فهرس المحتويات

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة نحن والغرب 7 فطرية التوحيد الديني ، الاجتماعي نظرية العلامة الطباطبائي في نقد الفكر الغربي د. محمد عبد المهدي سلمان الحلو

الفهرس

مقدِّمة المركز5

مقدمة المؤلِّف7

التمهيد9

الفصل الأوّل: الفطرة والمعرفة19

المبحث الأوّل: الفطرة ـ التديّن21

المبحث الثاني: نظرية المعرفة عند العلاّمة الطباطبائي29

الفصل الثاني: التوحيد والبناء الاجتماعي47

المبحث الأوّل: البعد الفطري للاجتماع الإنساني49

المبحث الثاني: الإسلام ودوره الاجتماعي67

المبحث الثالث: الأخلاق والحريّة73

الخاتمة وأبرز النتائج81

المصادر والمراجع العربية والأجنبية83

(3)

مقدمة المركز

تهدف سلسلة «نحن والغرب» إلى إحياء الحركة المعرفيّة والنقديّة وتفعيلها حيال فكر الغرب وقيمه في الثقافة العربيّة والإسلاميّة المعاصرة.

وتقوم منهجيّة هذه السلسلة على تظهير أعمال مفكِّرين وعلماء من الذين أثروا الثقافة العربيّة والإسلاميّة بإسهامات نقديّة وازنة في سياق المساجلات والمناظرات مع الأفكار والمفاهيم الغربيّة، ولا سيّما منها التي ظهرت بالتزامن مع تدفّقات الحداثة وما رافقها من عمليّات توسّع استعماريّ إلى بقيّة العالم.

* * *

لا يخفى على الباحث أنّ أهمّيّة البحث في نظريّة المعرفة تتأتّى من جهة أنّ تقييم جميع المدارس الفلسفيّة، والمناهج العلميّة، يتوقّف على المنحى والاتجاه المتّخذ في المعرفة، فما لم يتخذ الباحث رأيًا حاسمًا في المسائل المطروحة في نظريّة المعرفة (مصدر المعرفة، قيمة المعرفة، حدود المعرفة)، لا يصحّ منه الإذعان بأيّ قانون فلسفيّ أو مسألة علميّة، بمعنى أنّ أبحاث نظريّة المعرفة توفّر خيارات الباحث المعرفيّة. ولقد شكّل تناول العلّامة الطباطبائيّ لنظريّة المعرفة ومسائلها بشكل مفرد ومستقلّ ظاهرة غير مسبوقة في الفلسفة الإسلاميّة.

وفي هذا السياق يأتي هذا الكتاب ((فطريّة التوحيد الدينيّ ـ الاجتماعيّ، كدراسة تحليليّة نقديّة للدكتور محمّد عبد المهدي سلمان الحلو، والذي يتناول فيه بالبحث والتحليل نظريّة العلّامة الطباطبائيّ في نقد الفكر الغربيّ؛ وذلك بالاستناد إلى ما قدّمه العلّامة الطباطبائيّ قدس‌سره)) في نظريّة المعرفة، الناقدة للمعرفة الغربيّة (الحسّيّة والعقليّة) مستعرضًا لأهمّ النظريّات التي نقدها، مميّزًا بين الواقعيّة والمثاليّة، ومعالجًا للنظريّة الماركسيّة، وهل هي مثاليّة أو واقعيّة؟

(5)

مع التركيز على علاقة الفطرة بالتوحيد، وعلاقتهما بالبناء الاجتماعيّ، مقاربًا بين البناء الاجتماعيّ الموازن بين المادّة والروح، والنظام المعتمد على البعد المادّيّ، إضافة إلى دراسة متعلّق الإسلام بالبناء الاجتماعيّ والتحاكم بينه وبين الديمقراطيّة في قيادة المجتمع نحو النجاح أو الإخفاق، وأهمّيّة العقيدة فيه والفرق بينها وبين التقدّم البشريّ في المجتمعات الغربيّة.

هذا، ومن المعلوم أنّ العلّامة الطباطبائيّ قد افتتح حوارًا عقليًّا معمّقًا مع اتجاهات الفلسفة الأوربيّة الحديثة ولاسيّما المادّيّة الديالكتيكيّة، منطلقًا من ضرورة تحليل أصولها ومرتكزاتها ونقدها، بعد اتّساع ظاهرة التغريب، ودخول التيّار الماركسيّ خطّ الصراع، وأنّ تعاطي الطباطبائيّ مع الغرب لم يقتصر على فلسفته في مقالات كتاب أصول الفلسفة، وإنّما سبقته ورافقته حلقات ومحطّات التقى فيها الطباطبائيّ مع الفكر الغربيّ ورجاله وسلوكه وأنظمة حضارته محاورًا وناقدًا، منها: سلسلة حواراته ولقاءاته مع المستشرق الفرنسيّ هنري كوربان، ولقائه الحواريّ الناقد مع المستشرق الأميركيّ كينيث مورغان (معاصر، تولد 1934م) الذي قضى شطرًا من حياته في الشرق، وكانت له لقاءات وتواصل مع رجال الفكر وعلماء الدين في الأديان المختلفة.

إنّ المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة إذ يقدّم هذه السلسلة إلى القرّاء، يحدوه الأمل بأن يُسهم هذا المسعى المعرفيّ في تنشيط فضاءات التفكير النقديّ وتأسيس مناخات فكريّة جادّة في العالمين العربيّ والإسلاميّ في هذا المجال.

 

والله وليّ التوفيق

المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة

(6)

مقدمة المؤلف

 

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على خير خلقه محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

وبعد:

حقًّا، إنّ العالم الإنسانيّ يكوّنه آحاد الأفراد، وآحاد الأفكار، وآحاد الأعمال، بما تملك هذه (الآحادات) الثلاث من القوّة والنفوذ في مجالها الإنسانيّ ـ المعرفيّ والواقعيّ، والعلّامة (رحمه الله)، من كبار الآحاد، جاء بكبار الآحاد من الأفكار، تناولها بكبار الآحاد من الأعمال المعرفيّة، وهل يوزن (الميزان) بميزان إلا وارتفعت كفّته، ورجّحت معياريّته، ففي حديقة الفكر يتكوثر النتاج، وإذا نظر الإنسان إلى طعامه، يجد فيه قطوفًا دانية، تشتهيها الأنفس وتلتذّ بها الأعين.

وقطف البحث مقاربات نظريّة، وضعت المشرط بين حضارتين، قارنت وأفرزت الغثّ من السمين، تناولت الواقع ببساط الفكر، بين حضارة أرجعت كلّ ما لديها إلى السماء، وأخرى أخلدت بها إلى الأرض.

واعتمد البحث على (الأم) من الأفكار، التي قادت إلى (الأقوم) من النتائج، فكانت (الأم) الفطرة في صبغة التوجّه الدينيّ، وكان (الأقوم) السعادة في البناء الاجتماعيّ، عند هذا وذاك من الفرقاء، مقارعة العلماء الحجّة بالحجّة، والدليل بالدليل، على ضوء هدي بشريّ يرى بنور السماء، وهدي بشريّ يرى المادّة وحسب.

اعتماد العلّامة على الفطرة، والتوسّل بها بمسائل العقائد، وأخصّها التوحيد، شكّل برنامجًا معرفيًّا في بناء الأسس الفكريّة والعماد للحضارة الإسلاميّة، وشكّل –أيضًا- بناءً نقديًّا لفكر مادّيّ قام على الصراع والتنازع والبقاء للأقوى.

(7)

توزّعت الدراسة بين مقدّمة وتمهيد وفصلين، أشارت المقدّمة إلى (ضرورة) الفطرة في هذا النسج وارتباطاتها التشعّبيّة مع أصول الدين وخاصّتها التوحيد والمعاد في بناء الفرد المسلم  هدف الدين الحنيف، ليكون لبنة المجتمع الإنسانيّ القائم على سعادتين، سعادة الذات، وسعادة المجتمع، المعطوفة على سعادة الدنيا والآخرة.

وكان الفصل الأوّل بمبحثين، الأول منها اهتمّ بالفطرة أصلًا قرآنيًّا، ونظامًا طبيعيًّا، تقود الفرد نحو الكمال، صلة بين هداية تكوينيّة وتشريعيّة. فالمنهج الفطريّ، منهج دينيّ، يقوم بدعائم ثلاث: واقعيّته، ونظرته نحو المساواة، والتوازن بين المادّيّة والمعنويّة، وهو منهج يقوم على الإلهام، ويدعمه المنطق.

في حين تطرّق المبحث الثاني إلى نظريّة المعرفة، الناقدة للمعرفة الغربيّة (الحسّيّة والعقليّة)، مستعرضًا لأهمّ النظريّات التي نقدها، مميّزًا بين الواقعيّة والمثاليّة، ومعالجًا للنظريّة الماركسيّة، وهل هي مثالية أو واقعيّة؟ معرجًا على نظريّات الشكّ، دارسًا لها، ومبديًا رأيًا حولها، لتكون نظريّة العلّة والمعلول دراسة مميّزة ونظريّة فريدة قدّمها العلّامة اعتماد قرآنيّ آخر لما تناوله في الفصل الأوّل.

أمّا الفصل الثاني بدوره كان على محورين أيضًا، تمخّض عن علاقة الفطرة بالتوحيد، وعلاقتهما بالبناء الاجتماعيّ، مقاربًا بين البناء الاجتماعيّ الموازن بين المادّة والروح، ونظام معتمد على البعد المادّيّ، خرجا بنظريّة الاستخدام في البناء الاجتماعيّ في مقابل نظريّات غربيّة حديثة ومعاصرة فسّرت أسس الاجتماع الإنسانيّ وروحها، ودور هذه النظريّات بالبناء. وفي المبحث الثاني من الفصل الثاني درس متعلّق الإسلام بالبناء الاجتماعيّ والتحاكم بينه والديمقراطيّة في قيادة المجتمع نحو النجاح أو الإخفاق، وأهمّيّة العقيدة فيه والفرق بينها وبين التقدّم البشريّ في المجتمعات الغربيّة.

وتوّج البحث خاتمة للعمل ومحتويات ومصادر للبحث، آملًا من الغنيّ العزيز قبول ما لدى الفقير من بضاعة، معتذرًا للقارئ الكريم عن الضيق وقت السعة، فالعلّامة واسع بفكره، والموضوع ضنين في عطائه، ومنه تعالى أستمدّ العون والحمد لله ربّ العاملين وصلّى الله على خير خلقه محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

محمّد عبد المهدي سلمان الحلو

(8)

التمهيد

الحديث عن أصل التوحيد[1]، حديث عن الفطرة، أو حديث فطريّ، دلّ عليه العلّامة من طريقين: طريق الاستقراء التاريخيّ بمطالعة ما سطّرته البشريّة بحثًا عن نشوء الكون والخلق وأصلهما، وخوضها بمسألة وجود الإله أو عدم وجوده، منذ وجودها إلى يومنا هذا؛ إذ بحثت فيها عن (علّة) هذا الإيجاد، مع الأخذ بفارق زيادة أو تناقص، والاهتمام بهذا البحث وفق الظروف المادّيّة والمعيشيّة التي عاصــرها الإنسان، إذ شهد الماضي مساحات واسعة لهذا البحث.

أمّا الطريق الثاني: فهو طريق فطريّ غريزيّ، يعتمد على إشباع حاجاتها الإنسانيّة، كإشباع الحاجة للغذاء والماء وغيرها، فالنشاط العلميّ والنشاط العمليّ باعتباريّة الظروف المحيطة بالإنسان من حالة الفراغ النسبّي أو الأحداث (المدمّرة)، فمن كان في هكذا حالات يلجأ إلى بحث التوحيد، أو البحث عن إله واحد: «نحن نعرف إنّنا لا يمكننا أن نقول لفرد من أفراد البشر الذي يبحث عن كلّ علّة وفقًا لغريزته الفطريّة، لا يمكننا أن نقول له أترك غريزتك الفطريّة في مورد واحد استثناء، وإذا انصرف ذهنه عن هذا البحث خطأ فعكف على عبادة المادّة، فأنّ غريزة الفطريّة تستمرّ بفعاليّتها من وراء ستار، وسوف تبرّر معطياتها في موقع وفرصة ملائمة»[2].

وهذه الصورة التاريخيّة للتفكير الفطريّ بمسألة الإله، بغضّ النظر عن التوحيد أو التعدّد، نجدها واضحة في العديد من الفلسفات السابقة، شرقيّة كانت أو غربيّة، فرغم التعدّد (الإلهيّ) في الهند القديمة إلا أنّها تنتهي عند (برهمن) إلهًا واحدًا بواقع لا ثنائيّ، يضفون عليه الصفة المطلقة، ويعدّونه من الكيفيّات التي لا تقبل التصوّر، مستبعدين عنه كلّ الكيفيّات المحتملة بطريقة النفي، (برهمن) ليس كذا، ليس كذا «نيتي، نيتي»[3].

(9)

وعلى الرغم من أنّ تعدّد الآلهة كان شائعًا في الصين القديمة، وضمّوا لها عبادة الأسلاف، إلا أنّ الإله الأكبر الذي كان مصدرًا لوحدة الآلهة المتعدّدة السالفة إنّما كان (السماء)، وهنا انقسم تصوّر هذا الإله بين طبقتين من الشعب الصينيّ، العامّة الذين اعتبروا السماء تمثّل وحدة الآلهة المتعدّدة تحت فكرة التجسيد الشخصيّ، وبين الفلاسفة الذين اعتبروا السماء فكرة مجرّدة بعيدة عن الشيئيّة[1].

وما يؤكّد وجود التفكير الدينيّ الفطريّ لدى الإنسان القديم ما كان يمارسه من حبّ الاستطلاع منذ صغره والذي يجد في باطنه ميلًا يقوده إلى الخير، ويشعر بالندم إذا أقدم على الشرّ، كما يؤكّد علم الآثار اليوم من أنّ الشعوب البدائيّة كانت متديّنة جدًّا؛ بدليل الأنصاب والرسوم الدينيّة والمقابر والتعاويذ التي تركتها، وهذا ما أكّده (شيشرون) بأنّ أيّة أمّة مهما كانت متوحّشة إلا وكان لها إله تعبده[2].

والحقيقة إنّ إشارة الفيلسوف (برتوغوراس) كفيلة ببيان فطريّة هذه الفكرة ـ فكرة وجود الإله ـ ؛ إذ: «علّل توقفه عن القول بالآلهة بصعوبة المسألة من جهة، وبقصر العمر من جهة أخرى، ولم يقل الآلهة موجودون بالإضافة إلى من يؤمن بهم، وغير موجودين بالإضافة إلى من ينكرهم»[3].

ومع أنّ محاورة (مينو) لأفلاطون كانت دعاية أساسيّة للبحث عن الفطرة، لكنّ الشكوك حولها بأنّ الطالب لُقّن من قبل الأستاذ قبل البحث وأطلعه على الإجابات أبعدت البحث عن الفطرة لجعلها قرينة نظريّة المعرفة في الفكر الفلسفيّ الغربيّ الحديث، بدأت مع الصراع بين التجريبيّين والعقليّين في الحياة الفكريّة تأصّلت بأفكار ومبادئ وفق قوائم معرفيّة عرفت بـ اللوحة البيضاء أو اللوح الفارغ، وقد كان مفهوم الفطرة محطّ نظر للفلاسفة بمرحلتين، وكان يزدهر في كلاهما،

(10)

منذ البدء عند أفلاطون وكبوة المفهوم بفلسفة أرسطو، وبعثه من جديد في القرنين السابع عشر والثامن عشر بشنّ (جون لوك) هجومًا عنيفًا عليه، وكان (ليبتنز) من المدافعين عنه[1].

أوّلًا: فطريّة التوحيد:

ومن هنا نجد أنّ العلّامة الطباطبائيّ قدس‌سره أكّد فطريّة التوحيد بتفريقه بين قيموميّتين، جعلها مائزًا حاضرًا على مدار وزمان الحضارتين الشرقيّة – الإسلاميّة، والغربيّة، فالفرق بين قيموميّتين، قيموميّة تأثير الأسباب الطبيعيّة، وقيموميّة التأثير للأسباب الإلهيّة، القيموميّة الفاقدة للشعور، وقيموميّة جامعة لصفات (العلم والقدرة والحياة)، والقيموميّة إتمام في أمر الإيجاد والتدبير: «فنظام الموجودات بأعيانها وآثارها تحت قيموميّة الله، لا مجرّد قيموميّة التأثير، كالقيموميّة في الأسباب الطبيعيّة الفاقدة للشعور، بل قيموميّة حياة تستلزم العلم والقدرة، فالعلم الإلهيّ نافذ فيها لا يخفى عليه شيء منها، والقدرة مهيمنة عليها، لا يقع منها إلا ما شاء وقوعه وأذن فيه...»[2].

الإيجاد والتدبير، سير من النقص إلى الكمال، وانتقال من العجز إلى القدرة، واعتراف بالضعف تجاه القوّة، وبالإمكان أمام الوجوب، وهذه هي قيموميّة التوحيد التي خاطب بها القرآن الكريم المجتمع البشريّ للإيمان به والإذعان إليه (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون) (الروم/30).

والتوحيد مائز بين حضارتين، حضارة مؤمنة به، وحضارة مفارقة له بعيدة عنه، هذا القرب أو الابتعاد، شكّل الإجابة الواضحة عن هدف الإنسان في هذه الحياة، فهل هذه الحياة المادّيّة الغريزيّة هي ما يحقّق الهدف من وجود الإنسان؟ أم أنّ هناك حياة أخرى وراءها أجل وأسمى، كانت هدفًا له؟

الإجابة عن هذا السؤال هو ما يحقّق (مفهوم السعادة) وفرقها للحضارتين أعلاه، من بين من

(11)

يعتبرها ركيزة أساسيّة لكلّ ما يحقّق ملذّات الإنسان الحياتيّة وإشباعها (غرائز وشهوات)، وحضارة تؤمن بالبعد الكونيّ والمنطلقة من التوحيد ركيزة البعد الفطريّ- الدينيّ، المكوّن للبعد الاجتماعيّ القائم عليه.

فالإنسان إمّا أن يتصوّر أفعاله عن قبول وإيمان بفكرة الإله الواحد، ذي القدرة والعلم والحياة، وتنتهي حياته الدنيويّة بحياة أخرويّة، أو يقوم تصوّره على حياة مادّيّة لا تقبل بفكرة التوحيد، تقوم على إشباع الغرائز والملذّات، والبعد الفطريّ – هو ما يقود إلى الدين، بل يؤكّد عليه الدين، إنّما جاء للحفاظ على حياة الفرد التي تحمل الأصالة، فالأصل هو حياة الإنسان (الفرديّة)، والحياة الاجتماعيّة (فرع لها)، فالحياة الاجتماعيّة، فرع للحياة الفرديّة، في حين أنّ الحياة الغربيّة تقوم على خلاف الفكرة الدينيّة، فهي تقوم على الصبغة الاجتماعيّة التي حدت (الحريّة الفرديّة) بالقانون[1].

وبذلك يبتعد الفكر الغربيّ عن التعريف الوظيفيّ للدين، باعتبار أنّ التعريف الوظيفيّ يُبيّن الوظيفة الاجتماعيّة للدين، فالدين نظام مفاهيميّ يقدّم تفسيرًا للعالم ومكانة البشر في هذا العالم، ويركّز على كيفيّة أن يحيا الإنسان طبقًا لهذا التفسير، ويعبر من وراءه بمجموعة من الطقوس والممارسات والمؤسّسات تخصّ حياة الإنسان، على أنّ التعريف يهتمّ بالأنشطة الدينيّة، وأهمّيّة العنصر العقائديّ في التقاليد الدينيّة[2].

ويربط العلّامة ربطًا واضحًا بعد أن يبيّن الانتقال من التوحيد إلى البعدين (الدينيّ ـ الفطريّ والاجتماعيّ) إلى الربط بين هذين البعدين، وبين أصول الدين من النبوّة والمعاد، ويتجلّى هذا الربط بتعاليم الدين، إذ يجعل من قوله تعالى: (وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ

(12)

مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى) (النجم/28-30) فاصلًا بين الحقّ (الدين)، والباطل – الظنّ (الجهل - الدنيا)، الحقّ يوصل إلى العلم واليقين، والذي يحقّق الحياة للإنسان، ومهمّة وهدف الرسول من الرسالة: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا استَجيبوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسولِ إِذا دَعاكُم لِما يُحييكُم وَاعلَموا أَنَّ اللَّـهَ يَحولُ بَينَ المَرءِ وَقَلبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيهِ تُحشَرونَ) (الانفال/24) وحياة الإنسان هذه كالنور المضاء: (أَوَمَن كانَ مَيتًا فَأَحيَيناهُ وَجَعَلنا لَهُ نورًا يَمشي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيسَ بِخارِجٍ مِنها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلكافِرينَ ما كانوا يَعمَلونَ) (الانعام/122)، وهنا فرق بينها وبين حياة الظنّ (الظلمات)، فالفارق بين الحقّ والظنّ، هو الفارق بين الحياة المبنيّة على أساس التفكّر بالتوحيد والمعاد التي تنقلها (الرسالة - النبوّة)، والحياة الظنّيّة المبنيّة على دراسات نفسيّة واجتماعيّة قائمة على علوم الطبيعة، قادتهم للابتعاد عن البعد الدينيّ، ولهذا عبّر أصحاب هذا الاتجاه الأخير تعبيرات سلبيّة عن الدين يتّضح بإثرها الظنّ[1].

وإذا كانت الظاهرة الاجتماعيّة، هي ما يميّز مجتمعًا عن مجتمع آخر، فهي: «نوع من الظواهر التي تنطوي على صفات ذاتيّة من جنس خاصّ جدًّا، وتنحصر هذه الظواهر في ضروب من السلوك والتفكير والشعور، وهي توجد خارج الفرد»[2]. وإن كان الفرد بين تابع للحقّ أو متعلّق بالظنّ، وأنّ الفرد هو أساس الاجتماع في سيره الفطريّ – التكامليّ، فهو ينتمي إلى أحدى حضارتين أو اجتماعين، الاجتماع القائم على ركيزة التوحيد، وآخر خلافه، التوحيد يقيم تربيته وتوجّهه الاجتماعيّ على أساس وجود حياة أخرى مستديمة ومستقبليّة، فيها يُجازى الإنسان، والحكم هنا حكم توحيديّ: (ما تَعبُدونَ مِن دونِهِ إِلّا أَسماءً سَمَّيتُموها أَنتُم وَآباؤُكُم ما أَنزَلَ اللَّـهُ بِها مِن سُلطانٍ إِنِ الحُكمُ إِلّا لِلَّـهِ أَمَرَ أَلّا تَعبُدوا إِلّا إِيّاهُ ذلِكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلـكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَعلَمونَ) (يوسف/40)، وهي فكرة معارضة لفكرة الاجتماع الدنيويّ المشابهة لفكرة

(13)

الدهريّة القديمة، والتي تقوم على تربية دنيويّة، تحقّق مصالح مجتمعيّة آنيّة فقط، هدفها إنكار التوحيد بإلغاء فكرة المعاد المُبَلَّغ بتعاليم الأنبياء ـ النبوّة ـ، فإنكار المعاد لم يأتِ إلا لدفع الأفكار التوحيديّة الإلهيّة وما يقتضي ذلك من تطبيق الأحكام الإلهيّة من (عبادات ومعاملات وسياسات)، فالقول بالتوحيد يستتبع القول والالتزام بالدين الحنيف: «وبالجملة، القول بالمعاد، كان يستلزم التديّن بالدين واتباع أحكامه في الحياة، ومراقبة البعث والمعاد في جميع الأحوال والأعمال وفردوا ذلك [أصحاب الاتجاه الدنيويّ – الحضارة الغربيّة] ببناء الحياة الاجتماعيّة على مجرّد الحياة الدنيا ومن غير نظر إلى ما ورائها» [1].

ثانيًا: القرآن (الفطرة والعقل):

تعتمد الفطرة على (البرهان) الذي هو الحقّ المشار إليه وهي تستعمل العقل وسيلة لهذا الغرض، وتسلك به سبيل الاستدلال بترتيب المعلومات لاستنتاج  المجهول، فهي تستعمل مقدّمات حقيقيّة يقينيّة للوصول أو لاستنتاج المعلومات التصديقيّة الواقعيّة، وبذلك تصل النفس الإنسانيّة إلى السعادة والخير والمنفعة وتبتعد عن الشقاء والشرّ والمضرّة، وهو خيار واضح بين ما ينبغي أن يختاره الإنسان، وما لا ينبغي له اختياره، والأخير طريق الظنّ الموصل إلى الجدل، فالمقدّمات الظنّيّة لا توصل إلا إلى نتائج ظنّيّة[2].

ثالثًا: التوحيد (طهارة وهداية):

إذا كان التوحيد يُرجع كلّ أصل من الأصول العقائديّة إليه، فهو ينشر الأصل الواحد في فروعه ـ على حدّ تعبير العلّامة-، وإذا ارتبط التوحيد بالعقائد، فإنّ العلّامة يربط بينه وبين الأخلاق، ذلك الربط المفارق به بين الإيمان والكفر ـ النفاق، بين أن يكون الإنسان واقعًا بين هدايتين، هداية الفطرة وهداية الإيمان، فالإيمان حائز على كلّ صفات التقوى والتي جاءت على أوصاف الإيمان بالغيب والآخرة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والإيمان بالنبوّة ممّا يبدو أنّ عدم الإيمان بخصلة

(14)

واحدة من هذه الخصال يخرج الإنسان من وصف (المتّقين) ويبعده عن الهداية الثانية المعتمدة على الأولى ـ الفطرة، فالهداية الثانية قائمة بالقرآن، لكن الأولى ـ الفطرة، دالّة وقائمة بنفسها على التوحيد: «فإنّ الفطرة إذا سلمت لم تنفك من أن تتنبّه شاهدة لفقرها وحاجتها إلى أمر خارج عنها، وكذا احتياج كلّ ما سواها ممّا يقع عليه حسّ أو وهم أو عقل إلى أمر خارج يقف دونه سلسلة الحوائج، فهي مؤمنة مذعنة بوجود موجود غائب عن الحسّ منه يبدأ الجميع، وإليه ينتهي ويعود، وإنّه [الله تعالى] كما لم يهمل دقيقة من دقائق ما تحتاج إليه الخلقة، كذلك لا يهمل هداية الناس إلى ما ينجيهم من مهلكات الأعمال والأخلاق، وهذا هو الإذعان بالتوحيد والنبوّة والمعاد، وهي أصول الدين، ويلزم ذلك استعمال الخضوع له سبحانه في ربوبيّته واستعمال ما في وسع الإنسان في مال وجاه وعلم وفضيلة لإحياء هذا الأمر ونشره، وهذان هما الصلاة والإنفاق»[1].

وبذلك يصل الإنسان بالتوحيد إلى (الطهارة الكبرى) بعد أن يحوز من الأخلاق الفاضلة والأحكام الموضوعيّة التي توصله إلى درجة التقوى لصلاح الدنيا والآخرة: (مَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة/6) و(وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(الأحزاب/33)[2].

رابعًا: التوحيد ونوعي الاجتماع:

التقوى تقوم على صلاح الدنيا والآخرة، وهذا هدف الدين، وهو غاية الفطرة التي تدعو إليه، وهو مخالف لنهج الحضارة الغربيّة، الناظرة إلى الدنيا فقط، وهذه النظرة الخلافيّة والأيديولوجيّة أدّت إلى نظرة مختلفة أيضًا بين الاجتماعين (الإسلاميّ والغربيّ)، والمائز بينهما هو التوحيد والفطرة.

فالوحدة في صورة النوع الإنسانيّ، لزم منها وحدة في الأفكار والأفعال، فكما أنّ البشر اشتركوا في صورة واحدة التركيب، اقتضت بموجبها وحدة الأفكار والأفعال، لكن هنا نوع من الاختلاف، لم

(15)

ينشأ من وحدة الفكر، وإنّما نشأ من اختلاف المواد، وهو فرق بين الإدراك لكلّ مدرِك[1]: «واختلاف المواد يؤدّي إلى اختلاف الإحساسات والإدراكات والأحوال في عين أنّها متّحدة بنحو، واختلافها يؤدّي إلى اختلاف الأغراض والمقاصد والآمال، واختلافها يؤدّي إلى اختلاف الأفعال، وهذا المؤدّي اختلال نظام الاجتماع»[2]، وجرّاء هذا الاختلاف نشأ نوع من التشريع اقتضته طبيعة الغائيّة الاجتماعيّة بعيدًا عن الدين، حدّده العلّامة بمسـلكين[3]:

الأوّل: الابتعاد عن المعرفة الدينيّة، وصياغة منظومة قوانين، تجبر الإنسان على طاعتها، يشترك فيها الإنسان بحقّ الحياة، والمساواة فيها وفي حقوقها، تبتعد هذه القوانين عن قوانين التوحيد، وتكون راعية لأخلاق الاجتماع، الأخلاق المتبدّلة والمتغيّرة، فهي يومًا نحو العفّة والصدق والأمانة، ويومًا آخر نحو الخلاعة والكذب والخيانة.

الثاني: كي تستوطن القوانين، لا بدّ من إبداع تربية تقوم عليها وتحقّقها، وهذه التربية تقوم على حفظ الاجتماع الدنيويّ، وتبتعد فيها عن النظم التوحيديّة الإلهيّة، والاختلاف بين هذا المسلك وبين الأوّل، أن الأوّل يقوم على إجبار الإنسان من قبل الإنسان، في حين أنّ الثانية تعتمد في تربيته بما يناسبه من بعد أخلاقيّ، يقود في كلا الحالين إلى قيام المجتمع بعيدًا عن النظم الدينيّ.

وهذان المسلكان القائمان على الابتعاد عن التوحيد يختلفان جدًّا عن المسلك التوحيديّ المعتمد على القرآن الكريم والذي وثّقه العلامة واعتمد عليه.

ومن هنا يتّضح أهمّيّة التوحيد ودوره في الفصل بين الفرد الصالح المتّقي القائم في سلوكه وأخلاقه على تعاليم القرآن الكريم وتعاليم الأنبياء، وفقًا للفطرة الإنسانيّة المودعة فيه، واستجابة للدين، وكون اجتماعه على أساس ما تقدّم، وهذه هي الحضارة الإسلاميّة، أو الفكر الإسلامي، وبين الفكر الغربيّ الناظر إلى إشباع رغباته ونزواته فقط، حاصرًا ذلك فقط في ملذّاته الدنيويّة، من دون

(16)

أن يغطّي بعده الأخرويّ، ومن هنا – من التوحيد ـ الركيزة الأساسيّة ينطلق البحث في لُمع العلّامة لدراسة نقد الحضارة الغربيّة في فكره، وكما اتضح في المقدّمة على صعيدين ـ فصلين ـ صعيد التوجّه الدينيّ الفطريّ، وصعيد التوجّه في البناء الاجتماعيّ.

خامسًا: الفطرة والنبوّة:

يؤكّد العلّامة أنّ للإنسان حياة شعوريّة، تعتمد على الفطرة، والفطرة مطابقة لما جاء به الأنبياء عليهم‌السلام، فالاعتماد والعمل والأخذ بما جاء به الأنبياء يوصل إلى العدل والاستقامة، وأخيرًا يوصل إلى السعادة، والابتعاد عن تعاليمهم عليهم‌السلام يقود الإنسان إلى الظلم والانحراف عن ما جاءوا به؛ لاعتباريّة (العدل والاستقامة والقبح والظلم) في نفس الإنسان، فإذا أخذ الإنسان بالعدل والاستقامة مع مجتمعه حصل السعادة في الدنيا والآخرة، وإن أخذ بها وحده كُتبت له السعادة ولوحده في الآخرة[1]!

(17)
(18)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول 

1. الفطرة 2. المعرفة

(19)
(20)

المبحث الاول

الفطرة ـ التديّن:

تتمحور الفكرة الرئيسيّة عند العلّامة حول (الفطرة)، التي يجد لها مسندًا من القرآن الكريم، فهو من الذين اعتمدوا على كتابه تعالى في تبنّي مواقفه الفلسفيّة والفكريّة، ولا تبتعد الفطرة عن هذا المجال، ففي تفسيره لقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم/30) ينطلق العلّامة لبيان المنهج القرآنيّ الواقعيّ السائد في الفكر الإنسانيّ السليم وفي الحضارة الإسلاميّة بما يشكّل (نقدًا) ومواجهة مقابل البناء في الحضارة الغربيّة المعاصرة، والفرق بينهما يبدأ من الإيمان بالفطرة حتّى الإيمان بالدين.

ومن رؤيته الكونيّة، إلى مجموعة الموجودات الطبيعيّة، وهي رؤية غريزيّة، فالإنسان يمتلك غريزة البحث والتحليل[1]، يرى العلّامة أن كلّ الكائنات تسير في سيرها ونموّها نحو الكمال الذي يشكّل غايتها الأساسيّة في الوجود، فالجوزة عند بذرها في التراب، وتحصيل ما تستطيعه من أسباب النموّ، تبدأ بسلسلة تحوّل ونموّ من بذرة إلى نبتة، إلى شجرة ثمّ ثمرة، وهذه الثمرة بذاتها أيضًا تنمو لتحقّق سلسلة الكمال وهي الجوزة الظاهرة – في الواقع- وهذا هو الكمال الفطريّ أو السير وفق ما تقتضيه الفطرة[2]: «وهذا التوجّه التكوينيّ لاستناده إلى الله يسمّى هداية عامّة إلهيّة وهي لا تضلّ ولا تخطئ في تسيير كلّ نوع مسيره التكوينيّ، وسوقه إلى غايته الوجوديّة بالاستكمال التدريجيّ، وبأعمال قواه وأدواته التي جُهِّز بها لتسهيل سيره إلى غايته»[3].

(21)

والسير التكوينيّ الذي هو الهداية الإلهيّة العامّة، غير منصرفة عن الإنسان، في سيره بمراحل كمال مختلفة من كونه نطفة حتّى يرد إلى أرذل العمر، وهناك نوع آخر من الاستكمال الإنسانيّ يختلف عن الأوّل، يسوق الإنسان نحو كماله، فهو كفرد يحمل من النواقص الوجوديّة، ومن الأسباب التي لا تمكّنه من إتمام شؤونه وقضاء حوائجه دفعه هذا إلى أن يكون اجتماعيًّا، وهذا الاجتماع أيضًا ينطلق من نحو الاستكمال، فهو من اجتماع مع قرين إلى اجتماع مع أسرة ثمّ الاجتماع المدنيّ، المحكوم بمجموعة من قواعد وقوانين تنظّم العمل والسلوك[1].

واعتمادًا على مبدأ (الاستخدام) الذي وضعه العلّامة لقيام الاجتماع الإنسانيّ، فالإنسان لنواقصه الوجوديّة (يستخدم) غيره من الموجودات الطبيعيّة لاستكمال نواقصه - حاجاته، وهذا الاستخدام يشمل حتّى الإنسان، ممّا ينفي مقولة الإنسان مدنيّ بالطبع، فهو – العلّامة – يميل إلى طبيعة الاستخدام التي تنتهي إلى التعامل والتشارك فيما بين الجنس الواحد أو النوع الواحد: «وكيف كان، فالمجتمع الإنسانيّ لا يتمّ انعقاده ولا يعمر إلا بأصول علميّة وقوانين اجتماعيّة يحترمها الكلّ، وحافظ يحفظها من الضيعة ويجريها في المجتمع، وعند ذلك تطيب بهم العيشة وتشرق عليهم السعادة»[2].

على أنّ أصل الاستخدام من الأصول الاعتبارية التي تكون قبل الاجتماع، أي عند الإنسان الفرد، وتقوده نحو الاجتماع، وهو بذلك يرفض أن يفسّره تفسيرًا سلبيًّا، بأن يتسلّط فيه الإنسان على الآخر تحت شعارات التحرّر والتقدّم والتخلّص من العبوديّة والظلم، ليقع في العبودية؛ لأنّ غرض الاستخدام هو الاستفادة المشتركة، والتحوّل إلى التقارب والاجتماع حاجة غريزيّة تتّجه بكمالها عند الاجتماع التعاونيّ، الذي يؤمّن حاجات الجميع مع الجميع[3]، على أنّ العلّامة لا يريد من (الاستخدام) الجانب السلبيّ، بقدر ما كان يريد منه التأكيد على مبدأ الفطرة: «بل نريد أن نقول إنّ الإنسان بهداية الطبيعة والتكوين يريد على الدوام فائدته من الآخرين (اعتبار الاستخدام)

(22)

ولأجل فائدته يبتغي نفع الجميع (اعتبار الجميع)؛ ولأجل نفع الجميع يطلب النفع الاجتماعيّ (اعتبار حسن العدل وقبح الظلم)، ومن ثمّ نحكم الفطرة الإنسانيّة الذي يستلهم الطبيعة والتكوين حكم عامّ، وليس فيه أيّ عداء خاصّ لطبقة راقية أو عداء خاصّ لطبقـــة سافلة»[1].

فليس كون الإنسان مدنيّ بالطبع هو ما يقوده إلى السعادة، بل طبيعة الاستخدام التي صيّرها وفق حاجته إلى مجموعة قواعد وقوانين، لذا فإنّ للإنسان مسالك في توضيح السعادة والوصول إليها، ذكرها العلّامة في أكثر من موضع، وهذا المسلك يفرّق فيه بين الإنسانين في الحضارتين، ويشكّل مادّة نقديّة عنده للفكر الغربيّ، فالإنسان إمّا أن يسلك مسلكًا دنيويًّا مادّيًّا يرفض فيه كلّ ما وراء المادّة، ويتّبع فيه كلّ اللذائذ والمحسوسات التي يعتبرها غاية كماله الدنيويّ، وإمّا أن يسلك مسلكًا يعتمد إرضاء ما وراء المادّة، لكنّه إرضاء لقوى خفيّة على الإنسان، أوقعته برهة من الزمن في الوثنيّة والشرك، يجري أعماله على أساس رضاها، يعتقدون بأصل عقائديّ، وهو أصل المبدأ والمعاد، وهذه إمّا وثنيّة، متعدّدة القوى والآلهة، أو أنّها تؤمن بإله واحد، وباختلاف هذه الأصول، اختلفت حتّى الاجتماعات القائمة عليها[2]: «وهذه السنن والقوانين قضايا كلّيّة، عمليّة صدورها يجب أن يفعل كذا وكذا، أو يحرم أو يجوز، وهي أيّامًا كانت معتبرة في العمل لغايات مصلحة للاجتماع والمجتمع تترتّب عليها تسمّى مصالح الأعمال ومفاسدها»[3].

السنن والقوانين عدّها العلّامة من الأمور الاعتباريّة التي وضعها الإنسان لغرض الحصول على السعادة والدوام عليها، وهي خاضعة لطبيعة الإنسان الساعية نحو الكمال، وبذلك ترفع ما فيه من النقص، وسدّ النقص بطبيعته كمال، وهو بذاته هداية إلهيّة أوّليّة، أو حاجة فطريّة يسعى إليها الإنسان: «فتبيّن أنّ من الواجب أن يتّخذ الدين – أي الأصول العلميّة والسنن والقوانين العمليّة التي تضمن باتخاذها والعمل بها سعادة الإنسان الحقيقيّة من اقتضاء الخلقة الإنسانيّة، وينطبق التشريع على الفطرة والتكوين، وهذا هو المراد بكون الدين فطريًّا، وهو قوله تعالى

(23)

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم/30) قد عرفت معنى كون الدين فطريًّا، فالإسلام يسمّى دين الفطرة لما إن الفطرة الإنسانيّة تقتضيه وتهدي إليه»[1].

أوّلًا: المنهج الفطريّ ـ منهج دينيّ:

المنهج الذي يعتمده العلّامة منهجًا فطريًّا ـ دينيًّا، يقوم على مجموعة أسس منها[2]:

ـ الأصل الأوّل: المساواة:

إنّ المنهج الدينيّ منهج فطريّ، يقوم على المساواة بين بني النوع، بغضّ النظر عن اللون، فلا فرق بين أبيض وأسود، كما لا فرق بين رجل وامرأة، وقويّ وضعيف، وقيادة ورعيّة، وشباب وكهول، وخاصّيّة المواساة خاصّيّة أساسيّة في الفكر الإسلاميّ، ميزته عن بقيّة المناهج الأخرى، فالوثنيّة تفرّق بين الروحيّ والمادّيّ، والمسيحيّة تفرّق بين الرجل والمرأة، في حين تفرّق اليهوديّة بين بني إسرائيل وبقيّة البشر، ومن ثمّ إنّ المناهج الاجتماعيّة المتّبعة اليوم، تفرّق بين (أهل الوطن) ومن هم خارج الوطن، وهذه التفرقة لا أساس لها في القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات/13)، (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أو أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) (آل عمران/195).

ـ الأصل الثاني: الواقعيّة:

لا يمكن أن يوصف المنهج الدينيّ وصفًا مثاليًّا، بل يرفض العلّامة مثل هذا الوصف للدين،

(24)

يسير الإنسان بل وكلّ موجود من الموجودات وفق رؤية واقعيّة، يصفها العلّامة بـ(الحقّ)، يعبّر عنها بالأحكام الشرعيّة، أو الإرادة التشريعيّة، فالإنسان يندفع بأفعاله تجاه المقاصد، وهذه المقاصد لا يمكن أن تكون مثاليّة، فالإنسان عندما يحتاج إلى الطعام، فهو لا يحتاج إلى صورة الطعام، بل إلى ذات الطعام وهكذا.

ـ الأصل الثالث: التوازن بين المادّيّة والمعنويّة:

الدين الإسلاميّ دعا إلى حالة التوازن بين المادّيّ والمعنويّ، ولم يبتعد عن هذه الوسيطيّة إلى جانبي الإفراط والتفريط، فهو ليس كبعض الديانات الوثنيّة المهتمّة بالجانب الروحيّ فقط كالمجوسيّة والمانويّة والصابئة والمسيحيّة المبتعدة عن الجانب المادّيّ، أو كالأديان التي اهتمّت بالجانب المادّيّ كاليهوديّة، ولهذا فالافتراق هنا هو افتراق يشمل المجتمعات أيضًا، وأفرادها التي تهتمّ بالحضارة المادّيّة بعيدًا عن الإشباع الروحيّ، وهي على العكس من الجانب الأوّل – الروحيّة – التي فهمت أنّ الحياة المادّيّة لا تكفل لها سلامة الحياة الأبديّة، ويشير العلّامة إلى أنّ هاتين الطائفتين موجودتان في عصرنا الحاضر كما وجدت على مدار العصور السابقة، وهذا دليل على أنّ الإنسان مجبول بالفطرة على تصديق المسارين والحاجة إليهما، بل وإنه ملزم بطيّ الطريقين معا لإكمال سيره التكامليّ.

ثانيًا: المنطق والبعد الفطريّ:

يؤكّد العلّامة أنّ الحياة الإنسانيّة حياة فكريّة، والفكر هو الإدراك، وحياة دون إدراك، حياة بعيدة عن الفكر، ويرتبط الفكر بالقيم، أكثر من ارتباطه بالمادّة، فهو يبنى بالقيم ولا يبنى بالمادّة، وكلّما ازداد الفكر اقترابًا من القيم، توفّر له حظًّا أكبر من الاستقامة، وفي القرآن شواهد على ذلك: (أَوَمَن كانَ مَيتًا فَأَحيَيناهُ وَجَعَلنا لَهُ نورًا يَمشي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيسَ بِخارِجٍ مِنها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلكافِرينَ ما كانوا يَعمَلونَ) (الأنعام/122)، (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر/9)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ

(25)

اللَّـهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (المجادلة/11)، (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَـئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّـهُ وَأُولَـئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر/18)[1]. والتوحيد أعلى القيم الإنسانيّة وأهمّها، بل لا تقوم إنسانيّة الإنسان إلا بها، وهي القيمة الوحيدة التي تنجيه من عبادة بشر آخر، وأن يتّخذ بعضهم لبعض من دون الله أربابًا[2].

 إنّ ما يهدف إليه القرآن الكريم هو الوصول إلى (الأقوم): (إِنَّ هـذَا القُرآنَ يَهدي لِلَّتي هِيَ أَقوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤمِنينَ الَّذينَ يَعمَلونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُم أَجرًا كَبيرًا) (الإسراء/9) وتتضح عناية القرآن بالأقوم كونه طريق الفطرة، فهو ليس متناقضًا معها ولا مختلفًا، وللقرآن علاقة أخرى مع العقول والفكر الصحيح[3]: «لم يُعيّن في الكتاب العزيز هذا الفكر الصحيح القيم الذي يندب إليه، إلا أنّه أحال فيه إلى ما يعرفه الناس بحسب عقولهم الفطريّة وإدراكهم المركوز في نفوسهم»[4].

 والجملتان الأخيرتان لهما قيمة عليا في ما أراد العلّامة له إيضاحًا وتبيانًا، حيث إنّ القرآن الكريم لم يدعُ في واحدة من آياته إلى الإيمان بشيء من دون وجود شرط (التعقّل)، وهو ما يفسّر وجود أكثر من ثلاثمائة آية مباركة تدعو إلى التأمّل والتفكّر والتعقّل والإدراك، على أنّ الإدراك هنا طريق الفكر الصحيح المنبثق من القرآن الكريم، الداعي إلى الفطرة، التي لا يختلف عليها، وإن حصل الاختلاف، فهو ليس نتاج الفطرة، وإنّما هو طريق الاختلاف في فهم (المشاجرة) في البديهيّات[5].

ولارتباط الفطرة المركوز في النفس، (من قوانين منطقيّة) ذات تصوّر وتصديق، لا تنكرهما الفطرة السليمة، يرتّبها الإنسان ترتيبًا منطقيًّا، بحيث ينتقل منها إلى النتائج، كقولنا: «أ. ب، وكل

(26)

ب .ج، فـ أ. ج، وكقولنا لو كان أ. ب، وج، د، ولو كان ج. د هو ز، ينتج  لو كان أ .ب، فـ هـ. ز، وكقولنا: إن كان أ. ب، فلا ج. د، ولو كان ج. د، فـ هـ. ز، لكن أ ليس ب ينتج هـ ليس ز»[1].

 هذه القوانين، تسمّى قوانين الفكر، وصفها العلّامة بأنّها قوانين منطقيّة، وهي عوامل رئيسة في كلّ عمليّة استدلال، بل لا يمكن أن تجري أيّ عمليّة دونها، وهي مبدأ أو قانون الهويّة، وقانون التناقض، والثالث المرقوع[2].

هناك العديد من الشكوك التي أثيرت ضدّ الفطرة: «وعلى ذكر الاهتمام بالفطرة السليمة، لماذا علينا اعتبارها ميزة للنظريّة إذا كانت قريبة من الفطرة السليمة، فالفطرة السليمة أوصلت الناس إلى أنّ الأرض مسطّحة، وأنّ الشمس تدور حول الأرض، وفي القرن العشرين قلبت النظريّة النسبيّة، وميكانيكا الكمّ الفطرة السليمة رأسًا على عقب»[3].

إنّ إزاحة مفاهيم المنطق الأرسطيّ الذي وصفه العلّامة بـ(الفطريّ)، بدأت بشكل واضح في بداية القرن التاسع عشر، بعد دراسات وإسهامات جورج بول وكانتور وفريجه[4]، وأنّ أيّ اختلاف بين الفطرتين، فهو لا يتمّ على أساس منطقيّ، أو يتأتى منه، وإنّما هي مغالطات يمكن علاجها من فكّها وترتيبها ترتيبًا منطقيًّا بصيغة جديدة، وبذلك لا يمكن الاعتماد والوثوق بما تقدّمه الطعونات المختلفة على المنطق وقوانينه من أنّها لا تصل بنا إلى اليقين[5].

على أنّ الشبهات التي عدّدها العلّامة، والتي جاءت متراصّة ضدّ النظام المنطقيّ بكونه حقيقة فطريّة، وإنّ عالجها من زاوية الدفاع عنها في ما صاغته بعض الكيانات الإسلاميّة عند المتكلّمين والفقهاء، أو الباحثين المعاصرين لهم، لكن تلك الشبهات كانت قريبة ممّا وصف به الفكر الغربيّ

(27)

من أنّ المنطق الأرسطيّ وهو المنطق المعتمد عند العلّامة – بأنّه منطق انتهى زمنه وفات وقته؛ لأنّه منطق يعتمد على الألفاظ (الكلّيّات) من دون أن يعتمد على الوقائع الحسّيّة، نجد أنّ العلّامة يدافع عن النظام المنطقيّ بكونه نظامًا منطقيًّا، وليس لكونه منطقًا أرسطيًّا أو فكرًا يونانيًّا، وإنّما لكون قوانينه، قوانين فطريّة تنبع من العقل السليم: «إنّ الكتاب والسنّة هما الداعيان إلى التوسّع في استعمال الطرق العقليّة الصحيحة، (وليست إلا مقدّمات بديهيّة أو المتّكئة على البديهيّة) (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَـئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّـهُ وَأُولَـئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر/18)[1] من دون أن تُعارضْ هذه الأقيسة العقليّة، وهنا إشارة يصف بها العلّامة (الحقّ) بأنّه ضاّلة كلّ إنسان، والحقّ بما أنّه – فطريّ – لا يتأثّر به إيمان شخص أو كفره: «إنّ الحقّ حقّ أينما كان، وكيفما أصيب، وعن أيّ محلّ أخذ، ولا يؤثّر فيه إيمان حامله وكفره ولا تقواه وفسقه، والإعراض عن الحقّ بغضًا محاولة ليس إلا تعلّقًا بعصبيّة الجاهليّة التي ذمّها الله سبحانه وذمّ أهلها في كتابه العزيز وبلسان رسله عليهم‌السلام »[2].

 فالقرآن على المحكّ مع جميع العلوم والصناعات المتعلّقة بأطراف الحياة الإنسانيّة، ومن الواضح اللائح من آياته النادبة إلى التدبّر والتفكّر والتذكّر والتعقّل، إنّه يحثّ حثًّا لتعاطي العلم ورفض الجهل في جميع ما يتعلّق بالأمور السماويّة والأرضيّة وفي النبات والحيوان والإنسان من أجزاء عالمنا وما وراء هذا العالم من الملائكة والشياطين واللوح والقلم، وغير ذلك، ليكون ما تقدّم من المعارف ذريعة لمعرفة الله سبحانه، وما يتعلّق بهذه المعرفة بسعادة الإنسان في حياته الفرديّة أو الاجتماعيّة المعتمدة على الأخلاق والشرائع والحقوق وأحكام الاجتماع، والقرآن يؤيّد الطريق النظريّ في التفكير الذي يدعو إليه بالفطرة دعوة اضطراريّة لا فصل بها عن الحقّ، وما تدعو إليه الفطرة هو الطريق الخاضع والمعتمد على المنطق، على أنّ القرآن لا ينفكّ مستخدمًا للمنطق في دعوته للأمّة لأن تؤمن به، وأن يتعاطوا طريق البرهان فيما كان من الواقعيّات الخارجة، وأن يستدلّوا بالمسلّمات فيما هو في غير ذلك من الأمور[3].

(28)

المبحث الثاني

نظريّة المعرفة عند العلّامة الطباطبائيّ:

يستمدّ العلّامة الطباطبائيّ قدس‌سره نظريّته في المعرفة اعتمادًا على القرآن الكريم، وكان للفطرة والدين (الدينيّ) دورًا كبيرًا في تبيينها وإيضاحها، وكذلك في نقد المعرفة الغربيّة باتجاهيها الحسّيّ والعقليّ، وكان باعثها الفصل في معرفة العالم الخارجيّ، من زاوية القدرة على إدراكه من عدمه، والذي شكّل ميدانًا بحثيًّا لما يطلق عليه اليوم بـ(الابستمولوجيا)، والتي ترك (ديكارت) بصمتها الأولى في كتابه المهمّ (تأمّلات في الفلسفة الأولى) نقطة الانطلاقة لها في الفلسفة الحديثة[1]، إذ يؤكّد ديكارت في تفرقته بين نوعي الإدراك (التعقّل والتخيّل) والمائز بينهما – على أنّه استفاد من هذا التمايز لإثبات الأشياء الخارجيّة (الواقعيّة)، فوجود (التخيّل) للأشياء الخارجيّة يفيد (التعقّل) لإثباتها، كونها متميّزة عن ما يوجد في الذهن، فالتخيّل ليس إلا الالتفات نحو الأجسام الخارجيّة، لكنّ التعقّل يظهر دوره من عمل الذهن: «الذهن، عندما يتخيّل إنّما يلتفت صوب الجسم وينظر إلى ما فيه من صور حسّيّة تطابق الفكرة التي كونها بنفسه أو التي تلقّاها عن طريق الحواس»[2]، بمعنى أنّ هناك حقيقة خارجيّة، عمل الذهن هو تخيّلها، فإذا كانت الصورة المتخيّلة مطابقة لما هو في الخارج ـ العيان ـ أثبت الذهن صـورتها طبقًا لوجودها كأشياء خارجيّة.

العلاقة بين الأشياء الخارجيّة التي ترد إلى الذهن عن طريق الحواس بما تتركه من ردّ فعل مادّيّ، يطلق عليه العلّامة بـ(الإدراك): «أثبتت لنا المشاهدة والتجربة أنّنا حين نستخدم الحواس يحصل لدينا ردّ فعل مادّيّ جرّاء التأثير الذي يحدثه الواقع الخارجيّ للمادّة في المجموعة العصبيّة، ومع تعطيل ممارسة الحاسّة يمحى هذا الحالة شيئًا من الإدراك»[3].

(29)

إنّ العلاقة بين الواقع والذهن، والتي هي موضوع نظريّة المعرفة، كانت لمجموعة من الأسئلة التي تطرح حول: بماذا نعرف؟ كيف نعرف؟ وأيّ شيء يمكن معرفته؟ وهل إنّ الشيء المُدرَك موجود في الذهن أو خارجه؟ وهل هذا الشيء مادّيّ أو معنويّ؟ وهل إنّ الإدراك يحصل بمبادئ عقليّة قبليّة؟ أم نحصل عليه بالحواس المدعومة بالتجربة؟ وكانت هذه التساؤلات كردّة فعل ضدّ الاتجاه الفلسفيّ الشكّيّ، الرافض لإقامة أيّ نوع من أنواع المعرفة، إذ وضع (غورغياس 480-375 ق. م) كتابًا ردّ فيه على (الايلين)، وكانت مباحثه تدور حول اللاوجود، لخصّ فيه ثلاث مقولات: بأنّه لا يوجد شيء، وإذا وجد فإنّ الإنسان غير قادر على إدراكه، وإن أدركه، فهو لا يستطيع إبلاغ الناس الآخرين به[1].

وإن كان المذهب الشكّيّ مذهبًا متطرّفًا، فإنّ هناك مذاهب شكّيّة تصرف عنها صفة التطرّف، فهي لم تنكر إمكانيّة المعرفة، أو تنكر صدق بعض الاعتقادات؛ لأنّها رأت عدم إمكانيّة التأكيد أو التبرير لهذه الاعتقادات: «من أجل اتخاذ قرار للاعتقاد بشيء أو عدم الاعتقاد، فنحن بحاجة إلى معيار للتقرير حول القضايا التي نعتقد بها، ولكن هناك العديد من المعايير التي يمكننا تبنّيها: هل الاعتقاد مؤيّد بأدلّة ناتجة عن الإدراك الحسّيّ؟ هل يمكن استنباطه من مقدّمات بديهيّة؟ هل يتطابق مع الكتب المقدّسة؟ هل هو مقبول من أغلبيّة الناس؟...»[2].

وعليه، تتمحور معالجة مشكلة المعرفة عند العلّامة باتجاهات ثلاث، سلّط فيها الضوء على إمكانيّة المعرفة، وناقش فيها اتجاه الشكّ المطلق، وأطلق عليه العلّامة صفة (السفسطائيّة)، وتناول الثاني مناقشة إمكانيّة إدراك العالم الخارجيّ من حيث الواقعيّة أو الافتراضيّة، واختصّ الاتجاه الثالث ببحث أدوات المعرفة، هل هو الحسّ أو العقل أو كلاهما أو أنّ هناك وسيلة أخرى؟

(30)

الاتجاه الأوّل:

تطرّق البحث فيما سبق إلى اتجاه الشكّ المطلق في إمكانيّة قيام المعرفة والذي مثله الاتجاه السفسطائيّ، وإن تمّت المعرفة فلا يمكن أن تنقل إلى الآخرين، على أنّ هذا الاتجاه كان معارضًا وبقوّة للفطرة السليمة، ولذا فإنّ الشكّ المطلق كالدبّوس الذي يفجّر البالون؛ لأنّ ادّعاء عدم إمكانيّة قيام المعرفة ادعاء زائف بحدّ نفسه، فهو ادّعاء لا يمكن معرفته[1]، وقد أشار العلّامة إلى أنّ البحث في ظواهر العالم إنّما هو بحث غريزيّ، تجسّده ظواهر لا تحصى في عالم الوجود، فغريزيّة البحث جزء من الفطرة[2].

 الاتجاه الثاني:

يطلق العلّامة عليه اسم الاتجاه السفسطائيّ، وهو اتجاه منكر لوجود العالم الخارجيّ، ويجعل مقابله (الفيلسوف) الذي يثبت وجود العالم أو الواقع الخارجيّ[3]، على أنّ الاتجاه الأكبر لوجود العالم الخارجيّ وأنّ المعرفة هي معرفة ذهنيّة أو معرفة في الذهن فقط أطلق عليه بالاسميّة، والذي مثله في العصر الراهن (جورج باركلي 1685-1753)[4].

إنّ أداة المعرفة عند باركلي هي الحسّ، فقد أنكر بذلك المعرفة العقليّة بالمعنى الذي يظهر عند العقليّين أو أصحاب الاتجاه العقليّ، ووصل من الإدراك الحسّيّ للأشياء المحسوسة إلى إنكار الواقع الخارجيّ، وإثبات الإدراك كفعل عقليّ أو فعل ذهنيّ: «فالوجود كونه مدركًا»[5]، وبذلك قصــد باركلي الانطلاق المعرفيّ من الحسّ وإنكار الوجــود المادّيّ الخارجيّ إنكارًا تامًّا[6].

فرّق باركلي بين الأشياء الواقعيّة في العالم الخارجيّ، والأفكار أو المبادئ العامّة التي يكوّنها

(31)

الحسّ عن طريق الأشياء الخارجيّة، فالأفكار لها وجود مستقلّ عن المادّة، نحصل عليها من طريق الإدراك الحسّيّ لهذه الأشياء[1]، لكن الفكرة لها أهمّيّة كبيرة ودور فعليّ في فلسفته، وهذا الدور وتلك الفكرة يحدّدها مكان تواجد الأفكار، وتواجدها فقط في الذهن المدرِك[2]، ويشير إلى غرابة الرأي القائل بوجود الأشياء الخارجيّة كالجبال والمنازل خارج الذهن وجودًا حقيقيًّا واقعيًّا[3]، وبذلك نجد أنّ العلّامة (يندهش) للوهلة الأولى ممّن ينكر وجود الواقع الخارجيّ خارج الذات العارفة، ويندهش أيضًا حين يُوصَف هذا المُنكِرُ بالمفكّر أو الباحث أو الفيلسوف، ويبدو أنه قصد بذلك الفيلسوف (جورج باركلي)[4]، وفي مقابل أفكار (باركلي) المعبّرة عن الوجود الذهنيّ فقط، كان للسيّد العلّامة موقف معارض منها، فأفكار (باركلي) ليس سوى أفكار أو تجمّعات من الأفكار، وهذه الأفكار لا يمكن أن توجد مستقلّة عن الذهن، ثمّ إنّ هذه الأفكار يعبّر عنها بكلمة، وكلّ كلمة تشير أو ترمز إلى فكرة، والمعرفة إنّما هي تعبير عن أفكار تأتي من الخارج، فالأفكار ما هي إلا إحساسات في حالتها الأولى، وأفكار في حالتها الثانية، وفعل الإدراك هو امتلاك هذه الفكرة[5].

وقد تحدّث (باركلي) بوضوح عن الفكرة، فإنّ ما يدركه المرء من قراءة نصّ ما، إنّما يدرك الحروف المكتوبة المكوّنة للكلمات إدراكًا حسّيًّا، فإن كان النصّ يتحدّث عن مفهوم الصدق أو عن مفهوم الفضيلة فهنا نوعان من الإدراك، إدراك حروفهما بشكل مباشر، وإدراك معانيهما بشكل غير مباشر، وإدراك المعنى يعني وجود الفكرة في الذهن، وهذا الوجود هو وجود الفكرة أو وجود مُدرَك وليس وجود الأشياء في الذهن، وإنّما وجود المعنى للشيء، فعند الحديث عن الزُهرة وألوانها باعتبارها موضوعًا للإدراك الحسّيّ: «ما دامت أصبحت شيئًا مرئيًّا، أي ما دامت قد أصبحت موضوعًا مباشرًا للحواس، وبمعنى آخر ما دامت قد أصبحت صورة فإنّ من التناقض

(32)

الواضح أن ندّعي احتمال وجودها بعد ذلك خارج العقل في جوهر غير مفكّر»[1].

موقف العلّامة المعارض والنقديّ جاء من إثبات الواقع، ووجود هذا الواقع، باعتباره قضيّة فطريّة، الخطوة الأولى للمعرفة هي مواجهة الأشياء، والتعامل معها أو التعامل مع واقع الوجود[2]، ومقولة العلّامة (الوجود الواقعيّ) تعارض مقولة باركلي (الوجود كونه مدركًا)، ووفق (باركلي) لا يمكن أن تكون هناك معرفة حقيقيّة لأيّ شخص من الأشياء لأشياء حسّيّة مالم تكن هذه الأشياء مدركة إدراكًا ذهنيًّا، فلفظ (الوجود) ينحصر عند إطباق هذه الأشياء كموجودات ذهنيّة: «فالمنضدة التي أكتب عليها مثلًا، توجد بمعنى أنّني أراها، أشعر بها، وإذا كنت خارج الحجرة، فإنّني أقول إنّها موجودة، قاصدًا بذلك أنّني لو كنت في الحجرة لكنت أدركتها، أو أنّ روحًا أخرى تدركها بالفعل»[3].

حصر الأشياء بالوجود الذهنيّ وفقط حين إدراكها، يعني إنكارًا واضحًا للوجود الخارجيّ – الواقعيّ، ومن هنا نجد أنّ العلّامة كان له نقد واضح عرضه بطريقين:

الطريق الأوّل: يفرّق العلّامة بين العلم والمعلوم، فالمعلوم هو الواقع، وما يحصل في الذهن هو العلم، فحجّة (الوجود كونه مدركًا) تستبطن إثبات واقع؛ لأنّ الموجود في الذهن هو العلم، ويتّسم هذا الوجود عند العلّامة بالكاشفيّة، كونها صفة مميّزة للعلم، تكشف عن الخارج، بالإضافة إلى فطريّة مسألة وجود الواقع الخارجيّ التي لا تحتاج بذاتها إلى برهان[4].

الطريق الثاني: إن زعم باركلي بكون الأشياء مدركة، يؤكّد على وجود الأشياء الجزئيّة وينكر بذلك الكلّيّات، وهي مسألة ناقشها العلّامة بالتفريق بين العلم من حيث تقسيماته (التصوّر والتصديق)، لتعلّق التصوّر بالأمور الجزئيّة الخارجيّة المدركة بالحسّ، كأفراد الإنسان المعبّر عنها

(33)

منطقيًّا بأفراد النوع، ومتعلّق التصديق المفاهيم الكلّيّة التي تتكوّن من الجزئيّات، كمفهوم الإنسان الكلّيّ المعبّر عنه منطقيًّا بالنوع، والفرق بينهما – التصوّر والتصديق – هو الحكم متعلّق الثاني دون الأوّل، وبذلك كما يقسّم العلم إلى تصوّر وتصديق، ينقسم أيضًا إلى جزئيّ وكلّيّ[1]، أي إنّ إنكار الأشياء الكلّيّة يفقد العلم التصديقيّ، ويكون علمه ناقصًا متعلّقًا بالتصوّر أو بالجزئيّات فقط.

 الاتجاه المادّيّ:

ومن جانب آخر كان لإثبات واقعيّة العلم وسيلة لنقد الفلسفة الغربيّة المادّيّة، فالماديّون حاولوا إثبات بأنّ ما يقدّمونه من الفلسفة إنما هي فلسفة واقعيّة، وهي في ذات الوقت جاءت رفضًا للفلسفة المثاليّة، فعلى خلاف المثاليّة، التي تؤكّد أنّ الطبيعة وأشياءها ما هي إلا مدركات ذهنيّة، تؤكّد المادّيّة أنّ الطبيعة وأشياءها (الكائن) أشياء واقعيّة مستقلّة عنّا، وأنّ العلاقة بين الفكر والمادّة علاقة بين العقل والطبيعة، وهي غاية البحث في كلّ فلسفة على اختلاف نظريّاتها[2].

يرى العلّامة أنّ الفلسفة المادّيّة في جوهرها ما هي إلا فلسفة مثاليّة، وسبب إدراج المادّيّة كفلسفة مثاليّة عند العلّامة، استنادًا إلى مبدأهم القائل بأنّ الفكر ما هو إلا نتاج المادّة[3]: «إنّ العالم المادّيّ الذي تدركه حواسنا، والذي ننتمي نحن إليه أنفسنا، هو الواقع الوحيد، أمّا إدراكنا وفكرنا فهما مهما ظهرا رفيعين ساميين، ليسا سوى نتاج عضو مادّيّ جسديّ هو الدماغ... إنّ المادّة ليست من نتاج العقل، بل إنّ العقل نفسه ليس سوى نتاج المادّة الأعلى»[4].

تقوم الفكرة المادّيّة على محورين أساسيّين، الأوّل يشير إلى أنّ المادّة متغيّرة ومتحوّلة، فإنّها في تطوّرها تمثّل ظاهرة الدوام والإطلاق. والمحور الثاني، إنّ هذا التطوّر ينقل المادّيّة من الكمّ إلى الكيف، وهنا يبيّن العلّامة نقده الفلسفيّ إلى ما تتضمّنه المادّيّة في قواعدها الأساسيّة، إنّ التغيير والتحوّل يعتمد على فكرة الديالكتيك، أو الجدل الهيغليّ، فالمادّة صيرورة ومسار، وهي ذات تطوّر

(34)

مستمرّ، بل إنّها لا تهدأ من تطوّرها على الإطلاق، وهذا التطوّر منشؤه تعارض الفكرة بنقيضها، فتنتفي الفكرة لتظهر حقيقة جديدة أو فكرة جديدة بمستوى أعلى وأقوى من الفكرتين السابقتين، وهذا التغيير ينتج تغييرًا آخر، وهو الانتقال من الكمّ إلى الكيف، الذي يشكّل بدوره تغييرًا نفسيًّا، فالانتقال من الكمّ إلى الكيف، انتقال من ما هو مادّيّ إلى ما هو نفســيّ[1].

يؤكّد العلّامة في المحور الأوّل أنّ هذا التطوّر المادّيّ جاء بصيغة التحوّل والتكامل الذاتيّ، وهذا يؤدّي إلى فرض الكلّيّة والدوام والإطلاق في التحوّلات المادّيّة، مع أنّ هذه المفاهيم مفاهيم ذهنيّة وليس مفاهيم مادّيّة؛ لأنّ المادّة تتأثّر بالتحوّل والانقلاب والتأثّر، والمفاهيم من الكلّيّة والدوام مفاهيم منطقيّة أرسطيّة[2]. ومن هنا ينقل العلّامة مطهري، في تعليقته على متن العلّامة بمعارضة المادّيّة للمنطق الأرسطيّ، باعتبار أنّ مفاهيم الدوام والضرورة مفاهيم خاصّة كونها مفاهيم طبيعيّة، وكلّ أجزاء الطبيعة في حالة تغيير وتبدّل دائم، في حين أنّها في المادّة لا تمثّل إلا حالة من الجمود[3].

ويشير العلّامة إلى هذا التناقض: بأنّ كلّ تصوّر أو تصديق، تتوفّر عليه سيكون متغيرًّا أو جزئيًّا ونسبيًّا؛ لأنّ كلّ فكر أو إدراك ما هو إلا نتاج المادّة ونتيجة حتميّة للتحوّل الذي يطرأ عليها منه[4]، والنقطة الحاسمة في هذا النقد هو النتاج الحاصل من الفكر والمادّة هو ليس انعكاسًا للعالم الخارجيّ، وإنّما هو نتاج من غيره، وتبيانه: إنّ حضور صورة المعلوم في ذهن العالم، هي نقطة النقد للفلسفة المادّيّة، فإنّ الفكر إذا كان وليد المادّة، وإنّ المعلوم يأتي بجزء من المادّة وجزء آخر من الفكر، وبهذا يكون ثالثًا بينهما، فالمعلوم هنا غير الواقع الخارجيّ وليس انعكاسًا له، فكيف نفهم أنّ هناك واقعًا خارجيًّا يمثّل المادّة وأنّ الفكر ليس إلا وليده؟ وبذلك لا يمكن أن نصل من وراء الفكر إلى وجود عالم خارجيّ[5] وتبقى المادّيّة بذلك فلسفة مثاليّة.

(35)

وفي المحور الثاني، الانتقال من الكمّ إلى الكيف برؤية مادّيّة، تتمّ هذه التغييرات بصورة ضئيلة وتدريجيّة، وهي ليست تغييرات منظورة، بل هي سريعة وفجائيّة، وتحدث بقفزات من حالة إلى حالة أخرى، ثمّ إنّ هذه التغييرات كما يصفها ستالين (ضروريّة)[1]، وقد سبق بيان مفهوم (الضرورة) بأنّه مفهوم يعارض التحوّل والتبدّل في المادّيّة، كون الضرورة مفهوم منطقيّ، ثمّ إنّ الانتقال من الكمّ المادّيّ إلى الكيف النفسيّ انتقالة مرفوضة عند العلّامة، وهذا الرفض يفسّره الاختلاف بين المقولتين (الكمّ والكيف)، فالأوّل يقبل القسمة والنسبة إليه، في حين أنّ الكيف لا يقبل القسمة ولا النسبة في الواقع الخارجيّ، وكلّ منهما مفهوم كلّيّ تندرج تحته أنواعه المتعدّدة[2]، وهو يؤكّد أنّ (الصور الذهنيّة) أي المعلوم، لا يمكن أن يندرج تحت أيّة مقولة من المقولات التسعة؛ وذلك لعدم ترتّب الآثار عليها في الذهن[3]، لكن إذا أدرجت عند الحكماء فهي إنّما تكون تحت الكيف النفسانيّ، وهذا الاندراج إنّما جاء من باب المسامحة ليس إلا: «وأمّا تسميتهم العلم كيفًا، فمبنيّ على المسامحة في التعبير، كما يسمّى كلّ وصف ناعت للغير كيفًا في العرف العامّ، وإن كان جوهرًا»[4]. فكيف يندرج المعلوم عند المادّيّين تحت مقولة الكمّ، ثمّ يتحوّل بالمفاجئة إلى كيف؟

 الاتجاه الثالث:

تنقسم مصادر المعرفة إلى ثلاثة أقسام في الفكر الفلسفيّ، ولا سيّما الحديث منه، إذ انقسمت المعرفة بين الاتجاه الحسّيّ الذي تزعمه (جون لوك)، والمؤكّد بأن الطفل يولد خالي القلب من أيّة معرفة، وإنّ المعرفة إنّما تحصل من الانطباعات الحسّيّة المتكوّنة نتيجة الحسّ، وأن لا دور للمعرفة الفطريّة التي زعمها ونادى بها الاتجاه الثاني، الاتجاه العقليّ والذي زعم أنّ العقل قوّة فطريّة، فالإنسان، أيّ إنسان لا يتلقّى العلم من الخارج، بل يتلقّاه من داخل العقل، أطلق على المتحصّل هنا اسم النور من قبل (ديكارت) زعيم الاتجاه العقليّ، وأنّ العقل نور وفطرة، أو قوّة فطريّة، يعتمد على مجموعة مبادئ فكريّة، من مبدأ الذاتيّة وعدم التناقض ومبدأ الثالث المرفوع، أمّا الاتجاه الثالث هو

(36)

الاتجاه الحدسيّ الذي أسقط إمكانيّة المعرفة بالحسّ أو بالعقل، وأكّد أنّ المعرفة إنّما هي امتزاج بين العارف والمعروف، واختلاط بين المدرك والمُدرَك، بحيث تستبعد التفرقة بين الذات المُدرِكة والموضوع المُدرَك، وهي معرفة لا تحتاج إلى برهان ولا دليل بالإضافة إلى أنّها رؤية داخليّة[1].

نقد العلّامة لوسائل وأدوات المعرفة، واعتماد المذاهب الفلسفيّة الغربيّة أمّا على الحسّ أو على العقل فقط أو بهما معًا، ورفض أن تكون المعرفة معتمدة على الحسّ فقط أو على العقل أو على كليهما، بل إنّ هناك نوعًا من المعرفة هي المعرفة (الإلهاميّة) تسند على هاتين المعرفتين وتعتمد عليهما كما يعتمدان عليها.

المعرفة الحسّيّة:

 يستند العلّامة على القرآن الكريم في إثبات أصل المعرفة الحسّيّة، قوله تعالى: (فَبَعَثَ اللَّـهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) (المائدة/31) ويشير إلى أنّ هذه الآية المباركة من الآيات التي لا نظير لها في القرآن الكريم، ويستدلّ منها بأنّ المعرفة عند الإنسان إنّما تبدأ من الحسّ، وعن طريق الحسّ يصل الإنسان إلى بقيّة أفكاره العلميّة، كما يجري البحث العمليّ على غرار ذلك. ويرجع  كلّ ما عند الإنسان من صور إلى الحسّ، سواء أكانت تصوّر أم تصديق، جزئيّة هذه الصور أم كلّيّة، وبأنّها صور متكثّرة حتّى وإن كان هذا الإنسان من أجهل الناس، وأن هذه الصور بطور النمو والزيادة ما زال الحسّ قادرًا على جلب مثلها، وإن تعطّلت الحواس لعطب أو كبر، فأنّ هذه الصور تضمحلّ وتنتهي لكيلا يعلم بعد علم شيئًا، وأنّ هذه الصور بذاتها هي نوع من الهداية بالحسّ أو بالفكر الذي يبعثها الله تعالى للإنسان (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق/4)[2].

وهذا ما يؤكّده العلّامة مرّة ثانية، بأنّ العلم النظريّ للإنسان إنّما يتمّ عن طريق الحسّ، والمعارف العقليّة، فبالحسّ تعلم خواصّ الأشياء، يطلق على هذا النوع من الهداية بالهداية

(37)

الاستكماليّة للإنسان عن طريق العلم، ونستطيع القول إنّ العلم عند العلّامة على قسمين، الأوّل العلم النظريّ المعتمد على الحسّ، وهو ما يمثّل الهداية الاستكماليّة للإنسان: «فالله سبحانه، هو الذي علّم الإنسان خواصّ الأشياء التي تنالها حواسّه، نوعًا من النيل، علّمه إيّاها عن طريق الحواس، ثمّ سخّر له ما في الأرض والسماء جميعًا (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية/13)[1]. وعلم عمليّ أو العلوم العمليّة التي يعرّفها بأنّها: التي تجري فيما ينبغي أن يُعمل، وما لا ينبغي، فهذه العلوم إنّما تجري بإلهام منه تعالى، من دون حسّ أو عقل نظريّ، وجعل الدين القيّم هو ذلك النوع من العلم الذي يحصل عليه الإنسان بإلهام، كما في قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم/30)، والفعل هنا ما يحقّق الأشياء الحسنة، وما لا ينبغي فعله فهو الأفعال السيّئة[2]: «فجميع ما يحصل عليه الإنسان من العلم إنّما هو هداية إلهيّة، وبهداية إلهيّة، غير أنّها مختلفة بحسب النوع، فما كان من خواصّ الأشياء الخارجيّة فالطريق الذي يهدي به الله سبحانه الإنسان عن طريق الحواس، وما كان من العلوم الكلّيّة الفكريّة فإنّما هي بإعطاء وتسخير إلهيّ من غير أن يبطله وجود الحسّ أو يستغني عنها الإنسان في حال من الأحوال، وما كان من العلوم العمليّة المتعلّقة بصلاح الأعمال وفسادها وما هو بتقوى أو فجور فإنّما هي بإلهام إلهيّ بالقذف في القلوب، وفرع باب الفطرة»[3].

بعد أن يبيّن العلّامة النوعين من العلم والمعرفة (الحسّيّ والعمليّ)، يشير إلى نوع ثالث من المعرفة، يربطه بالإلهام الإلهيّ، والذي يتوقّف عليه صلاح واستقامة النوع الثاني من المعرفة (العمليّة)، وكذلك يتوقّف عليه استقامة العقل التي تؤدّي بدورها إلى استقامة الإنسان (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (آل عمران/7)، (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ

(38)

وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ) (غافر/13)، (وَنُقَلِّبُ أَفئِدَتَهُم وَأَبصارَهُم كَمالَم يُؤمِنوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُم في طُغيانِهِم يَعمَهونَ) (الانعام/110)؛ لأنّ من يترك ملّة إبراهيم فإنّما هو من سفه نفسه، وهذا النوع هو (اعتبار) بين العقل والتقوى؛ لأنّ التقوى هي ما يعين العقل، فإنّ الإنسان إذا انصاب بالتقوى فلا تدري قوّته النظريّة بإدراك الحقّ أو الباطل، وأيّهما حقّ وأيّهما باطل، وإنّ الإخلال بالتقوى لا يفسد القوى العمليّة فقط بل والحسيّة كذلك، فهو لا يستطيع أن يدرك الشهوة والغضب والمحبّة والكراهية والاختلاف بينهما[1].

فالاختلاف في المعرفة، إنّما هو اختلاف واختلال في الفطرة، وهذا الاختلاف هو ليس عيبًا في الفطرة، وإنّما لاستعمالها فيما لا ينبغي، أن تستعمل فيه، كالرامي الذي لا يصيب الهدف في رميته، مع أنّ كلّ شرائط الرماية متوفّرة فيه، لكنّ استخدامه للآلة أوقعه في الخطأ، وهذا ظاهر لمن تأمّل عامّة ما يستدلّ به القوم: «إنّ الأبحاث العقليّة المحضة، والقياسات المؤلّفة من مقدّمات بعيدة من الحسّ، يكثر ويقع الخطأ فيها، كما يدلّ عليه كثرة الاختلافات في المسائل العقليّة المحضة، فلا ينبغي الاعتماد عليها؛ لعدم اطمئنان النفس إليها»[2].

وبذلك ينقد العلّامة المعتمدين من الفلاسفة على المعرفة الحسّيّة، وهي المعرفة العلميّة أو معرفة العلم، والقائمة على ما يشاهده الإنسان بالحسّ، ويدركه عن طريق الأعيان الخارجيّة، وإن صادف الشكّ والظنّ في بعضها، لكن لا يوجد هناك توسّط بين المدركات والعلم، فالخطأ الذي يحصل للإنسان في العلم، ليس خطأ في الأعيان الخارجيّة، وهذا هو الإدراك المانع من النقيض[3]، وإنما ينتج من مخالفة الفطرة، فاعتماد الإنسان في جميع أعماله على الحسّ، جعله يجعل منه الإدراك الأوّل، لا لشيء، إلا أن يكون إدراكًا حسّيًّا حتّى وإن لم يكن للحسّ والخيال دور فيه، كإدراكه –مثلًا- للكلّيّات حسّيًّا، فهو ينتقل إلى الكلّيّات عن طريق الحسّ، وهذا ما دعا الإنسان أن ينظر إلى خالقه نظرة حسّيّة[4].

(39)

ثمّ إنّ اعتماد الحسّيّين على الحسّ دليلًا على الاستدلال إذا تكرّر أكثر من مرّة، لا يوصلهم إلى نيل حقائق الأشياء بالضرورة، وإنّما توهّموا إنّهم يصلون إلى معرفة الأشياء، لذلك ابتعدوا عن العقل، واستعاضوا كلّيًّا عن العقل المحض، وهنا مخالفة واضحة للفطرة؛ لأنّ للعقل ميدانه الخاصّ كما أشار العلّامة إلى ذلك في نظريّته في المعرفة القسم الثاني، وإذا كان هذا الإنكار من قبل الاتجاه الحسّيّ لـ(الفطرة)، فالفطرة تواجه وبشكل أشد، قدرة الحسّ على تشخيص الأحكام الشرعيّة، سواء بالقياس أو بالاستحسان؛ وذلك لأنّ المعرفة الشرعيّة إنّما تقع في القسم الثالث من نظريّة المعرفة عنده، بمعنى أنّ مصدرها وحيانيًّا إلهاميًّا: (وَلا تَقفُ ما لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولـئِكَ كانَ عَنهُ مَسئولًا) (الإسراء/36)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة/168)، مع أنّ الشريعة هي ما تمثّل الحقّ بنظر القرآن الكريم: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّـهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّـهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (البقرة/213)، والحسّ والظنّ سيّان: (وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) (النجم/28)، وإنّ مخالفة هذا الواجب يوجب الوقوع في الضلال: (فَذلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنّى تُصرَفونَ) (يونس/32)، ثمّ إنّه تعالى لا يَمُنُّ بالهدى على من ضــــلّ: (إِن تَحرِص عَلى هُداهُم فَإِنَّ اللَّـهَ لا يَهدي مَن يُضِلُّ وَما لَهُم مِن ناصِرينَ) (النحل/37): «أي إنّ الضلال لا يصلح طريق يوصل الإنسان إلى خير وسعادة، فمن أراد أن يتوسّل بباطل إلى حقّ، أو بظلم إلى عدل، أو سيّئة إلى حسنة، أو بفجور إلى تقوى، فقد أخطأ الطريق، وطمع من الصنع والإيجاد الذي هو الأصل للشرائع والقوانين فيما لا يسمح له بذلك»[1].

وبذلك يرى العلّامة أنّ اعتماد الغرب على الحسّ إنّما يقوم بأوفقيّته ومقبوليّته على الدين؛ لأنّه قائم على الإشباع المادّيّ وليس العقل، وهذه ليست سنّة العالم الغربيّ فقط، وإنّما هي سنّة

(40)

البشريّة، وهذه في حقيقتها سنّة وثنيّة لا دينيّة، مخالفة للفطرة، تركّزت في الإنسانيّة منذ بداوتها إلى حضارتها، حتّى زمن الدقّة الفنّيّة[1].

وبذلك، لا يرفض العلّامة الحسّ فقط بكونه المصدر الوحيد للمعرفة، لكنّه يرفض التذكّر أيضًا؛ لأنّ التذكّر يبطل سلوك الإنسان العلميّ والفكريّ لانعزاله عن منطق الفطرة، مبتعدًا عن التقوى، فالتفكّر دون تقوى متّبعة تبعد الإنسان عن الفضائل الأخلاقيّة[2]، والغرب أيضًا رفضوا الإيمان بالغيب، كون الأمور الغيبيّة، الآيات الكبرى لله تعالى غير قائمة على الحسّ أو على التذكّر، كالوحي والملائكة والآخرة..[3].

وعارض العلّامة الشكّ المطلق، بأنّ الإنسان يستطيع أن يشكّ في كلّ شيء؛ لأنّ الإنسان قادر على تشخيص شكّه بعمله - وإن شكّ، وهذا نقد واضح للسفسطائيّة، فالعلم إنّما يكشف عن حقيقة الأشياء الخارجيّة، ولا يمكن القول بأنّنا نمضي إلى أبعد من ذلك: «إنّا نجد نفس الواقع، وننال عين الخارج دون كشفه»[4]: «فالبحث العميق من ذلك كلّه، ينتج أنّ المصائب العامّة في المجتمعات الدينيّة في العالم الإنسانيّ من مواريث الوثنيّة الأولى، التي أخذت المعارف الإلهيّة والحقائق العالية مكشوفة القناع، مهتوكة الستر، فجعلتها أساس السنن الدينيّة، وحملتها على الأفهام العامّة التي لا تأنس إلا بالحسّ والمحسوس، فأنتج ذلك ما أنتج»[5].

ومن الجدير بالذكر، يرى العلّامة إنّ اتجاه الغرب نحو الحسّ أو العقل فقط إنّما هو للاختلاف في الاعتباريّات وإنزالها منزلة المدركات العقليّة؛ لذلك وقعوا فيما وقعوا فيه: «فقاس البعض منهم الاعتبارات بالحقائق، وتعاملوا مع الاعتباريّات وفقًا للمناهج العقليّة الخاصّة بالحقائق، وقام البعض الآخر بالعكس، حيث عمّموا نتائج دراساتهم بالنسبة للاعتباريات على الحقائق، فحسبوا

(41)

أنّ الحقائق مفاهيم نسبيّة متغيّرة تابعة للحاجات الطبيعيّة، شأنها شأن الاعتبارات»[1].

المعرفة ـ العلّة والمعلول:

لم يكن دفاع أو بحث العلّامة عن مبدأ العلّيّة، هو مجرّد بحث نظريّ بحت، وإنّما بالإضافة إلى ما سبق، كان بحثًا نقديًّا يدلّل على فطريّة هذا المبدأ، ولنقد الفلاسفة وخاصّة الغربيّين منهم، الناقدين والناقمين على هذا المبدأ.

 تبدأ هذه المسألة، مسألة العلّة والمعلول، أو مشكلة العلّيّة مع أرسطو، الذي أكّد أنّ فهم الأشياء إنّما يتمّ بمعرفة عللها، وهذه الفكرة تتوافق مع الحسّ المشترك في العالم الحسّيّ[2]، ويبدو أنّ نقد هذا المبدأ من قبل فلاسفة الغرب، وخاصّة (هيوم) لم يكن نقدًا أوّلًا وبالذات له، بل كان ثانيًا وبالعرض، والدليل أنّ (هيوم) صاحب النزعة التجريبيّة، أراد نقدًا لمبدأ الاستدلال العقليّ، باعتبار أنّ الاستدلال وفق المنطق الأرسطيّ هو السائد كمنهج للعلم، وهذا ما تابعه راسل أيًضا في نقده لمبدأ الاستقراء، والتأكيد على مبدأ الاحتمال؛ إذ جاء نقد مبدأ العلّيّة عرضًا في ضوء نقد الاستقراء الأرسطيّ[3].

يشير (هيوم) إلى ضعف مبدأ الاستدلال، وأنّ العلاقة بين العلّة والمعلول لا بدّ أن يكون لها مبدأ محفوظ في الطبيعة يكون على الضدّ من مبدأ السببيّة، ولأهمّيّة هذا المبدأ الذي يطلق عليه هيوم اسم (العادة)، فهو يقوم بدراسة مستفيضة عنه، فمهما كان لشخص من قوّة تفكير ومن

(42)

عقل، فإنّه يلاحظ اطراد حوادث الطبيعة وتعاقبها، ولا بدّ أن يكون وراء هذا الاطراد من مبدأ، لكن هذا المبدأ هو ليس مبدأ الاستدلال الذي يربط النتائج بالأسباب، وخاصّة أنّ الفكرة الرابطة لا يمكن أن تدرك بالحسّ؛ لذلك يحاول هيوم أن يجد هذا المبدأ البعيد عن الاستدلال العقليّ، وهو مبدأ العادة Castom، فكلّما تكرّر حدوث فعل عن فعل آخر، في عمليّة واحدة، فإنّ هذا الحدوث جاء من أثر (العادة)، وهذا المبدأ هو المبدأ الأقصى لتفسير (تداعي هذه الأحداث): «إنّ كلّ الاستنتاجات المأخوذة من التجربة إذًا هي من أثر العادة لا من أثر الاستدلال»[1]: «إنّ العادة هي الدليل الأكبر للحياة الإنسانيّة إذًا، فهذا المبدأ هو وحده الذي يجعل تجربتنا مفيدة لنا، ويجعلنا نتوقّع من المستقبل نسقًا من الأحداث مماثلًا لتلك التي كانت ظهرت في الماضي، أما بدون تأثير العادة، فإنّا سنكون جاهلين تمامًا لكلّ واقعة تتجاوز ما هو حاضر مباشرة للذاكرة والحواس»[2].

إن لـ(هيوم) منظورين تجاه مبدأ العلّيّة، المنظور المنطقيّ والمنظور السيكولوجيّ، أبرز فيهما مفهوميّ (التجاور والأسبقيّة)، فإن كان هناك موضوع معيّن مثل (أ)، وهو يحدث باستمرار، يتبعه موضوع آخر وهو (ب)، نلاحظ في جميع الحالات أنّ (ب) تابعة لـ(أ)، وأنّ (أ) يسبقه باستمرار، وبذلك تكون (أ) هي علّة (ب)، وأنّ (ب) معلولة لـ(أ)، وبهذا فإنّ (أ) قد قبل مبدأ العلّيّة ومبدأ اطراد الطبيعة كونهما مسلّمتين، لا يمكن البرهنة عليهما، ولا يمكن الاستغناء عنهما في العادة. أمّا الجانب السيكولوجيّ، وهو الأكثر شهرة من المنطقيّ، يحلّل فيه هيوم العلاقة بين العلّة والمعلول فلسفيًّا، ومن التحليل يُبيّن أنّ هناك ثلاثة علاقات أو عناصر (التجاور، التتابع، والارتباط الضروريّ)، التجاور والتتابع علاقتان توجدان بصورة مباشرة، ويمكن إدراكهما بين انطباعاتنا، وهي فضلًا عن ذلك معطيات تجريبيّة، وهما مع ما لهما من أهمّيّة لا يكفيان للاعتقاد بأن ما حدث من شيء مثل (أ) فإنّ شيئًا مثل (ب) يستتبعه؛ لأنّ ذلك يشير إلى ما يطلق عليه مبدأ الارتباط الضروريّ (العادة) وهي ما لا يمكن إدراكه بالعقل، ويدرك فقط بالحواس، هذا هو تداعي الأفكار، وفكرة الحدث الأولى التي تؤدّي إلى فكرة الحدث الثاني[3].

(43)

يناقش العلّامة، مسألة العلّة والمعلول بإيضاح مجموعة مفاهيم يرجع فيها نظام العلّيّة إلى الله تعالى، وإنّ هذا النظام نظام فطريّ جُبل عليه الإنسان في عالم المادّة، وإنّ الغرب وقع في الاشتباه، وأنكر العلّيّة؛ لأنّهم حسبوا أنّ هناك عللًا عرضيّة متعدّدة، وهنا وقع الخلط والإبهام عندهم كما سنرى.

يؤكّد العلّامة أنّ لجميع الكائنات الموجودة على هذا الكون أفعالًا معيّنة تصدر عنها بشكل مباشر، فالضوء يصدر من القمر، والضياء والحرارة من الشمس، فلكلّ موجود أفعال تنتج عنه، وتنسب إلى موجدها، بحيث إذا وجدت العلّة وُجد المعلول، وإن غابت غاب المعلول، والإنسان من ضمن هذه الكائنات على سطح الكوكب، فالكتابة معلولة لعلّة هو الإنسان الكاتب، حتّى تنتهي هذه العلل والمعلولات إلى علّة أولى هي الله سبحانه وتعالى، على أنّ اتصال العلّة والمعلول، واتصال العلل بمعلولاتها هو ببرهان اعتمد عليه العلّامة، أطلق عليه برهان التدبير[1].

فطريّة نظام العلّيّة:

يؤكّد العلّامة أنّ نظام العلّيّة قضيّة فطريّة، والشاهد عليها نظام التربية والتعليم الذي يضطلع به الإنسان، فالإنسان اعتاد: «على تقديم الأسباب طمعًا في مسبّباتها، سواء اعترف بالصانع أو لم يعترف، ولا يتمّ له شيء من ذلك إلا عن إذعان فطريّ بأصل العلّيّة والمعلول، ولو أجازت الفطرة الإنسانيّة بطلان ذلك وجريان الحوادث على مجرّد الاتفاق، اختلّ نظام حياته ببطلان سعيه الفكريّ والعمليّ، وانسدّ طريق إثبات سبب ما فوق طبيعة الحوادث»[2].

إنّ قانون العلّيّة، قانون أوضحه القرآن الكريم، فالقرآن لا ينفكّ يوضّح قانون العلّيّة التامّة أو العامّة، ويؤكّد ـ أيضًا ـ (ضرورة العقل)، وهذه خاصّيّة تعتمد عليها الأبحاث العلميّة والأنظار الاستدلاليّة، وهي من موجبات الفطرة التي عكست بأنّ لكلّ حادث مادّيّ سببًا موجبًا له من دون شكّ، وقد دعمت الفطرة ما أثبتته الحوادث العلميّة، فكلّما حدثت النار كان لا بدّ لها من

(44)

موجب أحدثها، ثمّ إنّ القرآن يسند العلّة التامّة إلى الله تعالى، (قُل مَن رَبُّ السَّماواتِ وَالأَرضِ قُلِ اللَّـهُ قُل أَفَاتَّخَذتُم مِن دونِهِ أَولِياءَ لا يَملِكونَ لِأَنفُسِهِم نَفعًا وَلا ضَرًّا قُل هَل يَستَوِي الأَعمى وَالبَصيرُ أَم هَل تَستَوِي الظُّلُماتُ وَالنّورُ أَم جَعَلوا لِلَّـهِ شُرَكاءَ خَلَقوا كَخَلقِهِ فَتَشابَهَ الخَلقُ عَلَيهِم قُلِ اللَّـهُ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ الواحِدُ القَهّارُ) (الرعد/16)، (اللَّـهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الزمر/62)، (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (المؤمنون/62)[1]. وهذه هي الفكرة القرآنيّة التي اعتمد عليها العلّامة لنقد الفلسفة الغربيّة المنكرة للعلّيّة والمعلوليّة.

وفي معرض نقده للفلسفة الغربيّة، أكّد العلّامة أنّ هناك نوعين من العلل، علل تصدر بشكل مباشر عن معلولاتها، وهناك علل بعيدة تتأخّر عن هذه المعلولات، تكون مسؤولة عنها بطريقة غير مباشرة، مثل إعطاء المريض دواء من الطبيب، فالدواء علّة مباشرة، والطبيب علّة بعيدة، وهكذا ما يجري في نظام العلّيّة والمعلوليّة في هذا الكون، وإنّ الخطأ الذي وقع فيه المادّيّين أنّهم رأوا أنّ للحوادث الطبيعية عرضًا في مقابل العلّة التامّة التي هي الله تعالى، وفي الحقيقة لا يمكن أن يوجد علّتان عرضيّتان لمعلول واحد، وإنّما فعل الطبيعة إنّما هو بمثابة علّة طوليّة تقع في طول العلل الكونيّة والطبيعيّة والتي ترجع في أصلها نحو العلل التامّة[2].

(45)
(46)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني 

التوحيد والبناء الاجتماعي

(47)
(48)

المبحث الاول

البعد الفطريّ للاجتماع الإنسانيّ:

«كون النوع الإنسانيّ نوعًا اجتماعيًّا لا يحتاج في إثباته إلى بحث كثير، فكلّ فرد من هذا النوع مفطور على ذلك»[1]، من هنا يؤسّس العلّامة لفطريّة الاجتماع، مستندًا بذلك إلى مجموعة من المؤيّدات داعمًا بها تمام نظريّته من الأثر التاريخيّ المبيّن لها واعتماد الحياة الاجتماعيّة على مبدأ العلّيّة وقانون الاستخدام المبدأ الذي فطر عليه الإنسان ساعيًا نحو الكمال كبقيّة الموجودات في الكون الفسيح.

الإنسان المفطور على الاجتماع والتعاون[2] كان كنوع أمّة واحدة ولاختلاف السجايا والنوايا وللتنازع والتصارع من أجل قضاء حاجاته وإملاء شهواته ظهرت الصراعات وبات التفرّق والتشتّت وجاء الدين داعمًا للفطرة والموجّه القيم لها طريقًا لحلّ الصراع والنزاع الأوّل بين البشر[3]، وهذا الاجتماع لا يفرق عن أيّ اجتماع آخر للنوعيّات المختلفة من الحيوان التي يحفظ بها النوع نفسه وبقاءه[4]، وكان للنبوة دورها في حلّ إشكاليّات النوع الأوّل أو الاختلاف الأوّل بينها بما جاءت به من السنن المشروعة الحاوية على الاعتقاد والعمل الصالح عند أخذ البشر بها والعمل وفقًا لمبنيّاتها، وغاية النبوّة السعادة للإنسان في داريه، آخذة بيده نحو الكمال المنشود، في حين تعاني المجتمعات الغريبة عن النبوّة ضياع فرصة الحصول على السعادة والوصول إليها[5]، ولم يحكم أصول الاجتماع بمثل غير النبوّة بشكلها التفصيليّ[6].

(49)

إنّ الابتعاد عن تلك السنن هو ما حقّق الاختلاف الثاني بين البشر، جاء من وراء اختلاف أهل الكتاب فيما بينهم، وأشار العلّامة إلى هذين النوعين من الاختلاف: «اختلاف في أمر الدين مستندًا إلى بغي الباغين دون فطرتهم وغريزتهم، واختلاف في أمر الدنيا وهو فطريّ وسبب لتشريع الدين»[1]: «فالدين هو السبب الوحيد لسعادة هذا النوع الإنسانيّ، المصلح لأمر حياته، يصلح الفطرة بالفطرة، ويعدّل قواها المختلفة عند طغيانها، وينظّم للإنسان سلك حياته الدنيويّة والأخرويّة، والماديّة والمعنويّة، فهذا إجمال تاريخ حياة هذا النوع الحياة الاجتماعيّة والدينيّة»[2].

الاستخدام حاجة فطريّة:

الإنسان من بين الكائنات المختلفة التي تصل بمسيرها اتجاه الكمال، وإنّها تسعى في حياتها لإكمال الوجود الكماليّ لها، والوصول إلى ذلك كان سعيًا فطريًّا، لكنّه يختلف عن بقيّة الموجودات في سعيها بالشعور الفكريّ الذي أعطاه قوّة التصرّف فيما دونه، بل وبما مثله، والسبب في ذلك بلوغ كماله، وإذا كان الإنسان نوعًا اجتماعيًّا[3]، فإنّ غاية الكمال الاجتماعيّ لا تتحقّق ولا يصل إليها إلا من طريق الاستخدام، ومن ذات الطريق بنى الإنسان مجتمعه الأوّل الأسرة وعنه أيضًا وصل إلى مفهوم الرئاسة، رئاسة المنزل والعشيرة والأمّة[4]، وفي مسيرة الكمال موانع  تفتضيها المتزاحمات وهو لا يخصّ الأفراد فحسب بل والمجتمع بكاملــه[5]، ولكنّ العلّامة يفرّق بين نوعين من الكمال، الأوّل الذي يسلكه الحيوان، والثاني ما يسلكه الإنسان، فالحاجة الاجتماعيّة حاجة فطريّة ما نشأت إلا لسعة الحاجات التكوينيّة له، وكثرة نواقصه، التي لا يتمكّن من سدّها ورفعها إلا بالاجتماع، وهو لا يعني بالاجتماع هنا على أن يكون الإنسان اجتماعيًّا بالطبع أو مدنيًّا بالطبع، وإنّما عنى بها (نظريّة الاستخدام) حتّى يكمل السير الفرديّ بالسير الاجتماعيّ عن طريق التعاون والتعاضد[6].

(50)

فالإنسان يستخدم كلّ ما يراه أمامه، وبما أنّ الدار دار التزاحم والتنازع، وجد الإنسان إنّما ما يحتاج إليه من الاستخدام مطلوب منه أيضًا، فأمثاله من بني نوعه يريدون منه ما يريده منهم، ومن هنا نشأ: «حكم بوجوب اتخاذ المدنيّة والاجتماع التعاونيّ، ويلزمه الحكم بوجوب استقرار الاجتماع بنحو ينال به كلّ ذي حقّ حقّــــه، ويتعادل النسب والروابط، وهو العدل الاجتماعي»[1]، وما يفسد الحياة المدنيّة بطبيعتها اختلال نظام الاستخدام فـ: «كلّما قوي إنسان على آخر ضعف الاجتماع التعاونيّ وحكم العدل الاجتماعيّ أثرًا، فلا يراعيه القويّ في حقّ الضعيف، ونحن نشاهد ما يقاسيه ضعفاء الملل من الأمم القويّة، وعلى ذلك جرى التاريخ أيضًا إلى هذا اليوم الذي يدّعي أنّه عصر الحضارة والحرّيّة»[2].

العلّيّة والنظام الاجتماعيّ:

إنّ قانون الاستخدام الذي يقام به الاجتماع الإنسانيّ، نتيجة حصريّة لقانون أو نظام العلّة والمعلول الفطريّ؛ إذ عكس العلّامة هذا القانون من الطبيعة باتجاه المجتمع، ناقدًا بذلك قوانين الانتخاب الطبيعيّ والبقاء للأقوى أو الأصلح. فكلّ الموجودات يلزمها التأثير العلّيّ، بمعنى أنّ الموجودات الأعلى تقوم بنفع نفسها بإفناء الموجود الأضعف[3].

فالإنسان يجري على اعتبار هذا القانون في الاجتماع وهو من القوانين الكلّيّة الذي يمتاز به الإنسان في سيره التكامليّ على المستوى الفرديّ الشخصيّ والاجتماعيّ عن بقيّة الحيوان[4]، وهو يجري في المجتمع بنظام ثابت لا يقبل التبدّل ولا الاستثناء، فالإنسان: «بحسب الفطرة يتبع ما وجده أمرًا واقعيًّا خارجيًّا بنحو، فهو يتّبع الحقّ بحسب الفطرة»[5].

والاستخدام هنا إنّما هو الدفع كما عبّر عنه القرآن الكريم، والذي فسّر به العلّامة القوانين

(51)

التي قام عليها المجتمع الغربيّ ونقدها، فالطبيعة ترى أنّ الأقوى يتولّد بالتنازع ثمّ الإفناء والتي حصيلتها بقاء طرف من طرفي الصراع، لكنّ الدفع قرآنيًّا يعني فيما يعنيه البقاء على الحقّ[1]: «فهو يفيد أنّ لسيول الحوادث وميزان التنازع تقذف زبد الباطل الضارّ في الاجتماع وتدفع وتبقي ابليز [طين] الحقّ النافع الذي ينمو فيه العمران وابريز [الفضة] المصلحة التي يتجلّى بها الإنسان»[2].

فالدفع والتنازع ليس بمعناها الغربيّ وإنّما بمعنى نظريّة الاستخدام التي تطرّق إليها العلّامة والتي عبّر عنها بأنّها طبيعة فطريّة يقتضيها طبع الإنسان في الاشتراك والتعاون لعمارة الأرض، وليس بمعنى الهدم والنزاع والإفناء؛ لأنّ الإنسان مجبول بالفطرة على جلب النفع ودفع الضرر بأيّ طريقة كانت[3].

التوحيد والحياة الاجتماعيّة:

يدعو القرآن الكريم إلى اجتماع قائم على الفطرة، والحديث عن الفطرة حديث عن التوحيد، بل إنّ التوحيد -وكما يرى العلّامة- من أهمّ حقوق الإنسانيّة التي لا بدّ لها من الدفاع عنه والحفاظ عليه، كونه الحقّ الحاكم على الحياة الاجتماعية بما يضمن النفع فيما بين بني النوع[4]، والدين الإسلاميّ هو الدين القائم على هذا المفهوم؛ لأنّه ـ التوحيد ـ : «هو الأساس الذي يجب بقاء القوانين الفرديّة والاجتماعيّة عليه، وإنّ الدفاع عن هذا الأصل بنشره بين الناس وحفظه من الهلاك والفساد حقّ مشروع للإنسانيّة»[5]، فالشرك موت للإنســــــانيّة  وفي التوحيد حياة لها[6].

والتوحيد عامل مشترك بين الفرد والمجتمع، ينتقل من عبادة الإله الواحد إلى الأمّة الواحدة، ومن قسمة الإنسان على أساس التوحيد إلى قسمة المجتمعات على مجتمعات مؤمنة ومجتمعات

(52)

متمدّنة، وهو المفصل في تمييز الروح الاجتماعيّة في المجتمع الإسلاميّ وحصرها، جامعًا بين الأخلاق والعمل الصالح، فالتوحيد إشارة إلى إله واحد دعا الإنسان لعبادته وكانت النبوّات والرسل وسيلة الدعوة المباركة، والتي كان من ضمن بنودها إسهامها في بناء المجتمع، بجعل التوحيد الفكرة الضامنة لذلك البناء[1]، وبناء على فطريّة نظام العلّيّة فإنّ الإنسان لا يستقرّ على شيء حتّى يفهم نظام هذا الكون الذي يعيش فيه، وهنا يبدو الفارق بين من يفكّر بعلّة كون فسيح، يثبت صانعًا له، ويؤمن به، يخضع لعظمته وكبريائه، حكيمًا قديرًا، وبين من لا يؤمن بكلّ ذلك، ويكون بعيدًا عن ساحة الطاعة والقرب والحبّ، وبذلك يشير العلّامة إلى الفارق بين هذين الإنسانين، من يؤمن بالمبدأ والمعاد، البداية والنهاية، إيمان الوسيلة والغاية، وبين منكر لها، فحياة المنكر حياة تشابه حياة الحيوان العجم الذي لا يمتلك من دنيا تفنى بالموت وتبطل بالفوت إلا مواقف من شهوات[2].

«فهذه نزعة فكريّة أولى للإنسان إلى الحكم بأنه هل للوجود من إله؟ وتتلوه نزعة ثانية وهي القضاء الفطريّ بالإثبات والحكم بأنّ للعالم إلهًا خلق كلّ شيء بقدرته وأجرى النظام العامّ بربوبيّته، فهدى كلّ شيء إلى غايته وكمال وجوده بمشيئته وسيعود كلّ إلى ربّه كما بدأ»[3].

التوحيد يقضي بالذلّة والطاعة والخضوع، وهي سنّة فطريّة موجودة في الإنسان، نجدها بخضوع الفقير أمام الغنيّ، وذلّة المرؤوس أمام الرئيس، وطاعة المحكوم للحاكم، لدفع ضرر أو استحصال نفع، وهذه الطاعة لله تعالى ينقلها سبحانه من طاعته إلى من يرتضي من عباده لبناء اجتماعيّ محكم (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (المائدة/55) و(وَالمُؤمِنونَ وَالمُؤمِناتُ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ يَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقيمونَ الصَّلاةَ وَيُؤتونَ الزَّكاةَ وَيُطيعونَ اللَّـهَ وَرَسولَهُ أُولـئِكَ سَيَرحَمُهُمُ اللَّـهُ إِنَّ اللَّـهَ عَزيزٌ حَكيمٌ) (التوبة/71) أي من الربّ المعبود إلى العبد المؤمن بواجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[4].

(53)

وكان التوحيد كلمة الأنبياء، اتخذها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله خطوة مهمّة في بناء المجتمع المسلم والمجتمع المتعدّد، تمثّلت في تطبيق أحكام الله تعالى بين الناس بالمساواة بين أطياف المجتمع المختلفة (الحاكم والمحكوم، والشريف والوضيع، وهكذا..) وإنّ الميزان بين كلّ أولئك هو التقوى، هذا في المجتمع المسلم، أمّا في غيره – المتعدّد – فجعل من كلمة التوحيد كلمة سواء بين الإسلام وغيره (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّـهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران/64)[1].

حتّى قرن تعالى بين التوحيد في العبادة والتوحيد في الاجتماع؛ إذ أزال الطبقات الاجتماعيّة وقرّب بينها وفيصلها التقوى (إِنَّ هَـذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء/92) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات/13)[2].

 وكلمة التوحيد لا تؤتي أكلها في المجتمع ما لم تحفظ ذلك المجتمع، حيث يحفظ الإنسان كماله النوعيّ ويحقّق سعادته، وهذا لن يتمّ إلا بطريق الأخلاق القائمة على هذا الأصل: «والأخلاق الكريمة لا تتمّ إلا بالتوحيد وهو الأصل الذي عليه تنمو شجرة السعادة الإنسانيّة وتتفرّع بالأخلاق الكريمة، وهذه الفروع هي التي تثمر ثمراتها في المجتمع»[3].

والدين القائم على التوحيد هو عبارة عن سنن وتكاليف توزّع أعمال بين أفراد مجتمعاته ليصل الفرد منها كما يصل المجتمع الذي يعيش فيه إلى الكمال والذي يتمّ بالاستخدام: «فالقوانين والسنن وإن كانت عادلة في حدود مفاهيمها، وأحكام الجزاء وإن كانت بالغة في شدّتها لا تجري على رسلها في المجتمع، ولا تسدّ باب الخلاف وطريق التخلّف إلا بأخلاق فاضلة إنسانيّة وتقطع دابر الظلم والفساد...»[4].

(54)

ويبادل العلّامة مرّة أخرى بين التوحيد والأخلاق، فالأخلاق بدورها لا تفي بسعادة المجتمع ولا توصله إلى سعادته إلا إذا اعتمدت على توحيد الله تعالى، إيمانًا منها بقدرته وإحسانه، والمحصّلة إذا اعتمدت الأخلاق على حقيقة التوحيد لم يملك الإنسان إزاءها إلا رضا الله الواحد، وبالتوحيد استطاع الإنسان أن يحقّق الغاية التي وجد من أجلها: «وكيف كان فالمجتمع الإنسانيّ لا يتمّ انعقاده ولا يعمر طويلًا إلا بأصول علميّة وقوانين اجتماعيّة يحترمها الكلّ وحافظ يحفظها من الضيعة ويجريها في المجتمع، وعند ذلك تطيب لهم العيشة وتشرق عليهم السعادة»[1]، ولا بدّ أن تكون هذه السنن نافعة حتّى تحقّق السعادة؛ لذلك اتخذ الدين السنن والقوانين النافعة التي تحقّق هذه الغاية، وكان الدين بذلك متناغمًا متوافقًا مع الفطرة، وهذا هو الدين الفطريّ: «قد عرفت معنى أن يكون الدين فطريًّا، فالإسلام يسمّى دين الفطرة، لما أنّ الفطرة الإنسانيّة تفتضيه وتهدي إليه»[2].

البناء الاجتماعيّ:

البناء الاجتماعيّ لا يفترق عن أيّ بناء آخر، من حاجته إلى مادّة ماسكة ومديمة لهذا التماسك، تعتمد بالدرجة الأساس على مجموعة روابط، تحدّد سلوك أفراده في بقاء هذا الاجتماع، والعلّامة يرى أنّ أيّ اجتماع، كي يكتب له النجاح  والاستمرار، لا بدّ أن تكون فيه (روحًا) سارية، هذه الروح تشكّل (الوحدة) فيه، وتنقله من حالة الفرديّة إلى حالة الاجتماع، وذلك عند تصنيف المجتمعات على مجتمعات همجيّة وأخرى مدنيّة، ومجتمع إسلاميّ، ويلاحظ في تقسيم العلّامة اعتماده على موضوعيّة (التوحيد)[3] في هذا التقسيم، فالقسم الأوّل وهو المجتمع الهمجيّ، الذي يفقد روحي التوحيد والقانون معًا، ويعتمد في اجتماعه على روح (التنازع والتسابق والمشاجرة)، ويرى العلّامة أنّ هذه الروح لا توفّر أسس محكمة لإدامة هذا الاجتماع؛ وذلك يعود إلى تغلّب جانب القوّة بين أطرافه، وتبدّل موازينها بين آونة وأخرى، فالقوّة مرّة تكون بجانب (جماعة ـ قبيلة)، وقد تنحسر عنها لتكون بجانب (جماعة - قبيلة) أخرى تحفظ بها اجتماعها بعض الحفظ[4].

(55)

وإذا كان القسم الثاني يمثّل فيه القانون (روحًا) في المجتمعات المدنيّة، فالعلّامة يتفق مع بعض المفكّرين الغربيّين المحدثين، الذين اعتمدوا على أهمّيّة القاعدة القانونيّة التي يخضع لها البناء الاجتماعيّ، فمثلًا: إنّ (اميل دوركايم) عند تعريفه للظاهرة الاجتماعيّة، باعتبار أنّ علم الاجتماع الدارس لتلك الظاهرة، والذي يعتمد على شعور فرديّ، لا يصلح أن يكون مادّة بهذا الشعور أو الإحساس؛ ليكون مادّة لعلم الاجتماع، فالظاهرة الاجتماعيّة تمتاز عن الفرديّة، بأنّها تتصف بنوع من الصفات الذاتيّة، التي يكون لها جنس خاصّ، ويكون لها ضرب من السلوك والتفكير والشعور تقع هذه الثلاثة خارج الفرد، وهي مزوّدة بقوّة خاصّة تفرض نفسها على السلوك والتفكير والشعور، دوركايم يعتبر هذه القوّة السارية في البناء الاجتماعيّ، والتي يعبّر عنها بـ(القهر) الذي يكون بمواجهة القواعد الأخلاقيّة والقانونيّة، فالإنسان يتمكّن أن يخالف هذه القوانين والقواعد، لكن ما يثيره من اشمئزاز الآخرين وسخريّتهم، أو من العقوبات التي تفرض عليه نتيجة لمخالفة قانون ما، تجبره (قهرًا) أو تقهره على إطاعة القانون، والامتثال للقواعد الأخلاقيّة[1]: «فإنّ من الواضح أنّ الفرد لا يصلح أن يكون مادّة لها [للظاهرة الاجتماعيّة]، ولذا فإنّ من المستحيل أن تكون مادّتها شيئًا آخر غير المجتمع السياسيّ بأسره، أو بعض ما يحتويه عليه من الطوائف الجزئيّة كالمذاهب الدينيّة والمدارس الأدبيّة والسياسيّة، أو جمعيّات التعاون المهنيّ، وغير ذلك من الأمور، ومن جهة أخرى نجد أنّ هذا الوصف يناسب تلك الظاهرة دون غيرها»[2].

فالقانون هو الروح السارية في المجتمعات المتمدّنة، والقانون مختلف من حضارة إلى أخرى؛ ولذلك يتوفّر على القوّة والضعف، حسب نوع الحضارة والتزاماتها، والقانون مهذّب للإرادات البشريّة المتزاحمة والمتمانعة والمتضادّة بين أفراد هذا المجتمع، وأنّ الفارق بينها وبين القسم الثالث هو البعدين الدنيويّ والأخرويّ، فبينما يعتمد القسم الثالث على البعدين معًا، نجد أنّ

(56)

المجتمع المدنيّ لا يؤكّد إلا على البعد الدنيويّ، وبما أنّ الغاية من هذا الاجتماع هي غاية دنيويّة، فإنّ مثل هذه المجتمعات تتمتّع بالحرّيّة المطلقة فيما وراء حدود القانون لكلّ شخص يتمكّن من الاستزادة والاستمتاع بما يرغب فيه من الملذّات بما لا تتسع له حتّى جوارحه، ولذلك فهي بعيدة عن روح الأخلاق، وعن روح الأديان، بل إنّ ما ورائيّة القانون والحرّيّة المفرطة امتدّت حتّى على حساب الحضارات الأخرى من حيث العلاقة والارتباط، أو من حيث العلاقة والارتباط بالدين، فمرّة تقف ضدّه بما يوفّر لها سندًا قانونيًّا، وبذلك يفقد القانون ضمانه الاجتماعيّ عندما تقوم فئة أو جماعة بنقض العقد الاجتماعيّ، وبسط السيطرة الفئويّة على مجتمع كامل، أو على حضارة أخرى كما يشير العلّامة إلى ما كان يحدثه في وقته[1].

الفطرة ودورها في البناء الاجتماعيّ:

والقسم الثالث هو الدين، الروح السارية في المجتمع الإسلاميّ، المحافظ على البعدين السابقين من زاوية الدنيويّ والأخرويّ، وجوهر هذا الدين هو التوحيد، المفصل الفطريّ كما بان في التمهيد، والروح التي تربط الاجتماع الإنسانيّ، وهي روح ذات وجهين، فالتوحيد بالتحليل أخلاق وعمل صالح، والأخلاق والعمل الصالح إن رُكّبا فهما التوحيد، وبذلك كان التوحيد غاية وليس الدنيا، وقد (عَدَّلَ) الإرادات الإنسانيّة بما سنّ من قوانين وقواعد أخلاقيّة دعا للالتزام بها في سبيل إقامة المجتمع الإسلاميّ، الإرادة تعدّلها العبادة، وبما يضاف إليها من المعارف الحقّة، والأخلاق الفاضلة التي تسير كلّ شيء في كلّ تفاصيل المجتمع: «فالجميع بين أجزاء الدين الإسلاميّ ترجع بالتحليل إلى التوحيد، والتوحيد بالتركيب يصير هو الأخلاق والأعمال، فلو نزل لكان هي، ولو صعدت لكانت هو، (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَـئِكَ هُوَ يَبُورُ) (فاطر/10)[2].

(57)

روح الاجتماع وسبب الاجتماع:

وإذا كان الدين هو الروح السارية في المجتمع الإسلاميّ، فهو مختلف تمام الاختلاف عن القهر والجبر، والفرق هنا فرق غايات، بين غاية أخرويّة بوسيلة دنيويّة، أو غاية دنيويّة بعيدة عن البعد الأخرويّ، والعلّامة يفرّق بين روح الاجتماع، و(ما به) يقوم الاجتماع (سبب الاجتماع)، وهي مخالفة لمقولة سائدة في الفكر الإنسانيّ، بأنّ الإنسان مدنيّ بالطبع، وإنّه حيوان سياسيّ كما ينسب لأرسطو[1].

يرى (سبنسر) أنّ المجتمع لا يكون مجتمعًا إلا إذا توفّر فيه شرطان، عبّر عنهما دوركايم بأنّهما شرطان فطريّان، وهما الجوار والتعاون، فإن تحقّق الجوار ولم يوجد التعاون الذي به يقوم المجتمع، لا يكون المجتمع مجتمعًا، فالتعاون هو جوهر الحياة الاجتماعيّة: «إنّ هناك نوعًا من التعاون التلقائيّ الذي يتمّ دون سابق تدبير، وذلك أثناء سعي الأفراد وراء بعض الغايات التي تؤدّي إلى منفعة شخصيّة، كما أنّ هناك نوعًا آخر من التعاون الذي يعتمد على الرويّة والتفكير، وهو التعاون الذي يوجبه وجود بعض الغايات التي تعود بالنفع العامّ والتي يعترف بها الجميع»[2].

نظريّة الاستخدام:

 إنّ نظريّة الاستخدام التي قال بها العلّامة وهي الفكرة السائدة في الحضارات كما يرى، قريبة من فكرة (سبنسر) في أنّها غايات تفترق عن الغايات الشخصيّة يعود بمجملها بالنفع العامّ، فإذا كان الإنسان يبحث دائمًا عن الكمال في سيرته الطبيعيّة، فإنّ استخدام القانون يمنحه هذا السير، أو هذا الاكتمال نحو الكمال، ويحصل من جرّائه على تحقيق طبيعته، وهذا ما أكّده أوجست كونت أيضًا نقلًا عن دوركايم: «وينحصر هذا التطوّر لدى كونت في أنّ الإنسان يحاول تحقيق طبيعته على أكمل وجه ممكن»[3].

(58)

يرى العلّامة أنّ هذا الاكتمال سنّة طبيعيّة، لا تختلف فيما بين الإنسان والحيوان والنبات، بل وكلّ شيء في الكون، فالبذرة كي تحقّق كمالها؛ لا بدّ لها من أن تمرّ بمراحل نموّها حتّى تصل إلى الجوزة -مثلًا-، والإنسان كي يحقّق الكمال ذاته لا بدّ أن يمرّ بمراحل تكوينه الطبيعيّة من النطفة إلى كونه إنسانًا بالفعل حتّى أرذل العمر متّصلًا بالموت، فالمجتمع أيضًا لا يصل إلى مرحلة الكمال إلا عن طريق مبدأ الاستخدام حين يحقّق الإنسان به غايته وكماله، وذلك عن طريق الاجتماع، فـ(المدنيّة) لا تكون من طبيعة الإنسان؛ لأنّ حياته لا تقوم بها، بل تقوم باستخدام الطبيعة وسائر البشر، وهذه السيرورة من قبلنا في الاستخدام لبعضنا البعض، تُلجأ الإنسان إلى اعتبارات قانونيّة تضمن له حفظ وجوده وسلامته، وبالتالي حفظ مجتمعه الذي يعيش فيه وسلامته، وعندها تتحقّق ويصل إلى السعادة[1].

وإذا كان غاية الاجتماع المدنيّ عند أرسطو الوصول إلى الخير الأقصى بالحياة العقليّة والأخلاقيّة[2]، يرى العلّامة أنّ السعادة لا تتحقّق إلا بتوفّر شروطها الثلاث، وبالاعتماد على البعدين الدنيويّ والأخرويّ، ويشير إلى ثلاثة من المناهج[3]:

الأوّل: إن كان الدافع هو وجود الإله، ثمّ الإيمان بالموت والمعاد والحياة الأخرى، فالنظم الاجتماعيّة تقوم على وجوب الاعتقاد باليوم الآخر والسعادة تكون في الحياة الأخرويّة، الإله الواحد يثيب ويعاقب، ويفرض حياة مكملة للدنيا، يلاقي فيها الإنسان ما يحصد من خير أو شرّ، فالإنسان يسير بحياته سيرة اجتماعيّة غاية أعماله بها الوصول إلى السعادة.

الثاني: من يرى وجود الإله فقط، كالوثنيّين، من دون أن يكون لهم إيمان باليوم الآخر، بناء السعادة عندهم يتوقّف على إرضاء الإله اتقاء لغضبه وسخطه، وبحثًا عن رضاه وقبوله من دون يوم حساب أو ساعة اجتماع.

(59)

الثالث: الدول المادّيّة التي لا ترى الإيمان بوجود الإله، ولا ترى الإيمان بعالم آخر، تقوم نظمها على أساس ما يكسبها من السعادة القائمة على الإملاء بالرغبات والشهوات، وهي تنكر الإيمان بحياة أخرى أو ما بعد الموت، وأنّ سعادتها دنيويّة فقط.

وبذلك يكون الطريق الأوّل هو طريق الدين، طريق التوحيد والفطرة: «فالإسلام يسمّى دين الفطرة بما أنّ الفطرة الإنسانيّة تفتضيه وتدعو إليه»[1].

ومن هنا يبتعد العلّامة عن (راسل)؛ إذ أكّد الأخير أنّ الاجتماع يقوم على أساس الرغبة والميل، وليس الرغبة وحدها ما تقود إلى الاجتماع، بل لا بدّ من الميل أيضًا، بل إنّ الميل هو العنصر الأساسيّ، و(راسل)  ذهب إلى أبعد من ذلك، في إخضاعه (الحكم) للميل: «الاختلاف في الحكم اختلافًا أخلاقيًّا أو عقليًّا، ولكن أساسه في الحقيقة اختلاف في الميول لا يمكن أن ينتج في هذه الحال أيّ اتفاق حقيقيّ؛ لأنّ الاختلاف في الميول لا يزال مستمرًّا»[2].

وأشار (ماكس فيبر) إلى هذه الغايات عند جعله الفعل الاجتماعيّ الغاية الأساسيّة من الاجتماع، أو ما به يقوم الاجتماع، باعتبار أنّ علم الاجتماع: «علم يهدف إلى فهم الفعل الاجتماعيّ بطريقة شارحة، ويفسّر ذلك أسبابه في تتابعه وتأثيراته»[3]، والعلاقة الاجتماعيّة: «هي تصرّف مجموعة من الأشخاص في تتابع متوافق بصورة تبادليّة تبعًا لمعناه ومتوجّه وفق لهذا المعنى، وتتكوّن العلاقة الاجتماعيّة تمامًا وحصريًّا من فرصة: أن يتمّ فعل اجتماعيّ بصورة يمكن وصفها تبعًا للمعنى، بغضّ النظر تمامًا عن الأساس الذي تقوم عليه هذه الفرصة»[4]، وللفعل الاجتماعيّ مجموعة أسس تحدّده[5]:

(60)

أن تكون عقلانيّة غائيّة، تعتمد على  سلوك الأشياء في الخارج، وسلوك الآخرين كذلك، واستخدام التوقّعات كشروط لهذه الغايات التي تؤكّد علاجها.

عقلانيّ قيميّ: بالاعتقاد بمجموعة قيم أخلاقيّة أو جماليّة أو دينيّة، وصفها فيبر بالأصالة، تفسّر هذا السلوك ولا تبتعد عنه، وتقود إلى النجاح في النهاية.

انفعاليّ: وصفه لحالات راهنة لتأثيرات معيّنة.

تقليديّ: بما جرت عليه العادة.

وبذلك نجد أنّ الغاية الأولى التي أشار إليها العلّامة ذات المحتوى والبعد الدنيويّ والأخرويّ تحدّد الفعل الاجتماعيّ بما ذكره فيبر، بأنّها غايات عقلانيّة غائيّة، أو قيميّة أصيلة، وهي ليست انفعاليّة كما في الثالثة أو تقليديّة كما في الغاية الرابعة.

المعرفة الحسّيّة وأثرها في البناء الاجتماعيّ:

لا شكّ أنّ للمعرفة والفرق بين مسائلها وغاياتها أثرًا كبيرًا في البناء الاجتماعيّ، كما لها الأثر في التطوّر العلميّ، ولقد نبّه العلّامة إلى ذلك بوضوح؛ إذ أكّد أنّ سبب البناء الاجتماعيّ، واعتماده على البعد الدنيويّ، إنّما هو المعرفة الحسّيّة، أو الانتصار أوّلًا وبالذات للمعنى الحسّيّ في اعتماده كأساس للظاهرة العلميّة، وأشار (دوركايم) إلى ذلك؛ إذ أكّد أنّ الإنسان لا يستطيع أن يتحرّر من المعاني الشائعة، ومن الألفاظ التي تعبّر عن هذه المعاني، وهناك طريقة واحدة للخلاص من هذا الاختلاط، وهو جعل الإحساس المبدأ الذي يمكن الرجوع إليه: «لأنّ الإحساس هو المادّة الأوّليّة التي لا بدّ منها في نشأة كلّ معنى كلّيّ، فإنّ الإحساس هو المصدر الذي تستنبط منه المعاني العامّة، سواء أكانت هذه المعاني صادقة أم كاذبة، وسواء أكانت علميّة أم غير علميّة، فليس من الجائز أن يتّخذ العلم أو البحث النظريّ نقطة بدء لدراسة شيء آخر غير تلك المدركات الحسّيّة التي تبدأ منها المعرفة الساذجة أو العلميّة، كما تبدأ منها أيضًا المعرفة العلميّة»[1]، ويرجع العلّامة هذا

(61)

الأصل إلى التاريخ؛ إذ عبّر القرآن الكريم عن ذلك بما يفضي عند التأمّل في قصص بني إسرائيل، فالتفكّر والإمعان فيها يوضّح حتّى في مجال الإدراكات الأخلاقيّة وبما لا يقبل الشكّ رجوعهم بل غورهم في الحسّ وعدم الإيمان بما وراءه والانقياد لما يوفّره من الملذّات والكمالات الدنيويّة، وقادهم هذا إلى رفض أيّ قول لا يصدر عنه حتّى وإن كان حقًّا، وقادهم أيضًا إلى الانقياد وراء المادة، وبذلك بدأوا باتباع كبرائهم على الرغم من أنّهم يرفضون كلّ اتباع تحت مسمّى التقليد، ويمدحون كلّ اتباع باسم خطّ الحياة، وممّا ساعدهم على ذلك ضربهم التاريخيّ وطول مكثهم[1]، وهذا ما انعكس اليوم على العالم الغربيّ الحديث والمعاصر: «وقد ابتليت الحقيقة والحقّ اليوم بمثل هذه البليّة بالمدنيّة المادّيّة التي أتحفها إليها عالم الغرب، فهي مبنيّة القاعدة على الحسّ، فلا يقبل دليلًا فيما بعد عن الحسّ، ولا يسأل عن دليل فيما تضمن لذّة مادّيّة حسّيّة، فأوجب ذلك إبطال الغريزة الإنسانيّة في أحكامها، وارتحال المعارف العالية والأخلاق الفاضلة من بيننا، فصار يهدّد الإنسانيّة  بالانهدام، وجامعة البشر بأشدّ الفساد، وليعلمنّ نبأه بعد حين»[2].

وقد بان لنا سابقًا دور المعرفة الحسّيّة المعتمدة فقط عند أحد اتجاهات الغرب وهي ما يعارض الفطرة عند العلّامة وقد أشار إليها بوضوح في ما سبق[3].

الاستثمار والاجتماع في ضوء القرآن الكريم:

يورد العلّامة مجموعة من الآيات المباركة (أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّـهِ أو أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (النساء/77)، (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة/195)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة/183)، (وَلْتَكُن

(62)

مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران/104)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة/35) تخاطب (الجميع) بأوامرها: أقيموا، جاهدوا، أنفقوا، اتقوا، ...وغيرها كثير، وهي آيات لم يُخاطبْ بها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فقط، بل كان صلى‌الله‌عليه‌وآله من ضمن (جميع) المخاطبين: «يستفاد من الجميع، أنّ الدين صبغة اجتماعيّة، حمله الله تعالى على الناس، ولا يرضى لعباده الكفر، ولم يرد إقامته إلا منهم بأجمعهم، فالمجتمع المتكوّن منهم أمره إليهم، من غير مزيّة في ذلك لبعضهم ولا اختصاص منهم ببعضـــــهم، والنبيّ ومن دونه في ذلك سواء»[1].

فإنّ عدم (التضييع) الوارد في قوله تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أو أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ولَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) (آل عمران/195) بإطلاقها مؤشّر على أنّ بناء المجتمع إنّما يكون بناء يشمل الكلّ بالكلّ، مع اختصاصه صلى‌الله‌عليه‌وآله بالتربية والتعليم، ومن هنا فإنّ العلّامة يقارن بين الطريقة الإسلاميّة المعتمدة في بناء المجتمع، والسلطة القائمة في الواقع الإنسانيّ من مَلكية وديمقراطيّة، ويُظهر أنّ بينهنّ كأنظمة حكم وإدارة لشؤون الناس فرقًا كبيرًا، الملوكيّة تجعل الأموال التي خصّها سبحانه للناس مُلكًا وفيئًا فرديًّا للملك، يتصرّف به كيفما شاء ويتسلّط بها على من يشاء، وهذا الفرق يتّضح أيضًا عند دراسة (النظام الاجتماعيّ) القائم على أسس ديمقراطيّة، بإظهار مصطلح الاستخدام والاستثمار، ففي العالم الديمقراطيّ، يكون الحكم قائم على الضرورة بأن يستخدم الإنسان كلّ شيء يقع تحت دائرة استخدامه، وهذا شمل الإنسان أيضًا، فأصبح الإنسان يستخدم الإنسان، وتحوّلت الديمقراطيّة كالملوكيّة في تعاملها مع أبناء الأمم الأضعف، في حين أنّ المسؤوليّة في الدين الإسلاميّ مسؤوليّة مجتمعيّة تقع على رأس كلّ فرد[2].

الدين يبيّن مجموعة من الواجبات، التي لا تختلف بين فرد وآخر، من الأمر بالمعروف والنهي

(63)

عن المنكر، والعلم والسعي للخير، والابتعاد عن الأفعال المذمومة (المحرّمة والمكروه)، وهذه المسؤولية ترفع الطبقيّة، وتزيل الفوارق، وتجعله (تقوائيًّا)، لا يدركه ولا يعلمه إنسان الدنيا، فالقياس قياس التقوى، والأمر والحكم في المجتمع إنّما يكون للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، أمّا بعد وفاته انقسمت الأمّة إلى قسمين، بين من قال بالإمامة بالنصّ، ومن قال بخلافة الشورى، ويرى العلّامة أنّ مسؤوليّة المجتمع هو التوصّل إلى حاكم يتوفّر فيه أن يسير بسيرة الرسول في إدارة الدولة طبقًا لنظريّة الأسوة الحسنة الواردة في قوله تعالى (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا) (الأحزاب/21)[1].

والفرق بين الاتجاه المجتمعيّ الإسلاميّ (القائم على الفطرة) والاتجاه المجتمعيّ الغربيّ (القائم على الحسّ): «الإسلام وضع بنية المجتمع الإنسانيّ على أساس الحياة التعقّليّة، دون الحياة الإحساسيّة، فالمتبع عنده هو الصلاح العقليّ في السنن الاجتماعيّة دون ما تهواه الإحساسات وتنجذب إليه العواطف»[2]، ما تهواه الإحساسات وتنجذب إليه العواطف هو الغاية التي تصبو إليها المجتمعات الغربيّة.

إنّ الأمّة الإسلاميّة ما تفرّقت إلى فرق ومذاهب، وإلى مجموعة مدارس في الفلسفة والتصوّف إلا لأنّها: «تخلّفت الأمّة في أوّل يوم عن دعوة الكتاب إلى التفكير الاجتماعيّ «واعتصموا .....» والكلام فيه شجون»[3].

أثر النبوّة في البناء الاجتماعيّ:

هل للنبوّة أثر في البناء الاجتماعيّ؟ كان هذا التساؤل مفتاح بيان القيمة الفعليّة للنبوّة في بناء المجتمعات الإنسانيّة ضدّ المنكرين لدورها، والذين يرون بأنّه لا قيمة للنبوّة ما دام الإنسان سائرًا بذاته كما الطبيعة والمجتمع نحو الكمال، ويشير العلّامة إلى  هذا التأثير وذلك من ما أنتجته

(64)

من تربية الألوف بل من ألوف الألوف على حدّ قوله من الأفراد الذين حقّقوا السعادة بالانتماء إلى الدين، في حين أنّ الملاحظ من المجتمعات البعيدة عن الدين والتديّن انغماسها بألوان البؤس والشقاء، فالمجتمع يتحوّل إلى كمال السعادة يوم يرتقي فيه إنسانه إلى تحقيق العبوديّة الحقيقيّة، والتي تمثّلت بعبادته تعالى، هذه العبادة كانت امتثالًا لقيم العدالة والفضيلة، والتوحيد هو المسار الذي يخطّه المجتمع إن رام الوصول إلى السعادة الحقيقيّة، ويؤكّد العلّامة أنّ الأبحاث الاجتماعيّة، وكذلك علمي النفس والأخلاق، أثبتا -بما لا يقبل الشكّ- ارتباط الأفعال المتحقّقة بالخارج، أي فعل الإنسان في الواقع بما تكسبه لنا صفات الإنسانيّة، فالأفعال آثار النفوس ونتائجها، وهي تعكس صفاتها، وهذا يبدو من أصلين، أصل سراية الصفات والأخلاق، ويقصد به العلّامة السراية العرضيّة (عرض)، وأصل الوراثة، ويقصد به الاستمرار طولًا بها، وهذه لا تكتسب إلا بالدعوة الدينيّة[1]: «بل حقيقة الأمر أنّ ما نشاهده في الاجتماعات الحاضرة من الملل والأمم الحيّة، من آثار النبوّة والدين، وقد ملكوها بالوراثة والتقليد، فإنّ الدين منذ ظهر بين هذا النوع حملته وانتحلت به أمم وجماعات هامّة، وهو الداعي الوحيد الذي يدعو إلى الإيمان والأخلاق الفاضلة والعدل والصلاح. فالموجود من الخصائل الحميدة بين الناس اليوم وإن كان قليلًا بقايا من آثاره ونتائجه»[2].

 وبذلك يقارن العلّامة بين العلوم المتّخذة في الحياة الدنيا، وبين العلوم الموصلة إلى الآخرة، وهذه المقارنة تعتمد على التقسيم الثلاثي لبناء الحياة الاجتماعيّة، وأسس المقارنة الوحي القرآنيّ، ترى الحضارة المادّيّة أنّ الأصالة إنّما هي للحياة المادّيّة (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (الجاثية/24)، لكنّ القرآن الكريم يؤكّد أنّها للآخرة، ويصف الأولى باللعب (وَمَا هَـذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت/64)، في حين وصف الثانية بالحيوان، الحياة المادّيّة ترى أنّ العلل والأسباب هي بمجرّدها تكون الحوادث الحاكميّة (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّـهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا

(65)

النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(سبأ/33)، لكنّ القرآن يؤكّد أنّها كعلل مخلوقة لله تعالى (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّـهِ جَمِيعًا إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّـهُ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ في سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ استَوى عَلَى العَرشِ يُغشِي اللَّيلَ النَّهارَ يَطلُبُهُ حَثيثًا وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمرِهِ أَلا لَهُ الخَلقُ وَالأَمرُ تَبارَكَ اللَّـهُ رَبُّ العالَمينَ) (الأعراف/54)، وأنّها ترى لها الاستقلال في المشيئة والإرادة، والقرآن يرى خلافها (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الإنسان/30)، ويرون أنّ لهم القوّة، والقرآن يرى العكس (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّـهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّـهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّـهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّـهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) (البقرة/165)، ويرون أنّ لهم العزّة، والعزّة لله سبحانه (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّـهِ جَمِيعًا) (النساء/139)، والموت في سبيله تعالى عدم، والقرآن يراه حياة (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ) (البقرة/154): فالقرآن بالحقيقة يقلّب الإنسان في قالب من حيث العلم والعمل حديث، ويصوغه صوغًا جديدًا، فيحيى حياة لا يتعقبّها موت، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا استَجيبوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسولِ إِذا دَعاكُم لِما يُحييكُم وَاعلَموا أَنَّ اللَّـهَ يَحولُ بَينَ المَرءِ وَقَلبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيهِ تُحشَرونَ) (الأنفال/24)، (أَوَمَن كانَ مَيتًا فَأَحيَيناهُ وَجَعَلنا لَهُ نورًا يَمشي بِهِ فِي النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيسَ بِخارِجٍ مِنها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلكافِرينَ ما كانوا يَعمَلونَ) (الأنعام/122)[1].

(66)

المبحث الثاني

الإسلام ودوره الاجتماعيّ:

تعرّض الدين الإسلاميّ إلى هجمات ثقافيّة وفكريّة وعسكريّة، من زوايا مختلفة، لكن ما اعتنى به العلّامة، وكافح في الدفاع عنه، هي الهجمة والجبهة الثقافيّة، وخاصّة ما أثارته الشيوعيّة، وأثاره المستشرقون من شبهات ونقد للدين الإسلاميّ، وإن كان العلّامة لم يشر إلى ذلك بالتصريح، لكن معالجته لهذه الشبهات يوضّح بقدر كاف أنّ المستهدف منها كلا الفريقين المتقدّمين، وبذلك فهو قصد الغرب بقراءته للإسلام.

الإسلام سنّة اجتماعيّة:

يؤكّد العلّامة أنّ الإسلام كدين، ضمن سلامة المجتمع واستقامته، بما سنّه من القيم والقوانين والقواعد الأخلاقيّة والتشريعيّة؛ ولذلك أكّد أنّ للدين ثوابت ومتغيّرات، وهذه الثوابت لا تقبل التغيير أو التحوّل، فهي على خمسة أقسام (حلال وحرام، مندوب، مستحبّ ومكروه)[1]، والثابت والمتغيّر نقطة اشتراك بين الإسلام ونظام الحكم الديمقراطيّ القائم في الغرب، فكما أنّ الديمقراطيّة لها دستور محدّد، فهذا الدستور يمثّل الثابت للحكومات المختلفة الديمقراطيّة، وإنّ هناك مجموعة من القوانين القابلة للتغيير، والتي تعتمد على الثابت الأوّل (الدستور)، وهذا الالتقاء والتقارب دفع دعاة الغرب إلى عقد مقارنة بين الإسلام والديمقراطيّة، اعتقدوا أنّ الديمقراطيّة استمرّت لفترات طويلة، وهي تزداد ثباتًا ورسوخًا، على خلاف الإسلام الذي لم يستمر كنظام حكم، وهذا وراء اعتقادهم بأنّ الإسلام المستمرّ أربعة عشر قرنًا، لم يعد ـ رغم استمراره ـ ذا دور في الحياة[2]، فقد اتهم المستشرق (كيسلنج) الدين الإسلاميّ، بأنّه دين ميّت، وأنّ الإسلام الحيّ، هو إسلام الدروشة، وهذا الاتهام جاء من الخلط بين الإسلام كدين له تعاليمه الثابتة الواضحة في

(67)

القرآن الكريم والسنّة النبويّة، وبين الواقع الذي يعيشه المؤمنون أو المسلمون[1].

 يعالج العلّامة هذه الرؤية، من إجابته على إشكال وارد، لو كان الإسلام صالح لما وصل جمهوره إلى ما هم عليه الآن ـ اليوم ـ[2]، وهذه الأطروحة نفت عالميّة الإسلام كما جاء على لسان جولد تسيهر: «كانت تطوّرات التفكير الإسلاميّ، ووضع الأشكال العلميّة، وتأسيس النظم – كلّ ذلك كان نتيجة لعمل الخلف التالين، ولم يتمّ كلّ هذا دون كفاح داخليّ وتوفيقات، وهكذا يظهر غير صحيح ما يقال إنّ الإسلام في كلّ العلاقات «جاء إلى العالم طريقة كاملة» بل على العكس، فإنّ الإسلام والقرآن لم يُتمّا كلّ شيء، وكان الإكمال نتيجة لعمل الأجيال اللاحقــة»[3].

يؤكّد العلّامة بوجوب التفريق بين الإسلام كدين ـ قانون إلهيّ ـ اجتماعيّ، وبين (المسلمين) المطبقين لهذا الدين ـ القانون، الذي يضمن سلامتهم بتطبيقه، وهو يقارن بين القوانين الإسلاميّة ـ من حيث تطبيقها اجتماعيًّا من قبل ذويها، والقوانين الديمقراطيّة، فلو كانت الديمقراطيّة مطبّقة بحذافيرها من قبل (إنسانها) لما انشقّت عنها الشيوعيّة وظهرت بشكلها الواضح والواسع في روسيا والصين واليابان وغيرها، ولو كانت الشيوعيّة تمثّل (الكمال) لما اعترض عليها رجالها فترة قيادة ستالين لها والتي استمرّت أكثر من ثلاثين عامًا، فلازمه أن نفرّق بين (القانون) وتطبيق الناس له، ولو كانت الناس ذات التزام بما تبلّغت به من القوانين لتغيّر حالها في حالة الالتزام، وإن لم تلتزم وجب موتها، فيجب التفكيك بين القانون والمجتمع[4].

 ويزيد العلّامة لدفع هذا الإشكال، فللتربية أهمّيّة كبيرة للتميّز بين النظام الديموقراطيّ المعتمد على الأكثريّة، والإسلام المعتمد على التقوى والقائم على الحقّ، فالإسلام يربّي أتباعه على اعتناق الحقّ، ويبتعد عن الهوى، ورأي الأكثريّة، فالموجود اليوم لا تعتمده التربية الإسلاميّة

(68)

ممّا هو سائد في المجتمعات ذات الأغلبيّة الأكثريّة، بل هي تربية بعيدة ومنحرفة عن الإسلام[1].

 إنّ سبب التخلّف وابتعاد المسلمين عن الإسلام إنّما جاء لأسباب سياسيّة، والتحوّل بعد وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، فتحوّل الإسلام إلى امبراطوريّة ذات نظم وحكم عربيّ، يختلف نظامه عن النظام الإسلاميّ وقت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، والناقد للإسلام عليه أن يدرسه دراسة موضوعيّة، تعتمد على أصول المنهج العمليّ، وذلك بالاعتماد على سيرته صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومعرفة القرآن، ثمّ إذا كانت الديمقراطيّة هي رأي الأكثريّة فلماذا تركها رجالاتها وانتقلوا إلى الاشتراكيّة؟[2].

 إنّ الأكثريّة هي الوسيلة الطبيعيّة المادّيّة، التي انتقلت منها المادّيّة الغربيّة لفهم الدين الإسلاميّ، وليس المنهج العلميّ الدقيق، باعتبار أنّ الحياة الغربيّة قامت أوّل أمرها على اعتماد (الكلّ)، وبما أنّ الكلّ من الصعب (تحصيل رأيه) لاختلاف الإرادة، ركنوا إلى زاوية الأكثريّة، وباعتبار أنّ العلل المادّيّة والأسباب الطبيعيّة تؤثّر على الأكثر وليس على الدوام، وأنّ العوامل المختلفة، أمّا يؤثّر فيها الأكثر دون الكلّ، لذلك بُني الهيكل الاجتماعيّ على أسس وقوانين الطبيعة القائمة على أساس الأكثر، وبذلك رفض الغرب الدين، واعتبره أمنية لا تتجاوز مرحلة الفرض، وخاصّة أنّهم شكّكوا بذلك ورأوا أنّ حكم الدين حكم لا يقبل الإجراء أو البقاء، فتحوّل إلى قيصريّة أو كسرويّة، ولا ينسب العلّامة هذا الرأي إلى الاتجاهات الغربيّة بنظرتها للإسلام، وإنّما هذه نظرة روّاد البحوث الاجتماعيّة والنفسيّة في الشرق أيضًا[3].

الحقّ بين الطبيعة (المادّة) والدين:

تساءل العلّامة، إذا كانت الطبيعة تعقد بأتباع الأكثر كسُنّة جارية، فهل يعني هذا أنّها تعارض الحقّ؟

لا يمكن للطبيعة أن تعارض الحقّ عند العلّامة، بل إنّ ما تقوم به الطبيعة من أحكام غالبيّة إنّما هو الحقّ بعينه؛ لأنّ الطبيعة تقوم بحدّ ذاتها على نظام (العلّة والمعلول)، وهو نظام ثابت

(69)

لا يتغيّر ولا يقبل الاستثناء، كما شهد به القرآن الكريم، وكذلك شهد لها العلم، العلّيّة والمعلوليّة قام عليها اعتقاد الإنسان العلميّ والعمليّ، ويرى العلّامة أنّ من (فطريّة) الإنسان حتّى وإن كان مخالفًا ومعارضًا، لكنّه إذا ألقي إليه تحوّل إلى قول لا يجد فيد تردّد في نفسه لقبوله، فإذا قبله خضع له[1].

والحقّ هو الأمر الخارجيّ، الذي يخضع له الإنسان ويعتقد به، فالحقيقة على هذا الأساس إنّما هي (دائمة الوقوع)، أو (أكثريّة الوقوع). وعليه، فإنّ ما يجري في الطبيعة إنّما هو (صفة المعلوم) وليست (صفة العلم) بمعنى أنّ الحقّ هو وقوع دائميّ وثابت، وهو ليس علمًا وإدراكًا من الطبيعة، وهذا الوقوع الطبيعيّ هو وجد من الحقّ، أمّا آراء الأكثريّة ونظرها فهو ليس (حقًّا) مطلقًا، فما طابق الواقع منها فهو الحقّ، وما خالفه لم يملك هذه الصفة، خاصّة إذا تمّ مقابلة ذلك بما تقوم به الأكثريّة مع الأقلّيّات: «وبهذا البيان يظهر فساد بناء اتباع الأكثريّة على سنّة الطبيعة، فإنّ هذه السنّة جارية في الخارج الذي يتعلّق به العلم دون نفس العلم والفكر، والذي يتّبعه الإنسان من هذه السنّة في إرادته وحركاته إنّما هو في الخارج من أكثريّة الوقوع لا ما اعتقدته الأكثريّة»[2].

 لقد أكّد القرآن الكريم على الحقّ في مواضع متعدّدة منه (هُوَ الَّذي أَرسَلَ رَسولَهُ بِالهُدى وَدينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكونَ) (التوبة/33)، (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر/3)، (قَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) (الزخرف/78)، (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ) (المؤمنون/71)، (فَذلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنّى تُصرَفونَ) (يونس/32) وفيها اعتراف صريح بأنّ الحقّ لا يوافق طباع الأكثريّة من البشر[3].

(70)

ويؤكّد العلّامة بأنّ الإسلام ليس هو فقط من واجه مقاومة في تحقيق حاجات المجتمع المعاصر أو المدنيّة الحاضرة، مع أنّ العيب لا ينسب إليه، وإنّما يتركّز العيب في تلوّث الفطرة والطبيعة البشريّة، لكن ما نشاهده تاريخيًّا، أنّ جميع المجتمعات تواجه صعوبات وربّما بعنف لكلّ ما هو جديد وداخل عليها[1]، ثمّ إنّ إنشاء الحضارات المدنيّة اليوم إنّما جاء بعد نشوء الإسلام، أي أنّها نشأت بعد إن لم تكن، وهي كسابقتها من الأمم تتأثّر بحالة (الفعل والانفعال) بها ومنها، وهذا ما يحقّق حالة (التقدّم والتأخّر) و(الظهور والخفاء) وتتنازع عوامل مختلفة، العديد من الأنظمة وعلى مدار التاريخ الإنسانيّ السياسيّ والاجتماعيّ كتب لها مدّة من الظهور ومدّة من الاختفاء، ونتيجة لظروف معيّنة ذابت وتحوّلت في زاوية النسيان، وهذه سنّة قرآنيّة، تؤكّد السنن الإلهيّة بأنّ التكذيب لآياته تعالى لا ينتهي إلا إلى عاقبة سيّئة (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (آل عمران/137): «فبمجرّد عدم انطباق سنّة من السنن على الوضع الإنسانيّ الحاضر ليس يكشف عن بطلانه وفساده، بل هو من جملة السنن الطبيعيّة الجارية في العالم لتقييم كينونة الحوادث الجديدة وأثر الفعل والانفعال وتنازع العوامل المختلفة»[2].

 وبعد ذلك فإنّ الإسلام لا يهدم البناء المجتمعيّ، في حين يسعى المجتمع الشيوعيّ وفق أفق خياليّ يعتمد على الدعوى، لمجتمع خالي من الطبقيّة وبعيد عن رأس المال[3].

التكامل العقائديّ والتقدّم البشريّ:

يوضّح العلّامة أنّ هناك علاقة بين العقيدة والتقدّم البشريّ، باعتبار أنّ الدين الإسلاميّ دين التكامل الإنسانيّ، ولا بدّ من التفريق بين هذين المصطلحين: التكامل العقائديّ الذي شمل النظريّة الفطريّة الكلّيّة في الدين الإسلاميّ، وبين النموّ الصناعيّ الجاري في العالم الغربيّ، فإنّ العلّامة يرى أنّ التكامل لا بدّ أن يكون في مساحة العقيدة، مساحة المعارف الكلّيّة الفطريّة ذات التعلّق التام بالمبدأ

(71)

والمعاد، المعتمدة على نظريّة التوحيد وعلى فطريّة الإنسان، وبين التكامل الصناعيّ الذي يسعى الغرب لتحقيقه لإشباع المادّة من دون الروح، وأنّ الإسلام لا يمانع من أن يقوم الإنسان بتطوير هذا الجانب ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأنّ غرض التكامل الذي يطلبه الإسلام إنّما يكون في مسائل العقيدة حصرًا، ومن هنا فالعقيدة ثابت إسلاميّ، والتقدّم الصناعيّ متغيّر يعتمد على الجهد البشريّ الذي يبذله الإنسان للسيطرة على الطبيعة: «وبعبارة أخرى، لو صحّ أنّ كلّ رأي واعتقاد يجب أن يتغيّر يومًا، وجب أن يتغيّر نفس هذا الرأي يومًا، أي لا يتغيّر بعض الاعتقادات أبدًا»[1].

فالإسلام مجموعة من النظم والضوابط والأحكام المتطابقة مع الطبيعة البشريّة، وهو الطريق المرشد للإنسان، المتوافق والمتّسق مع الطبيعة الإنسانيّة والمؤمّن لها احتياجاتها الواقعيّة: فالإسلام يعني طريق الفطرة والطبيعة، إذا هو دائمًا الطريق الحقيقيّ للإنسان في حياته غير القابل للتغيير مع هذا الوضع أو ذاك، وما تقتضيه الطبيعة والفطرة وليس بما تمليه العاطفة وتقتضيه الخرافة  هي بنفسها مقتضياته الواقعيّة، وإنّ غلبة ما نشاهده الفطرة والطبيعة هي بنفسها مآله إلى السعادة والسرور (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم/30)[2].

غاية الدين الإسلامي إيصال الإنسان إلى السعادة والحياة الطيّبة؛ لذلك لا يرتضي العلّامة أن يُطلق على هذا الدين بالفرضيّة، بل هو كمال كلّ الموجودات الكونيّة التي غايتها سعادة الإنسان[3] «فالاختلاف في الدين مستند إلى البغي دون الفطرة، فإنّ الدين فطريّ، وما كان كذلك لا تضلّ فيه الفطرة ولا تتبدّل فيه حكمها، كما قال تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم/30)[4].

(72)

المبحث الثالث

الأخلاق والحرّيّة:

لم يكن هذا البحث للتفرقة بين الأخلاق العمليّة وما يدور حولها ممّا يسمّى الميتا أخلاق أو الأخلاق النظريّة بتقسيم الأخلاق إلى أخلاق واجبة وأخرى جائزة أو غير جائزة[1]، أو أن نهتمّ اهتمامًا خالصًا بمباحث فلسفة الأخلاق (الخير والشرّ والخطأ والصواب، الضمير والعقل)[2]، ولكنّ البحث في الأخلاق هنا ينطلق من زاوية القرآن الكريم اعتمادًا من العلّامة لمواجهة الأخلاقيّات المادّيّة الغربيّة وبرؤية نقديّة إسلاميّة.

 إنّ الصراع الأخلاقيّ بين النظريّات المختلفة المثاليّة والواقعيّة منها بمدارسها المختلفة يعود للتفرقة بين ما هو سماويّ خالص يخلد إلى مفهوم (المثال) المفارق والتي تعتقد أنّ كلّ القيم الأخلاقيّة من حقّ، خير، صدق، عدالة، إنّما مصدرها علويّ، تنشأ نشأة فطريّة في الإنسان، كما تنشأ القضايا الرياضيّة والبديهيّات، إنّها تتسم بسمة الثبات والإطلاق في كلّ زمان ومكان، وهي بذلك تفرقة بين ما هو واقعي، لا يرى للفطرة وجود بالمرّة، بل هو فكر مادّيّ واقعيّ يعتمد على الأسس الاجتماعيّة للإنسان، وبما تحيط به الظروف المختلفة التي تغيّر ما هو فوقيّ بما هو تحتيّ، أي أن يكون للأسس التحتيّة دور في تغيير الأسس الفوقيّة القائمة عليها، وبذلك يكون أخلاقًا نسبيّة لا مطلقة، متغيّرة زمانًا ومكانًا تطوّرت بالتقليد والعرف[3].

يرى العلّامة أنّ هذه المعايير السائدة في المجتمع ذوي النظرة النسبيّة للأخلاق من صدق وأمانة وعدالة وهي ما تملكه المدنيّة الحاضرة، لا تمثّل تطهيرًا من الرذيلة وتمسّكًا بالفضيلة، فمفهوم السعادة (الغاية) في أيّ مفهوم أخلاقيّ مفهوم مختلف تطبيقيًّا بين عامليه الإسلاميّ

(73)

والغربيّ، يحصره الغرب بما يمتلك من قيم وحاجيّات مادّيّة تعود إلى الإشباع المادّيّ على حساب الروحيّ[1].

وأشار راسل إلى أنّ الغاية من معرفة الشيء الحسن الذي نفعله هو معرفة آثاره، وأنّ ما يقودنا إلى الحسن هو الرغبة إليها، فمع أنّ الحسن هو حسن لذاته، لكن علينا من وجهة نظر راسل أن نأخذ آثاره بنظر الاعتبار في الوقت نفسه، فكلّ أثر يعود إلى صفة ذاتيّة فينا تجعلنا نميل (نرغب) إليه أو لا نرغب فيه، وهذه الرغبة هي الرضا عنه[2]، وإذا كان المجتمع الغربيّ أحاديّ النظرة من زاويتها المادّيّة فحسب، كان للمجتمع الإسلاميّ طريق آخر للوصول إلى السعادة، وهو الممازجة بين (المادّيّ – الروحيّ) لدى الإنسان عن طريق تحليته بالأخلاق الإلهيّة التي تضمن السعادة له في داريه – الدنيا والآخرة[3].

يصف العلّامة نظرة المفكّر الشرقيّ بإعجابه بالقيم الغربيّة نظرة فاقدة وقاصرة؛ لأنّ المفكّر الشرقيّ يفكّر بنفسه فحسب، بعيدًا عن الهمّ الاجتماعيّ، في حين أنّ المفكّر الغربيّ لا يفكّر لغرض الوصول إلى جلب المنفعة إلى نفسه وحصرها له، فهو بعيد عن أنانيّة المفكّر الشرقيّ، بل هو ينظّر تنظيرًا (اجتماعيًّا)، فكما أنّ الإنسان مكوّن من مجموعة حواس لكلّ واحدة منها عمل يفترق عن الأخرى، فكلّ واحدة منفردة لا تحقّق السعادة المنشودة إلا إذا كانت مجتمعة في عملها، فهذا هو الذي يحصل في الغرب الذي يرى نفسه ومجتمعه شيئًا واحدًا؛ لذلك حفاظًا على وحدة مجتمعه تسود الأخلاق المجتمعيّة، وهي أخلاق دعا إليها سابقًَا القرآن الكريم، الذي عاتب الحاضرين ووبّخهم بأعمال الغائبين، وحذّر من مغبّة أعمال الماضين[4].

ويشير العلّامة إلى أنه إذا أردنا أن نقيس أخلاق أمّة من الأمم لا بدّ أن نميّز بين ما هو داخليّ

(74)

فيها وما هو خارجيّ، أي بين العلاقات الداخليّة والخارجيّة منها، الأخلاق الغربيّة قائمة على أساس حفظ النوع الإنسانيّ، وهي مقيّدة بقيود تخصّ مجتمعاتها فقط، بل إنّها تقوم على الاستملاك والقيموميّة وحفظ المنافع المشتركة بحجج مختلفة للسيطرة على الأمم والشعوب الضعيفة، وبما أنّها متسلّطة بشتّى الوسائل تأبى (الفطرة) أن تطلق على أفعالها اسم (الأخلاق)[1]، على أن تصرف الأمم الغربيّة مع الشعوب المستضعفة من إسلاميّة وغيرها إنّما جاء من مبرّر ومسوّغ أخلاقيّ، فإذا كان (الحسن) هو من يحدّد الرغبة عند (راسل)، والرغبة قد تصطدم مع رغبات الآخرين، والرغبة قد تكون محدودة بالنسبة للإنسان، وما يهمّنا هو توجّه الرغبة ضمن الاتجاهات الأخلاقيّة الناظرة إلى مصلحة الجنس البشريّ أو الجماعة، أي إنّها نظرة متعالية تبتعد عن المصلحة الذاتيّة للفرد، وتسمو للبحث عن مصلحة الجماعة أو الجنس البشريّ، فاتجاه يرى أنّ مصلحة الجنس البشريّ هو في حقيقته مصلحة الجماعة، وهي ترى أنّ (وضعًا ما) لمجتمع ما قد يكون لا يمثّل الخير له؛ لأنّه لا يوافق الجنس البشريّ؛ لذا من حقّ الجنس البشريّ تغيّر الواقع هذا المجتمع، وهذه الأحقّيّة عبّر عنها (هيجل) بـ(روح الكون) الداعي إلى حقّ الحضارة الغربيّة بنشر (المدنيّة الغربيّة) في العالم، وأن تتخذ الأمم الأخرى وسيلة لهذه الغاية، وهو ما تبنّاه (ماركس) في مفهوم (المادّيّة الجدليّة) بتصدير الثورة الروسيّة أو الشيوعيّة إلى بقيّة العالم[2].

واتجاه ثانٍ، يرى أنّ مصلحة الجماعة هي الغاية، وأنّ بقيّة الجماعات ليست إلا وسيلة، وهذا الرأي مثله (نيتشه)، فالخير عند جماعة بذاتها، والعالم بأجمعه إمّا عقبة يجب إزالتها، أو أداة تستخدم لهذه الغاية، فهناك رجال عظماء بذاتهم، وبقيّة الناس غاية وإرادة[3].

 وفي نقد (ماركس) لأخلاق الطبقة الرأسماليّة القائمة في الغرب تأكيدًا لهذا المعنى، فالمجتمع الغربيّ قائم على أخلاق الطبقة، وبذلك يكون له أكثر من أخلاق، وإنّ القانون في هذا المجتمع لا

(75)

يمثّل سوى إرادة الطبقة الحاكمة على الطبقة المحكومة، وهي أخلاق (استلاب) الحقوق[1]: «على أنّ هؤلاء كما عرفت، يفكّرون تفكيرًا اجتماعيًّا، ولا تزال مجتمعاتهم تبالغ في اضطهاد المجتمعات الضعيفة ودحض حقوقهم والتمتّع بما في أيديهم، واسترقاق نفوسهم، والتوسّع في التحكّم عليهم ما قدروا، والدعوة إلى الإصلاح والتقوى مع هذه الخصيصة ليس إلا دعوة متناقضة لا تزال عقيمة»[2].

والفارق في البناء الاجتماعيّ بين الإسلام والغرب إنّما هو فارق أخلاقيّ، يعتمد على الفعل الأخلاقيّ، ودوره في تهذيب الإرادات الإنسانيّة، فالأخلاق بما تقدّم هي من يحافظ على المجتمع وتماسكه، وأخلاق المنفعة الغربيّة التي قامت عليها الحضارة المادّيّة بعيدة عن القانون الإلهيّ، فالقانون الإلهي (صورة ذهنيّة) وموجود اعتباريّ في أذهان الناس، قيمته الواقعيّة تظهر في حيّز التنفيذ وممارستها في الواقع، وهو يتوقّف على الإرادة المنفّذة لها، وبالعكس من القوانين التي تضعها الحضارة الغربيّة التي تقطع السبب الفوقيّ وتمثّل إرادات بشريّة تحكمها الأغلبيّة الأكثريّة فقط، وهي إرادات فاقدة للشعور في الكثير من أحايينها، تعتمد على الترف والمتع، تاركة وراءها إرادات شاغرة مسحوقة ومغلوبة وهي الإرادات الأقلّيّة[3].

«لأنّ المجتمع لم يهتم بالسبب الحافظ لإرادات الأمّة على قوّتها وسيطرتها وهي الأخلاق العالية؛ إذ لا تستمدّ الإرادة في بقائها واستدامة حياتها إلا من الخلق المناسب»[4]. ومن تسلّط الإرادات الأكثريّة الديمقراطيّة تولّدت الشيوعيّة الإرادة الضدّ للاتجاه الديمقراطيّ[5].

الفكرة الضامنة للبعد الأخلاقيّ:

لا توجد في الفكر الغربيّ، فكرة ضامنة للبعد الأخلاقيّ كما نجدها عند العلّامة في الفكر

(76)

الإسلاميّ، فالأخلاق لا تنبعث من مصدر مفارق أو من فوق الطبيعة[1]، وإنّ الأخلاق لم تنشأ إلا من العرف في أوّلها، واتخذ العرف بعد ذلك قاعدة عامّة، يشار بالشذوذ لمن يخالفها سواء أكان متوحّشًا هذا الإنسان أم متمدّنًا، ويعتبر خارج الجماعة[2]، ولا توجد في الغرب فكرة ضامنة باختلاف مدارسه الأخلاقيّة، فهي قائمة على أخلاق المنفعة كما في العرف الأخلاقيّ البرجماتيّ، أو قائمة على تبدّل قوى الإنتاج (القاعدة الأساس) أو القاعدة التحتيّة التي تغيّر البناء الفوقيّ الاجتماعيّ والتي تبني أفكار الناس انعكاسًا لهذا التغيير في عصورها المختلفة[3].

الفكرة الضامنة للأخلاق عند العلّامة هي فكرة (التوحيد) القائمة على قاعدة الفطرة، وهي بذاتها فكرة حاكمة للإرادات الإنسانيّة وتمسّكها بالأخلاق العالية، وفكرة (المعاد) فكرة مكمّلة للتوحيد، تعطي بعدًا أخرويًّا يجازى به الإنسان على أفعاله وأعماله، وبدون فكرة المجازاة على الفعل السيّء بالسوء، وعلى الفعل الحسن بالإحسان، لبقي مفهوم (الخير والصلاح) مفهومًا معطًّلا؛ ولاستمرّ الإنسان في إشباع الملذّات والرغبات إلى ما لا نهاية، وهاتان الفكرتان (التوحيد والمعاد) بعيدة جدًّا عن فكرة (الوطنيّة وحبّ النوع)، المدعومة بقوّة في الحضارة الغربيّة، فلا قيمة للوطنيّة الرافضة لفكرة الجزاء يوم المعاد، وهذه التفرقة قائمة على أساس منطقيّ، تفرقة بين العقل والحس، فالدين الإسلاميّ منهجه (عقليّ)، يجمع بين الدنيا والآخرة، والحضارة الغربيّة منهجها حسّيّ دنيويّ، وباختلاف المنهج يختلف السلوك، فالمسلم من سلوكه ومنهجه ينبغي إمّا نصر أو شهادة، الأولى فخر في الدنيا والثانية فخر في الآخرة، والتربّص من قبل الأعداء هو أجر في الدنيا جرّاء الالتزام الدينيّ والأخلاقيّ، وهو أجر في الآخرة جرّاء الالتزام ذاته[4].

الحرّيّة:

الحرّيّة بما أنّها القوّة العظمى في الحياة البشريّة، فهي بذاتها الخطر الأعظم الذي يهدّد البشر

(77)

باستمرار، وإذا كان لكلّ الكائنات ما يهدّدها من الخارج، فإنّ الحرّيّة هي ما يهدّد الإنسان من الداخل، وهي صراع مع الذات[1].

يشير العلّامة إلى أنّ الحرّيّة فعل من أفعال الطبيعة، والإنسان تكوينيًّا يحمل إرادات واسعة، لو تركت لتداخلت مع بعضها البعض، ولقاد هذا التزاحم إلى التصادم، وهذه الإرادات المطلقة لا بدّ لها من قيد، فالطبيعة التي أعطته إطلاق الإرادات، هي بذاتها من حدّدت له العمل، والحرّيّة تختلف بين الفكرتين للحضارتين الإسلاميّة والغربيّة، فهي مع إطلاقها مسورة بقانون في المجتمعات الغربيّة، لكن كلّ ما كان خارج القانون فليس له سور، وخاصّة في الأمور الأخلاقيّة والدينيّة، لكنّ الحرّيّة في الفكر الإسلاميّ تقوم على مفهوم (العبوديّة) لله سبحانه، وهي حرّيّة لا تقيّد بأيّ حال من الأحوال للتوسعة في أنعمه تعالى، فللمسلم أن يتنعّم بالاعتدال في الرغبات، ولا يسقط في جانبي الإفراط والتفريط (قُل مَن حَرَّمَ زينَةَ اللَّـهِ الَّتي أَخرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ قُل هِيَ لِلَّذينَ آمَنوا فِي الحَياةِ الدُّنيا خالِصَةً يَومَ القِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَعلَمونَ) (الأعراف/32)، (هوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إلى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة/29)، (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية/13)[2].

يجعل العلّامة للحرّيّة الإنسانيّة حسب ما بإزائها، فهو مرّة يملك حرّيّته، وثلاثة مرّات تسلب عنه وهذه الحالات هي[3]

 فهو حرّ يقف على مسافة واحدة فيما يخصّ الفعل والترك؛ وذلك ممّا يكن في شأنه وفي بني نوعه، فهو يمتلك أن يأكل (يفعل)، كما أنّه يمتلك أن لا يأكل (لا يفعل) فهنا له حرّيّة خالصـة.

(78)

أمّا مكامن سلب الحرّيّة:

الإنسان لا يستطيع أن يقدّم لنفسه كلّ ما يستطيعه؛ لذلك فهو يصطدم كثيرًا بالافتقار، والحاجة إلى بني نوعه، والحياة معهم تقتضي المعارضة والمبادلة، أي يعطي بقدر ما يأخذ، وكي يحافظ على هذا الوجود المجتمعيّ، نجد أنّ هناك مجموعة من القوانين الاجتماعيّة التي تقيّد حركته وتمنعه من اتخاذ كامل حرّيّته، لما في ذلك من تمادي على حقوق الآخرين. وبعض المجتمعات كي تحكم اجتماعها، فهي تقوم بسنّ مجموعة قوانين واجبة التنفيذ، تطبّق على الجميع، وكان نصيب الإنسان الفرد منها إطاعتها.

الإنسان محكوم بالطبيعة، والتي تكون خارج قوّته، فهي تمنع حركته وتقيّدها، فهو ليس حرًّا اتجاه العلل والأسباب الكونيّة، والتي تمثّلت بالإنسان بقواه العقليّة والغضبيّة والشهويّة، فهو مجبر للبحث عن الخير لتحقيق الإشباع، كما أنّه مجبر للبحث عن الماء لغرض الإرواء، وبذلك تنقص حرّيّته.

وما يرافق ذلك من علل تشريعيّة، فالله تعالى هو العلّة الأولى، وهو سبب الأسباب، وذلك بتشريع ما يوجب التنفيذ بالنسبة للإنسان وتحرّي ما يمنع منه.

فهذه الأسباب كلّها مانعة للإنسان من استخدام كامل حرّيّته، بل إنّ حرّيّته لا تكون إلا في بني نوعه.

الحرّيّة والمعتقد:

وتتمة للموضوع يرى العلّامة أنّ الحرّيّة لا تشمل المعتقد، ويوجّه النقد لمن يقول بذلك، انسياقًا وراء قوله تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّـهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة/256) وفي شبيهتها من الآيات، فالعقيدة بتعريفها: «إدراك تصديقيّ ينعقد في ذهن الإنسان، ليس عملًا اختياريًّا

(79)

للإنسان حتّى يتعلّق به منع أو تجويز أو استعباد أو تحرير»[1]، فالعقيدة كالقانون لا تقبل حرّيّة ولا اختيارًا[2].

ومن هنا يرى العلّامة أنّ الحرّيّة لا تشمل المعتقد، كونها قائمة على العبوديّة.

(80)

الخاتمة وأبرز النتائج

ـ اعتمد العلّامة على الفطرة الإنسانيّة، المركوزة في بني البشر بتنظيم الحياة الفرديّة وبناء الحياة الاجتماعيّة للمجتمع، ووضّح دور الفطرة وارتكازها على أصول الدين من التوحيد والنبوّة والمعاد.

ـ نقد العلّامة أداة المعرفة في الفكر الغربيّ، وأنكر على الاتجاهات الثلاث إنكار ما تؤمن به، وتفنيدها لما يؤمن به الخصم، واعتمد على القرآن الكريم في إثبات الحسّ، وارتكز على المعرفة العقليّة، وأضف لاكتمالها المعرفة الإلهاميّة.

ـ حلّ مسألة العلّة والمعلول بالاعتماد على الفطرة، باعتبار مسألة العلّيّة مسألة فطريّة مركوزة في نفس كلّ إنسان وسرى عليها نظام الطبيعة.

ـ عالج في البناء الاجتماعيّ سبب الاجتماع وروحه وهو الدين الحنيف، المعتمد على فطريّة التوحيد.

ـ بيّن أهمّيّة النبوّة في البناء الاجتماعيّ، وأنّ الدين الإسلاميّ، هو الدين القادر على تقديم الحلول المجتمعيّة، أمّا سبب الإخفاقات في الاجتماعات الإسلاميّة، لم يكن بسبب الدين وإنّما كان بسبب المسلمين أنفسهم.

ـ قدّم نقدًا للفكر الماركسيّ، ونقد ما حاول أن يتّصف به هذا الفكر من مثاليّة وأكّد العلّامة أنّ هذا الفكر فكر مادّيّ، وأنّ ما اعتمد عليه من مرتكز قابل للتغيير والتبدّل وبعيد عن الضرورة، ونقد أيضًا انتقال المعرفة الماركسيّة من الكمّ إلى الكيف..

ـ نقد فلسفة باركلي، تمّ خلال البحث أنّ باركلي أو الاسميّة بشكل عامّ لا تؤمن بالكلّيّات وإنّما

(81)

ترى الحقيقة في الجزئيّات فقط، وهذا يعني أنّها لا تعتقد بالتصديقات وتعتمد على التصوّر فقط.

ـ إنّ ما وقع فيه الغرب إنّما لإيمانهم بالاعتباريّات الوهميّة وإنزالها منزلة الإدراكات العقليّة، وأنّ بناء أفكارهم على الحسّ جعلهم يصوّرون كلّ شيء بنظرة حسّيّة من ناحية الكلّيّات أو الأمور الماورائيّة.

ـ فرّق بين التكامل العقائديّ والتقدّم البشريّ، وأكّد أنّ الحرّيّة لا بدّ أن تكون ضمن حدود الفطرة، وأنّ الحرّيّة لا تشمل المعتقد.

 

(82)

المصادر والمراجع العربية

1. إبراهيم، زكريّا، المشكلة الخلقيّة، دار مصر للطباعة، مصر، بدون طبعة ولا تاريخ.

2. الآلوسي، حسام محي الدين، التطوّر والنسبيّة في الأخلاق، دار الطليعة، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1989م.

3. إيرل، وليم جيمس، مدخل إلى الفلسفة، ترجمة: عادل مصطفى، الطبعة الأولى، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة – مصر.

4. باركلي، جورج، المحاورات الثلاث بين هيلاس وفيلونوس، ترجمة: يحيى هويدي، المركز القزمي للترجمة، القاهرة – مصر، بدون طبعة، 2015م.

5. تسيهر، جولد، العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة: محمّد يوسف موسى، وآخرون، المركز القوميّ للترجمة، مصر، بدون طبعة، 2013م.

6. الحلو، محمّد عبد المهدي، فلسفة المنطق عند برتراند راسل، أطروحة دكتوراه مقدّمة إلى مجلس كلّيّة الآداب، جامعة الكوفة، 2019م، (مخطوطة).

7. الحلو، محمّد عبد المهدي سلمان، الاسميّة في العالم الغربيّ والنقد الواقعيّ الإسلاميّ.

8. الحلو، محمّد عبد المهدي سلمان، القضايا وأحكامها في منطق ابن سينا، رسالة ماجستير مقدّمة إلى مجلس كلّيّة الآداب – جامعة الكوفة، 2015م. (مخطوطة).

(83)

9. دوركايم، اميل، قواعد المنهج في علم الاجتماع، ترجمة: محمود قاسم، المركز القوميّ للترجمة، القاهرة – مصر، بدون طبعة، 2011م.

10. ديكارت، رينيه، تأمّلات في الفلسفة الأولى، ترجمة: عثمان أمين، المركز القوميّ للترجمة، القاهرة – مصر، بدون طبعة، 2009م.

11. ديورانت، ول، قصّة الحضارة، ترجمة: محمّد بدران، دار الجيل، لبنان، بدون طبعة ولا تاريخ.

12. راسل، برتراند، أسس البناء الاجتماعيّ، ترجمة: إبراهيم يوسف النجّار، المؤسّسة الجامعيّة، بيروت –لبنان، الطبعة الأولى، 1987م.

13. راسل، برتراند، المجتمع البشريّ بين الأخلاق والسياسة، ترجمة: عبد الكريم أحمد، الأنجلو مصريّة، مصر، بدون طبعة ولا تاريخ 99.

14. رايت، وليم، تاريخ الفلسفة الحديثة، ترجمة: محمود سيد أحمد، التنوير، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى، 2010م.

15. زقزوق، محمود حمدي، الاستشراق والخلفيّة الفكريّة للصراع الفكريّ، دار المعارف، القاهرة – مصر، بدون طبعة ولا تاريخ.

16. زيناتي، جورج، الفلسفة في مسارها، دار الكتاب الجديد المتّحدة، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية 2013م.

17. ستالين، المادّيّة الديالكتيكيّة والمادّيّة التاريخيّة، دار دمشق، سوريا، بدون طبعة ولا تاريخ.

(84)

18. الطباطبائيّ، محمّد حسين، أصول الفلسفة والمنهج الواقعيّ، ترجمة: عمّار أبو رغيف، المؤسّسة العراقيّة للنشر والتوزيع، بدون طبعة وتاريخ.

19. الطباطبائيّ، الميزان، جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة، قم – إيران، بدون طبعة ولا تاريخ.

20. الطباطبائيّ، محمّد حسين، مقالات تأسيسيّة في الفكر الإسلامي، تعريب: خالد توفيق، مؤسّسة أمّ القرى، قم – إيران، بدون طبعة ولا تاريخ.

21. العقّاد، محمود عبّاس، الشيوعيّة والإنسانيّة في شريعة الإسلام، هنداوي، القاهرة – مصر، بدون طبعة، 2013م.

22. العلواني، طه جابر، القيم بين الرؤية الإسلاميّة والرؤية الغربيّة في المنهج المعرفيّ القرآنيّ، بحث منشور ضمن كتاب (القيم في الظاهرة الاجتماعيّة)، تحرير: نادية محمود مصطفى، وآخرون، دار البشير، مصر، الطبعة الأولى، 2011م.

23. علي، حسين، ما هي الفلسفة، دار التنوير، بيروت- لبنان، بدون طبعة، 2011م.

24. فيبر، ماكس، مفاهيم أساسيّة في علم الاجتماع، ترجمة: صلاح هلال، المركز القوميّ للترجمة، القاهرة – مصر، الطبعة الأولى، 2011م.

25. كرم، يوسف، تاريخ الفلسفة اليونانيّة، مراجعة: هلا رشيد آمون، دار العلم، لبنان، بدون طبعة ولا تاريخ.

(85)

26. كوبلستون، تاريخ الفلسفة، المجلّد الأوّل، ترجمة: إمام عبد الفتّاح إمام، المشروع القوميّ للترجمة، القاهرة – مصر، الطبعة الأولى، 2002م.

27. كوبلستون، فردريك، تاريخ الفلسفة، المجلّد الخامس، ترجمة: محمود سيّد أحمد، المشروع القوميّ للترجمة، القاهرة – مصر، الطبعة الأولى، 2003م.

28. كولر، جون. م. الفلسفات الآسيويّة، ترجمة: نصير فليح، المنظّمة العربيّة للترجمة، بدون طبعة ولا تاريخ؛ وكذلك ينظر: كولر، جون. م. الفكر الشرقيّ القديم، ترجمة: كامل يوسف حسين، عالم المعرفة، الكويت، 1995م.

29. المقدسيّ، صبري، الموجز في تاريخ المذاهب والأديان، مكتبة الأستاذ سركيس أغاجان، العراق – أربيل، الطبعة الأولى، 2007م.

30. المؤمن، محمّد مهدي، شرح بداية الحكمة، مؤسّسة التاريخ العربيّ، بيروت- لبنان، ج 2، الطبعة الأولى، 2015م.

31. هورنر، كريس، التفكير فلسفيًّا، ترجمة: ليلى الطويل، الهيئة السوريّة للكتاب، دمشق – سوريا، بدون طبعة، 2011م.

32. هورنر، كريس وإمريس ريستاكوت، التفكير فلسفيًّا، ترجمة: ليلى الطويل، الهيئة العامّة السوريّة، دمشق – سوريا، بدون طبعة، 2011م.

33. هيوم، دايفد، تحقيق في الذهن البشري، ترجمة: محمّد محجوب، المنظّمة العربيّة للترجمة، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 2008م.

34. الخلافات التاريخيّة حول مفهوم الفطرة –موسوعة ستانفورد للفلسفة، ترجمة: إيمان معروف.

(86)

المصادر والمراجع الإنكليزية

1- Keith .E .Yandell. Philosophy of Religion a contemporary introduction. Routledge. London and New York. First Puplished, 1999.           

2-John.W.Dawson, Classical Logics Coming Of age، In: Jacet, Deal: Philosophy of Logic.

3-BonJour.Laurence. Epistemology .Classic Problems and contemporary. Second Edition. 2009.

(87)
هذا الكتاب يأتي هذا الكتاب فطرية التوحيد الديني - الاجتماعي ، كدراسة تحليلية نقدية للدكتور محمد عبد المهدي سلمان الحلو ، والذي يتناول فيه بالبحث والتحليل نظرية العلامة الطباطبائي في نقد الفكر الغربي ، وذلك بالاستناد إلى ما قدمة العلامة (قدس سره) في نظرية المعرفة ، الناقدة للمعرفة الغربية (الحسية والعقلية) مستعرضا لأهم النظريات التي نقدها ، مميزا بين الواقعية والمثالية، ومعالجا للنظرية الماركسية ، وهل هي مثالية أو واقعية ؟ مع التركيز على علاقة الفطرة بالتوحيد، وعلاقتهما بالبناء الاجتماعي مقاربا بين البناء الاجتماعي الموازن بين المادة والروح ، والنظام المعتمد على البعد المادي ، اضافة إلى دراسة متعلق الاسلام بالبناء الاجتماعي والتحاكم بينه وبين الديمقراطية في قيادة المجتمع نحو النجاح أو الإخفاق ، واهمية العقيدة فيه والفرق بينهما وبين التقدم البشري في المجتمعات الغربية . المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected]
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف