الفهرس
مقدمة المركز 9
مقدّمة المؤلِّف 11
الفصل الأوَّل
ما هي مسألة هذا الكتاب؟ 13
الفصل الثاني
نماذج التعامل مع السرَّاء والضرَّاء 21
المبحث الأوَّل: نمط التعامل الإيجابيّ 21
1. ردّ الفعل تجاه المواقف السارّة 21
2. ردُّ الفعل تجاه المواقف غير السارَّة 32
المبحث الثاني: نمط التعامل السلبيّ 51
1. نمط «الفَرَح - اليأس» 52
2. نمط «الفَرِح - الكُفران» 53
3. نمط «الفَرَح والفخر - اليأس والكُفران» 54
4. نمط «الدعاء - الإعراض» 55
5. نمط «الجزع - المنع» 58
الفصل الثالث
التوازن في السرَّاء والضرَّاء 64
الزهد في الدنيا 74
التوقُّعات غير الواقعيَّة 84
توافق التوقُّعات مع الواقع 88
أوَّلًا: صعوبة الدنيا 89
ثانيًا: كون الدنيا ممرًّا 91
ثالثًا: تَفاهة الدنيا 94
رابعًا: زوال الدنيا 96
ملخَّص الفصل 99
الفصل الرابع
أُسلوب التعامل مع المواقف الإيجابيَّة 101
1. تصحيح قائمة النِّعَم 102
2. معرفة النِّعَم 113
3. تنظيم الأماني 128
4. تصحيح مقياس النِّعَم 135
الفصل الخامس
أُسلوب التعامل مع المواقف غير السارَّة 139
1. تصحيح الشعور بالحرمان 141
أوَّلًا: مصطلح «الحرمان» 144
ثانيًا: مصطلح «الخُسران» 148
ثالثًا: مصطلح «الغبن» 152
رابعًا: مصطلح «المصيبة» 154
خامسًا: مصطلح «الشرّ» 155
2. تصحيح نمط التوقُّع من الدنيا 158
3. تصحيح نمط المواجهة الأُولىٰ 161
4. تنظيم الصورة عن المستقبل 167
5. تصحيح نموذج تقييم اللحظة الحاليَّة 171
أوَّلًا: التجارب الإيجابيَّة السابقة 173
ثانيًا: الموجودات الإيجابيَّة في الحاضر 175
ثالثًا: الجانب الإيجابيّ لتخفيف المسؤوليَّة 176
6. تصحيح تفسير البلاء 177
أوَّلًا: البلاء ومقام الإنسان عند الله 179
ثانيًا: البلاء وتفسير الإنسان له 182
ثالثًا: البلاءات والإيمان بالعدالة 184
رابعًا: الموت وتفسير الإنسان له 187
خامسًا: الفشل وتفسير الإنسان له 189
7. تصحيح ميزان البلاء 190
أوَّلًا: المقارنة التصاعديَّة في الظروف غير المواتية 192
ثانيًا: التشبيه بالحالة العاديَّة 195
ثالثًا: قياس الدنيا بميزانها الحقيقيّ 198
8. تصحيح تقويم موقع الآخرين 199
9. تنظيم الضغط النفسيّ 201
10. التوسُّل وطلب المدد 203
11. تخفيف الحزن عن المحزون 209
لائحة المصادر والمراجع 214
الفرح والحزن
التعامل الإيجابي مع الفرح والحزن
تأليف
عباس پسنديده
(1)بسم الله الرحمن الرحيم
(2)العتبة العباسية المقدسة
المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
سلسلة نمط الحياة
الفرح والحزن
التعامل الإيجابي مع الفرح والحزن
تأليف
عباس پسنديده
لجنة الترجمة والتعريب في المركز
(3)
العتبة العباسية المقدسة
المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
بسنديده، عباس 1388 هجري - مؤلف.
الفرح والحزن : التعامل الإيجابي مع الفرح والحزن / تأليف عباس بسنديده : ترجمة لجنة الترجمة
والتعريب في المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية - الطبعة الأولى - النجف العراق : العتبة العباسية المقدسة، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية، 1447 هـ. = 2025.
231 صفحة : 1521 سم. (سلسلة نمط الحياة )
يتضمن ارجاعات ببليوجرافية : صفحة 214-231.
النص باللغة العربية مترجم من اللغة الفارسية.
ISBN: 9789922680774
1. السعادة. 2. الحزن. 3. الوعظ والارشاد (شيعة). 4. الاخلاق الاسلامية (شيعة). أ. العتبة العباسية المقدسة قسم الشؤون الفكرية والثقافية. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية مترجم. ب. العنوان.
LCC: BP190.5.52 P37 2025
مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة
الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (٤٣٠٥) لسنة (٢٠٢٥م)
-الكتاب: الفرح والحزن
- تألیف: عباس پسندیده
- ترجمة : المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
- الناشر : العتبة العباسية المقدسة، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية.
الطبعة: الأولى ٢٠٢٥ م - ١٤٤٧هـ.
تم إصدار هذا الكتاب سابقًا من قبل المعهد العالي للقرآن والحديث بعنوان: مواجهه مثبت با خوشی و ناخوشى في قم المقدسة ، عام ١٤٠٢ ش.
Website: www.iicss.iq
E-Mail: islamic.css@gmail.com
Telegram: @iicss
(4)فهرس الكتاب
مقدمة المركز 9
مقدّمة المؤلِّف 11
الفصل الأوَّل
ما هي مسألة هذا الكتاب؟ 13
الفصل الثاني
نماذج التعامل مع السرَّاء والضرَّاء 21
المبحث الأوَّل: نمط التعامل الإيجابيّ 21
1. ردّ الفعل تجاه المواقف السارّة 21
2. ردُّ الفعل تجاه المواقف غير السارَّة 32
المبحث الثاني: نمط التعامل السلبيّ 51
1. نمط «الفَرَح - اليأس» 52
2. نمط «الفَرِح - الكُفران» 53
3. نمط «الفَرَح والفخر - اليأس والكُفران» 54
4. نمط «الدعاء - الإعراض» 55
5. نمط «الجزع - المنع» 58
(5)
الفصل الثالث
التوازن في السرَّاء والضرَّاء 64
الزهد في الدنيا 74
التوقُّعات غير الواقعيَّة 84
توافق التوقُّعات مع الواقع 88
أوَّلًا: صعوبة الدنيا 89
ثانيًا: كون الدنيا ممرًّا 91
ثالثًا: تَفاهة الدنيا 94
رابعًا: زوال الدنيا 96
ملخَّص الفصل 99
الفصل الرابع
أُسلوب التعامل مع المواقف الإيجابيَّة 101
1. تصحيح قائمة النِّعَم 102
2. معرفة النِّعَم 113
3. تنظيم الأماني 128
4. تصحيح مقياس النِّعَم 135
(6)
الفصل الخامس
أُسلوب التعامل مع المواقف غير السارَّة 139
1. تصحيح الشعور بالحرمان 141
أوَّلًا: مصطلح «الحرمان» 144
ثانيًا: مصطلح «الخُسران» 148
ثالثًا: مصطلح «الغبن» 152
رابعًا: مصطلح «المصيبة» 154
خامسًا: مصطلح «الشرّ» 155
2. تصحيح نمط التوقُّع من الدنيا 158
3. تصحيح نمط المواجهة الأُولىٰ 161
4. تنظيم الصورة عن المستقبل 167
5. تصحيح نموذج تقييم اللحظة الحاليَّة 171
أوَّلًا: التجارب الإيجابيَّة السابقة 173
ثانيًا: الموجودات الإيجابيَّة في الحاضر 175
ثالثًا: الجانب الإيجابيّ لتخفيف المسؤوليَّة 176
6. تصحيح تفسير البلاء 177
(7)
أوَّلًا: البلاء ومقام الإنسان عند الله 179
ثانيًا: البلاء وتفسير الإنسان له 182
ثالثًا: البلاءات والإيمان بالعدالة 184
رابعًا: الموت وتفسير الإنسان له 187
خامسًا: الفشل وتفسير الإنسان له 189
7. تصحيح ميزان البلاء 190
أوَّلًا: المقارنة التصاعديَّة في الظروف غير المواتية 192
ثانيًا: التشبيه بالحالة العاديَّة 195
ثالثًا: قياس الدنيا بميزانها الحقيقيّ 198
8. تصحيح تقويم موقع الآخرين 199
9. تنظيم الضغط النفسيّ 201
10. التوسُّل وطلب المدد 203
11. تخفيف الحزن عن المحزون 209
لائحة المصادر والمراجع 214
(8)يشير نمط الحياة إلى مجموعةٍ كبيرةٍ وواسعةٍ من السلوكيَّات الإنسانيَّة التي لا يمكن حصرها بسهولة، فهي تتضمَّن أشكال السلوك كافَّة بدءً من علاقة الشخص بربِّه وعلاقته مع نفسه وعلاقته بالأفراد المحيطين به، ثم علاقته بالموجودات الأخرى التي يعيش معها. وتتجلَّى أهمِّيَّة نمط الحياة في دورانه مدار القيم والأفكار والتعاليم التي يعتقد بها الفرد وتؤثِّر على مسار المجتمع؛ فهو الترجمة العمليَّة للمعتقدات والقيم... على أرض الواقع. وإذا كنَّا لا نجد شخصًا أو جماعةً من دون معتقدٍ ومن دون خلفيَّاتٍ فكريَّةٍ وإيديولوجيَّةٍ فهذا يعني أنَّنا لن نجد شخصًا أو جماعةً -أيضًا- لا تمتلك نمطَ حياةٍ معيَّن. وإذا كان وجود نمط الحياة ضروريًّا فقد تشترك مجموعاتٌ عديدةٌ في بعض تفاصيل أنماط الحياة وتختلف في بعضها الآخر انطلاقًا من الاختلاف الإيديولوجيّ بينها.
إنَّ نمط الحياة عبارةٌ عن مجموعةٍ منظَّمةٍ من السلوكيَّات الداخليَّة والخارجيَّة، وكذلك الوضعيَّات الاجتماعيَّة والأشياء التي يختارها الشخص أو المجموعة على أساس مجموعةٍ من الميول والترجيحات أثناء التعامل مع الظروف
(9)المحيطة. وبعبارةٍ مختصرةٍ: نمط الحياة عبارة عن النموذج أو المجموعة المنظَّمة من الأفعال المرجّحة.
ثمّ إنَّ السلوك الاجتماعيّ ونمط الحياة تابعٌ لفهمِنا للحياة؛ فعندما نفهم الهدف من الحياة عند ذلك يجب أن نختار نمط الحياة الذي يقرِّبنا من ذاك الهدف أو الأهداف، وهذا يتوقَّف على الإيمان بالهدف؛ فالإيمان بالهدف هو الذي يجعل الشخص مقتنعًا بضرورة الوصول إليه، وهذا لا يتمّ إلَّا من خلال اختيار أسلوبٍ معيَّنٍ للحياة.
ومن الواضح أنَّ الفرح والحزن من القضايا التي تؤثّر على السلوك والحياة الفرديَّة والاجتماعَّية إيجابًا وسلبًا. وهو ما يتطلَّب تعميق البحث في هذين المفهومين وبيان الرؤية الإسلاميَّة للمفهومين، مضافًا إلى كيفيَّة التعامل مع الآثار المترتِّبة على كلٍّ منهما في السلوك الاجتماعيّ العامّ... وقد أجاد المؤلِّف -مشكورًا- في معالجة هذه القضايا، وتمكّن من تقديم رؤيةٍ متكاملةٍ في الموضوع. نسأل الله أن تكون مفيدةً ونافعة.
والحمد لله ربِّ العالمين
المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيَّة
السعادة من المواضيع المهمَّة في الحياة التي تثير اهتمام جميع الناس. وقد تناولتها مدارس علم النفس المختلفة من وجهات نظرٍ متعدِّدة.
يعالج هذ الكتاب -وهو خلاصة كتاب «النموذج الإسلاميّ للسعادة»- كيفيَّة التعامل مع الفترات السارَّة وغير السارَّة في الحياة؛ فإنَّ للحياة جانبين: السارّ وغير السارِّ، يمكن أنْ تكون الحياة جيِّدةً إذا استطاع الفرد السيطرة علىٰ الضغوط النفسيَّة التي تفرضها المواقف غير السارَّة، وتمكَّن من رؤية الجوانب الإيجابيَّة في المواقف السارَّة. وإنَّ رؤية الجوانب الإيجابيَّة في الحياة تساعد الفرد علىٰ إدراك جمال حياته، مَا يمنحه شعورًا إيجابيًّا ورضًا. وفي المقابل، فإنَّ السيطرة علىٰ الضغوط النفسيَّة تُقلِّل من الانفعالات السلبيَّة، ما يُهيِّئ الظروف لحياةٍ جيِّدة. يهدف هذا العمل إلىٰ تقديم تعاليم الإسلام المتعلِّقة بالتعامل الإيجابيّ مع كلتا الفترتين السارَّة وغير السارَّة بنظامٍ جديدٍ وأُسلوبٍ مبتكر.
تنقسم التعاليم الدِّينيَّة في هذا الموضوع إلىٰ فئات ثلاث:
الأُولى: تتناول العوامل المشتركة بين الفترتين السارَّة وغير السارَّة.
الثانية: تتعلَّق بالعوامل الخاصَّة بالفترة السارَّة.
والثالثة: تتناول العوامل الخاصَّة بالفترة غير السارَّة.
(11)بناءً علىٰ ذلك، يتناول الفصل الأوَّل مسألة الكتاب، والفصل الثاني يعرض النماذج الإيجابيَّة والسلبيَّة للتعامل مع هاتين الفترتين، أمَّا الفصل الثالث بعنوان: «التوازن بين الفترتين السارَّة وغير السارَّة» فيتناول العوامل المشتركة، والفصل الرابع بعنوان: «أُسلوب التعامل الإيجابيّ مع المواقف السارَّة» يتناول العوامل الخاصَّة بالفترة السارَّة، والفصل الخامس بعنوان: «أُسلوب التعامل الإيجابيّ مع المواقف غير السارَّة» يتناول العوامل الخاصَّة بالفترة غير السارَّة.
ختامًا، أرىٰ من واجبي أنْ أذكر المرحوم آية الله الشيخ محمَّد محمَّدي الري شهري الذي له فضلٌ كبيرٌ عليَّ، وأسأل الله تعالىٰ أنْ يرفع درجاته. كما أشكر جميع زملائي في معهد القرآن والحديث الذين ساهموا في إعداد هذا العمل ونشره. وأخصُّ بالشكر زوجتي العزيزة وأطفالي الأحبَّاء، سائلًا الله تعالىٰ أنْ يمنحهم خير الدنيا والآخرة.
عبَّاس پسنديده
17 رجب 1444هـ.ق
الحياة في الفكر الدِّينيّ هي مزرعة الآخرة ومنطلق بلوغ الكمال الأُخرويّ. يرىٰ بعض الناس عن طريق الخطأ أنَّ الدِّين «مُعادٍ للحياة»، بينما يعتقد آخرون -خطأً كذلك- أنَّ الدِّين «يعبد الحياة». وقد يقع أُولئك الذين يبتعدون عن التفكير بمعاداة الحياة في شراك عبادة الحياة. الدِّين ليس مُعاديًا للحياة ولا عابدًا لها؛ بل يَعتبرُ الدِّينُ الحياةَ ساحةً للتكامل ومقدَّمةً للآخرة. يمكن فقط لأُولئك الذين لا يواجهون مشكلةً مع حياتهم أنْ يُفكِّروا في التكامل. هناك فرق بين «وجود مشكلةٍ في الحياة» و«وجود مشكلةٍ مع الحياة». جميع البشر يواجهون مشاكل في حياتهم، ولكن الإنسان الناجح هو مَنْ لا تكون لديه مشكلةٌ مع حياته.
الحياة معقَّدةٌ وغامضة؛ لذلك من أجل النجاح في الحياة يجب تعلُّم «مهارة العيش». يكمن سرُّ كثيرٍ من الإخفاقات في الفشل في الفرح والحزن. الذين لا يعرفون مهارة العيش يكونون ساخطين وغير راضين عن حياتهم. لحُسن الحظِّ -وعلىٰ عكس التصوُّر السائد- فإنَّ للدِّين تعاليمَ كثيرةً في مجال الفرح والحزن؛ تعاليم إمَّا لم تُلاحَظ أو لم تُفهَم فهمًا صحيحًا.
(13)ونظرًا إلى الأهمِّيَّة البالغة التي يحظىٰ بها الرضا عن الحياة في التكامل الروحيّ، علَّم أولياء الدِّين أتباعهم تعاليم كثيرة. النبيُّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم إلىٰ جانب تعاليمه القدسيَّة والملائكيَّة- كان يُعلِّم أتباعه الفرح والحزن، بل وحتَّىٰ أشخاصًا مثل الإمام عليّ عليهالسلام وأبي ذرٍّ الغفّاري وغيرهما. وكذلك الإمام عليّ عليهالسلام كان يُعلِّم أصحابه الفرح والحزن. وقد ورد عن بقيَّة المعصومين عليهمالسلام الشيء نفسه. بل وأكثر من ذلك، ستجدون خلال هذا البحث أنَّ القرآن الكريم -أيضًا- يحمل تعاليم مهمَّة في هذا المجال؛ لذلك، فإنَّ أحد اهتمامات الدِّين هو الرضا عن الحياة، وأحد رسالاته هو تعليم الفرح والحزن لأتباعه. مع الأسف، هذا الجزء من تعاليم الدِّين لم يحظَ بكثيرٍ من الاهتمام، أو لم يُهتَمّ به علىٰ الإطلاق. بعض هذه التعاليم نُوقِشت، ولكنَّها لم تُعْطَ المكانة التي تستحقُّها. إذا لم تُوضَع النصوص الدِّينيَّة وتعاليم المعصومين عليهمالسلام في مكانها الصحيح، فإنَّها لن تُفهَم فهمًا صحيحًا ولن تُعرَف فائدتها في الحياة.
أساليب الدِّين مزيجٌ من الأساليب المعرفيَّة والعاطفيَّة والسلوكيَّة؛ فهو يهتمُّ بالحاجات المادّيَّة والمعنويَّة معًا، ويشمل البُعد العقليّ والعاطفيّ والسلوكيّ. ومن هذا المنطلق، فإنَّ رؤية الدِّين واقعيَّة؛ لأنَّه يأخذ في الاعتبار جميع الجوانب والاحتياجات البشريَّة، ويعرف كيف يُلبِّيها بنحوٍ صحيح، ويُقدِّم الحلول للإنسان. في التعاليم البشريَّة؛ إمَّا لا يُعترَف بجميع
(14)الاحتياجات، أو تُعطَىٰ حلولًا خاطئةً لتلبيتها. ما يُميِّز تعاليم الدِّين هو شموليَّتها ودقَّتها، فضلًا عن كونها تتوافق مع الحقائق.
قسَّم الإمام عليٌّ عليهمالسلام الحياة إلىٰ قسمين: «يومٌ لك» و«يومٌ عليك». وهناك مفاهيم أُخرىٰ ترتبط بهذه الحقيقة؛ فاليوم السارُّ في الحياة «يومٌ لك» هو ما يُشار إليه في الأدبيَّات الدِّينيَّة بـ«النعمة»، أمَّا اليوم العسير في الحياة «يومٌ عليك» فهو ما يُشار إليه بمصطلحاتٍ مثل: «البلاء»، «المصيبة»، «النقمة»، وما شابه ذلك.
وجهٌ من أوجه الحياة هو صعوباتها ومشكلاتها. الصعوبات أمرٌ لا مفرَّ منه، ولكن الفشل والهزيمة ليسا بالضرورة المصير المحتوم لأوقات الشدَّة. ما يُسبِّب الفشل هو افتقار المهارات اللَّازمة للتعامل مع المواقف غير السارَّة، وليس وقوع الصعوبات أو الأزمات. من خلال اكتساب مهارات التعامل مع الضغوط، يمكن تجاوز الأوقات الصعبة بسلام، بل واستخدامها جسرًا نحو تحقيق نجاحٍ أكبر.
بعبارة أُخرىٰ: الصعوبات من الحقائق التي لا يمكن إنكارها في الحياة، وهي تضغط نفسيًّا علىٰ الإنسان. كلُّ موقفٍ غير سارٍّ يتطلَّب منَّا ردَّ فعل، ومن إحدىٰ فلسفات ظهور المشكلات اختبار نوع ردود فعل الإنسان
تجاه هذه المواقف. يُطلَق علىٰ ردِّ فعل الإنسان تجاه المواقف غير السارَّة «المواجهة». لا شكَّ أنَّ جميع البشر يستجيبون للمواقف غير السارَّة، لكن المهمَّ هو أنْ تكون هذه الاستجابة صحيحةً وحكيمة. يعتمد مستوىٰ نجاح الإنسان ورضاه عن حياته علىٰ طريقة مواجهته للصعوبات. ليست كلُّ مواجهةٍ صحيحةً وفعَّالة؛ لذلك يجب تعلُّم المهارات اللَّازمة لاستخدام المواجهة الصحيحة وتطبيقها عند الحاجة. من ضرورات الحياة تعلُّم طُرُق مواجهة الصعوبات واكتساب المهارات اللَّازمة لتجاوز الأوقات غير السارَّة. الحياة الناجحة هي لمَنْ يستطيع تجاوز هذه الفترات بمهارة.
الوجه الآخر للحياة هو مباهجها ونِعَمها. يظنُّ بعض الناس أنَّ مشكلات الحياة تقتصر علىٰ الشدائد والمحن، وهذا تصوُّرٌ خاطئ؛ فلأوقات الرخاء مشكلاتها الخاصَّة أيضًا. إحدىٰ النقاط المهمَّة هي أنَّ مجرَّد الامتلاك لا يكفي، بل يجب إدراك النعمة. بعض الناس لا يُدركون ما لديهم، وبعضهم الآخر ممَّن يُركِّزون علىٰ السلبيَّات يرون ما ينقصهم ويتجاهلون ما لديهم، ما يُؤدِّي إلىٰ شعورٍ بالحرمان وزيادة الألم والمعاناة، وبالتالي انخفاض مستوىٰ الرضا والوصول إلىٰ حالةٍ من عدم الرضا. لذلك، فإنَّ «وجود النعمة» لا يُؤثِّر كثيرًا علىٰ الرضا، بل «إدراك النعمة» هو العامل الرئيس في الشعور بالرضا عن الحياة. السبيل إلىٰ تحقيق
(16)
الرضا هو إدراك ما لدىٰ الإنسان ومعرفة النِّعَم. قال الإمام الصادق عليهالسلام في كلمةٍ أساس: «كم من منعم عليه وهو لا يعلم».
في الواقع، حياة الإنسان -خاصَّةً المؤمن- ليست خالية من النِّعَم. هناك نَِعَمٌ كثيرة في حياة الإنسان يمكن أنْ تمنحه شعورًا بالسعادة، لكنَّها لا تُؤثِّر لأنَّها غير معروفة.
نقطة أُخرىٰ هي أنَّ نِعَم الحياة ومباهجها يمكن أنْ تدفع الإنسان نحو الغفلة والإفراط في الترف والتفاخر. المال قد يكون سببًا للشقاء وعدم السعادة! بسبب جاذبيَّته، قد يتعارض المال مع المكوِّنات الإيجابيَّة للحياة. وقد ورد في الروايات الإسلاميَّة أنَّ المال يُعَدُّ «مادَّة الشهوات الباطلة»، ووُصِفَ بأنَّه «مصيدة إبليس»، كما ورد أنَّه «من عوامل هلاك الإنسان». ولهذا السبب، حُذِّر من حُبِّ المال. لذلك، يمكن أنْ يكون المال من عوامل عدم السعادة. ما هو مهمٌّ هو أنَّ دور الإنسان
في كيفيَّة استخدام المال أمرٌ حاسم للغاية. هنا تظهر أهمّيَّة «نموذج التعامل مع المال» الذي يحتاج إلىٰ دراسة.
قد يبدو أنَّ الثروة تُؤدِّي إلىٰ تلبيةٍ أفضل للاحتياجات وزيادة مستوىٰ الرضا، ولكن علىٰ الرغم من أنَّها قد تُوفِّر رضًا زائفًا وقصير الأمد، فإنَّ هذا النوع من النعمة هو ما يُعرَف في الأدبيَّات الدِّينيَّة بـ(نعمة الاستدراج). يعتبر القرآن الكريم أُولئك الذين يظنُّون أنَّ كثرة المال والبنين دليل خير لهم جُهَّالًا. ويُؤكِّد أنَّه يُمهِلهم لكنَّه يُدركهم فجأةً من دون أنْ يشعروا. في الحقيقة، الفرصة والإمكانات التي يتمتَّعون بها ليست سوىٰ فرصة لزيادة ذنوبهم. بحسب الروايات الإسلاميَّة، فإنَّ الثروة التي تُكتسَب بطُرُقٍ محرَّمة وتُنفَق في المحرَّمات، تُعَدُّ نعمة استدراج تنتهي بخاتمة سيِّئة ومأساويَّة. يقول عقبة بن عامر: يومًا قال النبيُّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحبّ، فإنّما هو استدراج»، ثمّ تلا النبيُّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم هذه الآية: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا
فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (الأنعام: 44).
ثمَّة عنوانٌ آخر في الأدبيَّات الدِّينيَّة يرتبط بهذا الموضوع هو (الترف). (الترف) يعني التمتُّع بالنعمة والعيش في رفاهيَّة. المُترف هو مَنْ تغريه النِّعَم ويغرق في الترف. في المعارف الإسلاميَّة، ورد أنَّ (المترفين) هم أعداء الدِّين والأنبياء، وأنَّهم ينتهون بخاتمة سيِّئة ومؤلمة. لذلك، كان التحذير من الغرق في الترف، وطلب الابتعاد عن مجالسة المترفين.
في الروايات، وُصِفَ هذا النوع من النعمة بـ(شرِّ الأموال). لذلك، لا يمكن اعتباره مصدرًا للخير أو الرضا. الأشخاص الأذكياء لا يفرحون بمجرَّد زيادة الثروة. يقول الإمام الباقرعليهالسلام عن أبي ذرٍّ: «أتی أبا ذَرٍّ رَجُلٌ فَبَشَّرَهُ بِغَنَمٍ لَهُ قَد وَلَدَت فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ، أبشِر! فَقَد وَلَدَت غَنَمُك وکثُرَت. فَقالَ: ما يسُرُّني کثرَتُها؛
فَما اُحِبُّ ذلِك، فَما قَلَّ مِنها وکفي أحَبُّ إلَي مِمّا کثُرَ وألهی. إنّي سَمِعتُ رَسولَ الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقولُ: عَلی حافَّتَي الصِّراطِ يوم القِيامَةِ الرَّحِمُ وَالأَمانَةُ، فَإِذا مَرَّ عَلَيهِ الموصِلُ لِلرَّحِمِ وَالمُؤَدّي لِلأَمانَةِ لَم يتَکفَّأ بِهِ فِي النّارِ». لذلك، لا يمكن اعتبار الفترة السارَّة فترةً خاليةً من المشكلات والتحدِّيات.
ممَّا سبق يتبيَّن أنَّ الفترات السارَّة وغير السارَّة تحمل معها أضرارًا إذا لم يُنتبَه إليها، فقد تُدمِّر حياة الإنسان. لذلك، فإنَّ التعامل الإيجابيّ مع هذه الفترات وطريقة التصرُّف فيها يُعدَّان من العوامل المهمَّة للنجاح في الحياة. السؤال هو: كيف يمكن الوصول إلىٰ التوازن والتعامل الإيجابيّ والبنَّاء مع مباهج الحياة وأحزانها؟
تتكفَّل الفصولُ القادمة بالجواب عن هذه الأسئلة.
هي (الكفران)، أشار القرآن الكريم إلى قلّة الشاكرين وكثرة الجاحدين كحقيقة مُرّة، وبيَّنت الروايات أنَّ عاقبتها الشقاء. إنّ قوم سبأ مثالٌ على حضارةٍ تمتّعت بنعمٍ كثيرة، لكنّها أصيبت بالبؤس والشقاء بسبب كفرها بالنعم. هذه حقيقة وجودية تشير إلى أنّ الكفران يؤدّي إلى ((زوال النعمة)) و((نزول النقمة)). إنّ الجحود يجرّ إلى ظاهرة البطر التي تُعرف في الأدبيات الدينية باسم ((التّرف)). والتّرف -أيضًا- أحد عوامل زوال النعمة.
أمَّا الاستجابة الإيجابيَّة تجاه موقف السرَّاء فهي الشكر. الشكر يحتلُّ مكانةً عظيمةً في الثقافة الإسلاميَّة، حتَّىٰ إنَّه عُدَّ من
(جنود العقل). وهذا يعني أنَّ الامتنان أحد مكوِّنات العقلانيَّة، ولا يكتمل عقل الإنسان إلَّا به. علاوةً علىٰ ذلك، أُشير إلىٰ الشكر باعتباره (الحدّ الفاصل بين الإنسانيَّة والبهيمية). من جانبٍ آخر، ربطت الروايات الشكر بالربوبيَّة، وجاء عن الله(عزَّ وجلَّ) أنَّه إذا لم يشكره الإنسان علىٰ نِعَمه، فعليه أنْ يبحث عن ربٍّ غيره! واجب علىٰ الإنسان أنْ يشكر النِّعَم التي تُمنَح له. الشكر هو زينة النعمة، وهو زينة السرَّاء. أفضل الناس وأكرمهم عند الله هم مَنْ يتَّصفون بالشكر عند العطاء.
عرَّف (الخليلُ) الشكرَ بأنَّه معرفة الإحسان ونشره، والثناء علىٰ صاحبه. وبيَّن أنَّ المقصود بـ(دوابٍّ شكور) هو الحيوان الذي يسمن بالعلف القليل ويكفيه. كما أُطلِقَ مصطلح (شَكِرة) علىٰ الحيوانات الحلوبة التي تستفيد من النباتات والمراعي، ويزداد لبنها بعد قلَّته. (الجوهري) يُعرِّف الشكر بأنَّه الثناء علىٰ المحسن لما قدََّمه من معروف، وعندما يُستخدَم في سياق الحيوانات يعني الحيوان الذي يكفيه العلف القليل. وعندما يُستخدَم في سياق الضرع، يعني امتلاء الضرع بالحليب. (العسكري) يُفرِّق بين الشكر والحمد، موضِّحًا أنَّ الشكر هو الاعتراف بالنعمة تعظيمًا للمنعِم، بينما الحمد هو الثناء علىٰ الجميل تعظيمًا للمذكور به، سواء أكانت نعمة أم غيرها، بينما الشكر لا يكون إلَّا علىٰ النعمة.
أمَّا (ابن فارس)، فقد قدَّم أربعة أُصول لكلمة الشكر، مبيِّنًا
معانيها: الثناء علىٰ المحسن بما قام به من معروف؛ الامتلاء والغزارة، كما في امتلاء ضرع الحيوان أو كثرة ثمار الشجرة؛ الشكير، أي النبات الذي ينبت بجانب ساق الشجرة؛ النكاح .
عرَّف (الراغب) الشكر بأنَّه تصوُّر النعمة وإظهارها، وذكر أنَّ الحيوان الشكور هو الذي يظهر أثر الإحسان عليه من خلال سمنه، وأضاف أنَّ أصل المعنىٰ قد يكون من الامتلاء.
يُوضِّح (ابن الأثير) أنَّ الشكر يعني مقابلة النعمة بالقول والفعل والنيَّة، وعندما يُطلَق علىٰ الله، يعني ذلك مضاعفة الجزاء علىٰ الأعمال القليلة.
ويُعرِّف (ابن منظور) الشكر بأنَّه معرفة الإحسان ونشره، ويضيف أنَّ الشكر من الله يعني مكافأة العباد بمضاعفة الأجر. وكرَّر المفاهيم المتعلِّقة بالحيوانات الشكور والحلوبة.
أمَّا (الزبيدي) فيضيف إلىٰ ما ذكره الآخرون أنَّ الخضوع أو الاعتراف الممزوج بالخضوع جزءٌ من معنىٰ الشكر.
العلماء والمفكِّرين ذكروا هذه المعاني نفسها للشكر، بينما
أضاف الملَّا صدرا والإمام الخمينيّ(قده) السرور والفرح إلىٰ تعريف الشكر.
في المجمل، يمكن القول: إنَّ الكلمات المفتاحيَّة الأساس للشكر من وجهة نظر اللغويِّين والمفكِّرين هي: معرفة الإحسان والاعتراف به، الفرح والسرور به، نشره، إظهاره وكشفه، الاكتفاء والرضا بالقليل والانتفاع منه، الامتلاء، تعظيم المنعِم والخضوع له، المقابلة والاستجابة الإيجابيَّة للإحسان.
في النصوص الدِّينيَّة، توجد تعاليم تساعد علىٰ فهم معنىٰ الشكر. أحدها هو مقابلة الإحسان بالإحسان كما جاء في القرآن الكريم: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن: 60). بناءً علىٰ هذه الآية، ذكر الإمام الصادق عليهالسلام أنَّ مَنْ يُحسَن إليه، يجب عليه أنْ يردَّ الإحسان، لكنَّ الردَّ ليس بأنْ يفعل مثلما فُعِلَ معه فقط، لأنَّ المنعِم له فضل البدء بالإحسان.
يروي الإمام الصادق عليهالسلام أنَّ الإمام عليًّاعليهالسلام كان دائمًا يُردِّد هذه العبارة: «مَنْ صَنَعَ بِمِثْلِ مَا صُنِعَ إِلَيهِ فَإِنَّمَا کَافَأَهُ، وَمَنْ أَضْعَفَهُ
کَانَ شَکُورًا». شدَّد النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم علىٰ ضرورة الردِّ علىٰ الإحسان، وأوصىٰ بأنْ يدعو الإنسان لمن أحسن إليه إذا لم يستطع ردَّ الإحسان بمثله. وذَكَرَت نصوصٌ دينيَّةٌ أُخرىٰ مراتب الشكر التي تشمل الردَّ والإحسان بأشكالٍ مختلفة.
ومن الأُمور الأُخرىٰ أنْ تُستخدَم النعمة في ما يرضاه صاحبها، لا ضدَّه؛ لذلك، تُبرَّر الطاعة وترك المعصية علىٰ أساس الشكر. ومن الأُمور الأُخرىٰ إدراك الإنسان لحقيقة الشكر، وهي أنَّ النعمة من الله تعالىٰ. ومن الأُمور الأُخرىٰ الثناء علىٰ الله تعالىٰ.
يظهر من النصوص المتقدِّمة التأكيد علىٰ الآتي:
1. معرفة النعمة والإقرار بأنَّها من الله.
2. الثناء والحمد لله وشكره.
3. التعويض والإحسان بما هو أفضل.
4. استخدام النعمة في ما يرضاه صاحب النعمة.
هذه النقاط تتطابق مع النتائج المستخلَصة من تعريف الشكر.
الآن أصبح من الممكن استخراج المكوِّنات. وعلىٰ هذا الأساس يمكن أنْ يقال: إنَّ الشكر يتكوَّن من مكوِّنات عدَّة رئيسةٍ:
1. التنعُّم: أي إدراك النعمة المُعطاة والاعتراف بها، والامتلاء والشعور بالاكتفاء والاستفادة من النعمة، والشعور بالرضا والفرح بها. الشاكر هو مَنْ يُدرك النعمة بكلِّ كيانِه، ويشعر بالامتلاء والانتفاع منها، ويشعر بالكفاية منها ويكون سعيدًا وراضيًا.
2. التواضع: أي تعظيم صاحب النعمة والشعور بالتواضع أمامه. بناءً علىٰ النصوص الدِّينيَّة، فإنَّ صاحب الإحسان
والمنعِم دائمًا في موقعٍ أعلىٰ وأفضل من متلقِّي النعمة. فالشاكر هو الذي يكون واعيًا للمنعِم ومعترفًا بفضله، ويُجِلُّه ويشعر بالتواضع القلبيّ والخضوع له بسبب إحسانه.
3. التكافؤ: أي ردُّ الإحسان بالإحسان. الشاكر يشعر بالدَّيْن تجاه النعمة وصاحبها، ويلتزم بتعويض الإحسان وفق قدرته وموضوع الإحسان.
آليَّة تأثير الشكر علىٰ الحياة
من القضايا المهمَّة، كيفيَّة تأثير الشكر علىٰ الحياة. بناءً علىٰ ما تقدَّم، يمكن الآن الحديث عن هذا التأثير. يمكن النظر إلىٰ هذا التأثير من جوانب ثلاثة:
الأوَّل: (الشعور بالاكتفاء): موضوع الشكر يتعلَّق بما يمتلكه الإنسان في حياته. وكما ذُكِرَ في التعريف، الشخص الشاكر هو مَنْ يعرف نِعَم الحياة الموجودة لديه. عندما يُدرك الإنسان ما يمتلكه، يقلُّ شعور الحرمان ويزداد شعور الاكتفاء. من القضايا المهمَّة في هذا السياق هو توازن النِّعَم والحرمان. إذا رجحت كفَّة الحرمان، يزداد الشعور بعدم الرضا، وكلَّما رجحت كفَّة النِّعَم، يقلُّ هذا الشعور ويزداد الرضا. بمعنىٰ آخر: الفرد يرىٰ (الخيرات) في حياته.
الثاني: (تحقيق الخير): بالرغم من أنَّ التقدير الإلهي مبنيٌّ علىٰ الخير، فإنَّ تحقُّق الخير يتوقَّف علىٰ رضا الإنسان بقضاء الله. يصرّح الإمام الصادق عليهالسلام بأنّ الله لم يفرض حكمًا يجلب رضا المؤمن، إلّا وجعل فيه خيره. ويوضّح رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك، فيقول إنّ الله تعالى يختبر العبد بالرزق ليرى كيف يعمل، فإن رضي بورك له، وإن لم يرضَ لم يُبارك له. فالرضا في مقام العمل يؤدّي إلى الشكر علىٰ النعمة.
كما أشرنا سابقًا، فإنَّ تحقُّق الخير المقدَّر في الحياة يعتمد علىٰ ردِّ الفعل الإيجابيّ. لذلك، عندما يرىٰ الفرد نعمة الله ويشكرها، يجعل الله الخير يجري في حياته، ما يُؤدِّي إلىٰ زيادة الخير في حياته، وبالتالي تعزيز الشعور بالرضا.
الثالث: (زيادة النعمة): بناءً علىٰ النصوص الدِّينيَّة، فإنَّ الشكر يزيد النِّعَم. ربَّما يعود السبب في ذلك إلىٰ زيادة قدرة الإنسان علىٰ استيعاب النِّعَم، بمعنىٰ أنَّ الشخص الشاكر يُظهِر قدرته علىٰ جذب النعمة، ولهذا يزيد الله نِعَمه عليه.
هذه العوامل الثلاثة تُسهم مجتمعةً في تعزيز الشعور بالرضا. عندما يُدرك الإنسان النعمة الموجودة ويزداد شعوره بالاكتفاء، وعندما يتزايد الخير في حياته، وعندما تتضاعف النِّعَم بالمقارنة مع الماضي، فإنَّ الرضا سيزداد بطبيعة الحال.
2. ردُّ الفعل تجاه المواقف غير السارَّة
ردُّ الفعل الفوريّ وربَّما الأكثر شيوعًا تجاه الأحداث غير السارَّة هو الجزع. الطبيعة الأُولىٰ للإنسان هي الجزع عند مواجهة مصاعب الحياة. لكنَّ الجزع يُغيِّر نظام الحياة ويخلُّ بتوازن الإنسان. هذا الخلل قد يظهر بطريقتين: ظهور سلوكيَّات لم يكن الفرد يقوم بها سابقًا، وترك سلوكيَّات كان يقوم بها سابقًا. الصراخ، تمزيق الملابس، ضرب الوجه، نتف الشعر، والتصرُّفات المشابهة هي أُمور لا تحدث عادةً في الظروف
الطبيعيَّة، لكنَّها تحدث في أوقات المصيبة. من جهة أُخرىٰ: الكسل، وإظهار العجز، والتخلِّي عن مسار الحياة المعتاد يُؤدِّي إلىٰ ترك الأُمور التي كان الإنسان يمارسها في الظروف العاديَّة.
ظاهرة أُخرىٰ تحدث عند الجزع هي «التشكِّي». فعندما تقع حادثة غير سارَّة، يلجأ الإنسان عادةً إلىٰ الشكوىٰ. أحيانًا، تكون هذه الشكوىٰ مصحوبة بالسباب، فلا تُراعىٰ أيُّ حدودٍ، ويُقال كلُّ ما يجول في الخاطر. أمَّا الشخص الصبور والحليم، فإنَّه ليس ممَّن يشكو أو يسبُّ.
سأل جابر بن عبد الله الأنصاري الإمام الباقرعليهالسلام : ما الصبر
الجميل؟ فأجابه: «الصبر الذي لا شكوىٰ فيه إلىٰ الناس». لا مانع من الشكوىٰ إلىٰ الله تعالىٰ، لكن المشكلة تكمن في الشكوىٰ من الله. فالشكوىٰ من الله تعني الاعتراض، أمَّا الشكوىٰ إليه فهي طلب الاستعانة. اللجوء بالشكوىٰ إلىٰ الناس يُعَدُّ في الحقيقة شكوىٰ من الله. لذا لا ينبغي في أوقات الشدَّة أنْ نشتكي للآخرين؛ فماذا سيكون تأثير الشكوىٰ أمام الناس؟! يجب تقديم الشكوىٰ لمن يمتلك القدرة علىٰ حلِّ المشكلة؛ ولهذا السبب يقول الإمام عليهالسلام : «إذا وقع المسلم في ضيقٍ، فلا ينبغي أنْ يشتكي من ربِّه(عزَّ وجلَّ)، بل عليه أنْ يشتكي إلىٰ ربِّه الذي بيده مقاليد الأُمور وتدبيرها». كذلك، عندما سُئِلَ الإمام الجوادعليهالسلام عن الصبر الجميل، أجاب: «الصبر هو ما ليس فيه شكوىٰ». ثمّ قال: «وما فِي الشَّکوی مِنَ الفَرَجِ؟! فَإِنَّما هُوَ يُحزِِنُ صَديقَك ويُفرِِحُ عَدُوَّك».
في هذه الروايات، هناك حجَّة دقيقة تُسمَّىٰ «حجَّة القدرة والغنىٰ». وأساس هذه الحجَّة هو:
- يجب تقديم الشكوىٰ لمن يملك القدرة علىٰ الإغناء وحلِّ المشكلة.
- ولا يملك أحد غير الله هذه القدرة.
- وبالتالي، لا ينبغي تقديم الشكوىٰ إلىٰ غيره.
كما هو واضح، فإنَّ هذه الحجَّة -التي تنفي تقديم الشكوىٰ إلىٰ غير الله- تستند إلىٰ مبدأ التوحيد. وفي الواقع، فإنَّ نفي الشكوىٰ لغير الله وتأكيد الشكوىٰ لله يعتمد علىٰ نفس المبادئ التوحيديَّة.
علىٰ أيِّ حالٍ، لا شكَّ أنَّ الجزع لن يكون له أيُّ تأثيرٍ إيجابيٍّ في تحسين وضعك. إنَّ «الجدوىٰ» هي إحدىٰ المبادئ الأساس في السلوك الحكيم. فالسلوك الحكيم هو السلوك الذي يُحقِّق فائدةً ونتيجةً معقولة. قد نستخدم الجزع وسيلةً للتعامل مع الموقف، لكن يجب أنْ نُدرك أنَّ التعامل الإيجابيّ وردَّ الفعل الصحيح هو الذي يُحسِّن الظروف الراهنة ويسيطر علىٰ الوضع. وهذا، بينما بالجزع، لا يمكن استرجاع ما فُقِدَ، ولا تختفي المصيبة الواقعة، ولا يتمُّ التحكُّم في مشاعر الإنسان وعواطفه.
الجزع، بدلًا من أنْ يُسهم في حلِّ المشكلة، يزيد من المعاناة. لهذا، مَنْ يجزع يزيد مصيبته. وبناءً علىٰ الروايات الإسلاميَّة، فإنَّ المصيبة تُضاعَف للشخص الجزوع. الشخص الذي يجزع عادةً يتوقَّع النصر، ولكن عندما لا يصل إلىٰ هدفه، تحيطه الضغوط النفسيَّة. الفشل في تحقيق التوقُّعات والإحساس بالهزيمة يضاعفان التوتُّر. فالشدائد نفسها تزيد التوتُّر، ومواجهتها تزيده بدلًا من تخفيفه. فهل نسعىٰ لتخفيف التوتُّر أم زيادته؟! ومع أنَّ الصبر صعب، فإنَّ آثاره أقلّ إيلامًا من عواقب الجزع.
لذلك، يحكم العقل بأنْ يتحمَّل الإنسان الأُمور الكريهة الصغيرة، وألَّا يضاعف مشاكله بالجزع. فمهما كانت المصيبة كبيرةً وثقيلة، فإنَّها أمام الضغط النفسيّ الناتج عن الجزع تصبح صغيرة. فمن لا يستطيع تحمُّل القليل، كيف سيتحمَّل عواقب المصيبة التي زادها الجزع؟! لهذا قال الإمام الصادق عليهالسلام : «اِتَّقُوا
اللّهَ وَاصبِروا فَإِنَّهُ مَن لَم يصبِر أهلَکهُ الجَزَعُ».
فعلىٰ الإنسان أنْ يخشىٰ الله ويصبر؛ لأنَّ مَنْ لا يصبر يُهلِكه الجزع. لذلك، إذا تغلَّب الجزع علىٰ أحد، فلن يعرف الراحة أبدًا.
علىٰ العكس، فإنَّ أفضل ردِّ فعلٍ أمام المصاعب هو الصبر والتحمُّل. وللوصول إلىٰ الرضا في الشدائد وتحقيق السعادة الدائمة، يجب أنْ نتحلَّىٰ بالصبر.
الصبر هو أحد المفاهيم الأساس في الأخلاق الإسلاميَّة، وله دور رئيس وشامل في حياة الإنسان، بحيث لا توجد لحظة في الحياة لا يحتاج فيها الإنسان إلىٰ الصبر. فبعض المفاهيم الأخلاقيَّة (كالعفَّة أو الحلم) لها مجال خاصٌّ ومحدود، ولكن الصبر هو مفهوم عامٌّ يحتاج إليه الإنسان في كلِّ لحظةٍ من حياته. فلا يمكن للحياة أنْ تستمرَّ في أيِّ مستوىٰ من دون الصبر. ربَّما لهذا السبب وُصِفَ الصبر في الأحاديث بأنَّه «رأس الإيمان».
تُظهِر هذه الروايات بوضوح دور الصبر في الحياة. فالإيمان لا يوجد في الفراغ، بل يتجلَّىٰ في واقع الحياة، فإذا غاب الصبر، يلجأ الإنسان إلىٰ أفعالٍ تتناقض مع الإيمان، وبالتالي يفقد الإيمان وتفسد أعماله.
عرَّف الخليل الفراهيدي الصبر بأنَّه نقيض الجزع. ورأىٰ ابن الأثير أنَّ أصل الصبر هو الحبس، واعتبر أنَّ تسمية الصوم بالصبر تأتي من حبس النفس عن الطعام والشراب والنكاح، كما فسَّر «القتل صبرًا» بأنَّه قتل الشخص بعد حبسه حتَّىٰ الموت. أمَّا الجوهري، فقد كان تعريفه أكثر وضوحًا، حيث عرَّف الصبر بأنَّه حبس النفس عن الجزع، وشرح تطبيقاته؛ فعلىٰ سبيل المثال، إذا قال شخص: «صبرته أنا»، يعني حبسته، وعندما قال النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : «اصبروا الصابر»، قصد بذلك حبس الشخص الذي حبس القتيل حتَّىٰ يموت. واعتبر ابن فارس -أيضًا- أنَّ المعنىٰ
الجوهري للصبر هو الحبس. وقدَّم الراغب الأصفهاني تفسيرًا أوضح للصبر، حيث عرَّفه بأنَّه الإمساك في الظروف الضيِّقة. كما رأى الزمخشري أنَّ الصبر يعني الحبس، وبيَّن استخداماته في تحمُّل الأُمور السارَّة وغير السارَّة. وعرَّف الطريحي -أيضًا- الصبر بأنَّه حبس النفس عن إظهار الجزع.
بوجهٍ عامٍّ، رأىٰ علماء اللغة أنَّ الصبر يعني الحبس والإمساك في الظروف الصعبة.
أمَّا العلماء المسلمون، فقد قدَّموا تعريفات متناسقة للصبر. فمثلًا، عرَّف المحقِّق الطوسيّ الصبر بأنَّه حبس النفس عن الجزع عند المصائب، ممَّا يمنع اضطراب الباطن، وشكوىٰ اللسان، وحركات الجسد غير المعتادة.
الراغب بعد أنْ قدَّم التعريف اللغويّ للصبر، اعتبره حبس
النفس علىٰ فعل ما يقتضيه العقل أو الشرع، أو ترك ما يقتضي العقل أو الشرع تركه، ورأىٰ أنَّ الصبر مفهومٌ عامٌّ تتفرَّع منه مفاهيم أُخرىٰ، وهو ادِّعاء لا يبدو صحيحًا تمامًا. أمَّا الغزالي، فقد عرَّف الصبر بأنَّه ثبات الدافع الدِّيني في مواجهة الدافع الشهوانيّ. ورأى العلَّامة المجلسيّ أنَّ الصبر قوَّة تدفع النفس لحبسها علىٰ الأُمور الشاقَّة والالتزام بما يقتضيه الشرع والعقل، مع ترك الجزع والانتقام. أمَّا العلَّامة الطباطبائيّ فقد اعتبر الصبر عاملًا للحفاظ علىٰ النظام النفسيّ وضبطه من الاختلال، ما يضمن استقرار حياة الإنسان وتنظيمها.
بناءً علىٰ ما تقدَّم، فقد عرَّف علماء الإسلام الصبر بأنَّه حبس النفس علىٰ الأُمور الشاقَّة، والثبات في مواجهة الدوافع النفسيَّة، وهو ما يتَّفق مع تعريف علماء اللغة.
كما وردت تفسيراتٌ للصبر في بعض الروايات. فقد فسَّر جبرئيل عليهالسلام الصبر للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بأنَّه الثبات علىٰ الحال نفسه في السرَّاء والضرَّاء، وعدم الشكوىٰ من الله. الإمام الجوادعليهالسلام فسَّره بعدم الشكوىٰ. وأمَّا أمير المؤمنين عليهالسلام فقد قال عن الصابر: إنَّه مَنْ يتمنَّىٰ الدنيا ولكنَّه يلجم نفسه عنها لسوء عاقبتها.
في بعض الروايات الأُخرىٰ، بُيِّنت أقسام الصبر. ويجب أنْ يكون تعريف الصبر شاملًا لتلك الأقسام. ففي رواية عن النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، قسَّم الصبر إلىٰ ثلاثة أقسام: «الصبر عند المصيبة؛ الصبر علىٰ الطاعة؛ الصبر عن المعصية». هذه الأقسام تنقسم بدورها إلىٰ مجموعتين: مجموعة الأحكام (الطاعة والمعصية)،
ومجموعة الحوادث (المصيبة). ولكن في روايات أُخرىٰ ثمَّة تقسيم ثنائيّ للصبر: «صبر على ما تكره، وصبر عمّا تحبّ». عند تحليل المواقف الثلاثة من منظور «طبيعة النفس البشريَّة»، يتَّضح أنَّ الطاعات والمصائب غير مرغوبة للنفس البشريَّة، بينما المعاصي مرغوبة لها.
بالتمعُّن في هذا التحليل، يتَّضح أنَّ المواقف الثلاثة للصبر تنقسم إلىٰ المجموعتين المذكورتين في الرواية الثانية: «الأُمور المرغوبة» و«الأُمور غير المرغوبة». فالطاعة والمصيبة تندرجان تحت الأُمور غير المرغوبة، بينما المعصية تندرج تحت الأُمور المرغوبة. النقطة المهمَّة هنا هي أنَّ القاسم المشترك بين هاتين الحالتين هو «الصعوبة». فترك ما تُحِبُّه النفس، وفعل ما تكرهه، يتطلَّب مشقَّة تُخالف هوىٰ النفس، ما يدفعها إلىٰ الجزع. وهكذا، يُعرَّف الصبر بأنَّه «تحمُّل الصعوبات والمشقَّات، والامتناع عن الجزع والتذمُّر». وفقًا لهذا التعريف، يتعلَّق الصبر أساسًا بـ«الأُمور غير المرغوبة» التي تدفع النفس إلىٰ الجزع والفزع. وهذا المعنىٰ يتجلَّىٰ في بعض الروايات،
وهذه الروايات تختلف عن تلك التي تحدَّثت عن البلايا والمصائب كمادَّة للصبر؛ ففي هذه الروايات، لا يوجد حديث عن التقسيم الثنائيّ أو الثلاثيّ، بل التركيز فيها فقط علىٰ النقطة المحوريَّة، وهي الأُمور غير المرغوبة، والتي تُعبِّر عنها الأدبيَّات الدِّينيَّة بـ«المكروه». هذا المفهوم يتوافق مع ما تقدَّم ذكره في النقاش اللغويّ.
في بعض الروايات الأُخرىٰ، أُشير إلىٰ ضرورة التكيُّف مع البلاء، وذُكِرَ أنَّ المؤمن مثل سنبلة الزرع، يكون مرنًا ومطواعًا أمام البلاء. من جهة أُخرىٰ، تشير بعض الروايات إلىٰ الثبات
والصمود، حيث تصف المؤمن بأنَّه أقوىٰ من الجبل، بل أشدّ صلابةً من زُبَرِ الحديد.
في نصوصٍ أُخرىٰ، أُشير إلىٰ الصبر بوصفه «شجاعة».
في هذه الروايات، يُذكَر التحمُّل، المرونة، الثبات، والشجاعة كعناصر حاسمة للصبر. وقد مرَّ سابقًا أنَّ علماء اللغة فسَّروا الصبر بأنَّه الحبس والإمساك في المواقف الصعبة، بينما عرَّف علماء الإسلام الصبر بأنَّه الحبس علىٰ الأُمور الشاقَّة، والقدرة علىٰ مقاومة الدوافع النفسانيَّة.
من مجموع هذه النتائج، يمكن القول: إنَّ الصبر يتضمَّن عناصر عدَّة رئيسة:
1. المرونة: أي قبول الوضع غير المرغوب به على أنَّه واقع
حقيقيّ. يُشار إلىٰ هذا العنصر في الأدبيَّات الدِّينيَّة بمصطلح الرفق والتعامل السلس مع الحياة. فالمشاكل تدخل مثل عاصفة تهبُّ داخل حياة الإنسان. الشخص الصبور لا يقف في وجه المشاكل، بل يتقبَّلها ويُكيِّف نفسه مع الوضع الجديد.
2. الشجاعة: أي التحلِّي بالجرأة وعدم الخوف من مواجهة المشاكل. المشاكل والصعوبات غالبًا ما تبدو بمظهرٍ مخيفٍ ومرعب. الشخص الصبور يمتلك شجاعة الأسد، ولا يخاف من مواجهة الصعوبات ولا يهرب منها.
3. الثبات: أي التمسُّك بالمبادئ القيميَّة والحفاظ علىٰ التوازن النفسيّ. إنَّ دخول المشاكل وما تُسبِّبه من ضغوط نفسيَّة يُهدِّدان شيئين مهمَّين: الأوَّل هو التوازن النفسيّ، والثاني هو القيم والمبادئ الإنسانيَّة. الشخص الصبور يتمتَّع بثبات يجعله لا يختلُّ نظامه النفسيّ أمام هجوم المشاكل، كما يبقىٰ متمسِّكًا بمبادئه وقِيَمِه ولا يتنازل عنها.
4. ضبط النفس: أي كبح النفس عن القيام بتصرُّفاتٍ غير لائقة. إنَّ الضغط الناتج عن الوضع غير المرغوب فيه يجعل الإنسان غير مستقرٍّ نفسيًّا، ما قد يُؤدِّي إلىٰ تصرُّفاتٍ خاطئة.
الشخص الصبور يُحكِم السيطرة علىٰ نفسه ويمنعها من القيام بتصرُّفاتٍ غير صحيحة.
من القضايا المهمَّة في هذا السياق هي كيفيَّة تأثير الصبر علىٰ الحياة. يحظىٰ الصبر بمكانةٍ خاصَّةٍ في مواجهة البلاء والمصاعب. يُؤثِّر هذا العنصر علىٰ الحياة في جوانب عدَّة:
أحدها: هو تقليل الضغط النفسيّ و«السيطرة علىٰ الحالة المزاجيَّة السلبيَّة» في تلك المواقف: عندما يواجه الشخص صعوبةً يجد نفسه في ضائقةٍ نفسيَّةٍ، ويظهر فيه مزاجٌ سلبيّ. التسرُّع والجزع يزيدان المحنة. إذا سيطر الجزع علىٰ شخصٍ ما، فلن يرىٰ الراحة أبدًا؛ والسبب في ذلك أنَّ الجزع لا يمكنه تغيير القدر. من هنا، يرىٰ الإمام الكاظم عليهالسلام أنَّ المصيبة علىٰ
الشخص الجازع تكون مضاعفة. لذلك، يحكم العقل بأنَّ الإنسان ينبغي أنْ يتحمَّل القليل من الأُمور غير المرغوب فيها، وألَّا يزيد مشاكله بالجزع. ومع أنَّ الصبر صعب، لكنّ عواقب الجزع أشدُّ صعوبةً.
الصبر في مثل هذه المواقف يُخفِّف من الضغط النفسيّ ويزيل المزاج السلبيّ. لا شيء يزيل الأُمور المكروهة مثل الصبر. التحلِّي بالصبر يُخفِّف من الحزن الناجم عن البلاء، ولذلك يقترح الإمام عليٌّ عليهالسلام الصبر للتخفيف من الحزن في المصائب. وفي وصيَّته لابنه محمّد بن الحنفيَّة يقول: «ألقِ عَنكَ وارِداتِ الهُمومِ بِعَزائِمِ الصَّبرِ، عَوِّد نَفسَكَ الصَّبرَ فَنِعمَ الخُلُقُ الصَّبرُ وَاحمِلها عَلی ما أصابَكَ مِن أهوالِ الدُّنيا وهُمومِها».
في الحقيقة، الصبر عاملٌ يُخفِّف الآلام والمِحَن، الصبر كالدرع الذي يحمي الإنسان من الحوادث القاسية والمُرَّة. طريق الأمان من أضرار الأحداث اليوميَّة هو ارتداء درع الصبر. وعليه، فإنَّ الصبر -من خلال ضبط الحالة النفسيَّة السلبيَّة الناتجة عن المشكلات- يُهيِّئ الأرضيَّة للرضا.
الجانب الثاني: «القوَّة»: الأشخاص الصابرون يتمتَّعون بقدرةٍ علىٰ مواجهة المشكلات وحلِّها. مَنْ لا يتحلَّىٰ بالصبر يصبح ضعيفًا وغير قادر علىٰ المواجهة. الصبر هو أفضل مُعين في أُمور الحياة، وفي مواجهة مشكلات الحياة اليوميَّة؛ لأنَّ الصبر يجعل الإنسان لا يشعر بالضعف أمام المشكلات، والشخص الذي لا يشعر بالضعف يكون لديه وضعٌ نفسيّ أكثر
ملاءمةً للرضا، وهذه القوَّة تساعده علىٰ مواجهة المشكلات وحلِّها أو التغلُّب عليها، ما يُهيِّئ له ظروف الرضا.
الجانب الثالث: إنَّ الصبر يُمكِّن الإنسان من تحقيق الخير الكامن في قضاء الله. التقديرات الإلهيَّة غير المستحبَّة تتمُّ بناءً علىٰ الخير، ولكنَّ مَنْ يصبر هو الذي ينال هذا الخير؛ عندما يصبر الإنسان يزداد خير حياته. في الأدبيَّات الدِّينيَّة، يُشار إلىٰ هذا المفهوم بـ«تحويل المصيبة إلىٰ نعمة». ومن الطبيعيّ أنَّ الإنسان عندما يواجه نعمةً يشعر بالرضا.
البُعد الأوَّل: «الإنجازات الحياتيَّة»: الصبر يُؤدِّي إلىٰ زيادة النجاح في الحياة. تحقيق أيِّ نجاح دائمًا ما يكون مصحوبًا بالصعوبات والمشاقِّ، ولا ينال النجاح إلَّا مَنْ يملك القدرة علىٰ تحمُّل تلك المشاقِّ. كما قال الشاعر: «مَنْ لم يَذُق ألمَ الصبر، لن ينال لذَّةَ النصر». كلُّ فردٍ أو أُمَّةٍ وصلت إلىٰ مكانة مرموقةٍ كان ذلك بالصبر. بالصبر تُنال الأُمور المرغوبة. ومن الأُمور التي أُكِّد عليها كثيرًا في النصوص الدِّينيَّة، العلاقة
بين الصبر والنصر؛ فإنَّ النصر مرتبط بالصبر. مَنْ يصبر ينال النصر، وإنْ طال الزمن. لذلك يجب الصبر لتحقيق النصر. بالتالي، الصبر من خلال الإنجازات التي يُحقِّقها يُفضي إلىٰ الرضا. عندما يعلم الإنسان أنَّه سينال النصر ويراه سيشعر بالرضا.
البُعد الثاني: «النموُّ الشخصيّ»: الشخص الصبور هو شخصٌ ناضج. بعيدًا عن الإنجازات الحياتيَّة يساهم الصبر في نضوج الفرد. مَنْ لا يملك الصبر لا يُعَدُّ إنسانًا ناضجًا. الصبر علىٰ كلِّ مشكلة يواجهها الإنسان في حياته يُضيف خطوةً أو أكثر في طريق نضوجه. هذا الشعور بالنموِّ ينعكس علىٰ تصوُّر الإنسان لنفسه، ويزيد من مستوىٰ الرضا عن حياته.
الخلاصة: الصبر يُؤثِّر علىٰ الحياة من جوانب ثلاثة: تقليل الضغوط النفسيَّة والمشاعر السلبيَّة الناتجة عن المشكلات، تمكين الفرد من مواجهة المشكلات بطريقةٍ منطقيَّة، تحقيق الخير والنِّعم. عندما يستطيع الإنسان تقليل المشاعر السلبيَّة، ويجد القدرة علىٰ مواجهة المشكلات، ويُحقِّق الإنجازات، فمن الطبيعي أنْ يشعر بالسكينة والراحة.
كما أشرنا سابقًا، فإنَّ التفاعل الإيجابيّ مع الأُمور المحبوبة هو الشكر والحمد، بينما التفاعل الإيجابيّ مع الأُمور المكروهة هو الصبر والثبات، وهذان معًا يُشكِّلان الرضا عن نظام الكون. ومن البديهيّ أنَّ أيَّ ردِّ فعل آخر بخلاف هذا هو سلبيّ. المثير للاهتمام أنَّ التفاعل السلبيّ في أحد الموقفين يُؤدِّي غالبًا إلىٰ التفاعل السلبيّ في الموقف الآخر. علىٰ سبيل المثال، إذا فقد الإنسانُ الصبرَ في موقفٍ مكروه، فسوف يُظهِر الجحود في موقفٍ محبوبٍ أيضًا. إنَّ أحد أساسيَّات الحياة الطيِّبة هو ضبط التفاعلات السلبيَّة في كلا الموقفين. وقد تناولت الآيات القرآنيَّة والروايات الإسلاميَّة هذا الموضوع باهتمام. لذلك، سنبدأ بدراسة سلوك الإنسان في هذين الموقفين، ثمّ نستعرض العوامل المؤثِّرة في التحكُّم بها.
(51)
بعض الناس عندما يواجهون موقفًا محبوبًا يغرقون في الغرور والفرح المفرط، وعندما يواجهون موقفًا مكروهًا يغرقون في اليأس والقنوط. هذا النمط من التفاعل مع المحبوب والمكروه تمَّ توضيحه في كلام الله تعالىٰ: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (الروم: 36).
«الفَرَح» يُفهَم -هنا- بمعنىٰ الجحود بالنِّعمة ونسيان المُنعِم (الله سبحانه وتعالىٰ)، بينما «القنوط» يعني اليأس وفقدان الأمل. يرىٰ الناس الظاهر فقط، ولا يتجاوزون ما تراه أعينهم من النِّعمة أو المصيبة؛ عندما ينالون نعمةً يفرحون بها دون أنْ يتأمَّلوا أنَّها ليست بأيديهم بل جاءت بفضل مشيئة الله سبحانه وتعالىٰ، وإذا فقدوا نعمة يدخلون في حالةٍ من اليأس وكأنَّ الله ليس له علاقة بالأمر، هؤلاء الناس سطحيُّون في تفكيرهم.
في الآيات 49 و50 من سورة فُصِّلت إشارةٌ إلىٰ جذور «الفَرَح والقنوط». تشير هذه الآيات إلىٰ غرور الإنسان بنفسه؛ فعندما يُصاب بضررٍ يعجز عن دفعه يغرق في اليأس ويلجأ إلىٰ الدعاء والتضرُّع لله، وإذا نال رحمةً بعد الضرر يغترُّ بها
ويقول: «هذا لي». يصبح الخير الذي يناله وسيلةً لنسيان الله وكلِّ حقيقة أُخرىٰ. في الآية الأُولىٰ، يُرجِع القرآن الكريم سبب يأس الإنسان إلىٰ طبيعته الطامعة وحبِّه للراحة. الحقيقة أنَّ الإنسان لا يملُّ من طلب الخير، ولكنَّه إذا أصابه شرٌّ يفقد الأمل فقدانًا مفرطًا؛ لأنَّه يعتقد أنَّ كلَّ الأسباب التي يعتمد عليها قد تخلَّت عنه.
ردُّ فعل بعض الأشخاص يكون علىٰ شكل «الفَرِح والكُفران»، ويختلف عن النموذج السابق. ورد في الآية 48 من سورة الشورىٰ: (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾. في هذه الآية الكريمة إشارة إلىٰ إعراضهم، وتوبيخ الله لهم علىٰ انشغالهم بالدنيا؛ لأنَّ طبيعة هذا الإنسان تميل إلىٰ الغفلة عن الله. فمهما ذُكِّر بالنعمة التي أنعم الله بها عليه، فإنَّ فرحه بهذه النعمة يمنعه من تذكُّر المنعم. وإذا ذُكِّر بالعذاب أو المصيبة التي هي نتيجة لأفعاله السابقة، فإنَّ طبيعته الكافرة تمنعه من التذكُّر أيضًا. وهكذا يبقىٰ هذا الإنسان غافلًا عن ذكر ربِّه سواء في النعمة أم العذاب. وبالتالي، من المستبعَد أنْ تُؤثِّر فيه الدعوة أو تفيده الموعظة.
في الآيتين 9 و10 من سورة هود، ورد وصف ردود الفعل لكلتا الحالتين، ما نتج عنه نموذج «الفَرِح والفخر - اليأس والكُفران»: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾.
النموذج المذكور في هذه الآيات يدمج ردود الفعل في الآيتين السابقتين في حالة الضيق، مع إضافة الفخر في حالة النعمة. معنىٰ الآية أنَّه إذا أعطينا الإنسان نعمةً من نِعَم الدنيا ثمّ أخذناها منه، فإنَّه يصير في غاية اليأس ويعتقد أنَّ عودة النعمة أمر مستحيل، ثمّ يكفر بنعمة الله، وكأنَّه كان يعتقد أنَّ النعمة حقٌّ ثابت له، وأنَّ الله ملزم بإعطائها له. وإذا حصل علىٰ نعمةٍ بعد بلاء، فإنَّه يفرح فرحًا شديدًا، متصوِّرًا أنَّ النعمة ستبقىٰ إلىٰ الأبد. ولو تأمَّل أنَّ ما بين يديه من نعمةٍ زائل، ولا يستطيع الاعتماد علىٰ دوامها؛ لأنَّها ليست بيده بل هي بيد الله، لما فرح بهذه الطريقة. وكذلك عندما يُعطىٰ نعمةً، فإنَّه يتفاخر بها علىٰ الآخرين، مع أنَّ الفخر يخصُّ الفضائل التي يكتسبها الإنسان بنفسه، وليس الصفات الممنوحة له مثل الجمال، أو الصحَّة، أو
المال. ومن خلال هذا التفاخر، يظهر أنَّه يعتبر النعمة من نفسه، وأنَّه المتصرِّف فيها، متجاهلًا أنَّ الله هو المعطي والسالب.
بعض الأشخاص يتصرَّفون وفق نموذج «الدعاء والإعراض». هذا النموذج ورد في آيات القرآن الكريم بصيغٍ متعدِّدة. ففي الآيات الآتية من سورة فُصِّلت التي تناولت جذور الفرح واليأس، جاء قوله تعالىٰ: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) (فصّلت: 51).
عبارة (وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ) كناية عن الابتعاد والإعراض، وهي -أيضًا- كناية عن التكبُّر والغطرسة. أمَّا «الدعاء العريض»، فيعني الدعاء الطويل والمستمرُّ، وهو كناية عن إصرار الداعي في طلبه. في المجمل، الآية الكريمة تعاتب الإنسان علىٰ أنَّه حين يمنُّ الله عليه بنعمة، يعرض ويتكبَّر، ولكن حين تُسلَب منه النعمة، يتذكَّر الله ويلجأ إليه بإلحاحٍ في الدعاء.
في آيةٍ أُخرىٰ، جاء بدلًا من كلمة «الإعراض» تعبير «الشرك»: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) (الروم: 33).
مفهوم الآية أنَّ الإنسان، حين يُصاب بأدنىٰ ضرر، مثل
عنه الشدَّة ويمنحه نعمةً من عنده، ينسىٰ الشدَّة والدعاء الذي كان يتضرَّع به لرفعها.
في آية أُخرىٰ، بدلًا من الإعراض، استُخدِمَ التعبير (كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا) للدلالة علىٰ أنَّه كأنْ لم يدعُ اللهَ أصلًا: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (يونس: 12).
معنىٰ الآية هو: عندما تصيب الإنسانَ بليةٌ عظيمةٌ أو شدَّةٌ قاسية، يلجأ إلينا باستمرار ودون انقطاع لرفع تلك الشدَّة، ويُصِرُّ في دعائه إلينا، ولكن عندما نرفع عنه البلاء ينسىٰ أمرنا تمامًا، ويتوجَّه قلبه نحو الأعمال التي كان منشغلًا بها قبل ذلك. وهكذا تبدو تلك الأفعال -التي يقوم بها المسرفون والمبالغون في التمتُّع بزخارف الدنيا- جميلةً في أعينهم، إلىٰ درجةٍ أنَّ جانب الربوبيَّة ينسونه تمامًا، وحتَّىٰ إنْ ذكَّرهم أحدٌ بذلك، فإنََّهم يُعرضون عن ذكر الله إعراضًا تامًّا.
في سورة الأعراف، عوضًا عن كلمة «دعاء»، استُخدِمَ تعبير «التضرُّع»، وعوضًا عن الإعراض، وردت عبارة (قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ): (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ
حَتَّىٰ عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (الأعراف: 94-95).
يشير الله سبحانه في هذه الآية إلىٰ أنَّ سُنَّته الإلهيَّة كانت دائمًا جاريةً بأنْ يُرسِل نبيًّا إلىٰ كلِّ منطقة ليهدي أهلها. ولتحقيق هذا الهدف، كان يبتلي أهل تلك المنطقة بأنواعٍ مختلفةٍ من المصاعب الماليَّة والجسديَّة؛ لعلَّهم يتضرَّعون إلىٰ ربِّهم ويتوسَّلون إليه، ما يُسهِم في نجاح دعوة النبيِّ بنحوٍ أفضل وأسرع، ثمّ يمنحهم الله المال والأولاد بعد أنْ قلَّل منها بالبليَّات، ولكن بدلًا من أنْ يهتدوا إلىٰ الطريق الحقِّ ويعترفوا بأنَّ الضرَّاء والسرَّاء من عند الله تعالىٰ، قالوا: إنَّ الإنسان في هذا العالم المادِّي محكومٌ بالتغيُّر والتحوُّل، لذا فإنَّ النِّعَم والمصائب ليست سوىٰ نتائج طبيعيَّة لتحوُّلات هذا العالم، وليست ابتلاءاتٍ من الله أو نقماتٍ منه.
في بعض الآيات الأُخرىٰ، يُطرَح نمط «الجزع والمنع»، ويُذكر أنَّ بعض الناس عند الابتلاءات يجزعون، وعند النِّعَم يبخلون. ورد ذلك في آياتٍ من سورة المعارج: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) (المعارج: 19-21).
«الهلوع» هو الشخص الذي يُظهِر جزعًا كبيرًا عند مواجهة المصاعب، وعندما ينال الخير يمتنع عن الإنفاق علىٰ الآخرين. فالشخص الهلوع بطبيعته يمتلك حرصًا شديدًا علىٰ المنافع والخيرات المتعلِّقة بنفسه، وهذا الحرص الشديد يجعلُه مضطربًا عند مواجهة الشرِّ؛ لأنَّ الشرَّ يناقض الخير. كما يدفعه هذا الحرص إلىٰ تقديم مصلحته الخاصَّة علىٰ مصالح الآخرين، فيمتنع عن إعطائهم، إلَّا إذا كانت المصلحة تعود إليه بنفعٍ أكبر. وبالتالي، فإنَّ الجزع عند الشرِّ، والمنع عند الخير، هما من خصائص «الهَلَع» ونتائج طبيعته.
ممَّا سبق يتَّضح أنَّ هناك أنماطًا خمسةً للسلوك السلبيّ تجاه المواقف السارَّة وغير السارَّة في القرآن الكريم، ويمكن تلخيصها في الجدول الآتي:
كما يظهر، هناك اختلاف بين النمط الرابع والأنماط السابقة، وهو أنَّ النمط الرابع يشير إلىٰ الدعاء وطلب المساعدة من الله في حالة الشدَّة، بينما الأنماط الثلاثة الأُولىٰ تشير إلىٰ اليأس والقنوط. والسؤال -هنا- هو: كيف يمكن الجمع بين اليأس والدعاء؟ الشخص اليائس كيف يمكن أنْ يدعو؟ الأمل هو
(60)
الأساس للدعاء والطلب، ومن دون الأمل يصبح الدعاء بلا معنىٰ. فهل يشير هذا الاختلاف إلىٰ نوعين مختلفين من الاستجابات، أم أنَّه يمكن تقديم تفسيرٍ آخر لهذه الحالة؟ قبل الوصول إلىٰ خلاصة نهائيَّة، يجب الإجابة عن هذا السؤال.
الجواب يكمن في اختلاف موضوع «اليأس» و«الدعاء». موضوع «اليأس» هو «الأسباب المادّيَّة»، بينما موضوع «الدعاء» هو «الله سبحانه وتعالىٰ».
توضيح: إنَّ طبيعة هؤلاء الأفراد تجعلهم يغفلون عن الله، ويرون أنَّ كلَّ شيءٍ يعتمد علىٰ قدرتهم الشخصيَّة والأسباب المادّيَّة، ولا يعترفون بأيِّ دورٍ لله. لذلك، عند وقوع البلاء والمحن، حيث تُغلَق كلُّ السُّبُل المادّيَّة ويصبح الفرد عاجزًا، فإنَّهم بطبيعتهم يصابون باليأس. هذا اليأس هو اليأس من أنفسهم ومن الأسباب المادّيَّة. ومع ذلك، ولأنَّ الإنسان بفطرته يبحث عن الله، فإنَّه يقطع الأمل عن نفسه وعن الأسباب المادّيَّة، ويتوجَّه إلىٰ الله بالدعاء وطلب العون. هذا الانتقال هو في الحقيقة انتقال من الطبيعة إلىٰ الفطرة. بعبارة أُخرىٰ: الفرق يعود إلىٰ اختلاف مقتضيات الطبيعة والفطرة. طبيعة هؤلاء الأفراد هي الكفر والجحود، ولذلك يكون اليأس من غير الله. أمَّا الفطرة، فإنَّها تجعل الإنسان يأمل بالله، فيتوجَّه إليه بالدعاء.
ما سبق أشار إلىٰ ردود الفعل تجاه الأوقات العصيبة. ومضافًا إلىٰ ذلك، هناك اختلاف في ردود الفعل تجاه الأوقات السعيدة بين النمط الرابع والأنماط الثلاثة الأُولىٰ. ففي الأنماط الثلاثة الأُولىٰ، يُذكَر «الفرح»، بينما في النمط الرابع يُذكَر «الإعراض». مع قليلٍ من التأمُّل في تفسير الآيات المتعلِّقة، تزول هذه التناقضات الظاهريَّة؛ لأنَّ أصل الفرح هو الغفلة عن الله، وهذا لا يتعارض مع الإعراض عنه، بل يتناسب معه؛ فهؤلاء الأفراد يغفلون عن الله ويعرضون عنه، وينشغلون بالفرح والسرور المفرط. لذلك، في بعض الآيات، يُستخدَم «اليأس» للتعبير عن ردِّ الفعل تجاه الأوقات العصيبة (كما في الأنماط الثلاثة الأُولىٰ)، ويُستخدَم «الإعراض» للتعبير عن ردِّ الفعل تجاه الأوقات السعيدة (كما في النمط الرابع): (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا) (الإسراء: 83).
في تحليل هذه الأنماط الخمسة، يمكن القول: إنَّ الإنسان في الحالة العصيبة، وبسبب طبيعة البشر الجاحدة (الكفران)، يغفل عن الله. لذلك، من ناحيةٍ، ينحدر إلىٰ (اليأس) ويصبح غير صبور أمام المصاعب (الجزع). ومن ناحيةٍ أُخرىٰ، بسبب فطرته التي تتوجَّه إلىٰ الله، يلجأ إليه ويطلب منه العون (الدعاء). أمَّا في الحالة السعيدة، فإنَّه يغفل مجدَّدًا عن الله، فيدير ظهره له (الإعراض)، وبسبب الغرور والتكبُّر، ينغمس في السرور
والفرح المفرط (الفرح)، ويفخر بنفسه (الفخر)، ويمنع الخير عن الآخرين (المنع).
كما هو واضح، تُبيِّن آيات القرآن الكريم بوضوحٍ أبعادًا مختلفةً للتفاعل السلبيّ تجاه هذين الموقفين. الآن جاء دور الإجابة علىٰ السؤال: كيف يمكن تحويل التفاعل السلبيّ إلىٰ تفاعلٍ إيجابيّ؟ سنناقش هذا الموضوع في مستويين: الأوَّل مستوىٰ الروايات التي تناولت مباشرةً ضبط موضوعَي الحزن والسرور، والثاني الأُمور التي تسهم في تحقيق التفاعل الإيجابيّ تجاه كلٍّ من المواقف السارَّة وغير السارَّة.
إنَّ الوعي بالنموذج السلوكيّ للأفراد في المواقف السارَّة وغير السارَّة يُعَدُّ من القضايا المهمَّة في هذا المجال. وفقًا للنصوص الإسلاميَّة، توجد نماذج خمسة في هذا السياق وهي: «الفَرَح - القنوط»، «الفَرِح - الكفران»، «الفَرَح والفخر – اليأس والكفران»، «الدعاء - الإعراض»، و«الجزع - المنع». بينما النموذج المناسب لهذين الموقفين هو «الشكر - الصبر».
(63)
إنَّ قدرةَ عاملٍ واحدٍ علىٰ ضبط استجابتين مختلفتين في موقفين متناقضين تُعَدُّ موضوعًا فريدًا ومثيرًا للاهتمام، لم يُسلَّط عليه الضوء الكافي بعد ويستحقُّ دراسات علميَّة أعمق. يمكن فهم العوامل التي تعمل في موقفٍ معيَّن علىٰ أنَّها تستهدف سببًا محدَّدًا، ما يساعد في تعديل ردِّ فعل الفرد من خلال التحكُّم في ذلك السبب فقط. لكن العوامل التي تعمل في كلا الموقفين تشير إلىٰ وجود سببٍ مشتركٍ واحدٍ وراء التفاعل السلبيّ في الحالتين. إذا استطعنا التحكُّم في هذا السبب المشترك، سنتمكَّن من تعديل استجابة الإنسان في كلا الموقفين! إنَّ اكتشاف أنَّ سلوكين متناقضين في موقفين مختلفين يشتركان في سببٍ واحدٍ هو أمرٌ بالغ الأهمّيَّة. ومهمٌّ -أيضًا- أنْ نكتشف أنَّ عاملًا واحدًا يمكنه ضبط استجابتين مختلفتين في موقفين متضادَّين ليصل بالفرد إلىٰ سلوكٍ متوازنٍ. هذا يُعتبَر أحد المجالات المهمَّة في إنتاج العلم الإسلاميّ والتنظير في علم النفس المستند إلىٰ المعارف الإسلاميَّة. الأسباب المشتركة أعمق جذورًا من الأسباب الخاصَّة. السبب الخاصُّ يرتبط بوجه التمايز بين الاستجابتين، بينما الأسباب المشتركة تنفذ إلىٰ طبقاتٍ أعمق وتكتشف السبب الأساس المشترك، وينطبق الأمر نفسه علىٰ
(64)العوامل التي تضبط هذه الاستجابات. العوامل الخاصَّة تتحكَّم فقط في الأسباب الخاصَّة، بينما العوامل المزدوجة الوظيفة تتحكَّم في الأسباب المشتركة. لذلك، فإنَّ استخدام العوامل المشتركة والمزدوجة الوظيفة يُقلِّل من تكلفة التعديل والعلاج ويزيد من نجاحهما، وهذه ميزة أُخرىٰ لهذه العوامل.
علىٰ أيِّ حالٍ، يُعتبَر هذا الموضوع من الإمكانات المهمَّة في المصادر الإسلاميَّة التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي. في ما يأتي، سنتناول عرض هذه العوامل. هذه العوامل تمنع ظهور الاستجابات السلبيَّة وتُؤدِّي إلىٰ ظهور الاستجابات الإيجابيَّة؛ أي الصبر في مواجهة المواقف غير السارَّة، والشكر في مواجهة المواقف السارَّة، وبالمجمل: الرضا بتقدير الله سبحانه وتعالىٰ.
اللذَّة جزءٌ لا يتجزَّأ من الحياة؛ ولكن الخطأ يكمن في أنْ يجعل الإنسان محور حياته قائمًا علىٰ اللذَّة والاستمتاع فقط. هذا الأساس يُؤدِّي إلىٰ التباهي في السرَّاء والجزع في الضرَّاء. إذا أصبحت اللذَّة فلسفة الحياة، فإنَّ الإنسان في حالة السرَّاء يصاب بالفرح والفخر، وفي حالة الضرَّاء يصاب باليأس والجزع؛ والسبب في ذلك أنَّ السرَّاء تتوافق مع طبيعة الإنسان الباحث عن اللذَّة، وبالتالي يشعر بالفرح عند تحقُّقها، بينما تتعارض الضرَّاء مع هذه الطبيعة، ما يُؤدِّي إلىٰ الضيق والتذمُّر.
بعبارة أُخرىٰ: عندما تصبح اللذَّة محور الحياة، يقوم الإنسان بتقييم وضعه بناءً علىٰ معادلة اللذَّة. وفقًا لهذه المعادلة، تصبح اللذَّة معيار الحكم والشعور، وليس الخير. بينما كما أوضحنا سابقًا، فإنَّ أساس الرضا هو الخير وليس أيُّ شيءٍ آخر.
من بين الأُمور التي تُقلِّل من التفاعل السلبيّ في كلا الموقفين وتُؤدِّي إلىٰ ردِّ فعلٍ إيجابيّ، هو تعديل النزعة إلىٰ اللذَّة وإبعادها عن محور الحياة. إذا لم تكن اللذَّة محور الحياة، فستُمنَح بطبيعة الحال، لكنَّها لن تلعب دورًا حاسمًا في تحقيق الرضا أو التذمُّر. عندما لا تكون اللذَّة أساس الحياة، لن يُصبح الإنسان مفرط السعادة في السرَّاء أو شديد البؤس في الضرَّاء؛ لأنَّه لا يُقيِّم وضعه بناءً علىٰ معادلة اللذَّة. لذلك، يُركِّز الإسلام علىٰ تعديل اللذَّة ويقدِّم حلولًا لتحقيق ذلك.
في الثقافة الإسلاميَّة، يُعتبَر «ذكر الموت» عاملًا لتعديل اللذَّة. النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أكَّد علىٰ دور ذكر الموت في تعديل حُبِّ اللذَّة، مشيرًا إلىٰ تأثيره في السرَّاء والضرَّاء. فقال: «ما ذكره أحد في ضيقٍ من العيش إلَّا وسَّعه عليه، ولا ذكره في سعةٍ إلَّا ضيَّقها».
وفي روايات أُخرىٰ منقولة عن النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ورد أنَّه إذا تذكَّر الإنسان الموت في حالة الغنىٰ كسره، وإذا تذكَّره في حالة الفقر
أرضاه بحياته.
في هذه الروايات، توجد نقطتان رئيستان:
النقطة الأُولىٰ: هي الإشارة إلىٰ ذكر الموت بعبارة «هادم اللذَّات»، وهو وصفٌ يعكس أثره. بناءً علىٰ مبدأ التناسق بين الوصف والأثر، يتَّضح أنَّ سبب التحكُّم في السرَّاء والضرَّاء وضبط التفاعلات هو تعديل حُبِّ اللذَّة. ومن هنا، وبحركة عكسيَّة، يمكن استنتاج أنَّ أحد أسباب التفاعل السلبيّ هو ميل الإنسان المفرط إلىٰ اللذَّة.
النقطة الثانية: هي استخدام تعبير «الفقر والضيق» للموقف السلبيّ، وتعبير «الغنىٰ والسعة» للموقف الإيجابيّ؛ التعبير الأوَّل لكلِّ موقف يشير إلىٰ الحالة الموضوعيَّة للحياة، في حين أنَّ التعبير الثاني يعكس الحالة النفسيَّة للفرد. بناءً علىٰ ذلك، فإنَّ ذكر الموت يعمل علىٰ تعديل حُبِّ اللذَّة وتحويل الضيق النفسيّ في الأوقات الصعبة إلىٰ انشراحٍ ورضا، بينما يُحطِّم الشعور بالثراء في الأوقات السعيدة ويُقلِّل من الغرور الناجم عنه.
في حديثٍ آخر عن النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أُضيفت نقاطٌ أُخرىٰ إلىٰ
(67)ما سبق، قال النبيُّ: «أكثروا من ذكر هادم اللذات، فإنّكم إن كنتم في ضيق وسّعه عليكم، فرضيتم به فأجرتم، وإن كنتم في غنى بغضّه إليكم فجدتم به فأثبتم، إنّ المنايا قاطعات الآمال، والليالي مدنيات الآجال». في هذا الحديث، استخدم تعبير «الضيق والغنىٰ» مرَّةً أُخرىٰ لكلٍّ من الموقفين، وجرى توضيح عمليَّة تأثير ذكر الموت في كلٍّ منهما. بناءً علىٰ ذلك، فإنَّ ذكر الموت، من خلال تعديل حُبِّ اللذَّة، يُحوِّل الضيق النفسيّ في الأوقات الصعبة إلىٰ انشراحٍ يُؤدِّي إلىٰ الرضا، ما يجعل الفرد مستحقًّا للأجر الإلهيّ. أمَّا في الجانب الإيجابيّ، فإنَّ ذكر الموت يجعل الفرد ينفر من الشعور بالغنىٰ، ما يدفعه إلىٰ البذل والعطاء، وبالتالي يستحقُّ الأجر مرَّةً أُخرىٰ. في سياق السخاء، يرتبط هذا بالنقطة المتعلِّقة بأنَّ الإنسان مَنَّاع للخيرات، والتي وردت في القرآن الكريم وذُكِرَت سابقًا. بناءً علىٰ ذلك، فإنَّ ذكر الموت يُحوِّل المَنَّاعَة إلىٰ الكرم.
المخطَّط (11 - 2)
في بعض الروايات، ركَّزت النصوص فقط علىٰ المواقف
السلبيَّة. عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: شَكوْتُ إِلَىٰ أَبِي عَبْدِ الله عليهالسلام الْوَسْوَاسَ، فَقَالَ: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ اذْکُرْ تَقَطُّعَ أَوْصَالكَ في قَبْرِكَ ورُجُوعَ أَحْبَابِكَ عَنْكَ إِذَا دَفَنُوكَ في حُفْرَتِكَ وخُرُوجَ بَنَاتِ الْمَاءِ مِنْ مَنْخِرَيْكَ وأَکْلَ الدُّودِ لَحْمَكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسَلِّی عَنْكَ مَا أَنْتَ فِيه. قَالَ أَبُو بَصِيرٍ: فَوَاللَّه مَا ذَکَرْتُه إِلَّا سَلَّى عَنِّي مَا أَنَا فِيه مِنْ هَمِّ الدُّنْيا». وفي حديثٍ عن الإمام عليٍّ عليهالسلام عن النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ورد أنَّ ذكر الموت يفصل الإنسان عن الشهوات، ما يجعل المصائب أهون عليه، ويُحفِّزه علىٰ الإسراع في فعل الخير.
ممَّا تقدَّم، يتَّضح أنَّ ذكر الموت له دور في الحياة سواء في المواقف السارَّة أم الكريهة، وفي كلتا الحالتين يساهم في السيطرة علىٰ النتائج السلبيَّة؛ فقد تنتج عن هاتين الحالتين آثار سلبيَّة، مثل الترف والبطر (التنعُّم والغرور) من جهة، والجزع من جهة أُخرىٰ. وفقًا لهذه الروايات، فإنَّ ذكر الموت هو ظاهرة تعمل في كلتا الحالتين المتناقضتين وتساهم في
تعديل نتائجهما. ورغم أنَّ دراسة هذا الموضوع تتطلَّب بحثًا مستقلًّا، لكنَّ الروايات استخدمت كلمات يمكن أنْ تساعد في توضيح الفكرة. في ما يتعلَّق بفترة الشدَّة، ورد التصريح بأنَّ ذكر الموت يُسبِّب «توسعة الضيق»، و«الرضا». عندما تُزال الضوائق، تقلُّ الضغوط النفسيَّة ويحصل الرضا. أمَّا بالنسبة إلى فترة السعة، فقد ورد التصريح بأنَّ ذكر الموت يُسبِّب «كراهية الغنىٰ»، و«التضييق»، و«هدم الإحساس بالغنىٰ». عندما يشعر الإنسان بكراهية وضعه المادِّيّ، يخرج من حالة الغرور، وتصبح تلك السعة ضيقة عليه، ومن ثَمَّ يتجنَّب السلوكيَّات السلبيَّة المرتبطة بفترة السعة. سرُّ الأمر يكمن في خاصّيَّة «الهدم» للذَّة. فذكر الموت بهذه الخاصّيَّة يُعدِّل كلًّا من فترات السعة والضيق.
باختصار، فإنَّ ذكر الموت يُعدِّل من نزعة اللذَّة، ما يُؤدِّي إلىٰ تعديل ردود الأفعال السلبيَّة. وبما أنَّ الموت جزء من الحقائق الإلهيَّة في الحياة، والمسائل النفسيَّة المرتبطة به جزء من القوانين النفسيَّة الحاكمة علىٰ الإنسان والتي نظمها الله تعالىٰ، فإنَّ هذا الموضوع يرتبط أيضًا بالتوحيد.
الرغبة والميل أحد الأبعاد الوجوديَّة للإنسان التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمواقف السارَّة وغير السارَّة. يمكن تنظيم نظام الرغبة لدىٰ الإنسان بطُرُق مختلفة، وبالتالي فإنَّ النموذج الحاكم علىٰ هذا النظام يمكن أنْ يُؤدِّي إلىٰ التوازن أو عدمه. في ما يأتي، نتناول هذا الموضوع.
للرغبة والتعلُّق نظام خاصٌّ. فالإنسان إذا تعلَّق بشيءٍ ورغب فيه، فإنَّه يُعرِض عن ضدِّه. والسؤال المهمُّ هو: بماذا ينبغي أنْ يتعلَّق الإنسان؟ إذا ارتبطت رغبة الإنسان بالدنيا، فإنَّ هذا التعلُّق يُولِّد ارتباطًا شديدًا، بحيث يجعل الحصول عليها سببًا في سعادته الشديدة، وفقدانها سببًا في حزنه وجزعه الشديد. حين يرتبط قلب الإنسان بالدنيا، يصبح أسير تقلُّباتها؛ فإنْ أقبلت الدنيا عليه، ارتفع وبلغ حدَّ الغبطة والانبساط، وإنْ أدبرت عنه، انخفض وأُصيب باليأس والكآبة.
عن الإمام الكاظم عليهالسلام ، ضمن وصاياه لهشام بن الحَكَم: قال المسيحA لحواريِّيه: «أكثر الناس جزعًا عند البلاء هو أشدّهم حبًّا للدنيا». كذلك يقول الإمام عليٌّA والإمام
الصادق عليهالسلام : «من كانت الدنيا همّته، اشتدّت حسرته عند فراقها».
التعلُّق بالدنيا يورث الإنسان شهيَّة لا تشبع، فلا يكتفي مهما بلغ ممَّا فيها، ولا يصل إلىٰ أقصىٰ طموحاته، فيظلُّ يشعر بالفقر والحاجة، ويعاني من اضطرابٍ وقلقٍ دائمَين، ينشغل فكره ويرهق ذهنه. لهذا، فإنَّ الإنسان مهما بلغ من نعيم الدنيا، فإنَّه يظلُّ يعاني من الهمِّ والحزن. وفي النتيجة، فإنَّ الإنسان لا يجني من التعلُّق بالدنيا سوىٰ زيادة التعب والمشقَّة.
الارتباط بالدنيا الزائلة، بسبب تقلُّباتها العديدة، يلقي بالإنسان بين الارتفاع والانخفاض بشدَّة ويعكِّر صفو الحياة. فأحيانًا، يؤدِّي القلق من مستقبلٍ مجهول إلىٰ إصابة الإنسان بـ«الاضطراب»، وأحيانًا تكون المصائب والشدائد سببًا في إصابته بـ«الحزن»، وأحيانًا أُخرىٰ يُغرِق الماضي غير الناجح الإنسانَ في «الندم والحسرة». إنَّ المتعلِّق بالدنيا يحمل كثيرًا من
الآمال والتوقُّعات، ولكن بسبب طبيعة الدنيا الزائلة والمتقلِّبة، فإنَّها لا تستجيب لتطلُّعاته وآماله. ونتيجة ذلك، يكون إمَّا قلقًا بشأن مستقبل سيِّئٍ يرغب في تجنُّبه، أو حزينًا بسبب مصيبة لم يكن يتوقَّعها، أو نادمًا علىٰ ماضٍ لم يكن كما يريد. كلُّ هذا نتيجة التعلُّق بالدنيا. النبيُّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم يعتبر التعلُّق بالدنيا سببًا في زيادة الحزن والهمِّ. ويشير إلىٰ أنَّه يُؤدِّي إلىٰ شعورٍ بالفقر لا غِنىٰ له، وإلىٰ انشغالٍ دائمٍ لا فراغ منه، وحزن لا نهاية له. كما يذكر الإمام عليٌّ عليهالسلام أنَّ من عواقب التعلُّق بالدنيا: الحزن غير المثمر، والطمع، والآمال غير المحقَّقة. وبناءً علىٰ ذلك، فإنَّ المحنة مقترنة بحُبِّ الدنيا. رسالة هذه النصوص الدِّينيَّة -وهي كثيرة- ليست الدعوة إلىٰ هجر الحياة أو معاداتها، وإنَّما هي توضيح لحقيقة التعلُّق بالدنيا ودوره في تدمير الحياة وعدم الرضا بها. ومَنْ يعي هذه الحقائق يسعىٰ لتجنُّب التعلُّق بالدنيا لكي يعيش حياة مطمئنِّة.
من العوامل المهمَّة للوقاية من ردود الأفعال السلبيَّة في كلتا الحالتين (السعادة والشقاء) هو الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. ومع إدراك الحقيقة القائلة بأنَّ جذور كلتا ردود الأفعال السلبيَّة واحدة، يتَّضح أنَّ علاج هذا الإشكال -أيضًا- واحد، وهو قطع التعلُّق والرغبة في الدنيا. فإذا انقطع تعلُّق القلب بالدنيا، لا يفرح الإنسان في السعادة ولا يجزع في الشقاء. هذا هو ما يُعرَف في الأدبيَّات الدِّينيَّة بـ «الزهد». الزهد يعني «عدم الرغبة» وليس ترك الدنيا؛ ولذلك أكَّدت الروايات علىٰ أنَّ الزهد لا يعني تحريم الحلال أو ترك المال. الزهد لا يعني لبس الثياب الخشنة أو أكل الطعام الجشب بل الزهد يعني عدم التعلُّق. ولهذا جاء في الروايات -أيضًا- أنَّ الزهد والرغبة متقابلان.
إذا كان الإنسان زاهدًا أو غيرَ راغبٍ في الدنيا، فإنَّه لا يجزع في الشدائد ولا يفرح بشدَّة في المسرَّات؛ لأنَّ الزاهد ليس
«متعلِّقًا» بالدنيا بل هو «حُرٌّ» منها؛ ولهذا، لا يتأثَّر بالتقلُّبات الحادَّة في الحياة، ويعيش حياةً مطمئنَّة. وقد أشار القرآن الكريم إلىٰ هذه الحالة النفسيَّة الإيجابيَّة بقوله: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (الحديد: 23). وجاء في الروايات أنَّ زهد الإنسان وعدم رغبته في الدنيا يُؤدِّي إلىٰ أنْ لا تصيبه المصائب بالحزن، ولا تجعله النِّعَم يفرح بشدَّة.
يُقسِّم الإمام عليٌّA الناس من هذه الزاوية إلىٰ فئات ثلاث، وإحدى هذه الفئات هم الزُّهَّاد، ويشير في وصفهم إلىٰ هذه الحقيقة نفسها. وبحسب الإمام عليٍّ عليهالسلام ، فإنَّ الزاهد صبور تجاه المال الحرام وشاكر علىٰ نِعَم الله. ولذا، لا يقع في تبعات الثروة السلبيَّة.
من منظورٍ آخر، يعتبر من الصعوبات التي يواجهها المؤمن في الدنيا هي العزلة وقلَّة الاحترام الاجتماعيّ بين أصحاب الدنيا. ولكن الزهد يجعل المؤمن لا يجزع من خزيه في الدنيا، ولا يعير أيَّ أهمّيَّة لأصحاب الدنيا أو عزَّتهم.
وعلىٰ الجانب الآخر، أُشير إلىٰ أنَّ مَنْ يرغب في الآخرة والمعنويَّات، لا يبالي كيف يعيش أيَّامه: في يُسرٍ أو عُسرٍ.
إنَّ الزهد لا يُؤدِّي فقط إلىٰ السيطرة علىٰ ردود الأفعال السلبيَّة، بل يخلق ردودَ أفعالٍ إيجابيَّة. ولهذا، فإنَّ الزاهد، إنْ كان في أيِّ نوعٍ من البلايا يشكر الله، وإنْ كان في الرفاهية يحمده.
الزهد يُكسِب الإنسان حالةً من التحرُّر من تقلُّبات الحياة الدنيا وتغييراتها، ويضعه في مستوًى أعلىٰ. وبذلك، لا تُؤثِّر هذه التغييرات المادّيَّة بشدَّة علىٰ حالته النفسيَّة، ما يحفظ سلامتَه النفسيَّة. ونتيجة هذا الوضع هي الوصول إلىٰ الراحة النفسيَّة.
كما يُقلِّل الزهد من الضغوط النفسيَّة.
وردت في كتاب «نوادر الأُصول» قصَّةٌ تروي مثالًا ملموسًا للزهد. يقول أنس: «بَيْنَمَا نَحن جُلُوس عِنْد رَسُول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فَقَالَ: يطلع عَلَيْكُم الْآن رجلٌ من أهل الْجنَّة فَأطلع رجل من الْأَنْصَار تنطف لحيته من مَاء وضوئِهِ مُعَلّق نَعله فِي يَده الشمَال فَلَمَّا كَانَ من الْغَد قَالَ: رَسُول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يطلع عَلَيْكُم الْآن رجل من أهل الْجنَّة فَأطلع ذَلِك الرجل على مثل مرتبَة الأولى فَلَمَّا كَانَ من الْغَد قَالَ صلىاللهعليهوآلهوسلم مثل ذَلِك فَأطلع الرجل فَلَمَّا قَامَ اتّبعهُ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فَقَالَ: إِنِّي لاحيت لأبي فأقسمت أَن لَا أَدخل عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِن رَأَيْت أَن تؤويني إِلَيْك حَتَّى يحل يَمِيني فعلت قَالَ نعم فَإِذا لَهُ خيمة ونخل وشَاة فَلَمَّا أَمْسَى خرج من خيمته فاحتلب العنز واجتنى لي رطبَة ثمَّ وَضعه فَأكلت فَبَاتَ نَائِمًا وَبتّ قَائِمًا وَأصْبح مُفطرًا وأصبحت صَائِمًا فَفعل ذَلِك ثَلَاث لَيَال غير أَنه كَانَ إِذا انْقَلب على فرَاشه ذكر الله تَعَالَى وَكبّر حَتَّى يقوم لصَلَاة الْفجْر فيسبغ الْوضُوء غير أَنِّي لَا أسمعهُ يَقُول إِلَّا خيرًا فَلَمَّا مَضَت اللَّيَالِي وكدت أحتقر عمله قلت يَا عبد الله إِنَّه لم يكن بيني وَبَين وَالِدي غضب وَلَا هِجْرَة وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يَقُول لَك ثَلَاث مَرَّات فِي ثَلَاث مجَالِس: «يطلع عَلَيْكُم الْآن رجل من أهل الْجنَّة فطلعت أَنْت تِلْكَ المرات الثَّلَاث فَأَرَدْت أَن آوي إِلَيْك فَأنْظر مَا عَمَلك
فَأَخْبرنِي مَا عَمَلك قَالَ فأت الَّذِي أخْبرك حَتَّى يُخْبِرك بعملي فَأتيت رَسُول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فَقَالَ: ائته فمره فليخبرك فَقلت إِن رَسُول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يَأْمُرك أَن تُخبرنِي قَالَ: أمّا الْآن فَنعم لَو كَانَت الدُّنْيَا لي فَأخذت مني لم أَحْزَن عَلَيْهَا وَلَو أعطيتهَا لم أفرح بهَا وأبيت وَلَيْسَ على أحدٍ فِي قلبِي غلٍّ وَلَا أحسده على خير أعطَاهُ الله إِيَّاه قَالَ عبد الله لكنّي وَالله أقوم اللَّيْل وَأَصُوم النَّهَار وَلَو وهبت لي شَاة لفرحت بهَا وَلَو ذهبت لحزنت عَلَيْهَا وَالله لقد فضّلك الله علينا فضلًا بَيّنًا».
لتحقيقِ الرِّضا عن الحياة، لا يلزم تغييرُ العالم أو تمنِّي عالم آخر وإبداعه. يمكن العيش براحة في هذا العالم الزائل بشرط معرفة الطريق إلىٰ ذلك، وأحد هذه الطُّرُق هو عدم التعلُّق بالدنيا. في الأدبيَّات الدِّينيَّة، يُستخدَم مصطلح «الزهد» للإشارة إلىٰ عدم التعلُّق بالدنيا؛ فكلّما ذُكِرَ الزهد، يُقصَد به عدم التعلُّق بالدنيا، وهذا المفهوم هو أحد مفاتيح الرضا عن الحياة، يصف الإمام عليٌّ عليهالسلام ثمرة الزهد بأنَّها راحةُ الحياة، وعن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم الزهد يُوفِّر راحة الجسد والروح. بناءً علىٰ ذلك، مَنْ أراد أنْ يعيش
براحة، عليه أنْ يترك التعلُّق بالدنيا. ومضافًا إلىٰ ذلك، فإنَّ تذوُّقَ حلاوة الإيمان يرتبط بعدم التعلُّق بالدنيا؛ فإحدىٰ لذَّات الحياة هي تذوُّق حلاوة الإيمان، وأُولئك الذين يُحرَمون من هذه النعمة لا يتمتَّعون بلذَّة الحياة بنحوٍ كامل، والطريق إلىٰ تذوُّق حلاوة الإيمان هو ترك التعلُّق بالدنيا، يقول الإمام الصادق عليهالسلام في هذا الصدد: «حَرامٌ عَلی قُلوبِکم أن تَعرِفَ حَلاوَةَ الإِيمانِ حَتّی تَزهَدَ فِي الدُّنيا».
الإسناد (النسبة) يعني تحديد مصدر الأُمور ومَنْ الذي يديرها ويُنظِّمها. من المهمِّ جدًّا للإنسان أنْ يعرف مصدر ما يحدث أمامه وإلىٰ مَنْ يُنسَب. هذه النسبة لها دور كبير في تخفيف الضغوط النفسيَّة أو زيادتها. ليس المهمُّ بالنسبة إلى الإنسان ما الذي حدث بل الأهمُّ أنْ يعرف مَنْ الذي قام بهذا الفعل. إذا كان مصدر الفعل جهة يثق بها الإنسان ويطمئنُّ إليها، فإنَّه سيُظهِر ردَّ فعل إيجابيّ تجاه أفعالها. هذا يُوضِّح دور الإسناد في الأحداث.
من الأسباب المشتركة والمهمَّة للردود السلبيَّة في كلتا الحالتين السارَّة وغير السارَّة، هو اعتبار الأحداث غير متوقَّعة
أو عشوائيَّة. لهذا السبب، نواجه ردود أفعال تَحدَّثنا عنها سابقًا. كتب الإمام عليٌّ عليهالسلام رسالةً إلىٰ ابن عبَّاس، وذكر فيها جملة يقول عنها ابن عبَّاس: «لم أستفد بعد كلام النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم مثلما استفدت من هذه الجملة». الجملة تُعبِّر عن هذه الحالة التي وصفها الإمام عليهالسلام : «فَإنَّ المَرءَ قَد يسُرُّهُ دَرك ما لَم يکن لِيفوتَهُ ويسوءُهُ فَوتُ ما لَم يکن لِيدرِکهُ».
من الواضح أنَّ اعتبار الظواهر «غير متوقَّعة» هو الذي يُولِّد السرور أو الحزن لَدَينا، وهو أمرٌ لا يتوافق مع الواقع.
الحقيقة هي أنَّ كلَّ شيءٍ يحدث وفق تقديرٍ إلهيٍّ مسبق. الحلو والمرُّ في الحياة يخضع لبرنامجٍ دقيقٍ وهادفٍ وحكيم. إذا أدرك الإنسان أنَّ الحياة ليست كلُّها سعادة أو كلُّها شقاء، بل هي تجري وفق نظامٍ حكيمٍ ومدبَّر، فإنَّ ردَّ فعله تجاه الأحداث السارَّة وغير السارَّة سيتغيَّر؛ لن يكون هناك مبالغة في الفرح، ولا إفراط في الحزن والجزع. القرآن الكريم يُصرِّح بذلك في قوله: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (الحديد: 22-23).
إنَّ حكمةَ معرفة أنَّ حوادث الدنيا مكتوبة ومقدَّرة وفائدةَ ذلك
هي أنَّ الإنسان لا يحزن علىٰ ما فقده، ولا يفرح بما حصل عليه. يقول المرحوم العلَّامة الطباطبائي، مستندًا إلىٰ الآية الثانية، في هذا الصدد: (تعليل راجع إلىٰ الآية السابقة، وهو تعليل للإخبار عن كتابة الحوادث قبل وقوعها لا لنفس الكتابة، والأسىٰ الحزن، والمراد بما فات وما آتىٰ النعمة الفائتة والنعمة المؤتاة. والمعنىٰ: أخبرناكم بكتابة الحوادث قبل حدوثها وتحقُّقها لئلَّا تحزنوا بما فاتكم من النِّعَم ولا تفرحوا بما أعطاكم الله منها؛ لأنَّ الإنسان إذا أيقن أنَّ الذي أصابه مقدَّر كائن لا محالة لم يكن ليخطئه، وأنَّ ما أُوتيه من النِّعَم وديعة عنده إلىٰ أجلٍ مسمَّىٰ لم يعظم حزنه إذا فاته ولا فرحه إذا أُوتيه).
إنَّ منطق أهل البيت عليهمالسلام كان دائمًا هكذا. عندما وصل موكب أسرىٰ كربلاء إلىٰ الشام وديوان يزيد، وجَّه يزيد كلامه إلىٰ الإمام زين العابدين عليهالسلام بقراءة الآية: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (الشورى: 30)، أراد بذلك أنْ يُظهِر أنَّ هذا الحادث كان عقوبةً علىٰ أعمالهم، فردَّ عليه الإمام زين العابدين عليهالسلام بقراءة آيةٍ أُخرىٰ، موضِّحًا أنَّنا من أُولئك الذين لا يحزنون علىٰ ما فقدوه من أُمور الدنيا، ولا يفرحون بما حصلوا عليه. وكذلك خاطبت فاطمة الصغرىٰ في الكوفة وفي ديوان
عبيد الله بن زياد مستندةً -أيضًا- إلىٰ المبدأ نفسه.
عندما كان المسلمون في صدر الإسلام يواجهون أزمات، كان المنافقون يسخرون منهم بفرحٍ وسرور، فجاءت تسلية الله لهم بتذكيرهم بمسألة التقدير الإلهيّ، ووجَّه كلامه للنبيِّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم قائلًا: (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 50-51).
يعتقد العلَّامة الطباطبائيّ(قده) أنَّ حاصل الجواب هو أنَّ الولاية واختيار أُمورنا بيد الله وحده، وأنَّ الله تعالىٰ قدَّر مصيرًا محتومًا من الخير والشرِّ لكلِّ إنسان. ومع علمنا بأنَّ مصيرنا قد كُتِبَ وعُيِّن مسبقًا، لماذا لا نمتثل أوامره ولا نسعىٰ في إحياء أمره والجهاد في سبيله؟! فالله تعالىٰ يُنفِّذ مشيئته، سواء أدَّت إلىٰ نصرتنا أم هزيمتنا، وهذا لا علاقة له بعلمنا؛ لأنَّ وظيفة العبد هي العبادة، وكلُّ ذلك يختصر في التوكُّل. الإيمان بهذه الحقيقة يستلزم التوكُّل علىٰ الله وتفويض الأمر إليه، دون أنْ يُفضِّل الإنسان في قلبه الحسنات والنجاح في الحرب علىٰ المصائب والهزيمة، أو أنْ يختارها. وبالتالي، إذا جعل الله
الحسنة نصيبنا، فهذا منٌّ منه علينا، وإذا اختار لنا المصيبة، فذلك مشيئته واختياره، ولا لوم علينا، ولا ينبغي لنا أنْ نشعر بالحزن أو الأسىٰ.
يشير العلَّامة الطباطبائي في موضعٍ آخر إلىٰ الآيات السابقة (سورة الحديد، الآيتان 22 و23)، ويُؤكِّد أنَّ هذه الآيات تتضمَّن جميعها حقيقة ولاية الله سبحانه، وأنَّه لا ولاية ولا اختيار لأحدٍ سواه. نعم، إذا آمن الإنسان حقًّا بهذه الحقيقة وعرف مقام ربِّه، فإنَّه بطبيعة الحال يتوكَّل علىٰ ربِّه ويُفوِّض إليه حقيقة المشيئة والاختيار، فلا يفرح بالوصول إلىٰ الحسنة ولا يحزن عند المصيبة. كذلك، لا ينبغي للإنسان أنْ يفرح أو يحزن لما يصيب عدوَّه؛ لأنَّ ذلك -أيضًا- من الجهل بمقام الربِّ؛ إذ إنَّ العدوَّ ليس له اختيار من نفسه.
إنَّ الوصول إلىٰ هذه المرحلة، حيث يستطيع الإنسان الحفاظ علىٰ توازنه في اللحظات السارَّة وغير السارَّة من الحياة، يُعَدُّ من المراتب العالية للإنسان الناضج. لذا فإنَّ شخصًا مثل الإمام زين العابدين عليهالسلام يدعو في مناجاته الله أنْ يبلّغه هذه المرتبة. وكان من صفات لقمان الحكيم -أيضًا- تمتُّعه بهذه
الحالة. بناءً علىٰ ذلك، لا ينبغي عند وقوع حادثٍ أليم أنْ نقول: «ليت، ليت»، ممَّا يخلق أرضيَّةً لعدم الرضا؛ بل يجب أنْ نتأمَّل في كون الأُمور مقدَّرةً من الله تعالىٰ حتَّىٰ تهدأ النفس، يقول النبيُّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا الصدد: «إن أصابَك شَيءٌ فلا تقل: لَو أنّي فَعَلتُ کانَ کذا وکذا، ولکن قُل: قَدَرُ اللّٰه وما شاءَ فَعَلَ، فَإنّ «لَو» تَفتَحُ عَمَلَ الشيطانِ».
التوقُّعات التي نحملها عن الحياة تعني الرغبات والطموحات المادّيَّة فيها؛ أي الأشياء التي نودُّ الحصول عليها أو الأحداث التي لا نرغب في وقوعها. لكلِّ شخصٍ أُمورٌ يُحِبُّها وأُخرىٰ يكرهها، ولذلك يرغب في أنْ تسير حياته وفق ما يُحِبُّ، وتبتعد عمَّا يكره. كيفيَّة تنظيم التوقُّعات تلعب دورًا مهمًّا في الرضا أو السخط. والسؤال هنا: ما هو النموذج الذي يساعد في تنظيم التوقُّعات بحيث يقي الإنسان من ردود الفعل السلبيَّة تجاه الأحداث السارَّة وغير السارَّة ويُؤدِّي إلىٰ إيجاد ردودٍ فعلٍ إيجابيَّة؟
توقُّعات بعض الأفراد لا تتماشىٰ مع حقائق الحياة الدنيا.
فالسرَّاء والضرَّاء هما وجهان لعملة الحياة الدنيا، والعالم تحكمه قوانين تُشكِّل واقعه، وضعها الله سبحانه وتعالىٰ. هذه القوانين ثابتةٌ وغير قابلةٍ للتغيير، وهي مصمَّمةٌ بحيث تُحقِّق السعادة الحقيقيَّة والجوهريَّة للإنسان؛ لأنََّها قائمةٌ علىٰ مصلحة البشر. ولهذا السبب، فإنَّ عدم توافق التوقُّعات مع الحقائق يُؤدِّي إلىٰ السخط؛ لأنَّ هذا التناقض يُؤدِّي إلىٰ الفشل، والفشل في تحقيق التوقُّعات يُؤدِّي إلىٰ الشعور بعدم الرضا؛ إذا تحقَّقت توقُّعات الإنسان، شعر بالرضا والسرور، وإذا لم تتحقَّق، شعر بالسخط. بعض الناس يسعون إلىٰ التركيز علىٰ توقُّعاتهم ومحاولة جعل الواقع يتماشىٰ معها، وهذا يعني محاولة مواءمة الحقائق مع التوقُّعات. ولكن بالنظر إلىٰ ما سبق، فإنَّ قوانين الدنيا وحقائقها التي وضعها الله سبحانه وتعالىٰ غير قابلة للتغيير؛ يقول القرآن الكريم عن واقع حياة الإنسان في الدنيا: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4)، وينقل الإمام عليٌّ عليهالسلام هذه الحقيقة لابنه الإمام الحسن عليهالسلام في وصيَّته له.
الإنسان يسعىٰ إلىٰ الراحة والطمأنينة والتمتُّع بملذَّات الحياة. ولهذا، يعتقد أنَّ الدنيا مكانٌ لتحقيق هذه الرغبات أو يتمنَّىٰ أنْ تكون كذلك، ولكن الواقع هو أنَّ الدنيا ليست مكانًا للراحة والطمأنينة، وهنا يظهر التناقض بين التوقُّعات والواقع،
وهذا التناقض يُؤدِّي إلىٰ الشعور بالإحباط؛ لأنَّ الإنسان لا يجد ما يطلبه وما يتوقَّعه. وبالأساس، لم تُخلَق الراحة للدنيا، ومن الطبيعي أنَّ طلب ما لا وجود له يُسبِّب الألم والعذاب؛ قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ الله(عزّ وجلّ) يقول: ... وَضَعتُ الرّاحَةَ فی الجَنّةِ والناسُ يَطلُبونَها فِي الدُّنيا فلا يَجدونَها».
يُؤدِّي البحث عن ما لا وجود له إلىٰ الإحباط، والشعور بالإحباط يُؤدِّي بدوره إلىٰ الاكتئاب وعدم الرضا.
الإنسان يسعىٰ إلىٰ الراحة والطمأنينة. ولهذا يتوقَّع الراحة والسعادة من الدنيا، ولكن مثل هذا التوقُّع لا يتحقَّق في الدنيا، وهذا التوقُّع نفسُه يصبح سببًا للقلق وعدم الرضا. روىٰ الزهري أنَّ الإمام زين العابدين عليهالسلام التفت ذات يومٍ إلىٰ أحد الحاضرين في مجلسه وقال: «اتَّقِ اللهَ وأَجمِل فی الطَّلَبِ ولا تَطلُب ما لَم يُخلَق، فَإنَّ مَن طَلَبَ ما لَم يُخلَقُ تَقَطَّعَت نَفسُهُ حَسراتٍ ولَم يَنَل ما طَلَبَ»، أشار الإمام عليهالسلام في هذا القول إلىٰ أصلٍ بديهيٍّ، وهو «عدم إمكان الحصول علىٰ ما لم يُخلَق»، وهذا الأصل واضحٌ وبسيطٌ، لدرجة أنَّه قد يبدو غريبًا أنْ يُطالب به شخص. ولهذا تعجَّب المخاطَب وسأل: وَكَيْفَ يَنَالُ مَا لَمْ يُخْلَقْ؟
فأجاب الإمام عليهالسلام : «مَن طَلَبَ الغِنَی والأموالَ والسَّعَةَ فی الدُّنيا، فَإنّما يَطلُبُ ذَلِكَ لِلرّاحَةِ، والرّاحَةُ لَم تُخلَق في الدُّنيا ولا لِأهل الدُّنيا، إنَّما خُلِقَت الراحَةُ في الجَنّة ولِأهلِ الجَنّةِ، والتَّعَبُ والنَّصَبُ خُلِقًا في الدُّنيا ولِأَهلِ الدُّنيا».
في توضيح أنَّ المال والثروة لا يجلبان الراحة للبشر، يُقدِّم الإمام زين العابدين عليهالسلام بيانًا واضحًا يغني عن أيِّ شرح: «وما أُعطِيَ أحَدٌ مِنها جَفنَةً إلّا اُعطِيَ مِن الحِرصِ مثِلَيها، وَمَن أَصابَ مِن الدُّنيا أَکثَرَ کانَ فِيها أَشَّدَّ فَقرًا لِأنَّهُ يَفتَقِرُ إلَی النّاسِ في حِفظِ أموالِهِ، ويَفتَقِرُ إلَی کُلِّ آلَةٍ مِن آلاتِ الدُّنيا فَلَيسَ فِي غِنَی الدُّنيا راحَةٌ ولکِنَّ الشَّيطانَ يُوَسوِسُ إلَی ابنَ آدَمَ أنَّ لَهُ فِي جَمعِ ذلِكَ المالِ راحَةً، وإنَّما يَسوقُهُ إلَی التَّعَبِ في الدُّنيا والحِسابِ عَليهِ في الآخِرَةِ».
كما يُعلِّم الإمام الصادق عليهالسلام هذا المبدأ لأصحابه لتحسين حياتهم؛ إذ خاطبهم ذات يومٍ قائلًا: «لاَ تتَمَنَّوُا المُستَحِيلَ»، فتعجَّب الأصحاب حينها وسألوا: وَمَنِ الَّذِي يَتَمَنَّىٰ المُسْتَحِيلَ؟ فقال الإمام عليهالسلام بصراحة: «أنتُم، أَلَستُم تَمَنَّونَ الراحَةَ فِي الدُّنيا؟»، أجابوا: بَلَىٰ، فقال الإمام الصادق عليهالسلام : «الرّاحَةُ لِلمُؤمِنِ فِي الدُّنيا مُستَحيلَةٌ».
من هنا، فإنَّ السعيَ لتغيير الواقع وتطويعِه ليتوافق مع التوقُّعات الشخصيَّة ليس إلَّا جهدًا عبثيًّا لا يجلب سوىٰ المزيد من الألم والتعب، ما يُؤدِّي إلىٰ انتشار السخط وعدم الرضا.
يتَّضح ممَّا سبق أنَّ السبيل الصحيح هو تعديل التوقُّعات وتنسيقها مع الواقع؛ قوانين الحياة ثابتة ولا يمكن تغييرها. يجب علىٰ الإنسان أنْ يُطوِّع توقُّعاته لتتناسب مع طبيعة الدنيا التي يعيش فيها، حتَّىٰ يتمكَّن من العيش براحة، وهذا يعني توافق التوقُّعات مع الواقع. عندما يُنسِّق الإنسان توقُّعاته مع الواقع، تصبح توقُّعاته واقعيَّة، ما يُقلِّل من الشعور بالإحباط ويُؤدِّي إلىٰ الرضا بالحياة. بناءً علىٰ ذلك، يشير النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم إلىٰ بعض خصائص الدنيا مؤكِّدًا أنَّ معرفتها تُعدِّل ردود الأفعال السلبيَّة تجاه كلا الموقفين: «أيهَا النّاسُ! هذِهِ دارُ تَرَحٍ لا دارُ فَرَحٍ، ودارُ التِواءٍ لا دارُ استِواءٍ، فَمَن عَرَفَها لَم يفرَح لِرَجاءٍ، ولَم يحزَن لِشَقاءٍ».
وفي جانبٍ آخر من الروايات، ثمَّة تركيز علىٰ دور معرفة الدنيا في تقبُّل الأوقات العصيبة. تُعَدُّ المصائب والبلاءات من أهمّ مسبِّبات الشعور بعدم الرضا. الحزن والاكتئاب وعدم الرضا تُعَدُّ من تبعات المصائب في الحياة. يُؤكِّد الإمام عليٌّ عليهالسلام
علىٰ هذا المبدأ بأنَّ مَنْ يعرف الدنيا علىٰ حقيقتها، لن يشعر بالحزن أو عدم الرضا بسبب صعوباتها. لا يشير الإمام إلىٰ تصوُّر الدنيا كمكانٍ مليءٍ بالفرح والراحة، بل يُؤكِّد أنَّه إذا كانت معرفة الإنسان بالدنيا واقعيَّة، فإنَّ الصعوبات رغم الاعتراف بوجودها لن تُسبِّب له الحزن أو الشعور بعدم الرضا. تهدف التعاليم الدِّينيَّة إلىٰ تربية الإنسان ليكون قادرًا علىٰ الحفاظ علىٰ الأمل والتفاؤل حتَّىٰ في أوج المصاعب وأثناء أصعب الأزمات.
في سياق ما تقدَّم، فإنَّ العديد من النصوص الدِّينيَّة تناولت ماهيَّة الدنيا. تتمثَّل مهمَّة جميع النصوص التي تناولت الحديث عن الدنيا في تعريف الناس بحقيقتها. لذلك، سنستعرض الروايات الإسلاميَّة المتعلِّقة بهذا الموضوع لتوضيح الحقائق للإنسان، ما يمكِّننا من مواءمة توقُّعاتنا مع الواقع.
غالبًا ما يكون الأشخاص غير الراضين هم أُولئك الذين يتوقَّعون أنْ تكون الدنيا جنَّة. ففي الجنَّة، يتحقَّق كلُّ ما يريده الإنسان، بينما الأمر ليس كذلك في الدنيا. الدنيا لها طبيعتها وهدفها المحدَّد، ويتطلَّب ذلك من الإنسان أنْ يُنظِّم نفسه وفقًا
لهذه الطبيعة ويضبط توقُّعاته بناءً عليها. إذا توقَّع الإنسان من الدنيا أنْ تكون كالجنَّة، فسوف يحدث تناقض بين توقُّعاته وواقع الحياة، وهذا التناقض يُؤدِّي إلىٰ الإحباط، ممَّا يزيد من الضغوط النفسيَّة ويُؤدِّي إلىٰ الشعور بعدم الرضا. أمَّا إذا تعرَّف الإنسان علىٰ الدنيا كما هي وقَبِلَهَا، وخطَّط لحياته وفقًا للظروف الموجودة، يمكنه أنْ يطمح إلىٰ تحقيق الرضا عن الحياة. في الجنَّة، يتحقَّق ما نريده؛ أمَّا في الدنيا، فعلينا أنْ نرغب في ما هو ممكن الحدوث. وهذا مبدأ أساس لتحقيق الرضا عن الحياة.
النقاش يدور حول «البشر» الذين يعيشون في هذه «الدنيا». البشر لديهم رغبات، والدنيا لها مقتضياتها. الرغبات البشريَّة تدور حول ما هو «محبوب»، فما هو محبوب يصبح رغبة الإنسان. هذه قاعدة أساس. عندما يكون شيءٌ ما محبوبًا، ويصبح رغبة الإنسان، فإنَّ التوقُّع هو أنْ يتحقَّق هذا الشيء. لكن وفقًا لقوانين الدنيا، هناك أُمور «ممكنة» وأُخرىٰ «غير ممكنة». لذلك، يمكننا أنْ نُحِبَّ أيَّ شيء ونتمنَّاه، لكن هل كلُّ ما نُحِبُّ يمكن تحقيقه؟ وهل كلُّ ما هو محبوب يمكن أنْ يصبح واقعًا؟
في هذا السياق، يبدو أنَّه ينبغي تبديل موقع شيئين: «ما نُحِبُّه» و«إمكانات الحياة». نتوقَّع أنْ يتحقَّق كلُّ ما نُحِبُّه؛ أي أنْ تأتي درجة الحدوث بعد مشاعرنا. ولكن الواقع يقول: إنَّه يجب علينا أنْ نرغب في ما هو ممكن ويتوافق مع مقتضيات الحياة.
هذه هي الطريقة لتصحيح التوقُّعات. لذلك، علينا أنْ نرغب في ما هو ممكن، وإذا لم يتحقَّق ما نرغب فيه، فلا ينبغي أنْ نشعر بالاستياء واليأس؛ يقول الإمام عليٌّ عليهالسلام : «إذا لَم يکن ما تُريدُ، فَلا تُبَل ما کنُتَ»، وأضاف عليهالسلام : «إذا لَم يکن ما تُريدُ، فَلا تُبَل کيفَ کنتَ».
إنِ اعتبرنا الإنسان كائنًا تكون الدنيا هي نهاية حياته، وليس لديه وعاء آخر للحياة، وإذا نظرنا إلىٰ الدنيا علىٰ أنَّها غايةٌ قائمةٌ بذاتها، وكمالها يكمن في وفرة نعيمها، فسيصبح نقصها وفقدانها أُمورًا مؤلمة وغير قابلة للتحمُّل، وستصبح مباهجها ذات أهمّيَّةٍ كبيرةٍ وتدفع إلىٰ الغرور. ولكن، هل تصوُّرنا هذا يتطابق مع الواقع؟ الحقيقة هي أنَّ الدنيا ليست الوجودَ كلَّه، وحياة الإنسان ليست محصورةً في هذه الدنيا فقط. الدنيا ليست سوىٰ جزءٍ من الحياة بل هي مقدّمة تمهيديَّة للحياة الحقيقيَّة والدائمة للإنسان، وهي مزرعة الآخرة. لذا، الدنيا وحياة الإنسان فيها ليست ذات أصالة، وأُمور الإنسان كلُّها لا تُعرَّف داخلها فقط؛ نحن نأتي إلىٰ الدنيا، ولكنَّنا لم نُخلَق لها. الدنيا ليست كلُّ شيء، وليست
نهاية حياة الإنسان؛ لقد خُلقنا للآخرة، وخُلِقَت الدنيا لنا، والدنيا منزل لا بدَّ أنْ نستعدَّ فيه للرحيل في كلِّ لحظة، وليست دار إقامةٍ دائمة.
يجب أنْ نعتبر الدنيا ممرًّا للآخرة، لا بيتًا للحياة وموطنًا للإقامة. إذا أدركنا هذه الحقيقة وآمنَّا بها، فإنَّنا سنتحمَّل صعوبات الدنيا ونقائصها، لأنَّها مؤقَّتة وغير أصيلة. أمَّا الذي لا يُحتمل فهو نقائص دار الخلود والأصالة.
لتسهيل العيش في هذه الدنيا، من الأفضل أنْ نتصوَّر أنفسنا
فيها كالآتي: 1. كالضيف، 2. كغريبٍ وعابر سبيل، 3. كالحلم العابر، 4. كجسرٍ علىٰ نهر، 5. كالمسافر، 6. كمستأجر.
إحدىٰ أسباب الجزع أمام المصاعب هي المبالغة في تقدير
كرامة الجهاد وشرف الاستشهاد في سبيل الآخرة، فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾.
في الآية (39) من سورة غافر، أُكِّد علىٰ هذه الحقيقة بشأن الدنيا، وكذلك في الآية (60) من سورة القَصَص تنبيه إلىٰ أنَّ ما يصل إلىٰ الإنسان من هذه الدنيا هو متاعٌ محدود، بينما ما عند الله هو خير وأبقىٰ.
اللَّافت أنَّ هذه الآية تدعو الناس إلىٰ التعقُّل والتفكير، ما يشير إلىٰ دور الفهم الصحيح للدنيا في شعور الإنسان تجاه المكاسب أو الخسائر فيها. الذين يُقدِّرون الدنيا علىٰ أنَّها ذات قيمة عظيمة يفرحون بما ينالونه منها، في حين أنَّ الواقع يُظهِر أنَّهم اكتسبوا شيئًا قليل القيمة، لا يُبرِّر هذا الفرح المفرط، كما ورد في الآية: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) (الرعد: 26).
وفقًا للنصوص الدِّينيَّة، الدنيا ليست سوىٰ متاع قليل ينقضي سريعًا، مثل السراب الذي يختفي أو السحاب الذي يتبدَّد. إنَّها
تتجمَّع بصعوبة، وتُفيد قليلًا، وتفنىٰ بسرعة. حتَّىٰ لو طالت أيَّام الدنيا، فإنَّها قصيرة، ومهما كثرت متعها، فإنَّها قليلة.
إذا أدرك الإنسان هذه الحقيقة، سيعي أنَّ ما فقده أو لم يحصل عليه قليلٌ وغيرُ مهمٍّ، ما يجعله أقلَّ عرضةً للضغوط النفسيَّة. لكنَّ الأمر الأهمّ ليس حجم الشيء في الواقع، بل كيف ننظر إليه. إذا فقدنا شيئًا عظيمًا مثل الدِّين واعتبرناه غير مهمٍّ، فلن نحزن عليه كثيرًا؛ أمَّا إذا فقدنا شيئًا تافهًا وظننَّاه مهمًّا، فسنحزن بشدَّة. لذلك، لتحقيق الرضا عن الحياة وتقليل الضغوط النفسيَّة، ينبغي تصحيح تصوُّراتنا عن نِعَم الدنيا لتتوافق مع واقعها.
من بين الحقائق المتعلِّقة بالدنيا، هي عدم استقرارها وديمومتها. إذا أراد الإنسان أنْ يعيش حياةً ناجحةً ومُرضية، عليه أنْ يتعلَّق بما هو دائمٌ وثابتٌ لا يتغيَّر. فـ«ما لا يدوم، لا يستحقُّ التعلُّق». لكنَّ بعض الناس، بسبب رغبتهم في دوام حالتهم المرغوبة، يتخيَّلون أنَّ ما يُحِبُّونه دائم! في الحقيقة، يتحوَّل الميل إلىٰ دوام المرغوب إلىٰ اعتقادٍ بأنَّه دائم، رغم أنَّ الواقع يختلف تمامًا. الذين يرغبون في حياةٍ مريحةٍ ومطمئنَّةٍ يجب أنْ يؤمنوا بحقيقة عدم دوام الدنيا،
ما يجعلهم أكثر استعدادًا لمواجهة المصائب والأزمات. بناءً علىٰ ذلك، خصَّصت بعض النصوص الدِّينيَّة جزءًا كبيرًا لتوضيح هذه الحقيقة. يصف الله سبحانه وتعالىٰ الدنيا في القرآن الكريم بمثلٍ واضح: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس: 24)، وضرب سبحانه وتعالى في موضعٍ آخر مثلًا مشابهًا: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا) (الكهف: 45).
يُشبِّه الإمام عليٌّ عليهالسلام الدنيا بمرجٍ نضِرٍ تعجب منظره الناظرين، ماؤه عذب وتربته طيِّبة، لكنَّه سريع الزوال، يقول عليهالسلام : «فَهِي کرَوضَة اِعتَمَّ مَرعاها، وأعجَبَت مَن يراها، عَذبٌ شِربُها، طَيبٌ تُربُها، تَمُجُّ عُروقُها الثَّرى، وتَنطُفُ فُروعُهَا النَّدى، حَتّى إذا بَلَغَ العُشبُ إبّانَهُ، وَاستَوى بَنانُهُ، هاجَت ريحٌ تَحُتُّ الوَرَقَ، وتُفَرِّقُ مَا اتَّسَقَ، فَأَصبَحَت کما قالَ الله: ﴿هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾... اُنظُروا في الدُّنيا فی کثرَة ما يعجِبُکم، وقِلَّة ما ينفَعُکم».
ويصف أمير المؤمنين عليهالسلام زوال الدنيا بقوله: «دارٌ بِالبَلاءِ مَحفوفَةٌ وبِالغَدرِ مَعروفَةٌ، لا تَدومُ أحوالُها ولا يسلَمُ نُزّالُها، أحوالٌ مُختَلِفَةٌ وتاراتٌ مُتَصَرِّفَة...».
ويصفها الإمام الصادق عليهالسلام بقوله: «إنَّ هذِهِ الدُّنيا وإن أمتَعَت بِبَهجَتِها وغَرَّت بِزِبرِجِها، فَإِنَّ آخِرَها لا يعدو أن يکونَ کآخِرِ الرَّبيعِ الَّذي يروقُ بِخُضرَتِهِ ثُمَّ يهيجُ عِندَ انتِهاءِ مُدَّتِهِ. وعَلى مَن نَصَحَ لِنَفسِهِ وعَرَفَ حَقَّ ما عَلَيهِ ولَهُ، أن ينظُرَ إلَيها نَظَرَ مَن عَقَلَ عَن رَبِّهِ جَلَّ وعَلا، وحَذَرَ سوءَ مُنقَلَبِهِ؛ فَإِنَّ هذِهِ الدُّنيا قَد خَدَعَت قَومًا فارَقوها أسَرَّ ما کانوا إلَيها، وأکثَرَ ما کانُوا اغتِباطًا بِها، طَرَقَتهُم آجالُهُم بَياتًا وهُم نائِمونَ، أو ضُحىً وهُم يلعَبونَ...».
في الأدبيَّات الدِّينيَّة، تزخر النصوص بمثل هذه المعاني، حيث تُوضِّح حقائق الدنيا؛ فجزءٌ كبير من النصوص الدِّينيَّة يُبيِّن طبيعة الدنيا الزائلة. وإذا كانت الدنيا زائلةً، فلا يليق بالإنسان أنْ يتعلَّق بها.
أنْ تكون هناك وسيلةٌ واحدةٌ قادرةٌ علىٰ ضبط ردَّتي فعل مختلفتين في حالتين متناقضتين هو أمرٌ جديد ومثير للاهتمام لم ينل حظُّه من الدراسة الكافية. تُظهِر العوامل التي تعمل في كلتا الحالتين أنَّ هناك سببًا مشتركًا واحدًا وراء ردِّ الفعل السلبيّ في كليهما، وإذا تمَّ ضبطه، يمكن تعديل استجابة الإنسان في كلتا الحالتين!
من العوامل التي تضبط ردَّ الفعل السلبيّ في الحالتين وتُحدِث ردَّ فعل إيجابيّ:
العامل الأوَّل: تعديل اللذَّة وإزالتها من محور الحياة: عندما لا تكون اللذَّة هي محور الحياة، تتحقَّق دون أنْ تكون أساس الرضا أو السخط. بذلك، لا يصبح الإنسان مغرورًا في أوقات السرور ولا يائسًا في أوقات الشقاء. «الزهد» هو الحالة التي تُنظِّم رغبة الإنسان وتُحوِّلها من أُمورٍ زائلةٍ وغير مستحقَّة إلىٰ أُمور مستدامةٍ ومستحقَّة، ما يُحرِّره من التوتُّرات وتقلُّبات الحياة.
العامل الثاني: تنظيم التعلُّق والرغبة: التعلُّق بالدنيا يُدخِل الإنسان في حلقةٍ مفرغةٍ من الجشع الذي لا يمكن إشباعه، ما يجعله دائم الشعور بالفقر والحاجة، وبالتالي يتعرَّض لاضطراباتٍ نفسيَّةٍ وذهنيَّة. لكن إذا قطع الإنسان ارتباطه بالدنيا، فإنَّه لن يفرح بملذَّاتها الزائلة ولن يجزع في محنها. وهذا ما
(99)يُعرَف بـ«الزهد»، الذي يُمكِّن الإنسان من تجاوز تقلُّبات الحياة المادّيَّة ويحفظ استقراره النفسيّ.
العامل الثالث: تصحيح الإسناد: من الأسباب المشتركة وراء ردود الفعل السلبيَّة في الحالتين، اعتبار الأُمور غير متوقَّعة أو عشوائيَّة. لكن الإيمان بأنَّ كلَّ شيء يحدث بتقديرٍ إلهيٍّ وأنَّ مُرَّ الحياة وحلوها يتمّ وفق نظامٍ وحكمة، يجعل ردَّ الفعل مختلفًا. بهذا الإدراك، يختفي الفرح المفرط في السرور والتذمُّر المدمِّر في المحن.
العامل الرابع: تنظيم التوقُّعات: عدم تطابق التوقُّعات مع الواقع يُؤدِّي إلىٰ خيبة الأمل التي تُسبِّب بدورها شعورًا بالسخط. الحلُّ يكمن في تعديل التوقُّعات لتتوافق مع الواقع. عندما تصبح التوقُّعات واقعيَّة، تختفي مشاعر الفشل وتزداد مشاعر الرضا عن الحياة.
هذه العوامل الأربعة هي مفتاح التوازن النفسيّ والرضا عن الحياة، حيث يتجاوز الإنسان تقلُّبات الدنيا ويحافظ علىٰ سلامته النفسيَّة في مواجهة تحدِّياتها.
(100)
أحد أبعاد الحياة هو البُعد الإيجابيّ الذي يُطلَق عليه في الأدبيَّات الدِّينيَّة «النعمة». طريقة استجابة الإنسان لهذه النِّعَم، سواء أكانت مناسبة أم غير مناسبة، تُؤثِّر تأثيرًا كبيرًا علىٰ مستوىٰ الرضا أو السخط، وبالتالي تُؤثِّر علىٰ السعادة. في هذا الفصل، سنتناول ردود الفعل السلبيَّة تجاه النِّعَم ونُحلِّل العوامل التي تُؤدِّي إلىٰ ردود فعلٍ إيجابيَّة.
الشكرُ مبنيٌّ علىٰ الشعور بما يمتلكه الإنسان من نِعَمٍ في حياته. إذا أدرك الإنسان أنَّه يمتلك أشياءً يفتخر بها، سيكون سعيدًا وشاكرًا وراضيًا. أمَّا الجحود وعدم الرضا فينشآن عندما يظنُّ الإنسان أنَّه محروم ولا يملك شيئًا. بناءً علىٰ ذلك، فإنَّ الشعور بالامتلاك يُؤدِّي إلىٰ الشكر والرضا. لذلك، يجب البحث عن العوامل التي تُعزِّز الشكر. من المهمِّ أنْ نُدرِك أنَّ الجحود غالبًا ما يكون نتيجةَ تصوُّراتٍ خاطئةٍ وردودِ فعلٍ غير مناسبةٍ تجاه الإيجابيَّات، بينما الشكر ينبع من الفهم الصحيح والتفاعل المناسب.
(101)
بعض الأشخاص يعتقدون أنَّ النِّعَم مقتصرة علىٰ الجوانب المادّيَّة فقط، ولذلك تكون معاييرهم لتقييم حياتهم مبنيَّةً علىٰ وجود هذه الأُمور المادّيَّة أو غيابها. لذا، عندما يواجه هؤلاء نقصًا في الإمكانيَّات المادّيَّة، يتجاهلون الجوانب غير المادّيَّة، ويعتبرون أنفسهم محرومين. لكن إذا حلَّلنا الإمكانيَّات البشريَّة، سنجد أنَّ الجوانب غير المادّيَّة جزءٌ لا يتجزَّأ من الحياة. لذلك، مع وجود هذه الإمكانيَّات، لا يمكن أنْ يشعر الإنسان بحرمانٍ تامٍّ. مضافًا إلىٰ ذلك، لا يمكننا التغاضي عن أهمّيَّة الجوانب غير المادّيَّة، لأنَّها تلعب دورًا أساسيًّا في تحقيق الرضا الحقيقيّ.
نظرًا إلى أنَّ الإنسان يتمتَّع بجانبٍ غير مادِّيّ وهدفٍ يتجاوز مجرَّد التمتُّع الدنيويّ، فإنَّ ما يملكه لا يقتصر علىٰ الأُمور المادّيَّة فقط. والحقيقة أنَّ حياة الإنسان -لا سيَّما الإنسان المؤمن- ليست فارغة. هناك نِعَم كثيرة في حياة الإنسان يمكن أنْ تمنحه الشعور بالسعادة، ولكن بسبب جهل الإنسان بها، فإنَّها لا تُؤدِّي دورها. الدِّين، مع اعتباره الأُمور المادّيَّة من الضروريَّات للحياة، يرىٰ أنَّ حصر الحياة في هذه الأُمور خطأ؛ ويرجع ذلك إلىٰ أنَّ موضوع النقاش هنا هو «الإنسان»، وليس الجماد أو النبات أو الحيوان. ولهذا، فإنَّ ما يملكه الإنسان وما
(102)
يتوفَّر له للحياة يتمُّ تعريفه بناءً علىٰ طبيعته. من جهةٍ أُخرىٰ، لا ينبغي في توفير الإمكانيَّات الاقتصار علىٰ الأُمور المادّيَّة فقط بل يجب الالتفات إلىٰ الجوانب غير المادّيَّة.
إنَّ سعادة الإنسان ونجاحه وراحته الحقيقيَّة تحتاج إلىٰ عناصرَ تُحقِّقها. هذه العناصر تُعَدُّ من احتياجات الإنسان. والحقيقة أنَّ السعادة تتطلَّب حاجات، وعندما يتمُّ تلبيتها تتحقَّق الإمكانيَّات لتحقيقها. بناءً علىٰ ذلك، فإنَّ الإمكانيَّات التي يتمتَّع بها الفرد تُسمَّىٰ «ما يملكه في الحياة». لكن السؤال الأساس هو: في أيِّ مجالات يجب البحث عن ممتلكات الإنسان؟ وما هي الأُمور التي تُعَدُّ من ممتلكاته؟ هذا السؤال يُعَدُّ من المواضيع المهمَّة في تحقيق الرضا.
بعض الناس لديهم شعور بعدم الرضا الوهميّ؛ لأنَّهم لا يُدرِكون ما هي الأُمور التي تُعَدُّ من ممتلكات الإنسان والتي يتمتَّعون بها بالفعل. بينما يعاني آخرون من الرضا الوهميّ؛ لأنَّهم لا يعلمون أنَّ بعض الأُمور التي يظنُّونها ممتلكات لا يمتلكونها في الحقيقة. إذا أدرك الأفراد أنواع ممتلكاتهم إدراكًا صحيحًا، فإنَّ حالات الرضا وعدم الرضا الوهميَّة ستزول. ولهذا، فإنَّ إعادة التعرُّف علىٰ ممتلكات الحياة الإنسانيَّة تلعب دورًا هامًّا في تحقيق الرضا الحقيقيّ.
هناك نصوص كثيرة حول ممتلكات الحياة وردت
(103)بمصطلحاتٍ مختلفة مثل: «النعمة»، «السعادة»، «العيش»، «الراحة»، «الخير»، و«الغنىٰ». نظرًا إلى أنَّ المصاديق تتداخل أحيانًا من جهة، وتشمل طيفًا واسعًا من جهةٍ أُخرىٰ، فإنَّه من الضروري التفريق بينها وتصنيفها للوصول إلىٰ قائمةٍ بالإمكانيَّات اللَّازمة للحياة. في ظلِّ ذلك، يمكن في مرحلة التعرُّف علىٰ الممتلكات تقييم الوضع تقييمًا صحيحًا.
تشير الإمكانات المادّيَّة إلىٰ الجوانب المادّيَّة والحاجات الأساس للحياة. وفي النصوص الدِّينيَّة، تشمل هذه النِّعَم:
1. نعمة الوجود: أساس كلِّ نعمة ومتعة هو الوجود. مجرَّد أنْ نكون موجودين هو بحدِّ ذاته نعمة عظيمة.
2. الخَلق الحسن والتكوين المتناسق: خلق اللهُ الإنسانَ في أفضل صورةٍ، وجعل تكوين جسده متناسقًا تمامًا مع متطلّبات حياته. هذا التكوين متناسب بدقَّة مع حاجات الإنسان.
3. الرزق: من أولىٰ الحاجات الأساس هي الرزق وتوفير متطلّبات الحياة. الله سبحانه وتعالىٰ هو مَنْ يمنح الرزق، ولولاه لما استطاع الإنسان بمفرده أنْ يُؤمِّن قوته.
4. العمل والشغل: امتلاك عملٍ لتأمين الرزق يُعَدُّ نعمةً
أُخرىٰ. العمل يساهم في تأمين مستلزمات الحياة. وإذا كان العمل في الوطن من دون الحاجة لتحمُّل مشقَّة السفر، وكان صاحب العمل من الشرفاء والكرماء، تزداد أهمّيَّة هذه النعمة.
5. المال: امتلاك المال يُعتبَر من نِعَم الحياة التي تُمكِّن الإنسان من تلبية احتياجاته.
6. المسكن: أحد احتياجات الإنسان هو مكانٌ للإقامة؛ فإنَّ الحاجة إلىٰ منزل يُوفِّر الاستقرار والراحة تُعَدُّ من ضروريَّات الحياة. يُفضَّل أنْ يكون المنزل واسعًا لتأمين الراحة للأُسرة وحمايتهم من أعين الغرباء، وهذا بالطبع إذا كان ذلك ممكنًا. ثمَّ إنَّ المقصود بالمنزل الواسع هو أنْ يكون بمقدارٍ يناسب احتياجات حياة كلِّ فرد وظروفه. في الثقافة الإسلاميَّة، ورد ذمٌّ شديدٌ للإسراف والتفاخر بالمنازل الفاخرة.
7. المركب: نظرًا إلى أنَّ الحياة تتطلَّب الحركة والتنقُّل، فإنَّ امتلاك وسيلة نقلٍ مريحة وفعَّالة يُعَدُّ من الاحتياجات الأساس. يشير النصُّ الدِّيني إلىٰ أنَّ المركب يجب أنْ يكون سريعًا ومناسبًا لتلبية احتياجات الفرد ومساعدته علىٰ خدمة إخوانه.
8. الخادم: في الحياة، هناك أعمال شتَّىٰ تتطلَّب مجهودًا
كبيرًا. لذا، فإنَّ وجودَ خادمٍ يُعَدُّ من الإمكانيَّات التي تُخفِّف عن الإنسان وتُوفِّر له الوقت لأُمورٍ أكثر أهمّيَّة.
9. الجَمَال: علىٰ الرغم من أنَّ المظهر الخارجيّ ليس المعيار الأساس، لكنَّه يُعتبَر نعمة من نِعَم الله التي يمكن أنْ تلعب دورًا في تحسين جودة الحياة.
تشمل الإمكانات غير المادّيَّة مستوياتٍ متعدِّدة تُكمِل البُعد المادِّي للحياة. في ما يأتي استعراض لهذه المستويات:
يُمثِّل المستوىٰ الأوَّل الإمكانات غير المادّيَّة التي تُكمِل الجانب المادِّيّ للحياة:
1. الصحَّة: وجود جميع الإمكانيَّات الحياتيَّة يصبح ممتعًا فقط عندما يكون الإنسان بصحَّةٍ جيِّدةٍ تُمكِّنه من الاستفادة منها. من دون الصحَّة، لا يمكن لأيِّ ثروةٍ أنْ تكون لذَّة حقيقيَّة. لذا، الصحَّة من الاحتياجات الأساس للإنسان.
2. الأمن: لا يمكن للإنسان أنْ يعيش حياةً مريحةً وهادئةً من دون أنْ يتمتَّع بالأمن. في ظلِّ الخوف وانعدام الأمن، تفقد الحياة معناها. لذا، الأمان من شرِّ الأعداء الظاهرين والخفيِّين يُعتبَر نعمة عظيمة.
3. الفراغ الذهنيّ: الحياة الممتعة تتطلَّب راحةً ذهنيَّة. الذهن المشغول والقلق يعيق الاستمتاع بالحياة. لذا، فراغ البال يُعَدُّ من الإمكانات الضروريَّة لحياةٍ مريحةٍ وسعيدة.
4. القناعة: كما ذُكِرَ سابقًا، الشعور بالغنىٰ لا يأتي من امتلاك المال والثروات، بل يتحقَّق من خلال الرضا بما هو متاح. لذا، القناعة هي من نِعَم الله العظيمة.
5. محبَّة الوالدين: يحتاج الطفل منذ ولادته وحتَّىٰ بلوغه إلىٰ محبَّة والديه لتلبية احتياجاته العاطفيَّة. هذه المحبَّة مغروسة من قِبَل الله في قلوب الوالدين، لذا فهي تُعَدُّ لطفًا إلهيًّا عظيمًا.
6. دفع البلاء: يدفع الله سبحانه وتعالىٰ الكثير من البلايا قبل أنْ تقع. هذه نعمة صامتة ولكنَّها عظيمة. النعمة لا تعني العطاء فقط بل تجنُّب المشكلات نعمةٌ عظيمةٌ أيضًا.
7. حلُّ المشاكل: المشكلات التي تطرأ في الحياة إذا لم تُحَلّ تتحوَّل إلىٰ كوارث أكبر وأكثر ألمًا. من نِعَم الله سبحانه وتعالىٰ أنَّه يزيل هذه المشاكل. ولا يملك أحد غير الله القدرة علىٰ فعل ذلك.
يتعلَّق المستوىٰ الثاني من الإمكانات بالحياة الاجتماعيَّة للإنسان، وهي كما يأتي:
1. الأُلفة بين الناس: يحتاج الإنسان في علاقاته الاجتماعية إلىٰ «الأُلفة» لتكوين علاقاتٍ دافئةٍ وحميمة. من دون هذا العنصر، لن تنشأ علاقاتٌ سليمةٌ، وستكون الحياة الاجتماعيَّة باردةً وصعبة.
2. ستر العيوب وعدم الفضح: من الضرورات الحياتيَّة الحفاظ علىٰ الكرامة والسمعة الاجتماعيَّة. لولا أنَّ الله تعالىٰ ستَّار للعيوب، لما تكوَّنت سمعةٌ أو مكانةٌ اجتماعيَّةٌ مستقرَّةٌ في المجتمع.
3. السلامة من ألسنة الناس: الغيبة والافتراء والتُّهَم أحيانًا تجعل الحياة صعبةً للغاية وتضيق علىٰ الإنسان. لذلك، الأمان من ألسنة الناس المؤذية يُعَدُّ من نِعَم الحياة الإيجابيَّة.
4. انتشار السمعة الطيِّبة: السمعة الحسنة من احتياجات الحياة الاجتماعيَّة. وأحيانًا يمنح الله سبحانه وتعالىٰ الإنسان سمعةً طيِّبةً لا يستحقُّها، وهو فضل من الله.
5. حسن الخُلُق: تعتمد صحَّة العلاقات الاجتماعيَّة علىٰ الأخلاق الإيجابيَّة، التي يُشار إليها في النصوص الدِّينيَّة بحسن الخُلُق. لذلك، يُعَدُّ حسن الخُلُق نعمة من الله وإحدىٰ إمكانات الحياة الإيجابيَّة.
6. الزواج: تلبية الغريزة الجنسيَّة وإيجاد الأُنس مع شريك
الحياة هما من احتياجات الإنسان، لذا يُعَدُّ الزواج من نِعَم الحياة.
7. الزوج أو الزوجة: مضافًا إلىٰ الجانب الجنسيّ، يحتاج الإنسان إلىٰ شريك حياةٍ لأسبابٍ عاطفيَّةٍ وتواصليَّة. لذا، فإنَّ وجود الزوج أو الزوجة يُعتبَر نعمة. ويجب أنْ تتوفَّر في الشريك صفات مثل: الصلاح، الدِّين، الأمانة، البهجة، والجمال.
8. الأبناء: الأبناء -أيضًا- من احتياجات الحياة، ووجودهم يُعَدُّ نعمةً. لكن يُفضَّل أنْ يكونوا علىٰ قدرٍ من الصلاح، ويشبهوا آباءهم، ويكونوا عونًا لهم.
9. الصديق: وجود الصديق من احتياجات الإنسان؛ إذ إنَّه يُشكِّل رفيقًا عاطفيًّا ودعمًا في الأزمات وعونًا في التكامل الروحيّ. لكن يجب أنْ يكون الصديق صالحًا ومتديِّنًا.
10. الجيران: بعض الأشخاص يُشكِّلون علاقات مع الإنسان بحكم الجيرة. إذا كان الجار سيِّئًا، فقد يجعل الحياة بائسة، حتَّىٰ لو كان الشخص يعيش في قصر. لذلك، الجار الصالح يُساهم في راحة الحياة ويكون عونًا عند الحاجة.
11. الابتعاد عن الناس: عندما يسود الفساد في المجتمع، ويصير المحيطون بالإنسان فاسدين وسيِّئي الخُلُق، فإنَّ أفضل حلٍّ هو الابتعاد عنهم والعزلة. في هذه الحالة، تكون الحياة بعيدًا عنهم نعمة كبيرة.
12. الحاكم العادل: يحتاج المجتمع إلىٰ حاكمٍ يدير شؤونه. وعلى الرغم من أنَّ الحاكم الظالم قد يكون أفضل من غياب السلطة، فإنَّ الحياة المريحة تتطلَّب وجود حاكمٍ عادل. لذا فإنَّ العيش تحت حكم الله أو حاكمٍ عادلٍ يُعتبَر نعمة عظيمة.
يشمل المستوىٰ الثالث تلك الإمكانات التي تُعَدُّ من الفضائل الداخليَّة للإنسان:
1. العقل: يُعَدُّ العقل من أهمّ المفاهيم الأخلاقيَّة الأساس. وفقًا للروايات، يعني العقل «المعرفة التي تمنع الإنسان»، ويُعتبَر أساس الأخلاق الإسلاميَّة[1]. لذلك، يُعَدُّ التمتُّع بالعقل بمعناه الأخلاقيّ أحد أعظم النِّعَم التي يتمتَّع بها الإنسان.
2. العلم: للعلم دورٌ رئيس في تحقيق السعادة في الحياة. فالسعادة تعتمد علىٰ عوامل ومعوِّقات، ومعرفة هذه العوامل والمعوِّقات تسهم إسهامًا كبيرًا في تحقيقها. مضافًا إلىٰ ذلك، فإنَّ الإنسان العالِم يستطيع تحقيق نجاحاتٍ كبيرة حتَّىٰ بموارد محدودة، بينما الإنسان الجاهل قد يهدر إمكاناتٍ كبيرة. علاوة علىٰ ذلك، فإنَّ صاحب العلم يميل إلىٰ الحقِّ ويتجنَّب الباطل. لذلك، يُعَدُّ التمتُّع بالعلم والمعرفة نعمةً كبيرة في الحياة.
3. التقوىٰ: التقوىٰ عامل رئيس في ضبط النفس والسيطرة
عليها. يحتاج المؤمن إلىٰ التقوىٰ للقيام بأعمالٍ مطلوبة وترك أُخرىٰ مرفوضة لتحقيق السعادة. بالتقوىٰ يتحرَّر الإنسان من شهوات النفس ويعمل بما فيه المصلحة. لذلك، يُعَدُّ التمتُّع بهذه القدرة نعمةً كبيرةً ومهمَّةً في حياة الإنسان.
يتعلَّق المستوىٰ الرابع بتلك الإمكانيَّات التي ترتبط مباشرةًً بالجانب الروحيّ والدِّينيّ:
1. الله سبحانه وتعالىٰ: الله هو الكائن الأصيل في الخلق، وكلُّ شيءٍ في الوجود بيده. أحد أسماء الله الحسنىٰ هو «الغني»[1]. لذلك، غنىٰ الله سبحانه وتعالىٰ يشير إلىٰ غناه المطلق[2]. وبالتالي، مَنْ يملك الله، يملك كلَّ شيء[3]. مضافًا إلىٰ ذلك، استجابة الله لجميع طلبات البشر وإمكانيَّة الاتِّصال به مباشرةً دون وساطة هي نعمة عظيمة. كما أنَّ حلم الله وصبره علىٰ معاصي البشر تُعَدُّ من نِعَمه الكبرىٰ. لذلك، الله سبحانه وتعالىٰ هو أعظم الإمكانيَّات في حياة الإنسان.
2. القرآن والإسلام: تحقيق السعادة والشعور بالبهجة يحتاج
إلىٰ برنامج هداية. القرآن الكريم هو كتاب الهداية وبرنامج السعادة للإنسان. كما أنَّ جميع ما يشمله الدِّين الإسلامي يُؤدِّي الدور نفسه. لذلك، فإنَّ القرآن والدِّين الإسلاميّ هما من أهمّ الإمكانيَّات لتحقيق السعادة.
3. النبيُّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته عليهمالسلام : الوصول إلىٰ السعادة والنجاح يتطلَّب وجود مرشدين خاضوا هذا الطريق بأنفسهم. الأنبياء والأولياء الإلهيُّون هم مَنْ يعرفون طريق السعادة حقَّ المعرفة، ولديهم القدرة علىٰ الإرشاد والتوجيه. لذلك، وجود هؤلاء الحُجَج الإلهيِّين يُعَدُّ من أعظم النِّعَم للبشريَّة. ولولا وجودهم لما كان بإمكان البشر العثور علىٰ طريق السعادة.
4. الإيمان: جميع الإمكانيَّات الروحيَّة التي ذُكِرَت لتحقيق السعادة، لا تُؤتي ثمارها إلَّا بوجود الإيمان. الله، الإسلام، وحُجَج الله كلُّها حقائق موجودة في الخلق؛ لكن إنْ لم يقبلها الإنسان، فلن تُؤثِّر علىٰ سعادته. الإيمان يعني معرفة الله ودينه وحُجَجه وقبول ولايتهم. ومَنْ يصل إلىٰ الإيمان الحقيقيّ يكون قد نال الاستفادة من جميع النِّعَم المذكورة سابقًا.
من خلال ما تمَّ تناوله في هذا البحث، يمكن استخلاص النقاط الآتية: كما أنَّ الإمكانيَّات المادّيَّة تُؤثِّر في تحقيق السعادة، فإنَّ للإمكانيَّات غير المادّيَّة تأثيرًا أعظم وأعمق.
فالحياة من دون إمكانيَّات مادّيَّة مع وجود الإمكانيَّات المعنويَّة والروحيَّة قد تكون محتملة ويمكن أنْ تقود إلىٰ السعادة. لكن العكس، حيث تتوافر المادّيَّات من دون المعنويَّات، لا يمكن أنْ يكون كذلك. لذا، فإنَّ الجزء المغفول عنه في تحقيق السعادة هو الأُمور المعنويَّة والأخلاقيَّة. فالإنسان السعيد الحقيقيّ هو ذلك الذي يتحلَّىٰ بالفضائل الأخلاقيَّة والروحيَّة أوَّلًا وقبل كلِّ شيء. التقييم الواقعيّ يعتمد علىٰ النظر إلىٰ «الإمكانيَّات الشاملة» التي يمتلكها الإنسان. الأفراد الذين يحصرون تقييمهم في الجوانب المادّيَّة فقط لن يحصلوا علىٰ نظرةٍ دقيقةٍ أو واقعيَّة. فقد تجد أشخاصًا لديهم الكثير من النِّعَم الروحيَّة والأخلاقيَّة، ولكن بسبب حصرهم تقييمهم في المادّيَّات، يظنُّون أنفسهم محرومين. وفي المقابل، قد تجد مَنْ يفتقر إلىٰ النِّعَم الحقيقيَّة، لكنَّه يعتبر نفسه سعيدًا بناءً علىٰ وهم التمتُّع بالمادّيَّات.
بعد استعراض أنواع النِّعَم والإمكانيَّات التي يمتلكها الإنسان، تبرز أهمّيَّة «معرفة النِّعَم» بوصفها طريقةً أساس لتحقيق السعادة. كما أشرنا، فإنَّ محور الرضا يعتمد علىٰ النِّعَم التي يتمتَّع بها الإنسان، ولكن مجرَّد وجود النِّعَم لا يكفي بل يجب علىٰ الإنسان إدراكها. وجود النِّعَم وحده لا يضمن الشعور بالرضا؛ الإدراك والوعي بها هو العامل الأساس لتحقيق السعادة والرضا. هناك أشخاص يملكون النِّعَم، لكنَّهم غير
مدركين لها أو يغفلون عنها بسبب تركيزهم علىٰ ما ينقصهم، ما يُؤدِّي إلىٰ شعورهم بالحرمان وزيادة معاناتهم. يشير الإمام الصادق عليهالسلام إلىٰ هذا المفهوم بعبارةٍ جوهريَّةٍ: «کم مِن مُنعَمٍ علَيهِ وهُو لا يعلَمُ!».
بناءً علىٰ هذا الحديث، يتَّضح أنَّ سبب السخط هو الجهل بالنِّعَم الموجودة، في حين أنَّ السبيل إلىٰ الرضا يكمن في إدراك هذه النِّعَم. فالإنسان، خاصَّةً المؤمن، ليس فارغًا من النِّعَم بل إنَّ هناك عددًا من النِّعَم التي تحيط به، لكنَّها غير مدركة أو معروفة؛ ولذا لا تُؤثِّر في شعوره بالسعادة.
في الخطوة القادمة، سيتمُّ التركيز علىٰ العوامل التي تساهم في «معرفة النِّعَم» وإدراكها لتحقيق السعادة والرضا.
وفقًا لما سبق، تشمل النِّعَم نطاقًا واسعًا من الجوانب، ما يسمح للإنسان أنْ يشعر بالامتلاك حتَّىٰ عند فقدان بعض الأشياء؛ من خلال التركيز علىٰ جوانب أُخرىٰ. الأئمَّة المعصومون عليهمالسلام كانوا يستخدمون هذا المبدأ لإعادة الإحساس بالرضا إلىٰ أتباعهم. يقول الإمام عليٌّ عليهالسلام : «إذا طَلَبتَ شَيئًا مِن الدُّنيا فَزُوِیَ عنكَ، فَاذکُر ما خَصَّكَ اللَّهُ بِهِ مِن دِينِكَ وَ صَرَفَهُ عَن
غَيرِكَ، فَإنَّ ذلِكَ أحرَی أن تَستَحِقَّ بِما فاتَكَ».
وردت عن الكلينيّ(قده) رواية عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلتُ عَلى أبِي الحَسَنِ الرِّضاعليهمالسلام أنَا وحُسَينُ بنُ ثُوَيرِ بنِ أبي فاخِتَةَ، فَقُلتُ لَهُ: جُعِلتُ فِداكَ، إنّا کُنّا فی سَعَةٍ مِنَ الرِّزقِ وغَضارَةٍ مِنَ العَيشِ، فَتَغَيَّرَتِ الحالُ بَعضَ التَّغييرِ، فَادعُ اللَّهَ(عزّ وجلّ) أن يَرُدَّ ذلِكَ إلَينا. فَقالَ: أي شيء تُريدونَ؛ تَکونونَ مُلوکًا؟ أيَسُرُّكَ أن تَکونَ مِثلَ طاهِرٍ وهَرثَمَةَ، وأنَّكَ عَلى خِلافِ ما أنتَ عَلَيهِ؟ قُلتُ: لا وَاللَّهِ، ما يَسُرُّني أنَّ لي الدُّنيا بِما فيها ذَهَبًا وفِضَّةً وأنّي عَلى خِلافِ ما أنَا عَلَيهِ، قالَ: فَقالَ: فَمَن أيسَرَ مِنکُم فَليَشکُرِ اللَّهَ، إنَّ اللَّهَ(عزّ وجلّ) يَقولُ: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)، وقالَ سُبحانَهُ وتَعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)، وأحسِنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ، فَإِنَّ أبا عَبدِ الله عليهمالسلام کانَ يَقولُ: «مَن حَسُنَ ظَنُّهُ بِاللهِ کانَ اللهُ عِندَ ظَنِّهِ بِهِ، ومَن رَضِي بِالقَليلِ مِنَ الرِّزقِ قَبِلَ اللهُ مِنهُ اليسيرَ مِنَ العَمَلِ، ومَن رَضي بِاليسيرِ مِنَ الحَلالِ خَفَّت مَؤونَتُهُ وتَنَعَّمَ أهلُهُ، وبَصَّرَهُ اللهُ داءَ الدُّنيا ودَواءَها، وأخرَجَهُ مِنها سالِمًا إلى دارِ السَّلامِ».
في هذه الرواية، يتَّضح بجلاء كيف أنَّ الإمام الرضاعليهمالسلام أعاد توجيه اهتمامهم من النِّعَم المادّيَّة إلىٰ بقيَّة ما يمتلكونه من نِعَمٍ
معنويَّةٍ وغير مادّيَّة، ما جعلهم يُدركون بأنَّ شعورهم بالحرمان لا يستند إلىٰ أساسٍ قويٍّ.
وقد روىٰ ثقة الإسلام الكلينيّ في روايةٍ أُخرىٰ أنَّ الأحوال الماليَّة لأحد أصحاب الإمام الصادق عليهالسلام قد تغيَّرت بحيث لم يعد يستطيع أداء فريضة الحجِّ، فسأل الإمام عليهالسلام أحد معارفه عن حاله، وكان هذا الأخير يظنُّ أنَّ الإمام يسأل عن وضعه الماليّ، فحاول أنْ يتكلَّم بطريقةٍ غير مباشرة، عندئذٍ سأله الإمام عليهالسلام : «کَيفَ دِينُهُ»: فأجاب: «کَما تُحِبُّ»، فَقال الإمام عليهالسلام : «هُوَ والله الغِنَى».
وروىٰ الشيخ الطوسي في كتابه (الأمالي) عن الإمام الكاظم عليهالسلام أنَّ رجلًا جاء إلىٰ مولانا الإمام الصادق عليهالسلام يشكو إليه الفقر، فقال له الإمام عليهالسلام : «ليس الأُمرُ کما ذَکَرتَ، وما أعرِفُكَ فَقيرًا، قال: والله يا سيّدي ما أستَبَيتُ، وذَکَرَ مِن الفَقرِ قِطعَةً، والصّادِقُ عليهالسلام يُکذِّبُهُ -إلى أن قال له-: خَبِّرني لو اُعطِيتَ بِالبَراءَة منّا مئِةَ دينار کُنتَ تَأخُذُ؟ قال: لا، إلى أن ذَکَرَ أُلوف دَنانيرَ، والرَّجُلُ يَحلِفُ أنّه لا يَفعَلُ، فقال له: مَن مَعَهُ سِلعَةٌ يُعطَى بِها هذا المالَ لا يَبيعُها، هُوَ فَقيرٌ؟».
وروي عن أبي هاشم الجعفري أنّه قال: «أصابتني ضيقة
شديدة فصرت إلى أبي الحسن علي بن محمدعليهالسلام فاستأذنت عليه فأذن لي، فلمّا جلست قال: يا أبا هاشم أيّ نعم اللّه عليك تريد أن تؤدّي شکرها؟ قال أبو هاشم: فوجمت فلم أَدْرِ ما أقول له، فابتدأني عليهالسلام فقال: إنَّ الله(عزّ وجلّ) رزقك الإيمان فحرّم به بدنك على النار، ورزقك العافية فأعانك على الطاعة، ورزقك القنوع فصانك عن التبذّل، يا أبا هاشم إنَّما ابتدأتك بهذا لأني ظنّنت أنّك تريد أن تشکو لي من فعل بك هذا، قد أمرت لك بمائة دينار فخذها».
من مجموع هذه الأُمور يمكننا أنْ نُدرك أنَّ النظرة الأُحاديَّة إلىٰ النِّعَم التي نملكها هي إحدىٰ أسباب عدم الرضا. كما اتَّضح من تحليل الأمثلة أنَّه إذا أدرك الأفراد مجموعة ما يُعتبَر عوامل للسعادة ووسائل للراحة في حياتهم، ثمّ أنعموا النظر فيها، سيُدركون أنَّ لديهم الكثير ممَّا يفتخرون به، ولن يشعروا بالحرمان أبدًا.
إحدىٰ الطُّرُق التي نستخدمها في حياتنا لتقييم أوضاعنا هي مقارنة أنفسنا بالآخرين. من خلال هذه المقارنة، يُحدِّد الإنسان موقعه الاجتماعيّ ومستوىٰ النجاح الذي يُحقِّقه في حياته. ونتيجة هذه المقارنة قد تكون إمَّا شعورًا بالسعادة والرضا عن الحياة مصحوبًا بالأمل والحيويَّة، وإمَّا شعورًا بعدم الرضا
والإحباط مصحوبًا باليأس والعجز. في ما يأتي نستعرض نوعين من هذه المقارنات:
تُؤدِّي المقارنة التصاعديَّة إلىٰ تقليل الرضا عن الحياة في الظروف المريحة. فالشخص الذي يقارن حاله بحال مَنْ هم في مستوىٰ أعلىٰ، يُخفِض من مستوىٰ رضاه عن حياته؛ ويعود ذلك إلىٰ أنَّ مقارنة حاله مع حال مَنْ يتمتَّعون بموقعٍ أفضل تُؤدِّي إلىٰ «تصغير قيمة ما يملكه» و«تضخيم قيمة ما يملكه الآخرون»، ما يدفعه إلىٰ «التركيز علىٰ ما يفتقده هو وما يتمتَّع به الآخرون»، فيمنعه ذلك من رؤية النِّعَم التي يمتلكها، تمامًا كما يمنع ضوء الشمس خلال النهار من رؤية القمر والنجوم. في الحياة، هناك عددٌ من الأُمور التي يمكن أنْ تجعل الإنسان يعيش بسعادةٍ ونشاط. ولكن المقارنة التصاعديَّة تجعل الإنسان يغفل عن هذه الأُمور، ويظلُّ يتمنَّىٰ ما لدىٰ الآخرين. هذا التصغير لما يملكه، مع تضخيم ما يملكه الآخرون، والتركيز علىٰ الأُمور التي يفتقدها، يُؤدِّي في مجمله إلىٰ وضعٍ صعبٍ ومزعجٍ للغاية، ما يقود في النهاية إلىٰ الشعور بعدم الرضا والإحباط.
ورد في روايةٍ عن الإمام الصادق عليهالسلام تأكيدٌ علىٰ أنَّ المقارنة التصاعديَّة تُؤدِّي إلىٰ تصغير النِّعَم، وهو الأمر الذي يُقلِّل من شكر الإنسان لله. كما أنَّ هذا النوع من المقارنة يجعل الشخص
(118)يصاب بحزنٍ طويل الأمد وغضبٍ دائمٍ لا يهدأ.
وفي رواية أُخرىٰ، يقول الإمام عليهالسلام : «خَصلَتانِ مَن کانَتا فِيهِ کَتَبَهُ اللّهُ شاکِرًا صابِرًا ومَن لَم تَکونا فيه لَم يَکتُبهُ اللّهُ شاکِرًا ولا صابِرًا:... ومَن نَظَرَ في دِينِهِ إلى مَن هُوَ دونَهُ ونَظَرَ فی دُنياهُ إلی مَن هُوَ فَوقَهُ فأسِفَ عَلی ما فاتَهُ، لم يَکتُبهُ اللّه شاکِرًا ولا صابِرًا».
من الواضح أنَّ مَنْ ينخرط في مقارنةٍ تصاعديَّة، لن يكون شاكرًا علىٰ النِّعَم التي يمتلكها، ولن يكون صبورًا علىٰ ما يفتقده. ولهذا السبب، أوصىٰ القرآن الكريم بالابتعاد عن المقارنات التصاعديَّة والنظر إلىٰ حياة الآخرين الذين يعيشون في ظروفٍ أفضل؛ إذ يقول تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾.
مضافًا إلىٰ ما تقدَّم حول أثر المقارنة الصعوديَّة، تشير هذه الآية إلىٰ قضيَّة الحزن، حيث إنَّ المقارنة الصعوديَّة تزيد من حزن الفرد.
وفي روايةٍ أُخرىٰ، ورد أنَّ المقارنة الصعوديَّة تُؤدِّي إلىٰ إطالة أمد الحزن.
وفي روايةٍ أُخرىٰ، نزل جبرئيل علىٰ النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وقال: «يَا نَبِيَّ الله، إِنَّ الله تَعَالَىٰ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: اِقْرَأْ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ...) (طه: 131).
بعد نزول هذه الآية الكريمة، أمر النبيَّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أنْ يُبلِّغ الناس بهذه الرسالة: «مَن لَم يتَأَدَّب بِأَدَبِ اللَّهِ تَقَطَّعَت نَفسُهُ عَلَی الدُّنيا حَسَراتٍ». فكيف لشخصٍ يعيش في هذه الحالة أنْ يشعر بالرضا؟ هذا الإحساس بعدم الرضا نابعٌ من المقارنة الصعوديَّة التي تجعل الحياة تبدو ثقيلةً وقاسيةً إلىٰ درجةٍ تعوق الشعور بالراحة واللذَّة في العيش.
يُفهَم من هذه الروايات أنَّ المقارنة الصعوديَّة تُفضي إلىٰ الحسرات علىٰ ما يفتقد، وتُعرِّض الإنسان للهموم الكثيرة والطويلة. في ظلِّ هذه الظروف، لا يمكن توقُّع شعور الإنسان بالرضا عن حياته أو الاستمتاع بها.
ومن الآثار الأخرى للمقارنة الصعوديَّة هو «الحسد». الحسد
ينشأ حيثما تكون هناك فضيلةٌ أو مزيَّةٌ لدىٰ الآخر، وهذا ما يعني بالمقارنة الصعوديَّة. ففي حديثٍ عن النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، تظهر العلاقة بوضوح بين المقارنة الصعوديَّة والحسد. قَالَ رَسُولُ الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «إِنَ اللهَ تَعَالَىٰ قَالَ لمُوسَىٰ بْنِ عِمْرَانَ: يا بنَ عِمرانَ لا تَحسُدَنَّ النّاسَ عَلی ما آتَيتُهُم مِن فَضلي ولا تَمُدَّنَ عَينَيك إلی ذلِك ولا تُتبِعهُ نَفسَك فَإِنَّ الحاسِدَ ساخِطٌ لِنِعَمي صادٌّ لِقَسمِي الَّذي قَسَمتُ بَينَ عِبادي».
في المحصَّلة: الحسد أحد نتائج المقارنة الصعوديَّة، وله آثار مدمِّرة تُحوِّل الحياة إلىٰ جحيم.
الشخص الحسود يؤذي نفسه قبل أن يؤذي غيره، وسعادة الآخرين تجلب له الغضب والحزن. لذلك، يعيش دائمًا في غمٍّ وحزن؛ فمن جهةٍ، الحزن يجرّ له المشكلات، ومن جهةٍ أخرى، تزيده راحة الآخرين وسعادتهم حزنًا. لا شيء يهدّئه
سوى الموت أو زوال نعم الآخرين. فرحته قليلةٌ وقصيرة، وحزنه كثيرٌ وطويل. أثر الحسد شديدٌ لدرجة أنّه يؤثّر على الجسم ويصيبه بالمرض. في الحقيقة، الحسد مطيّة الألم والعذاب. لهذا السبب، لا يجد الحسود راحة وطمأنينة، ولا يستمتع بحياته. الحسد يجعل الحياة مرّة؛ ولذلك يعيش الحسود أسوأ حياة.
الشخص الحسود يعتقد خطأً أنَّ زوال النعمة عن غيره نعمةٌ له، غافلًا عن أنَّ النِّعَمَ بيد الله وحده، وأنَّ الإنسانَ ينبغي له أنْ يتوجَّه إلىٰ الله ليطلب منه ما يريد. أيُّهما أفضل: أنْ يتمنَّىٰ زوال نعمة الغير -وهو أمرٌ لا يثمر إلَّا الخسائر ولا يُؤثِّر في الآخر-، أم أنْ يتوجَّه إلىٰ الله بالدعاء ويسأله، وهو مالك الخلق وخزائن
السماوات والأرض؟ الإمام زين العابدين عليهالسلام يختار الطريق الثاني، يقول عليهالسلام في الدعاء الثاني والعشرين من الصحيفة السجَّاديَّة: «اللَّهُمَّ... ارزُقني سَلامَةَ الصَّدرِ مِنَ الحَسَدِ حَتّی لا أحسُدَ أحَدًا مِن خَلقِك عَلی شيء مِن فَضلِك وحَتّی لا أری نِعمَةً مِن نِعَمِك عَلی أحَدٍ مِن خَلقِك فی دينٍ أو دُنيا أو عافِيةٍ أو تَقوی أو سَعَةٍ أو رَخاءٍ... إلّا رَجَوتُ لِنَفسي أفضَلَ ذلِك بِك ومِنك».
المقارنة التي ترفع مستوىٰ الرضا والسعادة هي المقارنة النزوليَّة، أي النظر إلىٰ مَنْ هم أقلّ منَّا مقارنةً بحياتنا. تُعتبَر المقارنة النزوليَّة إحدىٰ عوامل السعادة والرضا. السؤال هنا: لماذا تُؤدِّي المقارنة النزوليَّة إلىٰ الرضا؟ إنَّ المقارنة النزوليَّة تُظهِر الجوانب الإيجابيَّة والمشرقة في الحياة التي تُخفىٰ تحت ظلِّ المقارنة الصعوديَّة السوداء. المقارنة النزوليَّة ليست من التعاليم الوهميَّة التي تدعو إلىٰ إيهام النفس بأنَّ حالك جيِّد، وأنَّك تعيش أفضل الحياة في أجمل الأمكنة، مع أفضل الوظائف وأجمل الزوجات وما إلىٰ ذلك. التعاليم الدِّينيَّة لا تقبل المقارنة الصعوديَّة المُحبِطة ولا التلقينات الوهميَّة بل تقوم علىٰ فهم الواقع وإدراك النقاط الإيجابيَّة الموجودة، وليس علىٰ توهُّم وجودها. ميزة المقارنة النزوليَّة أنَّها تُظهِر نقاط الحياة الإيجابيَّة والمُبشِّرة وتضعها أمام عين الإنسان، هذا هو التأثير
(123)النفسي للمقارنة النزوليَّة. يقول النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : «اُنظُروا إلی مَن أسفَلَ مِنکم ولا تَنظُروا إلی مَن هُوَ فَوقَکم، فَهُوَ أجدَرُ أن لا تَزدروا نِعمَةَ الله».
إحدىٰ خصائص المقارنة الصعوديَّة هي تقليل قيمة النعمة، في حين أنَّ المقارنة النزوليَّة تمنع هذا الأمر وتُظهِر ما هو موجودٌ بالفعل. الإنسان المتوازن يعترف بشجاعةٍ أنَّ الآخرين قد يملكون أشياء لا يملكها هو؛ ولكنَّه يُدرِك في الوقت نفسه أنَّه يمتلك أشياءَ كثيرة يفتقر إليها الآخرون. وهذا يمكِّنه من الشعور بالرضا والتطلُّع إلىٰ الحياة بأمل.
ولهذا، من توصيات الدِّين لأتباعه استخدام المقارنة النزوليَّة، فقد أوصىٰ النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أبا ذرٍّ، عندما أراد تربيته، بتجنُّب المقارنة الصعوديَّة وبالاعتماد علىٰ المقارنة النزوليَّة. لذلك، تُعَدُّ إحدىٰ المهارات اللَّازمة للنجاح في الحياة استخدام المقارنة النزوليَّة. إنَّ تفاوت الأحوال بين الناس حقيقةٌ لا يمكن إنكارها. فإذا قارن الإنسان نفسه بمَنْ هم في أحوالٍ أفضل، فإنَّه قد يشعر بالمرارة والإحباط، وعدم الاستمتاع بحياته. وفي هذه الحالة، تُعَدُّ المقارنة النزوليَّة إحدىٰ أفضل الوسائل لمواجهة هذا الشعور. هذه الطريقة تُعَدُّ من تعاليم أولياء الدِّين، يقول النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : «إذا
نَظَرَ أحَدُکم إلی مَن فُضِّلَ عَلَيهِ فِي المالِ وَالخَلقِ، فَلينظُر إلی ما هُوَ أسفَلُ مِنهُ».
من النقاط اللَّافتة في هذا الحديث أنَّ المقارنة ليست دائمًا في المال والثروة، بل قد تتناول الجمال والهيئة. وهذه المشكلة تظهر بنحوٍ خاصٍّ بين الشباب، وخصوصًا بين الفتيات، حيث تُؤدِّي مقارنة الإنسان نفسه بمَنْ هو أكثر جمالًا إلىٰ الحزن والكآبة، وهذه -أيضًا- تُعَدُّ من المقارنات الصعوديَّة. في مثل هذه الحالات، يمكن استخدام المقارنة النزوليَّة لتخفيف هذا الشعور السلبيّ. كما أنَّ المقارنة الصعوديَّة قد تظهر في الجمال الظاهريّ ضمن الحياة الأُسريَّة، حيث قد يُقارن أحد الطرفين شريكه بشخصٍ آخر أجمل منه، سواء أكان المقارن رجلًا أم امرأةً. مثل هذه المقارنة، التي قد تحدث بسبب رؤية الشخص الآخر مباشرةً أو من خلال صورته، تُؤثِّر علىٰ تقييم الشريك وتُغيِّر من إدراكه له. أظهرت الأبحاث أنَّ رؤية شخصٍ أو أشخاصٍ أكثر جاذبيَّةً وجمالًا قبل تقييم شخصٍ معيَّن، يجعل التقييم أقلّ إيجابيَّةً فيما يخصُّ جمال الشخص المقصود.
علاوةً علىٰ ذلك، أثبتت دراسةٌ أُخرىٰ أنَّ الرجال عندما يشاهدون صور النساء الجميلات جدًّا، فإنَّهم يُقيِّمون زوجاتهم
اللَّاتي يُفضِّلونهنَّ بدرجةٍ أقلّ من الجاذبيَّة. بناءً علىٰ ذلك، يمكن أنْ تكون المقارنة الصاعدة في الجانب الماليّ أو في جانب الجمال. والطريقة لمواجهة المشاعر غير المريحة الناتجة عن المقارنة الصاعدة هي استخدام المقارنة النازلة. والمثير للاهتمام أنَّ هذه المقارنة لا تقتصر علىٰ الحياة الحاليَّة فقط بل يمكن -أيضًا- الاستفادة من حياة الشخصيَّات التاريخيَّة، كما أشار الإمام الباقرعليهالسلام إلىٰ حياة النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم .
النقطة الأساس -هنا- هي أنَّ بعض الناس قد يعتقد أنَّ صعوبة الحياة علامةٌ علىٰ عدم رضا الله أو علىٰ سوء الحظِّ، ولكنَّ دراسة حياة النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل البيت عليهمالسلام تُزيل هذه الفكرة الخاطئة، حيث يُدرِك الإنسان أنَّ أرقىٰ الناس وأكملهم عاشوا حياةً بسيطةً وأحيانًا مليئةً بالمصاعب. هذا الفهم يبعث الطمأنينة في النفس ويُزيل المشاعر السلبيَّة والتصوُّرات الخاطئة.
من الجدير بالذكر أنَّ بعض الروايات أشارت إلىٰ دور هذه المقارنة في الشكر. فالشكر يعتمد علىٰ معرفة النِّعَم. المقارنة الصاعدة تُقلِّل من قيمة النِّعَم وتُؤدِّي إلىٰ الجحود، بينما المقارنة النازلة تُبرِز النِّعَم وتُحفِّز علىٰ الشكر. النقطة الأكثر
إثارةً للاهتمام هي أنَّ هذا الفعل يُؤدِّي إلىٰ زيادة النِّعَم، ما يُوسِّع دائرة الرضا؛ يقول الله تعالىٰ في القرآن الكريم: إنَّ طريق زيادة النِّعَم هو شكرها.
وفي روايةٍ أُخرىٰ يُضيف النبيُّn الصبرَ بوصفه أحد آثار المقارنة النازلة؛ عندما ينظر الإنسان إلىٰ حياة مَنْ هم أقلّ منه، يُدرِك ما لديه من نِعَم، فيُثني علىٰ الله ويحمده، وفي الوقت ذاته يُلاحِظ أنَّ حياته ليست بالصعوبة التي كان يظنُّها. بهذه الطريقة، تنخفض مشاعره السلبيَّة، ويقلُّ ضغطه النفسيّ إلىٰ أدنىٰ مستوياته، ويزداد تحمُّله وصبره.
بناءً علىٰ ذلك، يُعتبَر استخدام المقارنة النازلة أحد عوامل الصبر والرضا عن الحياة. فالذين يُقارنون وضع حياتهم بمَنْ هم أدنىٰ منهم، يكتفون بما قسمه الله لهم ويرضون به. وهذا هو ما يُشار إليه في الأدبيَّات الدِّينيَّة بمفهوم «القناعة». القناعة تعني الرضا بما هو موجود. ولا يستطيع الإنسان أنْ يكون قانعًا إلَّا إذا رضي بما لديه. يتحقَّق الرضا عندما يعتبر الإنسان أنَّ ما يملكه كافٍ؛ إذ إنَّ الكفايةَ شرطٌ للرضا. أمَّا عدم الرضا فينشأ من شعور الإنسان بأنَّ ما يملكه قليل وغير كافٍ لتلبية احتياجاته.
أحد أسباب هذه الظاهرة هو المقارنة الصاعدة. فالمقارنة الصاعدة تُثير شعورًا بعدم الكفاية، لأنَّها تُقلِّل من قيمة النِّعَم التي يملكها الإنسان. علىٰ العكس، تُساعد المقارنة النازلة علىٰ الشعور بالكفاية، لأنَّها تُبرز النِّعَم الموجودة في الحياة. لا نقول: إنَّ المقارنة النازلة تجعل الإنسان يعتقد بأنَّه يملك أفضل الأرزاق، بل تجعل الإنسان يشعر بأنَّه يمكنه العيش بالمقدار الذي يملكه، لأنَّه يرىٰ آخرين يعيشون في ظروفٍ أصعب.
الأماني تُمثِّل أحد أبعاد الحياة، وكلُّ إنسان لديه أمانٍ في حياته. هذه الأماني قد تُؤدِّي إلىٰ عدم الرضا. لذلك، من الضروري التعرُّف علىٰ النمط الصحيح للأماني لتحقيق الرضا. في ما يأتي بحث هذا الموضوع.
جاء في بعض الروايات أنَّ الأماني الطويلة تُفقِد الإنسان لذَّة النعمة، وتجعله يستهين بها، وتُقلِّل من شكره، كما تُسبِّب له
الحسرة بسبب عدم تحقيق تلك الأماني. وتناولت رواياتٌ أُخرىٰ خداع الأماني وكونها تُسبِّب اليأس للإنسان، كما تُدخِل الإنسان في انتظارٍ لا نهاية له. وتُشبِه الأماني الطويلة السرابَ الذي لا يجلب سوىٰ الخيبة، ولا تزيد الإنسان إلَّا عناءً وشدَّةً.
من خلال دراسة هذه النقاط، يمكن تقسيم خصائص الأماني إلىٰ مجموعتين: الأُولىٰ تتعلَّق بالموجودات (النِّعَم)، والثانية تتعلَّق بالمفقودات التي تُرغَب بها. في مجال الموجودات، تُؤدِّي الأماني إلى التقليل من قيمة النِّعَم وعدم التمتُّع بها. أمَّا في مجال المفقودات، فهي من جهةٍ تُسبِّب الإحباط واليأس والحسرة، ومن جهةٍ ثانية تُؤدِّي إلىٰ توسيع دائرة الأماني، ومن
جهةٍ ثالثة تزيد من الألم والمعاناة.
بناءً علىٰ هذه المعلومات المصنَّفة، يمكن توضيح العلاقة بين الأماني وآثارها وتفسير سبب تأثيرها السلبيّ. كما تبيَّن، فإنَّ الأماني البعيدة تُلحِق الضرر بالإنسان من جانبين: الموجودات والمفقودات. في جانب الموجودات، تجعل الأمانيُّ الإنسانَ ينظر إلىٰ ما يملكه نظرة استصغارٍ وتحقير، ما يُؤدِّي إلىٰ شعورٍ بالحرمان. والشخص الذي يشعر بالحرمان سيكون غير راضٍ عن حياته. مضافًا إلىٰ ذلك، فإنَّ هذا الشعور يحرمه من الاستمتاع بالنِّعَم المتوفِّرة لديه، ما يزيد من حالة الكآبة والحزن، وبالتالي يولد عدم الرضا.
أمَّا في جانب المفقودات، فإنَّ الأماني البعيدة لا تعرف حدًّا للتوقُّف، وبالتالي تستمرُّ دائرة الأماني في التوسُّع. ومن جهةٍ أُخرىٰ، بسبب استحالة تحقيق هذه الأماني، يشعر الإنسان بالإحباط والفشل والحسرة. ومع هذا الوضع، فإنَّ كلَّ جهد يبذله الفرد لا يُؤدِّي إلَّا إلىٰ زيادة آلامه ومعاناته. وبهذا الأسلوب، ينخفض مستوىٰ رضاه عن حياته؛ ولهذا السبب قال الإمام عليٌّ عليهالسلام : «مَن کَثُرَ مُناهُ قَلَّ رِضاهُ».
الأمل الطويل أو البعيد -وهو ما يُعبَّر عنه غالبًا في الأدبيَّات الدِّينيَّة بكلمة «أمل»- يعود إلىٰ مفهوم الرجاء. ولهذا السبب،
فسَّر بعض علماء اللغة «الأمل» بمعنىٰ الرجاء والتوقُّع. هذه الخاصّيَّة تُعتبَر محرِّك الحياة ودافع الإنسان نحو العمل. العالم يقوم علىٰ الأمل والإنسان يعيش بالأمل. إذا فُقِدَ الأمل من الإنسان، فلن تُرضِع أيُّ أمٍّ ولدَها، ولن يغرس أيُّ بستانيٍّ شجرةً، ولن يُنجَز أيُّ عملٍ آخر. لذلك، يُعَدُّ الأمل رحمةً إلهيَّة للناس؛ ولكن الأهمّ هو ألَّا تتجاوز هذه الخاصّيَّة حدودها، وألَّا تتحوَّل إلىٰ انحراف. عندما يُذكر الأمل بسياقٍ سلبيّ، يكون ذلك نتيجةً لوقوعه تحت تأثير آفاتٍ معيَّنة. هذا الاستخدام السلبيّ للأمل يظهر في الحالات التي تتَّصف بصفاتٍ معيَّنة:
أوَّلًا: أنْ تكون الآمال متتابعةً بلا توقُّفٍ عند حدٍّ معيَّن، حيث مع تحقيق كلِّ أمل، ينشأ أمل جديد، ويستمرُّ هذا المسار دون نهاية. مثل هؤلاء الأشخاص لا يشبعون من التمنِّي والبحث عن المفقودات. هنا، لا يهمُّ ما يملك الشخص أو ما يفتقده، بل الأهمّ هو أنْ تكون شخصيَّته متمحورة حول وجود آمالٍ كبيرة متواصلة. هذه الحالة، بما أنَّها خاصّيَّة شخصيَّة، لا تشبع مطلقًا.
ثانيًا: أنْ تكون موضوعات الآمال غير واقعيَّة وغير قابلة للتحقُّق. وهذا قد يكون إمَّا نتيجة لانعدام حدود آمال الشخص كما ذُكِرَ سابقًا، أو بسبب طبيعة آماله. بعض الآمال لدىٰ الناس لا يمكن تحقيقها في الدنيا، أو قد تكون طموحات بعضهم تتجاوز أعمارهم. في روايات عدَّة، قيل: إنَّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم رسم خطًّا وقال: «هذا الإنسان»، ثمّ رسم خطًّا آخر وقال: «هذا موته»، ثمّ رسم خطًّا ثالثًا أبعد من ذلك وقال: «هذا أمله».
الإنسان الموت الأمل
رسم بياني (12 - 1)
وفي نقلٍ آخر، رُوِيَ أنَّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم رسم شكلًا ذا أضلاع أربعة، يُمثِّل عمر الإنسان، ثمّ رسم حوله خطوطًا تُعبِّر عن البلايا والمصائب التي تصيب الإنسان في حياته، ورسم خارج ذلك خطًّا أطول يُعبِّر عن أمل الإنسان. وبهذا الأُسلوب، أشار
النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم إلىٰ أنَّ آمال الإنسان تتجاوز عمره.
رسم بيانيّ (12 - 2)
النمط الصحيح: ترشيد الأماني
للوصول إلىٰ الرضا، يجب إدارة الأماني وتنظيمها بحيث لا تُقلِّل من قيمة الموجودات ولا تُؤدِّي إلىٰ عدم الرضا. ويمكن تتبُّع جذور هذه الظاهرة السلبيَّة في «ضعف المعرفة». فالأماني الطويلة والمبالَغ فيها تُمثِّل ظاهرةً تخالف حقائق الحياة، وكلُّ ما يخالف الواقع يُعتبَر مستحيلًا وغير قابل للتحقيق، وهو ناتجٌ عن الجهل وضعف الفهم، وهذه قاعدة مفادها: «الأماني المستحيلة علامة علىٰ الجهل والغباء». وعليه، فإنَّ تصحيح المعتقدات وفهم الواقع هو الحلُّ لهذه المشكلة. يجب أنْ تُواءم الأماني مع حقائق الحياة. وحقيقة الحياة هي أنَّ الدنيا لكلِّ إنسان أيَّامٌ معدودة، وأنَّ عمره محدود. مَنْ يؤمن بهذه الحقيقة،
تصبح أمانيُّه قصيرة وواقعيَّة. مَنْ يتأمَّل نهاية عمره ومصيره، ويُفكِّر في وجهته المستقبليَّة، سيبتعد دون شكٍّ عن الأماني المدمِّرة، ولن ينخدع بها. المهمُّ هو أنْ يكون الإنسان دائم التفكير في الموت. وعليه، فإنَّ المعرفة الصحيحة بالحياة والعمر والموت هي الأساس الذي يُصلح أماني الإنسان.
النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، من خلال الإشارة إلىٰ محدوديَّة العمر وعدم إدراك كثير من الغدوات، يعتبر التأمُّل في هذه الحقيقة سببًا لتقصير الآمال وجعلها منطقيَّة. وعلىٰ هذا الأساس، أوصىٰ الإمام زين العابدين عليهالسلام ابنه الإمام الباقرعليهالسلام قائلًا: «إيّاك وَالأَمَلَ الطَّويلَ، فَکم مِن مُؤَمِّلٍ أمَلًا لا يبلُغُهُ وجامِعِ مالٍ لا يأکلُهُ». في ظلِّ
هذه الحقائق، يُثير العجب أنْ يُصاب أحدهم بطول الأمل. وللوقاية من آفة طول الأمل وللوصول إلىٰ حياةٍ سليمة، يجب علىٰ الإنسان أنْ يُعيد النظر في فهمه للدنيا وعمره، وأنْ يُوائم بين هذه المفاهيم وواقع الحياة.
الإنسان يعتبر ما يمتلكه شيئًا ذا قيمة عندما يكون كبيرًا أو ذا أهمّيَّة في نظره. أمَّا الأُمور التي تُعتبَر صغيرة، فلا تُحتسَب عادةً ولا تُؤدِّي إلىٰ شكر النِّعَم أو الرضا. لذلك، من القضايا المهمَّة في هذا السياق هي معايير تقييم حجم النِّعَم. يتمُّ تقييم حجم النِّعَم بناءً علىٰ مقياسٍ معيَّن. ينبغي تحديد أيّ المعايير تُؤدِّي إلىٰ الشكر وأيّها تُؤدِّي إلىٰ الجحود. وفي ما يأتي بيان هذا الموضوع.
سبق أنْ أُشير إلىٰ أنَّ التقليل من شأن النِّعَم يُؤدِّي إلىٰ الجحود وعدم الرضا، وهذا يعود إلىٰ أنَّ تقييم الظواهر يتمُّ باستخدام مقياس «مادِّي بحت». الظواهر من حيث المادَّة تُشكِّل طيفًا واسعًا يتراوح من أصغر الأشياء إلىٰ أكبرها، وكلُّها موجودة في الحياة. لذلك، إذا استخدم المقياس المادِّي فقط، فإنَّ بعض الأُمور ستُعتبَر صغيرة وغير ذات أهمّيَّة، ما يترتَّب عليه الجحود وعدم الرضا.
في المقابل، من الأُمور التي تُؤدِّي إلىٰ الشكر، هو تعظيم النِّعَم. عندما يُعظِّم الإنسان ما لديه، يشعر بالوفرة والامتلاك، ما يُؤدِّي إلىٰ الرضا. لذلك، للوصول إلىٰ الرضا، ينبغي تعظيم النِّعَم. لكنَّ تعظيم النِّعَم يتطلَّب أساسًا؛ وهذا الأساس يمكن أنْ يكون مرتبطًا بـ«مانح النِّعَم» لا النِّعَم نفسها؛ فإنََّ للظواهر بُعدًا آخر يرتبط بـ«مانح النِّعَم». في هذا السياق، يقول النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : «أوحَی الله (عزّ وجلّ) إلی عُزَيرٍ: (يا عُزَيرُ)... إذا أُوتيتَ رِزقًا مِنّي فَلا تَنظُر إلی قِلَّتِهِ، ولکنِ انظُر إلی مَن أهداهُ».
لذا، بهذه الطريقة يمكن للإنسان أنْ يُعظِّم ما لديه من نِعَم في حياته، فيشعر بالامتلاك والرضا. ولهذا السبب قال الإمام الباقرعليهالسلام لجابر بن يزيد الجعفي: «اِستَکثِر لِنَفسِك مِنَ اللّهِ قَليلَ الرِّزقِ؛ تَخَلُّصًا إلَی الشُّکرِ». مضافًا إلىٰ ذلك، فإنَّ تعظيم النِّعَم يُؤدِّي إلىٰ بركتها وزيادة الرزق، ما يزيد من مستوىٰ الرضا. ومَنْ يستهين بالقليل من الرزق، يُحرَم من الكثير.
رُوِيَ عَن جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍعليهالسلام : «أنَّهُ دَخَلَ عَلى أبي جَعفَرٍ المَنصورِ وعِندَهُ رَجُلٌ مِن وُلدِ الزُّبَيرِ بنِ العَوّامِ وقَد سَأَلَهُ، وقَد
أمَرَ لَهُ بِشَيءٍ فَتَسَخَّطَهُ الزُّبَيرِي فَاستَقَلَّهُ، فَأَغضَبَ المَنصورَ ذلِك مِنَ الزُّبَيرِي حَتّى بانَ فيهِ الغَضَبُ، فَأَقبَلَ عَلَيهِ جَعفَرٌ فَقالَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، حَدَّثَني أبي عَن أبيهِ عَلِي بنِ الحُسَينِ عَن أبيهِ عَن عَلِي قالَ: قالَ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : مَن أعطى عَطِية طَيبَة بِها نَفسُهُ بورِك لِلمُعطی وَالمُعطي، فَقالَ أبو جَعفَرٍ: وَاللّهِ لَقَد أعطَيتُهُ وأنَا غَيرُ طَيبِ النَّفسِ بِها، ولَقَد طابَت بِحَديثِك هذا. ثُمَّ أقبَلَ عَلَى الزُّبَيرِي فَقالَ: حَدَّثَني أبي عَن أبيهِ عَن جَدِّهِ عَن أميرِ المُؤمِنينَ عَلِي عليهالسلام قالَ: قالَ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : مَنِ استَقَلَّ قَليلَ الرِّزقِ حَرَمَهُ الله کثيرَهُ، فَقالَ الزُّبَيرِي: وَاللّهِ لَقَد کانَ عِندي قَليلًا ولَقَد کثُرَ عِندي بِحَديثِك هذا، قالَ سُفيانُ: فَلَقيتُ الزُّبَيرِی فَسَأَلتُهُ عَن تِلك العَطِية، فَقالَ: لَقَد کانَت نَزرَة قَليلَة فَقَبِلتُها فَبَلَغَت في يدي خَمسينَ ألفَ دِرهَمٍ».
وروي في (الكافي) -أيضًا- عن الحسن بن بسّام الجمّال: «کنتُ عِندَ إسحاقَ بنِ عَمّارٍ الصَّيرَفِي، فَجاءَ رَجُلٌ يطلُبُ غَلَّة بِدينارٍ، وکانَ قَد أغلَقَ بابَ الحانوتِ وخَتَمَ الکيسَ، فَأَعطاهُ غَلَّة بِدينارٍ، فَقُلتُ لَهُ: وَيحَك يا إسحاقُ! رُبَّما حُمِلَت لَك مِنَ السَّفینَة ألفُ ألفِ دِرهَمٍ. قالَ: فَقالَ لي: تَرى کانَ لي هذا! لکنّي سَمِعتُ أبا عَبدِ الله عليهالسلام يقولُ: مَنِ استَقَلَّ قَليلَ الرِّزقِ حُرِمَ کثيرَهُ. ثُمَّ التَفَتَ إلَيَّ فَقالَ: يا إسحاقُ، لا تَستَقِلَّ قَليلَ الرِّزقِ فَتُحرَمَ کثيرَهُ».
التفاعل الإيجابيّ مع المواقف السارَّة هو الشكر. الوصول إلىٰ مرحلة الشكر يعني أوَّلًا أن يُدرِك الشاكر النقاط الإيجابيَّة في حياته ولا يرىٰ حياته خالية. وثانيًا: يُفعِّل الشكر البركة في النعمة ويُحقِّق خيرها في الحياة. وثالثًا: يُسهِم الشكر في زيادة النِّعَم التي يمتلكها الإنسان. تُسهِم هذه العناصر الثلاثة معًا في تعزيز الشعور بالرضا.
لتحقيق ذلك، هناك أُمور يجب مراعاتها:
تصحيح قائمة النِّعَم: يقارن كلُّ شخص وضعه بقائمة افتراضيَّة للنِّعَم التي يجب أنْ يمتلكها. إذا كانت هذه القائمة غير واقعيَّة، قد تُهمَل بعض الأُمور الأساس ولا تُؤخَذ بعين الاعتبار. إعداد قائمة شاملة وواقعيَّة يُساعد علىٰ إدراك النِّعَم بشكل أفضل.
التعرُّف علىٰ النِّعَم الموجودة: هناك عددٌ من الأُمور التي يجب القيام بها لهذا الغرض. أحدها: احتساب النِّعَم غير المرئيَّة والمعنويَّة؛ والآخر: استخدام المقارنة النزوليَّة بدلًا من الصعوديَّة.
تنظيم الأماني: الأماني الطويلة تُعيق رؤية النِّعَم الحاليَّة، وتُزيد من الشعور بالحرمان.
إعادة النظر في معايير تقييم النِّعَم: بتغيير معيار التقييم من الجانب المادِّي إلىٰ جانب المعطي، يمكن إدراك القيمة الحقيقيَّة لما نمتلكه، ما يُعزِّز الشعور بالامتلاك والرضا.
(138)
إنَّ أحداث الحياة وظروفها كما تقع ضمن تقدير الله وحكمته، كذلك فإنَّ الله -عزَّ وجلَّ- يمنح الإنسان القدرة علىٰ التحمُّل في مواجهة هذه الظروف. الله تعالىٰ لا يُقدِّر الأحداث فقط، بل يُزوِّد الإنسان بالقوَّة لمقاومتها. ومع ذلك، نحن غالبًا نغفل عن هذه القوَّة الإلهيَّة الكامنة فينا، وبالتالي نفشل في الاستفادة منها. الإنسان القويّ الذي يجهل قوَّته يبدو ضعيفًا؛ إذ إنَّ الإحساس بالقوَّة لا يعتمد علىٰ وجودها فقط بل يتطلَّب وعيًا بها وإيمانًا بامتلاكها. الصبر قدرة فطريَّة، هذه القدرة تصبح فعَّالة فقط عندما تُدرَك وتُستخدَم.
الحقيقة أنَّ مع وقوع المصيبة، تأتي قوَّة التحمُّل المناسبة معها. الوضع الجديد يأتي بقوَّة جديدة تُعين الإنسان علىٰ تحمُّله. والأمر الأكثر إدهاشًا أنَّ «قوَّة الصبر» تسبق حتَّىٰ وقوع البلاء. ليس فقط أنَّ الموقف الجديد يُزوِّد الإنسان بالقوَّة بل إنَّ هذه القوَّة تُمنَح له قبل وقوع المصيبة. في السباق بين البلاء
(139)والصبر، الصبر يسبق دائمًا. لذلك، قبل أنْ تُصاب بالمصيبة، تكون قد مُنِحْتَ القدرة علىٰ الصبر. هذا يمنح الإنسان الثقة في أنَّه يستطيع التحمُّل. كثير منَّا يصبح غير صبور لأنَّه يعتقد أنَّه لا يملك القدرة علىٰ التحمُّل. اليأس والشعور بالعجز هما نتيجة للجهل بوجود «قدرة الصبر». الله -عزَّ وجلَّ- يمنح هذه القدرة للإنسان، ولكن نحن مَنْ يجب أنْ نستخدمها ونُفعِّلها.
ثمّ إنَّ هناك توازنًا دقيقًا بين الصبر والبلاء؛ فكلَّما زادت شدَّة البلاء، زادت القدرة علىٰ الصبر. لذلك، لا يهمُّ إنْ كانت المصيبة صغيرةً أو كبيرة؛ فالمقدار نفسه من القدرة علىٰ تحمُّلها يُمنَح للإنسان. وبالتالي، لا يُعَدُّ صغر حجم المشكلة دليلًا علىٰ سهولة تحمُّلها، كما أنَّ كِبَر حجمها لا يعني بالضرورة أنَّها فوق طاقة الإنسان. قد تكون هناك مشاكل صغيرة يتطلَّب صبرًا عظيمًا، ومشاكل كبيرة يمكن تحمُّلها بسهولة. المهمُّ هو أنَّ قدرة الصبر موجودة، ونحن مَنْ يجب أنْ نُفعِّل هذه القدرة.
حين يُدرِك الإنسان أنَّ لديه القدرة علىٰ التحمُّل، ينبعث النور في عينيه ويشعر بالقوَّة. في هذه الحالة، لن تكون هناك
يُّ مشكلةٍ كبيرةٍ تُثقِل كاهله. عندما نمتلك القدرة علىٰ الصبر ونُدرِك وجودها، تصير الصعوبات كلُّها صغيرةً ويمكن التغلُّب عليها. لذا، بدلًا من الشكوىٰ والجزع، فكِّروا في القوَّة التي تمتلكونها؛ ستكتشفون أنَّ المشاكل أصغر ممَّا تبدو عليه ولا تستحقُّ أنْ تُفقِدكم توازنكم.
سنستعرض في ما يأتي أهمّ العوامل التي تُقوِّي الصبر وتُعزِّز القدرة علىٰ التحمُّل:
الحرمان بحدِّ ذاته لا يُسبِّب الشعور بعدم الرضا، إنَّما الشعور بالحرمان هو الذي يُؤدِّي إلىٰ ذلك. عندما يشعر الفرد بأنَّه محروم، يتولَّد لديه الإحساس بعدم الرضا. لذا، من المهمِّ جدًّا تحديد معنىٰ الحرمان وما هي سماته؟ وهل يتوافق شعورنا بالحرمان مع الواقع أم لا؟ تفسيرنا للحرمان يلعب دورًا رئيسًا في زيادة الضغط النفسيّ أو تقليله، وهذا ما سنتطرَّق إليه لاحقًا.
استنادًا إلىٰ ما ورد حول تفسير الفقر والغنىٰ، فإنَّ بعض الأفراد يعتقدون أنَّ الموجودات والمفقودات في حياتهم محصورة فقط في الجوانب المادّيَّة. ولهذا السبب، يعتمد معيار تقييمهم علىٰ توفُّر الإمكانيَّات المادّيَّة فقط أو عدم توفُّرها.
هؤلاء الأشخاص عند نقص الموارد المادّيَّة لا يأخذون بعين الاعتبار الإمكانيَّات غير المادّيَّة؛ ولذلك يشعرون بالحرمان. وبالمثل، عندما تنقصهم الإمكانيَّات غير المادّيَّة، لا يشعرون بالحرمان ولا يسعون للحصول عليها.
يمكن تقييم وضعنا من حيث الحرمان فقط عندما نفهم تعريف الفقر والحرمان، ونُحدِّد أمثلةً لهما. إذا كان الشخص يتعامل مع مفهوم الحرمان بواقعيَّةٍ ويُحدِّد أمثلةً دقيقةً له، فسيتمكَّن عند مواجهة المشكلات من التحقُّق ممَّا إذا كان حقًّا محرومًا أم لا.
ذُكرت في النصوص الدِّينيَّة أمثلة للحرمان. ينقسم الحرمان -من منظور دينيّ- إلىٰ قسمين: الحرمان القابل للتحمُّل،
والحرمان غير القابل للتحمُّل. محور هذا التقسيم يعتمد علىٰ نوعين من موارد الإنسان: المادّيَّة والمعنويَّة. بناءً علىٰ ذلك، الحرمان غير القابل للتحمُّل هو الحرمان المعنويّ، والحرمان القابل للتحمُّل هو الحرمان المادِّي. عند الجمع بين هذين النوعين، تنشأ أربع حالات للوضعيَّة:
إذا كان الفرد يعاني من حرمانٍ معنويّ، فقد تعرَّض لضررٍ كبيرٍ ويجب أنْ يكون غير راضٍ عن وضعه، وإذا شعر بعدم الرضا، فإنَّ ذلك طبيعي، ولكن إذا لم يشعر بعدم الرضا، ينبغي توعيته بخطورة وضعه. أمَّا إذا كان الفرد يعاني من حرمانٍ مادِّي، فإنَّه لم يتعرَّض لضررٍ كبير بل إنَّ هذا قد يكون فرصةً لتحقيق فوائد ومنافع عظيمة. لذلك، إذا لم يشعر بعدم الرضا وكان راضيًا، فإنَّ وضعه يُعتبَر مناسبًا ومثاليًّا، أمَّا إذا شعر بعدم الرضا فيجب مساعدته ليصل إلىٰ حالة الرضا باستخدام الوسائل والعوامل التي سيتناولها النقاش.
جزء من النصوص الدِّينيَّة خُصِّص لتوضيح أمثلة للحرمان الأساس. وعلى الرغم من الاهتمام الملحوظ بالحرمان المادِّي في المعارف الإسلاميَّة، نجد أنَّ الحرمان الأساس وغير القابل للتحمُّل هو الحرمان المعنويّ؛ يمكن استنباط ذلك من مجمل المصادر الدِّينيَّة التي تناولت أمثلة الحرمان. في الأدبيَّات
(143)
الدِّينيَّة، يُتناوَل هذا الموضوع باستخدام مصطلحات مختلفة مثل: «الحرمان»، «الغبن»، «الخسران»، «المصيبة»، «الشرّ»، وسيتمُّ التطرُّق إلىٰ تحليل هذه المصطلحات واستعراض أمثلة لها في الفقرات القادمة.
جرى توضيح مفهوم الحرمان وأمثلته بطُرُق متنوِّعة في النصوص الدِّينيَّة. ومن أبرز هذه الأمثلة: «الحرمان من خير المال». فالمفهوم السائد لدىٰ الكثيرين هو أنَّ الحرمان يتمثَّل في فقدان المال، بينما الحقيقة وفقًا للمنطق الإسلاميّ تكمن في الحرمان من الاستفادة من المال لجلب الخير؛ إذ إنَّ المال بحدِّ ذاته ليس معيارًا للحرمان أو النعمة، بل الكيفيَّة التي يُستخدَم بها هي الأساس؛ فمن الناس مَنْ يستخدمون المال لجلب الخير لأنفسهم، ومنهم مَنْ يجلبون به الشرَّ.
مورد آخر: «الحرمان من فوائد الآخرة». قد يظنُّ بعض الناس أنَّ عدم التمتُّع بالدنيا يشير إلىٰ الحرمان، ولكن في ميزان الإسلام يُعتبر الحرمان الأُخرويّ هو الأساس، بينما الحرمان الدنيويّ لا يوازي شيئًا أمامه. فالمتاع الدنيويّ لا قيمة له إذا كان سببًا لحرمان الإنسان من نعيم الآخرة. قال الإمام عليٌّ عليهالسلام : «إنَّ عَلامَةَ
الرّاغِبِ فی ثَوابِ الآخِرَةِ زُهدُهُ في عاجِلِ زَهرَةِ الدُّنيا، أمّا إنَّ زُهدَ الزّاهِدِ في هذِهِ الدُّنيا لا ينقُصُهُ مِمّا قَسَمَ اللّهُ لَهُ فيها وإن زَهِدَ، وإنَّ حِرصَ الحَريصِ عَلی عاجِلِ زَهرَةِ الحَياةِ الدُّنيا لا يزيدُهُ فيها وإن حَرَصَ، فَالمَغبونُ مَن حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الآخِرَةِ».
من الأُمور الأُخرىٰ التي تُعَدُّ من صور الحرمان هي: «الحرمان من فوائد شهر رمضان المبارك». هذا الشهر هو أعظم الشهور وأكثرها بركات وخيرات، ومَنْ يُحرَم من خيراته يُعَدُّ محرومًا. في بعض الروايات تركيزٌ علىٰ المغفرة في هذا الشهر وتصريح بأنَّ المحرومَ الحقيقيَّ هو مَنْ يُحرَم من مغفرة الله فيه. اللَّافت للنظر في هذه الروايات هو استخدام كلمة «شقي» لوصف المحرومين من بركات هذا الشهر، ما يدلُّ علىٰ أنَّ هذا النوع من الحرمان ليس فقط حرمانًا مادّيًّا، بل عاملًا للشقاء والتعاسة الروحيَّة.
في بعض الروايات الأُخرىٰ تركيزٌ خاصٌّ علىٰ «ليالي القدر»،
حيث اعتُبِرَ المحروم من بركاتها من أشدّ الناس حرمانًا. لذلك، كانت السيِّدة فاطمةعليهاالسلام لا تَدَعُ أحَدًا مِن أهلِها ينامُ تِلك اللَّيلَة (اللَّيلَة الثّالِثَة وَالعِشرينَ) وتُداويهِم بِقِلَّة الطَّعامِ، وتَتَأَهَّبُ لَها مِنَ النَّهارِ، وتَقولُ: «مَحرومٌ مَن حُرِمَ خَيرَها».
وفي موردٍ آخر، ذُكِرَ «فقدان العقل» باعتباره من صور الحرمان، حيث صُرِّح بأنَّ مَنْ يُحرَم من نفع العقل يُعَدُّ محرومًا. وقال الإمام الحسن المجتبىٰ عليهالسلام موضِّحًا: «بِالعَقلِ تُدرَك الدّارانِ جَميعًا، ومَن حُرِمَ مِنَ العَقلِ حُرِمَهُما جَميعًا». ومن الجدير بالذكر أنَّ الرواية الأُولىٰ قد أشارت أيضًا إلىٰ أنَّ فقدان العقل يُعَدُّ سببًا للشقاء والبؤس.
وفي سياقٍ آخر، اعتبر النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم المحرومَ الحقيقيَّ مَنْ حُرِمَ من وصيَّةٍ بعد وفاته. وكما ذُكِرَ سابقًا، فإنَّ إمكانيَّة الوصيَّة من النِّعَم الإلهيَّة التي أنعم بها الله علىٰ عباده، ومَنْ حُرِمَ منها فهو من أشدّ الناس حرمانًا.
لقد أشار -أيضًا- إلىٰ «فقدان الرفق والمداراة في العلاقات الاجتماعيَّة» بوصفه نوعًا من أنواع الحرمان. إنَّ العلاقات مع الآخرين يمكن أنْ تجلب كثيرًا من البركات، والرفق يُعَدُّ عاملًا رئيسًا لتحقيق النجاح فيها. لذلك، مَنْ يفتقد الرفق يُحرَم من بركات هذه العلاقات.
وأخيرًا، في موضعٍ أكثر إثارةً للاهتمام، إشارة إلىٰ «المصيبة»، وهي الموضوع الأساس في نقاشنا. نحن غالبًا ما نعتبر وقوع المصيبة علامةً علىٰ الحرمان، ولكن بحسب الروايات، فإنَّ المحرومَ الحقيقيَّ هو الذي يُحرَم من ثواب الصبر علىٰ المصيبة. سيتَّضح لاحقًا أنَّ إحدىٰ فلسفات شدائد الحياة هي التمهيد لنيل الأجر والثواب. المصاب الذي يحظىٰ بثواب صبره علىٰ المصيبة لا يُعتبَر محرومًا. بعد رحيل النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعندما حان وقت التعزية، جاء شخصٌ يُسمَع صوته لكنَّه لم يُرَ، وقال في جزءٍ من كلامه: «فإنّ المصاب من حرم الثواب». هذا يُوضِّح أنَّ وقوع المصيبة بحدِّ ذاته ليس حرمانًا، بل الحرمان الحقيقيّ هو فقدان الثواب المرتبط بها.
وجاء في روايةٍ أُخرىٰ أنَّ الإمام الصادق عليهالسلام ، في تفسير المصيبة الحقيقيَّة، قال لإسحاق بن عمَّار: «لا تَعُدَّنَّ مُصيبَةً اُعطِيتَ
عَلَيها الصَّبرَ، واستَوجَبتَ عَلَيها مِنَ الله -عزّ وجلّ- الثَّوابَ، إنَّما المُصيبَةُ الّتی يحرَمُ صاحِبُها أجرَها وثَوابَها إذا لَم يصبِرْ عِندَ نُزولِها».
يمكن رؤية معنىٰ ومفهوم الحرمان -أيضًا- في الآيات والروايات التي تستخدم مصطلح «الخُسران». تُقدِّم هذه النصوص حالاتٍ متنوعة، ومن أهمّها «خسارة النفس»، حيث يفقد الإنسان ليس فقط المال والثروة، أو حتَّىٰ الصحَّة والأمن، بل كلَّ كيانه الإنسانيّ. يُعرِّف القرآن الكريم الخُسران الحقيقيّ والواضح بأنَّه ما يصيب أُولئك الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. وفي بعض الروايات، فُسِّرت عبارة «خسروا أنفسهم» بمعنىٰ «غبنوا أنفسهم» أو ما يُعرَف بخسارة النفس.
ذكر المرحوم العلَّامة الطباطبائي في تفسير هذه الآية الشريفة أنَّ كلمتي «خسر» و«خسران» تعنيان فقدان رأس المال، إمَّا كلّيًّا أو جزئيًّا، ولكن كلمة «خسران» أقوىٰ تعبيرًا من كلمة «خسر». أمَّا «خسران النفس»، فيعني أنَّ الإنسان يُعرِّض نفسه للهلاك
والشقاء بحيث يفقد قابليَّته للكمال، ويبتعد عن السعادة تمامًا. و«خسران الأهل» يحمل نفس المعنىٰ، وهو ما يُعتبَر الخسران الحقيقيّ. الخسائر المرتبطة بأُمور الدنيا، مثل المال أو الجاه، زائلةٌ وغير دائمة، علىٰ عكس خسران يوم القيامة الذي لا ينتهي أبدًا، فهو دائم وأبدي؛ إذ لا ينقطع ولا يُزال. مضافًا إلىٰ ذلك، فإنَّ خسارة المال أو الجاه يمكن تعويضها؛ حيث يمكن للمرء أنْ يُعوِّض ذلك بما يماثله أو بما هو أفضل. أمَّا خسران النفس فلا يمكن تعويضه بأيِّ حال.
تناولت سورة هود -أيضًا- مسألة خسران النفس. يُبيِّن العلَّامة الطباطبائي أنَّ هذه الآيات تشير إلىٰ أنَّ الكُفَّار خسروا أنفسهم لأنَّ الإنسان يملك نفسه فقط، وهذه الملكيَّة ليست ذاتيَّة بل بتملُّك من الله تعالىٰ. وعندما يُقدِم الإنسان علىٰ شراء ما يُهلِك نفسه، مثل الكفر والمعصية، مقابل استثمار عمره وماله، فإنَّه قد أوقع نفسه في الخسران.
يُشير الله تعالىٰ بوضوحٍ في آيةٍ أُخرىٰ إلىٰ أنَّ الذين تخفُّ موازين أعمالهم يوم القيامة هم الذين خسروا أنفسهم، وعلَّة هذا الخسران هي ظلمهم لآيات الله، والذي يتجلَّىٰ في عدم
الإيمان بها. وفي هذه الآية، يُفسَّر الظلم المذكور بالإيمان المنقوص أو المفقود، كما أُشير إليه في آيةٍ أُخرىٰ. وهناك آيات وأحاديث أُخرىٰ تُؤكِّد علىٰ الحقيقة أيضًا.
وفقًا لبعض الآيات، فإنَّ هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم وضيَّعوا فُرَص الإيمان سيواجهون عذابًا دائمًا يوم القيامة. وهذا المفهوم يتماشىٰ تمامًا مع ما ورد في تعريف السعادة الحقيقيَّة التي أُشير إليها سابقًا؛ حيث إنَّ السعادة الحقيقيَّة تكمن في الفوز الأبديّ في الآخرة. أمَّا مَنْ يخسر المال أو الثروات الدنيويَّة، فإنَّ ذلك لا يعني بالضرورة أنْ يصل إلىٰ درجة الشقاء أو الخسران الأبديّ.
الحقيقة أنَّ كثرة الدنيا تُؤدِّي إلىٰ نقصان الآخرة، ونقصان الدنيا يُؤدِّي إلىٰ زيادة الآخرة. هذا من قوانين الحياة الدنيا.
بناءً علىٰ ذلك، لدينا نموذجان في ما يتعلَّق بالمكاسب والخسائر:
الأوَّل: هو مكسب الدنيا الذي يُؤدِّي إلىٰ خسارة الآخرة (مكسب الدنيا - خسارة الآخرة).
والثاني: هو خسارة الدنيا التي تُؤدِّي إلىٰ مكسب الآخرة (خسارة الدنيا - مكسب الآخرة).
الآن، علينا أنْ نُحدِّد أنَّ أيًّا من هذين النموذجين أكثر فائدةً وأفضل. إذا أخذنا بعين الاعتبار زوال الدنيا ومتاعها القليل مقابل دوام الآخرة ونعيمها الذي لا مثيل له، فلا شكَّ أنَّنا سنختار مكسب الآخرة وقبول نقصان الدنيا؛ لأنَّ الخسارة الحقيقيَّة تكمن في فقدان الآخرة.
يُقارن الإمام عليٌّ عليهالسلام بين هذين النموذجين، ويُؤكِّد علىٰ أفضليَّة نموذج «خسارة الدنيا - مكسب الآخرة»، حيث يقول: «اِعلَموا أنَّ ما نَقَصَ مِنَ الدُّنيا وزادَ فِي الآخِرَةِ خَيرٌ مِمّا نَقَصَ مِنَ الآخِرَةِ وزادَ فِي الدُّنيا، فَکم مِن مَنقوصٍ رابحٍ ومَزيدٍ خاسِرٍ».
قاعدة «النقص المربح» و«الزيادة المضيِّعة» تُعَدُّ من القواعد المهمَّة في الحياة الدنيا، وينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تقييم المكاسب والخسائر. ليس كلُّ ما يبدو غير مرغوبٍ فيه يُؤدِّي
إلىٰ الخسارة، وليس كلُّ ما يبدو مرغوبًا فيه يُؤدِّي إلىٰ الربح.
الغبن يعني الخسارة أو الفقدان. من البديهيّ أنَّ مَنْ يتعرَّض للخسارة سيشعر بعدم الرضا، بينما مَنْ يُحقِّق الربح سيشعر بالرضا. هذا المفهوم تناولته الأدبيَّات الدِّينيَّة بمصطلحاتٍ مثل «الغبن/ الخسارة، والخاسر» و«الغبطة/ السعادة، والفائز». الأمر المتعلّق بهذه المسألة هو مصطلح «الغبن». ونظرًا إلى تأثير الغبن على الرضا، لا بدّ من معرفة معناه ومصاديقه. ففي الروايات، ورد الغبن بمعنى الخسارة والهزيمة، والمغبون بمعنى الخاسر. بعض الروايات ركَّزت علىٰ قضيَّة العمر، واعتبرت أنَّ الشخص المغبون هو مَنْ أضاع عمره في غير طاعة الله تعالىٰ.
عندما تُقارَن الدنيا بالآخرة، فإنَّ كلَّ ما يُحصَل عليه من الدنيا يُعتبَر غبنًا وخسارةً. وعليه، مَنِ انشغل بالدنيا وخسر نصيبه من الآخرة، فهو مغبون؛ ومَنْ قصَّر في تحسين عمله علىٰ الرغم من يقينه بالثواب، فهو مغبون؛ ومَنْ باع الجنَّة العالية بمعصيةٍ دنيئة،
فقد غبن نفسه. والغبن يشمل -أيضًا- مَنْ حُرِمَ من القيام لصلاة الليل. واللَّافت للنظر أنَّ النصوص الدِّينيَّة وصفت مَنْ يُفضِّل الدنيا علىٰ الدِّين بأنَّه قد باع نفسه وخسر كيانه. علىٰ العكس، مَنْ يحرص علىٰ تنمية نفسه وترقيتها هو الرابح الحقيقيّ.
يعتبر الإمام عليٌّ عليهالسلام أنَّ الفوز الحقيقيّ يتمثَّل في الحفاظ علىٰ الدِّين، والخسارة الحقيقيَّة في التفريط به. وينقل الإمام الصادق عليهالسلام عن النبيِّ عيسىٰ عليهالسلام وصفًا لمَنْ يقع في خسارةٍ حقيقيَّة، وهو الشخص الذي يطمئنُّ إلىٰ الدنيا ويثق بها؛ لذلك يدعو عيسىٰ أصحابه إلىٰ نبذ الدنيا والرجوع إلىٰ الله.
فتحصَّل أنَّ المغبون الحقيقيّ ليس مَنْ يخسر الدنيا، بل مَنْ يبيع دينه من أجل الدنيا وينسىٰ الله وآخرته. السبب في ذلك أنَّ وجود الإنسان وهويَّته مرتبطان بالله ودينه. الابتعاد عن الله
والدِّين يعني فقدان «الذات» الحقيقيَّة.
وردت في الروايات قاعدةٌ مفادها أنَّ كلَّ ما يصيب المؤمن ويجعله غير راضٍ يُعَدُّ «مصيبةً». لذلك، فإنَّ مثل: الخوف وانعدام الأمن، الفقر والجوع، ونقص المال والنفس والثمرات، وحتى الأمور مثل انطفاء المصباح في الليل وانقطاع شسع النعل، تُعدّ مصيبة. ومن جهةٍ أخرى، فإنّ فقدان الأمور غير المادّيّة -التي هي أهمّ من فقدان الأمور المادِّيَّة- يُعدّ -أيضًا- مصيبة. ومن هذه الأمور: فقدان الدين، معصية الله،
الاستخفاف بالذنوب، إنفاق المال في المعصية، الجهل، الطمع في الدنيا، والحاجة في الآخرة. لذلك، لا يمكن حصر المصيبة بفقدان الأُمور المادّيَّة فقط؛ بل إنَّ فقدان الأُمور غير المادّيَّة يُعَدُّ -أيضًا- من المصائب.
الخير والشرُّ من المصطلحات الشائعة في الأدبيَّات الدِّينيَّة. عرَّفت بعض النصوص الخير والشرّ تعريفًا واضحًا، قال الإمام عليٌّ عليهالسلام : «ما شَرٌّ بِشَرٍّ بَعدَهُ الجَنَّةُ، وما خَيرٌ بِخَيرٍ بَعدَهُ النّارُ، وکلُّ نَعيمٍ دونَ الجَنَّةِ مَحقورٌ، وکلُّ بَلاءٍ دونَ النّارِ عافِيةٌ». بالتالي، فإنَّ كلَّ صعوبة أو معاناة تنتهي إلىٰ الجنَّة لا يمكن أنْ تُعتبَر شرًّا حقيقيًّا، وكلٌّ بلاء دون النار يُعَدٌّ عافيةً. في الواقع، الخير لا
يتحقَّق إلَّا عبر مواجهة الصعاب والمعاناة.
بناءً علىٰ ذلك، لا يمكن اعتبار كلِّ ما هو محبَّب إلىٰ النفس نعمةً دائمًا؛ إذ إنَّ بعض الأُمور المُحبَّبة قد تُؤدِّي إلىٰ عواقب وخيمة. لذلك، يجب علىٰ الإنسان أنْ يتجنَّب اعتبار كلِّ ما يُحبَّب إليه خيرًا إذا كان يُؤدِّي إلىٰ شرٍّ، كما يجب عليه أنْ لا يعتبر كلَّ ما يكرهه شرًّا إذا كان يُؤدِّي إلىٰ خير. بناءً علىٰ ذلك، إذا كانت المصائب تُفضي إلىٰ منفعةٍ وخير للإنسان، فلا ينبغي اعتبارها علامة علىٰ الحرمان.
ممَّا تقدَّم، يتَّضح أنَّ مفهوم «الحرمان» في النصوص الدِّينيَّة قد بُيِّن من خلال مفردات مختلفة. في الروايات، عرِّف الحرمان بأنَّه عدم الاستفادة من «خَير المال» وليس المال ذاته، عدم الحصول علىٰ «منافع الآخرة»، فقدان «بركات شهر رمضان والمغفرة في هذا الشهر وليالي القدر»، «فقدان العقل»، «عدم الوصيَّة»، «فقدان الرفق والمداراة في
العلاقات الاجتماعيَّة»، و«فقدان أجر الصبر».
وتناولت الروايات مفهوم الغبن بمصاديق عدَّة منها: «إضاعة العمر في غير طاعة الله»، «الانشغال بالدنيا والغفلة عن الآخرة»، «بيع الجنَّة بمعصية»، «ترك الأعمال العباديَّة كقيام الليل»، «فقدان الدِّين». المغبون الحقيقي هو مَنْ يبيع دينه بدنيا زائلة ويغفل عن الله والآخرة، وليس مَنْ يخسر الدنيا، لأنَّ جوهر الإنسان مرتبط بالله ودينه، وفقدان هذا الجوهر يعني فقدان الذات.
يظهر مفهوم الحرمان -أيضًا- في النصوص التي تناولت «الخسران»، والتي ذكرت «الذاتيَّة المهلكة»، حيث يخسر الإنسان ليس فقط ماله أو صحَّته، بل وجوده الإنسانيّ بالكامل. تُبيِّن النصوص أنَّ وفرة الدنيا تقود إلىٰ نقصان الآخرة، والعكس صحيح. بناءً علىٰ ذلك، هناك نموذجان: «ربح الدنيا-خسارة الآخرة»، «خسارة الدنيا-ربح الآخرة». الخسارة الحقيقيَّة تكمن في فقدان الآخرة، وليس فقدان الدنيا.
تمَّ تناول جزء آخر من مصاديق الحرمان في الروايات المتعلِّقة بـ«المصيبة». في هذه الروايات، قُرِّر كقاعدة أنَّ كلَّ ما يصيب المؤمن ويُشعِره بعدم الرضا يُعتبَر «مصيبةً». بناءً علىٰ ذلك، فإنَّ أُمورًا مثل: الخوف وعدم الأمن، الفقر والجوع، نقص المال، النفس والثمار، وحتَّىٰ أُمورًا صغيرةً كإطفاء
(157)المصباح في الليل أو انقطاع رباط الحذاء، تُعَدُّ من المصائب. من جهة أُخرىٰ، اعتُبِرَ فقدان الأُمور غير المادّيَّة -أيضًا- مصيبة. بعض هذه الأُمور تشمل: فقدان الدِّين، عصيان الله، الاستهانة بالذنب، إنفاق المال في المعصية، الجهل، الطمع في الدنيا، الحاجة في الآخرة. لذلك، فإنَّ فقدان الأُمور غير المادّيَّة يُعتبَر -أيضًا- من مصائب الحياة، ولا يمكن حصر المصيبة في فقدان الأُمور المادّيَّة فقط.
أمَّا في الروايات المتعلِّقة بـ«الشرِّ»، فقد صُرِّح فيها بأنَّ كلَّ ما يُؤدِّي إلىٰ تدمير المستقبل يُعَدُّ شرًّا، حتَّىٰ لو كان ظاهره ممتعًا ومليئًا باللذَّة. بناءً علىٰ ذلك، يجب اعتبار هذه الأُمور من مصاديق الحرمان الحقيقيّ.
نحن البشر نعيش حاليًّا في الدنيا، وفي الوقت ذاته نحن كائنات تتَّسم بالتوقُّعات. لهذا السبب، لدينا -أيضًا- توقُّعات من الدنيا، هذه التوقُّعات يمكن أنْ تتَّخذ أشكالًا مختلفة، وطبيعتها تلعب دورًا مهمًّا في تحقيق الرضا أو الشعور بالسخط. لذلك، يُعَدُّ نمط التوقُّع من الدنيا عاملًا رئيسًا في تقليل الضغوط النفسيَّة أو زيادتها. في ما يأتي توضيح ذلك.
نتوقَّع أنْ تكون الدنيا خاليةً من الألم والمعاناة. ولأنَّ الراحة
وغياب المعاناة هما حالتان مرغوبتان، والإنسان بطبيعته يسعىٰ للراحة، فإنَّنا نريد حياةً في الدنيا خاليةً من الألم والمعاناة، وننتظر أنْ تكون مليئةً بالسعادة والراحة فقط. لكن الواقع، وفقًا لما تقدَّم بيانه في الأُسُس السابقة، هو أنَّ المعاناة تُمثِّل واحدةً من حقائق الحياة، وهي ضروريَّةٌ لنموِّ الإنسان وتكامله. لذلك، فإنَّ عدم التوافق بين هذا التوقُّع وهذه الحقيقة يُؤدِّي إلىٰ زيادة الضغط النفسيّ عند مواجهة البلاءات والصعوبات.
الواقع هو أنَّ الدنيا دار صعوباتٍ وابتلاءات. وقد أوضحنا ذلك ضمن الأُسُس المتعلِّقة بمعرفة العالم. استنادًا إلىٰ هذه الحقيقة، تنشأ حقيقة أُخرىٰ وهي «حتميَّة الصعوبات». الواقع يُؤكِّد أنَّ الصعوبات لا يمكن تجنُّبها. يجب تقبُّل هذه الحقيقة كما هي؛ لأنَّ إنكارها لن يُغيِّر شيئًا. الدنيا، بوصفها موطن حياتنا، تحمل خصائص تفرضها طبيعتها، وهي خارجة عن إرادتنا. ليس لنا دور في ترتيبها، ولا قدرة علىٰ تغييرها. السمات التي تُميِّز الدنيا جرىٰ تنظيمها وفقًا للحكمة والمصلحة الإلهيَّة، وفيها الخير والمصلحة للبشريَّة. المطلوب منَّا هو أنْ نتعرَّف علىٰ شكل الدنيا الواقعيّ ونقبله. توقُّع حياة خالية من الصعوبات هو توقُّع غير واقعيّ. الصعوبات جزءٌ لا يتجزَّأ من حياتنا، وإنكارها لن يُغيِّر من واقع الأمر شيئًا.
(159)لذلك، يجب أنْ تكون توقُّعاتنا من الحياة واقعيَّة. وهذا ما أشرنا إليه سابقًا بمصطلح «تنظيم التوقُّعات مع الواقع». إدراك هذه الحقيقة يساعد علىٰ ضبط توقُّعاتنا من الحياة، ويُتيح تقبُّل فكرة العالم بمعاناة متقطِّعة، ما يجعل أوقات الشدَّة أكثر احتمالًا ويُساهم في تحقيق جزءٍ من الرضا.
شكا أحد الأشخاص من معاناته إلىٰ الإمام الصادق عليهالسلام ، فأوصاه الإمام بالصبر، وبعد فترةٍ من السكوت، قال له: «أخبرني عن سجن الكوفة كيف هو؟»، أجاب الرجل: ضيِّق، نتن، وفيه سجَّانون في أسوأ حال، فقال له الإمام عليهالسلام : «فَإِنَّما أنتَ في السِّجنِ فَتُريدُ أن تَکونَ فيهِ في سَعَةٍ؟ أما عَلمتَ أنَّ الدُّنيا سِجنُ المُؤمِنِ؟».
أشار الإمام الصادق عليهالسلام في هذا القول إلىٰ حقيقة الحياة وما تتضمَّنه من مشقَّات وصعوبات. ومن خلال توجيه نظر الرجل إلىٰ حتميَّة الصعوبات في الحياة وتصحيح توقُّعاته منها، عزَّز الإمام قدرة الرجل علىٰ التحمُّل وقلَّل من معاناته النفسيَّة. هذه هي ثمرة إدراك الواقع. غالبًا ما يكون عدم تحمُّل الشدائد ناتجًا عن توقُّعات غير واقعيَّة من الحياة، حيث يعتقد بعض الناس أنَّ الحياة يجب أنْ تكون خاليةً من المشاقِّ. هذا الفهم الخاطئ يجعل الإنسان غير مستعدٍّ للتعامل مع صعوبات الحياة. إنَّ ما يُعزِّز مهارات مواجهة الشدائد ويجعل الحياة أكثر احتمالًا هو
قبول هذه الحقيقة بأنَّ المشقَّات جزءٌ لا يتجزَّأ من الحياة. فإذا أيقن الإنسان أنَّ الدنيا ليست دار راحة، فإنَّ حياته تصبح أكثر احتمالًا، ولا تضيق نفسه من الشدائد.
من القضايا التي تبرز عند ظهور مشكلةٍ ما هي كيفيَّة التعامل الأوَّلي معها. طريقة مواجهة المشكلة عند بدايتها تُؤثِّر تأثيرًا كبيرًا في تقليل الضغط النفسيّ الناجم عن الموقف أو زيادته. لذا، فإنَّ تصحيح نمط المواجهة الأُولىٰ واعتماد نمطٍ مناسبٍ أمر ضروريّ. وفي ما يأتي سنبحث في هذا الموضوع.
عند وقوع المشكلات، يميل الإنسان عادةً إلىٰ معارضة وجودها والدخول في صراعٍ لإبعادها عن حياته، ولكن الواقع هو أنَّ الشدائد لا يمكن إعادتها إلىٰ الوراء. هذا التنافر بين الواقع وردَّة الفعل يزيد من الضغوط النفسيَّة ويُؤدِّي إلىٰ الشعور بعدم الرضا. وبالتالي، فإنَّ جزءًا من زيادة الضغوط النفسيَّة والألم الناتج عن الموقف يرجع إلىٰ هذا النوع من ردود الفعل.
كما أشرنا سابقًا، فإنَّ الشدائد تُقدَّر وفقًا لتقدير الله تعالىٰ
وبما يتوافق مع مصلحة البشر. لذلك، عندما يحدث أمرٌ غير مرغوب فيه، فإنَّه لن يزول حتَّىٰ يُحقِّق غايته ويُؤدِّي دوره. لكلِّ شدَّة مدَّة زمنيَّة يجب أنْ تنقضي، وقد تكون هذه المدَّة قصيرة أو طويلة بحسب ظروف الأشخاص المختلفة، ولكنَّ أصلها لا رجعة فيه. عندما تقع محنةٌ أو ضائقةٌ، فإنَّه لا يمكن استعادتها أو إلغاؤها. ومع ذلك، فإنَّ مرارة الشدائد والنفور البشريّ منها تدفع الإنسان إلىٰ محاولة إعادة الأُمور إلىٰ حالتها السابقة وتجنُّب الموقف الحاليّ. لهذا السبب، عند مواجهة موقف غير سارٍّ، يُركِّز الإنسان غالبًا علىٰ التخلُّص من الحادثة بدلًا من إدارتها، ويرغب في إعادة الوضع إلىٰ ما كان عليه بسرعة.
في ظلِّ هذه الأجواء، تنشأ ظاهرة «محاربة المصاعب»، حيث ينهض الإنسان لمواجهة الشدائد بهدف إزالتها وإعادة الظروف إلىٰ حالتها الطبيعيَّة. الجزع، الفزع، والشكوىٰ تُمثِّل مظاهر الدخول في صراعٍ مع الشدائد. لكن -كما أشرنا سابقًا- فإنَّ الشكوىٰ، وعدم الصبر، وما شابهها من السلوكيَّات -التي تُعبِّر عن مواجهة المصاعب- لا تُؤثِّر في تغيير الواقع، ولا تُحوِّل الوضع من كونه غير مرغوبٍ إلىٰ وضعٍ مرغوب.
نتيجة إدراك هذه الحقيقة يقود إلىٰ قبول الوضع والتسليم به. فإذا كان التصادم مع المصاعب ومواجهتها لا يعيدها إلىٰ الوراء بل يزيد من معاناة الإنسان وآلامه، فمن الأفضل قبول المصاعب بوصفها جزءً من الواقع والعمل علىٰ احتوائها
(162)وإدارتها. يُوضِح الإمام عليٌّ عليهالسلام -استنادًا إلىٰ مبدأ حتميَّة استمرار المصاعب إلىٰ أجلها- أنَّ قبول الوضع الصعب شرطٌ لتجاوزه بسلام. هذه الكلمات الحكيمة جعلت أحنف بن قيس يقول: بعد كلمات النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لم أسمع كلامًا أجمل من هذا القول لأمير المؤمنين عليهالسلام : «إنَّ لِلنَّکباتِ نِهاياتٍ لا بُدَّ لِأَحَدٍ إذا نُکبَ من أن ينتَهِي إلَيها، فَينبَغي لِلعاقِلِ إذا أصابَتهُ نَکبَةٌ أن ينامَ لَها حَتّی تَنقَضِي مُدَّتُها فَإِنَّ في دَفعِها قَبلَ انقِضاءِ مُدَّتِها زِيادَةً في مَکروهِها».
قبول الموقف علامةٌ علىٰ الحكمة، والحكيم لا يقوم بعملٍ عبثيّ. ولأنَّ المصاعب لا يمكن إعادتها، فإنَّ مواجهتها والصدام معها ليس عديم الفائدة فحسب بل قد يكون ضارًّا. لذلك، فإنَّ العقل يحكم بأنْ يقف الإنسان «جنبًا إلىٰ جنب مع المصاعب» بدلًا من «مواجهتها»؛ إذ إنَّ الوقوف بجانب المصاعب يتيح إمكانيَّة إدارتها والتحكُّم بها، علىٰ عكس الجزع والمواجهة المباشرة التي تُضعِف الإنسان.
فَقَدَ معاذ بن جبل -وهو أحد أصحاب النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم - ابنه وأصابه الجزع، فكتب النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم إليه رسالةً يُعزِّيه فيها بمصاب ابنه. أشار النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم -في جزء من الرسالة- إلىٰ قضيَّتين مهمَّتين: الأُولىٰ: هي
«حتميَّة المصاعب»، والثانية: «عدم رجوع المصاعب». ومن خلال ذلك هدَّأه النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : «وَاعلَم أنَّ الجَزَعَ لا يرُدُّ مَيتًا ولا يدفَعُ قَدَرًا، فَأَحسِنِ العَزاءَ وتَنَجَّزِ المَوعودَ فَلا يذهَبَنَّ أسَفُك عَلی ما لازِمٌ لَك ولِجَميعِ الخَلقِ، نازِلٌ بِقَدَرِهِ».
المرض هو إحدىٰ مصاعب الحياة التي رُتِّب لها أجر عظيم، ولكن ذلك مشروط بقبولها. بمعنىٰ أنَّ المريض ينال الأجر عندما يقبل المرض، لا عندما يصطدم به أو يشكو منه. من الواضح أنَّ قبول الواقع هو أحد المفاهيم المهمَّة التي يجب مراعاتها عند مواجهة المصاعب.
كان لأشعث بن قيس أخ قد تُوفِّي فأصابه الحزن عليه، فجاء أمير المؤمنين عليهالسلام لزيارته وتعزيته، واستند عليهالسلام في كلامه إلىٰ «عدم رجوع المصاعب»، حيث يمكن استخلاص هذه النتيجة من قوله عليهالسلام : إنَّ الجزع ومواجهة المصاعب لا يُؤدِّيان إلَّا إلىٰ الخسارة.
يروي فُضَيل بن ميسَّر أنَّه كان يومًا في حضرة الإمام الصادق عليهالسلام فجاءه شخصٌ يشتكي من مصيبةٍ ألمَّت به، فاستند الإمام عليهالسلام إلىٰ هذا المبدأ نفسه ووجَّهه.
شخص آخر يُدعىٰ مهران كتب رسالة إلىٰ الإمام الكاظم عليهالسلام يشتكي فيها من الديون وتغيُّر حاله، فردَّ عليه الإمام عليهالسلام بذكر المبدأ نفسه.
في جميع هذه الأحاديث تركيزٌ علىٰ مبدأ «عدم رجعيَّة» المصائب، وبيان أنَّه كما أنَّ مجيئها ليس باختيارنا، فإنَّ زوالها أيضًا ليس باختيارنا. لذا، يجب قبول المصيبة والوقوف بجانبها، لا مواجهتها، هذا مبدأ أساس. إذا تمكَّن الإنسان من الوقوف بجانب الأحداث بدل مواجهتها، حينها يمكنه أنْ يُقرِّر ما الذي ينبغي فعله.
والجدير بالذكر أنَّ قبول الوضع، هو ما يُشار إليه في أدبيَّات الدِّين بـ«التسليم»، وهو ما سبق أنْ تحدَّثنا عنه في موضوع «نتيجة معرفة الخير».
المقصود بتقبُّل المصاعب ليس الاستسلام السلبيّ أو الانهيار، بل هو التقبُّل الإيجابيّ والفعَّال. في هذا النوع من التقبُّل، لا يصبح الفرد عاجزًا أو ضعيفًا؛ بل يُصمِّم أفضل استجابةٍ ممكنةٍ للوضع القائم. وربَّما يمكن القول: إنَّ أفضل تعبير عن هذا المفهوم جاء من الإمام عليٍّ، حيث يقول: «إياك وَالجَزَعَ فَإنَّهُ يقطَعُ الأَمَلَ ويضَعِّفُ العَمَلَ ويورِثُ الهَمَّ. وَاعلَم أنَّ المَخرَجَ فی أمرَينِ، ما کانَت فيهِ حيلَةٌ فَالِاحتِيالُ وما لَم تَکن فيهِ حيلَةٌ فَالِاصطِبارُ».
يُشار في الجزء الأوَّل من الحديث إلىٰ الآثار السلبيَّة للجزع وعدم تقبُّل المشكلة، وهي: قطع الأمل، إضعاف القدرة علىٰ العمل، وجلب الهمِّ أو الاكتئاب. لذا، فإنَّ الجزع لا يُفيد في تغيير الوضع؛ بل يزيده سوءًا. أمَّا الجزء الثاني من الحديث، فيُقدَِّم نموذجًا لمواجهةٍ فعَّالة وإيجابيَّة، يقوم علىٰ مبدأين: التفكير في الحيلة أو الصبر، ويُوضَّح أنَّ الحوادث تنقسم إلىٰ قسمين: ما يمكن التعامل معه بحيلةٍ كالكوارث العامَّة، ويكون الردُّ المناسب هو اتِّخاذ الإجراءات الملائمة؛ وما لا يمكن تغييره أو التعامل معه بحيلةٍ كفقدان الأحبَّة، ويكون أفضل ردٍّ هو الصبر والتحمُّل لعبور مرحلة الأزمة.
من القضايا المهمَّة في أوقات الشدائد هي الصورة التي يمتلكها الإنسان عن المستقبل؛ وهو أمر نغفل عنه غالبًا. هذه الصورة، بما أنَّها قد تكون إيجابيَّة أو سلبيَّة، تُؤثِّر تأثيرًا كبيرًا في تخفيف الضغوط النفسيَّة أو زيادتها. ولذلك، تصبح ضرورة تنظيم الصورة عن المستقبل أمرًا بالغ الأهمّيَّة. وهذا ما سنناقشه في ما يأتي.
من الصفات التي قد يمتلكها بعض الأشخاص أثناء مواجهة الشدائد هو «تصوُّر ديمومة المصائب». عندما تنشأ مشكلةٌ أو تقع حادثةٌ مؤلمة، قد يتخيَّل بعض الناس أنَّها دائمةٌ ولن تنتهي أبدًا. في هذه الحالة، قد يُقيِّم الفرد مستقبله استنادًا إلىٰ وضعه الراهن، وهذا النمط من التفكير يُؤدِّي إلىٰ الإحباط وزيادة الضغوط النفسيَّة، كما يُضعِف الشعور بالرضا.
بعبارة أُخرىٰ: إحدىٰ السمات المميِّزة لأوقات الشدائد هي الانقطاع عن المستقبل أو تعميم الكآبة الراهنة علىٰ المستقبل. أثناء المصيبة، قد يظنُّ المرء أنَّ حياته بأكملها محصورةٌ في اللحظة الراهنة ولا يتصوَّر وجود مستقبلٍ علىٰ الإطلاق. وفي أحيانٍ أُخرىٰ، قد يؤمن بوجود مستقبل، ولكنَّه يقيسه بمعايير وضعه الراهن، فيُعمِّم الكآبة الحاضرة علىٰ المستقبل. كلتا
الحالتين تُؤدِّيان إلىٰ التركيز علىٰ الجوانب السلبيَّة وتضخيم المصائب، ما ينتج عنه زيادة التوتُّر النفسيّ والضغط.
من المبادئ المُسلَّمة والمُؤكَّدة بشأن الشدائد أنَّها «زائلة». صحيح أنَّ الشدائد لا يمكن استرجاعها بعد حدوثها، ولكن هذا لا يعني أنَّها أبديَّة أو غير قابلة للزوال. لا ينبغي تفسير عدم إمكانيَّة استرجاع الشدائد علىٰ أنَّها دائمة لا تنتهي. يقول الإمام عليٌّ عليهالسلام : «إنَّ لِلمِحَنِ غاياتٍ ولِلغاياتِ نِهاياتٍ فَاصبِروا لَها حَتّی تَبلُغَ نِهاياتِها فَالتَّحَرُّك لَها قَبلَ انقِضائِها زِيادَةٌ لَها».
من هنا، لا يجب علىٰ الفرد أنْ يظنَّ أنَّ المصائب التي يمرُّ بها اليوم ستلازمه إلىٰ الأبد، بل عليه أنْ يوقِن أنَّ المستقبل لن يكون محصورًا بظروف المعاناة الحاليَّة. إذا كانت الدنيا نفسها غير دائمة، فلا سعادتها دائمة ولا مصائبها أبديَّة. الفرح والحزن حالتان متعاقبتان تتداولان في مسيرة الحياة، وفي كلِّ مرحلةٍ يواجه الإنسان واحدةً منهما. وكما أنَّ الحزن يأتي بعد الفرح، فإنَّ السعادة -أيضًا- تأتي بعد الحزن، لذلك لا ينبغي للمرء أنْ يُصاب باليأس أو الاستسلام.
في ضوء الحقيقة المبيَّنة، يصبح مفهوم «انتظار الفرج» واضحًا؛ لأنَّ الشدائد إذا كانت زائلة، فلا بدَّ من انتظار الفرج. يلعب انتظار الفرج دورًا مهمًّا في تعزيز الأمل لدىٰ الإنسان. مَنْ يعتقد أنَّ الشدائد أبديَّة يقع في براثن اليأس، وهو عاملٌ رئيس يزيد من التوتُّر والضغط النفسيّ. أمَّا إذا أدرك الإنسان أنَّ الشدائد تنتهي، فإنَّ انتظار الفرج يصبح جزءًا من يقينه، ما يُقلِّل من التوتُّر ويُخفِّف العبء النفسيّ. انتظار الفرج بحدِّ ذاته يُعَدُّ فرجًا. قد يُعتبَر اليأس أشدّ أنواع التوتُّر وأصعب الضغوط النفسيَّة. لذا، الوصول إلىٰ مرحلة انتظار الفرج -التي تعكس روح التفاؤل والأمل- يُعَدُّ بحدِّ ذاته فرجًا كبيرًا، ويسهم في تحقيق الشعور بالراحة والطمأنينة.
الإيمان بمؤَّقتيَّة الشدائد وبأنَّ الفرج آتٍ، يزيد من قدرة الإنسان علىٰ التحمُّل، ويُخفِّف من حِدَّة التوتُّر، ما يجعل المحنة أكثر تحمُّلًا. لهذا السبب، كان المعصومون عليهمالسلام يُركِّزون في أحاديثهم علىٰ هذه الحقيقة، وبهذا يُهدِّئون روع المُبتلين ويُخفِّفون عنهم.
قَالَ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ: کُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله عليهالسلام فَشَکَا إِلَيْه رَجُلٌ الْحَاجَةَ فَقَالَ لَه: «اصْبِرْ فَإِنَّ الله سَيَجْعَلُ لَكَ فَرَجًا» قَالَ: «ثُمَّ سَکَتَ سَاعَةً ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الرَّجُلِ فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنْ سِجْنِ الْکُوفَةِ کَيْفَ هُوَ فَقَالَ أَصْلَحَكَ اللَّه ضَيِّقٌ مُنْتِنٌ وأَهْلُه بِأَسْوَأِ حَالٍ» قَالَ: «فَإِنَّمَا أَنْتَ في السِّجْنِ فَتُرِيدُ أَنْ تَکُونَ فِيه فِي سَعَةٍ، أمَا عَلِمْتَ أَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ؟». وجاء رجلٌ آخر إلىٰ الإمام الصادق عليهالسلام يشكو ظلم إخوته وأبناء عمومته، فأجابه الإمام عليهالسلام بالإشارة إلىٰ الفرج المستقبليّ وطلب منه الصبر. وكذلك استخدم الإمام الصادق عليهالسلام التذكير بالفرج المستقبليّ لتهدئة أحد أصحابه من التُّجَّار الذي خسر تجارته وواجه ضيقًا نفسيًّا.
تدور جميع هذه المواقف حول المبدأ نفسه: إنَّ الإيمان
بانتهاء الشدائد والفرج القادم يزيد من قدرة الإنسان علىٰ التحمُّل ويُخفِّف من الضغوط النفسيَّة.
الابتلاء والمشكلة يُؤثِّران علىٰ اللحظة الحاليَّة تأثيرًا كبيرًا. ولهذا السبب، تصبح اللحظة الحاليَّة موضوع تقييم الإنسان. يمكن أنْ يكون هذا التقييم إيجابيًّا أو سلبيًّا، وقد يزيد أو يُقلِّل من الضغط النفسي. وبالتالي، فإنَّ كيفيَّة تقييمنا للحظة الحاليَّة تلعب دورًا مهمًّا في الشعور بالرضا. في ما يأتي مناقشة هذا الموضوع.
ما يجعل الوضع غير المريح غير قابل للتحمُّل هو أنْ تُعتبَر المشكلة أو المصيبة الجانب الوحيد الموجود في الحياة. في هذه الحالة، يشعر الإنسان وكأنَّه محاصرٌ في مساحةٍ مظلمةٍ وضيِّقةٍ ليس فيها أيُّ نافذة أمل أو متنفَّس. إذا تمَّ تفسير الحياة بأكملها علىٰ أنَّها مرارةٌ ومعاناة، فإنَّها تصير مرهقةً وغير قابلةٍ للتحمُّل. عند مواجهة مصيبة، قد يتمُّ تعميم عدم الراحة الناتجة عنها إلىٰ الماضي والمستقبل وجميع جوانب اللحظة الحاليَّة. في بعض الأحيان، قد يحصل تركيز مفرط علىٰ الجانب السلبيّ للحظة الحاليَّة من دون النظر إلىٰ أيِّ شيء آخر. مع هذا التعميم أو التركيز، لا يبقىٰ للإنسان أيُّ نقطةٍ إيجابيَّةٍ يتشبَّث بها، ما يُقلِّل
من الأمل ويزيد من صعوبة تجاوز مشكلاته.
النموذج الصحيح: التقييم الموجَّه نحو الجوانب الإيجابيَّة
يستند التقييم الموجَّه نحو الجوانب الإيجابيَّة إلىٰ منطق توجيه انتباه الشخص المصاب إلىٰ الجوانب الطيِّبة والجماليَّات بدلًا من التركيز علىٰ المشكلات والصعوبات. في الواقع، الإيجابيَّة هي طريقةٌ لتحويل الانتباه من الأُمور السلبيَّة إلىٰ الأُمور الإيجابيَّة. قد نواجه مشكلةً في أحد جوانب حياتنا، ولكن في هذه الحالة، لا تزال الجوانب الأُخرىٰ من حياتنا إيجابيَّةً وخاليةً من المشاكل. إذا كانت هناك أشياء سارَّة ترافق المآسي، فإنَّ الوضع المسبِّب للتوتُّر يصبح «معتدلًا». في هذه الطريقة، تدخل العناصر التي يمكن أنْ تجلب الفرح والسرور إلىٰ الفضاء النفسيّ للشخص المصاب، ما يُقلِّل من حِدَّة الألم والمعاناة التي يعاني منها.
بالطبع، المقصود من النظرة الإيجابيَّة هنا ليس التخيُّل الإيجابيّ؛ فالتخيُّل الإيجابي، لافتقاره إلىٰ قاعدة واقعيَّة، يشبه الخداع الهشَّ وغير المؤثِّر. الطريقة التي يُوصي بها الدِّين في هذا المجال لا تقوم علىٰ التخيُّلات. بل تستند الإيجابيَّة في الدِّين إلىٰ كشف الحقائق الإيجابيَّة الموجودة. الدِّين لا يهدف إلىٰ دفعكم نحو قَصَصٍ خياليَّةٍ أو وعودٍ فارغة، بل يسعىٰ لمساعدتكم علىٰ اكتشاف الجماليَّات الموجودة في حياتكم
(172)وأخذها بعين الاعتبار بجانب المشكلات.
هذا ما يمكن تسميته النظرة الإيجابيَّة الواقعيَّة، التي لا تعني خلق أوهام إيجابيَّة، بل تعني إدراك الجوانب الإيجابيَّة الموجودة بالفعل. لذلك، لا بدَّ أنْ تقوم هذه النظرة علىٰ معرفة النقاط الإيجابيَّة. قد تكون هناك نقاطٌ إيجابيَّةٌ ومشجِّعةٌ في الحياة، لكنَّها قد لا تُدرَك أو لا يُنتبَه إليها. وما يمنح هذه النقاط الإيجابيَّة تأثيرها المهدِّئ هو إدراكها والانتباه إليها. لذلك، عندما يقع الإنسان في مواجهة مشكلةٍ ويُركِّز علىٰ السلبيَّات أو يُعمِّمها، فإنَّ أفضل طريقةٍ لتخفيف حِدَّة التوتُّر هي تعديل الوضع الضاغط من خلال إدراك الجوانب الإيجابيَّة. ففي ظروف التوتُّر، توجد العديد من النقاط الإيجابيَّة التي يمكن من خلال الانتباه إليها تخفيف الضغوط النفسيَّة وتقليل التوتُّر. المهمُّ هو التعرُّف علىٰ هذه النقاط الإيجابيَّة والانتباه إليها.
بناءً علىٰ ما تقدَّم، كان المعصومون عليهمالسلام يُلفتون انتباه الناس إلىٰ الجوانب الإيجابيَّة التي يمتلكونها في ظلِّ الصعوبات. وفي السياق الآتي، سنشير إلىٰ المجالات التي يمكن البحث فيها عن هذه النقاط الإيجابيَّة في الحياة.
أحد تبعات المواقف غير السارَّة هو التركيز علىٰ السلبيَّات وعدم رؤية الإيجابيَّات التي مضت، ما يُؤدِّي إلىٰ الانفصال عن
(173)الماضي الإيجابي وخيراته. في مثل هذه الحالة، تفقد اللحظات السارَّة الماضية قدرتها علىٰ تهدئة النفس وبثِّ الأمل، ويبدو كلُّ شيء في الماضي والحاضر مليئًا بالسلبيَّات. هذا التضخيم للمشكلات يزيد من الضغط النفسيّ ويجعلها تبدو غير قابلة للتحمُّل.
بينما يشير الواقع إلىٰ أنَّ الماضي الإيجابيّ يُعَدُّ أحد الموارد المهمَّة لتقوية الإنسان في مواجهة الصعوبات. فعندما تُوضَع الأُمور السلبيَّة بجانب الإيجابيَّات الماضية، يتلاشىٰ تضخُّمها الكاذب. إذا واجه الإنسان مواقف غير سارَّة من شخصٍ قدَّم له خيرًا كثيرًا في الماضي، فإنَّ تأثير تلك المواقف يكون أقلّ إزعاجًا ولا يثير الجزع. بل إنَّ تلك السلبيَّات تبدو ضئيلةً وغير ذات أهمّيَّةٍ عند مقارنتها بالخير الكثير الذي قدَّمه ذلك الشخص.
لذلك، فإنَّ أحد الأساليب المفيدة لتقليل التوتُّر النفسيّ هو استحضار النِّعَم والخيرات السابقة. في هذا السياق، يقول الإمام الصادق عليهالسلام : «لا خَيرَ فی عَبدٍ شَکا مِن مِحنَةٍ تَقَدَّمَها آلافُ نِعمَةٍ واتَّبَعَها آلافُ راحَةٍ».
أحد تُجَّار المدينة الذي كان يتمتَّع بوفرةٍ ماليَّةٍ ويتعامل مع الإمام الصادق عليهالسلام ، أصابه تبدُّل في حاله وشكا للإمام صعوبته.
فأراد الإمام تهدئته بتذكيره بنِعَم حياته السابقة.
على الرغم من أنَّ المصيبة قد وقعت في الزمن الحاضر وهي موجودةٌ الآن، لكن يجب أنْ نعلم أنَّ السلبيَّات لا تشمل جوانب الحاضر كلّها. فالحدث السلبيّ يحدث في بُعدٍ أو بُعدين فقط من الحياة، بينما تظلُّ الأبعاد الأُخرىٰ من الزمن الحاضر خاليةً من تلك السلبيَّات. مع ذلك، فإنَّنا لا نكتفي بتعميم السلبيَّات إلىٰ الماضي والمستقبل مع تجاهل الإيجابيَّات فيهما، بل نعمِّم -أيضًا- السلبيَّات في الحاضر علىٰ أبعاده كلِّها، متجاهلين الأبعاد الأُخرىٰ وكأنَّها غير موجودة! من الواضح أنَّ هذا النوع من التفكير يزيد من الضغوط النفسيَّة. والحقيقة أنَّ السلبيَّات تنحصر فقط في بعض جوانب الحاضر.
إلىٰ جانب السلبيَّات التي قد تكون موجودةً في الوقت الحالي، هناك -أيضًا- جوانب إيجابيَّة قد تفوق تلك السلبيَّات. ولذلك، فإنَّ الانتباه إلىٰ هذه الإيجابيَّات يمكن أنْ يُقلِّل من دائرة السلبيَّات ويزيد من مستوىٰ الرضا عن الحياة. بناءً علىٰ هذا، يقول الإمام عليٌّ عليهالسلام : «إذا طلبت شيئًا من الدنيا فزوي عنك، فاذكر ما خصّك الله به من دينه، أو صرفه عنك بغيرك، فإنّ ذلك
أحرى أن تسخو نفسك عمّا فاتك من الدنيا».
ورد في التاريخ أنَّ بعض الأشخاص الذين كانوا يعانون من مشكلات وضغوط نفسيَّة كانوا يجدون العلاج عندما يراجعون المعصومين عليهمالسلام ، باستخدام هذه الطريقة ذاتها. ومن هؤلاء أبو هاشم الجعفريّ الذي كان يعاني من ضائقةٍ شديدةٍ ووضعٍ صعبٍ للغاية، فقد ذهب إلىٰ الإمام الهادي عليهالسلام ليشكو حاله، فلفت الإمام عليهالسلام نظره إلىٰ الجوانب الإيجابيَّة في حياته، ما ساعده علىٰ الهدوء والطمأنينة.
وضع المشكلات بجانب النِّعَم والنقاط الإيجابيَّة يُحقِّق نتيجتين: تصغير حجم المشكلات، والتركيز علىٰ النقاط الإيجابيَّة، ما يُؤدِّي إلىٰ تلطيف الحالة النفسيَّة.
من الجوانب الإيجابيَّة التي قد تصاحب أوقات الشدَّة وقلَّّة النِّعَم، هو تخفيف المسؤوليَّة. فامتلاك النعمة يرافقه تكاليف
ومسؤوليَّات. لذلك، مَنْ يُحرَم من نعمةٍ ما، يتحرَّر من التزاماتها. عادةً، نُركِّز علىٰ فقدان النعمة، لكن الوجه الآخر لهذا الفقدان هو التحرُّر من المسؤوليَّات، وهذا بحدِّ ذاته يُعتبَر نعمة. إنَّ التمعُّن في هذا الجانب قد يُخفِّف من الضغط النفسيّ الناتج عن الفقد، ويُضفي شعورًا بالرضا والطمأنينة.
يبدو أنَّ أحمد بن محمّد بن أبي نصر كان يواجه مشكلةً ما، يقول: ذَکرتُ للرِّضاعليهالسلام شيئًا، فَقالَ: «اصبِرْ؛ فإنّي أرجو أن يصنَعَ الله لك إن شاءَ الله». ثُمّ قالَ: «فوَالله ما أخَّرَ الله عنِ المُؤمنِ مِن هذهِ الدُّنيا خَيرٌ لَهُ مِمّا عَجَّلَ لَهُ فيها». ثُمّ صَغَّرَ الدُّنيا وقالَ: «أي شيءٍ هِي»؟! ثُمّ قالَ: «إنّ صاحِبَ النِّعمَة على خَطَرٍ؛ إنّهُ يجِبُ علَيهِ حُقوقُ الله فيها. والله، إنّهُ لَتَکونُ علَی النِّعَمُ مِن الله (عزّ وجلّ) فما أزالُ مِنها على وَجَلٍ -وَحَرَّك يدَهُ- حتّى أخرُجَ مِن الحُقوقِ الّتی تَجِبُ للّهِ علَيَّ فيها». فقلتُ: جُعِلتُ فِداك، أنتَ في قَدرِك تَخافُ هذا؟! قالَ: «نَعَم، فأحمَدُ ربِّي على ما مَنَّ بهِ علَيّ».
لذلك، يُعَدُّ تقليل المسؤوليَّة والتحرُّر من التكاليف وتبعاتها أحد الأبعاد الإيجابيَّة للفقدان.
تحدَّثنا سابقًا عن الجوانب الإيجابيَّة للأحداث غير المرغوبة،
حيث تناولنا فلسفة البلاء والمعاني الخفيَّة للصعوبات في الحياة. لكن المسألة الأُخرىٰ تكمن في تفسيرنا وتقويمنا للموقف أو ما يمكن وصفه بطريقة نظرنا إليه. وهذه قاعدة أساس تشير إلىٰ أنَّ كلَّ موقف غير مرغوب يتمُّ تقويمه من قِبَل الإنسان. هذه التقويمات لها تأثيرٌ مباشر علىٰ الضغط النفسيّ الناتج عن الموقف. فإذا قوَّمنا الموقف غير المرغوب بطريقة إيجابيَّة أو اعتبرناه يحمل جانبًا إيجابيًّا، يصير قابلًا للتحمُّل. أمَّا إذا قوَّمناه بتقويم سلبيّ، فإنَّه يخرج عن سيطرتنا ويصبح غير محتمل.
بمعنىٰ آخر: الأحداث ليست هي المحدِّدة في ذاتها، بل تفسيرنا للمواقف غير المرغوبة هو الذي يُحدِّد زيادة التوتُّر والضغط النفسيّ أو تقليلهما. بناءً علىٰ ذلك، يمكننا من خلال تفسيراتنا إدارة هذه المواقف والسيطرة عليها. السيطرة علىٰ المواقف هي بيد مَنْ يملك القدرة علىٰ السيطرة علىٰ تفسيراته وتقويماته.
النقطة المهمَّة في رؤية الدِّين هي توافق التفسيرات مع الحقائق. الدِّين لا يُشجِّع التفسيرات الخياليَّة وغير الواقعيَّة، حتَّىٰ وإنْ بدت ظاهريًّا تُقلِّل من الضغوط النفسيَّة. الواقعيَّة في هذا الجانب تظهر -أيضًا- في التعاليم الدِّينيَّة، حيث تسعىٰ النصوص الدِّينيَّة إلىٰ توجيه تقويماتنا وتفسيراتنا لتكون واقعيَّة بحيث تترك تأثيرًا مستدامًا. وفي ما يأتي، بيانٌ لبعض أنواع التفسيرات.
(178)بمجرّد وقوع البلاء والمصيبة، يساور الإنسان شكٌّ في بعض معتقداته السابقة، ويطرح على نفسه هذا السؤال: ما هي مكانتي عند الله؟ يمكن تناول هذه القضيَّة من وجهتين مختلفتين.
الإجابة التي تُعطىٰ عادةً عن السؤال المذكور ليست الإجابة الصحيحة؛ حيث تعتمد معادلة بعض الناس في تقويم المكانة علىٰ معيار «الراحة واللذَّة». ووفقًا لهذه المعادلة، تُعتبَر الراحة دليلًا علىٰ الكرامة، بينما تُعتبَر المشقَّة دليلًا علىٰ الإهانة. أُولئك الذين يفقدون صبرهم أثناء المصاعب والابتلاءات لا يرون في هذه المواقف معنًى إيجابيًّا فحسب، بل يُقوِّمونها تقويمًا سلبيًّا أيضًا. غالبًا ما يعتبر هؤلاء الأشخاص أنَّ المشاقَّ والصعوبات في الحياة تحمل طابعًا مهينًا. في تصوُّر هؤلاء، يُعَدُّ المال والثروة رمزًا لـ«الكرامة»، بينما يُعتبَر الحرمان علامة علىٰ «الإهانة». ما يزيد الضغط النفسيّ هو هذه التقويمات. في مثل هذه التقويمات، تُعتبَر الابتلاءات سلبيَّة ومهينة، ما يُضاعف من معاناة الموقف غير المرغوب فيه. لكن السؤال هنا: هل هذا التقويم صحيح؟ هل الابتلاءات تعني إذلال الإنسان وابتعاد الله عن عبده؟
إنَّ البلاء ليس دليلًا علىٰ الهوان، بل يمكن أنْ يكون دليلًا علىٰ الكرامة والعزَّة. هذا الجواب صحيح. يستطيع تقديم هذا الجواب أُولئك الذين تعتمد معادلة تقويمهم علىٰ «محوريَّة الخير». بناءً علىٰ ما ذُكِرَ في مفهوم الإيمان بالخير، فإنَّ البلاء لصالح الإنسان وفي طريق نموِّه وتكامله. ولذلك لا يمكن أنْ يكون دليلًا علىٰ الهوان عند الله سبحانه وتعالىٰ، يقول الإمام الكاظم عليهالسلام : «إن الله تعالى يقول في هذا الشأن: إنّي لَم اُغنِ الغَنِي لِکرامَتِهِ بِهِ عَلَيّ ولَم اُفقِرِ الفَقيرَ لِهَوانٍ بِهِ عَلَيّ».
قال الإمام الصادق عليهالسلام : «أتَرَی الله أعطی مَن أعطی مِن کرامَتِهِ عَلَيهِ، ومَنَعَ مَن مَنَعَ مِن هَوانٍ بِهِ عَلَيهِ؟! کلّا!».
إذًا، فإنَّ معنىٰ الحرمان والمِحَن ليس الهوان أو التقليل من قيمة الإنسان عند الله تعالىٰ. في هذه الدنيا، أشدُّ الناس بلاءً هم أشرفهم مكانةً؛ فقد تعرَّض رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لأشدّ أنواع الأذىٰ، وكذلك أمير المؤمنين عليٌّ عليهالسلام ، الذي هو أعظم مخلوق بعد
النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، كان أوَّل مظلومٍ في العالم، وتعرَّضت زوجته الطاهرة فاطمة الزهراءعليهاالسلام أعظم نساء الخلق لمآسٍ شديدةٍ بعد رحيل أبيها، حتَّىٰ إنَّها لم تتمكَّن من العيش أكثر من (75) أو (95) يومًا بعده صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أمَّا ابنهما الإمام الحسن عليهالسلام ، فقد واجه من الظلم ما لا يُحصىٰ، وحتَّىٰ في داره لم يكن بأمان، حيث دُسَّ إليه السمُّ من قِبَل زوجته، وجُعِلَ جسده الطاهر هدفًا للسهام، ولم يُسمَح بدفنه بجانب جدِّه المصطفىٰ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعلى الرغم من ذلك كلِّه، قال الإمام الحسن عليهالسلام مخاطبًا أخاه الإمام الحسين عليهالسلام : «لا يوم كيومك يا أبا عبد الله».
تعرَّض الإمام الحسين عليهالسلام في يوم عاشوراء لتلك المصائب العظيمة؛ فقُطِّع جسد عليٍّ الأكبرعليهالسلام إربًا إربًا، واستُهدِفَ حلق الرضيع بسهمٍ ثلاثي الشُّعَب، وقُتِلَ أخوه الوفي أبو الفضل العبَّاس عليهالسلام أمام عينيه، واستُشهِدَ أبناء إخوته وأصحابه الأوفياء، واستُشهِدَ هو نفسه وقطعوا رأسه عن جسده، ودُهِسَ الجسد الذي كان يومًا علىٰ أكتاف النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم بحوافر الخيول، وأُسِرَت عائلته. أمَّا قافلة الأسرىٰ، فقد عانت من ألوان العذاب والمصائب.
كذلك شهد الأئمَّة المعصومون الآخرون عليهمالسلام أشدَّ الآلام والمصائب.
فإذا كان البلاء والمصائب دليلًا علىٰ الهوان، فكيف يمكن
تفسير تلك المصائب والبلايا التي نزلت بأشرف عباد الله؟
كلُّ هذه الأُمور تشير إلىٰ أنَّ المصائب والشدائد ليست دليلًا علىٰ الهوان أو الذلِّ عند الله تعالىٰ، بل علىٰ العكس، هي دليلٌ علىٰ الكرامة والعظمة. ولهذا السبب، تحمَّل هؤلاء العظماء تلك المصائب القاسية والمريرة. المهمُّ هو أنَّه عندما تتجلَّىٰ هذه الحقيقة للإنسان، تتلاشىٰ الهموم والأحزان، ويحلُّ مكانها الرضا والصبر.
البلاء والمصيبة، بوجهٍ عامٍّ ومن منظور آخر، يتمُّ تقويمهما من قِبَل الإنسان الذي يُفسِّرهما إمَّا بالقبح أو بالجمال. كان النقاش السابق يدور حول منظور الكرامة، بينما هذا النقاش يتعلَّق بمنظور الجمال. هذا التفسير -أيضًا- يعتمد علىٰ النمطين السابقين ذاتهما؛ حيث تُعتبَر الأُمور المستحسنة جميلة، والأُمور المستكرهة قبيحة. من البديهيّ أنَّ هذا التقويم يلعب دورًا مهمًّا في زيادة الضغط النفسيّ أو تقليله. وهو ما سنتناوله في الفصل الآتي:
يلجأ بعض الناس في تحديد نظرتهم حول قبح المصيبة أو جمالها إلىٰ نموذج «المعيار المستحسن»، فيعتبرون المصيبة قبيحة. هذا التقويم يُؤدِّي إلىٰ زيادة الضغط النفسيّ؛ لأنَّ الإنسان
(182)بطبيعته ينفر من كلِّ أمر قبيح ويجده مزعجًا وغير مرضٍ. ولكن، هل هذا التفسير صحيح؟ وهل يمكن لهذا النموذج التقويميّ أنْ يعكس حقيقة المصائب؟
استنادًا إلىٰ ما ورد في مفهوم الإيمان بالخير، فإنَّ التفسير الجماليّ للمصيبة لا يمكن أنْ يكون قبيحًا؛ كيف يمكن لما يكون خيرًا للإنسان ويساهم في نموِّه وتكامله أنْ يُعتبَر قبيحًا؟! البلاء صعب، لكنَّه ليس قبيحًا. الثقافة الإسلاميَّة تؤمن بمفهوم «الصعب الجميل». هذا التفسير يسهم في تقليل الضغط النفسيّ وزيادة قدرة الإنسان علىٰ الصبر. السيِّدة زينب عليهاالسلام ، هي قدوة في الصبر والمقاومة. لم تستسلم لا للعدوِّ ولا للمصائب، بل جعلت العدوَّ والمصائب يخضعان أمامها. أحد أسرار هذا الثبات وهذه العظمة يكمن في التقويم الصحيح للموقف؛ فعندما سألها يزيد: كَيْفَ رَأَيْتِ فِعْلَ الله بِأَخِيكِ؟ ردَّت قائلةً: «مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا». كان سؤال يزيد حول تقويم الموقف، لكنَّه لم يتوقَّع أنْ يسمع إجابةً كهذه من السيِّدة زينب عليهاالسلام . أمَّا لماذا كان موقف عاشوراء المأساويّ والحدث المؤلم جميلًا؟ فهذا موضوع يستحقُّ نقاشًا مستقلًّا. ما يهمُّ هنا هو الدور الحاسم لتقويم الموقف في تقليل الضغوط النفسيَّة وزيادة الصبر. هذا
التقويم يعتمد علىٰ فهمٍ عميقٍ لمعاني المصائب والبلاءات، وهو ما سبق وتناولناه.
مَنْ يسير في طريق الله ويهتمُّ فقط بأداء واجباته، لا يرىٰ أيَّ حدث قبيحًا أو قاسٍيًا. بلا شكٍّ -في جوهر الأمر- لا يوجد حدثٌ قبيحٌ أو مؤلمٌ للمؤمن. لكن هذا الإدراك وحده لا يكفي لتخفيف التوتُّر وزيادة القدرة علىٰ التحمُّل. ما يجب إضافته إلىٰ هذا الواقع هو «الانتباه» له و«الإيمان» به، وهو ما يجعل الإنسان يقاوم كما فعلت السيِّدة زينب عليهاالسلام . هذا المفهوم تقدَّم تفصيله عند الحديث عن الأبعاد الإيجابيَّة للأُمور.
عند مواجهة البلاءات، يُقوِّم الإنسان هذه الأحداث من منظور العدل والظلم. يُعتبَر تحديد ما إذا كان الحدث عادلًا أو ظالمًا أمرًا بالغ الأهمّيَّة للإنسان؛ إذ يُشعِر العدل بالرضا بينما يُثير الظلم الاستياء. إذا تمَّ اعتبار البلاء ظلمًا، فإنَّه يزيد الضغط النفسيّ، أمَّا إذا اعتُبر عدلًا، فإنَّه يُخفِّف هذا الضغط.
أحد التفسيرات الخاطئة التي قد يلجأ إليها بعض الناس عند مواجهة البلاءات هو الاعتقاد بأنَّ البلاء ظالم. نحن غالبًا ما نقع في «التبرئة الذاتيَّة»، ونعتبر أنفسنا أبرياء تمامًا. في الوقت نفسه، نميل إلىٰ الاعتقاد بأنَّ البلاءات دليلٌ علىٰ الهوان وعدم
(184)عليٌّ عليهالسلام بأنَّ الأرزاق موزَعةٌ بعدل. رغم تطبيق قانون التوسيع والتضييق علىٰ الأرزاق، فإنَّ هذا القانون عادلٌ. وفي دعاء يوم عرفة، يناجي الإمام زين العابدين عليهالسلام ربَّه متحدِّثًا عن عدله في قضاء الأُمور وتوزيع الأرزاق. وفي دعاءٍ آخر، يشكر الله علىٰ عدله ويطلب منه الرضا بقضائه. قراءة هذه الأدعية مع التأمُّل في مضامينها، يمكن أنْ تُهدِّئ الإنسان وتُخفِّف عنه.
الإيمان بعدالة الله(عزَّ وجلَّ) يمنح الإنسان الطمأنينة بأنَّه لم يُظلَم. هذا الإيمان يمنع الإنسان من تفسير الأحداث وقوانين الحياة علىٰ أنَّها ظالمة، ما يُزيل المشاعر السلبيَّة ويُولِّد الرضا عن تلك الأحداث. إذا ما اقتنع الإنسان بهذا المبدأ، فإنَّه لن يُقوِّم المصائب علىٰ أنَّها غير عادلة؛ بل سيُعيد النظر في العناصر الأُخرىٰ المتعلِّقة بها. وكما أوضحنا سابقًا، فإنَّ المصائب ليست
بلا فائدةٍ أو حكمة، وليست دليلًا علىٰ هوان الإنسان أو عدم استحقاقه. بناءً عليه، الإيمان بعدالة الله المسيطر علىٰ أُمور الكون كلِّها يمنح الإنسان راحة البال، يُخفِّف الضغط النفسيّ، ويُعزِّز صبره.
الموت من القضايا المصيريَّة التي لا يمكن إنكارها في حياة الإنسان. في مواجهة هذه الظاهرة، يتباين الناس بين مَنْ «يستقبل» الموت ومَنْ «يفرُّ» منه. يكمن سبب هذا التباين في تفسيرهم للموت. إنَّ طريقة رؤيتنا للموت تلعب دورًا كبيرًا في ردَّات فعلنا تجاهه. بناءً علىٰ ذلك، سنستعرض تفسيرين للموت: تفسيرًا إيجابيًّا وآخر سلبيًّا.
قد يعتقد بعض الناس أنَّ الموت يعني الفناء ونهاية الحياة السعيدة. يستند هذا التفسير إلىٰ النموذج «الدنيويّ» لتقويم الحياة والموت، والذي يرىٰ في الموت نهاية الحياة. لا شكَّ أنَّ هذا الفهم يُولِّد مشاعر سلبيَّة وقلقًا تجاه الموت. في يوم عاشوراء، لم يكن الإمام الحسين عليهالسلام وأصحابه الخُلَّص يشعرون بالخوف أو التردُّد مع تصاعد المعركة واقتراب الموت بل علىٰ العكس؛ كانت وجوههم أكثر انشراحًا وحماسًا. في المقابل، كان هناك فريقٌ آخر يُظهِر خوفًا متزايدًا كلَّما اشتدَّت
(187)المعركة واقترب موعد مقتلهم، وكانوا يتناجون قائلين: «انظروا إلىٰ هذا الرجل، لا يخشىٰ الموت». تكشف هذه العبارة أنَّ ما كان يضغط علىٰ هؤلاء هو فكرة الموت نفسها، وأنَّ ما جعل الموت عاملًا نفسيًّا ضاغطًا عليهم هو تفسيرهم الخاطئ له.
أُسلوبٌ آخر في تقويم الحياة والموت يعتمد علىٰ نموذج «الآخرة المحور». وفقًا لهذا النموذج، الموت ليس نهاية الحياة، بل هو بداية حياة الإنسان الحقيقيَّة في الآخرة، حيث تتحقَّق السعادة الأبديَّة والنعيم المقيم. مع هذا التفسير، لا يعتبر الإنسان الموت شيئًا سلبيًّا أو مخيفًا، بل يستقبله بشوقٍ واطمئنان. في حادثة قلق بعض أصحاب الإمام الحسين عليهالسلام من الموت خلال يوم عاشوراء، لجأ الإمام عليهالسلام إلىٰ تقديم تفسيرٍ واقعيٍّ للموت لتهدئتهم ورفع معنويَّاتهم، ما خفَّف عنهم الضغط النفسيّ وأكسبهم قوَّةً وثباتًا. من خلال هذا القول، يظهر جليًّا أنَّ قلق بعض الناس وعدم رضاهم كان بسبب سوء فهمهم للموت. لقد صحَّح الإمام الحسين عليهالسلام نظرة أصحابه تجاه الموت، ما أكسبهم الشجاعة والقدرة علىٰ المواجهة، حتَّىٰ إنَّهم
قاتلوا ببسالة واستشهدوا وهم مطمئنُّون.
الفشل والإخفاق من الأُمور غير السارَّة في الحياة، ويُؤدِّيان إلىٰ شعورٍ بالحزن وزيادة الضغط النفسيّ. ومع ذلك، فإنَّهما من حقائق الحياة التي لا يمكن إنكارها أو تغييرها. الأهمُّ في هذه الحالة هو تفسير الفشل نفسه والتعريف الذي يُعطيه الناس للنجاح والفشل. فالتفسير غير الصحيح يزيد الضغط النفسيّ، بينما التفسير الصحيح يساعد في تقليل هذه الآثار السلبيَّة. السؤال هو: ما هو التفسير الذي يُخفِّف من الضغط النفسيّ، وما هو التفسير الذي يزيده؟
هناك مَنْ ينظرون إلىٰ الفشل والنجاح من منظورٍ مادِّيٍّ بحت، فيعتبرون الحصول علىٰ الأُمور الدنيويَّة (مثل المال، المنصب، الشهرة، طول العمر...) نجاحًا، وفقدانها فشلًا. هذا التفسير يُؤدِّي إلىٰ حالةٍ من الغرور والفرح الزائد عند الحصول علىٰ هذه الأُمور، واليأس والحزن العميق عند فقدانها.
علىٰ النقيض من هذا النهج، هناك وجهة نظر أُخرىٰ تُركِّز
(189)علىٰ كون معيار النجاح والفشل هو مدىٰ موافقة الأُمور لإرادة الله تعالىٰ. وفقًا لهذه النظرة الإلهيَّة، فإنَّ النجاح يكمن في مدىٰ الالتزام بما يريده الله، بغضِّ النظر عن النتائج المادّيَّة، سواء أكانت فقرًا أم غنًى، خسارةً أم نصرًا، يقول الله تعالىٰ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾(التوبة: 52).
يعتقد العلَّامة الطباطبائيّ(قده) أنَّ الحسنات والمصائب، كلاهما حسنات في منظور الدِّين؛ لأنَّ الحسنات إنْ كانت كذلك فهي لأنَّها تُمثِّل انتصارًا وغنيمةً في الدنيا وثوابًا عظيمًا في الآخرة، والمصائب كذلك حسنات لأنَّها تُمثِّل رضىٰ الله وسببًا في أجرٍ أبديّ، وبالتالي كلاهما حسنات[1]. بناءً علىٰ هذا التفسير الإلهي، فإنَّ النجاح والفشل الظاهريَّين لا يُؤثِّران علىٰ راحة الإنسان؛ لأنَّه في كلتا الحالتين، سواء أكانت النتيجة نجاحًا مادّيًّا أم فشلًا ظاهريًّا، فإنَّه يكسب الرضا الإلهيّ. هذا الفهم الإيماني يُقلِّل من الضغوط النفسيَّة ويمنح الفرد الصبر والقدرة علىٰ تحمُّل الأحداث والمواقف الصعبة.
من القضايا المهمَّة في موضوع المصيبة هو قياس حجمها.
فـ«المصيبة الكبيرة» تبدو غير قابلةٍ للتحمُّل، بينما «المصيبة الصغيرة» تكون قابلةً للتحمُّل. لذلك، فإنَّ الطريقة التي نقيس بها البلاء تلعب دورًا مهمًّا في تخفيف الضغط النفسيّ أو زيادته، وهو ما سنتناوله في ما يأتي.
إحدىٰ الظواهر التي تحدث أثناء المحن هي تضخيم الصعوبات. عادةً ما يُقوِّم الأفراد المصاعب علىٰ أنَّها أكبر ممَّا هي عليه في الواقع. نتيجة هذا التضخيم هي زيادةٌ غير معقولةٍ في الضغط النفسيّ، ما يجعل الموقف يبدو غير قابلٍ للتحمُّل ويدفع الإنسان إلىٰ الجزع وعدم الرضا. في الحقيقة، المصائب ليست بالحجم الذي نتصوَّره. إذا بالغ الإنسان في تقدير أهمّيَّة الدنيا واعتبرها محلًّا للراحة، فإنَّ صعوباتها ستبدو له كبيرةً جدًّا، وستصبح مصائبها أكثر صعوبةً للتحمُّل. هذه المبالغة في أهمّيَّة الدنيا تجعل الفقدان والحرمان أكبر ممَّا هما عليه في الواقع، وبالتالي يُؤدِّي ذلك إلىٰ تفاقم الضغط النفسيّ المرتبط بهما.
إذا تمَّ تصغير المشاكل أو رؤيتها بحجمها الحقيقيّ علىٰ الأقلِّ، فإنَّ الصبر والرضا يتحقَّقان. من العوامل التي تسهم في النجاح في الحياة هو امتلاك «فنّ تقليل حجم الصعوبات». يجب علىٰ الإنسان أوَّلًا أنْ يُقلِّل من حجم المصائب ثمّ
(191)يتحمَّلها. حتَّىٰ لو كانت المصاعب والبلاءات شديدةً وصعبةً في الواقع، ينبغي أنْ يُنظر إليها علىٰ أنَّها صغيرة ليتمكَّن من تحمُّلها. هذه الطريقة تُعزِّز من القدرة علىٰ تحمُّل الصعوبات. مبدأ تقليل حجم البلاء يلعب دورًا مهمًّا في تقليل الضغوط النفسيَّة. هناك عددٌ من الأساليب التي يمكن استخدامها لتقليل حجم المصائب، والتي سنتطرق إليها لاحقًا:
في أوقات الشدائد، يمكن استخدام عنصر المقارنة للسيطرة علىٰ الموقف وتحقيق الرضا. لكن السؤال هو: أيُّ نوعٍ من المقارنة يمكنه أنْ يُقلِّل من الضغط النفسيّ الناتج عن المشاكل والصعوبات؟ المقارنة في هذا السياق تنقسم إلىٰ نوعين: مقارنة تُقلِّل الضغط النفسي وأُخرىٰ تزيده. ومع ذلك، هناك نقطة مهمَّة يجب ملاحظتها، وهي أنَّ نوع المقارنة التي تُقلِّل أو تزيد الضغط النفسيّ يختلف عن المقارنة في الظروف المؤاتية. لتوضيح هذا الأمر، ينبغي الإشارة إلىٰ أنَّ محور المقارنة في الحالتين مختلف. ففي الظروف المواتية، كان المحور هو كيفيَّة زيادة الإيجابيَّة، ولذلك كانت المقارنة بين الإيجابيَّات. أمَّا هنا، فإنَّ السؤال هو: كيف يمكن تقليل السلبيَّة؟ وبالتالي، تتمُّ مقارنة الظروف السلبيَّة ببعضها البعض. وعليه، فإنّ المقارنة الصاعدة في ذلك الموضع تعني المقارنة بشيءٍ أفضل، والمقارنة النازلة تعني المقارنة بشيءٍ أدنى. أمّا هنا، فالمقارنة الصاعدة تعني
(192)المقارنة بمصائب أكبر، والمقارنة النازلة تعني المقارنة بمصائب أقلّ. وبناءً على ذلك، كانت المقارنة المطلوبة هناك هي المقارنة النازلة، وغير المطلوبة هي المقارنة الصاعدة؛ أمّا هنا، فالعكس تمامًا، فالمقارنة المطلوبة هي المقارنة الصاعدة، وغير المطلوبة هي المقارنة النازلة.
في الظروف المؤاتية، تقلِّل المقارنة التصاعديَّة -أي مقارنة الخير بخيرٍ أعلىٰ- الرضا، وتزيد المقارنة التنازليَّة -أي مقارنة الخير بخيرٍ أقلّ- الرضا. أمَّا في الظروف غير المؤاتية، فإنَّ العكس هو الصحيح؛ المقارنة التصاعديَّة، أي مقارنة المشكلة بمشكلةٍ أكبر، تزيد من التحمُّل والرضا، والمقارنة التنازليَّة، أي مقارنة المشكلة بمشكلة أصغر، تُقلِّل من الرضا. في الظروف غير المؤاتية، تكون المقارنة التصاعديَّة، أي مقارنة وضعك بأوضاع أشدّ سوءًا، هي النوع المفيد من المقارنة؛ لأنَّها تزيد من مستوىٰ التحمُّل والرضا. أمَّا المقارنة التنازليَّة، أي مقارنة وضعك بأوضاع أفضل، فتزيد من الشعور بعدم الرضا وتفاقم الضغط النفسيّ. عند مواجهة المصائب، يظهر أثر نوع المقارنة علىٰ الحالة النفسيَّة للفرد.
والسؤال الآن: ما هو الأثر النفسيّ لكلٍّ من هاتين المقارنتين بحيث تؤثّران في الرضا؟ الجواب هو أنّ المقارنة التنازليَّة في المصائب تُؤدِّي إلىٰ تضخيم المشكلة الخاصَّة وتقليل حجم مشكلة الآخرين، ما يزيد الضغط النفسيّ ويُقلِّل من صبر الفرد
(193)وقدرته علىٰ التحمُّل، ويرفع مستوىٰ عدم الرضا. أمَّا المقارنة التصاعديَّة، فإنَّها تُصغِّر حجم المشكلة الخاصَّة وتجعل الوضع أكثر قبولًا، ما يزيد من القدرة علىٰ الصبر ويرفع مستوىٰ الرضا. بناءً علىٰ ذلك، يمكن تقليل الضغط الناتج عن حادثةٍ معيَّنة من خلال مقارنة تلك الحادثة بمصائب أكبر. الالتفات إلىٰ المصائب الأعظم يجعل المصيبة الحاليَّة تبدو أصغر، ما يُقلِّل التوتُّر والضغط النفسيّ، ويُحوِّل المصائب الصعبة إلىٰ مستوىٰ مقبولٍ من التحمُّل. وقد ورد في النصوص الحديثيَّة استخدام هذه الطريقة لتخفيف الضغط النفسيّ.
جاء شخص إلىٰ الإمام الصادق عليهالسلام وقال له: أوصني بشيء، فكان ممَّا أوصاه الإمام عليهالسلام : «وإذا اُصِبتَ بِمُصيبَةٍ فَاذکر مُصابَك بِرَسولِ الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فَإِنَّ النّاسَ لَم يصابوا بِمِثلِهِ أبَدًا ولَن يصابوا بِمِثلِهِ أبَدًا».
الإمام عليٌّ عليهالسلام يقول بنفسه: إنَّنا نستخدم هذا الأُسلوب لتهدئة أنفسنا وجعل المصائب قابلةً للتحمُّل. عندما استُشهِدَ أمير المؤمنين عليهالسلام وأُبلِغَ الإمام الحسين عليهالسلام بالخبر، وصفها في البداية بأنَّها أعظم المصائب، لكنَّه تذكَّر عظمة مصيبة فقدان
النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم فشعر بالهدوء. مصيبة فقدان النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم هي أعظم المصائب. المقارنة مع المصيبة الأعظم وتذكُّرها يجعل المصائب تبدو أصغر حجمًا وأكثر احتمالًا. المقارنة بمصيبة فقدان النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم لا تقتصر علىٰ مصائب الفقدان فقط؛ بل يمكن استخدام هذه الطريقة مع أيِّ مصيبة لتخفيف شدَّة المعاناة. حين يواجه الإنسانُ المصائبَ، يعتقد أحيانًا أنَّ مصيبته هي الأكبر علىٰ الإطلاق، وأنْ لا أحد مرَّ بمثلها. لكن لو خرج قليلًا من هذا التصوُّر، واطَّلع علىٰ مصائب أعظم، لأدرك أنَّ ما يعانيه أصغر ممَّا تصوَّر. الانتباه إلىٰ المصائب الكبرىٰ يساعد في تقليل الضغط النفسيّ وتخفيف المعاناة.
الحالة غير المريحة هي وضعٌ خاصٌّ وغير عاديّ يُؤدِّي إلىٰ ضغطٍ نفسيّ. ويمكن أنْ يساعد التشبيه بين هذه الحالة والحالة العاديَّة -وليس بالضرورة الأفضل- في تقليل الضغط النفسيّ.
وقد استُخدِمَت هذه الطريقة في النصوص الدِّينيَّة لحالتين: الأُولىٰ فقدان شيءٍ ما، والثانية الفشل في تحقيق شيء.
الافتقار وفقدان الشيء كلاهما صعب ومرير؛ لكن من جوانب معيَّنة، الفقدان أشدُّ صعوبةً؛ لأنَّ الشخص في هذه الحالة قد ذاق طعم الامتلاك. لذلك، فإنَّ فقدانه يكون أكثر إيلامًا. ولتخفيف ألم الفقدان، يمكن استخدام حالة «عدم الامتلاك» لتهدئة هذا الألم. يمكن للمصاب أنْ يُشبِّه حالة «الفقدان» بحالة «عدم الامتلاك»، وبهذا يُخفِّف من وطأة الفقدان. فإذا كان من المفترض أنْ يحزن الإنسان علىٰ فقدان شيءٍ ما، فهناك عددٌ من الأُمور الأُخرىٰ التي لا يمتلكها الآن ولا يشعر بالحزن تجاهها. لذا، يجب تشبيه الحالة التي تُسبِّب الانزعاج بحالةٍ لا تُسبِّب الانزعاج أو تُسبِّب انزعاجًا أقلّ. الإمام عليٌّ عليهالسلام يُعلِّم ابنه الإمام الحسن عليهالسلام هذه الطريقة، فيقول: «إن کنتَ جازِعًا عَلی ما تَفَلَّتَ مِن يدَيك، فَاجزَع عَلی کلِّ ما لَم يصِل إلَيك».
إذا كان من المفترض أنْ يشعر الإنسان بالجزع والاكتئاب علىٰ كلِّ ما يفتقده في الوقت الحاليّ، فيجب عليه أنْ يجزع علىٰ كلِّ ما لم يُحقِّقه أيضًا. إنَّ ما يجعل مصيبة الفقدان مؤلمة هو أنَّنا قد امتلكنا الشيء وألفناه، والآن فقدناه. لكي يصبح
تحمُّل الفقدان أسهل، من الأفضل ألَّا نُفكِّر في «امتلاك» ذلك الشيء، وأنْ نعتبر فقدانه كعدم وجود أيٍّ من الأشياء الأُخرىٰ التي لم نعتد عليها. إذا لم نُفكِّر في امتلاكنا السابق لذلك الشيء وفي أُلفتنا وحُبِّنا له، فإنَّ مصيبة الفقدان ستتراجع إلىٰ مستوىٰ الأشياء الأُخرىٰ التي لا نمتلكها، ممَّا سيُقلِّل من الضغط النفسيّ الناجم عنها.
أحيانًا يكون للإنسان رغبات وأُمنيات لحياةٍ أفضل، ولكنَّه لا يصل إليها لأسباب مختلفة. هذا -أيضًا- مؤلمٌ ومزعج. إنَّ الألم والمعاناة في هذا الوضع ينبعان من الرغبة وعدم التحقُّق. عندما يفشل الإنسان في تحقيق ما يرغب فيه، يصاب بضغط نفسيّ. لذا، فإنَّ مجرَّد عدم الامتلاك ليس هو المهمُّ؛ بل إنَّ عدم تحقيق الرغبة هو الأمر المؤلم. نحن نفتقد أشياء كثيرة أُخرىٰ، ومع ذلك لا نحزن عليها لأنَّها ليست ضمن دائرة رغباتنا. لذلك، إذا استطاع الإنسان أنْ يعتبر «الرغبات التي لم تتحقَّق» كأنَّها «أشياء لم يرغب فيها أساسًا»، فسيتمكَّن من السيطرة علىٰ الضغط النفسيّ لهذا الوضع. الإمام الحسن المجتبىٰ عليهالسلام قدَّم نصيحة في هذا السياق حيث قال: «اجْعَلْ ما طَلَبْتَ مِن الدُّنيا فَلَم تَظْفَرْ بهِ بمَنزِلَةِ ما لَم يخْطُرْ بِبالِك».
إحدىٰ أسباب الجزع أمام الشدائد هي أنَّ الإنسان يبالغ في تقدير قيمة متاع الدنيا. إذا اعتبر الإنسان شيئًا ما بالغ الأهمّيَّة، فإنَّه يشعر بالحزن الشديد عند فقدانه أو عدم تحقيقه. إنَّ شدَّة الضغوط النفسيَّة تعتمد علىٰ المكانة التي يحتلُّها الشيء المفقود أو الذي لم يُحقَّق في نظر الفرد. مَنْ يُعظِّم الدنيا ومتاعها يصعب عليه تحمُّل فقدانها، ولكن هذا التصوُّر لا يتوافق مع الواقع؛ يقول القرآن الكريم: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ (النساء: 77).
نزلت هذه الآية عندما كان الناس علىٰ وشك دخول إحدىٰ المعارك وشعروا بعدم الرضا بسبب ما يترتَّب عليها من صعوباتٍ وخسائر، فلفت الله انتباههم إلىٰ قلَّة متاع الدنيا مقارنةً بفضل الآخرة. لا شكَّ أنَّ الحرب مدمِّرةٌ ومؤلمة، لكن إذا أدرك الإنسان أنَّ ما يمتلكه من متاع الدنيا ليس ذا أهمّيَّة كبيرة، فإنَّه سيكون أكثر قدرةً علىٰ مواجهة الخسائر الناجمة عنها. هذه الحقيقة لا تقتصر علىٰ الحروب فقط، بل يمكن تطبيقها في جميع المواقف.
القرآن الكريم -استنادًا إلىٰ هذه الفكرة- يُوبِّخ الذين يفرحون بمتاع الدنيا. ويخاطب الذين يفرحون بالدنيا مذكِّرًا إيَّاهم بأنَّ
ما أعطاه الله لهم ليس إلَّا متاع الحياة الدنيا وزينتها، بينما ما عند الله خير وأبقىٰ. إذا أدرك الإنسان أنَّ ما فقده أو لم يحصل عليه قليل القيمة، فإنَّه لن يشعر بالضغوط النفسيَّة. المهمُّ ليس الحجم الحقيقيّ للشيء المفقود أو الذي لم يتحقَّق، بل تصوُّر الإنسان له. إذا فقدنا شيئًا مهمًّا كالدِّين ولكنَّنا اعتبرناه غير ذي قيمة، فلن نحزن عليه كثيرًا؛ ولكن إذا فقدنا شيئًا عديم القيمة واعتبرناه بالغ الأهمّيَّة، فسوف نحزن عليه بشدَّة. لذلك، ما يُؤثِّر علىٰ الرضا بالحياة والتحكُّم في الضغوط النفسيَّة هو تصوُّرنا للأشياء. لتحقيق الرضا عن الحياة والسيطرة علىٰ الضغوط النفسيَّة، من الأفضل تعديل تصوُّراتنا عن نِعَم الدنيا لتتوافق مع الواقع.
من المسائل التي تحدث أثناء البلاء، مقارنة الإنسان نفسه بالآخرين من حيث الابتلاء. وتتمُّ هذه المقارنة علىٰ محور: هل الآخرون يعانون من المصائب كما أُعاني أنا؟ الإجابة علىٰ هذا السؤال قد تكون مخفِّفةً أو مضاعِفةً للضغوط النفسيَّة، ومن هنا تأتي أهمّيَّة دراسة هذا الموضوع، كما سنُبيِّن لاحقًا.
من العوامل التي تزيد الضغوط النفسيَّة أثناء المصائب،
اعتقاد الإنسان بأنَّه الوحيد الذي يعاني من المشكلات، بينما الآخرون يعيشون في راحةٍ تامَّة. هذا الاعتقاد يزيد من الأعباء النفسيَّة علىٰ الفرد فوق أصل المشكلة.
الواقع أنَّ جميع الناس يعانون من المشكلات في حياتهم؛ قد يتزامن ذلك مع الفرد، وقد يسبقونه أو يتبعونه في الابتلاء. إدراك هذا الواقع يُقلِّل من الضغوط النفسيَّة غير المبرَّرة، ويُهيِّئ الفرد للصبر والتحمُّل. وقد استخدم الله سبحانه وتعالىٰ هذه الطريقة لتخفيف وطأة الابتلاء علىٰ النبيِّ محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم . ومن المشكلات التي واجهها النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم بوصفه هاديًا للناس، هو تكذيبهم له، وقد كان هذا الأمر ثقيلًا عليه، حينها قال الله تعالىٰ لتخفيف الضغط النفسيّ عن النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (فاطر: 4).
ذكر العلَّامة الطباطبائيّ(قده) في تفسيره أنَّ هذه الآية الشريفة جاءت تسليةً للنبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث يُطمِّنه اللهُ بأنَّ تكذيب الناس له ليس بالأمر المستجدِّ؛ فقد كان الرُّسُل السابقون يُكذَّبون أيضًا. ويشير إلىٰ أنَّ عبارة ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وردت هنا
لتوضيح سبب الغمِّ وعدم الحزن، وأنَّ التكذيب للرُّسُل أمر مألوفٌ ومعتاد. كما يظهر، يرىٰ العلَّامة أنَّ تخفيف الحزن مرتبط بفهم هذا الواقع.
هناك آيات أُخرىٰ تتحدَّث عن التكذيب. مضافًا إلىٰ التكذيب، هناك أمثلة أُخرىٰ، مثل مطالبة النبيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم بإنزال كتابٍ من السماء، حيث يُخبره الله أنَّ أهل الكتاب قد طلبوا من موسىٰ عليهالسلام أمرًا أكبر من ذلك، وهو رؤية الله جهرًا! وإذا خانك الناس، فتذكَّر أنَّ خيانة الله كانت سابقةً لذلك. لذلك، فإنَّ التأمُّل في هذا الواقع يُزيل الشعور الخاطئ بـ«التفرُّد بالمشكلة» ويُسهِّل تحمُّل المصاعب.
يتكوَّن الضغط النفسيّ -من منظورنا- من عنصرين: شدَّة الضغط ومدَّته الزمنيَّة. عادةً، يعاني الإنسان من نسبةٍ معيَّنة من الضغط النفسيّ خلال فترةٍ زمنيَّةٍ محدَّدة. لهذا الموضوع أبعادٌ تُؤثِّر علىٰ تخفيف الضغط النفسيّ أو زيادته، ما يجعله جديرًا بالدراسة.
عند مواجهة المصاعب والمحن، يقوم بعض الأشخاص بتعميم المعاناة الحاليَّة علىٰ ماضيهم ومستقبلهم. هؤلاء الأفراد، من جهة، يعيدون إحياء جميع الأوجاع السابقة ولا يُفكِّرون في أيِّ نقاطٍ إيجابيَّةٍ من الماضي، ويقيسون «الماضي» بأكمله بمقياس «الحاضر». ومن جهةٍ أُخرىٰ، لا يتصوَّرون أيَّ أُفُقٍ مشرقٍ للمستقبل بل يعتبرونه مليئًا بالمعاناة والبؤس. ثمّ يحملون هموم الماضي والحاضر والمستقبل علىٰ لحظة الحاضر. في هذه الحالة، يتحوَّل الشعور المرير بالماضي الذي انتهىٰ والمستقبل الذي لم يأتِ بعد إلىٰ عبءٍ ثقيلٍ علىٰ الوقت الحاضر، ما يُؤدِّي إلىٰ ضغطٍ نفسيٍّ ساحقٍ ومدمِّر.
الواقع أنَّ الحزن في كلِّ يومٍ يخصُّ ذلك اليوم فقط؛ الحياة ليست سوىٰ اللحظة الراهنة. إنَّها ليست الماضي ولا المستقبل، بل الحاضر فقط. حزن الماضي انتهىٰ زمنه، وليس من الصواب إعادة إحيائه. أمَّا المستقبل، فلم يأتِ بعد، فلا ينبغي الانشغال بحزنه مسبقًا. إذا تمَّ الالتفات إلىٰ هذه الحقيقة، يصبح الصبر وتحمُّل المصائب أسهل. بناءً علىٰ هذا، يقول الإمام الصادق عليهالسلام : «اِصبِروا عَلَی الدُّنيا فَإنَّما هِي ساعَةٌ فَما مَضی مِنهُ
فَلا تَجِدُ لَهُ ألَمًا ولا سُرورًا وما لَم يجِئ فَلا تَدري ما هُوَ؟ وإنَّما هِي ساعَتُك الَّتي أنتَ فيها».
لا يجدر بالإنسان أنْ يحمل غمَّ الغد في يومه؛ فحزن اليوم يكفي لليوم، وسيأتي الغد بانشغالاته. إذا أضفنا هموم الغد إلىٰ هموم اليوم، فإنَّنا نزيد من آلامنا ومعاناتنا. أحيانًا قد نحمل همًّا لغدٍ قد لا يأتي أصلًا. ما الذي ندريه إنْ كان الغد من أعمارنا أم لا؟.
عند الشدائد، يحتاج الإنسان إلىٰ التوسُّل وطلب المساعدة من الآخرين. نحن -في أوقات المحن- بحاجة إلىٰ مصدرٍ نعتمد عليه ونتوسَّل إليه طلبًا للعون؛ وهذا مبدأ ثابت. لكن الأمر المهمُّ هو تحديد مصدر العون والمساعدة. اختيار المصدر الخاطئ للمدد قد يُؤدِّي إلىٰ الفشل ويزيد من الضغوط النفسيَّة.
يعتقد بعض الناس أنَّ حلَّ مشكلات الحياة يكمن في الاعتماد علىٰ الأسباب المادّيَّة فقط، وأنَّ ذلك كافٍ للنجاة. هؤلاء يبحثون عن المال لتلبية احتياجاتهم، وعن الوساطة لحلِّ مشاكلهم، وعن أُمورٍ من هذا القبيل. ولكن نظرًا إلى أنَّ هذه الوسائل وحدها لا تكفي، فإنَّ التركيز عليها والاعتقاد بأنَّها كافية يُؤدِّي إلىٰ الفشل، مَا يُسبِّب حالةً من عدم الرضا.
المنطق الصحيح هو التوسُّل إلىٰ الله. الحقيقة هي أنَّه من دون الله، لن يكون لأيِّ سببٍ تأثير. فكُّ العقدة يكون بيد الله تعالىٰ وحده، وكلُّ الأسباب تعمل بتأييده. الله هو الكافي لحلِّ المشكلات؛ ولذلك يجب علىٰ الإنسان أنْ يلجأ إلىٰ الله ويطلب منه المساعدة. هنا يتجلَّىٰ معنىٰ الدعاء، فالله هو الوحيد الذي يستطيع إنقاذ الإنسان من مصائبه. لهذا السبب، كان الأنبياء وأتباعهم يلجؤون إلىٰ الله لحلِّ مشاكلهم، وكان الله يُفرِّج عنهم كروبهم.
في القرآن الكريم، توضيحٌ لهذه الحقيقة عن الأنبياء: يُعلِن النبيّ يعقوب أنَّه يشكو همَّه وحزنه إلىٰ الله فقط؛
نوح عليهالسلام دعا الله لينقذه ومَنْ معه من البلاء العظيم، فاستجاب الله دعاءه ونجَّاه؛ ودعا يونس عليهالسلام الله لينقذه، فاستجاب الله دعاءه ونجَّاه من الغمِّ.
الدعاء يجلب عون الله تعالىٰ. وقد ذكرت النصوص الدِّينيَّة أنواعًا مختلفة من الأدعية التي يمكن استخدامها. عندما توجَّه موسىٰ عليهالسلام إلىٰ فرعون، وعندما خرج رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلىٰ غزوة حُنين، قرءا دعاءً خاصًّا. وروىٰ أنس أنَّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كان كلَّما أصابه أمرٌ محزن، يقرأ هذا الدعاء: «يا حَيُّ يا قَيّومُ! بِرَحمَتِكَ أستَغيثُ». كان الإمام الباقرعليهالسلام عند الشدَّة يجمع النساء والأطفال ويدعو، وهم يُؤمِّنون، وكان له عليهالسلام دعاء
خاصٌّ في مثل هذه الحالات. وكان الإمام الصادق عليهالسلام يدعو أثناء الشدائد. وكان الإمام الرضاعليهالسلام -أيضًا- يتوكَّل علىٰ الله أثناء الشدائد، وكان له دعاء خاصٌّ يقرؤه.
نحن أيضًا يمكننا استخدام هذا الأُسلوب الفعَّال. مضافًا إلىٰ الأدعية المذكورة، وردت تعليماتٌ أُخرىٰ بهذا الشأن، سنعرضها في ما يأتي.
1. نقل ابن مسعود أنَّ النبيَّ صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «ما مِنْ مصاب أَوْ مَهْمُوم يقول هَذَا الدُّعَاء إِلَّا أَذْهَبَ الله هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ فَرَحًا: اللّهُمَّ إنِّي عَبدُكَ وابنُ عَبدِكَ وابنُ أَمَتِكَ، ناصِيَتي بِيَدِكَ، ماضٍ فيَّ حُکمُكَ، عَدلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ، أسألُكَ بِکُلِّ اسمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيتَ بِهِ نَفسَكَ، أَو عَلَّمتَهُ أحَدًا مِن خَلقِكَ، أو أنزَلتَهُ في کِتابِكَ، أوِ
استَأثَرتَ بِهِ في عِلمِ الغَيبِ عِندَكَ، أن تَجعَلَ القُرآنَ رَبيعَ قَلبي، ونُورَ صَدري، وجَلاءَ حُزني، وذَهابَ هَمّي».
2. قال النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم في موضعٍ آخر: «مَا دَعَا عَبْدٌ بِهَذَا الدُّعَاءِ إِلَّا أَزَالَ اللهُ عَنْهُ هَمَّهُ: اللّهمَّ رَبَّ السَّماواتِ السَّبعِ وَرَبَّ العَرشِ العَظيمِ، اکفِني کُلَّ هَمًّ مِن حَيثُ شِئتَ، وکَيفَ شِئتَ، مِن أينَ شِئتَ».
3. وفي روايةٍ أُخرىٰ، قال النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم لأمير المؤمنين عليٍّ عليهالسلام : «إِذَا أَصَابَكَ أَمْرٌ مُزْعِجٌ، فَقُلْ: اللّهُمَّ احرُسني بِعَينِكَ الّتي لا تَنامُ، وَاکنُفني بِرُکنِكَ الَّذي لا يُرامُ، واغفِر لي بِقُدرَتِكَ عَلَيَّ فَلا أهلك وأَنتَ رَجائي، رَبِّ کَم مِن نِعمَةٍ أنعَمتَ بِها عَلَيَّ قَلَّ لَكَ عِندَها شُکري، وکَم مِن بَليَّةٍ ابتَلَيتَني بِها قَلّ لَكَ عِندَها صَبري، فَيا مَن قَلَّ عِندَ نِعمَتِهِ شُکري فَلَم يَحرِمني، وَيا مَن قَلَّ عِندَ بَلِيَّتِهِ صَبري فَلَم يَخذُلنِي، ويا مَن رَآني عَلَی الخطايا فَلَم يَفضَحني، يا ذَا المَعروفِ الَّذي لا يَنقَضي أبدًا، ويا ذَا النَّعماءِ الَّتی لا تُحصی أبدًا، أسألُكَ أن تُصَلِّيَ عَلی مُحَمَّدٍ وَعَلی آلِ مُحَمَّدٍ، وبِكَ أدرَأُ فی نُحورِ الأعداءِ والجَبّارينَ».
4. يُبيِّن الإمام الصادق عليهالسلام حلًّا عند وقوع البلاء، فيقول:
«إِذَا أَصَابَكَ هَمٌّ، ضَعْ يَدَكَ عَلَىٰ جَبِينِكَ وَامْسَحْ بِهَا وَجْهَكَ مِنَ الْيَمِينِ إِلَىٰ الْيَسَارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقُلْ: بِسمِ اللّه الرَّحمنِ الرَّحيمِ، بِسمِ الله الّذي لا إلهَ إلّا هُوَ، عَالِمُ الغَيبِ والشَّهادَةِ، هوَ الرَّحمنُ الرَّحيمُ، اللَّهُمَّ أذهِب عَنّي الهَمَّ والحَزَنَ والفِتَنَ کلَّها ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ».
5. وفي روايةٍ أُخرىٰ قال الإمام عليهالسلام : «إِذَا أَدَّيْتَ صَلَاةَ المَغْرِبِ، ضَعْ يَدَكَ عَلَىٰ جَبِينِكَ وَامْسَحْ بِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَقُلْ: بِسمِ الله الّذي لا إلهَ إلّا هوَ، عالِمُ الغَيبِ وَالشَّهادَةِ، الرَّحمنُ الرَّحيمُ. اللَّهُمَّ أذهِب عَنّي الهَمَّ والغَمَّ وَالحُزنَ».
6. وفي روايةٍ أُخرىٰ عنه عليهالسلام ، قال: «إذا نَزَلَت بِرَجُلٍ نازِلَة أو شَديدَة أو کربَهُ أمر، فَليکشِف عَن رُکبَتَيهِ وذِراعَيهِ ولِيلصِقهُما بِالأرضِ، ولِيلزَق جُؤجُؤه بالأرضِ، ثُمّ لَيدعُ بِحاجَتِهِ وهوَ ساجِدٌ».
7. ومن الأدعية العظيمة التي وردت في هذا الشأن، الدعاء الثاني والعشرون من الصحيفة السجَّاديَّة الذي كان الإمام زين العابدين عليهالسلام يقرأه عند الشدائد والمحن.
من المسائل المهمَّة هي كيفيَّة تفاعلنا مع معاناة الآخرين. السؤال هنا: هل يمكن أنْ تُؤثِّر أوضاع الآخرين في أحزاننا وأفراحنا أم لا؟ وهل الفرح والحزن لكلِّ شخص يقتصران عليه فقط كجزيرةٍ منفصلةٍ أم أنَّهما يتَّصلان بالآخرين؟ نناقش هذا الموضوع فيما يأتي.
من التصوُّرات الخاطئة هو الاعتقاد بأنَّ أحوال الحزن والفرح لدىٰ الأفراد منفصلةٌ بعضها عن بعض. قد يظنُّ بعض الناس أنَّ أحوال الآخرين لا تُؤثِّر في أحوالهم. وفق هذا التصوُّر، يسعىٰ كلُّ شخصٍ لتخفيف معاناته من خلال البحث عن أسبابٍ مرتبطةٍ به شخصيًّا لحلِّ مشكلته. يُؤدِّي هذا إلىٰ عدم اهتمام الأفراد بمشاكل الآخرين وعدم الشعور بالمسؤوليَّة تجاههم. لكن هذا تصوُّر خاطئ لا يتماشىٰ مع قوانين الحياة في الدنيا.
من قوانين الخلق التي أُشير إليها في النصوص الدِّينيَّة هو ترابط أحوال الأفراد في المجتمع؛ وكأنَّ أحزان الناس وأفراحهم مترابطة ببعضها! عدم الاكتراث بالمتألِّمين والانشغال بالنفس فقط يُؤدِّي إلىٰ فقدان الفرح والسرور الداخليّ، ولكن الرأفة
(209)والشعور بالمسؤوليَّة تجاه الأشخاص المحتاجين وتخفيف معاناتهم يُؤدِّيان إلىٰ إنعاش الروح وإدخال السرور والسعادة. وهذه السعادة تشمل الدنيا والآخرة. يُصرِّح النبيُّ محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنَّ مَنْ أراد أنْ تُستجاب دعوته وأنْ تُكشَف كربته، فعليه أنْ يُفرِّج عن شخص معسر.
وفي روايةٍ أُخرىٰ عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم ، يقول: «مَن أعانَ مُؤمِنًا نَفَّسَ الله(عزّ وجلّ) عَنهُ ثَلاثًا وسَبعينَ کُربَةً، واحِدَةً فی الدُّنيا وثِنتَينِ وسَبعينَ کُرَبةً عِندَ کُرَبِهِ العُظمی، قال: حَيثُ يَتشاغَلُ النّاسُ بِأنفُسِهِم».
وكذلك نُقِلَ عن النبيِّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم أنَّه قال: «مَنْ أَجْرَىٰ الله عَلَىٰ يَدِهِ فَرَجًا لِمُسْلِمٍ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرَبَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ». وعنه صلىاللهعليهوآلهوسلم أيضًا: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ الله فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ الله عَنهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُباتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا
سَتَرَهُ الله يَوْمَ الْقِيامَةِ». وهذه من قوانين الحياة. ومن المفاهيم الإسلاميَّة في هذا المجال «الصدقة»؛ فقد أكَّد النبيُّ صلىاللهعليهوآلهوسلم علىٰ أنَّ الصدقة تزيل الهموم والأحزان.
في المواقف غير السارَّة حيث تواجه الإنسان المشكلات والمصائب، يكون أفضل ردِّ فعلٍ هو الصبر؛ إذ إنَّ الشكوىٰ والجزع لا يزيدان إلَّا من تعقيد المشكلة دون تقديم أيَّ حلٍّ. يُساهم الصبر في تحقيق الرضا؛ وذلك من خلال تقليل الضغط النفسيّ، وزيادة القدرة علىٰ مواجهة المشكلات، وزيادة الخير والبركة. والحقيقة أنَّ الله تعالىٰ يمنح الإنسان مع المشكلة قدرةً علىٰ الصبر والمقاومة؛ والإنسان هو مَنْ يجب أنْ يستفيد من هذه القدرة جيِّدًا.
لتعزيز القدرة علىٰ مواجهة الصعوبات، جاءت في النصوص الدِّينيَّة طُرُق متنوِّعة:
أوَّلًا: التفسير الصحيح للحرمان: إذا أدرك الإنسان المعنىٰ
الحقيقيّ للحرمان، فلن يعتبر المشكلات حرمانًا، ولن يشعر بعدم الرضا.
ثانيًا: توقُّعات الحياة: إذا اعتبر الإنسان الدنيا دار شقاء ومشقَّة ولم ينتظر منها السعادة والراحة، فسيعيش بسهولة ولن تُؤثِّر عليه المشكلات كثيرًا.
ثالثًا: المواجهة الأوَّليَّة مع المشكلات: قبول الصعوبات على أنَّها واقع، يُقلِّل من الضغط النفسي ويزيد الرضا. أمَّا مقاومة المشكلات ورفضها فيزيد من الألم وعدم الرضا.
رابعًا: التصوُّر عن المستقبل: الإيمان بانتهاء المشكلات والتوقُّع بحدوث الفرج يُعزِّز الرضا.
خامسًا: التقويم عن الحاضر: إذا أدرك الإنسان -بجانب المشكلات- النقاط الإيجابيَّة الأُخرىٰ التي قد تكون كثيرة وأكثر قيمةً من الحرمان، فإنَّ الأمر لن يكون صعبًا عليه.
سادسًا: النظرة إلىٰ المصائب: إذا اعتبر الإنسان المصائب جميلةً وجيِّدةً وجالبةً للخير كما هي في حقيقتها، فلن تزعجه كثيرًا ولن تجعله يجزع أو يشعر بعدم الرضا.
سابعًا: قياس حجم المصائب: إذا اعتبر الإنسان المصائب كبيرةً، فلن يستطيع تحمُّلها؛ أمَّا إذا صغَّرها باستخدام الأساليب المتاحة، فسيكون قادرًا علىٰ تحمُّلها.
(212)ثامنًا: تصوُّر الآخرين: إذا اعتبر الإنسان أنَّ الآخرين يعيشون السعادة وأنَّه الوحيد الذي يعاني من المصائب، فلن يتحمَّل الصعوبات؛ أمَّا إذا أدرك أنَّ الآخرين -أيضًا- يعانون مثلما يعاني هو في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، فسيقلُّ ضغطه النفسيّ.
تاسعًا: تنظيم الضغط النفسيّ: إذا جمع الإنسان ضغط الماضي والحاضر والمستقبل علىٰ الوقت الحاضر، فلن يستطيع التحمُّل أو الرضا؛ لكن إذا وزَّع معاناة المصائب علىٰ مرور الوقت، فإنَّ قدرته علىٰ التحمُّل ستزداد ويقلُّ الضغط النفسيّ.
عاشرًا: التوسُّل في البلاء: إذا وجد الإنسان مصدرًا موثوقًا يلجأ إليه وطلب المدد منه، فإنَّه يتقوَّىٰ وينجو.
إحدىٰ عشرة: الشعور بالمسؤوليَّة تجاه الآخرين: إذا أعطينا اهتمامًا لآلام الآخرين وشعرنا بالمسؤوليَّة تجاهها وعملنا علىٰ إزالتها، فإنَّ ذلك يخلق شعورًا إيجابيًّا لدىٰ الإنسان ويساهم في حلِّ المشكلات.
(213)والحرام والقضايا والأحكام، تحقيق: آصف بن عليّ أصغر فيضي، القاهرة، دار المعارف، 1383هـ.ق.
965هـ.ق): مُسكِّن الفؤاد، قم المقدَّسة، مكتبة بصيرتي، لا ت.
محمّد كاظم طباطبايي، مترجم: حميد رضا شيخي، قم المقدَّسة، دار الحديث، 1385هـ.ش.