فهرس المحتويات

مقدمة المركز | 7

مدخل | 9

الفصل الأول: مدرسة فرانكفورت: لبس التسمية ومراحلها التأسيسيّة | 17

المطلب الأوّل: لبس التسمية ما بين المدرسة والمركز | 18

المطلب الثاني: المراحل التاريخيّة لتشكّل المدرسة النَّقْدِيَّة | 21

الفصل الثاني: روّاد مدرسة فرانكفورت ومؤسّسوها | 35

المطلب الأوّل: ماكس هوركايمر | 37

ـ كتاب النَّظَرِيَّة التقليديّة والنظريّة النَّقْدِيَّة (1937): | 40

المطلب الثاني: تيودور أدورنو | 41

ـ جدل التنوير | 44

ـ الجدل السلبي | 44

المطلب الثالث: فريدريش بولوك | 45

المطلب الرابع: هيربرت ماركوز | 47

ـ العقل والثورة 1941 | 50

ـ الحضارة والرغبة 1955 | 51

ـ الْمَارْكِسِيَّة السوفيتيّة 1958 | 51

ـ الإنسان ذو البعد الواحد 1958 | 51

المطلب الخامس: يورغن هابرماس | 52

المطلب السادس: إريك فروم | 61

المطلب السابع: ليولوفنتال | 63

المطلب الثامن: والتر بنيامين | 64

المطلب التاسع: إرنست بلوخ | 66

المطلب العاشر: أكسيل هونيت | 68

المطلب الحادي عشر: جورج لوكاش | 71

الفصل الثالث: مدرسة فرانكفورت مرجعيّاتها الفكريَّة وأُصولها النقديّة | 77

المطلب الأول الأثر الكَانْطِي في فَلسفَة مدرسة فرانكفورت | 84

المطلب الثاني الأثر الهيغلي في فلسفة مدرسة فرانكفورت | 86

المطلب الثالث: الأثر الْمَارْكِسِيّ في مدرسة فرانكفورت | 90

المطلب الرابع: الأثر الفرويدي في مدرسة فرانكفورت | 93

الفصل الرابع: مدرسة فرانكفورت مَعاثِرها الْفِكْرِيَّة أَوْ نَقْد النَّقْدِ | 99

المطلب الأوّل: الدلالة اللّغويّة والفلسفيّة: تأصيل مفهوم العقل الأداتي | 107

المطلب الثاني: جذور نقد العقل الأداتي: هوركهايمر وأدورنو | 109

المطلب الثالث: نقد العقل الأداتي هو نقدٌ للتشيّؤ | 112

   1. نقد النزعة الموضوعيّة في العلم | 113

   2. نقد أداتيّة الأنظِمة الشُموليّة | 115

   3. نقد الفعل الأداتي: الإدماج وصناعة الثقافة | 117

المطلب الرابع: انفتاح العقل الأداتي على العقل التواصلي | 119

الفصل الخامس: داء مدرسة فرانكفورت وتهافتها | 123

المطلب الأوّل: داء الاستغراق في الأحداث اليوميّة | 128

المطلب الثاني: التهافت الأيديولوجي للمدرسة | 132

قائمة المراجع | 151

(4)

الفهرس

مقدمة المركز7

مدخل9

الفصل الأول: مدرسة فرانكفورت: لبس التسمية ومراحلها التأسيسيّة17

المطلب الأوّل: لبس التسمية ما بين المدرسة والمركز18

المطلب الثاني: المراحل التاريخيّة لتشكّل المدرسة النَّقْدِيَّة21

الفصل الثاني: روّاد مدرسة فرانكفورت ومؤسّسوها35

المطلب الأوّل: ماكس هوركايمر37

ـ كتاب النَّظَرِيَّة التقليديّة والنظريّة النَّقْدِيَّة (1937):40

المطلب الثاني: تيودور أدورنو41

ـ جدل التنوير44

ـ الجدل السلبي44

المطلب الثالث: فريدريش بولوك45

المطلب الرابع: هيربرت ماركوز47

ـ العقل والثورة 1941 50

ـ الحضارة والرغبة 1955 51

ـ الْمَارْكِسِيَّة السوفيتيّة 1958 51

ـ الإنسان ذو البعد الواحد 1958 51

المطلب الخامس: يورغن هابرماس52

المطلب السادس: إريك فروم61

المطلب السابع: ليولوفنتال63

المطلب الثامن: والتر بنيامين64

(5)

الفهرس

المطلب التاسع: إرنست بلوخ66

المطلب العاشر: أكسيل هونيت68

المطلب الحادي عشر: جورج لوكاش71

الفصل الثالث: مدرسة فرانكفورت مرجعيّاتها الفكريَّة وأُصولها النقديّة77

المطلب الأول الأثر الكَانْطِي في فَلسفَة مدرسة فرانكفورت84

المطلب الثاني الأثر الهيغلي في فلسفة مدرسة فرانكفورت86

المطلب الثالث: الأثر الْمَارْكِسِيّ في مدرسة فرانكفورت90

المطلب الرابع: الأثر الفرويدي في مدرسة فرانكفورت93

الفصل الرابع: مدرسة فرانكفورت مَعاثِرها الْفِكْرِيَّة أَوْ نَقْد النَّقْدِ99

المطلب الأوّل: الدلالة اللّغويّة والفلسفيّة: تأصيل مفهوم العقل الأداتي107

المطلب الثاني: جذور نقد العقل الأداتي: هوركهايمر وأدورنو109

المطلب الثالث: نقد العقل الأداتي هو نقدٌ للتشيّؤ112

   1. نقد النزعة الموضوعيّة في العلم113

   2. نقد أداتيّة الأنظِمة الشُموليّة115

   3. نقد الفعل الأداتي: الإدماج وصناعة الثقافة117

المطلب الرابع: انفتاح العقل الأداتي على العقل التواصلي119

الفصل الخامس: داء مدرسة فرانكفورت وتهافتها123

المطلب الأوّل: داء الاستغراق في الأحداث اليوميّة128

المطلب الثاني: التهافت الأيديولوجي للمدرسة132

قائمة المراجع151

(6)

مقدمة المركز

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى بحث  وتأصيل ونقد مفاهيم شكَّلت ولمّا تزل مرتكزاتٍ أساسيةً في فضاء التفكير المعاصر.

وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطةً شاملةً للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضورًا وتداولًا وتأثيرًا في العلوم الإنسانية؛ ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين، والاقتصاد، وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها بالآتي:

أولًا: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورةٍ للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرُّف على النظريات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكريّة المختلفة.

ثانيًا: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبًا ما تُستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأنّ كثيرًا من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

(7)

ثالثًا: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثارٍ سلبيةٍ بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرَّض لها المجتمعات العربية والإسلامية، وخصوصًا في الحقبة المعاصرة.

رابعًا: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعملٍ موسوعيٍ جديدٍ يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلًا عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى.

وانطلاقًا من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع، فقد حرص المركز على أن يشارك في إنجازه نخبةٌ من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربي والإسلامي.

* * *

تقارب هذه الدراسة للباحثة التونسية ثريا بن مسميّة ما عُرِفَ بـ "مدرسة فرانكفورت" التي شكّلت علامةً فارقةً في نقد الحداثة وتفكيك أبنيتها الفلسفية والفكرية على امتداد مساحة واسعة من القرن المنصرم.

على مدى خمسة فصول تناولت الباحثة الظروف التي أدّت إلى ولادة مدرسة فرانكفورت في ألمانيا، وأثرها في المدارس والتيارات الفلسفية الأخرى؛ كما قدّمت قراءة نقدية لمسار هذه المدرسة، وبيّنت أهم وأبرز المعاثر التي واجهتها سواء على صعيد المفاهيم، أو على مستوى الانهيارات والانشقاقات التي تعرَّضت لها.

والحمد للّه رب العالمين

(8)

المدخل

الكتابة أو الخوض في السيرة التاريخيّة والفكريّة لـ «مدرسة فرانكفورت» أو«النظريّة النقديّة»، يعدّ مغامرةً فلسفيّةً ونظريّةً بالدرجة الأولى، وذلك راجع إلى عدّة أسباب منها:

التّطورات العديدة والمتجدّدة التي شهدها تاريخ هذه المدرسة؛ إلى درجة أنّنا لا يمكن أن نبحث فيها من دون ملاحظة مراحل تطوّرها. ذلك بأنّ لكلّ مرحلة آليّاتها ومناهجها ومضامينها الخاصّة، على الرَّغْمِ من ترابطها مع المراحل التي تسبقها أو تليها.

الجذور والأصول الْفِكْرِيَّة الْمُخْتَلِفَةُ والمتنوّعة التي أسهمت في تأسيسها.

 تعدّد انتماءات المدرسة ومناهجها، فمنها ما ينتمي إليها أكاديميًّا، ومنها ما يتقاطع معها في الرؤى والمسار.. ومنها من كان ناقدًا عنيدًا لمبادئها ومنطلقاتها وغاياتها.

الخليط اللاَّ متجانس من الاختصاصات العلميّة والاهتمامات الفلسفيّة لمؤسّسي مدرسة فرانكفورت يؤكّد على الطابع الجماعي للمدرسة ويضيف المزيد من الإشكاليات. فهي -كما سيتبيَّن معنا- لا تدين في وجودها لجهدٍ فرديٍّ أو فلسفة أحاديّة. لذا تستلزم الكتابة عن هذا التيّار الواسع والمعّقد اعتماد منهج التغطية الشاملة وبلحاظ الجوانب التاريخيّة والفكريّة والفلسفيّة[1].

(9)

كلّ هذه الاعتبارات وغيرها تجعل البحث في مدرسة فرانكفورت أمرًا شاقًّا، ويتطلّب الغوص في أفكار مؤسّسيها وتفاصيل نشأتها فضلاً عن الدوافع الْفِكْرِيَّة والسياسيّة والسوسيولوجيّة التي ساهمت في ظهورها.

لكن من المفيد إحاطة القارئ العزيز إلى أنّ من أهمّ المرتكزات المعرِفيّة التي انبنت عليها تجربة مدرسة فرانكفورت والتي ستضيء عليها دراستنا تكمن في النقاط التالية:

أولاً: تعتبر مدرسة فرانكفورت النقديّة، بمشروعها الفلسفيّ النقديّ، من أبرز المدارس التي تكرَّست جهود أعضائها من الفلاسفة وعلماء الاجتماع على نقد المجتمع الغربيّ الحديث؛ بقصد كشف تناقضاته، وجعل التغيير الِاجْتِمَاعِيِّ هدفًا لها، والنقد الجذريّ منهجًا لها.

ثانيًا: أبانت مدرسة فرانكفورت -في جيلها الأوّل- عن مظاهر الاستغلال والاغتراب والتشيّؤ التي أفرزها مشروع التنوير نتيجة هيمنة العقلانيّة الأداتيّة.

ثالثًا: لقد أكّدت مدرسة فرانكفورت أنّ مشروع التنوير قد عجز عن تحقيق الأهداف والمبادئ التي وُجد من أجلها، ولم يعد متماهيًا مع فكرة التقدّم كما روّج له المدافعون عنه.

رابعًا: لقد هاجمت مدرسة فرانكفورت الفلسفات النسقيّة؛ لأنّها قامت على التنظير العقلي دون اكتراثٍ بواقع الإنسان الِاجْتِمَاعِيِّ. وانطلاقًا من ابتعاد الفلسفة عن وظيفتها دافع روّاد مدرسة فرانكفورت

(10)

عن ضرورة إعادة الاعتبار لهذا الدّور من خلال المطالبة بضرورة ربط الفلسفة بالحياة الِاجْتِمَاعِيِّة؛ لتصبح فلسفةً اجتماعيّةً تُعنى بالحياة الِاجْتِمَاعِيِّة للأفراد، أي ربط النَّظَرِيَّة بالممارسة.

خامسًا: أكّدت مدرسة فرانكفورت على تهافت النزعة الوضعيّة التي تجعل من العلوم الطبيعية نموذجًا للعلميّة، وتجعل من العلم والتقنية الأداتين الكفيلتين بمفردهما على إحداث التغيير الاجتماعي، وخلق سعادة الإنسان، متجاهلين دور الفلسفة والعلوم الِاجْتِمَاعِيِّة في تحقيق هذه المهمّة، خاصّةً إذا تمّ الارتباط بينهما.

سادسًا: كما بيّنت مدرسة فرانكفورت في حديثها عن صناعة الثقافة في المؤلّف المشترك «جدليّة التنوير» أنّ الثقافة بمختلف مظاهرها خاصّة ما تعلّق منها بالفنون المختلفة والجوانب الإعلاميّة والاتّصاليّة، ووسائل الإعلام المختلفة؛ كالسينما والتليفزيون والإذاعة تحوّلت في المجتمعات الغربية المعاصرة إلى أدواتٍ للسيطرة تُمارس بواسطتها الأنظمة السياسيّة في المجتمعات الرأسماليّة ضغطًا لانتهاك حريّة الأفراد بجميع صورها خاصّةً منها حريّة التعبير، بل صارت هذه الوسائل تعمل على المحافظة على سيرورة هذا النظام الرأسمالي، وبهذا الشكل تكون الثقافة بكلّ مظاهرها قد أبعدت عن دورها الأساس في نشر الوعي السياسي والاجتماعي للأفراد، والكشف عن زيف الأنظمة السياسيّة والاقتصاديّة بفقدانها للقدرة النقديّة.

بالطبع لم يأتِ المشروع العلمي الذي قدّمته هذه المدرسة من

(11)

فراغ، فلقد تضافرت جملة من العوامل الموضوعيّة والذاتيّة التي حكمت تطوّرات الفكر الغربي في مستهلّ القرن العشرين.

فلقد تواكبت وقائع ماديّة بعينها على التأثير في مشروع هذه المدرسة، منها اندلاع الحرب العالميّة الأولى، وقيام الثورة البولشفيّة، وإخفاق الثورة في ألمانيا، وعدم نجاح الحركات الاشتراكيّة الراديكاليّة في أوروبا الغربية، وظهور الستالينيّة في الاتحاد السوفياتي، والنظم الفاشيّة والنازيّة في إيطاليا وألمانيا، وهيمنة النظم الرأسمالية وتعزيز سيطرتها الاقتصادية والأيديولوجيّة، خاصّة بعد خروجها من الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي مرّت بها في ثلاثينيات القرن العشرين[1]. وممّا ضاعف من ذلك التفسيرات الأورثوذكسية للمَارْكِسِيَّة التي طرحت في ظلّ تعاظم الستالينية، وبزوغ فكرة (دولة الرفاهية) في الغرب. وما من شكّ فإنّ هذه الوقائع والاستراتيجيات النَّظَرِيَّة تؤكّد أنّ: «تفكير مدرسة فرانكفورت النّقديّ هو تفكير أزمة، بحسب المعنى الموضوعي للكلمة، وفي الوقت نفسه، تفكير ضدّ القطيعة والعقائديّة بالمعنى الكانطي.

من هنا وجدت هذه المدرسة نفسها تضطلع بمهمّةٍ رئيسيّةٍ، هي الرّغبة في صوغ أساس لنظريّة وممارسة أكثر قدرة وفاعليّة على تفسير الظروف التاريخيّة المستجدّة والتعامل معها، بواسطة ممارسة نمط من النقد السلبي، يتجاوز أفكار كانط التي ساهمت في تأسيس العقلانيّة الحديثة، وأفكار الْمَارْكِسِيَّة الأورثوذكسية التي

(12)

استبعدت الذات الإنسانيّة من حساباتها. وعلى هذا النحو اتّجهت أطروحات المدرسة إلى محاولة البرهنة على أنّ عقلانيّة المشروع الثقافيّ الغربيّ في جوانبه الثلاثة: كنتاج فلسفيٍّ نظريٍّ علميٍّ، ونظم اجتماعية تاريخية، ونسق قيمي سلوكي، تؤلف جميعها أيديولوجيا شموليّة متكاملة ومتماسكة، تهدف إلى تبرير التّسلّط، وجعله عقيدةً وحيدةً تغطّي أولويّات القمع المتحقّقة كواقع مستمرّ يجمع مختلف فعاليّات هذا المشروع[1].

وقد صبّ هوركايمر، المُنظّر الأوّل لفلسفة النقد، اهتمامه الأساسيّ على الجانب المعرفيّ لهذه الفلسفة، من منطلق أنّ العقلانيّة كأيديولوجيا، تستند إلى يقينٍ معرفيٍّ محدّد، يجب التصدِّي له واكتشاف تهافته وتسلّطه، وهو ما دعاه إلى اقتراح مهامٍّ أربع أساسيّة لهذه الفلسفة، هي:

الكشف في كلّ نظريّة عن المصلحة الِاجْتِمَاعِيِّة التي ولدتها، عن طريق استخدام التخليل الناقد، من أجل النّفاذ إلى أعماقها، في العلاقات الِاجْتِمَاعِيِّة التي تتضمّنها.

تأسيس فهم جدليّ للذات الإنسانية، لا يتوقّف عند وصف الصيرورة التاريخيّة للحاضر فحسب، بل ويقوم أيضًا على إدراك قوّتها الحقيقيّة المتحوّلة، وتأثيرها في الصراعات الواقعيّة لعصرنا الرّاهن.

والمهمّة الثالثة لنظريّة النّقد عند هوركايمر، هي أن تظلّ هذه

(13)

النَّظَرِيَّة على وعي بكونها لا تمثّل مذهبًا خارج التطوُّر الِاجْتِمَاعِيِّ التاريخيِّ[1]. فهي لا تطرح نفسها باعتبارها مبدأ اطلاقيًّا، أو أنّها تعكس أي مبدأ إطلاقيٍّ خارج صيرورة الواقع. والمقياس الأساس والوحيد الذي تلتزم به هو أن تعكس مصلحة الأغلبيّة الِاجْتِمَاعِيِّة وسعي الفئات المقهورة في تنظيم علاقات للإنتاج، بما يُحقّق تطابق العقل مع الواقع، بواسطة ربط النَّظَرِيَّة بالممارسة، في إطار نقدٍ أيديولوجيٍّ، يتيح للإنسان الكشف عن قدراته اللاَّ محدودة، وتديم الحلول التي تساعده على تكوين وجودٍ حقيقيٍّ.

أمّا المهمّة الأخيرة، فتكمن في التصدِّي لمختلف الأشكال اللاَّعقلانيّة التي حاولت المصالح الطبقيّة السائدة أن تلبسها للعقل، وأن تُؤسّس اليقين بها على اعتبار أنّها هي التّي تجسّده، في حين أنّ هذه الأشكال من العقلانيّة المزيّفة ليست سوى أدوات لاستخدام العقل في تدعيم النُّظم الِاجْتِمَاعِيِّة القائمة.

ولكي نقارب دراستنا حول مدرسة فرانكفورت بإشكاليّاتها واتّجاهاتها وتعقيداتها المختلفة والمتنوّعة، فقد ارتأينا تقسيمها إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة نقدية:

- الْفَصْلُ الأوّل: يهتم بنشأة المدرسة والإطار التاريخي والفلسفي الذي نمت في أرجائه. وفيه طرح لإشكاليّة التسمية ومحاولة للاستقرار على التسمية التي تحوز على أوسع مساحة من التداول. فالمعروف أنّ «مدرسة فرانكفورت» ترافقت منذ ولادتها بعدّة

(14)

تسميات منها: «المدرسة النقديّة» و«مركز البحوث الِاجْتِمَاعِيِّة»، لذا وجدنا ضرورة للفصل والتمييز بين هذه المسمّيات.

- الْفَصْلُ الثاني: عرضنا في هذا الفصل إلى روّاد مدرسة فرانكفورت ومؤسِّسيها بالتركيز على سيرة الشخصيّات المؤسّسة للمدرسة من خلال فلسفتهم وفكرهم النقدِّي وتصنيفاتهم العلمية في هذا المجال، ونظرًا لكثرة الروّاد الوافدين إلى المدرسة حاولنا التركيز على أهمّ الشخصيات المُؤثّرة في برامجها وتحوّلاتها.

- الْفَصْلُ الثالث: تناول الفلسفات والمدارس المؤثّرة في نشأة المدرسة النَّقْدِيَّة كالكانطيّة والفرويديّة أو الهيغليّة والمَارْكِسِيَّة والتي تعدّ الركيزة الأساسية لولادتها ونموّها.

- الْفَصْلُ الرابع: تناولنا في هذا الفصل مدرسة فرانكفورت بالنقد والتحليل والمناقشة، وخصوصًا لجهة كونها مدرسة نقديّة بالدرجة الأولى. ففي خلال مسيرتها وقعت في الكثير من العيوب والمعاثر سواءً على الصعيد النظري وإنتاج المفاهيم، أو على الصعيد التطبيقي وما طرأ عليها من انشقاقات في صفوفها. 

- الْفَصْلُ الخامس: ركَّز هذا الفصل على داء مدرسة فرانكفورت وتهافتها، واستغراقها في الأحداث اليومية، مع تركيز على التهافت الأيديولوجي للمدرسة.

(15)
(16)

 

 

 

 

 

الفصل الأول

مدرسة فرانكفورت:
لبس التسمية ومراحلها التأسيسيّة

(17)

 

المطلب الأوّل: لبس التسمية ما بين المدرسة والمركز

«مَدْرَسَةٌ فرَانْكِفُورْتْ» أو«المدرسة النقديّة» أو «مركز البحوث الإجتماعيّة» كلّها تسميات لكيان واحد، فما الخطب وراء تعدّدها وأيّها الأسبق ولمَ هذا التعدّد والتحوّل في المسمّيات.

عن «لبس التسمية» يتحدّث الدكتور محسن الخوني[1] فيُبيّن أنّ اسم «مَدْرَسَةٌ فرَانْكِفُورْتْ» كان متأخّرًا في ظهوره، عن «مركز البحوث الِاجْتِمَاعِيِّة»، و«مَدْرَسَةٌ فرَانْكِفُورْتْ» هي الأكثر استعمالاً وشيوعًا اليوم. وهي اسم أطلق على مجموعة من المفكّرين أهمّهم هوركهايمر وأدرنوو ماركوز داخل «مركز البحوث الاجتماعية»، ولكن اسم «مَدْرَسَةٌ فرَانْكِفُورْتْ» أطلق على المركز من الخارج خلال السنوات الستين، وقد انتهى الأمر بأدرنو إلى قبول ذلك بضرب من الفخر[2]. إضافةً إلى ذلك «فرَانْكِفُورْتْ» هي إشارة للمكان الّذي ظهر فيه مركز «البحوث الاجتماعية»، لكن ما وراء تحوّل «المركز» إلى «مدرسة»؟

البداية كانت مع المركز أي «مركز البحوث الاجتماعية» وهي عبارة عن حدث أو هو بمثابة مشروعٍ علميٍّ خاصٍّ بالفلسفة الاجتماعية، اللّفظ الّذي أطلقه ماكس هوركهايمر على الأفق العلمي

(18)

للمعهد والذي وُضع مختصرًا ضمن عبارة «النظريّة النقديّة»[1] (Théorie Critique).

المركز لم يتضمّن في نشأته رؤيةً نقديّةً واضحةً يمكن أن تعدّ مدرسة، بل كان جملةً من الأفكار والنظريّات المتعدّدة، وكان هوركهايمر الواصل لهاته الرؤى حول واقع المجتمع الألماني بعد الحرب داخل المركز، وقد سانده في ذلك «أدرنو»، لكن تشتّت الأفكار وعدم وضوح الرؤية تجعلنا نُؤكّد على فكرة المركز لا المدرسة. فـليس ثمّة نظريّة نقديّة ولا يُوجد بالأحرى «مدرسة» ولكن من الأجدر أن نقول بوجود نظريّات نقديّةٍ عديدةٍ ومنظّرون نقديّون مختلفون يعالجون قضايا مشتركة تجمعهم من قريب أو بعيد مثل: الهيمنة، التشيّؤ... داخل تقليد معرفي موزّع بصورة أكثر أو أقل فيما بينهم (المَارْكِسِيَّة الغربية)، ويتناولون النَّظَرِيَّة  النَّقْدِيَّة  بإعتبارها كتابات متجانسة تصرّ دائمًا على تجاهل الاختلافات القائمة بين مختلف مفكّريها (هوركهايمر، أدرنو، ماركوز، بينيامين، هابرماس، هونيست...)[2].

الفكر النّقدي للواقع السياسيّ والاجتماعي كان هو الأساس لتكوّن المركز كمركز بحوث اجتماعية يستبطن تحوّلات ذات تأسيسات مَارْكِسِيَّة فرويديّة وهيغليّة كانطيّة، فما علينا فهمه أنّ فكرة «مدرسة» لم تتكوّن إلّا عند مغادرة «المركز» فرَانْكِفُورْتْ إلى ألمانيا سنة 1950.

(19)

على هذا الوجه من التّتبّع المفاهيمي علينا أن نستخلص أسبقيّة «مركز البحوث الِاجْتِمَاعِيِّة» كنواةٍ أولى «لِمَدْرَسَةٌ فرَانْكِفُورْتْ»، وذلك لما يتطلّبه مفهوم المدرسة من تناسقٍ وتناسبٍ ولو عامّ لمفكريها. فمصطلح «مَدْرَسَة» يتطلّب على حدّ تعبير «أبسنور» تبلور عددٍ معيّنٍ من الأطروحات في مذهبٍ موحّد وإن لزم الأمر في عقيدة، وتقوم بذلك مجموعة تلتفّ حول فكر مؤسّس، وتنشر نسقًا جديدًا في فضاءٍ عموميٍّ بهدف مساعدة حقبةٍ حرجةٍ على المرور إلى حقبةٍ عضويّة جديدة»[1] فما هي المراحل التي مرّ بها «مركز» أو «معهد البحوث الاجتماعية» لتتشكّل «المَدْرَسَة النقدية» أو «مَدْرَسَةٌ فرَانْكِفُورْتْ»؟

(20)

المطلب الثاني: المراحل التاريخيّة لتشكّل المدرسة النَّقْدِيَّة

من المعلوم أنّ المشهد الثقافي الألماني إبّان الحرب العالميّة الثانية كان مضطربًا، وقاتمًا، ونقديًّا جدًّا، فقد انتهت تلك الحرب مخلِّفة وراءها ألمانيا مدمّرة، كانت الجراح لا تزال تنزف، والكارثة قد أحاطت بالرّوح الألمانيّة التي شعرت بأنّها قد تُركت إلى المجهول بعد أن أضاعت كلّ شيءٍ، هويّتها ومكانتها، بل وربّما تراثها الفلسفيّ العريق.

يتجلَّى هذا الإحساس بالضياع في موقف الفيلسوف الألماني «كارل ياسبيرس» (YaspersKarl) الذي أعلن حينها فقدهم كلّ شيءٍ تقريبًا من وضعٍ إقليميٍّ، وقوّةٍ اقتصاديّةٍ وسلامةٍ جسديّةٍ، والأسوأ من هذا كلّه المعايير المُلزِمة التي تقرّب الكرامة الأخلاقيّة من المشاعر لتكوين شعب، ويرثي ياسبيرس حكوماتهم التي اختفت دون أن تنبس ببنت شفةٍ، معلنًا -في أسفٍ شديدٍ- أنّ الأمّة الألمانيّة لم تَعُد موجودة، وأنّه قد صار لزامًا عليهم أن يلتمسوا الإذن من أجل فعل أدنى تصرّفٍ[1].

ويتّضح من قول «ياسبيرس» هذا عجز الفلسفة عن منع الكارثة، وهي أمام هذا الوضع تجد نفسها بين خيارين اثنين؛ فإمّا أن تواجه واقعها ذاك دون القفز فوقه، وفي مثل هذه الحالة تُخْلِي الأسئلة النَّظَرِيَّة مكانها شيئًا فشيئًا أمام أسئلة ذات طابعٍ عمليٍّ؛ بحيث تجد الفلسفة نفسها منخرطةً في مهمّة تغيير العالم على الطريقة

(21)

المَارْكِسِيَّة، بدلًا من الاكتفاء بتأمّله على طريقة هيغل، وإمّا أن تتمرّد على واقعها السوداويّ الذي وجدت نفسها فيه، وذلك بلجوئها إلى النقد الجذريّ.

في هذا الوضع المتردّي ظهرت النظريّات  النَّقْدِيَّة  وتبلورت داخل «مركز البحوث الاجتماعية» أو «معهد البحوث الاجتماعية» الذي تأسّس بقرارٍ من وزارة التربية بتاريخ 3 نوفمبر 1923 وافتتح رسميًّا في يونيو 1924، ذلك المعهد الذي شكّل النواة التنظيميّة الأولى لمدرسة فرانكفورت، وذلك بالاتّفاق مع معهد الأبحاث الاجتماعية، الذي كان «جرلاش Gerlach» قد اقترح إنشاءه منذ عام 1922.[1]

ويرجع الفضل في تأسيس هذا المعهد إلى «فليكس ج.فايل (Félix j .Weil)» و«فريدريك بولوك» (F.pollok) (1970-1984) و«ماكس هوركايمر»، ولقد قام «فليكس فايل» بالتّعاون مع أبيه «هيرمان فايل» بتمويل المعهد ماليًّا من حيث إعداد المبنى اللّائق، والالتزام برواتب العاملين فيه، وفي سبتمبر عام 1922 أصدر «فليكس فايل»، بيانًا بشأن ميلاد المعهد الجديد.[2]

لقد كانت نشأة المعهد -إذًا- مبادرةً من «فليكس فايل»؛ الذي نظّم أوّل أسبوعِ عملٍ ماركسيٍّ (Erstmarxistische arbeitswoche)

(22)

في (ايلمونو) (Ilmeneau) (تورينغ Thuringe) خلال صيف عام 1922، وقد شارك فيه لوكاش (Luckacs) وكورش(Korsch) وبولوك (Pollock) وفيتفوجل (Wittfogel)، وقد وُلدت هناك فكرة مؤسّسة على شكلِ معهدٍ مستقلٍّ للأبحاث يستفيد من هبة هيرمان فايل (والد فليكس فايل)  ومن العقد المُبرَم مع وزارة التربية كما بيّنا سلفًا.

ويُعتبر فليكس فايل[1] أوّل من فكّر في خلق كوادر أكاديميّة لمتابعة البحوث في الفكر الْمَارْكِسِيِّ والنظرِيّة  النَّقْدِيَّة  فيه بغية تجديد طاقتها الراديكاليّة.[2]

وقد واجه المعهد -وقت إنشائه- مشكلةً كبيرةً تكمن فيمن سيترأّس المعهد؛ حيث كانت اللوائح تشترط فيمن يتولّى رئاسة المعهد أن يكون حائزًا على درجة الأستاذيّة[3]، وهذا ما كان يفتقر إليه  المؤسّسون الثلاثة «فايل، بولوك، هوركايمر»؛ لذلك لم يكن أيٌّ من المفكرين الثلاثة مؤهّلًا لتولّي هذا المنصب، ومن ثمّ اقترح فايل

(23)

ترشيح «ألبرت جيرلاخ «(Gerlach kurt Albert) كمديرٍ للمعهد؛ إلاّ أنّ جيرلاخ مات فجأة في أكتوبر 1922 قبل أن يتولّى مهام منصبه الجديد، ومن هنا اتّجه فايل إلى التفاوض مع «كارل جرونبرغ[1] (1861 - 1940) وتمّ الاتّفاق بين الجميع وأصبح جرونبرغ مديرًا رسميًّا للمعهد عام 1923.

إن تولِّي الإشراف على المعهد من طرف جرونبرغ، جعل بعض الباحثين يعتبرون فترة رئاسته للمعهد مرحلة أولى من مراحل المدرسة، من بينهم الباحث حسن حماد[2] في كتابه «النظرية  النَّقْدِيَّة  لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ - ماركوز نموذجًا»  الذي حاول أن يقف فيه على مميّزات هذه المرحلة من مراحل المدرسة وأهمّ إنجازاتها.

وقد تميّزت تلك المرحلة بسمةٍ ماركسيّةٍ واضحةٍ، وقد ظهر هذا للوهلة الأولى التي ألقى فيها «جرونبرج» محاضرته في افتتاح المعهد؛ حيث أظهر نوعًا من التعاطف مع التوجُّه الماركسيّ، وصرّح بمعارضته للنظام الِاجْتِمَاعِيِّ والاقتصاديّ القائمين كما صرّح بانتمائه الفكريّ للمَارْكِسِيَّة، إلاّ أنّه لم يغفل عن التأكيد على كون التوجّه الْمَارْكِسِيِّ لا يجب أن يُفهم بأيّ معنى سياسي حزبي، ولكن فقط بالمعنى العلمي الأكاديمي.

(24)

كما حاول أن يقف على أهمّ المساهمات العلميّة التي اتّسمت بها فترة «جرونبرج» والتي قدّمها الباحثون الشباب في المعهد؛ منها أوّل المنشورات الرئيسة من إصدارات المعهد الذي تمثّل في البحث الذي قدّمه «هنريك جروسمان» (H .Grossman) (1881-1950)، وكان موضوعه «قانون التراكم والتّدهور في النّظام الرأسماليّ»؛ والذي بيّن فيه أنّ التّدهور الاقتصادي -وحده- لا يضمن الثورة؛ إذ إنّ الثورة تحدث -في نظره- من خلال التَّدَخُّل الفاعل للطبقة العاملة، وكان ثاني المنشورات الرئيسة من إصدارات المعهد هو: «تجارب التخطيط الاقتصادي في الحكومة السوفياتية (1917- 1927)» لمؤلّفه «فريدريك بولوك» وفي هذا البحث تناول «بولوك» المفهوم الْمَارْكِسِيِّ للشيوعيّة في ضوء تجربة تاريخية عينيّة.

والعمل الأخير المتميّز -بحسب «حسن حماد»- في فترة رئاسة «جرونبرج» هو لـ«كارل أوجست فيتفوجل»(Karl August .Wittfogel)؛ الذي نُشر عام 1931 وموضوعه «الاقتصاد والمجتمع في الصين»، وقد ركز «فيتفوجل» في هذا البحث على مشكلات البناء الفوقيّ بما تتضمّنه من قضايا كالإيديولوجيا والوعي الطبقي.[1]

 ولقد انصبّ اهتمام المعهد -في الفترة التي تولّى فيها جرونبرج الإشراف عليه في نظر «حسن حماد»- حول ستّة موضوعات هي:

الماديّة التاريخيّة، والأساس الفلسفي للمَارْكِسِيَّة.

الاقتصاد السياسيّ.

(25)

    1. مشكلات الاقتصاد المخطّط.

    2. مهام البروليتاريا.

    3. علم الاجتماع.

    4. تاريخ المذاهب والأحزاب الاشتراكيّة.

لقد انتهت المرحلة الأولى عام 1929عندما جاوز البروفيسور «جرونبرج» الستين وساءت حالته الصحِّية؛ فقرّر التنازل عن منصب إدارة المعهد وبقيّة المناصب الأكاديميّة الأخرى التي كان يشغلها كأستاذٍ متخصّصٍ، وبذلك وجد المعهد نفسه من جديدٍ يواجه مشكلة اختيار رئيسٍ له، وقد عُرض المنصب على «بولوك»، لكنّه اعتذر لإيثاره أن يكون مسؤولًا عن القضايا الإداريّة للمعهد على أن يكون رئيسًا له، أمّا «فليكس فايل» فقد آثر أن يبقى عمله محصورًا فيما يتعلّق بالتمويل والميزانيّة الماليّة للمعهد، وفي هذه الحالة لم يتبقّ سوى «هوركايمر» الذي بدا كمرشحٍ وحيدٍ بلا منازع لاحتلال المنصب الجديد.[1]

كذلك نجد من المتحمّسين لتأسيسِ معهدٍ دائمٍ من أجل القيام بالدراسات الْمَارْكِسِيَّة والسياسية والسوسيولوجية «فريديريك بولوك»[2] الصديق الحميم لـ«فايل» الذي ربطته -قبل الحرب في عام 1911- علاقة صداقة حميمة مع «ماكس هوركايمر» الذي أصبح

(26)

بعد ذلك من أوائل المتحمّسين لفكرة إنشاء المعهد، بل ومساندًا لـ«بولوك» في دعم «فايل» في إنشاء مؤسّسة أكاديميّة للبحوث الاجتماعية.[1]

وبتولّي «ماكس هوركايمر» رئاسة المعهد بشكلٍ رسميٍّ في يناير 1931، وتبدأ المرحلة الثانية من مراحل مدرسة فرانكفورت؛ تلك التي يُطلق عليها مرحلة النضج، بحيث أصبح لمعهد فرَانْكِفُورْتْ طابع جديد ومحدّد يختلف عن مرحلة «جرونبرج» التي اتّسمت -كما أشرنا سالفًا- بنوعٍ من الالتزام بالمَارْكِسِيَّة الأرثوذكسية؛ فـ»جرونبرج» كان يتعامل مع الْمَارْكِسِيَّة بوصفها علمًا، وبشكلٍ عامٍ فقد ندرت -في عصره- الدراسات الفلسفية، أما «هوركايمر» فعلى الرَّغْمِ من إقراره النظريّ بأنّ مشروع معهده هو الماديّة التاريخيّة، إلاّ أنّه في واقع الأمر قد جعل من الفلسفة الموضوع الرئيس للنظرية الِاجْتِمَاعِيِّة النقديّة[2] التي اهتمّت -في البداية- بتحليل البُنى الِاجْتِمَاعِيِّة والاقتصاديّة للمجتمع القائم، ويظهر هذا الاهتمام بالجانب الفلسفيّ النقديّ عند «هوركايمر» في مقاله الافتتاحيّ للمعهد الذي كان عنوانه «الحالة الراهنة للفلسفة الِاجْتِمَاعِيِّة وواجبات معهد الأبحاث الاجتماعية.»[3]

وإلى جانب اهتمام مرحلة «هوركايمر» بالجانب الفلسفيّ فقد

(27)

تميَّزت بالاهتمام المتزايد بالأبحاث السيكولوجية وخاصّةً التحليل النفسيّ الفرويديّ الذي جرى مزجه بالفكر الماركسيّ؛ ففي عام 1932 قام «هوركايمر» بكتابة مقال عن «التاريخ وعلم النفس» نشره في الطبعة الأولى لجريدة المعهد (Zeitschrift)، وفي هذا المقال يؤكّد «هوركايمر» على أنّ علم النفس الفرديّ ذو أهميّةٍ كبيرةٍ في فهم التاريخ.[1]

إن الطّابع الجديد الذي اتّسمت به مدرسة فرانكفورت مع إدارة «هوركايمر»، لا يعني أن تغيّر النظرة قد تمّ دفعةً واحدةً، بل كان ضربًا من التّطوّر التدريجيّ، فلقد حافظ «هوركايمر» على كثيرٍ من افتراضات سلفه الْمَارْكِسِيَّة ولكن مع إدخال تغييراتٍ دقيقةٍ عليها، ففي خطابه الافتتاحيّ، وبخلاف خطاب «جرونبرغ»، لم يقل أنّ كلّ تعبير من تعابير حياة المجتمع هو انعكاسٌ لحالة الحياة الاقتصاديّة، بل قلب هذا الزّعم بما قلّ ودلّ، داعيًا مثل هذه النظرة بالمَارْكِسِيَّة الرديئة، دون أن يذكر اسم «جرونبرغ» بهذا الصدد، وقد أعلن أنّه من الخطأ أن نعتقد أنّ الأفكار أو المضامين الروحية تقتحم التاريخ وتحدّد فعل الكائنات البشريّة، كما أنّه من الخطأ أن نعتقد أنّ الاقتصاد هوالواقع الحقيقي الوحيد.[2]

(28)

هناك اختلافات حاسمة -إذًا- تفصّل بين المشروع الْمَارْكِسِيِّ لـ«جرونبرغ» عن مشروع «هوركايمر»؛ فهي ما بين اختلاف في السنّ، وفي الجيل، وفي التكوين الفكريّ، وفي المزاج.[1]

وبهذا الشّكل أراد «هوركايمر» أن ينفتح المعهد -في عصره- على آفاق معرفيّة أخرى كالفرويديّة والظاهراتيّة (Phenomenology)، في سعيٍ دؤوبٍ منه إلى مزيدٍ من الاهتمام بالجوانب الثقافيّة والأيديولوجيّة؛ اتّساقًا مع التغيّرات الِاجْتِمَاعِيِّة التي انتابت ألمانيا وأوروبا والغرب خلال تلك الفترة، وهو ما يشير إليه «مارتن جاي» بقوله إنّه: «إذا كان من الممكن الحديث بأنّ المعهد قد اهتمّ أساسًا خلال سنوات تكوينه الأولى بتحليل البنى الِاجْتِمَاعِيِّة الاقتصاديّة للمجتمع البرجوازيّ؛ فقد وجّه اهتمامه بعد عام 1930 إلى بناه الفوقيّة الثقافية».[2]

وكما شهدت المرحلة السابقة بعض الإسهامات العلميّة، كذلك شهدت المرحلة التي تولّى فيها «هوركايمر» رئاسة المعهد عددًا من الإسهامات؛ وكان أوّل هذه الإسهامات، تلك الدراسة التي قام بها «فرانز بوركينا» حول «التحوّل من النظرة الإقطاعيّة للعالم إلى النظرة البرجوازيّة»، أمّا العمل الثاني المتميّز في تلك الفترة فكان «دراسات في السلطة والأسرة» والكتاب عبارة عن دراسة جماعيّة اشترك فيها

(29)

«هوركايمر» و«فروم» (ErichFromm) و«ماركوز»(Herbert Marcuse)، وكان عبارة عن دراسةٍ تحضيريّةٍ لدراسةٍ أخرى ظهرت عام 1950 تحت عنوان «الشخصيّة المتسلِّطة»، ولقد اهتمّت الدراسة الأولى بتحليل الأسس السيكولوجيّة للسلطة، وهدفت إلى تقديم تفسير ملائم لصعود التيّار الفاشي وازدهاره في دول أوروبا.[1]

ومع وصول هتلر إلى الحكم في آذار (مارس) 1933 تمّ إغلاق المعهد؛ إذ كان من المتعذَّر استمرار نشاطه في ظلّ الحكم النازي لسببَيْن: الأول يتعلّق بالطبيعة الْمَارْكِسِيَّة لنشاطه الفكري، ويتمثّل الثاني في أنّ غالبيّة روّاد المعهد كانوا من اليهود، وقد غادر أعضاؤه إلى بعض العواصم الأوروبية، ومن بينهم هوركايمر الذي أدرك خطورة الموقف الذي سيواجه المعهد حال استمراره؛ فسافر إلى جنيف واستقرّ في فرع المعهد الذي كان قد فتحه هناك، ثم هيّأ الظروف اللازمة لسفر بقيّة أعضاء المعهد، وتولّى إدارة ملحق المعهد في جنيف، في الحين ذاته الذي تمّ فيه افتتاح الملحقين الصغيرين عام 1933 في باريس ولندن تحت رعاية الهوركهاميين «بوغلي» (Bouglé) و«هالبواش» (Halbwach) و«برغسون»(Bergson)، وصدرت الـ Zeitschrift في باريس عن «فليكس ألكان»(Alcan Félix)،  من سنة 1933 إلى 1940.[2]

(30)

ولم تدم فترة بقاء المعهد في سويسرا طويلًا؛ فقد كان وجوده في جنيف حالة مؤقّتة، خاصّةً أنّ التيّار النازي قد امتدّ إلى سويسرا أيضًا، وأصبح المعهد مهدّدًا مرّة أخرى، ولم يعد هناك إلاّ حلّ واحد هو نقل المعهد إلى الولايات المتحدة الأميركية، وبالفعل تمّ ذلك عام 1934، وبدأ الأعضاء يتوافدون على المعهد تباعًا من جنيفوباريس ولندن.[1]

ولم يحافظ المعهد على تسميته الحقيقيّة عندما انتقل إلى الولايات المتّحدة الأميركية وإنّما نُقل إلى نيويورك باسم «المدرسة الجديدة للبحث الاجتماعيّ»، ليستقرّ بعد ذلك في الحرم الجامعي

(31)

لجامعة كولومبيا، ثمّ ما لبثوا أن انتقلوا عام 1941 إلى لوس أنجلوس.[1]

فإذا كانت التسمية تأثّرت بهذا الانتقال من ألمانيا إلى المنفى، فهل تأثّر روّاد المدرسة بانتقالهم إلى المنفى؟، وهل أثّرت حالة المنفى والابتعاد عن الوطن الأم في إسهاماتهم الفكريّة؟!!

لا شكّ أنّ هجرة أعضاء المعهد إلى الولايات المتحدة الأميركية قد أثّرت بشكل أو بآخر في أعمالهم؛ لذلك فإنّه مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وغروب النظم الفاشية والنازية بدأوا تحليلًا جذريًّا للمجتمع الرأسماليّ الذي رأوا نمط صعوده الجديد في الولايات المتّحدة، خاصّةً مع تنامي (المعجزة الاقتصادية) التي كوّنت رأسماليّة قويّة، حالت دون فعاليّة الطبقة العاملة في تحقيق أهدافها، وهذا ما يُفسِّر توجّه بحوث المعهد هناك إلى قضايا عديدة في هذا المجتمع، كقضيّة السيطرة الشاملة، والقضاء على قيمة الفرديّة، والقهر التقني، وصناعة الثقافة.[2]

 إنّ أعوام المنفى -إذًا- لم تقلّل من شأن أو فاعليّة النّشاط الفكريّ لأعضاء المعهد، وحسبنا أن نذكر أنّ فترة الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات قد شهدت عدّة دراسات مهمّة شكّلت -في مجموعها- ما نسمّيه اليوم «النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة»؛ ولعلّ من أبرز هذه الدّراسات تلك الدّراسة التي نشرها هوركايمر عام 1937 بعنوان «النظرية التقليدية والنظريّة النقديّة»، وفي العام نفسه نشر ماركوز

(32)

دراسة تحت عنوان «الفلسفة والدّراسة النَّقْدِيَّة»، وفي عام 1941 نشر ماركوز باللّغة الإنجليزية أهمّ كتبه «العقل والثورة»، وفي العام ذاته نشر هوركايمر كتابه «خسوف العقل». وفي عام 1942 ظهر كتاب فروم «الخوف من الحريّة»، وفي عام 1944 أصدر هوركايمر بالاشتراك مع أدورنو كتابًا مهمًّا هو «ديالكتيك التنوير».[1]

يتّضح -إذًا- من خلال هذه الإسهامات الْفِكْرِيَّة التي أشرنا إليها -من باب الاستدلال- على أنّ مَعين الإنتاج الفكري لأعضاء المعهد لم ينضب حتى وهم منفيُّون عن ألمانيا، بل كان خصبًا مستمرًّا يبرز من خلال إسهامات أخرى للأعضاء انفسهم السالف ذكرهم، ككتاب «أيروس والحضارة» لماركوز سنة 1955، وكتابه الآخر«المَارْكِسِيَّة السوفيتية» سنة 1958، ولعلّ الهدف من ذكر هذه المؤلفات -لأعضاء مدرسة فرانكفورت- التي لاقت استقبالًا حارًّا من الأكاديميات الأميركية والإنجليزيّة، سواءً في عهد هوركايمر أو في مرحلة المنفى هو أنّها قد شهدت توسُّعًا وتطوّرًا ملحوظًا في موضوعات النّقد، واستطاعت أن تبلور بصورةٍ فعليّةٍ نظريّةً نقديّةً متكاملة الملامح.

ويمكننا القول -في نهاية هذا المبحث- بأنّ هؤلاء المفكّرين يتبوّؤون مكانةً فريدةً في الحياة الْفِكْرِيَّة الألمانية، ويحتلّون بقوّة جزءًا من النقاشات الثقافيّة والسياسيّة في الساحة الْفِكْرِيَّة الألمانيّة خاصّة، والساحة الغربية عامّة، كما يمكننا الاعتراف -في نهاية هذا المبحث- بأنّ نشأة مدرسة فرانكفورت كانت صعبةً للغاية، وذلك بالرجوع إلى الظروف الصعبة التي اكتنفت وصاحبت هذه النشأة.

(33)
(34)

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

روّاد مدرسة فرانكفورت ومؤسّسوها

(35)

 

مدخل

من خلال المبحث الأوّل، وقفنا على الكيفيّة التي تأسّست بموجبها مدرسة فرانكفورت ومختلف الظروف الْفِكْرِيَّة والسياسيّة التي أحاطت بهذه النشأة، وكذلك المراحل التي مرّت بها في بروزها وتكوُّنِها، من خلال الوقوف على أبرز الشخصيّات الْفِكْرِيَّة التي بذلت جهودًا جبّارة في ظلّ صعوبات وتحديّات إيديولوجيّة وسياسيّة واجهتهم، سواءً في ألمانيا أو في دول المنفى، كالأوضاع السياسيّة غير المستقرّة في ألمانيا والتي أثّرت تأثيرًا ملحوظًا على مدرسة فرانكفورت النقديّة، وبشكل خاصّ تنامي النازية، وعلى الرَّغْمِ من ذلك تمكّن هؤلاء المفكّرون من إرساء القواعد الأساسيّة لمعهد الأبحاث الِاجْتِمَاعِيِّة الذي حمل بعد مرحلة المنفى اسم (مدرسة فرانكفورت).

وعلى الرَّغْمِ من العدد الكبير للمفكرين المنتسبين إلى معهد الأبحاث الِاجْتِمَاعِيِّة أو مدرسة فرانكفورت الذين قاموا بتأسيس تيّارات واتّجاهات فلسفيّة هامّة -كلٌّ حسب طبيعة الموضوعات التي تخصّص في بحثها- إلاّ أنّ النَّظَرِيَّة   النَّقْدِيَّة  التحليليّة والاتّجاه الفكريّ المميّز لهذه المدرسة قد تشكّل بفضل ثلاثة مفكّرين أساسيين فيها، كانت فلسفاتهم المحور الرئيس الذي قامت عليه الأصالة الْفِكْرِيَّة لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ وتكاملت عبرهم نظريّتها النقدية؛ وهم: ماكس هوركايمر، تيودور أدورنو، هربرت ماركوز،[1]هؤلاء

(36)

الذين يمثّلون الجيل الأوّل للمدرسة، وذلك بإجماع الباحثين في (مدرسة فرانكفورت)، كما يمثّلون فكرها الفلسفيّ والاجتماعيّ، وروّادها -في جميع مراحلها- وأجيالها.

المطلب الأوّل: ماكس هوركايمر (Max Horkheimer)

وُلِدَ ماكس هوركايمر في 14 فبراير 1895 بمدينة شتوتغارت (Stuttgart)، وهو ابن أحد الصناعيين اليهود؛ فهو سليل عائلة يهوديّة ثريّة، وبتأثير عائلته ترك دراسته في المدرسة المتوسّطة وكان عمره في حدود السادسة عشر ليعمل بمصنع النسيج الذي هو ملك أبيه، ولقد التقى بفريدريك بولوك في عام 1912 وتواجدا معًا في باريس ثمّ في بروكسل، وقبل الحرب العالمية الأولى عاش في مانشستر، وفي عام 1917 شارك في الحرب وأُصيب فيها، ولقد أنهى دراسته الثانويّة مع صديقه بولوك وانخرطا من 1919 إلى 1922 في دراسة الفلسفة، وعلم النفس والاقتصاد السياسي بجامعة ميونخ.[1] ثم انتقلا بعد ذلك إلى جامعة فرَانْكِفُورْتْ ليدرس هو وزميله بولوك تحت إشراف «هانز كورنيلوس»[2] (Hans cornelius) (1863-1947).

ولقد قرأ هوركايمر لكثيرٍ من الفلاسفة، نجد من بينهم الفيلسوف شوبنهاور (Schopenhouer)، وكذلك تولستوي (Tolstoï)، ومن

(37)

بعدهم ماركس (Marx) وإنجلز (Engels)، وفي عام 1922 ناقش أطروحته للدكتوراه وكان عنوانها «نقد الحكم عند كانط: التوسّط بين الفلسفة العمليّة والفلسفة النظريّة» تحت إشراف هانز كورنيلوس.

وعن طريق وساطة صديقه بولوك من معهد البحث الِاجْتِمَاعِيِّ بفرانكفورت، بدأ التدريس عام 1926 بالتقرّب من الْمَارْكِسِيَّة والحركة العمّاليّة، وفي سنة 1930 عُيِّن أستاذًا للفلسفة الِاجْتِمَاعِيِّة بجامعة فرانكفورت، وفي  السنة نفسها أصبح مديرًا للمعهد خلفًا لجرونبرغ، وفي عام 1932 أسّس مجلة معهد الأبحاث الاجتماعية.

اضطرّ هوركايمر إلى مغادرة ألمانيا عام 1933 نظرًا لوصول هتلر إلى سدّة الحكم؛ فهاجر إلى جنيف وباريس ونيويورك، واستمرّ في نشر مجلّة للبحث الاجتماعي، وفي الإشراف على نشر دراسات في الفلسفة والعلم الاجتماعي.[1] وعندما تحوّل معهد الأبحاث الِاجْتِمَاعِيِّة إلى جنيف بسويسرا اتّخذ اسمًا فرنسيًّا هو: «الشركة الدولية للأبحاث الاجتماعية» التي امتدّ إشعاعها لفرنسا وانجلترا، وفي باريس استقبل «سيلستان بوغلي» (Célestin Bouglé) هوركايمر، كذلك ألكسندر فاركيهارسن (Alexander Farquharson) مدير مجلة Revieu Sociological بلندن كان مستقبلًا لهوركايمر، وأصبحت مجلة المعهد تنشر حتى عام 1940 من طرف مطبوعات فليكس ألكان (Félix Alcan).

(38)

أعاد المعهد بعث نشاطه في الولايات المتحدة الأميركية بنيويورك سنة 1934، واستقرّ هوركايمر مع  كلٍّ من ماركوز ولونثال وبولوك وفيتفوجل وفروم[1] ثمّ انتقل إلى لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا، وهناك تعاون مع تيودور أدورنو على إصدار كتابهما «جدل التنوير»، واستمرّ في تحرير مجلّة معهد البحث الِاجْتِمَاعِيِّ تحت اسمها الجديد «دراسات في الفلسفة والعلم الاجتماعي»، وفي عام 1949 عاد إلى فرانكفورت، وفي عام 1950 أعاد فتح معهد البحث الاجتماعي.

واشتغل هوركايمر للسنوات 1951- 1953 رئيسًا لجامعة فرانكفورت، واستمرّ في الوقت نفسه في التعليم الجامعي حتى تقاعد في منتصف الستينات في 1958، ومن ثمّ زار أميركا مرتين: الأولى عام 1954 والثانية عام 1959، وذلك ليحاضر في شيكاغو، وظلّ رمزًا ثقافيًّا متميّزًا حتى وفاته في نورمبرغ بتاريخ 7 يوليو 1973، ودُفِنَ في المقبرة اليهوديّة في برن في سويسرا.

إنّ هذه الوقفة البيبليوغرافيّة مع الرائد الأوّل لمدرسة فرانكفورت، لا تعطينا فكرة دقيقة عن مكانة هذا المفكّر في فكر المدرسة رغم أهميّة هذه الوقفة، بحيث لا تتّضح مكانته الْفِكْرِيَّة إلاّ من خلال الوقوف على أهم إسهاماته الْفِكْرِيَّة في حقل الفلسفة والعلوم الاجتماعية، والتي تبرز من خلال مؤلّفاته وكتبه المختلفة التي سنذكر بعضها وفق ترتيبها الزمني، أي سنة إصدارها، وكذلك

(39)

الإشارة إلى المواضيع الأساسيّة والقضايا والمشكلات الرئيسة التي عالجتها هذه المؤلفات؛ ومنها:

1- كتاب النَّظَرِيَّة التقليديّة والنظريّة النَّقْدِيَّة (1937):
(Théorie critique et théorie traditionnelle)

يعتبر من أبرز الدراسات التي نشرها هوركايمر، وقد حاول هوركايمر-من خلال هذا العمل- أن يُنشّط النقد الثّقافي الِاجْتِمَاعِيِّ الجذريّ، وناقش مسألة التسلّط العسكري، والمشكلة الاقتصاديّة التي تشلّ الحياة الاجتماعية، والأزمة البيئيّة. ففي هذا الكتاب نقد هوركايمر النَّظَرِيَّة التقليديّة في التفكير وحدّد خطوطًا لاتجاهات جديدة تتوخّى النّقد التحليلي للواقع ولحركيّة المجتمع والسياسة.[1]

كتاب خسوف العقل: F[éclipse de la raison] سنة 1941، يتألّف من خمسة أقسام: الوسائل والغايات، صراع الحلول، ثورة الطبيعة، صعود الفرد وسقوطه، ومفهوم الفلسفة. ولقد درس هوركايمر في هذا الكتاب مفهوم العقل في تاريخ الفلسفة الغربية، ولقد حدّد العقل بكونه «ذهنية» ولذلك رأى ضرورة أن تُرعى هذه الذهنيّة وتُربّى في بيئة حرّة، يشيع فيها فكر نقدي، وعلى مستوى العقل ميّز هوركايمر بين ثلاثة أنواع من العقل: العقل الموضوعي، العقل الذاتي، العقل الأداتي.

(40)

كتاب بين الفلسفة والعلم الاجتماعي: [philosophie et science social] ظهر في مجلدٍ ما بين عامي 1930- 1939، وبالتحديد خلال الفترة التي انتقل فيها معهد البحث الِاجْتِمَاعِيِّ إلى جنيف؛ ومن ثمّ التحاقه بجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأميركية، وشمل مجموعة مقالات: الماديّة والأخلاقيّة، الموقف الراهن للفلسفة الأخلاقيّة ومهمّات البحث الاجتماعي، في مشكلة الصّدق، الأنانيّة وحركة الحريّة، تاريخ علم النفس، المفهوم الجديد للإيديولوجيا، ملاحظات حول الأنثروبولوجيا الفلسفية، ومناقشة العقلانية في الفلسفة المعاصرة. وتجدر الإشارة ههنا إلى أنّ لهوركايمر أعمالًا أخرى لا يتّسع المقام لذكرها وتقديم فكرة عن محتوياتها.

المطلب الثاني: تيودور أدورنو (Theodor Adorno)

ولد تيودور أدورنو في مدينة فرَانْكِفُورْتْ في  11 سبتمبر 1903 من أبٍ ألمانيٍّ وأمٍّ إيطاليةٍ، ولأسرة شَغُفت بالموسيقى؛ إذ كانت والدته ابنة مطربةٍ ألمانيةٍ، وشقيقته عازفة بيانو محترفة؛ مما جعله يتعلّق بالموسيقى في وقتٍ مبكرٍ.[1]

كان تيودور الابن الوحيد لوالده «أوسكار ألسكندر فيزنجروند»، تاجر المشروبات الثري، وهو سليل عائلة يهوديّة تحوّلت إلى البروتستانتية، التحق تيودور بمدرسة «كاسير ويهلم»؛ ومن ثمّ تخرَّج فيها وعمره سبعة عشر عامًا، وكان من الطلبة الأوائل في دفعته، لقد قضى طفولته بين والدته المغنّية وخالته عازفة البيانو المشهورة؛

(41)

لذلك اهتمّ بالموسيقى وعشقها، واهتمّ بالفلسفة وخاصّة بعد تعرفه على «زقفريد كركاور Siegfried Kracauer» عام 1922 الذي قضى معه عدّة سنوات في دراسة فلسفة كانط.[1]  فقرأ فلسفته في شبابه وكذلك علم الاجتماع وعلم النفس بجامعة فرانكفورت، وذهب إلى مدينة فينا عام 1925، حيث تابع دروسًا في التأليف الموسيقي على يد «ادوارد ستورمان E .Steuermann»، وبصحبة «ألبان برج Alban Berg»، التقى هوركايمر  عام 1922 وناقش أطروحة حول (تعالي الغيري والنيوماني في ظاهراتية هوسرل) عام 1924 بإشراف «هانز كورنيليوسH.Cornelius» ثم عاد إلى فرَانْكِفُورْتْ عام 1928، ليشرع في كتابة أطروحة التأهيل حول (كيركجارد وبناء الجمالية) التي ناقشها عام 1931، مما سمح له بأن يكون عضوًا في هيئة تدريس جامعة فرانكفورت، بدرجة Privatdzent، أي كأستاذ بدون مرتّب، يتقاضى مكافأة من الطلاب مباشرة.[2]

ولم يصبح في الواقع عضوًا رسميًّا في معهد البحث الِاجْتِمَاعِيِّ إلاّ في عام 1938، ولم يُنْفَ أدورنو منذ سنة 1933، وهي السنة التي تسلّم فيها هتلر الحكم في ألمانيا، بل أمضى معظم وقته حتى 1937 في إنجلترا، في كلية مارتن Merton في أكسفورد. وبعد نفيه إلى الولايات المتحدة استعاد أدورنو تعاونه الوثيق مع هوركايمر.[3]

(42)

ولقد ترتّب على هذا التعاون إصدار كتابهما المشترك المعنون بـ «جدل التنوير Dialektik der Aufklarung» عام 1947 الذي ظهر مع الإعلان عن ضحايا المحرقة النازية، وكانا يريدان تقديم هذا الكتاب لفريديريش بولوك تكريمًا له في عيد ميلاده الخمسين، حيث قالا في تقديم الطبعة الجديدة كذلك: «من أميركا، حيث تم وضع الكتاب، عدنا إلى ألمانيا بقناعةٍ منّا على مضاعفة جهودنا عمليًّا ونظريًّا، وبالتعاون مع فريدريش بولوك الذي أردنا أن يكون هذا الكتاب تكريمًا له في عيد ميلاده الخمسين، وهو مجدّدًا له في عيده الستين»[1]، ولقد كان أدورنو أحد الّذين أصرّوا بعد الحرب على العودة إلى فرَانْكِفُورْتْ، وصار المدير المساعد للمعهد، ثم مديرًا مشاركًا عام 1955، وأخيرًا - بعد تقاعد هوركايمر عام 1958- أخذ أدورنو على عاتقه إدارة المعهد حتى تُوُفّيَ عام 1969 بعد وصيّته الفلسفيّة «الجدل السلبي» (La dialectique négative) عام 1966، وبعد دوره الفاعل في «صراع الوضعية» (La  querelle  du positivisme) في اللّحظة التي بدأ فيها Kamp Suhr  بنشر مؤلّفاته كاملة.[2]

وهذه اللّمحة عن السيرة الذاتية للرائد الثاني من روّاد الجيل الأوّل لمدرسة فرانكفورت لا يمكنها أن تكون ذات جدوى حقيقية إذا لم تُعزّز بسيرته المعرفيّة التي لا يمكن الإحاطة بها إلاّ من خلال الوقوف على أهمّ إسهاماته الفلسفية والاجتماعية، التي تبرز عبر مؤلّفاته المختلفة التي مسّت جوانب عدّة، ومن هذه المؤلّفات نجد: 

(43)

2 - جدل التنوير

[Dialektik der Aufklarung] (La dialectique de la raison)

 وهو من أوائل الكتب التي تصدّرت مكتبة مدرسة فرَانْكِفُورْتْ، فهو يعود إلى حقبة الأربعينيات من القرن الماضي، وبالضبط في عام 1947، وهي الفترة التي شهدت هجرة أغلبية مفكري مدرسة فرانكفورت إلى مختلف بلدان العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وهذا بعد الأحداث التي عرفتها ألمانيا إثر صعود النازية ووصولها إلى سدّة الحكم، والملاحقات التي تعرّض لها الكثير من المثقّفين والمفكّرين، خاصّة من ذوي الأصول اليهودية[1]، وقد كُتب هذا الكتاب بالاشتراك بين ماكس هوركايمر وتيودور ف.أدورنو، وقد اعتبر ألبرشت فيلمر أنّ هذا الكتاب هو النصّ المفتاح لمجمل النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة الأولى؛ وذلك بوصفه يعيد رسم انتصار التنوير وتعاسته في آن واحدٍ[2].

الجدل السلبي (1966) [Négative Dialektik]

لقد صدر هذا الكتاب المهمّ سنة 1966، في مرحلة الانتقال الكلي من تمركز النَّظَرِيَّة  النَّقْدِيَّة  لأدورنو في مجال الفلسفة وعلم الاجتماع السياسيّ إلى الميدان الجماليّ البحت، ويشكل هذا الكتاب حلقة الوصل بين التأسيس الفلسفي السوسيولوجيّ

(44)

لفكره النقديّ وبين توجّهه التامّ نحو علم الجمال فيما بعد، وقد تجاوز كتاب «الجدل السلبي» الأطروحات الْفِكْرِيَّة التي توقّف عندها أدورنو في «جدل العقل» التي تحدّدت مهمّتها النَّظَرِيَّة في اتّهام العقل بقصوره، في حين أنّ «الجدل السلبي»يحدّ من اتهاماته المتوَجِّهة نحو العقل كموضوعٍ، وينقلها إلى إطارٍ جديدٍ يتموضع داخل صيغةٍ وشكلٍ تاريخيَيْن.[1]

المطلب الثالث: فريدريش بولوك[2](Friedrich Pollock)

وُلِدَ في مدينة فرايبورغ بألمانيا لأبٍ من رجال الأعمال الذي رغب أن يوجّه ابنه للعمل في التجارة والشؤون المالية؛ لذلك درس الاقتصاد لكنّه ما لبث أن توجّه للاهتمام بالقضايا الْفِكْرِيَّة والسياسية في جامعات ميونيخ وفرايبورغ ثمّ جامعة فرَانْكِفُورْتْ، التي حصل منها على درجة الدكتوراه في الاقتصاد عام 1923 حول موضوع (نظرية العملة عند ماركس)، وشارك في العام ذاته في أعمال أسبوع البحوث الْمَارْكِسِيَّة الأوّل الذي نظّمه صديقه فليكس فايل F.Weil، وقبل الحرب العالميّة الأولى، وفي عام 1911 تعرّف إلى شخص مهمّ ربطته به علاقة صداقة حميمة، وهو ماكس هوركايمر، الذي أصبح بعد ذلك من أوائل المتحمّسين لفكرة إنشاء معهد البحوث الِاجْتِمَاعِيِّة بجامعة فرانكفورت، ومساندًا لبولوك في دعم فايل في إنشائه، وأصبح بولوك عضوًا بارزًا فيه منذ تأسيسه.

(45)

كان بولوك على علاقةٍ جيّدةٍ مع الحزب الشيوعيّ السوفيتيّ، حيث دعاه في زيارة رسميّة للاطلاع على المنجزات الاقتصاديّة والاجتماعيّة هناك بعد ثورة أكتوبر عام 1917، وقدّم له تسهيلات كثيرة من أجل تأليف كتابه المهم (تجارب التخطيط الاقتصادي في الاتحاد السوفياتي بين عامي 1917-1927).

وبقي بولوك مرتبطًا فكريًّا، ومخلصًا للتجربة السوفيتيّة، وغضّ النظر عن التطوّرات السياسية والخلافات داخل الحزب الشيوعي السوفياتي التي أعقبت وفاة لينين؛ فلم يتخذ موقفًا منها، وحرص على أن يبقى اهتمامه هناك منصبًّا على التجربة الاقتصادية، وفي الخلافات النَّظَرِيَّة التي كانت قائمة بين هوركايمر من جهةٍ وجرونبرج مدير المعهد من جهةٍ أخرى، اتّخذ بولوك موقفًا مساندًا لأفكار هوركايمر واتّجاهه الفلسفي النّقدي.

عُرِض على بولوك منصب مدير معهد البحوث الِاجْتِمَاعِيِّة عام 1929 محلّ جرونبرج الذي ساءت صحته آنذاك، لكن بولوك اعتذر مفضِّلًا البقاء كمسؤولٍ عن القضايا الإداريّة للمعهد.

ومع وصول هتلر سدَّة الحكم انتقل بولوك مع صديق عمره المقرّب هوركايمر إلى مدينة نيويورك، ثم عاد إلى فرَانْكِفُورْتْ مع عودة افتتاح المعهد عام 1950، وبعد تقاعدهما عام 1959 انتقل بولوك وهوركايمر إلى اثنتين من الفيلات المجاورة في مدينة مونتانيولا (Montagnola) بسويسرا، وظلّ هناك حتى مات عام 1970.

(46)

وقد تُرجِمَ له إلى الإنجليزية:

- State Capitalism – Its Possibilities and Limitations in (Studies in philosophy and Social Science)، Vol. IX، N.2، 1941.

-The Economic and Social Consequences of Automatim، Oxford University Press، Oxford، 1957.

المطلب الرابع: هيربرت ماركوز (Herbert Marcuse)

هو فيلسوف ومفكر ألماني أميركي، عُرِفَ بتنظيره لليسار الراديكاليّ وحركات اليسار الجديد ونقده الحاد للأنظمة القائمة.

وُلِدَ ماركوز في برلين لعائلةٍ يهوديّةٍ، وخدم في الجيش الألماني خلال الحرب العالميّة الأولى، ودرس في جامعتها، وحصل على الدكتوراه من جامعة فرايبورغ عام 1922، وعمل بعدها حتى عام 1928 في بيع الكتب، ثم انضم إلى مساعدة مارتن هايدغر في دراساته، وكان منتسبًا لمعهد الدراسات الِاجْتِمَاعِيِّة في فَرَانْكِفُورْتْ؛ حيث كان يشكّل جماعةً فكريّةً ذات توجّهٍ ماركسيٍّ، وقد استمرّت في مزاولة نشاطها حتى عام 1933، وبعد استلام الحزب الاشتراكيّ القوميّ (الحزب النازيّ) السلطة قام الحزب بإغلاق المعهد وسافر ماركوز بعدها إلى سويسرا لمدّة عامٍ، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية وانضمّ إلى معهد الدراسات الِاجْتِمَاعِيِّة هناك في جامعة كولومبيا عام 1934، وعمل خلال الحرب العالمية الثانية في أجهزة الاستخبارات الحربيّة الأميركية (مكتب المعلومات الحربيّة

(47)

ومكتب الخدمات الاستراتيجيّة)؛ حيث عمل في الدعاية المضادّة للنازيّة سعيًا منه إلى تفكيكها، وحلّ أواصرها، وفي الخمسينيات شرع في تدريس الفلسفة والسياسة بشكلٍ متتابعٍ ما بين جامعات كولومبيا وهارفارد وبرانديس وكاليفورنيا.

وعلى الرَّغْمِ من أنّ ماركوز قد غادر ألمانيا؛ إلاّ أنّه بقي عضوًا رئيسًا في جامعة فَرَانْكِفُورْتْ الثقافية مع ماكس هوركايمر وتيودور أدورنو، وكان يمثّل الجناح اليساريّ فيها، وقد ظهر جليًّا تأثير ماركوز على القيادات الطلابيّة؛ حيث عمّت الاحتجاجات الطلابيّة جامعات أميركا وأوروبا في أواخر عقد الستينيات، وقد ركّز ماركوز في كتاباته على نقد الرأسماليّة وتجديد الأطروحات الماركسيّة؛ حيث كان يرى أنّ أهمّ تهديد للأنظمة القائمة سيأتي من الطلّاب والأقليّات في المجتمع لا من طبقة العمّال التي تمّ تطويعها من خلال النمط الاستهلاكيّ، وتلبية احتياجاتها السطحيّة؛ كي تكون خاضعةً للأوضاع القائمة صامتةً عمّا يدور من حولها من ظلمٍ وانتهاكاتٍ، كما صبّ ماركوز جمّ تركيزه على البعد الفرديّ من خلال سيره على النسق الماركسي.

وقد تُوُفِّي ماركوز عام 1979 على أثر سكتةٍ دماغيّةٍ أثناء زيارته لألمانيا وكان برفقته صديقه الحميم يورغان هابرماس (أحد أهمّ المُنظّرين من الجيل الثاني لجامعة فَرَانْكِفُورْتْ)، وقد ترك إرثًا فلسفيًّا وفكريًّا كبيرًا تمثَّل في مجموعةٍ من المقالات التي كان قد كتبها في الثلاثينيات من القرن الماضي، داعيًا فيها إلى نظريّةٍ اجتماعيةٍ جدليّةٍ مناقضةٍ للعلم الِاجْتِمَاعِيِّ الوضعيّ كما عند أوجست كونت،

(48)

وشتال، وفون شتاين خلال النصف الأوّل من القرن التاسع عشر الميلادي؛ لأنّها كانت تماثل بين دراسة المجتمع ودراسة الطبيعة.

وما يُلحظ على ماركوز أنّه بنى نظريّته الجدليّة على أفكار هيغل، وحوّل فكر ماركس إلى هيغيليّة راديكاليّة؛ فحصر اهتمامه في نقد أصول الفلسفة الوضعيّة والعلم الاجتماعي، وظهر جليًّا عداؤه الشديد للهيمنة التقنيّة؛ حيث كان يعتبر العقل المنغلق سببًا رئيسًا في استلاب الإنسان، وتحويله إلى آلةٍ إنتاجيّةٍ لا تُسمن ولا تُغني من جوعٍ؛ ومن ثَمّ فقد اعترى ماركوز -بوصفه من الشريحة العليا المثقّفة من الطبقة الوسطى- شعورٌ بغيضٌ بالإحباط وخيبة الأمل، وتشكَّلت لدى ماركوز فلسفةٌ ذات نزعةٍ تشاؤميّةٍ تسبّب فيها اغتراب الإنسان في المجتمع الصناعي الحديث الذي تغلُب عليه التقنية؛ فيضيع فيه رغم أنفه باعتباره ذاتًا وكينونةً ووجودًا.

وقد أشار ماركوز في كتابه: «الإنسان ذو البعد الواحد» إلى اختفاء الدّور التاريخي الفاعل للطبقتين البرجوازية والبروليتارية على حدٍّ سواء، كما أشار إلى أنّ هناك قوّة واحدةً خفيّة متحكّمة في مسار هاتين الطبقتين معًا متمثّلةً في العقلانيّة العلميّة التقنيّة، وليست هناك طبقة معارضة؛ فقد تمّ استيعاب الطبقة العاملة واسترضاؤها من خلال تحفيزاتٍ ماديّةٍ استهلاكيّةٍ، وترشيد عمليّة الإنتاج ذاتها، وقد أشعلت أفكار ماركوز لهيب حركة الطلّاب الأميركية في أواخر الستينيات بمعارضتها للنّظام، وكذا حركات طلابيّة أخرى في دول أوروبيّة شتّى؛ بَيْد أنّ الحركات الِاجْتِمَاعِيِّة -في ذلك الوقت- كانت جميعًا واقعة تحت تأثير تحليلاتٍ متنوّعةٍ عن البنية الطبقيّة المتغيّرة،

(49)

وعن مغزى التكنوقراطيّة والبيروقراطيّة، التي قدّم علماء الاجتماع إسهامات ملحوظة بصددها.

وتتركّز أفكار هربرت ماركوز سياسيًّا حول ثلاث قضايا شائكة: دور الطلّاب في العالم الرأسماليّ، والحركة الطلابية في فرنسا عام 1968، ودور الطبقة العاملة الحديثة في الغرب.

هذا، وقد آمن ماركوز بقوى ثوريّة جديدة ستظهر في المستقبل داخل المجتمع الحديث، وسيتمّ التحرّر الِاجْتِمَاعِيِّ عن طريق الإشباع الجنسيّ كما يبيّن ذلك في كتابه: «الحب والحضارة»، وقد برهن فيه سيكولوجيًّا على كون تجاوز الندرة الماديّة في المجتمعات الصناعيّة المتقدّمة سيخلق الشروط المناسبة لإحراز البشر هدفهم في السعادة من خلال التحرّر الجنسي، وتفوّق مبدأ المتعة، الذي تصوّره كأساسٍ للانعتاق الشامل المؤثّر في كافّة العلاقات الاجتماعيّة.

وقد عبّر ماركوز عن آرائه في الفلسفة الِاجْتِمَاعِيِّة من خلال أهمّ كتبه:

ـ العقل والثورة 1941 (Reason and Revolution)

وهو دراسةٌ جدليّةٌ في النظريّات الِاجْتِمَاعِيِّة لهيغل مع إعادة تفسيرها وتتبّعها عبر كيركغور وفيورباخ وماركس، وقد بيّن فيه أثر هيغل في النظريّات الِاجْتِمَاعِيِّة خلال الثلاثينيات وربطها بنشأة النظريّات الفاشيّة.

(50)

ـ الحضارة والرغبة 1955 (Eros and civilization)

وقد قام فيه بالتأليف والتقريب بين فرويد وماركس، وقد اصطبغ الكتاب بصبغةٍ سيسيوفلسفيّة جمعت بين الجانبَين النفسيّ والفلسفيّ.

ـ الْمَارْكِسِيَّة السوفيتيّة 1958 (Soviet Marxism)

انتقد ماركوز -في هذا الكتاب- التطبيق السوفياتي للماركسيّة، وأشار إلى اتّجاهات تحرّريّة داخل النظام السوفياتي تحقّقت في الثمانينيات في عهد غورباتشوف.

ـ الإنسان ذو البعد الواحد 1958 (One Dimentional Man)

وهو أهم أعماله على الإطلاق بحيث وجّه فيه نقدًا مشتركًا للمجتمعات الرأسماليّة والشيوعيّة، بحيث إنّ المجتمعات الصناعيّة الحديثة خلقت احتياجات وهميّة للإنسان ومن خلال أجهزة الإعلام والإعلانات تمّ توجيه جميع الأفراد للفكر الاستهلاكي.

وقد انتهج ماركوز في أعماله فلسفة النفي؛ فقد امتاز - منذ بداية أعماله الفلسفيّة- باتجاهٍ عقلانيٍّ صارمٍ، فكانت النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة في مواجهة المثاليّة والذاتيّة والبرجوازيّة محاربة إيّاها في أكثر المواضيع خصوصيّةً مثل: الماهيّة والوجود، العقلانيّة واللاَّ عقلانيّة، الماديّة والمثاليّة، وكان جوهر النّقد التاريخي لفلسفة ماركوز الثوريّة يتمثّل في معالجة نظام الإنتاج الرأسمالي والعلاقات الِاجْتِمَاعِيِّة فيه.

(51)

المطلب الخامس: يورغن هابرماس[1] (Jürgen Habermas)

هو فيلسوف وعالم اجتماع ألماني معاصر يعتبر من أهمّ علماء الاجتماع والسياسة في عالمنا المعاصر،  ألمانيا وما زال يعيش بألمانيا، ويعدّ من أهمّ منظّري مدرسة فرانكفورت النَّقْدِيَّة له أكثر من خمسين مؤلفًا يتحدّث عن مواضيع عديدة في الفلسفة وعلم الاجتماع، وهو صاحب نظريّة الفعل التواصلي.

ولد يورغن هابرماس في دسلدورف، شمال الراين في ألمانيا- ويستفاليا حاليا، عَمِل والده ايرنست هابرماس مديرًا تنفيذيًّا لغرفة الصناعة والتجارة، وقد وصفه هابرماس الابن بأنّه متعاطفٌ مع النازيّة، ولقد تربَّى في أسرة بروتستانتية، ودرس في جامعات جوتنجين (1949- 1950) وزيورخ (Zürich (1950- 1951، وبون (Bonn(1951-1955، ونال درجة الدكتوراه في الفلسفة من بون عامَ 1954 بأطروحته «المطلق والتاريخ؛ حول التناقض في فكر شِلينغ» (The absolute and history: on the contradiction in Schelling)، وكان من بين لجنة المشرفين على أطروحته إريك روذاكير (Erich Rothacker) وأوسكار بيكر (Oskar Becker).

في 1956درس الفلسفة وعلم الاجتماع على يد المنظّرين النقديين مثل ماكس هوركايمر وثيودور أدورنو في معهد البحث الاجتماعي/ مدرسة فرانكفورت، لكن بسبب خلافٍ بين الاثنين على أطروحته، بالإضافة إلى اعتقاده الشخصي أنّ مدرسة فرانكفورت

(52)

كانت قد أَصبحت مشلولة بالشكوكيّة (skepticism) والازدراء (disdain) السياسي للثقافة الحديثة. أنهى تأهيله في العلوم السياسية في جامعة ماربورغ (Marburg) إذ تتلمذ على يد الْمَارْكِسِيِّ ولفجانج ابيندروث، وقد عنونت دراسته «التحولات البنيوية للأوضاع الاجتماعية: تساؤلات ضمن أصناف المجتمع البرجوازي» (The Structural Transformation of the Public Sphere: an Inquiry into a Category of Bourgeois Society)، وفي 1961 أصبح أستاذًا في جامعة بورج. وبقرارٍ غير معتاد بالنسبة للمشهد الأكاديمي الألماني في تلك المدّة رُشِّح هابرماس ليكون أستاذًا استثنائيًّا (أستاذ بدون كرسي) للفلسفة في جامعة هايدلبرغ بتوصية من هانز جورج جادامر (Hans-Georg Gadamer) وكارل لويث (Karl Lwith)، وفي 1964 عاد إلى مدرسة فرانكفورت مدعومًا من قبل أدورنو لتولي كرسي هوركايمر في مجال الفلسفة وعلم الاجتماع.

تسلّم منصب مدير معهد ماكس بلانك (Max Planck Institute) في ستيرنبيرج (قرب ميونخ) في 1971، وعمل هناك حتى 1983، أي بعد سنتين من نشر رائعته، نظريّة الفعل التواصلي (Theory of Communicative Action)، بعد ذلك عاد هابرماس إلى كرسيّه في فرَانْكِفُورْتْ مديرًا لمعهد البحث الاجتماعي. منذ أن تقاعد من فرَانْكِفُورْتْ في العام 1993، واصل نشر أعماله ذات المواضيع واسعة النّطاق. طرح خطابًا حول تأهيل الدّور العام للدين في السياق العلماني، بخصوص تطوّر الْفَصْل بين الكنيسة والدولة من الحياد إلى العلمانيّة الحادّة.

(53)

تتلمذ على يديه العديد من الأساتذة المعروفين الآن. من أبرزهم: عالم الاجتماع السياسي كلوس أوفّ (Claus Offe)، الفيلسوف الِاجْتِمَاعِيِّ يوهان أرناسون (Johann Arnason)، المنظّر الِاجْتِمَاعِيِّ هانز جوس (Hans Joas)، منظّر التطوّر الِاجْتِمَاعِيِّ كلاوس إيدير (Klaus Eder)، الفيلسوف الِاجْتِمَاعِيِّ أكسل هونيث (Axel Honneth) (المدير الحالي لمعهد البحث الاجتماعي)، الفيلسوف الأميركي توماس مكارثي (Thomas McCarthy)، الباحث الِاجْتِمَاعِيِّ جيرمي شابيرو (Jeremy Shapiro)، ورئيس الوزراء الصربي المغتال زوران دينديك (Zoran indic).

وريث مدرسة فرانكفورت

وصل يورغن هابرماس إلى درجة من الشهرة والتأثير العالمي لم ينجح الرعيل الأوّل من ممثلي النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة الِاجْتِمَاعِيِّة والمعروفة في حقل الفلسفة المعاصرة بمَدْرَسَةٌ فرَانْكِفُورْتْ في الوصول إليها. فعلى الرَّغْمِ من الثّقل العلمي لأفكار الجيل الأوّل (هوركايمر، أدورنو، ماركوزه، إريك فروم…)، إلاّ أنّ هابرماس هو الفيلسوف الوحيد الذي فرض نفسه على المشهد السياسي والثقافي في ألمانيا كـ»فيلسوف الجمهورية الألمانية الجديدة» وفق تعبير وزير الخارجيّة الألماني يوشكا فيشر، وذلك منذ أكثر من خمسين عامًا.

إنّه بالفعل يعتبر الوريث الشرعيّ المعاصر لإرث مدرسة فرانكفورت، وعلى الرَّغْمِ من أنّ هناك أفكارًا مشتركةً واضحةً بينه وبين أسلافه، فإنّه نحا بهذه المدرسة منحًى مختلفًا، وإذا كان ما

(54)

يجمع أعمال أدورنو وهوركايمر وماركوز الاهتمام الشديد بحريّة الإنسان مهما بعدت إمكانيّة وجود تلك الحريّة عن أرض الواقع، فإنّ هابرماس أقلّ حماسًا في هذا الجانب رغم وجوده؛ فهو يتحرّر من التذبذب بين التفاؤل والتشاؤم ويركّز جلّ تفكيره بدلاً من ذلك على تحليل الفعل والبنى الاجتماعيّة، ولا جدال في انتماء هابرماس إلى اليسار، إلاّ أنّه -وربّما بشكل غير متوقع- ينتقد التقاليد الْفِكْرِيَّة التي تنتمي إليها، الأمر الذي اتنهى به إلى النأي بنفسه عن الحركة الطلاَّبية التي ظهرت في الستينيات. ويمكن النظر إليه، أولًا: باعتباره متمسّكًا بتصوّرٍ يزاوج بين البنية والفعل في نظريّة كليّة واحدة، وثانيًا، بوصفه مدافعًا عن مشروع الحداثة، وبخاصّة عن فكرتي العقل والأخلاق الكليين، وأمّا حجته في ذلك فهي أنّ مشروع الحداثة لم يفشل، بل بالأحرى لم يتجسّد أبدًا؛ لذا فالحداثة لم تنتهِ بعد، ويظهر أنّ هذا الموقف يضعه في اتّجاه معارض تمامًا مع أسلافه بالنظر إلى موقفهم من نقد عقل التنوير، إلاّ أنّ موقفه يتضمّن الإصرار على جدل التنوير، أي أنّ عمليّة التنوير لها جانبان: يتضمّن أحدهما فكر البناء الهرمي والاستبعاد، في حين يحمل الجانب الآخر إمكانيّة إقامة مجتمع حرٍّ يسعد به الجميع على الأقلّ، ونظريّة ما بعد الحداثة تفتقد -بحسب هابرماس- إلى هذا العنصر الأخير.

أمّا المصالح المعرفيّة فتعني عند هابرماس أنّنا دومًا نطوّر المعرفة لغرض معيّن، وتحقيق ذلك الغرض هو أساس مصلحتنا في تلك المعرفة، والمصالح التي يناقشها هابرماس هي مصالح مشتركة بين الناس جميعًا، بحكم أنّنا أعضاء في المجتمع الإنساني، فيذهب

(55)

هابرماس إلى أنّ العمل ليس وحده ما يميِّز البشر عن الحيوانات، بل واللّغة كذلك، فالعمل يؤدّي إلى ظهور المصلحة التقنية، وهي المتمثّلة في السيطرة على العمليّات الطبيعيّة واستغلالها لمصلحتنا، وتؤدّي اللّغة -بوصفها الوسيلة الأخرى التي يحوّل بواسطتها البشر بيئتهم إلى ظهور ما يدعوه هابرماس «المصلحة العملية»- إلى ظهور العلوم التأويليّة؛ حيث يذهب هابرماس إلى أنّ المصلحة العمليّة تفضي إلى نوع ثالث من المصلحة وهي مصلحة الانعتاق والتحرّر، وهذه الأخيرة تسعى لتخليص التفاعل والتواصل في العناصر التي تشوّهها عن طريق إصلاحها ومصلحة الانعتاق والتحرّر تؤدّي إلى ظهور العلوم النقديّة.

فلسفة اللغة ونظرية فعل التواصل

ويتوجّه هابرماس في أعماله الأخيرة وبخاصّة في» نظرية فعل التواصل» (1984-1987) إلى فلسفة اللغة ابتغاء توسيع أساس النظريّة النَّقْدِيَّة وقد قدّم أطروحة صعبة سنجملها في مراحل ثلاث:

    1- المرحلة الأولى: يدعو إلى ضرورة التحرُّرممّا يدعوه «بفلسفة الوعي» التي يعني بِها الفلسفة التي ترى العلاقة بين اللّغة والفعل كالعلاقة بين الذات والموضوع (أي التحرّر من منظومة الفكر التجريبي).

    2- المرحلة الثانية: يمكن أن يتّخذ الفعل صورتين، الفعل الاستراتيجي وفعل التواصل. الأوّل يتضمّن الفعل الغائي العقلاني، في حين أنّ فعل التّواصل هو ذلك الفعل الذي يرمي للوصول إلى الفهم.

(56)

3- يترتّب على فعل التواصل الأوّلية عدّة أمور:

    أولًا: العقلانيّة بهذا المعنى ليس مثالًا نقتنصه من السّماء، بل هو موجود في لغتنا ذاتها، وهذه العقلانيّة تستلزم نسقًا اجتماعيًّا ديمقراطيًّا لا يستبعد أحدًا.

    ثانيًا: ثمّة نظام أخلاقي ضمنيّ يحاول هابرماس الكشف عنه، وهو الأخلاق الكليّة الذي لا يتوجّه إلى تحليل مضمون المعايير بقدر توجّهه إلى طريقة التوصّل إليها، والتوصّل إليها -حسب هابرماس- يكون عبر نقاشٍ حرٍّ عقلانيٍّ.

ويمكن ملاحظة أنّ مناقشة هابرماس للرأسماليّة الحديثة تفتقد للحماس الذي اتّسمت به أعمال الرعيل الأوّل لمدرسة فرانكفورت؛ فهابرماس يرى في الرأسماليّة مرحلة يمكن أن تنحرف فتؤدّي إلى كارثة، لكنّها عنده ليست شرًّا مستطيرًا، ولقد ركّز على ظاهرة الهيمنة التقنيّة والعقل الأداتي السائد في هذا النظام. وحول ماركس يرى هابرماس أنّ الجزء المبدع لأعماله أصبح مدفونًا في تربة النزعة الأداتيّة والوصفيّة، ويرى هابرماس أنّ مسؤوليّة ذلك على عاتق ماركس نفسه، وعلى تركيزه تركيزًا شديدًا على العمل باعتباره الخاصيّة المميّزة للبشر.

وقد وُجّهت لهابرماس مجموعة انتقادات أهمّها:

1- أنه لم يثبت ولا يستطيع أن يثبت أولويّة فعل التواصل على الفعل الاستراتيجي.

(57)

2 – أنه مرتبط بالنّقد الأوّل، وأنّ أطروحته حول الانعتاق والتحرّر لم تثبت، ليس هذا فقط، بل إنّ محاولة إقامة النّقد على التفرقة بين النّقد والحياة اليوميّة تقوّض وضع التحرّر الذي يزعمه والمشكوك فيه أساسًا، وبذلك يظهر أنّ مشروع هابرماس يعاني بمجمله من تناقض في الأهداف، فإن أخذنا مشروعه الأكبر بأوضح معانيه، فسيظهر أنّ محاولة تأمين أولويّة التواصل في فلسفة اللّغة، تجهضها تلك التفرقة التي يُقيمها بين النّسق والحياة اليوميّة. وهكذا فإنّ إعطاء الأولويّة لطرف على آخر في معادلة الفعل أو البنية تقوّض النَّظَرِيَّة من عروشها.

وإذ أقدم على هذه الترجمة لهابرماس أشعر بثقل المهمّة لصعوبة أبجديات الفلسفة التي يطرحها، بالإضافة إلى المصطلحات التي صكّها والتي تحتاج منّا وضعها في سياقاتها التي أرادها لها صائغها، وإنّني أعتبر هابرماس نموذجًا للمثقّف الديناميكي الذي يتفاعل مع حركة المجتمع والتاريخ، إيمانًا منه أنّ النَّظَرِيَّة تحتاج دائمًا إلى أن تدلّل على نفسها كلّما حاولت أن تطبق نفسها في ميدان أو آخر.

هابرماس والنظرية الاجتماعية

لقد بنى هابرماس إطارًا شاملًا للنظريّة الاجتماعيّة، ورسم الفلسفة من خلال عدد من التقاليد الثقافية، واعتبر هابرماس أنّ إنجازه الرئيس هو تطوير مفهوم ونظريّة العقلانيّة التواصليّة (communicative rationality) الذي يميّزه عن التقليد العقلاني بتحديد العقلانيّة في بنى الاتّصال اللّغويّ الشخصيّ، وتقدّم هذه

(58)

النَّظَرِيَّة الِاجْتِمَاعِيِّة أهداف الانعتاق أو التحرّر الإنسانيّ، بينما يبقى الإطار الأخلاقي الشامل؛ هذا الإطار الذي يستند إلى حجّة تدعى البرغماتية الشاملة (universal pragmatics) -كلّ الأفعال الخطابيّة لها نهاية متـأصّلة- وهي هدف الفهم المتبادل، وأنّ البشر يمتلكون القدرة التواصليّة لجلب مثل هذا الفهم. بنى هابرماس إطارًا خارج فلسفة الفعل الخطابي لودفيغ وتغنشتاين (Wittgenstein)، وأوستن، وجون سيرل (Searle)، والنظريّة الِاجْتِمَاعِيِّة للعرف الثقافي (interactional constitution) للعقل لجورج هربرت مييد، ونظريّات التنمية الأخلاقيّة لجين بياجيه (Piaget) ولورانس كولبيرغ (Kohlberg)، وأخلاقيّات الخطاب لكارل هيديلبيرغ-أوتو ابل (Heidelberg colleague Karl-Otto Apel).

وقد قدّم هابرماس تقاليد كانط (Kant) والتنوير (Enlightenment) والاشتراكية الديمقراطية (democratic socialism) من خلال تأكيده على الإمكانيّة لتحويل العالم ووصوله إلى أكثر إنسانيّة، ومجتمع عادل من خلال إدراك الإمكانيّة البشريّة للمنطق، جزئيًّا من خلال أخلاقيّات الجدل. بينما اعترف هابرماس بأنّ التنوير «مشروع غير منتهي» نجده يجادل بأنّه يجب أن يصحّح ويتمّم، لا أن يُنبذ، وهو في هذا أبعد نفسه عن مدرسة فرانكفورت، بل انتقدها، للتشاؤم المفرط والراديكاليات والمبالغات المضلّلة. بالإضافة إلى نقده معظم فكر ما بعد الحداثة (postmodernist).

وقد قدّم هابرماس مفهوم «إعادة بناء العلوم» (Reconstructive science) لهدف مزدوج: لوضع «نظريّة عامّة للمجتمع» بين

(59)

الفلسفة وعلم الاجتماع، ولرأب الصّدع الحاصل بين «التنظير» (theorization) و«البحث الميداني» (empirical research). نموذج «إعادة بناء العقلانيّة» يمثّل الخيط الرئيسي للمسوح حول «بنى» عالم الحياة («الثقافة» و«المجتمع» و«الشخصيّة») واستجاباتها «الوظيفيّة» الخاصّة (إعادة الإنتاج الثقافي، التكامل الِاجْتِمَاعِيِّ والتنشئة الاجتماعيّة).

ومن أهمّ أعماله الّتي تمّت ترجمتها: التحوُّلاَت البنيويّة للأوضاع الِاجْتِمَاعِيِّة (1962)، النَّظَرِيَّة والممارسة (1963)، منطق العلوم الِاجْتِمَاعِيِّة (1967)، نحو مجتمع عقلاني (1967)، التكنولوجيا والعلم كإيديولوجية (1968)، المعرفة والمصالح البشريّة (1968)، الهويّة الاجتماعية (1974)، التواصل وتطوّر المجتمع (1976)، براغماتيات التفاعل الِاجْتِمَاعِيِّ (1976)، نظريّة الفعل الصريحة (1981)، الوعي الأخلاقي والفعل التواصلي (1983)، لمحات فلسفية - سياسية (1983)، الخطاب الفلسفي للحداثة (1985)، المحافظيّة الجديدة (1985)، تفكير ما بعد الميتافيزيقا (1988)، التبرير والتطبيق (1991)، بين الحقائق والمعايير: مساهمات لنظرية جدل القانون والديمقراطية (1992)، براغماتيات التواصل (1992)، تضمين الآخرين (1996)، جمهورية برلين (1997)، العقلانية والدين (1998)، الحقيقة والتبرير (1998)، مستقبل الطبيعة البشريّة (2003)، أوروبا القديمة، أوروبا الجديدة، قلب أوروبا (2005)، الغرب المنقسم (2006)، جدل العلمانيّة (2007)، تاريخ الفلسفة (2019).

(60)

المطلب السادس: إريك فروم[1] (Erich Fromm)

وُلِدَ إريك فروم في مدينة فرَانْكِفُورْتْ 23 مارس عام 1900؛ وهو عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أميركي، هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية في عام 1934، والتحق بجامعة فرَانْكِفُورْتْ وهايدلبيرغ حيث درس فيهما العلوم الِاجْتِمَاعِيِّة والنفسيّة والفلسفيّة.

بدأ فروم دراسته الأكاديمية عام 1918م في جامعة فرَانْكِفُورْتْ التي درس فيها فلسفة القانون (Jurisprudence) لفصلين دراسيّين ولكن لم يكن يرغب في أن يصبح محاميًا، فغيّر اتّجاهه عام 1919م نحو دراسة علم الاجتماع في جامعة هايدلبيرغ تحت إشراف عالم الاجتماع ألفريد فيبر، والفلسفة تحت إشراف هاينريش ريكيرت، وعلم النفس بإشراف كارل جاسبرز، وحصل على درجة الدكتوراه من الجامعة نفسها عام 1922م، وبعدها تدرّب على التحليل النفسي في مصحّة التحليل النفسي في هايدلبيرغ على يد الطبيبة النفسيّة فريدا رايخمان، التي أخذته لمنعطفٍ مهمّ في حياته العلميّة والعمليّة بتعريفه على عالم التحليل النفسي الفرويدي، وقد بدأ تحليلاته السريرية الفعلية عام 1927م، وبعدها بثلاثة أعوام التحق بمعهد فرَانْكِفُورْتْ للبحوث الاجتماعية، وأتمّ تدريبه في التحليل النفسي، وانتقل فروم إلى جنيف بعد استيلاء النازيين على السلطة في ألمانيا، ومن ثمّ انتقل إلى جامعة كولومبيا في نيويورك، وبدءًا من عام 1931 كان مشروعه قائمًا على مزاوجة إسهامات فرويد وماركس في إطار علم النفس الاجتماعي، وأقام علاقة مع معهد البحوث

(61)

الِاجْتِمَاعِيِّة وساهم في جريدته، ومنذ عام 1935 ابتعد بوضوحٍ عن الفرويدية حين حاول أن يخلّصها من المغالاة في أهميّة الغرائز، وأولى اهتمامًا لتأثير العوامل الثقافية والاجتماعية، وطوّر مفهوم (الطابع الاجتماعيّ) ليعبّر به عن شخصيّة المجتمع الذي يشترك جميع أفراده في ثقافة مشتركة، وأقام تواصلًا فكريًّا مع بحوث فيلهلم رايش التي أدخلت المجتمع كموضوع مؤثّر داخل البنية النفسيّة للفرد، ثم بدأ انفصالًا جديدًا بينه وبين الفرويديّة، وبخاصّة ما يتّصل بعقدة أوديب؛ حيث رفض فروم فرضيّة كونها محرّكًا أساسًا داخل المجتمع الأبوي، ولم يتقبّل الأطروحة المبنيّة حول المحور الأوديبيّ كمطوّر للتاريخ وللحركة الكليّة للمجتمع.

وفي عام 1943م ساهم فروم في تأسيس فرع لمدرسة واشنطن للتحليل النفسي في نيويورك، كما شارك في تأسيس معهد وليام آنسون وايت للتحليل والطبّ النّفسي، كان فروم ضمن أعضاء هيئة التدريس في كلية بنينجتون من عام 1941م إلى 1947م، وكان يقدّم دورات تعليميّة في المدرسة الجديدة للبحوث الِاجْتِمَاعِيِّة في نيويورك من عام 1941م وحتى 1959م.كما كان أستاذًا في علم النفس بجامعة ميشيغان من 1945م إلى1947م، وأستاذًا زائرًا في جامعة ييل من 1948م إلى 1949م.

انتقل فروم إلى المكسيك عام 1949م وأصبح أستاذًا في الجامعة الوطنيّة المستقلّة في المكسيك (ْUNAM)، وأنشأ قسمًا للتحليل النفسي في كليّة الطبّ هناك، وفي الوقت نفسه، عمل أستاذًا لعلم النفس بجامعة ولاية ميشيغان في الفترة من 1957م

(62)

إلى 1961م وكأستاذ مساعد لعلم النفس في قسم الدراسات العليا للفنون والعلوم بجامعة نيويورك بعد عام 1962م، واستمرّ في عمله في (UNAM) حتّى تقاعده عام 1965م، وفي الجمعيّة المكسيكيّة للتحليل النفسي (SMP) حتّى عام 1974م الّذي انتقل فيه إلى مورالتو في سويسرا.

وقد كوّنت أعماله التيّار الأكثر تأثيرًا وأصالةً لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ في الميدان النفسيّ الاجتماعيّ، ومن أهمّ مؤلّفاته المترجمة: الهروب من الحريّة (1941) التحليل النفسي والدين (1950) اللّغة المنسيّة: مدخل إلى فهم الأحلام والقصص الخياليّة والأساطير (1951) المجتمع العاقل (1955) رسالة سيجموند فرويد : تحليل لشخصيته وتأثيره (1959) أزمة التحليل النفسى: مقالات عن فرويد وماركس وعلم النفس الِاجْتِمَاعِيِّ (1970) تشريح نزوع الإنسان إلى التدمير (1973) كما حرّر كتبًا بأقلام كتّاب متعدّدين عن بوذيّة زن ومفهوم ماركس للإنسان وغيرها.

المطلب السابع: ليولوفنتال[1] (Leo Lِwenthal)

هو عضو معهد البحوث الِاجْتِمَاعِيِّة بجامعة فرانكفورت؛ وُلِدَ في المدينة نفسها عام 1900 من عائلة برجوازيّة مثقّفة، ودرس بجامعتها ثم بجامعتي هايدلبرغ وجيانسن متخصّصًا في الأدب والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع ليحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة عام 1923.

(63)

وقد اتّصل خلال دراسته الجامعيّة بالأوساط الثوريّة، وعقد أثناءها علاقة صداقة حميمة مع إريك فروم.

ولم يُسهم لوفنتال في حياة معهد البحوث الِاجْتِمَاعِيِّة إلاّ اعتبارًا من عام 1926؛ في الوقت الذي كان يواصل عمله بالتدريس في المدارس الثانويّة، وكمستشارٍ فنيٍّ لمسرح الشعب.

وقد قدّم لوفنتال جهودًا علميّةً كثيرةً، وبحوثًا في علم اجتماع الأدب والثقافة الشعبيّة، وأضحى عضوًا دائمًا فيه بدءًا من عام 1930، وعلى الرَّغْمِ من إسهاماته التي قدّمها للمعهد إلاّ أنّ تأثيره لا يُعتبر فاعلًا على صعيد بناء وتطوير القواعد النَّظَرِيَّة للفكر النقديّ لمدرسة فرانكفورت، ومقارنةً بالجهود الفلسفيّة لهوركايمر.

المطلب الثامن: والتر بنيامين[1] (w.Benjamin)

هو والتر بنديكس شنوفليز بنيامين (بالألمانية: Walter Bendix Schِnflies Benjamin) (‏15 يوليو 1892 - 27 سبتمبر 1940) كان كاتبًا وفيلسوفًا، وعالم اجتماع، وناقدًا أدبيًّا، ومترجمًا، وهو يهوديّ ماركسيّ ألمانيّ، وقد اعتبر لفترة أحد أعضاء مدرسة فرانكفورت في النَّظَرِيَّة النقدية.

تأثّر بنيامين بجرشوم شولم الذي أسّس الدراسة الأكاديميّة الحديثة للقبالة والصوفيّة اليهوديّة. خلال نصف القرن الأخير زاد احترام وتأثير أعماله بشكل ملحوظ، جاعلين بنيامين أحد أهمّ مفكّري القرن العشرين في موضوعي الأدب والتجربة الجماليّة الحديثة.

(64)

دمج في نقده بين الماديّة التاريخيّة والمثاليّة الألمانيّة والأفكار الصوفيّة اليهوديّة، مقدّمًا إسهامًا جديدًا للفلسفة الْمَارْكِسِيَّة الغربيّة ونظريّة علم الجمال بصفته باحثًا أدبيًّا كتب مقالات شهيرة حول شارل بودلير، وترجم ديوان بودلير (أزهار الشر) بالإضافة إلى رواية بروست بحثًا عن الزمن المفقود، ولأعماله تأثير كبير في الأبحاث الأكاديمية وبخاصّة مقالته رسالة المترجم والأعمال الفنيّة في عصر إعادة الإنتاج الميكانيكي.

في عام 1940 كتب بنيامين أطروحته المعروفة، «أطروحات حول مفهوم التاريخ»، المستوحاة من لوحة «أنجلوس نوفوس» (الملاك الجديد) لبول كيلي، رأي الشّخص في اللوحة «ملاك التاريخ» الذي يتذكّر ماضي البشريّة ويخاف على مستقبلها.

وقد انتحر بنيامين في 27 سبتمبر عام 1940 في بورت بو على الحدود الإسبانية الفرنسية، بينما كان يحاول الهرب من النازيين، عندما أدرك أنّ المجموعة التي يحاول الهرب معها لن تتمكّن من عبور الحدود. وقد تمّ السماح لباقي أعضاء المجموعة بعبور الحدود في اليوم التالي.

(65)

المطلب التاسع: إرنست بلوخ[1] (Ernst Bloch)

وُلِدَ بلوخ في لودفيغتشافين في 8 يوليو عام 1885-وهو فيلسوف ماركسي ألماني- من أب يهودي موظف في السكّة الحديدية، وعندما حصل النازيون على السلطة كان عليه الهرب، أولًا إلى سويسرا، ثمّ النمسا، ففرنسا، فتشيكوسلوفاكيا، وأخيرًا إلى الولايات المتحدة، وقد عاد بلوخ عام 1949 وحصل على كرسي الفلسفة في جامعة لايبزيغ. عندما بُني جدار برلين في 1961، ثم غادر إلى توبنغن في ألمانيا الغربية حيث حصل على الكرسي الفخري للفلسفة، وبقي هناك حتى مات في 1977.

وكان بلوخ مؤثّرًا للغاية في سياق الحركات الاحتجاجيّة الطلابيّة في 1968 وفي الثيولوجيا التحرّريّة. حيث اعتُبر عمله ذاك ذو تأثيرٍ مفتاحيٍّ مهمٍّ من قبل إرنستو بالدوتشي وجورجين مولتمان في كتابه «ثيولوجيا الأمل».

وقد تقلّبت به الأحوال وتفرّعت وتعقّدت وتشابكت سيرورته وسبله في الحياة والفكر؛ وحاول الجمع والتوليف بين الإيمان الثابت والقلق الإيجابي.. بين الاستقرار والشكّ.. بين يوتوبيا خلاصيّة متفائلة وأخرى منفتحة تعلّقت بمستقبل أفضل في طور الإمكان، وأكثر إشراقًا للإنسانيّة (مبدأ الأمل) وإخلاصه الذابل الذي تمزّق، وأصبح ماضيًا لنسخة ستالين البيروقراطية من الماركسية!، وبين اليسار الأرثوذوكسي الذي هاجمه لاحقًا، وبين

(66)

مدرسة فرانكفورت التي عاب عليها ونقد تشاؤميّتها وابتعادها لدرجة القطعية مع الماركسية، على الأقل لدى أبرز رموزها: أدورنو، وهوركايمر، وخاصّةً في كتابهما المشترك:(جدل التنوير).

وقد تركزت أعمال بلوخ على مفهوم عالم الإنسان اليوتوبي حيث ينتفي الاضطهاد والاستغلال، وهو ما سيكوّن دومًا قوّة ثوريّة مؤدلجة، ومن أهمّ أعماله: كتاب «مبدأ الأمل» الصادر عام 1938وقد ألّفه خلال هجرته إلى الولايات المتّحدة حيث عاش في نيو هامشاير قبل أن يستقرّ في كامبريدج، ماساشوسيتس، وهو مكوّن من ثلاثة مجلدات مطوّلة يوجد في قاعة القراءة في مكتبة جامعة هارفرد، وكان بلوخ في الأصل قد قرّر نشره تحت عنوان «أحلام حياة أفضل»، ويحاول بلوخ عبر كتابه «مبدأ الأمل» تقديم حساب موسوعي شامل حول اتّجاهات الجنس البشري والطبيعة بالنسبة للتقدّم الِاجْتِمَاعِيِّ والتكنولوجيّ المستقبليّ، ومن أهمّ أعماله أيضًا: روح اليوتوبيا، 1918، وتوماس مونتسر لاهوتي الثورة، 1921، وآثار، 1930، وإرث هذا الزمن، 1935، والحريّة والنّظام، 1947، وذات موضوع، 1949، وكريستيان توماسيوس، 1949، وابن سينا واليسار الأرسطي، 1949، والقانون الطبيعي والكرامة الإنسانية، 1961، ومقدمة توبنغن في الفلسفة، 1963، والدين في التراث، 1959–1966، والإلحاد في المسيحية، والقياسات السياسية، الطاعون، ما قبل آذار، 1970، ومشكلة المادية، تاريخها وماهيتها، 1972.

وقد تُوُفّي ارنست بلوخ في شتوتغارت بألمانيا الغربية في الرابع من آب(أغسطس) عام1977 كفيلسوف ألماني غربي، وكأستاذٍ

(67)

للفلسفة في جامعة توبنغن، وأمضى الخمسة عشر عامًا الأخيرة من عمره كلاجيءٍ سياسيٍّ!. بعد أن قضى الشّطر الأكبر من حياته كواحدٍ من ألمع فلاسفة الْمَارْكِسِيَّة في الجزء الشرقيّ من ألمانيا؛ فقد كان عضوًا في الحزب الشيوعي الألماني منذ أوائل العشرينيات، عندما كان من أبرز الرموز الثقافية ببرلين في ذلك الوقت.. مات أرنست بلوخ وقد حضر جنازته ثلاثة آلاف طالب حاملين مشاعل الأمل بأيديهم، متسائلين فيما بينهم.. ماذا تبقّى من فيلسوف الأمل أرنست بلوخ في عصر العولمة والرأسمالية؟!!.. ولربّما سمعوا صدى صوت بلوخ من بعيدٍ يؤكّد لهم أنّه مهما تتغيّر المفاهيم أو يصيبها القدم لكن الأمل في حياةٍ أفضل سيظل حيًّا ضاربًا بجذوره في الوعي واللاوعي الإنسانيين.. مات أرنست بلوخ، ولكن أفكاره لم تزل ناصعة حتى اليوم، وسيظلّ مبدأ الأمل في مشروعه هو «العروة الوثقى» التي تشدّ الإنسان إلى الوجود وتدفعه في الوقت نفسه إلى تحقيق ذاته ضمن هذا الوجود.

المطلب العاشر: أكسيل هونيت  (Axel Honneth)

وُلِدَ أكسيل هونيتفي 18 يوليو/  تموز 1949 في إيسِّن Essen، وهو فيلسوف اجتماعي ألماني، أستاذ جامعي ومدير معهد الأبحاث الِاجْتِمَاعِيِّة في جامعة جوته في فرانكفورت، ألمانيا، وله الكثير من الكتب والمقالات في حقول الفلسفة الِاجْتِمَاعِيِّة والسياسية وعلم الاجتماع.

درس هونيت الفلسفة، وعلم الاجتماع والأدب الألماني في الفترة ما بين عامي 1969، 1974 في جامعتي بون (Bonn) وبوخوم (Bochom)، وعُيِّن أستاذًا مساعدًا لعلم الاجتماع في جامعة برلين الحرّة عام

(68)

1977؛ حيث تابع دراسته وحصل على الدكتوراه في الفلسفة عام 1983 عن أطروحة موضوعها (فوكو والنظريّة النقديّة)، وقد نُشِرت لاحقًا في كتابٍ بعنوان نقد السّلطة (Kritik der Macht)، ثمّ عُيِّن بعدها كأستاذٍ مساعدٍ في جامعة جوته في فرانكفورت؛ حيث قدّم أطروحة التأهيل للأستاذيّة عام 1990 تحت عنوان كفاح من أجل الاعتراف (Kampf um Anerkennung)، ودرّس في عدّة جامعات قبل أن يعود نهائيًّا عام 1996 إلى جامعة فرَانْكِفُورْتْ كأستاذٍ للفلسفة ومن ثم كمديرٍ لمعهد الأبحاث الاجتماعية، تلك الوظيفة التي شغلها يورجن هابرماس وتيودور أدورنو من قبله.

ويُركّز هونيت في أبحاثه على الفلسفة الاجتماعية؛ وتتمحور الكثير من أعماله حول نظريّة الاعتراف -بمعنى التقبّل، الإقرار بقيمةٍ ما وتقديرها- التي طوّرها في أطروحة التأهيل المذكورة سالفًا، كما أنّه اهتمّ بإشكاليّة التشيّؤ في المجتمعات المعاصرة؛ فحاول في كتابه التشيّؤ (Verdinglichung) إعادة صياغة هذا المصطلح على ضوء نظريّة الاعتراف، ليُرجِع كلّ أشكال التشيّؤ إلى باثولوجيا الذاتيّة المشتركة، وليس لخصائص بنيويّة في الأنظمة الِاجْتِمَاعِيِّة كما نظّر كارل ماركس أو جورج لوكاتش، والموضوع الأثير لديه -كما لدى هابرماس- هو إعادة بناء الأخلاق في العلاقات بين البشر؛ فهو يسعى مثلاً في كتابه «باثولوجيا العقل» إلى تحديث «النظرية النقدية» المجتمعية»-التي وضعتها فيما مضى «مدرسة فرانكفورت»- وتطويرها باتجاهٍ أخلاقيّ الطابع. كما أنّه ينادي في بحثه «الحقّ في الحرية» (Das Recht auf Freiheit) بـ «الأخلاق الديموقراطية».

(69)

وهونيت هو رئيس تحرير مشارك في المجلّة الألمانية للفلسفة (Deutsche Zeitschrift für Philosophie)، والجريدة الأوروبية للفلسفة (European Journal of Philosophy) وجريدة «أبراج» (Constellations)، وقد نال عدّة جوائز ثقافيّة منها جائزة إرنست بلوخ (2015) وجائزة برونو كرايسكي (2016).

ومن أهمّ أعماله التي تُرجِمَت إلى لغاتٍ أخرى: العمل الِاجْتِمَاعِيِّ وطبيعة الإنسان: وشارك في تأليفه مع هانز يوآش (مطبعة جامعة كامبريدج، 1980)، وفي نقد السلطة: مراحل عاكس في النَّظَرِيَّة الِاجْتِمَاعِيِّة الحرجة في (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الصحافة، 1985)، ومجزأة العالمي للاشتراكية: مقالات في الفلسفة الِاجْتِمَاعِيِّة والسياسية (جامعة ولاية نيويورك برس، 1995)، والصّراع من أجل الاعتراف: والمعنوي قواعد النزاعات الِاجْتِمَاعِيِّة (بوليتي برس، 1992)، وإعادة التوزيع أو الاعتراف: سياسي-الفلسفية تبادل، وشارك في تأليف مع نانسي فريزر (فيرسو، 2003)، وازدراء: الأسس المعياريّة النَّظَرِيَّة  النَّقْدِيَّة  (بوليتي برس، 2000)، وأمراض العقل: على تراث النَّظَرِيَّة  النَّقْدِيَّة  (2009)، وباثولوجيا الحريّة الفرديّة: النَّظَرِيَّة الِاجْتِمَاعِيِّة هيغل (2010)، وأنا في نحن: دراسات في نظريّة الاعتراف (2012)، وحقّ الحريّة (2014)،

(70)

المطلب الحادي عشر: جورج لوكاش [1] (Georg Lukacz)

هو فيلسوف وكاتب وناقد ووزير مجريّ ماركسيّوُلِدَ في بودابست عام 1885، ويعتبره معظم الدارسين مؤسّس الْمَارْكِسِيَّة الغربية في مقابل فلسفة الاتّحاد السوفيتيّ، وقد أسهم بعدّة أفكار منها «التشيّؤ» و«الوعي الطبقي» تندرج تحت النَّظَرِيَّة والفلسفة الماركسية، وكان نقده الأدبي مؤثّرًا في مدرسة الواقعيّة الأدبيّة، وفي الرواية بشكلٍ عامٍ باعتبارها نوعًا أدبيًّا، وقد خدم لفترةٍ وجيزةٍ كوزيرٍ للثّقافة في المجر بعد الثورة المجريّة 1956 التي قامت على الرئيس ماتياش راكوشي.

وبينما كان جورج لوكاش يدرس في الجامعة في قسم اللّغات في بودابست، انضمّ إلى حركات اشتراكيّة متعدّدة وتواصل مع المعارض إرفن تسابو الذي ينتمي إلى إحدى مدارس الفكر اللاسلطوي، وقد أطلع المعارض تسابو الطالب جورج على كتابات الفيلسوف الفرنسي الثوري جورج سيرويل الذي كانت آراؤه ونظريّاته في تلك الفترة في أوجها، وكانت أفكارًا حداثيّةً وضدّ الوضعيّة.

وبين عامي 1904 إلى 1908 كان جورج مهتمًّا بالمجموعات المسرحية التي يكتبها أتباع المدارس الواقعية والحداثيّة، أمثال الكاتب النرويجي هنرك إبسن والكاتب السويدي أوجست سترندبرغ، والأديب الألماني غرهارت هاوبتمان.

(71)

وقد قضى لوكاش وقتًا طويلًا في ألمانيا وتعرّف على العديد من مثقّفيها وكتّابها، وذهب إلى برلين بغرض الدراسة في عام 1906، وذهب مرّة أخرى في عامي 1909 و1910، وتعرّف هناك على عالم الاجتماع الألماني الشهير جورج زيمل، وفي مدينة هايلدبرغ في سنة 1913 تعرّف على عالم الاجتماع المعروف ماكس فيبر وأصبحا ديقين حميمين، ثم تعرّف على الفيلسوف الْمَارْكِسِيِّ إرنست بلوخ ثمّ على الشاعر ستيفان جورج.

وكان لوكاش في ذلك الوقت منتميًا إلى النّظام المثالي المأخوذ عن مثاليّة الفلاسفة الألمان، وهذا النّظام كان متأثّرًا بالفلسفة الكانطيّة المنسوبة إلى الفيلسوف الألماني الأشهر إيمانويل كانط؛ التي هيمنت على جامعات ألمانيا لوقتٍ طويل، وتُنسَب هذه الفلسفة المثاليّة أيضًا إلى فلاسفة آخرين أيضًا؛ منهم الفيلسوف اليوناني أفلاطون، والفيلسوف الألماني هيغل، والفيلسوف الدنماركي سورين كيركغور، والعالم الألماني دلتاي، والروائي الروسي فيودور دوستويفسكي.

وقد ألّف جورج لوكاش كتابين في ذلك الوقت، هما «الروح والجسد» و«نظريّة الرواية»، نُشرا في 1910 و1916 على التوالي.

وما لبث أن عاد لوكاش إلى مدينته بودابست في 1915 وكان يدير صالونًا ثقافيًّا أو حلقةً ثقافيّةً تُدعى حلقة الأحد أو حلقة لوكاش، ويتحدّث فيها -في المقام الأوّل- عن الموضوعات الثقافيّة والنقديّة في أعمال الرّوائي الرّوسي دستويفسكي الّذي كان مستحوذًا على

(72)

اهتمامات لوكاش فترة إقامته في هيلدبرغ في ألمانيا، ويتحدّث فيه أيضًا عن الأحداث المستجدّة التي تلقى اهتمامًا من مريديه.

وقد انضمّ إلى لوكاش -في صالونه الثقافي في بودابست- العديد من المثقّفين من الشخصيّات المشهورة في المجر ذلك الوقت؛ مثل عالم الاجتماع كارل مانهايم، والملحّن بيلا بارتوك، والمؤلّف السينمائي بيلا بالاش، والمؤرّخ كارل بولاني وغيرهم كثير، وكان بعضهم يحضر هذا الاجتماع كلّ أسبوع، وفي السّنة الأخيرة من الحرب العالمية الأولى فُضّت هذه الاجتماعات، وتفرّق المشاركون في تلك الندوات بسبب الأجواء السياسية، وفي ذلك الوقت دعا العديد من القادة الشيوعيين جورج لوكاش إلى الانضمام إلى الحزب الشيوعي المجري.

وقد حاول لوكاش في كتاباته تجديد الفكر الماركسي، وإلقاء الضوء على جوانبه الثوريّة خصوصًا البعد الجدلي منه؛ ففي كتابه «التاريخ والوعي الطبقي» الذي يحمل عنوانًا صغيرًا آخر: «دراسات في الجدليّة الماركسيّة» يعمل لوكاش على إعادة الاعتبار للذات؛ فالتاريخ -في رأيه- ينتج عن التفاعل بين الذّات والموضوع؛ أي عن وعي الناس بالقوانين التي تحكمهم، وبعيدًا عن إقامة التوازن بين الطرفين، كان لوكاش يميل نحو إيلاء الأهميّة للوعي؛ هذا الوعي الذي يجد فعاليّته في وعي الطبقة العاملة التي أحالتها الرأسمالية إلى بضاعة. ولا يمكن لها أن تتحرّر إلاّ برفضها الكامل غير المشروط لوضعها كبضاعة؛ فالبروليتاريا - في هذه الحالة- تمثّل المبدأ السالب والعنصر المحرّك في الجدليّة؛ لأنّها عندما تناضل

(73)

من أجل تحرّرها فإنّها تناضل في الوقت نفسه ضدّ الخضوع بشكلٍ عامٍ، وعندما تناضل لإنقاذ نفسها فإنّها تناضل أيضًا من أجل إنقاذ البشريّة كلّها من التشيّؤ.

وقد تجرّأ لوكاش على وضع الذات مقابل الموضوع والوعي مقابل الوجود كقطبين متضادّين يفسّران -بحركة الأخذ والرد بينهما- جدليّة الممارسة وقدرة الذات على وعي الوضع التاريخي الموجودة فيه، وتحديد كيفية التحرك وفق هذه المعطيات؛ فبدلًا من أن تكون الذّات ملحقة بالتاريخ الذي تنتج عنه تصبح داخله.

لكن لوكاش كان يبدو وكأنّه يسبح عكس التيار بالنسبة للماركسيّة التقليديّة، ففي كتاب «مقدمة في نقد الاقتصاد السياسي» يقيم كارل ماركس علاقة وثيقة بين الوعي والوجود مشيرًا إلى أنّ وعي البشر ليس هوالذي يحدّد وجودهم بل على العكس فإنّ وجودهم هو الذي يُحدّد وعيهم، ويعطي أولويّة للموضوع على الذات.

فلوكاش بإصراره على دور الذات بدا وكأنّه عاد إلى المثاليّة الهيغلية؛ لهذا كان اتّهامه بالانحراف؛ لكن هناك اختلاف بين الاثنين؛ فالعقل الهيغلي هو الذي يسيطر على التاريخ ويقوده ولا يشكّل جزءًا منه، في حين أنّ الذات عند لوكاش هي في علاقة جدليّة مع الموضوع وتأخذ قرارها انطلاقًا منه؛ وعلى ذلك فإنّ الجدليّة في «التاريخ والوعي الطبقي» تضع الحريّة داخل الضرورة نفسها.

ولم يقتصر لوكاش في أعماله على دراسة البعد الجدلي في النَّظَرِيَّة الْمَارْكِسِيَّة بل ساهم عبر كتابه «نظرية الرواية» في وضع

(74)

أسس علم اجتماع الأدب الجدلي، كما أنّه يعتبر أحد واضعي حجر الزاوية في علم الجمال الماركسي.

ولا يُمكننا إنكار ما قدّمه لوكاش للفكر السياسي من إضافاتٍ وعناصر جديدة؛ فهو يعتبر-بالنسبة لخصومه أو مؤيّديه- أهمّ مفكّر ماركسي منذ ماركس، بل يعتبره البعض أهم فيلسوف في النّصف الأوّل من القرن العشرين؛ فلقد كان له تأثير حاسم على كارل مانهايم، وكارل كورتس، ومارتن هايدغر على وجه الخصوص ويعتبر من مؤسّسي تيّار البنيويّة التوليديّة.

(75)
(76)

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

مدرسة فرانكفورت
مرجعيّاتها الفكريَّة وأُصولها النقديّة

(77)

 

تعدّ مدرسة فرانكفورت النَّقْدِيَّة من أهمّ المدارس الفلسفيّة التي تولّدت في ظروف سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة كانت سائدةً في ألمانيا في العشرينيات من القرن المنصرم، والتي تعتبر من العوامل الرئيسيّة لنشأة المدرسة، ولقد أشار»توم  بوتومو» إلى هذه العوامل في حديثه عن المنطلقات الْفِكْرِيَّة للمدرسة قائلا: «يتعلّق الأمر هنا بعدم مجيء المشروع العلمي الذي قدّمته هذه المدرسة من فراغ، حيث آزرت ظهوره وتطوّره ملابسات موضوعيّة، مثّلتها شروط ماديّة، وإنتاج نظريّ مواكب لتلك الشروط، ومعبّرعن قضاياها»[1]، وهذا يعني أنّ مَدْرَسَة  فرَانْكِفُورْت هي وليدة سياقٍ تاريخيٍّ بكلّ جوانبه السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة والاقتصادية، يشير بوتومور إليه بقوله: «فلقد تواكبت وقائع ماديّة بعينها على التأثير في مشروع هذه المدرسة، منها اندلاع الحرب العالميّة الأولى، وقيام الثورة البلشفيّة، وإخفاق الثورة في ألمانيا، وعدم نجاح الحركات الاشتراكية الراديكالية في أوروبا الغربية، وظهور الستالينيّة في الاتحاد السوفياتيّ، والنّظم الفاشية والنازيّة في إيطاليا وألمانيا، وهيمنة النّظم الرأسمالية وتعزيز سيطرتها الاقتصادية والإيديولوجية، خاصّة بعد خروجها من الأزمة الاقتصاديّة الطاحنة التي مرّت بها في الثلاثينيات».[2]

فاندلاع الحرب  العالمية الأولى وما تركته من أزمات اجتماعيّة واقتصاديّة ونفسيّة، وما سبّبته من موت وخراب ودمار، وما تبعها من

(78)

تحوّلات سياسيّة كبرى، وقيام الثورة البلشفية عام 1917 وتأسيس أوّل دولة اشتراكيّة في أوروبا، وكذلك قيام جمهورية فايمار عام 1919 في ألمانيا وما تَبِعها من صراعات وانقسامات سياسيّة في صفوف اليسار الأوروبي، كان له كبير الأثر في ظهور المدرسة، وهكذا نجد الجيل الأوّل للمدرسة اشتغل على مشاغل العشريات السوداء لألمانيا والغرب، فمن جدل العقل والتنوير لهوركايمر، إلى الخوف من الحريّة لإريك فروم، إلى الجدل القمعي للحضارة وإنسان البعد الواحد لماركوز.[1]

فهيمنة الفكر الرأسمالي الليبرالي على الفلسفة الغربية فترة طويلة استطاع أن يحوّل الإنسان بفعل الإيديولوجية التي تتحكّم به إلى بضاعة أو سلعة أو شيء تُمرِّر عليه غاياتها، فرفعت الفرد فوق المجتمع والدولة، وكردّ فعل على الاستغلال البرجوازي المسيطر على رؤوس الأموال ظهرت الحركة الشيوعية والاتجاه الاشتراكي الذي جعل الدولة هي المتحكّم بالاقتصاد والملكيّة الشخصيّة، فغاب الفرد وقمعت حرّيته وسلبت ملكيّته حتى عانى من اغتراب آخر وهو يعيش في دولة يقودها العمّال؛ وكان نتيجة ذلك ظهور حركة أو مَدْرَسَة جديدة على صعيد الفكر في أوروبا حاولت مجابهة وتحدي الفوضويّة التي جاء بها الفكر الليبرالي والاتّجاه الرأسمالي، والجمود الذي جاء به الاتّجاه الشيوعي.[2]

(79)

كلّ هذه الأحداث المثيرة خلقت لدى مفكري المدرسة كما عبّر عنه مترجم كتاب (مدرسة فرانكفورت لبوتومور) «سعد هجرس» «من هنا وجدت هذه المدرسة نفسها تضطلع بمهمّة رئيسيّة، تخايلت لدى مفكّريها أقرب إلى الشهوة العارمة، هي الرّغبة في صوغ أساس لنظريّة وممارسة أكثر قدرة وفاعليّة على تفسير الظروف التاريخية المستجدّة والتعامل معها بواسطة ممارسة نمط من النّقد السلبي، يتجاوز أفكار كانط التي ساهمت في تأسيس العقلانيّة الحديثة، وأفكار الْمَارْكِسِيَّة الأرثوذكسيّة التي استبعدت الذّات الإنسانيّة من حسابها.[1]

ولم تكن مدرسة فرانكفورت تعبيرًا عمّا كان سائدًا في المجتمع الألماني ولا انعكاسًا له، بل كانت محاولة نقديّة أجراها معظم مفكريها تعبيرًا عن هضمها لهذه الأطر* أي لتُعبّر عن اتّخاذها من كلّ ذلك موقفًا نقديًّا مميّزًا، فلا تنحاز لعلمٍ معيّنٍ بقدر ما تُسخّر العلوم في إطار التوجّه المقصود، سواءً أكان ذلك فلسفيًّا صرف، أم اجتماعيًّا صرف، علمًا بأنّ الفوارق لم تعد هنا جدّ حاسمة؛ ومن هذا المجال النّقدي المتعدّد الاتّجاهات والتيّارات ظهرت معظم آثار مدرسة فرانكفورت لتشهد على قدرة مؤلّفيها على استيعاب فكر العصر ومشاكله.[2]

(80)

ولعلّ أهمّ ما يميّز هذه المدرسة الفلسفيّة يتحدّد في كونها اتّخذت النّقد منهجًا لها، وحاولت القيام بممارسة نقديّة جذريّة للحضارة الغربيّة قصد إعادة النّظر في أسسها ونتائجها على ضوء التحوُّلاَت الأساسيّة الكبرى التي أفرزتها الحداثة الغربية، وخاصّةً منذ الأنوار، التي تعتبر نقطة تحوّل جوهريّة في مسار هذه الحداثة، كما أنّها لعبت دورًا مهمًّا في رصد مختلف الأعراض الباثولوجيّة (المرضية) التي عرفتها المجتمعات الغربيّة المعاصرة كالتشيّؤ والاغتراب وضياع مكان الفرد وأزمة المعنى وغيرها.[1]

يتّضح -إذًا- مما سبق أنّ ظهور مدرسة فرانكفورت لم يكن من باب الصدفة أو من فراغ، وإنّما كان هذا الظهور بمثابة الولادة الحتميّة، التي أفرزتها ظروف وعوامل متعدّدة ومتباينة في آنٍ واحدٍ، تداخلت وتظافرت فيما بينها، فترتب عن ذلك بروز هذه المدرسة التي أصبحت إحدى أبرز المدارس الفلسفية والاجتماعية الغربية المعاصرة.

إنّ هذه الولادة المتعسّرة لمدرسة فرانكفورت بحكم الظروف التاريخيّة والسياسيّة والاجتماعيّة الصعبة التي أحاطت بنشأتها، والتي رغم ذلك استطاعت أن تنشأ، واستطاع روّادها الصمود ومجابهة كلّ المعوّقات والصعوبات والضغوط، خاصّة السياسيّة منها، تجعلنا نتساءل عن المصادر الفلسفية التي استمدّ منها مفكّرو مدرسة فرانكفورت  النَّقْدِيَّة هذه الرّوح النَّقْدِيَّة وهذا الإصرار على

(81)

إعادة النظر في أسس الحضارة الغربية بكلّ جوانبها السياسية والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وفي المفاهيم والقيم التي تأسّست عليها هذه الحضارة ومجتمعاتها؛ كالعقلانيّة والحريّة والتقدّم العلمي والتقني، وما ارتبط بها من نزعات وضعيّة وعلمويّة وتقنوعلمويّة، وغيرها من النّزعات التي عملت على الحفاظ على الوضع القائم والمصالح المهيمنة فيه.[1]

إنّ الدارس للتراث الفكري الفلسفي والاجتماعي لمدرسة فرانكفورت، من خلال المنتج الفكري لروّادها من الجيل الأوّل، والوقوف على إسهاماتهم العلميّة التي مسّت الكثير من المسائل الفلسفيّة والاجتماعيّة، التي أفرزها الواقع، والتي كانت المدرسة وروّادها جزءًا منه، سرعان ما يكتشف أنّ هذا المنتج يتضمّن في طيّاته الكثير من أسماء الفلاسفة السابقين عن المدرسة وروّادها أو المعاصرين لها بمختلف انتماءاتهم المذهبيّة وتوجّهاتهم الفلسفيّة، ويجد الدّارس لهذا التراث حضورًا قويًّا لبعض الفلاسفة في فكر المدرسة، وقد يجد لبعضهم الآخر حضورًا أقل، يعكس هذا الحضور درجة التأثير أو التأثّر الذي حدث بين هؤلاء الفلاسفة وفلاسفة مدرسة فرانكفورت النقديّة؛ ولعلّنا نجد أنّ النَّظَرِيَّة  النَّقْدِيَّة  مدينة أساسًا -في علاقتها مع الفلسفة الهيغلية والماركسية والكانطية والوضعية- في تكوين أبعادها الْفِكْرِيَّة والفلسفية والاجتماعية ونقدها للعقل- الأنوار- التقنيّة- السلطة- الدولة- الرأسمالية، دون

(82)

أن نغضّ الطّرف عن الأثر الذي تركته أعمال كلّ من ماكس فيبر وبخاصّة كتابه «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية » سنة 1905 وجورج لوكاش في «التاريخ والوعي الطبقي» 1923، وكارل مانهايم في «إيديولوجيا ويوتوبيا» سنة 1929»[1]. فتأثير لوكاش الشاب على مدرسة فرانكفورت كان حاسمًا، ولقد أُعتمِد عليه بطرقٍ متعدّدة من طرف المهتمّين أنفسهم: هذا التأثير بالنسبة لكثير منهم يمثّل قوّة لقراءة شبابيّة تثير الحماس وتَسِمُ عمق شخصيّتهم الْفِكْرِيَّة ونظرتهم للعالم. وجميعهم سوف يعطيه دورًا محوريًّا في تعزيز النَّظَرِيَّة النقديّة.[2]

إنّ هذه المرجعيّات والأصول الْفِكْرِيَّة التي سبق ذكرها وغيرها من المرجعيّات التي لم تذكر فيما تمّ اقتباسه من نصّ الأستاذ «عبد النور شرقي» كان لها تأثيرها، وإن بدرجات متفاوتة، في رسم المعالم الْفِكْرِيَّة والفلسفيّة لمدرسة فرانكفورت، ولمّا كان التأثير معلومًا فلا بدّ من الوقوف على أهمّ المرجعيّات والأصول الْفِكْرِيَّة تأثيرًا في بلورة المنظومة الْفِكْرِيَّة لروّاد مدرسة فرانكفورت من الجيل الأوّل باعتباره جيل التأسيس.

(83)

المطلب الأول: الأثر الكَانْطِي في فَلسفَة مدرسة فرانكفورت

لقد كان لفلسفة كانط  النَّقْدِيَّة  حضورٌ بارزٌ في فكر الفلاسفة المعاصرين، وبالذّات على فلاسفة مدرسة فرانكفورت، فهذا الرجوع للفلسفة الكانطيّة الهدف منه الوقوف على أثر هذه الفلسفة في فكر فلاسفة مدرسة فرانكفورت من الجيل الأوّل، خاصّة أنّ الفاصل الزمني بين كانط ومدرسة فرانكفورت يصل إلى حوالي القرنين، ومن التعسّف الإدّعاء بوجود علاقة مباشرة ووحيدة بين المفكّرين المنتسبين إلى تلك المدرسة وبين فلسفة كانط.[1] وانطلاقًا من هذا الفاصل، فهل يمكن القول إنّ النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ قد استلهمت روح النّقد من فلسفة كانط النقديّة؟

نجد في كتاب «التنوير والنّقد» منزلة كانط في مدرسة فرانكفورت» للباحث «محسن الخوني»، محاولة جادّة للإجابة عن هذا التساؤل، وبحث حثيث لتتبّع آثار الفلسفة الكانطيّة في فكر المدرسة، على الرَّغْمِ من أنّ هذه المحاولة ستصطدم بأطروحة مقابلة تؤكّد على هيغيليّة النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة من نشأتها مع (هوركايمر) وإلى فترة إعادة بنائها مع (هبرماس)، فإنّنا ننوي الدفاع عن الفكرة القائلة: لقد تبيَّن لنا أنّ النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة مسكونةٌ منذ نشأتها بهاجس الفلسفة النقديّة.[2]

(84)

يبدو من هذا، أنّ الدكتور محسن الخوني يقرّ بصعوبة المهمّة، وبأنّه أمام تحدٍّ يجب رفعه وهو إثبات أنّ فلسفة كانط  النَّقْدِيَّة كانت من الأسس التي قامت عليها مدرسة فرانكفورت النَّقْدِيَّة خاصّة في جيلها الأوّل، أي أنّ روّاد الجيل الأوّل «هوركايمر» و«أدورنو» قد تأثّرا في صياغة مشروعهما الفلسفي والاجتماعي بفلسفة كانط عامّة أو على الأقلّ بروح النقد لديه. ويشير الباحث «أفاية محمد نورالدين» في كتابه «الحداثة والتواصل في الفلسفة  النَّقْدِيَّة المعاصرة» إلى الأثر الْمَارْكِسِيِّ على روّاد مدرسة فرانكفورت، فيقول: «إن النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة في سياق صياغتها لأسئلتها وأساليب محاكمتها للوضعيّة ولنتائج الحداثة، لم تكفّ عن محاورة المتن الفلسفي الألماني، غير أنّ كانط وهيغل كانا أكثر الفلاسفة عرضة للنقد. وصحيح أنّ دراساتهم  لم تقتصر على هذين الفيلسوفين، لكن نسقي كانط وهيغل وفّرا لأصحاب النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة انفتاحات متعدّدة للتفكير والتأمّل».[1]

من المؤكّد -إذًا- أنّ النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة مدينة بالكثير إلى فلسفة كانط، وذلك عبر جميع مراحل تطوّرها؛ فالحضور المستمرّ لكانط في مؤلّفات فلاسفة مدرسة فرانكفورت يُؤكّد عظمة كانط؛ الفيلسوف الّذي يُعدّ المرجعيّة الثابتة للفلسفة الحديثة. وهذا هو ما جعل فلاسفة النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة أنفسهم -وهم يَعُدّون أنفسهم على الدوام ورثة المثاليّة الكلاسيكية الألمانيّة- في حوار متواصل معه إلى أيّامنا هذه.[2]

(85)

المطلب الثاني: الأثر الهيغلي في فلسفة مدرسة فرانكفورت

ويُستشفّ هذا التأثير من الدّرس الافتتاحي الذي ألقاه هوركايمر بمناسبة تعيينه مديرًا لمركز البحوث الِاجْتِمَاعِيِّة (وهو الاسم الأوّل لمدرسة فرانكفورت)، والذي أكّد فيه بأنّ الفلسفة الاجتماعية، التي هو بصدد الإعلان عن برنامج عملها، تستمدّ وجودها مباشرة من تجربة الوعي الفينومونولوجي الهيغلي[1]، فكان لفلسفة هيغل حضور قويّ في بلورة الفكر الفلسفي لمدرسة فرانكفورت النَّقْدِيَّة في جيلها الأوّل الذي هو موضوع الدراسة.

إنّ هذا الحضور لفلسفة هيغل في فكر المدرسة يؤكّد عليه الكثير من الباحثين، نجد منهم «أفاية محمد نورالدين» في كتابه (الحداثة والتواصل)، فيقول: «فإنّ فلاسفة النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة -ولا سيّما أدورنو- جعل الإشكاليّة الفلسفيّة تدور بين نسقي كانط وهيغل، لقد حاوروا كلّ الفلاسفة الألمان، لكن كانط وهيغل شكّلا أهمّ متنٍ فلسفيٍّ انطلقت منه النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة لتجربة وممارسة نقدها».[2]

ولعلّ ما يُؤكّد هذا الحضور هو حضور مفاهيم مهمّة لدى هيغل ضمن جدليّة الفكر الحديث الذي كانت لديه مفاهيم الذات والوعي والتقدّم حاضرة، وقد كانت هذه المفاهيم تعرّضت للتلقّي وإعادة التوظيف بشكلٍ يتّفق مع حاجات المدرسة، فظهرت المفاهيم المؤثّرة مثل: الجدل، والاغتراب، والاعتراف، حاولنا أن نتابع

(86)

حضورها كأثر في تلك النصوص النَّقْدِيَّة لدى ممثلي المدرسة.[1]

ويَبرز تأثير فلسفة هيغل بوضوح في بعض الأعمال الفلسفيّة المنسوبة إلى مدرسة فرانكفورت، ففي جدليّة التنوير بوصفها أوديسا العقل تحاكي على صعيد الشكل، فينومينولوجيا الروح الهيغلي. وأمّا على مستوى المضمون فهي تسند أهميّة كبرى إلى كلّ من التّجربة التاريخيّة والحركة الجدليّة. إنّه كتابٌ يروي مسيرة العقل في التاريخ وفق عبارة مؤلّفيه، وهو يُذكّرنا أيضًا بكتاب هيغل «العقل والتاريخ»، ولئن كانت مسيرة العقل لدى هيغل مظفرة فإنّها وفق جدليّة التنوير متقهقرة، وهذا ما يسمح بالحديث عن خسوف العقل عنوان كتاب هوركايمر بدلًا من  فكرة انتصار العقل التي غذّت فكر هيغل وأسندته في خصومته ضدّ التنوير.[2]

والمتصفّح لكتاب «بدايات فلسفة التاريخ البرجوازيّة» لهوركايمر، يقف على كثير من المحطّات التي يعود فيها صاحب الكتاب إلى هيغل في سياق حديثه عن الجدل في منظوره، فيقول: «وكما يعرض هيغل في موضع آخر.. إنّما الجدل هو الذي ينهي إلى الفهم، إلى الاختلاف، طبيعته المتناهية والمظهر الزائف الذي هو استقلاليّة نتاجاته وهو الذي يعيده إلى الوحدة».[3] فلقد أفرد هوركايمر في هذا

(87)

المؤلَّف عنصرًا خاصًّا عنونه بـ«هيغل ومشكلة الميتافيزيقا»، والذي يبرز فيه تفسير هيغل لمشكلة الميتافيزيقا، ويبدأ هذا المبحث بعبارة مشهورة لهيغل ذكرها في مقدّمة مُؤلّفه (فلسفة الحقّ) وتتمثل في قوله: «كلّ ماهو عقلانيّ هو واقعيّ، وكلّ ما هو واقعيّ عقلانيّ»،[1] وغرضنا من الوقوف على هذه الإحالة لمؤلّف هوركايمر السابق ذكره ليس تحليل ما ورد فيه من مضامين، وإنّما إبراز حضور فلسفة هيغل في هذا المنتج الفكريّ لهوركايمر.

ويبرز دور الفلسفة الهيغلية في مدرسة فرانكفورت من خلال الحضور القويّ لها في مؤلّفات روّادها، ففي جدل التنوير يذهب أدورنو إلى أنّ هيغل قد استبق واقعه بمئة سنة بمفاهيمه وبجذبها لسلطته بلغة مبهمة للحقيقة وبالغ في التفريط بالضحايا معتبرهم كديكورات فقط، وهذا دون أن يزعج جوهريّا الوضعيّة التي توجد فيها الضّحيّة[2]. ويذهب هوركايمر كذلك إلى التأكيد على أهميّة هيغل مؤيّدًا لأدورنو، فيقول: «إنّ لهذا التجريبي الكبير، الذي استبق فهمه للوقائع التاريخيّة والسوسيولوجيّة والنفسيّة نتائج هامّة تمّ التوصّل إليها بفضل العمل المنهجي وطيلة قرن بأكمله، ولا يزال بإمكانه اليوم أيضًا أن يُوجّه البحوث».[3]

إلا أنّ هذه الإشادة بقيمة هيغل وفلسفته لم تمنعهم من نقده

(88)

في كثير من المسائل الرئيسة تتعلّق بنزعته التوفيقيّة بين العقل والواقع، وبين الذّات والموضوع، وبين التاريخ والمطلق، وبين المفهوم والاعتقاد. بل إنّ الجدليّة التي تُمثّل لا شكّ أهمّ المسائل التي استولت على اهتمام فلاسفة مدرسة فرانكفورت على الدوام، وحضور هذا اللّفظ في عناوين لوحدات من أهمّ مصادر النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة «جدليّة التنوير والجدل السلبي» ليس مجرّد حضور لفظي، بل إنّ مضمون ما كتبه المنظّرون الأوائل يركّز على هذه المسألة التي استقطبت اهتمام الكثير من الفلاسفة المعاصرين،[1] فلقد تركّز عملهم على الجدليّة الهيغليّة، والتي لا ينكر فلاسفة فرَانْكِفُورْتْ أهمّيتها كمنهج فلسفي قد وجّهوا لها الكثير من الانتقادات، منها أنّهم يرفضون الطريقة التي استخدم بها هيغل هذه الجدليّة كمنهجٍ فلسفيٍّ، وهذا ما جعل هوركايمر يقول: «إنّ الجدل بالنسبة لنا ليس لعبة مع المحاولة تصبح أكيدة، بل إنّه عمليّة جادّة. فنحن نعلم أنّه إذا لم تحلّ المتناقضات، فإنّ كلّ جهود الفكر ستكون باطلة، لذا لا بدّ على هيغل أن يعطي التلاؤم لنظريّته (فرضيّته) بطريقة تكون فيها النهاية مقبولة للافتراض الأوّلي لفكره، ويصبح المفهوم أكثر تكيّفًا مع وضعيّتنا من مفهوم المصالحة مع ذاته»[2].

إنّ الأثر الهيغلي -على الجيل الأوّل خصوصًا- يتمثّل بشكلٍ أساسٍ في عظمة المنهج الجدليّ الذي جعلته مدرسة فرانكفورت

(89)

أكثر ديناميكيّةً من خلال رؤيتها النَّقْدِيَّة، التي ربطت بواسطتها الجدل بالواقع الاجتماعي، وهو ما مكّن فلاسفتها من اكتشاف جملة التناقضات الكامنة في الظواهر المدروسة، فتمكّنوا من رفض النزعة الوضعيّة التي تشيّئ عالم الإنسان وبالتالي تجعله يشعر بالاغتراب.

المطلب الثالث: الأثر الْمَارْكِسِيّ في مدرسة فرانكفورت

إنّ القارئ المحلّل للمنتج الفكريّ لروّاد مدرسة فرانكفورت بمختلف أجيالها وخاصّة الجيل الأوّل منها، سرعان ما يكتشف حضورًا للفلسفة الْمَارْكِسِيَّة بمفاهيمها المختلفة وبروحها النقديّة، الأمر الذي يجعله يتأكّد من وجود تقاطعات كثيرة بين هذه الفلسفة الْمَارْكِسِيَّة وفلسفة مدرسة فرانكفورت. تبرز أوّل محطّات هذا التقاطع في اجتماع عقد صيف 1922، في إيلمينو (Ilmenau)، بــ تورينغ (Thuringe) تحت عنوان «أوّل أسبوع عمل ماركسي» ( Erste Marxistische Arbeitwoche D) والذي تمّ خلاله الاتّفاق على ضرورة تأسيس معهد للأبحاث الاجتماعيّة.[1] وكان من أبرز الشخصيّات المشاركة في هذا الاجتماع «جورج لوكاش» و«كارل كورش» واللذين تتجلّى ماركسيّتهما من خلال كتابيهما: التاريخ والوعي الطبقي(1923)، وكتاب الْمَارْكِسِيَّة والفلسفة (1923)، وهما يعبّران عن محاولة لتجديد الماركسيّة. ولقد انخرطت المدرسة/ المعهد في التنظير الْمَارْكِسِيِّ والتزمت بالخطّ الاشتراكي الذي يُعوِّل في رؤيته على الماديّة التاريخيّة وفي ممارساته النضاليّة/ الثوريّة

(90)

على طبقة البروليتاريا مع رئاسة أستاذ القانون والعلوم السياسيّة في جامعة فينا «كارل جرونبرغ» أحد أبرز زعماء المدرسة الْمَارْكِسِيَّة النمساويّة،[1] حيث أصبحت الْمَارْكِسِيَّة منهجًا أساسيًّا لفهم سيرورة التاريخ والمجتمع وأساس فهم التقدُّم السياسِّي.

لقد شكّلت الْمَارْكِسِيَّة إذًا وجهةً للنّقد الفرانكفورتي لِمَا كانت تحمله من رغبة في تحرير المستضعفين ومناهضة أشكال الهيمنة والإقصاء واستلاب لجهد العمّال التي ترتّبت عن الهيمنة الرأسمالية، وهو ما «جعل فلاسفة وعلماء اجتماع هذه المدرسة ينخرطون في جهدٍ نقديٍّ يرمي إلى رصد مختلف الأعراض المرضيّة التي أصابت عصرنا كالتشيّؤ والاغتراب والصنميّة، ممّا حدا بهم إلى أن يقيموا نقدًا حادًّا ليوتوبيا التقدّم التّقني والنظريّات التبشيريّة بعالم الأحلام الموعود، كما انتقدوا في حينه النزعة العلمويّة التي تتصوّر المعرفة كطبيعة موضوعيّة مجرّدة عن المصلحة...».[2]

وهذا يعني أنّ الدراسة الفلسفيّة لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ كغيرها من الدّراسات الفلسفيّة الألمانيّة التزمت بتقليد فلسفي ألماني، وهو تقليد النّقد، كنشاط تنظيريّ ينصبّ على المنتج الفكري وكممارسة واقعيّة ترمي إلى دفع الفكر نحو التورّط في إشكاليّة التغيير الاجتماعي.[3] و«بناء على ذلك أرست المدرسة منظورًا جديدًا يقوم

(91)

على فلسفة اجتماعيّة ترى ذاتها كنظريّة نقديّة، فعوض أن تنخرط بالانتماء إلى المجتمع وتسلّم بنظمه، لم تتردّد عن نقده والبقاء خارجه، لتقوم بدورها كاملًا في النّقد كاشفة عن مصادر العطب الذي يطاله وتتوجّه موضوعيًّا نحو تغييره»[1].

ويمكن القول بأنّ النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة تمتدّ بجذورها إلى الماركسيّة، عبر حلقات أسبوع العمل الْمَارْكِسِيَّة، التي انبثقت منها فكرة تكوين معهد البحوث الاجتماعيّة، ومن الواضح أيضًا أنّ المعهد كان مواكبًا لكافّة التطوّرات في (الاتحاد السوفياتيّ) بعد ثورة 1917، وأنّ هوركايمر حاول أن يُطبّق الْمَارْكِسِيَّة باعتبارها فلسفة نقديّة على صعيد نظريّة المعرفة.[2]

إلا أنّ هذا الانتماء لا يعني الصّلة التي تُلغي البعد، والإقرار بالأساس الْمَارْكِسِيِّ للمدرسة لا يُلغي حقّ الاختلاف معها، فكانت علاقتها تتضمّن الانتماء والاختلاف، فيمكن الحكم على فترة رئاسة «كارل جرونبرغ» للمعهد بمرحلة الانتماء، أمّا فترة رئاسة «ماكس هوركايمر» فيمكن تسميتها بمرحلة الاختلاف، ففي الوقت الذي كان فيه أصحاب النَّظَرِيَّة المَارْكِسِيَّة الأوائل يراهنون على إعادة بناء المجتمع على أسسٍ ماركسيّةٍ كحلٍّ لطغيان العقل الذي نجم عنه انهيار المعرفة وأزمة في العقل التاريخي، فإنّ «هوركايمر» يرى أنّ المراهنة على البروليتاريا كقوّة دافعة ليس كافيًا لعمليّة التّحرّر،  

(92)

فالنظريّة النَّقْدِيَّة أخذت بعض مُقوّماتها، لا سيّما في البداية، من الْمَارْكِسِيَّة لكنّها قطعت مع تعاليمها في الوقت الذي تبيَّن لروّادها أنّ  للماركسية  نظامًا  توتاليتاريًّا  يمكنه تسييج  الحريّة  وخنق البعد النّقديّ للتفكير.[1]

لقد استطاعت النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة أن تستوعب الجهد الفكريّ والنقديّ الذي استثمره «ماركس» في نقد الرأسماليّة وبيان أساليب ومواطن اضطهادها للطبقة العاملة، لكنّها لم تسايره في معظم الحلول التي قدّمها خاصّة منها تلك التي كانت تبتعد عن مستجدّات الواقع الإنساني. من هنا أخذت النَّظَرِيَّة النقديّة الْمَارْكِسِيَّة في جملة من المآخذ الفعليّة، والتي من خلالها حاولت النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة أن تطرح قراءاتٍ جديدةً مختلفةً عن تلك المقترحة من طرف الماركسيين.

المطلب الرابع: الأثر الفرويدي في مدرسة فرانكفورت

إنّ الدّارس لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ النَّقْدِيَّة والمتتبّع لمراحل تطوّرها عبر أجيالها المختلفة، سيكتشف درجة التعقيد التي تكتنف هذه المدرسة بفعل الحضور القويّ لكثيرٍ من الأطياف الفلسفيّة، التي مارست تأثيرها وإن بدرجات متفاوتة على روّادها، ولقد أشرنا سالفًا إلى تأثير الفلسفة الكانطيّة وكذلك الفلسفة الهيغليّة والْمَارْكِسِيَّة، وبيّنّا بأنّ هذا التأثير لم يأخذ صورة التقليد والتبنّي فقط، بل إنّ فلاسفة المدرسة تناولوا مختلف المسائل الفلسفيّة التي عالجتها الفلسفات السابقة بالدراسة التحليليّة النقديّة. ولا يمكن حصر

(93)

المنابع الفلسفيّة لمفكري المدرسة في الفلسفات السالف ذكرها، بل اتّسعت مشاربها أكثر بكثير لترتبط من الناحية السيكولوجيّة بمدرسة التحليل النفسيّ من خلال التأثّر بأفكار رائدها «سيجموند فرويد» والاستفادة من التحليل النفسي كمنهجٍ لتفسير كثير من المسائل التي اهتمّت المدرسة بمعالجتها إلى درجة أنّ البعض من المفكرين اعتقد بأنّه لا يُمكن التفكير في أيّ حركة فلسفيّة، أو تيّار فكريّ في القرن العشرين خارج الأثر الثلاثي لماركس، نيتشه، وفرويد، وربّما تكون النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة لمدرسة فرانكفورت قد جمعت هذه الأطياف الثلاثة حزمة واحدة.[1]

ففلاسفة النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة بعد معاينتهم لانحطاط القيم الفرديّة داخل المجتمع الصناعي المتقدّم، ومن انسحاب لحقّ الفرد في الاختلاف داخل النّظام الفاشستي أوّلاً، وفي تراتبيّات النّظام السياسي المغلق للمجتمع الصناعي ثانيًا، حاولوا إعمال العقل لإعادة الاعتبار للفرد ولتنشيط الفكر النقديّ، وانطلاقًا من هذا الاهتمام عملوا على إعادة قراءة النصّ الفرويديّ على ضوء تحوّلات المجتمع الصناعيّ متسائلين عن دلالات الرّغبة والتصعيد اللاَّ شعوري وموقع الجنس في آليات الإغراء الحديثة وعلاقتها بالعمليّة الإنتاجيّة وعن المعاني الجديدة الّتي يتّخذها الحب[2].

(94)

من هذا يتّضح أنّ روّاد مدرسة فرانكفورت النَّقْدِيَّة جعلوا من التحليل النفسيّ منهجًا ضروريًّا لتحليل المشكلات الفرديّة التي برزت في المجتمعات الرأسماليّة؛ بقصد تشخيصها ومن ثمّ إيجاد الحلول المناسبة لها. ويعود اهتمام مدرسة فرانكفورت بالتحليل النفسيّ إلى مقالة مبكّرة لـ «فلهلم رايخ» بعنوان «الماديّة الجدليّة والتحليل النّفسي» سنة 1927، حيث إنّه نبّه إلى أنّ التحليل النّفسيّ يختلف جذريًّا عن علم الاجتماع أو علم النّفس الاجتماعي، وأنّه يحمل تصوّرًا ماديًّا عن الإنسان بوصفه فردًا، أي أنّه كتلةٌ غريزيّةٌ من النزوات متحرّكة في جدل تحوّلات وصيرورات لا متناهية للكينونة، ولفرديّة الإنسان الذي يبدو أنّه اشتقّ إنسانيّته من نشأة الفرديّة، وانفصل عن الطبيعة بفعل فرديّته، ومن هنا أصبح الاغتراب البُعد الأساس في الكائن الفرد[1].

وهذا يعني أنّ روَّاد مدرسة فرانكفورت من الجيل الأوّل قد تأثّروا بمفاهيم علم النفس ونتائج أبحاثه، وتوظيفها في مختلف دراساتهم ونجد في مؤلّفات هؤلاء الروّاد إشاراتٍ واضحةً إلى هذا الأثر، ففي المؤلّف المشترك لهوركايمر وأدورنو (جدل التنوير) يقولان: «تبعًا لنظريّة التحليل النفسي فهناك إسقاطات، وإنّ حصول الإسقاط المرضي مرتبط بتحويل الفرد نزواته على المواضيع، النّزوات المحرمة على المجتمع. تحت ضغط الأنا الأعلى، يُسقِط الأنا على العالم الخارجي كنوايا سيّئة وبذلك تنجح بالتخلُّص منها كردّات  

(95)

فعل تجاه العالم الخارجي»[1]، فوجود مثل هذه الإشارة يوضّح حضور الطيف الفرويدي في فكر روّاد مدرسة فرانكفورت النَّقْدِيَّة.

وفي عام 1931 كتب إيرك فروم مقالًا حول «التحليل النّفسي والسياسة» في «مجلة السيكولوجيا» أثار سجالًا علميًّا واسعًا، إذ كان محاولة لتطوير الفرويديّة من خلال نظريّة المعرفة الماركسيّة. رأى فروم أنّ الْمَارْكِسِيَّة كانت على خطأ حين أسقطت أهميّة العامل السيكولوجي لغريزة التملّك، كما أنّ ماركس لم يضع أهميّة للمقدّمات السيكولوجيّة مثلما يقوم به هو اليوم؛ ولهذا فإنّ الْمَارْكِسِيَّة  تحتاج إلى مرجعيّة سيكولوجيّة أوسع وإلى حلقة الوصل الضائعة التي تربط البناء الفوقي بالأساس الاقتصادي، وتطوير علم نفس اجتماعي- تحليلي يقوم على دراسة أو فهم السلوك المدفوع بباعث غير واع، من طريق تأثير الأساس المادّي في الحاجات البشريّة الأساسيّة.[2]

ويمكننا القول بأنّ مدرسة فرانكفورت قد مرّت بمجموعةٍ من المراحل؛ فقد انشغلت في الثلاثينيات والأربعينيات بالاشتراكيّة الوطنيّة، ومعاداة السامية، واهتمّت في الخمسينيات بصناعة الثقافة، واعتنت في الستينيات بالحركات الثوريّة التحرريّة، لا سيّما ثورة الطلبة والأقليّات العرقيّة، لتهتمّ في سنوات السبعين وبعدها بنظريّة المعرفة، وإعادة النّظر في الكثير من الآراء الماركسيّة، وبناء أسسها من جديد، وصياغة نظريّة ماركسيّة جديدة، والاعتناء بالقضايا  

(96)

السياسيّة والمجتمعيّة في ضوء النَّظَرِيَّة النقديّة. وقد ارتبط علم الاجتماع بالْمَارْكِسِيَّة، ووضعت النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة إبستمولوجيا بين الفلسفة والعلم، وخاصّة مع مفكّر التجديد هابرماس.

أمّا عن أهمّ الانتقادات الموجّهة إلى مفكّريّ مدرسة فرانكفورت فتتمثّل اختلاف آرائهم من شخص إلى آخر، واختلاف توجّهات مدرسة فرانكفورت لما بعد الحداثة عن مدرسة فرانكفورت في فترة الثلاثينيات من القرن العشرين، كما استبعدت المدرسة اهتمامها بالتاريخ والاقتصاد إلى حدٍّ كبير، وانحرفت انحرافًا كبيرًا عن مبادئ الْمَارْكِسِيَّة الكلاسكيّة كما عند الجيل الثاني من مفكّريّ معهد فرانكفورت، وقد همّشت النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة الجديدة مع هابرماس الطّبقة العاملة باعتبارها طبقةً ثوريّةً سياسيّةً فاعلةً ومغيّرة؛ لذا وصفت مدرسة فرانكفورت بأنها ماركسيّة بدون بروليتاريا. ومن هنا يبدو أنّ مفهوم مدرسة فرانكفورت عن تدهور أو تلاشي الطبقة العاملة كقوّة سياسيّة قدّم أساسًا فكرة طوباويّة وخياليّة عن الثورة، التي هي بأية حال الطريق الوحيد، أو الأكثر مَارْكِسِيَّة، لتصوّر عمليّة الثورة الاجتماعية، وربّما يكون هذا المفهوم قائمًا أيضًا على انعكاس الخبرة الاستثنائيّة الأميركية، الناجمة عن غياب طبقة عاملة منظّمة سياسيًّا في المجتمع الأميركي، على فكرهم، ولا سيّما في حالة ماركوز.

ويمكن القول أخيرًا بأنّ النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة -في عمومها- قد ابتعدت في مراحلها الأخيرة عن الْمَارْكِسِيَّة التي انطلقت منها في بداياتها، بل أعلنت هذه النَّظَرِيَّة فشلها حينما اعتبر هابرماس بأنّ نظريّة ما بعد

(97)

الحداثة حالة مرضيّة؛ بسبب اختلال التوازن بين ما هو معنويّ وما هو ماديّ.

وهكذا، نصل إلى أنّ النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة هي قراءة مَارْكِسِيَّة للمجتمع، ونقد للنظرية العلميّة والوضعيّة التي أهملت الإنسان والذات والتاريخ والمجتمع والأخلاق. ومن ثمّ، تعمل النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة على تنوير المرء الملزم، وتنويره عقليًّا وذهنيًّا وانتقاد الاغتراب في المجتمع الرأسمالي، وإدانة فكرة التشييء والاستلاب والقمع الآلي؛ ومن ثم تستند النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة في قراءتها للأدب والفنّ إلى مفاهيم النقد الْمَارْكِسِيِّ الكلاسيكي أو الْمَارْكِسِيَّة المعدّلة في نظريّة هابرماس، ويمكن أن نُحدّد مجموعة من المراحل التي قطعتها النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة الجديدة، فكان هناك في البداية اهتمام بنقد الوضعية العلمية، ومعاداة لفكرة السامية، وبعد ذلك انتقل الاهتمام إلى المجال الثقافي مع ماركوز، ليتمّ الإنصات إلى الحركات الثوريّة الطلاَّبية والأقليّات المضطهدة، لتتخذ النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة توجّهًا جديًّا مع هابرماس، حيث بدأت النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة الجديدة تُقدّم تصوّرات مختلفة حول المجتمع متأرجحةً بين الفلسفة والعلم، كما أعيدت صياغة الْمَارْكِسِيَّة من جديد على أسس علميّة وسياسيّة واجتماعيّة ما بعد حداثيّة، لتنتهي النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة بالثورة على ما بعد الحداثة نفسها، وذلك حينما وقع اختلال مجتمعيّ وحضاريّ بين القيم الماديّة والقيم المعنويّة، فترتّب عن ذلك أن أصبحت ما بعد الحداثة حالة مرضيّة مأساويّة.

(98)

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

مدرسة فرانكفورت
مَعاثِرها الْفِكْرِيَّة أَوْ نَقْد النَّقْدِ

(99)

 

لا تستغني الحياة الواعية عن النّقد، ولا يَشُكّ أحد في ضرورة النّقد للواقع السائد في نظم المعرفة والقيم والاجتماع، وأنماط الفِكر والفعل والسّلوك، إذ إنّ إحياء الحسّ النّقدي معناه إحياء الحسّ بالحريّة والاستنارة، وضرورة التغيير والتقدّم والحوار المستمرّ.

وعلى الرَّغْمِ من تعدّد مفاهيم النّقد وتنوّع أساليب تطبيقه وميادينه، فهو يتضمّن ضرورة مناهج المراجعة والتقييم للأفكار والوقائع والأفعال، التي تنطلق من معايير معيّنة. كما يستهدف الكشف عن تعارض تلك الأفكار والوقائع والأفعال مع هذه المعايير التي أصابها العجز والفساد بغية العمل على تجاوزها[1].

هذا ما حاولت مدرسة فرانكفورت اتّباعه كمنهج، لكن هل وصلت بمنهجها الثوريّ والنظريّ في النقد إلى ملامسة الواقع أم بقيت في الإطار النظريّ والتحليل الفكريّ؟

هل خرجت هذه المدرسة من مجال النّقد العقليّ إلى الفعل العمليّ وقدّمت منظومةً فكريّةً متكاملةً لبناء اجتماعيّ قيميّ وإنسانيّ مغاير أم بقيت في حيّز الوعود البلاغيّة والإنشائيّة؟

كانت مدرسة فرانكفورت خليطًا من الاختصاصات والاهتمامات، فقد كان رُوّادها من علم الاجتماع والفلسفة كما العلوم التجريبيّة، لذا كان هذا التنوّع رغم مزاياه النَّظَرِيَّة والمعرفيّة أرضيّةً خصبةً للصراع  

(100)

الدّاخلي، والتناقضات فهذا «الكلّ الضدّي» حاول على مرّ تاريخ المدرسة جمع شتاته حول فكرة جوهريّة، كما سبق أن وضّحنا، نقديّة بالأساس، إلاّ أنّ اختلاف التوجّهات والمرجعيّات كان عائقًا أمام جمع الأضداد، فكان ما اعتبرناه في المدرسة من مراحل هو عبارة عن هدم وإعادة بناء.

فهل يمكن أن نماهي بين الجيل الأوّل للمدرسة «معهد البحوث الِاجْتِمَاعِيِّة» والجيل الثاني بعد الحرب العالميّة الثانية «مدرسة فرانكفورت»؟

ألم تكن الحرب كافية لتغيير الاتّجاهات والأفكار؟ ألم نتحوَّل من المعهد إلى المدرسة من فكر إلى فكر ومن روّاد إلى آخرين؟ فَلِمَ هذا الإصرار على جمع الاختلاف داخل المدرسة رغم ابتعاد الكثيرين منها عن مقولاتها الأساسيّة؟

الاختلاف في طرق البحث نتيجة تنوّع الاختصاصات واضحة داخل المدرسة، فقد توالت عليها عدّة مُؤثّرات كالفلسفة التحليليّة والتحليل النفسيّ والفينمنولوجيا أو الظاهريّة والوجوديّة والهرومنيوطيقيّة أو فلسفة التفسير ... إلى الحدّ الذي تتّهم معه من جانب خصومها بأنّها لم تعد نقديّة ولا ماركسيّة، وأنّها انتهت عند بعض أعلامها في أواخر حياتها إلى نوع من اليساريّة العدميّة[1].  

المدرسة إذا لم تكن ذات أسس نقديّة واضحة المعالم، أيّ أنّها

(101)

لم تؤسّس لنفسها بنيةً نقديّةً خاصّة، بل استقت منهجها من عدّة مناهج، فكانت وليدة مزج الفلسفة الهيغليّة بالماركسيّة والكانطيّة بالوضعية، وادّعت في هذا الخلط، أنّه مسارها النقديّ، فكانت في الأخير جسمًا لا متجانسًا ولا فكريًّا ولا منهجيًّا، بل يمكن تجاوز القول لنقول إنّها كانت «مسخًا» نقديًّا لا نسخة نقديّة لمرجعيّات متضاربة ومتناقضة. ما جعل بعض خصومهم يصفونهم بأنّهم ماركسيون وجوديون متمركسون، وبأنّهم عاطفيّون مصابون بالتشاؤم الحضاري والعديميّة التاريخيّة التي حاولوا الفرار من أسوارها الكثيفة المظلمة بأجنحة أحلامهم الغامضة عن الإنقاذ والخلاص، عن طريق الإبداع والفنّ حينًا أو على يد أنبياء العصر الجُدد حينًا آخر، من المنبوذين والمضطهدين والهامشيين، وصعاليك الفنّانين وشباب الجامعات المتمرّدين[1].

لكن الجامع والدّافع الوحيد الأصلي الواضح أمام تكوّن مدرسة فرانكفورت يبدو جليًّا من خلال فكرة أو الشعور بـ«الاغتراب» فالأصل المشترك للجيل الأوّل كانت «اليهوديّة»؛ ذلك لأنّ معظم أعضاء المدرسة قد نشأوا في عائلات يهوديّة ميسورة، ومعهد البحث الِاجْتِمَاعِيِّ نفسه قد أسّسه وأنفق عليه بسخاء ابن مليونير يهوديّ، وهو فليكس فاسل. إذن تعتبر الأصول العرقيّة «اليهودية» الأصل في تكوّن المدرسة، لا الطابع الفلسفي النقديّ كما ادّعى الكثير من مُؤسّسيها، ولعلّ الرجوع للنظريّة الْمَارْكِسِيَّة كمصدر أساسي للنّقد

(102)

كان ارتباطها بفكر ماركس الشاب الذي اهتمّ بمعنى «الاغتراب» هذا المعنى الذي يتجاوب وواحساسهم كيهود مضطهدين من قبل المجتمعات الرأسمالية، لذا قرّروا الثورة الشّاملة، لكنّها كانت ثورةً مشبعة بمعاني إيديولوجيّة عنصريّة، وبأفكار فلسفيّة ومعاني إنسانيّة شموليّة .

المدرسة الفرانكفورتيّة كانت مدرسة «أزمة»، فهي نبعت من واقع مُتصارِعٍ وأفكار مُتضارِبة ومتنافرة لا رابط بينها سوى أهوال الحرب من طغيانٍ نازيٍّ وقمع لليهود في أوروبا، فالمدرسة لم تكن مستقرّةً لا فكريًّا ولا مكانيًّا كما أنّها امتدّت امتدادًا تاريخيًّا ما بين الحربين ممّا يترتب عليه حقيقة بالغة الوضوح -وهو أنّ النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة  نفسها «تاريخي» ليست ثابتة ولا مطلقة، ومعنى هذا أنّها تخضع للنّقد شأنها شأن كلّ الظواهر التي يغمرها نهر الصيرورة وتُحرّكها أمواج التاريخ، ومعناه كذلك «نقد النقد» أمر وارد وواجب، وإلّا فنحن لم نتعلّم من النّقد شيئًا، وطبيعي كذلك أن يكون نقدنا لها نقدًا تاريخيًّا، أي مشروطًا بأوضاعنا وظروفنا الذاتيّة والموضوعيّة، ومرتبطًا بسياقنا الِاجْتِمَاعِيِّ والسياسيّ والثقافيّ ومدى قُدرتنا على استيعابه، ولذلك فهو بدوره لن يكون معصومًا من النّقد ولا من نقد النّقد[1].

الفكر النقديّ لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ وحّد ما بين الفلسفة والثورة بانتهاجه مسلكًا نقديًّا للمجتمع الصناعي الرأسمالي، واعتباره أنّ الفكر الفلسفيّ عليه مقاومة العقلانيّة الصناعيّة، الّتي تستغلّ الأفراد

(103)

وتجعل المجتمعات جهاز إنتاج خالٍ من أيّ إبداع فرديٍّ أو خاصّ. فتكاد أن تكون مقولة «التشيّؤ والاغتراب» الإطار المرجعيّ الأصيل لفلاسفة المدرسة، لذا كانت فلسفتهم فلسفةً ثوريّةً بالأساس، فأكّدوا على التّفاعل والتّكامل ما بين النَّظَرِيَّة والفلسفة الِاجْتِمَاعِيِّة، كما بين العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة التجريبيّة. هذه المنهجيّة خلقت جدليّة وتفاعلًا ما بين الاختصاصات، وفتحت المجال لتفاعلها الفلسفيّ. لكن ما يُؤخذ على النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة أنّها لم تستطع أن تُقيم منهجيّة أو نسقيّة محكمة متناسقة، ولذلك بقيت فلسفة حرّة مفتوحة، تعتمد على حدوسهم الثاقبة أكثر ممّا تعتمد على التطوير التّصوري للأفكار، وتُعبّر عن نفسها في صور مقالات وشذرات متفرّقة لا في بناء مترابط دقيق، وربّما يرجع السبب في هذا إلى تنوّع اهتماماتهم ومواهبهم، وتمزّق شخصيّاتهم بين العالم الِاجْتِمَاعِيِّ والجدليّ الصارم وبين الفنّان العاطفي أو الرومنطيقي الحالم، وحرصهم على البُعد عن صورة الفيلسوف والعالم بالمعنى الحرفي، على الرَّغْمِ من أنّ بعضهم قد شغل منصب الأستاذيّة في الجامعة، رغبةً منهم في الاحتفاظ بصورة الفيلسوف والعالم الحرّ، واستجابةً لطبيعتهم القلقة ومزاجهم الثوري الذي جعلهم ينخرطون في تناقضات عصرهم وأزماته وأمراضه ويحاولون تشخيصها ووصف العلاج الحاسم للخلاص بها[1].

لذا كانت الفلسفة أهمّ ممارسة ثوريّة للفرانكفورتيين، بل إنّ

(104)

عزوفهم عن ممارسة السياسة كمبدأ أصيل في ثورتهم جعلهم يماهون بين النَّظَرِيَّة والفعل الثوري، فتصوّروا أنّ مقالاتهم ونظريّاتهم المتنوّعة والممسكة بكلّ المجالات المعرفيّة هي أعلى وأقوى الممارسات الثوريّة، وهذا فيه خلط واضح ما بين النَّظَرِيَّة والممارسة، وما بين التنظير والفعل، كما بين فعل التفلسف وممارسة الفعل في الواقع.

النقديّة الفرانكفورتيّة أسقطت من حساباتها الشرق، وتمركزت حول الذاتية الغربية، وفي هذا خروج للنقد عن الموضوعية، وإغفال للتمشي الكونِي للتاريخ من جانب الحضارة الشرقيّة القديمة، فلو قاموا بدراستها لاكتشفوا أنّ موقف هذه الحضارات أو الرّؤى الشرقيّة القديمة للعالم لم يكن بحالٍ من الأحوال هو موقف التسلّط على الطبيعة والأشياء والتحكّم فيها واستغلالها كوسائل للمزيد من التسلُّط والسيطرة كما حدث في التاريخ الغربي منذ عصر النهضة الأوروبية[1].

وهنا قد نرجع إلى نقطة سبق وأن أشرنا إليها، وهو أنّ تعميم النّقد في هذه المدرسة راجع بالأساس إلى الهجوم على اللّاعقلانيّة النّازيّة بدافع «يهودي»، كما يكشف عن تجاهل متعمّد للّاعقلانيّة الصهيونيّة ودورها في قلب الوجود العربي الإسلامي[2].

وتعقيبًا على ما سبق فإنّنا نودّ الإشارة إلى ارتباط المشروع

(105)

الفكريّ لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ -متمثّلًا في النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة لروّادها- بالمعنى الواسع لكلمة النّقد، حيث تستند إلى أصولٍ أنواريّةٍ مع ديكارت، وروسو، وكانط صاحب مشروع نقد العقل، كما تستند -أيضًا- إلى نتائج القرن التاسع عشر؛ سواءً في شقّه الفكريّ مع كلٍّ من هيغل وماركس أو في شقّه العلميّ مع ماكس فيبر وفرويد.

هذه الأصول يمكنها أن توجّه فهمنا لمعنى النّقد كما تتبنّاه المدرسة النَّقْدِيَّة لفرانكفورت، التي تحاول أن توجّه النّقد لكلّ ما هو كائنٌ، سواءً في بعده الفكريّ أوالاجتماعيّ أو العلميّ المتخصّص، وهكذا ينصبّ النّقد الفلسفيّ لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ على إنتاجات العقل، وخاصّةً كما تجلّى مع الأنوار؛ بحيث إنّ العقل الأنواريّ الذي يُبشّر بالتّحرّر والانعتاق بدخول عالم المعرفة، نجده سرعان ما ينقلب إلى أداةٍ تُساهم في الاغتراب والاستعباد والمزيد من التشيّؤ؛ وبذلك أصبح العقل الأنواريّ عقلًا أداتيًّا في الفهم النّقديّ لمدرسة فرانكفورت.

وسنبدأ في الحديث عن العقل الأداتيّ بتحديد الدلالة اللّغويّة أو لا، ثمّ الدلالة الفلسفيّة لمفهوم العقل الأداتي، لننتقل للحديث حول مضمون النّقد الموجّه للعقل الأداتي متسائلين عن أفق النّقد الذي مارسته مدرسة فرانكفورت، مكتفين بقراءة يورغن هابرماس لكونه يُعيد صياغة نقد العقل الأداتيّ منذ الروّاد الأوائل من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى لأنّه يُظهر نقد العقل الأداتيّ بشكلٍ مستقلٍّ وواضحٍ؛ حيث إنّ النّقد الذي مارسه هابرماس قد نقل قيمة النّقد –عمومًا- من نظرته التشاؤميّة مع الرواد إلى نظرةٍ أكثر تفاؤلًا بالمستقبل.

(106)

المطلب الأوّل: الدلالة اللّغويّة والفلسفيّة: تأصيل مفهوم العقل الأداتي

بالعودة إلى المعاجم من أجل تأسيس العقل الأداتي  (instrumental reason) كمفهومٍ فلسفيٍّ ينتمي لحقل اشتغال الفلسفة النّقديّة؛ حيث نسجّل غيابًا شبه تامٍّ للمفهوم في المعاجم اللّغويّة؛ فنجد -فقط- إشارة إلى الاستعمال كأداة بحيث نجد في معجم Robert حول كلمة instrument ما يلي: «شيء - آلة - وسيلة – أداة، كما تستعمل في سياق الجملة: أداة للنّجاح أو فلان يستعمل مستخدميه كأداة، وحول كلمة Instrumental نجد ما يلي: ما يتمّ تنفيذه بواسطة أدوات… موسيقى أداتيّة، مجموعة من الأدوات، وما يتمّ تطبيقه بواسطة أدوات (les instruments)».[1]

أمّا في الاستعمال الفلسفي فنجد غياب المفهوم في الموسوعة الفلسفيّة (Universalis)، أمّا في المعجم الفلسفي Lalande فنجد حول كلمة Instrumentale = ce qui sert de moyen pour la production d’un effet ce terme est aujourd’hui peu cité. أي ما يُتّخذ وسيلة لإنتاج حدث ما، إنّ هذا المفهوم قليل الاستعمال في الوقت المعاصر (بداية القرن العشرين)، أمّا كلمة instrumentalisme فنجدها في معجم لالاند تتّخذ معنى: إنّها إحدى استعمالات البراغماتيّة (une variété du pramatisme).

من خلال العودة إلى المعاجم اللّغويّة أو الفلسفيّة يتبيَّن أولًا

(107)

أنّ هناك استعمالًا بمعنى الأداتيّة أي كوسيلة للقيام بشيء ما، كما أنّ (la raison instrumentale) ليس مفهومًا كمفهوم الحريّة أو الديمقراطيّة أو الحتميّة، إنّه لا يتضمّن محدّدات داخليّة بقدر ما هو مرتبط بكلّ ما يُمكن استعماله، أو كلّ ما يُمكن اتّخاذه كوسيلة، كأداة، كشيء مفصول ومعزول عن أصوله أو محدّداته الأخرى.

«إنّ العقل الأداتي الذي سنُقدّم بعض ملامحه الكبرى هو عقل يُستعمل كشيءٍ، كوسيلةٍ لإنتاج أشكال، وقائع، مؤسّسات، استيهامات؛ باعتبارها بضاعة قابلة للتداول لها قيمة استعماليّة وتبادليّة -كما يُؤكّد على ذلك هابرماس- أمّا إذا أضفنا كلمة نقد (critique) لـ «العقل الأداتي» فسنحصل على التركيب التالي: نقد العقل الأداتي هي عمليّة مواجهة وفضح وإبراز لمجالات النّقص في الاستعمال المرتبط بالعقل كشيء أو وسيلة لإنتاج العقلنة في العالم».[1]

إذا ارتبطنا بهذه الرؤية المفهوميّة سنجد أنفسنا عند الحديث عن نقد العقل الأداتي في صلب اهتمام المدرسة  النَّقْدِيَّة لفرانكفورت، بمعنى أنّ غياب موضوع داخليّ للعقل الأداتي يجعله بمثابة عمليّة نقد اتّجاه إنتاجات العقل؛ وبالتالي سنجد هذا العقل الأداتي يتجلّى في النَّظَرِيَّة الْمَارْكِسِيَّة والرأسماليّة وفي صناعة الثقافة، وفي التقنيّة... بمعنى آخر يُمكننا القول بأنّ العقل الأداتي يأخذ عنوانًا مركزيًّا في النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة تتفرع عنه كلّ المواضيع النَّقْدِيَّة  الأخرى،

(108)

فعندما يتمّ انتقاد الْمَارْكِسِيَّة فإنّ ذلك يكون انتقادًا لبُعدٍ من أبعادها الأداتيّة، وعندما يتمّ انتقاد الرأسماليّة الصناعيّة المتقدّمة أو المدرسة الوضعيّة أو العلم فإنّ  ذلك يكون انتقادًا للأداتيّة التي تحكم كلّ مجالٍ من هذه المجالات؛ وبذلك يتجلّى كون نقد العقل الأداتي منصبًّا على نقد الأشكال التي يأخذ فيها العقل بُعدًا استعماليًّا، وكشكلٍ من أشكال التشيّؤ (reification).

المطلب الثاني: جذور نقد العقل الأداتي: هوركهايمر وأدورنو

من المعلوم بأنّ الروّاد الأوائل لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ هم مجموعة من الماركسيّين المتشائمين الذين يواجهون عدّة إخفاقات وانتكاسات، جعلتهم يبحثون عن مجالٍ ما للتعبير عن الرّفض ومواجهة الإحباطات التي تعرفها ألمانيا بشكلٍ خاصٍّ، والعالم الغربيّ بشكلٍ عامٍ. فكان مركز الأبحاث الِاجْتِمَاعِيِّة لفرانكفورت المتنفّس الذي احتضن كلّ هؤلاء لتوجيه سهام النّقد لكلّ أشكال الانحراف والتّشيّؤ والاغتراب التي تعرفها النَّظَرِيَّة أو الممارسة العمليّة.

إنّ الوضعيّة التي انطلق منها النّقد تعود أساسًا إلى الوضعيّة التي خلقتها الحرب العالميّة الأولى، إلى جانب فشل الثّورة في تحقيق التّحرّر، إضافةً إلى صعود التيّارات النازيّة والفاشيّة، في مقابل تمكّن الرأسماليّة الصناعيّة من التكيّف مع الواقع الجديد، بل أكثر من ذلك استطاعت الرأسماليّة أن تستوعب تناقُضَاتِها، وأن

(109)

تُبدِع وسائل جديدة لمواجهة المدّ الثوري، وذلك من خلال عمليّة الإدماج (l’intégration) التي انتهجتها لتفكيك الاحتقان الذي يمكن أن تتزعّمه الطبقة العاملة والعمل على تطويق تلك المواجهة من خلال إشراك العمّال في وهم الاستهلاك أو ما يسميه هوركهايمر بتشيّؤ العقل (réification de la raison) .

يعلن رائدا مدرسة فرانكفورت ماكس هوركهايمر (Max Horkheimer) وتيودور أدرنو (Theodor W. Adorno) في مقدّمة كتابهما (la dialectique de la raison) بأنّ من دواعي تأليف الكتاب هو مواجهة تنامي الأداتيّة والآليّة في المجتمع المعاصر «لا يتعلّق الأمر إلاّ بالعوائق التي تنتج عن الأداتيّة المفصولة عن العلم، فتحليل المشاكل الِاجْتِمَاعِيِّة يمكن أن يرتبط بانتظارات معاكسة للتوجّه الرسمي للعلم»[1]، بمعنى أنّ العمل الذي تقوم به المدرسة النَّقْدِيَّة هو توجيه النّقد للاستعماليّة المباشرة للعقل والعلم على حدٍّ سواء؛ فالعقل التنويري (l’aufklنrung) الذي يعد بالتحرّر، يعيش إخفاقًا ذريعًا وهو إخفاق ليس عرضيًّا بمثابة حادثة (accidentelle) فقط، وإنّما تعود جذوره لهذا العقل نفسه.. هكذا إذن يصبح العقل مجرّد أداة لإنتاج التبعيّة والاغتراب، ويصبح الإنسان الحامل لهذا العقل مجّرد أداة للإنتاج الاقتصادي وتحقيق الرّبح في مجتمع لا يتمتّع فيه الإنسان بقيمة ذاتيّة، بل بقدرته الإنتاجيّة فقط  «وتقلّص دور الفرد إلى درجة الصفر في علاقته بالقُوى الاقتصاديّة، وفي

(110)

الوقت نفسه الذي تحمل هذه القوى سيطرة المجتمع على الطبيعة إلى مستوى لم يعرفه من قبل».[1]

من خلال هذا التوجّه التحكّمي للبُعد الاقتصادي على المجتمع يظهر التخوّف والقلق الذي يراود أصحاب المدرسة النَّقْدِيَّة ويدفعهم للتنبيه لتنامي النزعة الأداتيّة في استعمالات العقل.

إنّ النّقد الذي يدشّنه روّاد الجيل الأوّل من مدرسة فرانكفورت لاستعمالات العقل الأداتي، يجد جذوره في تنامي النزعة العلميّة المزهوّة بانتصاراتها، إلاّ أنّ النّقد يحاول أن يُبيّن قصور هذا التوجّه ونتائجه المعكوسة على وجود الإنسان ورغبته في التحرّر وعيش إنسانيّته الكونيّة.

لكن رغم كون نقد العقل الأداتيّ يُمثّل قطب الرّحى في مدرسة فرانكفورت -كما أشرنا إلى ذلك سابقًا- إلاّ أنّ حضور مفهوم «نقد العقل الذاتي» كعنوان مستقلّ أو كموضوع مستقلّ لا نجده إلاّ عند فيلسوف الجيل الثاني يورغن هابرماس (jürgen habermas)، بحيث إنّ الاستعمال المنتشر اليوم هو من إبداع هابرماس، هو الذي التقط هذه الإشارة وحوّل الاستعمال الضمني إلى مفهوم صريح في الفلسفة النّقديّة.

(111)

المطلب الثالث: نقد العقل الأداتي هو نقدٌ للتشيّؤ

يناقش هابرماس في كتابه   (théorie de l’agir communicationnel) وخاصّة في الْفَصْل الخَامِس من هذا الكتاب، مسألة نقد العقل الأداتي (la critique de la raison instrumentale). وأوّل ما ينطلق منه هابرماس في حديثه عن العقل الأداتي هو القول بأنّ نقد العقل الأداتيّ كما تجلّى لدى كلٍّ من هوركهايمر وأدورنو، هو بمثابة نقد لتشيّؤ (reification) العقل، عن طريق الاشتغال على نظريّة ماكس فيبر (Max weber) المتعلّقة بالبيروقراطيّة والتنظيم أو ما يسمّيه فيبر بالعقلنة (rationalization) دون إهمال لنتائج الفلسفة الموضوعيّة للتاريخ؛ حيث يقوم كلٌّ من أدورنو وهوركهايمر بالكشف عن النقائض التي تنتج عن مسار النَّظَرِيَّة الخاصّة بالمجتمع لذلك يعمل كلٌّ من هوركهايمر وأدورنو -حسب هابرماس- على تعميق أسس النّقد تجاه فعل التشيّؤ بالحديث عن الأصول والجذور ما قبل الرأسماليّة للاغتراب، وبالعودة إلى أصل صيرورة الإنسان عمومًا والحضارة الغربيّة على وجه الخصوص.

إنّ الموقف الذي يتبنّاه هابرماس هو إعادة قراءة النّقد الذي مارسه كلٌّ من هوركهايمر وأدورنو، بمعنى أنّ هابرماس يقوم بنقدٍ مضاعفٍ أو نقدٍ مزدوجٍ؛ فهو يقرأ نقد الروّاد باعتباره تشريحًا للوضعيّة المتأزّمة التي وصل إليها الفكر المعاصر، كما يُبين أنّ هذا النّقد هو تعبير عن التشظّي والانكسار والتشاؤم الذي غلب على روّاد المدرسة النَّقْدِيَّة جرّاء توالي الإخفاقات وأشكال الفشل التي عايشوها خلال الأربعينيات من القرن العشرين.

(112)

لكن هابرماس لا يتوقّف عند هذا الحدّ، بل يعمل على تجاوز انحصار النّقد في نسخته الأوّليّة مع الروّاد الأوائل وتحوّله إلى نظريّة ميتافيزيقيّة أو فنيّة للتخلّص من أشكال الاغتراب والتشيّؤ، مستبدلًا ذلك الانحصار بفضاءٍ رحبٍ للتواصل؛ فما هي أهمّ تجلّيات نقد العقل الأداتيّ عند هابرماس؟

1. نقد النزعة الموضوعيّة في العلم

يعمل هابرماس على العودة إلى القراءة الموضوعيّة للتاريخ باعتبارها المنبع الذي يستقي منه كلٌّ من هوركهايمر وأدورنو ملامح النّقد الموجّه للعقل الأداتي، من خلال الحديث عن سيطرة النظرة الموضوعيّة للعلم، وذلك بالعودة إلى التفسير الذي ساد في السنوات الأولى من القرن العشرين للماركسيّة، خاصّةً مع لوكاتش في حديثه عن أسباب الاغتراب والتشيّؤ التي تعمل على انزياح الإنسان إلى بعدٍ ماديٍّ موضوعيٍّ يفقد من خلاله روحه الفاعلة في ذاتيّته؛ فالرغبة المتزايدة للنّظام الرأسماليّ -بغية الربح، ولمزيدٍ من الإنتاج الماديّ والتقنيّ- تُدخل الإنسان في عمليّة تشيّؤ من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى تُؤدّي إلى سلب حريته الفاعلة في التغيير والتحرّر».[1]

إن النّقد الذي يوجّهه لوكاتش لرؤية العلم في بعده الوضعيّ باعتباره يُفضي إلى رؤيّة تعمل على جعل الاغتراب شاملًا للإنسان، وعلى هذا الأساس ينبني نقد كلٍّ من هوركهايمر وأدورنو اللّذين

(113)

يطوّران نظريّة لوكاتش في الاغتراب والتشيّؤ، بفعل نمط الإنتاج الذي يُؤدّي إلى عزل العامل عن إنتاجه وإفراغه من ذاتيّته.

إنّ نقد النزعة العلمويّة هو نقدٌ عميقٌ لربط العلم بالبعد التطبيقي الذي يعتمد رؤية ميكانيكيّة، هذه الموضعة التي تجعل الإنسان بمثابة بضاعة وأداة للاستعمال، وعوضًا عن ذلك يرى هوركهايمر وأدورنو ضرورة الدخول في عمليّة نقد العلم لذاته بتأمّلٍ ذاتيٍّ؛ وهذا ما يجعل أدورنو يعيد الاعتبار للفنّ؛ لأنّه المجال الذي تبرز فيه الذاتيّة ولا يطوله التشيّؤ. لذلك يعتبر هابرماس في قراءته بأنّ الوضعيّة الحاليّة للعلم المعاصر -كما يقدّمه الوضعانيون- جعلت من نقد الروّاد الأوائل لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ ينصبّ حول فكرة ربط العلم بالواقع المباشر، ولذلك تكون رؤيته بمثابة اغترابٍ للحياة بشكلٍ عامٍّ، وللإدراك بشكلٍ خاصّ».[1]

إنّ النزعة العلميّة موضوع النّقد لا تتجلّى فقط في النظام الرأسمالي الصناعي حيث سيادة المفاهيم الاقتصاديّة كالإنتاج والتوزيع والربح، بل يتوجّه كذلك إلى النَّظَرِيَّة الماركسيّة، فالنزعة الموضوعيّة في الْمَارْكِسِيَّة تتحدّث عن الحتميّة التاريخيّة باعتبارها حتميّةً علميّةً نتيجة لمسار تطوّر الإنسانيّة، حيث يعتبر ماركس أنّ التناقضات الداخليّة للنظام الرأسمالي هي الكفيلة بتجاوزه، ويرجع أسباب الاغتراب لعوامل اقتصاديّة محضة، كما تجعل القضاء عليه مرهونا بالقضاء على الملكيّة الخاصّة بوسائل الإنتاج. لكن لا يفسّر

(114)

كيف يمكن للذوات -أي الطبقة العاملة- أن تتّحد ويخلق لديها الحافز للتغيير الثوري.

إنّ التاريخ في نظر الْمَارْكِسِيَّة هو تاريخ بدون ذاتٍ يلغي الحديث عن الذاتيّة (subjectivité)، إنّه تطوّر موضوعيّ علميّ حتميّ، لكنّ النّقد الذي يُؤسّس له لوكاتش يتمثّل في قدرة العامل على رفض تشيؤه، وبالتالي العمل على التحرّر من النزعة التي تتعامل معه كمنتوج مفرغ من كلّ ذاتيّة، مما يدفعه للمقاومة والفعل.

إنّ ارتباط روّاد المدرسة النَّقْدِيَّة لفرانكِفُورْت بنظريّة التشيّؤ جعلهم يبحثون عن كيفيّة لتفسير الهيمنة التي سادت المجتمع الصناعي، وكيف أنّ وجود التناقض المادي وحده غير كافٍ لخلق الثورة وتحرُّر الإنسان من الاغتراب، وأنّ هناك عوامل أخرى تُساهم في الهيمنة، والتي تتمثّل في بلورة نظريّة حول الفاشيّة (fascism)، ونظريّة للثقافة الجماهيريّة (culture de masse).

2. نقد أداتيّة الأنظِمة الشُموليّة

إنّ نقد العقل الأداتي لم يأخذ طابع نظريّة في المجتمع فحسب، بل تجلّى كذلك في نظريّة سياسيّة لنقد العقل الأداتي كما تمظهر في الأنظمة الشموليّة سواءً في شقّها النازي والفاشي أو في شكلها البيروقراطي التسلّطي الذي شكّلته التجربة السوفياتيّة مع القوّة القمعيّة الستالينيّة.

«إنّ الأداتيّة السياسيّة للعقل تمثّلت في استغلال الشعب الألماني في عمليّة التصنيع على يد النّظام النازي، حيث تغذّت النازيّة برغبة

(115)

الشعب في الخروج من واقع التأخّر التاريخي وآماله في تحسين أوضاعه. الشيء الذي جعل الشعب الألماني يدخل في مشروع ليس مشروعه بالضرورة، إنّهم ضحايا للعقل الأداتي؛ وهنا يُبيِّن هوركهايمر وأدورنو كيف أنّ القرويين وحرفيي الطبقة المتوسّطة والمقاولين الصّغار يدخلون في مساندة النّظام النّازي وإيصاله إلى الحكم بهدف العقلنة الاجتماعيّة، إلاّ أنّ هذه الشحنة المعنويّة والزخم الروحي للشعب الألماني، سيتحوّل إلى آلة مدمّرة في يد النازيّة التي استغلّت العقل أبشع استغلال. بحيث يعتبر هوركهايمر أنّ الفاشيّة هي تعبير عن تركيب شيطاني (synthèsesatanique) بين العقل والطبيعة».[1]

كما أنّ فشل الثورة في تحقيق التحرّر كان من بين سهام النّقد الموجّه للنّظام السوفياتي الذي كانت تعقد عليه آمال كبيرة لتحرير الإنسان من التبعيّة والاستغلال، إلاّ أنّ السنوات الأولى من تطبيق النَّظَرِيَّة في أرض الواقع، بيّنت بأنّ هناك انزياحًا نحو الأداتيّة، ذلك أنّ النّظام السوفياتي وبدافع الحفاظ على الثورة وتحصين مكتسباتها دخل في عمليّة عقلنة أداتيّة تمثّلت في تقوية الحزب عبر آلة بيروقراطيّة مركزيّة لا تسمح بالحريّة أو بالمبادرة الذاتيّة. كما واجهت كلّ أشكال المعارضة بالقمع المفرط، ممّا أدّى بهوركهايمر إلى انتقاد التطبيقات الميكانيكيّة للماركسيّة وضرورة الحفاظ على الوظيفة الديالكتيكيّة للنقد كمحاكمة للمرحلة التاريخيّة في كليّتها وأصالتها. فالفلسفة ليست عودة إلى المقولات المجرّدة

(116)

بل هي الحيلولة دون تحويل المفاهيم الاقتصاديّة إلى مجموعة من التفاصيل «النظريّة النَّقْدِيَّة لم تتحوّل قط إلى علم اقتصاديّ متخصّص من الطراز التقليدي، فتبعيّة ما هو سياسيّ لما هو اقتصاديّ كانت هي موضوع دراستها لا برنامجها».

3. نقد الفعل الأداتي: الإدماج وصناعة الثقافة

يعتبر هابرماس أنّ الدعامة المفاهيميّة للنقد الذي وجهته المدرسة النَّقْدِيَّة في نسختها الأولى تتمثل في عمليّة نقد للتشيّؤ والاغتراب (Aliénation) التي سادت المجتمعات الصناعيّة، حيث يتمّ النّظر إلى الإنسان كأداة للإنتاج أو الاستهلاك، كما أنّ العلاقة بين الذوات أصبحت علاقة تشيئيّة (chosification).

إلى جانب ذلك يتحدّث هوركهايمر وأدورنو عن مفهوم الإدماج (l’intégration) باعتباره آليّة أساسيّة للالتفاف على العنف الثوريّ الذي يمكن أن يأتي من الخطر العمالي؛ فالعامل البروليتاري الذي لا يملك إلاّ قوّة عمله ولا يملك إلاّ قوت يومه لا يملك شيئًا يمكن أن يكون سندًا له، بمعنى ليس لهذا العامل أمل يعيش من أجله أو أدوات يرتبط بها تجعله لا يُفكّر في الثورة. لذلك لا بدّ من تزويده بوهمٍ ما يجعله يملك الأمل في التطوّر، وبالتالي الحفاظ على النّظام القائم، وهنا تتدخّل آلة الإدماج لإحكام قبضتها على الطبقة العاملة حيث يتمّ احتواؤها عبر إدماجِها في عمليّة الاستهلاك من خلال الدخول في دوّامة الرغبات المتجدِّدة.

إنّ عمليّة الإدماج هذه تتطلَّب مفهومًا يساندها، وينمّط كلّ

(117)

متطلّعٍ نحو التحرُّر والانعتاق. إنّه مفهوم صناعة الثقافة أو الثقافة الجماهيريّة، حيث تصبح الثقافة صناعة وتصبح معاناة المبدع بمثابة سلعةٍ للاستهلاك، ووسيلةٍ للتنميط، وجعل الإنسان يرتبط بأوهام النجم السينمائي أو صيحات الموضة العالميّة.

ومن بين أهمّ وسائل الإدماج الثقافيّة ينتقد هوركهايمر وأدورنو كلًّا من الراديو والتلفزيون باعتبارهما وسائل للترويج والدعاية الضاغطة على العقول والسالبة لكلّ حريّة، بحيث تلعب وسائل الدعاية دورًا خطيرًا في تدجين الأفراد وتنميط الأذواق وتحديد الاتّجاهات الممكنة؛ بحيث تصبح كلّ اختيارات الناس متحكّمًا فيها مسبقًا؛ لأنهم ضحايا الدعاية المفرطة، ممّا يقضي على كلّ أملٍ في التغيير أو التحرّر من التشيّؤ والاغتراب.

هذا هو مآل النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة وروّادها الأوائل، لقد تعمَّقوا وأبدعوا في نقد المجتمع الصناعي والليبراليّة الزاحفة وكذلك الأنظمة الشموليّة، إلاّ أنّ قوّة النّقد ودقّته، أوصلت أصحاب النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة إلى بابٍ مسدودٍ؛ بحيث استنتجوا أنّ قدرة النظام الرأسمالي على استيعاب وإدماج كلّ فكرٍ تحرّريٍّ، وقدرته على إجهاض كلّ أملٍ جديدٍ، جعلهم يقرّون بأنّه لا مفرّ من الوضع القائم إلاّ بالانسحاب إلى مجال الفنّ، وإبداع نظريّة في الجماليات كما فعل أدورنو باعتبار الفنّ هو المجال الذي لا يُمكن تنميطه أو استيعابه؛ لأنّه مجال الذاتيّة بامتياز. وحيث هناك ذات تعبر عن وجودها الفنِّي فإنّها تستعصي عن كلّ تشيّؤٍ وعن كلّ استعمالٍ أداتيٍّ.

(118)

المطلب الرابع: انفتاح العقل الأداتي على العقل التواصلي

تتمثّل الإضافة التي يُقدّمها هابرماس لهذا النّقد، في أنّ الروّاد الأوائل لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ بالرغم من عمليّة التحليل التي دشّنوها تجاه كلّ عوامل التشيّؤ والاغتراب؛ فإنهم كانوا محكومين بنوعٍ من المسبقات، أيّ الأحكام السياسيّة المسبقة التي انحازت عن التحليل، ممّا يجعل هابرماس يُعيد الاعتبار للعقل الأداتيّ ليس من زاوية الدفاع عن استعمالاته بل للحديث عن الفعل العقلاني الهادف الذي يهدف إلى تحقيق غايات معيّنة بأنجح طريقة ممكنة، وتمييزه عن الفعل الاستراتيجي الذي يتميّز بطابعٍ شخصيٍّ.

هكذا يدشّن هابرماس لانفتاح العقل الأداتي الذي ينخرط ضمن فلسفة الوعي والذاتيّة المحافظة، على عقل تواصلي (la raison communicationnelle) فاعل. فليس الإشكال في الأداتيّة عند هابرماس، بل الإشكال هو التوقّف عند منحًى وحيدٍ للأداتيّة السلبيّة، ففلسفة السّلب لا يمكن أن تبني وحدها فعلًا نقديًّا، فعند الحديث مثلًا عن أساليب الإدماج الِاجْتِمَاعِيِّ عن طريق وسائل الدعاية، فإنّه من غير الممكن اعتبار أنّ كلّ هذه الوسائل الإعلاميّة تحتفظ بوظيفةٍ واحدةٍ هي الإدماج أو التشيّؤ، وهنا ينتقل هابرماس إلى ما يُسمّيه المنعطف اللّغويّ (tournant linguistique) باعتبار اللّغة بمثابة الوسيط في التعامل داخل العالم المعيش (le monde vécu) من أجل تحقيق الإقناع داخل الفضاء العمومي (l’espace public).. صحيح أنّ وسائل الإعلام -حسب

(119)

هابرماس- متحكَّم فيها، لكن ذلك لا يُمكّننا من معرفة أنّ قوانين السوق تتدخل بشكلٍ عميقٍ في صناعة الثقافة.

إنّ النّقد الذي وجّهه هابرماس لروّاد المدرسة النَّقْدِيَّة بخصوص العقل الأداتيّ، يتمثّل في إبراز مظاهر الانزعاج أو النّقد الإيديولوجي الذي تحكّم في مؤسّسي المدرسة النّقديّة، وهو بذلك يفتح المجال نحو نظريّة الفعل التواصلي الذي يحمل نبرةً تفاؤليّةً تتبنّى براديغم التواصل عوضًا عن براديغم الصّراع.

وأخيرًا علينا أن نطرح عدّة تساؤلاتٍ مهمّةٍ وجذريّة؛ ألا وهي: ماذا قدّم لنا نقد العقل الذي امتدّ من كانط وهيغل وماركس إلى أصحاب النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ عبر أجيالها المختلفة؟.. ماذا قدّم لنا بعد أن نزل العقل أو بمعنى آخر أُجبر على النزول عن عرشه المتوّج إلى قلب المجتمع والتاريخ؟ وإلامَ أدّى تطوّر مفهوم العقل منذ الإغريق وعصر التنوير وتطوّر آلياته ومناهجه المعبّرة عنه حتى الآن؟.. هل استطاع أن يُحقّق وضعًا وحياةً أفضل للإنسان الّذي هو هدف التاريخ وغايته؟ وهل أمكنه أن يحرّره من القوى التي استعبدته عبر عصور طويلة سواءً أكانت قوى طبيعيّة أم سياسيّة؟ ومن الظروف أو القيود التي كبّلته على مدى تاريخه الطويل؟.. وأخيرًا يلحّ السؤال: هل استطاعت النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة بالفعل إنقاذ العقل من نفسه؟ وهل استطاعت أن تقترب من هدفها الأساسي، وهو تحرير إنسانيّة الإنسان وتأكيد فرديّته المقهورة وإبعاد أشباح اللّا عقلانيّة الزاحف عليه في عصرِنا الحاضر بأشكال مختلفة؟.. في الواقع، إنّ بعض أعضاء المدرسة -مدرسة فرانكفورت- مثل

(120)

أدورنو وماركيوز لم يجدوا هذا الإنقاذ إلاّ في الفنّ وفيما عدا ذلك فقد غلب التشاؤم على معظم أعضاء المدرسة، ومع ذلك تظلّ أهميّة النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة كامنة في سلاحها النقديّ، وفي تعبيرها عن صرخة العقل في مواجهة تناقضاته.. وإذا كانت هذه الصرخة قد بقيت حتى الآن -على الأقلّ على مستوى الفكر الفلسفي والتأمّلي- ولم تستطع أن تشكّل نظريّةً متكاملةً وقادرةً على توجيه العقل الإنسانيّ على أرض الواقع، فإنّها تظلّ تعبيرًا حيًّا وصادقًا عن أزمة العقل التاريخي والنقديّ في الحياة الفلسفية المعاصرة في الغرب.

(121)
(122)

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

داء مدرسة فرانكفورت وتهافتها

(123)

 

لا يسع المتتبّع لمسار مدرسة فرانكفورت منذ لحظتها التأسيسيّة إضافة إلى مراحل تطوّرها المختلفة، إلاّ أن يعترف لروّادها من الجيل الأوّل بالجهد الكبير في تأسيس هذه المدرسة، التي تُركّز مشروعها المعرفيّ على نقد مباني الحداثة بأبعادها الفلسفيّة والاجتماعيّة. فلقد ساهم هؤلاء مساهمةً فاعلةً في إثراء المنتج الفكري للمدرسة، وكانت نقطة البدء لهذه المساهمات متمثِّلةً في المساءلة النَّقْدِيَّة لواقع المجتمعات الأوروبيّة الغربية. ولعلّ أبرز نتائج هذه العملية النَّقْدِيَّة رصد الكثير من التناقضات في هذه المجتمعات حيث طرح الروّاد الأوائل تساؤلات عديدة تمحورت -في جملتها- حول الوضع غير السّويِّ الذي وصلت إليه الإنسانيّة الحديثة ككل، وكان التساؤل المحوري: ما الذي حدث للمجتمع الإنساني حتى انحدر إلى هذه الوضعيّة؟ وما هي الأسباب الحقيقيّة التي كانت وراء تلك المأساة؟

وهكذا شرع فلاسفة فرَانْكِفُورْتْ في عمليّة البحث للوصول إلى إجابة عن هذه التساؤلات، معتمدين في ذلك على المنهج النقديّ كآليّة ضروريّة للكشف عن مكامن الخلل في واقع المجتمعات الغربيّة.

لقد تبيّن لهم بأنّ الأزمة التي اجتاحت الحداثة هي أزمة عقل في المقام الأوّل. لكن هذا العقل الذي يعود إليه الفضل في تحرير الإنسان من ربقة القيود التي هيمنت عليه، ما لبث أن انحدر نحو مسار تهافتيّ بعد تحوّله إلى قيمة وظائفيّة للسلطة الرأسماليّة. لكن الأمر

(124)

لم يقف عند هذا الحدّ؛ حيث أصبح العقل أداة للسيطرة على فكر الإنسان، ورغباته، وعواطفه...إلخ. بل أكثر من ذلك حيث فَقَدَ الفرد داخل المجتمع الغربي كرامته وحرّيته، ليتحوّل إلى مجرّد شيء لا يختلف عن أشياء الطبيعة، فالعقل الأنواريّ أصبح عقلًا أداتيًّا بامتياز.

نتيجة لهذا الانحراف في مسار العقل، والذي أدّى إلى انحراف مشروع التنوير ككل عن الأهداف السامية التي وُجد أصلًا من أجلها، وجد فلاسفة فرَانْكِفُورْتْ أنفسهم أمام ضرورة التَّدَخُّل لإنقاذ الوضع الإنساني، وعلى هذا الأساس قام المشروع الفلسفي والاجتماعي لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ، والذي قمنا بتحليل أبرز مكوّناته في محطّات هذا البحث.

وككلّ المدارس النَّقْدِيَّة التي ظهرت في التاريخ الحديث، فقد تعرَّضت مدرسة فرانكفورت إلى اختلالات عميقة في مبانيها النظرية، كما نأت في الكثير من الأحيان عن منهجها الانتقادي لتتحوّل إلى ظاهرة دوغمائيّة. وبالتالي إلى أشتات من الحلقات المغلقة. في هذا السياق  يرى الباحث الأميركي ترنت شروير: «أن النتيجة التي انتهت إليها هذه المدرسة تبدو متناقضة مع بداياتها[1]. وهو ما يعدّ قريبًا ممّا أورده عالم الاجتماع الإنجليزي توم بوتومور حين ذكر أنّها: «تمثّل ظاهرة مُركَّبة، حيث جرى شرح وتفسير نمط الفكر الِاجْتِمَاعِيِّ الذي ارتبط بها في المقام الأوّل، أي النَّظَرِيَّة النقديّة، بطرق شتّى»[2]، مما

(125)

يعتبرها جان جراندان «آخر معقل مع الفنّ لعالم إنسانيّ، يكتفي برسم أسود للتشيّؤ الغربي»[1].

وما من شكّ، فإنّ الاضطراب الفكريّ الّذي حكم البدايات التأسيسيّة لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ يعود إلى مجموعة من العوامل طالت بنيتها في الشّكل والمحتوى.

على مستوى الشّكل، تجدر الإشارة إلى تلك التسميات العديدة التي أطلقت على هذه المدرسة، من مثل: النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة إشارة إلى مجموعة أعضائها من المثقفين الألمان الذين اتّخذوا من الفلسفة النَّقْدِيَّة رؤية لهم، والماركسيّة الأوروبيّة تمييزًا لفكرها عن التفسيرات التي قدّمها منظّرو الأمميّة الثانية والثالثة للماركسية، وفكر الهجرة، ومدرسة فرَانْكِفُورْتْ وهو الاسم الذي خلعوه عليها بعد عودتها من المهجر، إضافة إلى (فندق الهاوية الكبير) كما أطلق عليها جورج لوكاش. دلالة على تعدّد الأطر النَّظَرِيَّة والمنهجيّة لدى مفكرِّيها[2]، ناهيك عن توالي أكثر من جيل، بالمعنى الكرونولوجي، لمثليها، أهمهم من الجيل المؤسّس: ماكس هوركايمر، وتيودور أدورنو، وفردريك بولوك، هربرت ماركيوز، وإريك فروم، ولوفينتال، وفالتر بنيامين. ومن الجيل الثاني: ألفريد شميت، وكلاوس أوفي، ويورجين هابرماس، وأولبرخت فيلمر[3].

(126)

أمّا على صعيد المحتوى النظريّ، فيمكن الإشارة إلى التباينات العميقة بين ممثّليها. إلى درجة حدت بكثير من الباحثين والمؤرّخين إلى الاعتقاد بأنّ المدرسة لا تمثّل وحدة فكريّة متَّسقة. ويعود ذلك برأيهم إلى ما وجدوه فيها من تناقضات في الرؤية حول كثير من المسائل، من مثل الاختلاف بين هوركايمر من ناحية، وأدورنو وفرانز نيومان من ناحية أخرى، حول التفسير الْمَارْكِسِيِّ الفييبري الذي قدّمه هذا الأخير للفاشيّة، أو التصنيفات التي صاغوها لتنوّع أفكارهم، حين رأوها تأخذ عند ماركيوز اتّجاهًا وطوباويًّا، وتشكّل لدى أدورنو جدليّة سلبيّة، وتقدّم كنظريّة للمعرفة مع هابرماس، وتُمثّل مع هوركايمر حاجزًا أمام الفكر التعريفي والعالم المسيّر، أو في التأكيد على ارتباطهم بمصادر متباينة، حيث رغم انطلاقهم من الإطار الفكري للنظرية الماركسية، فإنّ منهم مثل فروم وماركيوز من تأثّر بالفرويدية والتحليل النفسي، وآخرون تأثّروا بإنسانيات بعض الروائيين، كفرانز كافكا، وهرمان هسّة، ومارسيل بروست، حيث إنّ المشكلات التي تصدّت لها نظريّتهم  النَّقْدِيَّة على المستوى الاجتماعي، تكلّم عنها هؤلاء الروائيّون بصيغ أدبيّة وجماليّة، وهو ما حاولوا إثباته في تأثير كافكا على بنيامين وأدورنو، وتأثير هسّة على ماركيوز[1].

(127)

المطلب الأوّل: داء الاستغراق في الأحداث اليوميّة

من أبرز المؤاخذات التي تُسجَّل على مدرسة فرانكفورت أنّها مالت للتأثّر إلى حدٍّ بعيد بالظواهر الآنيَّة العابرة، والتي لا تدوم إلاّ لفترة محدودة للغاية، والتي لم تحظ بالبحث بطريقة منهجيّة من منظورٍ تاريخيٍّ ومقارن. ويتّضح هذا من انشغالاتها المفرطة بالاشتراكيّة الوطنيّة والجدل حول معاداة السامية في الثلاثينيات والأربعينيات، وبصناعة الثقافة في الخمسينيات.

ويمكن القول بأنّ المدرسة لم تأتِ بنظريّات بديلة تتلاءم مع التطوّرات التي افترضها نموّ الرأسمالية، ولا سيّما في حقبة تحوّلها إلى إمبرياليّة تتخطّى امتداداتها حدود العالم الأوروبي. في الوقت نفسه، لم تقم بأيّ محاولة لإعادة تقييم نظريّة ماركس في التاريخ ككلّ، بل إنّها في الحقيقة قد تجاهلتها ببساطة، ومع ذلك، فقد حدث تغيير بظهور أعمال الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في ستينيات القرن العشرين[1].

لكن هذه المحاولة التي قام بها هابرماس بصفته أحد روّاد هذه المدرسة، كانت أيضًا غير تاريخيّة في نهجها بصورة عجيبة، ومقيّدة إلى حدّ بعيد في حدود تحليلها التصوّري. وعلى الرغم من بعض الاهتمام الذي ظهر حديثًا في أعمال أنثروبولوجيين ومشتغلين بعلم ما قبل التاريخ، ويتعلّق بأصول المجتمعات البشريّة، ومع أنّ هناك إشارات موجزة إلى المناقشات حول نمط الإنتاج الآسيوي، فإنّ ما

(128)

كان مطلوبًا في أيّ إعادة تقييم جوهريّة لنظريّة ماركس، هو إعادة تفكير شاملة في الحجّة التاريخيّة المتعلّقة بهيكل أو عمليات التغيير داخل نطاق الأشكال الكُبرى للمجتمع[1].

ومثلما تجاهل مفكّرو مدرسة فرانكفورت التاريخ، أو استبعدوه، فإنّهم تجاهلوا كذلك التحليل الاقتصادي إلى حدّ بعيد. فالسنوات الأولى للمعهد هي فقط التي شهدت على نشاطه المميّز، والتي كان فيها المنظّرون، والمؤرّخون هم الأكثر بروزًا، ولا سيّما هنريش جروسمان الذي نشرت دراسته عن التراكم والتفكّك الرأسمالي عام 1929. لكن جروسمان، وكما يلاحظ مارتن جاي، يُمكن بصعوبة اعتباره قوّةً مهمّةً في التّطوّر الفكريّ للمدرسة؛ لأنّه كان غير متعاطف بدرجة كبيرة مع المنهج الجدلي الهيغلي الجديد الذي غلب على منهجها العام.

أمّا المنظر الاقتصاديّ الّذي اقترن اسمه بالمعهد في مرحلة لاحقة، فهو فرانز نيومان. لكن صلته به كانت قصيرة الأمد، وكان شأنه شأن جروسمان، غير متعاطف مع النَّظَرِيَّة النقديّة. هذا في حين أنّ الاقتصادي الوحيد الذي احتلّ مكانة أساسيّة في مدرسة فرانكفورت، هو صديق هوركايمر المقرّب فريدريك بولوك، الذي تناولت أعماله عن التخطيط السوفياتي والتسيير الذاتي فيما بعد، مسائل السياسة الاقتصادية في المقام الأوّل. وعلى هذا النحو،

(129)

يمكن القول أنّ المدرسة قد أولت اهتمامًا محدودًا بالتحليل النّظري أو التاريخي بالتطوّر الاقتصادي الرأسمالي، ولم تقدّم أيّ دراسة يمكن مقارنتها مطلقًا بكتابات هلفردنغ عن رأس المال المالي و»الرأسمالية المنظّمة»[1]. كما لا يُمكن مقارنتها بتحليل نيومان عن العلاقة بين الرأسمالية الاحتكارية ونظام الاشتراكية الوطنية.[2]

لكن اهتمامهما انصبّ على دور «الدولة الّتي تنهج سياسة التّدخل، كما انصبّ أيضًا على مشاكل الشرعيّة المتعلّقة بها. ولم يحاولا تقديم تحليلٍ نظريّ لنمو الإنتاج الرأسمالي في مرحلته الأخيرة، كما لم يحاولا تقديم وصف تاريخي لتطوّره. وفضلاً عن ذلك، فلا يزال واقع الحال هو أنّه لا يُوجد منظّر اقتصاديّ مهمّ مرتبط بالنظريّة النقديّة، حتى في شكلها المُعدّل. كما أنّ المدرسة ككل، لم تُقدّم أيّ اسهام ملحوظ في النَّظَرِيَّة الاقتصاديّة الماركسية، كما تطوّرت من خلال أعمال هلفردنغ ومفكرين لاحقين.[3]

(130)

هذا التجاهل للبحث التاريخي من جهة، والتحليل الاقتصادي من جهة ثانية، يفصل مدرسة فرانكفورت بشدّة، هي وامتدادها المتمثّل في النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة الجديدة، عن ميراثها النقدي الذي قامت على أساسه.

ولعلّنا نجد في مناقشة الطبقات الاجتماعية، الانحراف الأكثر وضوحًا عمّا يُمكن تسميته بشكل عام بالماركسية الكلاسيكية». فمفهوم «الطبقة» لا يعدّ فحسب مفهومًا أساسيًّا في نظريّة ماركس الاجتماعية، بل يُعدّ في الحقيقة بمثابة نقطة بدئها بمعنى حاسم، وذلك باعتراف ماركس بالبروليتاريا كذات ثوريّة في المجتمع الحديث، وكحاملة رسالة المثل الأعلى للانعتاق في العالم الحقيقي، بما جعله يضحى أيضًا، كما لاحظ أوسوفسكي، «رمز المذهب بأكمله، والبرنامج السياسي المستمدّ منه»[1]. وعلى الجانب الآخر، فقد وُصفت مدرسة فرانكفورت بأنّها «ماركسية بدون بروليتاريا».

هكذا نجد هابرماس في كتابه (النظريّة والممارسة) يحاجج بأنّ: «البروليتاريا بوصفها بروليتاريا/  قد تلاشت؛ لأنّه في حين أصبح القسم الرئيسي من السكّان فقراء معدمين من حيث دوره في عملية الإنتاج. وعلى هذا فإنّ ماركس يستطيع اليوم أن يتخلّى عن أمله في إمكانيّة أن تصبح النَّظَرِيَّة قوّة ماديّة حالما تستحوذ على الجماهير.

(131)

المطلب الثاني: التهافت الأيديولوجي للمدرسة

ويبدو أنّ مفهوم مدرسة فرانكفورت عن تدهور أو تلاشي الطبقة العاملة كقوّة سياسيّة، قائمٌ أساسًا على فكرة طوباوية وخياليّة عن الثورة، التي هي بأيّة حال الطريق الوحيدة، أو الأكثر مَارْكِسِيَّة، لتصوّر عمليّة الثورة الاجتماعية. وربّما يكون هذا المفهوم قائمًا أيضًا على انعكاس الخبرة الاستثنائية الأميركية، الناجمة عن غياب طبقة عاملة منظّمة سياسيًّا في المجتمع الأميركي، على فكرهم، ولا سيّما في حالة ماركيوز[1].

إلى ذلك يرى نقّاد المدرسة ومنهم ماركيوز وفي مرحلة متأخّرة هابرماس أنّ المدرسة فشلت في تقديم تقييم جدِّي ومتميّز حول التحوُّلاَت التي طرأت على نظريّة الطبقة العاملة في عصر الإمبرياليّة الليبرالية.

ربّما علينا أن نُشاطر كثيرين من النقّاد في قولهم أنّ مدرسة فرانكفورت ماتت في شكلها الأصلي كمدرسة في الْمَارْكِسِيَّة أو علم الاجتماع. وبناءً على هذا نستطيع القول إنّ الضعف والتفكّك الذي ضرب مدرسة فرانكفورت كان له الأثر العميق في تراجع وضمور مقولات أساسيّة في الثقافة الْمَارْكِسِيَّة، مثل الماديّة التاريخيّة وقانون الصراع الطبقي، وسبّب في بروز المقولات الليبراليّة بدلاً منها. خلال الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية حاول عدد من علماء الاجتماع ممّن ينتمون إلى المدرسة القيام بإصلاحات جذريّة تُعيد الاعتبار للأسس النَّظَرِيَّة التي انبنت عليها.

(132)

خلال الفترة المذكورة اتّخذ تطوُّر الفكر الْمَارْكِسِيِّ في العلوم الاجتماعية، وبخاصّة في الأنثروبولوجيا وعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع، مجرى جعله أكثر اقترابًا من الاهتمامات الرئيسيّة لنظريّة ماركس، سواءً ما يتّصل بتحليل أنماط الإنتاج، أو التناقضات البنيويّة والتحوّلات التاريخية، أو البنية الطبقيّة والصراع الطبقي، أو السلطة السياسيّة ودور الدولة. وفي موازاة ذلك، أضحى جزء جوهريّ من نظريّات ماركس في هذا العلم وبحوثه يُوجّه إلى مسائل مماثلة، فيما قلّ الانشغال الزائد بالثقافة، الذي ميّز أعمال أدورنو وهوركايمر. ومن الواضح أيضًا أنّ بعض الدّراسات المهمّة الأخيرة عن الثقافة والأيديولوجيا قد حلّلت هذه الظواهر من منطلقٍ نظريٍّ يختلف اختلافًا عميقًا عن منطلقات مدرسة فرانكفورت، وقد جرى أغلبها الأعمّ داخل إطار بنيويٍّ يُؤكّد دور الثّقافة والإيديولوجيا كعناصر مؤسّسة في عمليّة عامّة لإعادة الإنتاج الاجتماعي.[1]

ولعلّ أبرز هذه الأفكار هي النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة والتي تمّ النظر إليها عمومًا في الحقيقة على أنّها تُشكّل الاهتمام الأساسي لفكر الفيلسوف الألماني المعاصر يورغن هابرماس. فلقد أسهم هذا الأخير في كتاباته النَّقْدِيَّة الأولى في نقد مدرسة فرانكفورت للوضعيّة. لكن مفاهيمه، حتى في ذلك الوقت، كانت مختلفة جوهريًّا عن مفاهيم أدورنو وهوركايمر وماركيوز، حيث كانت أقلّ عداء للعلم والتكنولوجيا، كما أنّه لم يكترث، أو أنّه رفض ضمنيًّا، زعمهم القائل إنّ الفلسفة، أو الفن، شكلٌ من المعرفة متفوّق على

(133)

العلم. وبالتالي، فقد عوّل هابرماس أهميّة أكبر على العلم، وأعطى بالمقابل دورًا متناقصًا باضطراد للفلسفة. فهو في أحدث أعماله، يبرهن على أنّ الفلسفة لم يعد بوسعها أن ترتبط بالعالم ككل، أي بالطبيعة والتاريخ والمجتمع، بوصفها معرفة شموليّة، وأنّه ينبغي الآن التحرّي عن الموضوع الأساسي في الفلسفة، أي العقل، داخل الإطار النظري لعلم الاجتماع، باعتباره علمًا عقلانيًّا.[1]

وبالتأكيد فإنّ هابرماس يحاول التوحيد بين هذين المجالين من خلال نظريّته (نظريّة الخطاب الخاصّة بالحقّ). لكن توجد اعتراضات جديّة على هذه النظريّة، وعلى الهدف الذي يريد أن تحقّقه، أي إثبات أنّ الأحكام المعياريّة ليست ببساطة أمورًا تعسّفيّة، وإنّما هي سهلة المنال، شأنها كالأحكام الإمبيريقية، بالنسبة لسجال عقلي يمكن إحرازه، أو على الأقل الاقتراب منه بطرق أخرى.

مع ذلك، تظلّ هذه النَّظَرِيَّة الجديدة قريبة من المَارْكِسِيَّة؛ لأنّها ووفقًا لما يقوله هابرماس، تقوم بنقد مجمل من العلوم الِاجْتِمَاعِيِّة المعاصرة والواقع الِاجْتِمَاعِيِّ التي تحاول أن تتناوله وتفهمه. ومن أجل ذلك رأينا كيف أنّ هابرماس راح يُميِّز بين ثلاثة توجّهات رئيسيّة للبحث في الدراسات الراهنة للمجتمعات الحديثة:

الإتّجاه الأوّل: توجّه سوسيوتاريخي نمطي مقارن، مشتقّ عمومًا من ماكس فيبر، وإن تأثّر إلى حدّ ما أيضًا بالتاريخ الماركسي، كما يبدو على سبيل المثال في أعمال رايت ميلز وبارنغتون مور.

(134)

الإتّجاه الثاني: توجّه نظريّة التنظيم، الذي يُحلّل المجتمعات الحديثة من وجهة نظر وظيفيّة في إطار من التعقّد المتزايد، كما يبدو في أعمال تالكوت بارسونز، ولوهمان في ألمانيا.

الإتّجاه الثالث: نظريّة في الفعل، متأثّرة بالفلسفة الظاهراتيّة والتأويل والتفاعلية الرمزيّة، وتنصبّ اهتماماتها الرئيسيّة على فهم أو تفسير صور العالم وأشكال الحياة، أو بشكل أكثر عموميّة على نظريّة للحياة اليوميّة[1].

وعلى النقيض من هذه التوجُّهات الثلاثة، وبعد استعراضٍ موجزٍ للتطوّر التاريخي للنظرية النَّقْدِيَّة لمدرسة فرانكفورت أخذ هابرماس ينحو في اتّجاه مختلف، وهو اعتماد استراتيجيّة بحثيّة يطلق عليها «البنيويّة التكوينيّة»، كبديل لفلسفة التاريخ التي تبنّتها مدرسة فرانكفورت في حقبتها الأولى.

رواد فرانكفورت ومعاثر الحداثة

من المعاثر التكوينية في الفكر التنويري الغربي، انه ألزَم نفسه بمنهجين صارمين (فينومينولوجي وتاريخاني) واكتفى بهما لمقاربة شأن الدين. كانت العلمانية بحقولها المعرفية المختلفة قيمةً حاكمةً على بنية هذا الفكر، سواءً في رؤيته للوجود، أو في هندسته المعرفية للنظام السياسي والاجتماعي والأخلاقي. وتبعاً لفرضيتنا من فكرة أن «ما بعد العلمانية» التي يسهم في تسويقها اليوم بعض الرواد المعاصرين لمدرسة فرنكفورت وفي مقدمهم الفيلسوف الألماني

(135)

المعاصر يورغن هابرماس ليست سوى إحدى التداعيات المترتبة على ما اقترفته العلمانية من عثراتٍ في النظر والعمل، يصير ضرورياً التعرُّف على مدى تأثرها بالمبدأ المؤسس لنظرية العلمنة[1].

تفضي القراءات الإجمالية إلى استنتاجٍ أوليٍّ مؤداه: أن هابرماس وصحبه من منظّري مدرسة فرانكفورت القدماء والجدد لم يغادروا المنهج التاريخاني في النظر إلى الدين بوصفه ظاهرةً سوسيو-تاريخية. يعود هذا في الواقع إلى الأثر الكبير الذي تركته المادية التاريخية على جمعٍ وازنٍ من الفلاسفة وعلماء الاجتماع المعاصرين، خصوصاً أولئك المحتَسبين على مدرسة فرانكفورت التي كان هابرماس من أبرز روادها المتأخرين. ربما لهذا يصح القول أن عناية هؤلاء بالشأن الديني كانت محكومةً بالمنهج العلماني لعلم اجتماع الدين. ومع أن الرأي المناهض للعلمانية بدا الأكثر رواجاً بين علماء الاجتماع حيث يؤكد أصحابه على ضرورة إحياء الحياة الدينية وينقدون النظريات والأسس العلمانية، فقد فعلوا ذلك بأدواتٍ ومناهج نظرٍ علمانيةٍ واضحة المعالم. بل حتى أولئك الذين ذهبوا أبعد من ذلك، وأعربوا عن اعتقادهم بقدرة الدين على قيادة المجتمعات البشرية لم يفارقوا المنطق المادي التاريخي لعلم اجتماع الدين[2]. وعلى الرغم من أنّ هابرماس قد تناول النظرية العلمانية بالشرح والتحليل في إطار رؤيةٍ محدودةٍ تقتصر على العالم

(136)

الأوروبي، إلا أنّ السبب الأساسي لشكّه في جدوى النظرية العلمانية يكمن في اعتقاده بعدم قدرتها على علمنة العالم،[1] واللاّفت في هذا المضمار أن نزعته الإيجابية نحو الدين عائدةٌ من جهةٍ إلى كونها موضوعاً فلسفياً مستقلاً، ومن جهةٍ ثانيةٍ إلى أنّها نشأت لديه إثر انتعاش الحياة الدينية، وتوسُّع الظاهرة المعنوية في مختلف النواحي الاجتماعية والسياسية في جميع أرجاء العالم. وبقطع النظر عما ذهب إليه هابرماس في حصر المقترح «المابعد علماني» بالغرب الأوروبي، واستثنائه لمجتمعات العالم الإسلامي، - وهذا بالطبع يستلزم نقاشاً معمّقاً في مورد آخر -  فإن السمة الأساسية للعصر «ما بعد العلماني الهابرماسي» هو التعددية الثقافية التي تتيح المجال أمام تعايش مختلف الأديان والتقاليد والأفكار الفلسفية في مرحلةٍ زمنيةٍ واحدةٍ وفي أغلب الأحيان هذه الفترة الزمنية تكون في إطار مجتمع غربي.

لا شك بأن مصطلح «ما بعد العلمانية» الذي شارك فيه عدد من المنتمين إلى المدرسة النقدية يومئ إلى اعترافٍ ولو متأخرٍ بدور الدين كمؤثرٍ في الشخصية الإنسانية في أغلب العالم. ومن البيِّن أنّ مثل هذا الاعتراف يشي بتخلٍ واضحٍ وصريحٍ عن محاولة العلمانية الإقصائية فرض نموذجٍ عدائيٍّ تجاه الدين باعتباره منافساً لها في إطار ما تسميه سعيها لتحرير الوعي الإنساني. غير أنّ ما يجدر لفت الانتباه إليه هو أنّ هذا الإقرار ينطلق من ذهنيّةٍ علمانيّةٍ أولاً وآخراً. وهو ما تعبر عنه عبارة «لا أحد ينتصر على أحد» التي يقول بها

(137)

المؤيدون لعودة الدين إلى المجال العام. الأمر الذي يدل على أن هذه المعادلة صيغت تحت رعاية الدولة العلمانية، بحيث يكون الدين جزءاً من التنظيم العلماني للمجتمع ما بعد العلماني[1].

الإلحاد بأشكال مستحدثة

مثل هذه النتيجة سوف تضاعف من العناصر المساعدة على التحكم بالمجتمع الديني بحجة منع الدين مجدداً من التحكم بالمجتمعات المعاصرة. وما استعادة ثنائية «ما لقيصر لقيصر وما لله لله». إلا من قبيل عودة العلمانية من الباب الخلفي إلى مجتمعات الحداثة. وكما يرى بعض نقاد أطروحات ما بعد العلمانية.. فإن العلمنة في مثل هذه الوضعية سوف تستمر بروحها وفرضياتها في الحكم على الدين. في معظم البلدان الأوروبيّة تسود في الواقع علمنةُ الاعتراف بالدينيّ، أي إن العلمنة التي- إلى احترامها استقلاليّة كل من الدولة والأديان، ومع ضمانها للمبادئ الأساسيّة للحريّات- تعترف بمساهمات الأديان اجتماعيًّا وثقافيًّا ومدنيًّا، إلا أنها تدعو إلى إدماجها في الدائرة العامّة[2]. تلقاء هذا ثمة وجهة نظر أكثر تقدماً حيال الدين تقول التالي: إذا كان الاتحاد الأوروبيّ مختبرًا على المستوى الاجتماعي السياسيّ، فإنّه كذلك أيضًا على مستوى العلمنة: إنّه يخترع علمنةً، هي مع احترامها لامتيازات الدول الأعضاء حول

(138)

علاقات الكنيسة والدولة، تروح تضمن استقلاليّة السياسة والحريّة الفرديّة في وجه كلّ السلطات الدينيّة. المسألة تتعلّق هنا تحديداً بمخططٍ علمانيٍّ يمنح المشروعية لـ «الما بعد علماني».

بإزاء ذلك يُطرح السؤال الاعتراضي التالي: كيف ستتصدى الدولة ما بعد العلمانية لظاهرة الانهيار المعنوي والأخلاقي التي تعصف بمجتمعات الغرب المعاصر، وعلى وجه الخصوص كيف ستواجه الإلحاد كظاهرة ساعية إلى إنتاج علمنة تقيم الحد على أي عودة للإيمان الديني؟

لم يكن جواب وَرَثة مدرسة فرنكفورت من المحدثين دقيقًا وحاسمًا في هذا الموضوع. فالمسألة الدينية بالنسبة لهؤلاء ظلت متصلة بعمق، بالفكرة الحادة للعلمانية حيال الدين مع أنّ هابرماس حاول أن يظهر خطابًا مرنًا في هذا الصدد. مع ذلك قد لا يكون منطقياً الكلام على موقعية الدين والإيمان الديني في المجتمعات ما بعد علمانية، من دون النظر إلى تحديات الإلحاد. فلقد أفصح تاريخ العلمانية عن استشراء واسع النطاق للحالة الإلحادية لم تقتصر أسبابها على الإقصاء الذي مارسته الدولة العلمانية (فرنسا مثالاً) وإنما أيضاً وأساساً بسبب منظومة القيم الفلسفية للعقلانية الحادة. ربما لهذا لم يكن ثمة عبارة أبلغ من توصيف مآلات العلمنة في الغرب بأنها حداثة ضد الله[1].. ومثل هذه العبارة ستدخل في صميم

(139)

مشاغل الفكر الناشط حول الأطروحة الما بعد علمانية. فليس من شك في أن النقاش المعمَّق حول ثنائية الإيمان الديني والعلمنة، مرده إلى استشعار خطرين داهمين يحدقان بحاضر الغرب ومقبله: الأول: ضمور جاذبية العلمنة كتجربة ونظرية. والثاني: عودة سؤال الإيمان كرد على الفراغ واستشراء الإلحاد.

هنالك، بلا شك، رابط وطيد بين الخطرين المشار إليهما، بل وينتجان بعضهما بعضاً. لذا تعدُّ الظاهرة الإلحادية التي أسهمت فيها المدرسة النقدية بطريقة مباشرة وغير مباشرة، من أبرز البيِّنات على تهافت العلمنة وهي تخوض معاركها الفاصلة مع الإيمان الديني. فالإلحاد ما صار ظاهرة غربية إلا مع حداثة حرصت على نزع الإيمان حتى يتسنى لها الاستحواذ على دنيا الإنسان بلا أدنى منازعة.

كل ما جاء به الإلحاد الغربي من محاجَّات، فإنما من تضخم الذات التي أسلمت نفسها لعَلْمنةٍ دارت جلُّ أسئلتها مدار فرضيتين مركزيتين حكمتا فكر الغرب الحديث بما فيها فكر مدرسة فرنكفورت سحابة أربعة قرون خلت.

الأولى: فَرضَية «العِلْموية»، لمَّا قرَّرت أن العلم والتفكير العلمي قادران لوحدهما أن يحدِّدا كل ما علينا أن نتقبله على أنه حقيقيٌّ. وأنّ كلّ شيءٍ يجب أن يخضع لقوانين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، أو أيّ فرعٍ آخر من فروع العلم، أما الروحانيات وحتى الشعور بالجمال والحدس والعاطفة والأخلاقيات، فقد اختزلتها النظرة العقلانية إلى

(140)

مجرد متغيراتٍ في كيمياء الدماغ تتفاعل مع مجموعةٍ من القوانين الميكرو ـ بيولوجية المرتبطة بتطوّر الإنسان.

الثانية: فرضيّة الهيمنة والاستحواذ، لمَّا رأت أنّ الهدف من العلم -كما يقول فرانسيس بيكون- هو التحكم بالعالم الخارجي واستغلال الطبيعة، والسعي الحثيث إلى جلب المنافع أنَّى وُجِدَت...

من أجل ذلك سيكشف مسار الحداثة الفائضة عن خرابٍ مبينٍ في اليقين الجمعي سيُعرِّفُهُ عالم الاجتماع الألماني دوركهايم بـ «هيكل الشرك الحديث». وهذا هو في الواقع، ما تستجليه عقيدة الفرد وشخصانيته المطلقة. فالشكل العبادي للشرك الحديث ـ كما ألمحَ دوركهايم ـ ليس الوثنية بل النرجسية البشرية، حيث بلغ تضخم الذات لديها منزلة الذروة في زمن العلمنة المطلقة..

في مقام التفكير الفلسفي جرت وقائع النقد على نحو شديد الوقع: إدانة عارمة للعقل المجرد، وكرهٍ عميقٍ لأيّ مشروعٍ يستهدف تحرير الإنسان. حتى الماركسية والعلمانية الليبرالية اللتين حملتا مشاريع بديلة للرأسمالية التقليدية لم تنجوا من سوط النقد. فقد ذهب كثيرون من صنّاع الثقافة الغربية المعاصرة إلى النظر إليهما بوصفهما فلسفتين رجعيتين فقدتا رونقهما وعفا عليهما الزمن. ومبعث حكم كهذا من الأزمة الأخلاقية التي وَسَمت علمنة عصر التنوير ولمّا تنته إلى يومنا هذا. فإذا كان صحيحاً أن العصر المشار إليه قد أتاح للإنسان تحرير ذاته من تقاليد العصور الوسطى، إلا أن إصرار علمانيِّيه على إحلال تلك «الذات الفردية محل المتعالي»

(141)

سيقود إلى تناقضٍ ذاتيٍّ، حيث تُرك العقل مجرداً من الحقيقة الإلهية، ثم يتحول إلى مجرد أداةٍ للتصنيع وإدارة السوق ومن دون هدفٍ روحيٍّ أو أخلاقيٍّ.

من هذه الزاوية لم يرَ جمعٌ من فلاسفة ونقاد ما بعد الحداثة إلى أن علمانيةً بهذه الصفات، لا ترقى لتكون قيمةً أخلاقيّةً متساميةً. وهو ما بيَّنه الفيلسوف الأميركي جون راولز وكان حاسماً، لمّا رأى أن العلمانية ليست قيمةً أخلاقيّةً أو مفهوماً للخير، على الرغم من أنّها شكلت في وجهٍ من وجوهها إحدى قيم العدالة لجهة دعوتها إلى حريّة الاعتقاد لدى الأفراد[1].

عودة سؤال الدين

لا ينحصر التنظير للفكرة الـ «ما بعد علمانية» بالفلاسفة وعلماء الاجتماع، إذ إنّ ثمة بيئةً وازنةً تتضافر فيها الرؤيتان الفلسفية واللاَّهوتية، لتنتجا معاً سياقاً معرفياً ينطوي على مقدماتٍ تأسيسيّةٍ لتكاملٍ مفترضٍ بين هموم الإنسان المعاصر المادية والروحية. من البيِّن أنّ أطروحة التناقض بين العقل والإيمان الديني كتعبيرٍ عن مشروع التنوير الذي افتتحته الحداثة في مقتبل عمرها. ولكن من فضاء الغرب نفسه من يُساجل أهل الأطروحة ليُبيِّن أن الإيمان لو كان نقيضاً للعقل لكان يميل إلى نزع الصفة الإنسانية عن الإنسان. فالإيمان الذي يدمِّر العقل يدمر في المقابل نفسه ويدمر إنسانية الإنسان. إذ لا يقدر سوى كائن يمتلك بنية العقل على أن يكون لديه

(142)

هماً أقصى. أي أنْ يكون شغوفاً بالله والإنسان في آنٍ، وذلك إلى الدرجة التي يؤول به هذا الشغف إلى تخطي الثنائية السلبية التي تصنع القطيعة بين طرفيها. وحدُه من يمتلك ملكة «العقل الخلاَّق» ـ أي العقل الجامع بين الإيمان بالله والإيمان بالإنسانيّة ـ هو الذي يفلح بفتح منفذٍ فسيحٍ يصل بين الواقع الفيزيائي للإنسان وحضـور المقـدس في حياته[1].

صحيحٌ أن المجتمعات العلمانية لم تستأصل البعد الروحاني للإنسان، لكنها استنزلته إلى أدنى مراتب الاهتمام الأخلاقي. وما ذاك إلا لشغفها بليبرالية الاقتصاد والسياسة، واستغراقها في تعظيم الذات الفردية، وسعيها إلى الاستقلال المفرط عن أيّ معياريّةٍ أخلاقيّةٍ تنظم الاجتماع البشري على مبدإ الرحمانيّة والعدل. أما النتيجة التي أدّت إليها أفعال العلمنة، فكانت فقدان العقل دوره في تحكيم الجدالات الأخلاقية، وعدم قبول أي شيءٍ معياريٍّ خارج التحكيم الشخصي.

صحيح أيضًا أن الحداثة انتصرت على اللاّهوت، لكن رحلة الاستيقاظ بدأت وإن ببطءٍ شديدٍ. ولعلّ العودة إلى سؤال الدين والإيمان الديني سواءً على مستوى النخب أو على مستوى الوجدان العام هو تجلٍ من تجليات تلك الرحلة. وليس ما يدل على تلك العودة سوى ما يسري اليوم من جدل مضنٍ لتظهير صيغة الوئام المأمول بين شأن العالم وشأن الغيب. فهل يتخذ النقاش حول «ما

(143)

بعد العلمانية» مساراً أكثر تحرراً من عقدة ماضويات الحداثة وأوثانها الثقافية. لتحصيل اليقين المتشظي في زمن الحداثة الفائضة.

يبقى السؤال الأكثر مدعاة للنقاش المقبل، والذي لا بد من طرحه في نهاية هذه الخاتمة هو التالي:

ماذا «ما بعد العلمانية»؟.. وهل يكون ثمة سياقٌ تاريخيٌّ حضاريٌّ آخر تستثيره مثل هذه الأطروحة، ويستوي فيه شأن العالم مع شأن الروح على نصاب التكافؤ الخلاّق[1]؟

هو سؤالٌ يستأهل الخوض في رحابه على الرغم من طابعه الاستباقي. ذلك بأنه يستدرج إلى منفسحٍ تنظيريٍّ لا يقتصر على الغرب الأوروبي وحسب، وإنّما أيضاً على بقية العالم. ولا مناص من الإشارة هنا بوجهٍ خاصٍ إلى ما يتوقع من تنظيراتٍ في مجتمعاتنا العربية والإسلاميّة. فعلى الرغم من أن الدخول إلى فكرة ما بعد العلمانيّة والسفر في عوالمها، لا يزال ينطوي على حذرٍ لافتٍ بين مفكري وفلاسفة الغرب، فلا ينفك التعامل مع هذه الفكرة وما قبلها في البلاد العربية والإسلامية بمنهج نظرٍ يشوبه التبسيط والاختزال، مثلما يحكمه الاندهاش والاستغراب...

تهافت النسبية الأخلاقية في ضوء الرؤية القرآنية

خلافاً لما دأبت عليه المدرسة النقدية ممثّلة بتيار فرانكفورت في نظرتها إلى التطوّر التاريخي للمجتمع البشري فإن الرؤية الدينية الإسلامية ترى إلى المجتمع على أنه مكوّنٍ حقيقيٍّ وليس كيانًا

(144)

اعتبارياً، وهذا الأمر ثابتٌ لا يمكن التشكيك به. وهذه الحقيقة يبيِّنها المفكرون المسلمون في تحقيقاتهم الفلسفية كما يؤكد عليها القرآن الكريم في آياتٍ عديدةٍ، في قوله تعالى: «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ»[1]، وهناك آياتٌ تدلّ على أنّ الله العزيز الحكيم أهلك بعض الشعوب والأمم مـمّا يعني أنّ مصير المجتمعات ليس واحداً. على ىسبيل المثال، عندما ينحرف قومٌ فإنّهم يتعرّضون للبلاء حتّى وإن كانت بينهم ثلّةٌ صالحةٌ قليلةٌ، والعكس صحيحٌ؛ وهذه الحالة تدلّ بوضوحٍ على أنّ المجتمع مكوّنٌ حقيقيٌّ وليس اعتبارياً[2]. فالمكوّنات الطبيعية والكيميائية ليست لها أجزاءٌ مستقلّةٌ، بل هي مندمجةٌ مع بعضها ومنصهرةٌ في الشخصية الكلّية؛ في حين أنّ أعضاء المجتمع البشري ليسوا كذلك لأن شخصياتهم لا تندمج على نحو الانصهار والاستحالة في مجتمعهم المنضوين تحته. إنّ ما يترتّب على نظرية دوركايم هو القول بالجبر الاجتماعي، بمعنى أنّ الفرد لا يمتلك أيّة إرادةٍ أو شخصيةٍ مستقلّةٍ، لذا فهو حينما يشعر بشيءٍ فذلك يعني شعور المجتمع بنفس هذا الشيء، وعندما يمتلك رغبةً معيّنةً فهذا يعني امتلاكه رغبةً اجتماعيةً، ومن ثم فهو ليس بشيءٍ إزاء مجتمعه ولا استقلال له بتاتاً؛ إلا أنّ الأمر الواقع هو احتفاظ المجتمع باستقلاله إلى حدٍّ ما في رحاب مجتمعه الذي هو عبارةٌ عن تركيبٍ حقيقيٍّ، وعلى هذا الأساس فهو قادرٌ على الانسلاخ من مجتمعه والانخراط

(145)

في مجتمعٍ آخر؛ كما له القدرة على السير خلافاً للتيار الاجتماعي ومن ثمّ قد يتمكّن من تغيير مسيرة التأريخ بالكامل وذلك من منطلق اختياره وتحرّره، وهذا الاعتقاد على خلاف الجبر الاجتماعي إذ إنّ حرّيته واستقلاله محفوظين إلى حدٍّ كبيرٍ[1].

أما النفس الإنسانية فهي ليست كما يصفها إميل دوركايم ـ وهو أحد أبرز رواد مدرسة فرانكفورت ـ بكونها تستبطن ذاتين مزدوجتين إحداهما فرديةٌ والأخرى اجتماعيةٌ، بل إنّها تنشأ متأثّرةً بالبيئة الاجتماعية المحيطة بها، وتتّصف بميزاتها في عين حرّيتها واستقلالها؛ لذا لا يمكن ادّعاء أنّ الإنسان له اثنتين من الأنا. وهذا الكلام يبدو متهافتاً إلى حدٍّ بعيد وهو ما يدعو إلى طرح السؤال التالي:

هل تمكّن دوركايم وأتباعه من إثبات مدَّعاهم في مختبراتهم التجريبية؟! بالطبع لا، فهذا المدَّعى في الحقيقة هو مجرَّد كلامٌ استدلاليٌّ لكنّه لا يتقوّم على برهانٍ معتبرٍ.

فالإنسان يدرك في ضميره أنّ (أنا) التي ترتكب الأفعال السيّئة هي بذاتها ترتكب الأفعال الحسنة، لذا فالحسن والقبح في الأفعال عبارةٌ عن مراتب مشكّكة للنفس الإنسانية، وكلّ فردٍ له شخصيةٌ واحدةٌ تارةً تفعل كذا وأخرى تقوم بكذا. ومن الطبيعي أن هناك اختلافاً بين الأمر الذي له مراتب عدة وبين الأمر المزدوج المكوّن من شيئين متلازمين مع بعضهما بحيث تكون لكلّ جزءٍ منهما ماهيته الخاصّة، فالشجرة لها جذعٌ واحدٌ لكنّ تفريعاتها

(146)

(أغصانها) عديدةٌ تتجّه إلى الأعلى والى جميع الجهات ناهيك عن أنّها ذات جذورٍ تغور في باطن الأرض، لكنّ ماهيتها واحدةٌ؛ لذا فالصحيح في فرضيتنا هو وحدة الذات رغم تعدّد الميزات التي تطرأ عليها[1].

التأسيس الأخلاقي لمدرسة فرنكفورت مثل سائر المدارس والتيارات التي أخذت بميتافيزيقيا التنوير مذهبًا لها. قام على النسبية، الأمر الذي يؤدي تهافت البناء الأخلاقي والقيمي بسبب خضوعه لمعايير الزمان والمكان والقوانين التي تحدِّدها الحكومات.

لا شكّ في دقّة وعمق مفاهيم القرآن الحكيم التي لا يشوبها أيّ نقصٍ ولا خللٍ، ومن جملة المباحث التي نستشفّها منه بالنسبة إلى موضوع البحث تقسيمه النفس الإنسانية إلى أمّارة ولوّامة ومطمئنّة، وهذا التصنيف يطلق عليه الفلاسفة عنوان (الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة)، وهذا الوصف كما قلنا لا يعني تعدّد الذوات في النفس الواحدة، فهناك وازعٌ يجعل النفس أمّارةً، ووازعٌ آخر يجعلها لوّامةً، في حين أنّ وازعاً غير ذينك الوازعين يجعلها مطمئنّةً.

وهكذا فإن النفس الإنسانية حينما تتنزّل إلى مرتبةٍ دنيا وتتنصّل عن أوامر العقل السليم فهي تصبح أمّارةً كما يبيّن العلماء المسلمون، ولكنّها إن ارتفعت مرتبةً فسوف تعي الواقع بشكلٍ أفضل بحيث تلوم نفسها لتكون عندئذٍ لوّامةً؛ لذا إن قيل إنّ النفس مزدوجةً في باطنها

(147)

-ثنائية الأنا- سوف لا يبقى للملامة معنى في هذه الحالة، فاللّوم يعني فعل أمرٍ من قبل فاعلٍ معيّنٍ ومن ثمّ يبادر هذا الفاعل بذاته إلى ملامة نفسه على ما فعلت، فهو القاضي والمدّعي والمدّعى عليه في هذه المحاكمة النفسية، وهذا هو معنى محاسبة النفس. قال العزيز الحكيم في كتابه الكريم: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)[1]. وهذه الوحدة النفسية قد أكّد عليها الله عزّ وجلّ في الآيات القرآنية التي تطرّقت إلى الحديث عن يوم القيامة والحساب، حيث منح لكلّ إنسانٍ روحاً واحدةً سوف تحاسب في يوم القيامة، فإن فعلت خيراً يكون جزاؤها خيراً وإن شرّاً فشرّاً؛ لذا وصف النفس التي تضمن حسن العاقبة بالمطمئنّة فقال: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي)[2].

إذن، الإنسان حسب الرؤية القرآنية له شخصيةٌ واحدةٌ منبثقةٌ من ذاته الواحدة، وغاية ما في الأمر أنّه يطوي مراتب عديدة في حياته، لذا فإنّ نفسه الواحدة تكون أحياناً أمّارةً وأخرى لوّامةً أو مطمئنّةً، وهذه المزايا بطبيعة الحال تعكس مراتب مختلفة تعود في الأساس إلى كون الإنسان مخيراً في أفعاله وتصرّفاته، ودرجته الإيمانية بالطبع إنّما تكون وفق مرتبة نفسه.

بناءً على النظرية القرآنية نقول إنّ نظرية المفكّر إميل دوركايم خاطئةً سواءً عددناها مطروحةً في نطاق علم النفس أو الاجتماع، فشخصية الإنسان ليست مزدوجةً من ذاتين مستقلّتين عن بعضهما،

(148)

بل هي واحدةٌ ترتكب أفعالاً متنوّعةً باختيارها، ولا ضير في أن تقوم بأفعالٍ متضادّةٍ مع بعضها في الحسن والقبح. لذا من الخطأ بمكانٍ عدّ أنّ للإنسان مصداقين من الأنا بحيث ينسى إحداهما وينتسب إلى الأخرى حينما يؤدّي أفعاله بحيث تصبح الأنا المنسية ماورائيةً عندما يستجيب للأنا التي يتحرّك على وفق أوامرها؛ فلو صحّ هذا الادّعاء لأصبح المتديّنون أكثر الناس غربةً عن أنفسهم لأنهم أركنوا الأنا الأولى جانباً ولم يستجيبوا لمتطلّباتها بحيث اقتصروا على أنا واحدةٍ تحثّهم على التقوى والاستقامة، لذا لا بدّ من عدّهم أكثر الناس تجاهلاً للروح الاجتماعية الأمر الذي يعني اشتراط التديّن بتجاهل الطابع الاجتماعي للحياة في حين أنّ الحقيقة على خلاف هذا المدّعى تماماً، لأنّ المؤمنين حقّاً ينتابهم شعورٌ اجتماعيٌّ جيّاشٌ أكثر من سواهم[1].

بناءً على ما ذكر نستنتج أنّ الإيديولوجيات التي يتبنّاها البشر ولا سيّما الإيديولوجيات الدينية، هي من المظاهر الأساسية للحياة الاجتماعية، والذين يتصوّرون أنّها تزول تزامناً مع التطوّر العلمي هم في الحقيقة لم يفهموا واقع البُنية الاجتماعية البشرية فهماً صائباً ولم يعرفوا معنى الإيديولوجية الدينية الحقيقية. لقد حاول مناهضو الدين تبرير معتقداتهم المنحرفة بأيّة وسيلةٍ كانت، لكنّنا نقول لهم إن افترضنا أنّ كلامكم صحيحٌ، فلا بدّ من أن يندثر الدين بالكامل بعد التطوّر الكبير الذي شهده علم الاجتماع بفضل جهود إميل دوركايم، فهو كان يعتقد بأنّ الجهل هو السبب في اعتناق

(149)

الأديان، وكذا قال نظيره فيورباخ الذي كان ينظر إلى الإنسان نظرةً فرديةً ويعدّه ذا فطرتين إحداهما سليمةٌ والأخرى سيّئةٌ، لذا حينما يتأثّر بالمجتمع ويبتلى بفطرته السيّئة فهو ينتزع فطرته السليمة من ذاته ويفترضها موجودةً على أرض الواقع الخارجي[1].

لكن السؤال الذي لا يزال يُطرح اليوم، وبعد مرور عقود على العواصف التي ضربت مدرسة فرانكفورت هو الذي يتركّز حول ما بقي من توجّهاتها الْفِكْرِيَّة والنظريّة في علم الاجتماع الغربي المعاصر. ذلك بأنّ التحوُّلاَت الكبرى التي عصفت بنظام القيم في حقبة العولمة، أدّت إلى انعطافات نوعيّة في عالم الأفكار، وأسقطت الكثير من المعايير والقيم التي قامت عليها قرون متّصلة من حضارة الغرب الحديث.

(150)

قائمة المراجع

أوّلًا: المراجع باللّغة العربية:  

1. أدورنو، تيودور فون، محاضرات في علم الاجتماع، تر: جورج كتورة، مركز الإنماء القومي، بيروت (لبنان)، (د.ط)، (د.س).

2. أفاية محمد نورالدين، الحداثة والتواصل في الفلسفة النَّقْدِيَّة المعاصرة نموذج هبرماس، أفريقيا الشرق، (المغرب)، ط2، 1998.

3. بدوي عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، الجزء الثاني، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت (لبنان)، ط1، 1984.

4. بوتومور، توم، مدرسة فرانكفورت، تر: سعد هجرس، دار أويا للطباعة والنشر والتوزيع، طرابلس (ليبيا)، ط1998،1.

5. بومنير كمال وآخرون، ثيودور أدورنو من النقد إلى الإستيطيقا (مقاربات فلسفية)، دار الأمان-الرباط (المغرب)، ط1، 2011.

6. بومنير، كمال، النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة لمدرسة فرَانْكِفُورْتْ من ماكس هوركهايمر إلى أكسل هونيث، الدار العربية للعلومناشرون، بيروت (لبنان)، ط1، 2010.

7. الجابري، علي حسين، محنة الإنسان، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق (سوريا)، (د.ط)، 2009.

8. الخوني محسن، التنوير والنقد (منزلة كانط في مدرسة فرانكفورت)، دار الحوار للنشر والتوزيع (سوريا)، ط 1، 2006.

9. طاهر، علاء، مدرسة فرانكفورت من هوركهايمر إلى هبرماز، مركز الإنماء القومي، بيروت (لبنان)، ط 1، (د.س).

10. طرابيشي،   جورج: معجم الفلاسفة: (لفلاسفة، المناطقة، المتكلمون، اللاهوتيون، المتصوفون)، دار الطليعة، جامعة كاليفورنيا، 1987.

11. لوران، آسون بول، مدرسة فرانكفورت، تر: سعاد حرب، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت(لبنان)، ط1، 1999.

(151)

12. المحمداوي علي عبود؛ ومهنانة إسماعيل، مدرسة فرانكفورت النَّقْدِيَّة (جدل التحرر والتواصل والاعتراف)، ابن النديم للنشر والتوزيع، وهران (الجزائر)، ط1، 2012.

13. مصدق، حسن، يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت، النَّظَرِيَّة النَّقْدِيَّة التواصلية، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء (المغرب)، ط 1، 2005.

14. هوركايمر ماكس؛ تيودور ف. أدورنو، جدل التنوير، تر: جورج كتورة، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت(لبنان)، ط 1، 2006.

15. هوركهايمر، ماكس، بدايات فلسفة التاريخ البورجوازية، تر: محمد علي اليوسفي، دار التنوير والنشر والتوزيع- بيروت(لبنان)، (د.ط)، 2006.

ثانيا: المراجع باللّغة الأجنبية:

1. Assoun Paul-Laurent. (1996). L’école de Francfort– Que Sais-je ? Ed. Delta، Paris

2. Besnier, jean michel, Histoire de la philosophie moderne et contemporaine (figures et œuvres) ،Bernard Grasset، PARIS.

3. Bien, Joseph (1999). Audi، Robert. The Cambridge Dictionary of Philosophy. Cambridge: Cambridge University Pressp.

4. Jean Marc Durand-Gasselin. (2012). L’école de Francfort، Editions Gallimard.

5. McLellan، David (2005), Honderich، Ted. The Oxford Companion to Philosophy. Oxford: Oxford University Press.

6. Theodor, Adorno. (1992). Dialectique négative، traduit par: Gérard Coffin et autres, ةd. Payot, Paris, 1992.

ثالثًا: مواقع الانترنت

1. الخوني (محسن)، هيغل في مدرسة فرانكفورت، موقع إلكتروني (حركة مصر المدنية) (Civic egypt.org).

2. https://portal.dnb.de/opac.htm?method=simpleSearch&cqlMode=true&query=nid%3D123138647

3. موسوعة ستانفورد للفلسفة نسخة محفوظة 11 يونيو 2018 على موقع: Georg Lukلcs: Neo-Kantian Aesthetics،

(152)