مقدّمة المرکز 7
مقدّمة المؤلِّف 9
الفصل الأول:
الوضعية الكلاسيكية والوضعية الحديثة المنطقية
الوضعيّة دراسة مفهومها ومنزلتها في علم المعرفة المعاصر............. 15
1. الوضعيّة جذرًا ومفهومًا 15
الفلسفة الوضعيّة عند كونت 18
قانون الأطوار الثلاثة 19
فقدان تقسيم كونت للضابط الموضوعيّ 21
النظريّة الاجتماعيّة لوضعيّة كونت 23
2. مسار الوضعيّة الجديدة أو الوضعيّة المنطقيّة 25
الفصل الثاني:
الاستقراء والتجربة في ضوء المنطقين العقلي والوضعي
1. مشكلة الاستقراء 33
2. التجربة على ضوء المنطق العقليّ 34
الاستقراء على ضوء المنطق الوضعيّ 39
أطروحة هانز ريشنباخ 41
احتماليّة المعرفة البشريّة 42
مناقشة أطروحة ريشنباخ 43
الفصل الثالث:
القضيّة العلميّة بين المنطقين الوضعيّ والعقليّ
1. القضيّة العلميّة بين المنطقين الوضعيّ والعقليّ 47
حصريّة معيار التجربة يلزم من وجوده عدمه 48
القضيّة على ضوء المنطق الوضعيّ 49
القضايا التركيبيّة والتحليليّة 50
معيار الصدق والكذب في القضيّة التركيبيّة 51
معيار التحقّق 52
القابليّة للتحقّق بين الإمكانين المنطقيّ والفعليّ 54
بين العبارات الكاذبة والعبارات الزائفة 55
الفلسفة هي: التحليل المنطقيّ للغة العلم التجريبيّ 56
العبارات الأخلاقيّة ليست قضايا 59
العبارات الأخلاقيّة على ضوء المنطق العقليّ 60
العبارات الفلسفيّة ليست قضايا 62
مناقشة معايير معنى القضيّة 63
القابليّة للتأييد 67
معيار الصدق والكذب في القضيّة التحليليّة 72
مفارقة اليقين في قضايا المنطق والرياضة 73
2. القضايا المنطقيّة والرياضيّة تحليليّة 75
الوضعيّة وسؤال: «هل الله موجود؟» 79
كلمة أخيرة: المنهج العلميّ يقود إلى الإيمان بالله 83
لائحة المصادر والمراجع.............................................. 85
الوضعيّة
دراسة مفهومها ومنزلتها في علم المعرفة المعاصر
تأليف: سامر توفيق عجمي
(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
(2)الوضعيّة
دراسة مفهومها ومنزلتها
في علم المعرفة المعاصر
تأليف:
سامر توفيق عجمي
(3)
العتبة العباسية المقدسة
المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
عجمي، سامر توفيق، 1978 مؤلف.
الوضعية : دراسة مفهومها ومنزلتها في علم المعرفة المعاصر / تأليف سامر توفيق عجمي. - الطبعة
الأولى - النجف العراق : العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية، 1447 هـ. = .2025
92 صفحة : 12×20 سم. سلسلة مصطلحات معاصرة : (48)
يتضمن ارجاعات ببليوجرافية : صفحة 85-92
ISBN: 9789922680675
1. الوضعية (فلسفة).أ. العنوان.
LCC: B105.P614A33 2025
مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة
الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (٥١٥٧) لسنة (2025م)
-الكتاب الوضعية دراسة مفهومها ومنزلتها في علم المعرفة المعاصر
-تأليف: سامر توفيق عجمي.
-الناشر: العتبة العباسية المقدسة، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية.
الطبعة: الأولى ٢٠٢٥م - ١٤٤٧هـ.
Website: www.iicss.iq
E-Mail: islamic.css@gmail.com
Telegram: @iicss
(4)مقدّمة المرکز 7
مقدّمة المؤلِّف 9
الفصل الأول:
الوضعية الكلاسيكية والوضعية الحديثة المنطقية
الوضعيّة دراسة مفهومها ومنزلتها في علم المعرفة المعاصر15
1. الوضعيّة جذرًا ومفهومًا 15
الفلسفة الوضعيّة عند كونت18
قانون الأطوار الثلاثة19
فقدان تقسيم كونت للضابط الموضوعيّ 21
النظريّة الاجتماعيّة لوضعيّة كونت23
2. مسار الوضعيّة الجديدة أو الوضعيّة المنطقيّة25
الفصل الثاني:
الاستقراء والتجربة في ضوء المنطقين العقلي والوضعي
1. مشكلة الاستقراء 33
2. التجربة على ضوء المنطق العقليّ34
الاستقراء على ضوء المنطق الوضعيّ39
أطروحة هانز ريشنباخ41
احتماليّة المعرفة البشريّة42
مناقشة أطروحة ريشنباخ43
الفصل الثالث:
القضيّة العلميّة بين المنطقين الوضعيّ والعقليّ
1. القضيّة العلميّة بين المنطقين الوضعيّ والعقليّ 47
حصريّة معيار التجربة يلزم من وجوده عدمه48
القضيّة على ضوء المنطق الوضعيّ 49
القضايا التركيبيّة والتحليليّة 50
معيار الصدق والكذب في القضيّة التركيبيّة 51
معيار التحقّق 52
القابليّة للتحقّق بين الإمكانين المنطقيّ والفعليّ 54
بين العبارات الكاذبة والعبارات الزائفة 55
الفلسفة هي: التحليل المنطقيّ للغة العلم التجريبيّ 56
العبارات الأخلاقيّة ليست قضايا 59
العبارات الأخلاقيّة على ضوء المنطق العقليّ 60
العبارات الفلسفيّة ليست قضايا 62
مناقشة معايير معنى القضيّة 63
القابليّة للتأييد67
معيار الصدق والكذب في القضيّة التحليليّة 72
مفارقة اليقين في قضايا المنطق والرياضة 73
2. القضايا المنطقيّة والرياضيّة تحليليّة 75
الوضعيّة وسؤال: «هل الله موجود؟» 79
كلمة أخيرة: المنهج العلميّ يقود إلى الإيمان بالله 83
لائحة المصادر والمراجع 85
تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة في سياق منظومة معرفيّة يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى بحث وتأصيل ونقد مفاهيم شكَّلت ولمّا تزل مرتكزاتٍ أساسيّةً في فضاء التفكير المعاصر.
وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطةً شاملةً للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضورًا وتداولًا وتأثيرًا في العلوم الإنسانيّة؛ ولا سيّما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين، والاقتصاد، وتاريخ الحضارات.
أمّا الغاية من هذا المشروع المعرفي، فيمكن إجمالها بالآتي:
أوّلًا: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها المركزيّة في تشكيل المعارف والعلوم الإنسانيّة وتنميتها وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورةٍ للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرُّف على النظريّات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكريّة المختلفة.
ثانيًا: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبًا ما تُستعمل في غير موضعها، أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها؛ لا سيّما وأنّ كثيرًا من الإشكاليّات المعرفيّة ناتجة عن اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقيّة.
ثالثًا: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثارٍ
(7)سلبيّةٍ بفعل العولمة الثقافيّة والقيميّة التي تتعرَّض لها المجتمعات العربية والإسلاميّة، وخصوصًا في الحقبة المعاصرة.
رابعًا: رفد المعاهد الجامعيّة ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكريّة بعملٍ موسوعيٍ جديدٍ يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحيّة، ومجال استخداماته العلميّة، فضلًا عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى.
وانطلاقًا من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع، فقد حرص المركز على أن يشارك في إنجازه نخبةٌ من كبار الأكاديميّين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربي والإسلامي.
* * *
في هذا الكتاب من سلسلة مصطلحات معاصرة نتقدم من القرّاء والباحثين الأعزاء بدراسة معمّقة حول مصطلح "الوضعيّة" وتحديد مفهومها ومكانتها المعرفيّة والتاريخيّة في الثقافة الغربيّة الحديثة. فلقد شكّل البحث في هذا المفهوم قضية محوريّة في مساجلات فلسفة الحداثة فضلاً عن العلوم الإنسانيّة المختلفة خلال ولادته وتبلوره في القرن التاسع عشر عبر الفيلسوف المعروف أوغوست كونت (1798 ـ 1857) مع أن جذوره تمتد إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر مع فرانسيس بيكون وجون لوك وديفيد هيوم وكوندياك وسواهم..
والحمد لله رب العالمين
المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة
يُعدّ السؤال عن إمكان المعرفة، ومصدرها، وحدودها، وطبيعتها، محور الفلسفة في كلّ عصورها، إذ لا يمكن لأيّ نسقٍ معرفيّ أن يُقام دون أن يُحدّد موقفه من الشروط الإبستمولوجيّة والمنطقيّة التي تجعل المعرفة ممكنة أو ممتنعة، يقينية أو ظنيّة، عقلية أو حسية. ومن هنا كانت الفلسفة الوضعية في التاريخ الحديث، بمختلف أطوارها، لحظةً فاصلة في مسار تطوّر الفكر الغربي، إذ مثّلت إعلانًا صارخًا عن تحوّل مركز الثقل من الميتافيزيقا إلى التجربة، ومن المبدأ العقلي إلى الملاحظة الحسّية، ومن السؤال عن "العلّة الأولى" إلى البحث في "القانون الطبيعي" الذي يفسّر انتظام الظواهر. لقد أرادت الوضعيّة أن تقيم للعقل الحديث يقينًا جديدًا بديلاً عن اليقين الميتافيزيقي، يقينًا يُبنى لا على الضرورة الفلسفيّة بل على الملاحظة التجريبية، وأن تُحوِّل المعرفة إلى أداةٍ وظيفية للسيطرة على الطبيعة، لا وسيلةٍ لتأمل الماهيات أو الغايات.
تتمثّل الإبستمولوجيا الوضعيّة في جوهرها في محاولة إعادة تعريف مفهوم الحقيقة والمعرفة على أسس حسية محضة، فالمعرفة الصادقة عندها هي ما يمكن التحقّق منه تجريبيًا، وما لا يخضع للاختبار أو الملاحظة يُعدّ بلا معنى. هذا التحوّل المعرفي الجذري لم يكن مجرّد تعديل في أدوات التفكير، بل كان انقلابًا في فلسفة العقل ذاتها، إذ جُرّد العقل من فاعليته الاستنباطية المستقلة، وأُحيل إلى وظيفة تسجيلية لا تتجاوز ما تمنحه الحواس من معطيات.
(9)بهذا المعنى، نقلت الوضعية الفكر من (العقل المشرِّع للمعرفة) إلى (العقل المسجِّل للظواهر)، ومن الحقيقة بوصفها مطابقة الوعي للوجود، إلى الحقيقة بوصفها مطابقة القول للخبرة.
غير أنّ هذا التحوّل، على ما فيه من وعيٍ علمي- تجريبيّ، ينطوي على تناقضٍ إبستمولوجي خفيّ، إذ إنّ إنكار الميتافيزيقا باسم التجربة يفترض ميتافيزيقا ضمنيّة حول طبيعة الواقع والمعرفة معًا، أي إيمانًا مسبقًا بانتظام الطبيعة وبقابلية العالم لأن يُدرَك بالقانون، وهي مصادرات لا يمكن استمدادها من الحسّ ذاته. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى للمنهج الوضعي، فهو في الوقت الذي يرفض كلّ ما هو قبليّ، يُقيم بنيته المنطقية على قضايا قبلية غير تجريبية مثل نفي التناقض، والاطراد في الطبيعة، دون أن يمتلك تفسيرًا تجريبيًا لشرعية هذه القضايا. فكيف يمكن للعلم أن يُعمّم من جزئيات محدودة إلى قوانين كلية دون أن يفترض مبدأ (ماثل الأمثال)؟ وكيف يمكن أن نُثبت صدق التجربة ما لم نُسَلِّم سلفًا بانتظام الواقع وثبات قوانينه؟ بهذا المعنى، فإنّ كلّ استقراء يستبطن استنباطًا، وكلّ تجربة تنطوي في عمقها على قبليات عقلية تُبرّر إمكانها.
من هنا، يتضح أنّ النقاش في الوضعيّة ليس نقاشًا في نتائجها العلمية، بل في شرعيتها الإبستمولوجية. فالمسألة لا تتعلق بما حققته التجربة من نجاحات في الفيزياء والكيمياء والطب، بل بما إذا كانت هذه النجاحات تكفي لتجريد الإنسان من بعده العقلي التأملي، أو لإلغاء الحاجة إلى الميتافيزيقا بوصفها شرطًا لإمكان المعرفة ذاتها. ذلك أنّ العلم –مهما بلغ من دقّة– لا يبرّر نفسه بنفسه، بل يقتضي إطارًا مفهوميًا يحدّد معاني "الواقع" و"الصدق"
(10)و"القانون" و"الضرورة". وهذا الإطار هو ما كانت الفلسفة تحرسه قبل أن تُقصى إلى الهامش باسم "التحليل المنطقي للغة العلم".
إنّ التحليل المنطقي الذي رفعته الوضعية المنطقية إلى مرتبة البديل عن الفلسفة، لم يُلغِ الميتافيزيقا كما أراد أصحابه، بل استبدلها بميتافيزيقا لغوية جديدة، جعلت من اللغة التجريبية معيارًا وحيدًا للمعنى، متجاهلةً أنّ اللغة ذاتها لا يمكن أن تُفهم إلا في ضوء مفاهيم كلية تتجاوز الحسّ والتجربة. فكلّ "تحقّق" تجريبي يفترض قبلًا إمكان المطابقة بين الفكر والواقع، وهي فكرة لا يمكن التثبت منها حسيًا، بل تنتمي إلى بنية العقل ذاته.
وعلى ضوء هذا التناقض الداخلي، يمكن القول إنّ الفلسفة الوضعية، في نزعتها لتطهير الفكر من الميتافيزيقا، قد انتهت إلى نوعٍ من الميتافيزيقا السلبية التي تنكر ذاتها، إذ جعلت من "التجربة" مطلقًا جديدًا، ومن "التحقق" معيارًا ميتافيزيقيًا للوجود والمعنى. وهكذا تحوّل العقل الوضعي إلى سلطةٍ دوغمائية حديثة، تفرض حدوده الخاصة على ما يجوز التفكير فيه وما يجب إسقاطه من مجال المعنى.
إنّ إعادة قراءة الفلسفة الوضعية في ضوء المنطق العقلي لا ترمي بالضرورة إلى استعادة "ميتافيزيقا ما قبل الحداثة"، بل إلى استعادة التوازن المفقود بين التجربة والعقل، بين الملاحظة والاستنباط، بين الحسّ والمبدأ. فالعقل لا يكون عقلًا ما لم يكن قادرًا على تأسيس التجربة وتبريرها، والتجربة لا تكون علمًا ما لم تستند إلى مبادئ عقلية تضمن صدق نتائجها. ومن دون هذا التكامل، تغدو المعرفة مجرّد ظاهرة نفسية أو آلية براغماتية بلا أساس منطقي. من هنا،
(11)يصبح الموقف العقلي النقدي هو الكفيل بإنقاذ العلم من الدوغما الوضعية، وإعادة الفلسفة إلى وظيفتها الأصلية التفكير في شروط المعرفة، لا في محتواها فقط، وحراسة الحدود التي تفصل بين ما يُختبر في المعمل وما يُؤسَّس في العقل.
وهكذا، جاء هذا البحث في سياقٍ منطقي-إبستمولوجيّ يسعى إلى مساءلة الأسس التي قامت عليها الفلسفة الوضعية، وتحليل منطقها الداخلي في ضوء العقل البرهاني، للكشف عن تناقضاتها المضمَرة ومحدوديتها المعرفية. إنّه محاولة لاستعادة حضور الفكر التأمّلي في وجه النزعة الاختزالية التي أرادت أن تحصر الوجود في ما يُرى ويُقاس.
(12)
يُشكِّل البحث عن الوضعيّة كمنهج تفكير وطريقة استدلال عمومًا، وكمدرسة لها نسقها المعرفيّ الخاصّ، محطّة رئيسة في تاريخ الفكر الغربيّ الحديث والمعاصر، إذ يمكن اعتبارها بصفتيها الكلاسيكيّة والمنطقيّة الجديدة، من أهمّ مراكز الثِّقل المعرفيّ والمنطقيّ والفلسفيّ للحضارة الغربيّة كما نُعايشها اليوم، كونها الأقرب مسايرة للروح العلميّة، كما يفهمها العلماء الذين يخلقون أسباب الحضارة ويحرِّكون عجلة التقدّم التقنيّ في مختبراتهم ومعاملهم.
نشأت الوضعيّة في ظلّ بيئة حاضنة لنموّها، ففي القرن 19م، شهد التيّار التجريبيّ حضورًا قويًّا في الغرب، نتيجة العناية الخاصّة بالعلوم الطبيعيّة والآليّة وتطبيقاتها، كعلم الفلك والفيزياء والبيولوجيا والطبّ...، وبفعل التقدّم في الاختراعات التقنيّة والآلات، فاتّسعت أمام الإنسان آفاق السماء والأرض، باسطًا سلطته على الطبيعة، متحكِّمًا بمواردها وثرواتها، شاعرًا باستكناه أسرارها، فارتفع منسوب إحساسه بفائض القوّة والتفوّق، وأصبح كأنّه محور الكون وربّه الذي ليس فوقه ربّ. كلّ ذلك، مهّد لتجدّد ميلاد التصوّر المادّيّ للكون، وبروز التيّارات الإلحاديّة واللاأدريّة...
وثمّة أفقي نظر إلى الوضعيّة، تارة كمنهج تفكير من زاوية معرفيّة بحتة، فتشمل جميع التيّارات التي تقوم على أطروحة أنّ المعرفة العلميّة التي
(15)تستند إلى الملاحظة الحسّيّة والاستقراء، وحدها يمكن أن تمدّنا باليقين، أو تتمتّع بقيمة منطقيّة.
وبهذا المعنى تمتدّ جذورها إلى فرنسيس بيكون (1561-1626م)، وجون لوك (1632-1704م)، وديفيد هيوم (1711-1776م)، وكوندياك (1715-1780م)... وغيرهم.
وأخرى، كمذهب فلسفيّ خاصّ، تنفّذ منظومته في ميادين الحياة البشريّة كافّة: نظريّة المعرفة، علم النفس، الاجتماع، التربية، الأخلاق، الفنّ، الجمال، السياسة....
وقد تبلور مصطلح الوضعيّة بصورته المذهبيّة، على يد أوغوست كونت (1798-1857م). مع مجموعة من أعماله، مثل: محاضرات الفلسفة الوضعيّة (1830-1842م)، خطاب حول العقل الوضعيّ (1814م)، البيان الوضعانيّ (1852م)، ونظام السياسة الوضعيّة (1852-1854م).
هذا، لا يلغي مساهمة من سبقه في نحت المصطلح، فيرى بعض مؤرّخي الفلسفة ـ ج. بنروبي، وأندريه لالاند وغيرهما ـ أنّ سان سيمون (1760-1825م) هو أوّل من استعمل كلمة وضعي بالمعنى المذهبيّ، حيث تحلّ عنده النزعة العلميّة محلّ الأفكار الخارقة للطبيعة، طارحًا كلّ تفكير نظريّ ميتافيزيقيّ، مُطالبًِا بسياسة فيزيائيّة وفسيولوجيا للمجتمع، موضوعها دراسته بطريقة علميّة خالصة، راغبًا في استبدال النزعة التأليهيّة بنزعة طبيعيّة، كنوع من دِيْن العلم، مُلقِّبًا نفسه بـ«البابا العلميّ للإنسانيّة».
أمّا وفق إميل ليتريه (1801-1881م)، فالوضعيّة بالنسبة إلى
سيمون، ليست سوى اسم نوع لمُجمل العلم، ومن المحتمل أنّها كذلك بالنسبة إلى كونت، في كتيّبه (Le Catechisme des industriels de Saint- Simon) (1822)، وعلى الأقلّ لا يذهب الكتيّب إلى أبعد من ذلك، أمّا الوضعيّة كمذهب، فهي معلنة في كتب كونت الأخرى.
وبالعودة إلى الجذر اللغويّ للوضعيّة، يرى ليتريه في معجمه أنّها مأخوذة من مادّة (Positif)، وتفيد معنى ما يمكن وضعه، أي التأسيس عليه، واعتماده كشيء ثابت ومؤكّد.
وفي الإنجليزيّة، وردت -في قاموس أكسفورد- (Positive)، مرادفة لـ: Sure, Certain))، بمعنى ما هو ثابت، موجِب، موثوق، مؤكّد، محتوم....
وباعتبار وجهة نظر الوضعيّين، أنّ ما يمكن تأكيده كواقع ثابت، إنّما يحصل على ضوء الملاحظة الحسّيّة والتجربة، يكون استعمال مفردة «وضعيّة»، تعبيرًا عن طبيعة رؤيتهم المعرفيّة، خصوصًا أنّ كونت استخدمها بمفهومها الأقدم والأعمّ، لتدلّ على ما هو واقعيّ مقابل
(17)الوهميّ، أي الدينيّ والميتافيزيقيّ والمطلق والعالي.
وفي المحصّلة، تكون الوضعيّة -بمبدأ اشتقاقها (positif)- نزعة الأخذ بالمعطيات التي يقدّمها الاختبار الحسّيّ والاستقراء في دراسة ظواهر الطبيعة قصرًا، كوقائع ثابتة ومؤكّدة، وعدم تجاوزها إلى جوهر الأشياء في ذاتها، باستبعاد الميتافيزيقا والمنهج الاستنباطي.
لعبت وضعيّة كونت دورًا كبيرًا في سير الفلسفة وتطوّرها في النصف الثاني من القرن 19م في فرنسا، وربّما في أوروبا كلّها، ويمكن تلخيص رؤيته المعرفيّة في مجموعة أفكار:
الأولى: أنّ الذهن البشريّ لا يدرك سوى شيئين: أوّلًا: الظواهر المحسوسة. وثانيًا: القوانين الطبيعيّة، أي ما بين هذه الظواهر من روابط وعلاقات.
الثانية: أنّ الاختبار الحسّيّ هو السبيل الوحيد إلى المعرفة العلميّة.
الثالثة: وعليه، يجب التخلّي عن البحث عن طبيعة الأشياء في ذاتها وجوهرها.
الرابعة: منع العقل المجرّد -قدر المستطاع- من التدخّل في عمل المعرفة العلميّة، فيُحرِّم كونت على العالِم أن يتجاوز الوقائع التجريبيّة ويعمل بالفروض النظريّة.
الخامسة: أنّ المعرفة نسبيّة وليست مطلقة.
(18)والعلوم الواقعيّة أو الوضعيّة عند كونت، ستّة: الرياضيّات، علم الفلك، علم الطبيعة، علم الكيمياء، علم الحياة، علم الاجتماع. وهي مكتسبة بالاستقراء، حتّى العلوم الرياضيّة إنّما قد يعتبرها البعض عِلمًا عقليًّا لغفلته عن أساسها الاستقرائيّ.
هذه الرؤية، تستلزم رفضًا مزدوجًا للتفسيرات الدينيّة-اللاهوتيّة، والفلسفيّة- الميتافيزيقيّة للكون والطبيعة، ولكن، كيف برَّر كونت ذلك؟ من الأفكار الرئيسة في منظومة كونت -والتي استمدّها من سان سيمون، آخذًا لها بدوره عن الطبيب بوردان-، هي تقسيم تاريخ العقل الإنسانيّ إلى ثلاثة أطوار:
1. الطور اللاهوتيّ، حيث بحث العقل عن أصل الكائنات والعلاقات بينها، مُرجعًا لها إلى قوى ما ورائيّة غير منظورة حسّيًّا، سواء أكانت آلهة أم أرواحًا، والمنهج المُتّبع خياليّ أسطوريّ، لا علاقة له بالواقعيّة وضدّ المنطق العلميّ.
2. الطور الميتافيزيقيّ، حيث تطوّر العقل خطوة، فهو وإن كان مُشترِكًا مع المرحلة اللاهوتيّة في استكناه ماهيّات الأشياء، إلا أنّه استبدل العلل المفارِقة للطبيعة بعلل ذاتيّة، توهمها في صميم الماهيّات، كالعلّة الفاعليّة والنفس، إلا أنّه وهم مقرون بالاستدلال الكلّيّ غير القائم على الملاحظة الحسّيّة.
3. الطور الوضعيّ، هنا، أدرك العقل عجزه عن الحصول على المعارف المطلقة، فقصر هدفه على معرفة الظواهر واستكشاف قوانينها، وترتيبها من الخاصّ إلى العامّ.
(19)يقول كونت: «كلّ العقول الجيّدة، تقرّ اليوم، أنّ دراستنا الواقعة مقصورة على تحليل الظواهر لاكتشاف قوانينها العقليّة، أعني علاقاتها الثابتة في التوالي أو التشابه، ولا يمكن حقًّا أن تتعلّق بطبيعتها الباطنة، ولا بعلّتها الأولى أو الغائيّة، ولا النحو الجوهريّ الذي عليه تَحدُث».
وحسب تعبير ليتريه، النظر إلى العالم برؤية محايثة، والمحايثة هي النظرة العلميّة التي تفسّر الكون على أنّه مجموع مركّب، توجد علله بشكل قوانين، في حين يفسّر اللاهوت أو الميتافيزيقيا الكون على أنّ له علل مفارقِة أو داخليّة في جوهر الأشياء.
إذن، في هذا الطور، تحلّ الملاحظة الحسّيّة والاستقراء محلّ التفسيرات الدينيّة الساذجة، والاستدلالات الفلسفيّة الكلّيّة، ويُستعاض عن العلل المفارِقة، أو الصميميّة، بالقوانين الطبيعيّة، أي العلاقات المطّردة بين الظواهر، بحيث تصل البشريّة إلى طور بناء «الفلسفة العلميّة»، التي تعالج المشكلات والموضوعات بأسلوب يقتبس روح العلم دون أساليب الفلسفة التقليديّة.
فكلّما أمكن معالجة مسألة بالملاحظة والاختبار، انتقلت هذه المسألة من الفلسفة إلى العلم، واعتبر حلّها نهائيًّا. أمّا المسائل التي لا تقع تحت الملاحظة، فهي خارجة عن دائرة العلم الوضعيّ المُتّصف بالموضوعيّة، مقابل ذاتيّة الفعل الفلسفيّ؛ لأنّ العلم يستند إلى التجريب والعلاقة المباشرة مع الطبيعة، والجزئيّ، والمحسوس، أمّا الفلسفة تعتمد التجريد،
وميدانها هو المجرّد، والكلّيّ، والجوهر والماهيّة. وعليه، تكون الفلسفة مجرّد ترف ذهنيّ أو عمل فنّيّ أدبيّ، ينبغي هجرانه وتركه في بطون كتب التراث يأكلها الغبار.
أوّلًا: هذا تقسيم جزافيّ، لا يتمتّع بأيّ ضابط موضوعيّ؛ لأنّ الباحث في تاريخ الفكر البشريّ، إذا أراد أن يقسِّم أطواره، يجعل المعيار هو حركة نموّ آراء النخبة الذين ساهموا في إنتاج المعرفة ودفع عجلتها، لا عامّة الجماهير، ولا نلاحظ مثل هذه المراحل الثلاث المزعومة، خصوصًا أنّ كونت يقرّ بأنّ الرياضيّات أوّل ما وجدت واقعيّة، مضافًا إلى أنّ الإنسان منذ القدم استفاد من القوانين العلميّة في اختراعات وصناعات متعدّدة.
وثانيًا: إنّ هذه المراحل الثلاثة ليست عاموديّة، فقد تجتمع في فرد أو مجتمع أو عصر واحد، بحيث يقنع بتفسيرات لاهوتيّة في بعض الأشياء، وبفلسفيّة في أخرى، وقد يستند إلى الملاحظة الحسّيّة في ثالثة.
لذا، يمكن طرح أسلوب رابع -كما يرى مرتضى مطهّري- يجمع بين هذه المناهج الثلاثة، فيمتلك فرد واحد أو مجتمع أو عصر، أسلوبًا فكريًّا إلهيًّا وفلسفيًّا وعلميًّا معًا، باختلاف ما تستدعيه الموضوعات من منهج دراسة يتناغم معها، كيف لا؟! وسيأتي أنّ التفسير العلميّ القائم على أساس الاستقراء يحتاج إلى القوانين الميتافيزيقيّة، وأنّه يقود إلى إثبات الحقيقة اللاهوتيّة.
هذا، والمنهج الذي اعتمده كونت ينطوي على ميتافيزيقيا مستترة؛ إذ الاقتصار على ملاحظة الوقائع حسّيًّا لا يقود إلى مجموعة من النتائج التي
يعتقد بها، فمن المستحيل -كما يقول بنروبي- «أن نفسّر بهذه المصادر للمعرفة وحدها النتائج الرئيسيّة التي ينتهي إليها، باليقين والقطع اللذين يعزوهما إليها، مثل: عقيدة ثبات قوانين الطبيعة، قانون الأطوار الثلاثة، الامتداد الكلّيّ لفكرة الوضعيّة... وما يخوِّل لنا أن نتحدّث عن ميتافيزيقيا مستترة عند كونت، هو كما يقول -إميل- بوترو فكرة الارتباط الضروريّ، والمذهب، والنظام، والانسجام، والتركيب الفلسفيّ، وبالجملة فكرة العقل المجرّد، على الأقلّ في عناصرها الشكليّة، بوصفه يُسهِم مع فكرة الواقع في تكوين مبدأ الوضعيّة».
وتبقى النقطة الأهمّ التي تدلّ على قصور تفكير كونت، تصوّره عن الله، ذلك؛ أنّ الله تعالى ليس x المجهول في معادلة الكون، نبحث عنه لتغليف جهلنا، بإسناد العلل المجهولة إليه، بحيث إذا تمّ اكتشاف القوانين الطبيعيّة أدّى ذلك إلى تراجع الله خطوة إلى الوراء، بعد أن يكون قد استنفذ غرض الإيمان به، أو -كما نقل فلاماريون عن كونت- يؤدّي العلم إلى عزل أب الطبيعة عن عمله، بعد أن يكون قد قدّر له خدماته المؤقّتة!!
فعلاقة الله تعالى بالكون والطبيعة واقعيّة- تكوينيّة على نحو الإضافة الإشراقيّة أو المعنى الحرفيّ، غير خاضعة لعلم الإنسان وجهله، فاللّه تعالى لا يقف على خطّ موازٍ مع العلل الطبيعيّة، ليقع الترديد بينه وبينها على نحو المنفصلة الحقيقيّة، من أنّ هذه الظاهرة هي إمّا صنع الله وإمّا العلة الطبيعيّة المعيّنة، فهو الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى، فهذه الأسباب الطبيعيّة تستمدّ علّيّتها من علّيّته، فتؤثّر فيما تؤثّر فيه بإذنه تعالى، فالظواهر في عين انتسابها إلى عللها الطبيعيّة تستند إلى الله تعالى في قانون طوليّ.
طبّق كونت رؤيته على المجتمع، اعتقادًا منه أنّه يخضع للقوانين العلميّة ذاتها التي تقوم عليها العلوم الطبيعيّة كونه علمًا وضعيًّا، فخصَّص لعلم الاجتماع ثلاثة مجلدات من كتابه «دروس في الفلسفة الوضعيّة»، وكثيرًا ما يسمّيه بـPhysique Saciale)) ليدلّ على منهجه الاستقرائيّ.
وتتلخّص نظريّة كونت الاجتماعيّة، بأنّ المجتمع البشريّ في حالة تدهور، ممّا يستدعي ضرورة العمل على إعادة تنظيمه بنحو يضمن تقدّمه، ولا يتمّ ذلك إلا بسلطة روحيّة توحِّد بين العقول، وهي ليست الدين أو الفلسفة، بل العلم، الذي يضع حدًّا لفوضى الأفكار، ويوفِّر أسباب التنظيم والتعمير، وقد نشر بهذا المعنى كتابًا، بعنوان: «مشروع الأعمال العلميّة الضروريّة لإعادة تنظيم المجتمع» (1822م).
وهذا، يستدعي -من وجهة نظره- ولادة دِيْن جديد، قادرٍ على قيادة الحياة الإنسانيّة نحو كمالها، ليس هو إلا الوضعيّة، كما يوحي بذلك كتابه «مذهب في السياسة الوضعيّة أو كتاب في علم الاجتماع يضع ديانة الإنسانيّة» (1851-1854م) واختصره في كتاب «التعليم الدينيّ الوضعيّ» (1852م).
في طرحه الدينيّ هذا، يخالف كونت منهجه العلميّ؛ باعتباره ثمرة عاطفته وخياله الأدبيّ، وليس الدليل الاستقرائيّ، ولذا اتّهمه إميل ليتريه بأنّه خرج عن منهج الفلسفة الوضعيّة الخالصة، مُشكِلًا عليه -في إرادته ابتداع دين الإنسانيّة- بأنّ الدِين كان المرحلة الأولى من مراحل العقل، وقد انقضت دون رجعة.
فكونت، ومعه سائر الوضعيّين حتّى الجدد منهم، يعتقدون أنّه بالعلم،
(23)يمكن تكوين النظام الاجتماعيّ الأصلح لقيادة الحياة البشريّة. وحسب تعبير أرنست رينان (1823-1892م) -وهو من أنصار وضعيّة كونت- في كتابه، أنّ العلم هو الذي يقدّم إلى الإنسان الوسيلة الوحيدة التي يستطيع بها أن يصلح أحواله والشيء الذي لا تستطيع أن تعيش بدونه، أي الرمز والناموس. فيجب أن يحلّ العلم محلّ الدين؛ لأنّه مجرد خرافة، أو بتعبير ألطف هو فرض مفيد يرفع النفس.
نعم، لا شكّ في أنّ أيّ فكرة فلسفيّة أو عقيدة دينيّة أو رؤية علميّة ما لم تقترن بنظام اجتماعيّ يعبّر عنها كشكل من أشكال الحياة، ستفقد قيمتها في الواقع، وتذبل، وتموت.
لعلّ هذا، دفع السيِّد الصدر، لتصدير كتابه فلسفتنا -والذي من المفترض أنّه دراسة موضوعيّة في معترك الصراع الفكريّ القائم بين مختلف التيّارات الفلسفيّة-، بالبحث عن المسألة الاجتماعيّة في حدود (50 ص) مبتدئًا بالقول: «إنّ مشكلة العالم التي تملأ فكر الإنسانيّة اليوم، وتمسُّ واقعها بالصميم، هي: مشكلة النظام الاجتماعيّ، التي تتلخّص في محاولة إعطاء أصدق إجابة عن السؤال الآتي: ما هو النظام الذي يصلح للإنسانيّة، وتسعد به في حياتها الاجتماعيّة؟».
لا يمكن نفي دور العلم في تقدّم حياة الإنسان وتسهيلها، وحلّ العديد من المشكلات التي يواجهها، إلا أنّ هذا لا يستدعي أن يكون العلم الأطروحة الفاضلة لقيادة المجتمع البشريّ نحو كماله الطبيعي. هذه رؤية تختزل أبعاد هويّة الإنسان، وتضغطه ككيان بيولوجيّ في قالب مادّيّ نفعيّ محض، وتعزله عن كلّ علاقة خارج حدود المادّة والطبيعة،
أطروحة تمارس تغريب الإنسان بإقصائه عن الإيمان بالله، بدل أن توفّر له سعادته الواقعيّة بتحقيق الهدف الوجوديّ الذي صمّم تكوينه لأجله. وإذا استطاعت البشريّة أن تقضي على هذه الفكرة فإنّها تكون قد وضعت حدًّا فاصلًا للمؤامرة على الإنسان وحركته نحو سعادته وكماله. لأنّ النظام الاجتماعي الأصلح لقيادة حياة الإنسان، هو -النظام التوحيديّ الدينيّ- ذلك أنّه يعبّد له الطريق في كدحه نحو هدفه، ويكافح كلّ المثل المصطنعة والمنخفضة والتكراريّة، التي تريد أن تُحوِّل مسيرة البشريّة من أعلى إلى أسفل، بقطع صلة الإنسان بأشواقه العليا، وتحويل مساره إلى كومة مادّيّة نفعيّة، محدودة الأشواق والطموحات.
لم يجمد المنطق الوضعيّ عند المعطيات التي قدّمتها فلسفة كونت، بل شهد تطوّرًا في مساره التاريخيّ، مدّ ظلّه على كافّة أرجاء القارّة الأوروبيّة، فاستمرت الوضعيّة بقوّة في فرنسا بعد كونت عند ليتريه وغيره، وحضرت في إيطاليا عند جوسيِّي فراري (1812-1876م)، وأنريكو مُرسللي (1852-1929م)، وروبرتو أريجو (1828-1920م)، وكان الممثّل القويّ للوضعيّة بنحو أصبحت التيّار المسيطر على الحياة العقليّة الإيطاليّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأوّل من القرن العشرين.
وأخذت الوضعيّة في النموّ، حتّى نشأ التيّار الأكثر تشدّدًا في منطق العلم، والذي عُرِف باسم «الوضعيّة الجديدة» أو «الوضعيّة المنطقيّة»
-وهو الاسم الأكثر شيوعًا صاغه بلومبرج وفيجل عام 1931م- أو «التجريبيّة المنطقيّة» -وهو اسم يفضّلونه كما يذكر هنتر ميد-، وقد وصفها رودلف كارناب بـ«الوضعيّة المنهجيّة».
وهي منطقيّة باعتبار سلوكها منهج التحليل المنطقيّ، ووضعيّة أو تجريبيّة باعتبار اعتقادها بحصريّة الخبرة الحسّيّة كمصدر للمعرفة العلميّة، بنحو يمكن القول بأنّها المدرسة الوحيدة التي تمثّل الاتجاه التجريبيّ تمثيلًا خالصًا في الفلسفة الغربيّة في القرن العشرين.
وقد ظهرت الوضعيّة الجديدة عام 1929م، من حلقة بحث كان يقوده موريتس شليك (1882-1936م)، تحت اسم حلقة فيينا، -وهو الاسم الأصليّ لهذه المدرسة- مع ظهور كتيّب لها، يعرض برنامجها أو المانيفستو، بعنوان: «النظرة العلميّة إلى العالم- حلقة فيينا».
ففي العام 1895م، قرّرت جامعة فيينا إيجاد كرسيّ لفلسفة العلوم التجريبيّة، أوّل من شغله إرنست ماخ، وفي العام 1922م، استدعت جامعة فيينا شليك من ألمانيا ليشغل هذا الكرسيّ، وكان قد حصل عام 1904م على الدكتوراه تحت إشراف ماكس بلانك أبي الكوانتم، ورغم كونه أستاذًا في الفيزياء، كانت له اهتمامات فلسفيّة، فصدرت له كتب، مثل: «النظريّة العامّة للمعرفة - 1918م»، و«مستقبل الفلسفة - 1932م»، وغيرهما.
وما أن حطّ شليك رحاله في فيينا، حتّى تحلّق حوله جمع من علماء
-لهم ميول فلسفيّة قويّة- ورياضيّين وفيزيائيّين ومنطقيّين، عقدوا لقاءات دوريّة استمرّت منذ العام 1922 حتّى 1938م، لمناقشة قضايا فلسفة العلم ومفاهيمها، وصاغت مناقشاتها الوضعيّة المنطقيّة.
وكان قد أوصى بتشكيل هذه الحلقة عالم الرياضيّات هانزهان (1880-1934م)، والفيزيائيّ فيليب فرانك، وعالم الاجتماع أوطو نويراث (1882-1945م).
والفلاسفة المهمّون في هذه المدرسة من الألمان، أمثال: هربرت فيغل ووايزمان وغوستاف بيرجمان وفيكتور كرافت. وفي مقدّمتهم رودلف كارناب، الذي أصدر كتابه «الإعراب المنطقيّ للغة - عام 1934م»، ودرّس الفلسفة في جامعات فيينا وبراغ وشيكاغو على التوالي، وهو يظهر على هيئة المنظّر المنطقيّ للمدرسة، بل ورئيسها بمعنى ما.
ويعتبر نفسه مدينًا لبرتراند رسل، حيث يقول: «أمّا فتجنشتين، فيقال إنّ له تأثيرًا كبيرًا على دائرة فيينا، لكنّ هذا التأثير مبالغ فيه، لقد كان تأثيره في شليك ووايزمان واضحًا، لكنّ تأثيره عليّ أنا وعلى نوراث أقلّ بكثير، ولهذا أودّ أن أقول إنّني مدين لرسل أكثر بكثير ممّا أشعر به من دين نحو فتجنشتين».
ولودفيج فتجنشتين -تلميذ رسل وجورج مور وصديقهما- قد درس الفلسفة في كمبردج بإنجلترا، وهو من الشخصيّات المحوريّة في الوضعيّة
الجديدة، يحتوي كتابه «رسالة منطقيّة فلسفيّة» (ظهرت عام 1921م)، على القضايا الرئيسة التي سوف تقدّمها الوضعيّة الحديثة من بعد، وقد اعتمد الوضعيّون الجدد على أفكاره وبنوا على أساسها نظريّة شديدة التخصّص، بل لعلّ رسالته عدّت إنجيل الوضعيّة تدارسًا وتطبيقًا.
وتعاونت مع جمعيّة برلين للفلسفة التجريبيّة برجالها هانز رايشنباخ وجريلنج وليفين وفردريك كراوس وكارل همبل وريتشارد فون ميزس صاحب النظريّة المُهمّة في حساب الاحتمال.
وهانز ريشنباخ -يبرز إلى جانب كارناب وفتجنشتين-، وقد كان أستاذًا في برلين وفي استامبول، ثمّ أخيرًا في لوس أنجلس بالولايات المتّحدة، وقد شارك في تأسيس حلقة فيينا، وساهم في تحرير مجلّة المعرفة.
وكان يوزف بتزولت (1862-1929م)، نقل رئاسة المجلّة السنويّة للفلسفة إلى حلقة فيينا، وخرجت منها بعد ذلك مجلّة «المعرفة»، أهمّ صحيفة تُعبِّر عن الوضعيّة الجديدة بين عامي 1930 و 1938م، وحلّت مكانها عام 1939م «مجلّة العلم الموحّد».
عقدت حلقة فيينا مؤتمرات عدّة متعاقبة، أوّلها في براغ عام 1929م، وكونجزبرج عام 1930م، وفي براغ مرّة ثانية عام 1934م، وباريس عام 1935م، وكوبنهاجن عام 1936م، وفي باريس أيضًا عام 1937م، ثمّ في كامبردج بإنجلترا عام 1938م، ثمّ في كامبردج بالولايات المتّحدة الأميركيّة عام 1939م.
هذه الحركة الحيويّة والنشاط المفعم بالحياة، كافٍ في الدلالة على ديناميكيّة المدرسة الجديدة، وعلى طابعها العالميّ.
وقد طارد الحكم النازيّ أهمّ ممثّلي المدرسة، فتفكّكت دائرة فيينا،
وهاجر أعضاؤها إلى إنجلترا وأميركا، حاملين معهم أفكارهم من الإطار الجرمانيّ في ألمانيا والنمسا إلى الإطار الأنجلو-أميركي في إنجلترا والولايات المتّحدة وأستراليا أيضًا، وفي أميركا أنشأوا «دائرة معارف العلم الموحّد»، وكان تأثيرهم قويًّا في منتصف القرن العشرين الميلاديّ.
وفي إنجلترا، نهضت مجموعة مجلّة «التحليل»، وهي تعبّر عن حلقة قريبة من أفكار الوضعيّين الجدد، وقد ظهرت في المؤتمر الدوليّ للفلسفة في براغ عام 1934م، ومن أعضائها سوزان استبنج (ت 1943م) التي كان لها فضل على المنطق الجديد، بفضل كتابها «مقدّمة حديثة في المنطق» الذي ظهر سنة 1930م، ودنكان جونز، وماس جلبرت رايل، وهم يمثّلون تيّارات مختلفة بعض الشيء، ولكنّها قريبة من الوضعيّة الجديدة.
هذا إلى جانب ألفرد آير الذي يعلن صراحة عن انتمائه لتلك المدرسة، والذي كان له دور مهمّ فيها.
والاتّجاه التحليليّ نتاج فلسفة جورج مور (1873-1958م) الفيلسوف الإنجليزيّ، وصديقه رسل، بالإضافة إلى فتجنشتين، وكان مور ثائرًا على المثاليّة الألمانيّة كونها لم تعد تتّفق مع منطق العلم.
أمّا في فرنسا فلا نكاد نجد أيّ ممثّل قويّ للوضعيّة الجديدة، اللهمّ إلا لوي روجييه والجنرال فويلمان الذي حاول التعريف بحلقة فيينا في فرنسا.
ولا ريب في أنّ أصول الوضعيّة المنطقيّة تعود إلى الوضعيّة الكلاسيكيّة
عند كونت، لكن يمكن القول أيضًا إنّها تمتدّ عميقًا أبعد من ذلك إلى استقرائيّة فرنسيس بيكون، وتجريبيّة ديفيد هيوم، وحسّيّة جون لوك، وجون استيوارت ميل، وعموم المدرسة التجريبيّة الإنجليزيّة في القرن الثامن عشر، ويمكن اعتبار المذهب الحسّيّ عند كوندياك والنوازع العلميّة لأصحاب الأنسكلوبيديا الفرنسيّة في القرن الثامن عشر ومدرسة نقد العلم الفرنسيّة والمدرسة التجريبيّة النقديّة الألمانيّة بمثابة روّاد الوضعيّة التجريبيّة ومن مصادرها الأساسيّة.
ومن العناصر المؤثِّرة فيها، تطوّرات المنطق الرياضيّ، خصوصًا مع جورج بول، وفريجه (1848-1925م)، وبيانو (1858-1932م)، وهويتهد (1861-1947م)، ونظريّات رسل، وفيزياء آينشتين.
يمثِّل الوضعيّون الجدد نموذجًا فريدًا للعقل الجمعيّ المنطقيّ والفلسفيّ، فيكوّنون جماعة ذات خصائص متميّزة، تجمعهم أطروحات مشتركة، ويعالجون المشكلات العلميّة والمنطقيّة والفلسفيّة بالمناهج ذاتها أو المتقاربة. انطلقوا بنشاط وحماسة، نتيجة اعتقادهم بصوابيّة أفكارهم وتصوّراتهم، حتّى أنّ هانز رايشنباخ وهو أحد مؤسّسي الوضعيّة المنطقيّة، لاحظ عليهم أنّ موقفهم تحزّبيّ طائفيّ متعصّب. ولذا، كان أكثر تسامحًا، بنحو يمكن اعتبار مرحلته طورًا ثالثًا من الوضعيّة، يتميّز بانحدار الخطّ البيانيّ الديجماطيقيّ عمّا كانت عليه حلقة فيينا.
وثمّة أطروحات كثيرة ناقشها المنطق الوضعيّ، لا يسعنا معالجتها في هذه المقالة المختصرة، لذا سنحاول أن نسلّط الضوء على بعضها: مشكلة الاستقراء، بداية المعرفة البشريّة، مبدأ القابليّة للتحقّق، القضيّة التركيبيّة والتحليليّة، القضايا الطبيعيّة، القضايا الرياضيّة، العبارات الفلسفيّة، العبارات الأخلاقيّة، العبارات اللاهوتيّة.
يرى فلاسفة المنطق الوضعيّ أنّ الإنسان يولد خالي الذهن من أيّ لون من ألوان المعارف الفطريّة، بخلاف ما يعتقده ديكارت أو كانط، وأنّ كلّ المعارف تحصل بالتراكم التدريجيّ، بواسطة الاستقراء كمصدر وحيد لتموين الذهن البشريّ بالمعرفة العلميّة المنحصرة بعالم الطبيعة، فالعلوم الطبيعيّة القائمة على الملاحظة الحسّيّة والتجربة هي حصرًا التي تعرّفنا على عالم الواقع.
وقد كان الاستقراء بالإضافة إلى القياس والتمثيل- منذ أن دوّن أرسطو المنطق- أحد المناهج الثلاثة العامّة للتفكير البشريّ، وينتقل فيه الذهن من الخاصّ إلى العامّ، معاكسًا حركة الاستنباط من الكلّيّ إلى الجزئيّ، مواجهًا في إنتاجه ثغرة بنيويّة في تكوينه المنطقيّ، أطلق عليها اسم مشكلة الاستقراء، تتمحور حول أنّ الاستقراء ليس مجرّد عمليّة تعداد كمّيّ لحالات جزئيّة وخاصّة، فهذا لا يفيد العلوم الطبيعيّة المطلوب فيها التقنين العلميّ شيئًا، بل هو استدلال يقوم على فحص الجزئيّات بنحو تكشف لنا عن نتيجة يمكن صياغتها بصورة قانون عامّ، يصطلح عليه: التعميم الاستقرائيّ.
والمُلاحَظ، أنّ نتيجة الاستقراء هي دائمًا قضيّة عامّة تتجاوز ميدان الملاحظة الحسّيّة والتجربة، فتكون أكبر من المقدّمات التي ساهمت في
تكوينها، وغير مستبطنة فيها، فمهما بلغت الحالات المُستقرَأة من الكثرة لن تصل إلى حدّ المسح الشامل (الاستقراء التامّ)، إذ تحُول ثنائيّة الزمكان بين العالِم وملاحظة سائر الجزئيات، التي سبقت في الماضي، أو التي ستأتي في المستقبل، ولنفترض صدق الحالات المُستقرأة، فالمشكلة: ما هو المبرّر المنطقيّ لاتّخاذها سببًا كافيًا للاعتقاد بصدق النتيجة الشاملة للحالات التي لم تخضع للاختبار الحسّيّ في أفق الزمان وعاموده، وفي كلّ مكان، وما لا يتناهى من التطبيقات؟! وعلى -حدّ تعبير برتراند رسل- على فرض أنّ القوانين الطبيعيّة كانت قائمة في الماضي باطّراد تامّ، فهل لدينا ما يُبرّر الفرض بأنّ هذه القوانين ستظلّ كذلك قائمة في المستقبل.
وخلاصة المشكلة: كيف جاز للذهن البشريّ هذه الطفرة المنطقيّة بالقفز من خبرة محدودة (هذا و ذاك، أو بعض = قضيّة جزئيّة = حاصل التركيب بين مجموعة من القضايا الشخصيّة المخصوصة) إلى تعميم الحكم (كلّ = قضيّة كلّيّة)، مُفترِضًا أنّ جميع الحالات المتشابهة لها الحكم ذاته، مع أنّ صدق «هذا» أو «بعض» لا يستلزم منطقيًّا ورياضيًّا صدق «كلّ» و«جميع» بحكم قانون التداخل؟!
يقول العلّامة الطباطبائيّ: «إنّ التشريح مثلًا، إنّما ينال من الإنسان أفرادًا معدودين، قليلين أو كثيرين، يعطي للحسّ فيها مشاهدة أنّ لهذا الإنسان قلبًا وكبدًا مثلًا، ويحصل من تكرارها عدد من المشاهدة يَقلُّ أو يكثر، وذلك غير الحكم الكلّيّ في قولنا: كلّ إنسان فله قلب أو كبد، فلو اقتصرنا في الاعتماد والتعويل على ما يستفاد من الحسّ والتجربة فحسب، من
غير ركون على العقليّات من رأس، لم يتمّ لنا إدراك كلّيّ، ولا فكر نظريّ، ولا بحث علميّ».
لا يواجه المنطق العقليّ عقدة في معالجة مشكلة الاستقراء؛ إذ يمكنه حلّها على ضوء أمرين: القبليّات العقليّة -كقانون التناقض، والعليّة، والأمثال، ونفي تكرّر الصدفة-، والمنهج الاستنباطيّ في التفكير، المبنيّ على التعليل، والمركّب من قياسين خفيّين: استثنائيّ واقترانيّ، بجعل نتيجة الاستقراء، صغرى في قياس، تتمثّل كبراه في قانون نفي تكرّر الصدفة، فيكون ثمّة مبرّر منطقيّ للانتقال من مجموعة قضايا خاصّة إلى قانون عامّ.
وهذا القياس بما يتضمّنه من ثالوث: استقراء، وقوانين عقليّة، وقياس، يسمّى في عرف المنطق العقليّ بـ«التجربة».
يقول الملّا هادي السبزواريّ: «التجريبيّات منوطة بأمرين: أحدهما: تكرّر المشاهدة، والآخر: القياس الخفيّ، وهو أنّه لو كان اتفاقيًّا ما كان دائمًا ولا أكثريًّا، ثمّ يستثنى نقيض التالي لنقيض المقدّم».
نموذج: لو جرّب باحث طبّيّ لقاح (أ) في ظروف مختلفة، على أفراد
بشريّة متعدّدة، ولاحظ في كلّ مرّة أنّ أثر هذا اللقاح هو الوقاية من كوفيد 19 مثلًا، يؤلّف قياسًا خفيًّا مركّبًا:
قياسه الأوّل: استثنائيّ اتصاليّ:
وقياسه الثاني: اقترانيّ حمليّ من الشكل الأوّل:
وثمّة ثلاثة أمور مهمّة على ضوء المنطق العقليّ:
الأوّل: أنّ التجربة شيء وراء الاستقراء؛ إذ إنّه ليس إلّا تكرارًا لمشاهدة الجزئيّات، ولذا لا يفيد تعميمًا ولا يقينًا بالنتيجة. أمّا التجربة فشكل من أشكال الاستنباط، وليست أسلوبًا مستقلًّا مقابله.
الثاني: أنّ التجربة معيار لكثير من القضايا، إلا أنّها مقياس من الدرجة الثانية، وتمّ تصنيفها من البديهيّات الثانويّة ضمن أصول اليقينيّات الستّة؛ وذلك، لأنّ مقدّمات القياس الاستثنائيّ وكبرى الاقترانيّ قضايا بديهيّة، وتشكّل البديهيّات الأوّليّة مقياسًا من الدرجة الأولى، وتتفرّع عنها معياريّة التجربة وتتكأ عليها، وما لم تتدخّل هذه القضايا إلى جانب الاستقراء في صورة قياس عقليّ، لا يتوفّر أي علم تجريبيّ على القوانين العلميّة الكلّيّة ولا تُفضي مشاهداتنا وملاحظاتنا الحسّيّة إلى التعميم.
الثالث: أنّ يقينيّة التجربة هو على مستوى الأطروحة النظريّة في بنائها المنطقيّ مع فرض صدق المقدّمات جميعها. وهذا، لا يستلزم كونها كذلك في الممارسة العمليّة، لفرض الخطأ والقصور نتيجة كثير من الظروف والملابسات التي تحفّ بالمُلاحِظ والملاحَظ.
يقول الشيخ محمّد رضا المظفّر -بعد عرضه الدليل على يقينيّة التجربيّات-: «... ثمّ لا يخفى أنّا لا نعني من هذا الكلام أنّ كلّ تجربة تستلزم حكمًا يقينيًّا مطابقًا للواقع»، وذلك لمجموعة عوامل تدخل في التجريب، مثل: حسبان ما ليس بعلّة علّة، أو جعل العلّة الناقصة تامّة، أو أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات، ويتابع قائلًا: «وسرّ خطئهم، أنّ ملاحظتهم للأشياء في تجاربهم، لا تكون دقيقة على وجه تكفي لصدق المقدّمة الثانية للقياس الاستثنائيّ المتقدّم؛ لأنّه قد يكون حصول الأثر في
الواقع ليس دائميًّا، فظنّ المُجرِّب أنّه دائميّ، اعتمادًا على اتفاقات حسبها دائميّة، إمّا لجهل، أو غفلة، أو لقصورِ إدراكٍ، أو تسرع في الحكم، فأهمل جملة من الحوادث ولم يُلاحِظ فيها تخلّف الأثر...».
