فهرس المحتويات

المقدّمة6

حقوق الإنسان في الإسلام 11

الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي

حقوق الإنسان، المصادر والمباني 89

الشيخ عبد الله الجوادي الآملي

فلسفة حقوق الإنسان في رؤية آية الله الجوادي الآملي 173

حميد پارسانيا

فلسفة الحقَّ في الفكر الإسلامي، مرتضى مطهَّري إنموذجًا 199

حسين توسلي

الإنسان في تعاليم الإسلام، رؤية حقوقيّة مقارنة 233

عبد الحكيم سليمي

دراسة مقارنة للنظريات المبيّنة لحقوق الإنسان

في الغرب والإسلام 271

محمد حسين طالبي وعلي طالبي

الدين وحقوق الإنسان

(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

(2)

العتبة العباسية المقدسة

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

 

دراسات دينية معاصرة 17

 

الدين وحقوق الإنسان

 

تأليف : 

مجموعة مؤلفين 

 

 

(3)

العتبة العباسية المقدسة

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

 

الدين وحقوق الانسان / تأليف مجموعة مؤلفين. الطبعة الاولى - النجف العراق : العتبة العباسية

المقدسة، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية، 2025.

304 صفحة : 24 سم. (دراسات دينية معاصرة : 17)

يتضمن ارجاعات ببليوجرافية.

ISBN: 9789922680705

1. الاسلام وحقوق الانسان (الشيعة). أ. العنوان.

LCC: BP173.44.D56 2025

مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة

الفهرسة أثناء النشر

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (٣٧٤٩) لسنة ٢٠٢٥ م

 

الدين وحقوق الإنسان (دراسات دينية معاصرة - (١٧)

تأليف: مجموعة مؤلفين

الناشر : العتبة العباسية المقدسة / المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

الطبعة: الأولى ١٤٤٧ ق / ٢٠٢٥ م

www.iicss.iq

islamic.css@gmail.com

(4)

فهرس المحتويات

المقدّمة6

حقوق الإنسان في الإسلام 11

الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي

حقوق الإنسان، المصادر والمباني 89

الشيخ عبد الله الجوادي الآملي

فلسفة حقوق الإنسان في رؤية آية الله الجوادي الآملي 173

حميد پارسانيا

فلسفة الحقَّ في الفكر الإسلامي، مرتضى مطهَّري إنموذجًا 199

حسين توسلي

الإنسان في تعاليم الإسلام، رؤية حقوقيّة مقارنة 233

عبد الحكيم سليمي

دراسة مقارنة للنظريات المبيّنة لحقوق الإنسان

في الغرب والإسلام 271

محمد حسين طالبي وعلي طالبي

(5)
(6)

 

 

مقدّمة المركز

يُعدّ علم الحقوق اليوم فرعًا من فروع العلوم الإنسانية، يُعنى بدراسة القواعد والضوابط الاجتماعية الملزمة؛ وهي قواعد تُسنّ وتُنفّذ من قِبل مؤسّسات رسمية كالدولة، والسلطة القضائية، أو الأنظمة العرفية. وقد تمّ في هذا العلم وضع هياكل تهدف إلى تنظيم سلوك الأفراد والمؤسّسات داخل المجتمع، بما يحقّق أهدافًا مثل العدالة والنظام والأمن.

تُعدّ العلاقة بين الدين وحقوق الإنسان، وخصوصًا في السياق الإسلامي، مسألةً جوهريةً ومتعدّدة الأبعاد. فالفكر الإسلامي يؤسّس هذه العلاقة على الرؤية التوحيدية للعالم؛ وهي رؤية تعتبر الإنسان مخلوقًا الهيا، يمتلك العقل والإرادة، وهو مسؤول أمام الله تعالى، وأمام نفسه، والمجتمع. وتتميّز النظرة الإسلامية لحقوق الإنسان عن بعض المقاربات الغربية التي تعتمد غالبًا على التعاقد الاجتماعي أو توافقات الدول، إذ تُبنى في الإسلام على أساس الخلق الإلهي، وخلافة الإنسان، وأمانته من قِبل الله تعالى. ومن هنا، فإنّ الحقوق الإنسانية في الإسلام لا تُعدّ أمرًا اصطلاحيًا أو اعتباريًا، بل هي واقعية وتكوينية. وهي مُعرّفة في إطار وثيق مع المسؤوليات الأخلاقية والعبادية، حيث يُشكّل التوازن بين الحقّ والتكليف ركنًا أساسيًا في المنظومة الحقوقية الإسلامية.

ويبدأ هذا المنهج بتفريق جوهري بين نظرتين إلى الإنسان: الأولى تعتبره كائنًا مستقلًا، مكتفيًا بذاته، وهو معيار القيم؛ بينما الثانية - التي يُمثّلها الإسلام - تراه مخلوقًا لله، مؤتمَنًا على الحقّ، ومكلّفًا في مواجهة الوجود. ووفقًا لهذه النظرة الثانية،                                                                                                                             

(7)

لا يمكن الحديث عن «الحق» إلاّ في ضوء المسؤولية والعبودية والتكليف؛ لأنّ ما يمنح الإنسان معناه في الرؤية الإسلامية ليس قدرته على خلق الحقّ، بل موقعه ضمن مراتب الوجود، وعلاقته بالحقيقة المطلقة. وهذه الانطلاقة المعرفية تُفضي إلى اختلاف جذري بين المفاهيم الحقوقية في الغرب وتلك التي في الإسلام، وهو ما تمّت معالجته في مقالات هذا الكتاب بشكل منهجي وموسّع.

إنّ هذا الكتاب هو مجموعة من المقالات البحثية، جُمعت بهدف دراسة العلاقة بين الدين وحقوق الإنسان من زاوية نظرية ومقارنة ونقدية، وخصوصًا في إطار الفكر الإسلامي. وتتناول هذه المقالات مكانة حقوق الإنسان في الإسلام من زوايا فلسفية، وفقهية، وحقوقية، وكلامية، وتُقارنها بخطاب حقوق الإنسان في الفكر الغربي المعاصر. وقد تمّ تنظيم محاور هذا الكتاب في ستة بحوث رئيسة، وهي:

١. حقوق الإنسان في الإسلام: يعالج هذا البحث أسس حقوق الإنسان في الإسلام، ويقارنها بالنظريات الغربية السائدة مثل الحقوق الطبيعية والحقوق التعاقدية. ويُؤكّد الكاتب على الأساس الإلهي للحقوق، ويرى أنّ الرؤية الإسلامية تُبنى على أصل «حقّ الله»، ويُبيّن أنّ حقوق الإنسان - بحسب هذه الرؤية - نابعة من إرادة الله ومكانة الإنسان عنده، لا من الطبيعة أو الإرادة الجمعية.

٢. حقوق الإنسان، المصادر والمباني: يُفرّق الكاتب في هذا البحث بين المفاهيم الاعتبارية والتكوينية للحقوق، ويُحلّل مصادر الحقوق في الإسلام مثل الفطرة والعقل والرؤية التوحيدية. ويُركّز المقال خصوصًا على دور الفطرة الإلهية كضمان لتنفيذ الحقوق الحقيقية، وعلى علاقة الإنسان بالوجود ومسؤوليته الفردية والاجتماعية.

٣. فلسفة حقوق الإنسان في رؤية آية الله الجوادي الآملي: يعتمد هذا البحث

(8)

على أفكار آية الله الجوادي الآملي لتحليل الأسس الأنطولوجية والمعرفية والأنثروبولوجية لحقوق الإنسان في المنظومة التوحيدية. ويُطرح فيه ثلاثة حقوق أساسية - الحياة، والحرية، والعدالة - كأُسس ميتافيزيقية تؤسّس للنظام الحقوقي التوحيدي.

٤. فلسفة الحق في الفكر الإسلامي، مرتضى مطهري أنموذجًا: يستعرض الكاتب في هذا البحث فلسفة الحقّ في مؤلّفات الأستاذ مطهري، حيث يُنظر إلى الحقّ باعتباره مفهومًا اعتباريًا، لكنّه مستند إلى حقائق وجودية وفطرية. ويُبيّن المقال تفاعل هذا المفهوم مع مفاهيم مثل التكليف، والحرية، والعدالة، ويُبرز أهمية التوازن بين الفرد والمجتمع في هذا الإطار.

٥. الإنسان في تعاليم الإسلام، رؤية حقوقية مقارنة: يُقارن هذا البحث بين مكانة الإنسان في التعاليم الإسلامية وبين نظريّات حقوق الإنسان. ويُشير الكاتب إلى بعثة النبي (ص) في إحياء الكرامة الإنسانية، ويُحلّل الأبعاد الروحية والعقلية والأخلاقية للإنسان في الإسلام، ويستنتج أنّ الإسلام يُقدّم نظامًا شموليًا لحقوق الإنسان، قائمًا على التوحيد والكرامة الذاتية.

٦. دراسة مقارنة للنظريات المبيّنة لحقوق الإنسان في الغرب والإسلام: يُخصّص هذا البحث لمقارنة النظريات الفلسفية حول حقوق الإنسان في الغرب والإسلام. ويُحلّل الكاتبان ثلاث نظريات غربية شائعة وينتقدانها، ثمّ يُبيّنان الرؤية الإسلامية التي تقوم على الفطرة الإلهية، وغائية الخلق، وسير الإنسان نحو الكمال النهائي.

وتُشير الخلاصة العامة لهذا الكتاب إلى أنّ الخطاب الإسلامي حول حقوق الإنسان، على خلاف العديد من النظريات الحديثة القائمة على العقلانية الذاتية

(9)

والتعاقد الاجتماعي، إنّما يرتكز على رؤية توحيدية وفطرية ومسؤولة للإنسان. وهذا الخطاب، انطلاقًا من مصادره الإسلامية الأصيلة، قادرٌ على تقديم نظرية عقلانية ومتّسقة ومستقرّة لحقوق الإنسان، نظرية لا تُغفل ارتباط الكرامة والحرية بالبعد الأخلاقي والروحي الإلهي.

ويُقدَّم هذا الكتاب بوصفه خطوة أولى على طريق الفهم والتفسير الدقيقين للعلاقة بين الدين وحقوق الإنسان إلى الأوساط العلمية. ونأمل أن يكون نافعًا للأساتذة والباحثين والطلبة والمهتمّين بمجالات الحقوق ودراسات الدين والفلسفة.

(10)

 

 

حقوق الانسان في الاسلام[1]

الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي

إنّ كلّ الأنظمة الحقوقيّة تذعن بوجود حقوق للإنسان، فلكلّ إنسان مع ما يحمل من عقائد وأفكار ومذاهب وفلسفة، وفي أيّ مجتمع كان، حقوق لنفسه ولغيره كحقّ الحياة وحقّ السكن وحقّ الملك وحقّ العمل ونحوها، فأصل وجود حقوقٍ للإنسان متّفق عليه، وما يطاله البحث والتحقيق هذا السؤال المتعلّق بفلسفة الحقوق السائل عن منشأ حقوق الإنسان، وما هو الملاك في وجود حقّ لشخص على الآخر؟

ففي العلوم التجريبيّة المتعلّقة بالأمور العينيّة، إذا أرادوا الوقوف على صحّة قضيّة أو عدم صحّتها، يستعينون بالمنهج التجريبي، فإذا أرادوا إثبات غليان الماء في الدرجة المئة مثلًا، يبدأون بتسخين الماء ليروا هل يغلي في الدرجة المئة أم لا. كما توجد مناهج خاصة لإثبات صحّة القضايا العقليّة والفلسفيّة أو عدم صحّتها، منها الرجوع إلى البديهيّات الأوّليّة المتعلّقة بمسائل الفلسفة ونظريّة المعرفة.

ولكن ما هو السبيل في القضايا القيميّة والاعتباريّة، من قبيل الينبغي واللاينبغي في الأخلاق والحقوق أو الدين، فكيف يتمّ تقويم هذه القضايا؟

(11)

فلو قيل بوجود حقّ الملكيّة، أو أنّ للأب حقًّا على الابن أو العكس، أو وجود حقوق بين أفراد المجتمع، أو ثبوت حقّ الحياة لكلّ إنسان وعدم جواز التعدّي على هذا الحقّ، فكيف تثبت جميع هذه الحقوق؟ وما هو ملاك صحّتها أو عدم صحّتها؟ وما هي شرائط ظهور الحق؟ وهذه الشرائط من أين تأتي وكيف ومن الذي يسنّها؟ فما يطرح في الفلسفة من مباحث (ملاك ثبوت الحقّ) أو (منشأ الحقّ) ناظر إلى هذا الموضوع ومن أجل الإجابة على هذه الأسئلة.

أوّلًا: منشأ الحق

الآراء الواردة في منشأ الحقّ

لم نقف لحدّ الآن على جواب مقنع وكافٍ لكبار فلاسفة العالم في الإجابة على هذه المسألة. توجد هنا نظريّتان أساسيّتان: الأولى نظريّة الحقوق الطبيعيّة، والثانية الحقوق الوضعيّة، وسنشير إجمالًا إليهما ثمّ نذكر رؤية الإسلام في مباني حقوق الإنسان.

أ. مدرسة الحقوق الطبيعيّة

يقول أنصار هذه المدرسة: إنّ منشأ حقوق الإنسان هي الطبيعة، بمعنى أنّ الطبيعة تهب هذه الحقوق للإنسان. فعندما نقول مثلًا إنّ للإنسان حقّ الحياة، وحقّ الاستفادة من الغذاء للاستمرار في الحياة، ففي الواقع إنّ طبيعة الإنسان هي التي تهب له هذا الحقّ. فإذا منعنا الإنسان من الطعام، ولم يتمكّن من الاستمرار في الحياة، لانقرض نسل البشر، وعليه فإنّ طبيعة الإنسان هي التي تهبه حق استمراريّة الحياة والتناسل، فما يقال ونسمعه في المجتمع أنّ (هذا من حقّ الإنسان الطبيعي) ناشئ من فكرة الحقوق الطبيعيّة. علمًا بأنّ هذا التعبير لم

(12)

يرد في تعاليم الإسلام والثقافة الإسلاميّة، وهذه الفكرة قد اشتهرت في المجتمع الإسلامي بمعزل عن تعاليم الإسلام وأخذت أخذ المسلّمات بأنّ للإنسان حقوقًا طبيعيّة. ولكن من حقّنا أن نتساءل عن سبب وجود الحقوق الطبيعيّة للإنسان، وهل لهذا المدعى دليل منطقي وعقلائي؟ وعلى أيّ أساس فلسفي وبأيّ ملاك يكون للإنسان حقوق طبيعيّة؟ وهل حقوق الإنسان الطبيعيّة مطلقة أو مقيّدة؟ فإذا ثبت حقّ الحياة للإنسان مثلًا، فهل هذا الحق ثابت له في جميع الشرائط من دون استثناء؟ فإذا تمّ بيان فلسفة الحقوق الطبيعيّة وملاكها، لاتّضحت أجوبة هذه الأسئلة أيضًا.

وبخصوص حقّ الحياة مثلًا والوارد في منشور حقوق الإنسان العالمي أيضًا يوجد خلاف أساسي بين الرؤية الغربيّة والرؤية الإسلاميّة. وهو من الموارد التي اتّهم الغربُ الإسلامَ بنقض حقوق الإنسان، وعلى سبيل المثال فنحن نحكم بإعدام من يقوم بتهريب كميات كبيرة من المواد المخدّرة، لكنّهم يقولون إنّ إعدامه يخالف حقوق الإنسان، لأنّ الإعدام يسلب حقّ الحياة من الإنسان.

ونحن هنا لا نريد بيان الموقف والحكم بين هاتين الرؤيتين، بل نريد الإشارة إلى الأسئلة الأساسيّة في منشأ حقوق الإنسان، وهل يوجد ملاك خاصّ لإثبات الحق أو سلبه؟ فلو كان الجواب إيجابيًّا فما هو ذلك الملاك؟

فكما قلنا فإنّ بعض الباحثين في مقام الإجابة على هذا السؤال ذهبوا إلى أنّ الطبيعة هي منشأ حقوق الإنسان.

تحليل نظريّة الحقوق الطبيعيّة

لا بدّ في البداية من الوقوف على المقصود من (الطبيعة) عند أنصار هذه النظريّة. فلو كان غرضهم أنّ مع قطع النظر عن أنواع موجودات العالم يوجد

(13)

في الواقع شيء باسم الطبيعة يهب الحقوق إلى الإنسان، فهذا المدّعى غير علمي بشكل قاطع، لعدم وجود شيء آخر باسم الطبيعة، عدا وجود الإنسان وسائر الموجودات، كي تكون خالق الموجودات ومنها الإنسان. نعم إنّ نفي الطبيعة بهذا المعنى لا علاقة له بالمباني الدينيّة والإذعان بوجود الله، بل إنّ سؤالنا مع قطع النظر عن وجود الله أو عدمه: هل يوجد شيء باسم الطبيعة يخلق الإنسان ويهبهم الحقوق ويضمن لهم حق الاستفادة منها؟! إنّ أيّ عاقل لا يمكنه قبول هذا المدّعى، أو لا يوجد أيّ دليل على الأقل لإثباته، كما لا يمكن إثباته علميًّا. وعلى أيّ حال فإنّ وهن هذا المدّعى واضح وبيّن، وعليه لا بدّ من البحث عن مبرّر لنظريّة الحقوق الطبيعيّة يجعلها مقبولة ومنطقيّة إلى حدٍّ ما.

إنّ التفسير المتناسب لهذه النظريّة أن يقال: إنّ حق الحياة من اقتضاءات طبيعة الإنسان، بمعنى أنّ من لوازم حياة موجود باسم الإنسان على الأرض أن يحفظ حياته وأن يحق له التمتّع من إمكانات الحياة، فلو لم تُضمن هذه الحقوق ولم تُعتبر للإنسان، لا يمكنه الاستمرار في الحياة، ولا ينال الكمالات المتناسبة مع الإنسان، فهذا التلقّي للحقوق الطبيعيّة -والمخالف للمعنى الأوّل- قابل للتأمّل ويمكن فتح باب البحث حوله.

وأوّل سؤال يُذكر هنا يتعلّق بحدود هذا الحقّ الطبيعي، فلو اقتضت طبيعة الإنسان مثلًا حقّ تناول الطعام، فهل هذا يعني إمكان تناول أيّ طعام، وهل تقتضي طبيعة الإنسان حقّ الاستفادة من الطعام مطلقًا وبأيّ طريق؟ أو أنّ طبيعة الإنسان تقتضي أصل تحقّق هذا الحقّ فقط، أمّا إطلاق هذا الحقّ وإمكان تناول أيّ طعام وبأيّ نحو حصل، فلا يمكن إثباته. ونفس هذا السؤال يرد في أصل حقّ الحياة، فعلى افتراض أنّ حفظ الحياة يُعدّ من حقّ الإنسان الطبيعي، فهل هذا

(14)

الحقّ ثابت مطلقًا؟ ولو أنّ شخصًا قتل شخصًا أو أشخاصًا فهل له حقّ الحياة أيضًا؟ أو أنّ طبيعة الإنسان تقتضي إجمالًا حقًّا باسم حقّ الحياة، أمّا هل أنّ هذا الحقّ مطلق وثابت في أيّ وقتٍ، فلا تقتضي ذلك.

ويظهر أنّنا لو أذعنّا بالحقوق الطبيعيّة بهذا المعنى، أمكننا إثبات أصل الحقوق، ولكن لا يمكن إثبات المدّعى القائل بثبوت هذه الحقوق مطلقًا وفي أيّ وقت وحال، إذ من البديهي أنّ حق الطعام ثابت إلى حين عدم خروجه من المسير الصحيح، وأن يتحقّق بشرائط خاصّة، وهذا لا يعني أنّ الإنسان بما أنّ له حقّ الطعام يمكنه أن يسلب هذا الحقّ من الآخرين. كما أنّ حق حياة الإنسان ثابت ومعترف به ما دام لم يسلب هذا الإنسان حقّ حياة الآخرين، وإلّا سوف يُسلب منه حقّ الحياة، فسلب حقّ الحياة من هذا الشخص لم يكن غير صحيح، بل إنّه عين الحق. وقد قال القرآن الكريم بهذا الصدد:﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ[1].

نعم، إنّ القرآن وبشكل عام يحترم حقّ حياة الإنسان ولا يجوّز سلبه، ولكن توجد موارد لم يكن فيها قتل النفس سلبًا لهذا الحق، بل يكون أمرًا واجبًا ولازمًا، ولولاه لحصل فساد وتضييع لحقوق الآخرين، ولتعرّض المجتمع إلى الخطر: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ[2]، فلو لم يُقتل القاتل لأدّى ذلك إلى قتل المئات، فلأجل الحفاظ على حياة الإنسان لا بدّ من قتل من ارتكب جريمة القتل، كي ينسدّ باب التعدّي على حقّ حياة الآخرين.

ولكن لا تقرّ لائحة حقوق الإنسان العالميّة هذه الملاحظات، وتدعو إلى إلغاء

(15)

عقوبة الإعدام مطلقًا. ولنا أن نتساءل من وجهة نظر علميّة -مع قطع النظر عن السلوك السياسي- عن الدليل المنطقي لإطلاق هذه الحقوق وعدم وجود أيّ استثناء فيها؟ فإذا قالوا إنّ الدليل إنّما هو بسبب هبة الطبيعة لذلك، قلنا إنّ حق الطعام كذلك أيضًا، فهل هذا الحقّ مطلق أيضًا، ويحقّ للإنسان تناول أيّ طعام ومن أيّ وجهٍ كان؟ وهل يمكنه التصرّف في أموال الآخرين لأنّه جائع؟ ومع قطع النظر عن هذا، فلو كانت جميع الحقوق مطلقة، لكان وضع القانون لغوًا، أي لكانت القوانين الموضوعة في البلدان لتحديد سلوك الأشخاص وبيان نطاق عملهم لغوًا.

وعليه فإنّ الحقوق الطبيعيّة التي تعني قبول موجود اسمه (الطبيعة) يهب حقوقًا للإنسان، لا يمكن إثباتها عقلًا ومنطقيًّا. ويمكن أن يكون المعنى المقبول للحقوق الطبيعيّة أنّ مقتضى طبيعة الموجود وماهيّته، التمتّع بسلسلة حقوق تكون سبب بقائه ودوامه، فبهذا التفسير من الحقوق الطبيعيّة يمكننا إثبات بعض الحقوق إجمالًا. ولكن لا يدلّ هذا على إطلاق تلك الحقوق وعدم وجود أيّ استثناء فيها.

ب. الحقوق الوضعيّة

بعد ظهور عصر النهضة باتت الحقوق الطبيعيّة موضع نقد واعتراض وآلت إلى الأفول، واستُبدلت بنظريّة الحقوق الوضعيّة، والمدّعى الأساسي للحقوق الوضعيّة أنّ منشأ الحقوق هو التوافق الجمعي والمواضعة. إنّ ما يسبّب وضع الحق وإيجاده قبول أفراد المجتمع لذلك الحقّ، ولا معنى لوجود الحقّ الفلاني أو عدم وجوده سوى قبول المجتمع له أو عدم قبوله. فلو قبل المجتمع وجود حقوق للأب على الابن في الأسرة، وأنّ للابن أيضًا حقوقًا على الأب، يمكن

(16)

إثبات هذه الحقوق، لأنّ المجتمع توافق على قبولها، فمنشأ ثبوت الحق هو التوافق الاجتماعي، ولو ذهب هذا التوافق لزال ذلك الحقّ وتغيّر.

ومن الواضح أنّ هذه الرؤية لا يمكنها إثبات الحقوق الثابتة، وكذلك إثبات حقوق الإنسان العالميّة، إذ لكلّ مجتمع حقوق خاصّة في الأزمان المختلفة، وعليه لا يحقّ لأيّ مجتمع فرض نظامه على مجتمع آخر.

ج. الرؤية الإسلاميّة

قبل الخوض في بيان رؤية الإسلام حول منشأ الحقوق، لا بدّ من الالتفات إلى نقطتين:

1. سعة مفهوم الحقّ في الرؤية الإسلاميّة

إنّ مفهوم الحقّ في الثقافة الدينيّة أوسع من مفهومه في الأخلاق والحقوق، فمضافًا إلى الحقّ الأخلاقي والحقوقي، للحقّ مصاديق أُخرى منها حقّ الله على الإنسان؛ لذا فإنّ المفهوم الديني والإسلامي للحق، يختلف عن مفهومه الحقوقي والأخلاقي من هذا الوجه.

2. الرؤية التكليفيّة في الإسلام

إنّ رسالة الإسلام هداية الإنسان وسوقه نحو السعادة والكمال الإنساني، لذا فإنّ أكثر توجّه الدين ينعطف نحو التكاليف والمسؤوليّات التي توجب كمال البشر وسعادتهم. أمّا الحقوق التي لا يوجد إلزام فيها، وتبيّن لمجرّد منفعتها للإنسان، تكون في الدرجة الثانية من الأهميّة. إنّ سبب اهتمام الدين الأكثر ببيان الحقوق من النوع الأوّل، إنّما هو وجود رغبات وحوائج في الإنسان يسعى بحسب الغريزة والطبيعة إلى تأمينها، لذا يحتاج إلى قانون وأوامر وتكاليف، وعلى

(17)

سبيل المثال فإنّ طبيعة الإنسان تقتضي التنفّس وتناول الطعام والماء ونحوه. لذا لا حاجة إلى أن يُقال للإنسان لك حق التنفّس وشرب الماء وأكل الطعام؛ لأنّه يعمل هذه الأمور بطبيعته، والمهم في هذه الموارد بيان وتحديد الحقوق ورعاية حق الآخرين. إنّ ما يوجب كمال إنسانيّة الإنسان في الرؤية الدينيّة، الالتفات إلى التكاليف الملقاة على عاتقه. نعم، إنّ الحقّ والتكليف وجهان لعملة واحدة، بمعنى وجود حقوق للإنسان بإزاء التكاليف الملقاة على عاتقه. والسؤال المطروح هنا أنّ الرؤية الإسلاميّة إلى أيّ الوجهين تميل بنحو أكثر، فهل الإسلام يؤكّد على المسؤوليّات والتكاليف أكثر من الحقوق؟

إنّ النصوص الدينيّة تتحدّث في الغالب عن رعاية حقوق الإنسان، بمعنى التأكيد على التكاليف التي توجد لكلّ شخص أمام الآخرين، فبما أنّ رسالة الدين إنّما هي التعليم والتربية، فيتمّ التركيز في مقام البيان على المسوؤليّات [والتكاليف].

وللإمام السجّادعليه‌السلام كلام جميل في هذا المورد، حيث يقول: «اعلم -رحمك الله- أنّ لله عليك حقوقًا محيطة بك في كلّ حركة تحرّكتها أو سكنة سكنتها، أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلّبتها، أو آلة تصرّفت بها بعضًا أكبر من بعض، وأكبر حقوق الله عليك ما أوجبه لنفسه تبارك وتعالى، وهو أصل الحقوق ومنه تتفرّع سائر الحقوق...»[1].

فقوله عليه‌السلام : «إنّ لله عليك حقوقًا محيطة بك» يدلّ على عدم خلوّ أيّ شأن من شؤون حياتك من حقوقٍ إلهيّة، فربّما تشكّل حركة من حركاتك عدّة حقوق إلهيّة، بمعنى وجود مجموعة من التكاليف والمسؤوليّات على عاتقك من قبل الله

(18)

تعالى. ولم يقل إنّ لك حقوقًا على الآخرين يلزم مراعاتهم لها، بل يقول: إنّ حقوقًا قد أحاطتك أي حقوق الآخرين عليك والتي يلزم عليك مراعاتها، علمًا بأنّ قيمة هذه الحقوق لم تكن متساوية بل يكون بعضها أكبر وبعضها أصغر، فأكبر حق على عاتقك إنّما هو حقّ الله عليك.

ثمّ إنّ الإمام السجّادعليه‌السلام يشير إلى نقطة جوهريّة في فلسفة الحقوق الإسلاميّة، إذ يقول: «وهو أصل الحقوق ومنه تتفرّع سائر الحقوق». فأصل الحقوق هو حقّ الله وتتفرّع عنه سائر الحقوق، فلو افترضنا جميع الحقوق بمثابة الشجرة فجذرها هو حقّ الله على عباده، أمّا سائر الحقوق فهي الأغصان النامية من هذا الجذر.

وفي الواقع إنّ الإشارة إلى حقّ الله كحقّ أعلى، يُذكر في الثقافة الدينيّة فقط، أمّا في الحقوق العرفيّة وحتّى في الأخلاق التقليديّة والكلاسيكيّة، فلا يوجد أيّ مورد لحقّ الله. والأمر المهم في الثقافة الدينيّة، أنّ حقّ الله يعدّ بمثابة الجذر ومنشأ سائر الحقوق، بحيث لا يتحقّق أيّ حقّ من دونه.

3. حقّ اللَّه منشأ حقوق الإنسان

لأجل إثبات هذا المدّعى، أي منشأيّة حقّ الله لحقوق الإنسان، لا بدّ في البداية من إثبات وجود الله بالبرهان، وهذا الأمر يخصّ علم الكلام وخارج عن نطاق الحقوق. ثمّ لا بدّ من إثبات وجود حق لله تعالى على مخلوقاته بالبرهان أيضًا، وهذا يتعلّق بمبحثنا الحالي وله صبغة حقوقيّة.

إنّ ثبوت الحقّ من وجهة نظر عقليّة فرع ثبوت الملكيّة، بمعنى أنّ للمالك فقط حقّ التصرّف في ملكه، أمّا الذي لم يكن مالكًا أو من لم يأذن له المالك لا حقّ له في التصرّف أبدًا. وهذا الأمر من الأحكام والإدراكات القطعيّة بل يُعدّ من بديهيّات العقل.

(19)

ومن جهة ثانية فقد ثبت في الإلهيّات أنّ الله خالق جميع الوجود ومالكه، وأنّ جميع الموجودات تستلهم منه فيض الوجود، وهو الموجود الوحيد القائم بالذات ولم يأخذ فيض الوجود من أيّ موجود آخر، بل هو عين الوجود؛ لذا لا يحتاج إلى أيّ علّة. فمع لحاظ هاتين المقدّمتين (أي حق تصرّف المالك في ملكه، وخالقيّة الله لجميع الوجود واستغناؤه الذاتي) نقول:

بما أنّ الله خالق الكون والإنسان، فهو المالك الحقيقي لهما، وله بطبيعة الحال حقّ أي نوع من التصرّف فيهما. ومن جهة أُخرى لا يوجد أيّ حق لغير الله على الله وعلى سائر الموجودات أيضًا، لعدم كونه خالقًا ومالكًا لها، ويتحقّق الحقّ حصرًا فيما لو أعطى خالق الوجود ذلك الحقّ لشخص أو لشيء. إذ إنّ جميع الوجود ومنه الإنسان إنّما وُجد بإرادته تعالى ويبقى بإرادته أيضًا:﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[1]. فلو رفع الله تعالى إرادته هذه، لم يبق ذلك الشيء، فبقاء أيّ موجود ودوام بقائه إنما هو بإرادته تعالى. وعليه فإنّ الرؤية الدينيّة تحتوي على البرهان العقلي في منشأ الحقّ، ولكن في الرؤية غير الدينيّة والحقوق العرفيّة لا يمكن إقامة البرهان العقلي.

4. التبيين الفلسفي لوضع الحقوق من قبل اللَّه

عندما نقول إنّ جميع الحقوق تنشأ من الله تعالى، فهل المراد أنّ الحقوق مجموعة اعتبارات تنشأ من وجود الله تعالى؟ فلو كان الأمر هكذا، ومع لحاظ عدم إمكان تحقّق الاعتبار في مقام الألوهيّة، وأنّ كل ما هو موجود إنّما هو حقيقي وتكويني، إذًا ما معنى استناد الأمور الاعتباريّة إلى الله تعالى؟

وجواب هذا السؤال أنّ الاعتبار يكون تارة لرعاية حال المعتبِر، ويكون تارة أخرى لرعاية حال من اعتُبر له. فالاعتبار من قبل الله تعالى لم يكن للحاظ

(20)

ذاته، بل لرعاية حال الإنسان. وبما أنّ الإنسان يتعاطى مع المفاهيم، ويستعين بالألفاظ والمفاهيم للإفهام والتفاهم وانتقال ما في ذهنه وضميره إلى الآخرين، وكذلك الله تعالى، فإنّه يستفيد من المفاهيم والألفاظ للارتباط مع الإنسان، وإلّا لم يتوصّل الإنسان إلى مقصود الله تعالى وغرضه.

فعندما نقول في المسائل الحقوقيّة والاعتباريّة أنّ لله حقًّا، إنّما هو لجهة رعاية حال الإنسان، لأنّ الإنسان يتعاطى المفاهيم، وأيّ موجود يريد التعاطي مع الإنسان والارتباط معه لا بدّ أن يستعين بالمفاهيم أيضًا.

فهذه المسألة -من وجهة نظر فلسفيّة- لم تكن من جهة نقص الفاعل بل تتعلّق بنقص القابل. إنّ ألوهيّة الله تعالى مقام تكويني وحقيقيّ، أو بعبارة أخرى ما فوق الاعتباريّات، والله تعالى يستعين بالمفاهيم والاعتباريّات للنقص الموجود في القابل أي الإنسان.

وعليه فإنّ الرؤية الإسلاميّة تقتضي أن تكون جميع الحقوق، أعمّ من الحقوق الاصطلاحيّة والاجتماعيّة والقانونيّة والأخلاقيّة تابعة لحقّ الله تعالى. فحقّ الله هو أصل جميع الحقوق ومنه تنشأ جميع الحقوق. فإذا قال: ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ[1] لا يعني أنّ الله دوّن كتاب قانونٍ تكون الفقرة الأولى منه مثلًا أنّ الله كتب على نفسه الرحمة لعباده، فلم يكن الأمر بحيث يكون له جعل واعتبار هكذا. بل الحقيقة أنّ وجود الله تعالى يقتضي الرحمة، أي أنّ اللازم الحقيقي والتكويني لهكذا وجود أن يكون رحيمًا بعباده، فلو سألنا لماذا استخدم هذه العبارة، فالجواب أنّ كيفيّة الارتباط مع الإنسان لا بد أن يكون في قالب المفاهيم والألفاظ والاعتباريّات، كي يتمكّن الإنسان من فهمها.

(21)
5. إثبات جميع الحقوق على ضوء حقّ اللَّه

كما قلنا فإنّ جميع الحقوق في الرؤية الإسلاميّة ترجع إلى الله تعالى، ولا يحقّ للإنسان أن يضع حقًّا على الله أو على إنسان آخر من دون أن يهب الله تعالى له هذا الحقّ، لأنّ الإنسان لا يملك شيئًا كي يكون له الحق، وعليه فإنّ سُلّم الحق يبدأ من الله تعالى، ولو لم نلحظ الله وكذلك ارتباط الإنسان به، لا يمكن إثبات أيّ حق لإنسان على إنسان آخر من وجهة نظر البرهان العقلي، لذا يقول الإمام السجّادعليه‌السلام : «وهو أصل الحقوق ومنه تتفرّع».

ولا بدّ من الالتفات إلى هذين المثالين لتبيين هذه الحقيقة:

إنّ من جملة الحقوق الأساسيّة الثابتة لكلّ إنسان إنّما هي حقّ الحياة، ويحقّ له -بتبع هذا الحق- تهيئة كل ما يقوّم حياته. والسؤال الأساسي الذي يُذكر بخصوص حقّ الحياة هو أنّه من أين ينشأ؟ من الذي أعطى حقّ الحياة للإنسان؟ فمن البديهي أنّ أصل وجود الإنسان من الله تعالى، ولم يكن هناك بشر قبل أن يخلق الله تعالى الإنسان ليكون له الحق، فالحياة التي يراها الإنسان من حقّه إنّما وهبها الله تعالى له، بمعنى أنّ حقّ الحياة تتحقّق بإرادة الله تعالى، وإذا لم يشأ الله لما تحقّقت الحياة للإنسان كي يدّعيها لنفسه، ومن الحقوق الأساسيّة الأخرى حقّ الملكيّة وحقّ الاستفادة من النعم التي تتوقّف عليها حياة الإنسان كحقّ السكن وحقّ الطعام وحقّ اللباس ونحوها، فمن أين تنشأ هذه الحقوق؟ فلو كان الإنسان كسائر الجمادات وإنّ الله تعالى خلقه بحيث لا يتمكّن من أكل الطعام، فهل كان يثبت له حقّ الطعام حينئذٍ؟ فالله تعالى خلق الإنسان آكلًا، وخلق له أنواع الأطعمة، فالله إذن هو واهب حقّ الأكل للإنسان.

وكذلك الأمر في حقّ السكن، حيث يُعدّ من جملة حقوق الإنسان، وقد ورد في منشور حقوق الإنسان أيضًا، فكل إنسان يحقّ له أن يختار مكانًا على الكرة

(22)

الأرضيّة للسكن، لأنّ الله خلق الإنسان محتاجًا إلى السكن، ومن جهة أُخرى خلق الطبيعة المحيطة به وهيّأ الشرائط بحيث يتمكّن الإنسان من اختيار سكن له، فلو خلق الله الإنسان كالجمادات لما احتاج إلى السكن، ومن جهة أخرى إذا لم يخلق الطبيعة هكذا، لما أمكن تبيين اعتبار حقّ السكن للإنسان.

مضافًا إلى هذا فعندما نقول إنّ أصل جميع الحقوق تعود إلى الله، يعني أنّ الله خلق الإنسان مريدًا مختارًا، فلو خلقه من دون شعور واختيار، فهل تثبت له حقوق حينئذٍ؟ إنّ الله خلق الشجرة مثلًا بحيث لم يكن لها حق اختيار مكان غرسها، وعليها أن تنمو في أيّ مكان غُرست، فلو خُلق الإنسان أيضًا هكذا، لم يكن له حق على الله كي يمنحه حقّ الاختيار أو الانتخاب.

فسبب وجود الاختيار وحقّ الانتخاب للإنسان إنّما هو لأجل خلقة الله تعالى له هكذا وأراد منه أن ينتخب طريق الكمال بإرادته، طبعًا كان بإمكانه أن يخلق الإنسان كسائر الموجودات بحيث تنساق جبرًا إلى هنا وهناك ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ[1]، فلو شاء الله لجعل الإنسان كالملائكة بحيث لا يختار إلّا الطريق الصحيح، فالله تعالى هو الذي منح حقّ الاختيار للإنسان، وأنّ الحق ينشأ من ذاته المقدّسة.

فالله تعالى الذي منح الوجود والاختيار للإنسان، يحقّ له أن يأمر الإنسان بالاستفادة من هذا الاختيار والإرادة الإلهيّة الممنوحة له في طريق خاصّ وكما يريد، فالله يقول إنّي خلقتكم لتصلوا إلى الكمال، وإنّ كمالكم في التقرّب إليّ، فتقرّبوا إليّ. فإذا كانت هذه هي إرادة الله فعلى الإنسان الالتزام بها. إنّ الله يريد أن تكون شرائط المجتمع بحيث يتمكّن طالب الكمال والسعادة (أي القرب إلى الله) من الوصول إليها.

(23)

إنّ ارادة الله هي أيضًا منشأ حقّ الناس في الحكومة، فبما أنّ إرادة الله هي هكذا، كلّف الحكومة الإسلاميّة بتهيئة أرضيّة عبادة الله والتقرّب إليه في المجتمع، وهذا حقّ الناس المسلّم على الحكومة، ومقتضى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ  [1]، ونحوه حقّ الناس في السكنى في مجتمع يهيّئ لهم أسباب عبادة الله بكل سهولة، والحكومة مكلّفة أيضًا تهيئة الشرائط الاجتماعيّة بالنحو المطلوب مع رفع الموانع، وعلى الحاكم الإسلامي الوقوف أمام المفاسد الخُلقيّة في المجتمع كي تتهيّأ ظروف تعالي البشر وكمالهم.

وعلى أيّ حال، فإنّ مدّعانا أنّ منشأ الحقّ لا يمكن بيانه إلّا من خلال الرؤية الإلهيّة، فقد جعل الإمام السجّادعليه‌السلام حقّ الله على الإنسان أساس جميع الحقوق، وأنّها تتفرّع منه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[2].

فلو لم يكن هذا الجذر لكانت الحقوق كالشجرة المقتلعة من الجذور، وعلى حدّ تعبير القرآن ﴿مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ[3] فالشجرة التي ليس لها جذر في الأرض إما أن تتعفّن أو تفسد ثمّ تجف ولا يكون لها ثمر، ولكن لو كانت الشجرة متجذّرة في الأرض فهي وإن يبست بعض غصونها تارة، لكنّها تنمو مرة أخرى لكونها متجذّرة في الأرض.

6. ملاك جعل الحقوق من قبل اللَّه

إنّ حقّ الله تعالى أصل الحقوق، وبعبارة أُخرى إنّ الله جاعل جميع الحقوق،

(24)

فهل الله يعطي الحقّ اعتباطًا من دون دليل، أو أنّ اعتبار الحقوق والتكاليف من قبل الله يخضع للحكمة؟

إنّ من يعرف الإسلام بشكل حقيقي، يرى أنّ إرادة الله تتبع المصلحة والحكمة دائمًا، وأنّ الأحكام المشرّعة تتبع أيضًا المصالح والحكم. ونحن قد نجهل هذه الحكم، ولكن فإنّ هذا الحكم والإرادة مطابق في الحقيقة للمصلحة. وكذلك الأمر في الحاكميّة، فعندما يمنح الله حقّ الحاكميّة لشخص، فإنّها تتأطّر بإطار أحكام الإسلام الإلهيّة ومصالح الناس، ولو أنّ الحاكم أمر أو نهي خلافًا للأحكام الإلهيّة وقيم الإسلام ومصالح الناس، لا يكون له أيّ اعتبار؛ لأنّه: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»[1].

يمكن إثبات مدعانا في أنّ حقّ الله أوّل حقّ وأهمّه، من طريقين عقلي ونقلي:

7. البرهان النقلي على منشأية حق اللَّه

فإحدى الطرق أن نثبت حقّ الله من رؤية دينيّة وبالأدلة الشرعيّة والتعبديّة، بمعنى مراجعة المصادر الدينيّة، والوصول إلى هذا الأمر عن طريق الآيات والروايات الواردة عن أئمّة الدين، وقد أوردنا رواية الإمام السجّادعليه‌السلام ، حيث يصرّح فيها أنّ حقّ الله هو أصل الحقوق وتتفرّع منه سائر الحقوق. وقد قال أمير المؤمنين عليه‌السلام أيضًا: «ولكنّه سبحانه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلًا منه وتوسّعًا بما هو من المزيد أهله، ثمّ جعل سبحانه من حقوقه حقوقًا افترضها لبعض الناس على بعض... وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعيّة وحقّ الرعيّة على الوالي،

(25)

فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل»[1].

يستفاد من هذا الكلام أنّ أصل جميع الحقوق هو حقّ الله بأن يأمر الناس وبأن يمتثلوا أوامره، فلو دقّقنا النظر بذهن خال من الشبهات في هذه العبارة، لأدركنا بشكل جيّد رؤية أمير المؤمنين عليه‌السلام بلزوم نشأة أيّ حق - ثبت في مكان مّا لصالح أيّ شخص أو ضرره- من الحق الإلهي، إذ لا يوجد أيّ حقّ لشخص بالذات على الآخرين في الرؤية الإسلاميّة، إلّا الله حيث له الحقّ ذاتًا وبالأصالة على عباده، وهو الذي يسنّ الحقوق بناء على هذا الحقّ الثابت له.

وقد استعنّا في هذا البيان بمنهج الاستدلال التعبّدي، بمعنى أنّنا نقلنا رؤية الإسلام، ودليله الروايتان المنقولتان عن أمير المؤمنين عليه‌السلام والإمام السجّادعليه‌السلام ، علمًا بأنّ هذا الاستدلال لا يكون مقبولًا إلّا عند من أذعن بشكل مسبق بإمامة هؤلاء الأئمّة وعصمتهم.

8. البرهان العقلي على منشأيّة حقّ اللَّه

لو أراد شخص الخوض في هذه المسألة من خارج دائرة الدين، فلا بد من الاستماع إلى حكم العقل. فهل يمكن إثبات منشأيّة حقّ الله لسائر الحقوق عقلًا، وأنّ حقوق الإنسان لا بدّ أن تنشأ وتتفرّع من حقّه؟ علمًا بأنّ الدليل العقلي هذا يتوقّف على فرضيّة مسبقة تذعن بوجود الله ووجود حقّ له. ونحن هنا نريد إثبات منشأيّة حقّ الله لجميع الحقوق عقلًا، أمّا الذي ينكر وجود الله رأسًا فلا فائدة له في هذا البحث منطقيًّا.

نحن نفترض في هذا البحث وجود الله الخالق للكون والإنسانيّة، لذا نريد أوّلًا إثبات وجود الحقّ لله على العباد بالدليل العقلي، وثانيًا رجوع جميع الحقوق

(26)

إلى حقّ الله، وأن لا اعتبار لأيّ حق إلّا ما جعله الله تعالى.

أ .تحليل مفهوم الحقّ

لأجل إثبات وجود حقّ لله على عباده عقلًا، لا بدّ من تقديم مقدّمات. ينبغي أوّلًا تحليل مفهوم الحقّ، وأنّ الحقّ المبحوث في الحقوق والسياسة من أي مقولة هو؟ وكيف يحصل هذا الحق وما هو مِلاكه؟ وتعدّ هذه المباحث والمقدّمات من أعقد المباحث العقليّة وأدقّها.

إنّ المفاهيم التي يتعاطها الإنسان على قسمين: المفاهيم التي لها ما بإزاء خارجي وعيني كالأرض والسماء والإنسان ونحوها التي يشير كلّ واحد منها إلى موجود عيني خاصّ في الخارج. ويطلق على هذه المفاهيم في الاصطلاح (المفاهيم الحقيقيّة) أو (المفاهيم الماهويّة). ويوجد في قبالها سلسلة مفاهيم أُخرى لا تدلّ على شيء خارجي خاصّ، بل إنّ قوامها يكون بالاعتبارات العقليّة والذهنيّة، فعندما نقول مثلًا إنّ الصلاة واجبة، أمكن عدّ الصلاة مجموعة من الحركات العينيّة الخارجيّة، ولكن الواجب لا يشير إلى موجود خارجي أو صفة مرتبطة بالموجودات الخارجيّة، بل إنّه معنى يدركه العقل فقط. فالحقّ يعدّ من قبيل هذه المفاهيم، أي أنّه أمر اعتباري.

ب. التسلسل في مفهوم الحق

إنّ من خواص المفاهيم الاعتباريّة أنّها قابلة للتسلسل، وعلى سبيل المثال نقول: إنّ من يسعى ويعمل عملًا على مادّة خام كان له حقّ التملّك عليها. فإذا قطع جذعًا من شجرة الغابة، فعمله هذا يعدّ نوعًا من العمل، ثمّ يمكنه أن يصنع من هذه القطعة الخشبيّة صورة خاصّة كالباب أو النافذة أو عملٍ فنّي آخر، فلأجل هذا العمل الذي عمله على هذه المادّة الخام، نقول إنّ لهذا الشخص حقّ التملّك

(27)

على هذه البضاعة، فالملكيّة أمر اعتباري بمعنى أنّه لا يوجد شيء في الخارج باسم المالكيّة سوى الإنسان والخشب والأعمال التي أُجريت على الخشب.

ومن خواص هذا المفهوم الاعتباري (المالكيّة) إمكان أخذ مفاهيم اعتباريّة أخرى متعدّدة منه، وعلى سبيل المثال فالعامل الذي يعمل على الخشب ويخلق أثرًا فنيًّا يكون مالكًا له، وللمالك حقّ التصرّف في ملكه، فهنا مضافًا إلى مفهوم الملكيّة الاعتباري، يتولّد مفهوم الحق، أي بما أنّه مالك فله حق التصرّف في ملكه.

وعند تحليل مفهوم الحق يتولّد هذا السؤال: هل لصاحب الحق أن يتنازل عن حقّه لصالح الآخر، بأن يبيعه مثلًا إزاء مبلغ من المال؟ فالجواب نعم، فللإنسان أن يتبادل حقوقه أو يتنازل عنها، ففي هذه الحالة يكون الإنسان مالك التصرّف في ملكه أيضًا، وبعبارة أُخرى بعدما يُصبح مالكًا يحقّ له الانتفاع من ملكه، فهنا يتولّد مفهوم آخر على المالكيّة سوى الحق، وهو حقّ التصرّف والتبادل، وهذا التوالد المفهومي يمكنه أن يستمر ويتسلسل هكذا، وهذا التسلسل من خواص المفاهيم الاعتباريّة، والحال أنّ المفاهيم الحقيقيّة كالإنسان لم تكن هكذا ولا يوجد إنسان آخر داخل هذا الإنسان أو محموله. فعندما نقول: يحقّ للإنسان أن يفعل كذا، ثمّ نقول: له أن يتنازل عن حقّه هذا، فهنا يرتبط حقٌّ بحقٍّ آخر ويتعلّق به، أي بما أنّ له الحق الأوّل يملك الحقّ الثاني، وعلى هذا فالحقّ الثاني الذي يعد مفهومًا اعتباريًّا يرتبط بالحقّ الأوّل. فمن إحدى علامات اعتباريّة مفهوم الحقّ أنّه يتسلسل ويتعلّق بعضه ببعض الحقوق الأخرى خلافًا للمفاهيم الماهويّة.

إنّ أشهر الفلاسفة الذين التفتوا إلى تسلسل الاعتبارات العقليّة والمفاهيم الاعتباريّة شيخ الإشراق، فقد خصّص في كتابه حكمة الإشراق وسائر كتبه فصلًا مهمًّا لكيفيّة معرفة الاعتبارت العقليّة، وقد اقتبس منه سائر الفلاسفة هذا الأمر كصدر المتألّهين وغيره.

(28)

لقد علمنا لحدّ الآن أنّ الحق مفهوم اعتباري أبدعه العقل، من دون أن يؤخذ من شيء خارجي مستقلّ. ومن الواضح أيضًا من جهة أُخرى أنّ (الخلق) يعني إحداث الوجود وإيجاد شيء في الخارج. فمع لحاظ هذين الأمرين يتّضح أنّ الخلق والإيجاد لا يتعلّقان بالمفاهيم الاعتباريّة كالحقّ، بمعنى أنّ المفاهيم الاعتباريّة لا وجود لها بالاستقلال وبمعزلٍ عن الموجودات الخارجيّة. لذا عندما نقول إنّ لله حقًّا، لا يعني وجود شيء مستقلّ عن الله ومضاف إلى ذاته اسمه الحقّ، بل إنّه انتزاع يعمله العقل ولا يوجد في الخارج إلّا موجود عيني اسمه الله تعالى.

ج. كيفيّة ظهور المفاهيم الاعتباريّة

عندما نستعمل مفهوم الحقّ الاعتباري ونقول: لفلان الحقّ وليس لفلان الحق، يرد سؤال عن كيفيّة انتزاع العقل للمفاهيم الاعتباريّة؟ وبحدود ما نعلم فإنّ العلّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) أوّل من بيّن كيفيّة ظهور المفاهيم الاعتباريّة بشكل جيّد. إنّه لتوضيح كلامه يستشهد بهذا المثال (الفارسي) ويقول: كثيرًا ما نستعمل في المفاهيم الاجتماعيّة أو السياسيّة [في اللغة الفارسيّة] كلمة الرأس (سَرْ) ومشتقّاتها من قبيل: سردمدار أو سرکارگر [بمعنى الزعيم ورئيس العمّال] فكلمة الرئيس والرئاسة مأخوذة من كلمة الرأس، فالرئيس يعني الزعيم والمتولّي، والرئاسة تعني الترؤس والهيمنة. فمقام الرئاسة مفهوم اعتباري ناشئ من الاعتبار وليس واقعًا عينيًّا خارجيًّا، فهي صرف الاعتبار، حيث تُمنح اليوم لشخص وتُسلب منه في اليوم الثاني، والسؤال الأساسي عن كيفيّة اعتبار مفهوم الرئاسة الاعتباري، وكيف يستعملها الإنسان في محاورته اليوميّة؟

يقول العلّامة الطباطبائي إنّ الإنسان يلحظ في البداية وجوده والدور الذي يقوم به الرأس في جسده، وأنّ جميع أعضاء الجسم رغم أهميّة أعمال كل واحد

(29)

منها، تأتمر بأوامر الرأس، فالمخ هو مركز القيادة في الجسم، ويأمر جميع الأعضاء من خلال سلسلة الأعصاب، فقيادة جميع الأعضاء تكون عبر الرأس وفيه تتمركز، فعندما أردنا نقل شبيه هذه الحالة إلى المجتمع نقول: إنّ المقام الذي يحقّ له الأمر والنهي ويلزم على الآخرين طاعته، إنّما يكون لمن يملك مقام القيادة ويكون في الرأس -المعبّر عنه في العربية بالرئاسة- وبناء على هذا، فإنّ المفاهيم الاعتباريّة تؤخذ عارية واستعارة من الأمور العينيّة والحقيقيّة كمفهوم (الرأس)، حيث نلحظه في البداية مضافًا إلى الجسم، ثمّ نستعيره ونستعمله في المجتمع.

د. الحقّ والسلطة

أمّا الآن فعندما نقول إنّ لله حقًّا، فلنا أن نتساءل عن منشأ هذا المفهوم الاعتباري أي الحق وعن كيفيّة انتزاعه واعتباره. فما معنى قولنا: لفلان الحق؟ لقد عبّر بعض المفكّرين والمحقّقين عن مفهوم الحقّ بنوع من السلطة، أي عندما نستخدم كلمة الحق نواجه نوعًا من السلطة والإحاطة والفوقيّة، فعندما نقول: لفلان الحق، نلحظ له نوعًا من السلطة أو الامتياز، وبناءً على هذا يتساوى هنا مفهوم السلطة مع الحقّ، وعندما نقول يحقّ للأب أن يأمر ابنه، يعني أنّ له نوعًا من السلطة والفوقيّة وأنّ الابن خاضع له. أو عندما نقول: يحقّ للإنسان التصرّف في أمواله، يعني هذا أنّ له السلطة على أمواله ولباسه وسكنه وطعامه وغيرها.

وللسلطة مصداق تكويني نلحظه نحن، وهو سلطة الإنسان على أعضائه مثلًا، وعلى أساس هذه السلطة التكوينيّة يُبنى مفهوم السلطة الاعتباري ويُفهم، وكلّما تحقّقت السلطة والقاهريّة على أمر، يمكن اعتبار مفهوم الحقّ أيضًا نوعًا مّا، وكلّما لم نتمكّن من اعتبار هذه السلطة لا يستخدم مفهوم الحق فيه.

ويرى بعض فلاسفة الحقوق وأساتذة الفقه أنّ الحق والملك مفهوم مشكّك. فالحقّ هو الملك الضعيف، والملك هو الحقّ القوي. علمًا بأنّنا لسنا بصدد تأييد

(30)

هذه النظريّة، غير أنّه يمكن تبريرها والقول بوجود نوع من السلطة على المملوك في المِلك، وكذلك يوجد نوع من السلطة في الحق أيضًا ولكن بشكل أضعف. وعندما تتحقّق المالكيّة تتحقّق الحقوق المختلفة وفي أبعاد متفاوتة، ولكن ربّما يكون الحق في بُعد واحد. وعلى أيّ حال، فإنّ ملاك اعتبار الحق وجود نوع من السلطة والقدرة والقاهريّة.

فاتّضح لحد الآن أنّ ملاك اعتبار الحق إنّما هو المالكيّة والسلطة، فحينئذٍ أي سلطة في ساحة الوجود تكون أقوى وأكثر أصالة وقهّارية وأنفذ من سلطة الله تعالى، وقبل أن نعتبر ونجعل لله تعالى الحق، وقبل استعمالنا للمفاهيم الاعتباريّة وإطلاقها عليه، فله تعالى سلطة تكوينيّة على ما سواه، ولا يوجد أي موجود خارج عن سلطته وقدرته: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[1]، ﴿وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[2]، وهو الواحد الذي له كامل السلطة والقدرة على جميع الأشياء.

فإذا أردنا اعتبار مفهوم من السلطة والقدرة والقاهريّة، فأعلى مصداق لهذا المفهوم وأبرزه يتعلّق بالذات الإلهيّة المقدّسة، لأنّ قدرته وسلطته على جميع الأشياء أكثر وأوسع. وكلّ مقتدر فمنه يستمدّ القدرة وليس له شيء لحاله. فمن الذي وهب لنا هذه القدرة التكوينيّة التي نمتلكها على أعضائنا؟ فهذه الأعضاء أي اليد والرجل وسائر الأعضاء، وإن كانت من أجزاء كياني ووجودي، ولكن من الذي أعطاني القدرة على استعمالها؟ نعم، إنّه الذي يسلبها منّي متى شاء. ربّما يكون للإنسان يد، لكن ربما لا يمكنه استخدامها لشلل أصابها، فالله مضافًا إلى

(31)

إعطائه اليد، لا بد أن يهب لي أيضًا القدرة على التصرّف. فالحقّ الذي يكون ملاكه السلطة والقدرة والقاهريّة يرجع أصله إليه تعالى.

فتحصّل من هذا البرهان الفلسفي المبتني على عدّة مقدّمات صغرويّة وكبرويّة، عدّة نتائج، منها أنّ الله تعالى أصل جميع الحقوق، ولا يوجد أيّ حقّ آخر قبل تحقّق اعتبار الحقّ له تعالى، فحقّه منشأ ومبدأ حقوق العباد: «ثمّ جعل سبحانه من حقوقه حقوقًا افترضها لبعض الناس على بعض... فريضة فرضها الله سبحانه لكلّ على كلّ»[1].

فلو لم يجعل الله تعالى هذا الحق للناس، لما نشأ الحق من وجود الإنسان؛ لذا فما يقال بخصوص الحقوق كحقوق الإنسان والحقوق الطبيعيّة أو الفطريّة، كلّها كلام لا أساس له: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ[2]، فالحقّ الحقيقي هو الذي يمنحه الله تعالى: «فريضة فرضها الله سبحانه»[3] فلو لم يجعل الله الحق لشخصٍ، لا يتحقّق أيّ حق لأحدٍ بنفسه.

ثانيًا: الأصول الموضوعة لحقوق الإنسان

إنّ حقوق الإنسان وتكاليفه في الإسلام تبتني على أصول موضوعة، ترتبط من جهة بالنظرة الكونيّة (الوجود والعدم) ومن جهة أُخرى بالإيديولوجيا ومجموعة نظام القيم (الأوامر والنواهي الأخلاقيّة) المنبثقة من النظرة الكونيّة. وهذه الأصول الدالّة على ارتباط النظام الحقوقي مع الرؤية النظريّة والعمليّة، عبارة عن:

(32)

أصل التوحيد

لأجل تعيين حقوق الإنسان وتكاليفه، لا بدّ من لحاظ علاقته الوجوديّة مع الله تعالى قبل كلّ شيء، الله الذي لا يفتقر إلى غيره في وجوده، بل إنّ جميع الكون مفتقر ومحتاج إليه والإنسان كسائر الموجودات الأخرى قائم في وجود جميع شؤونه بالله الواحد تعالى؛ لأنّ كل ما سوى الله عبد محض له تكوينًا، ويستحيل الخروج من هذه العبوديّة التكوينيّة، لأنّ الخروج منها يستلزم العدم والفناء. فالإنسان إمّا هو موجود وله وجود غير مستقلّ أو لا، ولا يمكن تحقّق الشقّ الثالث بأن يكون له وجود مستقلّ. فهذه الرؤية تُطلق الإنسان من التوهّم الباطل القائل باستقلاليّة الإنسان في حياته وعدم حاجته إلى طاعة أيّ شخص. فالحريّة المطلقة غير مقبولة فلسفيًّا. وعليه يكون التوحيد والمسائل المتفرّعة منه أساس تعيين حقوق الإنسان وتكاليفه.

أصل حكمة اللَّه البالغة

إنّ الحكمة الإلهيّة -كأصل التوحيد- نافعة في جميع المباحث والمسائل القيميّة (الأخلاق والحقوق)، إذ لا يمكن التبيين والشرح العقلائي لأجزاء النظام الحقوقي الإسلامي وعناصره من دون لحاظ حكمة الله تعالى بشكل جيّد وتام. فأوّل حقوق الإنسان وتكاليفه وأهمّها لا يمكن بيانها إلّا من خلال الاستناد إلى اقتضاء الغاية من الخلقة وحكمة الله البالغة، فالله تعالى حكيم، والحكيم يُطلق على من تكون أعماله حكيمة تهدف للوصول إلى أهداف نبيلة. وتنشأ الأوامر والنواهي والحقوق والتكاليف من تناسب الهدف مع العمل الحكيم. نعم، إنّ لله تعالى ربوبيّة مطلقة على الإنسان والعالم، ويتحقّق هذا التدبير العام على أساس الحكمة، فلو أُغلقت الحكمة وتناسى الإنسان هدف الخِلقة أو تمّ التغافل عنها، فلا يمكن إثبات أيّ حق وتكليف.

(33)

ولم يكن الموت سوى الانتقال من الدنيا إلى الآخرة، فللإنسان اذا حياتين: الحياة الدنيويّة المؤقتة والزائلة، والحياة الأخرويّة الدائمة.

أصل ارتباط الدنيا والآخرة

تعدّ الحياة في هذا العالم مقدّمة للحياة الاخرويّة. وتكون النعم والمواهب الطبيعيّة أداة لتحصيل الكمالات المعنويّة وسعادة الإنسان الدائميّة. وأثر هذين الأصلين (أصل خلود الروح وارتباط الدنيا والآخرة) المتعلّقين بمبحث المعاد في الرؤية الكونيّة الإسلاميّة يظهر في نظام الحقوق الإسلاميّة عند دوران الأمر بين المنافع الدنيويّة الماديّة والمصالح المعنويّة والأخرويّة، حيث يلزم تقديم المصالح المعنويّة كي لا تتعرّض سعادة الإنسان الأبديّة والأخرويّة للخطر. ولا بد من رعاية هذه القاعدة في المسائل الأخلاقيّة والأمور الفرديّة أيضًا؛ لأنّ الحياة الفرديّة والاجتماعيّة الدنيويّة وسيلة للسعادة الأخرويّة، ومن البديهي لزوم افتداء الوسيلة للهدف لا العكس.

أصل كرامة الإنسان

لحقّ كرامة الإنسان في المجتمع أهميّة بالغة كسائر الأصول النظريّة لحقوق الإنسان. إنّ فلسفة خلقة الإنسان الوصول إلى الكمال، ولأجل تهيئة الأرضيّة المناسبة لتكامل الإنسان لا بدّ أوّلًا من حفظ الاحترام الاجتماعي للإنسان والذي يعد حاجة فطريّة وطبيعيّة له، وثانيًا تتهيّأ له فرصة الاستفادة من النعم الموجودة. والإسلام -إن لم يكن أكثر من سائر المدارس فعلى موازاتها - يحترم حقّ كرامة الإنسان ويراها ضروريّة، والكرامة على نوعين: إحداها الكرامة الذاتيّة أو الممنوحة من قبل الله، والثانية الكرامة الاكتسابيّة من خلال الأفعال الاختياريّة.

(35)

أصل الاختيار

إنّ هدف الخلقة تحقّق أكثر قدر من الكمالات في العالم. وبهذا الخصوص فللإنسان كماله الخاص المختلف مع كمال غيره من الموجودات، وما يوجب تمايز كمال الإنسان عن سائر الكمالات كونها اختياريّة. إذ الكمالات المتحقّقة للجماد والنبات والحيوان لم تكن اختياريّة، فالشجرة مثلًا تنمو وتثمر وتورق من دون اختيار. نعم، إنّ الإنسان يشترك مع الحيوان والنبات والجماد في الكمالات غير الإراديّة، ولكن لا يتحصّل كمال الإنسان الحقيقي إلّا عن طريق إعمال الإرادة. وهذا الكمال الحقيقي أفضل من جميع الكمالات، وتكون نسبته معها نسبة ذي المقدّمة للمقدّمة. ولا يمكن لأيّ أحد أن يصل إلى هذا الكمال من دون علم ومعرفة، ولا تأثير للإكراه والإجبار في تحقّقه.

إنّ تحصيل هذا الكمال لا يكون إلّا عن طريق الاختيار والأفعال الاختياريّة، ولو جعل الله تعالى للإنسان في الدينا طريقًا واحدًا فقط، لانتقضت غاية الخلقة التي هي وصول الإنسان إلى كماله الحقيقي، لأنّ الانتخاب الحرّ يتحقّق فيما لو كان الإنسان أمام طريقين أو أكثر، لذا فإن الحكمة الإلهيّة وهدف الخلقة يقتضي وجود خيار للانتخاب عند مفترق الطرق، كي يتمكّن من الانتخاب الحرّ والوصول إلى الكمال الحقيقي.

ثمّ إنّ طريق الكمال الصحيح وإن كان واحدًا، ولكن لو لم توجد طرق أخرى لم يتحقّق الانتخاب والاستكمال، وعليه فإنّ طرق الهبوط والنقص تهيّئ أرضيّة الترقّي والتكامل.

إنّ الأصول الخمسة التي ذكرناها لحدّ الآن، أي أصل التوحيد (مخلوقيّة الإنسان لله تعالى وحاجته وعبوديّته وارتباطه بالله تعالى) أصل الحكمة الإلهيّة

(36)

(تحقّق القدر الأكبر من الكمال وافتداء الكمال الناقص للكمال الكامل) أصل خلود الروح، أصل علاقة الدنيا والآخرة (كون الحياة الدنيويّة مقدّمة للحياة الاخرويّة). إنّ هذه الأصول الخمسة تعدّ من المسائل الفلسفيّة الصرفة، أي مجموعة من المسائل العقليّة المحضة الناظرة إلى العالم والخالق.

وهناك أصول موضوعة أُخرى يبتني عليها النظام القيمي (الإيديولوجيا الإسلاميّة)، ويمكن عدّ أهمّ الأصول النافعة والحيويّة في حلّ المسائل الأخلاقيّة والحقوقيّة كما يلي:

أصل الحياة الاجتماعيّة

إنّ الحياة الاجتماعيّة ضروريّة لأجل الوصول إلى الكمال الحقيقي والمطلوب. نعم، قد ادّعى بعضٌ أنّ الإنسانيّة حصيلة الحياة الاجتماعيّة، بحيث إنّ الإنسان خارج المجتمع لم يكن إنسانًا. ولكن هذا المدعى مبالغ فيه وغير مقبول، ونحن نعتقد أنّ الحياة الاجتماعيّة لو لم تتحقّق وعاش الإنسان بمفرده أو إذا كانت العلاقات الاجتماعيّة ضعيفة، لم تتحقّق حينئذٍ كمالات الإنسان بالنحو المطلوب. إذ الإنسان في معترك الحياة الاجتماعيّة يقع أمام مفترق الطرق ويتهيّأ له الانتخاب والاختيار، ثمّ إنّ المجتمع هو الذي يمنح الإنسان أدوات التكامل. والمصداق البارز لهذا الأمر مسألة التعليم والتربية وسائر الجهود العلميّة والفكريّة والثقافيّة حيث لا تتحقّق إلّا في المجتمع. والإنسان إذا لم يستفد من تراثه العلمي والفلسفي والعرفاني والديني والفني الماضي، لم يتمكّن من السير في طريق الكمال بالنحو المطلوب، ولا شك أنّ الحياة الاجتماعيّة أفضل من الحياة الفرديّة قطعًا، لما لها من إمكان تحقّق الكمالات الماديّة والمعنويّة بنحو أفضل. وبما أنّ الإنسان يسعى لنيل أكبر قدر من الكمالات، فلا بدّ أن يختار الحياة الاجتماعيّة.

(37)

ثمّ إنّ الاعتقاد بالتأثير الإيجابي للحياة الاجتماعيّة في تحقّق القدر الأعلى من الكمالات الإنسانيّة، يدلّ على أنّ النظام الحقوقي لا بدّ أن يهتم بمسـألة المجتمع والحياة الاجتماعيّة بشكل خاصّ، فالنظام الحقوقي الذي لا يعترف بأصل الحياة الاجتماعيّة، لا يتمكّن من تقديم مبنى مستحكم للمسائل الحقوقيّة؛ لذا يتمكّن كل شخص من رفض الحياة الاجتماعيّة وعدم رعاية القوانين والأحكام الاجتماعيّة، أي بأن لا يؤدّي تكاليفه أمام الآخرين، لذا فإنّ قبول أصل الحياة الاجتماعيّة يعدّ ضروريًّا لإثبات وتعيين حقوق الإنسان وتكاليفه وتنفيذها.

أصل ضرورة القانون

بما إنّ الوصول إلى كمالات الإنسان الحقيقيّة مرهون بالحياة الاجتماعيّة، لا بدّ من تأمين المسائل الأمنيّة للمجتمع والنظام الاجتماعي، ولازم هذا الأمر تحديد الحرّيّات الفرديّة، فلو كان يعيش على الكرة الأرضيّة إنسان واحد فقط، كان بإمكانه أن يعيش من دون أيّ قيود، وأن يتمتّع بالمواهب والنعم المادّيّة والطبيعيّة. ولكن إذا لم يكن الأمر هكذا، وعاش على الأرض أكثر من إنسان واحد، لا يوجد أمامنا إلّا طريقين: إمّا أن يتمتّع كلّ فرد بحرّيّات مطلقة وغير محدّدة بحيث لم يتحقّق المجتمع، وإمّا أن تتحقّق الحياة الاجتماعيّة، وهنا لا بدّ من تحديد الحرّيّات الفرديّة. إذ لا يمكن الجمع بين الحرّيّات المطلقة والتمتّع بخصائص الحياة الاجتماعيّة.

فإذا أراد أن يتعامل كل شخص مع الآخرين طبقًا لأهوائه الخاصّة، وأن يكون حرًّا في الاستفادة من الإمكانات الطبيعيّة والماديّة بشكل مطلق، فلا يتحقّق المجتمع حينئذٍ؛ لذا ولأجل تأسيس المجتمع وحفظ الحياة الاجتماعيّة لا مناص من تحديد الحرّيّات الفرديّة. وبعبارة أخرى فإنّ للحياة الاجتماعيّة ضوابط

(38)

وحدودًا يلزم مراعاتها في مقام العمل. والخلاصة أنّ الحياة الاجتماعيّة تعدّ مناخًا مناسبًا لتحقّق الكمالات الإنسانيّة، كما إنّ الحياة الاجتماعيّة مرهونة أيضًا برعاية الحدود والضوابط الاجتماعيّة، وبالنتيجة تصبح القوانين والأحكام الاجتماعيّة ضروريّة، فالقانون بتحديده للحريّات الفرديّة، يهيّئ إمكانيّة تقسيم المواهب والنعم الطبيعيّة والمادّيّة بشكل عادل بين جميع المواطنين.

أصل تلازم الحقّ والتكليف

نقصد من أصل تلازم الحقّ والتكليف أنّ القوانين الاجتماعيّة والحقوقيّة على نحوين، فمن جهة تثبت الحقّ والاختيار للإنسان، ومن جهة ثانية تثبت التكليف على الآخرين، فالحقّ والتكليف متلازمان بهذا المعنى. وبهذه الرؤية فإنّ الاعتبارات العقليّة تكون صحيحة فيما لو كانت لها آثار عمليّة، بمعنى أنّ اعتبار الحق للإنسان يكون صحيحًا ومعقولًا فيما لو كُلّف الآخرون برعاية ذلك الحق، وإلّا سيكون لغوًا وصوريًّا. فلو عاش مثلًا إنسان واحد على الأرض لكان تعيين وإثبات الحق له لغوًا، إذ لولا وجود أشخاص آخرين يُلزمون ويكلّفون برعاية حقوقه، لم يكن لاعتبار الحق هذا أيّ ثمرة عمليّة.

ثمّ إنّ المقصود من الحقّ هنا الحقّ الحقوقي والاجتماعي فقط، ولا يشمل الحقّ الأخلاقي والديني، وعمومًا عندما يُعتبر ويُوضح الحقّ لموجود مّا، لا بدّ من لحاظ موجود ذي شعور ليكلّف برعاية ذلك الحقّ، وعليه لا يمكن القول بأنّ حق جبل دماوند أن يقع في سلسلة جبال البرز مثلًا، لعدم وجود شخص يُكلّف برعاية هذا الحق، كما لا يمكن اعتبار الحق في جريان النهر في الأرض الفلانيّة الخاصّة، للغويّة هذا الاعتبار.

ولكن لو جعل حق السقي للنباتات البيتيّة أو الأشجار لم يكن هذا الحق لغوًا،

(39)

لأنّ صاحب الدار مكلّف بسقيها، وليس من الضروري أن يكون صاحب الحق موجودًا ذا شعور، ولكن الذي يُكلّف لا بدّ أن يكون موجودًا ذا شعور كالإنسان، لذا فإنّ للحيوان والنبات وحتّى الجماد حقوقًا يُكلّف الإنسان برعايتها، فلا يحق وضع الأمتعة الثقيلة على الدابة مثلًا بما يفوق طاقتها، كما لا يحقّ تجويع الحيوان البيتي، أو لزوم إحياء الأراضي الموات وما شاكل. ولكن لا يمكن التكلّم أبدًا عن حقّ الشجرة على الجبل، أو حقّ الجبل على البحر، أو حقّ البحر على السمك، والخلاصة أنّ اعتبار الحقّ ووضعه بالمعنى الحقوقي والاجتماعي، يكون صحيحًا ومعقولًا حينما يكلّف الإنسان برعاية ذلك الحقّ فقط.

ثمّ إنّ لهذا التضايف والتلازم بين الحق والتكليف دورًا أساسيًّا في فهم علاقة الأحكام الوضعيّة والتكليفيّة في علم أصول الفقه. فلعلماء علم الأصول بحوث كثيرة في منشأيّة أحدهما للآخر. فذهب بعضهم إلى أنّ الأحكام الوضعيّة ناشئة من الأحكام التكليفيّة، وذهب آخرون إلى عكسه. والحقيقة أنّهما متلازمان ولا يمكن اعتبار أحدهما دون الآخر. فمعنى وضع الحق لموجود إثبات التكليف على سائر الموجودات المختارة وكذلك العكس، فلا يلزم أن يكون أحدهما أصلًا والثاني فرعًا، لأنّ الحق والتكليف متلازمان سيّما في الأمور الاجتماعيّة.

وعلى أيّ حال فإنّ ضرورة القانون والأحكام الاجتماعيّة، يعني لزوم وجود حقوق وتكاليف للإنسان في المجتمع، وعليه لا يعقل الالتفات إلى الحقوق والحرّيّات وإغفال التكاليف والمسؤوليّات أو التغافل عنها.

أصل رعاية المعايير

إنّ بقاء المجتمع واستمرار الحياة الاجتماعيّة يستلزم قبول الحدود والضوابط الحقوقيّة وإثبات الحقوق والتكاليف. ثمّ إنّ تعيين الحدود الحقوقيّة والاجتماعيّة

(40)

تحتاج إلى ملاكات ومعايير يلزم مراعاتها، وتنقسم هذه المعايير إلى معايير كمّيّة وكيفيّة. ولا بدّ أن يكلف كل فرد أو مجموعة من المجتمع بلزوم الاستفادة من النعم بالمقدار المعيّن، وهذا التعبير يبيّن الحالة الإيجابيّة الدالّة على حق الفرد أو المجموعة حيث يُكلّف الآخرون بمراعاتها. والتعبير عن (المقدار المعيّن) يبيّن حقّ الآخرين الذي يلزم على الفرد أو المجموعة مراعاتها، علمًا بأن تعيين مقدار حق الانتفاع للأفراد والمجموعات عند التزاحم، يُبيّن على أساس المعايير الكميّة والكيفيّة.

فإذا حصل تزاحم بين فئتين غير متوازنتين عند التمتّع بالنعم، تُقدّم حينئذٍ الفئة الأكثر، لأنّ الحكمة الإلهيّة تقتضي تحقّق الكمال الأكثر في المنظومة الكونيّة، وهذا المعنى يحصل بافتداء الفئة الأقل للأكثر. وعليه لو توقّفت حياة أكثريّة المجتمع على شيء تملكه الأقليّة، يلزم إخراج ذلك الشيء من يد الأقليّة وإعطاؤه للأكثريّة، هذا هو المعيار الكمّي، ففي المعيار الكمّي يُعتمد على الكميّة والعدد.

أمّا المعيار الكيفي، فيؤكّد على نوع المصلحة، فلو تعارض تحصيل مصلحة فئة مع فئة أُخرى مساوية لها، ولكن اختلفت المصلحة كيفيًّا، بأن تكون إحداها ماديّة والأخرى معنويّة، فتقدّم الفئة التي تملك المصلحة المعنويّة على الأخرى التي تملك المصلحة الماديّة، لأنّ هذا هو مقتضى الحكمة الإلهيّة.

فلو تزاحمت المصلحة الماديّة والدنيويّة لنصف المجتمع مع المصلحة المعنويّة والأخرويّة للنصف الآخر من المجتمع، فلا بدّ من افتداء المصلحة الدنيويّة للمصلحة الأخرويّة، لأنّ الأصالة للدين لا الدنيا، ولا بدّ من افتداء المال للعقيدة لا العقيدة للمال، ولا بدّ من غضّ الطرف من المنافع الدنيويّة لأجل نشر حقائق الدين ومعارفه في العالم، هذا فيما لو حصل تزاحم بين المصالح طبعًا،

(41)

وإلّا يلزم استيفاء جميع المصالح أعم من الأكثريّة والأقليّة، الدنيويّة والأخرويّة، الماديّة والمعنويّة.

أصل الحرّيّة

إنّ الكمال الحقيقي المختصّ بالإنسان يحصل عن طريق الفعل الاختياري حصرًا، وكلّما كانت أرضيّة الانتخاب أوفر، تتحقّق الكمالات بشكل أفضل، وبعبارة أُخرى بما أنّ قيمة كمال الإنسان بصدوره اختياريًّا، فكلما كانت أفعال الإنسان عن اختيار، وقعت في طريق الاستكمال بشكل أفضل؛ لذا في إدارة المجتمع وتدبيره يلزم حرّيّة الإنسان -في حدّه الممكن- عند أداء وظائفه، حتّى أن الأعمال التي يلوح منها أنها ضروريّة، يلزم أن تُذكر في البداية على نحو الاقتراح كي ينتخبها الناس عن اختيار، لأنّ المطلوب هو أداء العمل بشكل تطوّعي ومن دون إجبار وإكراه.

فلو كان القرار تحديد الأعمال الاقتصاديّة نحو اتّجاه خاصّ مثلًا، أو لزم صرف بعض أموال الناس في المصارف العامّة، أو احتيج إلى أشخاص للدفاع عن الوطن، كل هذه الأمور لا بدّ أن تذكر للناس في البداية على نحو الاقتراح ليلتزم بها من يريد التكامل اختيارًا.

ففي هذه الصورة تتحقّق الكمالات الفرديّة كما يتمّ تأمين مصالح المجتمع، وهذا المنهج أفضل من الطريقة التي تستعملها الأنظمة السياسيّة الشموليّة. إنّ الأنظمة المستبدّة تسلب الحرّيّات من الناس، لذا لا يمكن تأمين المصالح الاجتماعيّة كما ينبغي، كما لا تتحقّق الكمالات الفرديّة.

وبما أنّ الشؤون الاجتماعيّة متعدّدة بشكل كبير، مما يصعب على الأفراد الاطّلاع على أحوال سائر الناس وأعمالهم، ولاحتمال حدوث تصادم كثير بين

(42)

الناس لو تُركوا وحالهم، لزم وجود قوّة حاكمة تنسّق الأمور، وترشد الناس في الحدود الممكنة.

والخلاصة أنّ الإنسان مهما كان حرًّا في أداء الأعمال الصحيحة، لكان الكمال الحاصل منه أفضل، لذا لا بد للنظام الحقوقي أن يجعل حريّة الناس هي الأصل، ليكونوا في حريّة كاملة عند اختيار منهج الحياة ونوع العمل وكيفيّة أداء الوظائف الاجتماعيّة، كي يتحقّق تكاملهم بنحو أفضل.

أصل ضرورة الحكومة

إنّ من يزعم أنّ الإنسان يتمكّن من الترقّي بالتربية الصحيحة ليصل إلى مرتبة يسعى لمصالح الآخرين وكمالهم من دون أيّ عجب وأنانيّة، لا يكون إلّا متوهّمًا، كما لا يمكن أن يصبح الجميع كالملائكة، وفي الحقيقة يوجد في المجتمع دائمًا أشخاص يعملون على خلاف مصالح بني نوعهم المادّيّة والمعنويّة، فحرّيّة هكذا أشخاص لم تكن من المصلحة فحسب، بل تكون من لوازم انهيار النظام الاجتماعي؛ لأن الإنسان لم يكن بحيث أن يؤدّي جميع الناس وظائفهم بشكل تطوّعي وحر. فالنظرة الواقعيّة تفرض وجود حكومة تستعمل القوّة عند الضرورة، وتجبر من يتخلّى عن أداء وظائفه على أدائها كي يتحقّق هدف الخلقة، نعم لا يمكن لكلّ شخص أن يحتج بأصل ضرورة الحكومة ليتصدّى لها، إذ الحكومة المشروعة هي التي تنشأ عن إرادة الله، ويكون مقبوليّتها من قبل الناس، ولا بد من تعيين حدود صلاحيّة الحكومة واقتدارها من سائر الأصول.

ثالثًا: نقد وتحليل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

لقد تطرّقنا في المبحث السابق إلى الأصول الموضوعة لحقوق الإنسان من

(43)

وجهة نظر دينيّة، وقلنا أنّ شرط التبيين العقلائي لهذه الأصول شيئان: الأوّل المعرفة الدقيقة لارتباط الإنسان الوجودي مع الله تعالى، والثاني معرفة هدف خلقة الإنسان. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان يخالف التوحيد لضعف معرفة مدوّنيه.

وسنقوم بتحليل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من هذا المنطلق، والهدف من هذا التحليل التعرّف على نواقص هذا الإعلان ونقاط ضعفه، وعليه نقوم في البداية بالبحث في جميع مفردات هذا الإعلان بشكل تفصيلي، ثمّ نشير إلى أهمّ إشكالات هذا الإعلان.

المادّة الأولى: يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء.

إنّ مدوّني هذا الإعلان لم يذكروا أنّ هذه المادّة من الأصول الموضوعة أو تكون معادلة لسائر المواد، كما لا يبيّن أنّ قاعدة (وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء) هل هي توصية أخلاقيّة أو إلزام قانوني وحقوقي، كما أنّ عبارة (بروح الإخاء) فيها إبهام، أي لم يُذكر ما هو السلوك المناقض لروح الإخاء وما هو الموافق له، وعلى افتراض أنّنا علمنا أنّ الأمر بالتعامل الأخوي ماذا يشمل من تكاليف وإلزامات، ولكن يبقى السؤال المتعلّق بكيفيّة عقاب من يخالف السلوك الأخوي؛ مفتوحًا. وفي الواقع لا يمكننا أن نتلقّى هذه المادّة إلّا كنصيحة أبويّة أو أخويّة لا أكثر.

ولكن من وجهة نظر إسلاميّة، يمكننا القطع بلزوم السلوك الأخوي بين جميع أفراد البشر، لأنّ هذه الرؤية ترى أنّ جميع أفراد البشر أخوة في الحقيقة والواقع، أي ولدوا من أبّ وأُمّ واحدة، ولكن الذين يرون أنّ كلّ فئة من البشر تولد من نسل حيوان مستقلّ، كيف يمكنهم القول بأخوة جميع أفراد البشر،

(44)

ليوصوهم بالتعامل الأخوي فيما بينهم؟ كما يمكن الادّعاء في الرؤية الإسلاميّة أنّ جميع أفراد البشر ولدوا أحرارًا، لأنّ جميعهم أولاد آدم وحواء(عليهما السلام) وكان كلاهما حرًّا، ولكن البعض الذي لا يذعن بموضوع الخلقة كما ورد في القرآن الكريم، ويتمسّك بفرضيّات علماء الأحياء، ما هو دليله وبرهانه على حرّيّة جميع أفراد البشر؟ نعم يمكننا على ضوء الرؤية الإسلاميّة الاستدلال بكلّ وضوح وشفافيّة، على أنّ كلّ إنسان لم يولد عبدًا ذاتًا وأنّ الرقّ أمر عارضي وجد لأسباب خارجيّة.

المادّة الثانية: لكلّ إنسان حقّ التمتّع بجميع الحقوق والحرّيّات المذكورة في هذا الإعلان دونما تمييز من أيّ نوع، ولا سيّما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سياسيًّا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أيّ وضع آخر، وفضلًا عن ذلك لا يجوز التمييز على أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكان مستقلًّا أو موضوعًا تحت الوصاية أو غير متمتّع بالحكم الذاتي أم خاضعًا لأيّ قيد آخر على سيادته.

هذه المادّة التي تنفي التبعيض بشكل مطلق كأصل قانوني أو شبه قانوني، لم تكن سوى شعارًا فارغًا، لأنّها لا تخضع للتبيين العقلي، ولكن في الرؤية التوحيديّة عندما ينفى أنواع التبعيض، يوجد مضافًا إلى الاستناد إلى كلام الله الذي يُعدّ سندًا في غاية الاعتبار، دليل عقلائي أيضًا، وذلك أنّ جميع البشر بما أنّهم ولدوا من أبّ وأمّ واحدة فكلّهم إخوان ويكونون متساوين في التمتّع بالحقوق والحرّيّات أيضًا بشكل طبيعي.

المادّة الثالثة: لكلّ فرد الحقّ في الحياة وفي الأمان على شخصه. هذه المادّة

(45)

تثبت ثلاثة حقوق لكلّ شخص: حقّ الحياة، حقّ الحرّيّة وحقّ الأمان. والسؤال الأساسي أنّ هذه الحقوق من أين تنشأ ولماذا يمتاز الإنسان بهذه الحقوق؟ مضافًا إلى هذا فهل حقّ الحياة حقّ أوّلي يمكن أن يسقط في بعض الأوضاع والأحوال، أو أنّه حقّ ثابت دائمًا؟ فما يستفاد من هذه المادّة -ونحتمل أنّه المراد المتخم لليقين لدى مؤلّفوا الإعلان- إنّ حقّ الحياة مطلق بمعنى عدم إمكان قتل أيّ أحد وإن ارتكب جريمة أو جناية على الآخرين، لذا فإنّ كثيرًا من الدول ألغت عقوبة الإعدام استنادًا إلى هذه المادّة.

ومن أُصيب بهذا الوهم الواهي، لا يعتقد بحقّ الله، بل يرى أنّ جميع الحقوق تنشأ من تبادل المنافع في المجتمع، ويقول بما أنّ للإنسان مصالح ومساعي متبادلة في الحياة الاجتماعيّة، فله حقوق وتكاليف. ثمّ نحن نتساءل ونقول لهم: كيف تزعمون عدم قتل من قتل شخصًا آخر؟ وهل لا يمكن سلب الحياة ممّن قتل آلاف البشر من دون ذنب؟ أليس معتقدكم أنّ من ساعد شخصًا يولد له حقّ عليه؟ وبناء على هذه القاعدة فمن سبّب الخسارة والضرر لشخص، فإنّه قد أضاع حقًّا وللمتضرّر المطالبة بحقّه، وأيّ ضرر يفوق القتل؟ فكيف يثبت حقّ الحياة لمن قتل شخصًا أو أشخاصًا؟ ولماذا يلزم مراعاة حقّ حياة الإنسان في جميع الأوضاع والأحوال؟

ونفس هذا السؤال يُذكر بخصوص حقّ الحرّيّة، فهل الحرّيّة مطلقة أو محدّدة؟ إذا كان حقّ الحرّيّة مطلقًا نسأل ونقول حينئذٍ: لماذا لا يمكن تحديد حرّيّة الأشخاص في أيّ زمان ومكان؟ وإذا أمكن الاستناد في هذا الحقّ -وهو الأمر الذي يعتقد به مدوّنوا هذا الإعلان يقينًا ولذا جوّزوا عقوبة السجن- بنفس الدليل الذي جوّزوا به عقوبة السجن وسبّبوا تقييد حرّيّة الإنسان، فنحن أيضًا

(46)

نحكم بالإعدام على فئة من الناس ونسلب منهم حقّ الحياة، كما ذهبوا إلى جواز سلب أو تقييد حرّيّة الأشخاص في بعض الموارد. وقد تمّ التصريح به أيضًا في نفس هذا الإعلان حيث قالوا: «لا يخضع أيّ فرد في ممارسة حقوقه وحرّيّاته إلّا للقيود التي يقرّرها القانون مستهدفًا منها حصرًا ضمان الاعتراف الواجب بحقوق وحرّيّات الآخرين واحترامها». [المادّة 29 البند الثاني] ومن الواضح أنّ لهم دليلهم في سلب أو تحديد حرّيّات هؤلاء الأشخاص، ولنا أيضًا دلائل مشابهة لسلب حقّ الحياة من بعض الأشخاص.

والخلاصة أنّ هذه المادّة ذكرت ثلاثة حقوق في عرض واحد، فلو لم يكن حقّ الحرّيّة عامًا بل قابلًا للتخصيص، فلماذا يكون حقّ الحياة وحقّ الأمان مطلقًا وغير قابل للتخصيص؟ وما هو الفرق بين هذه الحقوق الثلاثة؟

المادّة الرابعة: لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، ويُحظر الرقّ والاتجار بالرقيق بجميع صورهما.

إنّ ظاهر هذه المادّة عدم جواز الاسترقاق في وضع وبأيّ حال، ولا بدّ من قلع الاسترقاق مطلقًا من المجتمع البشري. ولا دليل على هذا المدعى أيضًا، إذ ربّما يستحقّ البعض عقوبة الاسترقاق لسوء اختيارهم، كمن يثور مثلًا على النظام الإسلامي العادل والضامن لسعادة البشر، فإنّه بعدما يخسر المعركة يصبح عبدًا ولا بدّ من استرقاقه، لأنّ هذا يصبّ في مصلحته ومصلحة سائر الناس، إذ لو كان هكذا شخصًا حرًّا، ربّما يلوذ إلى أعداء الإسلام ويُحرم حينئذٍ من التعليم والتربية الصحيحة، وربّما كان بصدد الثورة على النظام الإسلامي من جديد. فلو استرق هذا الشخص وعاش في المجتمع الإسلامي، فإنّه يقع تحت تأثير التعليم والتربية الصحيحة رويدًا رويدًا، ويسير في طريق الكمال، مضافًا إلى أنّ الآخرين

(47)

يأمنون من شرّه أيضًا. والخلاصة أنّ بعض الأشخاص وبسبب ارتكاب بعض الأعمال الإجراميّة، يهيّئوون أرضيّة استرقاق أنفسهم وسلب حرّيّاتهم. وعليه فإنّ الاسترقاق لم يكن مذمومًا في جميع الشرائط والأوضاع.

المادّة الخامسة: لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانيّة أو الحاطّة بالكرامة.

إنّ من يخالف لائحة القصاص عندنا يتمسّك بهذه المادّة، ويقولون أنّ أيّ إنسان لا بدّ أن لا يُغفل كرامة أيّ إنسان آخر ليؤذيه أو يهينه. وحتّى لو ارتكب شخص هذا العمل، فلا يحقّ للآخرين إيذاءه أو إهانته، فالمجرم وإن تعرّض لإيذاء وقتل الآلاف من الأبرياء فيبقى محترمًا ولا يجوز إهانته، وغاية عقوبة هذا الشخص الغرامة الماليّة أو السجن، حتّى أنّ صدور جملة مشينة له تعدّ بمثابة الاستهانة بجميع البشريّة والإنسانيّة.

وفي مقام الإجابة على هذا الزعم الباطل نقول: للإنسان نوعان من الكرامة: الكرامة التكوينيّة والكرامة التشريعيّة، وقد أشارت الآية الكريمة إلى الكرامة التكوينيّة في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)[1] والغرض من تفضيل الإنسان على سائر المخلوقات، النعم الخاصّة التي وهبها الله تعالى للإنسان فقط، ولذا فضّلهم على سائر المخلوقات وامتازهم عن سائر الموجودات.

أمّا المراد من الكرامة التشريعيّة والقانونيّة، بأنّ الكرامة والاحترام من حقّ أيّ إنسان قبل أن يرتكب جريمة أو ذنبًا، ولا يجوز أن يتعرّض للإهانة، علمًا بأنّ الكرامة القانونيّة لم تكن مطلقة كي تُحفظ للإنسان في أيّ وضع وحال، وبما أنّ

(48)

الإنسان مختار وصاحب إرادة يمكنه فعل أيّ شيء، ولكن لا بدّ أن يعلم بأنّ كثيرًا من الأعمال تُذهب كرامته الإنسانيّة وقد يصبح في بعض الأحيان أضلّ من الأنعام، ففي القرآن الكريم: (أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)[1] ونحوها في مكان آخر حيث قال تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ)[2] وقال أيضًا: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)[3] فهؤلاء الأشخاص الذين هم أضلّ من الأنعام، وشرّ الدواب عند الله، لا تكون لهم كرامة. وفي الرؤية تكون الأنعام أفضل من أمثال استالين وهتلر وريغان وصدام، فأيّهم أكثر فتكًا يا ترى؟

والحقيقة أنّ الله تعالى منح الإنسان الكرامة التشريعيّة، ولكن قيّد بقاءها بحسن انتخاب الإنسان وإحسانه، وعليه فهذه الكرامة لم تكن ثابتة ودائميّة. فلا يوجد أيّ دليل معقول ببقاء كرامة الإنسان حتّى لو ارتكب أنواع الجرائم، وكيف يعقل وجود الكرامة لم يسلب كرامة الآخرين؟ والحقّ أنّ الذي يوجب أذى الآخرين وإهانتهم، لا كرامة له ويجوز عقوبته قانونًا.

ويظهر أنّ هذه المادّة تنظر إلى أحكام الأديان الإلهيّة تمامًا -سيّما قوانين الحدود والتعزيرات والقصاص- وهدفهم منها الوصول إلى أنّ رجم الزاني وقطع يد السارق والقصاص أمور همجيّة وضدّ الإنسانيّة، كما ذهب بعض المتديّنين الذي يصومون ويصلّون وتحت تأثير هذه الدعايات إلى أنّ لائحة القصاص غير إنسانيّة وهمجيّة. ألم يقرأ هؤلاء المتأسلمة هذه الآيات الكريمة التي تقول:

(49)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)[1] وقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[2].

ويدرك كلّ عاقل أنّ القصاص يضمن حياة الإنسانيّة، وإذا أُهمل القصاص لزاد الفساد والظلم يومًا بعد يوم بلا شكّ، وينساق المجتمع البشري نحو الهلاك، لذا تمّ تشريع قانون القصاص في الأديان السماويّة، فقانون القصاص والحدود والتعزيرات الموضوعة من قبل الله تعالى الحكيم، تكون حكيمة لا وحشيّة وهمجيّة، وليعلم المعترضون على القوانين الإلهيّة أنّ المسيء هو الذي سلب الكرامة من نفسه، ولا ينبغي احترام المجرم وتكريمه عقلًا ونقلًا. ولا بدّ أن نسأل من مدّعي كرامة الإنسان: هل الكرامة تخصّ جميع البشر أم أنّها تكون للظلمة والفاسدين والقتلة فقط؟

مضافًا إلى هذا فإنّ مدوّني وموقعي هذا الإعلان المنادين بشعار حقوق الإنسان ولزوم حفظ كرامته دائمًا، إنّما هم الذين قصفوا مدينتَيْ هيروشيما وناكازاكي في اليابان، وقتلوا آلاف الأبرياء، وهم الذين يدافعون عن النظام الإسرائيلي السفّاك، وهم الذين يصنعون أدقّ أدوات التعذيب ويرسلونها إلى من ينتمي إليهم كي يعذّبوا الأحرار بأبشع أنواع التعذيب، إنّ قتل الناس العزّل في العراق وأفغانستان وفلسطين وغيرها من تحف زعماء حقوق الإنسان في العصر الحديث.

والخلاصة أنّ الكرامة ثابتة للإنسان، ولكن لا بدّ مِنْ قتل مَنْ قتل بريئًا لأنّه لا كرامة له حينئذٍ. والأمر المهمّ أنّنا نعتقد بأنّ حفظ العقائد الحقّة، والأخلاق الحسنة أهمّ من حفظ حياة الإنسان بحيث يصحّ أن تُفدى الأنفس لها. وعليه

(50)

فمن يحارب العقائد الصحيحة والأخلاق الحسنة أو يهينها، فإنّه في الواقع يعادي ما هو أعزّ من الأنفس ويستحقّ العقوبة.

ثمّ أنّ المادّة السادسة إلى الخامسة عشر تتضمّن حقوقًا تطابق أحكام وقوانين الإسلام في الجملة، شريطة أن لا تتعارض مع الحقوق الإلهيّة والاجتماعيّة، وإلّا فإنّ حقّ الله وحقّ المجتمع يكون مقدّمًا.

المادّة السادسة عشر: للرجل والمرأة متى أدركا سنّ البلوغ حقّ التزوّج وتأسيس أسرة دون أيّ قيد بسبب العرق أو الجنسيّة أو الدين. وهما متساويان في الحقوق لدى التزوّج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله.

إذا كان المراد أنّ كلّ امرأة أو رجل بالغ له حقّ الزواج وتكوين الأسرة فهو كلام صحيح. أمّا إذا كان المراد أنّ كل امرأة لها حقّ الزواج مع أيّ رجل، وكذلك لكلّ رجل حقّ الزواج مع أيّ امرأة، فهذا غير مقبول. فكما أنّ مصالح المجتمع تقتضي وضع شرائط لسنّ زواج البنات والأولاد، وأنّ قانون كلّ دولة هو الذي يعين الحدّ الأدنى لسنّ الزواج، فربّما نفس هذه المصالح الاجتماعيّة تقتضي عدم تجويز زواج الرجل مع أُمّه وأُخته وابنته وعمّته وخالته وسائر محارمه، وكذلك زواج المرأة مع الأب والأخ والابن والعمّ والخال وسائر المحارم.

ثمّ أنّ النظام الإسلامي يحقّ له أن يطلب من المسلمين عدم التزاوج مع غير المسلمين لحفظ بعض المصالح المعنويّة. وأيّ حال فإنّ الحياة الاجتماعيّة لا بدّ أن تُنظّم بحيث تؤمّن مصالح المجتمع المادّيّة والمعنويّة. ولا يمكن تأمين هذا الجانب من خلال إطلاق هذه المادّة. وبعبارة أُخرى إنّ إطلاق هذه المادّة الدالّة على جواز زواج الرجل مع أيّ امرأة شاء، لا يمكنها أن تحكم القوانين المدنيّة في الدول، وعلى أيّ حال يوجد في الزواج تقييدات إجماليّة لأجل رعاية مصالح الفرد والمجتمع، وقد أغفلتها هذه المادّة.

(51)

والخلاصة إذا كان القرار ذكر أمور مطلقة -في هذا الإعلان- غير قابلة للتخصيص والتقييد، لا يمكننا قبول هذه المادّة بصورتها الحاليّة، لا بدّ أن تقترن هذه المادّة بشرائط تؤمّن حوائج الإنسان الطبيعيّة والفطريّة والمعنويّة.

المادّة الثامنة عشر: لكلّ شخص حقّ في حرّيّة الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحقّ حرّيّته في تغيير دينه أو معتقده، وحرّيّته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم بمفرده أو مع جماعة وأمام الملأ أو على حدة.

المادّة التاسعة عشر: لكلّ شخص حقّ التمتّع بحرّيّة الرأي والتعبير، ويشمل هذا حقّ حرّيّته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود.

هاتان المادّتان سيّما الثامنة عشرة، تنظر مباشرة إلى الأحكام التي وُضعت في جميع الأديان بشكل عامّ والإسلام بشكل خاصّ حول الارتداد والرجوع عن الدين. إنّ موقف مدوّني هذا الإعلان سلبي تّجاه حكم الارتداد، ويرون أنّ لكلّ شخص حقّ الرجوع عن دينه واختيار دين جديد. علمًا بأنّ الدفاع عن أحكام الارتداد والاستدلال أمام المخالفين وأعداء الإسلام، عمل في غاية الدقّة والظرافة، ينبغي الاهتمام به في مورده.

ونحن نعتقد إذا تمّت الحجّة على شخص، وأدرك حقّانيّة الدين وأقرّ به واعترف بذلك ودخل في سلك المتديّنين بشكل واضح، ثمّ إذا خرج من الدين وخالفه بشكل جليّ وعلني في مجتمع يعتمد على الدين، ويأخذ مشروعيّته من الدين أيضًا، ويخضع لإرادة الله في سنّ الحقوق والتكاليف، فهذا الشخص قد رفع في الحقيقة راية مخالفة المجتمع والنظام الاجتماعي الديني، فهذا العمل لو

(52)

كان مجازًا لكان سببًا مساعدًا لنفوذ أعداء الدين كي ينفّذوا عن طريق أياديهم في المجتمع الإسلامي، ويعرّضوا الحياة الإجتماعيّة للخطر. نعم إنّ إنكار الدين والمخالفة معه ما دام لم يظهر في الساحة الاجتماعيّة لا يستتبع الضرر، ولا يشمله أحكام الارتداد وعقوبته، إذ أنّ للكفر والشرك الباطني العقوبة الآخرويّة فقط، ولكن لو ظهر الارتداد في السّاحة الاجتماعيّة، لا بدّ من إجراء العقوبة المتناسبة مع مصالح المجتمع بحقّه.

نحن نعتقد أنّ منشأ جميع الحقوق الفرديّة والاجتماعيّة إنّما هو حقّ الله تعالى، والإنسان مخلوق ومملوك لله تعالى، وهو الذي يحدّد نطاق الحقوق والتكاليف، لذا بما أنّ لله تعالى الحقّ في سلب الحياة من إنسانٍ مّا، أو أن يأمر شخصًا بأن يسلب حياة الإنسان الآخر، فله الحقّ بأن يحكم بالموت على من اعترف بحقّانيّة الدين الإلهي بشكل علني، ثمّ يقوم بمخالفته رغم وجود إمكان البحث والتحقيق. إنّ حقّ حرّيّة العقيدة محترم طالما يتوافق مع حقّ الله وحقّ المجتمع، وعند التعارض يتمّ تحديد وتحجيم حقّ حرّيّة العقيدة.

المادّة العشرون: ليس فيها ما يخالف الإسلام فلا نذكرها.

المادّة الواحدة والعشرون: لكلّ شخص حقّ المشاركة في إدارة الشؤون العامّة لبلده إمّا مباشرة وإمّا بواسطة ممثّلين يختارون في حرّيّة. لكلّ شخص بالتساوي مع الآخرين حقّ تقلّد الوظائف العاّمة في بلده. إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، ويجب أن تتجلّى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجري دوريًّا بالاقتراع العامّ وعلى قدم المساواة بين الناخبين بالتصويت السرّي أو بإجراء مكافئ من حيث ضمان حرّيّة التصويت.

إذا كان غرض هذه المادّة عدم وجود أيّ تبعيض في إدارة أمور الدولة من

(53)

حيث العرق واللون واللغة والوضع الاجتماعي والمال والولادة، فهو مدعى صحيح ومقبول، ولكن إذا كان الغرض منها إمكان التدخّل في تدبير الأمور والمشاركة فيها حتّى لمن ليس له صلاحيّة ذلك، لم يكن مقبولًا. إذ لا يُعقل ولا يُقبل أن يتصدّى شخص لأمور لم تكن له أهليّة ذلك.

فمدوّنوا هذا الإعلان إذا كانوا يعتقدون بشكل حقيقي صلاحيّة التدخّل في أمور إدارة البلاد لكلّ شخص وإن كان غير مؤهّل، كيف يمكنهم تبرير هذا الموقف؟ وإن اعتقدوا بجواز تدخّل الصلحاء فقط، لا بدّ أن يذكروه في متن الإعلان كي يسدّوا باب أيّ تفسير وتأويل خاطئ. فإطلاق هذه الفقرة من المادّة الواحدة والعشرين خير وسيلة لمن يريد التوصّل إلى المناصب من غير أهليّة لذلك.

ومع قطع النظر عن هذا فهناك شروط في كلّ بلدٍ لمن يريد التصدّي للمناصب الاجتماعيّة من قبيل التحرّي ونحوه، وهذه الشروط تنافي إطلاق هذه المادّة. والخلاصة أنّ الفقرة الأولى من هذه المادّة غير مقبولة لأجل هذا الإطلاق، ويلزم وجود مجموعة شرائط لتصدّي الأمور الاجتماعيّة، وعلى سبيل المثال فإنّ من شرائط من يريد التصدّي للمناصب من وجهة نظر إسلاميّة عدم تجاهره بالفسق وعدم مخالفته لقوانين الإسلام، فالمتجاهر بالفسق والمخالف لقوانين الإسلام علنًا، كيف يريد قوانين الإسلام؟

وقد تطرّقنا بالتفصيل حول الفقرة الثالثة المتعلّقة بإرادة الناس وكونها مصدر السلطات، في مكانها المناسب[1].

أمّا المواد الثانية والعشرون والثالثة والعشرون لا تحتاج إلى بحث لموافقتنا عليها.

(54)

المادّة الرابعة والعشرون: لكلّ شخص حقّ في الراحة وأوقات الفراغ، وخصوصًا في تحديد معقول لساعات العمل وفي إجازة دوريّة مأجورة.

هذه المادّة تتضمّن العدالة في تحديد ساعات العمل، فصاحب العمل لا يحقّ له إجبار العامل على أداء الأعمال في جميع أيّام الأسبوع، وللعامل حقّ الاستراحة في يوم أو يومين من الأسبوع، وبما أنّ العامل لا يملك ما يقوت به أيّام التعطيل، ثمّ التوصية بالاستفادة من الإجازات دوريّة مأجورة.

يظهر أنّ الحلّ لا يقتصر على إعطاء أجور للعامل في أيّام الإجازات، إذ يمكن للعامل أن لا يأخذ الأجور أيّام التعطيل، ولكن يتقاضى الراتب في أيّام العمل بحيث يمكنه إدخار مبلغ منه لأيّام التعطيل، فيمكنه بدل أن يعمل خمسة أيّام في الأسبوع مثلًا ليأخذ أجور سبعة أيّام لكلّ يوم مائة تومان مثلًا، فيمكنه أن يعمل خمسة أيّام في الأسبوع ويتقاضى لهذه الأيّام الفعليّة مائة وأربعين تومانًا وبهذا يتمّ تأمين أجور الأسبوع.

ومثل هذا الكلام يجري أيضًا في المادّة الخامسة والعشرين المتعلّقة بحقّ الضمان الاجتماعي، حيث أنّ العامل إذا تقاضى أيّام عمله مبلغًا مكفيًا يمكنه أن يعيش به أيّام العطل والمرض والشيخوخة أو نقص الأعضاء، فما هو ضرورة سنّ الضمان الاجتماعي من قبل الدولة أو صاحب العمل؟ نعم لو حصل حاددث ولم يتمكّن العامل من تسديد الأجور من فائض الراتب، تكون الدولة ملزمة بتأمين ذلك، ففي النظام الإسلامي هناك ثلاث فئات من بين ثمانية تستحقّ الزكاة: الفقراء والمساكين والغرماء.

فمن ابتلي بالفقر أو المسكنة أو الدين من دون تقصير، يمكنه الاستفادة من الزكاة، لذا لا توجد أيّ ضرورة في إلزام صاحب العمل بإعطاء أجور بدل أيّام

(55)

العطل، أو وضع الضمان الاجتماعي للعامل لأيّام المرض أو العطالة، نعم لو توافق العامل مع صاحب العمل بهذه الأمور فلا بأس، ولكن الطريق الوحيد لذلك إلزام وإجبار صاحب هذا العمل.

ونحن أيضًا نعتقد بوجود الحقّ لكلّ شخص أن يتمتّع هو وأسرته بالطعام واللباس والسكن والصحّة وسائر الخدمات الاجتماعيّة الضروريّة وما يحتاجه في حياته بالحدّ المتوسّط مع سائر أفراد المجتمع، وطريق تأمين هذه الحاجيات لأفراد المجتمع لا ينحصر فيما اقترحه مدوّنوا الإعلان، وتوجد طرق أفضل، نعم إذا انغلقت جميع الطرق تكون الدولة ملزمة بتأمين مستلزمات الحياة الكريمة للأفراد.

أمّا ما ورد في المادّة السادسة والعشرين المتعلّقة بحقّ التعليم والتعلّم، فمقبول عندنا.

المادّة السابعة والعشرون: لكلّ شخص حقّ المشاركة الحرّة في حياة المجتمع الثقافيّة، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدّم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه. لكلّ شخص حقّ في حماية المصالح المعنويّة والمادّيّة المترتّبة على أيّ إنتاج علمي أو أدبي أو فنّي من صنعه.

إنّ ما ورد في هذه المادّة صحيح شريطة أن لا يخالف المصالح الاجتماعيّة، وبعبارة أخرى لا يتعارض مع حقّ الله وحقّ المجتمع بخصوص الاستمتاع بالفنون ومنافع الآثار الفنيّة. ففي الرؤية الدينيّة لا يعتبر الفساد والفحشاء وعدم التقيّد فنًّا.

المادّة الثامنة والعشرون: لكلّ فرد حقّ التمتّع بنظام اجتماعي ودولي يمكن أن تتحقّق في ظلّه الحقوق والحرّيّات المنصوص عليها في هذا الإعلان تحقّقًا تامًّا.

ربّما أراد مدوّنوا الإعلان بكتابة هذه المادّة، فسح المجال لمن يكون تحت وطأة

(56)

الأنظمة السياسيّة الظالمة وغير الإنسانيّة في الدفاع عن حقوقه، بل ومحاولة إسقاط ذلك النظام أيضًا. ولكن بما أنّهم يحترمون المناسبات الدوليّة لم يريدوا التصريح بذكر غرضهم، لذا عبّروا عنه بالرمز والكناية. إنّ النظام الحقوقي الإسلامي يسمح لكلّ شخص بالكفاح المسلّح للنظم غير الإلهيّة وضدّ الإنسانيّة.

أمّا المادّة التاسعة والعشرون والثلاثون لا كلام لنا حولها لموافقتهما الرؤية الحقوقيّة الإسلاميّة.

النواقص العامّة للإعلان العالمي كحقوق الإنسان

بعد التعرّف على مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، آن الآوان للإشارة إلى نواقصه وموارد ضعفه الأساسيّة:

1. فقدان النظم والترتيب المنطقي

لم يُتبع في ترتيب وتنظيم مواد هذا الإعلان المنهج العقلائي والطريقة المنطقيّة، فعند مقارنة هذا الإعلان مع مسلّة حمورابي القانونيّة المؤلّفة قبل 4100 سنة تقريبًا والمشتملة على 28 مادّة علميّة حول حقوق الناظرة إلى الأموال المنقولة وغير المنقولة، التجارة، الصناعة، الأسرة، الحرّيّات الجسديّة، العمل، يلوح لنا ضعف هذا الإعلان. إنّ الإعلان الذي تمّ تدوينه والتصويت عليه في الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان، يشتمل 30 مادّة وضعت من دون أيّ نظم وترتيب عقلائي، وفي الواقع أنّ تدوين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد مضيّ 40 قرنًا من مسلّة حمورابي، وبعد الكمّ الكبير من التقدّم في الحضارة والثقافة والعلم والمعرفة، وبهذه الكيفيّة لا يوجب فخرًا.

(57)
2. عدم الاعتناء إلى الدين

هذا الإعلان لا يعتني بالدين والمذهب وله صبغة علمانيّة لا توجد في هذا الإعلان أيّ إشارة إلى الله والنبوّة والدين، كما لم يستخدم فيه أيّ تعبير يدلّ على وجود الله. تنصّ المادّة الأولى على أنّ جميع البشر ولدوا أحرارًا ولم تقل خُلقوا أحرارًا، كي لا تدلّ كلمة (الخلق) على وجود (الخالق).

نعم وردت في بعض مواد الإعلان كلمة الدين والمذهب، على سبيل المثال: «لكلّ إنسان حقّ التمتّع بكافّة الحقوق والحرّيّات الواردة في هذا الإعلان دون أيّ تمييز كالتمييز بسبب الدين»[1]. أو: «للرجل والمرأة متى بلغا سنّ الزواج حقّ التزويج وتأسيس أسرة دون أيّ قيد بسبب الجنس أو الدين»[2]. وكذلك: «لكلّ شخص الحقّ في حرّيّة التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحقّ حرّيّة تغيير دينه أو عقيدته وحرّيّة الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها»[3]. ولكن ما يستفاد من هذه المواد: أوّلًا أنّ التديّن وعدم التديّن سواسية، وثانيًا لا تفاضل لأيّ دين ومذهب على أيّ دين ومذهب آخر.

كما يذكر الإعلان بخصوص الأخلاق: «يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرّيّاته لتلك القيود التي يقرّرها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرّيّاته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العامّ والمصلحة العامّة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي»[4]. ولكن المراد من الأخلاق هو الأخلاق المقبول في المجتمع الديمقراطي.

(58)

ويمكن القول بأنّ موقف هذا الإعلان تجاه الأديان الإلهيّة سلبي، فمخالفة هذا الإعلان الصريحة لقانون القصاص، نموذج من موقفه السلبي تجاه أحكام وتعاليم الأديان السماويّة: «لا يعرّض أيّ إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشيّة أو إلى الحاطّة بالكرامة»[1]. فمفاد هذا الكلام نفي وإنكار قانون القصاص، القانون المؤيّد والمؤكّد عليه من قبل جميع الأديان الإلهيّة.

ونرى في الدول الغربيّة إدانة أيّ نوع من العقوبات الجسديّة تمسّكًا بهذه الرؤية وتكون عقوبة المخالفين للقانون السجن والغرامة الماليّة فقط، وقد انبرى الليبراليّون ومدافعوا حقوق الإنسان -وتحت تأثير هذه الرؤية- بالمخالفة لقانون القصاص، ويزعمون أنّ من قتل آلاف الأبرياء لا يجوز عقابه جسديًّا، لأنّ العقوبة الجسديّة تخالف الإنسانيّة وتخالف الشؤون البشريّة، وغاية ما يستحقّه هذا السفّاك السجن أو الغرامة الماليّة، هذا في حين أنّ الدول المدوّنة لهذا الإعلان قد ارتكب أبشع الجرائم على مستضعفي ومظلومي العالم.

وفي الواقع أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وسيلة تستغلّه القوى الغربيّة لإدانة الدول المنافسة لهم واتّهامها بنقض حقوق الإنسان، ونحن لا نرى ولو دولة واحدة من أعضاء المجمع العالمي تلتزم بشكل تامّ في مقام العمل بمفاد هذا الإعلان، ودليل ذلك أنّ الالتزامات العمليّة تنشأ من الالتزامات الداخليّة والنفسيّة، ولا يمكن الالتزام النفسي من دون وجود رؤية كونيّة إلهيّة، وبناء على هذا لا نتعجّب عدم التزام الدول الملحدة والعلمانيّة بهكذا إعلانات.

(59)
3. عدم إمكان إقامة البرهان 

إنّ مفاد الإعلان لا يكون إلّا سلسلة شعارات فارغة، ولم يقم مدوّنوا الإعلان لأيّ واحد من الحقوق والحرّيّات المذكورة فيه أيّ دليل عقلائي، ويكفي لأجل إثبات هذا المدعى مراجعة الأصول الموضوعة لهذا الإعلان، وهي وإن لم يصرّح بها في متن الإعلان، ولكن يمكننا بأدنى التفات إثبات موضوعيّة تلك الأصول.

الأصل الأوّل: كلّ إنسان حرّ ذاتًا

قد ورد في المادّة الأولى من الإعلان هكذا: (يولد جميع الناس أحرارًا) ويحقّ لكلّ أحد أن يسأل من مدوّني هذا الإعلان ويقول: ما هو السبب في أن يكون كل إنسان حرًّا ذاتًّا؟ كيف يمكنكم إثبات هذا؟ ولو ادّعى شخص كأرسطو أنّ بعض الناس بسبب خلقتهم الجسديّة والنفسيّة من البرابرة، فكيف تردّون عليه؟

الأصل الثاني: جميع الناس متساوون

وقد صرّحوا إلى هذا الأصل في المادّة الأولى حيث قالوا: (... متساوين في الكرامة والحقوق) فكيف لمدوّني هذا الإعلان المستندين إلى الفرضيّة الإحيائيّة الجديدة من تعلّق كلّ عرق من أعراق الإنسان بحيوان خاصّ وأنّ الناس لم يكونوا من أصل واحد، كيف يدعون التساوي بين أفراد البشر؟ وغاية ما يمكنهم إثباته تساوى أفراد العرق الواحد لأنّهم ينتمون إلى أبّ وأُمّ واحدة، ولكن كيف لهم أن يحكموا بتساوي هنود الحمر من أمريكا والسود من أفريقيا والجنس الأصفر من آسيا مع افتراض انتساب كلّ واحد منهم إلى حيوان خاصّ؟ ولو افترضنا أنّهم تمكّنوا من إثبات التساوي التكويني بين جميع أفراد البشر، ولكن لا يمكن إثبات التساوي التشريعي أي المساواة من حيث الحقوق. وما هو الدليل في لزوم

(60)

التعامل الأخوي بين جميع أفراد البشر؟ وبشكل أصولي لا يمكن إثبات وتبيين الأخوة والتعامل الأخوي بين البشر بالرؤية المادّيّة.

الأصل الثالث: لا بدّ من احترام الإنسان وعدم المساس بكرامته.

بمعنى عدم جواز تعرّض (أيّ إنسان للتعذيب وللعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشيّة أو الحاطّة بالكرامة) ولنا أن نسأل: لماذا يكون الإنسان ذا كرامة؟ ومن أين تنشأ كرامة الإنسان؟ ولماذا كرامة الإنسان مطلقة بحيث لا يجوز الحطّ منها بأيّ حال؟ ولماذا يلزم حفظ كرامة من لا يحترم كرامة سائر البشر ويقوم بتعذيب وقتل بني نوعه؟

هذه الأصول الموضوعة لم تكن بديهيّة، ولم يذكر مدوّنوا الإعلان أي تبيين وتحليل لها. كما أنّ سائر مواد الإعلان غير قابلة للبرهنة. والحقّ لزوم استناد كلّ كلام أو كتاب يطرح نظريّة جديدة، على أدلّة متقنة سيّما الإعلان الذي يبيّن لجميع البشر هكذا مسائل خطيرة وأساسيّة (حقوق الإنسان)، المسائل التي ربّما تتعرّض للنقد من قبل كثير من المتلقّين المنتمين إلى ثقافات وأديان ومدارس مختلفة. وعليه يلزم أن تكون كلّ مادّة من الإعلان نتيجة مجموعة أدلّة عقليّة وواضحة، وكان ينبغي لمدوّني الإعلان بيان الأصول الأساسيّة في البداية.

4. فقدان التماسك النظري

لا يتّضح ارتباط الإعلان كمنظومة حقوقيّة مع سائر الأنظمة القيميّة وكذلك مع الرؤية الكونيّة. إذ الرؤية الكونيّة مجموعة رؤى عامّة حول الكون، يبتني عليها مجموعة نظم قيميّة، وللنظام القيمي الجامع نظام أخلاقيّة يقوم بتقييم السلوك الفردي للإنسان، كما له نظام حقوقي يقوم بتقييم السلوك الاجتماعي للإنسان ويحكم فيها. فالنظام الحقوقي ينشأ من النظام القيمي الكلّي، لذا لا

(61)

ينبغي احتساب النظام الحقوقي مستقلًّا وغريبًا عن الرؤية الكونيّة وجميع النظام القيمي، بل لا بدّ من تبيين علاقته بالرؤية الكونيّة والإيديولوجيا، وهذا ما غفل عنه مدوّنوا الإعلان أو تغافلوا.

5. الغفلة من تضايف الحقّ والتكليف

إنّ الإعلان يؤكّد فقط على الحقوق والحرّيّات، ففي المادّة 2، 3، 29، 30 وكذلك سائر المواد يؤكّدون على حقوق الإنسان وحرّيّاته ولا يعتنون بتكاليف الإنسان ووظائفه، والحال أنّ الحقّ والتكليف متضايفان. ولا يمكن في الحياة الاجتماعيّة من وضع الحقّ لفردٍ أو جماعة من دون وجود تكليفٍ على الآخرين، لذا يجب ذكر الحقّ والتكليف في المنظومة الحقوقيّة بعضهما مع بعض، بحيث لا يغطّي أيّ واحد منهما الآخر. نعم قد وردت إشارات لبعض التكاليف الجزئيّة في الإعلان، ولكن لم يتمّ فيه التأكيد والالتفات إلى أنّ الإنسان كما يتمتّع في الحياة الاجتماعيّة بالحقوق والحرّيّات، لا بدّ أن يلتزم بالتكاليف أيضًا، كما لم تذكر أصول تكاليف الإنسان الاجتماعيّة.

6. عدم الانسجام

لا تنسجم مواد الإعلان بعضها مع بعض في كثير من الأحيان، وينقض ظاهر بعضها البعض الآخر، بحيث لو أراد شخص العمل بجميع هذه المواد بشكل دقيق لم يتمكّن. ونشير فيما يلي إلى بعض هذه الموارد:

ألف: تنصّ الفقرة الثالثة من المادّة السادسة والعشرين: (للآباء الحقّ الأوّل في اختيار نوع تربية أولادهم) ولكن تنصّ الفقرة الأولى من نفس هذه المادّة أنّ التعليم الابتدائي إجباري. فحينئذٍ إذا لم يرد الأبّ والأمّ إرسال الأولاد إلى المدرسة، بل أراد إرساله إلى ورشة عمل مثلًا، فهل لهما هذا الحقّ أو لا؟ فبناء على

(62)

الفقرة الثالثة يكون الجواب إيجابيًّا، ولكن بناء على الفقرة الأولى يكون الجواب سلبيًّا. فلو كان الاختيار للأبّ والأمّ لا بدّ من الإذعان بعدم الإجبار على التعليم، ولو جعلوا التعليم الابتدائي إجباريًّا لا بدّ من الإذعان بأنّ الأبوين غير أحرار في انتخاب نوع تعليم أولادهم، وعلى كلّ حال فهذا نموذج لعدم الانسجام.

ب: تنصّ المادّة الثالثة: (لكلّ فرد الحقّ في الحياة) وتنصّ المادّة الثامنة عشرة: (لكلّ شخص الحقّ في حرّيّة التفكير والضمير والدين ... ويشمل هذا الحقّ ... حرّيّة الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر فلا يمكن الجمع بين هاتين المادّتين بناء على أحكام بعض الأديان والمذاهب، ففي المذهب الهندوسي يجوز فداء الإنسان وكان جاريًا إلى وقت قريب، فهل يحقّ لأتباع هذا المذهب ذبح أبنائهم للآلهة؟ إنّ الجواب بناء على المادّة الثالثة سلبي، أمّا المادّة الثامنة عشر إيجابي. علمًا بأنّنا يمكننا الادّعاء بالحدس والتخمين أنّ مدوّني الإعلان يقفون هنا إلى جانب حقّ الحياة، ويمنعون تطيبق الشعائر الدينيّة، ولكن يمكننا السؤال عن سبب فداء تطبيق الشعائر الدينيّة لحقّ الحياة دون العكس؟ وما الذي يحدّ حرّيّة تطبيق الشعائر الدينيّة؟ وما هو معيار تشخيص صحّة هذه الشعائر وعدم صحّة ذلك؟ ومع قطع النظر عن هذا فإنّ في سائر الموارد لا يُعلم أيضًا أنّ تطبيق الشعائر الدينيّة هل هو جائز وهو الذي يحدّد الأصول والمواد الأخرى، أو الأمر على العكس؟.

ج: تنصّ المادّة التاسعة عشر: (لكلّ شخص الحقّ في حرّيّة الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقّ حرّيّة اعتناق الآراء دون أيّ تدخّل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأيّة وسيلة كانت دون تقيّد بالحدود الجغرافيّة) وتنصّ المادّة الأولى من المادّة الحادية والعشرين: (لكلّ فرد الحقّ في الاشتراك في إدارة الشؤون

(63)

العامّة) وتنصّ الفقرة الثالثة من نفس المادّة: (إنّ إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة) فلا يمكن جمع هذه المواد لمن يقوم بنشاط سياسي واجتماعي وثقافي وإعلامي ضدّ النظام القانوني المبتني على إرادة الشعب.

فبناء على المادّة التاسعة عشر يلزم حرّيّة من يريد الإطاحة بالنظام المشروع والمقبول من قبل الناس، لأنّ لكلّ شخص حقّ التعبير عن رأيه، ويمكنه التمسّك بعقائده بكلّ حرّيّة ومن دون تدخّل الآخرين، وبنفس الوقت يمكنه المشاركة في إدارة شؤون البلد، ولكن طبقًا للفقرة الثالثة من المادّة الحادية والعشرين لا يمكن لهؤلاء أن يكونوا أحرارًا، لعدم جواز القيام ضدّ النظام السياسي المقتدر والمبتني على إرادة الشعب. وبعبارة أخرى بما أنّ النظام السياسي هذا قانوني لا بدّ أن يستمرّ، ولكن لا يمكن بقاؤه ودوامه مع حرّيّة المخالفين في أعمالهم. فإمّا أن نتمسّك ببقاء وحفظ الحاكميّة القانونيّة، وإمّا أن نقول بحرّيّة المخالفين، فأيّهما نختار؟ فإذا أردنا تحديد إطلاق حرّيّة العمل السياسي، فأيّ أصل يمكنه أن يقيّده؟ فإذا لم يمكن تقييد هذا الإطلاق من خلال أيّ أصل، فماذا نصنع بحقّ بقاء أيّ نظام سياسي قانوني؟ ثمّ كيف يتعامل الدول المانحة لهذا الإعلان القيمة والاعتبار من خلال التصويت عليه، مع مخالفيهم السياسيّين الذين يقومون بأعمال عسكريّة؟ هل يجوّز هذا الإعلان أيّ نوع من العمل السياسي وإن أدّى إلى إسقاط النظام العادل والمقبول شعبيًّا أم لا؟

7. عدم الشفافيّة

توجد موارد مبهمة في الإعلان لم تبيّن بشكل واضح وشفّاف، وعلى سبيل المثال تنصّ الفقرة الأولى من المادّة السابعة عشر: (لكلّ شخص حقّ التملّك) ونفسّره بأنّ كلّ شخص له حقّ التملّك لكلّ ما يحوزه عن الطرق القانونيّة والمشروعة، ومن

(64)

جهة ثانية لا نشكّ أنّ الدول في كلّ العالم تتصرّف كثيرًا في أموال الناس، كما أنّها تأخذ مثلًا مبالغ تحت عناوين مختلفة كالضرائب والعوارض وغيرهما، ولا مناص من هكذا تصرّفات لحاجة الدول إليها، ولا يمكنها أداء واجباتها وتكاليفها من دونها. ولنا أن نسأل عن موقف الإعلان أمام هكذا تصرّفات تؤدّي إلى سلب تملّك الناس على قسم من أموالهم؟ كيف يمكننا إلزام من يمتنع عن أداء العوارض، ويستند إلى أنّ أمواله أُجرة زحماته وأعماله الخاصّة التي تحمّلها؟

فإذا تمّ الاستناد إلى إطلاق المادّة السابعة عشر فإنّ الحقّ مع المالك، ويمنع أيّ نوع من تصرّف الدولة، ويكون نتيجة هذا تفسّخ المنظومة الحكوميّة. ومن جهة أخرى فإنّ أصل ضرورة وجود الدولة يوجب إذن الدولة ببعض التصرّف ولا بدّ من تقييد إطلاق تلك المادّة، والحال لا يوجد دليل على ذلك. فكيف يمكن الجمع بين هذين الأمرين أي القول بأنّ لكلّ شخص حقّ تملّك ما حازه بالطرق القانونيّة، وبأنّ للدولة حقّ التصرّف في بعض أموال الأشخاص؟ ونحن نقطع أنّ غرض مدوّني الإعلان لم يكن عدم خضوع أفراد المجتمع لأحكام والقرارات الاقتصاديّة التي تضعها الدولة. والإشكال عليهم أنّهم لماذا لم يقوموا برفع هذا التوهّم والالتباس؟ ولماذا لم يذكروا أصلًا آخر يقيّد حقّ التملّك ويحدّده؟ فالإعلان مبهم بخصوص نطاق حاكميّة الدولة وحريم ملكيّة الأشخاص.

والخلاصة أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لا يمكنه أن يكون نظامًا حقوقيًّا عالميًّا مطلوبًا لما فيه من نواقص أساسيّة، ويمكن عدّ أهمّ نواقص هذا الإعلان كما يلي:

1. تمّ تدوين الإعلان من دون وجود أصول مبنائيّة، ومن دون ترتيب منطقي.

(65)

2. لم يتمّ تبيين علاقة الإعلان مع الرؤية الكونيّة ونظام القيم كما ينبغي.

3. إنّ فقدان التماسك النظري المستحكم أدّى إلى وجود تناقض داخلي بين مفردات الإعلان وعدم التناسق فيما بينها.

4. إنّ الإعلان لم يكتف بإهمال الدين والمذهب فقط بل له رؤية عدائيّة لهما.

5. التأكيد على الحقوق والغفلة عن تكاليف الإنسان.

 6. وجود الإبهام والإطلاق في الإعلان أدّى إلى تعرّضه للنقد.

كنّا ننتظر من مدوّني الإعلان المدّعين للعالميّة، القيام برفع النواقص وجبرانها على الأقل، وما دام الأمر هكذا لا يمكن للإعلان من تأمين حقوق جميع الناس وبيان تكاليفهم.

الرابعًا: نظام حقوق الإنسان وتكاليفه

بعد التعرّف على الأصول والمباني النظريّة لحقوق الإنسان، نقدّم نظامنا المقترح حول حقوق الإنسان وتكاليفه، ومن أهمّ خصائص هذا المقترح، تبيين علاقة الحقوق الإنسان وتكاليفه مع الرؤية الكونيّة ومجموعة نظام القيم بشكل واضح، إنّ النظم والترتيب المنطقي لمواده تقبل التبيين العقلائي بناء على أساس الأصول الموضوعة. علمًا بأنّ هذا الاقتراح لا يهمل جانب الدين والمذهب، ولا يتّخذ موقفًا سلبيًّا تجاههما.

المادّة الأولى: إنّ الحياة موهبة إلهيّة منحها الله لعباده. وعليه لا يحقّ لأيّ أحد سلب هذه النعمة من دون الإذن الإلهي.

ملاحظة: لقد أذن الله تعالى بناء على حكمته البالغة بسلب حياة شخص أو فئة تقوم بأعمال تنافي هدف الخلقة ومصالح الإنسان المادّيّة والمعنويّة.

إنّ هذه المادّة مضافًا إلى إشارتها لحقّ الحياة بيّنت نطاقه أيضًا، ودليله أنّ حقّ

(66)

الحياة نعمة منحها الله تعالى للإنسان، واستمرار حقّ الحياة منوط بعدم إذن الله تعالى -المالك للحياة وواهبها- بسلب تلك الحياة. ولا يحقّ لغيره سلب حياة الفرد أو الأفراد الآخرين، لأنّهم لا يملكون ذلك الحقّ، إذ هذا الحقّ منحصر في الله تعالى، لملكيّته المطلقة عليه.

وتمّت الإشارة في الملاحظة إلى أنّ إرادة الله تعالى لسلب حياة بعض البشر لم تكن جزافًا بل تبتني على حكمته البالغة. إنّ الله تعالى قد خلق العالم ومن فيه ليوصلهم إلى الكمال الحقيقي، فلو منع شخص أو أشخاص من تحقّق هذا الهدف وقاموا بتضييع وتفويت مصالح الإنسان، فحينئذٍ تقتضي حكمة الله سلب حياتهم، لأنّ استمرار حياة هكذا أشخاص يخالف مقتضى الحكمة. وبناء على هذه الملاحظة تقتضي حكمة الله البالغة سلب حياة هؤلاء الأشخاص:

ألف: الأشخاص الذين يعادون دين الله. إنّ أصل وجوب الجهاد مع أعداء الدين يبيّن هذه الحقيقة أنّ العداء للدين الحقّ يوجب هدر دماء هؤلاء المعادين، ويحقّ للمسلمين قتلهم أي ليس لهم حقّ الحياة، لأنّهم يسعون لتحجيم الدين الحقّ (أي طريقة تحقّق هدف الخلقة) وعدم هداية الناس، وعدم وصولهم إلى الكمال الحقيقي، فالمانع من تكامل الإنسان يسير في الحقيقة خلاف مسير الخلقة ويسعى لعدم تحقّق هدف الخلقة.

ب: إنّ من يعمل في المجتمع الإسلامي عملًا يعرّض مصالح الناس المادّيّة والمعنويّة للخطر، لا تكون عقوبته في بعض الموارد -كما هو مذكور في باب الحدود- سوى الموت.

ج: إنّ عقوبة من يقتل النفوس المحترمة والبريئة هو القصاص.

إنّ حياة المجرمين في هذه الموارد الثلاثة يخالف هدف الخلقة وينقض فلسفة الحياة الإجتماعيّة، وعليه تكون حياتهم خلاف الحكمة الإلهيّة.

(67)

المادّة الثانية: لكلّ إنسان حقّ الصحّة الجسديّة والسلامة الروحيّة والعقليّة، إلّا في موارد سلب فيها الله تعالى حقّ الصحّة الجسديّة.

وعليه لا يحقّ لأيّ شخص قطع عضو من أعضاء جسم الإنسان أو إتلافه، كما لا يحقّ له أن يعرّض الآخرين بسلوكه للأذى الجسمي أو النفسي، نعم ينبغي لكلّ إنسان الحفاظ على صحّته الجسديّة وسلامته الروحيّة والعقليّة، وعدم فعل شيء يعرّضها للخطر، ولكن ليس لهذا التكليف بُعد حقوقي واجتماعي، بل يُعدّ من الأمور الفرديّة المتعلّقة بالأخلاق.

المادّة الثالثة:

1. لكلّ إنسان الحقّ في التمتّع من نعم الله ومواهبه المادّيّة والطبيعيّة كنور الشمس وحرارتها، الهواء، الماء، وسائر الأطعمة والأشربة، اللباس والمسكن، كي يتمكّن من رفع حوائجه الجسديّة، كما أنّ حقّ الاستفادة من الأراضي الموات والأسماك وسائر موجودات البحار والموارد الطبيعيّة الأخرى يعدّ من فروع هذا الحقّ.

2. كلّ إنسان حرّ في كيفيّة الاستفادة من هذه النعم والمواهب ما دامت لم تضرّ بمصالحه المادّيّة والمعنويّة.

تشير الفقرة الأولى من هذه المادّة إلى أصل التمتّع بالنعم الإلهيّة، إذ لا يمكن أن تستمرّ الحياة والصحّة والسلامة من دون رفع الحوائج الجسديّة، فلا بدّ من تجويز الاستفادة من هذه النعم والمواهب المادّيّة والطبيعيّة لرفع تلك الحوائج. وبعبارة أخرى إنّ حكمة الله التي تقضي بحياة الإنسان في هذا العالم، تقتضي أيضًا استمرار الحياة، وعليه ينبغي تجويز التمتّع بالنعم الموجبة للبقاء واستمرار الحياة. فيمكن القول بناءًا على الحكمة الإلهيّة أنّ الله تعالى منح الإنسان حقّ الاستفادة من النعم التي تكون شرطًا لبقاء الحياة.

(68)

أمّا الفقرة الثانية تبيّن الحرّيّة في كيفيّة الاستفادة من النعم الإلهيّة، فالإنسان حرّ في اختيار أنواع النعم أعمّ من الطعام واللباس والسكن وغيرها وبأيّ كيفيّة كانت، شريطة أن لا تضرّ بمصالح الإنسان المادّيّة والمعنويّة. وعلى سبيل المثال فإنّ استمرار الحياة تتحصّل أيضًا من خلال أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، ولكن هذه الأمور رغم وجود المنافع لا تلبّي مصالح الإنسان أي أنّ ضررها أكثر من نفعها[1] فهذا الانتفاع ممنوع، بنفس الدليل الذي يمنع لبس بعض الألبسة للرجل أو المرأة، فبما أنّ فلسفة التمتّع بالنعم الإلهيّة هي رفع حوائج الإنسان وحفظ سلامته وتهيئة أسباب كماله، لا بدّ أن تكون بحيث تنقض هذا الغرض.

المادّة الرابعة:

1. لكلّ إنسان الحقّ في التصرّف في الموجودات ما دام لا يضرّ بمصالح نفسه ومصالح الآخرين المادّيّة والمعنويّة.

2. لكلّ إنسان الحقّ في انتخاب أيّ عمل وحرفة، شريطة أن ينتهي جهده الاقتصادي لصالح الفرد والمجتمع.

نعم إنّ التصرّف في الموجودات والأشياء مفهوم عامّ وله أقسام مختلفة. من تلك الأقسام الاستفادة من نعم الله المذكورة في المادّة الثالثة. والقسم الآخر الأعمال التي يؤدّيها الإنسان لتأمين حوائجه. ونحن نسلّم بأنّ لكلّ إنسان الحقّ في التمتّع بالنعم الإلهيّة لرفع حوائجه، غير أنّ هذه النعم لم تكن حاضرة في الطبيعة، بل يلزم السعي والجهد لتهيئتها فلا بدّ من وجود الحقّ للإنسان في العمل والتصرّف في سائر الموجودات كي يتمكّن من التمتّع بالنعم الإلهيّة.

فالفقرة الأولى تمنح للإنسان حقّ العمل وكذلك تبيّن حدوده، بمعنى لزوم أن يكون عمل الإنسان بحيث لا يضرّ بمصالح الفرد والمجتمع.

(69)

الفقرة الثانية تنصّ على حرّيّة الإنسان في اختيار العمل والحرفة، فلو أُجبر الإنسان على اختيار عمل أو حرفة خاصّة، فهو ربّما يقبل هذا العمل الإجباري ويحفظ حياته وسلامته ويرفع به حوائجه، ولكن هذا الإجبار ينافي أصل اختيار الإنسان وهدف الخلقة في أنّ استكمال الإنسان ينحصر في الأفعال الاختياريّة.

فلا بدّ من حرّيّة الإنسان في أعماله الاقتصاديّة لأجل تأمين هدف الخلقة وفلسفة الحياة الاجتماعيّة، كي يعمل في أيّ عمل أحبّه ويشغل قواه وقدراته بإرادته، فالعمل الذي يتمّ اختياره بحرّيّة تامّة مضافًا إلى تأمين الحوائج الدنيويّة، يُرضي ويُشبع الحوائج النفسيّة أيضًا.

كما تدلّ أيضًا هذه الفقرة على أصل لزوم سوق جهد الإنسان وسعيه الاقتصادي نحو خير الفرد والمجتمع وصلاحهما، ويكون بعبارة أخرى من (الكسب الحلال)[1] ونرى في الأنظمة الرأسماليّة أنّ كلّ فرد يحقّ له القيام بأي عمل اقتصادي يراه نافعًا لنفسه، ولكن المعيار الإسلام سوق الأعمال الاقتصاديّة نحو اتّجاه خاصّ لا يضرّ بمصالح الفرد والمجتمع.

المادّة الخامسة: يكلّف كلّ إنسان بالعمل لتحصيل قوته وقوت عياله.

والغرض أنّ الإنسان ليس له حقّ العمل فقط، بل أنّه مكلّف بالعمل لتأمين حوائجه وحوائج أسرته الجسمانيّة والمادّيّة كي لا يكون عالة على الآخرين، فمن يفرّ من العمل من دون عذر مقبول، ويلقي حمله على الدولة أو المجتمع، فإنّه في الواقع يستغلّ جهود الآخرين ويسيء الاستفادة منها، أي يأخذ أموال الناس بغير حقّ، وهذا الأمر غير مقبول شرعًا وقانونًا وعقلًا.

المادّة السادسة: تكلّف الدولة بالتخطيط الصحيح لتهيئة أرضيّة العمل لأفراد المجتمع الاقتصاديّة.

(70)

ربّما يوجد في المجتمع أشخاص لهم البُنية الجسديّة والروحيّة الكافية للعمل، وكذلك يبحثون عن فرص للعمل، لكن لا تتهيّأ أرضيّة العمل لهم، ولم يتمكّنوا -رغم هذا- من أداء واجبهم الشرعي والقانوني طبقًا للمادّة السابقة. فالدولة هنا مكلّفة لصدّ هذه الحالة من تهيئة فرص العمل الاقتصادي لجميع المواطنين.

المادّة السابعة: تكلّف الدولة بتأمين حوائج الذين لم تكن لهم القدرة الجسديّة أو الروحيّة للعمل بسبب نقص في الخلقة أو العوارض الطارئة عليهم بعد الولادة، وكذلك من ليس له معيل يتكفّل بشؤون حياته.

لا شكّ في وجود من لا يمتلك القدرة الجسديّة أو الروحيّة الكافية للقيام بأعمال اقتصاديّة لرفع حوائجهم ومتطلّبات الحياة في كلّ مجتمع، ولو كان لهؤلاء من يعيلهم ويتكفّل إدارة حياتهم ورفع حوائجهم، لم يحتاجوا إلى مساعدة الغير، وإلّا كانوا بحاجة إلى المساعدة. وللمجتمع أن يُسهم هؤلاء في نتاج عمله، فلو قام البعض تطوّعًا بتكفّل هؤلاء بحيث يشمل جميع العجزة والعاطلين عن العمل والفقراء والمساكين فهو المطلوب، وإلّا ستكلّف الدولة بتكفّل هذا الأمر، علمًا بأنّ جهود المتطوّعين لا تكفي لإدارة حياة هؤلاء، لذا فإنّ من أهمّ وظائف الدولة تكفّل من يعجز عن إدارة حياته أوّلًا، أو ليس له من يعيله ثانيًا، فعلى الدولة رفع حوائج هؤلاء من بيت المال والأموال العامّة.

المادّة الثامنة: لكلّ إنسان حقّ تملّك ما حازه من الطرق الشرعيّة إلّا في الموارد التي تخالف مصلحته أو مصلحة المجتمع.

قلنا أنّ كلّ إنسان مكلّف بالعمل لرفع حوائجه وحوائج أسرته، وهذا يصحّ فيما لو كان للإنسان حقّ تملّك الأجور الحاصلة من عمله، وإلّا سوف لا يتمكّن من رفع حوائجه وحوائج أسرته. علمًا بأنّ حقّ التملّك مشروط بأمرين: الأوّل

(71)

أن يكون المال المستحصل قانونيًّا ومشروعًا. والثاني أن لا يتعارض حقّ التملّك مع مصالح المالك أو مصالح المجتمع، فالحكمة الإلهيّة كما تقتضي حقوق الإنسان وحرّيّاته، تقتضي التقييد أيضًا.

المادّة التاسعة:

1. لكلّ إنسان الحقّ من تأمين غريزته الجنسيّة بالطرق الشرعيّة عن طريق الزواج وتكوين الأسرة.

2. لكلّ إنسان الحقّ في اختيار من يسمح القانون أن يكون زوجًا، ولا يجوز إجبار أيّ رجل أو امرأة على الزواج مع امرأة أو رجل خاصّ، كما لا يجوز منع أيّ امرأة أو رجل من الزواج من امرأة أو رجل خاصّ.

إنّ حكمة وجودة الغريزة الجنسيّة في الإنسان إنّما هي لأجل استمرار نوع البشر، فلو لم تكن هذه الغريزة قويّة في الإنسان لربّما ترك البعض هذا الأمر ممّا يؤدّي إلى انقطاع نسل الإنسان، فالله تعالى جعل هذه الغريزة في الإنسان لأجل ضمان بقائه بحيث أنّ عدم إرضائها يؤدّي إلى أذى روحي وجسدي، وبإرضاء هذه الغريزة يتمّ تأمين مصلحته: المصلحة الأساسيّة في بقاء نوع الإنسان، والمصلحة الثانويّة في سلامة الروح والجسم. ولأجل تحقّق هذتين المصلحتين لا بدّ من وجود حقّ الزواج لكلّ أحد. وبسبب الزواج وتكوين الأسرة يتمّ تأمين سلامة الفرد واستقراره النفسي، وكذلك خلاص المجتمع البشري من خطر الانقراض. والخلاصة كما يحقّ لكلّ شخص الزواج، فله أيضًا حقّ حرّيّة اختيار الزوج المناسب، ولا يجوز لأيّ أحد سلب هذا الحقّ وهذه الحرّيّة عنه.

المادّة العاشرة: يحقّ لكلّ إنسان إنجاب الأولاد بأيّ عدد أحبّ.

يعدّ وجود الأولاد من الضروريّات الطبيعيّة والإجتماعيّة لكلّ إنسان، لذا لا

(72)

يحقّ لأيّ أحد وحتّى الدولة منع الأشخاص من الإنجاب.

المادّة الحادية عشر: إنّ الحضانة وتعليم وتربية الأولاد من حقّ الأبوين.

وعليه لا يحقّ لأيّ شخص فصل الأولاد من أسرتهم وانتقالهم إلى مكان آخر. إنّ الأبوين أولى من غيرهما في حضانة الأولاد وتعليمهم وتربيتهم.

المادّة الثانية عشر: إنّ كلّ إنسان خلق حرًّا أصالة وبالذات، ولا يجوز استرقاق أيّ إنسان بسبب لونه أو بشرته أو عرقه أو دمه أو لغته. نعم ربّما يسلب شخص حقّ استقلاله الحقوقي بسبب سوء اختياره ويصبح عبدًا.

المادّة الثالثة عشر: يحقّ لكلّ إنسان المحافظة على عرضه وموقعيّته الاجتماعيّة عن تعرّض الآخرين.

كما يحقّ للإنسان المحافظة على نفسه وصحّته وسلامته وماله عن تعرّض الآخرين، يحقّ له أيضًا أن يكون عزيزًا ولا يُهان ولا يُسب ولا يتمّ تحقيره.

المادّة الرابعة عشر:

1. يحقّ لكلّ إنسان أن يتعلّم العقائد وأحكام الدين والمذهب الصحيحة، وطريقة الحياة الفضلى، وكما يحقّ له تعليمها للآخرين.

   بما أنّ الحياة والصحّة والسلامة والتمتّع بالنعم والمواهب الطبيعيّة والمادّيّة، والزواج وتكوين الأسرة والموقعيّة الاجتماعيّة وغيرها، تُعدّ مقدّمة لاستكمال الروح والمعنويّة، لذا يحقّ لكلّ إنسان تعلّم العقائد وأحكام الدين والمذهب الحقّ وطريقة الحياة الصحيحة كي يبلغ رشده المعنوي وكماله الروحي، كما يحقّ لكلّ إنسان تعليم ما تعلّمه بهذا الخصوص للآخرين.

2. يحقّ لكلّ إنسان تعليم وتعلّم أيّ علم وفنّ وحرفة وصنعة تكون مفيدة أو ضروريّة لمصلحة الفرد أو المجتمع المادّيّة والمعنويّة، وهذا الحقّ يتضمّن

(73)

حرّيّة الأعمال الأدبيّة والفنيّة والثقافيّة والتبليغيّة التي تحقّق صلاح المجتمع وخيره.

   يحقّ لكلّ إنسان أن يتعلّم أيّ علم مفيد له وللمجتمع، كما يتمكّن من تعليم العلم والمعرفة المكتسبة لغيره، وعليه لا يحقّ لأيّ أحد منع الآخرين من تعليم وتعلّم العقائد وأحكام الدين والمذهب الحقّ، وطريقة السلوك الصحيح، وأيّ علم ومعرفة مفيدة.

3. يحقّ لكلّ إنسان أن يقرّر لنفسه جميع ما يرتبط بتحصيل العلوم والفنون والحِرَف والصنايع من قبيل نوع التخصّص ومدّة الدراسة وطريقتها ومنهجها.

   يحقّ لكلّ إنسان -مضافًا إلى حقّ دراسة العلم والمعرفة- أن يقرّر لنفسه بكلّ حرّيّة في المسائل التي تتعلّق بنوع العلم والمعرفة التي يريد أن يدرسها، والمدّة الزمنيّة التي تستغرق والمنهج المتبع، ولا يمكن الإجبار في هكذا أمور.

المادّة الخامسة عشر:

1. كلّ إنسان حرّ في اختيار أيّ علم وعقيدة علميّة وفلسفة ودين ومذهب وأخلاق وعرفان وأدب وفنّ، ما دام لا يضرّ مصالح المجتمع المادّيّة والمعنويّة، وعليه يمنع تفتيش العقائد وعقوبة الإنسان لأجل إلتزامه بعقيدة خاصّة.

2. وكذلك كلّ إنسان حرّ في العمل بشعائره الدينيّة والمذهبيّة.

وذلك أنّ أصل حرّيّة الإنسان في جميع أعماله الظاهريّة والباطنيّة، وعدم التعرّض للضغط والإجبار بخصوص أيٍّ من المعتقدات والأخلاق وسائر

(74)

الأعمال. ومن لوازم حقّ الحرّيّة في اختيار الدين والمذهب، الحرّيّة في أداء المناسك والشعائر الدينيّة والمذهبيّة.

المادّة السادسة عشرة: إنّ حرّيّة تبليغ العقائد وأحكام الدين والمذهب تختصّ بالدين والمذهب الحقّ حصرًا، ويمنع إشاعة الآراء والعقائد التي تسبّب ضلال عامّة الناس وخروجهم عن المسير الحقّ، وهذه العقائد والآراء يسمح تداولها ومدارستها في النوادي والمجاميع العلميّة والجامعيّة فقط، والدولة الإسلاميّة مكلّفة بمنع إشاعة ونشر هذه الآراء والعقائد بين الناس بشكل جادّ.

قلنا في المادّة الخامسة عشرة أنّ الإنسان حرّ في اتّخاذ أيّ رأي وعقيدة (أعمّ من الدينيّة والمذهبيّة أو غيرهما) وأن يعمل بشعائر دينه ومذهبه، فهل هذه الحرّيّة تعمّ أيضًا التبليغ وإشاعة الرأي والعقيدة أيضًا أم لا؟ وهل يحقّ لكلّ أحد بثّ آرائه وعقائده -أيًّا ما كانت- بين الناس؟

طبقًا للمادّة السادسة عشرة يكون الجواب سلبيًّا، لأنّ منشأ جميع حقوق الإنسان وتكاليفه (أعمّ من الفرديّة والاجتماعيّة) إنّما هو حكمة الله البالغة، وهي تقتضي استكمال البشر والعوامل المؤثّرة في تكامل الإنسان. وحينئذٍ ألا يحدث أيّ حقّ تجاه موانع التكامل؟ فلو واجه الناس أنواع الآراء والعقائد الباطلة والضالّة، لانحرفوا عن طريق الحقّ والحقيقة بكلّ سهولة. لأنّ عامّة الناس لا تمتلك العقليّة اللازمة والعلم الكافي لفهم ونقد هذه الآراء والعقائد، ولم تتهيّأ الشرائط عادة لقيام العلماء دائمًا لتبيين وشرح هذه العقائد والآراء، وتعيين موارد الخطأ والمغالطة فيها كي تتمّ صيانتهم من الانحراف والضلال، لذا تكلّف الدولة بسدّ منافذ انتشار الآراء والعقائد الباطلة في المجتمع، كي

(75)

يتمكّن الناس من السير في طريق التكامل والإنسانيّة الصحيح.

وبنفس الوقت تقتضي المصلحة مدارسة الأفكار المنحرفة في المجامع العلميّة والجامعيّة، وهذا الأمر يؤدّي إلى أنّ متنكّري المجتمع وعلمائه، بعد اطّلاعهم على آراء وعقائد المدارس والمذاهب المختلفة، تزداد معرفتهم سعة وعمقًا من جهة، ويقفوا على حقّانيّة مذهبهم وبطلان سائر المدارس والمذاهب من جهة ثانية. وفي المآل يتمكّنون من مواجهة غزو العدو الثقافي والفكري بأفضل وجه وأحسنه وبعلوم مكفية، ويدافعون عن حدود العقيدة وقيم الدين.

إنّ أصل تحديد وتقييد إشاعة الأفكار والعقائد، أمر مقبول لدى الجميع، إذ كلّ مجتمع لم ير مصلحة في انتشار بعض الأفكار، لذا يمنعون منها، والفرق الموجود بيننا وبين غيرنا إنّما هو أوّلًا في تعيين مصاديق الأفكار والآراء الفاسدة، وثانيًا أنّهم لم يقيموا أيّ دليل عقلائي وموجّه للتحديد والتقييد هذا، في الحال أنّ لنا أدلّة عقلائيّة واضحة سواء في جانب الحقوق والحرّيّات أو في جانب التكاليف والتقييدات.

نحن نعتقد بلزوم انتهاء جميع الحقوق والتكاليف إلى إذن الله وابتنائها على المصالح والمفاسد الواقعيّة، لذا لا يمكن إثبات حقّ يخالف مصلحة الإنسان، ونعتقد أنّ انحراف الإنسان عن مسير الحقّ والحقيقة يخالف مصالحه، كما نعتقد بحرّيّة تعليم العقائد وأحكام الدين والمذهب الحقّ وعلم وفنّ مفيد آخر لموافقته مصالح الإنسان، ونمنع تبليغ وإشاعة العقائد المنحرفة لمخالفتها مصالح الإنسان. فملاك الحرّيّة والتقييد إنّما هو المفاسد والمصالح الواقعيّة ونفس الأمريّة لا أهواء الناس أو المقنّن.

(76)

والخلاصة نعتقد بحرّيّة تعليم ونشر العقائد وأحكام الدين والمذهب الحقّ فقط، وإنّ تعليم الفساد والفحشاء والفسق سيّء في الواقع، ولم يخالف التكامل فحسب بل يوجب سقوط المجتمع أيضًا لذا لا بدّ من صنعه.

المادّة السابعة عشر: خُلق جميع الناس من أبّ وأُمّ واحدة، وهم من نوع واحد ولا تأثير للون البشرة والعرق واللغة ومكان الولادة والفقر والغنى في إنسانيّتهم، لذا فالكلّ متساوون أمام القانون.

إنّ سبب تمتّع الإنسان بالنعم والمواهب الإلهيّة، إنّما هو تأمين مصالح الدنيا والآخرة والتكامل المعنوي، وهذه العلّة مشتركة بين جميع الناس، وعليه لا يمكن تخصيص بعض الحقوق والحرّيّات لفئة دون فئة. بل تقتضي حكمة الله تمتّع جميع الناس من النعم بشكل متساوي رغم اختلافهم، لذا فإنّ تفضيل فئة من الناس وحرمان فئة أخرى من نعم الله يخالف اقتضاء الحكمة الإلهيّة البالغة. والخلاصة أنّ لجميع البشر حقوق وتكاليف متساوية من حيث إنسانيّتهم، وإنّ الاختلافات الظاهريّة والعرضيّة لا توجب اختلاف الحقوق، ويمكن القول بأنّ محتوى هذه المادّة تأكيد لما ورد في المواد السابقة.

المادّة الثامنة عشر: إنّ الرجل والمرأة متساويان في الإنسانيّة وما هو من لوازم الإنسانيّة المشتركة، وبناءًا على هذا يتساويان أيضًا في الحقوق والحرّيّات الناظرة إلى هذه المشتركات. ولكن مع هذا فلهما اختلافات تكوينيّة -جسديّة وروحيّة- توجب اختلافًا في الحقوق والحرّيّات، وكذلك التكاليف والتقييدات الاجتماعيّة.

لا شكّ في وجود اختلافات تكوينيّة وطبيعيّة بين الرجل والمرأة في بُعدي

(77)

الجسم والروح، وهذه الاختلافات توجب الاختلاف في نوع الوظائف وواجبات الحياة الاجتماعيّة، بمعنى أنّ الأعمال التي يؤدّيها الرجل لا تتمكّن المرأة من أدائها وكذا العكس. وعلى سبيل المثال فإنّ خلقة المرأة -جسديًّا وروحيًّا- تكون بحيث تمكّنها من الإنجاب والرضاعة وتربية الأولاد، وليس للرجل هذه الخصائص، غير أنّه يمتاز عنها بقدرة جسديّة وروح مقاومة تؤهّله لخوض مشاكل المجتمع. وكأنّ يد الخلقة خلقت المرأة لأعمال البيت والرجل لما هو خارج نطاق البيت، لذا لا يحسن الرجل أداء أعمال البيت كما تقوم به النساء إلّا ما استُثني، كما أنّ المرأة لا تتمكّن من أداء أعمال خارج البيت كالرجل.

ومن الطبيعي بعد اختلاف نوع وظائف الرجل والمرأة في الحياة الاجتماعيّة، أن تختلف حقوقهما وحرّيّاتهما أيضًا. فلو أرادت المرأة أن تعمل خارج نطاق البيت، لم تتمكّن من أداء وظيفتها التربويّة بالنحو المطلوب، لذا لا بدّ أن تبقى في البيت وينفق عليها زوجها، وهذا -أي تأمين متطلّبات الحياة- من حقّ المرأة، وتكليف على الرجل للسعي نحو تحقّقه. وبهذا الدليل يكون إرث الرجل ضعف إرث المرأة.

والخلاصة أنّ الرجل والمرأة متساويان في الكرامة الإنسانيّة والكمالات الحقيقيّة، لذا يتساويان أيضًا في الحقوق العامّة والمشتركات الإنسانيّة. ولكن لوجود تفاوت بينهما من حيث القدرات الجسديّة والروحيّة، ممّا يؤدّي إلى اختلاف في القوى واللياقات، لا بدّ أن نتوقّع وظائف خاصّة من كلّ واحد منهما في الحياة الاجتماعيّة. وبطبيعة الحال عندما تتفاوت الأعمال والوظائف والمسؤوليّات، تختلف الحقوق والحرّيّات بقدرها. وعليه فإنّ اختلاف حقوق المرأة والرجل أمر طبيعي.

(78)

المادّة التاسعة عشرة:

1. يحقّ لكلّ إنسان المشاركة في النشاط السياسي والاجتماعي والتصويت على الأشخاص ما دام لا يتنافى مع مصالح الناس.

2. كلّ إنسان حرّ في كيفيّة نشاطه السياسي والاجتماعي، وعليه لا يمكن صنعه من تشكيل الجمعيّات والأحزاب أو العضويّة فيها، كما لا يمكن إجباره على الانتماء إليها وهذه الحرّيّة تشمل سائر أنواع الأنشطة السياسيّة والاجتماعيّة أيضًا كتأسيس صحيفة أو مجلّة.

المادّة العشرون: يحقّ لكلّ إنسان تسلّم المناصب الاجتماعيّة بحدود صلاحيّاته.

أي يحقّ لكلّ شخص أن يتسلّم المناصب الاجتماعيّة مع إحراز الصلاحيّة الكافية، ولا يمكن منعه من ذلك تعسّفًا.

المادّة الحادية والعشرون: إنّ من وظائف جميع أفراد المجتمع المشاركة في أيّ نشاط سياسي واجتماعي لتأمين المصالح الضروريّة العامّة.

طبقًا للمادّة التاسعة عشر يحقّ لكلّ أحد المشاركة في النشاط السياسي والاجتماعي. وبناء على هذه المادّة يكلّف الإنسان بالنشاط السياسي والاجتماعي بقدر الضرورة.

المادّة الثانية والعشرون: إنّ حقّ الحاكميّة يختصّ بالله تعالى، لذا ليس لأيّ إنسان حقّ الحاكميّة على إنسان آخر أصالة وابتداءًا. وتنحصر الحكومة على الناس لما يأذنه الله تعالى لذلك فقط.

إنّ محتوى هذه المادّة يُعدّ من أهمّ الأصول في الفلسفة السياسيّة وفلسفة

(79)

الحقوق والحقوق السياسيّة والإسلاميّة. نحن نعتقد أنّ مشروعيّة الحاكم وجهاز الحكومة لا تتحصّل إلّا عن طريق اكتشاف الإذن الإلهي.

المادّة الثالثة والعشرون:

1. يحقّ لكلّ فرد من أفراد المجتمع بل يجب عليهم الخروج على الحاكم والحكومة غير الشرعيّة.

2. يحقّ لكلّ فرد من أفراد المجتمع بل يجب عليهم إقامة الحكومة المشروعة.

طبقًا للمادّة الثانية والعشرين لا يحقّ لأيّ إنسان أن يحكم الناس من دون إذن الله، كما لا يحقّ لأيّ فئة أو تيّار تنصيب الحكومة التي يرتضونها، وتنحصر حقّ الحكومة في الفرد أو الجهة التي تحرز الشرائط الكافية لهذا الأمر الخطير، والشرط الأساسي إنّما هو الإذن الإلهي.

تنصّ الفقرة الأولى من هذه المادّة أنّ الحكومة التي تتقلّد الحكم من دون صلاحيّة كافية تكون ظالمة وغاصبة. وحينئذٍ يحقّ لأفراد المجتمع بل يجب كفاح هكذا حكومة تخالف موازين الحقّ والعدل. إذ إنّ معيار الحاكميّة في فلسفة الإسلام السياسيّة إنّما هو الحقّ والعدل لا رغبة الناس. ففي هذه الرؤية لم يكن الناس أحرارًا في متابعة أهوائهم النفسانيّة في المسائل الاجتماعيّة، بل يُكلّفون بمتابعة موازين الحقّ والعدل في كلّ مكان، ولا يحقّ لأيّ أحد القيام بالنشاط السياسي والاجتماعي خارج هذا الإطار، كما لا يحقّ له أيضًا التصدّي للمناصب الحكوميّة المختلفة، والخلاصة يجب على الناس مكافحة الحكومة الغاصبة.

وبما أنّ وجود الحكومة ضروريّ لكلّ مجتمع، لا بدّ من إقامة الحكومة

(80)

المشروعة بعد الإطاحة بالحكومة الباطلة، ولا يجوز لمن له أهليّة الحكومة والقيادة أن يتسلّم السلطة بمجرّد المأذونيّة الإلهيّة، لأنّ الإذن الإلهي يعطي الشرعيّة للحكومة فحسب، وهي لا تكفي لوحدها، بل تحتاج الحكومة مضافًا للشرعيّة إلى المقبوليّة ودعم الناس، لأنّها عامل اقتدار الحكومة. لذا يكلّف أفراد المجتمع تنصيب الشخص الصالح من خلال الدعم والتصويت عليه وإسناد حكومته.

إنّ المعصومين عليهم‌السلام في الرؤية الشيعيّة، مأذونون من قبل الله جميعًا للحكومة على الأُمّة الإسلاميّة، ولكن بسبب عدم إقبال الناس لم يتمّ تفعيل هذا الأمر عدا الفترة القصيرة لخلافة أمير المؤمنين عليه‌السلام .

وتنصّ المادّة الثانية أنّ الناس مكلّفون بالسعي لتنصيب من يرونه صالحًا للحكومة، لأنّ فعليّة الحكومة الحقّ والعدل وتحقّقها لا تتأتّى إلّا بدعم الناس وحمايتهم.

المادّة الرابعة والعشرون: تكلّف الحكومة بتأمين المصالح المادّيّة والمعنويّة التي لا يتمكّن أيّ فرد أو جماعة من تأمينها، وقد بيّن الفقه الطرق المشروعة لذلك، ومن الطبيعي أن تمنح الدولة اختيارات متناسبة مع وظائفها.

تبيّن هذه المادّة ضرورة الحكومة، ووظائف جهاز الحكومة واختياراته، ونحن وإن تطرّقنا إلى هذا الموضوع بشكل تفصيلي في محلّه[1]، ولكن لأهميّته نشير هنا إليه إشارة ونقول: توجد في كلّ مجتمع مصالح مادّيّة ومعنويّة، إمّا أنّها تهمل من قبل الأفراد والفئات الاجتماعيّة، أو لم يتمكّنوا من تحقّقها، لا بدّ

(81)

من الضروري وجود الحكومة لتتكفّل تحقّقها، أي يجب على الدولة تأمين هذه المصالح. ومن جهة أخرى أنّ الوظيفة تستلزم وجود اختيارات، فيجب أن تكون للدولة اختيارات متناسقة مع تلك الوظائف لأجل القيام بها.

إنّ التناسق بين الاختيارات والوظائف، وتبعيّة الوظائف واختيارات الدولة للمصالح المادّيّة والمعنويّة، تسوق الحكومة بحيث لا تعمل خلافًا لمصالح الناس. فالدولة الحقّة بعدما تتسلّم مقاليد الحكم من خلال الناس، لا بدّ أن تهتمّ بتحقيق مصالح المجتمع، فالوظائف التي ذكرنا ضمن المواد السابقة للدولة، من قبيل: تهيئة أرضيّة العمل الاقتصادي، تأمين مصالح المعوقين والعاطلين عن العمل والعجزة، المنع من انتشار الآراء والعقائد الباطلة، تعدّ بعض وظائف الدولة. وتنصّ هذه المادّة على أنّ كلّ مصلحة مادّيّة ومعنويّة لا يقوم بها الفرد أو أيّ فئة أُخرى، تدخل في نطاق وظائف الدولة، ويجب عليها تأمينها.

المادّة الخامسة والعشرون: يجب على جميع أفراد المجتمع إطاعة أحكام وقرارات الدولة المشروعة تمامًا.

كما يلزم وجود الحكومة في كلّ مجتمع، يلزم كذلك طاعة الناس للحكومة، إذ لا تتمكّن الدولة من تأدية وظائفها بشكل جيّد من دون مساعدة الناس، وعليه يحقّ للدولة المشروعة المقامة على موازين الحقّ والعدل أن تطالب الناس بالطاعة، إذ الدولة المشروعة تريد تحكيم النظم من خلال وضع القوانين الصحيحة وتنفيذها كي تتمكّن تأمين مصالح الناس المادّيّة والمعنويّة. وإذا أراد الناس عصيان الدولة، وغضّ الطرف عن وظائفهم تجاهها لأصبحت الفلسفة الوجوديّة للحكومة لغوًا.

(82)

المادّة السادسة والعشرون: يحقّ لكلّ فرد من أفراد المجتمع بل يجب عليه إذا علم أنّ بعض أحكام وقرارات الدولة المشروعة تخالف الحقّ والعدل، أو يرى عدم صوابيّة منهج عملها، أن يقوم بنصيحة المسؤولين وتذكيرهم.

المادّة السابعة والعشرون: لا يحقّ لأيّ فرد من أفراد المجتمع معارضة الدولة المشروعة.

تعني هاتان المادّتان أنّ من يرى مخالفة بعض أحكام الدولة المشروعة وقراراتها للحقّ والعدل، أو يرى خطأ بعض أعمال المسؤولين، لم يكن له الحقّ فحسب، بل يجب عليه أن لا يتضايق من تقديم النصيحة والنقد البنّاء وإعطاء المقترحات، لأنّ هذه الإرشادات والنصائح مصداق بارز للمشاركة والفعاليّة السياسيّة والاجتماعيّة وهي من الضروريّات، وتكليف جميع أفراد المجتمع كما في المادّة الواحدة والعشرين.

ولكن من جهة أُخرى لا يحقّ لأيّ أحد القيام بمعارضة الدولة المشروعة. وعليه من أراد استغلال الموقف بحجّة نقد نقاط الضعف في الحكومة المشروعة والقانونيّة، وحاول تضليل الناس بالدعايات المضلّة وتهيئة سقوط الحكومة، لا بدّ من منعه وعقوبته بشدّة عند التخلّف.

المادّة الثامنة والعشرون: يجب على الدولة عقوبة المتخلّفين عن أحكام الدولة وقراراتها العادلة.

لا شكّ أنّ جميع أفراد المجتمع لا يتحلّون بالتربية الأخلاقيّة والدينيّة الكافية لتمنعهم من التعدّي على حقوق الآخرين وحرّيّاتهم. لذا يمكن أن يحتوي كلّ مجتمع على أشخاص يخالفون القانون، والتخلّف عن القانون قد

(83)

يتعلّق بالأمور المادّيّة كالسرقة وغصب أموال الناس، وقد يتعلّق بالأمور المعويّة كترويج وإشاعة الآراء الباطلة والمنحرفة، وعلى أيّ حال أنّ الدولة مكلّفة بمتابعة المتخلّف وعقوبته.

المادّة التاسعة والعشرون: يحقّ لكلّ فرد التظلّم وإقامة الدعوى على الظالم في المحاكم.

لذا لا يمكن منع الإنسان من مراجعة المحاكم والتظلّم ولإحقاق حقوقه المنهوبة.

المادّة الثلاثون: يحقّ لكلّ فرد الحضور في المحكمة الصالحة للدفاع عن نفسه مباشرة أو بواسطة الوكيل المدافع أمام الاتّهامات المتوجّهة إليه.

يمنع بناءًا على هذه المادّة تعقيب الناس بشكل اعتباطي، كما لا يحقّ للمحكمة أن تعتني بكلّ مُدّعى وتُصدر حكمًا غيابيًّا [من دون تثبّت].

المادّة الواحدة والثلاثون: لا يُعاقب أيّ شخص قبل أن يثبت جرمه في محكمة صالحة.

إنّ جهاز القضاء والتنفيذ، يحقّ له الوسم بالتخلّف عن القانون والإجرام، وصدور العقوبة لمن دافع عن نفسه سابقًا في محكمة صالحة وتثبت جريمته. هذه المواد الثلاثة ناظرة إلى الحقوق القضائيّة.

المادّة الثانية والثلاثون: إنّ جميع الناس أعضاء أسرة واحدة، وعليه يحقّ لكلّ إنسان بل يجب أخلاقًا وشرعًا القيام أمام أيّ فرد أو دولة تعمل خلاف مصالح الإنسان المادّيّة والمعنويّة، أو تظلم إنسانًا واحدًا، سواء ارتكب ذلك الفرد أو الدولة الخلاف في النطاق الداخلي للحكومة أو الداخلي.

(84)

هذه المادّة التي تعدّ من أهمّ مواد منظومتنا الحقوقيّة، تنظر بشكل خاصّ إلى أمرين عُدّا اليوم من الأصول الحقوقيّة المسلّمة.

الأوّل: السماح لطباعة ونشر أيّ كتاب وبحث، وإخراج أيّ فلم، والسماح أيضًا لأيّ تجمّع ومن ضرة استنادًا إلى احترام حرّيّات الناس. ومن الطبيعي أن لا تنتج هذه المنهجيّة سوى فساد العقائد والأخلاق العامّة. وتنكشف أهميّة هذا الأمر بعد لحاظ سعي الدول وكثير من التيّارات الفاسدة في نشر الفحشاء والفساد وتطوّر وسائل الدعاية والإعلام. وليس لهذه الحرّيّات أيّ تبرير عقلائي ومنطقي، ولا يحقّ لأيّ شخص العمل خلاف مصالح الإنسان المادّيّة والمعنويّة استنادًا إلى حقّ الحرّيّة. ويحقّ لكلّ إنسان الوصول إلى الكمال الحقيقي والسعادة. إنّ المجرمين ومن ينتهك الحرمات، إنّما يستهزئ في الواقع بالبنية الأخلاقيّة ومستقبل الإنسان المعنوي، ويصدّهم عن الوصول إلى الكمال والسعادة.

وفي الحقيقة أنّ الإنسان يخسر جرّاء كلّ عمل غير مشروع بعض حقوقه المادّيّة والمعنويّة، ولنا أن نتساءل ونقول: هل من الصحيح تضييع كثير من حقوق الإنسان المسلّمة بسبب حقّ موهوم؟ نحن نعتقد أنّ الحرّيّات الفرديّة مقيّدة بإطار مصالح الإنسان الدنيويّة والآخرويّة، ويلزم تأطير جميع الأعمال الفرديّة داخل هذا الإطار. ويجب على الجميع رعاية مصالح الإنسان المادّيّة والمعنويّة في أعمالهم، وعدم تعدّي هذه المصالح، ولا يحقّ لأيّ أحد افتداء مصالح الناس لأهواء نفسه بحجّة الحرّيّة، ويحقّ لكلّ إنسان الوقوف أمام هذه المطالب غير المشروعة.

(85)

الثاني: إنّ الحكومات -واستنادًا على أصل عدم التدخّل في الشؤون الداخليّة لكلّ دولة- تظلم الأمم كثيرًا. إنّ الحكومات المستبدّة وغير المشروعة تسنّمت الحكم خلافًا لموازين الحقّ والعدل، وتمدّ يدها نحو أموال الناس وأعراضهم ونفوسهم وعقائدهم وأخلاقهم، وتغضّ الطرف عن حرّيّاتهم البديهيّة وحقوقهم، ولا يحقّ لأيّ أحد الاعتراض عليها، إذ إنّ أصل عدم المداخلة، يُلقي حقّ التدخّل في الأمور الداخليّة على عاتق الناس والحكومة الحاكمة على تلك الدولة، ولا يحقّ لأيّ شخص أو دولة أخرى التدخّل في الأمور الداخليّة لدولة أُخرى.

ولكن تعدّ الحدود الجغرافيّة والسياسيّة أمورًا اعتباريّة في الرؤية الإسلاميّة، لا يمكنها أن تفصل المسلمين بعضهم عن بعض، لأنّ حدود العالم الإسلامي تتحدّد بالعقيدة لا الجغرافيا السياسيّة. وبناء على هذا يمكن اتّحاد جميع المسلمين رغم تشتّتهم الجغرافي والسياسي ليكونوا أمّة إسلاميّة واحدة ومع قطع النظر عن هذا، وحتّى بعد تحديد الحدود الجغرافيّة والسياسيّة للدول، لماذا لا يحقّ للإنسان كفاح الأفراد أو الدول التي تتعدّى على بني نوعه خارج حدود بلده ودولته؟ ويحقّ لكلّ إنسان القيام دفاعًا عن المظلومين ضدّ الأشخاص أو الدول الظالمة المخالفة للبشريّة في أيّ نقطة من نقاط العالم، إنّ القرآن الكريم يحرّض المسلمين في الجهاد لتحرير المظلومين: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا)[1].

(86)

يحقّ لكلّ إنسان بل يجب عليه أن يحامي عن الحقّ والعدل بحسب الوسع، والجهاد مع أيّ فرد أو مجموعة أو دولة تخالف مصالح الإنسان المادّيّة أو المعنويّة. إنّ القول بالحرّيّة المطلقة للإنسان، وترك الشؤون الداخليّة لكلّ دولة إلى نفس تلك الدولة مع شعبها، فخّان كبيران أمام مدافعي الحقّ والعدالة، ولذا تؤكّد الدول الغاشمة والجائرة في العالم على هذين الأمرين.

نحن نعتقد خلافًا لهم أنّ ما يلزم تحديده إنّما هو طلب الحقّ والعدل لا الحرّيّة، إنّ الحقّ والعدل لا يُحدّد بالحدود ولا ينبغي لهما ذلك. ومن وجهة نظر الحقوق الدوليّة الإسلاميّة، إنّ كلّ إنسان مسؤول عن تضييع أيّ حقّ مادّي أو معنوي يُسلب من شخص في أيّ نقطة من نقاط العالم، وعليه يجب على كلّ إنسان القيام للدفاع عن المظلوم في أيّ نقطة من نقاط العالم بحسب وسعه، ومكافحة الظالم.

(87)
(88)

 

 

حقوق الإنسان، المصادر والمباني[1]

الشيخ عبد الله الجوادي الآملي

لأجل الخوض في مباحث مصادر حقوق الإنسان ومبانيها، لا بدّ أن نعرف أوّلًا نطاق الحقوق ومكان تصنيفه عند التعريف، إذ الحقوق أمر مفهومي وليس ماهويًّا، والأمور المفهوميّة -خلافًا لما هو ماهوي- لم يكن لها جنس ولا فصل لذا لا يمكن تعريفها بدقّة، وصعوبة التعريف هذا وإن يجري في الماهويّات أيضًا، ولكن يمكننا توخّي الدقّة المنطقيّة فيها لاحتوائها على الجنس والفصل، وعليه فإنّ التعريف المنطقي للحقوق لم يشتمل على الدقّة الكافية.

والأمر المهمّ هنا تقسيم الأمور المفهوميّة إلى قسمين، يُعدّ بعضها من الاعتباريّات المحضة والقيم المتسالم عليها والموضوعة من قبل الناس، فهكذا مفهوم لم يعدّ من سنخ الماهية ويختلف أيضًا عن الماهية من حيث ضوابطه الكلّيّة، لعُلقته التامّة بوضع من وضعه أمّا البعض الآخر من الأمور المفهوميّة تصنّف ضمن الاعتبارات نفس الأمريّة[2]، وهذه الأمور وإن لم تكن من سنخ الماهية غير أنّها متجذّرة في الحقائق التكوينيّة ولها ارتباط وثيق مع الماهية والوجود الواقعي.

(89)

ففي الرؤية الإسلاميّة تعدّ الحقوق ضمن القسم الثاني من الأمور المفهوميّة، أي تحكي عن الوجود الواقعي ومتجذّرة في التكوين وليست وليده وضع الواضعين، لذا يمكن تطبيق كثير من أحكام الماهية على الحقوق أيضًا، نعم بشرط الالتفات إلى عدم المزج بينهما والحفاظ على حدود كلّ واحد منهما ونطاقه.

1. المراحل الثلاثة لتدوين حقوق الناس

إذا أراد الفقيه استنباط الحكم الإلهي وبيانه في قالب الفتوى، يلزم سلوك ثلاثة مراحل: الأولى: الوقوف على المصادر الفقهيّة وفق الرؤية الكونيّة الإسلاميّة، إذ تتجلّى جميع المصادر الفقهيّة في الكتاب والسنّة والعقل والإجماع -وإن كان الإجماع كاشفًا للسنّة ولا يعدّ مصدرًا مستقلًّا-، المرحلة الثانية: استخراج الأصول والقواعد الفقهيّة من تلك المصادر. أمّا المرحلة الثالثة: استنباط الفتوى وفق الأصول والقواعد الفقهيّة.

مع لحاظ هذا الأمر نبحث الآن عن كيفيّة تدوين القوانين الحقوقيّة، فالحقوقي عند تدوين القوانين الحقوقيّة يسلك تلك المراحل الثلاثة التي سلكها الفقيه، أي معرفة المصادر الحقوقيّة بشكل جيّد، ثمّ استخراج المباني الحقوقيّة منها، ثمّ الوصول إلى المواد والمفردات الحقوقيّة من خلال تلك المباني، وعلى سبيل المثال عندما يريد الحقوقي استخراج الحقوق المتعلّقة بالطفل، عليه الاستناد على مباني حقوق الإنسان كأصل حرّيّة الإنسان، وهذه المباني بدورها مستخرجة من المصادر الحقوقيّة، والمصادر الحقوقيّة تدوّن وفق الرؤية الكونيّة للحقوقي، فيعدّ مثلًا بعض حقوقيّ الغرب العرف من أهمّ المصادر الحقوقيّة، والحال أنّه لم يُعدّ مصدرًا أصيلًا لرسم مستقبل الطفل.

(90)

والحاصل أنّ للحقوق كالفقه وسائر أقسام الدين موادًا لا يمكن الوصول إليها إلّا بعد طي المراحل الثلاثة أي معرفة المصادر، استخراج المباني، استنباط المواد عن تلك المباني.

2. شرائط الوصول إلى مصادر الحقوق

يتعرّض جميع الناس عدا المعصومين عليهم‌السلام للخطأ، ولكن لا يعني هذا عدم إمكان الوصول إلى الحقيقة واستكشاف مصدر الحقوق لغير المعصوم، إذ مجرّد دعوة الأنبياء الناس للسعي نحو كشف الحقائق، يدلّ على إمكان سلوك هذا الطريق للجميع في الجملة ولو بصعوبة.

ولأجل الوصول إلى مصادر الحقوق يمكننا سرد كلام كثير، ولكن ما هو الأهمّ صعوبة هذا الطريق ولزوم عدم التسامح والتساهل فيه، فالحقّ أمر حقيقي وجادّ يلزم الجدّية في البحث عنه، وقد قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «لا يُدرك الحقّ إلّا بالجدّ»[1]. وهذا من صفات الحقّ وأهله، وهو أيضًا من صفات القرآن: (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ)[2].

فالجدّ والجهد شرط الوصول إلى مصادر الحقوق، ومن يُسامح ويُصغي إلى الشكّ لا يصل إلى القول الفصل ويبقى أسيرًا في الوهم والخيال، نعم إذا سعى الإنسان بكلّ جهده وهذا أخطأ فإنّ الله تعالى لا يعاقبه إذ القصور معفوّ عنه دون التقصير.

(91)

3. الاختلاف بين المبنى والهدف في الحقوق

من الأمور التي قد يغفل عنها الإنسان، الاختلاف بين مباني الحقوق وأهدافها، وسوف نتطرّق إلى هذا الاختلاف في البداية، ونذكر بعده فائدة هذا البحث.

هدف الحقوق ما لا يجب فعله ولا تركه، مع أنّ الأفضل أداؤه، أمّا مبنى الحقوق فهو ما يلزم رعايته أي يجب فعله ويحرم تركه، ونذكر فيما يلي مثالًا تطبيقيًّا بخصوص الأخلاق حيث أنّ الينبغي واللّا ينبغي الأخلاقي يعدّ ضمن الأهداف لا المباني الحقوقيّة، فالحبّ والإحسان والإيثار يُعدّ ضمن أهداف الحقوق إذ لا تصل ضرورتها إلى حدّ الإلزام والوجوب، وإن حسن إتيانها، ولكن تعدّ العدالة من مباني الحقوق أي يلزم العمل بها ويجب ويحرم ترك العمل بها، وعليه يمكن القول أنّ الأمور الأخلاقيّة تعدّ من الأهداف الحقوقيّة لا المباني.

أمّا الآن فنذكر الفائدة: إنّ دور أهداف الحقوق هو المساعدة لتطبيق مباني الحقوق، فلو لم تكن أهداف الحقوق موجودة لم يكن لمباني الحقوق ضمان التطبيق، فاحتواء الحقوق الإلهيّة على الأهداف يعدّ من أهمّ أسباب تفضيلها على الحقوق المدوّنة من قبل الإنسان، والسبب في رؤية كبار المقنّين الوضعيّين لعدم فائدة أفضل قوانينهم في مقام العمل والتطبيق، يعود إلى عدم وجود أيّ ضامن يضمن تطبيقها في مقام التنفيذ. فالملزومات الأخلاقيّة التي تعدّ أهداف الحقوق، تكون خير ضامن لتنفيذ مباني الحقوق الإسلاميّة، وهذا ما تفقده الأنظمة الحقوقيّة الوضعيّة.

وليعلم أنّ الإسلام قد تطرّق إلى بعض المواد الحقوقيّة في قالب المسائل

(92)

الأخلاقيّة، وعلى سبيل المثال فالوفاء بالوعد أمر حقوقي اصطبغ بصبغة أخلاقيّة، وفي المقابل ذُكرت بعض السنن الأخلاقيّة في قالب المسائل الحقوقيّة كصلة الرحم والإحسان إلى الجار، وعليه لا بدّ من الالتفات إلى التصنيف الحقيقي وتفكيك المسائل الحقوقيّة والأخلاقيّة بحسب موقعيّتها الأساسيّة لا الشكل الظاهري.

4. دور الفطرة في تدوين القانون وتفسيره وتنفيذه

إنّ الفطرة الإلهيّة تعدّ العنصر المشترك بين جميع بني البشر، وينبغي هنا -عند التحدّث عن المباني ومصادر الحقوق- التأكيد عليها والقول بأنّ الفطرة الإلهيّة لو لم تُلحظ كمصدر للحقوق، فسوف نصل في تدوين حقوق الإنسان إلى نتيجة ولا إلى تفسير وتطبيق صحيح. لعدم وجود أيّ رادع للإنسان التابع لهواه وملاذه سوى الفطرة الإلهيّة، إذ أيّ عامل يتمكّن من سوق الإنسان نحو رعاية المنافع المشتركة بين جميع البشر وترك المنافع الخاصّة؟ فالبعض يزعم أنّ سلطة الدولة هي القادرة على تحقّق هذا الهدف الكبير، غير أنّ التجربة أثبتت بأنّ السلطة لو كانت بيد الساسة والمقنين لبدؤوا بالبحث عن منافذ للتخلّص من العمل بالقانون، كما نرى ذلك في حقّ الفيتو لبعض الدول في الأمم المتّحدة.

فالاعتقاد بالله والفطرة الإلهيّة يكون بمثابة الشهد للوردة، فلو سُلبت الوردة من الشهد لفقدت الأزهار والعِطر ولأصبحت أوراقًا ذابلة، فكذلك الإنسان ما لم يلتزم ويعتقد بالفطرة الإلهيّة لأصبح حفنة تراب لا يُشمّ منه عِطر الحياة والازدهار، ولفقد الضمان في مقام تحقّق القوانين، إذ الضامن الحقيقي ينبع من داخل الإنسان.

(93)

فللطبيعة مغريات كثيرة تلهث غريزة الإنسان للوصول إليها، فلو لم يكن خوف العقاب، فما الرادع المانع لها من ارتكاب تلك الموبقات؟ فالسبيل الوحيد في الوصول إلى الرادع هو الاعتقاد بالمعاد والثواب والعقاب، فمن أنكر الحياة الخالدة والمعاد، فلا يهمّه أترك لنفسه سمعة حسنة أم سيّئة، ولا يوجد له وازع ودافع للقيام بالأعمال الصالحة وترك السيّئات والظلم، فسبب الضياع وسوء العاقبة نسيان الآخرة، يقول القرآن: (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)[1].

5. اختلاف المقنّن الإلهي والمادّي في فهم مصادر الحقوق

ما يُعرف اليوم بعنوان قواعد حقوق الإنسان، كان حصيلة الإحساس بضرورة قوانين حقوقيّة بعد الحرب العالميّة الثانية، فالسبب الرئيسي لتدوين إعلان حقوق الإنسان هو هذا، فقد وصل المقنّن الوضعي إلى لزوم تدوين قوانين تتناسب مع جميع البشر، يعود نفعها إلى الجميع دون فئة خاصّة فقط، والأمر الآخر الذي اعتمده المقنّن الوضعي لزوم تجذّر هذه القوانين في الواقع الوجودي، لا أن يعتمد على أوهام عدّة أشخاص وخيالهم.

فجميع هذه الأمور صحيحة، غير أنّ الاختلاف يكمن في طريقة الإجابة على السؤال عن المائز بين الوهم والحقيقة، الواقع والخيال، ومن الذي يمكنه تشخيص ذلك؟ فعند المقنّن الوضعي لا توجد أيّ حقيقة ما وراء المادّة، وكلّ ما لم يكن محسوسًا لم يكن إلّا خرافة، لذا يعدّ الروح والمجرّدات من الأوهام. أمّا المقنّن الإلهي فهو في عين قبوله لتلك الإشكاليّات المبنائيّة، غير أنّه لا يحصر

(94)

مصدر الحقوق في المادّيّات فحسب، بل يعتقد بوجود قيم أعلى من المادّة تكون هي الواقع والحقيقة، وهذا هو الطرف الوحيد لتأمين النفع المشترك بين جميع البشر، إذ المصدر المادّي كاللغة والعرف والتراث لا يمكنه الإيصال إلى الوحدة المستقرّة.

المبحث الاول: مصادر حقوق الإنسان في الإسلام

أوّلًا: كرامة الإنسان

يصف القرآن الإنسان بالكرامة من قبل الله تعالى: (لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)[1] وهذه الكرامة نظريّة قابلة لأن تكون عمليّة في المستقبل، ولكن لا يُظنّ أنّ هذه القيمة النظريّة تعدّ ضمن الاعتباريّات، فكرامة الإنسان حقيقة كسائر الحقائق من قبيل كرامة الملائكة والقرآن عند الله، فكرامة الإنسان تعني أهليّته الوجوديّة لتقبّل هذه المنحة، وبعبارة أخرى تعني كرامة الإنسان احتوائه على خاصّيّة متعالية تجعله جوهر الموجودات، ولذا قال تعالى لإبليس بعدما خلق هذا الجوهر الممتاز: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)[2].

فتعبير: خلقة الإنسان بيدي الله يدلّ على قيمة الإنسان، إذ يُستعمل هذا التعبير فيما لو كان الأمر المنجز محترمًا، وعلى سبيل المثال لو أعطى الإنسان شيئًا لغيره وقدّمه بكلتا يديه، كشف هذا عن لطفه الخاصّ، كما أنّ الله تعالى هكذا عند العفو: «يا باسط اليدين بالعطيّة»[3].

(95)

وبهذا يظهر عدم إرادة التجسيم واحتواء الله على أعضاء مادّيّة كاليدين، بل خلق الإنسان باليدين يعني تدخّل جميع الشؤون الإلهيّة في خلقه، لذا صار الإنسان مظهر أسماء الله وخليفته.

ويمكن لهذه الكرامة النظريّة أن تحتوي على قيم عمليّة كثيرة، ولأجلها يلزم تدوين جميع التعاليم الأخلاقيّة والحقوقيّة على ضوئها وبالتنسيق معها، فإذا قبلنا جوهريّة الإنسان وكرامته لم نكتف بإعطائه حقّ الحرّيّة والأمن وغيرهما فحسب، بل لا بدّ من تفسير هذه الحقوق وتدوينها بحيث تتوافق مع كرامته.

ثانيًا: عبوديّة الإنسان

يبحث الإنسان عن الله تعالى بالأصالة، لأنّه يراه بعين القلب لا الباصرة، ولم يكن هذا لا شعوريًّا كما لم يكن جبريًّا، ولا ينبغي الزعم بأنّ الإنسان يبحث عن مفقود مجهول، بل أنّه يطلب ربًّا يعرفه وينجذب إليه. وطبقًا لحكم العقل ليس للإنسان وجود مستقلّ، بل أنّ وجوده ربطي، وهذا الوجود الربطي لم يتعلّق بموجود ربطي آخر، بل تعلّق بموجود مستقلّ، ولم يكن الإنسان سوى التعلّق والاتّصال بذلك الموجود المستقلّ. فليس الإنسان موجودًا يوصف بتعلّقه بالله، بل أنّ علقة الإنسان بالله عين الفقر الذاتي والحاجة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ)[1].

قد تمّ بيان حقيقتين في هذه الآية: الأولى عدم وجود مستقلّ للإنسان، والثانية علقته المحضة بالله حصرًا دون سواه من الموجودات.

وعليه يلزم تدوين حقوق الإنسان بما يتلاءم مع هذه الخصوصيّة العبوديّة

(96)

تمامًا. فالحقوق التي تفترض وجودًا مستقلًّا للإنسان، أو تجعله مرتبط بغير الله، لم تنشأ من المصدر الحقّ.

نعم، من لم يذعن بهذا المصدر، مصاب في الأغلب بخطأ التطبيق، وإلّا يذعن الجميع بتبعيّة الإنسان وعدم استقلاله، حتّى الملحد يلتجأ إلى شخص أو شيء يلتفت إليه ويجعله قبلة آماله، غير أنّهم جعلوا ذلك الموجود المستقلّ غير الله فأخطأوا في مرحلة التطبيق.

ثالثًا: خلود الإنسان

من المصادر الحقوقيّة الأخرى في الإسلام خلود الإنسان وعدم فنائه أبدًا، وهذا ما يتحصّل من البحث العقلي والدليل النقلي أيضًا، فالقرآن يعدّ الإنسان ذا روح خالدة يعبر من هذا العالم إلى عالم آخر يتمتّع فيه بالخلود، كما أنّ العقل يثبت للإنسان الروح المجرّدة يقول بخلودها وعدم موتها، إذ العقل يخصّص الموت بالجسم ويُعرّف الموت بحصول الإنفصال بين الروح والجسم، وإذا انتهى هذا الإنفصال بإذن الله يحيى الجسم المتناسب لتلك النشئة مرّة أخرى.

وهذا الأصل مقبول عند جميع البشر، والاختلاف الموجود ناشئ من الخطأ في التطبيق، فكلّ الناس يبتغون حياة أطول ويحاولون بكلّ جهد تطويل أعمارهم، وهذا يدلّ على وجود طلب الخلود في قرارة الإنسان، ولكن عند التطبيق يظنّ البعض باستحصال الخلود في الدنيا، وليكن ليعلم كما أنّ الإنسان راحل فإنّ الدنيا راحلة أيضًا.

نعم إنّ الإنسان يصل في الحشر الأصغر إلى المنزل الأوسط، ثمّ يدخل في الحشر الأكبر، ويرى القرآن بسير المنظومة الكونيّة نحو الله تعالى كالإنسان، فهذه المنظومة -كالإنسان- تكدح نحو المعاد كي تشهد على الراكبين فيها، أو

(97)

تشكوا من أفعالهم أو تشفه لهم. فقد ورد في الروايات شهادة الكون يوم القيامة على أعمال الإنسان أو شفاعته له أو الشكوى منه[1]، فجميع الناس يبحثون عن الخلود، لكن يزعم البعض بوجود الخلود في الدنيا ويخفى عليهم تخصيص الخلود للروح لا المادّة، فالخالد ليس هو المظاهر والجمال والمال، وقد رسخت في ذهن الإنسان المادّي منذ البداية بلزوم تجميع المال كي يصل إلى الحياة الخالدة ويدفع الفناء والموت، أمّا القرآن يصف هذه الفكرة في عدّة موارد من القرآن بالخطأ وعدم الصواب ويكشف عن الخالد الأصيل: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ)[2].

رابعًا: وصول الإنسان إلى دار القرار

قد يُزعم أنّ الخلود يعني الوصول إلى دار القرار، ولكن لا بدّ من الالتفات إلى اختلاف هذين الأمرين، لإمكان تصوّر موجود خالد من دون أن يصل إلى دار القرار والمنزل، بل يبقى في الحيرة والتيه، وللقرآن تعبير لطيف في مقام بيان هدفيّة نظام الوجود ووصوله إلى المنزل: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا)[3].

فالمنظومة الكونيّة -طبقًا لهذا التعبير- بمثابة سفينة كبيرة تسير في محيط الطبيعة الكبير، فلا يُعقل استمرار هذه السفينة في الحركة، بل لا بدّ أن تصل يومًا مَّا إلى المقصد، فهذا التعبير يدلّ على أنّ الدنيا ستتوقّف في مكان بالمآل، وتصل إلى دار قرارها ولم تبق في السير إلى الأبد في محيط الوجود، والمعاد هو دار قرار الدنيا والإنسان ولقاء الله بعد هذا الكدح الطويل، لذا عُدّ من أسماء الجنة

(98)

(العدن) أي بمعنى مكان القرار والاستقرار، والإنسان يصل في المعاد إلى دار القرار الحقيقي.

خامسًا: علقة الإنسان التكوينيّة مع منظومة الوجود

يرتبط الإنسان -هذا الجوهر المجرّد الخالد الواصل إلى لقاء الله... مع جميع أجزاء الوجود ارتباطًا وثيقًا، لذا لا يصدر منه أيّ فعل إلّا ويترك في روحه أثرًا، فكلّ قول أو فعل أو كتاب يصدر من الإنسان يؤثّر في خلقه: إمّا يكون نورانيًّا وإمّا ظلمانيًّا. لذا لا نجد أيّ مسألة ومنها المسائل الحقوقيّة، لا ترتبط بروح الإنسان وأخلاقه، ومع قبول هذا الأصل لا يمكن الموافقة على حرّيّة الإنسان ليفعل ما يشاء، فأكل كلّ طعامٍ واختيار كلّ صديقٍ، وانتخاب أيّ طريقٍ، له أثر خاصّ على الإنسان.

فالتأثير الحاصل من الطعام الحلال يختلف عن الطعام الحرام، ويختلف أثر الكلام الحقّ عن الكلام الباطل، إذ لكلّ واحد نتائج خاصّة، فالذنب يسبّب الغبار على القليل وتكدّر شفافيّته: (كَلَّا بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[1].

وإذا لم يتب الإنسان من الذنب ولم يرفع ذلك الغبار سوف تُغلق منافذ القلب بالتدريج جرّاء الذنوب المتتالية، ويصل الإنسان إلى العمى والصمم الحقيقي، حتّى أنّ الخواطر الحسنة أو السيّئة تؤثّر في روح الإنسان، فعين الإنسان وأذنه ولسانه تؤدّي أعمالها لكنّها في الواقع مغلقة، والقرآن وإن يصف هذا الأمر للعين، ولكن لا يخفى أنّه للتمثيل لا الحصر ويشمل الأذن واللسان وسائر

(99)

الأعضاء أيضًا: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)[1].

فالله تعالى يوصل رسالته إلى الإنسان، ويصل الكلام الحقّ إلى أُذُن الإنسان، ولكن هناك من لا يسمع هذا النداء ولا يفهمه، وهذه الآية من سورة الحج تفسّر تلك الآيات الكثيرة الواصلة للمذنبين بالعمى والصمم، فمن وجهة نظر إلهيّة يؤثّر كلّ فعل على روح الإنسان وربّما يوصله إلى ما لا يتوافق مع صورته الظاهريّة.

سادسًا: الإنسان ذو بُعدين: فردي واجتماعي

لأجل بيان هذه النقطة لا بدّ من الإشارة الإجماليّة إلى موضوع أصالة الفرد أو المجتمع، ونقول: يتعلّق البتّ في أصالة الفرد أو المجتمع بعلم الفلسفة، لأنّ الأصيل يعني الموجود الحقيقي، وهو ما يتوصّل الفيلسوف إلى تشخيصه، لذا فالباحثون هنا مدينون للفلاسفة، إذ ما دام لم يُبيّن أصل وجود المجتمع وكيفيّته لا يمكن إقامة البرهان عليه، وبما أنّ هذا البحث لم يكن فلسفيًّا فلا بدّ من التطرّق إلى إشارات عابرة لتبيين المراد.

يوجد تشكيك دائم بخصوص وجود المجتمع الحقيقي، بينما لا يوجد هكذا تشكيك بخصوص وجود أفراد الإنسان في الخارج حقيقة، فلكلّ واحد منهم وجود خاصّ وحوائج واقتضاءات خاصّة، يدركون وجودهم بالعلم الشهودي من دون تطرّق أيّ احتمال للخطأ، ولم يخطر ببال أيّ واحد منهم اعتباريّة وجود الأشخاص الآخرين، إذ يدرك كلّ شخص بوجود بني نوعه في الخارج، يشتركون معه في آداب الحياة وسننها، وربّما ساعدوه في الوصول

(100)

إلى حوائجه وعلى العكس ربّما يحتاج الغير إلى مساعدته، فلا يمكن إنكار أصل وجود الآخرين، ولا التأثير والتأثّر المتقابل فيما بينهم.

ولو كان للمجتمع وجود حقيقي، لكان له أثر حقيقي واحد، ولكن إذا كان وجوده اعتباريًّا لم يكن له أثر حقيقي واحد، بل يُشاهد منه آثار مختلفة تتعلّق بأفراد المجتمع، وهنا لا بدّ من التطرّق إلى أمرين:

1. في النظام الفاعلي هل يكون الفرد أصيلًا أم المجتمع؟

2. أيّهما أصيل في النظام الغائي؟

نبحث عن الأصالة في النظام الفاعلي عن الشخص وأثره بلحاظ الصلاح وعدم الصلاح في المجتمع، وقدرته على صعوده وهبوطه، أو أنّ التأثير الحقيقي والأصيل للمجتمع، وهو القادر على العروج أو الهبوط، نعم لو كان للمجتمع وجود مستقلّ لكان البحث واضحًا، ولكن لو لم يكن له وجود مستقلّ وكان مجمعًا للأشخاص، لكان الكلام حينئذٍ عن مدى تأثّر الشخص حينما يدلّ في جمع من الأشخاص المتساوين في العقيدة والفكر والعمل، حيث سيصبح تابعًا لقوانينهم وآدابهم.

وما يمكن التطرّق إليه في القسم الأوّل، أنّ الشخص العادي غالبًا ما يتأثّر بأفكار وآراء الآخرين، فالمجتمع وإن لم يكن له وجود واحد منفصل عن أفراده، ولكن يكون أقوى من الشخص الواحد لكونه متكوّنًا من مجموعة أشخاص، ولكن نرى في المقابل أنّ النخب والنوابغ يمكنهم تشخيص الحقّ والباطل، ولهم القدرة على تجاوز الخرافات والأباطيل، فلهؤلاء القدرة على العزم والتشخيص بحسب سعتهم الوجوديّة: النظريّة والعمليّة، فلبعضهم القدرة على اقتباس الحقّ من المجتمع وترك الباطل وسدّ الخلل والفجوات، وعدم الانحدار

(101)

مع المجتمع المنحط، ولكن البعض الآخر منهم يمتاز بقدرة أعلى فيتمكّن من إنقاض الآخرين أيضًا وإصلاحهم، ويوجد قسم استثنائي آخر يقومون بإصلاح جميع المجتمع، ويهتمّون بإحياء الحقّ وإماتة الباطل ولا يدعون أيّ جهد في هذا الطريق، وهنا نقول أنّ الأصالة لهؤلاء وليست للمجتمع، وبعبارة أخرى أنّ الأصالة في النظام الفاعلي للشخص القوي، فلو كانت سلطة المجتمع أقوى من سلطة الفرد، كانت الأصالة له، وإذا كان الفرد أقوى من المجتمع، لكان هو المؤثّر في المجتمع.

إنّ كلامنا هذا يخصّ النوابغ والنخب عدا الأنبياء والأولياء الإلهيّين، فشهود النبوّة وطلوع الولاية أعلى من النبوغ البشري بمراتب ولا يقاس به بل هو مضمون قوله تعالى: (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)[1].

فالله تعالى يختار هؤلاء وفق موازين خاصّة ويجعلهم رسله: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)[2] فهؤلاء لم يكون مجتمعًا مستقلًّا فحسب (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً)[3] بل أنّ دراسة سيرتهم تدلّ على مدى تحمّلهم المشاقّ والمصاعب في طريق التوحيد أمام شرك المجتمع حتّى لو بلغ قرون متطاولة (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا)[4].

فبعد بيان هذه المبادئ التصوّريّة والتصديقيّة، أمكن القول بأصالة الفرد، إذ الفرد الذكي المستقلّ يؤثّر في الآخرين ويستمرّ تأثيره ليشمل المجتمع أجمع، أمّا فيما لو أثّر المجتمع في الفرد، فإنّه يعود إلى تأثير عدّة أشخاص في

(102)

شخص واحد، ففي التزاحم بين حقّ الفرد وحقّ المجتمع، وإن كان حقّ المجتمع مقدّمًا، ولكنّه يعود إلى ترجيح حقّ عدّة أشخاص على حقّ فرد واحد.

أمّا الآن فلنرى الأمر في النظام الغائي، وهنا نقول هل الهدف النهائي لحياة الإنسان الوصول إلى السعادة والكمال، أو أنّه وصول المجتمع إلى مقصد التعالي والسعادة؟

فلو قلنا أنّ الهدف وصول الفرد إلى السعادة، لكان بمعنى الأصالة للفرد في النظام الغائي أيضًا، ولو قلنا أنّ الهدف وصول المجتمع إلى الكمال، لكان بمعنى أصالة المجتمع في هكذا نظام، طبعًا يبقى معنى السعادة والكمال منوط بمعناهما عند كلّ مدرسة فالمادّي يحصر الكمال في الطبيعة ويفسّر الأخلاق والمعنويّات على ضوئها أمّا الإلهي يرى الكمال والسعادة أوسع من المادّة بكثير بل يشمل الطبيعة وما وراء الطبيعة.

نعم هناك من يدور في فلك أهوائه وغرائزه ولا يفكّر في سواها، فهو يعمل طبقًا لنظريّة أصالة الفرد، ويؤسّس أعماله على أساس الاستبداد والاستعمار والاستعباد، ومن هذا المنطلق اعتقد البعض بتفضيل عِرقه، وتفوّقه على الآخرين، ولزوم استعباد كلّ أفراد المجتمع لنفسه، ولذا قال فرعون: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ)[1].

وهناك قسم آخر تخلّص من إطار الأنانيّة ووصل إلى الحرّيّة نوعًا مّا، ويرون الأصالة للمجتمع فيسعون في خدمة الناس، ويزعمون الوصول إلى الغاية

(103)

النهائيّة بعد صلاح المجتمع. وهذا الفكر لو كان ناشئًا من الموحّد لدلّ على غفلته، لتعلّق هذه النظريّة إلى المدرسة المادّيّة.

أمّا القسم الثالث فهم الموحّدون الإلهيّون المتحرّرون من سجن الفرد والمجتمع، والواصلون إلى كمالات المدرسة الإلهيّة، فأعمالهم كلّها -سواء في الساحة الفرديّة أم الاجتماعيّة- تصطبغ بالصبغة الإلهيّة: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً)[1].

إنّ أعمال هؤلاء مصونة من الضياع، ويصلون إلى مقام الإحسان بعد تجاوز مرتبة العدل، يجوعون ليشبع الآخرون ويظمأون ليرتوي الآخرون، فهم مصداق قوله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)[2] والأمر المهمّ أنّهم يفعلون جميع هذا الإيثار والجهد لأجل الوصول إلى الكمال وتعالى الروح، وبعبارة أخرى هذا الإحسان لا يدلّ على أصالة المجتمع في النظام الغائي فحسب، بل يدلّ على أصالة الفرد، بمعنى لزوم الإحسان إلى الآخرين لأجل تعالى الروح في النظام الغائي، وبهذا يمتاز أصالة الفرد في المدرسة الإلهيّة بمعنى خاصّ، والحاصل أنّ نخب المجتمع في النظام الفاعلي يؤثّرون في المجتمع وتكوّنه ولهم الأصالة، كما أنّ الأصالة للفرد أيضًا في النظام الغائي بالبيان الذي ذكرناه.

ولا يخفى أنّ بحثنا هذا كان في إطار المباحث الخُلقيّة والحقوقيّة، ولو أردنا التعرّض إليه من وجهة نظر فلسفيّة، لكانت الأصالة في النظام الفاعلي والغائي لله تعالى، لا الفرد ولا المجتمع، إذ نعتقد: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ)[3].

(104)

المبحث الثاني: مباني حقوق الإنسان في الإسلام

1. الحياة

أ. حقّ الحياة للجميع

عدّ القرآن الكريم حقّ الحياة أوّل حقّ للإنسان، والحياة على نحوين: المادّيّة المعنويّة، لا يحقّ لأيّ شخص سلب حقّ الحياة المادّيّة أو المعنويّة عن الآخرين، فسلب حقّ الحياة المادّيّة تتحقّق بالقتل، والقرآن يعدّ هذا مساويًا مع قتل جميع الناس إلّا إذا كان بسبب صحيح: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)[1].

أمّا سلب حقّ الحياة المعنويّة فيتحقّق عن طريق الإضلال، فمن أضلّ الآخرين سلب حياتهم المعنويّة، علمًا بأنّ سلب الحياة المعنويّة يعني إضاعة السعادة والفلاح فروح الإنسان لا تنعدم إطلاقًا، ولذا يعدّ القرآن الحياة المعنويّة في قبال الكفر، أي من كفر أضاع سعادته ومات معنويًّا، كما قال تعالى: (لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ)[2] فمن لم يكفر وُصف بالحياة بمعنى انعدام الحياة للكافرين.

ومن وجهة نظر قرآنيّة أنّ واهب حقّ الحياة هو الله تعالى ولذا ينحصر به التصرّف فيه، وعليه يُمنع السلب المادّي أو المعنوي من دون إذن الله تعالى، وقد عدّ الإمام السجّادعليه‌السلام معرفة الله منبع جميع الحقوق في رسالة الحقوق، والذي في كلامه عليه‌السلام يعود إلى ما قلناه من أنّ الكافر -الذي لم يعرف الله- مسلوب الحياة في الواقع، فمعرفة الله تساوي الحياة المعنويّة.

(105)

ولذا عدّ القرآن من تمسّك بالثقافة الجاهليّة ميتًا في قوله تعالى: (كُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ)[1] والآية تشمل الحياة المادّيّة بعد الموت التكويني، كما تشمل الحياة المعنويّة بعد الكفر والضلال.

ب. أقسام الحياة وعلاقتها مع بعض

تعقيبًا على ما مضى في النقطة الأولى من إثبات الحياة المادّيّة والمعنويّة للإنسان في القرآن الكريم، فقد ثبت في القرآن أيضًا بالدلالة الالتزاميّة والمطابقيّة الحياة المادّيّة لجميع الموجودات في العالم أعمّ من الإنسان والحيوان والنبات وغيرهم.

قد أكّدت كثير من الآيات على أنّ الله تعالى يحيي النبات بالمطر، كما يحيي الإنسان كذلك أيضًا، فهذه الحياة هي الحياة النباتيّة، ويظهر أنّ قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)[2] يشير إلى هذه الحياة. وهي تخصّ من يسعى بكلّ جهده نحو الرفاه والتمتّع فحسب، فهؤلاء لم تكن لهم حتّى الحياة الحيوانيّة فضلًا عن الإنسانيّة.

وهناك مرحلة أرقى منها هي الحياة الحيوانيّة، وهنا يظهر الحبّ والعداء والإحساس والعاطفة، وعلى هذه الحياة يجري نظام العالم اليوم، حتّى أنّ تدوين إعلان حقوق الإنسان ابتنت على إسكات أصوات المستضعفين أمام المستكبرين، وعندما يتحدّث القرآن عن الحياة الحيوانيّة يجعل الإنسان رديفًا للأنعام: (مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ)[3] ويقول أيضًا: (كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ)[4].

(106)

ومن الواضح تنزّه القرآن من سوء الأدب، فصدور هذا الكلام ينبّئ عن إيصال رسالة لنا، وهي اشتراك الإنسان مع الحيوان في هذه النعم، والتعلّق بها يجعل الإنسان رديفًا للحيوان، ولكن عندما يتحدّث القرآن عن الحياة الإنسانيّة، يجعله في عداد الملائكة، وعلى سبيل المثال يقول بحقّ العلماء الأبرار: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ)[1].

فهذه الحياة المعنويّة قد ذُكرت في بعض الآيات مع وصف مادح ومعرّف لها: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)[2] فوصف (الطيِّبة) للحياة يدلّ على أنّها الحياة الإنسانيّة أو أرقى منها، إذ لم نجد لهذه الحياة الطيِّبة أثرًا في النبات والحيوان.

وقد يدلّ القرآن على نوع الحياة من خلال بيان موقعيّة البعض: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)[3] ففي هذه الآية ونحوها نفهم من خلال بيان موقعيّة الشهداء ورزقهم عند الله، أنّ حياتهم إنسانيّة ومعنويّة، وإلّا فمجرّد وجود الحياة لا يدلّ على أيّ ميزة، لما قلنا من أنّ الموت والفناء لا ينال الإنسان حتّى من يُقتل في سبيل الطاغوت له حياة خالدة ولكن ليست كحياة الشهداء: (أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)[4].

قد أشرنا سابقًا أنّ القرآن الكريم يثبت للإنسان أقسامًا من الحياة بالدلالة المطابقيّة والإلتزاميّة، ففي خصوص حياة النبات والحيوان تكون الدلالة المطابقيّة عن طريق الآيات التي ذكرناها، أمّا الدلالة الإلتزاميّة فمن خلال الآيات الناهية عن قتل الإنسان وقد أشرنا إليها أيضًا.

(107)

أمّا بخصوص الحياة الإنسانيّة فالدلالة المطابقيّة تتمّ عبر الآيات المثبتة لهكذا حياة وقد مرّت، أمّا الدلالة الإلتزاميّة فمن الآيات التي تندّد بالاعتداء على هذه الحياة كدعاء نبيّ الله نوح عليه‌السلام على الكافرين كي لا يبقى منهم أحد، لأنّهم يعرّضون حياة الآخرين إلى الخطر: (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ)[1].

ومع قطع النظر عن هاتين الحياتين، فالقرآن الكريم يشير أيضًا إلى العلاقة بين الحياة المادّيّة والمعنويّة، فإذا اضطرّ الإنسان اختيار أحدهما، يقول القرآن بلزوم اختيار الحياة المعنويّة وترك المادّيّة، فالذي يعيش وفقًا للحقيقة يختار هذا دائمًا كالمجاهدين في سبيل الله تعالى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ)[2] ومن لم يختر الاختيار سيندم يوم القيامة لا محالة: (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)[3].

الأمر الآخر الذي يذكره القرآن غناء الحياة المعنويّة بالقياس إلى المادّيّة، ولذا يكون خطر الذين يهدّدون الحياة المعنويّة أكثر من الذين يهدّدون الحياة المادّيّة: (الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)[4] أو (الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ)[5] فالفتنة هي سلب الحياة المعنويّة وعقائد الناس الدينيّة، ومن أهمّ مصاديقها بثّ الأفكار المنحرفة والمفاسد الخُلقيّة والإجتماعيّة، ولذا يُعدّ الكفاح ضدّ الفتنة أصعب وأهمّ من الكفاح ضدّ الجرائم الجنائيّة ومنها القتل.

(108)
ج. أهمّ عناصر الاختلاف بين الحياة المادّيّة والمعنويّة

تطرّقنا إلى حياة الإنسان المادّيّة والمعنويّة، أمّا الآن فتتحدّث عن ثمرة هذا التقسيم لنيل الحقوق، ولأجل اكتشاف هذه الثمرة لا بدّ من معرفة أهمّ ما يميّز هذتين الحياتين عن بعضهم الآخر أو بعبارة أُخرى معرفة اختلاف الروح عن الجسم.

من أهمّ خصائص الجسم اختلاف أحواله بحسب الأوضاع المختلفة، وعلى سبيل المثال فإنّ اختلاف البيئة والمكان الجغرافي والأعراق تسبّب في الجسم عوارض مختلفة، وهذا الأمر يجري حتّى في النبات أيضًا، فربّما النبات المزروع في المناطق الحارّة يفقد خواصّه لو زُرع في المناطق الباردة، حتّى أنّ الصيدلاني لا يمكن أن يقطع بتأثير الدواء في جميع البشر على النحو المتساوي.

ولكن روح الإنسان المجرّدة لا تتقيّد بقيود الأقاليم والمناطق، فهي تكون في الشرق بنفس الوضع الذي كانت في الغرب من أدنى اختلاف، فالروح في خطّ الاستواء لا تختلف عن الروح في القطب، إذ الروح المجرّدة لا تتقيّد بالأرض ولا بالسماء ولكنّها بنفس الوقت تتواجد في الأرض والسماء، وبعبارة أُخرى تكون الروح واحدة خلافًا للجسم وثابتة غير متغيّرة، لذا لا تبديل في الروح: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)[1].

فإذا كانت الروح مقيّدة في الأرض لا يمكنها السير في السماء، والحال أنّ روح الإنسان تجد الله في البحار والسماء والأرض وفي كلّ مكان: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ)[2]. ولأجل عدم تقيّد الروح بحدود خاصّة يقول الله تعالى: (أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)[3].

(109)

وهنا تظهر ثمرة هذا البحث في المباحث الحقوقيّة، فالحقوق وضعت في نطاق الجسم ومن قبل الأُسراء في سجن الجسم، لذا تكون تابعة لاختلاف الأقاليم والأجسام ولا تكون عالميّة. أمّا الدين الذي يقع في نطاق الروح ونزل من قبل من لا يتقيّد بالمادّة والجسم، يكون عالميًّا وما وراء الزمان ولا يتقيّد بالمكان والزمان، وعليه تصبح جميع فروع الدين الدينيّة والحقوقيّة ممتازة بهذه الصفة أيضًا، ولذا جاء الأنبياء بوحدة الدين الحنيف، ولذا نرى عدم إمكان الوصول إلى الجزم واليقين في المعارف المادّيّة والتجريبيّة، ونرى ظهور نظريّات جديدة مبنيّة على إنقاض نظريّات ما قبلها، ولكن مفاهيم الدين الأساسيّة ليست كذلك ولم تندرس ولم تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان.

د. يمنع الإسلام الانتحار بشكل قاطع

لم يرد التأكيد على منع الانتحار في أيّ مدرسة كما ورد في الإسلام، وروي أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لرجل كان يقاتل ضمن أصحابه: «أنّه من أهل النار»، فعجب الناس من هذا الكلام لما كانوا يرون من شجاعة الرجل وبسالته وخدماته، ثمّ بعدما جُرح في المعركة، أخرج من كنانته مشقصًا وقتل به نفسه[1]. وهذا يدلّ على أهميّة حقّ الحياة بحيث من انتحر وقتل نفسه يدخل النار وإن كان مجاهدًا.

ولا بدّ من الالتفات إلى أهميّة الانتحار العقدي وكونه أصعب من الانتحار الجسدي وأهمّ، ولا يظنّنّ أحد أنّ الإسلام يسمح بحرّيّة العقيدة بحيث يجوّز انتحال أيّ مسلم من دون تحقيق وفحص. فالمدارس الأُخرى تسمح بحرّيّة الإنسان واستمتاعه بحقّ الحياة كيفما شاء، أمّا منطق القرآن يخالف هذا ويرى أنّ حقّ الحياة تعني المسؤوليّة أي يكون الإنسان أمينً من قبل الله الحفاظ على

(110)

الجوهر الثمين. وعليه فإنّ سلب الحياة المعنويّة أقبح بمراتب من سلب الحياة المادّيّة، والغريب عن بعض المدارس التي تمنع الانتحار الجسدي في حين تسمح له الاعتقاد بأيّ فكر وعقيدة وتسمّم فكره وروحه بها!

هـ. سبب منع الانتحار وقتل الآخرين

لماذا يمنع إزهاق حياة النفس أو حياة الآخرين؟ لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الملائكة أيضًا قد استقبحت من الإنسان قتل الآخرين وإراقة الدماء: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)[1] فلو كان كلام الملائكة هذا خطأ لما قبله الله ولردّه، فقبول الله التلويحي له يدلّ على صحّة اعتقاد الملائكة في قبح سفك الدماء، حتّى أنّ الله تعالى قد أخذ الميثاق من بني إسرائيل بعد سفك الدماء: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ)[2].

وهذا الميثاق لا يخصّ فئة دون فئة، بل يعمّ جميع الشرائع الإلهيّة، كما أنّ حكم القصاص -لأجل الحدّ من سفك الدماء- جار في جميع الشرائع الإلهيّة وأذعن به الإسلام أيضًا، وجعل القرآن القصاص ممّا ورد في سائر الكتب المقدّسة[3].

إنّ المنع من قتل النفس يعدّ من أوائل الأوامر التي جاء به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمشركي الحجاز كما ورد في سورة الأنعام المكّيّة: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ * أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا... وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)[4].

وفي نطاق أخصّ منع القرآن قتل الأولاد على يد الآباء، إذ كان بعض عرب الجاهليّة يقتلون أولادهم بدواع مختلفة إمّا لكون المولود بنتًا، فتكون عارًا إذا

(111)

أُسرت في الحروب، وإمّا بسبب الإملاق والفقر، فقد ورد في القرآن: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ، نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)[1] وإمّا قربانًا للأوثان: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)[2] كما ورد النهي عن قتل الأولاد ضمن شروط أخذ البيعة من النساء، فالقرآن يأمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبايع من لا تقتل ولدها حصرًا: (لَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ)[3].

ويمكن هنا الاستعانة بالآيات الدالّة على عقاب القاتل، فهي تعدّ من الأدلّة الهامّة في منع القتل، فبعض هذه العقوبات معنويّة وبعضها الآخر مادّيّة، فالعقوبات المادّيّة تشمل إعطاء الديّة والقصاص، ومن نماذج العقوبات المعنويّة لقتل المؤمن الخلود في النار: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)[4]، فمن قتل مؤمنًا لإيمانه عُدّ كافرًا ويكون عقابه الخلود في النار، أمّا لو قتله لا للإيمان فربّما كان المراد من الخلود، البقاء في النار لمدّة طويلة.

وكذلك الأمر في سلب الحياة المعنويّة حيث توجد لها عقوبة أيضًا، فمن يضلّ الآخرين في أفكارهم عليه التوبة، ولكن توبته لم تقبل إلّا إذا تدارك أعماله وانحرافاته وما سبّبته في المجتمع، مع السعي نحو إحياء الحقّ ونشره، فتوبته تُقبل مع هذين الشرطين: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ)[5].

والحاصل أنّ الإسلام يرى الحياة حقًّا أصيلًا، تنقسم إلى الحياة المادّيّة والمعنويّة مع ترجيح الجانب المعنوي على المادّي، كما وضع عقوبات لمن سلب هذين الحقّين.

(112)

2. الحرّيّة

أ. دعوة جميع الأنبياء إلى حرّيّة الإنسان

يكفي لأجل الوصول إلى رسالة الأنبياء العامّة ومعرفتها، الإشارة إليها من قبل بعضهم، وذلك أنّ رسالة جميعهم -عدا بعض الفروع الدينيّة- مشتركة، والقرآن يصف فروع الدين بالشريعة والمنهاج: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)[1]. ولكن عندما نصل إلى أصول الدين العامّة، يجعل القرآن جميع الأنبياء سواسية، لذا ينقل عن لسان أصحاب الأيكة والحجر: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ)[2] وأيضًا: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ)[3].

ونحن نعلم أنّ نبيّ هؤلاء الناس كان واحدًا، فنسبة تكذيبهم إلى جميع الأنبياء في القرآن، يدلّ على وحدة رسالة الأنبياء جميعًا، والدليل الآخر تصديق كلّ نبيّ لمن قبله من الأنبياء، وهذا التصديق يدلّ على وحدة رسالتهم: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ)[4].

ولنتطرّق الآن إلى إحدى رسائل الأنبياء العامّة المبيّنة من خلال نبيّ الله موسى عليه‌السلام ، فموسى في بداية دعوته وبعدما دعا قومه إلى التوحيد، رفع شعار الحرّيّة، ولم تكن الحرّيّة التي دعا إليها حرّيّة الأراضي أو المصادر الاقتصاديّة بل الحرّيّة من أسر الطاغوت، نعم لو تحرّر قوم من الأسر لتبعه التحرّر في الأراضي والاقتصاد، وعليه كانت دعوة موسى عليه‌السلام التحرّريّة هكذا: (أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ)[5].

(113)

وكان جواب فرعون وملاؤه بأنّنا لا نستسلم لمن كانوا عبيدنا سابقًا، ومن الواضح أنّ فرعون لم ير نفسه خالق الناس، فهو وإن ادّعى: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ)[1] لكنّه قصد أنّ تدبير أمورهم بيده، وهو الذي ينظّم قوانين حياتهم، إذ كان هو وأتباعه يعبدون الأوثان، لذا كان أتباعه يقولون له: (أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ... يَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)[2] ولذا نرى مقاومة موسى عليه‌السلام أمام مدعى فرعون هذا وطلب تحرّر الناس: (تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ)[3].

كانت رسالة موسى عليه‌السلام نفي طاعة أيّ مخلوق سوى الله تعالى، ولزوم تحرّر الجميع من أواصر عبوديّة القوانين البشريّة، كما نرى هذه الرسالة التحرّريّة في كلمات أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام أيضًا، والوثيقة البارزة في ذلك وصيّة علي عليه‌السلام لابنه الإمام الحسن عليه‌السلام حيث قال له: «كيف تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًّا»[4] فالحرّيّة هنا تتلخّص في التحرّر من عبوديّة غير الله تعالى، ولذا نرى عليًّا يرى العزّ والفخر في هذه الحرّيّة «إلهي كفى بي عزًّا أن أكون لك عبدًا، وكفى بي فخرًا أن تكون لي ربًّا»[5].

ب. الفرق بين رؤية الإسلام وسائر المدارس في الحرّيّة

إنّ الحرّيّة في الإسلام تعني التحرّر من عبوديّة غير الله، ولكن تفسّر سائر المدارس الحقوقيّة حرّيّة الإنسان بقدرته على اختيار ما يشاء ومنها عبوديّة غير الله تعالى، فمن وجهة نظرهم الإسلام حرّ في قبول الدين أو رفضه، لاعتقادهم أنّ

(114)

الدين كسائر الأمور المادّيّة الوضعيّة التابعة لمذاق الإنسان، فهو كما يختار ملبسه وطعامه وداره، يختار دينه ومعتقده أيضًا، فالدين لا يقبل البرهان ومتجذّر في عرف الناس وآدابهم. ولكن ترى مدرسة الوحي أنّ هذا التحرّر المطلق يساوي أهوائه: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ)[1].

فالإنسان وإن كان حرًّا تكوينًا ولم يكن مجبرًا في اختيار أيّ دين، غير أنّه مكلّف تشريعًا باختيار الدين الحقّ. فهذا الاختلاف في فهم الحرّيّة يؤدّي إلى ضلال كثير من أتباع سائر المدارس الحقوقيّة كما حصل ذلك في تدوين إعلان حقوق الإنسان العالمي، وسنشير فيما يلي إلى بعض مصاديق هذا الاختلاف.

منها حرّيّة العقيدة، فقد بيّن القرآن الكريم حدود حرّيّة العقيدة تمامًا وقال: (فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)[2] ومن جهة أُخرى يبيّن القرآن القول الأحسن ويقول: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)[3].

فالقرآن وإن يدعو الإنسان لاستماع مختلف الآراء واختيار الأحسن منها، غير أنّه يعرّف القول الأحسن ولم يدع الإنسان مفتوح اليد في تشخيصه، وبعبارة أُخرى مع بيانه وتوضيحه للقياس الكلّي (الحرّيّة في اختيار القول الأحسن) يبيّن صغرى هذا القياس أيضًا (أي ماهية القول الأحسن) فأتباع المدرسة الإلحاديّة لم يلتفتوا إلى هذه الصغرى، ويزعمون حرّيّة الإنسان في اختيار أيّ عقيدة شاء، فما هو مشترك بين الفكر الإسلامي والإلحادي هو الأصل الكلّي والأوسع، ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أنّ القرآن قد بيّن القول الأحسن في أصل آخر.

(115)

ومع قطع النظر من هذا، فإنّ هذا الأصل أيضًا أصل وسيع، لورود أصل لطيف آخر في القرآن ويمكن عدّه الأصل الضيّق، وهو يبيّن نموذج من القول الأحسن، وهذا النموذج هو كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي يُعدّ صغرى لذلك الأصل الوسيع الوارد في القرآن: (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)[1].

فبناء على تلك الكبرى والصغرى وقد ذكرناهما تحت عنوان الأصل الأوسع والوسيع، يصبح القول الأحسن هو الدعوة إلى الله، وفي هذه الآية عُدّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضًا داعيًا إلى الله تعالى. فمع هذا الأصل الضيّق وعن طريق قياس جديد نستنتج أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاء بذلك القول الأحسن.

ولكن أتباع الفكر الإلحادي يقبلون الأصل الأوسع فقط، ويتركون هذين الأصلين المفسّرين لذلك الأصل، ولم نجد أيّ مدرسة لا تجعل كلاهما (القول الأحسن) حتّى أتباع فرعون مع ارتكابهم الجرائم الكثيرة كانوا يعتقدون بمتابعة الطريقة الأفضل، وكانوا يحذّرون الناس من موسى وهارون عليهما‌السلام ويقولون لهم: (يَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ)[2].

والمصداق الآخر الحرّيّة الاقتصاديّة، فالرؤية الإسلاميّة وبعد بيان الحلال والحرام، دلّت على امتلاك كلّ إنسان متاعبه الاقتصاديّة: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا * وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ)[3].

وليعلم أنّ القرآن الكريم إذا أراد التأكيد على أهميّة أمر مشترك بين الرجل والمرأة، يذكره بشكل مستقلّ لكلّ واحد منهما، وهناك موارد كثيرة مشتركة بين الرجل والمرأة يذكرها بعبارة واحدة، ولكن في الأمور المهمّة يخاطب كلّ واحد

(116)

منهما مستقلًّا، ومن هنا نعرف أنّ الحرّيّة الاقتصاديّة والعمل من الأمور المهمّة وإلّا لقال الله: لكلٍّ نصيب ممّا اكتسب.

ثمّ من توالي بحث الاستقلال الاقتصادي والحلال والحرام، نفهم لزوم حصر الحرّيّة الاقتصاديّة في الإسلام في إطار عبوديّة الله تعالى، واحترام حريم الحلال والحرام، ولكن الفكر المادّي لا يقبل بأيّ تحديد للإنسان في تعامله الاقتصادي سوى الملاحظات الاقتصاديّة البحتة، لذا يجوّز أقبح أنواع التعامل والبيع والشراء حتّى لو أدّى إلى تعرّض القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة إلى خطر.

ونفس هذا الأمر يجري في حرّيّة اختيار الوطن، فالإنسان من وجهة نظر إلهيّة غير حرّ في السفر أو السكن في أيّ مكان، فالقرآن وإن يرى الأرض واسعة، غير أنّ تعاليم الدين تنبّهنا إلى اختيار السكن في المكان الذي يتمكّن فيه من الحفاظ على دينه، وهذا ما يتبلور في كلام أمير المؤمنين عليه‌السلام القيِّم حيث قال: «خير البلاد ما حملك»[1].

لذا لا يجوز السفر إلى البلاد التي لا يأمن الإنسان فيها على دينه، فحرّيّة اختيار الوطن مقبولة ما دام لم تعرّض الحياة المعنويّة وحرّيّته الأصيلة للخطر، ولكن أتباع المدرسة الإلحاديّة لا يختارون من الأوطان إلّا ما يدر عليهم من الأرباح المادّيّة والنفعيّة، ولا يقبلون بحدّ هذه الحرّيّة من قبل الدين أو الأخلاق.

ج. التفات القرآن إلى الحرّيّة

الحرّيّة بالتعريف الذي ذكرناه ذو قيمة كبيرة في القرآن، وقد وصلت قيمة الحرّيّة في القرآن أن دعى الناس إلى التوجّه نحو أيقونة الحرّيّة حين الصلاة، وهي الكعبة المكرّمة الموسومة بالبيت العتيق، قال البعض في وجه هذه التسمية

(117)

كونها تحمل تاريخًا عريقًا وقديمًا، ولكن ورد في بعض الروايات عن المعصوم في وجه تسميتها أنّها لم تكن ملكًا لأحد في أيّ زمان ولم يتمكّن أيّ ظالم من التسلّط عليها[1] وبعبارة أخرى كانت الكعبة عتيقة دائمًا وحرّة من العتق بمعنى التحرّر، لذا يمكن عدّ الكعبة أيقونة الحرّيّة.

ولننظر الآن كيف يكرّم القرآن الكريم هذه الأيقونة، ويدعو الناس للتوجّه نحوها والطواف حولها إذ يقول: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)[2] ويأمر الناس من جهة أُخرى بالتوجّه نحوها: (وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)[3].

وإلى جنب التوجّه الدائمي نحو البيت هذا، فإنّ كثيرًا من أعمال الإنسان مرتبطة بهذه الأيقونة، فبعض الأعمال الصالحة كالصلاة لا بدّ أن تكون نحوها، والبعض الآخر كتلاوة القرآن يفضّل أن يكون باتّجاهها، وفي المقابل يحرم أداء بعض الأعمال نحوها أو يُكره، فالجميع يرتبطون بالكعبة بنحو مّا طول حياتهم، حتّى في القبر لا بدّ أن يتوجّه الميت نحو القبلة، فهذا الاحترام والاهتمام بالبيت العتيق يعني لزوم حراسة الإنسان المسلم لحياته الحرّة دومًا، وأن لا يفدي حرّيّته السماويّة بالوساوس الأرضيّة، ومن هذه الوساوس بعض الأفكار الجميلة في ظاهرها المتلبّسة لباس القوانين وتعاليم المدارس الأخلاقيّة والفلسفيّة والحقوقيّة والسياسيّة، حيث تستهوي البعض نحوها وتسيّرهم يمينًا وشمالًا.

د. الفرق بين حرّيّة الإنسان التكوينيّة والتشريعيّة

عند البحث عن حرّيّة الاختيار لا بدّ من التفرقة بين الحرّيّة التكوينيّة والحرّيّة

(118)

التشريعيّة، فالحرّيّة التكوينيّة تعني عدم إمكان الإجبار على اختيار العقيدة في نظام الخلقة، فالدين في الواقع مجموعة من العقائد الخاصّة التي لا يمكن الإجبار عليها، فلو لم تترسّخ أصول الدين ومبادئه عند شخص لمّا يدخل الدين في قلبه، ويقول القرآن أيضًا: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)[1].

مضافًا إلى هذا فالحرّيّة التكوينيّة تعني أنّ الإنسان لم يكن مجبرًا ومن دون اختيار في أيّ عمل، كما لم يكن مطلقًا ومن دون حدود، وبعبارة علميّة أُخرى لا يتقيّد نظام الخلقة بانحصار الجبر ولا سلطة التفويض.

ولكن لا يمكن من الحرّيّة التكوينيّة هذه استنتاج الحرّيّة في مرحلة التشريع واختيار العقيدة، فالحرّيّة التكوينيّة تلك تُفسّر إلى جنب الوظيفة التشريعيّة: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)[2] فما هو من الله ومتطابق مع إرادته يكون حقًّا، ولكن البعض يتوجّه نحو الباطل تمسّكًا بالحرّيّة التكوينيّة، وقد بيّنت كثير من الآيات الحدود الفاصلة بين هاتين الحرّيّتين، وساقت الإنسان نحو وظيفته التشريعيّة في قبول الحقّ: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ)[3].

ففي مقام اختيار الحقّ والباطل، لا يلزم الإنسان اختيار الحقّ فحسب، بل يلزم الحفاظ عليه بكلّ قوّة، فلو اختار شخص الباطل بعد البحث الكامل وأبى من قبول الحقّ، لأصبح في عداد الذين يصدر في حقّهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمّة المعصومين أمر الجهاد الابتدائي، وحتّى لو لم يقبل البعض بالجهاد الابتدائي في هذه الموارد، فلا يشكّ في كونهم مخلّدين في النار.

فالله تعالى وإن أطلق يد الإنسان تكوينًا في التديّن، لكنّه بيّن له طريق الرشد

(119)

تشريعًا: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)[1] وبناء على الرؤية الكونيّة الإسلاميّة، تظهر معتقدات الإنسان في البرزخ بأشكال مختلفة، والإنسان في هجرة دائمة من الدنيا إلى البرزخ ومن البرزخ إلى الآخرة، فالإلحاد والكفر يتمظهر بمظهر الحيّات والعقارب، وهذا يدلّ على أنّ الفكر المنحرف يساوي السمّ القاتل، ومن الواضح أنّ الله تعالى لم يعط الحرّيّة للإنسان ليختار السمّ ويهلك نفسه. فالحرّيّة التشريعيّة لم تكن مقبولة في القرآن وفي الثقافة الإسلاميّة.

هــ. العلاقة بين الحياة والحرّيّة

تعدّ الحرّيّة مقدّمة الحياة من نظر قرآنيّة، فجميع الحرّيّات جاءت ليصل الإنسان إلى الحياة الأصيلة والقيّمة، فللوصول إلى الحياة المادّيّة والمعنويّة الأصيلة والقيّمة لا بدّ أن يكون الإنسان حرًّا، ولأجل الوصول إلى هذه الحرّيّة يلزم التحرّر من الأهواء، فجميع الناس رهائن أعمالهم، ولا ينجو منها إلّا من دخل في أصحاب اليمين وصار منهم: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ)[2].

ولا بدّ من التأمّل في أعمال أصحاب اليمين لنرى كيف أعتقوا أنفسهم من هذا الرهان، وجواب هذا السؤال يكمن في كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حينما خاطب الناس في آخر جمعة من شهر شعبان وقال: «أيّها الناس أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكّوها باستغفاركم»[3].

فحرّيّة الإنسان الحقيقيّة تكمن في تحرّره من الذنوب بالاستغفار، والدخول في زمرة أصحاب اليمين بالأعمال الصالحة، فهذه هي الحرّيّة التي تكون مقدّمة للحياة الأصيلة، وهي (فكّ رقبة) حقيقةً.

(120)

3. العدل

أ. تعريف العدل

لقد سمعنا كثيرًا أنّ العدل يعني وضع كلّ شيء في مكانه المناسب، وقد زعم البعض وجود الإبهام في هذا التعريف، لأنّه يبيّن أصلًا كلّيًّا لم تتّضح مصاديقه بوضوح، ولكن ليعلم أنّ التعريف يكون مبهمًا فيما لو ورد نقد على كلّيّته أو عموميّته، ولكن لو لم يحتوي التعريف على نقصٍ في هذا المجال لم يكن مبهمًا، وإن لم تتّضح مصاديقه، ولأجل معرفة المصاديق لا بدّ من الرجوع إلى المصدر المتكفّل لتطبيقها.

فالحقوقي إذا أراد معرفة العدل، لا بدّ أن ينتبه إلى مصاديقه، ولأجل الوصل إلى هذه الغاية يلزم معرفة ظواهر الطبيعة، كما يلزم معرفة موقعيّتها في نظام الكون، مضافًا إلى معرفة وضع كلّ ظاهرة في مكانها المخصّص، فالحقوقي بعد تطبيق هذه الخطوات الثلاثة، يمكنه تطبيق ذلك المفهوم الكلّي على المصاديق.

ثمّ العدل وإن كان مفهومًا قيميًّا، غير أنّه لم يكن اعتباريًّا صرفًا، فالعدل لم يكن صنيعة الإنسان بحيث لم يكن له أيّ تحقّق في عالم الوجود حقيقة، فالعدل حاله حال سائر المفاهيم القيميّة مأخوذ من نظام الخلقة ومنتزع من الأمور التكوينيّة، وعلى سبيل المثال عندما يجتمع عدّة أشخاص لأجل القيام ببعض الأعمال، فيكون حالهم حال الإنسان الحيّ حيث يكون له رأس (مركز إدارة الأعضاء) وأعضاء (أجزاء الجسم وما لها من وظائف) وعليه يمكن افتراض الرأس والأعضاء لتلك المجموعة أيضًا، فيكون واحد منهم بمنزلة الرأس والمدير والباقي بمثابة الأعضاء ويناط لكلّ واحد منهم عمل، فهنا نحصل على عنوان الرئيس والأعضاء.

(121)

ونفس هذا الأمر يجري في مفهوم العدل، ففي نظام الخلقة نرى استقرار كلّ ظاهرة في مكانها الخاصّ وتؤدّي وظائفها المنوطة بها، فهذا التناسق التامّ يدلّ على العدل في الخلقة، والإنسان ينتزع هذه الحالة من الأمور التكوينيّة، ويُطلق على تلك المجموعة -التي ذكرناها- حينما نقوم بأعمالها بشكل مناسب، يُطلق عليها أنّها عادلة، فالعدل وإن كان مفهومًا قيميًّا لكنّه يسري في نظام الوجود وحاضر فيه العدل يسري في جميع العالم، غير أنّه مفهوم اعتباري في المسائل القيميّة، حقيقي في الأمور التكوينيّة.

وبهذا اتّضح أنّ العدل لم يكن مشتركًا لفظيًّا، فلا يقال أنّ العدل عند الله بمعنى وعند الإنسان بمعنى آخر، كما لا فرق في معنى العدل السياسي والعدل الاجتماعي، فلم يكن أيّ تمايز واختلاف مفهومي بين هذه المصطلحات، والحقّ أنّ العدل مشترك معنوي يجري بمعنى واحد في جميع هذه الأقسام وإن اختلفت المصاديق، إذ الاختلاف في المصداق ينسجم مع وحدة المفهوم هنا، ولبيان الموقف نستشهد بالعلم حيث له أنواع مختلفة كالعلوم الاعتباريّة والعلوم الحقيقيّة، العلوم الحصوليّة والحضوريّة، والعلم الذي هو عين الذات والعلم الذي يضاف إلى الذات، فهذه الفروقات ناشئة من الاختلاف في المصداق لا المفهوم، إذ للعلم في الواقع معنى واحد وهو مشترك معنوي.

ب. كيفيّة إدراك العدل والإحساس به

ربّما يُطرح سؤال عن كيفيّة الإحساس بالعدل، وهل يمكن فهم العدل من خلال العلامات الحسّيّة والتجربة؟ وإذا لم يكن ذلك فكيف نحسّ بالعدل في الحياة الواقعيّة وفيما وراء الذهن؟

ونقول: أوّلًا أنّ العدل لم يكن من المعاني الحسّيّة التي تحتوي على علامات

(122)

محسوسة فلا يمكن تحليله في المختبر أو تجربته. يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام : «ليست على الحقّ سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب»[1] ولكن هذا لا يعني استحالة تشخيص العدل عن الظلم، إذ لا يقتصر معرفة الحقّ والعدل على الحسّ والتجربة، وقد أبان لنا أمير المؤمنين عليه‌السلام الطريق حينما كتب في إحدى رسائله: «عرفوا العدل وأوه وسمعوه ووعوه»[2].

نفهم من هذا الكلام القيّم طريقة سلوك أمير المؤمنين عليه‌السلام في حكومته بنحو يكتشف الناس من خلالها معنى العدل، أي من خلال حكومة عادلة تدلّ على مصاديق العدل وتعرّفها للناس، ولذا كما قال عليه‌السلام أيضًا: «أقرب العباد إلى الله تعالى أقولهم للحقّ وإن كان عليه، وأعملهم بالحقّ وإن كان فيه كرهه»[3].

وهذا التحلّي بالحقّ والعدل وإن كان صعبًا جدًّا لكنّه يعدّ أفضل طريق للتعرّف به، علمًا بأنّ السياسي الناجح هو من يتمكّن من تمثيل العدل من خلال عمله ورؤيته الصحيحة، لذا لا يكون العقل إلّا العدل، وقد قال أمير المؤمنين عليه‌السلام في تعريف العاقل ما ينطبق على تعريف العادل: «قيل له عليه‌السلام : صف لنا العاقل، فقال: هو الذي يضع الشيء مواضعه، فقيل: فصف لنا الجاهل، فقال: قد فعلت»[4].

وهذا يعني أنّ عكس صورة العاقل هو الجاهل، ويُطلق هذا النوع من التعريف الوارد في كلام المعصومين عليهم‌السلام والتعريف الجدلي طبعًا من الجدل بالأحسن، فيتمّ فيه تعريف الشيء لا من خلال جنسه وفصله بل عن طريق

(123)

بيان نظائره، نعم قد استخدم المعصومون التعريف المنطقي المشتمل على الجنس والفصل في موارده أيضًا.

ومع لحاظ دور العدل في الحكم، نفهم لزومه وأهميّته للحاكم بما يفوق بعض الصفات الأخرى، وعلى سبيل المثال يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام : «العدل يضع الأمور مواضعها والجود يخرجها من جهتها، والعدل أساس عامّ والجود عارض خاصّ، فالعدل أشرفهما وأفضلهما»[1].

وليعلم أنّ من أسرار حاجة الشرّ إلى المعصوم هو هذا الأمر، فلو لم يكن المعصوم كيف يمكننا تشخيص مصداق العدل الصحيح من بين مجموعة المصاديق الموجودة؟ ولو لم يبيّن المعصومُ العدل في قالبه ومصداقه، كيف يمكن معرفته؟ فقد قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «الحقّ أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف»[2].

ج. بيان خطوط العدل في نطاق القوى البشريّة

قلنا بإمكان التحدّث كثيرًا عن وصف العدل والحقّن فقد اهتمّ البعض ببيان العدل في الأوصاف النفسانيّة والقوى الإنسانيّة، وقد استنتجوا من خلال التجارب والمتواترات والمشاهدات إمكان تقسيم قوى الإنسان إلى ثلاثة أقسام مستقلّة لكنّها غير متقاطعة.

القسم الأوّل: القوّة الفكريّة والعلميّة في الإنسان، القسم الثاني: الجاذبيّة والقسم الثالث: الدافعة. فبناء على هذا التقسيم لا تتجاوز قوى الإنسان من

(124)

هذه الثلاثة، لأنّ شؤون الإنسان لا تخلو من حالتين، إمّا مرتبطة بالإدراك والتعقّل وترجع إلى القسم الأوّل وإمّا مرتبطة بالعمل والفعل وترجع إلى القسمين الأخريين.

ولكلّ واحدة من هذه القوى ثلاث مراحل: التفريط، الوسطيّة، الإفراط، فقوى الفهم والإدراك قد تقع في التفريط فيكون الفرد غبيًّا، وقد تقع في الإفراط فيكون الفرد ذكيًّا، ولو أصبحت في المرحلة الوسطى لَعَنَت بأنّ الفرد يعيش التعادل المعرفي، فلا يتأخّر في إدراك المعاني ولا يتقدّم أكثر من اللازم.

وكذلك الأمر في القوّة الثانية أي الجاذبة، فلها أيضًا ثلاث مراحل، فقد يسعى الإنسان للوصول إلى ما يريد بكلّ حرص ويتّجه نحوه بالطمع، فيقال لهذه الحالة الشَرَه، وقد يتوانى في حوائجه فيقال له الخمول، ولكن إذا كانت قوّة الجذب والسعي في الاعتدال يقال لها العفّة، طبعًا هذه التسمية تخصّ الأمور الغريزيّة، ويمكن تطبيقها في الأمور الماليّة أيضًا، فيتولّد منها الحرص والتبذير والسخاء.

وكذلك الأمر في القوّة الثالثة أيضًا أي الدافعة، فقد يسعى الإنسان لدفع جميع الأمور التي يكرهها فيقال لها التهوّر، وقد يسكت أمام القوى الحاكمة فيقال لها الجبن، وقد يكون معتدلًا فيقال لها الشجاعة.

وبهذا البيان يكون العدل هو إيجاد التعادل بين هذه القوى الثلاثة، ولم يكن عنوانًا مستقلًّا لحالة مستقلّة، فمن يصير في الطريق يكون عادلًا، ومن أصيب بالتفريط أو الإفراط في إحدى القوى، يخرج من العدالة الحقيقيّة التامّة، وهذا ما يُستعمل في الفقه الأكبر خلافًا للفقه الأصغر، فالعادل في الفقه الأصغر

(125)

هو الذي يترك المحرّمات ويلتزم بالواجبات، فربّما لم يكن شجاعًا لكنّه عادل بحسب الفقه الأصغر ولم يكن عادلًا بحسب الفقه الأكبر.

د. عموميّة العدل

كلّ البشر مع مختلف أعراقهم وثقافاتهم ولغاتهم يطلبون العدل ويعشقونه، لأنّه جوهر كلّ إنسان وفق ما ورد في القرآن: (خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ)[1] والعدل في نظام الخلقة يتحقّق من خلال منح الله وصنعه لما يحتاج إليه الكون: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ)[2].

فالقسط والعدل موضوع في قرارة وجود كلّ شيء والكون يشتمل على جوهر العدل، ولم يسلك أيّ شخص خارج نطاق العدل بفطرته إلّا إذا اتّحد مع القوى النافية للفطرة. والله تعالى خلق الخلق في طريق مستقيم، وجميع المخلوقات رغم اختلافها تحبّ هذا الطريق: (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[3].

ولذا يدعو القرآن جميع الناس للقيام بالعدل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ)[4].

فالكلام هنا عن (القوّام) لا (القائم) وهذا يدلّ على صعوبة إقامة العدل، وربّما يقع الإنسان في شكّ وتردّد لإقامة العدل، فإذا تفوّق على هذا الشكّ وأقام العدل أصبح (قوّام العدل) وهنا ربّما يضطر الإنسان لتجاوز مصالحه الشخصيّة

(126)

المانعة للقيام بالعدل حتّى لو استدعى الأمر غضّ الطرف عن القرابة: (إِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ)[1] ومن هنا لا يستدعي الانتقام ظلم الآخر: (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا)[2].

فكما أنّ الجميع يطلب العدل، كذلك القرآن يريده للجميع، وقد كتب أمير المؤمنين عليه‌السلام في عهده إلى مالك الأشتررحمه‌الله : «ولا تكونّن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم فإنّهم صنفان إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»[3].

فكلام الأميرعليه‌السلام هذا انعكاس لتعاليم القرآن الداعية للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالعدل في تعامله مع غير المسلمين، فإذا اختلف مثلًا أهل الكتاب في بعض الأمور الحقوقيّة، واحتكموا عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كان على الخيار بين أن يحكم فيهم أو يُرجعهم إلى محكمة أهل الكتاب أنفسهم: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ، وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا، وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[4].

وهذا الأصل القرآني يجري في الفقه أيضًا، ويدلّ على اهتمام القرآن الكريم بالعدالة الشاملة.

هـ. العدل من أهداف الأنبياء

يُعدّ إقامة القسط والعدل من أهداف الرسالة في القرآن الكريم، ولكن لا بدّ من الالتفات إلى حضور أصلين أخريين إلى جنب ذلك، الأوّل جعل نظام الكون

(127)

بأجمعه يدور مدار العدل، الثاني كون إقامة العدل هو الهدف المتوسّط للأنبياء لا الهدف النهائي، فالعدل لا هو في البداية ليكون المبدأ، ولا هو في النهاية ليكون الهدف النهائي. والقرآن يشير إلى هدفيّة العدل في بعثة الأنبياءعليهم‌السلام بقوله: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)[1].

ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الوصول إلى هذه المرحلة يمرّ عبر مراحل، إذ بيّنّا أنّ الله تعالى هو القائم بالقسط: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ)[2] فتوحيد الله هنا مقرون بالعدل، بمعنى أنّ إقامته للعدل يدلّ على توحيده، لأنّه لو كان ثمّة مبدأ آخر ينظّم أمور الكون، لاختلّ نظام العدل فيه ولذهب كلّ إله بما خلق، فلم يكن العدل والقانون في الوهلة الأولى كي يتابعه الله بل العدل حصيلة عمل الله وهو تعالى متن العدل، وشهد بهذا الملائكة والعلماء، فالعدل لم يكن في البداية.

ومن جهة ثانية لم يكن العدل ضمن الأهداف النهائيّة لبعثة الأنبياء، فالقرآن يجعل العدل لعامّة الناس كهدف للرسالة، أمّا للسالكين والنخب فالهدف الأساسي رفع الحجب والإستار والتوجّه نحو النور: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)[3].

وهناك فرق بين الإنسان النوراني والإنسان العادل، فالإنسان العادل يُقيم العدل ويرى ذلك من وظائفه، أمّا الإنسان النوراني فهو مصدر العدل ويتجلّى العدل منه. فالعدل يكون هدفًا لمن يكون في الطبقة العامّة، أمّا من وصل إلى

(128)

النور لم يكن إقامة العدل من أهدافه، بل يكون هو صورة العدل ويقول القرآن في حقّ هؤلاء: (جَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)[1].

و. سريان العدل في جميع نظام الخلقة

إنّ من أجمل ثمرات الفكر الإسلامي هنا عدم اختصاص العدل ببعض الموجودات، بل يجري العدل في جميع الوجود وبالنسبة إلى جميع الموجودات، ولنضرب لذلك مثالًا من القرآن، ففي سورة الكهف تمّ التطرّق إلى جنّتين: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا)[2] ولا يُتصوّر استعمال الظلم هنا مجازًا، فهي هنا لا من المجاز في الكلمة ولا الإسناد ولا المجاز اللغوي ولا العقلي.

فالبستان عادل بالحقيقة، وعد الله تعني عمله وفق وظائفه ضمن نظام الخلقة، فجميع الموجودات تعمل وفق العدل كهاتين الجنّتين، ولكن وظيفة الموجودات العاقلة كالإنسان إقامة العدل تكوينًا وتشريعًا، فقبول العدل فرض على الجميع حتّى الملائكة والإنسان الكامل، والملائكة رغم عصمتها لو تخلّت عن العدل لعوقبت: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ)[3].

حتّى أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم -وهو أفضل الناس- يتمتّع بهذا التكليف التكويني والتشريعي: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[4] فكلّ ما في الكون ملزم بالعدل، ويسري العدل في جميع العالم.

(129)

المبحث الثالث

منشأ الحقّ والتكليف[1]

لا يصحّ التطرّق إلى مصادر الحقّ والتكليف ومبانيهما بشكل كلّيّ ومن دون لحاظ النظرة الكونيّة لسائر الآراء والمدارس المختلفة، كما أنّ الأديان والمذاهب بيّنوا آراء متفاوتة بهذا الخصوص وبحسب مبانيهم، فقد ذهبت الأديان الإلهيّة إلى أنّ منشأ الحقّ ومصدره أمر واحد، ولكن طرحت المدارس الأخرى غير الإلهيّة آراء مختلفة، فمنهم من زعم أنّ منشأ الحقوق حاجة الإنسان، وبعضهم الآخر جعل الإرادة والقدرة، وقسم ثالث القانون.

وكلّ واحد من هذه الآراء بحاجة إلى بحث وتحليل، وسوف نتطرّق في هذا الفصل إلى تحليل الآراء المذكورة بهذا الخصوص وبحثها، وكذلك رؤية مدرسة الإسلام السماويّة، وقبل الخوض في البحث لا بدّ من الالتفات إلى عدّة نقاط ضروريّة:

1. إنّ المراد من منشأ الحقّ إنّما هو مبدأ الحقوق الفرديّة والاجتماعيّة، أو الجهة المقنّنة للحقّ؛ أي من هو واضع الحقوق والتكاليف؟ ومن الذي يحقّ له وضع القوانين الحقوقيّة أعمّ من الفرديّة والاجتماعيّة؟ ويُبحث عن هذا الموضوع - كموضوع مبنى الحقّ - في مباحث فلسفة الحقوق، ونتطرّق إليه هنا بقدر الحاجة، ومن الضروريّ بيانه كمدخل للبحث.

2. دخل موضوع حقوق الإنسان والتعرّف على منشأها ومحتواها وآثارها، في العلوم الإنسانيّة، ومن الجدير تحديد البحث في نطاق هذا العلم دون سواه

(130)

من العلوم. وعليه، فإنّ مفهوم الحقّ هنا لم يكن اعتباريًّا محضًا، ولا يتحقّق من دون الاعتماد على الواقع الخارجيّ أعمّ من الإنسان والفطرة والطبيعة الإنسانيّة، خلافًا لمن زعم اعتباريّة الحقّ للإنسان[1].

3. يُعدّ مبحث حقوق الإنسان في الأديان السماويّة، سيّما الإسلام وهو أكمل الشرائع وأجمعها، من أهمّ المباحث، وقد ورد التأكيد عليها في آيات وروايات كثيرة، فالزعم القائل بغير بصيرة أنّ الإسلام بسبب عدم اهتمامه بحقوق الإنسان لم يتطرّق إلى المباحث الحقوقيّة، وعليه لا يمكن تصوّر نظام حقوقيّ مستقلّ للإسلام، زعم باطل وغير صائب[2].

4 . تختلف المصادر والمباني والفروع بعضها عن بعض، فالفروع تؤخذ من المباني، والمباني تؤخذ من المصادر. الفروع هي المواد أو الملحقات أو الأمور الجزئيّة، وعلى سبيل المثال، يقال في الفقه: إنّ الفروع هي الأحكام الخاصّة الواردة في المسائل العمليّة، والمباني عبارة عن أصل البراءة والاستصحاب أو التخيير، وهذه المباني تؤخذ من المصادر، وكذلك الحال في مباني التكليف، لذا نتطرّق أوّلًا إلى مصادر الحقّ والتكليف ثمّ نبحث عن الآراء والنظريّات المختلفة.

المصدر الأنطولوجيّ للحقّ والتكليف

قد يتعلّق المصدر بالأنطولوجيا وقد يتعلّق بالإبستمولوجيا، وفي المصادر الأنطولوجيّة يبحث عن إيجاد الظواهر وتكوينها، من أين جاء الدين ومن هو مكوّنه؟ أيّ مقام يليق بتكوين قوانين الدين وتدوينها؟ ومن الذي يضع تعاليم

(131)

الدين ويبلّغها الناس. فهذه المباحث تدخل في دائرة أنطولوجيا الحقّ والتكليف.

ثمّ بعد الفراغ من تعيين مصدر تدوين الدين أو الحقّ والتكليف يُسأل عن دليل الواضع لوضع هذه القوانين وتدوينها. وللإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من الخوض في الحكمة النظريّة، فالمصدر الأنطولوجيّ يرجع إلى العلّة، والمصدر الإبستمولوجيّ إلى الدليل. وعندما اتّضح في البحث الأنطولوجيّ منشأ ظهور الدين والقانون والحقّ والتكليف، يتمّ التطرّق في الإبستمولوجيا إلى دليل ذلك، وما يطرح في الإسلام حول الدين والقانون، يمكن استخدامه في موضوع الحقّ والتكليف أيضًا، بل إنّ الحقّ والتكليف شعبة من أصل الدين وقانون الإسلام.

إنّ أصل الدين هو العقائد، الأخلاق، الفقه والحقوق، ومصدره الوجوديّ هو إرادة الله وعلمه الأزليّ. وهذا الموضوع لا يندرج في مباحث فلسفة الحقوق بل من مهامّ الإلهيّات والحكمة النظريّة. وذلك للزوم البحث عن أساس تلك الأمور - أيّ الإنسان والكون والعلاقة بينهما المستندة جميعًا إلى الله - في هذا العلم. فالكلام في الإلهيّات والحكمة الإلهيّة كلام عن أصل الوجود، فالله هو منشأ الوجود ومبدأه، وإنّه مضافًا إلى الخالقيّة، ربّ جميع الموجودات، وقد صرّح القرآن الكريم إلى أنّ الله ليس خالقًا للإنسان والكون فحسب، بل إنّه ربّهما أيضًا، فيقول بخصوص الخالقيّة: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ[1] ويقول بخصوص الربوبيّة: ﴿رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ[2] فخالق الجميع ربّها أيضًا، غير أنّه يربّي كلّ موجود بحسب سعته الوجوديّة، فيقتضي مقام الإنسانيّة وسعته الوجوديّة، تربيته في ظلّ الحقوق والتكاليف والتعاليم الإلهيّة على ضوء الدين.

(132)

علاقة فلسفة الحقوق بالفلسفة الإلهيّة

النتيجة الحاصلة ممّا مرّ، أنّ فلسفة الحقوق مدينة للفلسفة الإلهيّة. فنظرة الحقوقيّين تبتني على أُصول فلسفيّة، الأصول التي ترى أنّ مصدر الدين الأنطولوجيّ هو إرادة الله وعلمه الأزليّ، وقد ثبت في الفلسفة الإلهيّة أنّ هدف إرسال الرسل وإنزال الكتب السماويّة، إنّما هو التعليم والتربية، وأنّ أساس الوحي والنبوّة خلق المعرفة وارتقاء البشريّة إلى مقام الإنسانيّة الرفيع.

فالحكمة النظريّة برؤيتها هذه صدّت بعض المزاعم الجاهليّة، منها: أنّ الإنسان المادّيّ هل يمكنه فهم الوحي؟ وقد أثبتت الفلسفة الإسلاميّة في علم النفس أنّ للإنسان روحًا مجرّدة وللروح قوى أرقاها القوّة القدسيّة، ولهذه القوّة القدرة على الارتباط بما وراء الطبيعة، وعليه فإنّ للوحي والنبوّة بُعدين ومعهما يكتملان؛ أي: المنشأ الفاعليّ للوحي والجانب القابليّ له. المنشأ الفاعليّ هو ذات الله المقدّسة، والمنشأ القابليّ نفس الإنسان الكامل القدسيّة. فالفلسفة تتكفّل في الإلهيّات بيان المبدأ الفاعليّ للوحي والإلهام، اما علم النفس فيتكفّل بيان المبدأ القابليّ، فالفلسفة الإلهيّة بركنيها هاتين (الفلسفة الإلهيّة وعلم النفس) تكون من أهمّ أركان فلسفة الحقوق وعمادها العلميّ.

ان فلسفة الحقوق في الاسلام تجعل ارادة الله وعمله الأزلي مبدأ الوجود والدين والأحكام والحقوق والتكاليف. وعليه، فإنّ عماد فلسفة الحقوق هي الفلسفة الإلهيّة، ولا يمكن إهمال هذا الارتباط وهذه العلقة، فهذه المباحث كلّها تتعلّق بالمصدر الأنطولوجيّ للدين والحقّ والتكليف.

المصدر الإبستمولوجيّ للحقّ والتكليف

بعد إثبات وجود المبدأ لنظام الوجود، وهو القدرة الإلهيّة الأزليّة، وأنّ

(133)

الإنسان ليس غريبًا في نظام التكوين، بل بينهما ترابط وثيق، وإنّ تلك الذات الربوبيّة تدبّر نظام الوجود وتدبّر الموجودات، وبما أنّه عالم بجميع المصالح وجميع المفاسد، ويعلم أسرار الأشياء والأفعال والأخلاق والأشخاص، وهي التي تكون ملاك التقنين ووضع القانون في نظام التكوين والتشريع، فبعد إثبات هذا قد يُطرح سؤال، مفاده: إنّنا من أين نعلم تقرير هذه الأحكام من قبل الله؟ يقول علم أصول الفقه المتكفّل لبيان المصدر المعرفيّ للدين: إنّ مصدر الأحكام وتعاليم الدين والحقّ والتكليف، هو الكتاب والسنّة والعقل والإجماع الكاشف للنقل، وكلّها تحكي عن إرادة الله. فهذه المباحث تعدّ جزءًا من المصادر الإبستمولوجيّة.

وللعقل معنى واحد عند أهل التوحيد والموحّدين، ولكن عند الملحدين فالمغالطة تعدّ عقلًا أيضًا ويطلق عليه العقل الإلحاديّ. كما ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام بخصوص معاوية استعمال كلمة الشيطنة والنكراء، ولا يستعمل لفظ العقل، فعندما سئل عليه‌السلام عن العقل، قال: «ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان» وعندما سئل عمّا عند معاوية قال: «تلك النكراء والشيطنة وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل[1] فهكذا مباحث تدخل في المباحث الإبستمولوجيّة».

منشأ الحقوق عند مفكّري الغرب

إنّ منشأ الحقّ عند أغلب مفكّري الغرب هي العقود الاجتماعيّة، وذهب أكثرهم إلى أنّ تكوين المجتمع يبتني على العقود الاجتماعيّة، وتتكوّن حقوق الإنسان جميعها على أساس هذه القوانين. لذا، لا يوجد شكّ [عندهم] بلزوم ابتناء حقوق الإنسان على العقود الاجتماعيّة هذه، ولا حاجة إلى البحث عن منشأ آخر. وذهبوا إلى أنّ الحقوق لا واقعيّة لها بمعزل عن المجتمع، وعندما

(134)

يتشكّل المجتمع الإنسانيّ مع ما فيه من تدوين القوانين والعقود الاجتماعيّة، تنتزع حقوق الإنسان من تلك القوانين والعقود الاجتماعيّة، والمراد من العقود الاجتماعيّة ما يدوّنه الحكّام أو القوى المقنّنة من مجموعة قوانين وأحكام، كما يصرّح بذلك أحد مفكّري الغرب أي توماس هابز (1588 - 1679) من انّ جميع الحقوق تنشأ من الحاكم ولا توجد حقوق إلهيّة أو طبيعيّة، الوضع الطبيعيّ للإنسان هو الحرب إذ البشر يتعامل بشكل عشوائيّ ولا بدّ من وجود حاكم مطلق لمراقبته[1].

فاستيفاء الحقوق إنّما يتأتّى بواسطة العقود الاجتماعيّة التي يضعها الحكّام أو الحقوقيّين. وعلى فرض صحّة هذا المدّعى، فالسؤال المطروح: إنّ حقوق الإنسان هل يمكن تأمين جميعها عن طريق العقود الاجتماعيّة؟، وهل تشتمل هذه العقود على جامعيّة كافية؟ جواب هذه الأسئلة إيجابيّة عند أصحاب العقود الاجتماعيّة؛ لأنّ الحقّ عندهم ميزة يمنحها القانون للإنسان[2].

هذه الرؤية لا تتوافق مع المباني الإسلاميّة؛ لأنّ حقيقة الإنسان مسبوقة بما وراء الطبيعة وملحوقة به، أي إنّ للإنسان عدا جانبه الجسدي والمادّي، روحا أصيلة ومجرّدة لم تكن من التراب ولا تعود إلى التراب، وتصنع العقائد والأخلاق والأحكام والحقوق هويّته الكاملة، ولا بدّ أن تعتمد جميع قوانينه على أصول الخلقة الأوّليّة، وتعود إلى مرجعه النهائيّ بعد الموت.

وعليه، فإنّ جميع أوامره ونواهيه الحقوقيّة والتشريعيّة تبتني على الوجود والعدم التكوينيّ، بحيث إنّ تلك الحقائق التكوينيّة لو تجلّت على شكل التشريع

(135)

مثلًا، لتبلورت على شاكلة المواد الحقوقيّة، ولو تجلّت هذه المواد الحقوقيّة والتشريعيّة على شكل التكوين، لكانت على شاكلة تلك الحقائق التكوينيّة، فباطن هذه القوانين وملكوتها حقائق، وظاهرها حقوق، بحيث إنّ التكوين والتشريع، الحقيقة والحقوق، الملكوت والملك، الظاهر والباطن وجهان لعملة واحدة. ومنطقة الفراغ التي هي موارد الإباحة، التخيير العقليّ، أضلاع الواجب النقليّ ونحوها، تعتمد على منطقة تكوينيّة حرّة ومفتوحة، وبحسب سعتها يحصل اتّساع في الحكم التشريعيّ.

منشأ الحقوق عند مفكّري الوحي والنبوّة

ذهب بعض مفكّري الوحي والنبوّة إلى أنّ العقل البشريّ يكفي لهداية الإنسان وسعادته ولا حاجة إلى الوحي، فالعقل يلبّي جميع حوائج الإنسان، ومع وجوده يكون التمسّك بأيّ أداة أُخرى للوصول إلى السعادة عبثا وغير مفيد. هذه الرؤية التي نُسبت في الكتب الكلاميّة الشيعيّة إلى براهمة الهند، طرحت منذ فترة قديمة وتمّت الإجابة عليها في الكتب الكلاميّة، ولكن اليوم فقد تمسّك بعض أتباع المدارس الجديدة في الغرب بهذه الرؤية وروّجوا لها، وزعموا أنّ منشور حقوق الإنسان أكمل نظام حقوقيّ يضمن هداية الإنسان وسعادته. إنّهم يرون أن لا حاجة إلى بعثة الأنبياء، ولا يوجد دليل على حاجة الإنسان إلى الوحي والنبوّة؛ لأنّ ما جاء به الأنبياء إذا كان موافقًا مع العقل فلا حاجة للعقلاء إليه، ولا فائدة في التمسّك بالوحي، وإذا كان مخالفًا للعقل فلا فائدة في التمسّك به ولم يكن نافعًا[1].

وقد تمسّك بعض المسلمين والمسيحيّين في الظاهر بهذه الفكرة وروّجوا لها.

(136)

فعند المسلمين ذهب من سلك في مسألة الحسن والقبح العقليّ طريق الإفراط، الى كفاية الأحكام الحقوقيّة المدوّنة من قبل الحكماء وأصحاب العقول الراقية، وأولى بعض المسيحيّين من قبيل غروسيوس[1] (حقوق الحرب والصلح) المعروف بالمؤسّس للحقوق الدوليّة في الغرب، وكذلك بوفندرف[2]. [3]

وحاصل كلام أصحاب النزعة العقليّة: إنّ العقل هو المنشأ الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه لحقوق الإنسان وتكاليفه، وهو المصدر المؤثّر لتنظيم الأمور الفرديّة والاجتماعيّة، والإنسان مع وجود هكذا مصدر وثيق، لا حاجة له بالاستقاء من ينبوع آخر لتأمين حقوقه.

وقد اتّضح بطلان هذه العقيدة عند بيان الرؤية الإسلاميّة، ولكن مع هذا فالجواب الإجماليّ لهذه الشبهة إنّ إدراك العقل العميق وإن أمكنه أن يكون منشأ معرفة الحقوق، ولكن ليس له صلاحيّة كاملة بهذا الخصوص، وذلك لمحدوديّة نطاق الإدراك العقليّ أمام الوحي، إذ إنّ شعاع الوحي أوسع بكثير، فكثير من المصالح التي بيّنها الوحي لا يرقى إليها العقل ويعجز عن فهمها، فأساس الوحي والنبوّة مبنيّ على ترميم المصالح وتأمين منافع الإنسان بشكل كامل.

بُعث الأنبياء لاقتباس حقوق الإنسان وتكاليفه من الوحي وتبليغها للمجتمع البشريّ، فلو كان ينبوع العقل كافيًا لاستقاء البشر والارتواء منه في الجانب المادّيّ والمعنويّ، ما كانت ثمّة حاجة إلى ينبوع الوحي. وعليه، يمكن الادّعاء بأنّ لكثيرً من الحقوق والتكاليف والأحكام مناشئ عقليّة، ولكن لا يمكن الادّعاء بأنّ عقل الإنسان هو واضع القوانين بمفرده، ويمكنه تنظيم حياة

(137)

الإنسان وتقويم خطواته، فكما أنّ العقود الاجتماعيّة والقوانين المدنيّة لا ترقى لتكون المنشأ الواقعيّ للحقوق، كذلك لا يقدر العقل أن يكون الينبوع الحقيقيّ لحقوق الإنسان.

مصدر الحقّ عند المثاليّين

يرى المثاليّون انّ الإرادة الإلهيّة أو العقل البشريّ هما مصدر الحقوق الفرديّة والاجتماعيّة. وهذه الفئة لا تعتني بالحقوق الناشئة من سلطة الحاكم أو أيّ جهة أُخرى، ولا يعبأون بالحقوق الاجتماعيّة المدوّنة من قبل الدولة. فحقوق الإنسان تحدّد بالحقوق الفرديّة والطبيعيّة، وسائر القوانين الوضعيّة لا بدّ أن تكون مظهر الحقّ الطبيعيّ، وقيمة القوانين الحقوقيّة واعتبارها في سيرها طبقًا للحقّ الفطريّ[1].

إنّهم يوصون بلزوم كفاح القوانين المخالفة للحقوق الفطريّة والطبيعيّة، وعليه فمن الأفضل للدول والقوى الحاكمة، عدم القيام بوضع القوانين الحقوقيّة وتدوينها، بل ينبغي لهم متابعة الإرادة الأرقى وهي الإرادة الإلهيّة، وظيفة الحاكم التوصّل إلى تلك الإرادة الأرقى الحائزة على القواعد المطلوبة.

ولكن هل يمكن الوصول إلى تلك الإرادة واقتباس القواعد المثاليّة منها؟ وهل هذا العمل يدخل في حيطة سلطة الحاكم؟ وهل لجميع الحقوق هذه الموقعيّة أو يلزم استناد بعض الحقوق الاجتماعيّة والفرديّة إلى الإرادة الإلهية؟ أسئلة لا إجابة لها.

ويظهر أنّ هذه الرؤية وُلدت عند تفاقم ظلم الحكّام وجهاز الدولة لرعاياها، وهؤلاء المفكّرون التجأوا إلى هذه الفكرة للتخلّص من ظلم الحكّام وتعدّيهم.

(138)

ومع لحاظ هذا الأمر يظهر أنّ المراد من الحقوق عند المثاليّين، الحقوق الفطريّة والطبيعيّة لا الحقوق العامّة، ولكن كما قلنا سابقًا فإنّ جميع الحقوق الاعتباريّة لدى الإنسان مسبوقة بحقائقه التكوينيّة وقد يُعبّر عنها تارة بالأمور الفطريّة وتارة بالأمور الطبيعيّة، وعندما تذكر أمور ما فوق الطبيعة، وتلحظ كلّ واحدة من هذه التعابير زاوية من زوايا الوجود البشريّ الفسيح، أمكن أن تكون صحيحة أجمع، وأنّ الله هو المحيط بجميع الجوانب، لذا فإنّ المصدر الوجوديّ لحقوق الإنسان هو إرادة الله وعلمه الأزليّ، والدليل الوحيد الكاشف عنها هو العقل البرهانيّ والعلوم الوحيانيّة (القرآن والسنّة) ويلزم عليهما اكتشاف الحقوق بالتناسق فيما بينهما ومن دون تعارض.

منشأ الحقّ عند الواقعيّين

لم يعتن بعض الواقعيّين خلافًا للمثاليّين بالحقوق الفطريّة والطبيعيّة، بل ذهبوا إلى لزوم تنظيم الحقوق الاجتماعيّة في العلاقات المدنيّة فحسب. وتتلخّص رؤيتهم على غرار الواقع الاجتماعيّ في الأغلب، ولا يستسيغون الرؤية المثاليّة، ويهتمّون بإرادة الناس في صياغة الحقوق أكثر من إرادة الله، لذا جعلوا إرادة الناس وسلطة الحاكم منشأ الحقّ ومصدره لا الإرادة الإلهيّة التي هي أرقى من إرادة الجمع. فالحقوق تتغيّر بتغيّر ميول الناس وأهوائهم، ووظيفة الدولة تأمين الحقوق التي يطلبها المجتمع، وعليه فإنّ حوائج الناس وميولهم هي مصدر الحقوق لا أيّ شيء آخر[1]. وبناء على هذا، يدافع أنصار هذا الاتّجاه عن الحكومة الديمقراطيّة لإحقاق الحقوق لا الحكومة الإلهيّة.

وترد على هذه الرؤية مؤاخذات كثيرة، أهمّها لزوم التعرّف على حدود حوائج

(139)

الإنسان ونطاقها في فلسفة الحقوق، وما هو المراد من الحاجة، هل الحوائج الفطريّة أم الحوائج الحيوانيّة الكاذبة؟ ويظهر أنّهم يقصدون جميع الحوائج، كما صوّت بعض من يصطلح عليهم بالواقعيّين في الغرب على قانون جواز المثلية الجنسيّة في البرلمانات التقنينيّة وجعلوها جزءًا من الحقوق القانونيّة.

منشأ الحقّ والتكليف عند أنصار الفردانيّة

ذهب بعض المفكّرين إلى أنّ حقوق كلّ فرد ملصقة مع شخصيّته وتكون معه دائمًا، فللإنسان من حيث كونه إنسانًا حقوق لا يمكن لأيّ قوّة سلبها أو انتقالها إلى الغير، ولا يمكن لأيّ أحد أن يحدّ من حقوقه إلّا إذا أجاز ذلك. إنّه يتّجه إلى المجتمع ويقبل بالعيش الاجتماعيّ المشترك فيما لو لم يتضارب مع حقوقه الفرديّة، فالإنسان مع قطع النظر من خالقه ومع قطع النظر عن أيّ نوع من التكاليف والمسؤوليّات، يمتاز بحقوق ذاتيّة وطبيعيّة، ولا بدّ من احترام حرّيّته الفرديّة بأيّ نحو كان، وعليه فمنشأ الحقّ إرادة الفرد نفسه، لا حوائج الأفراد أو السلطة الحاكمة أو إرادة المجتمع.

يعتقد الفردانيّون أنّ الاجتماع الإنسانيّ السليم والمجتمع المتحضّر، إنّما يتكوّن فيما إذا تمّ تأمين الحدّ الأعلى من الحقوق الفرديّة، ولو سُمح للفرد أن يقرّر طبقًا لإرادته الشخصيّة، عُلم من ذلك كيفيّة سير المجتمع نحو التكامل، فإرادة الفرد هي المنشأ الوحيد القادر على رفع الموانع أمام حقوق الأشخاص وتأمينها في جميع الأبعاد.

هذه الرؤية تضرب بجذورها في الغرب، وظهرت على إثر الأزمات وانعدام الأمن الحاصلة جرّاء الحروب في القرن التاسع عشر، وهذه الرؤية الموسومة في أوروبا بالوجوديّة تُأكّد كثيرًا على الفردانيّة، واعتقدوا بعدم وجود أيّ واجب أو

(140)

أهداف تفرض على الإنسان تحديد المسير، بل الإنسان لا بدّ أن يخلق قيمه بنفسه. إنّه في كلّ لحظاته في حالة التكوّن وإعمال الإرادة، وكلّما أراده وقرّره فهو حقّ وله قيمة، ولا بدّ من اتّخاذه تكليفًا وواجبًا.

وذهب الوجوديّون الملحدون بعدم وجود أيّ شيء خارج إرادة الإنسان، ولكلّ شخص ماهيّته الخاصّة به، والإنسان يتمّ تعريفه بالاختيار والانتخاب، إنّ سلوكهم الفلسفيّ وطريقهم العقليّ يبتني على الفردانيّة الإفراطيّة، فالمجتمع يفرض آراءه على الإنسان ولذا يخلّ وجوده في المجتمع، وعليه لا يمكن استعواض أيّ شيء في مصدريّة الحقوق بدل إرادة الفرد.

منشأ الحقوق والتكاليف في الإسلام

لقد اتّضح ممّا مضى ومن خلال الآراء المطروحة، لزوم التأمّل في موضوع البحث هذا، إذ إنّ أغلب المباحث المذكورة تفقد الاستحكام الكافي، وعليه يلزم الدقّة المتناهية في معالجة الموضوع.

قد يقال في منشأ ظهور الحقّ إنّ للإنسان حقوقًا طبيعيّة، وقد يقال إنّ له حقوقًا فطريّة، قد يُسأل عن ماهيّة حقّ الإنسان، وتارة أخرى عن توقّع البشر من الحقّ، فهذه الأمور كلّها لازمة لكنّها غير كافية. ولأجل تبيين الموضوع يلزم اتّضاح حقيقة الإنسان وموقعيّته في هندسة الخلقة. وقد اتّضح الأمر نوعًا ما في الفصل السابق، ومع لحاظ ما مرّ، يلزم استذكار بعض النقاط، بأنّ منشأ الحقّ كمنشأ الحكم والقانون والتكليف يستند إلى مسألة الوحي والنبوّة؛ والسبب في ذلك:

1. لم يكن الإنسان موجودًا تتحدّد أبعاده بالولادة والموت فحسب: «وأنتم

(141)

بنو سبيل على سفر من دار ليست بداركم وقد أوذنتم منها بالارتحال»[1].

2. تبدأ حياة الإنسان الواقعيّة بعد الانتقال من هذه الدنيا، فحياته الدنيويّة والمادّيّة محدودة جدًّا: ﴿ وَمَا هَذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ[2]، ﴿وَإِنَّ ٱلْآخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلْقَرَار﴾[3]، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ ٱلْأُولَى[4].

3 . إنّ الإنسان لم يكن في عداد سائر الموجودات المادّيّة، بل يمتاز عن سائر الموجودات من جميع جهاته الوجوديّة، لذا يخاطبه الخالق بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً[5]، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ[6].

4. العناصر المحوريّة والوجوديّة للإنسان تتركّب من الجسم والروح، فالجسم من عالم الطبيعة والروح من العالم الإلهيّ، ولذا فبعض حقوقه طبيعيّة وتزوّده بالجوانب المادّيّة، وبعضها الآخر حقوق ما فوق طبيعيّة تتعلّق ببعده المعنويّ.

5. إنّ الله تعالى خلق نظام الوجود في اتّجاه تأمين أهداف خلقة الإنسان وسخّرها له: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْه[7]، ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلْأَرْضِ[8]، «ألا وإنّ الأرض التي

(142)

تقلكم والسماء التي تظلكم، مطيعتان لربّكم، وما أصبحتا تجودان لكم ببركتهما توجّعا لكم، ولا زلفة إليكم، ولا لخير ترجوانه منكم، ولكن أُمرتا بمنافعكم فأطاعتا، وأُقيمتا على حدود مصالحكم فقامتا»[1]. وقد ورد في الأحاديث القدسيّة أيضًا أنّه تعالى خلق جميع الأشياء للإنسان وخلق الإنسان لنفسه[2].

6. الغاية من خلق الإنسان وصوله إلى كمال الدنيا وفلاح العقبى، والعبوديّة هي الطريق الوحيد للوصول إلى الكمال والفلاح، يقول أمير البيان علي عليه‌السلام بأنّ الإنسان أُمهل في أيّام تواجده في الدنيا ليسلك الطريق الصحيح وإنّ رضى الله هو طريق النجاة الوحيد، وعليه لا بدّ من السعي نحو تحصيل النور الإلهيّ:

«عباد مخلوقون اقتدارًا، ومربوبون اقتسارًا، ومقبوضون احتضارًا، ومضمّنون أجداثًا... قد أُمهلوا في طلب المخرج، وهدوا سبيل المنهج، وعُمّروا مَهَل المستعتب، وكشفت عنهم سُدف الريب، وخُلّوا المضمار الجياد ورويّة الارتياد، وإناة المقتبس المرتاد، في مدّة الأجل ومضطرب المهل»[3].

7. إنّ تحصيل رضا الله سبحانه وإن كان كمال الإنسان الواقعيّ، ولكن هذا لا يعني ذمّ الدنيا والأرض والسماء، بل إنّ الدنيا في مرآة الإسلام مهد الكمال وسلّم الرقيّ ودار لتحصيل مراتب الإنسانيّة المتعالية، ومحلّ هبوط الملائكة، فالدنيا في الإسلام لم تكن مذمومة أوّلًا وبالذات، بل مذمومة ثانيًا وبالعرض، فالمذموم فيها حبّها والتعلّق بالمال والمقام الدنيويّ الداعي إلى نسيان الله والقيامة: ﴿وَفَرِحُوا بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ[4] فلا يوجد أيّ تنافٍ

(143)

بين الحياة الدنيويّة السليمة والسعادة الاخرويّة في التعاليم الإلهيّة: ﴿وَٱبْتَغِ فِيمَا آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا[1].

8. يقع نطاق العقل أرقى من الحسّ والتجربة من الوجهة المعرفيّة، ويمكن تحصيل كثير من المعارف عن طريقه، ولكن لا تنحصر جميع العلوم بالعقل؛ إذ إنّ بعض المعارف المتعالية تحصل عن طريق الوحي.

9. يعدّ العقل البرهانيّ - لا المشوب بالوهم والخيال - من أدلّة الشرع، أي كما ذُكر سابقًا إنّ إرادة الله وعلمه الأزليّ منشأ الدين وتكوين القوانين العقديّة والأخلاقيّة والفقهيّة والحقوقيّة، وانها تكتشف عن طريق العقل البرهانيّ والنقل، لذا لا بدّ أوّلًا من تحرير العقل من آفات الوهم والخيال، وثانيًا ينظر إلى الدليل النقليّ المعتبر بجنبه، كما أنّ الدليل النقليّ لا بدّ من صونه أوّلًا من الوهن والضعف والجعل والدسّ والتقيّة ونحوها، وثانيًا أن يلحظ البرهان العقليّ إلى جنبه؛ إذ لا العقل يكشف حقيقة الدين بمفرده، ولا النقل يكفي بمجرّده، نعم يكفي الدليل النقليّ المعتبر في موارد خاصّة، تكون في نطاق حرم الوحي الآمن حيث لا طريق للعقل إليها بتاتًا، ولا يتطرّق إليها أيّ حكم إيجابيّ أو سلبيّ.

مع لحاظ هذه المقدّمات، نصل إلى قاعدة لزوم تحديد الحقوق والتكاليف بحسب سعة الإنسان الوجوديّة، ولا يحيط بأبعاد الإنسان الوجوديّة أيّ أحد سوى صانعه، فالذي يحدّ حقوق الإنسان الواقعيّة، لا بدّ أن يكون محيطًا به وعالمًا بحوائجه، ولا بدّ أن ينشأ الحقّ من هذه الجهة، وإلّا لا يستطيع أيّ مبدأ آخر أن يكون منشأ واقعيًّا لأحكام الإنسان وحقوقه وذلك لنقصه الوجوديّ[2].

(144)

نعم، لا بدّ أن لا تختلط هذه الرؤية مع نظريّة (الأمر الإلهيّ) التي تُسند جميع الأمور إلى الله تعالى، وتعتقد بتعطيل العقل في حياة الإنسان؛ لأنّ هذه النظريّة مردودة عندنا، ومع لحاظ هذه الرؤية لا تكون أيّ إرادة وسلطة قادرة على إعطاء الحقوق الواقعيّة للإنسان سوى القدرة الإلهيّة المطلقة، مع الالتفات إلى أنّ نطاق العقل المعرفيّ محفوظ لهذه السلطة ولا يتطرّق إليه أدنى خلل.

وبناء على هذا، فإنّ المبادئ المشروحة للعقل، تحكم بكلّ سهولة على أنّ هذه السلطة بإمكانها تعيين الحقوق والتكاليف وآليّات الوصول إليها وتخاطبه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَى[1].

فالذات الإلهيّة المقدّسة هي التي تعيّن حقوق الإنسان الفطريّة والطبيعيّة، كما تعيّن حقوقه الفرديّة والاجتماعيّة، وكذلك موقعيّة حقوقه وآثارها ونتائجها، وهي التي تبيّن حقوقه الكاملة والجديرة به وكذلك حقوق سائر الموجودات، وتعرّف الحقوق الواقعيّة عن الكاذبة، وتكاليف الأشخاص في مواقعهم المختلفة بالنسبة إلى تلك الحقوق. إنّه لم يقصّر في كتاب التشريع الذي ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ[2] ولو ذرّة واحدة من حقوق كتاب التكوين الذي يعدّ مقام الإنسان الحقيقيّ، وبما أنّ الله سبحانه حقّ محض، فذاته المتعالية منشأ جميع الحقوق.

يقول الله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ[3] ومن طرائف هذه الآية تقييدها لكلمة الحقّ بــ (مِن) الابتدائيّة، بمعنى أنّ الله سبحانه مبدأ الحقّ ومنشأه لا أنّ الحقّ قرين معه ومصاحب له، فهو الحقّ بالأصالة وهو مبدأ تدفّق جميع الحقوق، فالقرب منه قرب للحقّ والبعد عنه بُعدٌ عن الحقّ، ولا يوجد أصدق من طريق

(145)

الله - الذي بيّنه الانبياء عن طريق الوحي - لإحياء الحقّ والوصول إليه في الحياة الفرديّة والاجتماعيّة.

ولا يخفى على أيّ عاقل وجود حقوق طبيعيّة للإنسان وحتّى الحيوانات، ولكنّ الكلام في طريق تحصيل هذه الحقوق الفطريّة والطبيعيّة، هل مجرّد الرغبة الطبيعيّة والفطريّة توجب تحصيل حقوقه، أو أنّ الذي وهبه هذه الحقوق لا بدّ أن يعلّمه طريق تحصيلها؟ وعلى ضوء الإجابة على هذه الأسئلة تحوز المدارس الوحيانيّة موقعيّتها ومعناها الواقعيّ، وتظهر نواقص القوانين البشريّة.

الدين سبيل لتأمين الحقوق

يقع الكلام في تحصيل الحقّ، فهل يمكن تحصيل الحق أم أنّه يتحقّق صدفة؟ كلّ حقّ يزوّد ذي الحقّ بالمنافع والفوائد، فهل مجرّد استحقاق الفرد أو المجتمع للحقّ الفلانيّ يكفي للاستفادة منه أو يحتاج استيفاءه إلى جهد وسعي؟ إذ هناك فرق بين كون الإنسان ذي حقّ وبين تحقّق فوائد تلك الحقوق، إنّ إثبات الحقّ من لوازم استحقاقه لكنّه غير كاف في الاستفادة منه، إذ لا بدّ من تحصيل الحقّ ولا بدّ من السعي لأجله مع أنّ لاستيفاء أيّ حقّ طريق خاصّ. إنّ طريق استحصال الحقّ وفعليّة فوائده وتحقّقها، هو ما يطلق عليه بالوظائف والتكاليف، فإذا كان لا بدّ من استحصال الحقّ، فالتكاليف أفضل طريق له، وهنا تحوز القوانين والبرامج معناها وتفسّر على ضوئه الواجبات والمحرّمات في الدين.

تعدّ الواجبات طرق تأمين الحقوق، كما أنّ المحرمات تحكي عن الموانع والآفات، فالحقوق من دون تكاليف تكون مجرّد ادّعاء وتنظير ولا مصداق لها. وتوجد طرق لتأمين الحقوق لا بدّ من التعرّف عليها، ولا بدّ من الاجتناب عن بعض الأمور كي لا تضرّ بحقوق الإنسان، ولا بدّ من الإتيان بأمور كي تتحقّق تلك الحقوق ويستفيد الإنسان المستحقّ منها.

(146)

ويتّضح بهذا البيان الترابط بين التكوين والتشريع، وكيفيّة التعامل بينهما، إنّ منشأ الحقّ من سنخ التكوين والوجود والعدم، والتكيلف من سنخ التشريع والأمر والنهي، كما أنّ الحقّ نفسه يكون من قبيل التشريع والأمر والنهي، ومنشأ التكليف من سنخ التكوين والوجود والعدم. فكيفيّة الترابط بينهما ونوعيّة التعامل بينهما تعدّ من المسائل المهمّة في مباحث الحقوق. وعليه، فالتشريع قانون ازدهار التكوين ولأجل ازدهار التكوين ونموّه وتفعيل القابليّات المستترة التي تعدّ حقًّا بأجمعها، نحتاج إلى برنامج وقانون يحتوي على الأوامر والنواهي ويبيّن عن طريق التشريع.

فالدين مجموعة من القوانين المدوّنة التي تسبّب تأمين حقوق الإنسان الفرديّة والاجتماعيّة، وإن كان الدين مجموعة من التكاليف والأوامر والنواهي، غير أنّ هذه الأوامر والنواهي هي الطريق الوحيد لتوفير حقوق الفرد والمجتمع، فلا معنى حينئذٍ لعدّ التكليف ثقلًا زائدًا على الإنسان فرضه عليه شخص ليصل إلى منافعه الخاصّة.

التكليف ضمان الحقّ

قلنا إنّ الحقوق من دون وجود تكاليف لا مصداق لها وأمر غير مستساغ، وخالق الدين هو خالق الإنسان أيضًا، وخالق الإنسان عالم بحقيقته ومصالحه ومنافعه، لذا ولأجل تفعيل الحقوق في مسير إحياء منافع الإنسان ومصالحه، وضع تعاليم وتكاليف ودوّنها في مجموعة باسم الدين لينال الإنسان حقوقه.

فجميع الأوامر والنواهي والحلال والحرام في الشرع المعبّر عنها بالتكاليف الدينيّة، جاءت لإحقاق حقوق الإنسان؛ لأنّ خالق نظام الوجود يعلم بعلمه المطلق ما هو سبب قوام الإنسان وسعادته، وما هو باعث على استمرار مصالحه

(147)

الجسديّة ليجعلها حلالًا، وأيّ العوامل تسبّب ضرره الروحيّ والجسديّ ليجعلها حرامًا.

فإذا كان الأمن والحرّيّة والصحّة الجسديّة والحياة الشريفة والرفاه المادّيّ النسبيّ من حقّ الإنسان، لا بدّ من التعرّف على منشأه وعوامله وإلزام الإنسان بها، كما يلزم التعرّف على الموانع ونهي الناس عنها، وهذا الأمر يتعلّق بحقوق الإنسان المادّيّة.

والكلام نفسه يجري في الحقوق المعنويّة أيضًا، فإذا كان ارتقاء الروح إلى حقيقة الإنسانيّة، وصعودها إلى المقامات العرفانيّة، وتكامل الإنسان إلى مقام الخلافة الإلهيّة من حقّ الإنسان، فينبغي التعرّف على العوامل والموانع أيضًا. فالأوامر والنواهي (الواجبات والمحرّمات) وتكاليف الدين، تتعهّد بيان الحكم، أي تهدينا الأوامر إلى العوامل النافعة، وكما تدوّن النواهي لبيان الموانع الضارّة، وهكذا يمكن للإنسان استيفاء حقوقه، فالتكاليف الدينيّة بهذا المعنى تضمن حقوق الإنسان الواقعيّة، ولم تكن ثقلًا زائدًا مفروضًا من شخص ثالث بحيث تكون الكلفة عليه والمنفعة للغير.

رؤية صدر المتألّهين

لقد أنكر بعضُ الفرق الكلاميّة - كالأشاعرة - التكليف، وذكروا شبهة تقول: لماذا تكون مخالفة العبد للتكاليف الإلهيّة سببًا للعذاب ومنشأ للعقاب مع أنّ الله لا يحتاج طاعة العبد؟ وذهب بعض أهل زماننا إلى القول بأنّه ما الحاجة إلى الدين والتديّن، مع أنّ الدين مظهر للعبوديّة، ولكن بعض المدارس الجديدة كالهيومانيّة أصبحت مظهرًا للحرّيّة؟

يقول صدر المتألّهين ضمن بيان الغرض من التكليف وأداء الأفعال (الواجبات والمحرّمات):

(148)

«إنّ تكليف الله عباده يجري مجرى تكليف الطبيب، فإذا غلب عليه الحرارة أمره بشرب المبرّدات، وهو غنيّ من شربه لا يضرّه مخالفته ولا ينفعه موافقته... ولكن النفع والضرر يرجعان إلى المريض ويلزمان لأفعاله، وإنّما الطبيب مرشد فقط... فكما أنّ الله خلق للشقاء سببًا مفضيًا إليه، فكذلك للسعادة الاخرويّة سببًا وهو الطاعة»[1].

الحرام في الدين يعني كفّ النفس عن المعصية والذنوب، ويمكن تطهير النفس من الرذائل الأخلاقيّة وتهذيبها بالسعي والمجاهدة، كما أنّ اجتناب الفضائل واكتساب الرذائل في الدنيا، يوجب العذاب والهلاك للنفس في الآخرة، كالأخلاط واختلال المزاج الموجب للأمراض الجسديّة في الدنيا. وعليه، فإنّ الاثر الطبيعيّ لترك التكليف إنّما هو العقاب والعذاب، كما هو الحال في الأثر الطبيعيّ والوضعيّ لشرب السمّ الموجب للهلاك.

وقد جاء الأنبياء ليبلّغوا الناس هذه الرسالة، ويرشدوهم طريق الفلاح بواسطة التكاليف الدينيّة، ومن أبى قبول تعاليمهم وإرشادهم سيبتلي بآثار أعماله، يقول علي عليه‌السلام :

«سبحانك خالقًا ومعبودًا بحسن بلائك عند خلقك، خلقت دارًا وجعلت فيها مأدبة، مشربًا ومطعمًا وأزواجًا وخدمًا وقصورًا وأنهارًا وزروعًا وثمارًا، ثمّ أرسلت داعيًا يدعو إليها، فلا الداعي أجابوا ولا فيما رغّبت رغبوا، ولا إلى ما شوّقت إليه اشتاقوا، أقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها واصطلحوا على حبّها»[2].

(149)

حكمة التكليف الوجوديّة

هناك من يطرح شبهة أنّ الإنسان لم يُخلق باختياره، ولم تبدأ حياته بإرادته، ومنطقيًّا لا وجه لتكليفه، فلماذا نُكلّف بعقائد وأعمال نعذّب على تركها؟ فنحن لم نرد الدخول في حلبة الوجود كي نُكلّف بتكاليف، وبعد ان خُلقنا مجبرين نريد أن نكون أحرارًا ولم نُكلّف بأيّ تكليف.

هذه الشبهة تنقسم إلى قسمين:

القسم الأوّل: إنّ الإنسان لم يُخلق باختياره بل خلق مجبرًا ومكرهًا، ولم يستأذن أحد منه في خلقته بل خلقه الخالق بقدرته، وظاهر الأمر هكذا أيضًا، كما يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام : «عباد مخلوقون اقتدارًا ومربوبون اقتسارًا»[1].

ولكن الواقع أنّ الله سبحانه بكرمه وسخائه منح أعلى مراتب الوجود المناسبة لحفنة من التراب وقطرة من الماء، وأوصله بالمجاهدة والسير الجوهريّ والتحوّل الباطنيّ إلى مقام الإنسانيّة الرفيع، ومنحه قابليّة الكمال والجمال والجلال، وعرض هذا الكأس في غطاء من نظام العلّيّة والمعلوليّة. وشرح هذه العمليّة إجمالًا: إنّ جميع المخلوقات والإنسان أيضًا خلقوا طبقًا لأصل السنّة الإلهيّة ضمن نظام العلّيّة والمعلوليّة، وعندما تكتمل سلسلة العلل لخلق موجود سيصدر لا محالة، وصدوره هذا يلازم اكتمال العلل.

فالفاعل يتمكّن من إرادة إيجاد المعلول وله القدرة على عدم خلقه، فالإنسان يتمكّن بإرادته واختياره وعدم تهيئة المناخ اللازم في اكتمال العلّة لخلق ابنه، ولكن عندما تكتمل العلّة لا معنى لإذن المعلول؛ أي الابن، إذ المعلول المعدوم لا معنى لاختياره ولا إجباره؛ لأنّ الإرادة والاختيار والجبر والتفويض تتحقّق للموجود

(150)

لا المعدوم. ولعدم فهم هذا الأمر بشكل جيّد قال شاعر العرب أبو العلاء المعري برؤيته السلبيّة:

                  هذا ما جناه أبي عليّ                   وما جنيت على أحد

إنّ نظام الوجود يبتني على أُسس لا يتطرّق إليها أيّ ضعف وفتور، ومن هذه الأسس استحالة تخلّف المعلول عن العلّة، وهو أصل عقليّ ثابت وإنكاره يعني إنكار حكم العقل، فمن ذكر هذه الشبهة قد أنكر في الواقع قانون العلّيّة.

القسم الثاني: السؤال عن سبب تكليف الإنسان بالتكاليف الإلهيّة، ومنشأ هذا السؤال يرجع إلى حكمة التكليف المستتر في أنطولوجيا الإنسان وقد مرّت الإشارة إليه، وهو أنّ سبب تكليف الإنسان إنّما هو لأجل تبيين موقعيّته وتكريم مقامه الإنسانيّ، فالإنسان عند قبول الأمانة الإلهيّة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ[1] واحتوائه على أعلى مراتب المقامات العلميّة وتعرّفه على أسماء الله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا[2] حاز مقامًا أرقى، واختصّ بمرتبة الخلافة الإلهيّة في الأرض.

فقبول المسؤوليّة والتكاليف من لوازم الاحتفاظ بهذه الموقعيّة، فالعقل والمنطق يحكمان بإمكانيّة وجود أيّ ميزة في ظلّ قبول التكاليف والوظائف، وبمقدار هذا الامتياز للشخص سيُطالب بالمسؤوليّة. وبعبارة أُخرى: إنّ التكليف يُفسّر على ضوء الامتياز والموقعيّة، ويصون هويّة الإنسان ويحفظها، ولأجل هذا لم تكلّف الحيوانات وسائر الموجودات الأخرى بالتكاليف الملقاة على عاتق الإنسان؛ لأنّ الإنسان يريد أن تكون له حياة إنسانيّة يعيش على ضوئها، وميله الفطريّ لم يقتصر على الحياة الطيّبة والمثاليّة فحسب، بل لحيازة نموذج [أكمل] من الحياة الإنسانيّة، فالتكليف لا بدّ منه لحياة هكذا إنسان.

(151)

وفي مقام التصوّر نفترض إنسانًا لم يتقيّد بالمباني العقديّة والمسائل الأخلاقيّة والأحكام العمليّة، فأيّ شخصيّة يمكن تصوّرها لهكذا إنسان وأيّ هويّة تُلاحظ له؟ ألا يبقى غير التلقّي والتصوّر الذي قدّمه بعض مفكّري الغرب من أنّه ذئب أو حيوان سياسيّ أو قرد عار؟

ويظهر أنّ الإنسان لو افتُرض من دون المباني العقديّة التوحيديّة ومن دون تحمّل المسؤوليّة أمام المسائل الأخلاقيّة ومن دون تعهّد للأحكام العمليّة، لم تكن له مرتبة سوى ما قيل أو أدنى منها، كما ورد في القرآن عبائر من قبيل الظالم والجاهل والباغي والحريص والعجول والعاصي[1]. فمخاطب هذه الأوصاف هو الإنسان العاري من التكليف أي الإنسان المتنحّي عن تحمّل المسؤوليّة، وعليه فإنّ حكمة التكليف مقرونة مع العزّة الإنسانيّة، كما أنّ إنسانيّة الإنسان مرهونة بالتكليف.

فثبوت التكليف مع العمل به، يساوي صعود الإنسان إلى المراتب المتعالية، وسقوط التكليف أو عدم العمل به يعني هبوطه عن مدارج الإنسانيّة المتعالية، إذ الإنسان بحاجة إلى موجود أغنى منه لرفع نواقصه وفقره: ﴿يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنْتُمُ ٱلْفُقَرَاءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ[2] إنّ ظاهرة الفقر لا ترتفع إلّا بأداء التكليف من قبل الفقير أمام الغنيّ المطلق، يقول صدر المتألّهين في جواب منكري التكليف:

«وما عرفوا حكمة الإيجاد وترتيب النظام، وجهلوا علم التكليف، فكيف أجابوا عمّن سألهم مَن المكلّف الذي قيل له افعل أو لا تفعل؟ وبمن تعلّق الأمر

(152)

والنهي؟، وإلى من توجّهت الشريعة النبويّة. فكانت الشريعة كلّها هباء وعبثًا، وغاية السعي والطاعة ضائعًا وهذرًا»[1].

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال:

«إنّ الناس في القدر على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أنّ الله عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد ظلم الله في حكمه فهو كافر، ورجل يزعم أنّ الأمر مفوّض إليهم، فهذا قد أوهن الله في سلطانه فهو كافر، ورجل يزعم أنّ الله كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلّفهم ما لا يطيقون، وإذا أحسن حَمِد الله وإذا أساء استغفر الله، فهذا مسلم بالغ»[2].

ويمكن تلخيص ما مرّ ضمن نقاط:

1. إنّ روح أيّ تكليف تشريف لا تحميل.

2. ستبطن أيّ تكليف الحقّ في داخله، كتكليف الطفل بالتعلّم، والمريض بالحمية؛ لأنّ التعلّم حق أيّ طفل، والسلامة حقّ قطعيّ لأيّ مريض.

3. إنّ النداء الخارج من فطرة أيّ إنسان، وكذلك الصوت المسموع من هويّة أيّ إنسان، إنّما هو الاستغاثة بالتكاليف الإلهيّة، وما يخرج من منصّة الشهوات ومذياع الغضب وإعلام النفس الأمّارة المخالفة للإنسانيّة، إنّما هو نفير الشيطان الزاعم إطلاق الإنسان، والموهن لمقامه بمقايسته مع البهائم والحاط لقدره وحرمته. وعليه، يجب على كلّ إنسان حاذق التمييز بين نداء الصديق عن صفير العدوّ، ومعرفة تسبيح طائر الحقّ عن خوار عجل السامريّ.

وبهذا، ستنجلي له حكمة التكليف الوجوديّة التي تعدّ غاية خلقة الإنسان الأساسيّة، ويعلم أنّ الإنسان مرآة صافية لقدرة الله ومخزن محبّة الله، كما أنّ ذلك

(153)

العارف سأل الله عند المناجاة وقال: إلهي ما الحكمة من خلقي؟ فجاء النداء: الحكمة من خلقك رؤيتي في مرآة روحك ومحبّتي في قلبك[1].

الدين منشأ الحقّ والتكليف

لقد اتّضح - لحدّ الآن - بالتحليل العقليّ رجوع جميع التكاليف إلى الحقوق، وبما أنّ الإنسان ذو حقوق كُلّف لاستيفائها بتكاليف، والآن لا بدّ من بيان منشأ الحقوق والتكاليف، وإنّ أيّ مبدء يحقّ له رسم حقوق الإنسان أو تكليفه بتكاليف؟

وقبل الإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من اتّضاح أنّ الحقوق التكوينيّة لأيّ موجود ومنه الإنسان، لم تكن اعتباريّة ووضعيّة، بل حقائق عينيّة مترابطة. فالإنسان يحوز حقوقًا بحيثيّته، وحقوقه هذه تطابق وجوده، والعبد الانطولوجي هو المرجع في تعيين الحقّ لأيّ موجود. وقد أشرنا سابقًا إلى لزوم معرفة أضلاع الإنسان الثلاثة، والوقوف على حقيقته وموقعيّته في نظام الخلقة وكيفيّة تعامله مع نظام الوجود. والأمر المهمّ أنّ التعرّف على الحقّ الواقعيّ، يستلزم المعرفة الكاملة والاطّلاع الدقيق على هذه الأضلاع الثلاثة.

إذ من دون معرفة هذه الأبعاد معرفة صحيحة وتامّة لا يمكن رسم حقوق الإنسان، فالمعرفة وعدمها في هذا الباب يمكن تصوّرها على ثلاثة أنحاء: المعرفة التامّة، المعرفة الناقصة وعدم المعرفة.

وقد أذعن جميع المفكّرين على أنّ تدوين حقوق الإنسان مع لحاظ عدم معرفة حقيقة الإنسان ومكانته في نظام الوجود، يؤول إلى تدوين منشور ظالم لا منشور حقّ، وكذلك الحال فيما لو كانت المعرفة ناقصة، أي أنّ تدوين أيّ حقّ للإنسان بالابتناء على المعرفة الناقصة، لا ينتج نسبيًّا سوى المنشور الظالم للإنسان.

(154)

ولا ينبغي الزعم بأنّ المعرفة الناقصة من حيث اشتمالها على قسم من معرفة الإنسان، تكون كاملة في ذلك القسم؛ لأنّه وإن أمكن التعرّف على بعض حقوقه البدائيّة، إلا أنّ معرفة الإنسان الحقيقيّة مع لحاظ أبعاده الثلاثة تكون كالوعاء الزجاجيّ الذي لو انثلم طرف منه لا يمكن الاستفادة من سائر أطرافه. فحقيقة الإنسان تصحّ مع لحاظ تلك الأضلاع الثلاثة جنبًا إلى جنب، ومع نكرانها أو عدم الالتفات الى بعضها تتعطّل كلّ المجموعة، وعليه لا يمكن الحصول على حقوق الإنسان الواقعيّة إلّا عند معرفته التامّة والكاملة.

والآن، فمن أين يعثر الإنسان على هذه المعرفة الكاملة. ومن الذي يمتاز بهذه المعرفة؟ وما هو مصدر معرفة الإنسان ومنشأ الوجود؟ وهذا الامر كلام منطقي وقول صائب. والقول بان كل معرفة لابد وان تؤخذ من مصادرها يعد من اكثر الأقوال اطمئنانا في مسألة المعرفة ولعدم وجود أيّ واسطة للمعرفة ستكون حينئذٍ في غاية النقاء والوضوح. وعليه، فلا المعرفة الناقصة تفيد ولا المعرفة الكاملة بوسائط، بل لا بدّ أن تكون المعرفة من دون واسطة ونقيّة، وهكذا معرفة لا تتواجد إلّا في ساحة الربوبيّة، وهي الأمر المفقود عند البشريّة.

يلزم البحث عن المعرفة التامّة في محضر خالق الإنسان الموصوف بالكمال المطلق، اذ بضاعة غير الغنيّ المطلق مزجاة، فمن تكون بضاعته قليلة في معرفة الإنسان والوجود وكيفيّة تعامل الإنسان مع الكون، لا بدّ أن يستعين بمكان آخر، وإذا تقرّر استقاء الوسائط معارفها من المصدر الأصليّ، فمن الأجدر رجوع الجميع إلى مصادر المعرفة الأصيلة.

الهادي بالذات والهادي بالعرض

عندما نراجع النصوص الدينيّة (القرآن والسنّة) بخصوص مسألة الهداية

(155)

والقيادة، نحصل على منهجيّة منطقيّة في غاية الروعة، فالقرآن يرى أنّ الهادي الحقيقيّ هو الهادي بالذات لا بالعرض، فإذا افترضنا موجدَين عالمين عاقلين عادلين، يدعوان الناس والمجتمع إلى الحقّ، ولكن يدعو أحدهما بالذات والآخر بالعرض، فالهادي بالذات أحقّ بالاتباع من الهادي بالعرض: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى[1]. فالتقابل في هذه الآية لم يكن بين (يهدي) و(لا يهدي) لأنّ من الواضح التقدّم التعيّنيّ لمن يهدي إلى الحقّ على من لا يهدي إلى الحقّ، بل التقابل هنا بين مبدأين يهديان إلى الحقّ، ولكن أحدهما بالذات ﴿يَهْدِي إِلَى ٱلْحَقّ والآخر بالعرض ﴿لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى.

وطبقًا لما جاء في التفاسير، فإنّ هذه الآية نزلت لإبطال مدّعى من يقول بألوهيّة الملائكة وبعض الأنبياء؛ لأنّ الملائكة والأنبياء وإن كانوا هداة إلى الحقّ، لكنّهم غير مستقلّين في الهداية ولا أُصلاء، لأنّهم طالما لم يهتدوا ولم يكونوا مهتدين لن يصبحوا هداة، وعليه فالعقل يحكم بلزوم متابعة من يكون مصدر الهداية، وعندما يكون الملائكة والأنبياء هداة بالعرض، يتّضح حال غيرهم.

وهكذا الأمر في مسألة المعرفة؛ أي لا بدّ من الاعتماد على من يكون مصدرًا أصيلًا للمعرفة، ولا يكون ذلك سوى الله الذي هو علم محض. وبناء على هذا يتّضح أنّ الأشخاص العاديّين الذي لا يملكون معرفة صحيحة عن الإنسان، كما ان الأنبياء ايضا من حيث بشريّتهم لا يملكون معرفة بالأصالة عن الإنسان، فيتّضح من هنا من الذي يحقّ له رسم حقوق الإنسان وتكاليفه. إنّ الذي يحقّ له تولّي تعيين الحقوق وتدوين القوانين وحقوق الإنسان، هو خالق الإنسان والعالم التامّ بجميع الوجود، والحكيم المطلق، والعادل المحض. ومع لحاظ ما

(156)

ذُكر يمكن القول بأنّ هكذا مصدر يتمكّن من وضع الحقوق الواقعيّة للإنسان، ولا يرقى أيّ مصدر آخر لذلك؛ لأنّه يفقد العناصر المقوّمة لوضع الحقّ، وكلّ ما يفعله لا ينتج سوى الظلم للبشريّة.

المبدأ الفاعليّ للحقّ

بناء على ما مرّ، يلزم انحصار حقّ وضع حقوق الإنسان بيد الله تعالى؛ لأنّه الوجود الوحيد العالم بحقوق الإنسان الواقعيّة. وترك هكذا أمر لأيّ مصدر آخر غير الله - حتّى الإنسان نفسه - لا ينتج سوى الظلم وزوال الحقّ. فإيكال وضع الحقوق إلى الله الذي هو حقّ محض ومالك جميع الحقوق، يكون عين العدل وحافظًا لحقوق الإنسان [مع العلم] بأنّ مجرّد استحقاق الإنسان للحقوق - المعلومة بالإجمال والمجهولة بالتفصيل - لا يصحّح إيكال وضع الحقوق إليه. فإذا كان الإنسان المبدأ الفاعليّ لوضع الحقوق، وكانت الحقوق المصطنعة من قبله ظلمًا للإنسان، فهل تسمّى هذه الحقوق حقًّا واقعيًّا؟

إذا كان الله قد خلق البشر، وأدخله نشأة الطبيعة بنظامه الخاصّ، ثمّ نقله بنظام ونسق خاصّ آخر إلى العالم الآخر، ثمّ دعاه ببرامج خاصّة إلى محكمة العدل وحاكمه، وإنّ ذاته المقدّسة هي العالمة بجميع جوانب نظام الوجود وأمور الإنسان، فلماذا لا يمكن القول بأنّ من حق البشرية ان يضع الله لها الحقوق؟ وإذا لم يضع الله حقوقه ولم يرسل الأنبياء لتبليغها، ألا يحقّ للإنسان الاعتراض والقول بأنّنا يا ربّ لا نعلم بأسرار العالم ولم يكن ذلك باستطاعتنا، فلماذا لم تهدنا ولم تبلّغنا حقوقنا الواقعيّة؟ من هنا نستنتج بوضوح بأنّ وضع وإبلاغ الحقوق من قبل الله تعدّ من حقوق الإنسان المسلّمة، وهذه هي فلسفة الرسالة التي أشار إليها كثير من الحكماء الإلهيّين.

(157)

المستحقّ والمحقّق للحقّ

قد اتّضح ممّا ذُكر الفرق بين الإنسان كصاحب الحقّ والله كمبدأ فاعليّ للحقّ، فأحدهما مستحقّ للحقوق والآخر مُحقّق لها، ولا توجد أيّ ملازمة بين المبدأ الفاعليّ للحقّ وبين مستحقّ الحقوق. ويمكن أن يكون شخص صاحبًا للحقّ ولم يكن واضعًا له، فالقول بأنّ الله واضع الحقوق لا يعني نفي حقوق الإنسان، وكون الإنسان صاحبًا للحقّ لا يعني كونه المبدأ الفاعليّ للحقّ أيضًا. وكون الإنسان صاحبًا للحقّ يعني أنّه مستحقّ لتلقّي القوانين الحقوقيّة لا واضع للحقّ، ومن حقوقه المسلّمة أن يتولّى الله وضع حقوقه الواقعيّة وإبلاغها.

لقد خُلق الإنسان بحصيلة معرفيّة مزجاة: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[1]، لكن له تعامل واسع مع نفسه ومع المنظومة الكونيّة، وعليه فإنّ إحساسه وتجاربه البشريّة من جهة، والبراهين التجريديّة من جهة ثانية، لا تزدهر ولا تلبّي حوائجه الغيبيّة والشهوديّة إذا لم تكن عن طريق الوحي الإلهيّ، ومن جهة أُخرى لا يتيسّر للإنسان الشهود العرفانيّ والكشف التامّ من دون الهداية الوحيانيّة والإفاضة الربوبيّة والإشراف الغيبيّ، لذا ينحصر همّه العلميّ في التجربة وبعض البراهين العقليّة.

إنّ الوصول إلى جميع حوائج الإنسان من جهة، والوقوف على جميع عوامل رفع الحاجة من جهة ثانية لم تكن باستطاعة الإنسان ببضاعته المزجاة هذه. إذ إنّ جميع قوانين الحقوق الاعتباريّة، تعدّ كالقوانين العينيّة لحقائق الموجودات الممكنة، من حيث اختتامها من دون واسطة أو مع الواسطة إلى الله الواجب الأزليّ الأبديّ. والحاصل: إنّ وضع حقوق الإنسان وتدوين القوانين الحقوقيّة،

(158)

لا تصحّ إلّا إذا كانت من قبل الله سبحانه، والكاشف لها يكون تارة النقل المعتبر المستند إلى الوحي الإلهيّ، وتارة أخرى العقل البرهانيّ.

حكمة طاعة اللَّه عند ابن سينا

لا شكّ في أنّ الإنسان لا يتمكّن من رفع حوائجه الفرديّة والاجتماعيّة عن طريق التعقّل المحض، إذ إنّ قدرته ناقصة.

ولقد أولى ابن سينا - من أكبر حكماء الإسلام - اهتمامًا خاصًّا بالجوانب الاجتماعيّة والسياسيّة لهذه المسألة، إنّه يشير إلى أمر قد ابتلى العالم المعاصر بها، وهو الظلم الناتج عن القوانين البشريّة الناقصة وأصحابها الظلمة إلى الإنسان المظلوم، لذا ذكر حلًا لاستخلاص البشر من ظلم الظلمة يستطيع الإنسان عند العمل به نيل حقوقه، إنّه يعتقد بأنّ الإنسان بسبب شاكلته الوجوديّة لا يستطيع الحياة بشكل مستقلّ ومنفرد، وإذا لم يتشارك معه غيره تتعسّر عليه الحياة بل تتعذّر، إذ لا يتمكّن أيّ شخص من رفع جميع حوائجه بمفرده، لذا حدثت بين أفراد المجتمع روابط وأخذ وعطاء، والعدالة تقتضي هذه الروابط. ولحفظ العدالة لا بدّ من وجود شريعة ويجب أن يُطاع الشارع، وأن تكون له علائم وخصائص كي يُعلم أنّه من قبل الله، وينبغي وجود الثواب والعقاب للمطيع والعاصي، فيجب إذن معرفة الشارع والمعاقب، ولا بدّ أن تحتوي المعرفة على عامل يحفظها ويمنع من نسيانها، لذا وجبت الطاعات والتكاليف المذكّرة للمعبود، ولزم تكرار العبادات للحفاظ على ذكر الله[1].

وقد أُورد على هذه النظريّة إشكالان، أجاب ابن سينا عن أحدهما:

الإشكال الأوّل: ما الحاجة إلى الشريعة للحفاظ على العدالة؟ في حين أنّ

(159)

الإنسان يتمكّن بعقله من المحافظة عليها ومعرفتها؟ والجواب: إنّ العقل يعدّ في الواقع جزءًا من أدلّة الشريعة، والعقل والنقل نوران إلهيّان يتعاضدان ويكشفان حكم الله، ولكن بما أنّ العقل يتعرّض في الأغلب لأوامر هوى النفس وتتكفّل النفس الأمّارة إمارته: «كم من عقل أسير تحت هوى أمير»[1] ويسعى ليفسّر العدل والحرّيّة وسائر الأصول الحقوقيّة طبقًا لمنافعه، أو بما أنّ العقل قد يختلط في موارد بالباطل، لذا لا تكفي عقول البشر في أصل تشخيص العدالة والمحافظة عليها.

الإشكال الثاني: لماذا وجب على الناس تكرار التكاليف واستمرار العبادات؟ والجواب: إنّ دليله التداوم على ذكر الله وبالمآل الدعوة إلى العدالة والقسط المقوّمَيْن للحياة البشريّة، وقد أشير في القرآن إليهما: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ ٱعْبُدُوا ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلـٰهٍ غَيْرُهُ[2]، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ[3].

فالملتزمون بتكاليف الله والمرابطون عليها، ينالون مضافًا إلى الفوائد الدنيويّة الأجر الأخرويّ، وبناء على هذا توجد حِكَم كثيرة في طاعة الأوامر الإلهيّة لا تخفى على أيّ ذي مسكة.

هل قبول الدين ورفضه حقّ أم تكليف؟

من المباحث المهمّة في الدين وحقوق الإنسان، هي إنّ النسبة بين الدين والإنسان نسبة تكليفيّة أم حقوقيّة؟ بمعنى أنّ الإنسان هل مكلّف بقبول الدين أو محقّ، وهل مختار في قبول الدين ورفضه؟

(160)

قد أشرنا في المباحث السابقة أوّلًا إلى رجوع جميع التكاليف الدينيّة إلى حقوق الإنسان، لذا فإنّ الدين أفضل عامل لتأمين حقوق الإنسان، وثانيًا إنّ الله سبحانه هو المبدأ الفاعليّ لحقوق الإنسان والدين ومبلّغه. وهذه المباحث تتعلّق بماهيّة محتوى الدين، والكلام هنا السؤال عن أصل قبول الدين، هل يكون حقًّا أو تكليفًا؟ وهل الإنسان مختار في قبول الدين أو مكلّف؟

قد يزعم البعض بالاستناد إلى قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ[1] ونحوها أنّ قبول الدين من حقّ الإنسان ولم يكن حكمًا أو تكليفًا، ويقول في تعريف الحقّ أيضًا: ما يكون الإنسان حرًّا في قبوله أو رفضه، فعندما ينفي الله الإكراه في الدين، فهذا يعني أنّ قبول الدين جزء من الحقّ دون التكليف، وكلّ ذي حقّ حرّ ومختار في إهمال حقّه ولم يكن مقيّدًا أو مكلّفًا.

وجواب هذا الإشكال والوهم: إنّ الحكم على قسمين: تكوينيّ وتشريعيّ، وقد بيّن القرآن الكريم أنّ عمليّة تكوين الإنسان المتكفّلة لبنية خلقته تبتني على الحرّيّة، ومن هذه الوجهة فالإنسان موجود حرّ، حتّى بين التوحيد والإلحاد فضلًا عن الطاعة والعصيان، فخلقة الإنسان والقوانين التكوينيّة الحاكمة عليه تسمح له أن يكون ملحدًا أو موحّدًا، فالعمل خلافًا لهذه الحرّيّة التكوينيّة لم يكن مذمومًا بل محالٌ. لأنّ الإنسان إذا لم يرد شيئًا تكوينًا فمن المحال إجباره عليه أي الجبر محال وليس قبيحًا، ممتنع وليس ممنوعًا ومستحيلًا، فالإنسان مجبور على هذه الخلقة التكوينيّة، أي مجبور على أن يكون حرًّا، ولا يمكن إزالة أصل الحرّيّة المودعة في هويّته الإنسانيّة، لا من قبله ولا من قبل جهة أخرى، وعليه فلا معنى للإكراه في الأمور التكوينيّة.

(161)

مصدر فعل الإنسان

إنّ الجبر والاختيار، الحرّيّة والإجبار، الإرادة والإكراه ونحوها انما ترجع إلى مصدريّة فعل الإنسان لا الى كونه موردًا للفعل، بيان ذلك:

إذا تمّ إخراج شخص بالإجبار من مكان أو نقله إلى مكان فهو حينئذٍ يقع موردًا للفعل لا مصدرًا للفعل، فانه حينئذ لم يكن فاعلًا للفعل إطلاقًا كي يبحث أنّه فاعل بالجبر أو الاختيار؛ لأنّه بناء على خلقته التكوينيّة حرّ تكوينًا، يقبل ما يريد ولا يمكن إجباره على شيء يخالف إرادته.

وبعبارة أخرى: عندما يكون الإنسان موردًا للفعل، فحينئذٍ يخرج الأمر عن موضوع البحث ولا يدخل هذا القسم في حدود بحثنا، ولكن عندما يكون الإنسان (مصدر الفعل) أي إذا أراد فعل شيء يفكّر في البداية ثمّ يريد ويعزم ثمّ يفعل، فهو حينئذٍ حرّ في العمل، أي يمكنه - عطفًا على هذه المبادئ - فعل شيء أو تركه، ولذا يقول الله: ﴿وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ[1]، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا[2] وهنا يأتي دور قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ أي إنّ الدين غير قابل للإكراه ولا يعني لا تكرهوا الإنسان؛ لأنّه حرّ تكوينًا ولا يمكن إجبار الموجود الحرّ.

إنّ قلب الإنسان - وهو محور الفكر والعزم - لم يكن تحت سلطة أيّ أحد ليتمكّن من أمره بتكليفٍ أو إجباره على شيء، فعقيدة كلّ شخص تحت اختياره وبيده، وصاحب العقيدة هو الذي يتمكّن من الاعتقاد بشيء أو عدم الاعتقاد به، وبعبارة أخرى: جملة ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ناظرة إلى الإنسان كما أنّها ناظرة إلى

(162)

الدين أيضًا، أي لا الإنسان قابل للإكراه؛ لأنّه خلق حرّ تكوينًا، ولا الدين لانه من سنخ الاعتقاد والاعتقاد عقد بالقلب والأمر القلبيّ لم يكن تحت اختيار نفسه ولا غيره، أي لم يكن بيد غيره؛ لأنّه لم يكن ضمن نطاق صلاحيّاته، ولم يكن بيد الإنسان نفسه؛ لأنّ العقيدة من سنخ العلم والتصديق، وتصديق العلم بحاجة إلى مبادئ، وعندما تتحقّق مبادئ العلم والتصديق تحصل النتيجة، وعندما لا تتحقّق لا تظهر النتيجة. فعندما تتحقّق المبادئ لا يستطيع الشخص منع ظهور نتائجها ولا غيره، وإذا لم تتحقّق المبادئ والمقدّمات، لا يتمكّن الشخص ولا غيره من إظهار النتيجة والتصديق، وعليه بما أنّ الدين من الأمور العقديّة لا يمكن الإكراه فيه ويتوقّف ظهوره على المبادئ.

بيد أنّ ظهور المبادئ العلميّة التي تعدّ الأرضيّة اللازمة لحصول العقد بين الموضوع والمحمول، تحتاج إلى عقد آخر كي تتّحد عصارة القضايا والعقود العلميّة مع قلب الإنسان لتتحقّق العقيدة، ويعبّر عن هذا العقد القلبيّ بالإيمان، وبما أنّ العقد الثاني أي العقيدة المسمّاة بالإيمان، تختلف عن العقد الأوّل الحاصل بين موضوع القضيّة ومحمولها، يمكن حينئذٍ انفكاك الإيمان عن العلم بل إنّه أمر متحقّق، أي يمكن أن يفهم شخص أمرًا علميًّا بشكل جيّد، ويقف على العقد بين الموضوع والمحمول، ولكن لن يؤمن به ولم يعقد قلبه عليه ولم يعتقد به.

حقّ الإنسان التكوينيّ والتشريعيّ

لقد اتّضح - لحدّ الآن - أنّ الإنسان حرّ في نظام التكوين، لا يتطرّق الإكراه إلى هويّته الوجوديّة، فهل نظام التشريع كذلك أيضًا؟ إذ قوانين التكوين تتحدّث عن الوجود والعدم، والبحث عن الحقّ وعدم الحقّ يقع في نطاق التشريع، فإذا قلنا إنّ البحث عن الوجود والعدم يعيّن مسألة الحقّ؛ أي: للإنسان كلّ الحقّ

(163)

في قبول الدين أو رفضه، فيكون حينئذٍ من حق الانسان قبول الدين والتوحيد وعدم قبوله والنكول عنه والدخول في الإلحاد.

وتكون ثمرة البحث أنّ كلا طرفي القضيّة؛ أي: التديّن وعدم التديّن، سيّان بالنسبة إلى الإنسان، والحال أنّ حقيقة الأمر لم تكن هكذا، وجملة ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ تبيّن حقيقة تكوينيّة لا أحقّيّة كلا الطرفين في الإثبات والنفي، فصحيح أنّ الإنسان حرّ ومختار تكوينًا، ولكن لم يكن الإنسان موجودًا يتساوى عنده جانبا التوحيد والإلحاد، كما لا ينتهي طريق التوحيد والإلحاد إلى مكان واحد.

لم يكن الإنسان لا بشرط، بحيث تؤثّر جميع الأمور المتناقضة في بنية فطرته وطبيعته تأثيرًا واحدًا، كما أنّ الغذاء سواء كان سمًّا أو عسلًا لا يؤثّر تأثيرًا واحدًا على الجهاز الهضميّ، فكذلك لا تتساوى في فطرته أيّ عقيدة أعمّ من التوحيد والإلحاد. فالإنسان حرّ في تناول السمّ والعسل ويتمكّن من أكل أيّ واحد منهما بإرادته واختياره، ولكن لا تتساوى الآثار الناتجة من تناول هذين الغذائين المصفّى والمسموم، وبخصوص العقيدة يتمكّن الإنسان أيضًا اختيار أيّ عقيدة بإرادته واختياره، ولكن لا تتوافق جميع العقائد مع فطرته.

فبعض العقائد تكون كالسمّ القاتل للروح، فهل يمكن القول إنّ الإنسان بمجرّد تمكّنه من إثبات هذا الشيء أو نفيه، صار ذلك الشيء من حقّه؟ وهل يعدّ الشيء المسبّب لهلاك روح الإنسان حقًّا؟ أو أنّ حقّ الإنسان هو ما يحقّق حياته الطيّبة؟ فظاهر ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ لم يشر إلى حقّ الإنسان التشريعيّ كي يقال إنّ القرآن وصف الإنسان بكونه ذا حقّ، بل إنّ مفادها يشير إلى الحقيقة التكوينيّة، أي إنّ بنية الإنسان تكون بحيث يقدر على التوحيد وعلى الإلحاد، ومحور البحث هنا عن قدرة الإنسان لا الحقّ الشرعيّ، وبعبارة أخرى: إنّ للإنسان حقّ الحياة

(164)

فطريًّا وروحيًّا، وما هو من حقّه إنّما يكون حياته المعنويّة في قبال موته المعنويّ، فالموت المعنويّ والفطريّ ليس من حقوقه، ولكن للإنسان أن يختار أحدهما.

فللإنسان القدرة على استيفاء الحقّ أو إسقاطه، وهنا يكمن كمال الإنسان حيث يكون مختارًا تكوينًا يتمكّن من انتخاب أحد الطرفين واختياره، مع أنّ الحقّ التشريعيّ يكون في أحدهما، وهنا يكشف الإنسان عن نفسه، ويبيّن ساحته الوجوديّة، ويتمكّن من إثبات مقام خلافة الله.

وعلى أيّ حال، فإنّ حرّيّة الإنسان التكوينيّة صحيحة، غير أنّ الحرّيّة التشريعيّة تؤول إلى الإباحيّة، وهذا يخالف منطق الدين، وإذا سمح منطق الدين هذا الأمر بالابتناء على آية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ، فكيف يمكن تفسير باقي آيات القرآن الدالّة على العذاب والعقاب؟ ومع هكذا توهم عن الحقّ، تكون كثير من الآيات المتعلّقة بالقيامة عبثًا.

وعليه، فإنّ إمكان الاختيار لا يعني أحقّيّة أيّ انتخاب أو تساوي أيّ منتخب عند الله، فإنّ إمكان انتخاب أيّ قانون تكوينيّ، والزعم بأنّ الإمكان التكوينيّ يطابق أحقّيّة نتائج الانتخاب زعم جاهليّ. وقد نادى محقّقو أهل الشرك بالقول: ﴿لَوْ شَاءَ ٱللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا[1] أي إنّ الباطل هو ما لم يتحقّق، وما تحقّق فهو حقّ، فإذا كان الاعتقاد الإلحاديّ والعقيدة الشركيّة خلافًا للحقّ لمنعه الله؛ لأنّه قادر على منعه، وهم في غفلة عن الفرق بين الحرّيّة التكوينيّة والحقّانيّة التشريعيّة، فالله تعالى جعل للإنسان حقّ الانتخاب تكوينًا، لكنّه جعل الحقّ في واحد تشريعًا، فما زعمه البعض إنّما يتناسب مع نظام الملائكة أو هندسة البهائم. إذ كلّ ما يحدث هناك يكون حقًّا، ولكن في نظام الإنسان ولوجود الإمكان التكوينيّ لانتخاب الحقّ والباطل، لا يكون ما يتحقّق حقًّا لزومًا.

(165)

إذا كان الحقّ بمعنى الحرّيّة التشريعيّة وتساوي نتائج الاختيار، فهذا لا محلّ له في قاموس الدين، كما لا يقبله أيّ عالم، إنّ قبول الدين يدخل في نطاق (اللزوم) ومن هذه الحيثيّة يكون تكليفًا لكنّه تكليف يرجع إلى الحقّ، فللإنسان الحقّ في التكامل والتعالي، وطريق استيفائه يكمن في قبول الدين والتعاليم السماويّة، فالتديّن حقّ مسلّم للإنسان، وهو يتمكّن من غضّ الطرف عن هذا الحقّ أو استيفاءه أي يتمكّن أن يكون متديّنًا أو غير متديّن، ولكن لم يكن عدم التديّن حقًّا، وعليه فإنّ ثمرة هذين المعتقدين لا تتساوى، كما أنّ الحياة من حقّ الإنسان يمكنه استيفاءها والبقاء على قيد الحياة، ويمكنه غضّ الطرف عنه والانتحار، ولكن لم يكن الانتحار حقًّا، كما إنّ ثمرة هذين الانتخابين الحسنة والقبيحة لا تتساوى.

وبناء على هذا، فحقّ الإنسان هو التديّن لا أن يكون قبول الدين ورفضه حقًّا، وهذا الكلام مغالطة وفكر غير صائب يجري على ألسنة البعض؛ لأنّ الإنسان يطلب الحقّ، ويريد الكمال لنفسه ويريد الوصول إلى المعرفة في طريق تحصيله. والإنسان يصل إلى الكمال في ظلّ الشريعة، كما ينمو النبات والحيوان في ظلّ الطبيعة، فلا شكّ في رجوع حرّيّة الإنسان إلى التكوين ويعود التكليف والتعهّد إلى التشريع، لذا يقول القرآن بخصوص حرّيّة الإنسان ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ من جهة، ومن جهة أخرى يبيّن بكلّ وضوح النتائج الحلوة والمرّة، لانتخاب أيٍّ من التوحيد والإلحاد.

إنّه يبيّن النتائج السيّئة للانتخاب في آيات من قبيل: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ[1]، ﴿وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّالِمِينَ، ﴿أُولَئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلْآخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ[2] أو يقول عن لسان الذين سلكوا مسلك أئمّة الكفر بسوء اختيارهم: ﴿حَتَّى إِذَا ٱدَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا

(166)

فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ[1]، ﴿فَذُوقُوا ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ[2].

ويقول في الذين سلكوا طريق الهداية وبحثوا عن الحقّ للتكامل والرقيّ بحسن اختيارهم: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[3]، ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا[4]، ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَارُ[5].

وبناء على هذا، فطريق الحقّ والباطل لا يصل إلى نتيجة واحدة، فنتيجة أحدهما الانحطاط ونتيجة الآخر الاعتلاء، أحدهما الشقاء والآخر السعادة، أحدهما النار والآخر النور، والحاصل إنّ هذين الانتخابين لا يتساويان: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ[6].

فحرّيّة الإنسان التكوينيّة في انتخاب أيّ طريق من سائر الطرق في حياته لا يدلّ على أحقّيّتة التشريعيّة، إي إنّ حقّ الإنسان التكوينيّ محفوظ له في انتخاب أيّ مسير شاء، ولكن لا يعني الحقّ والحرّيّة التكوينيّة استنتاج الحقّ والحرّيّة التشريعيّة، فيلزم التفكيك بين الحقّ التكوينيّ والتشريعيّ للتخلّص من المغالطات المحتملة، وعدم جعلهما بمعنى واحد.

(167)

مباني الحقّ والتكليف

لقد أشرنا في بداية هذا الفصل إلى أنّ مباني الحقّ والتكليف تتفرّع على مصدرهما كما أنّ المبنى ينشأ من المصدر، وبعد ما بحثنا إجمالًا مصادر الحقوق والتكاليف، نتطرّق إلى موضوع البحث إجمالًا أيضًا، وفي البدء لا بدّ من تبيين معنى المبنى ومفهومه. فالمراد من المبنى العلميّ للحقوق والتكاليف، القوّة العلميّة الحامية التي تتمكّن من تأمين الأسس الفنّيّة للقواعد الحقوقيّة. وعليه يُطلق المبنى على تلك الأصول العلميّة التي تبرّر فنيًّا جميع القوانين الحقوقيّة.

ويعود البحث عن مباني حقوق الإنسان والقوّة الساندة لها، إلى زمن فلاسفة اليونان واستمرّ إلى يومنا الحاضر، ولا شكّ بابتناء الحقوق والتكاليف على مباني متينة، وتعدّ هذه المباني سندًا للقواعد الحقوقيّة، ولكن وردت أقوال مختلفة في ماهيّة تلك المباني، قال البعض: مبناها العدالة والحرّيّة، وقال البعض الآخر: إنّه سلطة الدولة، وذهب فريق إلى أنّه النظم الاجتماعيّ، وجعل فريق آخر ضمان بقاء الدولة من مباني الحقوق. وفي كلّها تأمل، والقول بأنّ العدالة والحرّيّة من مباني الحقّ قول صحيح، وإن لزم بيان مفهوم العدالة والحرّيّة وتعيين نطاقهما، وهو من النقاط المهمّة.

فالمصطلحات المذكورة لها مفاهيم في المنظومة الكونيّة المادّيّة تختلف عن مفهومها في المنظومة الكونيّة الإلهيّة، إذ تفسّر المباني المذكورة في المنظومة الكونيّة المادّيّة والثقافة غير الدينيّة، عن طريق عقول الناس الناقصة، وتدور في الأغلب مدار عقل المعاش، وتتطرّق المذاقات الخاصّة في مقام تفسيرها وبيانها. ولكن في المنظومة الكونيّة الإلهيّة والثقافة الدينيّة، تكون لهذه المصطلحات معانٍ أدقّ، فالمفسّر - الشخص أو الجهة - لهذه المباني، ينبغي أن يمتاز بخصائص يخلو منها

(168)

الإنسان العادي، فالدين يعلّمنا بأنّ الحرّيّة والعدالة والنظم من الكلمات المقدّسة، وأيضًا عند إثباتها كمباني للحقّ والتكليف وحتّى عند عدم إثباتها، ينبغي أن لا تفسّر على ضوء الفكر المادّيّ والإلحاديّ للمفكّرين النفعيّين أو الحكّام والطغاة، بل لا بدّ أن يمتاز واضعها عن الآخرين بخصائص ثلاثة:

1. أن يكون عالما - بمعونة الله وإمداده الغيبيّ - بالملاكات الواقعيّة والمصالح والمفاسد الحقيقيّة، والخير والشرّ الأصيل، والنفع والضرر الصحيح، وأن يحوز الحكم اللّدنيّ.

2. أن لا يتطرّق إليه السهو والنسيان.

3. أن يكون معصومًا ومصونًا من الخطأ والمعصية والذنب في جميع أفكاره وأعماله.

فإذا قيل بابتناء القوانين الحقوقيّة على مبنى العدل، فهو كلام مقبول عندنا، ولكن المهمّ تحقّق الشرائط لواضع الحقوق ومدونها، فالحقوق المبتنية على العدل تحقّق جميع منافع الإنسان في جميع أبعاد حياته، فالحرّيّة والأمن والنظم والرفاه النسبيّ التي تعدّ من الأهداف الرئيسة للحقوق، كلّها مرهونة بهذا الأمر، وإلّا فالمبتلى بالجهل والقصور والسهو والنسيان والخطأ والعصيان، فإنّه غير مؤهّل لحيازة هذه الموقعيّة.

إنّ لكثير من الكلمات مفاهيم متعالية، لكنّها عندما تقع بيد غير أهلها، يتدنّى مفهومها ومحتواها، كما أنّ فرعون كان يرى الإلحاد وعبادة الأوثان دينًا صحيحًا، والاستعمار والاستعباد هداية، والعبوديّة للآخرين والظلم وقتل الرجال وذبح الأطفال رشادًا[1].

(169)

الضامن للحقوق الفرديّة والاجتماعيّة

لقد اتّضح - لحدّ الآن - بوجود التكليف أمام الحقّ، سواء أكان في النطاق الضيّق كالأسرة والقرية والمدينة، أم النطاق الدوليّ؛ لأنّ ذا الحق وإن لزم قيامه بحقّه واستيفاءه كما قال أمير المؤمنين عليه‌السلام: «لا يمنع الضيم الذليل، ولا يُدرك الحقّ إلّا بالجدّ»[1]. ولكن على من يكون موردًا للحقّ أن يعين صاحب الحقّ، سواء أكان بخصوص حقوق الأشخاص فيما بينهم، أم الدولة أمام سائر الدول أم الدول والأمم فيما بينهم.

علمًا بأنّه يوجد بين التكاليف روابط متينة، بحيث لا يصل صاحب الحقّ إلى حقّه ولا المكلّف إلى تكليفه من دون رعايتها، وهذا الحقّ الإنسانيّ يوجد للكافر والظالم والملحد في ساحة السجال بين الإيمان والكفر، والقتال بين العدل والظلم، والكفاح بين التوحيد والإلحاد، وإن حرم نفسه من سائر حقوقه عامدًا.

ففي الحرب بين المسلمين والكفّار، إن انتصر المسلمون وخسر الكافرون وقتلوا أو أُسروا، فلهم مع هذا حقّ مرسوم يجب على الحاكم الإسلاميّ رعايته، لذا يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام :

«إن أظهرتنا على عدوّنا فجنّبنا البغي، وسدّدنا للحقّ، وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة، واعصمنا من الفتنة»[2].

وهناك عاملان مهمّان يؤثّران سواء في تعيين سهم ذي الحقّ، وفي امتثال المكلّفين لتأدية حقوق الآخرين، وفي التعاون الداخليّ والمساعدة في إنجاز مهام المدينة أو الوطن أو الأمّة، هما: الإيمان بالله، والإخلاص في هذا الإيمان، القادران على دمج الحقوق مع التكاليف بشكل تامّ. وإلّا فالحقّ المنفلت من

(170)

التكليف، والتكليف المنفصل عن الحقّ، لا يحقّق التعهّد المتقابل، لذا يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام: «وشدّ بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها»[1].

ومن الواضح أنّه لا يوجد بدّ عند إجراء الحقّ من عقده بتكاليف الآخرين؛ بمعنى أنّ حقّ الدولة يتحقّق حينما يُعقد مع تكليف الأمّة وكذلك العكس، أو يتحقّق حقّ الوالدين حينما يُعقد مع تكليف الأولاد، وكذلك العكس، كما أنّ الحقّ الدوليّ لسائر الدول يتحقّق عندما يُقرن مع تكليف الدول الأخرى، والعامل لعقد الحقّ بالتكليف إنّما هو الإيمان القرين بالإخلاص، حيث يكون نورًا باطنيًّا وحافظًا دائميًّا وحارسًا حقيقيًّا، ومن دونه لا يُقرن الحقّ بالتكليف، أو ينتقض بعد فترة وجيزة. لذا يقول أمير المؤمنين عليه‌السلام: «من واجب حقوق الله على عباده... والتعاون على إقامة الحقّ بينهم»[2]. طبعًا هذا الحقّ أعمّ من حقّ الله وحقّ العباد.

إذن، هناك عاملان أساسيّان في تحقّق الحقوق الفرديّة والاجتماعيّة، وأداء التكاليف الخاصّة والعامّة، ولهما دور بارز، أحدهما الاعتقاد بوحدانيّة الله، والآخر الإخلاص في العمل، أي رفع جميع أنواع الحرص والمنّة والاتّكاء على القوّة الوحيدة التي تكون منشأ جميع القوى، والعمل لأجل نيل رضاه، وتقديم رضى الله على رضى الخلق.

(171)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. نهج البلاغة.
  3. ابن سینا، ابوعلي حسین بن عبدالله، الإشارات والتنبيهات، الشرح خواجه ‏نصیرالدین طوسي، ج 2و3، طهران، دفتر نشر کتاب، 1403 هـ.ق.  ‏
  4. برونوفسکی، جيكوب وبروس مزلیش، سنت روشنفكرى در غرب، ترجمه إلى اللغة الفارسية: ليلا سازگار، ط2، آگه، 1383هـ.ش.
  5. الجوادي الآملي، عبدالله، تفسیر القرآن الکریم.
  6. ـــــــــــــ، فلسفه حقوق بشر، اسرا، 1378هـ.ش.
  7. الحلّي، الحسن بن يوسف، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ط1، نور الثقلین، 1383هـ.ش.
  8. الخوارزمي، حسين بن حسن، شرح فصوص الحكم، مولی، 1385هـ.ش.
  9. ساکت، محمدحسین، حقوق‌شناسی: دیباچه‌ای بر دانش حقوق، ط1، نشر ثالث، 1387هـ.ش.
  10. صدري‌نيا، باقر، فرهنك مأثورات متون عرفاني، ط1، سخن، 1388هـ.ش.
  11. الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، ط1، حوزه علمیه اسلامي، 1363هـ.ش.
  12. المجلسي، محمدباقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر الأخبار الأئمة الأطهار، طهران، دارالکتب الإسلامیة، 1362هـ.ش.‏
(172)

 

 

فلسفة حقوق الإنسان في رؤية آية الله الجوادي الآملي[1]

حميد پارسانيا[2]

ليست حقوق الإنسان مجموعة من المفاهيم والمباني والقواعد والقوانين المستقلة عن سائر الحقول المعرفيّة الأخرى. وهذه الحقوق من الناحية المعرفية والمنطقية متأخرة عن بعض المعارف الأخرى؛ كما أنها تتقدّم على جزء من المعارف أيضًا، وإن التكوين والتحقق التاريخي والثقافي لحقوق الإنسان يأتي ضمن التعامل مع الحضور والتحقق التاريخي للمجموعات المعرفية أو غير المعرفية الأخرى. ومن بين المعارف التي تتقدّم من الناحية المنطقية على حقوق الإنسان، المباني والمصادر التي تستفيد منها الحقوق. إن المباني عبارة عن مجموعة من الأصول والقواعد التي تستفيد منها شرعة حقوق الإنسان، من قبيل: الأصول التي يرد ذكرها في باب العدالة والحرية وملكية وسعادة الإنسان. والمصادر بدورها هي الأمور التي تؤخذ منها الأصول والقواعد والحقوق، من قبيل: العقل والوحي والعُرف والثقافة والتاريخ وما إلى ذلك.

في السلسلة المنطقية للمفاهيم، تتوقف المباني والأصول والقواعد والمصادر الحقوقيّة، على المباني والأسس الاعتقاديّة، وهي الأخرى تسجّل حضورها في الأبعاد الثلاثة الأنطولوجيّة والإنثروبولوجيّة والإبستمولوجيّة.

(173)

إنّ الذين يعملون على تدوين حقوق الإنسان، يستفيدون من المبادئ والمصادر المقبولة، فهم في مقام تدوين حقوق الإنسان، لا يتكفلون بالبحث عن المبادئ والمصادر، وكذلك الأسس الاعتقادية المرتبطة بها؛ وإنما يقع البحث عن هذه المجموعة في دائرة «فلسفة حقوق الإنسان».

مفهومان لفلسفة حقوق الإنسان

يمكن لفلسفة حقوق الإنسان أن تُستعمل في معنيين، أحدهما: العلم الذي يتحدّث عن ربط المجموعات الحقوقية بالمباني والمصادر، وكذلك بالأسس والأرضيّات الأنطولوجيّة والإبستمولوجيّة والإنثروبولوجيّة؛ والآخر: العلم الذي يبحث عن الأسس الفلسفيّة والميتافيزيقيّة لحقوق الإنسان.

إن فلسفة حقوق الإنسان في معناها الأول، تمثّل نوعًا من العلم من الدرجة الثانية؛ بمعنى أنها لا تخوض في الأبحاث الحقوقية، ولا تتكفّل بحل المسائل الميتافيزيقيّة أو الإنثروبولوجيّة أو غير ذلك؛ وإنما تُخبر عن الارتباط المنطقي بين المجموعات المعرفية، ويمكن لهذا الإخبار أن يكون على شكل القضايا الشرطية كأن يُقال: إذا كانت الأنطولوجيا إلهية، والإنثروبولوجيا دينية، أو الإبستموبوجيا -على سبيل المثال- عقلانيّة ووحيانيّة، فإن حقوق الإنسان سوف تكتسب مثل هذه الخصائص، أو يُقال إن حقوق الإنسان الراهنة قد تمّ تدوينها على أساس الأنطولوجيا العلمانية.

إنّ فلسفة حقوق الإنسان في المفهوم الأوّل جزء من المنهج الأساسي؛ بمعنى أنها تبحث عن الجانب المنطقي والمعرفي لمسارات تبلورت نظريات حقوق الإنسان في أحضانها؛ وأمّا فلسفة حقوق الإنسان في المفهوم الثاني، فهي تمثّل جانبًا من الميتافيزيقا أو العلوم التي تضمن مباني علم الحقوق أو حقوق الإنسان.

(174)

إن فيلسوف حقوق الإنسان في هذا المعنى، يدخل في الأبحاث الميتافيزيقيّة والإنثروبولوجيّة أو الإبستمولوجيّة، ويعمل على إثبات النبوّة، ويدافع عن مرجعية الوحي، والأبعاد المجرّدة والخالدة من حياة الإنسان، وما إلى ذلك.

لقد تعرّض سماحة آية الله الجوادي الآملي إلى بحث فلسفة حقوق الإنسان بكلا مفهوميها. إن سماحته بلحاظ كونه فيلسوفًا، فقد تعرّض في آثاره الفلسفية المتعدّدة إلى بحث المباني الأنثروبولوجيّة والأبستمولوجيّة والأنطولوجيّة لحقوق الإنسان، وحيث أنه يحقق في الامتداد الاجتماعي والحقوقي لتلك الأبحاث، فإنه يعمل على تحديد اللوازم والتداعيات المنطقية لتلك الأبحاث في حقل حقوق الإنسان، ويعمل في بعض الأحيان على تتبّع المبادئ الفلسفية للحقوق المدوّنة للإنسان، وتحدّث بشكل مقارن عن التبعات والتداعيات الحقوقيّة لمختلف المبادئ.

إن حقوق الإنسان تشتمل على مبادئ ومبان وأسس اعتقادية، وإن تدوينها يتبلور على أساس بعض الأصول والقواعد، من قبيل: العدالة والسعادة والحرية والملكية وكذلك الأصول والقواعد المستنبطة من بعض المصادر، من قبيل: العُرف والعقل والثقافة والوحي. كما أن المصادر بدورها تقوم على أساس المبادئ أو الأسس الاعتقادية التي يمكن تتبّعها وبحثها ضمن الأبعاد الثلاثة الأنطولوجيّة والإنثروبولوجيّة والإبستمولوجيّة.

الأبعاد المعرفية والتاريخيّة لحقوق الإنسان

يمكن بحث حقوق الإنسان من خلال البُعدين؛ المعرفي/ المنطقي، والتاريخي/ الثقافي، حيث الإمكان المعرفي/ المنطقي منه رهن بتوفّر بعض الأصول والأسس الفلسفية؛ كما أن التواجد التاريخي له يحتاج إلى بعض الخلفيات الثقافيّة/ الاجتماعيّة.

(175)

وبعبارة أخرى: كما أن بعض العناصر التاريخية تحول دون تحقق حقوق الإنسان، فإن بعض المبادئ الفلسفية بدورها تحول دون التدوين والدفاع المنطقي/ المعرفي عن حقوق الإنسان أيضًا. يمكن رسم حقوق وقوانين خاصة لمختلف الجماعات الإنسانية في المجتمعات المختلفة بسهولة؛ وذلك لأن كل مجموعة أو مجتمع يعمل على تعريف حقوقه المشتركة على أساس الأرضيات المعرفية المشتركة التي يمتلكها؛ بيد أن تقديم صورة عن الحقوق الشاملة للبشرية جمعاء والإنسانية بأسرها على نحو مطلق بغض النظر عن الموانع الثقافيّة/ التاريخيّة التي يمكن أن تحول دون القبول بها من قبل الجميع يُعدّ صعبًا من الناحية المنطقية والمعرفية أيضًا.

الشروط المنطقية اللازمة لتدوين حقوق الإنسان

إن الحقوق المشتركة إنما تكون قابلة للتصوّر فيما إذا كانت قائمة على أساس المباني الإنثروبولوجيّة في المفهوم المشترك للإنسانية -بغض النظر عن الظروف والشرائط الإقليميّة والتاريخيّة- وأن يكون المبنى الإبستمولوجي بدوره، بحيث يوفّر الأرضية اللازمة للتعرّف على تلك الحقيقة المشتركة؛ ولهذا السبب فإن الآراء التي لا تقبل حقيقة واحدة في البُعد الأنطولوجي، أو التي ترى استحالة الوصول إلى الحقيقة في البُعد الإبستمولوجي، تتحدّث عن نسبية الفهم، أو أنها في البُعد الإنثروبولوجي لا تعتبر الإنسان حقيقة واحدة، وترى للإنسان هوية تاريخيّة/ ثقافيّة لا يمكنها الدفاع من الناحية المعرفية والمنطقية عن الحقوق المشتركة للبشر.

قال آية الله الجوادي الآملي ضمن الإشارة إلى المبادئ الضرورية لتدوين الحقوق المشتركة: «على كل حال، إنما يمكن إقامة البرهان العقلي على شكل

(176)

قضية حقيقية لإثبات التساوي بين الكثير من الأشخاص في الحقوق، حيث يتمّ إثبات وحدة حقيقية وعينيّة جامعة بين الأشخاص المتفرّقين، ليكون ذلك الجامع الحقيقي -وليس الاعتباري- والعيني -وليس الذهني المحض- هو موضوع القضية الحقيقية، ويثبت له محمول، وإن هذا المطلب إنما يكون حيث نروم من خلال المصدر العقلي إثبات حقوق ذلك الجامع بين الأفراد الكثيرين، وأما إذا أردنا أن نتحدّث بعنوان كليّ وعام عن أشخاص كثيرين بوصف الجمع في التعبير والسهولة في التقرير دون أن يكون بينها جامع حقيقي وعيني، فإن البحث عن البرهان العقلي الذي يُعدّ محمولًا في اللوازم الذاتية للموضوع سوف يكون خارجًا عن موضوع البحث»[1].

المبادئ الأنطولوجيّة

إن الحقوق المشتركة للإنسان، تحتاج إلى نوع من الأنطولوجيا التي يمكنها توفير المبنى المشترك لجميع أفراد البشر. والأرضية الأنطولوجية للحقوق المشتركة لا يمكن أن تعود إلى الوجودات المتغيّرة والمحدودة من قبيل القدرات الاجتماعيّة للبشر والثقافات المتحوّلة والتاريخيّة. إن الوجودات المتغيّرة من قبيل الخصائص الخاصة بكل شعب، والقدرات التاريخيّة والإقليميّة، والآداب والتقاليد والأعراف، يمكنها أن تلعب دورًا ملحوظًا في تدوين القوانين العادية والوطنية وكذلك كيفية تطبيق القانون، ولكنها لا تجدي شيئًا في تدوين القانون المشترك للبشرية وفي عرف الحقوق الدولية.

إن الحقوق المشتركة بين البشر، تقوم على نوع من الأنطولوجيا التي تعمل بنحو من الأنحاء على ضمان المبدأ الفاعلي والغائي للحقوق بحيث يذهب إلى

(177)

أبعد من حدود الأقاليم والأزمنة والقوميات المختلفة. تحتوي الأنطولوجيا التوحيدية على هذه الخصوصية، والله سبحانه وتعالى مصداق لقوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ[1] والمبدأ الفاعلي والغائي للحقوق. إن التوحيد الربوبي والتوحيد الإلهي يُعدّ من جملة المبادئ الأنطولوجية التي تضمن من حيث البُعد المنطقي موقعًا واحدًا وثابتًا لتدوين حقوق مشتركة لجميع أفراد البشر.

إن الله سبحانه وتعالى في ضوء الأنطولوجيا التوحيدية وجود وحق محض؛ وفي ذلك يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ[2]وهو يتصف بكل كمال ويتنزّه عن كل نقص. وبالإضافة إلى الحق المحض، تعود إليه جميع الحقوق الأخرى، وتكتسب وجودها منها: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ[3]، وحيث يكون الله سبحانه وتعالى هو الحق المحض، فهو كذلك وليّ على التكوين ووليّ على التشريع أيضًا، ولهذا السبب يكون الحكم في سلسلة التشريع والحقوق التشريعية منه وإليه وحده فقط: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ[4].

إن الرؤية التوحيدية ترى كل رؤية أخرى تثبت لغير الله حق التشريع ووضع القوانين وإصدار الأحكام، شركًا، ولا فرق في هذا الشأن بين أن تكون هذه الرؤية صادرة عن الأنظمة الدكتاتورية أو الديمقراطية:

«ثمّة الكثير من الآراء المتنوّعة حول مصدر ومنشأ حقوق الإنسان. فهناك من يرى أنها تستند إلى آراء الناس (الديمقراطية)، ويرى بعضهم أنها مستندة إلى مصادر أخرى، من قبيل: إرادة أهل الحل والعقد والنُخبة من بني البشر

(178)

(طريقة حكم بعض المسلمين)، والطبيعة وموازينها (نظرية الحقوق الطبيعية)، والفطرة وقواعدها (نظرية الحقوق الفطرية)، والإرادة الفردية (الدكتاتورية). إن التوحيد الخالص يقوم على هذا الأساس القائل بأن حق التشريع ووضع القوانين إنما هو حق حصري لله سبحانه وتعالى. وإن جميع الآراء الحقوقية المذكورة تعدّ من الشرك، وخارجة عن دائرة التوحيد»[1].

المبادئ الإنثروبولوجية

إن الآراء التي لا تستطيع إثبات الوحدة النوعية بين البشر، لا يمكنها الحديث عن الحقوق المشتركة للإنسان. وعليه فإن الحدّ الأدنى من الشروط اللازمة في تدوين حقوق الإنسان عبارة عن إثبات الحقيقة الجامعة بين جميع الأفراد.

يرى آية الله الجوادي الآملي -في ضوء تفسيره لنظرية أستاذه العلامة الطباطبائي- أن الإنسان مستخدم بالطبع ومدني بالفطرة؛ بمعنى أن له بُعدين: بُعد طبيعي، وبُعد فطري؛ حيث تكمن طبيعته في مستوى الحياة النباتية والحيوانية، وأما فطرته فلها هوية عقلانية[2].

والإنسان في بُعده النباتي والحيواني يمتلك مدركات حسية وخيالية ووهمية، وفيما لو لم تتفتح وتزدهر فطرته العقلانية، فإنه بعد تغلّب مختلف مراتب الشهوة والغضب أو الميول الوهمية، سيتخذ على التوالي صورة بهيميّة وسبُعية وشيطانية، وإذا عمل على تطوير فطرته العقلانية فسوف يكتسب سيرة ملائكية بل وحتى أكثر منها.

وفي ضوء مبنى الحكمة المتعالية، على الرغم من أن الإنسان نوع متوسط

(179)

يكتسبه في واحدة من الصوَر الأربعة المذكورة أعلاه، فإنه بسبب الصوَر الثلاثة الأولى تبقى حياته العقلانيّة والمعنويّة موجودة بالقوّة، ويكون باعتبار هذا البُعد مالكًا لحقوق فطرية واحدة وثابتة.

والنقطة الجديرة بالالتفات في الفكر التوحيدي هي أنه حيث يكون الحق تعالى في هذا النوع من الأنطولوجيا هو المبدأ الفاعلي والغائي للحق، فإن الإنسان على كل حال لن يكون هو المبدأ الغائي والفاعلي لحقوق الإنسان، وإنما هو مجرّد مبدأ قابلي ومادي في ذلك؛ إذ إن القوانين والأنظمة الحقوقيّة بدورها هي المبدأ والعلّة الصورية لحقوق الإنسان. إن الإنسان بحكم قابلياته بلحاظ فطرته الإلهية، يكون منشأً ومصدرًا للحقوق البشرية الواحدة والمشتركة.

المبادئ الإبستمولوجيّة

إن الأسس والأصول الإبستمولوجيّة والمعرفية تُسهم بدورها في إمكان تدوين الحقوق المشتركة للإنسان. لو أمكن للاتجاهات الحسية من حيث البُعد المنطقي أن تؤدّي إلى معرفة مشتركة، فإنها سوف تستدعي خلفها معرفة علمية وضعية لا تمتلك إمكانية الحكم بشأن القيَم، ومن بينها القضايا الحقوقية، وحيث لا يكون هناك من طريق منطقي وعلمي لتدوين حقوق الإنسان، فسوف يؤدّي الأمر لا محالة إلى التوافقات الاجتماعية التي تتبلور تحت تاثير العوامل التاريخيّة/ الثقافيّة المتغيّرة والمتكثّرة.

إن وجود معرفة علميّة مشتركة بين البشر، بحيث تكون لديها القدرة على الحكم بشأن القواعد والقوانين العالمية للحياة، وكذلك إمكانية الحكم في مورد مبادئ هذه القوانين، تمثّل الشرط المعرفي الأدنى لتدوين الحقوق العالمية للإنسان. وبطبيعة الحال فإن الاتجاهات التجريبية وما بعد التجريبية لا تمتلك القدرة على

(180)

بيان هذا النوع من الأصول المعرفية من أجل التدوين المنطقي لحقوق الإنسان العالمية؛ إذ لا يمكن لأيّ واحد من هذين الأمرين أن يخبر عن معرفة بحيث تكون أوّلًا: شاملة وعالمية، وثانيًا: تمتلك القدرة على إصدار الأحكام القيَمية والمعيارية.

يتحدّث آية الله الجوادي الآملي عن العقل والوحي بوصفهما وسيلتين معرفيتين لتدوين الحقوق العالمية للإنسان. وإن للعقل -من وجهة نظره- مراتب مختلفة يُعدّ أدناها العقل التجريبي حيث يعمل من خلال الاستعانة بالحسّ على معرفة الأمور الجزئية والأحكام الكلية المرتبطة بها. وأعلى مرتبة له هي مرتبة العقل القدسي والشهودي الذي هو فوق المعرفة الاستدلالية والمفهومية. وهذا النوع من العقل ينتهي إلى المعرفة الوحيانية.

والعقل التجريبي جزء من العقل النظري، حيث ينشغل بمعرفة الأمور الطبيعية، والعقل الميتافيزيقي بدوره جزء آخر منه، حيث يبحث في ما وراء الطبيعة أو الأحكام المطلقة للوجود. أما العقل النظري الذي يقع في قبال العقل العملي، فيعمل في جميع مجالاته المختلفة على معرفة أحكام الوجودات التي يكتب لها التحقق بغض النظر عن الإرادة الإنسانيّة، والعقل العملي يطّلع على أحكام الوجودات التي تكون إرادة الناس وإدراكهم مقوّمًا لها.

إن القواعد الحقوقيّة بشكل عام والحقوق العالمية للإنسان بشكل خاص، من الحقائق التي يتوقّف تحققها على إرادة الإنسان، ومن هنا فإن الحكم بشأنها يقع على عاتق العقل العملي.

العلاقة بين العقل النظري والعقل العملي

إن النقطة الجديرة بالملاحظة في فكر آية الله الجوادي الآملي هي أن العقل

(181)

العملي يحتاج في أحكامه إلى بعض المبادئ الميتافيزيقية التي يعرفها العقل النظري والميتافيزيقي، والعقل العملي من جهة هذه المجموعة من المبادئ يحتاج إلى العقل الميتافيزيقي، والعقل العملي -خلافًا لما تصوّره إيمانوئيل كانط- لا يستطيع أن يملأ فراغ العقل النظري[1]. وعلى هذا الأساس فإن العقل النظري يعمل على توفير المبادئ الميتافيزيقية لحقوق الإنسان، والعقل العملي بدوره يُعدّ وسيلة تنشط في معرفة الأصول والقواعد والأحكام الحقوقية.

إن العقل العملي -من وجهة نظر آية الله الجوادي الآملي- وإن كان في بيان الأحكام الحقوقية يحتاج إلى بعض المبادئ التي يتمّ توفيرها من طريق العقل العملي، إلا أنه لا يقبل التقليل إلى العقل النظري. وبعبارة أخرى: إن القضايا التي يعمل العقل العملي على بيانها، لا تقبل الإحالة إلى قضايا العقل النظري. يرى سماحته أن العقل العملي -مثل العقل النظري- يحتوي على نوعين من القضايا البديهية والنظرية، والقضايا البديهية للعقل العملي، من قبيل: حُسن العدل وقبح الظلم، تختلف بحسب ذاتها وماهيتها عن القضايا البديهية الأولية للعقل النظري، من قبيل: أصل الواقعية أو مبدأ عدم التناقض. يرى سماحته أن معنى الحُسن والقبح في العلوم النظرية، في الإلهيات والكلام، ليس من قبيل الحُسن والقبح في العلوم العملية التي تتحدّث في دائرة الوجودات الاعتبارية. إن رأي سماحته -كما هو رأي أستاذه العلامة الطباطبائي- على خلاف رأي الذين يحيلون القضايا الاعتبارية إلى الضرورة بالقياس إلى الغير[2]، أو الضرورة بالغير[3].

كما كان لسماحة آية الله الجوادي الآملي مباحث بديعة في بيان الحُسن والقبح

(182)

العقلي وفي تفسير رأي أستاذه. في هذا التفسير بالإضافة إلى الحفاظ على استقلال العقل العملي، وعدم إحالة قضايا العقل العملي إلى قضايا العقل النظري، يتم إبطال ونفي الأفهام التي ترى اعتبارية قضايا العقل العملي بمعنى نسبيتها، وبذلك يتمّ العمل -من خلال الحفاظ على الارتباط بين العقل العملي والعقل النظري- على توفير الأرضية المناسبة لتدوين الحقوق الجامعة للإنسان[1].

الوحي والعقل الاستنباطي

إن الوحي وسيلة معرفية أخرى مؤثرة في تدوين وتكوين حقوق الإنسان. والوحي -من وجهة نظر سماحة آية الله الجوادي الآملي- لا يقع في تقابل مع العقل، بل هو محيط به، ولهذا السبب فإنه بالإضافة إلى معطيات ومدركات العقل، يُخبر عن آفاق أسمى من العقل أيضًا. وهو يرى أن آيات من قبيل قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَم[2]، وقوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ[3]، ناظرة إلى هذا المعنى.

إن الوحي -من وجهة نظر سماحة الأستاذ- ليس بمعنى الدين والشريعة وما إلى ذلك؛ بل الوحي هو مثل العقل، يمثّل نوعًا أو مستوى من المعرفة التي يتم بها اكتشاف الدين والشريعة والإرادة التشريعية أو حتى الإرادة التكوينية لله سبحانه وتعالى. والوحي يضع الكلام والخطاب الإلهي بواسطة النقل بين أيدي المخاطبين المحرومين من الحصول عليه مباشرة، والإنسان يستفيد من النقل بواسطة عقله، ومن هنا فإن الإنسان غير العاقل لا يكون مخاطبًا بالوحي.

(183)

كما يُعرف العقل في دراسات الطبيعة، بعناوين من قبيل: العقل التجريبي، والعقل الآلي، وفي دراسات الرياضيات والميتافيزيقا بعناوين من قبيل: العقل التجريدي أو الميتافيزيقي، ويكتسب في حقل دراسات الوجودات المقدورة والإنسانيّة عنوان العقل العملي، يمكن له كذلك في فهم النقل والاستنباط أن يكتسب عناوين، من قبيل: العقل الاستنباطي أو الاجتهادي أيضًا.

معنى قاعدة الملازمة

في ضوء المبادئ الأنطولوجية للحقوق وما يُعرف من التوحيد الربوبي والألوهية والولاية الإلهية على التشريع، لا يكمن الاختلاف بين العقل والنقل في أن النقل يعمل على بيان الأحكام والقوانين الإلهية، وأن العقل يعمل على بيان حكمه، كما أن قاعدة الملازمة لا تعني أن الشريعة والنقل لا يفتيان على خلاف حكم العقل أبدًا؛ إذ حيث تكون الربوبية والألوهية مختصة بذات الله عزّ وجل وأنه هو الولي على التشريع وأن الحكم مختص به، إذًا فالنقل والعقل لا يبديان حكمًا من جهتهما، بل كلاهما يكشف عن الحكم الإلهي. وعلى هذا الأساس كلما حكم العقل بقبح الظلم أو حُسن العدل، أو تحدّث عن حُسن الشكر وعبودية العبد لله سبحانه وتعالى، فإنه في الحقيقة يكتشف هذه الأحكام وضرورتها التي تعيّنت من جهة الله سبحانه وتعالى، ولا خلاف في هذا الشأن بين العقل والنقل، حيث كلاهما يكشف عن الأحكام الإلهية.

عندما يعجز العقل في المسائل الأنطولوجية والإنثروبولوجية عن معرفة التوحيد الربوبي، ولا يرى كرامة الإنسان في خلافته، بل يراه مستقلًا عن الحق، فسوف يتصوّر الإنسان أو عقله متربّعًا على مسند الحكم، وبدلًا من الحديث عن كشف الأحكام الإلهية بواسطة الإنسان أو عقله، سوف يدّعون أن الإنسان وعقله هو المنشأ لحقوق الإنسان.

(184)

إن ما قيل بشأن العقل والعقلاء، يصدق في مورد الوحي والأنبياء أيضًا؛ بمعنى أن الأنبياء والأولياء الإلهيين بدورهم ليسوا مشرّعين أيضًا. وعلى حدّ تعبير سماحة الشيخ: «ليس لأحد حق التشريع غير الله سبحانه وتعالى، وما يقوم به الأنبياء والأئمة ليس سوى إبلاغ الأحكام الإلهية، ودعوة الناس إلى امتثال الأوامر الإلهية. وللتأكيد على هذا المعنى يمكن لنا أن نستعين بآية أخرى حيث نجد في ضوئها أن الحكم إنما هو لله سواء في مورد الحرب والسلم أو في مورد اندحار الكفار أو قبول توبتهم أو تعذيبهم وفي جميع الأحوال الأخرى؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ[1]. وهذا هو التوحيد الخالص والأصيل»[2].

مصادر حقوق الإنسان

إن المصدر الحقوقي الأهم، هو الإرادة التشريعية لله سبحانه وتعالى، وهذه الإرادة سوف يتمّ اكتشافها من طريق معرفة الإنسان والعالم، ومن بينها معرفة الفطرة الإلهية للناس، وما يرتبط بكماله وسعادته. من خلال التعرّف على حقيقة وفطرة الإنسان يتمّ التعرّف على احتياجاته الحقيقيّة، وبهذه الطريقة تتضح الأحكام والقواعد التي تمّ إقرارها من قبل الله سبحانه وتعالى لتلبية هذه الاحتياجات.

قال سماحة الشيخ في بيان دور فطرة الإنسان بوصفها مصدرًا لمعرفة حقوق الإنسان: «نحن نعتقد أن جميع الناس يمكنهم العيش مع بعضهم في صلح وسلام ومحبة. ويعود سبب ذلك إلى أن هناك جهة مشتركة وثابتة بين جميع أفراد البشر، وهذه الجهة هي التي تستطيع ضمان سعادة الإنسان وتوفير سبل الرفاه له، والقرآن الكريم يُسمّي هذه الجهة بالروح، ويقول إن هذه الروح تشتمل على

(185)

فطرة إلهية. وهذا الأصل المشترك (أي: الفطرة) -من وجهة نظر القرآن- يحتوي على ثلاث خصائص، وهي أولًا: إنها تريد وجه الله فقط. وثانيًا: إن هذه الفطرة قد أودعت لدى جميع الناس. وثالثًا: إن هذه الفطرة في مأمن من جميع أنواع التغيير والتبدّل. قال الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ[1].

وبذلك يكون من الواضح أن ما يتمّ القبول به بوصفه أصلًا مشتركًا بين جميع الناس، هي الفطرة الإلهية. وعلى هذا الأساس لا يمكن الاعتماد في تعيين ومعرفة مصادر الحقوق إلا بهذا الأصل المشترك، ولا يجب الاستناد أبدًا إلى أبعاد من وجود الإنسان التي تعود إلى طبيعته. عندما يتم القبول بهذا الأصل، يتضح أن واضع حقوق الإنسان هو الذي أودع هذه الفطرة في وجوده وإنه يعرفه أكثر من أي شخص سواه[2].

كما أن العقل مصدر آخر يستطيع الإنسان بواسطته التعرّف على حقوقه الإلهية؛ ولكنه حيث يكون محدودًا في معرفته، فإنه من دون حضور الوحي والاستعانة به لا يستطيع التعرّف على الحقوق التي تضمن سعادته وهدايته، ومن هنا فإنه يتمّ الحديث عن الوحي بوصفه هو المصدر الأهم؛ بمعنى أن أهميته تفوق حتى الفطرة نفسها[3].

إن الإرادة التشريعية لله، والفطرة الإلهية للإنسان، والوحي والعقل، هي من المصادر التي تعدّ في ضوء العقيدة التوحيدية معتبرة في تدوين حقوق الإنسان، ويتمّ ذكر هذه المصادر في قبال مصادر من قبيل: العرف، والرغبات النفسانية

(186)

لمختلف الأشخاص والأمم والتي يتمّ التعريف بها في ضوء تصوّرات الشرك بوصفها مصادر لحقوق الإنسان.

مباني حقوق الإنسان

لقد تحدّث سماحة آية الله الجوادي الآملي عن ثلاثة مبان لحقوق الإنسان في الإسلام؛ حيث هي بحكم الأصول والقواعد العامّة لتدوين حقوق الإنسان، وبطبيعة الحال فقد تمّ بيان هذه الأصول على نحو الاستقراء دون الحصر، ويمكن العثور في العديد من آثاره على مبان أخرى، من قبيل: الأمن والملكية أيضًا. وهذه المباني الثلاثة عبارة عن: الحياة، والحرية، والعدالة.

1. حق الحياة

إن حق الحياة من وجهة نظر القرآن إنما تمّ منحه من قبل الله إلى الإنسان فقط، ومن هنا فإنه وحده الذي يحق له التصرّف فيها. إن الحياة على نوعين: مادية ومعنوية، ولا يحق لأحد أن يسلبها من نفسه أو من الآخرين. إن سلب الحياة المادية يكون بالقتل، وسلب الحياة المعنوية يكون بالإضلال عن طريق الهداية والصواب، وإن الذي يُضل الآخرين بأيّ شكل من الأشكال، يكون قد سلبهم حقهم في الحياة المعنوية. ومن هنا فإن القرآن الكريم يعتبر الذين يستسلمون للثقافة الجاهلية أمواتًا، ولذلك فإنه يقول في وصفهم: ﴿كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ[1].

لقد حرّم الإسلام الانتحار وقتل الآخرين، وقد نهى الله عن ذلك في الكثير من آيات القرآن الكريم، بل وأخذ الميثاق منهم على رعاية حرمة دماء الناس: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ[2].

(187)

يقول سماحة الشيخ في تفسير هذه الآية: إن هذا الميثاق لا يقتصر على فئة خاصّة من الناس؛ بل هي مطلقة وتشمل جميع الشرائع الإلهية. وكذلك حكم القصاص الذي هو وسيلة للردع عن إراقة الدماء، فإنه يجري في جميع الشرائع الإلهية وتمّ القبول به في الإسلام أيضًا[1]. وكما أن لسلب الحياة المادية عقوبة رادعة تهدف إلى الحفاظ على الحياة المادية، كذلك فإن لسلب الحياة المعنوية عقوبة رادعة أيضًا. وإن الحياة المعنوية -من وجهة نظر الإسلام- أسمى من الحياة المادية والدنيوية.

2. حق الحرية

الحرية مفهوم يكتب له التحقق والتعيّن على الدوام من خلال الإضافة إلى أمور أخرى، وهو يكون على الدوام لشيء ومن أجل شيء. إن الحرية من حيث هي وصف، لها إضافة ونسبة إلى الموصوف أيضًا؛ بمعنى أن الحرية ترتبط بشخص أو أمر يتصف بذلك الوصف.

وحرية الإنسان في الإسلام تعني انعتاقه من قيود العبودية والطاعة لغير الله عزّ وجل، إذ إن الإنسان بحسب فطرته وحقيقته باحث عن الله، وإنه في توقه إلى الحركة نحو الله، ينطلق بوحي من سلوكه الاختياري؛ وأما من وجهة نظر الإنسان الحداثوي، فإن الحرية تعني تحرر الأهواء النفسية للإنسان، وهذا يعني حشر الإنسان في شرنقة شهواته ومنعه من التقرّب من الله سبحانه وتعالى.

وعلى حدّ تعبير سماحة الشيخ؛ إن الاختلاف في فهم معنى الحرية وتفسيرها قد أدّى بأتباع المدارس الحقوقية الأخرى إلى الانحراف وتنكّب الطريق في تدوين المواد الحقوقية، وفي ذلك يقول سماحته:

(188)

«في الفضاء المظلم والمضبّب بالإلحاد والاستبداد، تكون الحرية السياسية بمعنى أن تكون للأشخاص حرية المشاركة في الانتخابات؛ وعليه يقوم كل شخص أو جماعة بالإدلاء بآرائهم، ويغبطون أنفسهم على هذه الديمقراطية. وأما في فضاء المنهج التوحيدي، فإن الحرية السياسية لا تنحصر أبدًا أو يتمّ تفسيرها ضمن هذا المحور فقط ... لا ينبغي الظن -على طريقة الفاقدين للثقة بأنفسهم- بأن الإسلام بدوره يؤمن بالديمقراطية أيضًا ... إن الذي تلعب آراء الناس دورًا فيه عبارة عن ولاية الفقيه، وليس توكيله. في ضوء الرؤية الإسلامية فإن الله سبحانه وتعالى بواسطة المعصومين عليهم‌السلام قد اختار الفقيه الجامع للشرائط ليقوم بقيادة المجتمع الإنساني. إن المجتمع يُعلن من خلال إدلائه بأصواته عن قبوله بولاية هذا القائد، كما أنه بدوره يقبل بولايته، ولا يؤدّي أيّ دور في فرض وتنصيب نفسه على سدّة الحكم أبدًا؛ ومن هنا فإنه بوصفه شخصًا حقيقيًا يرضخ لشخصيته الحقوقية، ونعني بها الفقاهة المقرونة بالشرائط أيضًا؛ وعلى هذا الأساس فلو أنه أصدر حكمًا في ضوء اختياراته وصلاحياته، لا يجوز التمرّد على ذلك الحكم من قبل الآخرين فقط، بل لا يجوز للولي الفقيه بدوره أن يقوم بما ينقض هذا الحكم أيضًا»[1].

في ضوء الرأي أعلاه، يضطلع الناس بواسطة خبرائهم بمسؤولية حراسة حرم الولاية، وفيما لو خرج قائد المجتمع عن مسار الولاية، لن يكون الرضى العام من قبل الناس دليلًا على إضفاء الشرعية عليه.

وفي حقل حرية العقيدة والبيان، نجد أن القرآن بالإضافة إلى دعوة العباد والمكلفين إلى الاستماع إلى أقوال الآخرين، ألقى على عاتقهم مهمّة ومسؤولية اختيار أحسن الأقوال أيضًا، وعلاوة على ذلك عمد إلى التعريف بكلمة التوحيد

(189)

بوصفها مصداقًا للقول الأحسن. إن اختلاف هذا الرأي -القائم على المبادئ الأنطولوجية والإبستمولوجية التوحيدية- عن الآراء الأخرى التي تنكر أصل الحقيقة، أو تعتبر طريق معرفته مغلقًا، يكمن في أنهم لا يستطيعون الحديث عن مسؤولية الإنسان تجاه كلام خاص؛ حيث يؤدّي رأيهم من الناحية المنطقية إلى الهرج والمرج المعرفي والسلوكي.

النموذج الآخر هو الحرية الاقتصادية حيث تكتسب مفهومها ومعناها في الإسلام في إطار العبودية لله واحترام حدود الحلال والحرام، وأما في التفكير المادي فليس هناك من أثر لاحترام هذه الحدود.

كما أن حرية اختيار الوطن في الإسلام لن يكون بدوره منفصلًا عن مسؤولية صيانة الحياة المادية والمعنوية. ومن هنا فإن البقاء في وطن يعرّض الحياة المعنوية للإنسان وحريته الأصيلة للخطر، لا يكون جائزًا.

وقد كان التأكيد على الفصل بين الاختيار التكويني والتشريعي للإنسان من الأمور التي حظيت باهتمام سماحة الأستاذ في مسألة الحرية. فإنه بالنظر إلى هذا الفصل قد ذهب إلى الاعتقاد بأن هذه الحرية التكوينية لا يمكن أن نستنتج منها هذا الفهم والقول بأن الإنسان في مرحلة التشريع واختيار العقيدة يمكنه الذهاب إلى أيّ اتجاه يريد، وأن الله سبحانه سوف يحترم قراره. وإن تلك الحرية التكوينية إنما يمكن تفسرها بالنظر إلى الوظيفة التشريعية، قال الله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ[1]. [2].

إن الله سبحانه وتعالى بالإضافة إلى الإعلان عن الحرية التكوينية للإنسان،

(190)

قد وضع وظيفته التشريعية في إطار الإيمان بالحق والعمل به، حيث يقول تعالى: ﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ[1].

3. حق العدالة

والعدل يعني وضع كل شيء في موضعه، وعلى الرغم من أنّ العدل في هذا التعريف لا ينطوي على إبهام وغموض، إلّا أن معرفة موضع الأشياء بالنظر إلى اختلاف المعتقدات والآراء يكون متعدّدًا. فإن الأنطولوجيا التوحيدية أوّلًا: لا تحصر جغرافيا الوجود بالحياة في هذه الدنيا، وثانيًا: إن ظرفية الإنسان ومنزلته لا تقيّده بأغلال الطبيعة، وثالثًا: إنها لا تقيّد معرفة الظرفيات واستحقاقات الإنسان بحقل المعرفة الحسية والعقلية فقط، وإنما تقول بضرورة وأهمية حضور الوحي في هذا الشأن أيضًا.

ومجموع هذه الأمور لها دخل وتأثير في تفسير وبيان معنى العدل وتحقّقه العيني.

في الرؤية التوحيدية على الرغم من قيام السماوات والأرض والنظام التكويني على أساس العدل، بيد أن العدل لا ينحصر بمعناه التكويني فقط، ومعناه الاعتباري الذي يشترك معنويًا مع مفهومه التكويني يقبل التحقق في حقل الحياة الإنسانية، وتقع مسؤولية تحققه على عاتق الناس أيضًا؛ وذلك لأن الجميع قد أمروا في حقل التشريع بالقسط والعدل؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْط[2]، والأنبياءعليهم‌السلام بدورهم قد بُعثوا من أجل إقامة القسط والعدل أيضًا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[3].

(191)

إن العدالة الإسلامية في ضوء هذا الرأي، يتمّ تطبيقها وإجراؤها بالنظرة إلى الفطرة الإلهية لدى الإنسان ورعاية الحقوق المرتبطة بها؛ ولهذا السبب فإن معرفة الحق ومصاديقه متقدّمة على معرفة العدالة ومصاديقها.

الدراسة المقارنة ومزايا حقوق الإنسان في الإسلام

إن المباني الفلسفية المختلفة، سوف تؤدّي إلى مواد حقوقية متفاوتة. وعندما تقوم حقوق الإنسان على الأسس الميتافيزيقية الإلهية والتوحيدية، فسوف تكون مختلفة عنها عندما تقوم على الأسس العلمانية والدنيوية، حيث يمكن مشاهدة نماذج من هذه الاختلافات في المواد القانونية حول حقوق الملكية أو حقوق الأطفال.

الملكية أصل مقبول في جميع الأديان التوحيدية. فالإنسان في النظام الحقوقي الإسلامي لا يمتلك في قبال الله سبحانه وتعالى أمرًا لا على المستوى التكويني ولا على المستوى التشريعي؛ وكل ما بحوزته إنما هو أمانة قد استأمنه الله عليها، وهو خليفة الله في العمل على استثمار هذا المال، ولا يستطيع أن يستثمره إلا بما يرضي مالكه الأصلي. والإنسان مكلّف باستخدام النعم الإلهية في المسار الذي يأمر به الله، قال الله سبحانه وتعالى:

ـ ﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ[1].

ـ ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ[2].

وفي قبال هذا الاعتقاد يذهب القائمون على تدوين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلى القول بأن للإنسان كامل الحرية في التصرّف بأمواله وممتلكاته كما

(192)

يحلو له سواء أخذ ارتباطه مع الله بنظر الاعتبار أم لا. إن مسألة الارتباط بالله في هذه الرؤية تعدّ مسألة أخلاقية، وليس هناك أيّ دور لرعاية هذا الارتباط في دائرة الحقوق[1].

في ضوء مبنى الرؤية القائلة بوجود الفطرة الإلهية لدى الإنسان، لا تكون روح الطفل صفحة بيضاء، بل هي صفحة تحتوي على فطرة مودعة فيه من عند الله، ومن هذه الناحية تكون الجهات التربوية والتعليمية مسؤولة عن الحفاظ على هذه الوديعة الإلهية، وإلّا فإن إهمالهم لهذه الوديعة سوف يعدّ خيانة في الأمانة؛ هذا في حين أنه في ضوء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان «لا يجوز لأحد أن يربّي الطفل على معتقده وأن يُنشّئه على الدين والطريق الذي اختاره. إن منشأ هذا المنهج التربوي والتعليمي يعود إلى ذات الرؤية الإلحادية التي ترى تساوي جميع الأشخاص في بداية الأمر من الناحية الثقافية والثروة الاعتقادية، ثم يتّجه كل واحد منهم إلى الطريقة التي يختارها في ضوء علمه وتجربته الخاصة»[2].

مزايا النظام الحقوقي في الإسلام

لقد تحدّث سماحة الأستاذ [آية الله الجوادي الآملي] -في إطار المقارنة بين النظام الحقوقي للإسلام وبين الأنظمة المشركة واللادينيّة- عن خمس مزايا للنظام الإسلامي:

أوّلًا: أفضلية الأسس الداخلية الفاعلية والغائية: إن النظام الحقوقي في الإسلام لم يقتصر على الاكتفاء بالأسس الداخلية وبمادة وصورة حقوق الإنسان فقط، بل وقد أكّد كذلك على النظام الفاعلي والغائي للحقوق أيضًا. يُضاف إلى

(193)

ذلك أن الإنسان ليس حقيقة دنيوية محصورة في هذا العالم، وإنما يتمّ أخذه بنظر الاعتبار مع فطرته الإلهية. إن المبدأ الفاعلي لهذا النظام عبارة عن الحكمة والهداية الإلهية، وإن المبدأ الغائي له عبارة عن العلم والتقرّب منه. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن الغاية من خلق السماوات والأرض هي علم الإنسان به؛ إذ يقول عزّ من قائل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا[1].

ثانيًا: إمكانية البرهنة: إن حقوق الإنسان الإسلاميّة ليست مجرّد أمر اعتباري وقائم على العقود العُرفية والعلمانية، كي لا تكون لها قابلية الاستدلال والبرهان، بل إن هذه المجموعة من القوانين الاعتبارية تعود بجذورها إلى التكوين، ويتمّ إثباتها بالبرهان اللمّي من خلال العقل العملي وتستند في بعض الموارد إلى الكلام الإلهي.

ثالثًا: الاستفادة من الضمانة التنفيذية: إن الضمانة التنفيذية للحقوق الإسلامية لا تقتصر على العناصر التنفيذية الخارجية أو العناصر الاجتماعية والثقافية فقط؛ وذلك لأن جميع هذه العناصر قد تفقد عنصر السيطرة لديها في بعض الشرائط والظروف. إن الضامن التنفيذي لهذه الحقوق في المجتمع والثقافة الدينية وبالنسبة إلى المؤمنين هو الله الواحد الأحد الحاضر مع الجميع في جميع الأحوال، والمطلع على أعمال الجميع: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[2].

رابعًا: التناغم والانسجام: لقد بيّن القرآن الكريم سرّ هذا التناغم والانسجام

(194)

في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا.[1] يمكن لنا أن نستنتج من هذا القياس الاستثنائي ما يلي: إن كل ما يكون من عند الله يحتوي على تناغم وانسجام، وكل ما يكون من عند الآخرين، يعاني من الفوضى والاضطراب، وهذا هو شأن النظام الحقوقي للإنسان[2].

خامسًا: إمكانية النقد والاستفادة من الأدوات التقويميّة: لقد أقرّ الإسلام العقل والنقل بوصفهما أداتين لتقويم حقوق الإنسان، وقد عرّف الإسلام كذلك بموازين خاصّة من طريق هذين الأمرين أيضًا، ومن بينها أن يجعل الإنسان من نفسه معيارًا؛ فيحبّ للآخرين ما يحبّ لنفسه، ويكره للآخرين ما يكره لنفسه؛ فقد روي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، أنه قال: «اجعل نفسك ميزانًا بينك وبين غيرك»[3]. ومن هنا يجب عليك أن تجعل من إرادتك معيارًا في العلاقة بينك وبين الآخرين، وعلى حدّ تعبير القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ[4].

النتيجة

تقوم حقوق الإنسان على أساس المباني والمبادئ. وهذه المباني عبارة عن مجموعة من الأصول والقواعد التي تعمل الحقوق على الاستفادة منها، من قبيل: حق العدالة والحرية والأمن. هناك مصادر أصولية تتخذ منها الأصول والقواعد وبالتالي تؤخذ منها الحقوق، مثل: العقل والوحي والعُرف. وهناك المبادئ والأسس الاعتقاديّة الموجودة في المساحة الأنطولوجيّة، والإبستمولوجيّة والإنثروبولوجيّة التي تتقدّم من الناحية المنطقية على المباني والمصادر والحقوق.

(195)

يمكن لفلسفة حقوق الإنسان أن تستعمل في معنيين، أحدهما: العلم الذي يبحث حول الحكم بشأن صحّة وسقم مبادئ حقوق الإنسان، وحيث إن أهم مبادئ حقوق الإنسان تقع ضمن المسائل الميتافيزيقية والفلسفية، فإن فلسفة حقوق الإسلام في هذا المعنى تكون جزءًا من الميتافيزيقا. والمعنى الثاني: العلم الذي يبحث في العلاقات المنطقية لمختلف الأنظمة. وقد تعرّض آية الله الجوادي الآملي في العديد من مؤلفاته إلى المبادئ الميتافيزيقية لحقوق الإنسان، وقد عمد -في كتابه (حقوق الإنسان في الإسلام)[1]- إلى بيان الارتباط المنطقي للمبادئ الإسلامية بمباني ومصادر حقوق الإنسان، وقارن بين التأثيرات التي تتركها الفلسفات الحديثة على مباني ومصادر حقوق الإنسان.

إن الإرادة التشريعية لله المتعلقة بالفطرة الإلهية للإنسان، تعد الوحي والعقل من جملة مصادر حقوق الإنسان التي يتم تحديدها على أساس المبادئ الإسلامية، وفي المقابل يقع العُرف والسنن التاريخية والرغبات النفسانية للأمم والجماعات المختلفة. إن حق الحياة، والحرية والعدالة، تعدّ من بين المباني الحقوقية، حيث تكتسب تفسيرًا خاصًا في ضوء المصادر والمبادئ الإسلامية، التي تستتبع بعض المزايا لحقوق الإنسان على مختلف الجهات؛ ومن بينها قيام حقوق الإنسان على أساس الجهات الفاعلية والغائية، وإمكانية البرهان، والاشتمال على الضمانة التنفيذية القوية، والتناغم والانسجام، وإمكانية النقد والاستفادة من موازين التقويم.

 

(196)

 

 

المصادر

  1. الجوادي الآملي، عبد الله، توحيد در قرآن: تفسير موضوعي قرآن كريم، قم، نشر إسراء، 1383هـ.ش.
  2. ـــــــــــــ، شريعت در آينه معرفت، قم، نشر إسراء، 1387هـ.ش.
  3. ـــــــــــــ، تبيين براهين إثبات خدا، قم، نشر إسراء، 1384هـ.ش.
  4. ـــــــــــــ، فلسفه حقوق بشر، قم، نشر إسراء، 1375هـ.ش.
  5. الحائري اليزدي، مهدي، كاوش‌هاي عقل عملي، طهران، مركز مطالعات و تحقيقات فرهنگي، 1361هـ.ش.
  6. المصباح اليزدي، محمد تقي، فلسفه اخلاق، طهران، نشر بين الملل، 1380هـ.ش.
(197)
(198)

 

 

فلسفة الحقَّ في الفكر الإسلامي، مرتضى مطهَّري إنموذجًا[1]

حسين توسلي[2]

ما هي حقوق الإنسان التي الثَّابتة؟ وعلى أيّ أساس نعدُّ الإنسان صاحب حقّ؟ وكيف نحلُّ مشكلة التَّعارض بين الحقوق الفرديَّة والمصالح الإجتماعية النوعيَّة؟ وما هي النِّسبة بين الحقَّ والمسؤوليَّة (التكليف)؟ وهل يمكن الجمع بين الحقوق الطَّبيعيَّة والاعتقاد الدِّيني؟

وما الفرق بين النظريَّة الحقوقية وفاقًا للرؤية الكونية الإسلاميَّة، وتلك المبيَّنة على الرؤية الإنسانيَّة (الهيومانيسم) الرائجة؟

هذه بعض النماذج من التساؤلات التي سوف نحاول استلهام أجوبتهما، مما تركته يراعة الشهيد مرتضى مطهري.

تعريفُ الحقّ

يُعرَّف الحقَّ بأنه: امتياز ونصيب بالقوّة يثبت لشخص معين يسمح له بإيجاد شيء، أو إزالة نتائجه، أو يعطيه أولويَّة في أمر معيَّن في مقابل الآخرين.

وبموجب هذا الحق، يجب على الآخرين أن يحترموا شؤونه، ويقبلوا بنتائج تصرُّفاته.

(199)

وللحق، بهذا المعنى، في نظر آية الله مطهَّري، خصوصيَّات يمكن أن نعرِّفه بها تمييزًا له ممَّا يقرب منه في المعنى كالحكم والملك والتكليف، وذلك من قبيل:

اولاً- إن الحقَّ أمر اعتباري، ومرتبط بظرف عمل الإنسان، واعتباره كأي اعتبار آخر (كالملكية مثلًا) يظهر في أن منشأ الاعتبار ليس له وجود حقيقي، ولا تترتَّب الآثار المقصودة منه ترتُّبًا تكوينيًا.

ثانياً- ثم إن الحقَّ يكون للشخص، بخلاف التكليف الذي هو عليه؛ وتلاحظ في الحقَّ الحاجات والرغبات البشرية، ما يجعله نوعًا من الرفق بالشَّخص وامتيازًا له.

ثالثاً- يتعلَّق الحقَّ بالفعل، بخلاف الملك الذي يتعلّق بالعين. لكن الحقَّ ليس مجرَّد إباحة شرعيَّة، بل هو صلاحيَّة قانونيَّة ترتبط بأعمال تترتب عليها آثار معيَّنة أو تزال بها النتائج الأوليَّة لعمل ما.

رابعاً- وزمام أمر الحقَّ بيد صاحبه، فهو من هذه الجهة على خلاف الملك والحكم القابل للإسقاط أو الإعراض، وهو كذلك يقبل النَّقل والانتقال بخلاف الحكم[1].

خامساً- التمتُّع بالحق غير مربوط بالقدرة والتمكن، بخلاف التكليف الذي هو مشروط بهما، وعليه فحق الأفراد العاجزين ومن لم يولد بعد يبقى محفوظًا[2].

لا يقبل المطهَّري التَّعريف الذي يطرحه بعض الفقهاء للحق[3]، بما له من معنى لغوي، هو «الثبوت»، أو «ثبوت شيء لشيء»؛ وذلك لأنه يستلزم ثبوت حقّ في كل مورد يثبت فيه شيء؛ إذ إن الثبوت كالوجود مفهوم عام يعرض على

(200)

الماهيات كلها، ويتكاثر بتكاثرها. من هنا، كان لا بد من تحديد مفهومله أكثر خصوصيَّة من هذا المعنى[1].

وهذه الخصوصيَّات بُيِّنت بشكل مفصل في معرض الحديث عن الحقوق المطروحة في الفقه، مثل حق الخيار وحقّ الشُّفعة وحقّ القصاص. ووردت مسائل كثيرة أخرى في شرح هذه البحوث في كتبنا الفقهية، وفي مؤلفات الشهيد مطهَّري كذلك، ولكن ليس من المناسب نقلها هنا ضمن البحوث السياسية، إلا أن هذا المقدار الذي بيَّناه يساعدنا في الوصول إلى فهم أكثر عمقًا ودقَّة لبحث الحقوق الإنسانية في الفلسفة السياسية.

الحقوق الطَّبيعيَّة والحقوق الوضعيَّة

قُسِّمت الحقوق الإنسانية تقسيماتٍ مختلفة، إحدى هذه التقسيمات يلحظ جهة منشأ هذه الحقوق ومصدر اعتبارها، فكما أن الأشياءالطَّبيعيَّة في هذا العالم التي لم تصنعها يد الإنسان والتي لها هوية مستقلة عن إرادته، توصف بالطبيعيَّة، فكذلك بعض الحقوق تسمى بالحقوق الطبيعية، لكونها ثابتة بالذات، وليست ناشئة من الوضع والاعتبار الإنسانيين. وذلك في مقابل الحقوق التي تستمد اعتبارها من واضعي القوانين الوضعية (أو من المشرَّع في الحقوق الشرعيَّة)، وهذه تُسمَّى بالحقوق الوضعيَّة.

ويعدُّ موضوع الحقوق الطبيعية، المتضمن بيان ماهيتها وكيفية توجيهها، من المواضيع المهمة في أبحاث الحقوق. ولدى الشهيد مطهَّري آراء وأفكار قيِّمة في هذا المجال، سنوضح بعضها في سياق هذا البحث، ونترك بعضها الآخر إلى مجال آخر.

(201)

مع بداية القرن السابع عشر، اقترنت النهضة العلمية والفلسفية بنهضةٍ في المسائل الإجتماعية، وُضعت تحت شعار حقوق الإنسان، وأخذ مفكرو القرنين السابع عشر والثامن عشر وكتَّابهما يطرحون أفكارهم حول حقوق الإنسان الطَّبيعيَّة والفطرية غير القابلة للسلب، في أوساط عامة الناس، بطريقة تدعو إلى الإعجاب، وقد كان من بين هؤلاء المفكِّرين جان جاك روسو وفولتير ومونتسيكو. ولهذه المجموعة فضل في عنق البشريَّة، وربما يمكن القول: إن فضل هؤلاء على المجتمع البشري لا يقل عن حق المكتشفين والمخترعين الكبار.

إن الأمر الأساسي الذي استرعى انتباه هذه المجموعة هو أن الإنسان، يملك، بالفطرة ونتيجة لوجوده الطبيعي، مجموعة من الحقوق والحريَّات لا يمكن لأي فرد، أو مجموعة، وتحت أي عنوان، وبأي اسم، أن يسلبها من أيَّ فرد أو قوم، بل إن صاحب الحقَّ نفسه لا يتمكَّن باختياره وإرادته أن ينقلها إلى غيره، ولا يمكنه أن يتخلى عنها. وكل الناس، في ذلك، سواء، الحاكم والمحكوم، والأبيض والأسود، والغني والفقير، متساوون في هذه الحقوق[1].

تنشأ الحقوق الطَّبيعيَّة، في نظر الشهيد مطهَّري، من الفطرة والطبيعة، ووجودها لا يخضع لواضعي القوانين والتشريعات. من هنا، كانت غير قابلة للنزع، فلها اعتبار ذاتي، بخلاف الحقوق الوضعية التي ينشأ اعتبارها من الوضع والاتفاق، وهي قابلة للنّزع.

تتفاوت الحقوق الطَّبيعيَّة مع الحقوق الموضوعة تفاوتًا ماهويًا، وإطلاق «الحق» عليهما كليهما شبيه بالاشتراك اللفظي، لا أن القانون أوجد أشياءً تشابه ما في الطبيعة. الحقوق الطَّبيعيَّة عبارة عن علاقةٍ بين الحقَّ وصاحبه، من نوع الرابطة

(202)

الغائية؛ بأي أن ذلك الشيء وُجد لأجل هذا الفرد. ووُجدت في الطبيعة وسيلة استكماله، وصاحب الحقَّ يمتلك نوعًا من الاستعداد والقابلية للتَّمتُّع به[1].

إنطلاقًا من أن مبدأ الحقوق الطَّبيعيَّة، في نظر مطهَّري، هو صفحة الوجود، فقد يطلق على هذه الحقوق، أحيانًا، اسم «الحقوق التكوينية». ومع الالتفات إلى ما صرَّح به من أن الحقَّ أمر اعتباري، مرتبط بظرف عمل الإنسان، كما مر في مبحث تعريف الحق، فإن المراد من التعبير بالحقوق التكوينية ليس أن هذا النوع من الحقوق أمر عيني ومن جملة وجودات العالم التكويني، وإنما المراد أننا نجد هذه الحقوق، ونكتشفها في جملة الروابط الغائية القابلة للملاحظة في صفحة الوجود، في مقابل الحقوق الموضوعة التي وضعناها بأنفسنا.

يقايس مطهَّري رحمه‌الله بين «الملك» و«الحق» بقسميه التكويني والاعتباري، فيقول:

«ما يُجعل للمالك، في الملكية التكوينية، هو المملوك نفسه، لا الإضافة الملكية، كما في البيع، مثلًا، ليس التبديل والتمليك إضافة ملكية، بل تمليك الشيء نفسه للمالك وإعطاؤه إيَّاه.

والحقُّ التكويني مثل الملك التكويني؛ أي يُجعل فيه ذات مورد الحق نفسه. والحقَّ الطبيعي ينتزع من وجود منشأ الحقَّ لذي الحق. الفرق بينهما هو أنه، في الحقَّ الطبيعي، الرابطة غائية؛ أي أن مورد الحقَّ جُعِل وسيلة لاستكمال صاحب الحق، ولأجله. أما الملكية التكوينية فالرابطة فيها فاعلية؛ أي أن المملوك تابع قهرًا للمالك. وبعبارة أخرى: وجود صاحب الحقَّ بالنسبة لمورد الحقَّ ليس بالفعل بل بالقوَّة وغائي، أما وجود المالك بالنسبة للمملوك فهو بالفعل وفاعلي»[2].

(203)

في الملكية الاعتبارية يكون المجعول هو المملوك، كما هي الحال في الملكية التكوينية، لا الملك، والجعل فيه، أيضًا، فاعلي لا غائي. أما الحقَّ الاعتباري، فكلا الأمرين فيه موضع نظر وتأمل؛ وذلك لأنه:

«أولًا: المجعول فيه هو الحق نفسه، وليس مورده؛ لذا كان الحقَّ الاعتباري قابلًا للنقل، والانتقال، والإسقاط، والإعراض كسائر المملوكات والثروات. ثانيًا: إن كون الحقَّ الاعتباري له جنبة غائية، كما للحقَّ الطبيعي جنبة غائيَّة، مورد تأمل»[1].

وعن الحقوق الوضعيَّة يقول مطهرَّي رحمه‌الله :

«يمكن القول: إن جميع هذه الحقوق تشبه الصلاحيات التي يعطيها المجلس النيابي للحكومة، أو تلك التي يعطيها رئيس الحكومة لأحد أعضائها، كما في الأعمال التي لا تنفَّذ إلاَّ بإجازة قانونية. أي لا بد لها من شرعيَّة قانونية، فنفاذها وقف على نوع من السبب الشرعي القانوني.

إذن، الأعمال التي تحتاج إلى شرعيَّة قانونيَّة واعتبار قانوني، أي تلك التي لا بد أن يترتَّب عليها أو يمنع بسببها أثر قانوني ما، أو تلك التي هي الممنوعة ذاتًا، ويحتاج جوازها إلى مجوِّز شرعي، مثل التصرف في مال الغير أو نفسه أو عرضه، وسوى ذلك كحق القصاص أو الغيبة أو الشتم، هذه الأعمال جميعها يقتضي إعطاء شخص ما صلاحية فعلها ذلك تسمية لتلك الصلاحية أو لتلك السلطة. فالحق، في هذه الأعمال، عبارة عن الصلاحية القانونيَّة للإستفادة من الأسباب القانونيَّة أو الأعمال الممنوعة.

(204)

طبعًا، أثر الحقَّ، في المورد الأول، هو النفوذ الوضعي، وفي المورد الثاني هو رفع الآثار الأولية لشيء ممنوع»[1].

الحريِّة والمساواة بوصفهما حقَّين؟

عرضنا، في ما تقدم، بعض خصائص الحقَّ التي تمكَّنا، في ضوئها من التفريق بينه وبين الملك والحكم. وبملاحظة هذه الخصائص، يُطرح أمامنا سؤال، وفي كل مورد يُعبِّر فيه بلفظ «الحق» عن أمر ما في المحاورات العامة، وهو: هل لهذا الحقَّ هنا تلك الخصائص أيضًا؟ وبعبارة أخرى: هل الحقَّ هنا حقيقي أم سمِّي حقًا تسامحًا ومجازًا؟ ونذكر، على سبيل المثال، الولاية، بوصفها وظيفة الولي، والتي لوحظت فيها مصلحة الموَلَّى عليه، فهل تُسمَّى حقًا للولي؟

وهل يمكن اعتبار الحياة ملكًا للحق، فنقول: «حق الحياة» مع أنَّ هذا الحقَّ غير قابل للإسقاط ولا للإعراض؛ أي أن زمامه ليس بيدنا.

وهل يصح أن نسمي المساواة، وهي غالبًا وظيفة في التعامل مع الآخرين، وليست اختيارًا وصلاحية لشخص معيَّن، «حقًا» للفرد؟

وفي معرض الإجابة عن هذه الأسئلة يبدي آية الله مطهَّري وجهة نظر خاصة، فيقول عن الحقَّ في الحياة:

«ليست الحياة حقًا، وليست حرية الرقبة حقًا، كما أن ملكية النفس ليست ملكية قانونية... فكما أن الإنسان لا يستطيع أن يصرف النظر عن حريته ويبيع نفسه، فكذلك لا يستطيع أن يتخلى عن حياته»[2].

(205)

وبالنسبة لحق الحرية والمساواة يقول

الحقيقة هي أن الحرية والمساواة لا يمكن عدُّهما من جملة الحقوق؛ إذ لا يصدق عليهما تعريف الحقَّ والملكية. وأقصى ما يقال فيهما: إنهما من الأمور التي لا تُجعل على نحو التكيُّف ولا تُمنع، فكما لا يمكن منع الإنسان من التنفس لا يمكن منعه من حرَّيته.

فيجب أن يكون القانون مراعيًا للمساواة بين الأفراد في وضعه وفي تطبيقه. ولكن الحرية والمساواة ليستا حقَّين في عرض سائر الحقوق.

الحق والملكية يتعلقان بالأشياء الخارجة عن وجود الإنسان. فكما أن الإنسان لا يمكن أن يكون مالكًا لنفسه لا يمكن أن يكون مالكًا لنفسه. لا يمكن أن يكون له عليها حقّ. حقَّ الحرية معناه أنه ليس للآخرين أن يسلبوا مني حريتي، وكما أن معنى ملكية النفس هو أن لا يكون المرء مملوكًا لغيره؛ أي ليس مالكًا لنفسه ملكًا حقيقيًا، فكذلك ليس للإنسان أن يسلب عن نفسه حريته أو يبيع نفسه، وعليه فالحرية ليست حقًا، بل هي فوق الحقَّ.

طبعًا في مورد الحقوق لا يمكن القول: إنه يلزم أن يكون الحقَّ «على أحد» أو «على شيء»؛ إذ نرى، في الطبيعة، أن كل شيء وجد لأجل شيء آخر يكون منشأ لانتزاع حق فيه، فالدماغ وُجِد لأجل التفكير، واللسان وُجِد لأجل النطق والبيان؛ لذا يمكن القول بوجود الحقَّ التكويني في العقيدة وفي حرية البيان. والحق التكويني فيهما هو الإجازة والإذن بالاستفادة منهما، وذلك مثل الإذن للضيف بأن يتناول الطعام الذي وضعه أمامه المضيف.

فموضوع الحقَّ هنا هو البيان نفسه، وليست الحرية في الاستفادة من هذا الحقَّ مقابل منع ذلك من الحقوق. وبعبارة أخرى: الحقَّ هنا هو نوع من الإذن

(206)

والإجازة وعدم المنع من الناحية الطبيعية، لا أنه نوع من الحرية والاختيار المتعلِّقين بالعقيدة والبيان؛ بحيث يمكن رفعه وصرف النظر عنه.

وموضوع المساواة، كذلك أيضًا، ينتزع من لزوم عدم التمييز في التعامل مع الآخرين وضرورة التساوي بين الناس؛ وذلك لأنهم خُلِقُوا متساوين في الحقوق، وعليه، فليست المساواة نفسها حقًا مستقلًا، بل هي متأخرة عن الحق، ومترتبة على الحقوق»[1].

مبنى الحقَّ وأساسه

قلنا في تعريف الحق: إنه امتياز قُرِّر لصالح ذي الحق، على نحو أنه بموجب هذا الامتياز يُثبِتُ له مجموعة صلاحيات أو يرفع عنه بعض الممنوعات والتحديدات، ويُلزِم الآخرين بمراعاة هذه الشؤون والتعامل معها على أنها رسمية وشرعية.

السُّؤال المهم المطروح هنا هو:

على أي أساس يُعطَى هذا الحقَّ للفرد؟ وما الذي يدعونا إلى الاعتقاد بأنه يتمتع بهذا الحق؟

ومرادنا، من «مبْنَى الحق»، تقديم الجواب عن هذا السؤال المتقدم ذكره. وبعبارة أخرى: مبنى الحقَّ عبارة عن المعيار الذي يراعى في جعل الحق؛ أي الأساس الذي يلحظه الشارع و المقنَّن وكل مصدر تشريعي عندما يشرِّع حقًا لشخص ما.

فلو افترضنا أن للحقوق منشأً ذاتيًا، بمعنى أنها لا تتوقف على جعل قانون أو شرع، فما هو المعيار لهذه الحقوق وكيف لنا أن نتعرف إليه؟

(207)

هذه هي التساؤلات التي تنبغي مناقشتها في مبحث مبنى الحق.

وكما أشرنا، سابقًا، فإن الحقوق، في نظر مطهَّري، ليست مجرَّد اعتبار تشريعي، بل هناك سلسلة أسس ومعايير أعلى من القوانين الوضعية، وهي لا تأخذ مشروعيتها من القانون، وإنما بل هي ميزان حقانية القانون وقبوله، يعني أن مشروعية عمل المُقَنِّن رهن بمدى انسجامه مع هذه الحقوق. فوجود العدالة والحقوق متقدم على وضع أي قانون في الدنيا، ولا يمكن تغيير ماهية العدالة وحقوق الإنسان بالقانون[1].

وفي إطار الشريعة نفسها، فإن تمام ماهية الحقوق والتكاليف كلها ليست ناشئة من الشريعة بشكل محض، إذ إن طائفة منها لها وجود في الواقع؛ وما وضع التنازع لها وجعلها نصًا شرعيًّا إلاّ من قبيل ضمان استقامتها. فبعض هذه الحقوق يمكن لنا معرفته من طريق العقل والوجدان، وبعضها الآخر تنحصر طريقة معرفته ببيان الشارع الموضح لوجود المصالح والمفاسد الواقعية، وهذا هو طريق لفهم حقوق الإنسان وتكاليفه الواقعية. «التكاليف السمعية ألطاف في التكاليف العقلية».

ومن الواضح أن حقوق الإنسان ليست كلها في رتبة واحدة؛ فبعضها، وهو ما يمكن أن نسميه «الحقوق الأساسية»، هو بمنزلة الأساس /البنية التحتية التي تقوم عليها حقوق أخرى، وتُوجَّه وفاقًا لها. مثلًا: حق الحياة، وحق الحرية، وحق الاستفادة من النعم الطبيعية، وحق مالكية ما يحوزه الفرد، فهذه الحقوق جميعها هي من هذه الحقوق الأساسية.

وعليه، فما يستحق أعلى درجات الاهتمام، في مبحث مرتكزات الحقوق، هو

(208)

كيفية توجيه الحقوق الأساسية وتسويغها. من هنا، ينبغي تبيين المبدأ الذي تقوم عليه الرابطة القائمة بين منشأ الحقَّ وشخص صاحب الحق، ولماذا نثبت لشخص ما مثل هذه القوة أو الصلاحية أو الحصانة؟

ولماذا نلزم الآخرين بالقيام بتكاليف معينة تجاهه؟

وبتعبير مطهرَّي: «علينا أن نرى ما هي المباني الأولية للحقوق الإسلامية التي تتطابق مع الأصول المستنبطة من القرآن الكريم وسيرة أئمة الدين. كيف يمكن إيجاد علاقة خاصة نسميها حقًا بين الإنسان وبين شيء آخر؛ بحيث لو أن أحدًا سلبه ذلك لقيل عنه: إنه سلبه حقه. ما هو المنشأ والمحقِّق لهذه العلاقة؟»[1].

الرَّابطة الغائية والرَّابطة الفاعلية

يتابع آية الله مطهَّري حديثه في هذا الصدد فيقول: الموجد أو العلة أو السبب، ما شئت فعبر، على نحوين: إما فاعلي وإما غائي؛ أي سببًا لوجود شيء آخر وعلة له... من جهة أنه مقصد ذلك الفعل وغايته... مثلًا الكلام الذي يصدر عن شخص ما له علاقة به هي علاقة الفعل بفاعله، وله علاقة أخرى، هي علاقة الوسيلة والمقدمة بالغاية وبذي المقدمة، فهذان السببان (الفاعل والغاية) لو لم يوجدا لما أمكن وجود هذا الكلام. فكل منهما هو موجد له...

وفي باب «الحق» و»صاحب الحق» نؤمن بوجود نوع من العلاقة الخاصة بين البشر وسائر مخلوقات هذا العالم. والبشر يرون لأنفسهم حقوقًا، فعلينا أن ننظر من أين جاءت هذه العلاقة؟ وما الذي يربط بينهما؟ هل هي من نوع علاقة الوسيلة بالغاية والمقدمة بذي المقدمة، أو من نوع علاقة الفعل بفاعله؟»[2].

(209)

يستخدم مطهري، بغية توضيح هذا المطلب، الاصطلاحات الفلسفية المنسوبة لأرسطو، والمستخدمة في باب العلية؛ فهذا الفيلسوف يتحدث في كتاب «ما بعد الطبيعة» عن أربعة أنواع من العلل هي:

1. المادة: وهي القوة والقابلية؛ أي أرضية قبول وجود الشيء.

2. الصورة: وهي التعيُّن الخاص الذي يعطي الشيء فاعليته، وهي منشأ هويته ومنشأ آثار خاصة وجديدة فيه.

3. العلَّة الفاعلية: وهي منشأ حركة الشيء وموجده.

4. العلَّة الغائية: وهي الهدف الذي وجد الشيء لأجله.

ويسمَّي النوعين الأولين بالعلل الداخلية أو علل القوام؛ لأنها متحدة الوجود مع معلولها وباقية ضمن وجوده. ويسمي النوعين الآخرين اللذين هما خارجان عن وجود المعلول بالعلل الخارجية أو علل الوجود.

وبما أن المادة والصورة منحصرتان بالمعلولات المادية، فإن العلل المادية لا عموم فيها لتشمل كل الأشياء، فلا يخلو التعبير عنها بـ«العلة» عن تجاوز، فتنحصر العلل الموجدة بالنوعين الفاعلي والغائي؛ ولهذا لم يشر مطهَّري سوى إلى هذين النوعين.

طبعًا، محل هذا البحث الحكمة النظرية التي ينصب التركيز فيها على عالم التكوين ومنشأ وجود الحركة والموجودات الماديّة، - كما هو عند أرسطو -، أو التركيز على ظهور الحقائق بشكل عام، كما ترمي إليه الحكمة الإلهية.

فهو هنا -أي في مجال الحكمة العملية - يستخدم هذه المصطلحات بوصفها طرحًا لبيان نظريته في مجال منشأ الحقوق، فيقسِّم العلاقة بين الإنسان ومورد الحقَّ إلى قسمين: فاعلي، وغائي[1].

(210)

القسم الأول (الفاعلي): وهو عبارة عن الحقوق التي تحصل للشخص بسبب سعيه وعمله، مثلًا: «الشخص الذي يغرس شجرة في الأرض، ويراقبها، ويسقيها حتى تثمر، تكون العلاقة بينه وبين هذه الثمرة علاقة فعل وفاعل؛ أي أن فعله هو السبب في وجود الثمرة، ولولا فعله لما كان لها وجود. وهذه العلاقة بنفسها هي التي تعطيه حقًا فيها»[1].

القسم الثاني (الغائي): وهو عبارة عن الحقوق التي نرى أنها ثابتة للشخص لمجرد أنه إنسان، حتى ولو لم يعمل من أجلها؛ وذلك لأننا نجد أن في الطبيعة أشياءً وُجدت لأجل هذا الإنسان. ويمكننا أن نعد هذا النوع من الحقوق ضمن الحقوق الفطرية والطبيعية.

مبنى الحقوق الفطرية

يعتقد مطهَّري بأن المنطق الإلهي يقضي بـ «أن كل شخص يأتي إلى هذا الوجود يثبت له على هذا العالم حق بالقوة، فأبناء هذا العالم لهم حق طبيعي على آبائهم وأمهاتهم، ليس لأنهم سيعطونهم شيئًا فيما بعد، وإنما لمجرَّد أنهم أبناء لهم في هذا العالم»[2].

وقد شرح هذه الفكرة بعبارات أوضح، في كتابه «عشرون محاضرة»، ولذا سأنقل حرفيًا بعضًا مما قاله فيه:

«وفقًا للرؤية الكونية الإسلامية إلى الإنسان، والعالم، والحياة، والوجود هناك علاقة غائية بين الإنسان وبين ما في هذا العالم من مواهب ونِعَم؛ أي أن الخطة العامة للغلق مبنية على أساس العلاقة بين الإنسان وغيره؛ من موجودات هذا العالم بحيث لو أن الإنسان لم يكن موجودًا لرُسِمت خطة الخلق على نحو مختلف تمامًا. وقد صرح القرآن الكريم مرارًا بأن ما في الوجود من نعم قد خُلِق لأجل

(211)

الإنسان، وبحسب القرآن الكريم توجد علاقة بين البشر وبين هذه المواهب والنعم، حتى قبل أن يقدروا على القيام بأي فعل وبأي سعي، وقبل أن تُبلَّغ الأحكام بواسطة النبي للناس، وهذه المواهب ثابتة للإنسان وحق له كما يقول تعالى: (خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا)[1].

ويقول في مقدمة قصة خلق آدم ؟ع؟:

(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ)[2].

الحقوق الفطرية هي الحقوق الإلهية عينها، خلافًا لما توهُّمه بعض الكتَّاب الجدد، فلا يوجد ثنائية ولا تقابل بين الحقوق الفطرية والحقوق الإلهية، وليست الحقوق الإلهية منحصرة بالحقوق الوضعية التشريعية[3].

وقد ورد في كتاب «مطهري، نظام حقوق زن در اسلام»، بعض المطالب المرتبطة بهذا البحث، منها:

تنشأ الحقوق الطَّبيعيَّة من وجود هدف للطبيعة؛ لأجله جعلت الاستعدادات في الأشياء، وأعطي لها استحقاقات معينة.

الإنسان، بما هو إنسان، يتمتع بمجموعة حقوق خاصة لا تشاركه سائر الحيوانات في شيء منها.

طريقة تشخيص الحقوق الطَّبيعيَّة تعتمد على الرجوع إلى الخلقة والإيجاد، فكل استعداد طبيعي هو منشأ طبيعي لحق طبيعي[4].

وعن ضرورة التناسق بين عالم التكوين وعالم التشريع يقول:

(212)

«مهما نجد في الطبيعة من قوانين غير إلزامية، لا تجبر الإنسان على طريقة معينة في فعله، ومهما نجد قوانين يضعها العقل والشرع (بواسطة الوحي) لا تُلزم الإنسان، ولا تجبره على الطاعة، بل تتركه مختارًا، فإننا لا نشك في أن هذه القوانين الوضعية والاعتبارية مكملة ومتممة للطبيعة وتسعى لمساعدتها؛ لهذا كانت الفطرة الإنسانية وساحة الخلقة والإيجاد أفضل منبع إلهامي للقوانين الوضعية[1].

المنطق الإلهي وحده هو الوافي بتوجيه الحقوق الفطرية

يعتقد مطهَّري بأنه: «لا يمكن تأسيس الحقوق الفطرية إلا على أساس مبدأ الغائية. وخير دليل على ذلك تناسق نظام العالم وروابطه الحاكية عن الهدفية فيه. فمثلًا السن وجد للمضغ، وحلمة ثدي الأم لرضاعة الطفل، والفاكهة للأكل، ولا يوجد غير هذه الطريق لإثبات الحقوق الفطرية بما هي أمر واقعي. فلا يمكن لنا أن نصل إلى نتيجة مفادها أن هذا الحقَّ طبيعي أو فطري بمجرد الاعتماد على فكرة الملائمة الاتفاقية؛ أي أن نرى أننا نرفع حاجاتنا بهذه الأمور بمحض المصادفة.

ولا يمكن لنا توجيه الحقوق الفطرية إلا على أساس واحد فقط، وهو مبدأ الغائية وقبول فكرة وجود نظام إرادي وهادف؛ بحيث لو لم يكن هناك محتاج لما وجد المحتاج إليه. ولو لم نعترف بمبدأ الغائية، فلا بد لنا من أن نعتبر أن مواهب الطبيعة عبارة عن ثروة جاءت من الريح والفراغ، ووقعت على الأرض بالصدفة، فصودف أنها كانت مفيدة للبشر. وهذا لا يصلح مبنى لوجود حق لنا على العالم.

طبعًا، للإنسان حق الأولوية في ما يحصل عليه بعمله وجهده، ولكن بهذه

(213)

الطريقة لا يتم توجيه وجود حق ابتداءً، ومن دون سعي له على الطبيعة. في المنطق الإلهي فقط، وعلى أساس قبول مبدأ الطبيعة الهادفة، تصبح الحقوق الفطرية قابلةً للتوجيه[1].

كيف يكون للإنسان حقٌ على اللَّه تعالى؟

قلنا فيما سبق: إن مطهَّري يؤمن بوجود حقوق ذات اعتبار ذاتي، وغير خاضعة للوضع والجعل القانونيين، ويرى أن هذه القاعدة تجري في إطار الشريعة أيضًا؛ أي بقطع النظر عن أوامر الشارع ونواهيه؛ بحيث تكون خطابات الشارع مبينة لتلك الحقوق والمصالح الواقعية. والسؤال المطروح هنا هو: كيف يمكن تصوير وجود حق للإنسان على الله تعالى؟ هل هذا الأمر ملائم لعقائدنا المتعلقة بالله وبالتوحيد الإلهي؟

الجواب الذي يتبنَّاه المتكلمون هو أن الإنسان ليس له على الله حق على نحو الحقيقة، ولكن يمكن استخدام لفظة «حق» في هذا المجال، تسامحًا ومجازًا، ويستدلَّون لذلك بكلام المعصومين.

يقول مطهَّري في كتاب «الحكم والمواعظ»:

«توجد للذات المقدَّسة، للباري تعالى، وهو الغني الكامل والمالك المطلق، حقوق على مخلوقاته، والعباد مدينون لفضله ونعمه، ومسؤولون عن أوامره، وهو غير مدين لأي موجود: لذا يقول الإمام علي عليه‌السلام: «ولو كان لأحد أن يجري له، ولا يجري عليه لكان ذلك خالصًا لله سبحانه»[2]

وهو غير مسؤول ولا مدين في حال أن المخلوقات مسؤولون ومدينون في سائر وجودهم: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)[3].

(214)

ومع ذلك، فإن الله، رغم ثبوت حق الطاعة له على الناس، تتفضَّل على العباد بالرحمة والعناية، وقد عدَّ ذلك حقًا رسميًا للناس عليه. يعني مع نعمة الوجود ما من أحد له حق المطالبة بالثواب على طاعة نفسه مدينًا، ومع ذلك جعل الله ذلك اللطف والعناية منه حقًا، وعد نفسه مدينة للبشر بإعطاء الأجر والثواب»[1].

أما إذا غضضنا النظر عن مسألة الثواب على الطَّاعات، وما نقلناه من مشرب المتكلمين في هذه المسألة، فكيف، وبأي معنى، يمكن تفسير فكرة وجود حق طبيعي للإنسان على الله، على نحو يكون فيه هذا الحق مقدمًا على الشرع؟

لا بد لنا - لكي تتضح هذه الفكرة - من أن نلتفت مرة أخرى إلى مبنى الحقوق الطَّبيعيَّة عند مطهَّري.

يرى مطهَّري نوعًا من الارتباط الغائي موجود بين صاحب الحقَّ ومصدره؛ أي حينما نرى في الطبيعة إنسانا محتاجا لأمر ما، وهو مستعد لتلقي أشياء خاصة تلبِّي تلك الحاجة، ثم نرى أن يد مدبر عالم الخلق خلقت شيئًا يصلح وسيلةً مناسبة لتأمين ما ينشده هذا الإنسان، عندها نقرُّ باستحقاقه هذه الوسيلة، من هنا: «يمكن القول: إن الحقَّ يثبت لصاحب الحقَّ الذي له استحقاق القابل في مقابل المعطي؛ أي أن له قابلية تامة على عكس من ليس له هذا الحق؛ حيث لا يتمتَّع باللياقة والقابلية اللازمة، فيكون الفيض في مورده هدرا[2].

ويقول في كتاب «العدل الإلهي»:

«في عالم العلاقات الإنسانية، نحكم على الشخص الذي نرى أنَّه لا يتعدى على حقوق الآخرين، ولا يفاضل بين الناس من دون دليل، ويناصر المظلوم، ويعادي الظالم، بأنه حائز على نوع من الكمال، ونمدح فعله، ونسميه عادلًا؛

(215)

وذلك في مقابل الفرد الذي يعتدي على حقوق الآخرين، ويفضل بعضهم على بعضهم الآخر بلا سبب، فهذا نعدُّه ظالمًا، ونقبِّح فعله.

هذا بالنسبة للناس، أما بالنسبة لله تعالى فهل الحال واحدة؟ وهل عدالة الله تعالى على هذا النحو أيضًا؟ إذا فسَّرنا العدل بهذا المعنى الأخلاقي المستخدم في دائرة البشر، فلا بد من أن يكون بالنسبة لله عز وجل بهذا المعنى نفسه. فهل يمكن أن نجد له مصداقًا عمليًا في مورد الله تعالى؟

من الطبيعي أن يقال في مورد الخالق والمخلوق: إنَّ كل ما لدى المخلوق هو من الخالق، وليس لأحد، في مقابل الله تعالى، حق ولا مالكية ولا أولوية، فهو مالك الملك المطلق. من هنا، إذا كانت العدالة هي مراعاة حق الغير والظلم هو التعدِّي على حق الغير. فلا بد من أن نفترض أساسًا لهذا الحقَّ عندما نريد تطبيق هذين المفهومين. وعلى هذا الأساس، لا يمكن لأفعال الله تعالى أن تتصف بالعدل والظلم».

ويتابع مطهَّري حديثه، فيقول:

«معنى العدل الذي يمكن نسبته إلى الله تعالى، في نظر الحكماء الإلهيين، هو أن الله يراعي، في عملية إفاضة الكمالات الوجودية القابليات وإمكان الاستفاضة وتلقي الموجودات للفيض؛ ولأنه فيَّاض مطلق يعطي كل موجود على حسب قابليته واستحقاقه الوجودي الملائم لمرتبته، ولا يمنع سيبه، ولا يمسك عطاءه عن أحد. فعدل الله عين فضل وجوده، ومنتزع من فيضه، لا أن الموجود له عليه حق على نحو يكون إعطاء هذا الحقَّ تسديد حساب، أو أن للموجود حق المطالبة به. فإذا حكمنا حكمًا قطعيًا بعدل الله فمن باب العلم بأن الفيَّاض المطلق لا يفعل إلا هذا الفعل، لا أننا نفرض تكليفًا معينًا عليه تعالى»[1].

(216)

وعليه، يمكننا الإستنتاج: إننا إذا فرضنا، نتيجة لملاحظة فطرة الإنسان، وجود نوع من الاستعداد والقابلية والربط الغائي بينه وبين أمر معين، فسنقطع بأن له لياقة واستحقاقًا خاصيَّن لهذا الأمر. فمع الالتفات إلى فضل الله ورحمته وحكمته، نكتشف أنه -عز وجل- لن يتخلَّف عن الإجابة والعطاء المناسبين لهذا الاستحقاق.

وعلى ضوء ذلك، سوف نعرف بالفطرة والعقل حكم بعض الأفعال، قبل أن نلجأ إلى خطاب الشرع لأخذ الدليل، والحجَّة الظاهرة.

وتوجد مباحث خاصة حول علامات ومعايير هذا التشخيص القطعي العقلي ومعاييره وحدوده نتعرض لها في موضعها.

التوأمة بين الحقَّ والمسؤولية

تقرر الرؤية الإسلاميَّة، على خلاف بعض الرؤى الغربية الحديثة، أن الإنسان ليس مجرد طالب وآخذ من الطبيعة ومن الآخرين؛ أي لا تُختصر إنسانية الإنسان في كسب المنافع الشخصية وكثرة التطلّب والتحرُّر من القيود. فعلى الرغم من أن الميل إلى هذه الأمور هو جزء من طبيعة وجوده، فإن أحد العناصر المحورية في شخصيته، والأمر الذي يميّزه عن سائر الحيوانات والجمادات هو الشعور بالالتزام بالحق والفضيلة. وشرف الإنسان في وجوده هو مبدأ الشعور بنوع من المسؤولية تجاه الله تعالى.

يقول مطهَّري في معرض الإشارة إلى آية: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا)[1].

(217)

«هذه الأمانة التي امتنع الجميع من حملها وقَبِلها الإنسان وحده، هي التكليف والمسؤولية، فكل كائن من الموجودات (غير الإنسان) يطوي كل مراحل كماله، ويصل إلى ما يصل إليه من دون إرادة واختيار، ولا يمكنه أن يبدل طريقه ويغيره بمحض رغبته وإرادته. الإنسان وحده هو القادر على تغيير حركته نحو أي هدف يريد وفي أي لحظة. الإنسان يطوي كثيرًا من مراتب كماله ورقيِّه في ضوء التكليف والقانون والمسؤولية القانونية. إنه لافتخار كبير للإنسان أن يتمكن من الالتزام بالحق والنهوض بالتكليف. رغم أن كثيرا من الناس يريدون أن يتحرَّروا من قيد التكليف باسم الحرَّية.

طبعًا، يتمكن الإنسان من أن يعيش بحريته، ويجب أن يعيش بحريته، ولكن بشرط أن يحافظ على إنسانيته. يمكنه أن يتحرر من كل قيد إلا قيد الإنسانية. الإنسان الذي يريد أن يتخلص من قيد تكليفه وحقوقه، عليه أولًا أن يستقيل من إنسانيته.

الإنسان، بحكم هذا الاستعداد الفطري، يحصل من جهة على استحقاق كبير للاستفادة من مواهب الخلقة. وتُلقى، من جهة أخرى، على عاتقه مسؤولية عظيمة تجاه كل الموجودات المجعولة في خدمته من جماد ونبات وحيوان، فضلًا عن المسؤوليات العظيمة تجاه أبناء نوعه»[1].

يقول القرآن الكريم (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ)[2]

أي خلقكم من الأرض، ويريدكم أن تعمِّروها. وعليه، فليس لكم حقوق فعلية لمجرد كونكم أبناءً لهذه الأرض وهذا التراب والماء. السعي وإعمار الأرض

(218)

وإحياؤها أمور ضرورية. فما لم يتم الالتزام بهذا التكليف لا يخرج هذا الحقَّ من القوة إلى الفعل. وسائر الأحياء تعيش بوحي من الغريزة، أما الإنسان الذي يملك العقل والاختيار، فإن دائرة عمله واسعة، عليه أن يعمل ليستفيد من عطاءات الله. نعم، ما دام الإنسان في مرحلة الغريزة فإنه يأخذ حقوقه من دون تكليف كحق الطفل بثدي أمه، ولكن عندما يريد أن يرتضع من ثدي أمه الأرض فلن يكون رزقه حاضرًا، عليه أن يسعى في تهيئته، من هنا كان لأمه الأرض عليه حق العمران في مقابل حقه عليها.

قال الإمام علي عليه‌السلام في أوائل أيام خلافته:

«إنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم»[1].

ويقول عليه‌السلام في مجال التلازم بين الحقوق والتكاليف:

«لا يجري لأحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له»[2]؛ أي أن هناك تلازمًا بين الحقوق والواجبات[3].

إن كثيرًا من المناصب الاجتماعية التي هي في الظاهر إمتياز وحق للفرد، هي في الواقع تكليف ومسؤولية. فإن أسأنا الاستفادة من المناصب الاجتماعية عندها نعلم أنه لا يمكن تسميتها حقوقًا، بل علينا أن نسميها تكليفًا، وشرائط التكليف غير شرائط الحق. الخلافة والحكومة كانت لعلي تكليفًا لا حقًّا. كان في أيام الحر يخرج من دار الإمارة ويجلس في الظل، لعل مولاه افتقده، فلم يجده في هذا الطقس الحار، هذا في الواقع أعلى من التكليف، إنه رياضة[4].

(219)

لزوم اعتراف الحكومات وأولياء الدين بحقوق الناس

من الأمور المهمة، في كلام مطهَّري (ر هـ) تركيزه على أن الاكتفاء بالحقوق الإنسانية وعدم ملاحظة المسؤوليات، وحصر الاهتمام بالتكاليف والوظائف، وعدم مراعاة الحقوق الإنسانية، يوقعنا في الإفراط أو التفريط، وكلاهما خطأ. ومن يُرد أن بناء نظام المجتمع على أحد هذين يصل إلى طريق مسدود؛ إذ أن، في القول بمحورية الحقوق والفردية والتحلل من المسؤوليات والمشاعر الإنسانية تجاه الآخرين، إفراطًا، كما أن في محورية التكاليف تفريطًا.

وقد أشرنا سابقًا إلى الشق الأول[1]، وهنا نوَضِّح الشق الثاني بكلمات مطهَّري. فهو بعدما لفت إلى أن علماء الإسلام بيَّنوا أصل العدل، وأقاموا بناء فلسفة الحقوق عليه، وبعد ما أوضح أن هذا الأمر تم على يد علماء المسلمين لأول مرة في تاريخ الفكر الإنساني، يقول:

«إنني أؤمن بوجود عامل نفسي وجغرافي أثَّر في عدم متابعة المشرق الإسلامي لمسألة الأساس العقلي للحقوق التي قام هو بتشييد دعائمها، وإن أحد الفوارق بين روح الشرق والغرب يكمن في أن الشرق تتملكه نزعة أخلاقية بينما يجنح الغرب نحو القانون. يتعطش الشرق للأخلاق، بينما يتعطش الغرب للحقوق. فالشرقي، بحكم طبيعته الشرقية، يجد إنسانيته في إحياء روح العاطفة والتسامح وحب أبناء جنسه والشهامة. أما الغربي فيجد إنسانيته في التعرُّف على حقوقه والدفاع عنها والحيلولة دون تجاوز الآخرين حدودها.

وإن الإنسانية بحاجة إلى الحقوق كما هي بحاجة إلى الأخلاق أيضًا، وليست الحقوق وحدها معيار الإنسانية، ولا الأخلاق وحدها معيارًا لها. وقد جمع الدين الإسلامي المقدَّس بين الأمرين معًا، فكما أنه عَّد العفو والإخلاص والنزاهة

(220)

ظواهر أخلاقية مقدَّسة، عدَّ التعرُّف إلى الحقوق والدفاع عنها ظواهر إنسانية ومقدَّسة أيضًا[1].

ويتحدث، في كتاب في «رحاب نهج البلاغة»، عن ضرورة اعتراف الحكومات بحقوق النَّاس، فيقول: «وما يحقق رضا الناس طبيعة نظرة الحكومة إلى الشعب وإلى نفسها، فهل تنظر إليهم بعين أنهم عبيد ومماليك لها، وهي المالكة لهم المتصرفة فيهم ؟ أم بعين أنهم ذوو حقوق في جميع الأمور، وهي مجرد نائبة عنهم وممثلة لهم ومؤتمنة عليهم؟

في الحالة الأولى يكون كل ما تعمله لهم من نوع الرعاية التي يقوم بها صاحب الحيوان لحماية حيواناته، والحالة الثانية تكون من نوع الخدمات التي يقوم بها مستأمن صالح. وإن اعتراف الحكومات بالحقوق الواقعية للشعوب وتجنبها لكل عمل يشعر الرعية بعدم الحقَّ بالحاكمية هما من الشروط الأولية لجلب رضا الناس وطمأنينتهم[2].

ثم يتابع حديثه مشيرًا إلى التجربة التاريخية السلبية لشكل حاكمية الكنيسة وما أدت إليه من بروز النزعة المادية، فيقول:

«عندما نبحث عن علل هذا الأمر (ظهور المادّيَّة) وأسسه، نرى أن منها ضحالة مفاهيم الكنيسة للحقوق السياسية، فأسياد الكنيسة وبعض الفلاسفة الأوروبيين، ادعوا وجود نوع من العلاقة المصطنعة بين الدين من جهة، وقيام الحكومات الاستبدادية وسلب حقوق الناس السياسية، عن الناس من جهة أخرى. ومن الطبيعي أن يفترضوا، إزاء ذلك، نوعًا من العلاقة المصطنعة أيضًا بينا للأدينيَّة وبين الديمقراطية وحكومة الشعب للشعب.

(221)

وإن من عوامل تراجع الدين أن يدَّعي أولياء الدين تضادًا بين الدين والحاجات الطبيعية، لا سيما إذا كانت حاجاتٍ ظاهرة عامة تعم المجتمع بأسره، وتتحكم في أفكار أفراده.

وتمامًا، عند بلوغ الاستبداد في أوروبا نقطة الذُّروة، وعند تعطُّش الناس إلى فكر يعترف بحقهم في الحكم والحكومة، عرضت الكنيسة أو أنصارها أو من يعتمد على أفكارها، الفكر الذي يزعم أن لا حق للناس في الحكومة، وإنما هم موظفون ومكلَّفون. وكان هذا كافيًا في لاستنهاض المتعطشين للحرية والديمقراطية في مواجهة الكنيسة، بل في مواجهة الله والدين بشكل عام»[1].

ثم بعد أن يعرضَ بعضَ ملامح المنطق الاستبدادي، الموجود في بعض نظريات المفكِّرين الغربييِّن، يقول: «ما نراه في هذه الفلسفات، هو أنها تفترض أن المسؤولية أمام الله تنفي المسؤولية أمام الناس، وأن التكليف من قبل الله يكفي لنفي الاعتراف بحقوق الناس، وأن العدل إنما هو ما يفعله الحاكم... وما لا نراه فيها هو أن يكون الإيمان بالله والعقيدة الدينية ضمانًا لحقوق الناس والعدالة الاجتماعية.

والحقيقة هي أن الإيمان بالله أساس فكرة العدالة وحقوق الإنسان، ولا يمكن الاعتقاد بوجود حقوق ذاتية للناس وعدالة واقعية، بما هما أمران واقعيان مستقلاَّن عن كل الفرضيَّات والتشريعات، إلاَّ بناء على أساس الإيمان بالله من ناحية، وعلى أساس أنه خيرُ ضامن لتطبيق ذلك من جهة أخرى[2].

(222)

ثم يستشهد بمجموعة من كلمات أمير المؤمنين عليه‌السلام للإضاءة على هذا المطلب»[1].

تقدم حق المجتمع

اتضح، مما تقدم، أن مطهَّري، في الوقت الذي يعترف فيه بالحقوق الطَّبيعيَّة، يبحث عن هذه الحقوق في النظام الهادف المتضمن الحقائق والقيم والغايات. وحقوق الإنسان تكسب معناها ومسوغاتها في ضوء هذه الحقائق والقيم.

إن الحقوق الإنسانية، في جوهرها، حسب الرؤية الكونية الإسلامية، وعلى خلاف الرؤى التي تجرد الحقوق من عنصر الفضيلة، ملتزمة ومرتبطة بالحقيقة، وهي وفيَّة للغايات والكمالات المكنونة في خلق الكون والإنسان. وستفقد فلسفة وجودها عندما تكون خارج إطار الحقيقة.

يقول مطهري: «وكما علينا أن نعرف الحقَّ علينا معرفة الحقيقة أيضًا، ومعرفة الحقيقة تكون بأن نرى نظام الوجود، ونفهم حركة عالم الوجود كما هو، لا كما تتخيله أذهاننا وترسمه أوهامنا بعيدًا عن الواقع بمراحل.

وأما معرفة الحق، فتكون بأن نطهِّر ديننا، ونعلم أننا مدينون إلى درجة كبيرة، فنعلم أننا مدينون لأقرب الأمور إلينا؛ أي إلى أعضائنا وجوارحنا، وندرك حقوقها علينا، وكذلك حقوق آبائنا، وأمهاتنا، وأبنائنا، ومعلمينا، وجيراننا، وأقربائنا، وأزواجنا، ومواطنينا...

فإذا عرفنا أنفسنا وإلهنا والعالم الذي نعيش فيه، وعرفنا الحقوق التي علينا؛ عند ذلك يمكننا أن ندعي، بكل فخر واعتزاز، أننا أهل الحقَّ وأهل الحقيقة أيضًا»[2].

من هنا يقول، في معرض بيان كيف يمكن لنا أن نفدي حق المجتمع بالتضحية بشرائط حق الفرد:

(223)

«بما أن مبنى الحقوق هو توجه الطبيعة إلى الغاية، وأن الحياة الاجتماعية من الغايات الكمالية للطبيعة، وكل ما هو في جانب كمال الطبيعة حق، ولو استلزم إبطال حق جزئي، وذلك نظير حق النوع الأشرف، في الاستفادة من النوع الأخس. فليست الحقوق علَّة تامة، وإنما هي مجرَّد مقتض لثبوت مقتضاها ما لم يعرض مانع ما، والظلم هو إبطال الحقَّ من دون حق، أما إذا أعطتنا الطبيعة حق إبطال حق ما، فليس ذلك ظلمًا»[1].

وعليه فيكون حقُّ الله وحقُّ المجتمع، في منع حق الانتحار، من هذا الباب:

«ليس لأحد أن يدعي له حرية قتل نفسه متى شاء؛ لأن المجتمع شريك ومساهم في هذا البناء... ليس لك الحقَّ أن تعدم نفسك قبل أن تسدِّد دين المجتمع عليك... ولو فرضنا أن المجتمع سامح بحقه، وأقر قانونًا يجيز الانتحار، فلا يحق له ذلك من جهة حق الله، فكل شخص قبل أن يكون مالكًا لنفسه هو مملوك لخالقه، لا بمعنى أن الخالق يحتاج إليه ويستفيد منه، بل بمعنى أن له هدفًا من وجوده[2].

ولحقوق الإنسان، بنظر مطهَّري، علاقات وحدود، منها حق المجتمع:

«لا شك في أن الإنسان موجود اجتماعي، وليس معنى ذلك مجرد تجمع عدد من الأفراد في مكان واحد، كالمدينة والقرية مثلًا... ليس مجرد أن نعيش كقطعان، بل أن يعيش وفاقًا لسلسلة من العلاقات، وذلك في الواقع، شكلٌ من أشكال التركيب بين الأفراد»[3].

وفي معرض الرد على من يقول: إن المجتمع يشبه شركة مساهمة نشأت بسبب التعاقد بين الأفراد، يقول:

(224)

«...لأن المجتمع نفسه موجود مركب كان له حقوق، ولأنه ذو وحدة كان له عمر وحياة وموت، بل لا يمكن أن لا يكون المجتمع كذلك، فالقول بأصالة الفرد المؤدي إلى القول باعتبارية المجتمع ككل هو غلط محض»[1].

وهو بذلك يرد الفرضية القائلة بأصالة المجتمع واعتبارية الفرد وأنه مضمحل في المجتمع، فالفرد له أصالة والمجتمع له أصالة في نظر الإسلام، ولكل منهما حقه[2].

وفي معرض الجواب عن سؤال: كيف لنا أن نحد من حرية الفرد لأجل المجتمع، على الرغم من رضا المجتمع بإعطاء الفرد حقه، يقول:

«إن الرؤى الفردية المبتنية على العقد الاجتماعي ناقصة؛ إذ لا يمكننا القول: إن شراكة الأفراد في المجتمع هي موافقة ضمنية على هذا العقد. أما على المبنى القائل بأن للفرد حقوقًا فطرية، فإننا في الوقت الذي نعتقد فيه بوجود حق طبيعي له، نعترف بأن للمجتمع أيضًا شخصية قانونيَّة خاصة به، فانتماء الفرد إلى المجتمع يربط مصيره بالغايات الاجتماعية وفق مقتضيات الطبيعة. فأساس تقدم الحقوق الاجتماعية على الحقوق الفردية ناشئ أيضًا من هذا الأمر الطبيعي وحقيقته كامنة فيه»[3].

ومن الواضح طبعًا أنه حينما يلحق الأفراد ضرر جراء تقدم المصالح العامة على المنافع الخاصة يجب جبران ذلك، مثلا عندما تريد البلديات أن توسِّع الطرقات وتستحدث معابر جديدة يحق لها أن ترفع مالكية الأفراد بالقدر الضروري، لكن عليها في مقابل ذلك أن تدفع لهم أثمانًا لأملاكهم على نحو عادل[4].

(225)

عدم التعدي على الحقوق غير كاف

 لا تنحصر مسألة مراعاة الحقوق الإنسانية، عند مطهَّري، بعدم التعدِّي عليها، فمجرد منع الأفراد عن سلب حقوق الآخرين، أو إلزامهم بتعويض عن الظلم والاعتداء الصادرين عنهم، غير كافٍ، فما يُشترَط في العيش الجماعي أن يُسمح للناس بمعرفة حقوقهم ليتمكنوا من التمتع بها. كما ينبغي أن يكون الحصول على الحقوق المعطاة للبشر عبر الاستفادة من وسائل الطبيعة، وإلا بمعرفة نكون قد كفرنا بالنعمة. وهكذا يجب أن يكون المجتمع، فالإسلام يقبل الشخص المقرّ بالحق والمطالب به، والجو الاجتماعي يجب أن يكون من هذه الجهة حيًا، فالمحيط الساكت والخانع محيط مساعد على نمو جرثومة الظلم والظالمين.

والأمَّة الحرَّة هي الأمَّة التي تعطي لأفرادها حق التدخل في الأمور الاجتماعية، وتحث أبناءها على الاستقامة، وتمنعهم من الانحراف[1].

يقول الإمام علي عليه‌السلام في عهده لمالك الأشتر:

«إني سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول في غير موطن: لن تُقَدَّس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع»[2].

وبعبارة أخرى: بعد الفراغ عن الجانب السلبي في مورد الحقوق السياسية - الاجتماعية؛ أي بعد الفراغ عن منع الأفراد عن هضم حقوق الغير ينتقل مطهَّري إلى الجانب الإثباتي فيه، أي لزوم إحياء الحقوق، وإيجاد الأرضية الملائمة لاستيفاء الحقوق، ويؤكد في هذا المجال على التعاون الاجتماعي[3].

(226)

الإنسية أو الإلهية

 قلنا فيما سبق: إن الحقَّ والتكليف متلازمان في نظر مطهَّري، فمبدأ الحقوق الطَّبيعيَّة يسير في نفس الاتجاه نفسه الذي تسير عليه الحقيقة والفضيلة. وإن كلاّ من النظريتين: نظرية الاعتماد على الحقوق وحدها وتجاهل المسؤوليات الإنسانية، ونظرية الاعتماد على التكاليف وحدها وتجاهل حقوق الناس، باطلة.

فالغرب، يوم كانت تحكمه الكنيسة، ارتكب الخطأ الثاني، والحركات التي قامت ضد الكنيسة في العصر الحديث وقعت في الخطأ الأول. واليوم نرى، في الفكر الغربي، نظريات ترفع لواء الإنسانية، وتسعى إلى جعل إرادة الإنسان محور الحقوق، على نحو تتحرر من كل التزام ما ورائي، وتفترض خلوَّ كل ما يدعو لها من كل هدف وقيمة.

فتوقعاته، وادعاءاته، ومنافعه، ومتطلباته جميعها بنيت على أساس الحقوق، بعيدًا عن الموازين القيمية. ولم تعتمد في بيان هذه الحقوق إلاَّ على القيم المادية الحسيَّة والنَّفسانية، من دون أن ترى في الإنسان جهة أعلى من ذلك. فالقيد الوحيد المعترف به، في هذه النظرية، هو عدم العارض مع حرية الآخرين، وهو قيد تفرضه ضرورة الحياة الاجتماعية. فدعاة المصلحة الفردية وقفوا عند حدود البدن وضمن إطار المنافع الشخصية التي يقتضيها حفظ الحياة الجماعية التي يحتاجون إليها. وقد انتقد مطهَّري هذا النوع من دعاة «الإنسانوية» من عدة جهات:

فقد عجز هؤلاء الدُّعاة عن إثبات المسوغَّات الكافية للحقوق، وكذلك لم يعرفوا الإنسان حق معرفته، ولم يُوفَّقوا في نشر الفكر الإنساني وترويج فكرة حقوق الإنسان.

فعن شرعة حقوق الإنسان، وتناقضها مع مدعيات الفلسفات الإنسانية الحاكمة في الغرب، يقول في كتاب «نظام حقوق المرأة»:

(227)

«إن الإعلان العالمي لشرعة حقوق الإنسان موضع تقدير كل إنسان ذي ضمير وتكريمه... ومن وجهة نظر هذا الإعلان يختص الإنسان، بما يمتلك من كرامة وشرف خاصَّين به، بمجموعة من الحقوق والحريات التي لا تملكها سائر الكائنات الحية التي تفتقر إلى الكرامة والاعتبار الذاتي، وهنا تكمن قوة هذا الإعلان...ولكن لا بد أن نسأل:

ما هي حقيقة هذا الاعتبار الذاتي الذي منح الإنسان حقوقًا ميَّزته من الفرس والبقرة والشاة والطائر؟

وهنا ينكشف لنا تناقض واضح بين أساس الإعلان عن حقوق الإنسان من جهة، وبين تقييم الإنسان في الفلسفة الغربية من جهة أخرى.

لقد سقط الإنسان، في الفلسفة الغربية، عن سُلَّم التقييم والاعتبار منذ سنين طويلة... فقد هوى الإنسان إلى مستوى آلة جامدة، وأُنكِرَت روحه وأصالته الإنسانيَّتان، وأضحى الاعتقاد بوجود غاية وهدف من حركة الطبيعة عقيدة رجعية بالية. ولا يمكن التحدث في الغرب عن أن الإنسان أشرف المخلوقات...»[1].

يبين مطهَّري أن المشكلة الاجتماعية التي تشغل البشر، اليوم، هي أنهم نسوا أنفسهم، ونسوا ربهم أيضًا، وبدل أن يلتفتوا إلى واقعهم وباطنهم مالوا إلى الدنيا الحسية والمادية. وما دام هذا النمط من التفكير سائدًا، وما دام الإيمان الديني مستبعدًا، فلن يلقى هذا الإعلان أي تأييد ومناصرة. «أليست فرنسا من أوائل العاملين على تطبيق شرعة حقوق الإنسان، فأين كان هذا الإعلان في الحربين العالميتين: الأولى والثانية؟ وأين كان في حرب الجزائر؟ أو لم يكن هناك حقوق لهؤلاء البشر؟»[2].

(228)

ثم يوجه نقدًا حادًا للوجودية الملحدة التي تفسِّر حريَّة الإنسان بالتحلل من المسؤولية تجاه الله فيقول:

«يقول سارتر: أنا، وبدليل أني حرٌّ، أقول: ليس للإله وجود؛ لأنه لو كان موجودًا لما تمكن الإنسان من أن يكون حرًَّا، فلو كان هناك إله فمعنى ذلك أن له ذهنًا، وقد تصور طبيعتي في ذهنه قبل خَلْقِي، وإذا تم حضوري في ذهنه لا يعود بإمكاني أن أكون حرًا، بل سأكون مجبورًا على أن أكون كما كنت في ذهنه»[1].

وقد طُرِح عنوان أصالة الوجود بنحو آخر، ولكن ليس تحت هذا العنوان، فقد جاء، في كلمات علمائنا، وطبعًا وفاقًا لأساس قرآني، أن الإنسان ليس كسائر الأشياء الطبيعية، فهو يختار وجوده ويصنعه أيضًا. من هنا، وبحسب الملكات التي يكسبها في حياته، يحشر يوم القيامة على صور مختلفة.

يعتقد مطهَّري أن فكرة الإنسيَّة والدفاع عن الإنسانية لا يمكن أن تكون منطقية ومقبولة إلا بشرط الاعتقاد بوجود الله:

«هل يمكن أن تتحقَّق تلك المعنوية التي تقبلها غالب المذاهب الفكرية المعاصرة، والتي تسمى بالإنسية، من دون أن تتوفر على العمق الذي تقدمه الأديان؟ هل يمكن أن يصبح الإنسان موجودًا معنويًا؛ بحيث يتركز البعد الإنساني في نفسه، من دون أن يتمكن من تفسير نفسه والعالم تفسيرًا معنويًا؟ أساسًا، هل يمكن أن توجد المعنوية من دون الإيمان بالله، ومن دون الإيمان بالمبدأ والمعاد، من دون الإيمان بمعنوية الإنسان التي تقوم فيه على مبدأ غير مادي؟ الجواب عن كل هذه التساؤلات هو النفي»[2].

الأشخاص الذين يُظهِرون محبة الإنسان والإنسانية بناءً على مبدأ المادية وإنكار

(229)

الدين لا يملكون منطقًا سليمًا؛ لأنه من المسلَّم به أن محبة الإنسان لا تعني محبَّة هذا الكائن الحي الذي يمشي على قدمين ولو كان مجرمًا، وكانت كل مسيرته ضد الإنسانية، وإلا لما كان هناك أساس للتفريق بين الإنسان والحيوان والشجرة. من الطبيعي أن لا تكون نتيجة المنطق المادي الذي يُنزِل الإنسان إلى الحد الحيواني غير ذلك.

ونقول، في جواب الذين يتظاهرون من جانبٍ بالحرص على خدمة الخلق وحمل همهم، وينفون، ولكنهم من جانب آخر، الله ويهملون أمره:

إن لم يَسِر الإنسان نحو الله، فلن يسعى إلى الحرص على إنسانيته. والإنسانية مورد اهتمام الله، والله مورد اهتمام الإنسانية... فإن قلنا: إن الإنسان يوجِّه همَّه إلى أبناء جنسه من دون الالتفات إلى الله، كما في المذاهب المادية المعاصرة، فلن نصنع شيئًا لأجله، ويكون ادعاؤنا محبته والحرص عليه كذب محض. إن أولئك الذي يدَّعون أنهم يريدون نجاة الإنسان، عليهم أن يسعوا إلى النجاة بأنفسهم. ماذا تعني نجاة البشر؟ وممَّ تكون نجاته؟ نجاته من أسر الطبيعة، ونجاته من عبودية أبناء نوعه، هذا معنى الحرية... فما لم ينجُ الإنسان نفسه من محدودية نفسه لن يتمكّن من أن ينجي نفسه من أسر الطبيعة، ولا من أسر الآخرين.

الإنسان، في الإسلام، هو ذلك المخلوق الذي يهتم بالله؛ ولأنه يهتم بالله فسيهتم بالبشر، ويهتم بالآخرين[1].

الهوية الحقيقية للإنسان، في ضوء الرؤية الإسلامية، قائمة على مبدأ الحقيقة الإلهية، وشهود «الأنا» الحقيقي ليس منفصلًا عن شهود الله. الإنسية - بالمعنى الحقيقي للكلمة- والإلهية، كلاهما، وجهان لعملة واحدة. «من عرف نفسه عرف ربّه».

(230)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. نهج البلاغة.
  3. الأصفهاني، محمد حسين، حاشية على المكاسب، تحقيق: الشيخ عباس محمد آل سباع، ط1، الناشر: المحقق، 1419هـ.ق.
  4. مطهري، مرتضي، اسلام ومقتضيات زمان، ط1، صدرا، 1380هـ.ش.
  5. ـــــــــــــ، إنسان كامل، ط14، صدرا، 1384هـ.ش.
  6. ـــــــــــــ، بررسي اجمالي مباني اقتصاد إسلامي، طهران، حكمت، 1361هـ.ش.
  7. ـــــــــــــ، بيست گفتار، ط12، صدرا، 1376هـ.ش.
  8. ـــــــــــــ، پيرامون انقلاب اسلامي، ط16، صدرا، 1378هـ.ش.
  9.  ـــــــــــــ، حكمت‌ها واندرزها، ط18، صدرا، 1384هـ.ش.
  10. ـــــــــــــ، عدل الهي، ط11، صدرا، 1376هـ.ش.
  11. ـــــــــــــ، فلسفه اخلاق، ط20، صدرا، 1377هـ.ش.
  12. ـــــــــــــ، نظام حقوق زن در اسلام، ط43، صدرا، 1385هـ.ش.
  13. الموسوي الخوئي، ابوالقاسم، مصباح الفقاهة فی المعاملات: المکاسب المحرمه، ‌ناشر: موسسة احیاء آثار امام خوئي، ط1، 1384هـ.ش.
(231)
(232)

الإنسان في تعاليم الإسلام، رؤية حقوقيّة مقارنة[1]

عبد الحكيم سليمي[2]

يتّضح من خلال تعاليم الإسلام وتاريخ اجتماع الأديان السماويّة أنّ أيّ تغيير حصل في مجال حقوق الإنسان، مرهون بجهود أنبياء الله عليهم‌السلام المخلصة، وبالأخصّ نبي الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإذا كان البعض يتحدّث اليوم عن حقوق الإنسان، فإنّ الإسلام قد أشار إلى ذلك قبل أربعة عشر قرنًا، حيث عمل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكلّ ما أوتي من قوّة على تطويرها.

وقد ذكر القرآن الكريم أنّ من أبرز أهداف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إيجاد الأخلاق والمعنويّات، وإقامة القسط والعدل، والتربية والتزكية، ومواجهة الجهل، وإيجاد الأرضيّة المناسبة للحياة في أجواء الصلح والسلام. ويترتّب على هذه الأمور إحياء حقوق الإنسان وتطويرها، وهدايته نحو كماله النهائيّ. وهذا ما تُشير إليه سيرة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

لكنّ الشائع في الثقافة الغربيّة أنّ الغرب هو منشأ حقوق الإنسان، وأنّ كلّ تطوّر أو تحوّل إيجابيّ في هذا الإطار هو من إبداع الغربيّين! وقد تمّ التغافل عن مسألة حقوق الإنسان في الأديان السماويّة، وبالأخصّ في الإسلام، وعن دور الرسول

(233)

الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في إحياء حقوق الإنسان وتطويرها؛ مع العلم أنّ الأنبياء عليهم‌السلام هم القادة الحقيقيّون للبشر، وهم حلقة الاتّصال بين قافلة البشر وخالق الكون والإنسان.

ولعلّ من أبرز أهداف أنبياء الله عليهم‌السلام : تعليم الإنسان وتربيته: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)[1]، (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)[2]، وتحرير الإنسان من الجهل والخرافات: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[3]، ورفع النزاعات والاختلافات وإزالتهما: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)[4]، والإنذار والتبشير: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)[5]، وإتمام الحجّة: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ

(234)

وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)[1].

وقد عمل الأنبياء عليهم‌السلام من خلال تعليم الأحكام الإلهيّة على أن يقودوا المجتمع البشريّ نحو الوحدة، والتعاون، والإيثار، والتفاهم، والحياة الهنيئة السالمة؛ بناءً على المشتركات، وأن يبعدوه -بالتّالي- عن الظلم والاعتداء على حقوق الآخرين.

وسنحاول في هذه المقالة توضيح موقع حقوق البشر في تعاليم الإسلام ودوره في إحياء هذه الحقوق وتطويرها؛ ولكن قبل أيّ شيء، ينبغي الإطلالة -بشكل إجمالي- على أوضاع حقوق الإنسان قبيل البعثة النبويّة الشريفة.

أولًا: أوضاع حقوق الإنسان قبيل البعثة النبويّة الشريفة

تكتسب مسألة التعرّف على أوضاع حقوق البشر المضطّربة قبيل البعثة، أهمّيّة خاصّة، لجهة أنّها تُساعد في توضيح دور الإسلام في تنظيم العلاقات الاجتماعيّة العادلة، وإيجاد الأمن، وإحياء حقوق الإنسان وتطويرها.

ويُشير التاريخ إلى أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما أُرسل بالرسالة لهداية البشر، كانت الكرامة الإنسانيّة وحقوق الإنسان قد طالهما النسيان. وقد ساهم الشرك، وعبادة الأصنام، وفقدان الهويّة الذاتيّة في القضاء على أيّ فرصة للتفكير في هذا المجال، عدا إيجاد التحوّل فيه. فقد كان احترام حقوق الإنسان -آنذاك- فاقدًا لأيّ موقع في الحياة البشريّة. ويُشار إلى أنّ المؤرّخين الذين ركّزوا على الأوضاع المضطّربة لحقوق الإنسان أشاروا - أيضًا - إلى دور الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المحوريّ في إحياء الكرامة الإنسانيّة وحقوق الإنسان.

ويظهر أنّ القرآن الكريم ونهج البلاغة هما المصدران الأكثر ثقة ودلالة في هذا

(235)

الإطار؛ حيث إنّ الرجوع إليهما يُغني الباحث عن أيّ بحث وتتبّع عن أوضاع حقوق الإنسان في تلك المرحلة، ويُساعده في الاطّلاع على دور الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تنظيم العلاقات الاجتماعيّة بشكل عادل، وفي إحياء حقوق الإنسان وتطويرها.

ويُشير القرآن الكريم إلى أنّ الله تعالى، أرسل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأجل هداية البشر، وأمره تعليم الناس أحكام الإسلام، وأن يطلب منهم اتّباع الصراط المستقيم: (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[1]. وقد جاء في آيات قرآنية أخرى ما يُشبه التعاليم المتقدّمة، وتُشكّل الآيات المتقدّمة صورة واضحة عن الحالات، والأخلاق، والحقوق، والعادات المريضة لحياة البشر في زمان البعثة، وتوضّح أنّ من أبرز الآفات التي راجت في تلك المرحلة الآتي: الشرك، وعبادة الأصنام، وعدم احترام الوالدين، وقتل الأبناء، ورواج أنواع القبائح، والتعرّض لأموال الأيتام، والظلم وعدم العدل، وقتل النفس، وعدم الوفاء بالعهود؛ وهي جميعها تُشكّل التعاليم العشرة - التي أكّدت عليها الآيات المتقدّمة -؛ بوصفها جزءًا أساسًا من أهداف دين الإسلام وتعاليمه التي تهدف إلى إحياء حقوق الإنسان وتطويرها؛ وهي:

(236)

1.  إزالة الشرك من العالم (الدفاع عن التوحيد).

2.  إحياء أصل الإحسان إلى الوالدين (الدفاع عن حقوق الوالدين).

3.  حرمة قتل الأبناء؛ لكونها جريمة منكرة (الدفاع عن حقوق الأطفال).

4.  مواجهة القبائح وأنواع الرذائل، ما ظهر منها وما بطن (إحياء حقّ التعليم والتربية).

5.  حرمة قتل النفس المحترمة (الدفاع عن حقّ الحياة).

6.  حرمة الاعتداء على أموال اليتيم (احترام حقّ المالكيّة).

7.  جعل العدل في مقدّمة الحياة البشريّة (العدل هو مبنى الحقوق والتكاليف البشريّة).

8.  جعل القدرات والاستعدادات معيار التكليف (أصل التناسب بين الاستعدادات والتكاليف).

9.  رعاية العدل في القول (العدل هو معيار حرّيّة البيان).

10. دعوة الناس إلى عهد الخالق (إحياء أصل الوفاء بالعهد).

إنّ التعاليم العشرة المتقدّمة التي تبدأ بـ»التوحيد»، وتنتهي بأصل «الوفاء بالعهد»، تلعب دورًا خاصًّا في تنظيم العلاقات الاجتماعيّة للبشر؛ لأنّ أصلي التوحيد والوفاء بالعهد من جملة أصول حقوق البشر ومبانيها، وأساس كافّة الحركات الإصلاحيّة في المجتمع البشريّ؛ كما أنّ الشرك وعدم الوفاء بالعهد، يُعدّان منشأ كافّة المفاسد الاجتماعيّة، ومن أبرز دواعي الاعتداء على حقوق الإنسان.

وبناءً على ما تقدّم، فإنّ أكثر الأوضاع سوءًا قبيل البعثة يكمن في شيوع الشرك، ورواج عبادة الأصنام، وأمّا مواجهة هذه الآفّة الكبيرة في النظام

(237)

الحقوقيّ الإسلاميّ، فتتمثّل في جعل التوحيد مبنى حقوق الإنسان ومنشأها: (الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ)[1]؛ أي أنّ للحقّ منشأ إلهيًّا، ناشىء عن الإرادة الإلهيّة. و«لعلّ من جملة الأمور الظريفة في الآية أنّه قيّد كلمة الحقّ بـ«مِن» الابتدائيّة؛ أي أنّ الله تعالى، هو مبدأ الحقّ ومنشؤه؛ وليس أنّ الحقّ قرين له. فالحقّ منه بالأصالة، وسريان كافّة الحقوق وسيلانها منه تعالى. فالقرب منه قرب من الحقّ، والبُعد عنه بُعْد عن الحقّ. وأمّا الوصول إلى الحقّ وإحياؤه في الحياة الفرديّة والاجتماعيّة، فيتطلّب سلوك الطريق الحقيقيّ الوحيد، وهو الطريق الإلهيّ الذي تمّ تعليمه الأنبياء عليهم‌السلام بواسطة الوحي»[2].

إنّ تعيين حقوق الإنسان وتكاليفه من الناحية العقليّة يجب أن يكون على أساس السعة الوجوديّة للإنسان، ولا يوجد من هو محيط بالأبعاد الوجوديّة للإنسان سوى خالقه؛ ولذلك يجب أن يكون المعيّن لحقوق الإنسان الحقيقيّة محيطًا به، وعالمًا باحتياجاته، والحقّ يجب أن يصدر من منبع كهذا، وإلّا فإنّ كلّ مبدأ آخر لن يكون مصدرًا حقيقيًّا لأحكام حقوق الإنسان؛ بسبب النقص الذي يعتريه[3].

اتّضح ممّا تقدّم أنّ فلسفة تشريع الدين وبعثة الأنبياء عليهم‌السلام غايتها صلاح الإنسان ونجاته من القيود البشريّة، وإحياء الحقوق الإنسانيّة، وإيجاد أسباب الكمال الإنسانيّ؛ فلقد جاء الأنبياء عليهم‌السلام ليفكّوا البشر من الأغلال الداخليّة والخارجيّة التي تُقيّد الإنسان؛ وهي عبارة عن الأهواء النفسانيّة، وحكّام الطاغوت.

ولعلّ أبرز عبارات في هذه المجال ما جاء على لسان جعفر بن أبي طالب عليه‌السلام

(238)

- وهو المتحدّث باسم المسلمين الذين هاجروا صدر الإسلام إلى الحبشة، وكلماته قبس من تعاليم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - عندما سأله ملك الحبشة: «ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الملل؟ فقال له: أيُّها الملك، كُنّا قومًا أهل جاهليّة، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسيء الجوار، ويأكل القويّ منّا الضعيف. فكنّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كُنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نُشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدّقناه، وآمنّا به، واتّبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نُشرك به شيئًا، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا»[1].

لقد كانت عبارات جعفر جذّابة ملهمة، بحيث تركت تأثيرها على ملك الحبشة؛ لذلك وجدناه يُثني على الأفكار التي يحملها المسلمون، على الرغم من مخالفة بعض المحيطين به، فمنحهم الحرّيّة الكاملة. ثمّ إنّه رفض دعوة قريش التي طلبت استرجاع المهاجرين، وأعاد إليهم الهدايا التي أرسلوها إليه رشوةً على ذلك، فقال: «ردّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله منّي الرشوة حين ردّ عليّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه...»[2].

وقد تحدّث الإمام علي عليه‌السلام عن أوضاع حقوق الإنسان المضطّربة في عصر

(239)

البعثة، فقال عليه‌السلام : «ثمّ إنّ الله بعث محمّدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحقّ حين دنا من الدنيا الانقطاع، وأقبل من الآخرة الاطّلاع، وأظلمت بهجتها بعد إشراق، وقامت بأهلها على ساق، وخشن منها مهاد، وأزف منها قياد، في انقطاع من مدّتها واقتراب من أشراطها، وتصرّم من أهلها، وانقصام من حلقتها، وانتشار من سببها، وعفاء من أعلامها، وتكشّف من عوراتها، وقصر من طولها. جعله الله بلاغًا لرسالته، وكرامة لأمّته، وربيعًا لأهل زمانه، ورفعة لأعوانه، وشرفًا لأنصاره»[1].

ويقول عليه‌السلام في مكان آخر عن عصر البعثة: «أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجمة من الأمم، واعتزام من الفتن، وانتشار من الأمور، وتلظّ من الحروب، والدنيا كاسفة النور، ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها، وإياس من ثمرها. وإغورار من مائها. قد درست منار الهدى، وظهرت أعلام الردى. فهي متهجّمة لأهلها، عابسة في وجه طالبها. ثمرها الفتنة، وطعامها الجيفة، وشعارها الخوف، ودثارها السيف؛ فاعتبروا عباد الله»[2].

وبعد أن تعرّفنا بشكل مجمل على ما كانت تُعاني منه البشريّة في عصر البعثة، على مستوى حقوق الإنسان، سنُحاول الإشارة إلى أركان نظام حقوق الإنسان الذي أسّسه الدين الإسلاميّ؛ بهدف بيان الرؤية الإسلاميّة لماهيّة الإنسان وحقوقه وواجباته؛ الفرديّة والاجتماعيّة.

ثانيًا: حقيقة الإنسان في الرؤية الإسلاميّة

بما أنّ «الإنسان» هو موضوع حقوق البشر؛ لذلك كان البحث عن حقيقة الإنسان وماهيّته من الأبحاث الهامّة؛ باعتبار أنّ أيّ موقف تتّخذه عن حقيقة

(240)

الإنسان، فإنّ ذلك سيؤثّر بشكل مباشر على أوضاع حقوق البشر، فكلّ فهم للإنسان سيترك أثرًا كبيرًا على تعريف حقوق الإنسان وتوضيحها والدفاع عنها.

وفي هذا الصدد تُطرح أسئلة عدّة؛ من قبيل: ما هو الإنسان؟ وهل الإنسان موجود مادّي وطبيعيّ تتلخّص حياته في دائرة الولادة والموت؟ وهل للإنسان حقيقة وراء المادّة، وأن ليس له حياة محدودة بالعالم المادّيّ؟ وهل يمتلك الإنسان حقًّا أم أنّ عليه تكليفًا؟ وهل تتمكّن البشرية بمفردها من استخراج استعداداتها وقابليّاتها الداخليّة، وإيصالها إلى ثمارها؟ ولماذا يكون الإنسان ذا كرامة؟ وهل كرامة الإنسان أمر ثابت ومستمرّ؟ وما هي فلسفة حرّيّة الإنسان؟ وهل حرّيّة الإنسان مطلقة أم محدودة؟ وغيرها من الأسئلة التي تستوجب إجابات شافية في مجال بحث النظام القيميّ والحقوقيّ المرتبط بالإنسان.

ورد في القرآن الكريم بحقّ الإنسان أرقى الثناء وأدنى الذمّ. فالإنسان موجود ذو قيمة، ويستحقّ التكريم بذاته. وقد تحدّث القرآن عن الإنسان[1]، وأنّه خليفة الله على الأرض: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)[2]، وأنّه ذو كرامة: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)[3]، (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ)[4]، حيث قال تعالى، جوابًا على اعتراض الملائكة: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)[5]، وخلق الإنسان في أحسن تقويم؛ من أجل تكميل أمر الخلافة: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي

(241)

أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)[1]، وجهّزه بنعمة العقل والإدراك: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[2]، (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[3]، وعلّمه ما لا يعلم: (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)[4]، وأعطاه نعمة البيان: (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)[5]، وفطره فطرةً إلهيّة، وجعله لا يطمئنّ إلا بذكر الله: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[6]، وإذا نسي الله فقد نسي نفسه: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[7]، وبعد انتهاء مراحل خلق الإنسان، قال الله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)[8].

إنّ الإنسان في هذه الرؤية عبارة عن موجود اختاره الله تعالى،، وهو ذو روح وجسم، باسط سلطته على ذاته وعلى العالم، ويمتلك نعمة العقل والكرامة الإنسانيّة وفطرة معرفة الله، ويتمتّع بقدرات علميّة وعمليّة عالية، وهو مسؤول أمام الله تعالى، عن نفسه.

ومن جهة أخرى -جهة أدنى الذمّ-، الإنسان موجود ظالم جاهل: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)[9]، وعجول: (وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ

(242)

عَجُولًا)[1]، وطاغي: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى)[2]، وغير شكور: (ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)[3]، وخصيم: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ)[4]، وأضلّ من الأنعام: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)[5]، (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)[6]، وهو شرّ الدوابّ: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ)[7]، وتُبيّن عبارات الذمّ التي ذكرها القرآن الكريم أنّ التكريم الإلهيّ للإنسان؛ إنّما هو بسبب المسؤوليّة والدور الذي يقوم به الإنسان تجاه حقيقة الوجود. فإذا عرف الإنسان أهمّيّة هذا التكريم الإلهيّ، واستعمل النعم الإلهيّة بشكل صحيح، وعمل على إيصال الاستعدادات البشريّة المتعالية إلى فعليّتها؛ عند ذلك يستحقّ المدح والثناء، وإلا فهو يستحقّ الذمّ. والحقيقة أنّ الذمّ والمدح في القرآن الكريم يوضّحان امتلاك الإنسان كافّة الكمالات بالقوّة، ويبقى عليه إيصالها إلى فعليّتها.

بناءً على الرؤية التوحيديّة في الإسلام، فإنّ الإرادة الإلهيّة تجعل الإنسان

(243)

خليفة الله على الأرض، وهو مظهر صفاته وكمالاته. وأمّا وظيفته فهي إظهار العدل وإقامته، وإشاعة الرحمة والمحبّة على امتداد العالم. واستنادًا إلى هذه الوظائف يُمكن الحديث عن فلسفة نزول الكتب السماوية، وإرسال الأنبياءعليهم‌السلام الإلهيّين، ويندرج ذلك في إطار إتمام الخطّة الإلهيّة في خلق الإنسان الكامل؛ ليتمّ من خلاله - أي من خلال القدرات البشرية- إيجاد العدل وإعمار الأرض: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)[1].

ففي التعاليم الإسلاميّة يُعدّ كافّة البشر متساوين، من حيث جوهر الإنسانيّة والحيثيّة الذاتيّة، وقد اهتمّ الإسلام بحرّيّة الإنسان، واحترام حقوقه وكرامته الإنسانيّة. وأكّد على أنْ لا أهمّيّة للاعتبارات والأمور العرضيّة؛ كلون البشرة، والعرق، واللغة والقوم... وأمّا المعيار الوحيد للتمايز فهو التقوى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[2]. من جهة أخرى، فإنّ طريق الوصول إلى الكمال الإنسانيّ، في ظلّ العمل الحسن، والإيمان الصحيح مفتوح أمام البشر كافّة: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا * وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)[3]، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ

(244)

مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)[1].

ومن هذا المنطلق حدّد الإسلام للإنسان حقوقًا وتكاليف، حيث يظهر بعد دراستها والتعمّق فيها أنّ كلّ ما جاء في النظام الحقوقيّ الإسلاميّ، جاء في المنشور العالميّ لحقوق الإنسان لاحقًا.

فبناءً على الرؤية التوحيديّة، إنّ حقوق الإنسان تعتمد على «التكريم الإلهيّ للإنسان»، حيث خلق الله تعالى، الإنسان في أحسن تقويم، ونفخ فيه من روحه: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)[2]، وكرامة الإنسان وشرفه ناشئان من هذه النسبة، والإنسان موجود منسي إذا كان بعيدًا عن الله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[3]. وقد شرّع الإسلام مجموعة من الأحكام توضّح الحقوق والتكاليف في كافّة أبعاد الحياة الإنسانيّة، واعتبرت هذه الشريعة أنّ التقيّد بها أمر إلزاميّ: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[4]. وقد أشارت مجموعة من الآيات القرآنيّة الشريفة إلى هذه الحدود[5].

والحدود عبارة عن الحدود الفاصلة بين الحقوق والتكاليف، والأوامر والنواهي، والحقّ والباطل، والعدل والظلم، والحلال والحرام؛ حيث يكون العمل بها إلزاميًّا؛ من أجل تحقّق المصالح، وسعادة الدنيا والآخرة.

إنّ حقوق الإنسان في التعاليم الإسلاميّة عبارة عن رحمة نازلة من الله تعالى.

(245)

وينبغي على كلّ فرد من أفراد البشر، مراعاة حقوق الآخرين؛ كما طلب الله تعالى. وبعبارة أخرى: تعود جذور احترام حقوق البشر في الإسلام مدار مسألة التكريم الإلهيّ للإنسان[1].

ثالثًا: الحقوق الأساس للإنسان في الرؤية الإسلاميّة

بما أنّه ليس بالمقدور توضيح كافّة حقوق الإنسان بشكل مفصّل، سوف نكتفي بالإشارة إلى أساسيّات حقوق البشر في الرؤية الإسلاميّة:

1. الكرامة الإنسانيّة

يرى الإسلام أنّ الكرامة الإنسانيّة موهبة إلهيّة؛ كالوجدان والعقل، اللذين هما نعمتان إلهيّتان كبيرتان أعطاهما للإنسان. وقد كان هذا الأمر في بداية الدعوة الإسلاميّة في مرحلة فقدت الكرامة الإنسانيّة موقعها في الحياة الاجتماعيّة للبشر، ثمّ إنّ الكرامة تمتلك خلفيّة منطقيّة، وكذلك جذورًا تعود إلى البعد المعنويّ والروحانيّ عند الإنسان، على أساس أنّ الله تعالى، هو الذي أعطى الإنسان هذه الكرامة. ويؤكّد الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أنّ للإنسان نوعين من الكرامة: الكرامة الذاتيّة، والكرامة الاكتسابيّة.

أ. الكرامة الذاتيّة

وهي الكرامة التي يتساوى فيها جميع البشر؛ حيث يقول الله تعالى،: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)[2].

(246)

وجاء في آية أخرى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)[1]. وورد التأكيد على هذه الحقيقة في آية أخرى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)[2].

وأمّا منشأ هذه الكرامة، فهو العلاقة الهامّة والقيّمة بين الله تعالى، والإنسان، والتي أشار إليها القرآن الكريم: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)[3].

بناءً على الآيات الشريفة المتقدّمة؛ فالتكريم الإلهيّ يتعلّق ذاتًا بالإنسان. وبعبارة أخرى: يتجلّى التكريم الذاتيّ الإلهيّ في الإنسان، في الأمور الآتية: لقد جعل الله تعالى، الإنسان خليفة له في الأرض: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)[4]، وأمر الملائكة بالسجود له: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)[5]، وجعله الله تعالى، محور الكتب السماويّة ورسالات أنبيائه عليهم‌السلام : (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ)[6]، وسخّر له عالم الوجود: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ

(247)

ِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ)[1]، (اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)[2]، وجهّزه بنعمة العقل، ليستفيد من المواهب الإلهية أتمّ استفادة: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)[3]، وأكرمه بالأخلاق والفضائل الإنسانية: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[4].

وعلى هذا الأساس، فالكرامة الذاتيّة الناشئة من التكريم الإلهيّ للإنسان تختلف عن الكرامة الذاتيّة المطروحة في المنشور العالميّ لحقوق البشر؛ حيث إنّ كرامة الإنسان في التعاليم الإلهيّة الإسلاميّة مرهونة لألطاف الله تعالى،، وهذه الكرامة أمانة إلهيّة يجب العمل على حفظها.

ب. الكرامة الاكتسابيّة:

والمقصود منها الكرامة التي تحصل على أثر السعي والعمل المخلص في

(248)

مسيرة «الحياة الطيّبة»، ويعود أساس الكرامة الاكتسابيّة إلى التقوى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[1]. وللكرامة الاكتسابيّة مراتب متعدّدة؛ فالكرامة الإنسانيّة من وجهة نظر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منشأ حقّ وتكليف. ومن هنا، فالإنسان يمتلك حقّ الكرامة، وعلى المكلّفين الآخرين مدح هذه الكرامة والحفاظ عليها، بالإضافة إلى أنّ الفرد مكلّف - أيضًا - بالحفاظ على كرامة نفسه؛ فلا يجوز له أن يؤدّي بنفسه إلى مواطن الذلّ.

ولو عدنا إلى القرآن الكريم، فإنّ كافّة القوى والاستعدادات الموجودة في وجود الإنسان تقتضي وجود الكرامة. والقرآن الكريم يمتدح الذين لا يبذلون كرامتهم بثمن بخس، وأمّا الذين يتحرّكون في مسير الطغيان، والأهواء، والانحرافات، فهم أشخاص ليسوا فقط فاقدين للكرامة، بل هم مجرمون يستحقّون العقاب؛ بسبب نيلهم من الكرامة الإنسانيّة.

ومن هنا، نرى القرآن الكريم يذمّ فرعون والفراعنة الذين جعلوا الناس صنفين: مجموعة المُمَيَّزين، وغير المُمَيَّزين، والذين غفلوا عن أصل الكرامة العامّ والشامل لجميع البشر.

وبناءً على ما تقدّم، فإنّ كافّة البشر في النظام الحقوقيّ الإسلاميّ يمتلكون الأرضيّة المناسبة للحياة الطيّبة الإنسانيّة، وهم متساوون؛ لجهة امتلاك شروط الكمال الإنسانيّ: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ)[2].

(249)

2. حقّ الحياة وآثاره

إنّ الحياة في الرؤية الإسلاميّة من علامات الرحمة الإلهيّة: (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[1]. فالإنسان نفخة من روح الله تعالى،: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)[2].

ومن الواضح أنّ رؤية كهذه تضفي على الحياة قيمة واقعيّة، وتعدّها أمانة بيد الإنسان؛ فالحياة ليست فقط حقًّا للأفراد، بل الحفاظ عليها عبارة عن تكليف. ومن جهة أخرى إنّ عبارة «حرمة النفس» في القرآن الكريم، وعنوان «النفس المحترمة» في الفقه الإسلاميّ، يُراد بهما كافّة البشر، والمقصود أنّ نفس كلّ إنسان محترمة؛ لأنّه إنسان، إلا أن يقوم الشخص عن علم وإدراك بالتعرّض لهذه الحرمة. وأهمّ الأحكام المترتّبة على العناوين المتقدّمة؛ هي:

أ. حرمة قتل النفس

المتّفق عليه بين بني البشر احترام دم الإنسان وحرمة قتل النفس؛ حيث اعتبرت الأنظمة الحقوقيّة (الإلهيّة والوضعيّة) أنّ القتل من جملة الجرائم الكبيرة، وقد أولت تعاليم الإسلام أهمّيّة خاصّة لهذا الموضوع؛ حيث أصبح قتل إنسان يُعادل قتل جميع الناس، والعمل على نجاة إنسان من الهلاك بمنزلة نجاة كافّة البشر: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)[3]، حيث تُبيّن الآية الشريفة حقيقة اجتماعيّة وتربويّة تتجلّى في الآتي:

(250)

إنّ الشخص الذي يقتل شخصًا بريئًا هو على استعداد - من الناحية الروحيّة- لغرس أصابعه في دماء أبرياء آخرين، والشخص الذي يُساهم بنجاة آخر هو على استعداد - من الناحية الروحيّة- لممارسة هذا السلوك العاطفيّ مع الأشخاص الآخرين.

إنّ مصير المجتمع الإنسانيّ مرتبط بعضه ببعضه الآخر؛ فكلّ شخص مؤثّر بما يتناسب مع دائرته الوجوديّة في المجتمع الإنسانيّ، وكما يكون إحياء فرد مؤثّرًا في حياة سائر الأعضاء، فمن الطبيعي أن يكون فقدان فرد مضرّ بكلّ المجتمع. من هنا، نرى أنّ الله تعالى، قد نهى عن قتل الإنسان - من دون إجازة شرعيّة وقانونيّة - بشكل جدّي: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ)[1].

ومن جهة أخرى وصف القرآن الكريم عباد الله الحقيقيّين، بقوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)[2].

وعندما كان قتل الأبناء أمرًا معمولًا به، أكّد القرآن الكريم على منع هذا العمل: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)[3]، (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْأً كَبِيرًا)[4].

وجعل منع قتل الأبناء أحد شروط بيعة النساء للرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ)[5]. فكلّ من أراد الحياة مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المجتمع الإسلاميّ

(251)

يجب عليه أن يُشجّع على حرمة قتل النفس، وأن يجتنب إراقة الدماء بغير حقّ.

وقد وردت روايات مستفيضة في حرمة قتل النفس، تؤكّد على أنّ الشريعة الإسلاميّة لا تحصر الحرمة -فقط- بخصوص ارتكاب قتل النفس، بل تتعدّاها إلى المعاونة على ذلك، واللامبالاة تجاهه، وإيواء القاتل[1].

ب. منع الانتحار

بما أنّ الحياة في التعاليم الإسلاميّة أمانة إلهيّة، فالإنسان لا يحقّ له الاعتداء على هذه الحياة، لا بل هو مكلّف بالحفاظ عليها؛ فالله تعالى، قد نهى عن الانتحار: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا)[2].

ويقول الإمام الصادق عليه‌السلام : «من قتل نفسه متعمّدًا فهو في نار جهنّم خالدًا فيها. قال الله - عزّ وجلّ -: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ)»[3].

ويُروى أنّه أخبر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن شخص بأنّه سيكون من أصحاب جهنّم، فتعجّب بعض الحاضرين من هذا الكلام؛ لأنّ هذا الشخص من السبّاقين إلى عمل الخير، والحضور في ساحات الجهاد والسياسة. وبعد ذلك جُرِح في إحدى المعارك، ثمّ أقدم على الانتحار؛ ليتخلّص من الآلام التي سبّبها الجرح. فحقّ الحياة ذو قيمة كبيرة بحيث تكون جهنّم من نصيب ذاك الإنسان الذي أقدم على الانتحار، على الرغم من كلّ السوابق التي كانت له في الإسلام[4].

(252)
ج. تشريع القصاص

لعلّ من أبرز أوجه عظمة حقّ الحياة وقيمتها في الإسلام، تشريع القصاص؛ باعتباره جزاءً لقاتل النفس المحترمة: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ)[1]. وقد أوضحت آيات أخر أحكام القصاص بشكل مفصّل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى)[2]، (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[3].

ويكفي في أهمّيّة حقّ الحياة في الإسلام أن يكون الاعتداء عليها، من وجهة نظر القرآن الكريم، في حكم محاربة الله والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويُجازى المعتدون على أرواح الناس وأموالهم أشدّ الجزاء: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[4]. ويُشير هذا التعبير إلى اهتمام الإسلام الخاصّ بحقوق البشر وضرورة رعايتها.

3. حقّ المساواة

والمقصود من هذا الحقّ أنّ جميع الناس متساوون أمام القانون، ويجب إجراء القانون عليهم، من دون تبعيض.

(253)

وقد أكّدت التعاليم الإسلاميّة على الأبعاد المختلفة لهذه المساواة، حيث نُشير إليها على نحو الإجمال:

أ. المساواة في أصل الإنسانيّة

إنّ أصل المساواة بين البشر في الرؤية التوحيديّة للإسلام هو حقّ أساس؛ وذلك لأنّ الناس جميعًا قد خُلقوا من نفس واحدة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[1]، ومن رجل واحد وامرأة واحدة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[2]، وقد وصلت النفخة الإلهيّة بشكل متساوٍ إلى جميع البشر: (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ)[3]، وكافّة البشر يتمتّعون بكرامة ذاتيّة: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)[4]. وجميع البشر يمتلكون استعداد الوصول إلى السعادة الخالدة، وقابليّة اكتساب الكرامة العالية؛ حيث تُشكّل التقوى المعيار لهذه الكرامة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[5].

(254)

ولقد صوّر الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصل المساواة بشكل جميل، فقال: «أيّها الناس إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد. كلّكم لآدم، وآدم من تراب. إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى»[1].

وعلى هذا الأساس جاء التصريح بأصل تساوي البشر، قبل قرون عديدة من التصريح به في الوثائق الدوليّة، حيث كان مورد اهتمام القرآن الكريم، ويلزم من ذلك المساواة في الحقوق والتكاليف، والمساواة في إجراء القانون.

ب. المساواة الاجتماعيّة

إنّ منشأ المساواة الاجتماعيّة يكمن في المساواة في أصل الإنسانيّة. فجميع البشر هم متساوون في الحقوق الاجتماعيّة في المجتمع الإسلاميّ. وإنّ سيرة الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسلوكه يُمكنهما أن يُشكّلا مصدر إلهام للبشريّة. ولعلّ سلوك الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع «زيد بن حارثة» من أبرز نماذج المساواة الاجتماعيّة، حيث كان زيد غلامًا لخديجة عليها‌السلام ، أعطته لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد الزواج. وكان زيد شديد التعلّق برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ حتى إنّه عندما جاء والده ليأخذه من مكّة، خيّره الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين البقاء والرحيل، فاختار البقاء إلى جانب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فكان يتصرّف معه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أنّه أحد أبنائه.

فأراد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يوضِّح عدم أهمّيّة الطبقة والوضع العائليّ في الأفضليّة؛ فعقد لزيد على زينب حفيدة عبد المطلب. وكان ذلك خلافًا للسنّة الرائجة آنذاك، والتي تمنع الزواج بين الأشراف والطبقة الدنيا. وبهذا العمل تمكّن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من إيصال فكرة المساواة الاجتماعيّة إلى أذهان ذاك المجتمع؛ ليُبادروا إلى إصلاح سلوكهم الاجتماعيّ[2].

(255)

وأمّا الأنموذج الثاني، الذي يُشير إلى المساواة الاجتماعيّة، فهو زواج جويبر وذلفا. وكان جويبر رجلًا من أهل اليمامة، فاقد الجمال، فقير الحال، ولكنّه، وعلى الرغم من عدم جماله الظاهري، كان يمتلك جمالًا باطنيًّا وروحًا متعالية. فخاطبه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في يوم من الأيام، قائلًا: يا جويبر لو تزوّجت امرأة فعففت بها فرجك، وأعانتك على دنياك وآخرتك. فقال له جويبر: يا رسول الله بأبي أنت وأمي. من يرغب فيّ. فوالله ما من حسب، ولا نسب، ولا مال، ولا جمال. فأيّة امرأة ترغب فيَّ؟ فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا جويبر إنّ الله قد وضع بالإسلام من كان في الجاهليّة شريفًا، وشرّف بالإسلام من كان في الجاهليّة وضيعًا، وأعزّ بالإسلام من كان في الجاهليّة ذليلًا، وأذهب بالإسلام ما كان من نخوة الجاهليّة وتفاخرها بعشائرها وباسق أنسابها. فالناس اليوم كلّهم؛ أبيضهم، وأسودهم، وقرشيهم، وعربيهم، وعجميهم، من آدم. وإنّ آدم خلقه الله من طين. وإنّ أحبّ الناس إلى الله عزّ وجلّ يوم القيامة أطوعهم له وأتقاهم. فتزوّج جويبر من ذلفا ابنة زياد بن لبيد؛ وهو من كبار الأنصار، فعاش الاثنان معًا حياة هادئة سليمة. وبعد شهادة جويبر في إحدى الغزوات كثر الخطّابون لذلفا، وكثر احترامها[1].

ونُقِل عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد زوَّج: «لتتّضع المناكح، وليتأسّوا برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وليعلموا أنّ أكرمهم عند الله أتقالهم»[2].

فلم يسمح الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن تعود حالة الفخر الجاهليّ، وأن تكون معيارًا للتفاضل الاجتماعيّ.

(256)
ج. المساواة في الاستفادة من الطبيعة

تؤكّد التعاليم القرآنية على أنّ الناس متساوون في الاستفادة من النعم الموجودة في الطبيعة، على الرغم من الاختلافات الظاهريّة القائمة بينهم، حيث إنّ الإنسان بما هو إنسان يمتلك حقّ الاستفادة من هذه المائدة الإلهيّة اللامتناهية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)[1].

إنّ خطاب (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) الذي جاء في القرآن الكريم نحو عشرين مرّة[2]، هو خطاب عامّ، وجامع، ويوضّح - حقيقة - أنّ الإسلام والقرآن لم يُختَصّا بقوم، ولا بجنس، ولا بزمان، ولا بمكان معيّنين. وكما أنّ البشر متساوون في أصل الخلقة، وأنّ الخالق واحد، فإنّ النعم الموجودة في الطبيعة متعلّقة بجميع البشر. فلم يذكر القرآن الكريم أيّ تقسيم، وأيّ شروط للاستفادة من الطبيعة والنعم السماويّة؛ سوى عمل الإنسان وسعيه.

إنّ المساواة الحقوقيّة للأفراد - في الظروف الواحدة المتساوية - من جملة آثار الرؤية الكونيّة التوحيديّة؛ بمعنى أنّ جميع البشر، وبغضّ النظر عن الخصائص الشخصيّة والوطنيّة والتاريخيّة والقوميّة ...، متساوون من ناحية الحقوق والتكاليف.

يقول الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الخصوص: «الخلق أمام الحقّ سواء ...، الناس سواء؛ كأسنان المشط»[3].

(257)
د. المساواة في تنفيذ القانون

فقد منع الإسلام أيّ نوع من أنواع التبعيض أو الوقوف إلى جانب الباطل في الحكم وفي تنفيذ القانون. وخاطب الله تعالى، الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ)[1]، ثمّ وجّه الله تعالى، أمرًا عامًّا لكافّة البشر: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ)[2]، (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ)[3]. ومن هنا، فإنّ العدالة التي يتحدّث عنها الإسلام عبارة عن قانون عامّ شامل لجميع البشر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[4].

وتُبيّن سيرة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ الحفاظ على هذا الأصل سبب سلامة المجتمع والحكومة، والعدول عنه يؤدّي إلى هلاكهما وزوالهما.

ويروى أنّه سَرَقت امرأة من أشراف قريش. فأمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقطع يدها، عند ذلك دخل بعض الأشخاص على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يطلبون منه عدم إجراء الحكم. فخاطبهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قائلًا: «وإنّما هلك مَنْ كان قبلكم بمثل هذا. كانوا يقيمون الحدود على ضعفائهم، ويتركون أقوياءهم وأشرافهم، فهلكوا»[5].

فلقد منع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التبعيض في إجراء القانون، وقال: «إنّما هلك بنو

(258)

إسرائيل؛ لأنّهم كانوا يقيمون الحدود على الوضيع دون الشريف»[1].

وحُكِمَ على امرأة من بني مخزوم بتهمة السرقة، فحاول أسامة بن زيد التدخّل لمنع إجراء الحكم، فمنعه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذلك، وقال: «إنّما هلك من كان قبلكم؛ أنّهم كانوا يُقيمون الحدّ على الوضيع ويتركون الشريف، والذي نفسي بيده لو أنّ فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدها»[2].

ويقول مارسيل بو آزار؛ المحقّق في المركز العالي في جنيف، في هذا الخصوص: «يبرز العالم الإسلاميّ ويشعّ من خلال امتيازين قويّين: الأوّل: الإيمان بالله. والثاني: إنكار أيّ أفضليّة قوميّة وعرقيّة، وتأكيده على المساواة الإنسانيّة. لقد تمكّن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خلال الإعلان عن هذه الأصول، من القضاء بالكامل على العصبيّة القوميّة والعرقيّة للعرب في الجاهليّة، وعلى العصبيّة اليهوديّة، وعلى عصبيّة مشركي مكّة. إنّ أيّ دين لم يُعطِ الإنسان شخصيّته؛ كما فعل الإسلام... لقد كان سلوك رسول الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع اليهود والنصارى سلوكًا أخويًّا... أراد الإسلام إيجاد عالم يعيش فيه جميع البشر - حتى الذين ما زالوا على دينهم السابق - حالة التفاهم والتعاون والأخوّة والمساواة»[3].

4. الحريّة

على الرغم من أنّ الوثائق الدولية لحقوق البشر أشارت في بعض الموارد إلى حريّة نوع الإنسان في المنشور العالمي لحقوق البشر[4]، وميثاق الحقوق

(259)

المدنية - السياسية[1]؛ إلا أنّ المحاور الأساس لتلك الحريّة تتركّز حول الفردية منها؛ وهذا يعني أنّ الفرد من الإنسان حُرّ في امتلاك العقيدة والبيان، وإجراء المراسم الدينية، تعتمد على أصالة الفرد؛ مع العلم أنّ الحرّية حقّ فردي واجتماعي.

وللحريّة معانٍ مختلفة ومتعدّدة؛ وذلك باعتبار الأبعاد الفلسفيّة والنفسيّة والأخلاقيّة والحقوقيّة، وأمّا عدم الالتفات إلى هذه الحقيقة؛ فيؤدّي إلى مزيد من الخلط في الأبحاث، والمغالطة في الدراسات، ومن أبرز مفاهيم الحرّيّة التي تؤدّي الغفلة عنها إلى سوء قراءة النصوص الدينيّة والإسلاميّة، مفهوما «الحرّيّة التكوينيّة» و»الحرّيّة التشريعيّة».

أ. الحريّة التكوينيّة (الفلسفيّة)

وهي تعني الاختيار المقابل للجبر؛ بمعنى أنّ الإنسان من الناحية التكوينيّة حُرّ في حدود نشاطاته الإراديّة، ولقد أوضح الله تعالى، للإنسان طريقي «الهداية» و»الضلال»: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)[2]، وجاء في آية أخرى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)[3]. أي أنّ الإنسان، وبعد حصول الهداية الإلهيّة، مختار في انتخاب الطريق الذي يريد؛ وذلك انطلاقًا من حرّيّته - في الوقت عينه؛ انطلاقًا من مسؤوليّته -، وتؤدّي هذه الحرّيّة إلى تحمّله الثواب والعقاب الصادرين من حسن سلوكه أو سوء اختياره.

فالحريّة التكوينيّة أو الفلسفيّة في الواقع، هي جوهر الإنسانيّة، ومبنى كرامة

(260)

الإنسان، وسبب امتيازه عن الحيوانات الأخرى. وفي ظلّ هذه الحرّيّة يُصبح للدين والتديّن معنىً، وتتّخذ أعمال الإنسان الإراديّة صفة الأخلاقيّة، وتتّصف بالحسن والقبيح.

ب. الحرّيّة التشريعيّة

المقصود من الحرّيّة التشريعيّة؛ مشروعية كافّة خيارات انتخاب الإنسان وجوازها؛ وذلك في حدود القانون، وليس بشكل مطلق؛ لذلك يُطلق على هذا النوع من الحرّيّة عنوان «الحرّيّة القانونية» أو «الحرّيّة الحقوقيّة»؛ مثال ذلك: الإنسان من الناحية التكوينية حُرٌّ في اختيار العمل الذي يريده؛ لتأمين معاشه، ولكنّ هذه الحريّة التكوينيّة قد تُصبح محدودة من الناحية الشرعيّة؛ فالإسلام على سبيل المثال: حرّم تأمين المعاش عن طريق الاستثمار بالربا؛ وهذا يعني أنّ الإنسان، على الرغم من امتلاكه حرّيّة تكوينيّة في اختيار هذا العمل، ولكنّه يمتلك حرّيّة قانونيّة وشرعيّة.

ومن هنا، كانت الخيارات غير الشرعيّة في التعاليم الإسلاميّة؛ كالمعاملات غير الشرعيّة، فاقدة للاعتبار الحقوقيّ: (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)[1]، وفي بعض الحالات يؤدّي الإتيان بالخيارات غير القانونيّة إلى العقاب والجزاء؛ فالاعتداء على أموال الغير يؤدّي إلى العقاب. وقد يكون بالإمكان في بعض الحالات منع الأفراد من الأعمال غير القانونيّة عن طريق الإجبار الفيزيائيّ؛ لأنّ الحرّيّة القانونيّة ليست حقًّا مطلقًا. ومن هنا، لا يحقّ للشخص الإتيان بالأعمال غير القانونيّة تحت حجّة وجود أصل الحرّيّة.

(261)

وممّا لا شكّ فيه أنّ أصل الحرّيّة التكوينيّة الذي هو الاختيار الفلسفيّ المقابل للجبر الفلسفيّ، يتمتّع ببداهة واضحة، بحيث لم يُنكره أيٌّ من المذاهب القانونيّة.

وقد وقع الاختلاف في مسألة الحرّيّة التشريعيّة وحدودها، حيث أشرنا إلى أنّ هذه الحرّيّة ليست مطلقة، بل تقبل التحديد من خلال عوامل عدّة، أبرزها: حقّ الله -تعالى- الذي هو منشأ الحقوق، ومن العوامل المحدّدة لها؛ وهذا يعني أنّ كافّة الحقوق والحرّيّات يُمكن توضيحها والحديث عنها على أساس حقّ الله، وقد أشار القرآن الكريم إلى منع الاعتداء على حقّ الله، ولذلك لا يُمكن للشخص أن يعتمد على الحرّيّة، للفرار من طاعة الله أو للغفلة عن الحقّ الإلهي: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)[1]. كما يُمكن فهم الجهاد الابتدائيّ في ظلّ الدفاع عن حقّ الله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[2].

ويُعدّ الوصف من الناحية العقليّة تابعًا في أصل تحقّقه لوجود الموصوف، وبما أنّ وجود الإنسان محدود، فإنّ أوصافه الكماليّة؛ كالحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة؛ كلّها أمور متناهية أيضًا. وبناءً على ذلك، فإنّ العامل الأساس لتحديد حرّيّة البشر هو الله تعالى، الذي أعطاه وجودًا محدودًا، وجعل لكلّ شيء قدرًا خاصًّا: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)[3]، (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا)[4]، (قَدْ

(262)

جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)[1]. ولذلك كان للحرّيّة قدر خاصّ، عيّنه الله تعالى، وحدّده.

وقد بدأ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل أربعة عشر قرنًا، وقبل تدوين المنشور العالمي لحقوق البشر، وقبل المحاولات الدوليّة، بمحاربة العبوديّة، وعمل على إعطاء الإنسان الحرّيّة المنشودة.

كما قدّم الإسلام خططًا تُساعد في حرّيّة العبيد، وسعى في ذلك، من خلال عدّة محاولات: أمّا المحاولة الأولى؛ فهي إغلاق المصادر غير الشرعيّة وغير العقليّة للعبوديّة. فعندما كانت العبوديّة جائزة في جميع الحالات، جاء الإسلام ليضع حدودًا لذلك، فشرط العبوديّة بالشروط الحربيّة، حسب ما يراه الحاكم من صلاحيّة. والعبوديّة في هذه الحالات عبارة عن جزاء للمعتدين الذين يُهدّدون الحقيقة والأمان.

ثمّ فتح الإسلام طرقًا متعدّدة لتحرير العبيد، فجعل أحد مصارف الزكاة الثمانيّة متعلّقًا بتحرير العبيد: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}[2]، واعتبر أنّ تحرير العبيد من جملة العبادات. وقد فتحت الكتب الفقهيّة والروائيّة بابًا تحت عنوان باب العتق. وكان الأئمّة عليهم‌السلام السبّاقون في هذا الإطار، حيث كُتب في أحوال الإمام علي عليه‌السلام أنّه: «أعتق ألفًا من كد يده»[3]. وكذلك كان علماء الدين يتحيّنون الفرص والمناسبات لتحرير العبيد[4].

(263)

ويُضاف إلى ما تقدّم أنّ التاريخ هو أصدق دليل على هذا الادّعاء، حيث رفع الإسلام شخصيّة العبد. وكان سلمان وبلال وعمّار وقنبر من جملة العبيد الذين تمّ عتقهم، فأصبحوا من أبرز صحابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وبشكل عامّ أوصى الإسلام بحسن التعاطي مع العبيد «استوصوا بالأسارى خيرًا»[1].

يقول أبو عزيز؛ وهو من أعلام قريش الذين تمّ أسرهم في معركة بدر: «منذ أن أوصى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالأسرى، كنّا محترمين بينهم، فلم يُقْبِلوا على الطعام ما لم نشبع»[2].

وأمّا فيما يتعلّق بحرّيّة العقيدة والفكر والبيان، فينبغي القول: إنّ الإسلام، هو دين الفكر والعقيدة، وقد احتلّت حرّيّة الفكرة والبيان أهمّيّة كبيرة في تعاليم الإسلام، وورد في القرآن الكريم حثّ كبير على التفكير ومدح للمفكّرين والعقلاء، بالإضافة إلى الحرب المستمرّة التي قادها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضدّ أيّ نوع من أسباب العبوديّة الفكريّة، وتحطيم سلاسل القيود العقليّة، وتحريره من الخرافات: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ)[3]، كلّ ذلك شكّل دليلًا واضحًا على هذا الادّعاء.

5. حقّ التعليم والتربية

إنّ التعليم الصحيح والتربية الصحّيّة من الحقوق الأساس للإنسان. والله - سبحانه وتعالى - في تعاليم الإسلام يُعدّ أوّل مربٍّ ومعلّم للإنسان[4]. وهذا

(264)

الأمر من جملة افتخارات «العلم» و«التعليم والتعلّم». ويرى الإسلام أنّ التعليم والتربية ليسا حقًّا للإنسان فقط. بل هما فريضة وتكليف.

ولعلّ من أهمّ أهداف أنبياء الله تعالى عليهم‌السلام -وبالأخصّ نبي الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - تعليم البشر وتربيتهم: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)[1]. ويُستفاد من عبارة (وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) أنّ التربية أصل والتعليم فرع لها، وطلب العلم في الرؤية الإسلاميّة، فريضة إلهيّة[2]. والتعليم والتربية أمران واجبان على المجتمع، وعلى الحكومة تأمين الطرق والوسائل إلى ذلك الأمر... ومن حقّ كلّ إنسان السعي فيما من أجله التربية والتعليم، ومن حقّه على المؤسّسات والدولة أن توفّر له ما يؤدّي إلى تربية شخصيّته؛ بشكل يساهم في زيادة إيمانه بالله تعالى[3].

ولعل من أبرز افتخارات رسول الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تعميم التعليم والتربية. فلقد عمل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على وضع إمكانيّات النموّ والتطوّر والتحصيل العلميّ في متناول أيدي الجميع، بحيث إذا رغب أيّ شخص في الوصول إلى الكمال يُمكنه ذلك، مهما كانت الطبقة التي ينتمي إليها.

ولقد أصبحت هذه المسألة حقيقة واقعيّة في مدينة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بعد انتصار المسلمين في معركة بدر، حيث كان من بين أسرى المشركين من يعرف القراءة والكتابة، فأعلن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حينها عن تحرير كلّ أسير يقوم بتعليم عشرة من أطفال الأنصار. وقد ساهم هذا الأمر في تعلّم عدد من أطفال المسلمين، وكان

(265)

من جملتهم: زيد بن ثابت، الذي تعلّم القراءة والكتابة على أيدي الأسرى[1]. وفي هذه المحاولة أظهر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اهتمامًا واضحًا بالتعليم والتربية، وبتحرير الأسرى، حيث يُمكن أن تكون هذه الحالة مصدر إلهام للبشر على مرّ العصور.

وخاطَب الإمام الصادق عليه‌السلام حسّان المعلّم، قائلًا: «أن يكون الصبيان عندك سواء في التعليم. لا تُفضّل بعضهم على بعض»[2].

وأمّا الذين يعدّون التعليم أمرًا طبقيًّا، فلن تكون لهم عاقبة حسنة؛ طبق الرؤية الإسلاميّة. يقول الإمام الصادق عليه‌السلام : «ومن العلماء من يرى أن يضع العلم عند ذوي الثروة والشرف، ولا يرى له في المساكين وضعًا، فذاك في الدرك الثالث من النار»[3]. فالتعليم والتربية في تعاليم الإسلام حقّان أساسان للبشر، ويتمتّعان بمنزلة متعالية.

النتيجة

لقد طُرِحَت مسألة حقوق الإنسان منذ قديم الأيام، وفضل السابقة فيها يعود إلى عهد بعيد من تاريخ البشر. وأمّا الهدف من طرح هذه المسألة، فهو تأمين الحدّ الأقلّ من حقّ حرّيّة الأفراد، ومواجهة تعثّر الحكومات والسلطات المختلفة في هذا الخصوص. ويُمكن القول بوضوح: إنّ مسألة حقوق الإنسان ليست ظاهرة غربيّة، وليست محصولًا للحضارة الغربيّة، بل حقوق الإنسان هي ثمرة جهاد أنبياء الله عليهم‌السلام والمصلحين الاجتماعيّين وعملهم وجهدهم.

إنّ جذور حقوق الإنسان تعود إلى الدين، وإلى الكتب السماويّة، وبالأخصّ

(266)

إلى القرآن الكريم. وأمّا الحقوق الأساس التي جاء الإعلان العالميّ لحقوق البشر على ذكرها؛ أمثال: الكرامة الإنسانيّة، وحقّ الحياة، وحرّيّة الفكر والبيان، وحقّ المساواة، وحقّ التعليم والتربية... فقد ذكرها الإسلام قبل قرون عديدة على صدور ذاك الإعلان.

 

(267)

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.‏
  2. نهج البلاغة. ‏
  3. ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد، بيروت، دار صادر، لا ت.‏
  4. ابن سعد، محمد أبو عبد الله، الطبقات الكبرى، بيروت، 1405هـ.ق.‏
  5. ابن هشام، محمد، السيرة النبويّة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1985م.‏
  6. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، بيروت، دار القلم، 1407هـ.ق.‏
  7. بوآزار، مارسيل، إسلام وجهان امروز، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مسعود محمدي، طهران، دفتر نشر فرهنگ إسلامي، 1369هـ.ش.‏
  8. الجوادي الآملي، عبد الله، حقّ وتكليف در إسلام، قم المقدّسة، مركز نشر إسراء، ط2، ‏‎1385‎هـ.ش.‏
  9. الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط6، ‏‏1412هـ.ق/ 1991م. ‏
  10. الزحيلي، محمد، حقوق الإنسان في الإسلام، بيروت؛ دمشق، دار ابن كثير، ط2، 1418هـ.ق/ 1997م.‏
  11. الصدوق، محمد بن علي (ابن بابويه): الخصال، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة ‏لجماعة المدرّسين، 1403هـ.ق/ 1362هـ.ش.‏
  12. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسّسة الوفاء، ط2، 1404هـ.ق/ 1984م.‏
(268)
  1. المكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، ط2، 1378هـ.ش.‏
  2. ‏ النوري، حسين، مستدرك الوسائل، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام ‏ لتحقيق التراث، بيروت، ط2، 1408هـ.ق/ 1988م.‏
(269)
(270)

 

دراسة مقارنة للنظريات
المبيّنة لحقوق الإنسان في الغرب والإسلام[1]

محمد حسين طالبي[2] وعلي طالبي[3]

بعد ظهور الحكومات الديمقراطية في الغرب طوال القرن السابع عشر للميلاد وصولًا إلى القرن الثامن عشر للميلاد، حظي خطاب حقوق الإنسان تحت عنوان الحقوق الطبيعية باهتمام خاص من قبل الفلاسفة في الغرب. على الرغم من أنه بسبب هيمنة الوضعية الحقوقية في القرن التاسع عشر للميلاد، تمّ التغافل عن الأبحاث المرتبطة بالقانون الطبيعي[4]، وتبعًا لذلك تم تجاهل الحقوق الطبيعية[5]. وأما في القرن العشرين للميلاد، ولا سيّما بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى والثانية، تمّ إحياء مفهوم حقوق الإنسان عام 1948 م من خلال صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في منظمة الأمم المتحدة، وبذلك حظيت باهتمام المجتمع العالمي.

(271)

إن الأبحاث المرتبطة بحقوق الإنسان لا تعدّ اليوم من الموضوعات البالغة الأهمية في المجامع العلمية في العالم فحسب، بل ولها أهمية كبيرة في المجتمعات البشرية من الناحية الاجتماعية والثقافية والحقوقية والأخلاقية ولا سيما السياسية منها.

إن من بين الأبعاد المهمة لخطاب حقوق الإنسان عبارة عن السؤال التوجيهي لهذه الحقوق. وبعبارة أخرى: إن السؤال عن الأسس والأصول العقلية لحقوق الإنسان، يعني أن السؤال عن طرق البيان الفلسفي لهذه الحقوق يُعدّ واحدًا من أهم الموضوعات العلمية المرتبطة بحقوق الإنسان. وهناك الكثير من الأبحاث بين فلاسفة الحقوق في الغرب حول هذا الموضوع. وكانت نتيجة هذه الأبحاث العلمية عبارة عن التأسيس لنظريات متنوّعة حول مباني حقوق الإنسان في إطار شرح وبيان هذه الحقوق. وتسمّى هذه النظريات بالنظريات المبيّنة لحقوق الإنسان.

وهناك اليوم من بين مجموع الآراء المبيّنة لحقوق الإنسان في الغرب ثلاث نظريات تفوق النظريات الأخرى في شهرتها، وهي:

1. نظرية القانون الطبيعي بتفسيراتها المتنوّعة.

2. نظرية كرامة الإنسان.

3. نظرية الفاعلية الأخلاقية للإنسان.

يرى كاتب السطور أن لا شيء من هذه النظريات يحتوي على الاستحكام العلمي الكافي في الدفاع عن صوابية هذه الحقوق. وفي المقابل فإن النظرية الوحيدة التي يمكن الدفاع عنها في بيان وشرح مباني حقوق الإنسان، نظرية بديعة تقوم على أساس المفاهيم العقلية الإسلامية، وتم توضيحها في هذه المقالة تحت عنوان >نظرية النزوع إلى مقام الإنسان الكامل<.

إن هذه المقالة قبل أن تعمل على بيان هذه النظرية، تسعى إلى تعريف حقوق

(272)

الإنسان وبيان أهم خصائصها. ثم ننتقل بعد ذلك إلى الاهتمام بالجذور التاريخية لها في الغرب، ومناقشة ونقد أهم نظريات العلماء في الغرب حول المباني الفلسفية لحقوق الإنسان.

1. تعريف حقوق الإنسان

كان المفكرون في القرون السابقة بدلًا من استخدام مصطلح حقوق الإنسان[1]، يستخدمون مصطلح الحقوق الطبيعية[2].[3] وكذلك اليوم هناك الكثير من فلاسفة الحقوق، يستخدمون مصطلح «حقوق الإنسان» بوصفه مرادفًا لمصطلح «الحقوق الطبيعية»[4].

إن الوجه في تسمية الحقوق الطبيعية، يعود إلى واحد من الأمور الثلاثة أدناه:

1. نحن حيث نمتلك طبيعة إنسانية، فإننا نمتلك حقوقًا طبيعية أيضًا (بمعنى الحقوق التي يمتلكها الناس بسبب إنسانيتهم).

2. الحقوق التي يحصل عليها الناس في مقام الطبيعة والذات[5].

3. الحقوق التي نحصل عليها من قانون الطبيعة[6].[7]

إن الحقوق الطبيعية أو حقوق الإنسان من سنخ الحقوق الأخلاقية. وإن

(273)

الحقوق الأخلاقية هي الحقوق التي لا تمتلك أيّ ضمانة تنفيذة بقوة قهرية. إن الإنسان إذا أراد أن يبني لنفسه حياة قيّمة، فإنه يحتاج إلى حقوق أخلاقية. إن حقوق الإنسان عبارة عن تلك المجموعة من الحقوق التي يمتلكها جميع أفراد البشر بشكل طبيعي، أي من حيث أنهم بشر، من دون أخذ عناوينهم الثانوية من قبيل: لون البشرة، أو الجنس، أو الانتماء العرقي، أو الطائفي والجغرافي، أو اللغة، أو الطبقة الاجتماعية، وما إلى ذلك بنظر الاعتبار[1]. بالتزامن مع خلق كل إنسان من بين أفراد البشر، تخلق معه تلك الحقوق أيضًا. وبعبارة أخرى: إن الحقوق الطبيعية أو حقوق الإنسان هي تلك الحقوق الفطرية التي مزجها الله تعالى بجميع الأمور الفطرية. إن دور عقل الإنسان في البين عبارة عن اكتشاف هذه الحقوق. إن العقل من خلال أخذ غرض الخالق من خلق الإنسان بنظر الاعتبار، يدرك هذه الحقوق الطبيعية والاستحقاق الفطري، ويخبر عن وجود هذه الحقوق.

2. خصائص حقوق الإنسان

هناك اختلاف بين الفلاسفة حول الخصائص التي تحتوي عليها حقوق الإنسان؛ فقد ذهب بعض فلاسفة الحقوق في الغرب من أمثال جي. بي. مابوت[2] في كتابه «الدولة والمواطن»[3] إلى الاعتقاد بأن الحقوق الطبيعية خالدة بمعنى أنها ثابتة ومستمرة ولا أمد لها. ولكي تكون هذه الحقوق خالدة، يجب أن تحتوي على خصيصتين، وهما: البداهة والإطلاق (بمعنى عدم قابلية الإسقاط)[4].

(274)

وقد أثبت آخرون من أمثال مايلن[1] في ضوء الاعتقاد بوجود علاقة بين الحقوق الطبيعية ومفهوم المجتمع الحر عدم الحاجة إلى القول بأن الحقوق (الطبيعية) للإنسان بديهية. وكان مايلن وهارت[2] يعتقدان أن هذه الحقوق في بعض الأحيان لا تكون مطلقة، بل هي قابلة للإسقاط أيضًا[3].

في الوقت الراهن سواء أكانت حقوق الإنسان من الأمور البديهية والمطلقة أم لا نجد أن الجامع المشترك لخصائص حقوق الإنسان بين آراء المفكرين، عبارة عن الخصائص الثلاثة المهمة أدناه[4]. وبعبارة أخرى: إنهم لا يختلفون فيما بينهم حول هذه الخصائص. وهذه الخصائص الثلاثة عبارة عن:

1. الشمولية والتعميم: حيث أن هذه الحقوق فطرية وطبيعية، فإن جميع الناس يمتلكونها. ومن هنا لا يكون للأمور الخارجة عن الطبيعة الإنسانية من قبيل: لون البشرة أو العرق أو الجنس أو الانتماء الطائفي أو القبلي أو اللغة أو الطبقة الاجتماعية وما إلى ذلك أي دور في إيجاد هذه الحقوق.

2. الأهمية الاستثنائية الكبيرة: إن الحقوق التي لا يكون لها أهمية بالغة، لا تعدّ من حقوق الإنسان بالمعنى المنشود؛ من ذلك أنه يحق لكل إنسان أن يبني بيته على طراز معيّن، أو يحق لبعض الناس أن تكون لهم مجموعة منتقاة من الأحجار الكريمة من شتى أقطار العالم. ولكن هذه الأمور لا تعدّ من حقوق الإنسان بما هو إنسان؛ إذ ليس لها تلك الأهمية الكبيرة بالنسبة إلى جميع الناس.

(275)

3. العملانية: إن حقوق الإنسان يجب أن تكون قابلة للاستيفاء والتحقق، كي يمكن الحصول عليها فيما لو تمّ تجاهلها؛ من ذلك على سبيل المثال أن جميع الناس يحق لهم الوصول إلى المراتب العلمية العالية، وعلى الرغم من أن هذا الحق يُعدّ أمرًا بالغ الأهمية في حياة الإنسان، بيد أن تحقيقه يعدّ مستحيلًا من الناحية الاجتماعية. فلو انصرف جميع الناس إلى طلب العلم والوصول إلى المراتب العلمية العليا، فسوف يحدث اختلال في نظام حياتهم؛ وذلك لأن المجتمع كما يحتاج إلى العلماء والمفكرين والأطباء، يحتاج كذلك إلى العمال والموظفين والعساكر ونظائرهم أيضًا. وفي غير هذه الأحوال لن يتمكن الناس من الوصول إلى الرفاه والسعادة في الأمور الاجتماعية.

3. الجذور التاريخية لحقوق الإنسان

يدلّ تاريخ حقوق الإنسان في الغرب على أن البحث عن حقوق الإنسان كان له جذور حتى في اليونان القديمة وفي عصر السفسطائيين أيضًا، وإن كان يتم الاكتفاء حاليًا بذكر بعض الأمور العامّة من أبحاث تلك المرحلة.

كانت الرؤية الشهيرة لبروتاغوراس تقول: «إن الإنسان هو المعيار في معرفة كل شيء». وكان هذا الاعتقاد قد شكّل أساسًا لجميع مدركاته الفلسفية. فإذا كان الإنسان معيارًا لمعرفة جميع الأشياء، فإن حقوقه من أشرف الحقوق[1]. إن جميع الناس من وجهة نظر بروتوغراس الإغريقي وكذلك من وجهة نظر بعض فلاسفة روما القديمة من أمثال ألبين يتمتعون بحقوق ذاتية متساوية. إن قواعد هذه الحقوق تقوم على ثلاثة أمور، وهي: المساواة، والحرية، والكرامة؛ بمعنى

(276)

شرف وعزّة وجلال الإنسان[1]. واليوم يُطلق على هذه الحقوق عنوان حقوق الإنسان.

وكان بعض المدرسيين في العصور الوسطى بدورهم يهتمون بمسألة الحقوق الطبيعية للإنسان. كان فيتوريا من المتكلمين المدرسيين في عصر النهضة في القرن السادس عشر للميلاد يؤمن بأن الله قد خلق جميع الناس بحقوق فطرية معيّنة ومتساوية. ولا يمكن لأيّ شخص بما في ذلك شخصه أن يسلب هذه الحقوق من نفسه؛ وذلك لأن هذه الحقوق لم يخلقها الإنسان لنفسه وإنما خلقها الله له. يذهب أمثال فيتوريا إلى الاعتقاد بأن القانون الطبيعي؛ بمعنى حكم العقل الفطري الموهوب للإنسان من قبل الله، هو الأساس في فهم حقوق الإنسان[2].

إن الاهتمام الجاد بهذه الحقوق لم يتحقق إلا في المرحلة الجديدة. لقد عمد هوبز[3] في القرن السابع عشر للميلاد من خلال بيان الطبيعة غير المتمدنة للإنسان إلى القول بأن الحق الطبيعي الأول للإنسان يتمثّل في حق الحرية في القيام بالأمور التي تؤدّي إلى محافظة الإنسان على ذاته[4]. وبعده بأربعين سنة تقريبًا، ذهب لوك[5] إلى الاعتقاد بأن حق الإنسان في الحرية وحقه في الحياة وحقه في الملكية، من الحقوق الطبيعية الوحيدة للإنسان. وقال بأن المسؤولية الأهم التي تلقى على عاتق الدولة، هي العمل على حماية الحقوق الطبيعية للمواطنين[6].

لقد فتحت أعمال هوبز وجان لوك بالتدريج آفاقًا من الأمل بالنسبة إلى صيانة

(277)

الحقوق الطبيعية في المجتمعات البشرية. لقد كان إعلان الاستقلال الأمريكي[1] سنة 1776 م، وكذلك إعلان حقوق الإنسان والمواطنين في فرنسا[2] سنة 1789 م، متأثرًا بنظرية جان لوك حول الحقوق الطبيعية للإنسان بشكل واضح. لقد صدر إعلان حقوق الإنسان والمواطنين بعد اندلاع الثورة الفرنسية. وقد اشتمل هذا الإعلان على سبع عشرة مادة. وقد اشتملت المادة الثانية من هذا الإعلان على أربعة أنواع من الأنواع السبعة عشرة من الحقوق بوصفها من الحقوق الطبيعية والضرورية والمقدّسة للإنسان. وإن هذه الحقوق عبارة عن: حق الحرية، وحق الملكية، وحق الأمن، وحق الوقوف بوجه الظلم[3]. وأما المواد الثلاثة عشرة الأخرى في هذا الإعلان فهي من الحقوق الخاصة بالمواطنة.

لقد كان السبب في بيان الحقوق الطبيعية في المرحلة الجديدة للحضارة الغربية، هو الحيلولة دون استبداد السلطة والدولة. لقد كان الفلاسفة من أمثال هوبز وجان لوك وغيرهما يسعون من خلال بيان مسألة الحقوق الطبيعية إلى بيان هذه المسؤولية الملقاة على عاتق الدوَل والحكومات؛ حيث يتعيّن عليها توفير الأمن للمواطنين. وكان لازم هذا الأمر هو اعتبار الحقوق الطبيعية (حقوق الإنسان) من المسائل الوطنية وتعدّ من الحقوق الداخلية للبلدان؛ وعلى هذا الأساس كانت نظرة الدوَل والحكومات إلى الحقوق الطبيعية حتى ما قبل القرن العشرين للميلاد نظرة شمولية.

(278)

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى والثانية في القرن العشرين للميلاد وما نجم عنهما من الخسائر الجسيمة في الأرواح والأموال التي دفعتها الشعوب وهضم حقوقهم، بدأ المجتمع العالمي جهوده ومساعيه من أجل عولمة حقوق الإنسان. وقد توجّهت الدوَل والحكومات للمرّة الأولى إلى الاعتراف الرسمي بالحقوق الطبيعية للناس دون الالتفات إلى انتماءاتهم وخلفياتهم. وقد أدّى ذلك إلى اعتبار مسألة حقوق الإنسان التي كانت حتى ذلك الحين تعدّ مسألة تخص المواطنة في حدود الدولة مسألة عامة من مسائل الحقوق العالمية[1]. ومن هنا أصدرت منظمة الأمم المتحدة سنة 1948 م إعلانها المعروف بـ «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»[2].

والآن بعد أن حصلنا على معلومات حول مفهوم حقوق الإنسان وخصائص هذه الحقوق، وكانت لنا إطلالة مختصرة على تاريخ حقوق الإنسان، نتعرّض فيما يلي إلى أهم ما نحن بصدد بيانه في هذه المقالة. ولهذا الغرض سوف نعمل في البداية على بيان الأسس والقواعد الفلسفية لحقوق الإنسان في الغرب وهي عبارة عن النظريات الشارحة لمصاديق حقوق الإنسان في الغرب. ثم نعمل بعد ذلك على تقييم كل واحد منها. وفي الختام سوف نقدّم للقارئ الكريم نظرية بديعة حول الجذور الفلسفية لحقوق الإنسان في الإسلام.

4. نقد ومناقشة الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان في الغرب

إن النظريات الفلسفية المبيّنة لحقوق الإنسان في الغرب متنوّعة. ومن بين هذه الآراء المتنوعة نجد أن أشهر النظريات المفسّرة لحقوق الإنسان، عبارة عن:

(279)

نظرية القانون الطبيعي، ونظرية الكرامة الإنسانية، ونظرية النشاط الأخلاقي للإنسان. وسوف نسعى في هذا القسم إلى بيان هذه النظريات الثلاثة بشكل صحيح، مع بيان علة صوابية أو عدم صوابية كل واحد منها.

أ. نظرية القانون الطبيعي[1]

إن لمفهوم القانون الطبيعي جذورًا تاريخية عريقة في أبحاث الحكمة العملية. حيث نرى جذور هذه الرؤية في أعمال الفلاسفة المتقدّمين على سقراط في اليونان القديمة[2]. وبالنظر إلى السابقة التاريخية الطويلة لهذه النظرية، فقد شهدنا الكثير من الشروح والتفسيرات المتنوّعة لها. وإن خلاصة تفسير المؤيدين لهذه النظرية في العصر الراهن هي أن القانون الطبيعية عبارة عن: «الأحكام العامة للعقل العملي حول حسن وقبح أفعال البشر». وبعبارة أخرى: إن محتوى القانون الطبيعي المعاصر عبارة عن أوامر ونواهي العقل العملي بشأن أفعال الإنسان.

كان بسبب وجود القانون الطبيعي أن تمّ التعريف لأول مرة بعد القرون الوسطى بالحقوق الطبيعية التي تعرف حاليًا بحقوق الإنسان من قبل توماس هوبز. إذ يقول هوبز: «إن حكم العقل ومفاد القانون الطبيعي القائم على الإرادة الطبيعية للإنسان، هو أن على جميع الأفراد أن يحافظوا على أرواحهم. ولهذا السبب يحق للإنسان بشكل طبيعي أن يتمتع بالحرية في القيام بكل شيء من أجل صيانة نفسه. إن هذه الحرية هي الحق الطبيعي الوحيد للإنسان»[3].

إن جان لوك كان يرى أن مضمون القانون الطبيعي بالإضافة إلى وجوب

(280)

حفظ النفس عبارة عن وجوب اجتناب العدوان على حقوق الآخرين. إن وجوب الامتناع عن التعرّض لحقوق الآخرين يعني وجوب احترام ملكيتهم. إن هذا الحكم للقانون الطبيعي في رؤية جان لوك قد قام على الميول والرغبات البشرية في طبيعة الإنسان، وعلى هذا الأساس فإن الحقوق الطبيعية في نظرته بالإضافة إلى حق الحرية وحق الحياة عبارة عن حق الملكية[1].

واليوم أيضًا يُعدّ القانون الطبيعي بدوره واحدًا من الأدلة على وجوب وجود حقوق الإنسان. إن أهم منظر معاصر للتومائية الحديثة الذي قدّم تفسيرًا جديدًا لنظرية توما الأكويني حول القانون الطبيعي، هو جون فينيس[2]. لقد ذهب فينيس في مقام بيان نظريته تبعًا لتوما الأكويني إلى الاعتقاد بأن القانون الطبيعي عبارة عن محتوى حكم العقل العملي. إنه بدلًا من أن يقيم نظريته على أساس إرادة الله (تفسير أغلب المتكلمين المسيحيين في العصور الوسطى)، أو على أساس طبيعة الإنسان (تفسير الفلاسفة في العصر الحديث)، قد أقامها على أساس مفهوم الخير الذاتي والسلوك العقلاني. إنه يرى أن العمل الحكيم هو الذي يتمّ القيام به من أجل تحقيق خير ذاتي أصيل واحد في الحدّ الأدنى. إن الخيرات الأصيلة التي التي تصل في رأي جون فينيس إلى سبعة موارد تعد أقصى الغايات في القيام بالأفعال العقلانية. إن الأشخاص يسعون إما عامدين أو بوحي من طبيعتهم طوال حياتهم من أجل الحصول على هذه الخيرات الأصيلة. يذهب جون فينيس إلى الاعتقاد بأن هذه الخيرات هي بأجمعها تجليات مختلفة لسعادة الإنسان[3] والأبعاد المتنوّعة وشخصيته[4].

(281)

إن قائمة الخيرات الأصيلة في ضوء آخر آراء جون فينيس في تفسيره لنظرية القانون الطبيعي عبارة عن: الحياة المادية، والعلم، والمهارة في العمل والترفيه، والصداقة، والزواج، والعقلانية العملية[1]، والدين[2]. إن هذه الخيرات الأصيلة السبعة تحتوي على خمس خصائص مشتركة، وهي: البداهة، والذاتية، وعدم الارتباط، والأهمية الواحدة، وعدم استنتاجها من الواقعية[3].

إن النقطة المهمة تكمن في كيفية انتقال جون فينيس من نظرية القانون الطبيعي إلى حقوق الإنسان؟ إن الحقوق الطبيعية من وجهة نظره ترادف حقوق الإنسان[4]. إن طريق الوصول إلى هذه الحقوق عبارة عن تطبيق العدالة. إن العدالة مفهوم يقوم على ثلاثة عناصر، وهي: الارتباط بالآخرين، والقيام بالتكليف، والمساواة[5]. إن التبعية لخيرين أصيلين في المجتمع باسم العقلانية العملية والمحبّة، تعدّ من لوازم العدالة الاجتماعية عند جون فينيس[6]. من الواضح أن الناس بالإضافة إلى السعادة الفردية يسعون إلى تحقيق السعادة والخير الاجتماعي المشترك[7] أيضًا. إن الوصول إلى هذه السعادة الاجتماعية والحصول على هذا الخير المشترك إنما يمكن من طريق تطبيق العدالة الاجتماعية واستيفاء حقوق الإنسان.

(282)

إنه يرى أن للإنسان حقًا طبيعيًا بالنسبة إلى جميع الخيرات الأصيلة التي تمثل كلها [في المجتمع] تجليات للسعادة ووسيله لرشده وتكامله[1].

ب. نقد ومناقشة نظرية القانون الطبيعي

1. إن الإشكال المشترك الذي يرد على جميع قراءات نظرية القانون الطبيعي، هو أن هذه النظرية على الرغم من سعتها وسابقتها الطويلة والقديمة، تنطوي على غموض كبير. ولهذا السبب ظهرت حتى الآن تفسيرات كثيرة لهذا القانون. وهذا الأمر في حدّ ذاته يمثّل دليلًا على عدم صوابية بعض هذه التفاسير.

2. إن كلام جون هوبز القائل بأن حكم العقل يقضي بعمل جميع الأشخاص على الحفاظ على أرواحهم، أولًا: ليس صحيحًا دائمًا وبشكل مطلق؛ من ذلك مثلًا في موارد دفاع الجنود عن الوطن. وثانيًا: إن هذا الكلام ليس كاملًا. هناك أمور أخرى أيضًا قد أمر بها عقل الإنسان أو نهى عنها بشكل فطري، وتعدّ بمنزلة القانون الطبيعي؛ من قبيل القانون العقلي بوجوب تطبيق العدالة. إن حكم عقل جميع الناس بحُسن العدل ووجوب تطبيقه حكم بديهي؛ كما أن عقل الإنسان يحكم بقبح الظلم ووجوب اجتنابه بشكل بديهي[2].

3. إن جون لوك بدوره مثل هوبز لم يبيّن جميع أصول القانون الطبيعي أيضًا. هناك أحكام أخرى عن العقل لم يلتفت إليها جون لوك؛ من ذلك مثلًا أن أصل النزوع إلى الكمال عند البشر، أمر لا شك فيه، وجميع الناس يدركون ذلك في ذواتهم. في ضوء هذا الأصل تكون جميع الكمالات التي يجدر بالإنسان أن يحصل عليها، تعدّ بمنزلة حق من حقوق الإنسان. وفيما لو كان هذا الكمال يلعب دورًا

(283)

محوريًا في تكامل الإنسان، فسوف يتمّ الالتفات إليه بوصفه مصداقًا من مصاديق حقوق الإنسان؛ وعلى هذا الأساس فإن الحقوق الطبيعية للإنسان ليست هي جميع تلك الأمور التي ذكرها جون لوك.

4. لا شيء من الخيرات الأصيلة في نظرية القانون الطبيعي لجون فينيس، أصيلة أو جوهرية؛ وذلك إذ لا شيء من الخصائص المنسوبة إلى هذه الخيرات التي يدّعيها جون فينيس صحيحة. وفي الواقع لا شيء منها بديهي، ولا ذاتي، ولا هي منفصلة عن بعضها، ولا تنطوي على أهمية متساوية. كما أن هذه الخيرات تقوم على أساس الواقعية؛ بمعنى أنها تشتق من أمور الواقع مثل طبيعة الإنسان[1].

5. إن جون فينيس لم يجب عن هذا السؤال المهم، وهو لماذا يكون للإنسان حق طبيعي بالنسبة إلى الخيرات الطبيعية.

ج. نظرية كرامة الإنسان[2]

إن من بين أكثر طرق تفسير حقوق الإنسان شهرة وأنصارًا، هي نظرية الكرامة الذاتية للإنسان. يذهب بعض المنظرين في حقل حقوق الإنسان في الغرب إلى الاعتقاد بأن الكرامة الذاتية تعدّ من الخصائص البالغة الأهمية في الطبيعة الأخلاقية للإنسان؛ حيث تكون بسبب أهميتها وعموميتها ملاكًا لوجود حقوق الإنسان. بعبارة أخرى: إن حقوق الإنسان إنما توجد ليتمّ الحفاظ بواسطتها على الكرامة الذاتية للإنسان. إن جميع الناس بسبب كرامتهم الذاتية، يتمتعون بحقوق الإنسان أيضًا. إن كرامة الإنسان تعني أن للإنسان حقًا فطريًا في أن يُحترم وأن يكون موضعًا للسلوك الأخلاقي. وقد جاء في المادة الأولى من الإعلان العالمي

(284)

لحقوق الإنسان: «يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق»[1].

يقول دونيللي[2] وهو من أهمّ أنصار نظرية الكرامة الذاتية للإنسان: «إن حقوق الإنسان لا تعنى بتوفير الصحة والسلامة للإنسان، وإنما نحتاج إليها من أجل الحفاظ على كرامة الإنسان؛ وللحصول على حياة تتناسب مع شأن الإنسان، وهي الحياة التي لن تنطوي على متعة من دونها»[3].

وهو حيث أطلق على نظرية الكرامة الذاتية للإنسان عنوان «النظرية الصانعة لحقوق الإنسان»[4]، فقد ذهب إلى الاعتقاد قائلًا: «إن كرامة وعزّة شأن الإنسان هو الذي يُنتج حقوق الإنسان؛ بحيث أن إنكار هذه الحقوق يستلزم إنكار إنسانية الإنسان؛ وعلى هذا الأساس فإن الطريق الوحيد إلى معرفة حقوق الإنسان هو أن نعمل بواسطة علم الأنثروبولوجيا الفلسفية إلى التعريف بالذات التي تحتوي على الكرامة الإنسانية بوضوح»[5].

إن حقوق الإنسان من وجهة نظر جاك دونيللي ليست هبة إلهية، كما أن الطبيعة ليست هي التي أعطت هذا الحق للإنسان. وإن الظواهر المادية للحياة بدورها ليست هي التي منحت هذه الحقول للبشر. إن حقوق الإنسان مثل سائر النشاطات الاجتماعية تنشأ من أفعاله الكريمة والنبيلة. إن حقوق الإنسان تمثل التجليات الأخلاقية الخاصة لقابليات البشرية[6].

(285)

إن نظرية الكرامة الإنسانية كما تعتبر حقوق الإنسان شاملة لجميع أفراد البشر، فإنها تعمل على إخراج غير الإنسان من شمول دائرة هذه الحقوق أيضًا؛ بمعنى أنه حيث يذهب أنصار هذه النظرية إلى الاعتقاد بأن الناس وحدهم الذين يمتلكون الكرامة الذاتية، فإن غير البشر لا يمتلكون مثل هذه الحقوق أبدًا.

د. نقد ومناقشة نظرية الكرامة الإنسانية

1. يستحيل الفصل بين الذات والأمر الذاتي. إذا كان الناس يحظون بالكرامة الذاتية والاحترام بسبب امتلاكهم لبعض الخصائص الطبيعية مثل العقل، فلا ينبغي سلب هذه الكرامة والاحترام عنهم بأيّ شكل من الأشكال. وعلى هذا الأساس يتمّ رفض كل ما يتمّ توظيفه لانتهاك هذه الكرامة وهذا الاحترام، ويتمّ التعامل معه بوصفه أمرًا محرّمًا.

وبعبارة أخرى: إن إيذاء أو إهانة أيّ إنسان، يعدّ نوعًا من الأفعال المنافية لكرامته وشأنه الإنساني؛ ومن هنا فإن لازم امتلاك الكرامة الذاتية أن يحظى الإنسان بالاحترام على الدوام، واجتناب توجيه أيّ أمر يؤدّي إلى الإساءة إليه وانتهاك حرمته. وبناء على هذا تكون نتيجة ادعاء الكرامة الذاتية للإنسان هي أن المجرمين لا يستحقون العقاب أبدًا؛ لأن الإنسان المجرم سوف يتأذى بالعقوبة وتمتهن كرامته، وبذلك سوف تنتهك كرامته؛ وعليه فإن عقوبة المجرم تتنافى مع أصل الكرامة الذاتية للإنسان.

هذا في حين ليس هناك شخص يمتلك مسكة من العقل السليم، لا يحكم بعدم صحّة وصوابية أصل معاقبة المجرمين؛ وعلى هذا الأساس يجب إما القول بأن الكرامة الإنسانية ليست ذاتية، وإنما يمكن أن تنفصل عن ذاته، أو يجب

(286)

القول إن الكرامة الذاتية لا تستوجب القيمة والاحترام. وفي هذه الحالة على الرغم من أن معاقبة الإنسان المجرم لا تتنافى مع كرامته الذاتية؛ بيد أن هذه الكرامة الذاتية لا تنطوي على أي فائدة. إن الكرامة التي لا تقترن بالقيمة لن تكون سوى مفهوم انتزاعي. من الواضح أن مراد أنصار نظرية الكرامة الذاتية للإنسان، هي الكرامة التي يحصل الإنسان بسببها على قيمته.

2. إن مفهوم الكرامة الذاتية مفهوم مبهم ويكتنفه الغموض، ولذلك نشهد الكثير من الاختلافات في مقام تشخيص مصاديقه. ما هي الأمور التي بموجبها يتمّ الحفاظ على كرامة الإنسان وحرمته؟ وبعبارة أخرى: ما هي الأفعال التي تؤدّي إلى هتك حيثية الإنسان وعدم احترامه وامتهان كرامته؟ إن الغموض الذي يكتنف مفهوم ومصداق الكرامة قد أدّى ببعض الحقوق إلى أن تعتبر من وجهة نظر بعض أنصار نظرية الكرامة الذاتية للإنسان في عداد حقوق الإنسان؛ ولكنها لا تعد من وجهة نظر سائر أنصار هذه النظرية من مصاديق حقوق الإنسان.

3. لو قبلنا بأصل الكرامة الذاتية للإنسان، يجب علينا أن لا نقول في مسألة احترام أفراد الإنسان بالفرق بين الصالحين والطالحين من أفراد البشر؛ إذ جميع الناس يتحلون بخصائص إنسانية متشابهة تقريبًا، من قبيل: العقلانية وما إلى ذلك. فقد كان الأنبياء وأوصياؤهم يتمتعون بالمقارنة إلى الملوك والحكام الجائرين من أمثال الفراعنة الطغاة، بقوى طبيعية وبشرية متساوية معهم تقريبًا. ولازم ذلك هو أن يتمتعوا بأجمعهم بمقدار واحد من نعمة الكرامة، في حين أن صاحب كل وجدان وضمير حي يحكم باختلاف مرتبة الكرامة بين الأخيار

(287)

والأشرار من بني البشر. من الواضح أن المحسنين والأبرار أفضل بمراتب من الجناة والمسيئين وأكثر منهم قيمة وحرمة وكرامة.

4. إن ما قاله دونيللي المنظر الشهير لنظرية الكرامة الذاتية للإنسان من الاعتقاد بأن الله ليس هو الذي أعطى الحقوق للإنسان، خطأ قاتل يعاني منه اليوم الكثير من فلاسفة الحقوق في العالم الغربي. إن ربّ العالمين هو الخالق لكل خير وكمال في العالم. فإذا كان الإنسان يمتلك كرامة فإن الله الخالق هو الذي أعطاه هذه الكرامة. إن خطأ دونيللي ومن على نهجه الفكري يكمن في تصوّرهم الخاطئ بأن الاعتقاد بالله يتساوى مع القول بالجبر، ولا ينسجم مع العقلانية. إنهم يتصوّرون أننا إذا قلنا بأن الله هو الذي أعطى حقوق الإنسان للبشر، فإننا بذلك نكون قد أنكرنا اختيار الإنسان وإرادته، هذا في حين أن البراهين العقلية وكذلك النصوص الدينية المقدّسة تشهد على أن الإنسان على الرغم من كونه مخلوقًا لله وقد منحه الله الكرامة، إلا أنه يتمتع بنعمة الإرادة والاختيار في القيام بأفعاله وأعماله؛ وعلى هذا الأساس يمكن الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى قد منح الإنسان عزّة وكرامة، وأنه بسبب هذه الكرامة قد اعتبر له بعض الحقوق أيضًا.

إن الإنسان ما دام مالكًا لهذه الإنسانية، فإنه يحظى بهذه الحقوق، وأما ما هي الإنسانية والحقيقية، ومن هو الإنسان الحقيقي، فهو بحث سوف نتعرّض له عند بيان النظرية الإسلامية «الانتماء إلى الإنسان الكامل» في هذا الشأن.

5. إن الإنسان لا يمتلك كرامة ذاتية؛ بمعنى أنه ليس كل الناس يحظون بالاحترام والكرامة في جميع الأحوال. بل وإن هناك الكثير من الذين لا

(288)

يمتلكون أيّ منزلة أو كرامة بسبب الظلم الكبير والجور الذي ارتكبوه بحق الآخرين[1]. هناك الكثير من الجناة الذين ظهروا طوال تاريخ البشرية وارتكبوا أبشع الجرائم بحق الإنسانية وأنفقوا جلّ أعمارهم في قتل الأبرياء. إن هؤلاء القتلة لا يحظون بالقيمة والكرامة والاحترام عند أيّ إنسان منصف بما في ذلك أنصار نظرية الكرامة الذاتية أنفسهم.

قال الله تعالى في الذين يناصبون الله ورسوله العداء: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّين)[2].

وعلى هذا الأساس، لا تكون نظرية الكرامة الذاتية وتبعًا لها الاحترام الذاتي جامعة لكافّة أفراد البشر.

6. إن هذه النظرية لا تمنع الأغيار. وبعبارة أخرى: إن الكرامة والاحترام لا يقتصران على الإنسان فقط. هناك موجودات أخرى في العالم تحظى بالاحترام أيضًا. فإن الله والملائكة وبعض الجن يحظون بالكرامة والاحترام أيضًا. ومع ذلك فإن هؤلاء لا يحظون بحقوق الإنسان بحسب المصطلح؛ وعلى هذا الأساس لا يمكن القول بأن الكرامة الذاتية هي الملاك والمعيار في وجود حقوق الإنسان.

بعد بيان نواقص نظرية الكرامة الذاتية يمكن أن نستنتج أن الإنسان حيث لا يتمتع بالكرامة الذاتية، فإن هذه النظرية تعدّ مرفوضة وغير مقبولة.

(289)

هـ. نظرية فاعلية الأخلاق البشرية[1]

إن من بين النظريات الأخرى التي تذهب مثل نظرية الكرامة الذاتية إلى القول بأن ملاك تفسير وبيان حقوق الإنسان هي الطبيعة الأخلاقية له، نظرية تعدّ فاعلية أخلاق الإنسان من أجل الوصول إلى السعادة معيارًا لوجود مصاديق من الحق باسم حقوق الإنسان. يقول آلان جيورث[2] مؤسس هذه النظرية: «إن الفاعلية أو الفعل، هو الموضوع المشترك لجميع أنواع الأخلاق والعمل»[3].

يذهب آلان جيورث إلى الاعتقاد بأن كل عمل أخلاقي ينطوي على خصوصيتين عامّتين، وهما:

1. اختيار وحرية الفاعل.

2. هدفية وعقلانية الفاعل.

وبعبارة أخرى: إن كل فاعل أخلاقي لكي يصل إلى أهدافه يقوم بالعمل باختياره وإرادته. إن هذا الهدف يعدّ من وجهة نظر الفاعل أمرًا حسنًا. وليس ذلك العمل حسنًا فحسب، بل وإن كل ما يُعدّ مقدمة لذلك العمل سوف يُعدّ حسنًا أيضًا. وإن من بين أهم مقدمات العمل الأخلاقي وأكثرها ضرورة وجوهرية من وجهة نظر آلان جيورث عبارة عن الحرية في العمل والسعادة[4]. إن الذي لا يمتلك الحرية في العمل ويقوم به مكرهًا، لن يُعدّ ذلك الفعل منه

(290)

عملًا أخلاقيًا. وهكذا الأمر بالنسبة إلى الذي لا يمتلك العناصر الأولية للسعادة، من قبيل: الحياة، والسلامة الجسدية، أو لا يمتلك الثقة بالنفس، أو لا يستطيع القيام بعمل، أو إذا قام به، لا يعدّ ذلك العمل منه عملًا أخلاقيًا؛ إذ من وجهة نظر آلان جيورث لا يمكن للإنسان من دون وجود أحد عناصر السعادة، من قبيل: الثقة بالنفس، أو الحصول على مستوى من المعلومات، لا يمكن للإنسان أن يواصل غايته الأخلاقية في أفعاله وأعماله؛ وعلى هذا الأساس فإن امتلاك الحرية في العمل من وجهة نظره وكذلك امتلاك السعادة، يُعدّ من أهم مصاديق حقوق الإنسان. إن سائر مصاديق حقوق الإنسان تقوم على أساس هذين الحقين. والنتيجة هي أنه على أساس نظرية الفاعلية الأخلاقية، تكون جميع مصاديق حقوق الإنسان ضرورية لضمان فاعليته الأخلاقية، وعلى الرغم من أن هذه المصاديق في إطار ضمان الفاعلية الأخلاقية لا تحظى بدرجة واحدة من الأهمية[1].

لقد ذهب آلان جيورث إلى تقسيم الحقوق إلى عدّة أقسام:

1. الحقوق الأصيلة التي تعمل على حماية وجود الإنسان وسعادته الأصيلة.

2. الحقوق التي تضمن فاعلية هدفية الإنسان.

3. الحقوق الإضافية التي تؤدّي إلى زيادة قدرات الإنسان، من قبيل: الحق في تعلم بعض المهارات الفنية.

وهو من بين هذه الطوائف الثلاثة من الحقوق، يذهب إلى اعتبار الحقوق التي تكون سببًا في تلبية احتياجات الفاعلية الأخلاقية للإنسان من حقوق

(291)

الإنسان؛ وعلى هذا الأساس فإن الذين يعانون قصورًا في مستوى الذكاء ولا يمتلكون نشاطًا ذهنيًا، أي لا يمتلكون ظرفية فاعلية، إنما يحظون بالحقوق من النوع الأول فقط. يرى آلان جيورث أن هؤلاء الأشخاص لا يتمتعون بحقوق الإنسان.

و. نقد ومناقشة نظرية فاعلية الإنسان

إن هذه النظرية بدورها مثل نظرية الكرامة الذاتية للإنسان تعاني من بعض النواقص، وبعضها عبارة عن:

1. إن هذه النظرية تنفي صفة التعميم عن حقوق الإنسان. وبعبارة أخرى: إن بعض الأفراد لا يتمتعون بحقوق الإنسان؛ إذ لا يمتلكون قدرة الفاعل الهادف، من قبيل الأشخاص المغمى عليهم أو المجانين ونظائرهم.

2. إن عنصري الحرية في العمل والسعادة (الحياة والسلامة وما إلى ذلك) اللذين يُعدان في استدلال آلان جيورث من أهم حقوق كل فاعل أخلاقي، يؤدّيان بجميع الأشخاص الذين يمتلكون هاتين الصفتين ليكونوا من الفاعلين الأخلاقيين ويمتلكون جميع الحقوق المعروفة بحقوق الإنسان ومن بينها الحق في الحياة. هذا في حين أن الكثير من الأشخاص الذين يتوفر فيهم هذان الشرطان، لا يستحقون الحياة بسبب الظلم الكبير الذي اقترفوه بحق سائر الناس؛ لأنهم تسببوا في القضاء على حقوق الآخرين، بما في ذلك حقهم في الحياة.

3. قال آلان جيورث في استدلاله: «إن كل شخص في مقام القيام بعمل هادف، يكون ذلك الفعل الهادف حسنًا من وجهة نظر الفاعل. وسوف تكون

(292)

جميع مقدمات ذلك العمل خيرًا<. ثم قال: >إذن يحق للإنسان أن يمتلك تلك الخيرات<.

والسؤال هو: هل كل هدف يبدو من وجهة نظر الفاعل أمرًا حسنًا، يكون في الواقع خيرًا أيضًا؟ يبدو من ظاهر كلمات آلان جيورث أن الجواب عن هذا السؤال هو الإيجاب. وإن لازم هذا الجواب الإيجابي، هو:

أ. أن يكون الخير أمرًا نسبيًا؛ وذلك لأن جور الظالمين الذي يشكل هدفًا لارتكابهم الأفعال الظالمة، سوف يُعتبر من وجهة نظر آلان جيورث أمرًا حسنًا؛ لاعتقاده بأن كل هدف يعدّ حسنًا بالنسبة إلى فاعله. هذا في حين أن الظلم شرّ في ذاته ولا يكون أمرًا مطلوبًا.

ب. يحق للأشخاص أن يمارسوا الظلم بحق الآخرين؛ إذ في ضوء نظرية آلان جيورث، يحق للفاعل الهادف أن ينجز ما يهدف إليه على المستوى العملي؛ لأن ذلك الهدف يُعدّ حسنًا وخيرًا من وجهة نظر الفاعل، وإن للفاعل حقًا بالنسبة إلى ذلك الخير.

لا شك في أن آلان جيورث لا يلتزم بهذه اللوازم الخاطئة التي تترتب على كلامه.

 

(293)

5. الأسس الفلسفية لحقوق الإنسان في الإسلام (نظرية القول بمقام الإنسان الكامل)

بعد أن قمنا بنقد أهم النظريات الفلسفية لشرح وبيان حقوق الإنسان في الغرب، ندرك عجز المنظومة الفلسفية للغرب في بيان مباني حقوق الإنسان. إن الإشكال الأهم الذي تعاني منه جميع هذه النظريات يكمن في تفسيرها البشري لماهية الإنسان. وبعبارة أخرى: حيث أن نظرة الإنسان إلى ماهيته نظرة سطحية وغير جامعة، فإن التعريفات التي تقدّمها النظريات البشرية، هي على الدوام تعريفات ناقصة وتخلو من الدقّة. إن التعريف الوحيد الكامل والذي يمكن التعويل عليه بشأن حقيقة وماهية الإنسان، هو ذلك التعريف الذي يقدّمه خالق الإنسان؛ وذلك لأن خالق البشر هو الوحيد الذي له إشراف علمي وعملي تامّ على مخلوقاته، ويمكنه أن يقدّم برؤيته العميقة والدقيقة والجامعة تعريفًا كاملًا لحقيقة الإنسان.

إن مهمّة علم الفلسفة الإسلامية في بيان المباني الفلسفية لحقوق الإنسان، أن تعمل بالاستفادة من التعريف الذي يقدّمه الله سبحانه وتعالى بوصفه الخالق والعلّة الفاعلية للإنسان في بيان حقيقة الإنسان، على إيصال المباني الفلسفية للنظرية الإسلامية بشأن حقوق الإنسان تحت عنوان «نظرية القول بالإنسان الكامل» إلى ذوي العقول الراجحة.

إن هذه النظرية من خلال تحليل وجود الإنسان والتعريف بالعناصر المادية والمعنوية لوجوده بمعنى جسده وروحه تؤكد على هذه النقطة، وهي أن الحقيقة الثابتة للإنسان، عبارة عن خصائصه الروحية. ولهذا السبب فإن أهمية روح الإنسان تفوق أهمية البدن. وكذلك فإن هذه النظرية من خلال التركيز على

(294)

نزوع الإنسان إلى البحث عن الكمال، عمدت إلى شرح وبيان الهدف والغاية من خلقه، من خلال تعريف ذات البشر، عمدت إلى تسمية الأمور التي تساعد في الوصول والاقتراب من المقام العالي للإنسان الكامل بحقوق الإنسان.

إن الإنسان في ضوء هذه النظرية يتألف من عنصرين، وهما : العنصر المادي (الجسم)، والعنصر المعنوي (الروح)[1]. إن العنصر المادي الذي يتكوّن بالتدريج، ينتهي أمره إلى الزوال بالموت. إن الروح المجرّدة للإنسان هي الحقيقة الثابتة للإنسان حيث توجد فيها الخصائص الشخصية للإنسان[2].

يقول القرآن الكريم إن هذه الروح تمثّل تجليًا لروح الله[3]، وما دامت مرتبطة بالله يكون لها حياة إنسانية؛ بمعنى أنه ما دامت هذه الروح متألّهة يكون صاحبها إنسانًا. وبعبارة واضحة يمكن القول: إن الإنسان في ضوء التعاليم الحيوية للدين الإسلامي الحنيف حيّ متأله[4]. بعبارة أخرى: إن الإنسان كائن حيّ تكون حياته رهنًا بتألهه؛ أي أن حياته مرتبطة بالله سبحانه وتعالى[5].

إن الإنسان الحيّ من زاوية الله الخالق في القرآن الكريم هو الشخص الذي يقيم ارتباطًا مع الله، ويسعى في هذه الدنيا إلى العيش بما يتطابق مع تعاليم الله سبحانه وتعالى. إن الحدود بين الإنسان الحي حقيقة وبين الإنسان الميّت حقيقة، لا تكمن في حياته المادية والطبيعية، بل في الإيمان والتسليم أمام الله سبحانه وتعالى[6].

(295)

في ضوء هذه الرؤية القرآنية فإن الذين يمتلكون في هذه الدنيا جسمًا إنسانيًا، لا يخرج أمرهم عن إحدى حالتين، وهما:

1. إما أن يكونوا من البشر حقيقة.

2. أو أن يكونوا في الشكل وبحسب الظاهر من البشر، وأما في الحقيقة والواقع فإنه ليسوا سوى حيوانات أو هم أسوأ من الحيوانات. لو انقطعت علاقة الإنسان مع الله في هذه الدنيا، فسوف يفقد حقيقة إنسانيته، بمعنى أنه يخرج عن دائرة الإنسانية. عندما يسقط الشخص عن مرتبة الإنسانية، فإنه لن يكون مستحقًا للحصول على حقوق الإنسان؛ لأنه لا يعود من أفراد البشر، وكذلك حيث لا يكون وجوده مانعًا من بقاء الآخرين على قيد الحياة، فإن حقوقه من وجهة نظر القرآن الكريم لن تعدو حقوق الحيوانات[1].

والسؤال المهمّ: من هم الأشخاص الذين ينقطع الارتباط بينهم وبين الله سبحانه وتعالى، ويخرجون بذلك عن مدار الإنسانية؟ إن الإنسان الحي من وجهة نظر القرآن الكريم هو الشخص الذي يمتلك بالإضافة إلى الجسم البشري روحًا تسلك مسار السعادة، أو في الحدّ الأدنى تقتحم مسار الشقاء بوعي وإدراك منها. وعلى هذا الأساس فإن الإسلام يرى أن الذين يُعرضون عن دين الله عمدًا وعنادًا، أو بالإضافة إلى ذلك يحاربونه ويصدّون الناس عن سبيل السعادة، ويسحبونهم إلى ما هم فيه من مستنقع الضلال وقطع العلاقة

(296)

مع الله، لا يكونون من البشر، بل هم أشبه بالحيوانات بل هم أضل سبيلًا[1]. وعلى الرغم من أن هذه الكائنات تمتلك بحسب الظاهر سمعًا وبصرًا، ولمنهم في الواقع بُكم وعُمي لا يسمعون ولا يرون من الحقيقة شيئًا. وعليه فإن هؤلاء الأشخاص حتى إذا امتلكوا قوّة عاقلة على نحو طبيعي، إلا أنهم يفتقرون إلى القدرة على إدراك الحقيقة ولا يستطيعون التفكير[2]. إن هؤلاء الأشخاص أحياء بحسب الظاهر، ولكنهم في الحقيقة والواقع أموات بحسب تعبير القرآن الكريم والروايات الإسلامية[3].

(297)

إن الله سبحانه وتعالى في ضوء نظرية «القول بمقام الإنسان الكامل» قد أودع في روح الإنسان نزوعًا إلى الكمال المطلق، ليكون في ذلك ما يستحثه إلى التحرّك نحو الكمال المطلق. إن الوصول إلى المقام العالي للإنسان الكامل هو أقرب مقام للمخلوق من مقام ألوهية الخالق. ولا يمكن تحقيق هذا الأمر إلا من طريق إطاعة الله واتباع دينه؛ كما وصل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى هذا المقام[1].

من هنا يمكن القول بوضوح وبضرس قاطع: إن ملاك وفلسفة حقوق الإنسان في الإسلام عبارة عن: «استحقاق التكامل المعنوي للبشر في إطار الوصول إلى مقام الإنسان الكامل».

بالنظر إلى أن هذا المقام مطلوب بالذات والفطرة للناس، فإن كل أمر يساعد على إيصال الإنسان إلى هذا المقام، سوف يكون مطلوبًا غيريًا له وبالعرَض، ويجدر بالإنسان أن يستفيد من هذا المطلوب الغيري؛ بمعنى أن له حقًا فيه. وحيث تكون هذه الحقوق أمورًا طبيعية، فقد جعلها الله سبحانه وتعالى في متناول الناس ليصلوا من خلالها إلى مقام الإنسان الكامل، يطلق على هذه الأمور الطبيعية مصطلح «حقوق الإنسان».

وبعبارة أخرى: بالنظر إلى التفسير الصحيح لحقيقة الإنسان في الإسلام، فإن حقوق الإنسان تعمل على إظهار صورتها الحقيقية أيضًا. إن حقوق الإنسان في هذه الرؤية لا تقتصر على مجرّد الحقوق التي تهتم بالبُعد المادي من حياة الإنسان على نحو استقلالي فقط. يمكن أن يُستنبط من نظرة الإسلام الفلسفية إلى الإنسان أن حقوق الإنسان عبارة عن حقوق وإمكانات وشرائط

(298)

قد وضعها الله سبحانه وتعالى بشكل طبيعي ومن أجل وصول الإنسان إلى مقام الخلافة الإلهية (مقام الإنسان الكامل) في متناول جميع الناس. ويمكن القول باختصار: إن حقوق الإنسان عبارة عن تلك الطائفة من الحقوق الطبيعية التي يمتلكها جميع أفراد البشر من أجل الوصول إلى مقام الإنسان الكامل.

إن الذين يخرجون بحسب تعبير القرآن الكريم عن دائرة الإنسانية، لن يكون لهم نصيب من حقوق الإنسان؛ سواء أكان هؤلاء الأشخاص من الذين يدّعون التديّن أو ينكرونه. وفي حالة استحقاق هؤلاء الأشخاص لمواصلة الحياة المادية، سوف تثبت لهم حقوق الحيوانات فقط. ما أكثر قادة الشعوب الذين كانوا يعرّفون عن أنفسهم بوصفهم من المتدينين، ولكنهم قضوا على حياة الكثيرين من الأبرياء ظلمًا وعدوانًا. لا شك في أن هؤلاء الأشخاص حتى مع ادعائهم التديّن يحرمون من حق الحياة الحيوانية[1]، ناهيك عن الذين لا يدّعون التدين ومع ذلك يقترفون هذا النوع من المظالم[2].

وعلى هذا الأساس يمكن لنا أن ندرك أمرًا مهمًّا آخر، وهو أن من الثابت قطعًا أن نظرة الأديان السماوية إلى حقوق الإنسان في مورد جميع الأشخاص الذين يبدون من بني البشر بحسب الظاهر، لم تكن على نسق واحد؛ ولذلك لأن الإنسان الحقيقي ونعني به الشخص الذي يرتبط بالله حقيقة هو الذي يستحق حقوق الإنسان فقط، دون الذين يمتلكون الشكل الظاهري من

(299)

الإنسان فقط! إن الذين يخرجون أنفسهم من دائرة الإنسانية، إنما يحصلون في الحدّ الأقصى على حقوق الحيوان لا أكثر[1].

النتيجة

بعد نقد أهم النظريات الفلسفية لشرح وبيان حقوق الإنسان في الغرب، ندرك عجز المنظومة الفلسفية للغرب في شرح وتفسير مباني حقوق الإنسان. إن الإشكال الأهم الذي تعاني منه جميع هذه النظريات يكمن في تفسيرها البشري لماهية الإنسان. بالإضافة إلى سطحيتها وعدم جامعيتها.

إن الدين الإسلامي الحنيف مثل سائر الأديان السماوية قد تمّ إنزاله على البشر لغرض إيصال الإنسان إلى الكمال. ولهذا السبب فإنه منذ ظهوره قد اهتم بمسألة حقوق الإنسان وتكاليفه بشكل خاص. إن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الناس ووضع لهم حقوقًا من أجل وصول الإنسان إلى المراتب العليا من الكمال. إن من بين أهم الحقوق هي الحقوق الطبيعية للإنسان. إن الملاك الوحيد الذي يمكن الدفاع عنه لحقوق الإنسان في ضوء التعاليم الإسلامية، إنما هو «الاستحقاق المعنوي للإنسان من أجل الوصول إلى مقام الإنسان الكامل

(300)

(مقام الخلافة الإلهية)»؛ ومن هنا فإن كل ما يتنافى في منظومة التفكير العملي الإسلامي مع التكامل المعنوي للإنسان، سوف يُعدّ منافيًا لحقوق الإنسان.

إن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه على القارئ بالنظر إلى الاهتمام بملاك حقوق الإنسان في الإسلام، هو السؤال القائل: ما هي مصاديق حقوق الإنسان؟ إن الإجابة عن هذا السؤال المهم للغاية، يدل على ضرورة القيام بدراسة وتحقيق في بحث حقوق الإنسان. إن هذا الأمر يوجب على المفكرين المسلمين أن يقوموا بجهود جادّة في بيان وشرح هذا النوع من الأبحاث حول حقوق الإنسان، لكي تشمل تعاليم الإسلام في حقل العلم والتفكير هذا القسم من العلوم الإنسانية على نطاق أوسع.

 

(301)

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. نهج البلاغة.
  3.  الجوادي الآملي، عبد الله، حيات حقيقي إنسان در قرآن، قم، مركز نشر إسراء، 1382 هـ.ش.
  4.  حائري يزدي، مهدي، كاوش‌هاي عقل عملي، طهران، مؤسسه پژوهشي حكمت و فلسفه ايران، ط 2، 1384 هـ.ش.
  5.  صدر المتألهين، محمد، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1981 م.
  6.  طالبي، محمد حسين، «بازخواني انتقادي آموزه قانون طبيعي در حكمت عملي يونان باستان»، مجلة: معرفت فلسفي، العدد: 30، ص 169- 201، شتاء عام: 1389 هـ.ش.
  7.  طالبي، محمد حسين، «جديدترين نظريه قانون طبيعي در بوته نقد»، مجلة: پژوهش‌هاي فلسفي / كلامي، العدد: 39، ص 61- 74، ربيع عام: 1388هـ.ش.
  8.  الطوسي، نصير الدين محمد، شرح الإشارات والتنبيهات، قم، نشر البلاغة، ط2، 1375 هـ.ش.
  9.  المصباح اليزدي، محمد تقي، نظريه حقوق اسلام، قم، مؤسسة آموزشي و پژوهشي امام خميني (ره)، ط 2، 1380 هـ.ش.
  10.  مظفري، محمد حسين، كشورهاي اسلامي و حقوق بشر، طهران، انتشارات باز، 1388هـ.ش.

 

(302)
  1. Campbell, Tom; Rights: A Critical Introduction, London and New York: Routledge, 2006.
  2.  Donnelly, Jack; The Concept of Human Rights; London and Sydney: Croom Helm, 1985.
  3.  Donnelly, Jack; Universal Human Rights in Theory and Practice; Ithaca: Cornell University Press, 1989.
  4.  Finnis, John; “Is Natural Law Theory Compatible with Limited Government?”, George R. P. ed.; Natural Law, Liberalism and Morality, Oxford: Oxford University Press, 1996, p. 1 - 26.
  5. Finnis, John; Fundamentals of Ethics; Washington, DC: Georgetown University Press, 1983.
  6. Finnis, John; Natural Law and Natural Rights; Oxford: Clarendon Press, 1980.
  7. Gewirth, Alan; "Why There Are Human Rights", Social Theory and Practice; No. 11, 1985, p. 48 - 235.
  8. Gewirth, Alan; Human Rights: Essays on Justification and Applications; Chicago and London: The University of Chicago Press, 1982.
  9. Hobbes, Thomas; Leviathan; M. Oakeshott ed., Oxford: Basil Blackwell, 1957.
  10. Honoré, Tony; Ulpian; Pioneer of Human Rights, Oxford: Oxford University Press, 2002.
  11.  Jones, Peter; Rights; Houndmills and New York: Palgrave, 1994.
  12.  Mabbott, J. B.; The State and the Citizen; London: Arrow, 1958.
  13.  Melden, A. I.; Appendix III: "Declaration of the Rights of Man and of Citizens", Human Rights; Belmont: Wadsworth Publishing, p. 140 - 142; Appendix IV: "Universal Declaration of Human Rights", p. 143 - 149, 1970.
(303)
  1. Meyerson, Denise; Understanding Jurisprudence; Oxon: Routledge - Cavendish, 2007.
  2.  Milne, A. J. M.; Freedom and Rights; London: George Allen and Unwin; NewYork: Humanities Press, 1968.
  3.  Ogley, Roderick C.; "Rights"; W. Outhwaite and T. Bottomore eds.; The Blackwell Dictionary of Twentieth Century Social Thought, Oxford and Cambridge, Mass.: Blackwell, 1993, p. 562 - 564.
  4.  Velastos, Gregory; "Justice and Equality"; A. L. Melden ed.; Human Rights, Belmont: Wadsworth, 1970, p. 76 - 95.
  5.  Vitoria, Francisco De; Political Writings [1526 - 1540]; in Pagden A. and Lawence J. eds.; Cambridge: Cambridge University Press, 1991.
  6.  Wasserstrom, Richard; "Rights, Human Rights and Racial Discrimination"; A. L. Melden ed.; Human Rights, Belmont: Wadsworth, 1970, p. 96 - 110.
  7.  Waterfield, Robin; The First Philosophers: the Presocratics and Sophists, Oxford: Oxford University Press, 2000.
(304)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف