النبي محمد (ص) في مؤلفات مونتجمري وات، عن السيرة النبوية دراسة تحليلية مقارنة

النبي محمد (ص) في مؤلفات مونتجمري وات، عن السيرة النبوية دراسة تحليلية مقارنة

تأليف

ماهر جواد كاظم الشمري

المقدمة

نطاق البحث واستعراض  المصادر والمراجع

أولاً: نطاق البحث

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الأنام السيد الأمين أبي القاسم محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين وبعد:

الروعة والجمال أن نخوض الخوض في معترك الدراسات الاستشراقية، لا سيما تلك التي تناولت سيرة الرسول محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  بالدراسة والنقد والتحليل، لما فيها من فوائد جمّة، فهي توقف القارئ اللبيب على أساليب المستشرقين في تناول القضايا الإسلامية الحساسة وبالذات سيرة الرسول محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  في كل محطاتها، وترسم لنا كيفيّة اعتمادهم على مناهجَ علميّةٍ منقوصةٍ، وهي بذلك تكشف عن أساليب ووسائل علميّةٍ مقصودةٍ كان الغرضُ منها تزييف مسار الحقيقة العلمية التاريخية وتزويرها وحجبها عن شعوب المنطقة وشعوبهم. ذلك المنهج الذي انبنى بشكلٍ أساسيٍّ على دراسة الشرق في طريقة ونمط تفكيره ومعيشته ودياناته المختلفة خاصة الديانة الإسلاميّة. وجسدت الدراسة تطرف كثيرٍ من الغربيين في اعتماد المنهج المادي والبيئي في تفسير حوادث التاريخ بعيداً عن تأثير السماء، والذي يكون ربما ردّة فعلٍ لهيمنة وسطوة الكنيسة على المجتمع الأوروبي واحتكارها تفسير النص الديني والتاريخي.

لقد تضمنت دراسات المستشرقين اعتمادهم على رواياتٍ إسلاميّةٍ متهافتةٍ لا يعَوّل عليها عند جمهور المسلمين، لما فيها من إساءةٍ واضحةٍ للرسول (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  وأهل بيته. ولقد اختلفت دوافع المستشرقين في ذلك فتراوحت بحسب المدارس الاستشراقية بين الدوافع العلميّة والدينيّة والدوافع السياسية والاستعمارية، حيث ساهمت بمجموعها في تشكيل صورةٍ غير حقيقيّةٍ وغير منصفةٍ للرسولn، وبشكلٍ أو بآخر في التوجيهات الدينية والسياسية في إطارٍ يطمح إليه الغرب في صراعه الأيديولوجي مع الإسلام، وتجلى ذلك واضحاً بعد نجاح الرسول (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  في تأسيس دولته، وتحويل العرب من مجرّد قومٍ يسكنون الصحراء إلى قوّةٍ عربيّةٍ إسلاميّةٍ فاعلةٍ على مستوى التأريخ ظهر ذلك على سبيل المثال لا الحصر من خلال تغلبهم على أقوى دولتين؛ هما الدولة البيزنطية والساسانية، وإيصال الإسلام إلى المشرق والمغرب وتأسيس دولةٍ عربيّةٍ إسلاميّةٍ في الأندلس، ووصول الدولة العثمانية أيام سليمان القانوني[1]  إلى أسوار فيينا[2]؛ ما أشعر الغرب بالخطر السياسي والفكري، فتسارعوا إلى تأسيس مدارس أخذت على عاتقها دراسة الفكر والتراث والتاريخ العربي والإسلامي، تمهيداً لإيجاد نقاط ضعف وثغرات (حسب تفسيرهم) للرد على العرب والمسلمين، ومجابهة قوتهم المتنامية فكريًّا وثقافيًّا، ومحاولة إيقاف عجلة التقدم والتوسع والانتشار الذي شمل العالم أجمع.

اختلفت كتابات المستشرقين بين الإنصاف والتجنّي وهو نتيجة التفسير والفهم المختلف للحدث التاريخي وانعكاساته، فبعضهم أنصف وبعضهم حاول ليّ ذراع الحقيقة معتمداً في ذلك على إيمانه المتطرف ومتكئاً على الروايات الإسلامية الضعيفة التي تُحقّق مراده رغم أنّ الأسس التوحيديّة لكلّ الديانات السماويّة واحدة لكونها تعود إلى مصدرٍ واحدٍ وتدعو لإلهٍ واحدٍ، وقد ورد دليل ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى: ]إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا[[3].

إنّ سيرة العظماء وأعظمها سيرة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  تُعتبر حافزاً كبيراً ومنهجاً قوياً يسير عليه طلاب العلم وينهجون به الصراط المستقيم، حيث تعدّ دراسة سيرة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  جزءًا من العبادة التي يتقرب بها العبد إلى ربّه، لأنّ حياة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  بذلٌ وعطاءٌ وصبرٌ وجدٌّ واجتهادٌ ودأبٌ في تحقيق العبودية إلى الله. ولهذا احتلت السيرة النبويّة مركز الصدارة في الدراسات التاريخيّة والإسلاميّة كونها مرحلة انبعاث النور والسلام والإنسانيّة والتشريع من أشرف بقاع الأرض وهو بيت الله الحرام إلى العالم كافة.

ولمكانة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  ودوره البارز في أصقاع المعمورة، اهتم المسلمون الأوائل بتدوين سيرته العطرة منذ الولادة مروراً بكلّ مراحل حياته، وتركيزاً على مرحلة البعثة النبوية بدوريها المكي والمدني، وبعد ذلك تزايد اهتمام الباحثين في إشباع السيرة النبوية بالدراسة والبحث بعناوين شتّى، وشاركهم بهذا الاهتمام عددٌ كبيرٌ من المستشرقين المنتمين إلى مدارس كثيرة ومختلفة بالبحث والتدقيق؛ رغبة منهم لمعرفة سرّ عظمة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  وسموّ خلقه وسرعة انتشار دينة القويم. 

نظراً لأهمية الدراسات الاستشراقية وأبعادها الدينية والسياسية والفكرية، كان لا بد لنا من إعادة النظر في دراسة المستشرقين للتاريخ الإسلامي، ولا سيما التي تبلورت واهتمت بدراسة شخصية النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  وسيرته الغراء؛ لكشف الملابسات وإماطة اللثام عن الكثير من الطروحات الخطيرة والمكذوبة على النبي (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم). ولعلّ في مقدمتها مؤلفات مونتجمري وات.

اقتصر الباحث في دراسته هذه على ثلاثة مؤلفات لمونتجمري وات اختصت بالنبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  وهي: (محمد في مكة، ومحمد في المدينة، ومحمد النبي ورجل الدولة)، وهي أول مؤلفات وات، ولكونها ضخمةً وجامعةً وشاملةً نوعاً ما لسيرة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  فقد احتوت بين أوراقها معلومات شتّى وآراء متعدّدة تستحق الدراسة والردّ عليها، ولم نقف على باقي مؤلفاته لكونها أعطت عنه صورةً مختصرةً واحتوت على آراءٍ مشتّتةٍ ومكرّرةٍ، وتناولت الأفكار عن السيرة النبوية والقرآن بشكلٍ جزئيٍّ، جاء بعضها في العقيدة الإسلامية وانتشار الإسلام وأخرى في التاريخ. لذا وجدنا من المناسب الاعتماد على الكتب المذكورة أنفاً كمادةٍ لدراستنا، والتي امتازت بكونها أكثر شموليّةً من أغلب المؤلفات الاستشراقية التي تناولت سيرة الرسول (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  بالدراسة والتحليل، ولاحتوائها على آراءٍ فيها كثيرٌ من التجنّي على أفضل البشريّة الرسول الكريم (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)، ولأننا لم نقف على دراسةٍ أكاديميّةٍ مستقلّةٍ تناولت الرسول (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  في ضوء مؤلفات وات، سوى تلك التي قامت بمقارنة آرائه مع مستشرقين آخرين، ونذكر منها: "الاستشراق في السيرة النبوية (دراسة تحليلية لآراء وات وبروكلمان وفلهاوزن)" رسالة ماجستير محمد عبد الله النعيم جامعة الخرطوم المعهد العالي للفكر الإسلامي 1994م، و "السيرة النبوية في فكر مونتجمري وات وكارين آرمسترونج دراسة تحليلية تقويمية" رسالة ماجستير رائد محمد عبد الوهاب أبو ريه جامعة الأزهر كلية أصول الدين والدعوة بطنطا. لذا تم اختيار هذا الموضوع، والموسوم ب: (صورة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  في مؤلفات المستشرق مونتجمري وات دراسة تحليلية مقارنة) بعد التشاور مع الأستاذ المشرف أ.د عادل إسماعيل خليل.

والجدير بالذكر أنّ السيرة النبوية تعني مجموعة الأفكار التي طرحها وات في مؤلفاته عن الرسول الكريم محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  سواءً أكانت إيجابيّةً أم سلبية، وهي شاملةٌ لحقبةٍ زمنيّةٍ امتدّت بين (570 – 632م) أي مدّة حياة الرسولn من ولادته إلى وفاته.

اقتضت منهجيّة الأطروحة أن توزع إلى مقدمةٍ وخمسة فصولٍ فضلاً عن خاتمة تضمنت أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة، وجاءت الدراسة متفاوتةً في عدد صفحات الفصول حسب ما اقتضته متطلبات كلّ فصلٍ أو مبحثٍ. فتناولنا في الفصل الأول والذي وسمناه ب: (الاستشراق في لمحةٍ تاريخيّةٍ) وتم التعرف فيه على الاستشراق في اللغة والاصطلاح، ومراحل نشأة الاستشراق والدوافع التي تقف وراءه، وقدّمنا فيه نبذةً مختصرةً عن أبرز أعلام مدرسة الاستشراق البريطاني ودورهم، ثم بيّنا سيرة حياة المستشرق البريطاني مونتجمري وات ونشأته من الولادة حتى الوفاة مروراً بمراحل تعليمه الأكاديمي والعقائدي في الكنيسة، والمناصب الإدارية التي شغلها، مع دوره الأكاديمي ومؤلفاته، ثم أوضحنا موارده ومنهجه في كتابة السيرة النبوية.

أما الفصل الثاني فكان تحت عنوان: (حياة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  قبل البعثة في مؤلفات وات) فقد كُرس لدراسة سيرة الرسول محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  حسب التاريخ الزمني لحياته وما قدمه المستشرق وات من آراءٍ نوافقه الرأي في بعضها ونخالفه في البعض الآخر. وبدأنا باسم النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  ونسبه الشريف، ثم ذكرنا أسرته وموقف وات من بني هاشم، وكان لمرحلة الطفولة نصيبٌ في البحث من الولادة ومروراً بالرضاعة وما حدث له من شق الصدر، وبيّنا عمله في التجارة، وتناولنا حياة النبي (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  واقترانه بالسيدة خديجة$ برابطة الزواج ومواقفها معه قبل البعثة وبعدها، مبينين دور النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  في الحياة العامة على الرغم من صغر سنّه، واشتراكه بحرب الفجّار مع أعمامه، وحضوره حلف الفضول، وتقديم الحل في فض النزاع بين القريشيين برفع الحجر الأسود، ومشاركته في بناء الكعبة المشرفة (بيت الله الحرام).

أما الفصل الثالث فقد وسمناه ب: (دعوة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  في مكة)؛ إذ سلط الأضواء على دور النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  في أهم المراحل التي مرّت بها الدعوة الإسلاميّة بشقيها السري والعلني فشهدت بزوغ نور الإسلام ودحر الشرك والوثنية، ابتداءً من مرحلة إعداد النبي محمدn لتحمل عبء النبوة في العزلة والتحنث بغار حراء وما قيل من آراءٍ في تلك العزلة. ومن المسائل البارزة التي سلطنا عليها الضوء في هذا الفصل وكان لها نصيبٌ في التحليل والاستنتاج، هي مسألة أميّة النبي محمدn، أم أنه كان يقرأ ويكتب أسوة بأقرانه من الأنبياء الذين سبقوه، وتناولنا أهم مواضيع إثبات النبوة المتمثل بنزول الوحي على النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  وتبليغه بشريعة السماء التي حاول وات إنكارها، كذلك شبهة الآيات المعترض عليها والتي تعرف بالآيات الشيطانية التي يؤيدها وات، كما أضاء هذا الفصل على حزمةٍ من الحوادث التي رافقت الدعوة في العهد المكي ابتداءً من المعارضة التي تزعمها عددٌ كبيرٌ من أسياد قريش وموقف وات منها، أيضاً تم التطرق إلى هجرة المسلمين إلى الحبشة وكيف اعتبر أنّها بدافعٍ ماديٍّ، وحصار قريش للمسلمين في شعب أبي طالب الذي انتهى بمعجزةٍ أخبر بها الله النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  كعلامةٍ لمشركي قريش حتى يؤمنوا بنبوته لكنّ وات  تجاهلها، وكذلك تمت الإشارة إلى خروج النبي إلى الطائف لتصدير الدعوة الإسلامية خارج مكة على الرغم من عدم تقبل زعماء الطائف لها فقد سعى إلى عقد بيعة العقبة مع الأوس والخزرج لنشر الدين الإسلامي في يثرب التي صارت في ما بعد مدينة رسول اللهn ومقراً لحكومته.

وبينّا في الفصل الرابع والذي عنوناه بـ: (دعوة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  في المدينة: الجوانب السياسيّة والعسكريّة) المرحلة الانتقالية بين العهد المكّي والمدني، لكونها أهمّ المراحل في تاريخ الدعوة الإسلامية، إذ إنّها نقلت الدعوة من طابع الضيق والمواجهة المباشرة مع أنصار الدين الجديد في مكة، إلى طابع الدولة المدنية، وتبلور مؤسساتها الإدارية، وابتدأ الفصل بالهجرة إلى يثرب التي أصبحت المدينة المنورة بعد أن وطأتها أقدام الرسول (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  وقام ببناء المسجد النبوي الشريف الذي أصبح علامةً مميّزةً لنشأة المدينة الإسلاميّة، ثم تبعه وثيقة المدينة وهي الدستور الذي كتبه النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  وبيّن فيه علاقة المسلمين مع سكان المدينة وما لهم من واجباتٍ وما عليهم من حقوق وحدد العلاقة بين المسلمين مع بعضهم البعض، وكذلك علاقة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  مع اليهود من بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع، وإبرام الموادعة معهم إلاَّ أنهم أنكروا ذلك وأنزل بهم العقاب، ولتوسيع دائرة الإسلام اتصل النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  بالقبائل العربية التي حجّمها وات بالجهة الشمالية والتي كانت في الواقع تشمل الجهات جميعها في شبه الجزيرة العربية، وتوسيع الدور الذي اضطلع به النبيn إلى أوسع من ذلك فبعث الرسل إلى ملوك الدول لإعلامهم بدين الإسلام ونشره، وبعد أن أصبح الإسلام قوّةً سياسيّةً ودينيّةً في شبه الجزيرة العربية جاءت الوفود معلنةً إسلامها طواعيةً. هذا ما دفع وات إلى التشكيك به وتحجيم دوره، ثم أخذ وات يرسم صورةً مسيئةً للنبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم      إذ صوره بصورة الغازي المعتدي على الآخرين، وخلط بين فكرة الغزو عند العرب قبل الإسلام، وفكرة الجهاد في سبيل الله التي دعا إليها الإسلام، وبالتأكيد فإنّ هناك فرقاً كبيراً بين الفكرتين، التي يمكن لأيّ منّصفٍ الفرز والتفريق بينهما، فكيف بك مع مفكّرٍ ومؤرّخٍ ينتهج هذا النهج، إلاَّ إذا كان بعيداً عن الانصاف قاصداً الإساءة لشخص الرسول (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)، بعيداً عن الصفات التي ينبغي على المؤرخ أن يتصف بها، نافثاً سمومه بلسان قلمه التي اِستخدمها انتصاراً منه لعقيدته وتوجهه.

أما الفصل الخامس والذي ثبتناه بعنوان: (دعوة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  في المدينة الجوانب الاجتماعية والتشريعية) فقد اختص بالأعمال التي قام بها النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم) بعد وصوله المدينة، وفي مقدمتها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ليتكفل بمعيشة ومؤانسة المهاجرين، ويخفّف عنهم هموم الفقر والغربة، إذ جعل بموجبها أخوّة الدين بدل أخوّة الدم. أمّا زيجات النبي (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم) المتعددة فقد وقف منها وات بحياديّةٍ وفسرها بدافعٍ واحدٍ سياسيٍّ لكي يصور النبي (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  بصورة رجل السياسة الذي لا يهمه سوى تحقيق طموحاته السياسية متجاهلاً الدوافع الأخرى سواءً الإنسانية منها أو الدينيّة أو الاجتماعية أو غيرها. ثم تطرق وات إلى الفترة الأخيرة من حياة النبي (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  وإنتهاء مهام النبوة وهي مرحلةٌ ليست بالبسيطة ولا تغيب عن حسابات النبي (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم) إلا أن وات تجاهل جوانب عدّةٍ منها. وهنالك الكثير من الصفات الخلقية والأخلاقية للنبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  تناول وات قسماً منها بحياديّةٍ وأخرى بالطعن وغضّ الطرف عن الكثير منها. وفي إطار المكانة السامية للقرآن الكريم عند المسلمين حيث يمثّل مصدر التشريع الأول الذي لا يتخلّله النقص، شكك وات فيه وعدّه من صنع النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  وشكك في جمعه لكي يبيّن الزيف في بعض سورهِ وآياته.

اعترضت طريق الباحث بعض المتاعب، تمثلت في صعوبة تقصّي المعلومات التي أوردها وات في مؤلفاته والتي اتّصف أغلبها بالغرابة والتجني، ومقارنتها مع المصادر الإسلامية التي وجدنا أن كثيراً منها كانت مساعدةً لأفكار وات، ويعزى سبب ذلك إلى تسرّب الاسرائيليات والخرافات إلى التراث الإسلامي، ناهيك عن الوضع والكذب والزيف والإساءة لسيرة الرسول (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم) ، لذلك فإنّ من الصعوبة بمكانٍ أن نصل إلى الاستنتاج الذي نريده ونتوخاه، وصعوبة تقصي النصوص والحقائق التاريخية من بين السطور ومحاولة الوصول إليها، والأصعب من ذلك التحرّي عن موارد وات في الرواية التاريخية كونه لم يذكر المصدر الذي اعتمد عليه في نقل الخبر وكأنّه يرجع إلى عصر الأخباريين والمؤرخين الأوائل، أيضاً وقع الباحث أحياناً في الحَيْرة من الأمر من بعض أحداث السيرة التي يصعب الجزم بها لوجود خلافٍ كبيرٍ بين الآراء عند الباحثين حيث إنّهم يستندون على المصادر المعتمدة، وأحياناً المصدر نفسه يعطي عدّة روايات للحادثة بنصوص مختلفة، كذلك الوصول للمفيد من المعلومات والجهود المبذولة لتذليل الصعوبات كانت من عوامل وصول البحث إلى المستوى الموجود بين أيدي القارئ الكريم.

ثانياً: استعراض لأهم المصادر والمراجع:

اعتمدت الدراسة على عددٍ كبيرٍ من المصادر والتي وضعت بالتسلسل حسب تصنيف العلوم وأهميتها على النحو الآتي:

أولاً - الكتب السماوية: اعتمدت الدراسة على الكتب السماويّة المقدّسة في كثير من صفحاتها وحسب الآتي:

1– القرآن الكريم:

كتاب الله الخالد الذي يُعد المصدر الأول للتشريع وقد أشار إلى حياة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  من الولادة مروراً بالطفولة وبداية نزول الوحي وتلاوة آياته ليبيّن تعاليم الإسلام وما للمسلمين من حقوق وما عليهم من واجبات، أضف إلى ذلك أنّ القرآن الكريم يبيّن العلاقة بين المسلمين مع بعضهم البعض ومع الموحدين والمشركين، إذ تم اعتماد القرآن الكريم ميزاناً للفصل بين المختلف من الروايات، وأيضاً لبيان مدى التطابق والاختلاف بين ما جاء به القرآن وما ذكره وات خاصة وأنه قد أشار إلى اعتماده القرآن الكريم كمصدرٍ من مصادر دراسته، وتم الاعتماد على عددٍ كبيرٍ من الآيات القرآنيّة في جميع فصول الأطروحة والمباحث، إذ عولنا على ختم الفقرة بنص من القرآن وبما يتلاءم مع طبيعة الحدث التاريخي في سيرة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم).

2 – الكتاب المقدس (التوراة):

وهو من الكتب السماوية لليهود، ذو طابع سردي يتناول القصص، وهو محرّفٌ من قبل أحبار اليهود عندما قاموا بتدوينه بأيديهم، إلاَّ أنّ الفائدة منه في هذا البحث تكمن في بيان تعاليم ديانة اليهود بالصوم ومقارنته بالصوم عند المسلمين لبيان أوجه الاختلاف بينهما فضلاً عن أن مصدر الوحي واحدٌ، وكذلك لتوضيح الحكم على اليهود في حالة الخيانة والخروج على السلطة وما يحلّ بهم في حالة وقوعهم بالغلبة وهذا ما يشار به إلى بني النضير في سفر التثنية.

ثانياً - كتب الحديث:

أمّا كتب الحديث التي لا غنى للباحث عنها فقد أفادت الدراسة كثيراً في جميع فصول الأطروحة لما قدمته من معلومات وافيةٍ بما قاله الرسول (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم) عن سيرته بما فيها الرضاعة ببني سعد، والرد على ادعاء المشركين بأنّ مصير جدّه عبد المطلب وأبيه عبدالله وأمه آمنة إلى النار، حيث بيّنت لنا دورهم بالتوحيد والإيمان بالله، وكذلك بيّنت لنا حكم نشر الدعوة سلمياً وإبطال الزعم بنشرها بحدّ السيف، وبيّنت لنا أحكام وتفاصيل شريعة الإسلام، فهي المصدر الثاني للتشريع فضلاً عمّا احتوته من مادةٍ تاريخيّةٍ مهمّةٍ، وعلاقة النبي (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  بالصحابة وأهله الطاهرين وكذلك مع أعداء المسلمين، ومن هذه الكتب: مسند أبي داود الطيالسي لمؤلفه أبو داود سليمان بن داود الطيالسي (ت 204هـ/ 819م)، ومسند أحمد للإمام أحمد بن حنبل (ت 241 هـ/ 855 م)، وكتاب سنن ابن ماجة لمؤلفه محمد بن يزيد القزويني (ت 273هـ/ 886م)، وصحيح ابن خزيمة لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت 311هـ/ 923م)، وكتاب المستدرك على الصحيحين لمحمد بن عبد الله الملقب بالحاكم النيسابوري (ت 405هـ/ 1014م). كما تجدر الإشارة إلى أنّ بعض الأحاديث يوجد فيها اتّفاقٌ واختلافٌ مع كتب السيرة والتاريخ عن حياة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  ويرجع ذلك إلى سند الرواية والنص.           

ثالثاً – كتب السيرة النبوية:

تعد كتب السيرة من أهم المصادر التي اعتمد عليها الباحث في استقاء معلوماته ومقارنتها مع ما قالهُ وات، وتكاد تكون متوافقةً في ما بينها وبين المعلومات التاريخية التي وردت عن الرسول (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)، كون أكثر المؤلفين قد اعتمد على كتابات أسلافه من أهل العلم كما فعل ذلك ابن هشام (ت 218هـ/ 833م) في كتابه السيرة النبوية الذي هذبه عن كتاب السيرة النبوية لابن إسحاق (ت 151هـ/ 678م)، وكذلك كتاب السيرة النبوية وأخبار الخلفاء لمؤلفه محمد بن حبان البستي (ت 354هـ/ 965م)، وكتاب عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، لمحمد بن محمد بن سيد الناس (ت 734هـ/ 1333م)، علماً أنّها أهملت حقبةً زمنيّةً مهمّةً من حياة الرسول (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  وهي مرحلة الطفولة ومرحلة الشباب، كذلك لم تعالج مسألة الوحي بحيثيّة. ومن مساوئها تناولها بعض الروايات الموضوعة بحق سيرة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  متمثلةً بكثرة الغزوات والسرايا التي تعترض طريق قوافل قريش، علماً أن النبي لم يكن قاطع طرق[4]، بل كانت اجراءات عسكريّةً لنشر الإسلام والقضاء على قوة المشركين، وكذلك وضعها محاولات اغتيال قام بها النبي (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  أو حرّض عليها مثل قتل سلام بن مشكم وعصماء، فلم يكن النبي (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  يوماً مغتالاً قط بل مشروعه لإنقاذ الناس من الضلالة والكفر لا لأجل الاغتيال والسلب.

رابعاً – كتب التفسير:

سلطت كتب التفسير الأضواء على جوانب كثيرةٍ ومهمّةٍ على ما جاء به القرآن الكريم من معلوماتٍ عن حياة النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  وزوجاته والجوانب الدينيّة والفقهيّة، ودور الصحابة في سيرة الرسول وفي المغازي والسرايا، فضلاً عن ذلك فقد اطلعنا فيها على تفسير جميع الآيات التي وظفت في الأطروحة، ومن تلك التفاسير: تفسير القرآن الكريم للحسين بن مسعود البغوي (ت 510هـ/ 1116م)، وكذلك الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل لمحمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي (ت 538هـ/ 1143م)  وكتاب مفاتيح الغيب، لمحمد بن عمر الرازي (ت 606هـ/ 1209م)، وكتاب أنوار التنزيل وأسرار التأويل لعبد الله بن عمر البيضاوي (ت 685هـ/ 1276م).

خامساً – كتب التاريخ العام:

ضمت كُتبُ التاريخ بين طيّاتها معلومات وفيرةً عن النبي محمد في جوانب مهمّةٍ من حياته، وقد تم الاستناد عليها بشكلٍ كبيرٍ في متون الدراسة لا سيما في استخراج المعلومات من الأخبار والأقوال والنصوص المهمّة عن بدء الدعوة ومعارضة المشركين، وما جرى لبعض الصحابة من حوادث، ومنها كتاب المحبر والمنمق في أخبار قريش، لمحمد بن حبيب البغدادي ( ت 245هـ/ 859م)، وكتاب تاريخ الرسل والملوك، لمحمد بن جرير الطبري (ت 310هـ/ 925م) وقد امتاز بإيراد أكثر من روايةٍ للحادثة التاريخية من دون ترجيح إحداها؛ لأنه قال في مقدمة كتابه بأنه يترك الحكم للقارئ، وكتاب البداية والنهاية في التاريخ لإسماعيل بن عمر بن كثير (ت 774هـ/ 1372م).

سادساً – كتب التراجم والطبقات:

شكلت كتب التراجم والطبقات بأجمعها مصادرَ مهمّةً لمعرفة بعض الحوادث عن السيرة النبوية، وترجمةً لكثيرٍ من الشخصيّات التي تم تناولها في الأطروحة ومن بينها كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد (ت 230هـ/ 844م)، وكتاب الطبقات لخليفة بن خياط (ت 240هـ/ 854م)، كما جرت الاستعانة بكتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب  ليوسف بن عبد البر القرطبي (ت 463هـ/ 1070م)، وكتاب الإصابة في تمييز الصحابة لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852هـ/ 1448م). التي أوضحت دور أولئك الصحابة في اعتناق الدعوة والتضحية في سبيلها.

سابعاً – كتب اللغة والمعاجم اللغوية:

 كان للمعاجم وكتب اللغة إسهاماتٌ كبيرةٌ في إثراء الأطروحة، فقد أفادتنا في بيان اشتقاق ومعاني الاصطلاحات للصُورَة والجهاد والغزو والوحي والقرآن وبيان معاني بعض المصطلحات اللغوية في الأطروحة، ومن أبرز هذه الكتب كتاب العين للخليل بن أحمد لفراهيدي (170هـ/ 786م)، وكتاب لسان العرب المحيط لعمر بن مكرم بن منظور (711هـ/ 1414م)، وكتاب تاج العروس في جواهر القاموس لمحمد بن محمد الزبيدي (1205هـ/ 1790م). 

ثامناً – كتب البلدان:

أفادت كتب البلدان الجغرافية الدراسة إفادةً عظيمةً في معرفة مكان المدن أو القرى التي ورد ذكرها في الأطروحة، منها كتاب صفة جزيرة العرب لأبو محمد الحسن بن الحائك (334هـ/ 945م)، ومعجم البلدان لياقوت بن عبد الله الحموي (626هـ/ 1228م).

تاسعاً - المراجع الحديثة:

كان للمراجع الحديثة دورها المتميز في تقديم معلومات وافيَة لهذه الدراسة خصوصاً في الفصل الأول وذلك بتحديد تعاريف الاستشراق وسماته والدوافع التي تقف وراء المستشرقين في دراسة تاريخ وعقائد الإسلام وحضارته وسيرة نبيه الكريم محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)، وأخرى لترجيح بعض الروايات عن غيرها، وأحياناً في تحليل النصوص، ومن أهمّ هذه المراجع كتاب افتراءات المستشرقين على الإسلام والرد عليها، ليحيى مراد، وكتاب المستشرقون لنجيب العقيقي، وموسوعة المستشرقين لعبد الرحمن بدوي، وكتاب الاستشراق والمستشرقون مالهم وما عليهم، لمصطفى السباعي، وكتاب الشخصيّة المحمّديّة لمعروف غني الرصافي (1365هـ/ 1945م)، والرحيق المختوم تأليف صفي الرحمن المباركفوري ( ت 1427هـ/ 2006م) وكتاب فقه السيرة النبوية لمحمد سعيد رمضان البوطي (1433هـ/ ت 2012م)، والسيرة النبوية برواية أهل البيت لعلي الكوراني.

وأخيراً، إنّ هذه الدراسة ماهي إلا محاولة بسيطة للدفاع عن النبي محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم)  من خلال الرد على مزاعم المستشرقين وكتاباتهم في رسم صورة النبي محمد بأبهى معالمها كما أرادها الله، فإن أحسنت فمن الله التوفيق وإنْ أخطأت فمن نفسي وأسأل الله المغفرة والرضوان إنّه على ما يشاء قدير.

ومن الله التوفيق

الباحث

-------------------------------

[1]- سليمان القانوني: هو سليمان بن سليم الأول بن بايزيد الثاني بن محمد الفاتح، (1494م – 1566م)، أشهر سلاطين الدولة العثمانية (1520م – 1566م) بلغت الدولة في زمانه أقصى اتساع في أوروبا حاصر فيينا، ولقب بالقانوني لجلوسه مع أبرز علماء المسلمين ووضع معهم قانون الدولة العثمانية مستمدا من الشريعة الإسلامية وطبقها بكل صرامة. ينظر: الترباني، جهاد، مائة من عظماء الإسلام غيروا مجرى التاريخ، 60 – 63.  

[2]- فيينا: عاصمة النمسا تقع في قارة أوروبا، اسمها يعني الهواء الجميل أو النسيم. ينظر: جاد الرب، حسام، جغرافية أوروبا الجديدة دراسة إقليمية، 26.

[3]- سورة النساء: الآيات 163 - 165.

[4]- مقابلة شخصيّة مع أ.د جواد كاظم منشد النصر الله، أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة البصرة، كلية الآداب، في 1/ 2/ 2018م.