نعم، رغم خطأ التجربة يمكن أن يستفاد منها ثمرة عمليّة، وقد عالج الشيخ مرتضى مطهّري -وهو من المتشدّدين في المنطق العقليّ- هذه المسألة تحت عنوان: لماذا لا تكون العلوم التجريبيّة يقينيّة؟ قائلًا: «يرجع عدم اليقين في العلوم التجريبيّة البحتة إلى أنّ فرضيّات العلوم لا تستند إلى أيّ دليل وشاهد سوى انسجامها مع الواقع العمليّ وثمرتها العمليّة، والإثمار العمليّ لا يشكِّل دليلًا على صحّة الفرض ومطابقته مع الواقع؛ إذ من الممكن أن تكون الفرضيّة خاطئة تمامًا، ومع ذلك يمكن استلال نتيجة عمليّة منها، كما هو الحال في نظريّة بطليموس الفلكيّة، فقد قرّرت أنّ الأرض مركز الكون وأنّ جميع الأفلاك والكواكب والشمس تدور حولها، ورغم خطأ هذه النظريّة أمكن أن تفاد منها نتائج عمليّة بشأن الخسوف والكسوف وغيره»، ثمّ يضرب أمثلة من الطبّ القديم، مبرّرًا كيفيّة إنتاج الخطأ لنتيجة صحيحة وواقعيّة، بقوله: «يحصل أحيانًا أن يكون لأمرين أو أكثر خصوصيّة واحدة ونتيجة واحدة، فإذا كان لأحد هذين الأمرين وجود، وافترضنا وجود الأمر الآخر، ورتّبنا حسابنا على أساسه، فسوف نستنتج من حسابنا النتيجة».
مثلًا: سواء فرضنا الشمس تدور حول الأرض كما في نظريّة بطليموس المتقدّمة، أم كانت الأرض تدور حول الشمس كما كشف العلم الحديث خطأ النظريّة السابقة، يلزم أن يَحُول القمر بينها في يوم معيّن ويتحقّق
الكسوف، وعندئذ سواء أرتّبنا حسابنا على أساس حركة الأرض حول الشمس أم حركة الشمس حول الأرض فسوف نستنتج في المحصّلة تَحقُّق الكسوف في دقيقة 30 من الساعة الواحدة ظهرًا، يوم الأربعاء من سنة كذا.
وتتقارب وجهة نظر مطهّري مع رؤية كارل بوبر حول قابليّة التكذيب، فيقول: ليس في العلوم التجريبيّة فرض ثابت ومستمرّ، «فالفرض يظهر في ميدان العلم، ويتّخذ لنفسه صورة القانون العلميّ، ثمّ يترك الميدان بعد مدّة من الزمن، فاسحًا المجال لفرض آخر يحلّ محلّه، إنّ العلم المعاصر لا يعرف قانونًا علميًّا ثابتًا لا يتغيّر ولا يعتريه الخطأ في عالم الطبيعة».
فهل يعقل أن تستغني المعرفة البشريّة عن أوّليّات فكريّة ومنطلقات ما وراء- تجريبيّة؟ وهل يمكن أن يؤدّي الاستقراء إلى توليد نتيجة ما لم يستند إلى قبليّات عقليّة؟
في المنطق الوضعيّ، ثمّة أطروحتان نظريّتان:
أطروحة برتراند رسل:
الأولى: أنّ التعميم الاستقرائيّ لا يستغني عن افتراض وجود مصادرات تسبق الاستقراء، وتثبت بصورة مستقلّة عن التجربة. لكن، لا بالمعنى الذي يذهب إليه المنطق العقليّ. وقد تبنّى بعض الوضعيّين الجدد هذا المبدأ.
وقد صرّح رسل بضرورة إرجاع الاستقراء إلى أساس غير تجريبيّ، سمّاه «مبدأ الاستقراء»، بأنّ ما يَصْدُق على بعض أفراد النوع الواحد، يصدق كذلك على بقيّة أفراده، أو ما يسمّيه رسل «الاطّراد في وقوع
(39)النمطيّة الطبيعيّة» -ليس هو إلا قانون الأمثال الفلسفيّ بصياغة ثانية-، وبعبارة أخرى: إذا وُجِد شيئان مقترنان مرّات كثيرة، ولم تُعرَف أيّ حالة لا يقترن فيها حدوث أحدهما بحدوث الآخر، يتيح حدوث أحدهما توقّّع حدوث الآخر، وبذلك يمكن التعميم، ولا بدّ من وجهة نظر رسل، من قبول هذا المبدأ على أساس التسليم بصحّته مسبقًا، فنعتبره دالًّا على صدق نفسه بنفسه، وإلا ما لم نفترض صحّة هذا المبدأ فإنّنا نبحث عبثًا عن تفسير يبرّر لنا التعميم، وتوقّع حوادث المستقبل قبل وقوعها على أساس خبرة الماضي.
يقول رسل: «... لكن، هذا المبدأ غير قابل أيضًا لأن تثبت صحّته باللجوء إلى التجربة، ويمكن تصوّر أنّ التجربة تؤكِّد صحّة المبدأ الاستقرائيّ فيما يخصّ الحالات التي امتُحنت وغُربلت قبلًا، أمّا فيما يخصّ الحالات غير المغربلة، فإنّ المبدأ الاستقرائيّ وحده هو الذي يمكن أن يُسوِّغ الوصول إلى استدلال حول تلك الحالات غير المغربلة، بناء على الحالات التي تمّ غربلتها، فجميع ضروب التدليل التي تحكم على المستقبل اعتمادًا على التجربة أو على ما لم يمكن من أجزاء الماضي أو الحاضر، تفترض صحّة المبدأ الاستقرائيّ، ومن ثمّ لا نستطيع أن نستخدم التجربة لإثبات المبدأ الاستقرائيّ من دون أن نفرض صحّة ما نريد إثباته. ولذلك، يلزمنا أن نُسلِّم بالمبدأ الاستقرائيّ بناء على صحّته ذاتها، وإمّا أن نتجاوز كلّ تبرير لتوقّعاتنا عن المستقبل... وعلى هذا، فإنّ كلّ معرفة تنبئنا
(40)بناء على التجربة، بأمر ما عن شيء ما لم يقع في تجاربنا، هي معرفة قائمة على اعتقاد لا تستطيع التجربة أن تثبته أو تدحضه، ومع ذلك فهو اعتقاد يبدو، على الأقلّ في تطبيقاته الخاصّة الحسّيّة شديد الرسوخ فينا، مثل شدّة رسوخ كثير من حقائق التجربة نفسها».
الأطروحة الثانية: ليس من الضروري أن يكون للمعرفة البشريّة بداية أوّليّة تنطلق منها، وبعبارة أخرى، يمكن أن نعتمد في أحكامنا الاستقرائيّة على التجربة الحسّيّة وحدها دون الرجوع إلى أيّ مبدأ لا تكون التجربة منبعه؛ وذلك أنّ العلوم الطبيعيّة كلّها قائمة على قانون الترجيح لا اليقين، حيث لا يمكن تحصيل اليقين إلاّ في القضايا التكراريّة -سيأتي بحثها- التي لا تقول شيئًا جديدًا؛ كقضايا الرياضة، أمّا القضايا الخبريّة فصدقها احتماليّ.
ويظهر من تتبّع كلمات الوضعيّين أنّ التعميم الاستقرائيّ لا يتمتّع باليقين الرياضيّ أو المنطقيّ وإنّما أقصى ما يفيده هو اليقين العمليّ، أو الصحّة الأمبريقيّة على حدّ تعبير كارناب، ولذا يقول فايجل: «الحكم الاستقرائيّ يعبّر عن الجانب الوقائعيّ العامّ للواقع، وهذا الحكم نقبله كفرض»، ويقول شليك: «الاستقراء لا شيء في ذاته، ولكنّه من الناحية الميثودولجيّة يعتبر مُرشِدًا للتخمينات في العمليّات السيكولوجيّة والبيولوجيّة التي لا يستطيع المنطق أن يفعل إزاءها شيء ما».
قد يقال، بناء عليه، ثمّة حدّ أدنى من التوافق بين المنطقين العقليّ والوضعيّ في لا يقينيّة التجربة، والجواب، أنّ البحث ليس في الممارسة العمليّة، بل في تكوينها المنطقيّ، فالعقليّون يعتقدون أنّه مع فرض صدق
المقدّمات فالتجربة تفيد اليقين، أمّا الوضعيّون فيفترضون لا يقينيّتها في بنائها المنطقيّ.
وقد عارض ريشنباخ ما يذهب إليه كارناب وزملاؤه الآخرون حين يحاولون البحث عن اليقين، فبرأيه إنّ الاستقراء لا يمكن له توليد اليقين، بل أقصى ما يفيده الترجيح وتنمية قيمة الاحتمال. [وقد تبنّى زكي نجيب محمود من الوضعيّين العرب هذه الأطروحة ودافع عنها بقوّة].
وفي هذا السياق، ينظر ريشنباخ إلى المنطق التقليديّ على أنّه خطأ كلّه؛ لأنه يفرض أنّ الكلام إمّا صادق مطلقًا وإمّا كاذب مطلقًا، مع أنّه لا وجود لهما في القضايا العلميّة، وإنّما يصدق الكلام أو يكذب بدرجة معيّنة من درجات الاحتمال، فما الصدق والكذب إلا حدّان أعلى وأدنى، تقع بينهما درجات الاحتمال المتفاوتة، دون أن يكون الحدّان الأعلى والأدنى درجتين من تلك الدرجات، فلا بدّ من هدم المنطق القديم ذي القيمتين -الصدق والكذب المطلقين- وبناء منطق جديد يتّسع للتفاوت في قيم الاحتمالات؛ وهي كثيرة.
حاول ريشنباخ وضع نظريّة منطقيّة تقوم على الاستغناء عن وجود بداية للمعرفة البشريّة، بافتراض وجود متراجعة غير متناهية، وتتمحور أطروحته حول ثلاث قضايا:
الأولى: أنّ جميع المعارف البشريّة احتماليّة لا موقع لليقين فيها.
(42)الثانيّة: أنّه يمكن تفسير هذه المعرفة الاحتماليّة على ضوء نظريّة الاحتمال.
الثالثة: أن يؤخذ الاحتمال بمعنى التكرار، ويفترض أنّ نسبة التكرار في الماضي ثابتة في المستقبل.
وبناء على هذه الفروض الثلاثة، «يصبح أيّ احتمال معبّرًا عن نسبة تكرار معيّنة وتحديد تلك النسبة يقوم على أساس الاحتمالات، هي بدورها تعبّر عن نسب تكرار معيّنة، وهكذا نتراجع باستمرار دون حاجة إلى افتراض نهاية لهذا التراجع».
النقطة الأولى التي يمكن تسجيلها على أطروحة ريشنباخ أنّها محاولة إعادة إحياء للمنطق السوفسطائيّ بمعناه الواسع.
وتستدعي معطى يخالف ما يمارسه الإنسان السويّ في تجاربه الحياتيّة اليقينيّة، «وماذا عسانا نقول لمن ينكر علمه بأنّه إذا أكل فسوف يشبع، وإذا قطع رقبة ابنه فسوف يموت، وإذا وضع كوبًا من ماء على الموقد المشتعل فلن يحدث فيه الانجماد؟!... ويرى أنّ الاستقراء المديد في تاريخ البشريّة لا يكفي للعلم بذلك، إذا لم يكن الإنسان مسرفًا في اعتقاده!».
الثانية: أنّ قوله: كلّ معرفة بشريّة احتماليّة، قانون عامّ يشكّل مصادرة قبليّة، إلا إذا فرض أنّ احتماليّة المعرفة احتماليّة أيضًا، فيدور في فضاء الاحتمالات.
وتبقى النقطة الأساس في مناقشة أطروحة المتراجعة غير المتناهية، بافتراض امتناعها المنطقيّ ذاتًا، أو لا أقلّ امتناعها الوقوعيّ، بمعنى عدم إمكانيّة تحقّق المعرفة البشريّة رأسًا دون منطلقات قبليّة؛ لأنّها إذا
(43)فُرضت على نحو التوليد والاستنتاج -سواء أكانت بطريقة استنباطيّة أم استقرائيّة-، فما لم نفترض أيضًا بداية حقيقيّة للمعرفة (أ)، لا يمكن أن توجد تلك المعرفة (أ) أصلًا، لتوقّف تحقّقها على حصول عدد لا نهائيّ من المعارف، فتتسلسل المعارف من دون التوصّل إلى نقطة تنتهي عندها، لتبدأ منها، وهذا يساوق عدم حصول أيّ معرفة.
لذا، افترض المنطق العقليّ استحالة التسلسل في المعارف البشريّة ما لم تتوقّف عند بداية بديهيّة أوّليّة. مضافًا إلى أنّ المعرفة الاحتماليّة كما أثبتت مباحث السيّد الصدر حول الاستقراء لا يمكن تصوّرها إلا إذا كانت مسبوقة بعلم إجمالي؛ لأنّه لا يمكن تفسير المعرفة الاحتماليّة إلا إذا كانت قائمة على أساس نظريّة الاحتمال بما تتضمّنه هذه النظريّة من بديهيّات يؤدّي تطبيقها إلى إعطاء النتيجة المطلوبة، وهذا ما لا يحصل إلا إذا كان هناك علم ويقين إجماليّ.
وفي المحصّلة، ثمّة قسمان من المعرفة يشكّلان بداية المعرفة، ومن دونها لا تحصل أيّ معرفة حتّى الاحتماليّة.
الأوّل: المعرفة التي تفترضها بديهيّات نظريّة الاحتمال.
الثاني: المعرفة بالخبرة الحسّيّة ذاتها، فالإنسان عندما يحسّ بموضوع ما، كأن يشاهد الشمس، فإنّ الشمس موضوع المشاهَدة مُستدَلّ على تحقّقها بطريقة استقرائيّة، أمّا المشاهدة ذاتها فهي معرفة ابتدائيّة أوّليّة، وليست مستدلّة استقرائيًّا.
تبيّن ممّا تقدّم أنّ القضيّة العلميّة في الاتجاه الوضعيّ إمّا أن تتمتّع باليقين أو بدرجة من الاحتماليّة العالية في التصديق تتناسب طرديًّا مع تراكم الشواهد المتمركزة حول محور واحد. وتحظى القضيّة العلميّة -مع فرض صدق المقدّمات- على ضوء المنطق العقليّ بدرجة قد تبلغ اليقين. وهذا يعني، أنّ الاحتمال الأعلائيّ يشكّل نقطة التقاء بين العقليّين والوضعيّين على الحدّ الأدنى من درجات التصديق لقضايا العلوم الطبيعيّة.
والسؤال: على ضوء أيّ المنهجين يمكن إيجاد تبرير منطقيّ لهذا الحدّ الأدنى من التصديق؟
يقوم المنطق الوضعيّ على أساسين: الأوّل: نظريّة الاحتمال.
الثاني: تطبيق هذه النظريّات في ميدان الاستقراء.
وتحتاج نظريّة الاحتمال إلى نوعين من القضايا: رياضيّة، وغير رياضيّة.
والقضايا غير الرياضيّة، إمّا أن تُفترض:
1. مستمدّة من التجربة كما هو رأي الوضعيّة. وهنا ستعجز عن تطبيق نظريّة الاحتمال؛ لأنّ ما فرض قواعد قبليّة يعتمد عليها الدليل الاستقرائيّ كبديهيّات لمنطق الاحتمال تصبح هي ذاتها بحاجة إلى أسس لتنمية قيمها الاحتماليّة، فيدور الأمر في حلقة مفرغة، أو يتسلسل لا نهائيًّا بنحو لا يمكن توليد المعرفة كما تقدّم.
2. فيبقى، أنّها بديهيّات مستقلّة عن التجربة. وهذا لا يتناغم إلّا مع المنطق العقليّ، فيكون هو الأقدر على إعطاء صيغة منطقيّة لتفسير التصديق بالقضايا العلميّة الطبيعيّة.
أمّا افتراض هذه المصادرات على الطريقة التي اعتمدها رسل بأنّها مستقلّة عن التجربة ولكنّها غير عقليّة بالمعنى الذي يذهب إليه المنطق
العقليّ بل أقرب ما تكون حدسيّة، فهو مجرّد تفنّن أدبيّ في التعبير لا يغيّر الوقائع.
هذا مضافًا، إلى أنّ قضيّة: التجربة هي المصدر الأساس لكلّ المعارف البشريّة، إمّا أن نعتبرها معرفة عقليّة أوّليّة مستقلّة عن التجربة، وبذلك ينهار أساس المبنى الوضعيّ. وإمّا أن نفترضها مستمدّة من التجربة، وهذا يعني وجود مصادرة قبليّة مفترضة، تستلزم أن تكون التجربة برهانًا على صحّة ذاتها! وكيف يمكن ذلك ما دامت التجربة السابقة غير مضمونة الصدق حسب الفرض؟!!
وإذا اعتبرها المنطق الوضعيّ قضيّة محتملة تنمو بتراكم الشواهد، فحينها لا يمكن له تأكيدها بنحو تامّ؛ لأنّ أيّ تعميم لمعطيات التجربة المُنطلِق من قضيّة احتماليّة لن يحظى إلا بدرجة احتماليّة من التصديق، وهذا يعني في الوقت عينه احتمال أن يكون المنطق العقليّ على حقّ.
فمع فرض إنكار المنطق العقليّ لا يكون ثمّة قيمة منطقيّة لأيّ قضيّة طبيعيّة أو قانون علميّ؛ لأنّه لا يمكن عزل إنتاج المعرفة في العلوم الطبيعيّة عن بعض القضايا الأوّليّة والضروريّة.
فلولا قانون التناقض لكان ناتج كلّ استدلال تجريبيّ حاملًا لبذرة نقيضه في داخله، بمعنى أنّه لا يمكن أن تتمتّع أيّ نظريّة بالصدق -ولو النسبيّ-؛ لاحتمال كذبها بنحو مساوٍ، والنقيضان كما لا يجتمعان يقينًا لا يجتمعان احتمالًا.
ولولا قانون الأمثال، لما كان حصل التقنين العلميّ في العلوم الطبيعيّة؛
لأنّ القانون بمعنى إعطاء حكم جزئيّ خضع للملاحظة، لجزئيّ آخر لم يخضع لها، لا يمكن أن يقوم إلا على أساس قانون الاطّراد في الطبيعة، وليس هو إلا تعبير آخر عن قانون الأمثال الميتافيزيقيّ.
ويتأكّد الأمر بالنسبة لقانون السببيّة بمفهومه العقليّ، يقول السيّد الصدر: «إذا انطلقنا في دراسة الدليل الاستقرائيّ من مفاهيم المنطق التجريبيّ، فسوف يؤدّي بنا ذلك لا إلى إنكار العلم بالقضيّة الاستقرائيّة فحسب، بل إلى إنكار أيّ درجة من درجات الترجيح للقضيّة الاستقرائيّة على أساس الاستقراء. [فـ] حساب الاحتمال لا يمكن أن يؤدّي إلى ازدياد قيمة احتمال القضيّة الاستقرائيّة واقترابه من اليقين، إلّا إذا أدّى في الوقت نفسه وبالدرجة نفسها إلى ترجيح فرضيّة السببيّة بمفهومها العقليّ، أي أنّ المفهوم العقليّ للسببيّة الذي يستبطن الضرورة شرط أساسيّ لنموّ الاحتمال بالقضيّة الاستقرائيّة».
وعليه، يكون المنطق الوضعيّ أمام تردّدين لا يجتمعان: إمّا الإقرار بقانون السببيّة بمفهومه العقليّ، وإمّا العجز عن تبرير التعميم الاستقرائيّ منطقيًّا.
من الأبحاث المهمّة في المنطق التقليديّ تحديد معنى القضيّة كونها الوحدة الأولى للتفكير، وهي: المركّب التامّ الخبريّ الذي يصحّ وصفه بالصدق أو الكذب. وبذلك تخرج المفردات، والمركّبات الناقصة وشبه الجملة، وجميع العبارات الإنشائيّة وإن كانت مركّبات تامّة، كالسؤال والتمنّي والأمر والنهي... عن كونها قضايا بالمعنى المنطقيّ. ويظهر من المنطق الوضعيّ تبنّيه هذا المفهوم للقضيّة، إنّما وقع النقاش في معنى
قيمتي الصدق والكذب، الداخلتين في التعريف، وتحديد معاييرهما.
تنقسم القضيّة إلى أقسام كثيرة، ركّز المنطق الوضعيّ على اثنين منها كان قد اعتمدهما عمانوئيل كانط:
الأوّل: القضيّة التركيبيّة، وهي ما لا يكون المحمول فيها من أجزاء الموضوع وعناصره، بحيث إذا عرّفنا الموضوع لا يكون مشتملًا على مفهوم المحمول، ولذا فإنّها تضيف إلى الإنسان معرفة جديدة عن الموضوع، مثل: هذه القطعة من الحديد تمدّدت بالحرارة، فالتمدّد بالحرارة لا يدخل في مفهوم الحديد إذا أردنا تعريفه، بل هو خارج عنه مضاف إليه، وكافّة قضايا العلوم الطبيعيّة تركيبيّة.
الثاني: القضيّة التحليليّة، ويستخرج فيها المحمول من بطن الموضوع بالتحليل، بنحو يكون أحد أجزائه أو عناصره، ففرض الموضوع يستلزم المحمول، كما في قولنا: «الخطّ كمّ»، فإنّ الكمّيّة جزء مفهوم الخطّ وليست شيئًا جديدًا أضيف إليه، وبالتالي لا تكوّن القضايا التحليليّة معرفة جديدة عن الموضوع، وإنّما هي مجرّد عمليّة تكرار لعناصره كلًّا أو بعضًا، وإبراز لها بشكل صريح.
ولذا، تكون القضايا التحليليّة عند الوضعيّة تحصيل حاصل، وهو عبارة عن تكرار شيء واحد مرّتين، أي وضع ما نعرفه عن الموضوع في صياغة جديدة، دون أن يحتوي معرفة جديدة عن شيء ما في الطبيعة حتّى
(50)يجوز أن يصيبها أو يخطئها، وعليه فهي يقينيّة، وليست في معرض الخطأ من باب السالبة بانتفاء المحمول.
يرى المنطق الوضعيّ أنّ الخبرة الحسّيّة هي الأساس في تكوين معنى القضيّة. وقد ربط ذلك بثلاثة طرق:
الأوّل: أنّ كلّ مفردة لا تمكن الإشارة إليها حسّيًّا، هي غير مفهومة. وبالتالي، إذا دخلت هذه المفردة في تركيب جملة ما، تكون سببًا في خواء معناها، وهذا يعني أنّ القضيّة إنّما تكتسب معناها فيما لو كانت جميع المفردات المركّبة منها لها مدلول في الخبرة الحسّيّة.
وهذا الطريق ليس جديدًا، بل هو تعبير عن طبيعة المذهب التجريبيّ منذ أن اعتبر ديفيد هيوم أنّ كلّ فكرة هي نسخة من انطباع حسّيّ.
وقد التفت المنطق الوضعيّ إلى إشكاليّة هذا المعيار -إذ بإمكان الذهن البشريّ تركيب مجموعة تصوّرات مستمدّة من الحسّ في جملة واحدة، وإن لم يكن لها مصداقًا واقعيًّا في الطبيعة، فإمّا أن يبطل هذا المعيار، وإمّا أن يكون للعبارات الميتافيزيقيّة التي لها مناشئ حسّيّة معنى-، ولذا، رمّمه بالطريقين الثاني والثالث.
الثاني: أن يختلف ما نتصوّره في خبرتنا الحسّيّة من معنى القضيّة التركيبيّة حال صدقها عنه حال كذبها، وإلا كانت الجملة كلامًا فارغًا.
وكنموذج على ذلك: الحديد يتمدّد بالحرارة، فالواقع له كيفيّة حسّيّة خاصّة مع فرض صدق هذه الجملة، ويكون له معطى آخر لو فرض كذبها. أمّا إذا قلنا: إنّ للبرتقالة جوهرًا ثابتًا في ذاته غير ما نختبره بحواسنا من لونها وطعمها ورائحتها... فعلى فرض صدق هذه العبارة لو حاولْتَ
أن تتصوّر البرتقالة في حالة وجود جوهر لها غير ما تدركه حواسك، ثمّ حاولت أن تتصوّرها في حالة عدم وجود هذا الجوهر، فلن تجد اختلافًا بين الصورتين الذهنيّتين، وعليه لا معنى لهذه العبارة؛ لانعدام الصورة التي تمكّننا من تبيّن صدقها أو كذبها، ما دمنا لم نجد في الصورة التي رسمناها لحالة الصدق شيئًا يميّزها عن الصورة التي رسمناها لحالة الكذب.
وعليه، يتمايز الطريق الثاني عن الأوّل، فلو افترضنا هذه القضايا الثلاثة المستمدّة من الخبرة الحسّيّة ذات معنى: زيد له حياة، زيد غير خالد، هناك جسم، ثمّ ركّبنا منها جملة جديدة ليس لها مصداق في خبرتنا الحسّيّة: هناك حياة بغير جسم، فبناء على الطريق الأوّل تكون هذه العبارة الميتافيزيقيّة ذات معنى، أمّا بناء على الثاني فلا يكون لها معنى.
الطريق الثالث: ويشكّل المعيار الجوهريّ، حاصله: أنّ القضيّة التركيبيّة إنّما تكتسب معناها منطقيًّا فيما إذا كانت تحمل إمكانيّة التحقّق منها وإثباتها حسّيًّا، وكلّ مركّب لفظيّ خلاف ذلك فهو كلام غير مفهوم.
فما دام قد اشترط في تعريف القضيّة إمكانيّة وصفها بالصدق أو الكذب، فلا بدّ من توفّر طريقة ممكنة للتحقّق من ذلك، فقولنا: «إنّ الحديد يتمدّد بالحرارة» قضيّة منطقيّة؛ لأنّه يمكن للإنسان أن يمتلك معيارًا يمكّنه من الحكم على هذه الجملة صحّة وخطأً، وذلك بأن يلجأ إلى الطبيعة في نطاق خبرته الحسّيّة فيضع حديدة على درجة حرارة معيّنة ثمّ يتأكّد من تمدّدها أو عدمه، فإن طابق مضمون القضيّة ما هو واقع في الطبيعة كانت القضيّة صادقة، وإلا فهي كاذبة.
إذًا، يمكن تصوّر أن يكون للجملة معنى على هدي الطريقين الأوّل والثاني، كما في قولنا: هناك نجمة انطفأ ضوؤها منذ ملايين السنين،
(52)ولكنّها لا تكون ذات معنى بناء على هذا المعيار الثالث؛ لأنّه لا يمكن التثبّت من هذه القضيّة بالخبرة الحسّيّة المباشرة.
وهكذا يكون معنى القضيّة، وكيفيّة إثبات صدقها مترادفان، وهو ما يعني حسب مبدأ ليبنتز «اللّامتمايزات» إنّ طريقة التحقّق والمعنى هما شيء واحد والأمر ذاته. «فما يستحيل علينا أن نثبت صدقه من القضايا، لا يكون ذا معنى على الإطلاق، إنّنا إذا سألنا: ما معنى هذه العبارة؟ كان سؤالنا معناه بصيغة أخرى: كيف يمكن أن نحقّق هذه العبارة؟ أي ما نوع الحاضرات الحسّيّة التي نتقبّلها من الخارج لو كانت العبارة صادقة؛ ذلك لأنّ أيّة قضيّة تركيبيّة هي «صورة للواقع»».
نعم، اعتبر هانز ريشنباخ بناء على نظريّته السابقة، أنّ القضيّة إنّما تعتبر ذات معنى حين يكون ممكنًا تحديد درجة احتمالها، أي التحقّق من احتمالها.
وقد ميّز كارناب بين نوعين من التحقّق، المباشر، وغير المباشر.
ومعيار التحقّق المباشر هو الإدراك الحسّيّ المباشر، فإذا كان ثمّة ما يقابل العبارة في عالم المشاهَدة فهي صادقة، وإلا فكاذبة، فمثلًا عبارة: «هذا المفتاح بيدي لونه أحمر»، فانظر في يدي، فإذا وجدته أحمر، فالعبارة صادقة.
أمّا التحقّق غير المباشر، فيحصل في العبارات التي ليس لها مدلول مطابقيّ مباشِر في عالم المشاهدة، كعبارة: «هذا المفتاح مصنوع من الحديد»، ومع ذلك، هناك وسائل تجريبيّة عدّة للتحقّق من صدق العبارة، كأن أُقرِّب المفتاح من مغناطيس ما، فأشاهد انجذابه إليه، وأقيم استدلالًا منطقيًّا على ذلك، مركّبًا من عدّة مقدّمات، للوصول إلى النتيجة، ثمّ أكرّر استخدام هذه الوسيلة، باستخدام مغناطيس ثانٍ وثالث...، ثمّ أستعمل
وسائل تجريبيّة أخرى، من أجل التحقّق من صدق هذه العبارة.
يقول كارناب (في مقاله: الفلسفة والتركيب المنطقيّ، ص426): «إذا كانت نتائج جميع هذه التجارب إيجابيّة، فإنّ يقين القضيّة أو العبارة يتزايد تدريجيًّا، وقد نصل بسرعة في تجاربنا إلى حدٍّ نكتفي معه باليقين نُشدانًا لتسهيلات عمليّة، لكنّنا لن نصل إلى اليقين المطلق أبدًا... ولهذا، فهناك دائمًا إمكانيّة قائمة، وهي إمكانيّة أن نجد في المستقبل مثالًا سلبيًّا، مهما كانت درجة احتمال العثور على هذا المثال صغيرة».
ويصرّح موريتز شليك (في مقاله: المعنى والتحقيق، ص45)، أنّ ما يقصده الوضعيّون بالتحقّق هو مجرّد «إمكانيّة التحقيق»، ويفرّق بين نوعين من الإمكانيّة: التجريبيّة أو الحسّيّة، والإمكانيّة المنطقيّة، ويختار أنّ المقصود هو المنطقيّة، أي إمكانيّة وصف الواقعة في جملة أو جمل.
إذًا، لا يشترط في اكتساب القضيّة لمعنائيّتها أن تكون طريقة التحقيق فعليّة، بل يكفي أن تكون هنالك طريقة ممكنة للتحقيق من الوجهة النظريّة، لكي يكون الكلام مقبولًا منطقيًّا، فقضيّة: إنّ تربة المرّيخ تتكوّن من العناصر أ+ج+د، هذه قضيّة منطقيّة؛ لأنّه لو افترضنا افتقاد الوسيلة التي تمكّننا من التحقّق من صدقها لحظويًّا وفعلًا، فبإمكاننا تصوّر المعطيات الحسّيّة التي تحصل للمشاهِد لو كانت القضيّة صادقة، فما دام تكوين الصورة المتوقّعة ممكنًا نظريًّا، فمن الناحية المنطقيّة لا يهمّ كثيرًا بعد ذلك أن يكون إمكان
(54)مطابقة الصورة المرسومة للواقع ممكنًا فعلًا أو غير ممكن.
فكذب القضيّة القابلة للتثبّت من خطئها في الطبيعة، لا يخرجها عن كونها قضيّة بالمعنى المنطقيّ؛ لأنّها ذات معنى.
وهنا، ينفتح باب التمييز بين القضيّة العلميّة الكاذبة، والجملة الزائفة والفارغة من المعنى، فالمنطق الوضعيّ يرى وجود نحوين من العبارات التي تتمثّل في صور نحويّة:
الأولى: العبارات ذات المعنى (Meaningful) وليس (Has a meaning) أي لها معنى، فالأولى تُظهِر أنّ المعنى ليس شيئًا يضاف إلى العبارات، بل صفة تتّحد بطبيعة العبارة. وهي إمّا العبارات التركيبيّة كقضايا العلوم الطبيعيّة، وإمّا العبارات التحليليّة كالمنطق والرياضيّات.
والثانية: العبارات الزائفة، أو الخالية من المعنى[4] ومنها جميع العبارات الفلسفيّة والأخلاقيّة واللاهوتيّة -الدينيّة والنفسيّة- الوجدانيّة، فهي ليست قضايا كاذبة، بل كلامًا غير مفهوم أصلًا؛ لأنّه ليس من الممكن فيها اللجوء إلى الطبيعة للتحقّق منها بالخبرة الحسّيّة.
وهكذا، تخرج التجربة الدينيّة والحدس الأخلاقيّ عن أن تكون مصادر للمعرفة، كما يخرج علم النفس الفلسفيّ بل عموم الدراسات النفسيّة غير القائمة على منطق الملاحظة الحسّيّة من حقل العلوم، وتكون الوضعيّة فيما يتعلّق بموضوعات علم النفس أقرب إلى المدرسة السلوكيّة.
(55)وبناء عليه، -إذا أردنا أن نستعير تعبير تشارلز بيرس- يحصل التمييز بين المشكلات الحقيقيّة والمشكلات الزائفة، بأنّ الأولى تحتمل الحلّ، إن لم يكن الآن، فقد يكون ذلك في المستقبل؛ لأنّها تصاغ في عبارات يكون لها دلالة في عالم الطبيعة، أمّا الثانية فيستحيل حلّها؛ لأنّها تحتوي عبارات غير ذات معنى؛ لأنّ موضوعها لا يدخل في ميدان الخبرة الحسّيّة فعلًا أو إمكانًا. ولذا، يعتبر أنّ كلّ عبارة ميتافيزيقيّة هي إمّا خالية من المعنى أو أنّها مضلّلة، وبالتالي ينبغي استبعادها، بحيث لا يبقى في الفلسفة إلا المشكلات التي يمكن البحث عنها باستخدام منهج الملاحظة الحسّيّة.
بهذه الروحيّة، تفحّص الوضعّيون الجدد المشكلات الفلسفيّة، واصفين لها بالزائفة، وأنّ محاولة حلّها مضيعة للوقت، معتبرين الفلسفة -كما يقول فتجنشتين- هي: «التوضيح المنطقيّ للأفكار»، وبالتالي لا تكون الفلسفة علمًا، بل مجرّد نشاط، ينحصر في تحليل لغة العلم باستخدام المناهج المنطقيّة.
فإنّ كان ثمّة نشاط للفلسفة خارج العلم فهو نشاط خادم، -كما يرى رسل- يقتصر على فتح المجال أمام العلم في بحث المشكلات التي لم
(56)يتوصّل بعد إلى دراستها دراسة علميّة، فعلى الفلسفة أن تثير المشكلات لا أن تجد حلًّا لها.
وبالتالي، إنّ اللغة الوحيدة التي يمكن أن تكون ذات معنى هي لغة علم الطبيعة، وينبغي توحيد كلّ العلوم تحت هذا اللواء، من هنا تأتي فكرة الوضعيّين الجدد عن اللغة الموحّدة أو العلم الموحّد.
فثمّة نوعان من المعارف المشروعة عند الوضعيّة: الأولى ترتبط بصور الفكر ومنشآت اللغة، والثانية ترتبط بظواهر الواقع ومعطيات التجربة، وبما أنّ المعارف العلميّة ترتدّ إلى ما نقوله عن الأشياء الواقعيّة، يصبح من الضروريّ إخضاع اللغة، أي حديثنا عن الأشياء لتحليل منطقيّ صارم، حتّى تعبّر عمّا تقدّمه لنا التجربة بشكل دقيق وواضح ومحدّد، وعليه يصبح موضوع الفلسفة لا الأشياء نفسها والواقع ذاته، بل الكيفيّة التي نتحدّث بها عنها، ممّا يجعلها «فلسفة علميّة»، أو «منطق العلم»، أي تحلّل لغة العلم منطقيًّا، فالتفكير الفلسفيّ يقتصر على فحص اللغة التي تعبّر بها العلوم التجريبيّة، فحصًا منطقيًّا دقيقًا لفهمها ورفع أيّ التباس معنائيّ فيها.
وقد أخذ منهج التحليل حيّزًا مهمًّا في الوضعيّة، ويقوم التحليل عند جورج مور على ترجمة العبارة الغامضة المراد تحليلها إلى عبارة أخرى مرادفة لها أوضح منها. وهنا، يختلف مع صديقه رسل الذي يرى أنّ التحليل هو ترجمة العبارة إلى صيغ منطقيّة. فمور يهدف إلى الأوضح باللغة، أمّا رسل يريد الأدقّ بالمنطق.
لذا، يُرجِع مور المشكلات الفلسفيّة إلى «سبب غاية في البساطة؛ وهو محاولة الإجابة عن الأسئلة المطروحة دون أن نتبيّن أوّلًا، وعلى نحو
دقيق، حقيقة السؤال الذي سنجيب عنه»، مؤكّدًا على أنّ الفلاسفة لو حاولوا قبل الشروع في الإجابة بتحليل الأسئلة التي يطرحونها لاكتشاف معناها الحقيقيّ، لكانت هذه المحاولة كافية لضمان النجاح، وسوف تختفي معظم المشاكل الخادعة والخلافات الفلسفيّة، فغموض المعنى هو مصدر اضطراب في البحث الفلسفيّ.
هكذا، جعل الوضعيّون المنطقيون العلم هو النشاط العقليّ الأوحد، محاولين الحيلولة دون اختراقه ميتافيزيقًا، بحيث يتسلّل إليه أيّ مفهوم غير تجريبيّ. وينقسمون بين فئتين: فئة العلماء، وفئة فلاسفة العلم، الأولى وظيفتها جمع المعطيات ووضع النظريّات، والثانية تقوم بالتحليل المنطقيّ لمساعدة العلم على التقدّم والتطوّر، فتغدوا الفلسفة بأسرها علم لا متّسع فيها للميتافيزيقيّ والأخلاقيّ والجماليّ....
يقول كارناب (في مقاله: دائرة فيينا لا تمارس الفلسفة) ما معناه: إنّنا نرفض معالجة المشاكل التقليديّة التي درج الفلاسفة على مناقشتها، فالمذاهب الفلسفيّة القديمة: واحديّة أو ثنائيّة أو كثريّة، روحيّة أم مادّيّة، كانت كلّها تعالج ماهيّة الوجود والواقع والطبيعة أو جوهرها. لكن هذه الأسئلة كلّها لم يعد لها وجود، أو مبرّر، عند الوضعيّين. ونرفض كذلك الأسئلة التي كانت تدور حول المعرفة وقيمتها، والتي كانت تتولّى الإجابة عنها مدارس الواقعيّة، والمثاليّة، على اختلاف أنواع هذه الأخيرة: الذاتيّة منها والموضوعيّة والشارطة (الترنسندنتاليّة) والوضعيّة. ونرفض أيضًا الأسئلة التي كانت تدور حول تقييم المعايير الأخلاقيّة، والتي اهتمّت بها مدارس المثاليّة ومدارس المنفعة ومدرسة الحدس الأخلاقيّ.
إذًا، ما هي الفلسفة عند الوضعيّة المنطقيّة؟ يجيب كارناب، بأنّها علم المنطق، أي المنطق الرمزيّ والرياضيّ، منطق العلوم، والذي هو عبارة عن تحليل الحدود والقضايا والنظريّات الموجودة في مختلف العلوم التجريبيّة تحليلًا منطقيًّا، كتحليل الاحتمال والحتميّة والسببيّة لا في صورتها الميتافيزيقيّة بل المنطقيّة، بل حتّى الإبستمولوجيا والأسئلة المعرفيّة ينظر إليها كارناب على أنّها فرع من التحليل المنطقيّ.
بناء على ما تقدّم، حذفت الوضعيّة العبارات الأخلاقيّة عن أن تكون قضايا، وبالتالي أخرجت الأخلاق من ميدان العلوم؛ وذلك لأنّها تتناول مضامين إنشائيّة تتعلّق بالأمر والنهي والوجوب واللاوجوب، فهي لا تحكي ما هو كائن في الطبيعة، بل ما ينبغي أن يكون أو لا يكون من الأفعال الإراديّة للإنسان، وبالتالي ليس ثمّة واقع وراءها تطابقه كي يصحّ وصفها بالصدق أو الكذب، إذ معنى الصدق هو: ما يطابق الواقع، والكذب بخلافه.
يقول فتجنشتين: «إنّ كلّ شيء في العالم هو كما هو واقع، يحدث كما يحدث، وليس بين الأشياء الواقعة شيء اسمه القيمة. ومن هنا، استحال أن يكون ثمّة قضايا أخلاقيّة؛ لأنّ القضايا لا تصف ما هو أسمى من الواقع».
لذلك، يخاطب كارناب الذين يؤمنون بعلم الأخلاق وضرورة البحث الفلسفيّ فيه: لا تخدعونا؛ لأنّ القيمة التي تقول: «القتل شرّ»، ليست إلا صيغة أخرى للأمر الذي يقول: «لا تقتل»، والأمر شبيه بهذا في القيم الجماليّة.
(59)إن كان مقصود المنطق الوضعيّ، أنّ العبارات الأخلاقيّة لا واقع لها في الوجود العينيّ، فقد سبقهم إلى ذلك فلاسفة المنطق العقليّ، ولذا صنّفوها في المنطق في باب المشهورات بالمعنى الأخصّ، وهي القضايا التي لا عمدة لها في التصديق بها إلا الشهرة وعموم الاعتراف بها.
مع ذلك، هذا التصنيف بنفسه دليل على أنّ الجمل الأخلاقيّة هي قضايا منطقيًّا، بحكم كون الجمل الإنشائيّة ليست قضايا عندهم، وإلا، كيف جاز تصنيفها كقضايا في باب الصناعات الخمس؟!
وذلك، لأنّ المنطق العقليّ ينظر إلى لوح الواقع بسعة مفهوميّة تتضمّن المادّيّ (الطبيعيّ) والمجرّد، والحقيقيّ والاعتباريّ، فيرفض أن تكون ثمّة علاقة مساوقة بين الواقع والطبيعة كما عند الوضعيّة، بحيث يكون كلّ ما هو واقعيّ طبيعيّ، وتنعكس بالنقيض الموافق: كلّ ما ليس بطبيعيّ ليس بواقعيّ.
فالجمل الأخلاقيّة وإن كانت قد تبدو إنشائيّة صوريًّا، إلا أنّها قضايا خبريّة مضمونيًّا، فهي تخبر عن واقع وراءها، وإن لم يكن هو الطبيعة، بنحو تكون خبريتها ليست مجرّد عمليّة تفنّن أدبيّ في العبارة، بل يحكي مضمون القضيّة عن واقع وراءه يطابقه أو يخالفه، بحيث يصبح ثمّة معيار لقياس صدقها أو كذبها.
فقد عرّفوا القضيّة المشهورة، بأنّها «لا واقع لها وراء تطابق الآراء عليها، بل واقعها ذلك»، فلم يقل لا واقع لها مطلقًا، بل لا واقع لها بمعنى
الوجود العينيّ، فالقضيّة الأخلاقيّة وإن كانت اعتبارًا عقلائيًّا، لها واقع وراءها، هو الاعتبار العقلائيّ نفسه، والذي هو غير متمحّض في الاعتباريّة والاتفاق العقلائيّ، بل لها ملاكات واقعيّة تكون منشأً لاعتبار وجوبها ولا وجوبها، كالكمال والنقص والمصلحة والمفسدة، وهي أمور واقعيّة نفس أمريّة وراء ظرف الاعتبار من الحسن والقبح العقلائيّين.
وحينها، يكون الفرق بين القضيّة الأخلاقيّة والقضيّة العلميّة أو الفلسفيّة، مع أنّ كلًّا منها تفيد تصديقًا جازمًا، أنّ المُعتَبَر في النحو الثاني أن تكون مطابقة للواقع العينيّ، سواء أكانت الطبيعة، أم مطلق الوجود، أمّا القضايا الأخلاقيّة، فمطابِقة للاعتبار العقلائيّ الذي هو واقعها، فيمكن وصفها بالصدق أو الكذب بهذا اللحاظ.
بل أكثر من ذلك، يمكن مطابقتها مع الواقع العينيّ بالدلالة الالتزاميّة، بلحاظ منشأ الاعتبار الذي هو أمر واقعيّ وثابت، فالمفاهيم القيميّة وإن كانت لا تحكي حقائق عينيّة - فلسفيّة ولا ذهنيّة- منطقيّة، لكنّها أوصافًا واقعيّة للأعمال الاختياريّة للإنسان بلحاظ ما تحقّقه من أهداف في النفس البشريّة كمالًا ونقصًا.
وبعبارة أخرى: «إنّ الملاك في صدق وكذب القضايا الأخلاقيّة والقانونيّة أو صحّتها وخطئها، هو مدى تأثيرها في الوصول إلى الأهداف، ذلك التأثير الذي لا يكون تابعًا لرأي أحد ولا لسليقته ولا لرغبته، وإنّما
هو من الواقعيّات الموصوفة بنفس الأمر، ومثل سائر الروابط العلّيّة والمعلوليّة».
الأمر الثاني الذي يستدعيه معيار القابليّة للتحقّق، هو حذف العبارات الفلسفيّة من حقل العلوم؛ لأنّها تفتقد شرط القضيّة، وهو إمكان أن يوصف الكلام بالصدق أو الكذب، إذ الإمكان يعني قدرة الإنسان على تصوّرها تصوّرًا واقعيًّا، وهو محدود في دائرة خبرته الحسّيّة، فمعنى الواقع في مفهوم الصدق -لأنّه مطابقة الواقع- المأخوذ جزءًا في تعريف القضيّة: ما هو كائن في الطبيعة، فما ليس داخلًا في الطبيعة لا واقع له، والعبارات الفلسفيّة -بحكم تعريف الميتافيزيقيا بأنّها تعالج موضوعات ما وراء الطبيعة- معقولة، كلّيّة، مجرّدة، في حين أنّ ما هو واقع في الطبيعة، محسوس، جزئيّ، مجرّب... فتكون العبارات الفلسفيّة ألفاظًا غير ذات معنى أصلًا.
أمّا القول، بأنّ أقصى ما يذهب إليه المنطق الوضعيّ، ليس هو إنكار مضمون العبارات الميتافيزيقيّة، بل عدم القدرة على إثباتها، فهو تفنّن في العبارة أدبيًّا ليس أكثر؛ لأنّه في المحصّلة يشطح أكثر من باقي التيّارات التجريبيّة في مكافحة المنطق العقليّ والميتافيزيقيّ؛ إذ إنّ إنكار القضيّة فرع تصوّر معناها؛ لأنّ التصديق إثباتًا ونفيًّا فرع تصوّر المعنى، فيكون للقضيّة الميتافيزيقيّة مدلول مفهوميّ، لكنّه غير ثابت واقعًا، أمّا بناء على المنطق الوضعيّ فلا يكون للقضيّة معنى أصلًا، كي تقع موضعًا للإثبات أو النفي، بل السؤال ذاته خطأ.
فبعد تمييز كارناب (في مقاله الفلسفة والتركيب المنطقيّ، ص429) بين تصوّرين للواقع: أحدهما يردّ في العبارات التجريبيّة، والآخر في العبارات الفلسفيّة، التي تتناول إقرار الواقعيّة الطبيعيّة أو مطلقًا، يتساءل -كارناب- عن السبيل إلى ذلك؟ ويجيب: بأنّه لا سبيل إلى ذلك، بل السؤال نفسه لا معنى له. قائلًا: «أُسيءَ فهم أفكار دائرة فيينا أحيانًا، فظُنَّ أنّها تنادي بإنكار واقعيّة العالم الطبيعيّ، لكنّنا لا ننكر هذه الواقعيّة، حقًّا، إنّنا نرفض القول بحقيقة هذا العالم الطبيعيّ، إلا أنّنا لا نرفضها باعتبارها كاذبة، بل باعتبار أنّها لا تحمل معنى... فنحن إذن لا نؤكّد ولا ننكر هذه النظريّات، إنّنا نرفض السؤال».
وسنعود إلى هذه النقطة في نهاية المقالة، فابقى على ذكر منها.
وقع معيار قابليّة التحقّق على مشرحة التحليل عند عديد من فلاسفة الشرق والغرب، وثمّة بعض الملاحظات التي يمكن تسجيلها عليه:
الأولى: أنّ هذا الطريق يحتوي على تناقضين داخليّين:
الأوّل: أنّ قابليّة التحقّق من صدق قضيّة ما حسّيًّا، يفترض في الرتبة السابقة أن يكون للقضيّة صدق وكذب، بحيث يمكن إثباتها في بعض الحالات أو لا يمكن ذلك، «وبالتالي أن يكون لها معنى؛ إذ لا صدق ولا كذب بدون معنى، وهذا يعني أنّ القضيّة لا يمكن أن تستمدّ معناها وصورتها في الذهن من إمكان إثبات صدقها وكذبها، ما دام هذا الإمكان يفترض مسبقًا معنى لقضيّة وصدقًا وكذبًا».
وقد حاول الفيلسوف البريطاني ألفرد جوليوس آير (1910-1989م)
-والذي يمكن اعتباره مستورد الوضعيّة المنطقيّة من فيينا إلى بريطانيا- الإجابة عن هذا التناقض ودرء هذا الاتهام، بالتمييز بين الجملة، والعبارة، والقضيّة، ويكون معيار التحقّق هو لتمييز العبارات التي تنتمي لفئة القضايا عن تلك التي لا تنتمي إليها، على الصورة التالية: «تكون العبارة ذات معنى حرفيّ فقط إذا ما كانت تحليليّة أو كانت ممكنة التحقّق تجريبيًّا».
وفي الحقيقة، إنّ آير يحلّ المشكلة كأنّها لو كانت اصطلاحيّة محضة، مع أنّ النقاش في الحقائق والمعاني لا الألفاظ والتراكيب اللغويّة، ولكنّ هذا ليس مستغربًا من فيلسوف تبنّى مذهبًا متطرّفًا في اللغة.
والثاني: أنّ اعتقاد الوضعيّة بالقضيّة الكلّيّة: «كلّ ما لا يمكن التعرّف عليه بواسطة الحواس فارغ المعنى»، هو بذاته -أي هذا التعميم- شيء وراء التجربة، فيكون كلامًا لا معنى له وفارغ المضمون؛ لأنّ كلّ تعميم هو حالة فكريّة تتجاوز نطاق الخبرة الحسّيّة الخاصّة بالجزئيّات.
وهذه النقطة بالتحديد قد أثارت نقاشًا واسعًا حول معيار التحقّق، من أنّ منطوق هذا المعيار ذاته ليس قضيّة تحليليّة كي يكون يقينيًّا وضروريًّا، كما أنّه غير ممكن التحقّق منه تجريبيًّا كي يكون قضيّة تركيبيّة، وبالتالي يكون هذا المعيار كالعبارات الميتافيزيقيّة كلامًا لا معنى له.
والخطأ الكبير الذي وقعت فيه الوضعيّة بنحو انقلب فيه السحر على
(64)الساحر، هي التكافؤ بين العلم والمعنى/ واللاعلم واللامعنى، والتي جعلت مناقشاتهم عن المعنى تتضمّن مجموعات متناقضات بنحو تصبح فيه لغوًا بغير معنى؛ لأنّ أطروحتهم تقوم على قضايا هي ذاتها عبارات غير تجريبيّة؛ لأنّها لا يمكن التحقّق منها وتأييدها بالملاحظة الحسّيّة أكثر ممّا تقبله العبارات الميتافيزيقيّة.
وقد التفت فتجنشتين وغيره إلى هذا التناقض الذاتيّ، لذا ذهبوا إلى القول بأنّه لا يجب أن نأخذ معيار التحقّق بوصفه قضيّة أو عبارة كي يتمّ البحث عن صدقه أو كذبه، وأنّه ذات معنى أم لا، بل فقط بوصفه اقتراحًا أو مجرّد توصية، بأن لا نقبل القضيّة إلّا إذا كانت ممكنة التحقّق.
ثمّ يتصدّى رودلف كارناب لينصح بأن نقبل معيار التحقّق على أساس قريب من البراجماتيّة؛ لأنّه يُمكِّن من تحقيق الهدف، وهو تمييز المعرفة العلميّة واستبعاد الميتافزيقا.
ولكن هذا أشبه ما يكون هروبًا بصياغة فنّيّة أدبيّة، نتيجة العجز عن فكّ شيفرة هذا التناقض وحلّ رموزه، وإلى هنا يلاحظ القارئ فنّ الألعاب اللغويّة الذي يمارسه الوضعيّون كوسيلة هروب أمام المشكلات.
الثانية: يواجه المنطق الوضعيّ مشكلة عويصة في العبارات العلميّة التي تتصل بعالم الطبيعة من جهتين:
الأولى: أنّ قوانين العلم كتعميمات استقرائيّة، مستحيلة التحقّق في الطبيعة، كما تقدّم في مشكلة الاستقراء؛ لأنّه مهما فرضنا الخبرات الحسّيّة كثيرة، لا يكون اكتسابها متكافئًا ومتعادلًا مع صدق القانون العلميّ العامّ، كما عبّر عن ذلك هنري بوانكاريه (في كتابه قيمة العلم، ص143) بقوله: «إنّ القانون يصدر عن التجربة، لكنّه لا يصدر عنها مباشرة، التجربة فرديّة،
والقانون المستخلص منها عامّ».
وقد تنبّه فتجنشتين -كما أشرنا سابقًا- إلى هذه الإشكاليّة في مقدّمة رسالته الفلسفيّة، فأكّد أثناء بحثه عن القيمة المنطقيّة للقضايا العلميّة على أنّ الكثير من العبارات العامّة في العلم لا ينبغي التعامل معها على أنّها دالات صدق للقضايا الأوّليّة؛ لأنّها ليست تجريبيّة، أي ليست قضايا بالمعنى الدقيق، بل توصيات بمنهج معيّن لتمثيل فئة معيّنة من الظواهر.
وكذلك ادّعى شليك أنّ القوانين العلميّة ليست عبارات، بل هي رخص للاستدلال.
لكن، رودلف كارناب ونويراث اعترضا على هذه المعالجة؛ لأنّ القواعد لا يمكن اختبارها، وقوانين العلم ليست هذه صفتها، وهذه النقاشات قسمت جماعة فيينا إلى شعبتين.
والجهة الثانيّة: أنّه مع افتقاد الإنسان للوسائل التجريبيّة التي تمكّنه من التثبّت من صحّة العبارة أو خطئها، يتساءل السيّد الصدر: «هل يمكن أن تعتبر هذه القضيّة خاوية لا معنى لها؟ مع أنّنا نعلم جميعًا أنّ العلم كثيرًا ما يطرح قضايا من هذا القبيل على صعيد البحث قبل أن يملك التجربة الحاسمة بصددها، ويظلّ يبحث عن ضوء ليسلّطه عليها حتّى يجده في نهاية المطاف أو يعجز عن الظفر به، فلماذا كلّ هذا الجهد العلميّ لو كانت كلّ قضيّة لا تحمل بيدها دليل صدقها أو كذبها من التجربة خواءً ولغوًا من القول؟!».
إذن، ثمّة قضايا ليس من الممكن إثبات صدقها أو كذبها بالخبرة الحسّيّة، ومع ذلك يتيقّن الإنسان من صحّتها، كقولنا: هناك حشرات
(66)ماتت ولم يرها إنسان، فهذه القضايا رغم صدقها الجزميّ لا يمكن التثبّت من صحّتها بالخبرة الحسّيّة.
ولكن، لعلّ هذه الجهة لا ترد على مبنى الوضعيّة؛ إذ بإمكانهم أن يجيبوا بما ذكروه سابقًا من التمييز بين الإمكان الفعليّ والإمكان المنطقيّ، فضلًا عن أنّهم قد ميّزوا -كما أشرنا سابقًا- بين التحقّق المباشر للقضايا التي تقرّر شيئًا ما بمعطيات لحظويّة حاليّة، وبين التحقّق غير المباشر لبقيّة القضايا العلميّة ذات المعنى، وبما ذكره آير من التمييز بين التحقّق القويّ والفوريّ والقاطع، والتحقّق الضعيف كمجرّد إمكانيّة، وهذا هو المطلوب من العلم.
هذه الإشكاليّات، دفعت بعض فلاسفة الوضعيّة للاستجابة للنقد بتعديل المبدأ، إلى مبدأ آخر وهو «القابليّة للتأييد»، ويعني أنّ القضيّة لا تكون ذات معنى إلا إذا أمكن تأييدها وليس التحقّق منها، ومعنى تأييدها أن يمكن منطقيًّا لأيّ نوع من الأدلّة التجريبيّة أن يؤيّدها، حتّى لو كنّا نجهل المسار المعيّن لإجراءات الحصول على هذه الأدلّة، وقد اعترف كارل همبل (1905-1997م) بأنّ مبدأ التحقّق يؤدّي إلى مشكلات منطقيّة يستحيل الخروج منها، طارحًا نظريّة أسماها درجات القابليّة للتأييد لما لها من فائدة كبيرة على المنهج وإجراءات البحث العلميّ.
وإن كان يمكن تتبّع جذور هذه النظريّة في نصوص كارناب، حيث يقول: «إذا كان المقصود بالتحقيق التأسيس النهائيّ للصدق، إذن فإنّه لن توجد قضيّة تركيبيّة قابلة للتحقيق أبدًا... يمكننا فقط تأييد القضيّة بدرجة
(67)أكبر، ونحن نميّز بين اختبار القضيّة وتأييدها».
ويرى البعض أنّ همبل استجاب لنقد كارل بوبر مبدأ التحقّق، والذي تقوم أطروحته على معيار القابليّة للتكذيب، ومفاده أنّ الميزة المنطقيّة للعلوم التجريبيّة هي إمكان تكذيب عباراتها، أي قابليّة القضيّة العلميّة للفحص المستمرّ والمراجعة المستدامة، على هدي المعطيات الحسّيّة والأدلّة التجريبيّة، واكتشاف الأخطاء، والتعديل والتصويب، من أجل الاقتراب من الصدق والوصول إلى الأفضل، فتترك العبارة الأولى وتحلّ مكانها عبارات أفضل، وهكذا... وكلّ عالِم يدّعي أنّ عباراته العلميّة أصبحت متحقّقة بصورة نهائيّة ولم تعد بحاجة إلى اختبار فقد انسحب من ميدان المباراة، وهنا تكمن الحاجة إلى منطق الكشف والتقدّم المستمرّ دون منطق تبرير المعرفة العلميّة.
فطريقة المعالجة هذه، استدراك من الوضعيّة على طريقة التمييز بين الإمكان الفعليّ والإمكان المنطقيّ، لكن، هذا يورّط الوضعيّة فيما أرادت
(68)الهروب منه، فالإمكان المنطقيّ معقول ثانٍ فلسفيّ، غير تجريبيّ، وبالتالي تكون الوضعيّة قد استعارت واستعانت بمفهوم ميتافيزيقيّ لترمّم الثغرة المنطقيّة في بنائها الذي من المفترض أنّها أسّسته لنقد الميتافيزيقيا، ولا يمكن القول بأنّه مفهوم منطقيّ تحليليّ؛ لأنّ التحليليّة وصف للقضيّة دون المفاهيم الكلّيّة البسيطة غير المستمدّة من الحسّ.
والرابعة: نتوقّف عند دراسة معنى الخبرة الحسّيّة التي جعلت معيارًا لمنح القضيّة معنى منطقيّ، لنطرح السؤال الآتي: ما هو المراد بالخبرة الحسّيّة؟ هل هي الخبرة الشخصيّة؟ أم النوعيّة؟ بمعنى أنّ إمكان التحقّق المفترض لمنح القضيّة معنائيّتها عند شخص معيّن هل ينبغي أن يقع بخبرته الحسّيّة المباشرة؟ أم يمكن أن يقع بأي خبرة حسّيّة لشخص آخر؟
بناء على الفرضيّة الأولى، فهذا يعني أنّه ثمّة قضايا تكون غير ذات معنى، لمجرّد عدم تأكّدي من صدقها بخبرتي الخاصّة، مع كونها ممّا لا شكّ في واقعيّتها وصدقها، كما في قولي: «هناك حشرات عاشت في البرازيل قبل 100 سنة».
أمّا الفرضيّة الثانية، فتكمن نقطة ضعفها بأنّها وإن أمكن التحقّق من القضيّة بواسطة خبرة حسّيّة لشخص آخر، إلا أنّها لا تدخل ضمن نطاق خبرتي الخاصّة، وإنّما هي مستدلّة استقرائيًّا بتطبيق نظريّة الاحتمال، «وعلى هذا الأساس، تصبح كلّ قضيّة بالإمكان تحقيقها، ولو استدلاليًّا، ذات معنى، فالسببيّة بمفهومها العقليّ الذي يستبطن الضرورة واللزوم، وإن كُنتُ لا أستطيعُ أن أثبت صدقها بالخبرة الحسّيّة المباشرة...، ولكنّي قد أستطيع أن أثبت صدقها بصورة مُستدلَّة وبطريقة استقرائيّة، تعود في النهاية إلى خبرتي الخاصّة... ويكفي هذا لكي تكون ذات معنى».
والخامسة: والنقطة الخامسة، ندرس أطروحة «المعنى»، المسلوبة عن العبارة الميتافيزيقة، فنسأل: ما هو مراد الوضعيّة من «المعنى»؟
من الواضح أنّه ليس مراد الوضعيّة من المعنى هو إمكانيّة إيجاد تفسير للعبارة في المعاجم اللغويّة، فإنّ العبارة الميتافيزيقيّة لها تفسير في المعاجم اللغويّة يفهمه الذهن، بل مقصود الوضعيّة كما تقدّم، وأكّد ذلك آير، بأن تكون العبارة تحمل إمكانيّة التثبّت من صدقها أو كذبها في نطاق ما تسمح به الملاحظة الحسّيّة والتجربة.
لكن، إذا أردنا تحليل هذه القضيّة: «القضيّة الميتافيزيقيّة لا معنى لها»، تكون مساوية للقضيّة الآتية: «القضيّة الميتافيزيقيّة لا تخضع للتجربة لكونها تعالج موضوعات ما وراء الطبيعة»، وهذه العبارة حقّ يراد به باطل؛ وذلك لأنّ الفلاسفة العقليّين يعتقدون بهذه القضيّة أيضًا، فهم لا ينكرون أنّه لا يمكن للتجربة أن تثبت القضايا الميتافيزيقيّة، كما أنّهم يعتقدون في الوقت عينه بأنّها غير قادرة على النفي، فالتجربة لا كلمة لها في ميدان القضايا الميتافيزيقيّة لا إثباتًا ولا نفيًا، هذا أوّلًا.
ويطرح سؤال على شكل مانعة الخلو: ما هي الظروف الحسّيّة والملابسات الواقعيّة التي ترتبط بها معنائيّة القضيّة صدقًا أو كذبًا؟ فهل شرط القضيّة أن يكون مدلولها المباشر هو حاصل المعطيات الحسّيّة؟ أم يمكن أن يكون للعبارة معنى فيما لو فرض لها معطيات حسّيّة بصورة غير مباشرة؟
أمّا بناء على الفرضيّة الأولى: فإنّ المنطق الوضعيّ لا يسقط من حسابه القضايا الميتافيزيقيّة فقط، بل جملة من القضايا العلميّة الطبيعيّة
-كما أشرنا سابقًا-؛ لأنّ القضايا العلميّة على قسمين: الأوّل: مستفاد من المعطيات الحسّيّة المباشرة، والثاني: قضايا مستنتجة من المعطيات الحسّيّة بصورة غير مباشرة كقانون الجاذبيّة.
أمّا بناء على الفرضيّة الثانية، فإنّه ثمّة رزمة من القضايا الميتافيزيقيّة التي يمكن إثباتها بواسطة المعطيات الحسّيّة غير المباشرة على حدّ قانون الجاذبيّة، كما في قضيّة: «العلّة الأولى للعالم موجودة»، فالفيلسوف بإمكانه أن يصل إلى استنتاج هذه القضيّة كحاصل عن المعطيات الحسّيّة، فالدليل الاستقرائيّ القائم على أساس الملاحظة الحسّيّة يوصل إلى قانون العلّة الأولى.
نعم، يمكن للوضعيّة أن تقول: إنّ التجربة هي التي برهنت على قانون الجاذبيّة، وهذا بخلاف قانون العلّة الأولى، فهو ليس محض استنتاج قائم على أساس تجريبيّ بل استعان بقبليّات عقليّة وإن كانت المعطيات الحسّيّة تقع في مقدّماته.
وقد تقدّم نقاش هذه النقطسة تفصيلًا، فإنّه لا يمكن تعميم أيّ قانون بناء على التجربة الصّرفة ما لم تتمّ الاستعانة بمجموعة من القبليّات العقليّة، وحينها يكون وزان القضيّة الميتافيزيقيّة كالقضيّة العلميّة التي لم ترتبط بمعطيات حسّيّة مباشرة عينًا بعين.
وتجدر الإشارة، إلى مقاربة معرفيّة مهمّة جدًّا، لا يسع المقام للتفصيل فيها، وهي أنّه لو لم يعتمد العقل البشريّ إلّا على المعطيات التي يستمدّها من الخبرة الحسّيّة، لم يستطع الذهن البشريّ أن يمارس عمليّة التفكير رأسًا؛ وذلك لأنّ التصوّرات الحسّيّة بل المعقولات الماهويّة منعزلة
ومستقلّة، فلا يمكن أن تولّد معرفة بعالم الطبيعة إلّا على هدي مفاهيم تقوم بعمليّة الربط وتشكّل جسر العبور في الذهن، ومنه إلى الخارج، وليست هي إلا المعقولات الثانيّة الفلسفيّة والمنطقيّة، فالمعطيات الحسيّة التي تأتي إلى الذهن كصور جزئيّة منعزلة، ما لم تلبس لبوس الكلّيّ، وتمتزج مع المعقولات الثانية، وتتفاعل معها بطريقة خاصّة في الذهن البشريّ، لا يمكن أن تتشكّل أيّ معرفة بشريّة عن أيّ موضوع في عالم الطبيعة.
في الحين الذي كان فيه معيار الصدق في القضيّة التركيبيّة تطابق الصورة الذهنيّة مع الواقع الكائن في الطبيعة، تختلف القضيّة التحليليّة عن ذلك، فبما أنّها تحصيل حاصل كونها لا تحكي شيئًا جديدًا عن الواقع، يكمن معيار صدقها في عدم الانطواء على تناقض ذاتيّ بين أجزاء القضيّة بعضها مع بعض، ويتوفّر ذلك إذا اتسقت تعريفات الألفاظ المستخدمة في تكوين القضيّة بنحو لا تؤدّي إلى التنافر.
فالصدق فيها متوقّف على تعريفنا للألفاظ التي تتألّف منها القضيّة، فلو عرّفت الكوكب بأنّه الجرم السماويّ الذي يتحرّك حول الشمس، كانت القضيّة القائلة بأنّ كلّ الكواكب تدور حول الشمس يقينيّة؛ لا لأنّنا طابقناها مع الطبيعة بخبرتنا الحسّيّة، بل لأنّنا لم نزد شيئًا على التعريف الذي اتفقنا عليه لكلمة كواكب، بل إنّ التجربة الحسّيّة يستحيل أن تنقض مثل هذه القضيّة، فلو تمّ اكتشاف جرم سماويّ لا يدور حول الشمس، فلا يطلق
عليه اسم كوكب، إلاّ مع التواضع على استخدام جديد للمفردة.
ثمّة وجهة نظر شائعة منذ القدم حول يقينيّة القضايا الرياضيّة، فلا أحد يشكّ في أنّ 1+1=2 أو أنّ 2×2=4، أو أنّ المثلّث شكل هندسيّ له ثلاثة أضلاع، وكذلك يقرّ الوضعيّون كما تقدّم، أنّ قضايا المنطق تتمتّع باليقين والضرورة، وقد واجه التجريبيّون عمومًا مشكلة في كيفيّة إيجاد تبرير منطقيّ لليقين الرياضيّ أو المنطقيّ على ضوء منطق الاستقراء؟
فهل قضيّة 2×2=4 هي حاصل خبرة استقرائيّة -كما تقدّم عن أوغست كونت-؟! فلماذا تمتاز عن قضايا العلوم الطبيعيّة رغم أنّ قضايا الحقلين استقرائيّة؟؟
وإذا كانت القضايا الرياضيّة والمنطقيّة تتمتّع بميزة خاصّة عن القضايا الطبيعيّة، فهذا لن يجد له تبريرًا منطقيًّا إلّا بالتسليم بكونها غير استقرائيّة وأنّها مستقلّة عن التجربة!
إلّا أن يقال بأنّها تتمتّع بالدرجة ذاتها التي تتمتّع بها القضايا الطبيعيّة؛ فقد زعم جون ستيوارت ميل بأنّ القوانين الكلّيّة في الرياضة والمنطق كالقضايا الطبيعيّة وليدة التجربة الجزئيّة، أي خاضعة لما نتعلّمه في التجربة أنّ في الطبيعيّة نظام تعاقب، فهي قضايا لا يقينيّة ولا ضروريّة، وإنّما تعميمات استقرائيّة، قائمة على عدد كبير من الشواهد الجزئيّة يجعلنا نعتقد بيقينيّتها وضروريّتها.
مع أنّ هذا خلاف عدم تصوّر الشكّ في القضايا الرياضيّة والمنطقيّة -كما يصرّح الوضعيّون- رغم اختلاف الشروط والظروف مثلًا، بخلاف قضيّة الماء يغلي على درجة حرارة مئة، فإنّه بشرط أن يكون نوعًا خاصًّا
من الماء وبشرط أن تكون العمليّة حاصلة على مستوى سطح البحر، فلو اختلف ثقل الماء أو اختلف الارتفاع عن مستوى سطح البحر تختلف المعادلة، فقضايا الطبيعيّات لا تتمتّع بدرجة الثقة نفسها التي تتمتّع بها القضايا الرياضيّة.
مضافًا، إلى أنّ قضايا العلوم الطبيعيّة محصورة في دائرة العالَم الذي تجري فيه التجربة، فهو تعميم مشروط بعالم خاصّ، ولا يمكن تعديته إلى عالم آخر لو أمكن وجوده، فغليان الماء على درجة حرارة مئة على مستوى سطح البحر، هو حكم عامّ خاصّ بالمياه على الكرة الأرضيّة، لكن لا يمنع العقل تصوّر عالم آخر تجري فيه التجارب ويكون للماء حكمًا آخر، الأمر الذي لا يمنحنا تبريرًا منطقيًّا لتعميم نتائج التجربة إلى خارج عالمها الخاصّ الذي جرت فيه، وهذا بخلاف قضايا الرياضيّات، فإنّ المعادلة الرياضيّة 1+1=2، صادقة المضمون في أيّ عالم يتصوّره العقل البشريّ، ولا يمكن للعقل أن يتصوّر عالمًا يكون فيه حاصل جمع 1 مع 1 هي 5 مثلًا، وهذا يعني أنّ كلّيّة القضايا الرياضيّة يتجاوز حدود الواقع الذي نعيشه ليشمل أيّ واقع آخر مفترض الوجود.
إلّا أن يكابر ميل، ويقول: «ومن يدرينا؟ لعلّ في الكون مناطق توجد فيها معلولات بدون علل، وتكون فيها 2+2 مساوية لخمسة»، إلا أنّ سفسطة تلغي العقل والمنطق والعلم معًا.
لكن، يبقى أنّ تعدّد التجارب المشتركة وتكرّر تشابه الحالات يرفع درجة اليقين في القضايا الطبيعيّة، بينما لا تحتاج القضايا الرياضيّة أو المنطقيّة إلى ذلك، فلو حصل أن جمع إنسان غرضًا ما إلى جانب آخر فيعتقد بأنّ مجموعهما 2، يحكم بكلّيّة هذا القانون بأنّ 1+1=2 في جميع
الأغراض دون تكرر التجارب وتراكمها، كي يلاحظ قانون التعاقب، ولا يزيده تراكمها يقينًا إلى يقين.
هذه الفوارق المعرفيّة، لا يعايشها المنطق العقليّ؛ وذلك لأنّه بفعل اعتقاده بوجود قضايا قبليّة مستقلّة عن التجربة، وإيمانه بالقياس الاستنباطيّ، يمكنه إعطاء التبرير المنطقيّ والتفسير الممكن لحلّ تلك المشكلة ببيان تلك الفروقات الثلاثة.
لم يشهد الفكر الغربيّ منذ العصور الوسطى تقديسًا للمنطق كما هو الحال عند الوضعيّة، فقد استطاعت الوضعيّة مع رسل -وفتجنشتين خصوصًا في كتابه «الرسالة المنطقيّة للفلسفة»- «صبغ فلسفة القرن العشرين بالصبغة المنطقيّة، تقنينًا وتنضيدًا للغة، وإحكامًا وضبطًا للتفكير بواسطة قصر اللغة على صياغة العبارات التجريبيّة والعلاقات المنطقيّة». فمع الوضعيّة التحم المنطق بالرياضيّات -بل أسهم فتجنشتين في ردّ الرياضيّات كلّها إلى المنطق- فانفتح الطريق أمام صياغة التجريبيّة بلغة منطقيّة دقيقة تكون لغة للعلم الموحّد.
وقد خالفت الوضعيّة المنطقيّة أوجست كونت، وكذلك جون ستوارت ميل وصلابته التجريبيّة بزعمه أنّ الرياضة أيضًا تستند إلى تعميمات استقرائيّة، وقامت بمحاولة سدّ هذه الثغرة في بناء المذهب التجريبيّ، بتصنيف قضايا الرياضة والمنطق في خانة مختلفة عن قضايا العلوم الطبيعيّة، فالأولى تحليليّة، والثانية تركيبيّة، فبدل التراجع أمام المشكلة إلى الوراء تقدّمت خطوة إلى الأمام، فالوضعيّ يحتفظ بمبدأ التجريبيّ،
(75)لكنّه أضاف إليه فقط مبدأ الهوهويّة، فقضيّة: (أ) هي (أ) مثلًا، قضيّة ذات معنى إلا أنّها تحليليّة.
وعلى ضوء هذا المعيار، صنّف فتجنشتين قضايا المنطق والرياضيّات صادقة دائمًا -حيث قسم القضايا إلى ثلاثة أقسام: صادقة دائمًا، وكاذبة دائمًا وهي التي تحتوي على تناقض مثل: السماء ممطرة وغير ممطرة»، وقضايا تحتمل الصدق والكذب وهي التي تصف وقائع تجريبيّة-، فقولنا: إمّا أن تكون السماء ممطرة أو غير ممطرة، قد جمعت كلّ الاحتمالات الممكنة، لكنّها لا تخبر عن الواقع ولا تضيف معرفة على الإطلاق.
ويكون المنطق الوضعيّ قد اتخذ موقفًا وسطيًّا بين المنطقين التجريبيّ العامّ، ومنطق كانط، حيث إنّ الأوّل يذهب إلى كون المنطق بعدي أي تالٍ على التجربة، وأنّه ينحصر في كونه تعميمًا يعتمد على وقائع جزئيّة تمّت ملاحظتها كما ذكرنا عن ستيوارت ميل، وكانط يرى أنّ هناك قوانين قبليّة ولكنّها مع ذلك تركيبيّة أي أنّها ليست تحصيل حاصل في علاقة موضوعها بمحمولها. أمّا الوضعيّة الجديدة -خصوصًا دراسات فتجنشتين- ترى أنّ قضايا المنطق قبليّة، أي نحكم بصدقها قبل مراجعة الطبيعة تجريبيًّا.
فمثلًا القضيّة المنطقيّة الآتية: أ تساوي ج، وج تساوي د، إذن أ تساوي د، تحمل معها دليل صدقها بمعنى عدم انتظار مراجعتها في الطبيعة حتّى يتأكّد صدقها، إلا أنّها مع ذلك مجرّد تحصيل حاصل، لا تعني شيئًا ولا تدلّ على شيء في التجربة، فما قوانين المنطق إلّا قواعد نحويّة تنظّم تنظيمًا ميسّرًا المعطيات الحسّيّة، وهي قواعد اختبرت بطريقة تحكّميّة يمكن اختيار غيرها، لكنّها طالما وضعت كمبادئ استنباط فإنّ النتائج تلزم
عنها بالضرورة، ولكن أساس كلّ منطق يبقى اتفاقيًّا محضًا. و6+4=10 معناه قد اتفقنا على أن نستعمل رمزين بمعنى واحد «6+4» و«10»، كما اتفقنا مثلًا على أن نستعمل لفظتي الليث والأسد بمعنى واحد، فلا فرق بين أن تقول إنّ عندي «6+4» غرام من الذهب وأن تقول إنّ عندي «10» غرامات.
وقضايا المنطق كذلك تحدّد طريقة استعمالنا للألفاظ والرموز ولا تنبئنا بشيء جديد عن العالم، وعلى حدّ تعبير آير إنّها «تنبئنا بما هو مفروض فينا العلم به من قبل».
وقولنا: «ق تلزم عنها ك» بمثابة التحليل لعناصر ق، وإبراز ك باعتبارها عنصرًا ملازمًا. فكلّ قضيّة يحكم المنطق بضرورتها يكون معنى الضرورة فيها أنّها قد سبق إثباتها «فإذا وجدنا أنّ قضيّة ما لا بدّ لنا من تصديقها بالضرورة، كان معنى ذلك أنّه قد سبق بالفعل إثباتها».
لكن، مع فرض كون هذه القضايا تحمل شواهد صدقها معها بشكل مستقلّ عن التجربة قبل مراجعة الواقع، ألا تؤكّد معطيات الواقع صدق هذه القضايا؟!
نعم، قسّم المنطق الوضعيّ القضايا الرياضيّة إلى قسمين:
الأوّل: الرياضيّات غير البحتة أو التطبيقيّة.
والثاني: الرياضيّات البحتة. واعتبروها قضايا تحليليّة ضروريّة ويقينيّة.
أمّا بالنسبة إلى الأولى، كهندسة إقليدس، هنا يختلف الموقف، فهي وإن كانت تتضمّن إخبارًا جديدًا عن الموضوع، [كقضيّة الخطّ المستقيم
(77)أقصر خطّ يصل بين نقطتين، فإنّه لا يمكن اعتبارها قضيّة تحليليّة؛ لأنّ موضوع القضيّة وهو الخطّ المستقيم لا يتضمّن محمولها وهو أقصر خطّ يصل بين نقطتين، فهذه القضيّة لا ينطبق عليها معيار القضيّة التحليليّة وهو أن يكون المحمول مجرّد تكرار للموضوع بإظهار ما هو متضمّن فيه] إلّا أنّها ليست قضايا ضروريّة ويقينيّة، ولا تتمتّع بالدرجة ذاتها التي تتمتّع بها قضايا الرياضيّات البحتة.
أمّا القضايا من النوع الثاني، فمع فرض التسليم بوجهة النظر في افتراض قضايا الرياضيّات البحتة وكذلك القضايا المنطقيّة تحليليّة وتكراريّة، لا يكفي في حلّ المشكلة المعرفيّة لبيان المائز بين القضايا الطبيعيّة والقضايا الرياضيّة والمنطقيّة؛ لأنّ المنطق الوضعيّ مطالب بأمرين:
أوّلًا: ببيان معنى الضرورة واليقين في القضايا التحليليّة، إن من حيث كون مفهوم الضرورة ليس مفهومًا تجريبيًّا، وهو يتنافى مع كون مصدر المعرفة البشريّة هي التجربة.
فمثلًا هل القضيّة المنطقيّة التحليليّة الآتية: أ هي أ، هل تعادل: أ من الضروري أن تكون أ؟ أو تعادل أ هي أ دون الحكم بالضرورة؟ فعلى الأوّل، هي قضيّة تركيبيّة؛ لأنّها تخبر عن شيء جديد، فعنصر الضرورة الذي هو جزء المحمول، غير متضمِّن في مفهوم الموضوع، الذي هو أ. وإن كانت تساوي الثاني، فقد نقد المنطق الوضعيّ اعتقاده بضرورة هذه القضيّة، وتصبح القضيّة المنطقيّة على وزان القضيّة الطبيعيّة.
وثانيًا: بقانون التناقض؛ لأنّ الاعتقاد بأنّ 1+1 كموضوع هو =2 أو 2 كمحمول، متوقّف على الإيمان المسبق بمجموعة قوانين فوق تجريبيّة، مثل قانون التناقض، فما لم يتمّ التسليم بأنّ النفي والإثبات لا يجتمعان
بحكم العقل على موضوع واحد، لكان من الممكن افتراض هذه القضيّة صادقة كما يمكن افتراضها كاذبة، أو افتراض 1+1=2 وافتراض عكسها؛ إذ لا يمكن تفسير اليقين الذي لا يجامعه احتمال الخلاف إلا بالإيمان بقانون التناقض.
وحينها يكون قانون التناقض هو الذي يمنح القضايا التكراريّة يقينيّتها وضروريّتها، فيطرح السؤال الآتي نفسه: بما أنّ فاقد الشيء لا يكون معطيًّا له فمن أين استمدّ هذا المبدأ ضروريّته ويقينيّته؟
ولا يستطيع المنطق الوضعيّ أن يجيب بأن قانون التناقض قضيّة تحليليّة؛ لأنّ محموله وهو الحكم بامتناع الاجتماع غير مستبطن في موضوعه وهو مفهوم التناقض، فهذه قضيّة خبريّة تحكي عن واقع قائم بين محمول خارج عن ذات الموضوع، ومن المؤشّرات على ذلك، أنّ قولنا اجتماع النقيضين محال، يغاير قولنا: اجتماع النقيضين هو اجتماع النقيضين.
وبناء عليه، تعود المشكلة، فهل هذه القضيّة الخبريّة أوّليّة مستقلّة عن التجربة؟ إذًا، ناقض المنطق الوضعيّ ذاته!! أم أنّها قضيّة مستلهمة من التجربة على حدّ القضايا الطبيعيّة الأخرى؟ وحينها: يعجز المنطق الوضعيّ عن إعطاء تبرير منطقيّ لهذا الفرق بين قانون التناقض المتّصف بالضرورة واليقين، وبين باقي القضايا الطبيعيّة التي تخلو من هاتين الصفتين؟!
يبقى ثمّة نقطة أخيرة محوريّة جديرة بالبحث، وهي: هل الوضعيّة إلحاديّة أو لاأدريّة؟
ثمّة ثلاثة مواقف في تاريخ الفلسفة من سؤال -الهلّيّة البسيطة-: «هل الله موجود؟»، قبل بيانها، نذكر مقدّمة منطقيّة تُمهِّد لفهم المسألة، وهي أنّ كلّ قضيّة بالنظر الأوّليّ تحتمل الصدق والكذب، أي تتكافأ فيها قيمتي الصدق والكذب بنحو التساوي، فلا ترجح إحداهما على الأخرى، وهذا يعني أنّ الموقف المبدئيّ من أيّ قضيّة هي الشكّ فيها، بمعنى تعادل نسبة الإثبات والنفي لدى الذهن البشريّ، ولا يترجّح أحد الطرفين على الآخر -على نحو تامّ (اليقين) أو ناقص (الظنّ)- إلّا بوجود دليل على إثبات المحمول للموضوع أو نفيه عنه، وعليه:
إمّا أن يقوم دليل على الإثبات، فتصدق قضيّة: «الله موجود»، ويكذب نقيضها، وهذا هو موقف الإلهيّين والربوبيّين.
وإمّا أن يقوم دليل على النفي، فتصدق قضيّة: «الله غير موجود» وتكافئ «الله معدوم»، ويكذب نقيضها، وهذا هو موقف الملحدين.
وإمّا أن لا يقوم دليل عى الإثبات، ولا على النفي، فتبقى القضيّة متكافأة الطرفين، وهذا هو موقف اللاأدريّين. فاللاأدريّ هو الشخص الذي وإن لم يملك دليلًا على وجود الله، إلا أنّه في الوقت عينه لا يملك دليلًا على النفي، فهو لا يقول: «الله غير موجود»، بل يقول: لا أعلم بأنّ الله موجود؛ لأنّ عدم الدليل ليس دليلًا على العدم.
وقد تبنّى رسل الأطروحة الثالثة، حيث يقول بأنّه إذا أراد أن يتحدّث بلغة شعبيّة فهو ملحد، أمّا إذا أراد أن يتكلّم بلغة منطقيّة علميّة فهو لاأدري؛ لأنّ عدم وجود الإله لا يمكن البرهنة عليه، وإن كان يظهر من بعض عباراته أيضًا أنّه مخلص للوضعيّة فيعتقد بما سيذكره آير في الفقرة اللاحقة.
وقد حاول فلاسفة الوضعيّة الكلاسيكيّة تقديم أنفسهم بأنّهم ليسوا
مذهبًا إلحاديًّا بالمعنى المنطقيّ للكلمة، إلّا أنّ ميولهم المادّيّة غير خافية، فهم بين فريقين: منكر للأديان التقليديّة، محاولًا تأسيس دين جديد كما هي نزعة أوجست كونت. وفريق أقرب إلى الشكّ البراجماتيّ كما هو حال أرنيست رينان.
فرينان رغم وجهة نظره التي عرضناها فيما سبق، إلا أنّه في طوره الأخير اعتنق نوعًا من الشكّ البراجماتيّ، حيث يقول: «إنّ الموقف الأكثر منطقيّة للمفكّر بإزاء الدِّين هو أن يعمل وكأنّ الدِّين حق، وينبغي أن يفعل وكأنّ الله والنفس موجودتان، وهكذا يدخل الدِّين في عداد تلك الفروض الكثيرة، مثل الأثير، والسيالات الكهربيّة، والضوئيّة والحراريّة والعصبيّة، والذرّة نفسها، ونحن نعلم جيّدًا أنّها ليست إلا رموزًا ووسائل ميسرة لتفسير الظواهر، ولكنّنا مع ذلك نتمسّك بها».
أمّا الوضعيّة المنطقيّة، فلا ينسجم أيّ موقف من المواقف الثلاثة المعروضة سابقًا مع منهجهم المنطقيّ، وأدقّ تعبير نجده عن هذه القضيّة ما ذكره آير (اللغة، الحقيقة والمنطق-115-116)، حيث يقول: «إنّ السّمة الأساسيّة في موقف اللاأدريّ»، هي أنّه يتصوّر أنّ وجود إله يُمثّل «إمكانيّة»، بمعنى أنّه لا يوجد في تصوّره أسباب وجيهة للإيمان بوجود الله أو عدم الإيمان بوجوده.
أمّا السّمة الأساسيّة في موقف الملحد، فهي أنّه يأخذ بإمكانيّة «عدم وجود إله».
أمّا وجهة نظرنا، فإنّنا نرى أنّ كلّ العبارات التي تقال عن طبيعة «الله»،
(81)هي في حقيقتها عبارات «لا معنى لها»، ومن ثمّ فإنّ نظرتنا لهذه العبارات لا تتطابق -بحال- مع أيّ من هاتين النظرتين، ولا تقدّم دعمًا لإحداهما دون الأخرى، وإنّما هي -في الحقيقة- متعارضة معهما؛ لأنّه إذا ما كان التقرير الذي يقول «بوجود إله» تقريرًا لا معنى له، فإنّ تقرير الملحد الذي يقرّر فيه أنّه «لا يوجد إله» هو -بالمثل- تقرير لا معنى له، طالما أنّه لا يزيد عن كونه تقرير يناقض التقرير الأوّل.
أمّا فيما يتعلّق بموقف اللاأدريّ، فنستطيع أن نقول: إنّه بالرغم من امتناعه عن تقرير «وجود إله»، أو «عدم وجود إله»، فإنّه لا ينكر أنّ السؤال عمّا إذا كان يوجد إله مفارق أم لا، سؤال له معنى أو سؤال أصيل. فهو لا ينكر العبارتين «يوجد إله مفارق» و«لا يوجد إله مفارق»، يعبّران عن قضايا إحداهما صادقة بالفعل والأخرى كاذبة. فكلّ ما يقوله: إنّنا لا نملك وسائل تمكّننا أن نقرّر أيّهما هي القضيّة الصادقة، وأيّهما هي القضيّة الكاذبة، ومن ثمّ فلا يجب أن نلزم أنفسنا بإحداهما.
ولكنّنا قد تبيّنّا كيف أنّ هذه العبارات لا تعبّر بحال عن قضايا، ممّا يعني أن نستبعد -بالمثل- النزعة اللاأدريّة أيضًا.
وينطبق على موقف «الملحد» ما ينطبق على موقف « الأخلاقيّ» فتأكيداته ليست «صحيحة» أو «غير صحيحة». فطالما لا يخبر بشيء عن العالم، فلا يمكن -من ثمّ- إدانته بأنّه يقول شيئًا كاذبًا أو شيئًا لا يملك عليه أدلّة كافية».
(82)وممّا يؤسف له، أنّه ثمّة مفارقة عجيبة في الوضعيّة والتجريبيّة عمومًا، بين منهج البحث العلميّ، والنتيجة التي توصّلوا إليها، جوابًا عن سؤال: «هل الله موجود؟»: نفيًا أو شكًّا أو إفراغًا للمعنى، ففي اللحظة التي كان ينبغي فيها أن يعتمد الاستقراء دليلًا لدعم الإيمان بالله في اكتشاف ما تحتويه الطبيعة من إحكام هندسيّ وإتقان ذكيّ، استُخدِم الاتجاه الحسّيّ والتجريبيّ لضرب فكرة الإيمان بالله تعالى، فما دام الله تعالى لا يخضع للخبرة الحسّيّة، فهو غير موجود، أو لا أقلّ لا طريق إلى التثبّت من وجوده، «وعلى هذا الأساس لو قلت: «الله موجود»، لكان بمثابة أن تقول: «ديز موجود»، فكما لا معنى لهذه الجملة، كذلك تلك؛ لأنّ وجود الله لا يمكن التعرّف عليه بالحسّ والتجربة».
هذا التناقض المصطنع بين العلم -كمنهج قائم على الاستقراء والتجربة- والإيمان بالله، عاشه الشهيد الصدر كهمّ فكريّ، فدوّن أطروحته في كتابه: «الأسس المنطقيّة للاستقراء»، لا بصفته فيلسوف علم أو منطقيّ، وإنّما ليؤكّد على حقيقة عقائديّة في غاية الأهمّيّة، «هذه الحقيقة -كما يقول السيِّد الصدر-، هي أنّ الأسس المنطقيّة التي تقوم عليها كلّ الاستدلالات العلميّة المستمدّة من الملاحظة والتجربة، هي الأسس المنطقيّة نفسها التي يقوم عليها الاستدلال على إثبات الصانع المدبّر لهذا العالم، عن طريق ما يتصف به العالم من مظاهر الحكمة والتدبير، فإنّ هذا الاستدلال كأيّ استدلال علميّ آخر، استقرائيّ بطبيعته، وتطبيق للطريقة
العامّة التي حدّدناها للدليل الاستقرائيّ في كلتا مرحلتيه.
فالإنسان بين أمرين:
فهو إمّا أن يرفض الاستدلال العلميّ ككلّ.
وإمّا أن يقبل الاستدلال العلميّ، ويعطي للاستدلال الاستقرائيّ على إثبات الصانع القيمة نفسها التي يمنحها للاستدلال العلميّ.
وهكذا نبرهن على أنّ العلم والإيمان مرتبطان في أساسهما المنطقيّ-الاستقرائيّ، ولا يمكن من وجهة النظر المنطقيّة للاستقراء الفصل بينهما».
(84)لائحة المصادر العربية:
مرتضى مطهري، ترجمة: عمّار أبو رغيف، بيروت، مؤسّسة أمّ القرى للتحقيق والنشر، ط1، 1421هـ.
المدرّسين، ط4، 1416هـ.
لائحة المصادر الأجنبية: