فهرس المحتويات

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية قسم الاستشراق خلافة محمد بحث حول الخلافة في وقت مبكر تاليف : ولفرد مادلونج عرض ونقد : السيد هاشم الميلاني
(2)

في البدء

يُعدّ مادلونج من أكبر المستشرقين المعاصرين، وله مساهمات علمية كثيرة في دراسة الفكر الإسلامي عموماً والشيعي خصوصاً، وتخرَّج على يده كثير من المستشرقين.

ولد مادلونج عام 1930م في مدينة شتوتغارت الألمانية ودرس المقدمات هناك، ثم انتقل مع أسرته بعد الحرب العالمية الثانية إلى أمريكا وأكمل دراسته في جامعة جورج تاون، وبعدها في عام 1951م ذهب إلى مصر ودرس في جامعة القاهرة لمدة ثلاث سنوات وتخرّج منها في مادة الأدب العربي والتاريخ الإسلامي، وكان تلميذاً للعالم المصري محمد كامل حسين، وأخذ شهادة الدكتوراه عام 1957م من جامعة هامبورغ الألمانية.

كان مادلونج لفترة قصيرة (1958ــ1960) مدير الملحقية  الثقافية الألمانية في بغداد. واستمر في عطائه العلمي في جامعات مختلفة إلى أن أخذ تقاعده وأصبح عضواً في مؤسسة الدراسات الاسماعيلية بلندن عام 1999م وإلى يومنا هذا.

(5)

آثاره:

تأليف أو تصحيح أكثر من 15 كتاباً، 60 دراسة في مجلات مختلفة، 130 دراسة أيضاً في دوائر المعارف المختلفة، 160 دراسة نقدية لدراسات الآخرين فيما يخص التاريخ الإسلامي (1).

***

(6)

تمهيد(*)

يهدف المؤلّف الى دراسة جذور الخلافة الإسلامية منذ نشأتها الأولى بعد رحيل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله  وتقسيم المسلمين الى شيعة وسنـة، ويـذهب الى أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله  لم ينصّ على أحد بالخلافة، لكنه وبالاستناد إلى آيات قرآنية كثيرة يستنتج أنّ المفهوم من هذه الآيات الدالّة على توارث النبوّة والخلافة في الأنبياء السابقين، لزوم تولّي عليّ للخلافة، ولكن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله  لم يمهله الأجل لإعلان ذلك، وعليه يخالف الرأي السائد عند المستشرقين من أنّ انتخاب أبي بكر للخلافة كان هو الانتخاب الطبيعي للمسلمين.

ثم يسلّط الضوء في عدّة فصول على حياة كلّ خليفة، وينتهي الى

(7)

تأسيس الملوكية الجائرة من قبل معاوية، ويُلحق في نهاية الكتاب مجموعة ملاحق تخصّ التاريخ الإسلامي في الصدر الأول، من قبيل دفن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله  وإرثه، ومسألة أولاد وأزواج الإمام الحسن عليه‌السلام، وكذلك عثمان، وغيرها من الملاحق المفيدة.

ونحن هنا نسلّط الضوء على أبرز أفكار المؤلّف في كتابه القيّم هذا، مع الإشارة إلى بعض الثغرات الموجودة وإبداء الملاحظات المطلوبة.

***

(8)

مقدمة المؤلف

يفتتح المؤلّف كتابه بقوله: «لم يحدث في تاريخ الإسلام خلاف أعمق وأبقى من مسألة خلافة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيث أصبح حق استخلاف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، واستلام زمام أمور الأمة بعد رحيله، واحداً من أهم المسائل الدينية التي سبّبت افتراق المسلمين إلى شيعة وسنة حتى يومنا الحاضر..

إنّ مسألة الحق والباطل كانت من الأمور التي سكنت في خلد المسلمين منذ قرون، فكان أبو بكر ـ أي الخليفة الأول ـ عند أهل السنة، هو الخليفة الحق؛ لأنّه أفضل الناس بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، والرسول وإن لم ينصبه بالصراحة خليفة له، ولكن انتخابه لإمامة الصلاة في آخر مرضٍ للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، يدلّ على أولويته، مضافاً إلى أنّ إجماع المسلمين عليه كان كاشفاً عن رضى الله تعالى بذلك.

ولكن عند الشيعة فإنّ عليّاً عليه‌السلام  ـ ابن عم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله  وصهره ـ هو المعيّن للخلافة من قبل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله  لقرابته ولسوابقه في الإسلام، وعليه فإنّ أبا بكر غصب حقّه مستعيناً بأكثر الصحابة.

(9)

ورغم خطورة هذا الخلاف في تاريخ الإسلام، نرى قلّة من اهتمّ من المؤرخين المعاصرين بدراسته كمّاً وكيفاً، ودراسة الملابسات التي حدثت حوله، ويبدو ابتناء عدم الاهتمام هذا على أساس النظرية القائلة بأنّ الخلاف بين الشيعة والسنة وإن كان مداره الخلافة، لكنّه أمر طرأ فيما بعد، وهذا ما يُؤَيّد من قبل المؤرّخين المغرضين القدامى من أهل السنة أمثال سيف بن عمر (ت 180)، حيث روى أنّ علياً بعد ما علم بانتخاب أبي بكر (خرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلاً كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه، ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه، فتخلّله ولزم مجلسه)(1).

وكان هذا إلى أن أظهر عبد الله بن سبأ ـ اليهودي الذي أسلم وكان من أهل صنعـا ـ الخلاف على عثمان ـ الخليفة الثالث ــ، وبعد مقتلـه أشاع عقائـد غاليـة في علي عليه‌السلام ، بأنّ لكل نبي وصياً، وأنّ علياً وصي محمد.

وهكذا أصبح ابن سبأ مؤسّس تشيعٍ يرى أنّ علياً هو الخليفة الحق للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله  وذلك لسوابقه وفضائله.

ثم إنّ عدد المؤرّخين المعاصرين الذين اعتقدوا بأسطورة سيف ابن عمر في عبدالله بن سبأ وإن كان قليلاً للغاية، ولكـن باتت نظرية : (كـون خلافة أبي بكر لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله  ـ عدا محاولة بعض أنصار المدينة

(10)

للوصول الى الخلافة ـ لم تكن بذاتها مورداً للاختلاف، وكون هذا الخلاف ظهر من قبل الشيعة بعد مقتل علي عليه‌السلام  ومن دون أن يكون راضياً بذلك في حياته)، مورداً لقبول الجميع.

فإذا كان المسلمون على نسق واحد حتى خلافة عثمان، وكان الخلاف بين السنة والشيعة قد ظهر بعد خلافة علي عليه‌السلام ، فيبدو حينئذٍ أن لا داعي للاهتمام بعمق الحوادث ودراسة مسألة الاستخلاف وتأسيس الخلافة»(1).

ثم يشير المؤلّف الى نظريّتين متخالفتين عند المستشرقين، الأولى نظرية لامنس في دراسته بعنوان: (مثلث القوة: أبو بكر، عمر وأبوعبيدة) حيث يذهب الى أنّ ما تمّ تمهيده من قبلهم في زمن حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله  سيما من خلال عائشة وحفصة، أقدرهم على تسلّم الخلافة فيما بعده وإقصاء بني هاشم، وهو وإن لم يتطرّق الى وجود مؤامرة، ولكنّه يشير إليها من طرف خفي.

والنظريّة الثانية نظريّة كايتاني المطروحة في موسوعته تاريخ الإسلام، حيث ذهب الى أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله  لو كان مستخلفاً لاستخلف أبا بكر، وأنّ انتخاب أبي بكر للخلافة كان الانتخاب الطبيعي للمسلمين، وأنّ خـلاف بني هاشم لـه كان ناتجاً من حب الجاه والحقد.

(11)

ثم إنّ مادلونج بعد ما يذكر أنّ هذه النظريّة أصبحت هي المتداولة عند أكثر المستشرقين، يتساءل ويقول:

«وهنا ربما يتساءل بصير ثاقب النظر ويقول: هل أنّ مسألة الخلافة كانت بهذه السذاجة؟!»(1).

ثم يشير إلى عرف العرب آنذاك من اعتماد مبدأ الوراثة السببية في تصدّي رئاسة القبيلة، ويعترف بأنّ مسألة خلافة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله  لا يمكن أن تقاس بخلافة سلطان أو رئيس قبيلة، ولكن مع هذا وبالاستناد الى القرآن وما ورد في قصص الأنبياء السلف واهتمامهم بعشيرتهم وآلهم وتوريث الحكم والنبوة بينهم، وكذلك ما ورد من الاهتمام بقربى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، يتوقّف عن قبول هذا الرأي السائد عند المستشرقين ويقول:

«لذا وفي الوهلة الأولى لنا دليل معتنى به يوجب التردّد في صحّة النظريّة المشتركة بين المستشرقين بالنسبة الى خلافة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، يدعونا الى أن نلقي نظرة جديدة الى المصادر لمعرفة صحتها أو سقمها، يلزم علينا في البداية مراجعة القرآن لمعرفة رأي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله حول الخلافة بشكل عام، ومعرفة رأي أصحابه حول الخطوط العريضة الاحتمالية لهداية الأمّة.

(12)

إنّ القرآن لم يكن فيه أيّ تنبّؤ أو حتى إشارة لمسألة خلافة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولذا فإنّ المؤرّخين من غير المسلمين غضّوا طرفهم عنه في هذه المسألة تقريباً، ولكن هذا القرآن يشتمل على أوامر خاصة في حفظ أواصر القرابة والوراثة، وفيه قصص وحكايات عن خلافة الأنبياء السلف وأسرتهم، أمور لم تكن بمعزل عن مسألة خلافة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله»(1).

◘ أقول:

اتبع المؤلّف هنا النظريّة السائدة عند أهل السنة في عدم دلالة القرآن على مسألة الإمامة، ولذا نفى وجود حتى إشارات قرآنية عليها.

ولكن نحن الشيعة نستند في مسألة الإمامة وخلافة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله  بالعقل والقرآن والسنة. صحيح أنّ القرآن لم يقل أنّ علياً عليه‌السلام هو خليفة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله المنصوص عليه كما لم يرد فيه أيضاً كثير من التفاصيل والجزئيات المهمّة الأخرى، بل اكتفى بالإشارات والاجمال.

يلزم على المؤلّف لمعرفة رأي القرآن حول الإمامة، أن يقف أولاً على لغة الخطاب القرآني من حيث الاجمال والتفصيل والايجاز والاطناب، ثم يحكم بأنّ القرآن لم يتطرّق الى مسألة الخلافة لا من

(13)

قريب ولا من بعيد.

كيف وقد استدلّت الشيعة ـ وبالاعتماد على المصادر والأسانيد الموثوقة في شأن النزول ـ بعشرات الآيات الدالّة على إمامة علي عليه‌السلام  أو المؤوّلة فيه، ويكفينا قوله تعالى: (يا أَيـُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (المائدة:67)، النازلة في الأمر بتبليغ إمامة علي عليه‌السلام  في حجة الوداع، وعندما تم التبليغ في غدير خم نزل قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) (المائدة:3).

وليس هنا مجال سرد عشرات المصادر عند الشيعة والسنة الدالّة على نزول الآيتين بشأن أمر الإمامة، وهو أمر متروك الى مظانّه، ولكن المتوقّع من المؤلّف المحترم الذي ينتهج المنهج الأكاديمي في دراسته وأبحاثه ـ والذي يعتمد على دراسة ومتابعة الجزئيات وإعطائها الأهميّة القصوى في التحليل والفحص، إذ ربما تكون صحيحة وقد غُيِّبَت آنذاك لمصالح وظروف خفيت علينا ـ أن يلقي نظرة جادة إلى هذه التفاصيل الكثيرة الموجودة في كتب الفريقين، ويتعرّف على المنهج الصحيح في فهم القرآن بالرجوع الى الروايات الصحيحة والمتواترة المفسّرة له.

حقوق القرابة وأسرة الأنبياء في القرآن:

يضع المؤلّف هذا العنوان ويسرد تحته أوّلاً اهتمام القرآن بحفظ

(14)

أواصر العلاقة مع القرابة ولزوم الإحسان إليهم، كما في قوله تعالى: (ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْـمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ) (البقرة:215) وسرد آيات أخر بنفس المضمون يستنتج منها أنّ تقدّم ذكر اسمهم على سائر الأسماء يعني تقدّم حقّهم ولزوم الاهتمام بهم أكثر من الغير.

ثم في المرحلة الثانية يذكر بعض الآيات حول قربى الأنبياء والتوارث المعنوي والمادي الموجود بينهم، حيث أنّ الأنبياء كانوا في الواقع من سلالة واحدة: (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَـمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران:33ــ34)، وكما في آية أخرى: (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْـمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسَـى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ * وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْـحُكْمَ وَالنُّـبُوَّةَ) (الأنعام:84 ـ 89).

ثم يستشهد بدعاء إبراهيم عليه‌السلام أن يجعل الله تعالى عهد الإمامة في ذريته في قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124)، حيث تدلّ على وصول العهد إلى العدول من ذرّيته.

(15)

وهكذا يسرد المؤلّف ما ورد في قصص الأنبياء : ودور ذريتهم في الدفاع عنهم وخلافتهم.

ثم في المرحلة الثالثة يصل إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ويقول:

«وللتشابه الموجود في القرآن بين منزلة أولاد الأنبياء وذريتهم وبين منزلة ذرية محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، يلزم أن يكون قد أولى مقاماً ومنزلة رفيعة لذريته»(1).

ثم يستشهد بعدة آيات لإثبات مدعاه، منها آية المودة وآية التطهير وآية المباهلة.

وبالنسبة إلى آية التطهير: (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب:33)، يتساءل المؤلّف عن المراد من أهل البيت في الآية، ويذكر أنّ تغيير الضمير من المؤنّث الى المذكّر ولّد روايات متعدّدة بالنّسبة الى أهل الكساء، ثم يقول:

«وبقطع النظر عن رأي الشيعة الواضح في معناها، فإنّ الطبري(2) يؤيّد تفسيرهم نقلاً عن أكثر الرواة»(3).

ثم يقول:

(16)

«من المستبعد جداً كون هذا المقطع وحياً مستقلاً اُلحق بالآية فيما بعد، كما أشارت إليه الروايات... المراد من أهل بيت محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله  ـ كما هو المتعارف من استعمالها آنذاك ـ هم قرباه في النسب أولاً من قبيل بني هاشم الذين حرمت عليهم الصدقة حفاظاً على طهارة منزلتهم، وأزواجه ثانياً»(1).

◘  أقول:

أولاً: إن استبعاده نزول ذيل الآية منفصلاً؛ لم يستند إلى دليل بل هو مجرد استبعاد لايمتّ إلى الواقع بصلة، رغم اعترافه بورود روايات تؤيّد استقلاليتها، وقد ذكر أيضاً أنّ الطبري يؤيّد تفسير الشيعة، فهو يترك الدليل المعتمد ويتمسّك بمجرد الاستبعاد.

فلو أردنا الأخذ بكلامه لزم حصر معنى الآية بالأزواج رغم تذكير الضمير، لأنّ السياق يقتضي ذلك، ويلزم منه التناقض في الآية، لأنّ الحصر والتأكيد في إرادة التطهير وإذهاب الرجس يقتضي عدم صدور المخالفة المستقبلية عنهنّ، وهذا لا يمكن إثباته بأيّ وجه من الوجوه، فقد صدرت مخالفات من بعض نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، مضافاً إلى وجود آيات أخر تدلّ على إيذاء بعضهنّ للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكذلك ما ورد

(17)

من تضاعف السيئة منهنّ، كلّها تدلّ على عدم استمرار الطهارة المطلوبة الواردة في الآية.

وعليه يبقى تفسير الشيعة سليماً واستدلالهم في لزوم عصمة المشار إليهم في الآية صحيحاً.

ثانياً: ما ذهب إليه من شمول أهل البيت للأزواج أيضاً غير صحيح، وذلك أنّ للألفاظ معاني لغوية ومعاني اصطلاحية أو شرعية، كما هو الحال في كلمة الصلاة والزكاة والحج، حيث تمّ التأسيس الشرعي لها لمعانٍ مختلفة عن معناها اللغوي، والحال هنا كذلك أيضاً، حيث أنّ جملة أهل البيت في الاستعمال اللغوي تشمل الأولاد والأزواج وكل من يمتّ إلى رب البيت بصلة سبباً أو نسباً أو بالتبنّي أو الرقّيّة وما شاكل، غير أنّ معناها الاصطلاحي أو الشرعي بخصوص آية التطهير يختلف تماماً عن مرادها اللفظي، وكأنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أسّس لها معنى شرعياً بخصوص أهل الكساء عليهم‌السلام : كما ورد في صحاح الأخبار، وكما اعترف المؤلّف بها أيضاً.

فلا وجه حينئذٍ لخلط المنهج، فهو إمّا أن يعتمد الروايات الصحيحة في شأن النزول وحصر معاني الآيات في موردها وتخصيص عمومها اللغوي، أو لا يعتمد من الأساس، أمّا التلوّن وتغيير المنهج بحسب المذاق والأهواء والاستبعادات، فهو أمر غير صحيح ومنهج غير علمي.

(18)

ونحن إذ نقول هذا لا ندّعي أنّ كلّ جملة وردت في القرآن حول أهل البيت فهي تعني الأولاد أو الذرية خاصّة، كي لا يُنتقض علينا بقوله تعالى لزوجة إبراهيم: (رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ(هود:73) إذ إنّها استعملت بمعناها اللغوي لتشمل الزوجة، ولكن ما نحن بصدده من قوله تعالى في آية التطهير: (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب: 33) يختلف عن هذا تماماً لاستعمالها بالمعنى الاصطلاحي الذي أسّسه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأهل الكساء في روايات صحيحة من قوله: «اللهم هؤلاء أهل بيتي»(1).

ثم بعد ما يسرد المؤلّف هذه الآيات يستنتج أنّ القرآن قد رفع منزلة قربى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ كما هو الحال في ذرية سائر الأنبياء ـ على منزلة كل المؤمنين وطهّرهم تطهيراً، ثم يقول ابتناء على مجموع هذه الآيات:

«ما يدلّ عليه القرآن من نوعية أفكار محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، يتضح أنّه لم يرد أن يكون أبو بكــر هو خليفتـه

(19)

الطبيعـي، بل لم يرتض بذلك، نعم إنّ القرآن لم يبيّن بوضوح رؤية محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله بالنسبة إلى الرجال والنساء الذين كانوا حوله، ولكن على أية حال فإنّه لم ير خليفته إلّا على ضوء هدي القرآن الذي تمّ بيانه بالنسبة إلى الأنبياء السلف، كما وفّق في إبلاغ رسالته رغم عداء الناس له، وكما تحقّق نجاحه وفوزه في ظل اللطف الإلهي، وعلى ضوء علمه بقصص الأنبياء السلف الذين حكى قصصهم القرآن، كان الأنبياء السلف يرون أنّ من كمال اللطف الإلهي بالنسبة لهم، أن يجعل خلفاءهم من ذرّيتهم وقرابتهم نسباً، وكانوا يطلبون ذلك من الله.

ولكن المدافعون المعاصرون من أهل السنة يرفضون هذا الكلام استناداً إلى الآية : 40 من سورة الأحزاب، والتي تنصّ على أنّ محمداً خاتم الأنبياء، ويذهبون إلى عدم لزوم استخلاف شخص من ذرية محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله والذي أصبح خاتم الأنبياء، ولذا قد قدّر الله إماتة جميع أولاده الذكور في صباهم (1)، لذا لم

(20)

ينصب محمد خليفة لما بعده، لأنّه كان يريد ترك أمر الخلافة إلى الناس بالاعتماد على أصل الشورى القرآني.

وفي الواقع فإنّ هذا الفهم بعيد جداً عن حاقّ عبارة (خاتم الأنبياء)، لأنّنا حتى لو فسّرناها بمعنى آخر الأنبياء لايوجد فيها دليل على عدم تمكّن محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله من انتخاب خليفة من ذرّيّته لقيادة أمور الأمة الإسلامية الدينية ـ عدا مرتبة النبوة ـ والدنيوية. فالقرآن يدلّ على أنّ أولاد وقربى الأنبياء في النسب يرثون منهم الملك والحكم والحكمة والكتاب والإمامة، ثمّ إنّ استنباط أهل السنة من مسألة الخلافة، كونها خلافة النبي في جميع الأمور سوى أمر النبوة. وعليه فلم لا يستلم الخلافة واحد من قرباه على غرار الأنبياء السلف؟! فلو كانت إرادة الله توجب حقيقةً عدم استخلاف أيٍّ منهم، فلِمَ لم يقدّر إماتة أسباطه وسائر قرباه كما أمات ولده؟!

وعليه يوجد مجال واسع للشك فيما يقال من أنّ محمداً ترك الاستخلاف لأنّ إرادة الله استقرّت على نفي وراثة الخلافة في نسبه، وكان محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله يريد التزام الناس بالشورى في نصب الخليفة.

إنّ القرآن يوصي المؤمنين بإرجاع بعض أمورهم

(21)

إلى التشاور، ولكن في غير مسألة الاستخلاف، فإنّ هذا الأمر يتمّ تعيينه بالاختيار الإلهي بنص القرآن، حيث أنّ الله كان عادة يختار الخلفاء من ذوي قربى الأنبياء، سواء كان المنتخبون أنبياء أو غير أنبياء.

وعليه فلماذا قصّر محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله لتنظيم برنامج صحيح لخلافته، حتى لو افترضنا أنّه كان يطمع أن يكون خليفته من عشيرته؟! أيّ جواب لهذا السؤال ربما يكون ناشئاً من الحدس والتخمين، نعم ربما يجاب في إحدى الوجوه البسيطة أنّه كان بانتظار الوحي الإلهي لتفعيل هذا الأمر الخطير، ولكن لم يوح إليه هكذا وحي.

ربما يميل المؤرّخون من غير المسلمين إلى القول بأنّ تردّد محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله كان ناشئاً من علمه بحدوث مشاكل كثيرة لخليفته فيما لو كان من بني هاشم، نظراً للتنافس الممتد بين قبائل قريش حول الرئاسة والزعامة.

إنّ محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله أرسل علياً عليه‌السلام في السنة العاشرة من الهجرة إلى اليمن نيابة عنه، وقد شكاه بعض عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لنوع تعامله معهم، وبعد مرجعه رأى محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ وقبل ثلاثة أشهر من رحيله ـ أن يدعم جانب ابن عمه في اجتماع عظيم عقده آنذاك، ويظهر أنّ

(22)

الوقت كـان غير مناسب لاستخلافـه، ويحتمل أنّ محمداً صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يأمل أن يمتدّ عمره إلى أن ينصب واحداً من أسباطه، ولذا أخّر آنذاك الاستخلاف.

كانت وفاة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله أمراً غير متوقّع بين أمّته رغم مرضه الشديد، ولعلّه أيضاً لم يتوقّع دنوّ رحيله، فذهبت الفرصة عليه لتعيين الخليفة»(1).

◘  أقول:

رغم نقاط القوة الموجودة في كلام المؤلّف، ولكن لنا ملاحظات حول بعض فقرات كلامه نوردها فيما يلي:

1ـ ما ذهب إليه من تقصير رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في عدم تنظيم برنامج للخلافة، غير تامّ إذ إنّ المتابع لسيرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله منذ البداية وحتى النهاية، يرى خارطة الطريق التي رسمها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والبرنامج الذي نظّمه لما بعده، حيث انّه في البداية تكفّل تربية علي عليه‌السلام تربية إلهية، فكان يصطحبه معه إلى مواطن العبادة وإلى غار حراء ليشهد نور الوحي، كما قال عليه‌السلام: «وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد يضمّني إلى صدره، ويكنفني إلى فراشه، ويمسّني جسده،

(23)

ويشمّني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه.. ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وخديجة وأنا ثالثهما. أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوة، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان أيس من عبادته. إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنّك لست بنبي ولكنّك وزير، وإنّك لعلى خير»(1).

ثم ما حدث يوم الدار بعد البعثة ونزول قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) حيث جعله وزيراً ووارثاً ووصياً وخليفةً، ثم في مناسبات أخر دلّ على فضله ومنزلته وسابقته وأولويته إلى أن انتهى إلى واقعة الغدير، وهي خاتمة الأدلّة والنصّ الصريح. فكيف يقال بعد هذا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قصّر في تنظيم برنامج لما بعده؟!

2 ـ إنّ قوله في الإجابة عن تساؤله عن تقصير رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ وحاشاه  ـ من أنّ «أيّ جواب لهذا السؤال ربما يكون ناشئاً من الحدس والتخمين» غير تامّ أيضاً، إذ مع وجود الأدلّة الكثيرة التي تقيمها الشيعة وتستدلّ بها على مدعاها، كيف تكون النتيجة حدسية ومشكوكة؟!

(24)

3 ـ  إنّ مدّعاه في عدم نزول وحيٍ حول الخلافة محلّ إشكال، إذ إنّ آيتي التبليغ والإكمال كانتا بخصوص أمر الخلافة، وهذا أمر متسالم عليه عند الشيعة طبقاً لما صحّ عندهم عن أئمتهم :، ومؤيّد بما ورد في بعض مصادر أهل السنة أيضاً.

4 ـ ما سرده من إرسال علي عليه‌السلام إلى اليمن في السنة العاشرة وحديث الشكوى، وتجييره حادثة الغدير العظمى لصالح هذه القضية أي شكوى الجيش عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من جفوة علي عليه‌السلام ، ثم نصرة النبي لعليّ والدفاع عنه يوم الغدير، وإعلان لزوم محبته ونصرته في حديث الغدير، مغالطة واضحة، وقد وقع في فخّها المؤلّف تبعاً لما يردّده إخواننا أهل السنة فراراً من مدلول حديث الغدير الحقيقي في إمامة علي عليه‌السلام وخلافته.

ونقول للمؤلّف الكريم ولغيره من قرّائنا الكرام: إنّ حديث شكوى الجيش من علي عليه‌السلام لا علاقة له بحديث الغدير لا من قريب ولا من بعيد، ولعلّ من أقدم من تعرّض لهذه الشبهة وروّج لها أبو الهذيل العلاّف (ت226 أو235) عن بعض العلماء، قال القاضي عبدالجبار: (وذكر ـ أي أبو الهذيل ـ أنّ بعض العلماء حمله على أنّ قوماً نقموا على عليّ بعض أموره وظهرت معاداتهم وقولهم فيه، فأخبر صلى‌الله‌عليه‌وآله بما يدلّ على منزلته وولايته دافعاً لهم عمّا خاف فيه الفتنة)(1).

(25)

ثم جاء بعده البيهقي (ت:458هـ) وأوضح هذا الإجمال، ونسب ذلك إلى ما حصل باليمن حيث قال: (إنّه لمّا بعثه إلى اليمن كثرت الشكاة عنه وأظهروا بغضه، فأراد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يذكر اختصاصه به ومحبته إيّاه، ويحثّهم على محبته وموالاته وترك معاداته)(1).

وقبل الإجابة عن هذه الشبهة نورد نصوص الشكوى:

1 ـ الجند.

2 ـ بريدة. لأنّها أساس الشبهة، ثم نتكلّم عن أصل الشبهة.

قال ابن كثير فيما خصّصه لواقعة الغدير: (قال محمد بن إسحاق في سياق حجة الوداع: حدّثني عبدالله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، قال: لمّا أقبل عليّ من اليمن ليلقى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بمكة، تعجّل إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله واستخلف على جنده الذين معه رجلاً من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسى كلّ رجل من القوم حلّة من البز الذي كان مع عليّ، فلمّا دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل، قال: ويلك ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجمّلوا به إذا قدموا في الناس، قال: ويلك انزع قبل أن ينتهي به إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال: فانتزع الحُلل من الناس فردّها في البزّ، قال:

(26)

وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم.

قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عُجرة، عن عمته زينب بن كعب، وكانت عند أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد، قال: اشتكى الناس علياً فقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فينا خطيباً، فسمعته يقول: أيها الناس لا تشكوا علياً، فوالله إنّه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله من أن يُشكى.

وقال الإمام أحمد: حدّثنا الفضل بن دكين، ثنا ابن أبي غنية، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن بريدة قال: غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة، فلمّا قدمت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذكرت علياً فتنقّصته، فرأيت وجه رسول الله يتغيّر، فقال: يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه)(1).

وفي مسند أحمد عن ابن بريدة عن أبيه قال: بعثنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في سرية، قال: لما قدمنا قال: كيف رأيتم صحابة صاحبكم؟ قال: فإما شكوته أو شكاه غيري قال: فرفعت رأسي وكنت رجلاً مكباباً قال: فإذا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قد احمرّ وجهه قال وهو يقول: من كنت وليه فعلي وليه(2).

(27)

وفي رواية أخرى عن عبدالله بن بريدة عن أبيه يسرد قصة الوصيفة التي أصابها علي عليه‌السلام ثم ذهابه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مشتكياً فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : أتبغض علياً؟ قال: قلت: نعم، قال: فلا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حباً، فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة(1).

وفي رواية أخرى تدلّ على نفس الواقعة بشكل تفصيلي أكثر، وفيها: لا تقع في علي فإنّه منّي وأنا منه، وهو وليكم بعدي(2).

هذا أساس الواقعتين، وجميع الروايات الواردة تدور نفس المدار، مع بعض الاختلاف من حيث التفصيل والإجمال، وإذا عرفت هذا فنقول في الجواب:

أوّلاً: ما رواه ابن كثير عن ابن إسحاق عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة في إقبال علي عليه‌السلام من اليمن وإسراعه الى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم إنزاع الحلل وشكوى الجيش، مرسل إذ إنّ يزيد بن طلحة توفي عام 105 في بداية ولاية هشام بن عبد الملك(3)، فمن أين علم كل هذه التفاصيل وأنّ الجيش شكوا ذلك و... مع الفجوة الزمنية الكبيرة الموجودة؟! وعلى فـرض الصحـة فالرواية ساكتة عن ردة فعـل

(28)

النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أمامهم، فلماذا التقوّل على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وخلط الأوراق، واحتساب هذا على ذاك؟! وهو القائل: «من يقل عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار»(1).

مضافاً إلى أنّ الرواية عند الحافظ البيهقي ـ التي رواها عنه ابن كثير ـ تدلّ على أنّ الجيش قدّم شكواه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في المدينة بعد رجوعه من حجة الوداع(2) ـ إذ إنّهم لم يدركوا حجة الوداع ولم يأتوا إلى مكة ـ وعليه انهار بنيانهم من الأساس، إذ لا ربط لشكوى الجيش بواقعة الغدير.

ثانياً: الرواية الثانية المروية عن إسحاق عن أبي سعيد الخدري، لا علاقة لها بواقعة الغدير لا من قريب ولا من بعيد، بل تدلّ على قضية في واقعة انتهت بوصية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله النـاس بعـدم الشكايـة من علي عليه‌السلام ،  فإيرادها ضمن روايات الغـديـر لا معنى له سوى محاولة

(29)

حشد الروايات لخلط الأوراق وتقليب الأمور، ولو سلّمنا وتنزّلنا أنّ هذا كان في واقعة الغدير، فهو لنا لا علينا، إذ إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أجاب المشتكين بقوله ذلك، فلا علاقة لهذه الشكوى بحديث الغدير، بل كانت هناك شكوى من بعض الصحابة عن علي عليه‌السلام أدّوها أمام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأجابهم بما فيه الكفاية، ثم بعد هذا كانت واقعة الغدير لتنصيب الأمير للإمامة والخلافة.

ثالثاً: الرواية الثالثة التي رواها ابن كثير عن أحمد وفيها قضية بريدة، وأنّه تنقّص علياً أمام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم ما ذكره الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بنفس ألفاظ حديث الغدير، فهو إن صح تأييد لنا لا علينا، إذ إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بلّغ إمامة أمير المؤمنين عليه‌السلام لبريدة ـ لاقتضاء المقام ـ قبل أن يبلّغها لجميع الناس، وبيّن له أنّ علياً أولى بالتصرّف في الصدقات ـ إذ كانت الواقعة لأجل اصطفاء علي جارية لنفسه ـ لأنّه الإمام بعده والخليفة له والقائم مقامه، وذلك أنّ بريدة رأى من جهةٍ أنّ علياً اصطفى لنفسه الجارية وتصرّف في الخمس قبل استئذان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن جهةٍ ثانيةٍ رأى أنّه انتزع الحلي من الجيش واعترض عليهم بتصرّفهم في الغنائم قبل استئذان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأدّى هذا الى تساؤل في نفسه، كان جوابه أنّ علياً أولى بالتصرّف وحاله حال الرسول في ذلك بقوله لبريدة: «يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم». هذا على تسليم اتحاد الواقعتين وصحة الروايتين، إذ يُحتمل أنّ هذه الواقعة كانت في السفرة الأولى لعليّ عليه‌السلام

(30)

إلى اليمن، لا التي تزامنت مع حجة الوداع. ولنا كلام يأتيك في النقطة التالية.

رابعاً: نعتقد أنّ علياً عليه‌السلام ذهب إلى اليمن لعدّة مرّات، وهذا ما نستفيده من سياق الروايات، فمثلاً تدلّ إحدى روايات ابن إسحاق المروية عن عمر بن شاس الأسلمي أنّه كان مع عليّ في اليمن حيث قال: «كنت مع عليّ في خيله التي بعثه فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى اليمن، فجفاني عليّ بعض الجفاء، فوجدت عليه من نفسي، فلما قدمت المدينة اشتكيته في مجالس المدينة وعند من لقيتُه...»(1).

فهذه الواقعة غير واقعة بريدة حين ذهب مع خالد بن الوليد إلى اليمن، وغير الواقعة الأخرى التي ذكرها ابن إسحاق أيضاً من شكوى الجيش لمّا رجعوا من اليمن ووافوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في مكة في حجة الوداع، ولذا قال ابن هشام (ت218) في السيرة: «وغزوة علي ابن أبي طالب رضوان الله عليه اليمن، غزاها مرتين»(2). بل أكثر من مرّتين فيما يبدو.

والذي أريد أن أصل إليه من خلال هذه الروايات المتضاربة، هو أنّ شكوى بريدة من عليّ عليه‌السلام لمّا كان مع خالد بن الوليد في اليمن لما أصاب عليّ الجارية، كانت قبل واقعة الغدير، وهي حادثة مستقلّة، ولمّا

(31)

رأى بريدة ردّة فعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أمسك عن النكير وأصبح علي عليه‌السلام عنده من أحبّ الناس إليه، حيث قال: «فما كان أحد من الناس أحب إليّ من عليّ» (1).

ثم بعد هذا حضر بريدة حجة الوداع مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وشهد غدير خم وروى حديث الغدير حاله حال سائر من روى الحديث، وصادف هذا؛ شكوى الجيش الذي كان مع علي عليه‌السلام في اليمن في بعثة أخرى بعثه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسمعوا أيضاً الجواب، ورأوا موقع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من عليّ، وليس فيه ذكر لحديث الغدير ولا ألفاظه، فهنا حصل خلط ربما متعمّد بأغراض سياسية طائفية بين حديث شكوى بريدة الذي كان قبل حجة الوداع ـ كما في الإرشاد للمفيد: فسار بريدة حتى انتهى إلى باب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، يعني بالمدينة (2) ـ وبين روايته لحديث الغدير الذي حضره وشهده، وعليه لا يدلّ هذا على ما ذهبوا إليه من أنّ سبب حديث الغدير هو شكوى بريدة من علي عليه‌السلام أو شكوى الجيش، ويبقى الحديث دالاً على الإمامة.

خامساً: إنّ القاضي عبدالجبار (ت415) الذي نقل هذه الشبهة عن أسلافه، ما ارتضاها هو كدليل على رد ما تدّعيه الشيعة، فلذا قال بعدما سرد مجموعة أسباب لصدور حديث الغدير : «والمعتمد في معنى

(32)

الخبر على ما قدّمناه، لأنّ كلّ ذلك لو صحّ وكان الخبر خارجاً عليه، لم يمنع في التعلّق بظاهره وما يقتضيه، فيجب أن يكون الكلام في ذلك دون بيان السبب الذي وجوده كعدمه في أنّ وجه الاستدلال بالخبر لا يتغير»(1).

فهو بقوله: (لو صحّ) يغمز في صحة هذه الأخبار أوّلاً، وثانياً يرى أنّ ذكر الأسباب لا يغيّر من الاستدلال بالخبر على المدّعى.

سادساً: إنّ رواية شكوى الجيش وشكوى بريدة، ـ لو سلّمنا تزامنهما مع واقعة الغدير ـ تدلاّن على أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عالج الموقف فوراً أمام المشتكين حيث نهى بريدة عن بغض عليّ عليه‌السلام وأمره بالالتزام به، وكذلك نهى الجيش عن الشكوى، وبهذا تمّت الشكوى وعلم المشتكي أنّه على خطأ وأنّ علياً عليه‌السلام على الحقّ، ثم بعد هذا حدثت واقعة الغدير، ولا علاقة ولا ترابط بين هذه الأحداث.

5 ـ أما ما ذكره المؤلّف أخيراً من عدم علم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بدنوّ أجله، فمردود أيضاً لما ورد في نصوص صحيحة وكثيرة تنبّؤه بدنوّ وفاته من قبيل قوله: «يوشك أن أدعى فأُجيب» في نفس خطبة الغدير، أو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمة: «إنّ جبرائيل كان يعارضني القرآن كل سنة مرّة، وأنّه عارضني العام مرّتين، ولا أراه إلا حضر أجلي»(2). فرسول

(33)

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يعلم بدنوّ وفاته، وأعلن إمامة ابن عمّه ونصّ عليه من الله تعالى.

ثم إنّ المؤلّف اختتم المقدمة بباب عقده تحت عنوان : (شاهدان للواقعة: عائشة وعبد الله بن عباس) وقال :

«في ضمن الروايات الموجودة حول الخلافة الأولى، تمتاز الروايات المنسوبة إلى عائشة بنت أبي بكر، وعبدالله بن عباس ابن عم محمد وعلي عليهما‌السلام بأهمية خاصة» (1).

وسبب هذه الأهمية أنّ كلاهما كان قريباً من الوقائع، وكان كلّ واحد منهما في الصف المقابل للآخر، وعليه يتوقّف في قبول ما نسب إليهما حول الموضوع، لاعتقاده بأنّ كلاًّ منهما كان بإمكانه وضع رواية لصالحه وردّ الطرف الآخر، وهذا ما حصل بالفعل على حدّ زعم المؤلّف، حيث يستشهد لتأييد مدّعاه بعدّة شواهد، منها مسألة وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في حجر عائشة حيث كانت تدّعي ذلك، ولكن ابن عباس كذّبها وروى أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مات في حجر علي عليه‌السلام (2)، ومنها أيضاً قضيّة الدواة والكتف اللذان طلبهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ليكتب للأمة ما يعصمها من الضلال، وكان يتأسّف ابن عباس من عدم كتابة هـذا الكتاب ومن ممانعة المانعين ، ولكن روت عائشة أنّ رسول

(34)

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أمرها أن تحضر كتاباً ليكتب فيه لزوم خلافة أبي بكر بعده، وأنّ الله والمؤمنين لا يرتضون سواه (1). ويذكر المؤلّف شواهد أُخـر لمدّعاه.

◘  أقول:

نحن نؤيّد المؤلّف في اختلاق أخبار كثيرة لصالح هذا أو ذاك، سيّما الفترة التي مرّت بها السنة النبوية حيث مُنعت من التدوين، ولكن هذا لا يعني رمي الجميع بعصى واحدة وإن كانوا في صَفّين متقابلين، بل هناك مقاييس وشواهد وقرائن بإمكانها تأييد أحد الجانبين، سيما لو كان أحدهما ضعيفاً مقهوراً والآخر قوياً متغلّباً بيده المال والسوط، فهنا يكون الترجيح لقبول قول الضعيف، عدا سائر المرجّحات السندية والدلالية.

وعليه فلا وجه لتضعيف رواية ابن عباس بالنسبة إلى واقعة الدواة والكتف المؤلمة، وتصديق عائشة بأنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أراد أن يكتب كتاباً باستخلاف أبي بكر، إذ إنّ هذا غير صحيح إطلاقاً، كيف ولم يستشهد به أبو بكر في أحرج الظروف وعند أمسّ الحاجة إليه، عند احتدام الصراع مع الأنصار حول الخلافة، ولا استشهد به أحدٌ من مؤيّديه.

(35)

ونحن لم نكن نتوقّع من المؤلّف الكريم هذه السذاجة، وجعل رواية عائشة الموضوعة عليها؛ بإزاء رواية ابن عباس الصحيحة عند الشيعة والسنّة.

***

(36)

أبو بكر خليفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

والخلافة القرشية

قال المؤلّف في هذا الفصل:

«ترجع الرواية الرئيسية لتبيين اجتماع سقيفة بني ساعدة، والتي تمّ فيها استخلاف أبي بكر لمحمد [صلى‌الله‌عليه‌وآله] إلى عبدالله بن عباس. وجميع الروايات الأخرى قد استقت من هذه الرواية أو نشأت منها، وهذه الروايات قد وردت ـ مع بعض التغيير في سلسلة الرواة ـ عند ابن هشام، الطبري، عبد الرزاق بن همام، البخاري وابن حنبل، حيث يصل السند إلى الزهري، وهو روى رواية ابن عباس نقلاً عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود، وهذه الرواية تطرح بوضوح رأي ابن عباس الخاصّ، ولا دليل لنا للشك في وثاقة رواتها»(1).

ثمّ يذكر المؤلّف رواية ابن عباس ـ والتي رواها البخاري ـ عن

(37)

آخر حجة حجّها عمر بن الخطاب، وما قيل له عندما كان في منى من قول القائل: «لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة فتمّت» فغضب عمر وأراد أن يخطب في منى ليحذّر الناس من هؤلاء، فنهاه عبدالرحمن عن ذلك وأشار عليه أن يُظهر ما في ضميره في المدينة عند مرجعه، فقبل عمر ذلك، ولما رجع إلى المدينة خطب الناس وشرح لهم واقعة السقيفة وذكر لهم أنّها كيف تمّت، كما ذكر مقولة الأنصار، وخطبة أبي بكر وأنّ الخلافة لابد وأن تكون في قريش، ثمّ مبايعته لأبي بكر، وإقراره بأنها كانت فلتة بالفعل ولكن وقى الله شرّها (1).

ثم يقول المؤلّف بعد سرد هذه الرواية الطويلة:

«إنّ هذه الرواية بمختلف جوانبها تحتاج إلى دراسة أعمق. إنّ عمر اتهم الأنصار بالمؤامرة لغصب الحكم بعنوان خلافة محمد [صلى‌الله‌عليه‌وآله]، وحرمان المهاجرين من حقهم. وهذا أيضاً ما توصّل إليه المؤرّخون الجدد في دراساتهم، ولكن لابد من التحقيق في هذا التفسير، فانّ نظرية الخلافة ـ أي خلافة محمد [صلى‌الله‌عليه‌وآله] ـ لم تكن مطروحة آنذاك في فترة رسالته، ومن الصعب جداً أن نتصوّر طلب الأنصار لها في ذلك الاجتماع المنفرد الذي

(38)

عقدوه، فإنّ الأنصار ـ كسائر القبائل العربيّة التي واجهت الردّة ـ وإن كانوا راسخين في عقائدهم الإسلامية، وكانوا يتصوّرون ـ من دون شك ـ أنّ بيعتهم لمحمد [صلى‌الله‌عليه‌وآله] قد انتهت بعد رحيله، فهم لاحتمالهم انهيار المجتمع السياسي الذي أسّسه محمد [صلى‌الله‌عليه‌وآله]، أرادوا باجتماعهم ذاك أخذ قيادة مدينتهم بأيديهم، ولذا اجتمعوا من دون مشورة المهاجرين.

إنّهم زعموا أنّ المهاجرين سيرجعون إلى مدينتهم مكة، إذ لا مبرّر بعدُ لبقائهم في المدينة، ومن أراد منهم البقاء في المدينة سوف يرضى بإمارة الأنصار فيما يبدو، ويظهر بوضوح أنّ نظريّة «منّا أمير ومنكم أمير» كانت حلّاً وسطاً وعادلاً، لا مؤامرة ضالّة لإلقاء الخلاف في مجتمع المسلمين كما يُشاهد في الروايات التالية (للحدث).

وكان أبو بكر وعمر فقط هما اللذان ذهبا إلى انتخاب خليفة لمحمد [صلى‌الله‌عليه‌وآله] يحكم جميع قبائل العرب، وقد استدلّ أبو بكر بأنّ هكذا خلافة لا تكون إلاّ لقريش، إذ إنّ قبائل العرب لا تستسلم لغيرها» (1).

(39)

◘ أقول:

إنّ ادعاءه بأنّ نظرية الخلافة لم تكن مطروحة في فترة رسالة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، غير تام بشهادة الروايات الصحيحة عند الفريقين، منها حديث الدار الذي كان في بداية الدعوة حيث أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد نزول قوله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) بدعوة عشيرته لتناول الطعام عنده، فدعا علي عليه‌السلام القوم وكانوا بحدود الأربعين ـ إلى أن يقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله: ـ «فأيّكم يؤازرني على أمري هذا ويكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم» (1) فقام علي عليه‌السلام وقبل ذلك. هذا عدا ما ورد في مصادر الشيعة من ألفاظ الخلافة والوصاية وما شاكل.

أمّا ادعاؤه الآخر بأنّ الأنصار زعموا أنّ بيعته قد رفعت عن أعناقهم بعد رحيله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فهو غير تام أيضاً، إذ إنّهم بايعوه على غير هذا ليلة العقبة، يقول عبادة بن الصامت شارحاً مفاد البيعة في تلك الليلة: «بايعنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على السمع والطاعة في المنشط والمكره،

(40)

وأن لا ننازع الأمر أهله» (1). وقال ابن حجر في تفسير «لا ننازع الأمر أهله»: أي الملك والإمارة (2).

فهذه البيعة تضمّنت قبول الأنصار كون أمر النبوة وامتدادها بعد شخص النبي شيئاً آخر يختلف عن الحكم الدنيوي، بل انّها أمر إلهي ولذا بايعوا على أن لا ينازعوا الأمر أهله.

وقبل هذه البيعة، كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يعرض نفسه على قبائل العرب، منها قبيلة بني عامر حيث لمّا عرض عليهم الإسلام قال له رجل منهم: «أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء» (3).

إذاً مسألة الخلافة كانت مطروحة في بدايات الدعوة، واستمرّت إلى نهاية الدعوة قبيل وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث الدواة والكتف.

أمّا ما ذهب إليه أخيراً من أنّ أبا بكر وعمر هما اللذان طرحا فكرة الخلافة النبويّة العامّة، فمردود أيضاً بشهادة ما مرّ من أنّ مسألة الخلافة كانت مطروحة منذ البداية، مضافاً إلى ما رواه أهل السنة ـ وهو محلّ توقّف ومناقشة عندنا ـ من أنّ العباس طلب من علي عليه‌السلام

(41)

قبيل وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يدخلا عليه ويأخذا منه تصريحاً بأنّ الأمر لهم أو لغيرهم، فان كان لغيرهم أوصى بهم، ونص الحديث هكذا: «قال العباس: اذهب بنا إلى رسول الله فإن كان هذا الأمر فينا وإلاّ أوصى بنا الناس» (1).

فهذا النص إن صحّ يدلّ بوضوح على أنّ مسألة الخلافة العامّة لم تكن ممّا تفرّد بطرحها أبو بكر وعمر.

ثم إنّ المؤلّف يتطرّق في بحثه إلى الأسباب التي أدّت إلى مقولة عمر بأنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة حيث يقول: ـ ونوجزها فيما يلي ـ

1ـ «لأنّ المهاجرين الكبار أمثال أُسرة النبي [صلى‌الله‌عليه‌وآله] وقبيلته لم يحضروا تلك الشورى. إنّه (أي عمر) كان يرى أنّ مشاركة أولئك في أيّ شورى أمراً حياتياً، ولذا حذّر المجتمع آنذاك عن تكرار هذا العمل في المستقبل» (2).

ولا يخفى ما في هذا الكلام من مسامحة واضحة، إذ لم يجر على لسان عمر هذا الكلام إطلاقاً، مضافاً إلى أنّ أفعاله وطريقة معاملته مع العترة آل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله تخالف كلام المؤلّف، ويكفينا للتدليل على المقاطعة الحاصلة آنذاك بين العترة وبين جهاز الخلافة ما روي عن

(42)

عائشة في أمر فدك من قولها: «فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت ... فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها، وكانت لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة، فلمّا توفّيت استنكر عليّ وجوه الناس» (1).

فأين المؤلّف المحترم عن هذه النصوص؟! ليته راجعها أو أشار إليها لئلاّ يقع في خطأ التحليل.

2 ـ قال المؤلّف:

«الدليل الآخر لانتقاد عمر السقيفة ووصفها بكونها فلتة، هو ـ بلا شك ـ ما آلت إليه من فوضى، لأنّ عمر وأصحابه نزوا على سعد ابن عبادة سيّد الخزرج الذي كان مريضاً آنذاك ليعاقبوه، لأنّه تجرّأ واعترض على حق قريش الثابت في مسألة الحكم» (2).

وهذا أيضاً ممّا لا دليل عليه، نعم حصل هناك تعدّ على سعد بن عبادة وكادوا أن يقتلوه، ولكن ليس هذا هو السبب عند عمر في عدّ بيعة أبي بكر فلتة، لأنّه كان يقول ويصيح في احتدام تلك المعركة: «اقتلوه قتله الله» (3) فعمر لم يكترث بقتل سعد بن عبادة إطلاقاً بل

(43)

كان من الدعاة إليه، وعليه فهذا الدليل ساقط أيضاً عن محلّ الاعتبار.

ثم إنّ المؤلّف يشير ـ بحقّ ـ إلى الخلاف القائم آنذاك في السقيفة، وأنّه لم يحصل هناك إجماع على خلافة أبي بكر، وإلاّ فأيّ معنى للهجوم على سعد والتعرّض له، ويستنتج ويقول: «من المحتمل أنّ عدداً معتداً به من الأنصار ـ وتبعاً للخزرج ـ أنكروا طاعة قيادة المهاجرين» (1). ويضيف قائلاً:

«والآن لابد وأن نعرف جليّاً المدافعين عن أبي بكر وعمر، الأشخاص الذين سبّبوا فرض إرادتهما بالقوّة على مجتمع السقيفة، بالرغم من أنّ عدداً من مهاجري مكة كان حاضراً في واقعة أخذ البيعة، ومن المحتمل أنّ الخزرج كانوا أغلبية الأنصار» (2).

ويستنتج المؤلّف أنّ التنافس الحاصل آنذاك بين الأوس والخزرج من جهة، وبين الخزرج أنفسهم ـ خلاف بشير بن سعد مع سعد بن عبادة ـ أدّى إلى غلبة كفّة المهاجرين وانتخاب أبي بكر.

ثم يشير إلى عامل آخر ـ قد ذكره كايتاني ـ أدّى إلى صعود أبي بكر لدفّة الحكم، ألا وهو مجيء قبيلة أسلم إلى السقيفة، فقد روى الطبري عن أبي مخنف قال: حدّثني أبوبكر بن محمد الخزاعي أنّ أسلم أقبلت

(44)

بجماعتها حتى تضايق بهم السكك فبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلاّ أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر (1).

ثم إنّ المؤلف يضيف شاهداً آخر لتأييد الخلاف القائم آنذاك، وأنّ كثيراً من الأنصار لم يبايعوا أبابكر ويقول: «ويؤيّد كون كثير من الأنصار الحاضرين في السقيفة لم يبايعوا أبابكر، ما ورد في  ذيل رواية رويت عن إبراهيم النخعي الكوفي (ت96هـ). فإنّه يقول بعد ذكر بيعة الناس لأبي بكر تبعاً لعمر: «فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلاّ عليّاً» (2).

إنّ كايتاني يردّ هذه الرواية لصبغتها الشيعيّة، ولكن مع هذا فإنّ إبراهيم النخعي لم يعرف بميول شيعيّة، بل لهذه الرواية صبغة سنّية واضحة. ثم إنّ من غير المعلوم أنّ الأنصار في السقيفة هل هتفوا باسم عليّ عليه‌السلام أمام سعي أبي بكر للخلافة أم لا، ولكن لا يُستبعد هذا. ولكنهم مع هذا فعلوا ذلك فور استخلاف أبي بكر، وهذا ما يلوح ويؤيّد من أشعار حسّان بن ثابت الأنصاري الخزرجي التي أنشدها بعد رحيل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأوردها ابن اسحاق» (3).

(45)

ويشير المؤلّف إلى بعض تلك الأبيات منها قوله:

واقتسم الفيء دون الناس كلهم

 

وبدّدوه جهــاراً  بينهم  هـــدرا

ويقول:

«هذا البيت الأخير يشير إلى حرمان بني هاشم من إرث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وسهم الفيء القرآني من قبل أبي بكر» (1).

«كما أنّ بني هاشم لم تسكت عن حقّها، فقد نقل ابن إسحاق عن أحد أعقاب أبي لهب أشعاراً في قبال ما كانت تذكره جزافاً قبيلة أبي بكر: تيم بن مُرة، حيث يذكر مآثر قومه قائلاً:

ماكنت أحسب أنّ هذا الأمر منصرف

 

عن هاشم ثم منها عن أبي حسن

أليس أوّل من صلّى لقبلتكم

 

وأعلم الناس بالقرآن والسننِ

وأقرب الناس عهداً بالنبي ومن

 

جبريل عون له في الغسل والكفن

ما فيه ما فيهم لا يمترون به

 

وليس في القوم ما فيه من الحسن

ماذا الذي ردّهم عنه فنعلمه

 

ها إنّ ذا غبناً من أعظم الغبن

يحتمل أن تكون هذه الأبيات للعباس بن عتبة بن أبي لهب الذي تزوّج بآمنة بنت العباس بن عبد المطلب،

(46)

وقد يكون شاعراً صالحاً، ولكن نسجت على أكثر أشعاره عناكب النسيان لنسبته القريبة من عمّ محمد [صلى‌الله‌عليه‌وآله] الملعون في القرآن، وما تبقّى منها نُسب  إلى غيره سيما إلى ابنه الفضل. وقد منعه علي [عليه‌السلام] عن إنشاء هكذا أشعار، وذكر له أنّ مصلحة الدين أعزّ إليه من كلّ شيء» (1).

3ـ بعد هذا الكرّ والفرّ ، يقـول المؤلّف:

«إنّ تبرير عمر لانتخاب أبي بكر المفاجئ الذي كان فلتة (أي أدّى إلى خطأ كبير) هو ما أحسّ من خطر الأنصار، حيث كان من الممكن بيعتهم لشخص آخر لم يرتضه المهاجرون. هذه المسألة تطرح سؤالاً آخر.

كان من الممكن أن ينتخب أهل المدينة من بينهم شخصاً أو أن يُقدّموا علياً [عليه‌السلام]، وهذا ما أدّى إلى تخوّف المهاجرين الحاضرين في السقيفة، وكان سبب إقدامهما (أي أبو بكر وعمر) لحسم الأمر من دون تشكيل شورى واسعة تلمّ جميع الأطراف. فإذا اعتمدنا على شرح عمر المختصر لتلك الواقعة فلا يظهر بوضوح أنّ أبا بكر بذل كلّ جهده في كلامه آنذاك كي لا يُذكر

(47)

اسم علي [عليه‌السلام] في ذلك المحفل. إنّه استند لتقديم حق قريش في الحكم على غيرهم على أنّ العرب لا تذعن إلاّ لقريش، لا لكونهم قربى محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله]. ولكن ورد في روايات أُخرى لواقعة السقيفة، أنّ أبا بكر ـ وخلافاً لمعتقده السابق ـ جعل سبب أولوية قريش للحكم قرباها لمحمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله]. وعلى كل حال فهذا الاستدلال نوع دعوةٍ لإثبات حقّ لبني هاشم لكونهم أقرب الناس إلى محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله]، وهذا ما سار عليه متكلّمو الشيعة دوماً أمام أهل السنة بأنّ الخليفة لابد وأن يكون من قريش أي من قربى النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله]، ولذا يُحتمل أن أبا بكر كان يتحاشى التطرّق إلى مسألة القربى لهذا السبب» (1).

ثم إنّ المؤلّف يتساءل عن حضور أبي بكر وعمر وأبي عبيدة الجرّاح في السقيفة، بأنّه هل كان اعتباطاً، أم أنّهم اتفقوا على ذلك قبل رحيل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأن يكون أبوبكر هو الخليفة بعده، كما تشير إليه نظرية لامنس في مثلّث القوّة، ثم يحاول المؤلّف ردّ فرضيّة المؤامرة قائلاً:

«الدليل الصريح لردّ هذه الفرضيّة إقدام عمر على إنكار وفاة محمد [صلى‌الله‌عليه‌وآله] بشدّة، وقد حذّر المسلمين

(48)

بكلام خشن من قبول دعايات المنافقين الكاذبة، وعلى ما ورى أبو هريرة أنّ عمر أكّد بأنّ محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله] ذهب إلى ربه كموسى، وسيعود بعد أربعين يوماً، وهدّد أن سيقطع أيدي وأرجل أولئك الذين يعتقدون بوفاة محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله]. فلو كان هذا توافقاً مسبقاً بينهم لابد وأن نفترض بأنّ عمل عمر هذا كان مخططاً له من قبل كي يوفّر فرصة لنفسه، ولكن رفض أبي بكر السريع لما قاله عمر، يدلّ على أنّ الأمر لم يكن كذلك.

بل يظهر أنّ عمر كان صادقاً نوعاً ما في اعتذاره من المسلمين في اليوم الثاني عندما اجتمعوا للبيعة العامّة، بأنّه كان يعتقد ويقول بأنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله سيدبّر أمرنا حتى يكون آخرنا» (1).

◘ أقول:

إنّ السيناريو التي رسمها عمر لم تكن لتحصل من دون تخطيط مسبق، وعليه فنحن لا نتفق مع المؤلف فيما ذهب إليه من عفويّة الموقف، وقبل البدء بالتعليق نورد نصّ الرواية بحسب ما رواها ابن هشام حيث روى عن ابن اسحاق أنّه قال: «قال الزهري، وحدّثني

(49)

سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة قال: لما توفّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قام عمر بن الخطاب فقال: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد توفّي، وانّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ما مات ولكنّه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كما رجع موسى فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مات.

قال: وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلّم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في بيت عائشة ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مسجّى في ناحية البيت عليه بُرد حبرة، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، قال: ثم أقبل عليه فقبّله ثم قال: بأبي أنت وأُمّي أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً، قال: ثم ردّ البرد على وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ثم خرج وعمر يكلّم الناس. فقال: على رسلك يا عمر أنصت، فأبى إلاّ أن يكلّم، فلمّا رآه أبو بكر لا يُنصت أقبل على الناس، فلمّا سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أيها الناس إنّه من كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت، قال: ثم تلا هذه الآية: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ).

 

(50)

قال: فوالله لكأنّ الناس لم يعلموا أنّ هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذٍ... قال عمر: والله ما هو إلاّ أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قدم مات» (1).

ولنا على هذه المسرحيّة ملاحظات:

1ـ نتساءل ونقول: كيف عرف عمر وسائر المسلمين بوفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومن أين انتشر هذا الخبر؟!

روت أُم سلمة رضي‌الله‌عنها قالت: والذي أحلف به إن كان عليّ لأقرب الناس عهداً برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، عدنا رسول الله غداة وهو يقول: جاء علي جاء علي؟ مراراً، فقالت فاطمة: كأنّك بعثته في حاجة، قالت: فجاء بعد، قالت اُمّ سلمة: فظننت أنّ له إليه حاجة، فخرجنا من البيت، فقعدنا عند الباب، وكنت أدناهم إلى الباب، فأكبّ عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وجعل يسارّه ويناجيه، ثم قبض رسول الله من يومه ذلك، فكان عليّ أقرب الناس عهداً به» (2).

وفي رواية أُخرى قال علي عليه‌السلام: «ولقد قُبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وانّ رأسه لعلى صدري، ولقد سالت نفسه في كفّي فأمررتها على

(51)

وجهي» (1).

هذه النصوص تدل ّعلى أنّ أوّل من علم برحيل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله عترته ونساؤه ومنهم انتشر الخبر إلى خارج الدار، فمن يقصد يا ترى عمر بقوله: «إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد توفّي»؟! فهل يصف علياً والعباس والفضل وغيرهم من الصحابة ممّن كان آنذاك محدقاً بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وبداره بالمنافقين؟! ثم أيّ علاقة بين النفاق وبين الاعتقاد بوفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله؟!

هل كلامه هذا طعن في علي عليه‌السلام ـ إذ كان آخر الناس عهداً به وفارق حياته في حجره ـ وضربة استباقية من قبل عمر؛ كي لا يظهر علي عليه‌السلام انّ النبيّ سارّه بخلافته بعده، فلذا وصف عمر القائلين بوفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ رجالاً من المنافقين...»؟!

2ـ مفاد الرواية أنّ عمر كان واقفاً بفناء البيت النبوي حاله حال سائر الصحابة الذين كانوا يترقبون أخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، فعن عبد الله بن عباس قال: خرج يومئذٍ علي بن أبي طالب من عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، فقال له الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله... (2). وعندما خرج خبر الوفاة من البيت كان على عمر أن يتثبت ويدخل بنفسه الدار ليتأكّد من الخبر، كما صنع أبو بكر حيث دخل ورأى

(52)

النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأعلن الخبر من جديد وأكّده.

3ـ إنّ ادعاءه ذهاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، محلّ تأمّل فماذا كان يقصد بكلامه هذا؟! هل يقصد أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خرج من الدار وذهب إلى مناجاة ربّه في مكان لا يعلم أين هو؟! وهذا خلاف الفرض إذ الكلّ كان محدقاً بالدار وبالمسجد النبوي ولم يروا خروجه صلى‌الله‌عليه‌وآله. أم كان يقصد أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عرج به من فراشه إلى لقاء ربّه، فهذا أيضاً لا معنى له، إذ إنّ الرسول مسجى في فراشه بجسده، وكان بإمكان عمر أن يدخل الدار ليرى ويتحقق من الأمر، والخلاصة أنّ ادعاء عمر هذا  لا معنى محصّل له سوى تأخير الأمر انتظاراً لمجيء أبي بكر.

4ـ الآية التي تلاها أبو بكر لا تدلّ على أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله توفّي الآن بالفعل، كما أنّها لا تدفع شبهة عمر بذهاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ربّه، فإنّها كانت في واقعة سبقت الحدث بسنين عدّة حيث نزلت في واقعة أحد، والخلاصة أنّ الآية المستشهد بها لا تدفع شبهة عمر إذ بإمكانه أن يقول لأبي بكر: نعم هذه الآية صحيحة ولكن إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يمت الآن فانّه سيبقى ليدبّر أمرنا و... ولكن لماذا اقتنع عمر فور سماع هذه الآية، ولماذا لم يسلّ سيفه عندما أعلن أبو بكر خبر الوفاة؟! ولماذا لم يتّهمه بالنفاق كما اتّهم غيره؟!

5 ـ إنّ عمر كان يعلم علماً يقيناً بدنوّ أجل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، إذ إنّ 

(53)

الرسول أخبر بذلك مراراً وتكراراً منه في خبر الغدير حيث أعلن بدنو أجله: «يوشك أن اُدعى فاُجيب» وما شاكل، وعند اشتداد المرض وعندما كان جمع من الصحابة عنده، حيث طلب إحضار دواة وكتف ليكتب للأُمّة ما يعصمها من الضلال، ولكن منعه المانع بأنّ القرآن حسبنا، وهذا يعني أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كان في أخريات ساعات حياته حيث بدأ بالعهد والوصية، فخبر الوفاة لم يكن مفاجأة فكيف يُدّعى أنّ عمر اندهش بعد سماع الخبر، وادعى انّ الرسول لم يمت بل ذهب إلى ربّه، والناس كلهم وعمر نفسه سمعوا وعلموا أنّه سيرحل وشيكاً؟!

وأخيراً نقول للمؤلّف المحترم أنّ تبرئة ساحة عمر من المؤامرة، واتّهام أبي بكر بها ـ كما سيأتي لاحقاً ـ لا وجه له، إذ هما شريكان في الأمر دوماً.

يقول المؤلّف بعدما يبرّأ ساحة عمر من المؤامرة:

«ولكن أمر أبي بكر يختلف عن هذا تماماً، فإنّه وإن كان آنذاك لم يتوقّع وفاة محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله] بدليل بقائه في منزله بالسُنح، ولكن مع هذا ما كان يشك بأنّ محمداً سيموت يوماً ما. وبما أنّه كان تاجراً وسائساً خبيراً من أهل مكة، كان يشارك عن قرب في إدارة وتخطيط أُمور المجتمع الإسلامي كمستشار أمين للنبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله]، ولذا 

(54)

قد درس بشكل دقيق تداعيات وفاة محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله] من ذي قبل، ولأجل اهتمامه العميق بالمنافع المشتركة للمجتمع الذي أسّسه محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله] باسم الإسلام، كان شائقاً تماماً لتوسيع رقعة اقتداره وبسطها على جميع العرب بل ما وراء ذلك، فإذا كان البناء على عدم تفسّخ هذا المجتمع، يلزم وجود خليفة سياسي للنبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] ولكن من سيكون هذا الخليفة؟! فأبو بكر ـ ومن دون شك ـ كان قد عزم قبل وفاة محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله] أن يكون هو ذلك الخليفة، فكان لزاماً عليه ـ والحال أنّه لم يرشّح من قبل النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] لذلك ـ أن يقضي على منافسيه الأقوياء للوصول إلى هذه الأُمنية، وكان على رأس أعماله الممانعة من حضور أهل بيت محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله] الذين أعطاهم القرآن رتبة وميزة أعلى من بين سائر المسلمين، كي لايذكروا ادعاءهم.

لذا كانت مبادرة الأنصار فرصة ذهبية لأبي بكر، حيث طرح من خلال هذه الفلتة تقديم المرشحَين (أبي عبيدة وعمر) للانتخاب، وأراد من خلال هذه المسرحيّة أن يُعرّض بنفسه للانتخاب، ويظهر عدم جدّيّة أبي بكر في هذا الاقتراح؛ ما حصل من التشاجر بين القوم بعده. إنّ أبا بكر كان يعلم بأنّ أيّ واحد من هذين الاثنين 

(55)

ليس له حظ في الفوز.

إنّ أبا عبيدة وإن كان من أوائل الصحابة لكن لايرقى إلى تلك المرتبة والموقعيّة حتى يصبح محطّ الأنظار، وكان سبب حضوره هناك صداقته لعمر. وكذلك عمر وإن كان من أقرب معاشري النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] ومن الأشخاص الأقوياء في المجتمع، لكنّه فَقَدَ سمعته عند الناس بسبب تكذيبه خبر وفاة محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله]. وقد استيقن أبو بكر أن وفاة النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] تركت أثراً عميقاً على نفسيّة عمر، وأنّه سوف لا يخالفه بعد ما أذعن له مرّتان وسيستسلم له، وقد فهم عمر ذلك أيضاً وبايع أبا بكر، ولم يتردّد أبو بكر في قبول البيعة ولا لحظة لأنّه حصل على ما يريد» (1).

◘ أقول:

ليست لنا مناقشة خاصّة مع المؤلّف سوى ما ادعاه من نفوذ كلمة أبي بكر وأنّه المستشار المقرّب للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، حيث أنّه أخذ هذا عمّا يردّده أهل السنة دوماً ولكن يكذبه الواقع والحقائق التاريخية، فإنّ أبا بكر كان حاله حال سائر الصحابة ولكنه لوجود ابنته عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كان

(56)

يحاول أن يتقرّب إليه نوعاً مّا ليلقي في الأذهان وجود خصوصيّة له، وإلاّ يكفينا لردّ هذه المزاعم عدم تكليفه بأمر مهمّ طيلة حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعندما كان يُكلّف بأمر كان يفشل فيه كما في ترأّسه للجيش في واقعة خيبر وهزيمته، أو يُعزل لا من قبل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بل بالأمر الإلهي كما في واقعة تبليغ سورة براءة.

ثم يشرح المؤلّف كيفية استغلال أبي بكر لهذه الفرصة التي أتاحها له اجتماع الأنصار، لأنّ أبا بكر كان يعلم أنّ الشورى لا تكون بصالحه لأنّ تحالف قريش والأنصار سوف لا ينتج انتخابه بل ربما يؤدّي إلى انتخاب عليّ عليه‌السلام، لأنّ أكثر الأنصار سيدافعون عنه لقربه من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، كما أنّ قبيلة عبد شمس ـ إحدى قبائل قريش القويّة ـ سوف تنحاز إلى علي عليه‌السلام بحكم القوانين القبلية السائدة آنذاك، رغم الخلاف الموجود بينها وبين بني هاشم، وتوجد شواهد جيّدة تدلّ على اقتراح أبي سفيان لعلي عليه‌السلام في مناهضة القوم والانقلاب عليهم، ولكن رفض علي عليه‌السلام هذا الاقتراح، فتحالف الأنصار وبني عبد شمس كان ينتج استقطاب طوائف وقبائل أُخرى للالتحاق بهم، وحينئذٍ كان يصعب على بني مخزوم ـ الطائفة القرشية القويّة الأُخرى والمخالفة لبني هاشم ـ أن توحّد الصفوف خلف مرشح مختلف فيه، وعليه كان يغلب في تلك الشورى العامّة القانون القبلي الذي يعتمد على أصل الوارثة في انتقال السلطة (1).

(57)

ثم إنّ المؤلّف بعدما يذكر شيخوخة أبي بكر وتقدّمه في العمر وعدم احتمال بقائه في الحكم طويلاً، وعدم وجود مؤهّل في أُسرته للحكم كي يخلفه، يتساءل عن سبب عدم تنحّيه عن الحكم لصالح علي عليه‌السلام ليكون علياً الحاكم وأبو بكر المستشار، لكنّه يجيب أنّ العلاقات المتوتّرة بينه وبين علي عليه‌السلام بسبب موقفه من عائشة حالت دون ذلك، مضافاً إلى أنّ أبا بكر كان يزعم بأنّ علياً يحسده، ويحاول دوماً التقليل من موقعه أمام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، لذا كان ينظر إليه نظر المنافس ويرى أن لا خير له ولا لابنته عائشة في استخلاف علي عليه‌السلام، يقول المؤلّف: «ومن هذا اللحاظ مضافاً إلى حب الجاه الكامن في نفسه، كان دليلاً قاطعاً لأبي بكر في الممانعة من استخلاف علي عليه‌السلام» (1).

«على رغم ادعاء عمر من أنّ رأي المسلمين كان متوجّهاً صوب أبي بكر، كان وضعه متزلزلاً جدّاً في الوهلة الأولى بقطع النظر عن مسألة ردّة القبائل المختلفة، كانت مسؤوليّة عمر في المدينة أخذ البيعة من جميع سكّانها. إنّه سيطر على أزقّة المدينة بفضل مساعدة بني أسلم وبعدها بني عبد الأشهل من قبيلة أوس، والتي سرعان ما أصبحت من المدافعين عن السلطة الجديدة خلافاً لأكثر الخزرج.

(58)

تذكر المصادر أنّ القوّة استعملت ضد الزبير فقط، فإنّه مع جمعٍ آخر من المهاجرين تجمّعوا في بيت فاطمة [عليها‌السلام]، فهدّدهم عمر إن لم يخرجوا للبيعة فإنّه سوف يحرق البيت، فخرج الزبير مصلتاً سيفه لكنّه عثر ووقع السيف من يده فقيّده أصحاب عمر. وتوجد شواهد على أنّ بيت فاطمة [عليها‌السلام] قد كُشف، ونُقل عن عليّ فيما بعد أنّه كان يشير مراراً بمناهضته القوم لو كان له أربعون شخصاً. ولا يُعلم باستخدام القوّة في غير هذا المورد، إذ يُحتمل عموماً أنّ التهديد الأوّل كان كافياً لتسليم المعارضة.

وقد رُويت روايات مستقلّة أُخرى بالنسبة إلى استخدام القوّة ضدّ عليّ [عليه‌السلام] وبني هاشم حيث امتنعوا جميعاً من البيعة لستة أشهر على ما رواه الزهري، ولكن يحتمل عدم وجود اتفاق لقبول هذه الروايات. كان أبو بكر يقظاً من دون تردّد بحيث يمنع عمر من إعمال القوّة عليهم، لأنّه كان يعرف جليّاً بأنّ إعمال القوّة يسبب اتحاد  أغلبيّة بني عبد مناف، والحال أنّه كان يريد رضاهم وودّهم. كانت سياسته انزواء بني هاشم إلى أبعد ما يمكن، ويلزم الالتفات إلى ما قالته عائشة بأنّ وجهاء القوم تركوا الكلام مع علي عليه‌السلام إلى أن أقرّ 

(59)

بخطئه وتعهّد بالبيعة لأبي بكر. رأى بنو هاشم أنفسهم في وضعٍ ذكّرهم بذكرى تحريم كفّار مكة إيّاهم للضغط عليهم بترك محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله]، بيد أنّ الوضع الآن تغيّر حيث أصبح المسلمون اليوم يشدّدون عليهم كي يتركوا نصرة علي عليه‌السلام، لكن علياً خلافاً للنبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] ترك دعواه بعد رحيل فاطمة [عليها‌السلام(1).

يلاحظ على ما ذكره من عدم وجود اتفاق لقبول رواية الزهري عن عائشة في تخلّف عليّ7 ومن معه عن البيعة لستة أشهر، أنّ هذا الاتفاق موجود؛ إذ إنّ هذه الرواية وردت في صحيحي البخاري ومسلم، وهما من أصحّ الكتب عند أهل السنة بعد كتاب الله، فما ورد فيهما لا يقبل النقاش ويؤخذ به عندهم، فهذه الرواية متفق على قبولها عندهم، أمّا عند الشيعة فالأمر واضح إذ إنّهم يعتقدون بأكثر ممّا ورد في هذه الرواية من إقصاء وهجوم وضرب، فالنتيجة أنّ مضمون الرواية متفق عليها عند الفريقين، ولا دليل للتشكيك فيها.

أمّا ادعاؤه بممانعة أبي بكر من إعمال القوّة على بني هاشم خشية اتحاد بني عبد مناف فمحلّ كلام إذ إنّه سيطر على المدينة بحكم مساعدة بني أسلم وبني عبد الأشهل، كما نفعه مسألة الردّة وقمع المرتدين ممّا كان يعطيه ذريعة لكبح أيّ صوت معارض بحجّة الارتداد، وأخيراً ما

(60)

دلّ على الهجوم وتهديد الإحراق للبيت النبوي ـ أقدس البيوت وأشرفهاـ يكفي لتفكيك أي معارضة، مضافاً إلى أنّ المعارضة طوّقت واجتمعت في مكان واحد وهو بيت علي وفاطمة عليهما‌السلام ممّا يعني عدم وجود صوت معارض آخر في غير هذا المكان.

وأخيراً فإنّ علياً عليه‌السلام صالح القوم، ولكن لا كما قال المؤلّف من أنّه أقرّ بخطئه وما شاكل، بل لأجل الحفاظ على بيضة الإسلام، كما قال عليه‌السلام: «حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشّع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدين وتنهنه» (1).

ثم يشير المؤلّف إلى أنّ:

«أبا بكر أعلن بأنّه سيتابع سياسات وسنن محمد [صلى‌الله‌عليه‌وآله] تماماً ولذا اختار لنفسه لقب خليفة رسول الله[صلى‌الله‌عليه‌وآله(2).

ولإثبات مصداقيّة كلامه يذكر المؤلّف عدّة أُمور قام بها أبو بكر، منها إرسال جيش أُسامة إلى حدود الشام، على رغم من أنّ عدم وجود

(61)

جيش مستحكم ربما يواجه المدينة للخطر. كما أصرّ على أخذ الزكاة من جميع القبائل لكونه الخليفة، ولم يلتفت إلى مخالفة عمر وأبي عبيدة وسالم حيث طلبوا منه تأجيل ذلك إلى العام القادم، لكن أبا بكر أصرّ على موقفه، حتى أنّه تعدّى ما كان رسمه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله، فحكم بارتداد من لم يدفع الزكاة، الأمر الذي لم يستعمله النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ضد من لم يدفع الزكاة.

ولذا وقع الفقهاء القدامى في حيرة لتبرير موقف أبي بكر، حتى أنّ عمر سأله عن المبرّر الشرعي لقتال مانعي الزكاة، إذ إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يكفّ عمّن تشهّد الشهادتين. أمّا الآخرون أمثال الشافعي أطلقوا لقب الباغي عليهم، وبه أحلّوا إراقة دمائهم شرعاً، الأمر الذي يفقد أيّ مبنى قرآني وروائي نبوي، بل كان أمراً لمصلحة جهاز الخلافة طرأ على ذهن أبي بكر فقط.

إنّ القرآن رغم أمره بإطاعة الله والرسول وأُولي الأمر، وتهديده العصاة بالعقاب، لكنّه لم يأمر بإراقة واستباحة دم مسلم أو تعذيبه، وهذا يبدو جلياً من تعامل القرآن مع المنافقين حيث اكتفى بالعتاب والوعيد، فكان أبو بكر في سعة من متابعة نهج القرآن والتعامل معهم معاملة المنافقين، ولم يكن له أن يحاربهم كمرتدين أو بغاة. ولذا يستنتج المؤلّف ويقول: «إنّ أبا بكر أجرى تغييرات أساسية في مسار الإسلام 

(62)

بحجّة أداء الواجب المفروض عليه كخليفة» (1).

رغم هذه المحاولات التي أجراها أبو بكر لبسط سلطته على القبائل وإعمال نفوذه، يلفت المؤلّف المحترم الأنظار إلى التناقض البيّن في أعماله، حيث أنّه رغم مدعاه بخلافة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وإجراء جميع أوامره وسننه، لكنّه وقع في تناقض عند تعامله مع أهل البيت:، يقول المؤلّف:

«كان الاتباع الدقيق لسنن النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] وأعماله في جميع الموارد سيّما في التعامل مع قرباه القدامى أي بنو هاشم، صعباً لأبي بكر للغاية، إذ كان من الواضح أنّ تأسيس خلافة مستحكمة يتقاطع مع أداء  حق أهل بيت محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله] الخاص، لأنّه يلزم عليه ـ بحكم القرآن ـ إعطاء الإرث والخمس والفيء إلى من وصفهم القرآن بأهل البيت. وكان في موقف أبي بكر لعلاج هذا الموقف نوع إفراط وإبداع.

وطبقاً لما روته عائشة، أنّ فاطمة [عليها‌السلام] والعباس لمّا جاءا لطلب إرث النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله]، وأرض فدك وسهمه من خيبر، قال لهما أبو بكر: «أما انّي سمعت رسول الله يقول: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، إنّما يأكل آل محمد

(63)

في هذا المال، وانّي والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله يصنعه إلاّ صنعته» (1).

«فتخلّص أبو بكر بهذه الطريقة من مشكلة أهل البيت، وحلّها من دون أن يطعن بسمعته. وطبقاً لهذا الجواب، فإنّ محمداً [صلى‌الله‌عليه‌وآله] لم يكتف بمنع أهل بيته من الإرث، بل وافق على أخذهم الصدقات عند الحاجة، والحال أنّه بنفسه حرّم عليهم في حياته أخذ الصدقة لطهارتهم. ولكن أهل البيت عند أبي بكر لابد وأن يأخذوا سهمهم من الصدقة كسائر الناس، من دون أن يُفسح لهم أخذ حقّهم القرآني من الخمس والفيء.

فقد ادعى أبو بكر أنّ النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] أخبره بذلك سرّاً من دون أن يطّلع عليه أحد، وكان غرضه من هذا العمل إثبات كونه الخليفة المخوّل لإجراء أوامر النبي [صلى‌الله‌عليه‌وآله]. وقد تحيّرت وتعجّبت فاطمة [عليها‌السلام] بنت النبي من ادعاء أبي بكر هذا، فانّها لم تتمكّن من اتخاذ موقف صريح اعتراضاً على هذا الحكم، ولكن على ما روت عائشة: «فهجرته فاطمة فلم تكلّمه في ذلك حتى ماتت،

(64)

فدفنها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر» (1).

ثم يقول المؤلّف بعدما يشير إلى الاهتمام الخاص بنساء النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] من قبل جهاز السلطة:

«كان من دون شك مصادرة أموال النبي الكثيرة ـ التي غطّت بعض نفقات الجيش الإسلامي ـ ضرورة سياسية، توصّل إليها أبو بكر بكلّ لباقة بدعوى أنّ النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] أرجع جميع أمواله إلى بيت المال، وكان هذا نظير التمهيد السياسي الذي عمله في السقيفة تماماً. إنّ اعتراض حسان بن ثابت على غصب الفيء سرعان ما كُبت وتمّ نسيانه، وبدأ كبار الصحابة بالمنافسة لادعاء سماعهم من النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] أنّ الأنبياء لا يورثون، وما يتركونه فهو صدقة.

وقد نجح أبو بكر في خطته لاقصاء بني هاشم من دون إعمال القوّة، وكاد أن يتمّ نجاحه هذا بعد ستة أشهر عندما توفيت فاطمة [عليها‌السلام]، ولكن خبر وفاتها وأنّها دُفنت سرّاً في الليل كي لا يحضر الخليفة أمرها، كان ضربة قاضية لهذا النجاح فيما يبدو» (2).

(65)

ثم إنّ المؤلّف يشرح كيفيّة مجيء عليّ عليه‌السلام إلى البيعة كما ورد عن عائشة، وأنّ هذه البيعة أخرجت بني هاشم من العزلة، وأنّ الناس أقبلوا على عليّ عليه‌السلام بعدها، ثم يقول:

«إنّ استسلام عليّ [عليه‌السلام] أمام الناس أنهى عزلة بني هاشم، وأحكم ظاهراً صفوف المسلمين في تأييد أبي بكر، ولكن مع هذا لم تحدث مصالحة حقيقية بينهما إطلاقاً، فانّ كلّاً منهما كان يعرف خبايا ونوايا الآخر. ولم يعتمدا على المصانعة والإطراء الظاهري أيضاً. في تلك الظروف لم يحمل عليّ [عليه‌السلام] دموع أبي بكر وادعاءه حب أهل البيت سوى على الرياء والتصنّع، لأنّه كان يعلم تماماً بأنّ الخليفة سيسعى جهد ما يتمكن من إقصاء بني هاشم عن السلطة، فضلاً عن سعيه لصد علي[عليه‌السلام] عن الوصول إلى الخلافة. وفي المقابل كان أبو بكر يعلم بأنّ هذا الشاب لم يكن جادّاً في إذعانه له بخلافة محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله]، وكان يعلم بأنّ الفرصة لو سنحت له لأنكر شرعيّة خلافة قريش وحاول اثبات حقّه المبتني على حقوق أهل بيت محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله]. وعليه كانت بينهما أزمة ثقة»(1).

(66)

وفي ختام هذا الفصل ينهي المؤلّف كلامه حول أبي بكر بمسألة استخلافه لعمر، رغم مخالفة بعض الصحابة، ورغم ما كان في عمر من غلظة وجفاء، وكان هذا الانتخاب مفروضاً على أبي بكر، إذ أنّ عمر هو الذي شيّد أركان خلافته، وأعانه على نوائبه، وكان أقرب الناس إليه(1).

***

(67)
(68)

عمر: الكفاءات الإسلامية، الشورى

والإمبراطورية العربية

 

يقول المؤلّف:

«إنّ مقام الحكم على الأُمّة الإسلامية الممتاز الذي منحه أبو بكر لقريش، لم يبتن على أيّ أساس قرآني. ففي إحدى السور المكية الأوائل (سورة قريش) يُطلب من قريش أن يعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. وفي فترة معتدّ بها من البعثة النبوية كانت قريش في مكة من ألدّ أعداء محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله]، وكان القرآن يتهجّم صريحاً على الكفّار والمشركين.

إنّ الله تعالى يُثني كثيراً على المهاجرين في القرآن، وقد وعدهم الرحمة وخير الجزاء في الدنيا والآخرة.

ولكن لم يقصد القرآن من المهاجرين من هاجر من قريش مكة فقط، بل هذا الاصطلاح يشمل حتى أولئك الأعراب والقبائل البدوية الذين هاجروا إلى النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] من جميع أنحاء الجزيرة العربية، وفي القرآن 

(69)

وإن قُدّم اسم المهاجرين على الأنصار، ولكن منزلتهم تتساوى مع الأنصار تماماً (الأنفال: 72ـ 74، التوبة: 100ـ 117) ولم يميّزوا في أيّ مكان على حساب الأنصار، إلاّ ما يُعطى لفقراء المهاجرين من سهم (الغنائم) وذلك لهجرتهم عن مدينتهم وتركهم أموالهم هناك، من دون أن يراد تفضيلهم على الأنصار (الحشر: 8 ـ 9). ولكن القرآن يفضّل صريحاً إيمان من سبق إلى الإسلام على غيره، وهذا الأصل عموماً ينفع الصحابة الأوائل من بين قريش مكة. ويأتي بعدهم في الرتبة المسلمون الذين أسلموا بعد المهاجرين وبعد الأنصار الذين آووا المهاجرين (الأنفال:74 ـ 75، الحشر: 8 ـ 10).

(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (الواقعة 10ـ 12).

ثم إنّ القرآن يصرّح للذين أسلموا بعد فتح مكة، أن لا يقيسوا أنفسهم بالذين أنفقوا وجاهدوا قبل الفتح (أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً) (الحديد: 10). وكان الاعتقاد السائد آنذاك أنّ الهجرة قد تمّت بفتح مكة، حتى أنّ المسلمين الذين كانوا يسلمون ويأتون إلى المدينة بعد الفتح، لم ينالوا عنوان المهاجرين»(1).

(70)

بعد هذه المقدّمة الموجزة للمؤلّف في نقد سياسة أبي بكر لتفضيل قريش؛ وأنّها لم تستند إلى أيّ دليل قرآني، يلقي المؤلّف نظرة موجزة إلى سيرة عمر بن الخطاب وسياسته في حكومته ويقول:

«كان عمر بن الخطاب منشغلاً دوماً بالدفاع والدعم الجاد لترسيخ أصول ومبادئ الإسلام. إنّه في زمن النبي [صلى‌الله‌عليه‌وآله] سعى مراراً ـ وإن لم يوفّق ـ وأبدى مخالفته لتحسين العلاقات السياسية مع أعداء المسلمين من أهل مكة. وعليه كان رأيه في واقعة بدر قتل الأسرى بدل إطلاق سراحهم في قبال أخذ الفدية، إنّه خالف انعقاد المصالحة في صلح الحديبية، وكما اعترض في فتح مكة على عفو أبي سفيان رأس الأُمويّين، وطلب قتله لدوره الهام في عداء الإسلام.

وفي زمن أبي بكر خالفه في مسألة قتال مانعي الزكاة، وكان مخالفاً أيضاً لتسليم بعض المناصب الهامّة إلى بعض أشراف مكة كخالد بن الوليد وخالد بن سعيد، لاعتقاده أنّ سلوك خالد بن الوليد لا يتلاءم مع الخلق الإسلامي، مع تشكيكه لإخلاص خالد بن سعيد لأبي بكر.

ثم إنّ عمر بعدما أصبح خليفة، وإن لم يسع إلى تخطئة أبي بكر في إعطاء حق الحكم لقريش حصراً، 

(71)

ولكن سعى إلى تقوية الوجهة الإسلامية للحكومة من خلال إجراء أُصول الإسلام والحد من قوّة أشراف مكة الجاهليين ونفوذهم. إنّه ركّز على أصلين قرآنيين وهما: السابقة ـ وعلى فرض إثباتها حقّاً لقريش لكنّها تشمل أوائل أصحاب النبي من قريش ـ والشورى»(1).

◘ أقول:

ما ذهب إليه المؤلّف، وما استنتجه من أفعال عمر بن الخطاب في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وبعده، وقبل تسلّمه منصب الخلافة وبعده من كونه صلباً متحمّساً في الدفاع عن مبادئ الإسلام واصوله؛ محلّ إشكال. إذ كيف يكون الاعتراض على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومحاولة تغيير الأمور على خلاف ما يقوله ويفعله ويأمر به صلى‌الله‌عليه‌وآله كما حصل في صلح الحديبية ـ وقد قال عمر بنفسه: «فعملت في ذلك أعمالاً. يعني في نقض الصحيفة»(2)ـ والمنع من إحضار الدواة والكتف ليكتب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كتاباً يعصم الأُمة من الزلل والضلال، أو ما صنعه من إبداع صلاة التراويح، والمنع من المتعتين، ومحاولة التعدّي والهجوم على دار الوحي والرسالة، وغيرها ممّا دوّنته الصحاح والمسانيد، كيف يكون كلّ هذا دليلاً على التحمّس للدين، فلو صح هذا وكانت مخالفة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله 

(72)

دليلاً على الصلابة في الدين لكان المنافـقون أقـوى صلابة في الدين من عمر.

وكذلك سائر ما صنعه عمر بن الخطاب في سيرته الحكومية من شدّة وخشونة، إنّما كان ناتجاً من طبيعته أوّلاً، وما تمليه عليه الظروف والمصالح الوقتيّة ثانياً، وإلاّ فضرب هذا، ونفي ذلك، وجلد آخر، ورفع الحد عن البعض وتعطيل بعض الأحكام والتلوّن فيها، كلها لا تمت إلى الشرع بصلة، بل هي اجتهادات أحسن ما يقال فيها أنّها خاطئة.

ثم إنّ المؤلّف يشرح ما توصّل إليه في تحليله من اعتماد عمر على أصلين قرآنيين هما السابقة والشورى، ويذكر بالنسبة إلى الأصل الأوّل ـ أي السابقة ـ كيفيّة تقسيم عمر للغنائم على خلاف ما كان في عهد أبي بكر من التسوية في العطاء، حيث كان يرى عمر عدم إمكان التسوية بين من حارب مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وبين من حارب ضدّه لفترة، وعليه كان يُعطي لمن قاتل في غزوة بدر أكثر من غيرهم، وكان يُعطي لنساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ضعفي مجاهدي بدر وكذلك العباس عم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، أمّا بالنسبة إلى أسباط النبي الحسن والحسين عليهما‌السلام فكان يعطيهما بقدر سهم أبيهما علي عليه‌السلام سهم مجاهدي غزوة بدر.

أمّا بالنسبة إلى  الأصل الثاني وهو الشورى، فيظهر ممّا رواه ابن عباس حين خرج عمر غازياً ومعه المهاجرون والأنصار في السنة الثامنة عشرة، فلمّا وصل إلى سرغ أبلغه أُمراء الجيش بأنّ الأرض 

(73)

سقيمة(فيها وباء)، فأمر عمر أن يجمع إليه المهاجرون الأوّلون فاستشارهم فاختلفوا، فصرفهم وأمر بحضور مهاجرة الأنصار فاستشارهم فاختلفوا أيضاً فصرفهم كذلك، ثم أمر باحضار مهاجرة الفتح من قريش فاستشارهم فلم يختلفوا وقالوا: «ارجع بالناس فإنّه بلاء... قال: أيّها الناس إنّي راجع فارجعوا»(1).

وبعد هذا يقول المؤلّف:

«كان عمر غالباً ما يستشير كبار الصحابة المكييّن فقط. توجد روايات كثيرة بالنسبة إلى استفساره منهم في مختلف المسائل السياسيّة والفقهيّة. ويظهر صحّة ما ذهب إليه كايتاني من أنّ عمر أبقى كبار الصحابة في المدينة للاستشارة والاستئناس برأيهم، وأرسل الباقين ـ الذين لم يكونوا بمنزلتهم في السبق إلى الإسلام ـ إلى خارج المدينة وأمّرهم على العساكر»(2)(3).

◘ أقول:

ما ذهب إليه المؤلّف من كثرة استفسار عمر عن كثير من المسائل السياسيّة والفقهيّة أمر صحيح وثابت، وهذا بكونه مثلبة أولى من

(74)

كونه منقبة، إذ الناس تنتظر من قيادتها الحكمة والحنكة والخبرة واللياقة، لا أن يكون الحاكم عيالاً عليها في كثير من المسائل الصغيرة والكبيرة، فالاستشارة بحدّ ذاتها أمر مطلوب ولكن كل شيء جاوز حدّه انقلب ضدّه.

أمّا بالنسبة إلى ما ذهب إليه كايتاني، فيكفينا في الرد عليه، ما ذكره المؤلّف في الهامش من تناقض أقوال كايتاني في تفسير وتحليل حبس عمر لكبار الصحابة في المدينة، حيث ذكر في موضع آخر من موسوعته في تاريخ الإسلام أنّ عمر حبسهم لأنّه كان يخاف منهم الخيانة، لذا أوقفهم عنده ليكونوا تحت النظر، كما أنّه حرمهم من أيّ مشاركة في الحكم وتعامل معهم كأعداء(1).

ثم إنّ المؤلّف يستند على روايات مختلفة ويستنتج أنّ عمر بادر بعد استخلافه إلى الحدّ من نفوذ أشراف مكة، كما حاول تصحيح بعض الأخطاء السابقة، وعليه فأوّل ما صنعه بهذا الصدد عزل خالد ابن الوليد عن إمارة الجيش في الشام ونصب أبا عبيدة مكانه. كما أمر بإطلاق سراح أُسراء حروب الردة وألغى قانون منع حضور المشركين في حروب الردة في الجيش الإسلامي. كما أنّ عمر نصب ولاته في الأمصار من الطبقة الثانية ومن غير قريش، وعليه خلت الساحة السياسية من أشراف قريش الذين لعبوا دوراً بارزاً زمن أبي بكر.

(75)

ثم يشير المؤلّف إلى أنّ عمر نصب يزيد بن أبي سفيان على دمشق والأردن وفلسطين بعد موت أبي عبيدة، وعندما مات يزيد بمرض الطاعون ولّى أخاه معاوية بن أبي سفيان مكانه، الأمر الذي يُعنى عند كايتاني علوّ منزلة بني أُمية عند الخليفة، ولكن المؤلّف لا يرتضي هذا التحليل لزعمه أنّ عمر كان يكره أشراف مكة وأعداء محمد9 القدامى، ويحتمل أنّ سبب اهتمامه بهم ربما يكون لإيجاد تعادل وموازنة سياسية بينهم ـ وقد حكموا دمشق لفترة ممتدة وأرسوا قواعدهم فيها ـ وبين بني حمير اليمنيين، حيث كان لهم دور بارز في الفتوح، وكانوا لا يخفون رغبتهم بإقامة دولة حمير بزعامة قائدهم سميفع بن ناكور ذي الكلاع، فعمر أدرك هذا وقوّى جانب بني أُمية ليقفوا أمام هؤلاء الذين كان يرى فيهم تهديداً لما رسمه هو وأبو بكر بالنسبة إلى الخلافة(1).

◘ أقول:

إنّ محاربته لسادة قريش كانت لمصالح شخصية لا تمتّ إلى الإسلام بصلة، والشاهد على ذلك حسن تعامله مع بني أُمية كما ذكره المؤلّف، وإن زعم أنّ ذلك كان لصد خطر بني كلاع، ولكن المهم هو انّ سياساته ما كانت تبتني على رؤى إسلامية واضحة، بل على مصالح سياسية مؤقته كما أنّ المؤلّف يناقض نفسه حيث يذكر بعد

(76)

أسطر انّ عمر كان ينوي إيصال كبار الصحابة إلى دفة الحكم، كما سيأتيك، فكيف يمكن الجمع بين هذا وبين ذاك.

ثم يقول المؤلّف:

«إنّ ما كان ضرورياً وحيويّاً لخطة عمر في تحكيم كبار الصحابة الأوائل، إشراك علي [عليه‌السلام] ولو ظاهريّاً. إنّ عمر ـ من دون أن يتنازل عن حق قريش في الخلافة ـ بذل غاية جهده لمصالحة بني هاشم، فتعامل مع علي [عليه‌السلام] كسائر الصحابة الأوائل، وأظهر اهتمامه بقربى النبي [صلى‌الله‌عليه‌وآله] من خلال احتفائه بالعباس الذي أصبح بعد وفاة فاطمة[عليها‌السلام] أقرب الناس إلى رسول الله[صلى‌الله‌عليه‌وآله]، ولم يكن من قبله أي إحساس وشعور بتهديد سياسي، لأنّه لم يكن من الصحابة الأوائل، ولم تكن له طموح شخصية (نحو الحكم). كما قرّب عمر إلى نفسه أيضاً عبد الله بن عباس الشاب الذي لم يُعّد تهديداً سياسياً أيضاً. كانت لعبد الله بن عباس علاقة وطيدة بعمر منذ خلافته إلى وفاته، وخلّف أكثر الروايات الكاشفة عن أفكار الخليفة الخاصّة. ولكون بني هاشم ورثة محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله]، أعطاهم عمر وبكل حيطة بعض المخصّصات، وعلى ما قالت عائشة فإنّه أعطى ولاية ما ترك محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله] في المدينة إلى العباس

(77)

وعليعليه‌السلام، ولكن حبس عنهما سهمه من خيبر وفدك، لزعمه أنّها ـ بخلاف الأُولى ـ كانت لرفع حوائج النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] الشخصية وسائر ما ينوبه، وبعده تصل إلى يد الحاكم، وقد ذكرت عائشة أنّ علياً [عليه‌السلام] استولى بعد فترة على التركة وأخذ حق العباس من تركة محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله](1).

◘ أقول:

إنّ طريقة تعامل عمر مع العترة في زمن خلافته كانت تتبع سياسته الحذرة لتطويق المعارضة، مضافاً إلى أنّ العترة الطاهرة آنذاك ما كانت بصدد إظهار الخلاف على جهاز الحكم، ولكن مع هذا ما انمحت عن أذهانهم ما صنعه عمر بن الخطاب أيام السقيفة وما تلتها من أحداث محزنة أليمة، وكانوا يعلمون أنّ محاولات عمر هذه لم تكن عن نوايا حسنة إنّما هي سياسة أملتها الظروف عليه، والدليل على ذلك أنّ في أخريات حياته لما سمع البعض هتف باسم علي عليه‌السلام للخلافة بعد عمر، ثارت حميّته وهدّد بالقتل وخطب الناس خطبة ذكر فيها أحداث السقيفة وانّ بيعة أبي بكر كانت فلتة يجب أن لا تعود ـ كما مرّ ـ.

ثم يذكر المؤلّف رواية مجيء علي عليه‌السلام العباس إلى عمر وشكوى

(78)

كل واحد منهما عن الآخر بشأن حق الولاية على التركة، وتهديد عمر بسحب القرار وإرجاع التركة، ثم يقول:

«هذه الرواية التي تعطي صورة سلبية عن العباس وعلي[عليه‌السلام]، تبلور تماماً شعور الأمويين ضد الهاشميين وربما لا يمكن الاعتماد على تفاصيلها الجزئية، لكنّها تعكس وجهة نظر عمر بوضوح. إنّ الخليفة كان يعلم الخطر الكامن من وراء مخالفته ولو جزئياً لقرار أبي بكر بشأن تركة محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله]، وقد اطمأنّ أنّ الجميع يعرفون حديث النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] (بشأن عدم التوريث).

إنّ قراره بشأن أموال محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله المدنيّة لم يكن بمعنى تمليكها للعباس وعلي[عليه‌السلام]، بل كان عليهما صرفها لنفع المجتمع الإسلامي كما كان يفعل محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله]. إنّ عمر تلا لتأييد رأيه الآية السادسة من سورة الحشر الدالّة على أنّ النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] استلم فيء بني النضير فقط، لكنه لم يقرأ الآية التي تليها الدالّة على تخصيص سهم من غنائم أهل القرى لقربى النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله]، وذلك لاعتقاده أنّ هذا المقطع يشمل أموال فيء خيبر وفدك فقط، والحال أنّها أصبحت ضمن الأموال الديوانية بعد وفاة النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله].

بالنسبـة إلى فيء خيبر، روى جبير بن مطعم أنّ

(79)

محمداً [صلى‌الله‌عليه‌وآله] قسّم بعضه بين بني هاشم وبني عبد المطلب، ولم يعط لبني عبد شمس وبني نوفل ـ وكان جبير منهم ـ شيئاً. وبعده سار أبو بكر بالنسبة للفيء بطريقة النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] إلاّ أنّه حرم قربى النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] منها. لكن عمر ومن تلاه خصّصوا سهماً لهم»(1).

ثم يشرح كيفيّة تقسيم الأموال والغنائم، وتفضيل عمر لنساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وقرباه أي العباس والحسنان وأُسامة في العطاء، مع تسويته عطاء علي عليه‌السلام وسائر بني هاشم مع غيرهم من أصحاب بدر، ممّا أدّى إلى تذمّرهم منه لحرمانهم عمّا كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يعطيهم.

«كما أنّه منع منهم خمس غنائم الحروب، وعندما أراد أن يصرف لهم منه ما يخصّ نفقات الزواج وأداء الدين ونفقات العبيد، أبوا إلاّ أن يأخذوا كلّه من دون تمييز لكنّه أبى ولم يوافق.

يظهر أنّ عمر كان يأمل من خلال هذه المقترحات أن يحظى بمصالحة بني هاشم من دون أن يقوّي العامل الاقتصادي والسياسي عندهم، لذا حاول الاقتراب من العباس وابنه حيث لم يشكّلا خطراً تجاه الحكم، وهذا ما يفسّر تسوية العباس مع نساء النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] في العطاء،

(80)

وتقديمه لصلاة الاستسقاء في السنة الثامنة عشرة، وعدم التعرّض له عند ما امتنع عن هدم داره لتوسعة الحرم المكي.

أمّا بالنسبة إلى عليّ[عليه‌السلام] فقد كان عمر يتوجّس منه كثيراً، يقول المؤلّف: «إنّ علاقة عمر مع علي كانت أكثر صعوبة وتعقيداً. روى ابن أبي طاهر الطيفور في كتابه تاريخ بغداد عن ابن عباس رواية تكلّم عمر مع ابن عباس في أوائل خلافته، حيث سأل عمر هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم، قال: أيزعم أنّ رسول الله[صلى‌الله‌عليه‌وآله] نصّ عليه؟ قلت: نعم، وأزيدك سألت أبي عمّا يدّعيه فقال: صدق. فقال عمر: لقد كان من رسول الله[صلى‌الله‌عليه‌وآله] في أمره ذرو من قول لا يثبت حجة ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك اشفاقاً وحيطة على الإسلام، لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبداً، ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله أنّي علمت ما في نفسه، فأمسك وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم»(1).

(81)

إنّ عمر وإن كان يعلم أنّ علياً كرئيسٍ لآل النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] لم يغضّ طرفه عن طلب الوصول إلى الحكم بمعنى تهديده لخلافة قريش، لكنّه مع هذا كان يسعى أن يدني علياً إلى نفسه ضمن مجموعة كبار الصحابة الأوائل. إنّه كثيراً ما شاور علياً وسائر الصحابة الأوائل، وكان مصرّاً على أن يتزوج أم كلثوم بنت علي وحفيدة النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله]. إنّ علياً طلب من عمر قطعة أرض في ينبع قرب جبل رضوى، فاستجاب له عمر وأعطاه تلك الأرض، وكانت فيما بعد بيد أولاد الحسين ابن علي [صلى‌الله‌عليه‌وآله].

وعلى الرغم من محاولات عمر السلمية، لكن بقيت بينهما مسافة فارقة. يروي عبد الله بن عبـاس أنّ عمر سأله وقـال : يا بن عباس ما منع علياً من الخروج معنا؟ قلت: لا أدري، قال: يابن عباس أبوك عم رسول الله[صلى‌الله‌عليه‌وآله] وأنت ابن عمّه، فما منع قومكم منكم؟ قلت: لا أدري، قال: لكنّي أدري، يكرهون ولايتكم لهم، قلت: لم ونحن لهم كالخير؟ قال: اللهم غفراً، يكرهون أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة فيكون بجحاً بجحاً، لعلكم تقولون إنّ أبا بكر قفل ذلك، لا والله ولكن أبا بكر أتى أحزم ما حضره، ولو جعلها لكم ما نفعكم مع 

(82)

قربكم(1).

من الواضح أنّ قصد عمر من هذا الكلام إيصال رسالة إلى علي[عليه‌السلام] وإلى العباس. إنّ علياً لابد أن لا يأمل في الوصول إلى الخلافة، لأنّه من آل النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله]، وقريش تأبى أن تجتمع النبوة والخلافة فيهم، هذه الحقيقة لم تكن مؤامرة أبي بكر وعمر في السقيفة، بل إنّ الحسد الدفين لقريش هو الذي منع علياً [عليه‌السلام] من الوصول إلى الخلافة. الفرصة الوحيدة المتاحة لعلي [عليه‌السلام] للوصول إلى حكومة المجتمع الإسلامي، هي المشاركة الكاملة في الشورى التي عيّنها عمر بمشاركة الصحابة الأوائل من قريش.

وقد روى ابن عباس في مناسبة أُخرى عن عمر أنّه قال له: يابن عباس أما والله أن كان صاحبكم هذا أولى الناس بالأمر بعد وفاة رسول الله[صلى‌الله‌عليه‌وآله] إلاّ أنّا خفناه على اثنتين. قال ابن عباس:  ... ما هما؟ قال: خشيناه على حداثة سنّه وحبّه بني عبد المطلب(2).

إنّ أُمنيات عمر لتذليل وسيطرة تطلّعات علي[عليه‌السلام]

(83)

وأصحابه، ذهبت أدراج الرياح في أُخريات حياته، لأنّه ـ كما روى ابن عباس ـ حدثت واقعة أجبرت الخليفة على أن يتكلّم عن أحداث سقيفة بني ساعدة. إنّه أكّد في خطبته على اعتقاده بابتناء الخلافة على أصل الشورى، وأدان كلّ المساعي والمحاولات لتعيين الخليفة من دون استشارة المسلمين. وذكر أنّ الخلافة تتعلّق بجميع قريش، ولا يمكن حصرها في قبيلة واحدة»(1).

ثم يشرح المؤلّف مقتل عمر بن الخطاب، وتعيين الشورى السداسية لانتخاب الخليفة، وما صنعه عبيد الله بن عمر من قتل الأبرياء، ويعرّج على رأي كايتاني وينتقده لخلوّه من إثباتات مرجعية، حيث ذهب كايتاني إلى أنّ قتل عمر كان بمؤامرة من قبل علي والزبير وطلحة، ويستند إلى وقوع الاغتيال مباشرة بعد خطبة عمر وإنذاره بأنّ جمعاً يريدون أن يغصبوا الخلافة، كما يستند إلى ما صنعه عبيد الله في قتل الهرمزان وغيره.

لكن المؤلّف يردّ كايتاني لعدم توفّر الأدلّة، وأنّ أعمال عبيد الله كانت جنونية، ولم تكن عن تدبر وتعقّل لذا لا تدلّ على شيء، كما أنّه لا يوجد أيّ دليل لعلاقة أبي لؤلؤة مع الذين ذكرهم كايتاني، ولو كان هناك احتمال لوجود مؤامرة من قبل علي عليه‌السلام لقتل عمر، لاستفاد منها

(84)

بنو أُمية فيما بعد للتنقيص من عليّ عليه‌السلام كما صنعوا في مسألة قتل عثمان.

ثم يذكر المؤلّف تفاصيل الشورى والمفاوضات التي جرت، وحصر الأمر في علي عليه‌السلام وعثمان، ثم غلبة عثمان وإجبار علي عليه‌السلام على  البيعة ويقول:

«إنّ عمر وإن كان قلقلاً فيما يبدو من صعود علي [عليه‌السلام] إلى الخلافة، ولكن لا يوجد أيّ مستند يدلّ على تأثيره المباشر في مسألة انتخابه، ومع هذا فإنّ تحذيراته في أواخر عمره عند عبد الرحمن بن عوف من طموحات بني هاشم لحصر الخلافة فيهم، كان لها دور بارز في فشل علي [عليه‌السلام] . إنّ عمر وإن لم يذكر هذا الأمر أمام الملأ، ولكن قد اطلع عليها الجميع من دون تردّد»(1).

ثم يذكر المؤلّف قدح عمر لكل واحد من أصحاب الشورى، ويشير إلى سياسة عمر القومية وعدم سماحه لغير العرب بالبقاء في الحجاز، وهذا ما أدّى إلى تذمّر الكثير منه سيما أبو لؤلؤة حيث حفّزه على القيام باغتياله.

وفي ختام هذا الفصل يشير إلى تعظيم المؤرخين الجدد من

(85)

المسلمين وغير المسلمين وثنائهم على عمر لما بذله من تأسيس الخلافة الإسلامية على قاعدة الشورى وبحضور القرشيين، وإن انحرف مسار الخلافة على يد معاوية وبني أُمية.

◘ أقول:

إنّ سياسة الشورى التي اتخذها عمر لم تكن إلاّ للصدّ عن صعود علي عليه‌السلام إلى دفّة الحكم والخلافة، ونحن إن سلّمنا أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ومن دون مشورة، ولكن:

لِـمَ لـمْ يعترض عمر على كيفية انتخابه للخلافة؟

ولِـمَ لـمْ يطالب بالشورى؟!

إنّه في خطبته تعرّض لكيفية خلافة أبي بكر، ولم يتعرّض لكيفيّة خلافته؛ إذ كانت من دون مشورة أيضاً، بل مع كره بعض كبار الصحابة أمثال طلحة، فهذه المفارقات تجعلنا في شك من صدق نوايا عمر بشأن الشورى.

وقد فهم أميرالمؤمنين عليه‌السلام هذه اللعبة حيث قال لعمّه العباس: عدلت عنّا؟ فقال: وما علمك؟ قال: قرن بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر فإن رضي رجلان رجلاً ورجلان رجلاً، فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف. فسعد لا يخالف ابن عمّه عبدالرحمن، وعبدالرحمن صهر عثمان لا يختلفون فيوليها عبدالرحمن عثمان أو 

(86)

يوليها عثمان عبدالرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني...(1).

إذاً تعظيم المؤرخين للشورى التي وضعها عمر في غير محله، ويبقى علي عليه‌السلام هو الانتخاب الحرّ والانموذجي للمسلمين دون غيره من الخلفاء سابقاً ولاحقاً.

***

(87)
(88)

عثمان.. بداية حكم بني عبد شمس

يقول المؤلّف:

«إنّ خلافة عثمان قد انتهت بعد اثنتي عشرة عاماً بالثورة عليه وقتله الفجيع، وكانت الاعتراضات على أعماله الجائرة كثيرة وواسعة بحسب ملاكات تلك الفترة، وقد ذكرت المصادر التاريخية الأحداث التي اتهم بها بالتفصيل. إنّ عدم الرضى والخلاف عليه شاع بين الكثيرين في أُخريات فترة حكومته، ولم يبرئه من تلك التهم  ـ عند أهل السنة ـ إلاّ موته الدامي حيث أصبح سلاحاً سياسياً، ووسمه بالشهيد وثالث الخلفاء الراشدين»(1).

بعد هذه المقدّمة يبدأ المؤلّف بذكر بعض فضائل عثمان، من قبيل أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يستر ركبته عندما يدخل عثمان، وأنّه زوّجه ابنته رقية ثم أُم كلثوم الأمر الذي حُرم منه أبو بكر وعمر، وأنّ عثمان

(89)

بذل كثيراً من أمواله لنصرة الإسلام، وكان سفير النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لمشركي مكة قبل صلح الحديبية.

◘ أقول:

أمّا حديث ستر الركبة، فهو ما رواه الطبراني بسنده عن عبد الله ابن عمر قال: بينما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله جالس وعائشة وراءه إذ استأذن أبوبكر فدخل، ثم استأذن عمر فدخل، ثم استأذن سعد بن مالك فدخل، ثم استأذن عثمان بن عفان فدخل ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يحدّث كاشفاً عن ركبته، فردّ ثوبه على ركبته حين استأذن عثمان وقال لامرأته : تأخّري...(1).

فهذا الحديث موضوع بلا إشكال إذ إنّ كشف الركبة إما مباح أو مكروه أو حرام، فإن كان مكروهاً أو حراماً فالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يفعله، وإن كان مباحاً لا فرق بين عثمان وبين غيره في الكشف وعدم الكشف، والأنكى من ذلك أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله زوجته بالتأخّر والاستتار من عثمان، هب أنّ أبا بكر كان أباها، فما بالها لم تستتر من عمر وسعد، ولماذا لم يأمرها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك؟! أُمور يندى الجبين لها وتخالف خلق النبي المعظّم صلى‌الله‌عليه‌وآله وتشوّه صورته.

هذا بالإضافة إلى تضعيف ابن كثير لهذه الرواية(2)، وقدح غيره

(90)

في سلسلة السند.

أمّا قضية الزواج والمصاهرة فهي لا تدلّ على فضل، لأنّ رقية وأم كلثوم لا تصلان إلى مرتبة الزهراء عليها‌السلام وكانتا كسائر النساء، بخلاف الزهراء عليها‌السلام وما امتازت به من مناقب وفضائل فاقت بها جميع النساء، ناهيك عمّا ورد في مصادر الشيعة من كيفية سلوك عثمان مع زوجاته ممّا هو للطعن أقرب. وكذلك سائر الأوصاف التي ذكرها المؤلّف، لم تكن من الفضائل المطلقة التي لا تقبل المناقشة.

وقد أشار المؤلّف بحق إلى عدم أهلية عثمان لتولي الخلافة، حتى أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يأمّره على جيش، ولذا يستنتج المؤلّف أنّ سبب جعله في الشورى وانتخابه للحكم كان لمنافسة علي عليه‌السلام ويقول:

«إنّ عثمان القريب من النبي [صلى‌الله‌عليه‌وآله] وصهره على ابنتيه، كان الأقدر على منافسة علقة علي عليه‌السلام بالنبي [صلى‌الله‌عليه‌وآله] الوطيدة، والأهمّ من هذا كان يمتاز بمساندة جميع أشراف مكة. فلو لم يكن عثمان عضواً في الشورى، ما كانت قبيلة عبد شمس تدافع إلاّ عن عليّ لأنّه من بني عبد مناف بحسب النظام القبلي السائد آنذاك... وكان عثمان مطلعاً على هذا الأمر، ومطمئناً من دعم قريش الواسع له، لذا لم ينطق ببنت شفة في الدفاع عن نفسه.

(91)

إنّ لطف النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] الخاص بعثمان، ودعم قريش الكامل له، ولّد في  نفسه الإحساس برفعة مرتبته في خلافة محمد[صلى‌الله‌عليه‌وآله] على الخليفتين من قبله، وقد قوّى في نفسه وصوله إلى دفة الحكم من دون أن يسعى لها؛ بأنّه مؤيّد من قبل الله. انّه بعد ما خلّص نفسه من تلك السُّنة المقيّدة التي سمّت عمر خليفة خليفة رسول الله[صلى‌الله‌عليه‌وآله]، أطلق على نفسه عنوان خليفة الله، وهذا اللقب الجديد تم تثبيته فيما بعد في فترة حكم بني أُمية، فالخليفة إذاً أصبح يحكم باللطف الإلهي وفي مقام نائبه على الأرض، لا بعنوان خليفة رسول الله. لذا عندما فقد دعم الذين ساندوه في انتخابه، ما كان بالامكان طرح مسألة استقالته نهائياً»(1).

ومن هنا يستنتج المؤلّف أنّ أعمال وأحداث ومخالفات عثمان السياسية والمالية، كانت تنشأ من هذه النظرة الفوقية، حيث كان يرى لنفسه الحق في التصرّف والبذل كيف ما شاء. حتى أنّه خالف ما اشترط عليه أوّلاً من متابعة سيرة الشيخين، فبدأ بإعطاء المخصصات المالية والسياسية لأقربائه ومن يخصّه، حتى وصل به الأمر إلى الاعتقاد بكون بني أُمية هي القبيلة المختارة للحكم الإسلامي.

(92)

وقد قام لتعبئة الطريق بتأويل النصوص والمحكمات لصالحه، فقد ذكر الزهري أنّ عثمان كتب لمروان بخمس مصر، وأعطى أقرباءه المال، وتأوّل في ذلك الصلة التي أمر الله بها، واتخذ الأموال واستسلف من بيت المال وقال: إنّ أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما، وإنّي أخذته فقسمته في أقربائي(1).

«هذه الرواية تدلّ على أنّ عثمان كان يبني بذله وسخاءه لأقربائه على عبائر من القرآن خصّصت سهماً من الخمس والغنائم والفيء لقربى النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله]. إنّ أبا بكر وعمر رغم منعهما سهم بني هاشم بعد وفاة رسول الله[صلى‌الله‌عليه‌وآله] الوارد في القرآن، لكنّهما لم يستغلّاه لصالح قرباهما، بل وضعاه في بيت المال. أما عثمان فكان يرى نفسه الخليفة الشرعي للنبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] ووارث جميع حقوقه، لذا اعتقد بأحقيته ولزوم صرف الأسهم القرآنية على أقربائه، كما أنّه أقطع فدك ووادي مهزور ملك النبي[صلى‌الله‌عليه‌وآله] في المدينة إلى مروان بن الحكم وأخيه الحارث، الشيء الذي تعامل معه أبو بكر وعمر معاملة الصدقة»(2).

(93)

ثم يذكر المؤلّف ما صنعه عثمان ببيت المال وتوزيعه على أقربائه، وكذلك تقسيم الولايات بينهم وعزل الولاة السابقين، وينتقد من قسّم حكومة عثمان إلى قسمين حيث كان في القسم الأوّل ـ أي السنوات الستة الأولى ـ مستقيم الطريقة يعمل بسيرة الشيخين، بخلاف النصف الثاني، ويقول:

«بعد خمس سنوات من استخلاف عثمان، كانت جميع الولايات والمدن المهمة في قبضة أقربائه حصراً. وفي السنة الثلاثين عندما اضطرّ لعزل وليد بن عُقبة لسوء أعماله، ولّى مكانه أُموياً آخر أي سعيد بن العاص ابن أبي أُحيحة. إنّه وضمن خطة دقيقة زوج بناته لمن يهواه كي يُحكم علقته معهم.

وعليه لا يوجد أيّ شاهد يدلّ على تغيير أساسي في سلوك عثمان وسياساته في منتصف حكومته بل ميله إلى أقربائه كان لائحاً منذ البداية، ولكن في النصف الأول من خلافته لم توجد مخالفة معتد بها، لأنّه حاول تهدئة كبار الصحابة وقريش من خلال البذل والعطاء المفرط، مضافاً إلى وداعته المباينة لفضاضة عمر وغلظته. كما سمح بتردد قريش على الولايات المفتوحة والحال أنّ عمر منعهم من ترك الحجاز إلاّ بإذن خاص»(1).

(94)

يشير المؤلّف إلى أنّ ظهور الخلاف كان بعد عام ثلاثين من الهجرة، لاستأثار عثمان أقرباءه واختصاصهم بالعطاء على غيرهم، مضافاً إلى سوء صنيعه مع بعض الصحابة أمثال أبي ذر، وابن مسعود، وعمار، أمّا في المدينة فكان عمرو بن العاص أوّل من رفع علم الخلاف ضد الخليفة لمّا عزله عن ولاية مصر، وحاول تأجيج الموقف ضدّه وإلقاء الخلاف.

كما أنّ انسحاب عبدالرحمن بن عوف من دعم الخليفة، كان له أثر بالغ في زعزعة الموقف، وقد ازدادت رقعة الخلاف ضدّه شيئاً فشيئاً من هنا وهناك حتى شملت معظم البلدان الإسلامية وبقيادة أبرز الصحابة وبعض أمهات المؤمنين: أي طلحة وعائشة، حيث كان لهما الدور البارز في تأجيج الناس ضد الخليفة من خلال الخطب وإرسال الرسائل إلى القبائل والمدن.

ثم إنّ المؤلّف يناقش كايتاني فيما ذهب إليه من اتهام علي عليه‌السلام بالمؤامرة ضد عثمان، وأنّه كان وراء هذه المؤامرة حيث كان المنتفع الوحيد آنذاك، ويقول:

«قد ابتنى استدلال كايتاني على مقدمات خاطئة، إذ إنّ انتخاب عثمان كشف أنّ قريشاً ـ كما قال عمر لابن عباس ـ لا توافق على خلافة ابن عم رسول الله[صلى‌الله‌عليه‌وآله]. إنّ علياً [عليه‌السلام] قد دافع عن نفسه قويّاً ولكن رُفض أشدّ 

(95)

الرفض. إنّه وكذلك أعداءه ما كانوا يتصوّرون أن لو حصل انتخاب آخر سوف تكون النتيجة غير هذه، لذا بدأت عائشة وكذلك طلحة بالاعتراض على عثمان لاطمئنانهما بأنّ علياً [عليه‌السلام] لم يكن مرشّحاً معتداً به، فلو كان علي هو المحرك الرئيسي للثورة ضد عثمان أو كان له نفع فيها، لما شاركت عائشة ركب المعارضة، لأنّها رغم كرهها لتكبر عثمان الأموي، كانت لعلي[عليه‌السلام] أكره»(1).

ثم يشرح المؤلّف مواقف علي عليه‌السلام من عثمان سواء في مقام الاعتراض عليه لمخالفاته أصول الإسلام وظلمه لكبار الصحابة، أو الدفاع والتوسّط بينه وبين الثوار ومحاولة تهدئة الأمور، ويستنتج أنّ رأي كايتاني مجانب للصواب جملة وتفصيلاً.

وبعد هذا يبدأ المؤلّف بسرد أحداث الثورة ضد عثمان ومكاتبات الصحابة في الحث على القيام ضدّه، واندلاع الخلافات في الكوفة والمدينة ومصر وغيرها، وازدياد عددهم شيئاً فشيئاً لعدم استجابة الخليفة أو استجابته المؤقتة ورجوعه عنها، إلى أن انتهى الأمر بقضية الرسالة التي كتبها لواليه في محاسبة ومعاقبة بعض الثوار، والحصار الأخير لداره ومنعه من جميع الأمور ثم قتله.

(96)

وفي الختام يُلقي اللوم على عثمان حيث كان هو الذي أسّس هذه البلايا وجرّها لنفسه بسبب إيثار خاصته على الناس، وهذا الأساس الذي أسّسه أودى بحياته، كما حرف مسار الخلافة الإسلامية إلى الملوكية الجائرة فيما بعد.

***

(97)
(98)

الإمام علي عليه‌السلام وردة فعل بني هاشم

تجاه خلافة قريش

 

ذكر المؤلّف في الفصول السابقة مسألة الخلافة النبوية، ومسألة السقيفة واستلام أبي بكر لدفّة الحكم، وأشار إلى أنّ النبي عليه‌السلام حتى لو لم يستخلف لم يكن راضياً بتولّي أبي بكر، طبقاً لتعاليم القرآن وسيرة الأنبياء السابقين الذين كانوا يورثون أبناءهم العلم والحكم والنبوة، ثم تطرّق إلى خلافة عمر وعثمان وما جرى فيها من أحداث انتهت بقتل الخليفتين. وهنا في هذا الفصل يتطرّق إلى فترة حكم أمير المؤمنين عليه‌السلام وما جرى فيها، وهو أطول فصل في الكتاب، فيقول:

«كان لحكم علي عليه‌السلام سمات تغاير الخلافة، إذ لم يكن مطابقاً لمعايير الخلافة الأولى، إنّ علياً لم يصل إلى الحكم من خلال شورى كبار الصحابة الأوائل الذين جعل عمر رأيهم ملاكاً لصحّة الخلافة، وكذلك لم يحظ بتأييد أكثر قريش الذين عُدّوا في خلافة أبي بكر بمثابة

(99)

الطبقة الحاكمة الوحيدة التي لها الحق في اتخاذ القرار حول الخلافة.

ولكن مع هذا فعليّ كان واثقاً تماماً بشرعية خلافته لابتنائها على نسبه القريب من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، علمه بالإسلام وسبقه إليه، وكفاءته التامّة في الحفاظ على مبادئه. وكان يعتقد أنّ الملاكات التي وضعها أبو بكر وعمر لشرعية الحكم لا أصل لها، وقد قال لأبي بكر ـ فيما سبق ـ إنّ تأخّره في بيعته كخليفة كانت لاعتقاده بتقدّم حقّ نفسه في الخلافة على غيره، وقد بقي على هذا الرأي رغم بيعته لأبي بكر وعمر وعثمان، لأنّه بايع لحفظ اتحاد المسلمين، وذلك حينما علم أنّ المسلمين تركوا حقّه في الخلافة النبوية، فلمّا أقبلت عليه الاُمّة الإسلامية أو معظمها، كان التكليف ـ مضافاً إلى حقّه المشروع ـ يقتضي تولّيه الحكم.

إنّ مقتل عثمان أدّى إلى سطو الثوار وحلفائهم المدنيين على مركز الخلافة، وكان طلحة وعلي عليه‌السلام المرشحين للخلافة. يبدو وجود دعم لطلحة من قبل المصريين حيث كان يُعدّ مستشاراً لهم وقد أمسك مفاتيح بيت المال، ولكن كان ميل أهل الكوفة والبصريين ـ وقد كانوا يعرفون عدم رضا عليّ عليه‌السلام

(100)

باستخدام القوّة ـ وكذلك أكثر الأنصار نحو ابن عم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله . فسرعان ما غلبت هذه الكفّة، ويبدو أنّ لمالك الأشتر قائد الكوفيين، القسط الأوفر في تعبئة الطريق لانتخاب علي عليه‌السلام».

ثم يقول المؤلف:

«الروايات المتعلّقة بهذه الحوادث وما صنعه علي عليه‌السلام والذي أدّى إلى استخلافه؛ متناقضة نوعاً ما وفيها تشويش، وعليه يمكن متابعة سير التحولات الجارية مع لحاظ عدم قطعية تلك الروايات نسبياً»(1).

ثم يسرد المؤلّف مجموعة من الروايات الدالة على مساعي طلحة للاستخلاف ومساعي أصحاب علي عليه‌السلام للبيعة مع علي. ولكن مع هذا لم يبيّن المؤلّف موقفه تجاه هذه الروايات المتناقضة بوضوح، كما لم يذكر ماهي أوجه التشويش والتناقض، رغم كونه يبني هذه القاعدة من بداية هذا المبحث ويؤسّس عليها استنتاجاته اللاحقة، نعم ربما تكون بعض الجزئيات مشكوك فيها، ولكن هذا لا يعني إلقاء التشكيك على الكلّيات والمسلّمات التاريخية المتفق عليها بين الشيعة والسنة.

(101)

وعليه فتشكيك المؤلّف الموحي بتضعيف جميع المرويات التاريخية آنذاك في غير محلّه، وكان عليه التنبيه على موارد الخلل كلٌّ بحسبه.

والملفت للنظر أنّ هذا التشكيك قد سرى في كيفية سرده للحوادث، حيث نراه ابتلي في موارد عدّة بالّلف والدوران ممّا أدّى إلى ضبابية الموقف وعدم الشفافية والدقة العلمية. وهذا ما ينعكس سلباً على المطالع والقارئ أيضاً حيث يبقى محتاراً أمام الأقوال المتناقضة والمتضاربة التي يذكرها المؤلّف.

وعلى سبيل المثال عندما يشرح المؤلّف في ص 214 بيعة طلحة يقول:

«كان طلحة أوّل صحابي مبّرز بايع علياً... إنّه لم يأت للبيعة طواعية بل كما قال الشعبي انّ مالك الأشتر جاء به سوقاً... إنّ طلحة ادعى فيما بعد أنّه بايع والسيف على رأسه الأمر الذي نفاه سعد بن أبي وقاص وأبدى رأيه حوله وقال بأنّه لا علم له بالسيف لكنه كان يعلم بأنّ طلحة بايع مكرهاً. إنّ نفوس الناس الحاضرين في المسجد قد تزلزلت ـ من دون شك ـ بعدما رأت أنّ طلحة بايع طواعية ومن دون أيّ تهديد وإكراه».

فأنت ترى في هذه الأسطر القليلة مدى الخبط والتشويش الذي

(102)

يلقيه المؤلّف على القارئ حيث يبقى محتاراً من أمر طلحة هل أنّه بايع طواعية أم بايع مكرهاً. كان من المفترض على المؤلّف أن ينهي الأمر بنتيجة نهائية بترجيح رواية على الاخرى، حيث هذا هو شأن المحقق الخبير،  وإلاّ ما أسهل خلط الأوراق وسرد المتناقضات وترك الأمر على عواهنه.

والمؤاخذة الثانية على المؤلّف اعتماده في سرد هذه الحوادث على رواية الشعبي، ورغم كونه يعترف بعثمانيته يجعل روايته في مسألة أخذ البيعة لعلي عليه‌السلام هي الأساس، ويذكر باقي الروايات تبعاً لها أو في الهامش، والحال يكفينا في عدم الاعتماد على رواية الشعبي عثمانيته حيث لم يتمكّن أن يكون محايداً في سرد تلك الوقائع سيما ما يخص الإمام أميرالمؤمنين عليه‌السلام.

ثم يعود المؤلّف ثانية ليقول:

«يبدو أنّ علياً عليه‌السلام تحاشى إجبار الناس على البيعة، فلمّا جيء بسعد بن أبي وقّاص للبيعة أبى وقال: لا اُبايع حتى يبايع الناس والله ما عليك منّي بأس، فقال علي: خلّوا سبيله(1).

ثم جيء بعبد الله بن عمر فقال أيضاً: «لا اُبايع حتى يجتمع

(103)

الناس عليك، قال: أعطني حميلاً ألاّ تبرح، فقال: لا أعطيك حميلاً، فقال الأشتر: إنّ هذا الرجل قد أمن سوطك وسيفك فأمكنّي منه، فقال علي: دعه أنا حميله، فوالله ما علمته إلاّ سيّئ الخلق صغيراً وكبيراً...(1).

وأضاف الشعبي في روايته: وقال: بعث عليّ إلى محمد بن مَسلَمة الأنصاري ليبايع، لكنّه اعتذر وقال: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أمرني إذا اختلف الناس أن أكسر سيفي وأجلس في بيتي، فتركه علي عليه‌السلام، كما صنع نفس العمل مع وهب بن صيفي الأنصاري عندما أجابه بنفس الجواب، ثم دعا علي عليه‌السلام اُسامة بن زيد للبيعة، لكن اعتذر اسامة رغم اعترافه بحبه لعلي وكونه أعز الناس عليه، وقال: لكنّي عاهدت الله أن لا اُقاتل رجلاً يقول لا إله إلاّ الله»(2)، (3).

ولكن بعد هذا يعود المؤلّف إلى اللّف والدوران كعادته، ويستبعد وقوع هذه المحادثات الواردة في رواية الشعبي عند البيعة الأولى قبل أن يلوح إلى الأفق تهديد علي عليه‌السلام بالمواجهة المسلّحة من قبل المعارضين، ويستقرب حدوثها قبيل واقعة الجمل مستنداً إلى ما روي عن أبي مخنف من أنّه سأل عن رأي سعد بن أبي وقاص ومحمد

(104)

بن مَسلمة واُسامة بن زيد وعبد الله بن عمر في ثباتهم على عهدهم، فأجابوا له بنعم ولكن لا يريدون الخوض في دماء المسلمين، وعليه يستقرب المؤلّف بيعة اُسامة وابن مَسلمة على الأقلّ في البداية كما ذهب إلى ذلك ابن سعد حيث عدّ سعد بن أبي وقاص واُسامة وابن مَسلمة وزيد بن ثابت من المبايعين، كما يشرك عبد الله بن عمر أيضاً، ثم يذكر المؤلّف رواية عن عبد الله بن الحسن بن الحسن حيث تعدّ من لم يبايع علياً عليه‌السلام من كبار الأنصار فيهم حسان بن ثابت وأبو سعيد الخُدري والنعمان بن بشير وغيرهم.

والخلاصة التي نخرج منها من خلال كلام المؤلّف ـ رغم اللّف والدوران وإلقاء التشكيك وعدم الخروج بنتيجة ـ هي أن علياً عليه‌السلام لم يجبر أحداً على البيعة بخلاف الحالات الثلاثة التي مرّت قبله.

ثم يذكر المؤلّف في ص 218 أنّ الإمة الإسلامية انقسمت بعد بيعة علي عليه‌السلام إلى ثلاثة أقسام:

1ـ المبايعون لعلي عليه‌السلام .

2ـ الأمويون وأنصارهم الذين حصروا الخلافة فيهم.

3ـ أكثر قريش حيث أرادوا إرجاع الخلافة إلى ما كانت عليه في عهد أبي بكر وعمر.

ثم يقول:

(105)

«عندما استعد كل حزب للقتال بغية الوصول إلى حقّه، دخل الإسلام في صراع وحرب داخلي قاسٍ استدام إلى ما بعد علي عليه‌السلام، إنّ نار المصيبة (الفلتة) التي زعم عمر أنّ الله وقى شرّها، قد تأجّجت من جديد مضافاً إلى وجود شعور بالانتقام».

◘ أقول:

قد أصاب المؤلّف في تشخيص الداء وأنّ ما حلّ بالأمة الإسلامية ـ وما زالت تعاني منه ـ كان جرّاء تلك الفلتة الأولى التي ارتكبت بحق الإسلام حيث أقصي فيها من أمر الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالتمسّك بهم لضمان عدم الوقوع في التيه والضلال، وذلك في روايات كثيرة أهمّها حديث الثقلين الدال على التمسك بالقرآن والعترة.

في ص 222ـ 223 أشار المؤلّف إلى أنّ علياً عليه‌السلام انتهج في خطبه نهج الذم واللوم للأمة لتركهم إيّاه سابقاً، وقد بيّن أيضاً أنّ الهداية الحقيقية منحصرة فيه وفي عترة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم عرّج على أنّه رغم ذمه لجميع الأمة لم يكن ذاماً للخليفتين حيث يقول:

«وفي حين كونه ذامّاً لجميع الأُمّة، كان يتجنّب نقد الخليفتين الأوائل رغم مدحه لبعض أعمالهما العامة في بعض الأحيان، سيّما تمجيده صلابة عمر وقيادته الصارمة، وكان يحاول عموماً عدم إظهار المخالفة 

(106)

للسنن التي وضعها عمر. كما وافق أن يُلقّب أمير المؤمنين اللقب الرسمي لعمر، ولم يوافق على لقب الخليفة الذي دنّسه عثمان بادعائه الخلافة الإلهية لنفسه دون الخلافة النبوية».

◘ أقول:

يلاحظ على كلامه هذا أُمور عدة:

أولاً: انّ واقع الحال كان يفرض على أمير المؤمنين عليه‌السلام بيان الحق وتذكير الأمة بخطئها الأوّل في ترك نصرته.

ثانياً: إنّ الصبغة العامة لخطب أمير المؤمنين عليه‌السلام الواردة في نهج البلاغة كانت تحتوي على الذم واللوم للمسلمين، ولكن ما ورد في النهج لا يشكّل جميع الخطب، بل حتى في النهج توجد ألفاظ المدح والثناء أيضاً، من قبيل قوله عليه‌السلام مخاطباً أهل البصرة بعدما فتحها: «وجزاكم الله من أهل مصر عن أهل بيت نبيكم ما يجزي العاملين بطاعته والشاكرين لنعمه، فقد سمعتم وأطعتم ودعيتم فأجبتم»(1).

أو ما قال لهم في بعض أيام صفين: «لقد شفى وحاوح صدري أن رأيتكم بآخرة تحوزونهم كما حازوكم، وتزيلونهم عن مواقفهم كما أزالوكم حسّاً بالنصال وشجراً بالرماح...»(2).‍‍‍‍

(107)

أو ما قال في حق خلّص أصحابه: «أنتم الأنصار على الحق، والإخوان في الدين، والجنن يوم البأس، والبطانة دون الناس، بكم أضرب المدبر وأرجو طاعة المقب‍‍ل»(1).

ثالثاً: قوله إنّ علياً كان يتجنّب نقد الخليفتين؛ أوّل الكلام فقد أورد المؤلّف بنفسه مقاطع من خطبة الشقشقية وكفى بها قدحاً وذماً، ولم يرد عنه عليه‌السلام أيّ مدح صحيح وصريح لهما حتى يدّعي المؤلّف انّه كان يمدح أعمالهما عموماً، بل على العكس من ذلك كان يعتقد بأنّ الدين في زمانهما اُصيب بالانهيار، ولذا قام هو وبايع لنصرة الدين، وهو القائل: «حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً... فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق واطمأنّ الدين وتنهنه»(2).

رابعاً: قوله إنّ علياً كان يمجّد صلابة عمر وقيادته الصارمة مجرد دعوى من دون شاهد وبرهان، بل يكذّبها التاريخ والوجدان، فأيّ حُسن كان في فظاظة عمر وغلظته حتى يمجّدها أمير المؤمنين عليه‌السلام وهو القائل في ذم أبي بكر لما دفع الأمر إلى عمر: «فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها،

(108)

فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحّم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس وتلوّن واعتراض»(1). وما ورد عنه عليه‌السلام ممّا يوهم ذلك إما موضوع وإمّا مؤوّل.

خامساً: إنّ عدم مخالفته للبدع المحدثة آنذاك، والتي جعلها المؤلّف شاهداً لموافقة علي عليه‌السلام لمن تقدّمه، كانت لعدم تمكّنه عليه‌السلام من تغييرها المفاجئ بعدما استقرّت في النفوس وأصبحت سنة يُقتدى بها، ولذا كان يتربص الفرص لتغييرها وهو القائل: «فان ترتفع عنّا وعنهم محن البلوى أحملهم من الحق على محضه»(2). وقال أيضاً: «لو قد استوت قدماي من هذه المداحض لغيّرت أشياء»(3).

سادساً وأخيراً: إنّ تلقيبه بأمير المؤمنين ورضاه بذلك دون لقب الخليفة لم يكن محاباة لهذا أو بغضاً لذاك كما يوهمه المؤلّف، بل انّ هذا اللقب هو الذي لقّبه به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كما ورد في كثير من النصوص، منها ما روي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث المعراج: «فأوحى إليّ ربي ما أوحى ثم قال: يا محمد اقرأ علي بن أبي طالب أمير المؤمنين السلام، فما سمّيت بهذا أحـداً قبله ولا أُسمّي بهذا أحداً بعده»(4). ولـذا ترى أنّ الشيعة

(109)

لا يطلقون هذا اللقب على غير علي عليه‌السلام حتى على سائر الأئمة الأحد عشر:.

ثم يبدأ المؤلّف بعد هذا بذكر نصب الولاة من قبل أمير المؤمنين عليه‌السلام، ويذكر تجمع المعارضين في مكة تحت لواء عائشة، وعزمهم على الخروج لأخذ الثأر من قتلة عثمان، كما يسرد الحوادث المؤدية إلى واقعة الجمل من استحلال البصرة والغدر بواليها عثمان بن حنيف ونهب أموال بيت المال وقتل السبابجة، ومن جانب آخر يذكر استعداد علي عليه‌السلام للخروج من المدينة لدفع فتنة أصحاب الجمل.

روى المؤلّف في ص 243 رواية عن الإمام الحسن عليه‌السلام بانّه قال لعلي عليه‌السلام وهو بالربذة يريد الخروج نحو القوم: «انّي لأخشى أن تقتل بمضيعة، فقال: إليك عنّي فوالله ما وجدت قتال القوم أو الكفر بما جاء به محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله».

هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها إطلاقاً رغم ورودها بألفاظ مختلفة في عدّة مصادر شيعية كأمالي الطوسي: 52، وسنية كأنساب الأشراف للبلاذري 2: 236 وتاريخ دمشق لابن عساكر وغيرها، بدليل أنّها لا تنسجم مع مسلّماتنا العقدية والروايات التاريخية الصحيحة، وذلك أنّنا نعتقد بعصمة الأئمة : من الأخطاء عموماً سواء في بيان الشرع أم في غيره، والإمام الحسن عليه‌السلام رغم كونه معصوماً أيضاً يعلم علماً جلياً بموقعية أبيه وسداده في حلّه وترحاله، 

(110)

وعليه لا يصدر منه تجاهه هذا الكلام المنبئ عن الاعتراض وعدم الرضا، وبهذه العبارة القاسية «تقتل بمضيعة» وكأنّه لم يكن إماماً معصوماً مفترض الطاعة، وكأنّه لم يكن الطرف المقابل باغياً وخارجاً عن طاعة الإمام يجب محاربته، وكأنّه لم يكن المقتول من هذا الطرف شهيداً يستحق الجنان ومن ذلك الطرف هالكاً يستحق النيران، فمن المستغرب جداً صدور هذا الكلام عن الإمام الحسن عليه‌السلام.

هذا من جانب، ومن جانب آخر قد استفاضت الروايات النبوية الدالّة على قتال عليّ عليه‌السلام للناكثين والمارقين والقاسطين، ممّا تدلّ على انّه كان على الحق ولم يكن عمله هباء ومضيعة، وكانت واقعة الجمل أوّلها، فمن المستبعد جداً خفاء هذا على الإمام الحسن عليه‌السلام ليخشى على أبيه الضياع.

ثم إنّ المؤلّف بعدما ينتهي من سرد حوادث واقعة الجمل، يعقد فصلاً لواقعة صفين، ويبدأ بذكر مقدمات الواقعة والمناوشات الطفيفة الحاصلة بين الفريقين، ومكاتبات معاوية لبعض الوجهاء لاستمالتهم نحوه، منها مكاتبته لقيس بن سعد والي علي عليه‌السلام على مصر، حيث كتب له كتاباً يستميله إليه ويعده بإعطاء ولاية العراقَين (الكوفة والبصرة)، لكن قيس راوغه ولم يجبه صريحاً، ثم معاوية بعدما رأى عدم تمكّنه من السيطرة على قيس كتب له كتاباً آخر هدّده ممّا أدّى إلى تصرّم قيس أمامه، لذا لجأ معاوية إلى الخدعة فوضع كتاباً عن لسان 

(111)

قيس يعلن فيه متابعته لمعاوية في طلب الثأر من قتلة عثمان، فلما وصل خبر هذا الكتاب إلى علي عليه‌السلام غضب ولم يصدّقه، ولكن أصرّ عليه عبدالله بن جعفر أن يعزل قيس ويولّي محمد بن أبي بكر، وهذا ما حصل بالفعل بعد فترة، الأمر الذي أغضب قيساً، ثم يقول المؤلّف ص 278 معلقاً على حادثة عزل قيس من ولاية مصر: «وعُلم فيما بعد أنّ هذا العمل ما كان في محلّه». ممّا يوهم تخطئة علي عليه‌السلام في فعله وعمله.

ونقول: إنّ الأمر ليس كما حاكه المؤلّف، وأمير المؤمنين ما انطلى عليه خدعة معاوية بل كان مجبوراً باتخاذ هذا القرار بعدما شاع وذاع كتاب معاوية عن لسان قيس حتى انطلى الأمر على أصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام أنفسهم أمثال عبد الله بن جعفر، فلو كان أمير المؤمنين يترك الأمر ويدع قيساً على حاله لعُدّ هذا إمّا ضعفاً قيادياً أو إرباكاً سياسياً حيث يدع خائناً ـ بحسب ما ارتكز في قلوب المسلمين جراء خدعة معاوية ـ على أهم الولايات؛ فلذا اضطر أمير المؤمنين عليه‌السلام لتغيير قيس واستدعائه سداً لهذا الخلل، مضافاً إلى انّه عليه‌السلام كان يتهيّأ لقتال معاوية وكان بحاجة ماسّة إلى قادة ميدانيين أمثال قيس، وهذا قوّى جانب الاستدعاء.

ثم انّ المؤلّف يشرح ويذكر مراسلات ومكاتبات أمير المؤمنين عليه‌السلام لمعاوية ومحاولة أخذ البيعة منه، وإرسال جرير لهذه المهمّة 

(112)

رغم مخالفة الأشتر، وإخفاق جرير في مهمّته وانخداعه بمعاوية، واستعداد معاوية للحرب من خلال تهييج مشاعر الناس وبث روح القوميّة فيهم، وإلقاء مسؤولية قتل عثمان على عاتق علي عليه‌السلام، فبعدما اطمأنّ معاوية أنّ قلوب أهل الشام وسيوفهم معه رفض بيعة علي عليه‌السلام تماماً.

ومن جانب آخر فانّ علياً عليه‌السلام كان يحسّ بالخطر من جانب معاوية إذ كان عالماً بطموحه وأنّ بقاءه على حاله يشكّل بؤرة فساد في جسم الأمة الإسلامية لأنّه لا يمت إلى الإسلام بصلة إلاّ بما يقارب دنياه، إذاً كان لزاماً عليه دفع الفتنة بالسيف بعدما لم تنجح النصائح، فلذا بدأ بالاستعداد للقتال وتعبئة الناس.

كل هذه الأمور يذكرها المؤلّف ويسردها بدقّة وموضوعية عالية، معتمداً على أهم المصادر المتوفّرة سيما كتاب وقعة صفين للمنقري.

فتنة الخوارج:

يعقد المؤلّف في ص 341 فصلاً خاصّاً بالخوارج وبداية تكوّنهم في حرب صفين بعد رفع المصاحف ويقول: «لما رأى عمرو بن العاص أنّ أهل الشام لا يتمكنون من الظفر في الحرب وأنّ عدوّهم يتغلّب عليهم شيئاً فشيئاً، أوعز إلى معاوية التوسل بهذه الحيلة (أي رفع المصاحف). هذه الخدعة سرعان ما أخذت مأخذها في جيش عليّ كما 

(113)

كان يتوقّعه عمرو بن العاص، فأدّت إلى الاختلاف والتشويش، مع أنّ علياً عليه‌السلام كان يحثّ أصحابه على الاستمرار في القتال، وحذّرهم من معاوية وعمرو بن العاص وأصحابهما بأنّهم ليسوا أهل الدين والقرآن، بل إنّما رفعوا المصاحف مكراً وخديعة».

ثم يذكر المؤلّف أنّ رؤوس الخوارج أبوا قبول كلامه وهدّدوه بالقتل أو تسليمه إلى معاوية، الأمر الذي أدّى استدعاء الأشتر من المعركة درءاً للفتنة، فكانت هذه بداية أمر الخوارج وفتنتهم حيث أجبروا علياً عليه‌السلام بترك الحرب وقبول حكمية القرآن: «إنّ علياً أمام العواطف الشديدة لأكثر أصحابه نحو الصلح صمّم على قبول التحكيم على رغم رأيه الخاص» كما أجبروه أيضاً على تعيين أبي موسى الأشعري حكماً.

والغريب من المؤلّف أنّه رغم سرده لهذه الحوادث، واعتراضه على الخوارج بأنّهم أجبروا علياً على قبول التحكيم؛ يأتي ويقول في صفحة 349:

«إنّ علياً قد عزم على استمرار الحرب مع ثلّة أصحابه الأوفياء لأنّه ما كان يبالي ببذل نفسه، لكنه لما نظر إلى الحسن والحسين عليهما‌السلام ورغبتهما على القتال، رأى أنّهما لو قتلا لانقطع نسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ...

 ولو سلّمنا عدم اعتماده بوفاء أكثر أصحابه، لكن 

(114)

قلقه على سبطي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وسائر أهل بيته كان حافزاً منطقياً لعدم شروعه بحرب مدمّرة جديدة».

إذ يوهم المؤلّف أنّ علياً عليه‌السلام إنّما قبل التحكيم للحفاظ على حياة سبطي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، وهو أمرٌ يكذبه الواقع التاريخي، نعم انّه كان ضنيناً عليهما ويحاول عدم إرسالهما إلى ساحات القتال، ولكن هذا لا علاقة له بقبول أصل التحكيم.

وكذلك نستغرب من كلام المؤلّف في ص 350 حيث قال:

«إنّ قبول التحكيم كان خطأ سياسياً كبيراً لايمكن تبريره، إذ كان بإمكان علي إيقاف الحرب مع معاوية، وكان بإمكانه الانسحاب عن الحرب من دون أي توافق، إنّ قبول التحكيم طبقاً لشرائط معاوية كان أسوأ اختيار».

ذلك أنّ الإمام عليه‌السلام ما كانت أمامه عدّة خيارات حسنة أو سيئة أو أسوأ حتى يختار أحدها، بل أُجبر عليه‌السلام على اختيار الحلّ الأسوء مع   علمه بخطئه ورغم تذكيره بذلك وبخدع معاوية، ولكن لم يصغ إليه أحد سوى ثلة من خلّص أصحابه الذين لا يتمكن محاربة العدو بهم. مضافاً إلى أنّ استمراره بالقتال كان يعني تفرّق الجيش عنه أو إلقاء القبض عليه وتسليمه إلى معاوية أو قتله من قبل بعضهم كما هدّدوه بذلك وانّهم سيفعلون به ما فعلوا بعثمان، فقبول التحكيم بهذا اللحاظ كان رأياً سديداً للحفاظ على وحدة الصف أمام العدو.

(115)

والخطأ العلمي الآخر الذي ارتكبه المؤلّف رغم وضوح الأمر وصراحة الأخبار، ما قاله في صفحة 353:

«روي أن علياً لما رأى تمزّق أصحابه، أنشد أبياتاً اعترف فيها بعثرته، وأنه لا يرى الاعتذار منها بل سيبذل جهده لتدارك الأمر وسيكون نبهاً فيما بعد».

وهذا واضح البطلان إذ إنّ علياً عليه‌السلام ـ كما قلنا ـ ما كان أمامه عدة خيارات فانتخب الأسوء منها ثم الآن بعدما تبيّن أن اختياره ذلك كان خطأ اعترف بعثرته وعزم على تدارك ما فات، فالأمر ليس كذلك بل ما كان أمامه إلاّ حالة واحدة وهي  قبول التحكيم والنزول عند رغبة أكثر أصحابه، والعجب من المؤلّف، إذ إنّه رغم تعليله لهذا الخبر بالتمريض ـ حيث نقله بلفظ: روي ـ لم يعلّق عليه بشيءٍ بل يمّر عليه مروراً كأنّه من المسلّمات رغم انّه علّق على بعض الأخبار التي لم تكن بتلك الأهمية.

قال المؤلّف في ص 372:

«إنّ قتل الخوارج في نهروان كان من أصعب الحوادث في فترة حكومة علي عليه‌السلام. هذا الأمر من وجهة نظر حكوميّة كان عملاً منطقياً وصحيحاً بل ضرورياً، إذ إنّ هؤلاء ثاروا ونقضوا بيعتهم وشقوا العصى في الأمة، وهدّدوا بإزهاق نفوس المسلمين حتى أقرباءهم 

(116)

الذين لم يلتحقوا بهم. أمّا عليّ فكان يميل إلى التوجّه نحو معاوية وإهمال هؤلاء ريثما ينتهي من أمر أهل الشام، ولكن مع هذا كان عدد الخوارج كثيراً، وعليّ ما كان يتمكّن من غض النظر عن احتمال هجومهم على الكوفة والسيطرة عليها بعد غيابه عنها، سيما وأنّهم قتلوا رسوله ممّا أدّى إلى عدم امكان مهادنتهم بأيّ وجه من الوجوه. وقد اضطر عليّ عليه‌السلام مرّة ثانية أن يستجيب طلب من كان يكره لقاء أهل الشام من أفراد جيشه يتجه نحو دفع شرّ الخوارج».

فعلى رغم هذا الاعتراف الصريح من المؤلّف بسوء صنيع الخوارج والتهديد الحقيقي المتوجّه من قبلهم نحو المسلمين، يلمّح المؤلّف بتخطئة عليّ عليه‌السلام في الإسراع إلى قتالهم وعدم التأنّي واحتوائهم؛ فيقول من صفحة 372 ـ 373:

«كان عليه أن يبذل قصارى جهده لأخذ البيعة منهم مجدداً حتى لو استدعى الأمر تأخير قتال أهل الشام، ولكن بلحاظ سوء خلقهم وافراطهم المانع من المصالحة، كان يبدو هذا الأمر عسيراً... ولكن الحوار الهادئ معهم كان قد يؤدّي إلى جلب حماية بعضهم تدريجاً لا كلّهم، كانت وظيفته الأولى إيجاد نوع وحدة 

(117)

جديدة بين قراء القرآن أو أبرزهم الذين كانوا من مدافعيه سابقاً. إنّ علياً أسرع إلى قتال معاوية الأمر الذي أجبره على اتخاذ قرار أعطى أثراً معكوساً حيث استعمل الشدّة والقوة أمام حلفائه سابقاً».

وأنت ترى أنّ كلام المؤلّف هذا مردود من عدّة جهات:

أولاً: اعترافه بقسوة القوم وشدة بطشهم وتكفير الأُمّة واستحلال دمائهم وأعراضهم، ثانياً: تهديدهم الواضح واحتمال شقّ العصى والهجوم عليه من الخلف وهو مشغول بتعبئة الوضع ضد معاوية، ثالثاً: إنّ علياً ـ كما اعترف المؤلّف ـ تعامل معهم بحلم بالغ ولم يقطع رواتبهم من بيت المال ولم يسمح لأحد بالتعرّض لهم، فكانوا يقاطعون علياً عليه‌السلام في خطبه بكل حرية ويناظروه ويناقشوه، وعندما انعزلوا في منطقة نصحهم كثيراً فأرسل إليهم الرسل فحذّرهم ووعظهم مراراً وتكراراً، فأيّ عذر أبلغ لعلي عليه‌السلام من هذا، وما عساه أن يفعل بهم من الحلم والصبر حتى يرضى به المؤلّف المحترم، وهل أبقوا عذراً لأحد بسوء صنيعهم وتوحّشهم؟!

ثم انّ موقفه عليه‌السلام أمامهم لا علاقة له برغبته الإسراع في حرب معاوية كما يحاول أن يصوّره المؤلّف، ليستنتج منه عدم التأنّي والتروّي من قبل علي عليه‌السلام أمامهم، وأنّه استعجل ولم يمهلهم كي يستهوي قلوبهم القاسية.

(118)

ابن عباس وأموال البصرة:

يتطرّق المؤلّف في ص 391 ـ 410 إلى حادثة ابن عباس وأموال بيت المال في البصرة، ويسرد الأقوال والأخبار المختلفة وربّما المتناقضة، كما يشير إلى آراء بعض المستشرقين ويناقشها.

يذهب المؤلّف إلى أنّ تلك الواقعة كانت بعد سقوط مصر بيد معاوية واستشهاد محمد بن أبي بكر، وقبل قتال الخوارج حيث أنّ علياً جعله أمير الحاج لتلك السنة، فلما أراد أن يذهب للحج خلّف مكانه أبا الأسود الدؤلي لإمامة الجماعة وزياد بن أبيه لأخذ الخراج، وقد حصل بين أبي الأسود وابن زياد مشاجرة في غياب ابن عباس، ممّا أدّى إلى انحياز ابن عباس نحو ابن زياد وعدم الاعتناء بأبي الأسود، وهذا العامل بدوره أدى إلى مكاتبة أبي الأسود أمير المؤمنين عليه‌السلام وتحذيره من التلاعب ببيت مال البصرة، وعلى ضوء هذه الرسالة كتب علي عليه‌السلام إلى ابن عباس كتاباً يطلب منه إرسال كشوفات حسابات بيت المال، وكانت هذه بداية الأزمة، وبدايات المكاتبات الواردة في كتب التاريخ وأنّ علياً هدّده بالانتقام وأخذ الحق منه، وأن ابن عباس عيّر علياً بإراقة الدماء للملك وما شاكل.

ثم يذكر المؤلّف رواية أبي الكنود، وذهاب ابن عباس إلى مكة وحماية قبائل هوازن وسليم وقيس ودفاعهم عنه وبذل الأموال من قبل ابن عباس؛ ويضعّفها تماماً ويقول في ص 395:

(119)

«وعلى أيـة حال كانت هذه مسرحية تمرّد ابن عباس لعليّ عليه‌السلام».

 ولكن المؤلّف مع تضعيفه لهذه الرواية يتمسك بباقي ما رواه ابو الكنود وغيره بهذا الشأن، ويسلّم بأصل القضية ولكن يؤوّلها بأنّهما اختلفا في أمر الفيء، وانّ الآية 41 من سورة الأنفال خصّصت سهماً من خمس الغنائم لآل البيت، وكان ابن عباس يرى نفسه مستحقاً لهذا السهم، فلذا أخذ منه حقّه واعترض على علي عليه‌السلام لتقسيمه الفيء بين الناس بالسوية.

والخلاصة إنّ المؤلّف لا يخرج من بين هذه المتناقضات بنتيجة واضحة رغم إذعانه بأنّ ابن عباس سرعان ما رجع إلى علي عليه‌السلام وكان معه قبيل هجوم ابن الحضرمي ـ من أعوان معاوية ـ على البصرة، واعترافه بعدم وجود شواهد عن كيفية المصالحة بين علي عليه‌السلام وابن عباس، وأنّ علياً عند خصومته لابن عباس لم يعزله عن ولاية البصرة، بل أرجعه إلى ولاية البصرة مرّة ثانية.

وفي الواقع أنّ هذا الإرباك في الأخبار عكس نفسه على مواقف المؤرخين تجاه هذه الحادثة، فمثلاً نرى انّ ابن أبي الحديد يتوقّف في الأمر ولا يقطع بشيء ويقول:

«قد أشكل عليّ أمر هذا الكتاب، فإن أنا كذّبت النقل وقلت هذا الكلام موضوع على أمير المؤمنين عليه‌السلام خالفت 

(120)

الرواة فانّهم أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه، وقد ذكر في أكثر كتب السير، وإن صرفته إلى عبد الله بن عباس صدّني عنه ما أعلمه من ملازمته لطاعة أمير المؤمنين عليه‌السلام في حياته وبعد وفاته، وإن صرفته إلى غيره لم أعلم إلى من أصرفه من أهل أمير المؤمنين عليه‌السلام والكلام يشعر بأنّ الرجل المخاطب من أهله وبني عمّه، فأنا في هذا الموضع من المتوقفين»(1).

أما السيد محمد تقي الحكيم ; فقد حاول الجمع بين الأخبار وقبول أصل الحادثة مع اعترافه بلحوق زيادات إليها فيما بعد، فقال:

«ومن الطبيعي أن نقول إنّ يده امتدت ـ لأيّ اعتبار ـ إلى بيت المال، فتجاوزت حدودها المرسومة من قبل الإمام عليه‌السلام، وإنّ أبا الأسود كتب بذلك إلى إمامه عليه‌السلام، والإمام كتب إليه مؤنّباً لأنّ الإمام لم يعوّد عمّاله السكوت على هناتهم وهم المسؤولون عن حفظ حقوق الناس. ثم دارت بينهما بعض المكاتبات انتهت بإرجاع ما اُخذ من مال ورضا الإمام عنه وأبقاه على موضعه بالبصرة»(2).

(121)

وهناك من يذهب إلى نفي هذه الواقعة من الأساس والحكم عليها بالوضع والاختلاق(1)، والشواهد تؤيد هذا الرأي إذ إنّ ابن عباس كان أخلص وأوفى لأمير المؤمنين عليه‌السلام وأعرف بالحلال والحرام من أن تصدر منه هذه الزلّة، مضافاً إلى سكوت الأخبار عن كيفية المصالحة بينهما رغم التهديد والوعيد الحاصل من علي عليه‌السلام تجاه ابن عباس، كقوله: «فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فانّك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرنّ إلى الله فيك، ولأضربنّك بسيفي الذي ما ضربت به أحداً إلاّ دخل النار»(2).

فهل تاب ابن عباس، أم أرجع الأموال، وكيف ومتى؟! كيف انمحت بهذه السرعة الكلمات النابية المتراشقة في المكاتبات وتحوّلت إلى ودّ ومحبة جديدة؟! كيف سلّطت الأخبار الأضواء على أصل القضية وسكتت عن كيفية رجوع ابن عباس وتداركه للأمر مع أنّه لا يقلّ أهمية عن أصل الواقعة؟ كيف لم يعزل علي عليه‌السلام ابن عباس عن ولاية البصرة شأنه شأن غيره من الخونة حيث كان يعزلهم الإمام سريعاً. مضافاً إلى الخلاف الموجود في تعيين زمن حدوث الواقعة.

هذه الشواهد ربما تؤيد مسألة عدم الاعتماد على تلك الأخبار

(122)

والحكم بوضعها، أو يقال أنّها كانت متوجهة لغير ابن عباس من سائر عمال أمير المؤمنين عليه‌السلام، فزاد فيها الخصوم وصرفوها إلى ابن عباس سيما في أيام الدس والوضع والتزوير الذي قام به معاوية ضد أمير المؤمنين عليه‌السلام وشيعته.

ثم إنّ المؤلّف ينهي هذا الفصل المتعلّق بحياة أمير المؤمنين عليه‌السلام بقوله ص 441:

«نعم إنّ طريقة حكم علي عليه‌السلام في زمن حياته ما كانت مستساغة عند أهل الكوفة. إنّ أصحابه الأوفياء الذين تربوا عنده في أخريات فترة حكمه، الذين ذهبوا إلى أنه أفضل المسلمين بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والوحيد الذي يستحق الحكومة على الناس، كانوا في أقلّية. انّ أهل الكوفة اختلفوا في علي أشد الاختلاف، والعامل الوحيد الذي أدّى إلى اتحادهم حوله كان عدم اعتمادهم على معاوية ومخالفتهم له ولأصحابه من أهل الشام. إنّ مكر الأمويين وسوء صنيعهم حوّل الأقلّية المدافعة عن علي عليه‌السلام إلى أكثرية». 

ثم يقول ص 442:

«بدأ أصحاب علي المتحمّسين بمدحه، وأضفوا عليه هالة من العصمة وأكسوه صفات أعلى من الصفات 

(123)

الطبيعية. الأوصاف التي لم تخطر ببال علي عليه‌السلام، لأنّه وإن ادعى ـ طبعاً بنوع من التبرير ـ أنّه أعلم بسنة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من كل الناس، وأنّه أوفى شخص للإسلام بعد رحيله صلى‌الله‌عليه‌وآله، لكنّه مع هذا كان عالماً تماماً بأخطائه البشرية، وكان يعترف بها ويسعى لتدارك ما فات، وبالنتيجة كانت هذه الصفات هي التي أسقطت حكومته من جهة، وأعلته أعلى مراتب التقديس في الإسلام من جهة ثانية».

نقول: إنّ مسألة العصمة التي تقول بها الشيعة شيء، ومسألة النجاح أو عدم النجاح الظاهري شيء آخر، والعصمة لم تأت لعلي عليه‌السلام من الهالة القدسية التي تصورها الشيعة لعلي، بل هي ملكة ربانية يمنحها الله تعالى لخلّص أنبيائه وأوليائه، وهذه العصمة ملكة نفسانية تخص النبي أو الوصي، وعليه فالأخطاء السياسية أو الاجتماعية أو العسكرية الحاصلة في فترة حكم علي عليه‌السلام لو صح سندها لا علاقة لها بعصمته أو عدم عصمته، إذ إنه عليه‌السلام مأمور بالعمل في المجتمع طبقاً للسياقات العامة وطبقاً للمصالح والمفاسد العرفية، فإقدامه على شيء أو إحجامه عن شيء آخر والنتائج المعكوسة في بعض الأحيان ترتبط جميعها بالواقع الاجتماعي الذي كان يعيشه عليه‌السلام والظروف التي كانت تحكمه، حتى أنّه عليه‌السلام اشتكى من ذلك وقال: «وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان حتى لقد قالت قريش إنّ ابن أبي طالب رجل 

(124)

شجاع ولكن لا علم له بالحرب»(1). ممّا يعني أنّ النواقص الحاصلة كانت جرّاء سوء صنيع القوم.

ومن جهة أخرى فانّ علياً عليه‌السلام ما كان مكلّفاً أن يقود المجتمع بالمعاجز والكرامات، حاله حال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في سلمه وحربه وحلّه وترحاله؛ حيث كان مأموراً باستخدام الطرق والآليات البشرية دون الغيبية.

مضافاً إلى أنّ مسألة العصمة من المباحث العقلية المدعومة بالأدلّة النقلية، وما ورد بخلافها إمّا أن يؤوّل إن كان قابلاً للتأويل أو يُطرح.

وعليه فلا وجه لما قاله المؤلّف المحترم من أن أمير المؤمنين عليه‌السلام كان معترفاً بأخطائه وبصدد تداركها، إذ إنّ ما ورد إما غير صحيح، وإمّا مؤوّل وله تفسير صحيح، وإما أن يكون ناشئاً من اقتضاء الظروف الاجتماعية حيث كان عليه‌السلام يضطرّ لاتخاذ قرارات يعلم أنّها غير صحيحة كما هو الحال في أمر التحكيم.

أما ما ربما يتمسّك به لإثبات عدم العصمة من قوله عليه‌السلام في نهج البلاغة: «فلا تكفّوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإنّي لست في نفسي بفوق أن اُخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلاّ أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به منّي»(2). فجوابنا عنه ما يأتي:

(125)

1ـ كان هذا لاستصلاح الناس وتأليف قلوبهم، كما يدلّ عليه صدر الخطبة، إذ إنّه خطبها بصفين وذكر فيها حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي، فنهض بعض أصحابه وأكثر الثناء عليه، فقال عليه‌السلام في جوابه تواضعاً واستصغاراً لنفسه:

«إنّ من حقّ من عظم جلال الله في نفسه، وجلّ موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه... وإنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظنّ بهم حب الفخر، ويوضع أمرهم على الكبر... فلا تثنوا عليّ بجميل ثناء... فلا تكلّموني بما تكلّم به الجبابرة، ولا تتحفظوا منّي بما يتحفّظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنّوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس إعظامٍ لنفسي... فلا تكفّوا عن مقالة بحق...».

فأنت ترى أنّ جميع هذه الألفاظ تنبئ عن التذلّل وكسر جماح النفس وهي تعليم ودرس للولاة والأمراء من باب إياك أعني واسمعي يا جارة، ويؤيّده ما ذكره في ذيل الخطبة: «فإنّما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره... فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى، وأعطانا البصيرة بعد العمى». ومن المعلوم أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام لم يكن ضالاً طرفة عين إذ انّه أوّل من أسلم ولم يشرك بالله طرفة عين ولم يكن من أصحاب الغواية والعمى، وهذا يؤكّد ما قلناه من أنّ كلامه يحمل محمل: «إيّاك أعني واسمعي يا جاره».

(126)

2ـ هذا الكلام يدلّ على أنّ أمير المؤمنين صلى‌الله‌عليه‌وآله نفى عن نفسه الاستقلالية بالعصمة، ولذا قال: «لست في نفسي» والعصمة أمر إلهي وفيض رباني وعناية إلهية، وليست أمراً كسبياً حتى يأخذها بعضٌ ويذرها آخرون.

قال الشيخ المفيد في تعريف العصمة: «لطف يفعله الله بالمكلّف بحيث يمتنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليها»(1). فأمير المؤمنين صلى‌الله‌عليه‌وآله نفى عن نفسه هنا الاستقلال بالعصمة. فكلام المؤلّف المحترم في نسبة الخطأ إلى علي صلى‌الله‌عليه‌وآله في غير محلّه وناشئ من نظرته الدنيوية في تفسير وتحليل المفردات التاريخية وسلوك المعصومين:، ولو دقّق النظر في المباني الكلامية لدى الإمامية لما تفوّه بكلامـه ذاك.

***

(127)
(128)

الخاتمة: الإمام الحسن عليه‌السلام

 

بعدما ينتهي المؤلّف من ذكر سيرة الخلفاء الأربعة، يعقد فصلاً آخر في ص 443 باسم الخاتمة وبعنوان: «رجوع النظم إلى المجتمع وتشكيل الملوكية الجائرة».

ويستهلّ كلامه بأنّ الناس استخلفوا الإمام الحسن عليه‌السلام بعد أبيه من دون كلام وقيل وقال، ثم يقول:

«إنّ علياً ـ وربما استناناً بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ ما كان راغباً بتعيين خليفة له في حياته، ولكن أفصح عن عقيدته الراسخة مراراً من أنّ أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله هم الذين يستحقون الخلافة حصراً، وكانت وصيته للحسن تنبئ عن رأيه الصريح هذا».

ومن الواضح أنّ المؤلّف انتهج هنا نهج أهل السنة واستقى من مصادرهم، ولو راجع مصادر الشيعة والأدلّة العامة والخاصّة التي أقامتها الشيعة على الإمامة والأئمة فرداً فرداً، لما تفوّه بكلامه هذا ولما 

(129)

أرسله إرسال المسلّمات، بل كان عليه أن يذكر رأي الشيعة أيضاً ويشير إلى أدلّتهم.

ثم بعد هذا يحاول المؤلّف في ص 444 مرّة ثانية التذكير بوجود خلاف منهجي بين الإمام الحسن عليه‌السلام وأبيه علي عليه‌السلام ويقول:

«إنّ الإمام الحسن عليه‌السلام رغم طبيعته المسالمة والهادئة ما كان يشك في عدالة أعمال علي عليه‌السلام، ولكن ما كان يستسيغ بعض أعماله العسكرية وقد ينتقده صراحة».

وأنت تعلم أنّ هذا الكلام مجرد دعوى لم يقم المؤلّف عليه بشاهد حتى نناقشه في سنده ودلالته، ثم إنّ علياً كان معصوماً وهذا ما كان يعترف به الإمام الحسن عليه‌السلام فكيف يُعقل أن يخطّئ أباه المعصوم، ثم انّ كون طبيعة الإمام الحسن عليه‌السلام كانت مسالمة أوّل الكلام، فلو كانت كذلك لما استعد لقتال أهل الشام ولما عبّأ الجيوش ولما حضر قبل ذلك ساحات القتال مع أبيه ولما أصرّ عليه بالقتال. وإنّما هادن عليه‌السلام بعدما أُجبر على ذلك وبعدما فرّق معاوية جيشه بالخدع والتطميع والتهديد.

وكذلك سائر ما سرده المؤلّف من أنّ الإمام الحسن عليه‌السلام كان منحازاً إلى زوج خالته عثمان، وكان يمدح وضعه الأرستوقراطي، وبغضه لإراقة الدماء، كما اعتقد بلزوم قيام علي عليه‌السلام لنصرة عثمان بشكل جاد كما كان خائفاً من سياسات علي عليه‌السلام في مخالفته للسنن والتقاليد الجارية وخلافه مع أكثر قريش واستمرار القتال الداخلي، 

(130)

كلّ هذه الأمور عارية عن الصحة واستنتاجات خاطئة من بعض الأخبار والمرويات الضعيفة أو المؤوّلة.

إنّ المؤلّف بنى شاكلته الفكرية منذ البداية ـ بالاعتماد على المصادر السنية والروايات المتعارضة ـ على أنّ الإمام الحسن عليه‌السلام كان كارهاً للقتال،  وأنّ شخصيته الطبيعية كانت تأبى ذلك، ولذا فسّر جميع الحوادث طبقاً لهذا المبنى، وعليه لا نستغرب منه لمّا يقول انّ الحسن تعمّد في تولية عبيدالله بن عباس بدل قيس بن سعد أو سعيد بن قيس، كما لم يطلب من عبد الله بن عباس ـ المحرّض للقتال ـ بالالتحاق به من البصرة، لأنّه ما كان يريد القتال منذ البداية بل كان يبحث عن المصالحة، ولو راجع المؤلّف المحترم الكتب التحليلية الشيعية المؤلّفة بهذا الخصوص لما توصّل إلى هذه النتائج المجانبة للحق، إذ إنّ الأئمة: لا يختلفون عن بعضهم الآخر وكلّهم نور واحد، وإنّما تملي الظروف المكانية والزمانية عليهم اُموراً تلجئهم إلى اتخاذ قرارات ربما تُحمل محامل اُخر، ولكن الواقع أنّ هدفهم جميعاً واحد وهم كما قال السيد الشهيد الصدر;: «وحدة هدف وتعدّد أدوار».

نحن ننطلق في تفسير وتحليل هذه المواقف والأدوار من منطلقات كلامية عقدية تعتمد على ركائز العصمة وعلم الغيب والوظيفة الإلهية والولاية التكوينية وما شاكل، هذه هي الخلفية الفكرية التي نعتمد عليها في تفسير ما يتعلّق بالأئمة: من إقدام وإحجام، ولذا لا نتوافق مع كثير ممّا يعتمده المؤلّف في سرد الوقائع 

(131)

وتحليلها، ولبسط الكلام مجال آخر لا تستوعبه هذه العجالة.

ثم يشرح المؤلّف في ص 469ـ 470 استشهاد الإمام الحسن عليه‌السلام ويقول:

«إنّ سرور معاوية من استشهاد الحسن عليه‌السلام كان بسبب زوال السد المستحكم أمام ترشيح يزيد لولاية العهد. والحسن عليه‌السلام وإن كان لا يشكّل خطراً بالفعل لمعاوية إذ لم يكن بصدد أخذ الخلافة واستردادها لنفسه، ولكن كثيراً من المعترضين الذين كانوا في عذاب وبلاء من استبداد الأمويين لم ينسوا أنّ معاوية وافق على استخلاف الحسن عليه‌السلام لما بعده، وانّ الحسن أوكل أمر الاستخلاف إلى الشورى. هذه الأوضاع والشرائط تدلّ على صحة الروايات الدالّة على أنّ الحسن عليه‌السلام سُمّ بيد زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس وبإيعاز من معاوية. وهذه الروايات ـ كما يقال ـ لم يتفق عليها الشيعة فحسب بل رواها وأيّدها المؤرخون السنة أيضاً أمثال الواقدي والمدائني وعمر بن شبّه والبلاذري وهيثم بن عدي. وقد روى أبو بكر بن الحفص بن عمر ـ من أحفاد سعد بن أبي وقاص ـ وروى كذلك عروة ابن الزبير ـ من رواة السنة المدنيين المعروفين ـ أنّ الحسن عليه‌السلام وسعد بن أبي وقاص توفيا معاً وبأيّام قلائل 

(132)

بعد عشرة أعوام من حكم معاوية، واعتقد الناس أنّ معاوية سمّهما. انّ الطبري لم ينقل هذه الرواية لا لأنّها غير معتبرة، بل لأنّها ـ كما قال لامنس ـ تُضّر بإيمان عوام الناس بحسب زعمه».

ثم يذكر المؤلّف النزاع الحاصل في دفن الإمام الحسن عليه‌السلام عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وممانعة مروان وعائشة عن ذلك، واستقرار الأمر في دفنه بالبقيع بحسب وصيته الناصّة على عدم النزاع في مكان دفنه وعدم إراقة الدماء.

 

معاوية:

يذكر المؤلّف في ص 463ـ 464 انّ عام 41هـ سمّي عام الجماعة حيث اتحد المسلمون تحت خلافة واحدة وتركوا النزاع والقتال، ولكن مع هذا يعتقد أنّ المجتمع لم يرجع إلى ما كان عليه في فترته الأولى ويقول:

«لم تعد الإخوة الإسلامية المطلقة، ورعاية حرمة دم المسلمين الذي وضعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى حالتها الأولى، ولم يلتئم الشقاق والنفاق الذي ولّده الحرب بعد بل اشتد وتفاقم، واستمر حكم الأمويين الذي أخذ شرعيته ـ على ما قال ولهاوزن ـ من ادعاء الثأر بدم 

(133)

عثمان؛ من خلال حرب المسلمين مع المسلمين، وإثارة سوء الظن وعدم الاعتماد والنفرة والنزاع المستمر، حيث دامت بالاستبداد والضغط... لقد تغيّرت اُسس الخلافة وانقلبت سنة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله تماماً، وقد نسبوا إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله هذا التنبؤ القائل بأنّ الخلافة ثلاثون سنة وتكون بعدها ملكاً عضوضاً...

لقد أصبح الخليفة مساوياً ونظيراً لإمبراطور الروم الشرقية. إنّه حاز لنفسه جميع الأملاك الخالصة التي فتحها الجنود في الحرب. كان هو الحاكم والمسلمون رعيته وله الحكم المطلق على حياتهم وموتهم. كان يرى نفسه أعلى من الشرع والقصاص لذا كان يقتل كلّ من يحّس منه خطراً على ملكه. وبنظرة شمولية نرى أنّ الدولة هي التي كانت تحكم الإسلام، كما حدث قبل ثلاثة قرون في استبداد الروم الشرقية حيث سيطرت على المسيحية وخنقت الروح السلمية الدينية وجعلتها أداة للسلطة والقمع، فالدولة الإسلامية آنذاك صنعت بالإسلام نفس الصنيع حيث خنقت روح الاخوة في المجتمع الإسلامي وجعلتها أداة للسلطة والقمع الاجتماعي وإلقاء الرعب... إنّ الناس عندما كانوا يرون وجه رجل حيّال ومنفور يدّعي أنّه خليفة الله في 

(134)

الأرض، يتذكرون جليّاً ما نسب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من قوله: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه».

وقال في صفحة 474:

«إنّ معاوية بعدما أصبح الحاكم المطلق للعالم الإسلامي صنع في فترة حكمه ـ ولأجل الوصول إلى الأموال وتوسيع نطاق قدرته واستحكام ولاية عهد ابنه المنفور ـ جميع أنواع المكر والحيل وإعطاء الرشى والظلم وإيجاد الرعب والخوف وقتل المسلمين. إنّ حكومته التي خلت من الشرعية الإسلامية جعلت ادعاء الثأر بدم الخليفة المظلوم عثمان مستمسكاً لشرعيتها، وقد أصبح لعن علي عليه‌السلام في خطب الجمعة ضرورة ملحّة دامت 60 سنة... وفي مراسم الحج ذهب الخلفاء إلى أن من السنّة في يوم عرفة لعن علي عليه‌السلام... إنّ مروان ـ معمار الحكم الملوكي الأموي ـ كان عارفا ًبأهمية لعن علي عليه‌السلام كأداة لدوام الحكم، فلذا قال لعلي بن الحسين عليهما‌السلام ـ حفيد عليّ ـ بشكل خاص: ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا من صاحبكم، قلت: فما بالكم تسبونه على المنابر؟ قال: انّه لا يستقيم لنا الأمر إلاّ بذلك(1).

(135)

إنّ لعن علي عليه‌السلام علناً في الكوفة كان بصالح معاوية، إذ كان يأمل جراء ذلك العثور على من يخالف الحكم الأموي وقتله، وقد أوصى للمغيرة: ولا تترك شتم علي وذمه والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب لأصحاب علي والإقصاء لهم والإطراء بشيعة عثمان والإدناء لهم»(1).

ثم إنّ المؤلّف يذكر حكاية قتل حجر بن عدي بأمر معاوية، والخلافات التي كانت بينه وبين مروان حتـى عزلـه عن إمارة المدينـة وهو أمرٌ أغضب مروان.

وبعد هذا يوجز المؤلّف الكلام ويذكر نبذة مختصرة عن خلافة مروان وموته وينهي كتابه القيّم رغم وجود بعض الملاحظات حوله، والتي أشرنا إليها في طيات كلامنا ونقدنا له.

ثم ينهي المؤلّف كتابه بذكر بعض الملاحق المتعلّقة بدفن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وإرثه، أولاد وأزواج عثمان، أولاد وأزواج الإمام الحسن عليه‌السلام وينفي عنه تهمة تعدّد الزواج والطلاق، الأراضي الخالصة في العراق زمن عمر، تأمّلات حول المصادر المتعلّقة بفترة حكم عثمان، وأخيراً موسى بن طلحة والأمويون.

***

(136)

لقد قام بترجمة أصل الكتاب من الإنجليزي إلى الفارسي كل من: أحمد نمائي، جواد قاسمي، محمد جواد مهدوي والدكتور حيدر رضا ضابط.  عدد صفحات الكتاب (603) صفحة، وعنوان الكتاب باللغة الانجليزية:

The Succession to Muhammad a smdy of the early caliphate

ونحن في نقدنا وتحليلنا قد اعتمدنا النسخة الفارسية وترجمنا النصوص إلى اللغة العربية.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين..

(137)
(138)

المصادر والمراجع

 

  1. معالم التنزيل، البغوي، تحقيق: خالد عبدالرحمن، دار المعرفة ـ بيروت.
  2. صحيح البخاري، طبع عام 1401هـ، دار الفكر.
  3. صحيح مسلم، دار الفكر ـ بيروت.
  4. فتح الباري، ابن حجر، دار المعرفة، بيروت.
  5. تاريخ الطبري، محمد بن جرير، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
  6. السيرة النبوية، ابن هاشم، الطبعة الثالثة 1431هـ، دار صادر ـ بيروت.
  7. البداية والنهاية، ابن كثير، الطبعة الأولى 1408هـ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
  8. الطبقات الكبرى، ابن سعد، دار صادر، بيروت.
  9. الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري، تحقيق طه محمد الزيني، مؤسسة الحلبي وشركائه.
  10. الكامل في التاريخ، ابن الأثير، طبع عام 1386هـ، دار صادر، بيروت.
  11. نهج البلاغة، الشريف الرضي، تحقيق هاشم الميلاني، العتبة العلوية المقدسة.
  12. المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري، تحقيق يوسف المرعشلي.
  13. خلافة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله، ولفرد مادلنج، الآستانة الرضوية المقدسة، إيران.

***

(139)
(140)

فهرس المحتويات

 

في البدء٥

تمهيد٧

مقدمة المؤلف٩

حقوق القرابة وأسرة الأنبياء في القرآن١٤

أبو بكر خليفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والخلافة القرشية٣٧

عمر: الكفاءات الإسلامية، الشورى والامبراطورية العربية٦٩

عثمان.. بداية حكم بني عبد شمس٨٩

الإمام علي عليه‌السلام وردة فعل بني هاشم تجاه خلافة قريش٩٩

فتنة الخوارج١١٣

ابن عباس وأموال البصرة١١٩

الخاتمة: الإمام الحسن عليه‌السلام١٢٩

معاوية١٣٣

المصادر والمراجع١٣٩

(141)
يهدف المؤلف الى دراسة جذور الخلافة الاسلامية منذ نشأتها الاولى بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقسيم المسلمين الى شيعة وسنة،ويذهب الى ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينص على احد بالخلافة،لكنه وبالاستناد إلى آيات قرآنية كثيرة يستنتج أن المفهوم من هذه الآيات الدالة على توارث النبوة والخلافة في الانبياء السابقين،لزوم تولي علي للخلافة،ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يمهله الأجل لإعلان ذلك،وعليه يخالف الرأي السائد عند المستشرقين من ان انتخاب أبي بكر للخلافة كان هو الانتخاب الطبيعي للمسلمين. ثم يسلط الضوء في عدة فصول على حياة كل خليفة،وينتهي الى تأسيس الملوكية الجائزة من قبل معاوية،ويلحق في نهاية الكتاب مجموعة ملاحق تخص التاريخ الاسلامي في الصدر الأول،من قبيل دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإرثه،ومسألة أولاد وأزواج الإمام الحسن (عليه السلام) ، وكذلك عثمان،وغيرها من الملاحق المفيدة.... المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية www.iicss.iq islamic.css@gmail.com رقم الاصدار (11)