإجابة الثانية: هناك فريق مال إلى أن «الحدوث» هو السر الذي جعل المعلول معلولاً حقاً؛ فكل ظاهرة مسبوقة بعدم زماني، ينالها الاحتياج إلى العلة، بينما يُقابل الحدوث القِدَم، ومعناه عدم خلو الشيء من الزمان إطلاقا، أي لم يكن زمانًا إلا وكان ذلك الشي موجودًا حتى يكون قديمًا، اعتنق علم الكلام الإسلامي تحديدًا هذا الجواب، لكن الحق أن هذا الجواب أيضًا لا يصمد أمام النقد التالي المكوَّن من ثلاث نقاط:

* الأولى: أن الظاهرة ما قبل الحدوث محكومة بالعدم، وما هو عدم فهو لا شيء؛ وبالتالي لا يمكنه أن يتصف بشيء ما على الإطلاق! فكيف جاز إذن وصفه بالاحتياج إلى الغير؟ وعندما تكون الظاهرة موجودة، فقد تحققت وتواجدت؛ فبعد التواجد كيف تكون محتاجة إلى أن تتواجد؟ الواقع أيها القارئ العزيز أن الظاهرة الحادثة محفوفة دائما وأبدا باستغناءين؛ الأول: ما قبل حدوثها. والآخر: بعد حدوثها.

* ونقطتنا الثانية هي:

إن الذين قرَّروا أن الحدوث يحوي سر الاحتياج؛ في الواقع فقد فتشوا في العدم

(215)

الذي سبق وجود الظاهرة؛ أي في زمن ما قبل زمان وجودها، بينما الزمن الذي سبقها ليس بزمنها ولا تربطه بها بصلة حتى يتم تشخيصه وتحليله والتأمل فيه! ينبغي التأمل في هوية الشيء لاستجلاء السر وليس في مرحلة ما قبل وجود الشيء.

ولنضرب لك مثالاً توضيحيًّا يكشف لك عن الحقيقة:

لو فرضنا أن «ع» غير موجودة، ثم وُجدت؛ فهل السر الذي جعلها توجد هو «عدم وجودها السابق»؟ جزمًا كلا! لأن العدم لا يصلح لأن يكون شيئاً حتى يكون ملاكا لشيء!

* ونقطتنا الثالثة هي:

إن كان السر كامناً في الحدوث، لتطلَّب أن يزول بعد حدوث الظاهرة، إلا أن الظاهرة تظل محتاجة إلى علتها حتى بعد حدوثها بناءً على التعريف الذي قدمناه؛ وهو: أن المعلول بتمام هويته محض ربط بعلته، ومن المُحال أن ينسلخ عن هويته، وببقاء الحاجة إلى العلة يبقى السر غير مكشوف؛ لأنه لا يُمكنه أن يكون كامنا في مرحلة ما قبل وجود الشيء، بينما يظل الشيء بعد وجوده رهين حاجته.

 ـ الإجابة الثالثة: يقول الفلاسفة إننا تارة نقول بأن الشمس موجودة؛ فصلة الشمس بالوجود في الواقع ليست واجبة ولا ضرورية؛ إذ من الممكن ألا تكون الشمس موجودة، وعندما نقول بأن الشمس غير موجودة، فليس ذلك معناه بأن الكون ليس موجودًا بالضرورة؛ فنسبة الشمس إلى الوجود وإلى العدم سواء، وكل شيء يقف على خط الوسط، لا بد أن يُرجحه مُرجِّح من خارج ذاته، وإلا فذاته لا تقتضي من ذاتها الوجود أو العدم.

هكذا تمامًا الإنسان؛ فماهيته لا تقتضي الوجود ولا تقتضي العدم؛ فلو اقتضت العدم لما تحقق، ولو اقتضت الوجود لما فني! فذاته في حد الاستواء التام بين الوجود

(216)

والعدم، وهكذا كائن لا بد من مرجِّح يُرجح فيه جانب الوجود أو العدم.

إذن؛ خُلو الأشياء ذاتيًّا من الوجود، وخلوها أيضًا من العدم ـ أي هذا الحد الوسط، والذي يُعرف باللغة الفلسفية بـ«الإمكان» ـ  هو السر في احتياج المعلول إلى علة ترجِّح وجوده، اختار هذا الجواب ونقحه بشكل جيد جدًّا الشيخ الرئيس ابن سينا.

 ـ الإجابة الرابعة: وهي لمدرسة الحكمة المتعالية التي أسسها «صدر الدين الشيرازي»؛ نسردها في الأسطر التالية:

عندما نتحدث عن السببية، فإن الذهن يصوِّر لنا أمورًا خمسة؛ هي:

* العلة التي منحت الوجود.

* المعلول الذي تلقى الوجود.

* المنحة الوجودية.

* عملية المنح.

* عميلة التلقي.

ولكن بالتدقيق في هذه الأطراف الخمسة، لن يُثبت لدينا إلا طرفان فحسب؛ ذلك لأن عملية المنح لا واقع لها، لأن مؤداه وجود المعلول قبل تلقيه للوجود! وهكذا فإن عملية التلقي لا أساس لها أيضًا لذات الغرض. أما المنحة فلا تعني إيجاد المعلول، وهكذا فنحن أمام حقيقتين؛ إحداهما: العلة التي توجد المعلول. والآخر: المعلول الذي تكمن حقيقته في الارتباط الفقري بالعلة.

ولندقق الآن في هوية هذا الكائن المرتبط فقرًا بعلته، ولنطرح السؤالين التاليين:

(217)

ـ الأول: تُرى هل أن ما فيه من الوجود، موجود في علته؟ ليس من شك أن الإجابة بالنفي لا يمكن قبولها؛ إذ إن فاقد الشيء لا يُعطيه، فإن كانت العلة غير حاضنة لما منحته من الوجود للمعلول لاستحال أن تهبها إياه، وهكذا لا يسعنا إلا الاعتراف بأن ما تمنحه العلة من وجود فهي حاضنة إياه.

 ـ أما السؤال الآخر، فهو: على أية نحو تمتلك العلة وجود معلولها؟

ثمة افتراضان؛ أولهما يقول بأن العلة الواهبة لوجود المعلول تحتضنه بالنحو الذي يكون المعلول بحده الوجودي كامن في العلة.. أما الفرض الآخر، فيقول بأن العلة تحتضن وجود المعلول بالنحو الذي يتسق مع سعة وجودها؛ وبالنحو الذي لا تكون حدود وجود المعلول سارية فيها.

وبالطبع، كما تلاحظ أيها القارئ العزيز، لا يسعنا قبول الافتراض الأول؛ لأن معناه أن المعلول هو العلة في أفق آخر؛ فالعلة التي تمتلك وجود المعلول وحده وماهيته في عمقها ستبدو عين معلولها بلفظ آخر ليس إلا، بينما الافتراض الآخر يُمكن قبوله لأنه يتحدث عن الهبة الممنوحة بلا حدِّها الوجودي المشخَّص على هيئة المعلول هو الذي تحتضنه العلة.

ولنضرب لك مثالاً من عالم الأرقام أيها القارئ العزيز؛ حتى تستبين المسألة بجلاء:

لا شك أن الرقم الأعلى يحوي في عمقه الرقم الأدنى، 7 تحوي 5 وهي محوية في 9، غير أن 5 ليست موجودة بحدها الذي لا تتجاوزه وهو 5 في عمق 7، كلا! وإنما وجود 5 لدى 7 يعني اشتمال 7 على وجودات الأرقام الأضعف منها، ولكن بلا حدودها المشخصة.

والآن ـ أيها القارئ العزيز ـ بما أن المعلول هويته الوجودية لا تتعدى الارتباط الفقري بالعلة، وأن وجوده هو الممنوح والمفاض من قبل العلة، وأن ما منحته العلة

(218)

فهو موجود لديها في صميم كيانها بلا حدود المعلول المشخصة، فيتضح بجلاء إذن أن الظاهرة المعلولة ليست إلا ظهورًا وتجليًا وألق العلة فحسب. كتب محمد تقي المصباح مُشيرا إلى هذه الحقيقة قائلا: «الحقيقة أن وجود المعلول شعاع من وجود العلة، وهو عين الربط والتعلق بها، ومفهوم التعلق والارتباط ينتزع من ذاته»[1]، وبناءً على ما مرَّ لاح سر الحاجة إلى الغير وسر الاستغناء عن الغير أيضًا.

وكتب المصباح، يقول: «المعلولية هي ضعف مرتبة الوجود بالنسبة لموجود آخر. وفي المقابل، تصبح ميزة العلة هي قوة وشدة مرتبة الوجود بالنسبة إلى المعلول، كما أن ميزة العلة المطلقة هي الشدة اللانهائية والكمال المطلق»[2].

والآن ـ أيها القارئ العزيز ـ إن تساءلنا: لماذا هاهنا شيء عوضًا عن اللاشيء؟ لكان الجواب: «نقول بتعبير يرتضيه هيجل، إن الوجه المعقول لحقيقة الوجود هو الاستغناء عن العلة. أما الاحتياج، فهو حاصل من اعتبار إضافي على حقيقة الوجود؛ وهو ذلك التأخر وتلك المحدودية؛ أي أن الاحتياج إلى العلة هو عين تأخر مرتبة الوجود عن حقيقة الوجود؛ فيكون الاحتياج للعلة وجهًا غير معقول للوجود بتعبير هيجل»[3].

ونضيف: «سر الاحتياج للعلة ليس مجرد كونها أشياءً أو موجودة، وإن الأشياء ليست مُحتاجة للعلة؛ لأنها موجودة، كلا! فإن الموجودية بدلاً من أن تكون دليلاً على الاحتياج، دليل على الغنى والاستقلال، إن ما نقوله أحيانا من أن كل شيء أو كل موجود يحتاج إلى العلة أمر غير صحيح، بل غلط فظيع. والتعبير الصحيح هو أن كل ناقص مُحتاج إلى علة»[4].

(219)

6 ـ «العلة التامة والعلل الناقصة»

لنفرز الآن ما انتهينا إليه لحد الآن من نتائج التحقيقات المارة حول قانون السببية:

 ـ العلة سبب والمعلول مُسبب. والعلية أو السببية لا تعني إلا أن لكل حادثة سببًا ومُحدًثا لاستحالة انبثاق الشيء من العدم إلى الوجود بلا سبب.

 ـ العلية والسببية تجريان في الوجود وتتحققان في الواقع، وليسا مفهومين ذهنيين فحسب.

 ـ  لا سبيل إلى إنكار السببية لأن كل المحاولات تستند على الاعتراف بها.

 ـ  إذا وجدت العلة فوجود معلولها ضروري، كما أن وجود المعلول يدل دلالة ضرورية على وجود علته.

 ـ  الصدفة بمعانيها الثلاثة مستحيلة[1].

 ـ  بين العلة ومعلولها تناسب وسنخية.

 ـ  المعلول ليس إلا شأناً من شؤون علته ومظهرًا لها، لمكان ارتباطه الفقري بها، وليس للمعلول هوية خارج إطار ذاته غير الارتباط والتعلق الفقريين بالعلة.

 ـ  سر الاحتياج لا يكمن في الوجود ولا في الحدوث ولا في الإمكان، وإنما يكمن في التعلق الفقري بالغير.

لم يتبق في جعبتنا عن السببية إلا القليل، وها نحن الآن نُخرجه برمته. وهذه المرة يتعلق الحديث بأنواع العلل وتقسيماتها؛ ذلك لأنك أيها القارئ العزيز مُعتاد

(220)

جدًّا أن ترى عللاً تزول، ولكن معلولاتها تظل محتفظة برصيد من الوجود قبل أن تزول؛ فكيف حدث هذا؟ والحال أن المعلول محض ارتباط وتعلق بالغير؛ إذن أنَّى له أن يبقى بينما زال سببه؟!!

الواقع؛ ثمَّة نوعان من الأسباب:

نوعٌ منها لا يسد عن المعلول كل أبواب العدم، وهو جدير بأن يُسمى بالعلل المعدة أو العلل الناقصة.

ونوع منها تسد سائر أبواب العدم عن المعلول. وبعبارة أدق: العلة تارة تفيِّض وجود المعلول وتحققه وهذه علة تامة، وتارة أخرى تكتفي بأن تلعب دورًا ما في إيجاده، لا شك أن النوع الثاني منها ينبغي عدها عللاً ناقصة.

فعود الثقاب علة لوجود النار، ولكن البرق أيضًا علة لوجوده؛ فعود الثقاب والبرق يلعبان دورًا من أدوار الإيجاد، لكنهما ليسا سببين حقيقيين لحدوث النار، البرق بعد زواله وتقشع الغيوم بأجمعها تظل النار مشتعلة في الأخشاب أو المباني التي وقع عليها، وعود الثقاب يُرمى ولكن النار التي أشعلها تظل حامية، وقد يعجز عود الثقاب عن إنتاج النار إن كان مبللاً، وقد تقف الرياح العاتية مانعة من أن تنبت شعلة النيران تلك.

والنار نفسها قد تزول، وتبقى حرارتها والدخان الناشئ عنها في الهواء لبعض الوقت؛ مما يدل على أن هذه العلل ليست مانحة ومفيضة لوجود المعلول بالنحو الذي يغدو متعلقا فقرًا بها، بل هذه تلعب دور الإعداد لوجود المعلول.

بعض آثار أعمال الإنسان من قبيل لوحة الرسم لفنان، أو بناء وما شاكلها وما أكثرها، قد تزول بعضها ويبقى الإنسان الذي أوجدها، أو يزول الإنسان الموجد لها بينما تبقى بعده لأمد من السنين، ولكنْ ثمة آثار أخرى لأفعال الإنسان نجدها لا

(221)

يمكنها البقاء وإن للحظة، إن زال الإنسان أو زالت إرادته التي أوجدتها. تأمل أيها القارئ تصوراتك الذهنية ومشاعرك الشخصية؛ فوجودك ووجود إرادتك بالنسبة للصور الذهنية التي توجدها علة تامة وسببٌ كافٍ تمامًا لإيجادها.

ولكن رغم أن الإنسان سبب مُكتمل وتام لإيجاد هذه الصور الذهنية، إلا أن تأثر إرادته في إيجاد ما يوجد، قد تكون ذاته في بعض الأحيان، وقد تكون الأوضاع الخارجية هي السبب؛ فصحيح أن مشاعره لن تبقى بزواله، إلا أنها تكون جراء تأثر وتأثير الأوضاع الخارجية فيه. وهذه الملاحظة ستوجد فارقاً كبيرًا فيما إذا أوقعنا التحقيق على تخوم العلة الأولى والسبب الأعظم لكافة الحركات التي يزخر بها هذا الكون الفسيح. وفي الواقع، سبق وأن أوقعنا التحقيق على تخومها حقاً؛ فلقد مرَّ عليك  ـ أيها القارئ العزيز ـ  أن تسلسل العلل إلى ما لا نهاية غير مُمكن؛ لأن مؤداه عدم تحقق شيء، وبناءً عليه فالعلل المعدة والناقصة بما تفسح لشتى الظواهر الوجودية من تحقق، والعلل التامة من نوع علية الإنسان لتصوراته الذهنية، كلها حتمًا ستنتهي إلى علة أولى وسبب أعظم، والتحليل أدناه سيساعدك على حسم الأمر:

الكون بأسره، بما يزخر به من وقائع، لم يكن على هيئته هذه في أولى لحظات وجوده، ولا تستقر به الحال على هيئة واحدة، بل يمر في كل لحظة بحال مختلفة عما كان عليها.

إذن؛ واقع الكون مُتجدِّد ومُتحرك ومتأرجح بين حالات الفقد الوجودي والكسب الوجودي.

وبما أن الشيء لا يوجد ذاته من العدم كما مرَّ، ولا يكسب هيئة وجوديه بإضفائها على ذاته، فقد تحتم أن يكون لحركاته كلها سببٌ يهبه هذا التجدد والتصرم الوجوديين.

إذن؛ حقيقة العالم حقيقة جعلية؛ أي أن العالم ليس إلا معلولاً لحدوثه المستمر.

(222)

والمعلول هوية فقرية قوامها الارتباط بالعلة؛ فللعالم علة، وسلسلة العلل لا تتصاعد إلى ما لا نهاية؛ إذن للعالم مُوجِد غني بالذات عن الاحتياج، ومُستقل عن الارتباط.

لا شك أن هكذا موجود لن يكون بوسع أي كائن أن يؤثر فيه بالنحو الذي تؤثر فيه الأوضاع الخارجية على الإنسان فتؤدي بإرادته إلى سلوك اتجاه ما، ذلك لمكان غناه عن الكل واحتوائه على الوجود بنحو إطلاقي.

وهكذا؛ بلغنا ختام هذه التعليقة أيضًا، والتي عساها قد حققت غايتها المرجوَّة من كتابتها.

(223)

 

التعليق الثالث: الحركة والزمان الجوهريان[1] ونشوء البُعد اللامادي

«تمهيد»

المؤلف من وجهة نظرنا  ـ أيها القارئ العزيز ـ  قد برهن بشكل جيد جدًّا على وجود البُعد اللامادي في كيان الإنسان؛ مُرتكزا على ظاهرة العلم وتجرده، الدال على أن الجهة العالمة في البشر لا بد أن تكون مجرَّدة. أما غرض هذا التعليق، فهو عرض الرأي الذي تتبناه الفلسفة الإلهية أو الفلسفة الأولى حول كيفية نشوء البُعد اللامادي؛ وذلك عبر سلسلة من الحركات التكاملية التي تنتهجها المادة؛ لينتهي بها المآل آخر المطاف إلى ضفة التجرد عبر السباحة في نهر عظيم من الحركة التي لا قرار لها.

والمسائل الفلسفية التي سنحققها لك؛ هي:

 ـ  سير الاستعدادات من القوة إلى الفعل.

 ـ  روابط القوة والفعل.

 ـ  حقيقة الحركة.

 ـ  صلة الزمان بالحركة.

 ـ  الجوهر والعرض ومصب الحركة وفاعلها.

 ـ  ارتقاء المادة إلى أفق التجرد.

(224)

ومن الجدير بمكان أن ننوه للقارئ الكريم بأننا هنا نستعرض لك رأي «الحكمة المتعالية» تحديدًا في كيفية نشوء الروح أو البعد اللامادي في الإنسان؛ بناءً على أن «مدرسة الحكمة المتعالية اليوم هي الشاخص الذي يُمثل الفلسفة الإسلامية»[1].

والموضوع  ـ عزيزي القارئ ـ  سيقودك اضطرارًا إلى إدراك مفهوم الزمان وحقيقته الجوهرية، كما تعتنقه تلك الفلسفة؛ نظرا لشدة الارتباط بين الحركة والزمان في عُرف الحكمة المتعالية.

وفي الحقيقة، فإن العقل البشري قد بدأ بقطف تجريدي لثمار اكتشافه كون العالم يعيش حركة لا قرار لها؛ ذلك منذ أن أفاق من سُبات الاعتقاد بسكون الأشياء التي تحوم حوله. وإذا كان البعض يظن أن هذه الإفاقة قد تمَّت على يدي الأبحاث المختبرية في حقول الذرة؛ فإن الحقيقة تؤكد خلاف هذا. فالحكمة القديمة  ـ منذ أزمنة موغلة في القدم ـ  قد بلغت هذا الاكتشاف بواسطة التحليلات العقلية الرصينة.

صاغ «هرقليطس» ـ الذي عاش في فترة (ق.م.) ـ عبارة معبأة بجمال فلسفي أخاذ؛ يقول فيها: «لا يُمكن النزول في نفس النهر مرتين»[2]، ولكن لماذا؟ لأن النهر ماؤه يكون قد تغيَّر، وقدمك أيضًا! وليس هذا مثارًا للاستغراب إطلاقا عزيزي القارئ؛ فلقد انتبه بعض المحققين إلى أن ثمَّة اكتشافات في شتى حقول العلم، كان القدماء قد أشاروا إليها تلميحًا أو تصريحًا؛ ومن أولئك المحققين الذين تعقبوا علاقة الفيزياء الحديثة تحديدًا بالحكمة المشرقية القديمة «فريتجوف كابرا (1075)»؛ وذلك في كتابه «طريق الفيزياء»، المنشور في العام 1975؛ حيث عرض فيه التماثل المُدهش بين الاستنتاجات المبنية على الفيزياء الحديثة مع تعاليم أنواع الفلسفات التي وُجدت منذ آلاف السنين[3].

(225)

وعلى أية حال، فلنعد إلى ما أضحى حقيقة لا تقبل الجدل؛ ألا وهي: أن الطبيعة بهويتها الأعمق حركة متواصلة لا قرار لها. ولعبت اكتشافات ما دون العالم الذري للطبيعة الديناميكية الجوهرية للمادة دورًا هائلاً في إرساء هذه الرؤية؛ ذلك لأنها أوضحت أن الطبيعة مكوَّنة ليس فحسب من أجزاء دون الذرية، بل إن هذه الأجزاء أنماط مُتكاملة لشبكة غير منفصلة من التفاعلات التي تشمل دفقاً من الطاقة غير مُنقطع يتجلى في تبادل الجزئيات. إنه عرض ديناميكي تُخلق فيه الجزئيات وتتهدم دون نهاية في تنوع متواصل لأنماط الطاقة وتنشأ عن تفاعلات الأجزاء البنى التي تشيد العالم المادي فهي تهتز في حركات إيقاعية ولا تظل ساكنة، وهكذا ينهمك الكون كله في حركة وفاعلية لا منتهيتين، وفي رقص متواصل للطاقة.

أيها القارئ العزيز، نودك أن تقرأ الأسطر التالية كما ننقلها عن اليازجي؛ ذلك لأنها ستمهِّد لنا طريقنا الذي نود أن نسلكه برفقتك؛ فلسفيا: «إن مكعبًا من مادة النحاس يُجهز إدراكنا البصري العادي بصورة المادة الصلبة الكثيفة والمتجانسة والجامدة التي لا تتحرك. وفي الواقع تهتز جزئيات النحاس الساكنة ظاهرها بنسبة ثمانية آلاف اهتزاز أو ذبذبة في الثانية، وتفصل بينها فراغات تتداخل فيها الجزئيات، ولو أننا توغلنا إلى الأعماق لتحققنا من أن هذه الجزئيات تتشكل من ذرات توجد بينها مجالات فارغة تتناسب مع الفراغات أو المجالات التي تفصل بين الأجرام الفضائية؛ وفي هذا المستوى تتملكنا الدهشة! إذ نتيقن أنه يُمكننا وفق بعض الاعتبارات أن نقارن الذرات بأنظمة شمسية صغيرة تتشكل من نواة مركزية موجبة تدور حولها إلكترونات كوكبية سالبة تنشطها سرعة دوَّارة وتقدَّر سرعة دوران هذه الإلكترونات حول النواة بسرعة تتراوح بين مائتي ألف وستة ملايين دورة في الثانية! وتتوسع هذه الحركات السريعة فوق تلك الإلكترونات التي تقدم بيانها، وعندما نتوغل أكثر فأكثر نصل إلى النواة التي تشتمل على عالم غريب، وتحوي نيوترونات محايدة كهربائيًّا وبروتونات موجبة، وبايونات أو

(226)

ميزونات (وهي دقائق كهربائية لها كتلة وسطى بين الإلكترون والبروتون). وعند هذا الحد تصبح الحركة مُذهلة، وفي كل لحظة تكون البروتونات والنيوترونات موضوع تبادلات مُتداخلة خارقة، مليار مليار مرة! ولا شك أن النويات الذرية للأجسام الثقيلة ستنفجر حالاً في حال انعدام هذا السياق أو الإجراء؛ ومنذ العام 1974 تم اكتشاف النقاب عن طبيعة البروتون؛ فقد أقام الفيزيائي الشهير هوف (حامل جائزة ماكس بلانك في الفيزياء) الدليل على بنية البروتون المعقدة، وتتصف المكونات ما تحت الكمية فيما بينها بسرعة الحركة وشدتها، وبتبادلات أوسع من مثيلاتها الحاصلة بين البروتونات والنيوترونات من مجرد تداخل البايونات. وهكذا، نتخلى عن الفكرة التي تشير إلى السكون الظاهري لقطعة النحاس، ويمكننا تلخيص ما سبق وذكرناه في إجابة العالم إداورلاروا عن السؤال: ما الكون؟ أجاب: «الكون صرحٌ جبارٌ يتألف من تنضُّد طبقات اهتزازية، فالكون كلٌّ مُعقد من الحركات البطيئة المستقرة فوق حركات أكثر سرعة، فأكثر سرعة، حتى نصل إلى العمق. وفي ضوء هذا الاكتشاف نقتفي أثر حقيقة دائمة، غير مؤقتة، نعجز عن الإمساك بها؛ لأنها لم تعد هي ذاتها، وأصبحت حضورًا مبدعًا ومُتجددًا على الدوام»[1].

المحصلة التي انتهينا إليها معًا؛ هي: أن «الحركة والإيقاع خاصتان أساسيتان للمادة، وأن المادة كلها مادة الأرض أو مادة الفضاء الخارجي مُتضمنة في رقص كوني مستمر»[2]. أما قعر المادة، فلم يجدوا عنده إلا هيئة ديناميكية تتحول الواحدة منها  ـ على نحو متواصل ـ إلى أخرى؛ أي: الطاقة!. ومن هنا، فقد ذهب بعضهم إلى أن ثمة «حركة كلية شاملة» تنبع من نظام آخر أولي يصنع هذا الكون الذي لا يعدو أمام ذلك النظام إلا «هولوجراف» لا غير[3]. وسواء اتفقنا مع النتائج التي انتهوا إليها، أو

(227)

تحفظنا عليها؛ فلن يسعنا إطلاقا التشكيك في أن الحركة هي الهوية الأعمق لهذا العالم.

 

1 ـ  «سير الاستعدادات من القوة إلى الفعل»

تبنت الفلسفة الإلهية  ـ أيها القارئ العزيز ـ  وقوع الحركة في عمق العالم وهويته الأساسية؛ مُستندة إلى المنهج الذي سبق وأن أسهبنا لك في شرحه، ألا وهي البديهيات التي تحوي أعلى درجات اليقين لدى العقل البشري. ومن هنا، فلقد كانت النتائج التي أفضت إليها التحليلات المستندة إلى تلك الأفكار البديهية دقيقة للغاية.

وأروع تلك النتائج إثبات الحركة بصفتها حالة وجودية تؤسس لبروز ظاهرة الزمان، وتمهد لإماطة اللثام عن ظاهرة سيلان المادة نحو اتجاه وبُعد ترتقي ببلوغه عن كافة مظاهرها الزمكانية؛ حيث تستقر في وعاء الدهر على هيئة التجرُّد، والأسطر التالية ستتيح لك عن كثب الاطلاع على هذه النتائج والمنهج الذي تم استناده لأجل بلوغها.

وعندما تدسُّ يد البستاني بذورَ الورد في التراب، فإن هذه البذور بالسُّقيا وبقية العوامل المحيطة بها، تبدأ بالنمو وتتغير هيئتها السابقة إلى هيئة وصورة جديدة نابتة، إلى أن تتخذ لنفسها صورة الشجرة. أمام هذه الظاهرة التي لم تكن فكانت، يضطرنا تفكيرنا إلى اعتناق النتائج التالية:

 ـ أولاً: إن البذرة ـ وقبل أن تستحيل إلى فسيلة ثم شجرة ـ لا بد وأن تكون تحمل في طيات وجودها «إمكانية» و»استعدادًا» للتحول، وإلا لاستحال تحولها هذا؛ ذلك لأن قبول نتيجة مفادها أن الأشياء تتحول إلى أخرى دون أن تكون تحمل إمكانية ذلك لنتيجة تتأرجح على خط التناقض! لنقم  ـ أيها القارئ ـ  بهذه المحاكمة العقلية السهلة لما لدينا من افتراضات:

(228)

إن فرضنا أن «ب» لا تملك إمكانية التحول إلى «ج»؛ لكان معنى ذلك أن «ب» ضرورية الوجود على هذا النسق؛ أي النسق الذي لا يساعدها على التحول إلى «ج»، وتالي ذلك أن بروز «ج» عبر تحول وتغير «ب» إليها مُمتنع قطعا! ولكن إن تحولت «ب» فعلا إلى «ج»، إذن فلا بد من الجزم بأن الامتناع غير متحقق فإمكان التحول هو المتحقق.

هذه الإمكانية وذلك الاستعداد «نحو من أنحاء الوجود والتحقق»، وليس وهمًا أو تصوُّراً خاليًا عن الواقعية جزمًا، وإلا لما كانت ثمة «إمكانية بنحو حقيقي».

وسوف نطلق على هذه القابلية الواقعية والوجودية والتي لولاها لما أمكن التحول، مُصطلح «القوة»، بينما نخصِّص مُصطلح «الفعل» بالمرحلة التي بلغتها البذرة في مسيرتها التحولية إلى شجرة.. إذن؛ «القوة» و»الفعل» درجتان من درجات الوجود.

والمادة عندما تتحول، فإنها تسلك طريقا من «القوة» إلى «الفعلية»، وفي هذا الطريق عشرات، وربما مئات أو ألوف الاستعدادات تكون قد تبدَّلت إلى فعليَّات.

ثمَّة قاعدة تتبناها الفلسفة الأولى؛ موجزها: «كلُّ حادث زماني فهو مسبوق الوجود بقوة»[1]، هذه القاعدة  ـ كما ترى أيها القارئ العزيز ـ  تنسجم تمامًا مع ما انتهينا إليها في النقطة المارة.

 

2 ـ  «روابط القوة والفعل»

ثانيا: لهذا التحول قالب لا يخرج عنه؛ فبذرة شجرة الورد لا تستحيل إلى فرس! كما أن بيضة النعامة لا يُمكنها أن تفقس عن إنسان! إذن؛ هناك «قانون» يحفظ

(229)

عملية «الصيرورة» هذه، بموجبه لا يفضي أي شيء إلى أي شيء! كلا، وإنما الشيء يفضي إلى ما يتسق مع استعداده المتناسب مع وجوده.

وبعبارة أوضح: الاستعداد الكامن في الشيء هو من نوعه ومُنسجم مع طبيعته، وليس أجنبيا عنه؛ لذا فلا يُنتجه عن أي شيء.

وإذا اعترض مُعترض بأن التمر كما يقبل أن يعود إلى التراب لينمو مجددًا، فإنه يقبل أيضا أن يتحول إلى غذاء ثم إنسان. وجوابنا على هذا الاعتراض؛ هو: في الواقع أن عملية الهضم توفر في التمر قابليات لتلقي صور مُتعددة؛ منها: الصورة الإنسانية. ونقطتنا هي هذه تحديدًا، وهي أن الصيرورة تقع على الإمكانات المتاحة، وليست تنتج ما لا تتوافق معه الإمكانات.

وإذا أردنا لتعبيرنا أن يكون أدق مما مر؛ فينبغي أن نصيغه على النحو التالي:

ثمَّة عدد هائل من التحولات متاحة في طريق الصيرورة؛ منها التي تتوافق مباشرة مع حالة الشيء المتحول، ونسميها بالصيرورة القريبة، ومنها التي لا تتوافق مباشرة مع حالة الشيء المتحول، ولكن بإمكانها قطع طريق أبعد وأعقد؛ لكي تتهيأ لكسب إمكانات أخرى جديدة تؤهلها لصور مختلفة.

فلو وضعنا بين يدي البستاني حبة تمر، ثم طلبنا منه أن يُنبت منها نخلة تمر، لما كلفه الطلب إلا نزع النواة ودسها في التراب وتوفير العوامل الأخرى لنموها. أما إذا طلبنا منه أن يحوِّل التمرة إلى إنسان؛ لكان عليه أن يهضم التمرة ويجعلها غذاء له، حتى تمر بعمليات أخرى مختلفة وتتهيأ لقبول الاستعداد للتحول إلى مني فنطفة فجنين فإنسان.

هذه الحقيقة، وهي وجود استعداد يسبق التحول وجودًا حقيقيًّا، يعمل على منح التحول انسجامًا معه، تفضي إلى ثلاثة نتائج مذهلات للغاية؛ وهي:

(230)

لا بد لهذا الاستعداد من «حامل»[1]؛ ذلك لأننا قد أثبتنا ـ أيها القارئ العزيز ـ  أن ذلك الاستعداد والذي أطلقنا عليه مصطلح «القوة» ليس بوهم أو تصور ذهني فارغ، كلا! بل حقيقة واقعية ووجود، ومن جهة أخرى فالقوة أو القابلية وصف، فلا بد لها من موصوف.

إذن؛ القوة ـ ولكي تكون حقيقة ووجودا ـ لا بد أن تكون مُتلبسة في كائن موجود ومتحقق، وهذا الكائن المتحقق الحامل لقابلية الصيرورة تطلق الفلسفة عليه «بالمادة». النتيجة من هذا التحليل:

أن كل صيرورة وتحوُّل وتغيُّر يقع في الكون، فلا بد أن يكون مسبوقاً بقابلية يحتضنها موجود.

ومعنى ما مرَّ: أن الذي يتنقل من القوة إلى الفعل، ويكون مصبًا للصيرورة هو ذلك الحامل للقوة والاستعداد، أي «المادة» بمصطلحنا، وتالي ذلك أن «كل حادث زماني له مادة سابقة عليه تحمل قوة وجوده»[2].

لنقرأ معا هذه الخلاصة كما كتبها « محمد باقر الصدر»:

«الحركة ليست فناء الشيء فناءً مطلقاً ووجود شيء جديد، وإنما هي تطور الشيء في درجات الوجود؛ فيجب إذن أن تحتوي الحركة على وجود واحد مستمر منذ أن تنطلق إلى أن تتوقف هذا الوجود هو الذي يتحرك، بمعنى أنه يتدرَّج ويُثرى بصورة مستمرة، وكل درجة تعبر عن مرحلة من مراحل ذلك الوجود الواحد، وهذه المراحل إنما توجد بالحركة، فالشيء المتحرك أو الوجود المتطور لا يملكها قبل الحركة، وإلا لما وجدت الحركة بل هو في لحظة الانطلاق يتمثل لنا في قوى وإمكانات، وبالحركة

(231)

تستنفد تلك الإمكانات ويُستبدل في كل درجة من درجات الحركة الإمكان بالواقع والقوة بالفعلية»[1].

وبديهي ـ أيها القارئ العزيز ـ أن المادة وما بها من قابليات للتحول، ليستا واقعيتين اثنتين. كلا! بل واقعية المادة ليست إلا القابلية للتحول؛ ذلك لأنه مرَّ أن القابلية وصف، ولا بد له من موصوف. إذن؛ القابلية محفوظة في هيئة «الفعلية»، ومصب الصيرورة ليس إلا الفعليات الحاملة لاستعداد التغيير.

إن علاقة التحول أو الصيرورة هذه لا تقوم بين شيئين مستقلين في الوجود، بل تقوم بين مرحلتين لوجود واحد! ومعنى هذا:

أولا: إن مادة الفعلية الفائتة هي نفس مادة الفعلية اللاحقة. ذلك، إن لم تكن كذلك، لترتب على هذا أن يسبقها إمكانها، والإمكان وصف يتقوَّم بمادة؛ فلكانت مسبوقة بمادة، وهذه أيضًا سيكون حالها كحال أختها، وهكذا فسوف نجد أننا نواجه سيلاً لا نهائيًّا من الإمكانات وحواملها! ومن الواضح أن المتناهي (المادة الجديدة على فرض) لا يُمكن أن تكون له إمكانات لا نهائية!

وثانيا: إن «الماضي» ليس ماضيًا لشيء، و»المستقبل» مستقبل لشيء آخر! في الواقع إنهما مرحلتان من مراحل وجود واحد، وهذا الذي يُصحح فكرة أن يكون الماضي ماضيًا لذلك الشيء المعين، والمستقبل أيضًا مستقبله، وليس مُستقبلا لأمر غيره، إنه وجود واحد يتنقل. وبعبارة أدق وأصح: «يتحرك» من القوة إلى الفعل؛ بحيث عند حركته تغدو القوة ماضيه والفعل مستقبله، والذي سيغدو بعد قليل ماضيه كذلك[2].

إن بين «بـ» (القوة) و«ج» (الفعل) صلة وجودية حميمة، يمكننا أيضا التعبير

(232)

عنها برابطة تكوينية متينة؛ بحيث أن «ب» لها مستقبل وصورة ووجود تبحث عنه تكوينا، وتتجه نحوه عبر الصيرورة تلك، ولا يُقر لها قرار إلا إذا بلغته وظفرت به.

وقد يبدو في أفق بعض الأذهان إشكال على هذه النقطة تحديدًا؛ يتمثل في أن العلاقة الوجودية محتاجة إلى طرفين فعليين، بينما في مورد «القوة» و«الفعل» علاقة من طرف واحد! ذلك لأن القوة التي أضحت مصب الصيرورة تتحرك نحو الفعلية التي ستتحقق لاحقاً. إن هذا يُشبه أن نمسك بطرف الحبل، ونلقي الطرف الآخر لرجل سيظهر في المستقبل ليلقفه!

وفي الواقع، ليس هكذا تمامًا؛ فلو وضعنا قطعة من الخشب على نار مُشتعلة، لتكوَّنت فيه قابلية التحول إلى رماد، هذه القابلية ليست عدمًا محضًا؛ لأنه سبق وأن أوضحنا أن العدم لا يُفضي إلى شيء البتة؛ ففاقد الشيء لا يُعطيه! القابلية والقوة وجود تمثله فعلية ما، تسعى إلى بلوغ ما يناسب قابلياتها من فعلية جديدة؛ فالطرف الآخر للحبل وقع في يد شيء غير أنه يتعرض للصيرورة والتبدُّل والتغيير[1].

إنَّ ما مرَّ ـ أيها القارئ العزيز ـ يُمهد لإماطة اللثام عن وجه الحركة فإلى هناك.

 

3 ـ  «حقيقة الحركة»

المحصلة النهائية التي وضعناها بين يديك قارئنا العزيز، تكمن في النقطة التالية: «تتبدل الكائنات وتتحرك لوجود قابليات التحول والتغير في عمق هويتها؛ بالنحو الذي لا تكون لها هوية إلا التغير. هذه القابليات تكون على هيئة فعلية من الفعليات، التي تتعلق بها الصيرورة فتحيلها إلى شيء آخر في ظل شروط خاصة،

(233)

بحيث أن مرحلة ما قبل التحول تكون ماضيها، والمرحلة القادمة هي مستقبلها؛ فماضيها ومستقبلها رتبتان وجوديتان متشابكتان بالنحو الذي لا فاصلة بينهما إطلاقاً، ومن خلال الصيرورة تسعى القابليات لبلوغ الفعلية التي تليق وتنسجم بها، وتلك هي غايتها».

الواقع: ما مر لم يكن إلا وصف للحركة التي تعني ـ في الفلسفة الأولى ـ «خروج الشيء من القوة (القابليات) إلى الفعل تدريجيًّا»[1].

وفي الواقع، فلقد أضحت الحركة محطاً لنظر الفلسفة الأولى التي تدرس الوجود؛ لأنها ـ أعني الحركة ـ نحو من أنحاء الوجود كما مرت الإشارة إليه، فضلا عن كونها من المفاهيم الفلسفية التي يتم إدراكها بالعقل ولا يستطيع الحس أن يوجد عنها أدنى فكرة بتاتاً.

هذا الأمر قد يبدو غريبا للغاية، إلا أنه بالتأمل الكافي تتضح المسألة تماما أيها القارئ؛ فما تقع عليه الحواس، ليس غير مجموعة من التعاقبات للشيء الواحد. إنك إن وضعت ماءً في قدر على نار؛ لأخذت الحرارة تشتد، وقصارى ما يكون للبصر التقاطه هو تعاقب درجات الحرارة بشكل تصاعدي. أما تحرك الماء من درجات البرودة بفعل النار إلى درجات الحرارة العالية ومن ثم الغليان. لم تقع العين على أثر للحركة، وإنما التقطت التعاقبات فحسب. ولكن العقل انتزع من هذه السلسلة من التعاقبات مفهوم «الحركة». هذا المفهوم تم إدراكه أول الأمر من المشاهدات الوجدانية وبالعلم الحضوري. وهذا هو سر شدة يقينيته في العقل البشري[2]. هذا الموضوع سبق وأن تناولناه مُفصلا أثناء حديثنا عن الفلسفة في التعليق الأول.

ولنرجع إلى الحركة لأجل استجلاء حقيقتها (أولاً)، وتحديد محلها بدقة أكبر مما

(234)

قمنا به لحد الآن (ثانياً). وبعد ذلك، نقدِّم الرؤية التي تتبناها الفلسفة الإلهية حول الوجود التجريدي؛ باعتباره الغاية القصوى التي تسعى الحركة إلى بلوغها.

فلدينا إذن ثلاث مسائل على طاولة التحقيق؛ وهذه هي الأولى:

 

4 ـ  «صلة الزمان بالحركة»

خلافا «لزينون» الايلي الذي قدَّم مفهومًا للحركة أسنده إلى أربعة من الأدلة لم يُكتب لها الصمود أمام فلسفة مواطنه «أرسطو»؛ حيث أراد أن يصوِّر لنا أن الحركة عبارة عن مجموعة هائلة من الوثبات والوقفات والسكنات تتعاقب بسرعة لتبدو لنا على هيئة حركة، تتبنى الفلسفة الإلهية مفهومًا مغايرًا لتصور «زينون» عنها، ولكن لماذا؟ وما هو المرجح لهذا المعنى دون المعنى الآخر؟

المرجح  ـ أيها القارئ العزيز ـ  هو الزمان. نعم الزمان!

فعندما يخرج الشيء بنحو تدريجي يحدث الزمان، بينما الوقفات المتعاقبة تتطلب حدوث مجموعة هائلة من «الآنيات». غير أن «الآن» ليس من الزمان؛ فهو طرفه، والطرف ليس من الشيء كما هو واضح.

فعندما يقول الرئيس لموظفيه «الآن» أو «حالا»؛ فمعنى ذلك «فوراً»، ومن الجلي بمكان أن الوقوع الفوري خلاف التدريجي؛ فالوقوع الفوري لا يقع في «زمان»؛ لأنه يقع في طرفه بينما وجود الزمان مؤشر قطعي على أن الحركة قد وقعت بالتدرج.

ثمَّة شيء إذن يسيل باستمرار تدريجيًّا، وسيلانه يحقق له امتدادًا، ولامتداده مقدار الذي ليس غير الزمان. وبموجب ذلك؛ فلدينا عدد هائل لا حصر له من الأزمنة؛ إذ لكل حركة زمان هو مقدارها. هذا الزمان ليس منفصلاً عن الحركة، بل هو توأم

(235)

لها، ولا يُمكن تصوره إلا مع الأشياء المتحركة؛ فهو «بُعد» رابع للأشياء المتصفة بالحركة.

ولنصب ما مر في قالب البرهان؛ على النحو التالي:

 ـ الظواهر الكونية في تبدل وتغير؛ أي: الحركة.

 ـ الحركة تسيل على أجزاء لا تجتمع مع بعضها البعض إطلاقا؛ فالشيء عندما يطوي في حركته حالة ما تنتفي هذه الحالة. ومن المحال أن تجتمع مع الحالة الجديدة، وينطبق هذا على الحالة الجديدة، وهكذا دواليك.

 ـ  الشيء الذي يسيل هو ذو امتداد؛ إذ عندما سال من «بـ« وبلغ «ج» فقد امتد، ولكن لا امتداد إلا بمقدار.

والنتيجة: الحركة امتداد ولامتدادها مقدار وهو الزمان.

وهاهنا برهان آخر على الأمر ذاته، وهو أن الحركة لا تكون إلا بتدرج الشيء وسيلانه من حال إلى حال:

فالزمان تمتاز هويته بأنه يتصرَّم؛ إذ من المحال أن تجتمع أجزاؤه أبدا؛ فالماضي يزول كلما أتى المستقبل، والمستقبل يغدو ماضيًا مجددًا لمستقبل آخر؛ إذن التصرم أدق وصف لظاهرة الزمان.

ولو لم يخرج الشيء من القوة إلى الفعل بالتدرج، وقطع مرحلة تلو الأخرى تدريجيًّا، لما كان الزمان متصرِّمًا، ولكن الزمان مُتصرم الطبيعة.

والنتيجة: الحركة تدريجية، والزمان كمية متصلة لا تجتمع أجزاؤها تبعا للحركة.

...انتهى تحقيقنا في المسألة الأولى من المسائل الثلاثة لموضوع «الحركة»، إلى وجود علاقة حميمة بين الحركة والزمان؛ فلا تتحقق هذه بلا زمان، ولا يتحقق زمان بلا وجود الحركة التدريجية للشيء.

(236)

 

5 ـ  «الجوهر والعرض ومصب الحركة وفاعلها»

أما المسألة الثانية، والمتعلقة بـ«مصب الحركة»؛ فقد سبق وتبيَّن للقارئ العزيز، أن حامل الاستعداد هو «المادة»، التي تتخفى دائماً على هيئة فعلية ما. وفي الواقع؛ فإن هذه المادة تشكل عمق العالم الغائر في القعر السحيق. وقد تم ـ ولأول مرة في تاريخ الفلسفة ـ  اكتشاف وقوع الحركة في كينونة وهوية المادة، على يدي محمد بن إبراهيم الشيرازي صاحب مدرسة «الحكمة المتعالية»، التي تُعد أعلى مرحلة في هرم الحكمة الإلهية والفلسفة الأولى. [1]

ولنميط اللثام عن ملامح هذه المسألة خلال الأسطر التالية:

لا شك أنك ـ أيها القارئ ـ قد لاحظت أن بعض الموجودات في هذا العالم الذي يُحيط بنا، لا تظهر إلا متسلقة على أكتاف موجودات أخرى؛ كالرائحة، واللون، والطعم؛ فهذه لا يمكن توجيه السبابة نحوها لوحدها؛ لأنها تظهر في موجودات أخرى.. إنها ظواهر تنتسب إلى موضوع ما لا يُمكنها الاستغناء عنه؛ في حين أن جملة أخرى من الموجودات ليست متعلقة الوجود بموجود آخر.

النوع الثاني يُعرف بـ«الجواهر»؛ بينما يُعرف النوع الأول بـ«الأعراض»، أي أعراض لتلك الجواهر.

وفي الوقت الذي تشكل فيه الأعراض سطح هذا العالم؛ فإن الجواهر تشكل قعره وقاعه الأعمق. كان الفلاسفة يعتقدون أن الحركة تتعلق بالأعراض ولا تغور في الجواهر؛ ذلك حتى لا ينتفي وجود علة الحركة. فلقد غلب على ظنهم أن مصب ومجرى الحركة هو سطح العالم، بينما تمتاز أعماقه وبنيته التحتية بالثبات.

(237)

ولكن «الشيرازي» عرض جمعًا من الأدلة المحكمة لسريان الحركة على البنية الأساسية للعالم، وما حركة الأعراض إلا نتيجة لوقوع الحركة في الجواهر، بل برهن على أن هوية العالم لا تعدو أن تكون غير الحركة.

كتب «الديناني» في «القواعد الفلسفية».. يقول: «الحكماء الذين سبقوا صدر المتألهين الشيرازي، لم يعترفوا بوجود الحركة فيما هو أكثر من المقولات العرضية الأربع، غير أن هذا المفكر الكبير قد أثبت  ـ ولأول مرة في تاريخ الفلسفة الإسلامية ـ  ومن خلال سلسلة من البراهين المحكمة، أن الطبيعة في حد ذاتها سيالة ومتحركة، وأن أية حركة في أية مقولة من المقولات العرضية تابعة للحركة في الجوهر الجسماني لهذا العالم؛ فطبيعة هذا العالم مُضطربة دائمًا وفي حالة مستمرة، غير أن هذه الحركة ليست عمياء، أو بدون هدف، وإنما تسوق قافلة الموجودات ومسيرة الكائنات نحو الهدف المُتعالي، ولا توجد لحظة توقف واحدة في هذا السير التصاعدي والسفر الدائمي الذي يملأ جميع أرجاء الكون»[1].

إليك الآن ـ أيها القارئ العزيز ـ  برهان واحد على أن الحركة قد اجتاحت صميم العالم:

(أ) ـ  أعراض العالم ومتنه في حركة دائبة دائمة.

(ب) ـ  المتحرك ليس سببًا في حكرة ذاته؛ لأن فاقد الشيء لا يُعطيه.

النتيجة: أن للأعراض محركًا.

(ج) ـ  الأعراض متحركة.

(د) ـ  الأعراض متوقفة في وجودها على الجواهر.

النتيجة: أن الجواهر متحركة[2].

(238)

إذن، عُمق العالم في حركة، وهو يستهدف بحركته بلوغ آخر الفعليات المتاحة له في قابلياته، حتى يستنفذها كلها، ببلوغ مرحلة الفعلية التي لا تجتمع مع أية قابلية أخرى، ولا تزال متبقية وتنتظر دورها في الخروج. إذن؛ العالم برُمته حادث، بل يحدث على نحو مستمر لا توقف له إلى بلوغ الفعلية الأخيرة.

وهكذا ـ أيها القارئ العزيز ـ فقد بلغنا تخوم نظرية «الزمان الجوهري»[1]، ولم يتبقَ إلا أن نتحدث عن المسألة الأخيرة والمتعلقة بنشوء البُعد الروحي؛ من خلال التحقيق في طبيعة الفعلية الأخيرة التي غدت الغاية النهائية لسلسلة حركات العالم برمتها. ولكن، ها هنا يلوح إشكال معروف في أفق بعض الأذهان، ولا بد من معالجته.

الإشكال هو: بما أن فاعل الحركة لا يُمكنه أن يكون المتحرك نفسه حتمًا؛ لأن حيثية «القوة» هي «الفقدان»، بينما حيثية «الفعل» هي الوجدان. ومن المحال أن يغذي الشيء نقصه ويجبر فقره فيضفي على ذاته ما لا يملكه!

إذن؛ فاعل الحركة ينبغي أن يكون غيره.

فإن كان ذلك الغير ـ والذي يُحرك عمق العالم وجواهره ـ مُتحركا؛ لأضحت سلسلة الوجود كلها مُتحركة وحادثة. ومن الواضح أن سلسلة الحوادث لا يُمكنها أن تتصاعد إلى ما لا نهاية، وإن لم يكن مُتحركًا، وهذا هو الوجه المنطقي للمسألة؛ فكيف تنتسب إليه المعلولات المتحركة، ولا تناسب بين المتحرك والثابت؟!

ظلت هذه الإشكالية بلا جواب حاسم، إلى أن تمكن مؤسس مدرسة «الحكمة المتعالية» الحكيم «الشيرازي» من حل الأحجية، مُبرهنا على أن هوية الجوهر هو التجدد الذاتي والحركة التدريجية، والمتجدد بالذات لا يحتاج إلا إلى علة توجده؛ أي توجد هويته المتجددة، لا أن توجد فيه الحركة! ومعنى هذا أنه لا تركيب في عمق

(239)

هوية الجوهر من «ذات» و من «حركة»، بل إن العلة مانحة لوجود بسيط وهو الحركة؛ وبعبارة «الصدر»: «إن عالم المادة في تطور وتجدد مستمر، فإن حدوث العالم على هذا الأساس نتيجة حتمية لطبيعته التجددية، ولم يكن لحدوث العلة وتجدد الخالق الأول»[1]، وبعبارة «الديناني»: «لا تحتاج صفة السيلان والتحرك في هذا الموجود إلى الغير؛ لأن هذه الصفة ذاتية، ومتى ما كان الشيء ذاتيًّا؛ فلن يحتاج إلى علة، وهكذا يتضح أن ما يُفاض عن المبادئ العالية أو الذات الأزلية هو صرف وجود الطبيعة الذي هو سيال ومتحرك في حد ذاته؛ وبعبارة أوجز: إن الله تعالى قد خلق وجود الطبيعة، وليس أنه قد جعل الطبيعة في حد ذاتها سيالة».[2]

العبارة الماضية لا تريد القول بأن الحركة مُستغنية عن العلة، أو أنها ليست بموجود إمكاني، وإنما تريد القول بأن العلة الأولى جعلت وجود الطبيعة، ووجودها مساوق للتجدد والتصرم. وبعبارة أدق: الله مُوجِد للطبيعة التي تعني وجود سيال غير قار.

 

6 ـ  «ارتقاء المادة إلى أفق التجرد»:

تُرى، ما هي آخر فعلية يسعى نحوها العالم عبر الحركة والزمان الجوهريان؟

لا شك، أن القابلية والاستعداد وُجدا لكي يتحققا، ولن يهدأ للقوة قرار ما لم تستنفد كل إمكاناتها، ولكن ما الذي سيقع للمادة أو الجوهر بعد أن تفنى كل إمكاناته وقابلياته؟ الجواب  ـ أيها القارئ العزيز ـ  لا يحتمل التردد وأنت تعلمه الآن!

ستتوقف حركته!

(240)

وبتوقفها، يتصرَّم الزمان برمته فلا يكون، وبفناء الزمان، سيفنى ويزول رديفه؛ أي: المكان. وبفناء هذين، ستغدو المادة ـ المادة الفلسفية المعبَّر عنها بالجوهر، والفيزيائية المعبَّر عنها بركام الطاقات ـ مجرَّدة عنهما!

سوف تصبح المادة وقد سقطت عنها القيود التي كانت تكبلها وتحصرها في زنزانة المكان، وسقط عنها الزمان الذي كان يُشتت أوصالها في ماض ومستقبل. وبزوال الحركة وتوابعها، يتحقق بُعد جديد للمادة، يُعرف بالبعد الثابت؛ هذا البعد يمنحها طاقات جديدة لا عهد لها بها.

في الواقع، فإن استقرار المتحرك في وعاء الثبات معناه انسلاخ ماديته عنه. تلك المادية التي كانت قد أوقعته على صراط الحركة ليس إلا لأجل بلوغ رتبة التجرد. فغاية الحركة الجوهرية هي التجرد[1].

ومعنى ذلك أن العالم «نهر عظيم» تعبر موجوداته بالسباحة التدريجية (الحركة الجوهرية) من ضفاف الزمكان إلى ضفاف التجرد.

أيها القارئ العزيز، التجرد المار ذكره مُتكرر كغاية الحركة الجوهرية ليس إلا «البعد الروحي» الذي تتصف به المادة خلال سبرها على صراط الحركة وباقترابها التدريجي من ذلك الأفق الأعلى.

يقول مطهري: «الروح نفسها نتاج لقانون الحركة، وهذا القانون مبدأ لتكون المادة نفسها، والمادة قادرة على أن تربي في حجرها موجودًا يُضاهي ما وراء الطبيعة، ولا يوجد في الحقيقة حائل يحول بين المادة وما وراء الطبيعة، ولا مانع من أن تتحوَّل المادة بعد اجتيازها لمراحل الرقي والتكامل إلى موجود غير مادي»[2].

(241)

ويقول: «الروح ليست أثرا للمادة، بل هي كمال جوهري تحصل عليه المادة وهي في مرتبة من مراتبها التكاملية»[1].

إننا ـ أيها القارئ العزيز ـ أمام طرح يرى أنه «ومن خلال الحركة الجوهرية يتم إثبات أن النفس جسمانية الحدوث روحانية البقاء، فهي أول النشأة جوهر جسماني، ثم تتدرج شيئاً فشيئاً، وتتطور إلى أن تنفصل عن هذه الدار إلى الدار الآخرة»[2].

النظرية أعلاه، يُعبر عنها بأن «النفس جسمانية الحدوث وروحانية البقاء».

وهذه الرؤية، فضلا عن الأدلة المحكمة التي طرحها «الشيرازي» على صحتها، والتي تناولتها الكتب المتخصصة بالشرح، تلغي الغربة الغريبة والاثنينية بين البعد الروحي والبعد المادي تمامًا، وهي رؤية تنسجم كثيرًا مع ما نجده في أنفسنا من تداخل ووحدة بين سائر أبعاد الكيان الواحد؛ فلقد رحل التصوُّر عن المسافرين الأجنبيين اللذين يلتقيان في عربة واحدة من عربات العالم المادي؛ أحدهما ينتمي إلى العالم العلوي، والآخر إلى العالم السفلي.

وختاما؛ نقل «اليازجي» عن الفرنسي «ريمون» أبحاثاً لجمعٍ من كبار علماء الفيزياء والفلك والبيولوجيا، صاغها في 6 نقاط؛ جاء في أولها: أن «الكون والكائنات والأشياء التي نألفها، ليست إلا الوجه الآخر لموضع جوهري وفريد من نوعه».

وجاء في النقطة الرابعة: «الكون المادي ظاهرة متجلية للروح». وتحت عنوان «مستويات الطبيعة وخططها»، قال: «اعترف علماء أفذاذ ـ مثل «جون إكله» (الحائز على جائزة نوبل في حقل فيزيولوجيا الأعصاب عام 1971)، والأمريكيين «دوبس» و

(242)

«برت» ـ بوجود كون نفساني يتألف من عناصر نفسانية تخترق الكون المادي الذي نألفه»[1].

فهل بالإمكان الاستنتاج ـ أيها القارئ العزيز ـ بأن الفيزياء (وبعيدًا عن نموذج التصميم العظيم) بدأت بشق خط موازٍ للحكمة المشرقية؟

يبدو أننا قد بلغنا الغرض الذي لأجله كانت هذه التعليقة.

(243)

التعليق الرابع: بُرهان الصدِّيقين وأشكاله الثلاثة

 

«تمهيد»

لست ـ أيها القارئ العزيز ـ في مسيس الحاجة لدلائل من النمط التي تستند إلى بديهيات، وتمتاز بحدة اليقين لتؤكد لك أن ثمة موجودًا مستغنيًا عن سائر أنماط الاحتياج؛ وهو السبب في وجود العالم؛ ذلك لأن المؤلف قد خطَّ ضرورة احتياج المعلول إلى العلة بنحو كبير من الوضوح، وبناءً على هذا؛ فسواء أكان هنالك عدم أم لم يكن، فسوف تظل حاجة العالم إلى مُوجِد ومقوِّم كامنة في صميم واقعيته التي لا يُمكنها أن تتبدل أو تتغير إطلاقاً.

وبضمك للمفاهيم المارة في التعليقات السابقة؛ من قبيل: «كل حادث فهو مُحتاج في حدوثه وبقائه إلى علته»، و»أن سلسلة العلل لا تتصاعد إلى ما لا نهاية»، وأن «الطبيعة بأسرها والعالم بتمامه محض حركة وخروج تدريجي إلى فعليات لم تكن فيه»؛ فسوف تضع أصبعك على أن مُصمِّم العالم ومُوجِده حتمي لا مناص عن قبوله.

ولأن المؤلف أشار إلى «بُرهان الصدِّيقين» الذي تتبناه الفلسفة الإلهية؛ بصفته من أروع الأدلة التي تبرهن على وجود «المُصمِّم الأعظم»، وجدنا أنه من الضروري أن نخصص هذا التعليق لأجل عرض هذا البرهان عليك، مع تزويده بشرح يكشف عن المستندات البديهية التي اعتمدت عليها صياغاته.

أما المسائل التي سنحققها لك في الأسطر التالية؛ فهي:

(244)

ـ  القصد من برهان الصدِّيقين.

 ـ  الواجب والممكن.

 ـ  برهان الصدِّيقين بالأسلوب السينوي.

 ـ  برهان الصدِّيقين لدى صدر المتألهين.

 ـ  برهان الصدِّيقين وأصل الواقعية.

وفي الواقع؛ فإن عدَّة من البراهين تُحلِّق في فلك «برهان الصدِّيقين»، وسنوافيك بالمقصود من هذا المصطلح، إلا إننا سنكتفي بذكر ثلاثة منها في هذا التعليق لشدة إحكامها ودقتها الفلسفية؛ أول تلك البراهين وأشهرها على الإطلاق؛ هو: المعروف بـ«برهان الإمكان» أو «الإمكان الماهوي»، ويُعرف أيضا بـ«برهان واجب الوجود» الذي يعود ابتكاره في هيئته الأولى إلى الفيلسوف «أبو نصر محمد الفارابي»، وفق تحقيقنا. أما هيئته الأدق والأقوى، فقد صمَّمها «أبو علي الحسين ابن سينا»، وغدا هذا البرهان شديد اللصوق باسمه حتى يُعبر عنه البعض بـ«البرهان السينوي» نسبة إلى «ابن سينا».

والبرهان الثاني الذي نعتزم تقديمه لك؛ فيُعرف بـ«برهان الفقر الوجودي»، وهو الذي كان المؤلف يعنيه تحديدًا. وهذا البرهان ابتكره صدر الدين الشيرازي، وقد أسنده إلى قاعدتين من قواعد مدرسته الفلسفية المعروفة بـ«الحكمة المتعالية».

أما البرهان الثالث، والذي نود تقديمه لك، فقد ابتكره محمد حسين الطباطبائي، وقد عدَّه جمعٌ من المحققين شرحًا لا غير لـ»برهان الإمكان الوجودي» لصدر الدين، ولكنَّ بعضًا آخر منهم عدَّه برهاناً مُستقلاً «كاملا بديعًا من نوع برهان الصدِّيقين»[1].

(245)

وفي الواقع؛ فإن هذه البراهين الثلاثة سعت لإثبات استغناء وجود الله عن البرهنة؛ لشدة بداهة وجوده؛ وبالتالي فهذه الثلاثة تدور في فلك «برهان الصدِّيقين».

 

1 ـ  «ما القصد من برهان الصديقين؟»

ولنوضح هذا الأمر للقارئ العزيز بتعريفه بالمقصود من «برهان الصديقين»؛ فـ»الصديق» هو الذي يَعرف اللهَ به لا بغيره، هكذا عرَّفه الطباطبائي في «نهاية الحكمة»[1]، وسبقه «ابن سينا» الذي عندما صاغ برهانه قال: «إن هذا حكم الصديقين الذين يستشهدون به لا عليه»[2]، و»نصير الدين الطوسي» كذلك عندما قال: «أما الإلهيون، فيستدلون بالنظر إلى الوجود، وأنه واجب أو ممكن»[3].

ولكي تتحقق «به» وليس «بغيره»؛ فالتأمل الفلسفي ينبغي أن يسلك طريقه إليه عبر «الوجود»؛ إذ ليس غير الوجود إلا «العدم» وهو لا يصلح لأن يكون شيئًا حتى يكون مسلكاً ومجالاً للتأمل والمعرفة؛ فالصديق تكفيه رؤية متن الواقع حتى يرى الله قبل أن يرى أي شيء آخر! ويتلمس الأشياء من خلال تلمسه لوجود الله.

البراهين المُشار إليها أعلاه، كلها سعت إلى توجيه العقل لسلوك مسار فلسفي ينتهي به الأمر إلى التوافق مع رؤية الصديقين تلك، أو على الأقل جعل قضية «وجود الله» بديهية ومُستغنية عن الدليل؛ بحيث أن الأدلة تكون إشارات وتنبيهات عليها وليست استدلالات.

(246)

«ابن سينا» بعد أن قدَّم بُرهانه  ـ الذي سننقله لك أيها القارئ العزيز بعد قليل ـ  في كتابه «الإشارات والتنبيهات»؛ ذكر أنه في هذا البرهان لم يتأمل غير الوجود؛ لكي ينطلق منه في رحلته الفلسفية لإثبات وجوده تعالى، وعد هذا الباب «أوثق وأشرف»، وقال بأن إلى مثل هذا قد أُشير في الكتاب الإلهي، وعدَّ الآية رقم (53) من سورة فُصِّلت دالة على هذا الأسلوب[1].

أما صدر الدين، فقد وجد أن هنالك منهجًا أقرب إلى برهان الصدِّيقين من الذي أشار إليه «ابن سينا»؛ وهكذا ابتكر برهانه للغرض ذاته. أما «الطباطبائي»، فقد حاول أن يُقيم الإثبات على وجود «الله» على أشد الأفكار بداهة لدى العقل البشري، ألا وهي الفكرة عن أصل «الواقعية».

الحق أن محاولة هذا الأخير ترتمي إلى رفع قضية وجود الإله على منصة الاستغناء عن كل برهنة بنحو تبدو لنا ألصق بتلك المنصة عن غيرها من المحاولات، وهذا الذي حاول القيام به في الفكر الأوروبي كلٌّ من: «أنسلم»، و»بلاتينجا».

2  ـ  «الواجب والممكن»

فإذا اتضح لقارئنا العزيز مغزى ذكر مصطلح «الصدِّيقين» في تلك البراهين، جاز لنا إذن أن نعرض عليه «قالبـ« برهان «الإمكان» بحسب صياغة «عبوديت»، وسنُورد ملاحظة على هذا القالب لاحقاً عند حديثنا عن برهان الصديقين كما هو لدى «صدر الدين»[2].

فالقالب الذي أعده «عبوديت» في شرحه النفيس لمباني مدرسة الحكمة المتعالية؛ هو:

(247)

«إذا كان ثمَّة موجود في الخارج؛ فالله موجود في الخارج»

«وثمة موجود في الخارج»

«إذن الله موجود في الخارج»[1].

عُمدة الاستدلال كامنة في ربط الموجود بالوجود الإلهي ربطًا يؤدي (بوجود هذا) إلى القول (بوجود ذاك)؛ بحيث أن هذا الربط لا يُمكن فكه وإزالته منطقيًّا وفلسفيًّا، وهذا لن يتم إلا إذا تم للبرهان أن يكشف في الموجود المُتحقق ثغرة وجودية لا تُسد من ذاته، بل تسد من غيره.

فكيف تم للفارابي وابن سينا القيام باكتشاف الثغرة تلك؟

وعبر تقسيم الوجود إلى قسمين؛ هذان القسمان ـ أيها القارئ العزيز ـ هما: «مُمكن الوجود بالذات»، وواجب الوجود بالذات»؛ فالموجود أيًّا كان  ـ ومهما كان شأنه ـ لا بد أن يكون وجوده إما «من نفسه»، وإما «من غيره». هل ثمَّة تقسيم ثالث تود اقتراحه أيها القارئ؟ مهما منحت للتفكير أوقاتا إلا أنه وفي آخر المطاف لن تعثر على شيء يُمكن إضفاؤه على هذا التقسيم! فالدائرة مغلقة للغاية ولا بد للموجود إما أن يكون وجوده من ذاته وإما أن يكون وجوده من غيره.

ولكي تتضح هذه المسألة بشكل تام لنقم بتسليط الضوء على مصطلحي «الواجبـ« و»الممكن» المُستخدَمين في هذا البرهان.

عبارة «واجب الوجود»؛ تعني: «ضروري الوجود»؛ أي الموجود الذي لا بد من وجوده.

(248)

وضرورة وجوده ليست مشروطة بأمر خارج عن ذاته. هذه الضرورة يُطلق عليها بـ«الضرورة الأزلية» أو «الضرورة الذاتية الفلسفية». وتقابلها «الضرورة بالغير»[1] التي تعني أن هذه الضرورة مستمدة من أمر وراء الذات. وعندما تكون الضرورة مستمدة من أمر آخر، فإن هذه الضرورة تكون معللة؛ فحيث أن «أ» موجود لبسبب خارج على ذاته يفرض وجوده؛ ففي هذه الحالة يوجد لدينا «تعليل» لضرورة وجود، فهذه الضرورة إذن مرتبطة بـ«الحيثية التعليلية».

ولكن واجب الوجود ليس مشروط الوجود بالغير؛ فضرورة وجوده لا تُعلَّل بأمر غيره؛ فالحيثية التعليلية منتفية عنه. بينما تعني كلمة «مُمكن الوجود» أنَّ العقل عندما يتأمل أي ظاهرة تأملاً تجريديًّا، يُلاحظ أن هذه الظاهرة لم تكن تأبى قبول منحة الوجود ولهذا تحققت، كما أنها في الوقت ذاته لم تكن تفرض وجودها من ذاتها، وإلا لكانت مُتحققة على الدوام، أيضا أنها لو لم تكن تعثر على سبب خارجي يسد جميع أبواب العدم عنها لما وُجدت إطلاقا، هكذا ظاهرة من الممكن أن توجد إذا ما أوجدها موجود آخر، ومن الممكن أيضا ألا توجد إن لم تحظَ بكسب حزمة من ضوء التحقق؛ إذن فهي ممكنة الوجود.

وبالطبع؛ هذا التأمل تأمل عقلي في مرحلة «ما قبل وجود الظاهرة».. لماذا؟ لأن الظاهرة بعد أن تلبس لباس التحقق والوجود لا تظل مُمكنة الوجود! بل تتنقل إلى حالة «واجبة الوجود»، ولكن «بالغير»! أي: تُصبح ضرورية الوجود، ولكن بالحيثية التعليلية. ذلك؛ لأن أية ظاهرة على متن الواقع مما لا تتمتع بوجود ذاتي بلا شرط أو قيد غير ذاتها، فإنها لا يُمكنها أن تضع قدمها على ساحة التحقق ما لم تسبقها عللها وأسبابها التي تجعل من وجودها ضروريًّا ولابديًّا، فلو أمكن لأية ظاهرة أن تتواجد

(249)

بلا سبب لكان معناه أنها أوجدت ذاتها بذاتها! ولكي توجد ذاتها بذاتها فإن عليها أن تكون موجودة قبل وجودها!! أليست هذه كلها تناقضات يأباها العقل السليم؟!

إذن؛ عند سبق علل وأسباب الظاهرة، يغدو وجودها ضروريًّا لمكان القاعدة التي حدثناك عنها في التعليق المُخصَّص عن «السببية» من أن «الشيء إذا وُجب وُجد». إذن؛ وبعد أن تصبح الظاهرة موجودة لا تعود «مُمكنة»، بل «واجبة»، ولكن بـ«الغير» و»ما دام السبب»؛ أي: أن ثمَّة حيثية تعليلية هي المسؤولة عن ارتباطها بالوجود.

 

3 ـ  «برهان الصديقين بالأسلوب السينوي»

نرجو من القارئ العزيز أن يضع هذا بعين الاعتبار؛ لأنا سنعود إليه عن قريب. إليك الآن البرهان وفق الأسلوب «السينوي» بثلاث صياغات؛ اثنتان منهما لـ»محمد تقي المصباح»، والثالثة لأستاذه «محمد حسين الطباطبائي».

 

* «الصياغة الأولى»:

«الموجود إما أن يكون واجبًا (فهو المطلوب)، وإما أن يكون مُمكنا (فيحتاج إلى علة ترجِّح وجوده. والعلة إما هي الواجب فيثبت المطلوب، وإما أن يكون مُمكنا آخر؛ فلا بد من انتهاء سلسلة العلل إلى الواجب دفعًا للدور والتسلسل»[1].

وكما ترى ـ أيها القارئ العزيز ـ كلَّ المقدمات المارة مُستندة إلى يقينيات يأبى

(250)

العقل أن يقبل بخلافها؛ لذا نتجت عنها نتيجة يقينية. وإن أردنا أن نربط البرهان المار بقالبه، فسيكون على هذه الهيئة:

«لو كان في الخارج موجود «مُمكن الوجود»، لا تستوجب ذاته ضرورة الوجود، ولا ضرورة العدم؛ فلا بد أن تكون علته ـ والتي تستوجب ضرورة الوجود ـ  موجودة». «ولكن مُمكن الوجود موجود حقا»! «إذن؛ علته المستوجبة للضرورة الأزلية موجودة جزمًا لاستحالة الدور والتسلسل».

 

* «الصياغة الثانية»:

«ممكن الوجود ذاتاً لا يتمتع بضرورة الوجود؛ فالعقل عندما يتأمل ماهيته فإنه يراها متساوية النسبة إلى الوجود والعدم، ولو أغمض العين عن العلة لما وجد ضرورة لوجوده». «فلكي يُوجد؛ فلا بد أن تسد العلة عنه كافة أبواب العدم؛ أي: ينبغي أن يُوجب حتى يُوجد، فلا بد له من علة توصل وجوده إلى حد الضرورة حتى يوجد». «وبما أن الدور والتسلسل مُستحيلان؛ إذن فواجب الوجود بالذات موجود»[1].

ولنقم الآن بصبِّ البرهان المار في قالبه:

«لو كان في الخارج موجود مُمكن الوجود مُستوي النسبة بين الوجود والعدم؛ لكان لا بد أن تكون علته ـ التي سددت عليه كافة أبواب العدم، وأوجبت وجوده ـ موجودة لاستحالة الدور أو التسلسل»، «ولكن مُمكن الوجود موجود»!  «إذن؛ علته ـ التي لا بد أن تكون واجبة الوجود بالذات؛ دفعًا للدور والتسلسل ـ  موجودة حتما».

(251)

 

* «الصياغة الثالثة»:

«الماهيات المُمكنة المعلولة موجودة؛ فهي واجبة الوجود؛ لأن الشيء ما لم يجب لم يُوجد». «ووجوبها بالغير إذ لو بالذات لما احتاج إلى علة». «والعلة التي بها يجب وجودها موجودة واجبة وجودها إما بالذات أو بالغير». «وينتهي إلى الواجب بالذات لاستحالة الدور والتسلسل»[1].

ومرة ثالثة؛ أيها القارئ العزيز، يُمكن ملاحظة المستندات اليقينية التي تم بنيان قواعد البرهان المار عليها. وهذا هو قالب البرهان:

«إذا كان في الخارج موجود مُمكن ومعلول؛ فلا بد أن علته التي أوجدته بعد أن أوجبت وجوده موجودة»، «ولكن لدينا في الخارج موجود ممكن ومعلول»! «إذن؛ واجب الوجود بالذات موجود».

 

4 ـ  «برهان الصدِّيقين لدى صدر الدين»

 ـ  أولا: الفوارق بين المنهجين:

«صدر الدين» رأى أنه بالإمكان ابتكار برهان أشد لصوقاً إلى منهج «الصديقين» من ذاك الذي استعرضنا ثلاث هيئات له قبل قليل، ودعواه هذه أسندها إلى أن برهان الشيخ الرئيس ناظر إلى مفهوم الوجود وليس إلى حقيقته[2]!

ربما يغلب على الظن أن حُجة «الشيرازي» في قوله بأن الشيخ الرئيس قد نظر

(252)

في مفهوم الوجود دون حقيقته كلام خالٍ من الدقة بناء على أن الإنسان ليس له إلا التأمل في المفاهيم المنبثقة عن الواقع في ذهنه. وبعبارة أخرى: لن يسع الشيرازي نفسه إلا أن يتأمل في مفهوم الوجود المرتكز لديه في ذهنه فما احتج به على ابن سينا وقع فيه كذلك؛ نظرًا لأن الباب إلى الواقع لا يمر إلا عبر المفاهيم الذهنية[1]!

لكننا نعتقد أن «الشيرازي» لم يكن ذاك مقصده من اعتراضه ذاك! فليس لمثل «الشيرازي» أن يفوته أن المنفذ إلى الواقع ليس إلا الذهن بما يحويه من المفاهيم؛ لذا فإن اعتراضه على منهج ابن سينا ليس هذا، بل أمر آخر وهو: إن «ابن سينا» قد تحرَّك في رحلته الفلسفية نحو وجوب الوجوب من خلال التأمل في «الإمكان»، و»الإمكان» مرحلة ما قبل «وجود» الشيء، بينما كان ينبغي أن يتأمل في «وجود» الشيء؛ لأن السير العقلي إذا كان انطلاقه من مرحلة «ما قبل الوجود»  ـ على فرض صحتها ودقتها ـ لن تكون في مصاف دقة النتائج المنبثقة عن الانطلاقة من «وجود» الشيء.

الإمكان ـ أيها القارئ العزيز ـ كما شرحناه لك سابقا، وطلبنا منك الاحتفاظ بما حققناه لك؛ ريثما نعود إليه مجددًا؛ وها نحن الآن نفعل ذلك، ونؤكد لك أن «الإمكان» صفة لا يتصف بها الشيء ما قبل وجوده، إلا في عالم العقل؛ لأنه قبل وجوده ليس بشيء حتى يكون شيئا فيكون مُمكنا! بل يتصف به ما قبل وجوده بالاتصاف والتحليل العقليين، وعندما يوجد أيضًا لا يكون مُمكنا، بل واجبًا للوجود وفق علله التي أوجبت وجوده بناءً على القاعدة التي لا مجال للشك فيها؛ وهي: أن «الشيء ما لم يجب لم يوجد». ومعنى هذا: أن «الإمكان» تحليل بحت؛ يلزمه العقل

(253)

للظاهرة ما قبل وجودها[1]، ورغم صحته إلا أنه يظل تحليلاً وفي مرحلة ما قبل تلبس الشيء بالوجود.

ومن خلال ما مرَّ اكتشفنا إذن أن «الإمكان» يُلازم عالم التصور والتحليل، ولا يُلازم الوجود إطلاقا[2]، «وهكذا يتضح عمق النقد الذي طرحه فيلسوفنا للدليل الوجودي عند ابن سينا، والقائم على التمييز الدقيق والمهم بين وجهي الوجود: الانتزاعي الذهني، والحقيقي العيني. هذا النقد الذي استطاع أن يُعيد النسق من جديد إلى الدليل الوجودي في الفلسفة الإسلامية كما سنرى»[3]، وما لا يلازم الوجود لم يقبل «الشيرازي» أن يبني برهانه عليه!

هذا الأمر جعله يبتكر صياغة أخرى للبرهان وفق قاعدتين من قواعد مدرسة «الحكمة المتعالية» التي أشرق شمسها في الوقت الذي كانت شمس الفلسفة فيه على وشك الغروب بموت آخر ممثليها «ابن رشد»[4]؛ وهما:

 أصالة الوجود ووحدته.

وجود مراتب لهذه الحقيقة الأصيلة والمتصفة بالوحدة[5].

ولكن ما معنى «أصالة الوجود»؟

ثانياً: أصالة الوجود ووحدته ومراتبه
(254)

هل توجد بجوارك أيها القارئ العزيز منضدة؟ ألست تجاه هذه المنضدة الواحدة تمتلك في ذهنك مفهومين عنها؛ وهما: «المنضدة» و»موجودة»؟

بل، وتجاه سائر الظواهر التي تحف بحياتك كلها ألست تلاحظ أن «الظاهرة» بحد ذاتها لا تفرض على ذهنك وجودها ما لم تقم بحمل الوجود عليها؛ فتقول: «أ» موجود؟ ألست تلاحظ أيضًا أن كل ظواهر العالم  ـ والتي تُعرف بالماهيات ـ  متباينات عن بعضها البعض؛ فالجبل غير الشجر والأرض غير السماء والماء غير التراب، ومع هذا فإن لفظ الوجود يقبل أن يحمل عليها كلها بلا أدنى تردد؟

هذان المفهومان اللذان ينبثقان في الأذهان تجاه كل ظاهرة ـ ماهية ـ في العالم تُرى أيًّا منهما يحكي عن واقعية تلك الظواهر حكاية حقيقية؟ أهو «الوجود»، أم «الماهيات»؟

تناول قلمًا وارسم على لوحة بيضاء شجرة؛ ولنسألك الآن هذا السؤال: هل المتحقق على اللوحة بياض على هيئة شجرة، أم شجرة بيضاء انتزعنا من وجودها فكرة اعتبارية عن «الوجود»؟

إذا كان المُتحقق هو البياض؛ فإن ذهننا عندما تأمل حدوده ارتسمت فيه فكرة عن الشجرة. أما إذا كان المتحقق هو الشجرة؛ فإن ذهننا عندما تأمل فيها ارتسمت فيه فكرة عن البياض.

المثال الأول يحكي عن «أصالة الوجود»، بينما ليست الماهيات والظواهر الوجودية إلا حدود ذات هيئات تظهر في أذهاننا جرَّاء تأملنا فيها؛ في حين أن المثال الثاني يحكي عن «أصالة الماهيات» والوجود ليس إلا فكرة طارئة في الذهن جراء تحديقنا فيها.

نظرتان شاسعتا الاختلاف؛ النظرة التي ترى الماهيات وتعتقد أن الوجود ليس أكثر

(255)

من فكرة نشأت منها ترى متن الواقع عبارة عن مجمع هائل من كائنات كلها غير الأخرى؛ فالواقع مملوء بالكثرة التي لا تمت إلا الوحدة بصلة! بينما النظرة الأخرى التي ترى الوجود فحسب، وما الماهيات إلا حدود وقوالب له، ترى الوحدة هي المتحققة ودون إنكار الكثرة، بل وإنما إرجاعها إلى الوحدة؛ بحيث أن الكثرة وقعت في الوحدة وما به الاتفاق هو عين ما به الاختلاف.

«صدر الدين» برهن على رؤيته تلك ـ أعني أصالة الوجود ـ  بأدلة مُحكمة للغاية نعرض لك ـ أيها القارئ ـ برهانين منها:

 ـ  الأول: أننا عندما نتأمل في الماهيات تأملاً عقليًّا، نجدها في مرتبة ذواتها لا تستحق صفة الواقعية والموجودية من ذاتها، بل بعامل خارجي عنها؛ فلو وُجدت هذه الماهيات، فلا شك أن وجودها سيتحقق بالوجود.. فالوجود لا يمكن أن يكون مفهوما اعتباريا لا واقعية له؛ لأن انضمام أمر اعتباري لا يوجب موجودية الشيء.

وحيث إن هناك ماهيات مُتحققة؛ إذن فالوجود حقيقة أصيلة منحت للماهية تحققا[1].

«مطهري»، وبعد أن عدَّ البرهان أعلاه أهم البراهين المُثبتة لأصالة الوجود؛ أوضحه قائلا: «إن نسبة ماهية الإنسان إلى الوجود وإلى العدم على حد سواء، هذا بخلاف الوجود نفسه؛ فهو عين الموجودية والموجودية تُتنزع من حاق ذات الوجود؛ فالماهيات تخرج ببركة الوجود عن حد الاستواء إلى الوجود وإلى العدم؛ فكيف يُمكن ألا يكون هو  ـ الوجود نفسه ـ أصيلا؟»[2].

(256)

ـ الثاني: إننا نشهد تبياناً بين الماهيات في هذا العالم؛ فالثلج ماهية غير ماهية البرودة، وماهية الفن تختلف عن ماهية الإنسان، وماهية الكتابة غير ماهية القراءة. ومع ذلك؛ فإننا نربط بين هذه الماهيات المختلفة عبر «الوجود»؛ فنقول: الثلج بارد، الإنسان فنان، والكاتب قارئ..وهكذا!

لو لم يكن الوجود ذا حقيقة لاستحالت الوحدة الحقيقية بين الماهيات المتباينة؛ ففي الوقت الذي تختلف فيه ماهية الإنسان عن ماهية الفن والكتابة والقراءة، وإذا بها كلها تجتمع فيه بإضافة وضميمة الوجود؛ فيكون لدينا وجود واحد يمتازُ بكونه إنسانًا وفنانًا وقارئًا وكاتبًا؛ فكيف يحصل هذا والوجود فكرة اعتبارية ليست حقيقية، والاتحاد حقيقي وواقعي بين تلك الماهيات على تباينها من خلال الوجود؟

إذن؛ الوجود حقيقة أصيلة[1].

وبعد تشييد «أصالة الوجود»، نهض «الشيرازي» بمسؤولية تشييد قاعدة «وحدة الوجود» ومراتبه التي لا تخرجه عن وحدته إطلاقا، تعرف هذه القاعدة بـ«الوحدة في عين الكثرة والكثرة في عين الوحدة»[2]، وأساس البرهان قائم على أنه وبعد أن ثبتت أصالة الوجود تثبت معها وحدته؛ إذ لا نقيض للوجود غير العدم، والعدم لا وجود له فلا ضد للوجود. وهكذا يكون منفردًا في متن الواقع الذي لن يتشكل إلا منه، وإذ تثبت وحدته يثبت معها أنه لا مثيل للوجود ولا ضد إذ لا يكون العدم مثيله لأنه ليس بشيء، والضد ينبغي أن يكون شيئا حتى يكون ضدًّا، بينما لا يُقابل الوجود إلا العدم، وإذا لا يكون

(257)

له مثيل فلا تكون له أجزاء؛ لأن ما فرضناه جزءًا عاد إلى الوجود، ولا معنى لأن يكون الشيء مركبًا من ذاته[1]!

إذن؛ من أين ينشأ النقص في العالم؟ إنه ناشئ من تدني مراتب الوجود.

ومن أين ينشأ النقص في النور؟  إنه ينشأ من تدني مراتب النور عن المنبع. هذا كل ما في الأمر.

هذا التدني يُسبب نشوء «الظل» الذي لا يعني إلا فقدان النور، فكما أن النور حقيقة واحدة وسائر مراتبه من الدانية إلى القاصية كلها لا تخرج عن «النورية». هكذا الوجود أيضًا؛ فكل مرتبة من مراتب النور رغم أنها تختلف عن الأخرى من جهة شدة النورانية وضعفها، إلا أنها كلها تشترك في النورانية. إذن؛ لقد وقع الامتياز في «ما به الاشتراك»؛ فإذا كان الأمر هكذا حقيقة، فسوف يقع تغيير مهم في نظرتنا للعالم (أولاً)، ولبعض أسراره (ثانيا).

فأما رؤيتنا للعالم فها هو ذا «مطهري» يُوضح التغيير الذي طرأ فيها بقوله: «في ضوء هذا البيان، يتضح أن الفيلسوف حينما يتأمل عالم الوجود ويتفحصه بنظرة فلسفية دقيقة؛ فسوف يكتشف في الخطوة الأولى الحقيقة الوجوبية، ومن ثم يتلمس الممكنات، وإذا أراد المضي في رحلته الفلسفية العقلية؛ فمن المُحتم عليه أن يتخذ الواجب سُلمًا لإثبات وجود الممكنات على أن وجود الممكنات ليس مرحلة ثانية بعد وجود الباري، بل تجليات لذات الباري»[2].

لعلك لا تكون أيها القارئ العزيز في حاجة إلى أن ندلك على مستند «مطهري»

(258)

في دعواه بأن أول ما يكتشفه العقل بناءً على أصالة الوجود هو الوجود الواجبي؛ فالدعوى مبنية على أن الوجود حقيقة أصيلة واحدة رغم كثرتها، ولا ضد ولا ند لها، بسيطة لا أجزاء لها. إذن؛ نحن أمام الوجود الذي يفرض ذاته من حاق ذاته لا من أمر وراءه. ولكن ـ وبالمقابل ـ فلعلك في حاجة إلى تبيين دعواه بأن ما سوى الله فهو تجليات ذاته؛ لنتركه هو ـ أعني «مطهري» نفسه ـ  يوضح الأمر وبلغته، إنه يقول:

«حقيقة الوجود تعادل الوجوب الذاتي الأزلي؛ أي أن طبيعة الوجود تقتضي الكمال اللانهائي، ولازم كمال وفعلية حقيقة الوجود هو تجليه وظهوره، واللازم الذاتي للتجلي والظهور هو النقصان والمحدودية والتأخر وكل هذا يساوق المعلولية»[1].

إذن؛ الوجه المنطقي للمسألة ليس: «من أين نبعت العلة المستغنية عن الحاجة»؟، وإنما الوجه المنطقي لها هو: أن الوجود ينبغي أن يكون مستغنيًا عن الاحتياج؛ لأنه لا يتكئ إلى حقيقة ينبع عنها؛ إذ لا غير لها، وغيرها (أي: العدم) لا وجود له؛ فالوجود كمال لا حدَّ له؛ أيَّ: ليست له نهاية. وأما ما سواه فهو مراتب من الفقر الوجودي مُتعلقة به تعلق الاحتياج، وبالتالي فهي ليست إلا مظاهره[2].

وبهذا الأسلوب تعود العلية إلى مظهرية الوجود الواجبي، ويعود سر وجوب الوجود في الوجود الواجبي إلى «الاستغناء الذاتي»، بينما يعود سر الاحتياج فيما سواه إلى «الفقر الوجودي»[3]. ويُصبح الفارق الدقيق بين «واجب الوجود بالذات» وما سواه، هو الفارق الذي يكون بين الشيء واللاشيء؛ بناءً على أن كل ما سواه فقر محض وتعلق احتياجي به، وبالتالي فإن كل ما في غيره فمنه وبه.

(259)

أيها القارئ العزيز، بعد هذا التغيير الكبير الذي وقع في رؤيتنا: هل يُعد قالب «إذا كان ثمة موجود، فإن واجب الوجود موجود»؛ يُناسب هذه الرؤية الجديدة؟

لقد سبق ـ وعند استعراضنا لقالب «برهان الصديقين»، كما صمَّمه «عبوديت» ـ  ذكرنا بأننا سنورد عليه ملاحظة، وحان الآن وقت إيرادها:

«القالب الذي صمَّمه «عبوديت» لأجل أن يستوعب صيغ برهان الصديقين، على دقته وجماله، لا يتسق مع برهان الصديقين الذي صمَّمه «الشيرازي»؛ ذلك لأنه قالب يُصب فيه برهان ينطلق من «إذا كان هنالك ثمة موجود»، بينما  ـ وبعد الانقلاب الذي أوجده «الشيرازي» في القضية ـ  وجعلها تطفح بأصالة الوجو؛ فالحركة الفلسفية لا تبدأ من «موجود» غارق في مرحلة «التأخر»؛ لأن طبيعة الوجود توأم الغنى الآن فملاحظة الموجود المتأخر عن حقيقة الغنى لن يُجدي!

وحتى لو افترضنا أنه «إذا كان ثمَّة موجود»، فليس بالضرورة أن يكون موجودًا غارقاً في التأخر، بل الموجود بقطع النظر عن مرتبته. أقول: حتى لو افترضنا ذلك، فإن هذا الفرض أيضًا لن يجدي؛ لأنه طبقا لأصالة الوجود، فقد تم التحقق من أن متن الوجود يساوق الغنى التام؛ فلم يتبقَ للعقل مسوغٌ يسوغ له حركته من «إذا كان ثمة موجود»!

بالطبع؛ ليس ذلك يعني أن صياغة البرهان طبقاً لأصالة الوجود لا يُقبل أن تمر من خلال «إذا كان ثمة موجود»، ولكن قصارة ما في الأمر أنه حينها لن تكون تلك الصياغة متينة للغاية ومتوافقة مع اكتشاف أصالة الوجود.

«العقل الفلسفي المُعتمد على المعرفة الوجودية انطلاقاً من أن الوجود وجود،

(260)

يقودنا قبل كل شيء إلى الله، وهو أول موجود نتعرف عليه»[1]؛ لذا توجَّب تصميم قالب يتسق تمامًا مع هذا الإنجاز الجديد في عالم الفلسفة. وها نحن نعرض الآن القالب الذي يقبل أن يُصب فيه هذا الأسلوب الجديد في البرهنة، وبمنهجية تقدِّم الوجود الواجبي وأظهرته على أي أمر آخر، عرضًا أوليًّا لا يستغني عن مزيد من التطور والترميم:

«متن الواقع ليس إلا وجود الواجب بالذات». «وما سواه، فمحض فقر وارتباط به».

 

ثالثا: البراهين

ولكي يتأكد القارئ العزيز أن بنية البرهنة ينبغي أن تسلك هذا الاتجاه، طالما أنها تتمحور حول قاعدة أصالة الوجود وتصطبغ بها، وها نحن نضع بين يديه صيغة البرهان كما صمَّمه المُبتكر له ـ أعني: «صدر الدين» نفسه ـ على أن نعقبه بصيغتين لهذا البرهان من تصميم «محمد حسين الطباطبائي» أحد أبرز وأشهر رجال مدرسة «الحكمة المتعالية» وشراحها أيضا»

1- تقرير صدر المتألهين: «الوجود كما مرَّ حقيقة عينية بسيطة لا اختلاف بين أفرادها على ذاتها إلا بالكمال والنقص والشدة والضعف، أو بأمور زائدة كما في أفراد ماهية نوعية، وغاية كمالها ما لا أتم منه، وهو الذي لا يكون متعلقاً بغيره، ولا يتصور ما هو أتم منه؛ إذ كل ناقص مُتعلق بغيره مُفتقر إلى تمامه. وقد تبيَّن فيما سبق أن التمام قبل النقص، والفعل قبل القوة، والوجود قبل

(261)

العدم. وبين أيضًا أن تمام الشيء هو الشيء وما يفضل عليه. إذن؛ فالوجود إما مُستغنٍ عن غيره، وأما مُفتقر لذاته إلى غيره. والأول واجب الوجود؛ وهو: صرف الوجود الذي لا أتم منه ولا يشوبه عدم ولا نقص. والثاني: هو ما سواه من أفعاله وآثاره، ولا قوام لما سواه إلا به لما مرَّ أن حقيقة الوجود لا نقص لها، وإنما يلحقه النقص لأجل المعلولية؛ وذلك لأن المعلول لا يُمكن أن يكون في فضيلة الوجود مساوياً لعلته»[1]

2 - تقرير «الطباطبائي» الأول: «حقيقة الوجود التي هي أصيلة لا أصيل دونها، وصرفة لا يُخالطها غيرها لبطلان الغير فلا ثان لها، واجبة الوجود لضرورة ثبوت الشيء لنفسه وامتناع صدق نقيضه ـ وهو العدم ـ عليه: وجوبها إما بالذات أو بالغير، لكن كون وجوبها بالغير خُلفًا؛ إذ لا غير هناك، ولا ثانٍ لها؛ فهي واجبة الوجود بالذات»[2].

3 - تقرير الطباطبائي الثاني: «وأوجز ما قيل في أن حقيقة الوجود إما واجبة، وإما تستلزمها. إذن؛ فالواجب بالذات موجود وهو المطلوب. وفي معناه ما قرِّر بالبناء على أصالة الوجود أن حقيقة الوجود التي هي عين الأعيان، وحاق الواقع حقيقة مُرسلة، يُمتنع معها العدم؛ إذ كل مقابل غير قابل لمقابله، والحقيقة المرسلة التي يمتنع عليها العدم واجبة الوجود بالذات؛ فحقيقة الوجود الكذائية واجبة الوجود بالذات وهو المطلوب»[3].

ويمكنك ـ أيها القارئ الكريم ـ إجراء مُقارنة سريعة بين المنهجين المتبعين

(262)

ونتائجهما لدى كل من «ابن سينا» و«صدر الدين»، ولن يطول تأملك للتأكد من أن واحدًا منهما يفوق الآخر في أن يكون أقرب إلى منهج الصدِّيقين في رؤيتهم للوجود.

 

5 ـ  «برهان الصدِّيقين وأصل الواقعية»

أودع «الطباطبائي» حاشية على تقرير «الشيرازي» للبرهان ذاك؛ عدَّها البعض شرحًا للمتن كما فعل «مطهري» عندما علق على «أصول الفلسفة»[1]، بينما عدَّه البعض برهاناً كاملاً من نوع «برهان الصديقين»[2]. وسواءً اتفقنا مع هؤلاء أو مع أولئك؛ فإن ما لا يمكن إنكاره هو أن حاشية «الطباطبائي» جاءت مبتكرة للغاية من خلال إقامتها للبرهان على قاعدة «أصل الواقعية»، وهذه الالتفافة تجعل البرهنة بهذا الأسلوب تسبق «أصالة الوجود» بخطوة. [3]

قالب هذا البرهان أيضًا هو ذاك الذي صمَّمناه؛ لكي يستوعب كل محاولة تبدأ بالسير الفلسفي من الوجود والواقعية التي لا تقبل النقض والفناء.

إليك أيها القارئ العزيز «الحاشية»، وسنزيدك بصيغة أخرى لهذا البرهان، كما حققها صاحبها في «أصول الفلسفة»:

 

 1- البرهان كما في حاشية الطباطبائي على الحكمة المتعالية:

«هذه هي الواقعية التي ندفع بها السفسطة، ونجد كل ذي شعور مضطرًا لإثباتها،

(263)

وهي لا تقبل البطلان والرفع لذاتها؛ حتى أن فرض بطلانها ورفعها مُستلزم لثبوتها ووضوحها؛ فلو فرضنا بطلان كل واقعية في وقت أو مُطلقا كانت حينئذ كل واقعية باطلة «واقعًا» (أي: الواقعية الثابتة)، وكذا السوفسطي لو رأى الأشياء موهومة أو شك في واقعيتها؛ فعنده الأشياء موهومة واقعًا، والواقعية مشكوكة واقعًا (أي: هي ثابتة من حيث هي مرفوعة). وكان أصل الواقعية لا يقبل العدم والبطلان لذاته؛ فهو واجب بالذات. فهناك واقعية واجبة بالذات والأشياء التي لها واقعية مفتقرة إليها في واقعيتها قائمة الوجود بها. ومن هنا؛ يظهر للمتأمل أن أصل وجود الواجب بالذات ضروري عند الإنسان، والبراهين المثبتة له تنبيهات بالحقيقة»[1].

2.  البرهان كما في أصول الفلسفة والمذهب الواقعي:

«إن واقعية الوجود ـ التي ليس لدينا أي شك في ثبوتها ـ لا تقبل النفي إطلاقا، ولا يُحمل عليها العدم»، «وبعبارة أخرى: واقعية الوجود ـ بدون أي قيد ـ هي واقعية الوجود، ولا تصير (لا واقعية) بدون قيد وشرط»، «وحيث إن العالم عابر، وكل جزء من أجزائه يقبل النفي؛ فهو ليس عين تلك الواقعية التي لا تقبل النفي، بل يتوفر على الواقع بواسطة تلك الواقعية، وبدونها لا يحصل على أي نصيب من الوجود»، «على أننا لا نعني بذلك وحدة الواقعية مع الأشياء أو حلولها ونفوذها فيها، أو أن بعض الواقعية ينفصل ويتصل بالأشياء، بل نعني أنها نظير النور الذي تضيء به الأجسام المظلمة، وتظلم بدونه، وفي الوقت ذاته لا يخلو مثال النور هذا من القصور في بيان المقصود. وبعبارة أخرى: إن ذاته عين الواقعية، والعالم وأجزاؤه يُصبح واقعيًّا به، وبدونه يصبح عدما وفراغا». و»النتيجة: العالم وأجزاء العالم في استقلاله الوجودي وواقعيته يتكئ على واقع هو عين الواقعية وهو بذاته واقع»[2].

(264)

ليأذن لنا القارئ العزيز بإضاءة بعض جوانب الصياغتين المارتين بشرح لا يخرج عن الحكمة المأثورة: «خير الكلام ما قل ودل».

انطلق البرهان في هيئتيه من «أصل الواقعية» موصوفة بكونها «موجودة بنحو لا تقبل الشك»؛ فقد عبَّرت «الحاشية» عن ذلك، «لا تقبل البطلان والرفع لذاتها»، وعبَّرت عنها صياغة «أصول الفلسفة»: «لا تقبل النفي إطلاقا». وهذا يعني أن في كل محاولة إنكار لوجود الواقع اعترافًا صريحًا بوجوده.

الخطوة التالية لهذا البرهان؛ كانت: «فك رابطة أي موجود في العالم بالنحو الذي يكون سببًا في منح الواقعية واقعيتها؛ وذلك عبر إثبات أن «نفي أي شيء في هذا العالم لا يستلزم نفي أصل الواقعية»، الذي تفنيده يساوي التناقض».

والإثبات في الحقيقة ليس غير تنبيه؛ ذلك لأن هذه الواقعية التي نعترف بها نحن جميعًا ونأبى ألا تكون، ونعلم أن إنكارها يساوي التناقض، غير مُرتبطة بالكائنات الخارجية التي لا يرى عقلنا أن القول بنفيها، يساوي القول بالتناقض! في الوقت الذي لا يُقر عقلنا بالتناقض إلا بالقول بنفي أصل الواقعية[1].

وبالخطوتين المارتين فحسب من وجهة نظرنا، نكون قد بلغنا شاطئ النتيجة؛ وهي أن «أصل الواقعية واجبة الوجود بالذات، والعالم بتمام أجزائه يستقي واقعيته منها»، ولكن «عبوديت» فضَّل أن يبلغ هذه النتيجة بعد الخطوة الرابعة[2].

إلى ها هنا، نكون قد فرغنا من التحقيق في مسائل هذه التعليقة أيضًا.

والحمد لله رب العالمين.

(265)
(266)

 مصادر الكتاب

أولا: مصادر المتن

1

أصول الفلسفة والمذهب الواقعي

نظرية المعرفة

تعليق مرتضى المطهري

تعريب: عمار أبو رغيف

2

دروس في الحكمة الإلهية في شرح بداية الحكمة

عبدالله الأسعد

 

3

المنهج الجديد في تعليم الفلسفة

محمد تقي المصباح

تعريب: محمد عبدالمنعم الخاقاني

4

الأيديولوجية الإسلامية

محمد تقي المصباح

تعريب: محمد عبدالمنعم الخاقاني

5

محاضرات تمهيدية في الفلسفة

علي العبود

 

6

بداية الحكمة

محمد حسين الطباطبائي

 

7

القواعد العامة في الفلسفة الإسلامية

غلام حسين الإبراهيمي الديناني

 

8

نظرية المعرفة

جعفر السبحاني

بقلم: حسن مكي العاملي

(267)

9

فلسفتنا

محمد باقر الصدر

 

10

أصول المعارف الإنسانية

محمد تقي المصباح

 

11

التصميم العظيم

ستيفن هوكنج

 

12

الإدراك البشري: دراسة تحليلية لنظرية الإدراك

عمار أبو رغيف

 

13

شرح بداية الحكمة

محمد مهدي المؤمن

 

14

نهاية الحكمة

محمد حسين الطباطبائي

 

15

بحوث موسعة في شرح المنظومة

مرتضى المطهري

تعريب: عبد الجبار الرفاعي

16

برهان الصديقين

محمد رضا اللواتي

 

17

http://www.youtube.com/watch?v=70j1knQvdiE

 

 

18

http://www.mercatornet.com/articles/view/free_will_and_fruit_flies (19/7/2013)

Carroll, E. William; Free Will and Fruit Flies

 

ثانيا: مصادر التعليقات: 
(268)

1

فلسفات عصرنا

جان فرانسوا دورتي

ترجمة: إبراهيم صحراوي

2

في الفلسفة الإسلامية: منهجه وتطبيقه

إبراهيم مدكور

 

3

حكمة الغرب

برتنارد راسل

ترجمة: فؤاد زكريا

4

الفلسفة والإنسان

علي الشامي

 

5

المنهج الجديد في تعليم الفلسفة

محمد تقي المصباح

ترجمة: محمد عبدالمنعم الخاقاني

6

الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة

محمد بن إبراهيم الشيرازي

 

7

الأيديولوجية المقارنة

محمد تقي المصباح

ترجمة: محمد عبدالمنعم الخاقاني

8

فلسفتنا

محمد باقر الصدر

 

9

أصول الفلسفة والمذهب الواقعي

محمد حسين الطباطبائي

ترجمة: محمد عبدالمنعم الخاقاني.

ترجمة أخرى: عمار أبو رغيف

تعليق: مرتضى المطهري

10

أصول المعارف الإنسانية

محمد تقي المصباح

محمد حسن مكي العاملي

11

نظرية المعرفة

جعفر السبحاني

بقلم: حسن مكي العاملي

12

نهاية الحكمة

محمد حسين الطباطبائي

تعليق: محمد تقي المصباح

 

(269)

13

إيضاح الحكمة في شرح بداية الحكمة

علي رباني الكلبيكاني

ترجمة: محمد شقير

14

المنهج الجديد في تعليم الفلسفة

محمد تقي المصباح

تعريب: محمد عبدالمنعم الخاقاني

15

شرح المنظومة

مرتضى المطهري

تعريب: عمار أبو رغيف

16

الدوافع نحو المادية

مرتضى المطهري

تعريب: محمد علي التسخيري

17

دراسات في فلسفة المادة والروح

ندرة اليازجي

 

18

دروس في الحكمة الإلهية في شرح بداية الحكمة

عبدالله الأسعد

 

19

إبداعات صدر الدين الشيرازي الفلسفية: النفس نموذجًا

صادق المسلم

 

20

القواعد العامة في الفلسفة الإسلامية

غلام حسين الإبراهيمي الديناني

 

21

أصالة الروح

مرتضى المطهري

تعريب: محسن علي

22

النظام الفلسفي لمدرسة الحكمة المتعالية

عبدالرسول عبوديت

تعريب: علي الموسوي

مراجعة: الدكتور خنجر حمية

23

الإشارات والتنبيهات

الحسين بن عبدالله ابن سينا

تحقيق: سليمان دنيا

 

(270)

24

بداية الحكمة

محمد حسين الطباطبائي

 

25

بحوث موسعة في شرح المنظومة

مرتضى المطهري

تعريب: عبدالجبار الرفاعي

26

أصالة الوجود عند الشيرازي من مركزية الفكر الماهوي إلى مركزية الفكر الوجودي

كمال عبدالكريم الشلبي

 

27

أصالة الوجود عند الشيرازي

علي أسعد الحلباوي

 

28

دروس في بداية الحكمة

علي الشيرواني

 

29

الحكمة المتعالية عند صدر المتألهين الشيرازي

علي الحاج حسن

 

30

مقال بعنوان: الاستاذ العلامة الطباطبائي.. سيرته الفلسفية

عبدالله جوادي الآملي الطبري

ترجمة: صلاح الصاوي

31

هراقليطس

ثيوكاريس كيسيديس

ترجمة: حاتم سليمان

32

أصالة الوجود واعتبارية الماهية

عبدالرسول عبوديت

ترجمة: محمد حسن زراقط

 

(271)
هذا الكتاب لماذا هناك وجود بدل العدم؟ هل القوانين الفيزيائية هي من يخلق الوجود؟ هل القوانين الفيزيائية هي القوانين النهائية للوجود ولا يمكن اختراقها؟ هل نحتاج لافتراض وجود خالق للكون؟ أسئلة طالما ترددت في الاذهان والكتب والحوارات ولكل اجابته عليها يحاول البروفيسور ستيفن هوكنج بأسلوب جذاب وشيق سرد تاريخ موجز جدا للكون في كتابه (التصميم العظيم) ومناقشة هذه الأسئلة والإجابة عليها من وجهة نظره، وفي الوقت الذي نستفيد جميعا من معلومات هوكنج الرائعة ونتعلم منها على صعيد الحقائق العلمية في الفيزياء والفلك فإن لنا على وجهات نظره واستنتاجاته الفلسفية تعقيبات ومناقشات ارتأينا جمعها في كتابنا هذا تحت مسمى (المصمم الأعظم)،كما يفرد الأستاذ محمد رضا اللواتي أربعة فصول في نهاية الكتاب لطرح تعليقات فلسفية مبسطة وسهلة الهضم من روائع الفلسفة الإسلامية فيما يتعلق بأفكار الكتاب. طبعا تظل هناك أسئلة أخرى حول الموضوع مما بالفيزياء والفلسفة والعلوم الطبيعية مما لم نستطع مناقشته في هذا الكتاب حيث أن ذلك يخرج عن إطار هدف الكتاب العام،ولذلك فسنناقش تلك الأسئلة والمواضيع الشيقة في كتابنا القادم ان شاء الله تعالى. هذه هي الطبعة الثانية من الكتاب بعدأن وجدت الطبعة الأولى نجاحا واقبالا جيدا في العالم العربي وتواصل معي بعض القراء معبرين عن سعادتهم لقراءة الكتاب والاستفادة من افكاره،ونرحب بتعليقاتكم الثمينة على الطبعة الثانية على بريدنا الالكتروني: maitham@gmail.com المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية www.iicss.iq islamic.css@gmail.com