فهرس المحتويات

الدين والحضارة

(1)

بسم الله الرحمن الرحيم 

(2)

العتبة العباسية المقدسة 

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

 

دراسات دينية معاصرة 14

الدين والحضارة 

 

تأليف: 

مجموعة باحثين

 

إعداد :

د. محمد حسين كياني

(3)

العتبة العباسية المقدسة 

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتجية

 

الدين والحضارة / تأليف مجموعة باحثين ؛ إعداد محمد حسين كياني - الطبعة الأولى. - النجف

العراق : العتبة العباسية المقدسة، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، ٢٠٢٤.

۳۹۹ صفحة : ايضاحيات ؛ ٢٤ سم - دراسات دينية معاصرة ؛ (١٤)

يتضمن إرجاعات ببليوجرافية : صفحة ۳۹۷-۳۹۹

ردمك : ٩٧٨٩٩٢٢٦٨٠٥٨٣

1. الاسلام والحضارة. أ. كياني، محمد حسين، معد.ب. العنوان.

LCC: BP190.5.C54D56 2024

مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة

الفهرسة اثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (٤١٣٣ ) لسنة ٢٠٢٤ م

 

الدين والحضارة (دراسات دينية معاصرة - ١٤)

تأليف: مجموعة باحثين

إعداد: د. محمد حسين كياني

إشراف السيد محسن الموسوي

الناشر : العتبة العباسية المقدسة / المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

الطبعة: الأولى، ٢٠٢٤ م

www.iicss.iq

islamic.css@gmail.com

(4)

المحتويات

کلمة المركز          7

 المقدمة   9

الإلهيّات الحضاريّة / حبیب الله بابائي     21

الخصائص الإسلامية والقرآنية لـ «الحضارة»/ حبيب الله بابائي           51

الأداء الحضاري للقرآن الكريم، دراسةٌ تمهيديةٌ في حقل الحضارة الإسلامية المتقدّمة / محسن ألويري    85

مفهوم المهدوية والحضارة الإسلامية الحديثة / محسن ألويري  113

قابليّات علم الكلام في الدراسات الحضاريّة / محمد تقي سبحاني           137

قابليّات العرفان الإسلامي في الإنتاج الحضاري / السيد يد‌الله يزدان پناه   159

دور الفلسفة الإسلامية وموقعها في الحضارة الإسلامية / حسن عبدي     191

الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء، دورٌ رياديٌّ في الإحياء الحضاري الإسلامي / هاشم الميلاني      217

مالك بن نبي، من نقد الذات والآخر إلى بناء نظريةٍ جديدةٍ في البناء الحضاري/ مصطفى النشار           251

الحضارة الوحيدة التي ألهمت الغرب، هي الحضارة الإسلامية / سيد حسين نصر    279

الحضارة الغربيّة والحضارة الإسلاميّة / حبيب الله بابائي       309

المباني النظرية لحضارة الغرب الحديثة / علي بيگدلي          349

(5)
(6)

 

 

کلمة المركز

الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ

وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ

(الحج:14)‏

إن مصطلح «الحضارة» هو من المفاهيم والتعابير التي كانت تُستخدم منذ قديم الزمان في الأدبيات والنصوص التاريخية أو التحليلات الثقافية وكذلك في الخطاب العام بشكل متكرر نسبيًا، وعلى الرغم من ذلك، لم يكن لهذا المصطلح تعريفات واضحة ومحددة من الناحية المعنوية. كذلك، فإن مصطلح «الثقافة» يُعتبر أحد أهم المفاهيم التي تشترك مع الحضارة من حيث تاريخ الاستخدام، حيث لهما تاريخ متشابه جدًا، ومن المثير للاهتمام أنهما يرتبطان بشكل كبير من حيث النطاق والشبكة المعنوية، وغالبًا ما يتم استخدامهما معًا كتعبير مكمل أو مرادف.

في عصرنا الحالي، لا يزال استخدام مصطلح «الحضارة» شائعاً في الخطاب العام، كما أنه حاضر في الدراسات المتخصصة في مختلف فروع العلوم الإنسانية من زوايا مختلفة وفي سياقات متنوعة. وفي الأوساط العلمية، يُتناول أحيانًا من منظور متعدد التخصصات والشامل تحت مسمى «دراسات الحضارة». وعلى الرغم من أن مصطلح «الحضارة» قد يكون قد تقلص وأصبح محدودًا في استخداماته المتأخرة - مثل العديد من المفاهيم الهامة والعامة في النقاشات الإنسانية - مقارنةً بالفترات السابقة، وفي بعض المجالات حلَّت محله مفاهيم حديثة مثل التنمية، المواطنة، الدولة وما شابه، إلا أنه لا يزال يستخدم لتحليل أو مقارنة الوضع العام للحياة الاجتماعية والثقافية للبشر في التقسيمات القومية والسياسية والجغرافية والتاريخية المختلفة.

(7)

عندما يُوصَف مجتمع بشري بأنه «متحضر»، فعادةً ما يُفهم من هذا الوصف حالة مرغوبة ومتقدمة تتميز بمستوى أعلى من القوة والقدرة والنمو الاجتماعي. وربما يتم استخدام تعبير «الحضارة الغربية» أو «الحضارة الإسلامية» في سياق هذا المعنى بشكل أكبر. من ناحية أخرى، نعلم أن الدين والمعارف الدينية ليست محايدة تجاه مسألة التقدم أو التخلف الثقافي والاجتماعي للمجتمعات البشرية، ولديها أحكام وقضايا على الرغم من اختلاف المفاهيم والتعابير.

إلى حد أن العديد من المفكرين والكتاب قد استخدموا منذ سنوات تعبير «الحضارة الإسلامية» - بالرغم من الجدل والنقاشات حول أصل هذا التعبير بينهم - ويُشار الآن هنا وهناك إلى إحياء أو تجديد التجربة الحضارية الإسلامية أو الحضارة الإسلامية الحديثة.

من هذا المنطلق، من الجدير بنا أن نتأمل في مفهوم «الحضارة» ومعانيها من منظور الأسس والمعارف الدينية، ونسعى إلى توضيح وتنقية المفاهيم الدينية التي قد تشترك مع الحضارة في المعاني أو تكون قريبة منها، ونبحث في علاقتها مع بعضها البعض. كما ينبغي دراسة النظريات العامة حول العلاقة بين الدين والحضارة في مختلف مجالات العلوم الإنسانية والدراسات الدينية. وقد حاولت مجموعة المقالات الحاضرة أن تكون خطوة أولى في هذا الاتجاه.

 

            السيّد محسن الموسوي

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية - فرع قم

 

(8)

 

 

المقدمة

 

إن الحضارة أو المدنية والنزوع إلى الاستيطان في المدن التي تطلق على المجتمعات ذات البنية المعقّدة والطبقات الاجتماعية المتعددة، والأطر والعلاقات الجماعية المتنوّعة ومجموعة من القوانين والرموز الخاصة. وبعبارة أخرى: إن للحضارة نسبة مفهومة مع الحياة الاجتماعية للناس، حيث تُعرف من خلال أوصاف من قبيل: تنمية الدولة، والطبقات الاجتماعية، والحوار الحضري الفذ، والتقدّم في مختلف الحقول من قبيل: العلوم والفنون والصناعة والاقتصاد وما إلى ذلك. ومن هنا تُعرف الحضارة بمركزية السلطة والقوّة بالمعنى العام وضمن جغرافية محدّدة.

إن الحضارة ترتبط بمختلف الأبعاد المتنوّعة للحياة الفردية والاجتماعية. وفي هذا الشأن تعدّ نسبة الدين إلى الحضارة من بين المسائل المهمّة التي تضع بين أيدينا الكثير من الموضوعات الجديرة بالدراسة والتحقيق. بعيدًا  عن البحث حول المفاهيم والنظريات والاتجاهات والتيارات المرتبطة بمجمل الحضارة والتمدّن، يمكن التحقيق بالتفصيل حول بعض المسائل المرتبطة بالإسلام والحضارة؛ وهي مسائل وموضوعات من قبيل: الخصائص والأبعاد التاريخية للحضارة الإسلامية، وإعادة تعريف التراث الحضاري للإسلام بما هو أساس لرسم الحضارة الإسلامية، وخصائص ولوازم الحضارة الإسلامية الحديثة، ونسبة العلوم الإسلامية إلى تحقق الحضارة الإسلامية، ودور البلدان الإسلامية في التحرّك نحو بناء الحضارة الجديدة، وتأثير التعاليم الإسلامية في رسم وتوجيه الحضارة، ودور الحوزات العلمية،

(9)

والتجمّعات الجامعية في رسم مقدمات وأهداف الحضارة الإسلامية، وعناصر الحضارة الإسلامية على أساس مذهب أهل البيت عليهم‌السلام أو تأثير تعاليم أهل البيت عليهم‌السلام في مسار بناء الحضارة أو إصلاحها، ونقاط اشتراك وافتراق الحضارة الإسلامية مع سائر الحضارات الأخرى ولا سيّما الغربية منها، وتأثير تحديات العصر الجديد في تحقق الحضارة الإسلامية الجديدة، أو الإجابة عن التحديات الجديدة على أساس تراث الحضارة الإسلامية، ودور التربية والتعليم والصناعة والتكنولوجيا وما إلى ذلك في دراسات الحضارة الإسلامية والكثير من المسائل الأخرى.

إن التأمّل حول الدين والحضارة أمر لازم وضروري من عدّة جهات. فمن جهة يُعدّ هذا النوع من التأمّلات بمنزلة المقدمات النظرية للعمل على الارتقاء الكيفي وتحسين مستوى حياة المسلمين. وعلى كل حال فإنه بغض النظر عن أن المعرفة التاريخية للحضارة الإسلامية القديمة يساعد على فهم وإدراك خصائص المجتمعات الإسلامية بشكل أفضل، ولكن هذا الوعي والإدراك يُعدّ ـ في الوقت نفسه ـ بمنزلة المبنى لاتخاذ القرارات الاجتماعية والدولية أيضًا . ومن ناحية أخرى يمكن لمجموعة من الإرادات والخطوات الاجتماعية الهادفة أن تشكّل مقدّمة لإعادة بناء حضارة إسلامية جديدة أيضًا . وعلى كل حال فإن التفكير من أجل إعادة بناء المجتمعات الإسلامية وارتقائها وتصفيتها وتحسينها على المستوى الكمي والكيفي، يُعدّ واحدًا  من المسائل التي قلما نجد مسلمًا  لا يُبدي اهتمامًا  بها، أو يعدّها مسألة قليلة الأهمية.

إن هذا الكتاب يمثّل مدخلًا نظريًا بشأن التفكير حول النسبة بين الدين والحضارة؛ والجواب عن أسئلة من قبيل: ما هي الخصائص التي تحتوي عليها الحضارة في ضوء التعاليم الإسلامية؟ ما هي الآليات والأدوات التي يمكن رسمها للحضارة الناظرة إلى التعاليم الإسلامية؟ ما هو التأثير الذي تتركه الرؤية المهدوية

(10)

في الحضارة الإسلامية الجديدة؟ وما هو التأثير والنفوذ الذي تركته أو ستتركه العلوم الإسلامية ـ ولا سيّما منها علم الكلام والفلسفة والعرفان ـ في الحضارة الإسلامية؟ وما هي الرؤية الحضارية التي كان يحملها المفكّر المسلم؟ وما هي نسبة الحضارة الإسلامية إلى الحضارة الغربية؟ وما هي التحديات التي ترى أنها تواجهها في المرحلة المعاصرة؟ وما إلى ذلك من الأسئلة الأخرى.

إن هذا الكتاب يشتمل على مجموعة من المقالات على النحو الآتي:

1. الإلهيات الحضارية: في هذه المقالة يتمّ استعمال مفهومين للإلهيات الحضارية، وهما أولًا : الرؤية الإلهية للمقولات الحضارية، وثانيًا : الرؤية الحضارية للموضوعات الإلهية. وفي الحقيقة فإن اهتمام الكاتب ناظر إلى بسط هذين المفهومين عن الإلهيات الحضارية، ليقوم في الخطوة الأولى بدراسة مفهوم الرؤية الإلهية إلى المقولات الحضارية، وإيضاح معنى هذا التعبير في ضوء المصلح القديم والحديث للإلهيات. ثم يعمل في خطوة أخرى على التأمّل والتدبّر في إمكان الرؤية الحضارية إلى الأمور الإلهية والنماذج الممكنة لها، من قبيل: الغيب، والأمل، والتضحية، وما إلى ذلك في الإلهيات الإسلامية، ليقدّم من خلال ذلك طريقًا  مختلفًا للتفكير حول أسس وظرفيات الدين الإسلامي في بناء الحضارة الإسلامية.

2. الخصائص الإسلامية والقرآنية لـ«لحضارة»: تسعى هذه المقالة إلى بيان خصائص الحضارة في ضوء تعاليم القرآن. يذهب الكاتب إلى الاعتقاد بإمكان بحث التعاليم المباشرة أو غير المباشرة للقرآن الكريم حول الحضارة من خلال ثلاث خصائص، وهي: «التوحيد»، و«الأخلاق»، و«المجتمع». إن مجموع هذه الدلائل لا تكون مفهومة بالنسبة إلى خصوص المسلمين أو الذين يعيشون تحت كنف الحضارة الإسلامية فقط، بل ويمكن تعريفها ـ بوصفها مقولة حضارية ـ لسائر الحضارات الأخرى بما في ذلك النماذج غير الإسلامية أو غير الدينية أيضًا . وفي الحقيقة فإن

(11)

الغاية من هذه الدراسة هي عرض وبيان الخصائص المنبثقة عن القرآن الكريم في بناء الحضارة الإسلامية / الإنسانية. وبعبارة أخرى: إن الغرض هو أن نثبت أن هناك خصائص أخرى يمكن بيانها بالإضافة إلى الخصائص الحضارية الحديثة أيضًا؛ ويمكن العبور على الخصائص الحديثة ونقدها. كما يمكن العمل على قراءة النص القرآني حضاريًا  واستخراج بعض الخصائص المختلفة منه، وتوظيف ذلك وتطبيقه في تقييم إنسانية الحضارة.

3. الأداء الحضاري للقرآن الكريم، دراسةٌ تمهيديةٌ في حقل الحضارة الإسلامية المتقدّمة: دراسة تمهيدية في دائرة الحضارة الإسلامية السابقة: إن القرآن الكريم هو الأصل المعرفي ومنطق تركيب وتعيين كيفية العلاقة بين الأجزاء والمبين للجهة الأصلية لحضارة المسلمين. يمكن توثيق هذا المعطى من خلال رؤية داخلية إلى القرآن الكريم ودراسة مفاهيمه الحضارية من جهة، ومن خلال النظرة الخارجية إلى واقعية الحضارة الإسلامية، والوظائف والأدوار القرآنية فيها من جهة أخرى. لقد اختصت هذه المقالة ببحث الموضوع الثاني، وهي الوظيفة الحضارية للقرآن الكريم، وقد عمدت إلى دراسة هذا الموضوع ضمن محورين رئيسين، وهما أولًا : تأثير القرآن الكريم على الروح العامّة وتوجهات الحضارة الإسلامية وتأثير القرآن في أجزاء ومظاهر الحضارة الإسلامية. وفي المحور الثاني تمّ بحث المعارف والفنون والفضاءات التشريحية لمناطق عيش المسلمين وحياتهم الاجتماعية أيضًا . وعلى هذا الأساس فإن انحسار التعاليم القرآنية عن مسرح المجتمع الإسلامي، وحصرها في حدود المسائل الفكرية المنفصلة عن الاحتياجات الاجتماعية، سوف يشكل بداية لركود الحضارة الإسلامية، بيد أن الوضع الراهن للحضارة البشرية والمنعطف التاريخي لتحوّل الحضارات، يشكّل أرضية خصبة لعودة القرآن ثانية إلى مشهد المجتمع وجعله هو المحور في الحضارة الإسلامية الجديدة.

(12)

4.مفهوم المهدوية والحضارة الإسلامية الحديثة: يمكن تصوّر تأثير الدين في الحضارة ضمن مساحتين، وهما: المساحة الجزئية المرتبطة بظواهر الحضارة التي هي من قبيل: الأبنية والآثار العلمية والآداب والتقاليد. والمساحة الكلية المرتبطة بالأساس الفكري والروح الحاكمة على الحضارة. يمكن إثبات المساحة الأولى بسهولة من خلال المرور بالمصادر ذات الصلة، وأما المساحة الثانية فقد تمّ الاهتمام بها ـ بشكل وآخر ـ في أعمال المنظرين في حقل الحضارة. وفي دائرة الإسلام حيث يكون إثبات المساحة الأولى أمرًا  بديهيًا ، فإنها لا تكون بحاجة إلى دليل. وفيما يتعلق بالمساحة الثانية ـ بالإضافة إلى التجربة التاريخية ـ يمكن إثباتها من خلال الاستدلال العقلي أيضًا . يقوم الإسلام ـ على المقياس الفردي والاجتماعي ولرفع مستوى تأثير التعاليم وبوصفه خطوة لتكميلها ـ بالعمل على ربط المفاهيم والتعاليم بالنماذج المثالية. وعلى هذا الأساس يمكن للمفاهيم المهدوية أن تلعب دورًا  من خلال رسم مستقبل منظور وفي بلورة الروح الحاكمة على الحضارة الإسلامية الجديدة. يمكن عدّ هذا البيان بوصفه «أفقًا  توصيفيًا» يمثل حلقة الوصل بين المهدوية والحضارة الإسلامية الجديدة. إن هذه المقالة قد تعرّضت لبحث هذه النقطة، وعملت في الختام على تقديم بعض المقترحات في إطار توظيف هذه الإمكانية.

5. قابليّات علم الكلام في الدراسات الحضاريّة: تتألف هذه المقالة من قسمين رئيسين: في القسم الأول تمّ استعراض التعريفات والمفاهيم الأصلية، من قبيل: الحضارة والتبويب العلمي المطلوب، وموقع علم الكلام في هذا التبويب، وإمكانات علم الكلام في الدراسات الحضارية. وقد تمّ اختزال إمكانية الكلام ضمن مساحتين، وهما: «بيان الاتجاه الحضاري للدين»، و«العرض المنظم والجامع للتعاليم الدينية». وفي هذا المورد يمكن الإشارة على نحو الاستقراء إلى الأبحاث الأنطولوجية والأبستمولوجية والأنثروبولوجية ونظرية الإمامة بوصفها من أهمّ

(13)

المحتويات الكلامية بالنسبة إلى دراسة الحضارة. وفي القسم الثاني يتم العمل ـ من خلال بيان الأنثروبولوجيا الكلامية على أساس محور العقل والإرادة ـ على إثبات قدرة علم الكلام في تأسيس القواعد الضرورية واللازمة للعلوم الحضارية الإسلامية.

6. قابليّات العرفان الإسلامي في الإنتاج الحضاري: يمكن لإعادة قراءة إمكانات العرفان الإسلامي في إنتاج الحضارة ـ بالإضافة إلى تقوية أدبيات توصيف الحضارة ـ أن تعمل على بيان أهمية العرفان الإسلامي في النظام الحضاري المنسجم. تعدّ مفاهيم علمي العرفان النظري والعرفان العملي والأداء التاريخي للعرفان الإسلامي من الأسس النظرية لهذه الدراسة الحضارية. وفي هذا الشأن يكون المعطى الأساسي عبارة عن العرفان النظري، أي: «الأسماء الإلهية والتلاقح الأسمائي»، والمعطى الأصلي للعرفان العملي، أي: «البُعد والقرب من الله تعالى»، ومن خلال الاستفادة منهما يتم تقديم توصيف للحضارة الإسلامية المنشودة. وفي حقل إمكانيات بناء الحضارة من خلال تجاوز شبهة الإعراض عن الدنيا في العرفان والاستناد إلى المصادر الإسلامية للعرفان وكذلك المفهوم النهائي لها وهو البقاء بعد الفناء ـ وليس الفناء ـ وعناصر من قبيل: النصرة، والخلافة بالسيف، والجمع المتلائم بين الروح والجسد، يتمّ بيان الموقع الأصلي للعرفان في صلب هندسة الحضارة الإسلامية، وفي رؤية أخرى يتمّ بيان أن العرفان يحتوي ـ من خلال توفيره لأربعة عناصر، وهي: المعنوية والعقلانية المعنوية الخاصّة في المنظومة المنسجمة، وتقديم نموذج أسمى عن الالتزام بالشريعة، والحصول على أسلوب خاص في فهم النصوص الدينية (التأويل) ـ على نتائج وفيرة في بناء الحضارة الإسلامية.

7. دور الفلسفة الإسلامية وموقعها في الحضارة الإسلامية: تعمل هذه المقالة على دراسة دور الفلسفة في الحضارة الإسلامية. والسؤال الأصلي في هذه المقالة

(14)

يقول: ما هو الدور الذي لعبته الفلسفة الإسلامية والمكانة التي احتلتها في تطوير الحضارة الإسلامية؟ ونتيجة هذه الدراسة عبارة عن أولًا: إن للفلسفة تعريفات متعددة، وإن أساس هذا التحقيق يقوم على مفهوم الفلسفة بوصفها أسلوبًا  عقليًا  في إطار دراسة الأحكام العامّة للوجود. وثانيًا: إن دور الفلسفة في تطوير الحضارة يُعدّ حيويًا  لعدّة أسباب، وهي أولًا: المساعدة على بناء هوية ثقافية للمجتمع، وثانيًا: إعداد الأرضية لبناء منظومة فكرية، وثالثًا: إعداد الأرضية لأجل إصلاح الحياة الاجتماعية من طريق مواجهة الانحرافات الفكرية، من قبيل: العدمية، والنسبية، والنزعة التشكيكية، ورابعًا: تلبية حاجة الإنسان الفطرية إلى معرفة الحقائق، وخامسًا: المساعدة على إقامة الحوار بين مختلف الحضارات من جهة، وبين مختلف التيارات الفكرية في إطار الحضارة الإسلامية من جهة أخرى. وعلى هذا الأساس لو كانت الفلسفة الإسلامية بصدد البحث عن التأثير الأكبر في الحضارة الإسلامية، فيجب أن تكون بصدد البحث عن التأثير في مختلف الحقول الاجتماعية والتعليمية والسياسية وما إلى ذلك، على أمل تلبية الاحتياجات الراهنة للمجتمع الإسلامي.

8. الشيخ محمد الحسين آل‌كاشف الغطا، دور ريادي في الإحیاء الحضاري الإسلامي: تتعدد وجوه المشروع الإصلاحي للشيخ كاشف الغطاء (١٢٩٤-١٣٧٣ هـ. ق) وتتنوع؛ إذ كان رحمه الله فقيها وأديبا ومتكلما وحكيما وسياسيا محنكا، وبنى وفق هذه الخلفية حركته العلمية والفكرية في معالجة ومواجهة التحديات التي تواجه المجتمع والعالم الإسلامي، ولهذا، فقد اتبع المنهج العملي الوظيفي، إذ يشير إلى فوائد الالتزام بالدين ليثبت أهميته وضرورته، ويؤكد على ضرورة إحياء العوامل التي توجب نهوض الأمة والوصول إلى رشدها. وفي هذا السياق يرى الشيخ كاشف الغطاء أن جهود المصلحين نحو اتحاد العالم الإسلامي قد أثمرت وقد بدت بشائر الخير، وظهرت طلائع النجاح، وتربت في نفوس المسلمين تلك الروح

(15)

الطاهرة. ومن الواضح أنه (قده) كان مستشرفًا ومواكبًا لما يجري في العالم، لهذا صوّب باتجاه مفاسد الغرب والفكر والثقافة الغربيين. لذا، فهو يعتقد بأن الغرب هو السبب في إفساد الأمة، وأن الغرب لا يريد نفع الأمة الإسلامية،.... وكانت له مواقف سياسية متعددة تنبيء عن عمق نظره، ومعرفته بالواقع العالمي والإقليمي.

9. مالك بن نبي، من نقد الذات والآخر إلى بناء نظريةٍ جديدةٍ في البناء الحضاري: يتناول هذا المقال فكر مالك بن نبي، الذي يركز على أن الحضارة تبدأ بفكرة دينية، حيث يعتبر الدين أساسًا في بناء الحضارات. يحدد بن نبي ثلاثة عناصر أساسية لأي حضارة: الإنسان، التراب (الموارد)، والوقت، والتي لا تتحول إلى حضارة إلا بوجود فكرة دينية محركة. يرى أن تخلف المجتمعات الإسلامية نابع من ضعف داخلي، ويعبّر عن ذلك بمفهوم «القابلية للاستعمار». يركز المقال أيضًا على أهمية الثقافة في بناء الحضارات، حيث يرى بن نبي أن الثقافة هي الإطار الذي يشكل الإنسان والمجتمع، وأن الحضارة تزدهر عندما تتكامل الأفكار مع القيم الروحية والعمل الجاد. كما ينتقد تركيز المجتمعات الحديثة على «الأشياء» و«الأشخاص» بدلًا من «الأفكار». في الختام، يشير المقال إلى أن النهضة الإسلامية تتطلب تغيير الفكر، تخطيطًا فعالًا، واستخدامًا صحيحًا للموارد والوقت، مع إعادة إحياء الروح الدينية وتجديد الفكر الإسلامي لمواجهة التحديات المعاصرة.

10. الحضارة الوحيدة التي ألهمت الغرب، هي الحضارة الإسلامية: أهمّيّة محاورة الدكتور السيّد حسين نصر حول قضايا الغرب وتحوّلاته الفكريّة والقيميّة، تكمن في معايشته العضويّة للمجتمعات الغربيّة نفسها، فقد صرف الرجل ولمّا يزل قسطًا  وازنًا  من حياته في معاهد الغرب وجامعاته طالبًا  وأستاذًا  وعارفًا  بمشكلاته المعرفيّة والمجتمعيّة، حتّى أنّك حين تقرأ كتاباته ومحاضراته والمؤتمرات التي يشارك فيها، سوف تشعر أنّك تلقاه فيلسوفًا  لا يصدر عن حكمٍ قيمية بقدر ما يعاين عقل

(16)

الغرب معاينة عقلانيّة، ثمّ ليحدّد مواقفه تبعًا  لتلك المعاينة. في ما يلي حوار أجراه معه الباحث حامد زارع، ويتمحور بصورة أساسيّة حول نظريّة (حوار الحضارات) التي طرحت على نطاق عالميّ إبان العقود الثلاثة، وهي النظريّة التي جاءت كردٍّ على أطروحة (صدام الحضارات)، التي أطلقها المفكّر الأميركي صموئيل هانتغتون في تسعينيّات القرن المنقضي.

11. الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية: في الرؤية التاريخية / المقارنة بين «حضارة الغرب» و«الحضارة الإسلامية» يمكن العثور على عناصر الاتحاد الحضاري في الكثير من النقاط المتنوّعة والعناصر المتعدّدة. ومن بين هذه العناصر عنصر الدين بوصفه عنصر الارتباط والاتصال في الحضارات ومن بينها حضارة الغرب والحضارة الإسلامية في التاريخ المنصرم. وفي هذا الشأن يمكن بحث موقع الدين المسيحي في حضارة الغرب والدين الإسلامي في الحضارة الإسلامية، ضمن ثلاث مراحل، وهي: مرحلة التأسيس، ومرحلة النموّ والازدهار، ومرحلة الأفول، والعمل على دراسة وتحليل آليات الاتحاد، والعمل في بعض الموارد على بحث أسباب التشتت في كل واحدة من هذه المراحل الثلاثة. وفي هذا الشأن يبدو أن مصير الحضارة الإسلامية يختلف جدًا  عن التاريخ الحضاري للغرب، وإن تاريخ هاتين الديانتين على طرفي الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية يعدّ واحدًا  من محطات الفرق والاختلاف بين هاتين الحضارتين وفي انسجامهما أو عدم انسجامهما الحضاري. وبذلك فقد تعرّض كاتب هذه المقالة إلى ثلاث مراحل، وهي: مرحلة التأسيس، ومرحلة الازدهار، ومرحلة نهاية الحضارتين، وعمد إلى بيان الاختلافات المحتملة والممكنة بينهما.

12. المباني النظرية لحضارة الغرب الحديثة: تقوم المباني النظرية للحضارة الجديدة في الغرب على ثلاثة أصول أساسية، وهي أولًا: النزعة المعرفية بمعنى

(17)

الفهم الجديد للوجود، والحكم في القضايا على أساس العقل الفلسفي، والتغيير في تصوّر الإنسان لشكل العالم والسعي من أجل الحصول على الحقيقة العلمية. وثانيًا: الفردانية بمعنى تحوّل الإنسان التابع إلى إنسان مستقل، حيث يكون هذا الاستقلال في المرحلة الأولى استقلالًا  فكريًا ، ثم يتحوّل بعد ذلك إلى استقلال سياسي في حقل التفكير، وتحرّر الفرد من التقيّد والتعبّد للحصول على التعقّل في العلاقات الاجتماعية. وثالثًا: النزعة التكنولوجية؛ بمعنى العبور والانتقال من الحياة الآلية إلى الحياة الصناعية. أو بعبارة أخرى: تغيير نظام الإنتاج من أسلوب الإنتاج الفيزيقي إلى أسلوب الإنتاج الميكانيكي. يرى دانييل روب أن مباني الحضارة الغربية الجديدة تقوم على أساس التغيير في قسمين؛ القسم الأول: قسم البرامج المرنة المرتبطة بتغيير نظرة الإنسان الغربي إلى ظاهرة الوجود والتي تبدأ من مرحلة عصر النهضة بوصفها نقطة انطلاق هذه الحضارة. وهذه رؤية تقوم على أساس الأحكام العقلية المستقلة عن أيّ مرجعية للسلطة. والقسم الثاني: قسم البرامج الصلبة المرتبطة بتغيير شكل الحياة الاجتماعية، وتحوّل الإنتاج إلى صناعي، وتراكم الثروة، وزيادة البضائع تحت إشراف وتوجيه من الطبقة البرجوازية الحديثة الظهور. إن قسم البرامج الصلبة إنما هو وليد اختراع الطابعة وماكنة البخار والأسلحة النارية والفحم الحجري. وقد أدّى العامل الأول إلى تعميم العلم، والعوامل الثلاثة الأخرى أدّت إلى تبلور ظواهر مشؤومة من قبيل: الهيمنة والاستعمار من قبل الغرب.

نقدّم هذا الكتاب للقارئ الكريم بوصفه مقدمة للمزيد من التأمّل والتفكير حول الدين والحضارة، ونأمل في الوقت نفسه أن تكون قراءته مفيدة ومغتنمة بالنسبة إلى الأساتذة والباحثين والطلاب والجامعيين الراغبين بالبحث والتحقيق في هذا الشأن. وفي الختام نتقدّم بالشكر الجزيل من جميع الإخوة الذين ساهموا في بلورة هذا العمل، ونخصّ منهم بالذكر جميع كتّاب المقالات. كما نتقدّم بوافر الشكر

(18)

لسماحة حجّة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد هاشم الميلاني الرئيس المحترم للمركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية على ما قدّمه من دعم كبير وما أبداه من آراء قيّمة في إطار إثراء هذا المشروع. كما نتقدّم بالشكر الجزيل لسماحة حجة الإسلام الدكتور السيد محسن الموسوي على قبوله عناء الإشراف النافع والتوجيه العلمي لهذا العمل. كما نشكر الأساتذة الأفاضل سماحة الدكتور أحمد قطبي، والسيد محمد رضا الطباطبائي على ما قدّماه من بعض المقترحات وما قاما به في إنجاز المراحل التنفيذية في هذا المشروع.

محمد حسين كياني

 

 

 

 

 

 

 

(19)
(20)

 

 

الإلهيّات الحضاريّة[1]

حبیب الله بابائي[2]

يأتي استخدام مصطلح الإلهيات الحضارية بمفهومين: أ. النظرة الثیولوجیة إلى المقولات الحضارية والقراءة الإلهياتية لها.  ب. النظرة الحضارية إلى المقولات الثیولوجیة، ودراسة التطبيقات الحضارية لموضوعات مثل الغيب، والرجاء، والمعاناة السامية، والضحية وغير ذلك. في العلوم الاجتماعية، لا سيّما علم الاجتماع أُنجزت دراساتٌ عدّة في الموضوعات الدينية، وتم تناول الدين بوصفه مؤسسةً اجتماعية، ولكن قلّما اهتمت البحوث الدينية والإسلامية بـ«المجتمع» كظاهرةٍ إلهياتية، وقلّما كان المتألّهون يحلّلون الموضوعات الاجتماعية وفق مقاربة إلهياتيّة، ويسلّطون الضوء على أبعادها الإلهياتية. فضلًا عن أنّه نادرًا ما تمت دراسة الوظائف الحضارية للمفاهيم الإلهياتية، وأندر منها الدراسات حول الإمكانيات الحضارية للموضوعات الإلهياتية.

 ما سنبحثه في هذا الفصل هو دراسة إمكان النظرة الإلهياتية إزاء الحضارة، والنظرة الحضارية إزاء الإلهيات، في البدء نبحث مفهوم النظرة الإلهياتية للمفاهيم الدنيوية مثل الحضارة؛ لنقف على معنى الإلهيات الحضارية»، أو «الإلهيات التي

(21)

تعنى بالحضارة» وفقًا للمصطلحين القديم والجديد لـ«الإلهيات». ثم نناقش إمكان النظرة الحضارية للمفاهيم الإلهياتية وطرح أمثلة لها في الفكر الإسلامي، ليتسنى من خلال ذلك تفعيل بعض إمكانيات الإلهيات الإسلامية على صعيد شرح التحولات الحضارية وتفسيرها، وكذلك على صعيد خلق الحضارة الإسلامية وتأسيسها، وسد الفراغ الإلهياتي في الحضارة الإسلامية.

أ. نظرة إلهياتيّة إلى المفاهيم الحضاريّة

المقصود بالإلهيات الحضارية، الإلهياتية البعدية بعد فهم النص المقدّس التي تتناول تبلور الحضارة بوصفها حقيقةً دنيوية، ودراستها بالارتباط مع الله ـ طبقًا للوعي الإلهي والوحياني لكلّ دين ـ والسنن الإلهية التي تحتويها النصوص الدينية أو بعبارةٍ أكثر وضوحًا: الإلهيات الحضارية هي إلهيات تُعنى بالحضارة، وتسعى من جهة، وعبر مقاربةٍ ونهج إلهيّاتيّ (عقلاني وحياني) إلى تبيين الحضارات والقوانين التي تحكمها (قوانين ظهور الحضارات واضمحلالها)، ومن جهة ثانية، الإسهام في حلّ المشكلات الحضارية، ومن جهة ثالثة، رسم تصاميم الحضارة وهندستها؛ أي بمعنى تحدّي الإلهيات الحضارية للنظريات العلمانية التي تعارض الحياة الدينية في المنتظم الاجتماعي. كما إنّ هذه الإلهيات في تضادٍّ مع النظريات الدينية التي ترفض التدبير الديني للدنيا؛ بل تتصدّى للمقاربات الاجتماعية التي تختزل الدين في منطقةٍ أو ميدانٍ محدّدٍ من الميادين الاجتماعية، وتسعى في المقابل من خلال نظرةٍ إلهياتيةٍ للمفاهيم الحضارية إلى دفع الحياة والهوية الدينية إلى داخل المنظومة الاجتماعية البشرية.

ربما وجد القارئ مصطلح الإلهيات الحضارية غريبًا بعض الشيء؛ إذ يتألّف من الإلهيات التي ترتبط بعالم ما وراء الطبيعة، والحضارة وهي أمرٌ ماديٌّ دنيوي؛ من هنا نجد لزامًا علينا تحليل مصطلح الإلهيات الذي يُعنى بالحضارة (أي الإلهيات الحضارية)، وتوضيح معناه وفقًا للمعنى القديم والجديد للإلهيات.

(22)
مفهوم الإلهيّات الحضاريّة وفق اصطلاح القدماء

قسّم القدماء الحكمة، التي تعني الحقائق والعلوم التي يمكن اكتسابها بالعقل، إلى حكمةٍ نظريةٍ وحكمةٍ عملية، وتتفرّع الحكمة النظرية إلى «حكمة إلهية»، أو «حكمة عليا»، و«حكمة رياضية»، أو «حكمة وسطى»، و«حكمة طبيعية»، أو «حكمة سفلى». يطلق على الحكمة الإلهية «العلم الأعلى»، و«فلسفة ما بعد الطبيعة»، وكذلك «الإلهيات بالمعنى الأعم». وهذه الأخيرة تنقسم إلى مجالين: مجال المسائل العامة[1]، وتشمل بحوث الوجود والعدم، والوحدة والكثرة، والعلة والمعلول وغيرها من المسائل. والمجال الثاني «الإلهيات بالمعنى الأخص»، وتُعنى بمسائل من قبيل إثبات وجود الله، وصفات الله ، وشمولية القدرة والمشيئة الإلهية، والجبر والتفويض، والخير والشر، والعوالم الكلية للوجود.

يعتقد الحكماء المسلمون أنّه لا ينبغي النظر إلى المسائل العامة، والإلهيات بالمعنى الأخصّ كعلمين مستقلين؛ لأنّهما يشكلان علمًا واحدًا، وموضوعهما أيضًا واحد، وهو «الموجود بما هو موجود». والإلهيات بهذا المعنى هي العلم الأعم الذي تحتاجه سائر العلوم الأخرى. والإلهيات وفقًا لهذا الاصطلاح مجردةٌ من المادة، بمعنى أنّ المفاهيم المستعملة فيه غير مادية، وأمثلتها كذلك غير مقتصرةٍ على المادّيات، ولا تؤخذ مباشرةً من المادّيات، وبعبارةٍ أخرى: هذه المفاهيم لا تمثّل صورًا مباشرةً للأشياء المادية، فهي معقولاتٌ ثانوية، كما يصطلح عليها، وليست معقولاتٍ أولية.

النقطة المهمّة لفهم المعضلة المفهومية في «الإلهيات الحضارية» هي علاقة

(23)

الإلهيات بعالم المادة وكلّ ما يتعلّق بها. باعتقاد الحكماء تبحث الحكمة النظرية في قضايا تكون بلحاظ المفهوم والمصداق ـ وكذلك بلحاظ الوجود والماهية ـ مشروطةً بالمادة ومحتاجةً إليها، ويطلق عليها مصطلح «الطبيعيات»، أو أنّها بلحاظ المصداق والوجود بحاجةٍ إلى المادة، لكنّها بحسب المفهوم والماهية في غنىً عنها، فيُطلق عليها مصطلح «الرياضيات»، أو أنّها مستغنيةٌ وغير محتاجةٍ وغير مشروطةٍ بالمادة في المصداق والمفهوم، فيقال لها «الإلهيات». ولكن ثمّة تباينًا بين الإلهيات بالمعنى الأعم والإلهيات المعنى الأخص في ارتباطهما بالمسائل المادّية، وهو أنّ الأولى غير مشروطةٍ (لا بشرط) بالمادّة في المفهوم والمصداق. فمثلًا، المفاهيم من قبيل الوجود والعدم والعلة والمعلول وغيرها، غير مشروطةٍ بالمادّة، أي أنّها لا بشرط بالنسبة إلى عالم المادة. في حين أنّ الإلهيات بالمعنى الأخص التي تبحث في موضوع الله عبارة عن حقائق بشرط لا من المادة[1].

إذًا، وفقًا للمفهوم أعلاه عن الإلهيات بمعناها العام والخاص (بتعبير القدماء)، فإنّ السؤال المطروح هنا هو: أيّ مفهومٍ يمكن أنْ تنطوي عليه «الإلهيات الحضارية»، وتحت أيّ قسمٍ من الإلهيات تنضوي؟ إذا كانت الحضارة والثقافة أمرين دنيويين، فكيف يمكن للإلهيات سواء أكانت لا بشرط المادة (بالمعنى الأعم للإلهيات)، أم بشرط لا (بالمعنى الأخصّ للإلهيات) أنْ تُعنى بأمرٍ مادّي مثل الحضارة والثقافة في هذه الدنيا؟

في جوابنا عن هذا السؤال نقول ربما يبدو مستهجنًا وغير مفهومٍ إطلاق تسمية الإلهيات ـ باصطلاح الحكماء المسلمين ـ على الدراسات الحضارية بداعي أنّ موضوعها أمرٌ مادّيٌّ ودنيوي، ولكن، لما كان الأمر المادي (الحضارة مثلًا)، تتم دراسة علاقته بالله، وتُطرح خلاله أسئلةٌ حول فعل الله، والقوانين والسنن

(24)

الاجتماعية والتاريخية التي خلق الله المجتمعات والحضارات على أساسها، وكذلك وصايا الله من أجل فلاح المجتمعات والحضارات الإنسانية ورفعتها، فإنّها جميعًا تنضوي، بنحوٍ ما تحت عنوان الإلهيات بالمعنى الأخصّ، وعندما يتعلّق البحث بالقوانين الحاكمة في التاريخ والحضارات (على نحو لا بشرط)، فإنّه يمكن درجها تحت مسمى الإلهيات بالمعنى الأعم.

من ناحية ثانية، يمكن القول إنّ الإلهيات الحضارية، طبقًا لاصطلاح القدماء، إلهياتٌ متداخلةُ الاختصاصات، بين قسمين من الإلهيات بالمعنى الأعم والمعنى الأخص، تتم الاستفادة فيها من قوانين العلة والمعلول والماهية والوجود وغيرها في موضوع «الحضارة»، وكذلك دراسة علاقتها بخالق الوجود. والنقطة المهمة هي أنّ إطلاق تسمية الإلهيات ، حين تكون بالمعنى الأعمّ للكلمة أو تكون بالمعنى الأخصّ، على الدراسات الإلهية الخاصّة بالحضارة تكون صحيحةً في حال جعلنا تعريف علم الإلهيات وماهيتها مرتبطةً بموضوعها. إمّا إذا فسّرنا الإلهيات بـ«الأسلوب» أيضًا، ونظرنا إليها بوصفها دراسةً عقلانيةً للموضوعات الدينية، حينئذٍ تكون موضوعات المجتمع والثقافة والحضارة خارجةً عن الإلهيات بمفهومها القديم، لتتبع مفهومًا جديدًا.

مفهوم الإلهيات الحضارية وفق المصطلح الحديث

بإزاء مصطلح القدماء تنطوي الإلهيات على معنى أعمّ وأشمل، شهد رواجًا في الغرب على وجه الخصوص، كما اهتم به بعض الباحثين في العالم الإسلامي. وفقًا لهذا المصطلح الجديد، فإنّ الإلهيات [أو اللاهوت] تعني الدراسة العقلانية ـ ليس بالضرورة برهانية ـ والمنظومية حول الدين أو الموضوعات الدينية. وبإمكان الإلهيات بهذا المعنى أنْ تكون لها مرحلةٌ قبليةٌ وأخرى بعدية. فالإلهيات قبل نزول الوحي أو قبل التعرّف على الوحي لها شكلٌ بسيط (الإلهيات القبلية)، وبعد التعرّف

(25)

على الوحي تتخذ شكلًا متطوّرًا؛ تتناول الإلهيات قبل النصّ موضوعات الوجود والإنسان، وعلاقة الاثنين بالله، ومن ثم، وعلى أساس المكتشفات العقلانية تسهل مسألة فهم الوحي والنصّ المقدس. وبعد نزول الوحي والتعرّف عليه واستلهام تعاليمه، لا تكتفي بتوسيع نطاق الموضوعات الإلهية، بل تعمل على تعميق التحليلات العقلانية للمفاهيم الإلهية لمرحلة ما قبل نزول الوحي[1].

طبقًا لمفهوم الإلهيات هذا، فإنّ أيّ نمطٍ تحليليّ للموضوعات الدينية العقلانية مستندٍ إلى التعاليم الوحيانية، يندرج تحت عنوان الإلهيات. ويطلق على الإلهيات التي تطرح تحليلاتٍ عقلانيةً في الموضوعات الاجتماعية مطابقة للتعاليم الدينية إلهيات اجتماعية أو إلهيات حضارية (عندما تعنى التحليلات العقلانية بالحضارات). ولا بدّ من أنْ نذكر هنا وجود فارقٍ دقيقٍ بين «الكلام الاجتماعي»، و«الإلهيات الاجتماعية»، و«الإلهيات الحضارية»، ينبغي ألّا نغض الطرف عنه. يتحدّث بعض الباحثين اليوم عن «الإلهيات الاجتماعية»، وهي تختلف عن الإلهيات بحسب اصطلاح القدماء، ويبدو أنّ جوهر مثل هذا التعريف أقرب إلى الكلام الاجتماعيّ ويفارق المفهوم الذي يرنو إليه هذا الفصل عن «الإلهيات الحضارية». على سبيل المثال، فإنّ مجلة «الإلهيات الاجتماعية» نصف السنوية تسعى ـ كما تعلن في صفحتها الأولى ـ إلى كشف الغموض عن مصطلح الإلهيات الاجتماعية عبر تقديم التعريف الآتي:

يُطلق مصطلح «الإلهيات الاجتماعية» على فرعٍ من علم الإلهيات، یُعنى بالحياة الاجتماعية للإنسان وأعراضها ومستلزماتها وتبعاتها، من قبيل: الدولة والحكومة، والاقتصاد والمبادلات، والتربية والتعليم، والقضاء، والفصل في الدعاوى، والحرب والسلام، والزواج والطلاق، والفن والرياضة، والشرائع والطقوس الدينية.

(26)

هذا الفرع العلمي المتداخل الاختصاصات يتألّف من خمسة فروع، هي الحديث الاجتماعي، والتفسير الاجتماعي والفقه الاجتماعي والكلام الاجتماعي والأخلاق الاجتماعية. ويُطلق على هذه الفروع اسم الإلهيات بسبب ارتباطها جميعًا بالنصوص الدينية (القرآن الكريم والحديث) وتشرح كلّ منها وضمن أساليبها الخاصّة وتفسّر وتفرّع وتعلل الدعاوى والتعاليم والأحكام الدينية.

كما يحاول الدكتور تقي زاده داوري في المقال الأوّل من العدد الأوّل من المجلة المذكورة نصف السنوية تقديم تعريفٍ واضحٍ عن ماهية الإلهيات الاجتماعية ودائرتها. ففي توضيحه لهذا الفرع العلمي الإلهياتي يقول:

الإلهيات الاجتماعية خليطٌ معرفيّ مؤلّفٌ من مختلف الفروع مثل الحديث الاجتماعي، والتفسير الاجتماعي، والكلام الاجتماعي، والفقه الاجتماعي، والأخلاق الاجتماعي، وتعنى بموضوع النصوص الدينية ذات الصلة بأصل الحياة الاجتماعية الإنسانية، وكذلك بالمستلزمات والأعراض، والتبعات والآثار الناجمة عن هذه الحياة مثل الأسرة، واختيار شريك الحياة، والعمل والتجارة، والحكومة والدولة التربية والتعليم، والتمييز والعدالة، كما تندرج ضمن هذا الفرع العلمي النصوص الدينية من الدرجة الأولى، أعني الآيات والروايات والنصوص الدينية من الدرجة الثانية، وهي مجموع الشروح والتفاسير، واستنباطات المحدثين والمفسّرين والمتكلّمين والفقهاء وعلماء الأخلاق على هذا، فإنّ الحياة الجمعية لأفراد البشر والقضايا المتعلقة بهم - على النحو الوارد في نصوصنا الدينية والإسلامية والشيعية هي موضوع هذا الفرع العلمي. وبطبيعة الحال، إنّ هذا الموضوع ذو وحدةٍ اعتباريةٍ تجريديةٍ، وليست ذاتيةً حقيقية[1].

ما تقدّم ذكره أعلاه في شرح مصطلح الإلهيات الاجتماعية مغاير، بلا شكّ،

(27)

ما اصطلح عليه القدماء حول الإلهيات بالمعنى الأعم والأخص، وبدرجةٍ أقل مع مقصودنا الذي أوردناه في هذا الفصل. وبحسب اعتقاد تقي زاده داوري فإنّ الهدف من الإلهيات الاجتماعية، في نهاية المطاف هو «الدفاع عن التعاليم والمقولات والتشريعات الدينية؛ بمعنى إقناع وإفهام المؤمنين، والتوضيح والتعليم والدعوة للمتلقين، والانتصار على المناوئين وإفحامهم»[1]، بينما النقطة التي تؤكّد عليها الإلهيات الحضارية مضافًا إلى ضرورة الدفاع عن التعاليم الدينية، والقيام بالإقناع والتوضيح والتعليم والإفحام، هي ضرورة التفكير في تقديم «تفسير إلهياتي» عن الوقائع الاجتماعية و«التحكّم» بها، وعدّ ذلك من ضمن رسالة المتألّه. في الحقيقة، وفي إطار هذا المعنى، لن تختزل رسالة الإلهيات والمتألّه في مجرد تقديم التفسيرات الاجتماعية للدين، وإنّما طرح تفسيرات دينية عن الدنيا والتاريخ والإنسان، ومن ثم خلق الحركة والدوافع التي تسوق التاريخ الإنساني صوب الكمال. وفي هذه المرحلة من العمل، فإنّ المتألّه على وفق هذا المنظور ليس منظّرًا، وإنّما ناشطٌ اجتماعيٌّ فعّال يسعى إلى توفير مستلزمات الغاية النهائية والسعادة القصوى للبشر في قلب الحضارات الدنيوية.

في الحقيقة، إنّ طرح السيد تقي زاده داوري عبارةٌ عن كلامٍ اجتماعيّ، فهو يرى أنّ رسالته تتلخّص في الدفاع عن التعاليم الاجتماعية. يسعى الكلام الاجتماعي، كما الكلام السياسي إلى الخوض في التعاليم السياسية والدينية، وشرحها والدفاع عنها، وهو يُعدّ فرعًا من علم الكلام، ما يفسّر تبعيته لخصائص علم الكلام[2]. هذا في حين أنّ الإلهيات في هذا المقال يُنظر إليها من زاويةٍ أوسع من علم الكلام، ولا يمكن العثور على بعض مجالاتها وموضوعاتها في العلم المذكور، كما أنّ بعض مناهجها

(28)

بعيدٌ عن المناهج السائدة في علم الكلام. إنّ الإلهيات الحضارية بحسب ما اصطلح عليها هنا ليست محض تفسير التعاليم الدينية التي تُعنى بالحضارة بل إنّها تسعى إلى لفت الانتباه أيضًا إلى سائر التعاليم الدينية الأخرى التي لا تؤدّي دورًا مباشرًا في الحضارة، لكنّها جديرةٌ بالاهتمام لإسهامها في هندسة الحضارة، فضلًا عن أنّ هذه الإلهيات تطرح تفسيراتٍ إلهياتيةً ودينيةً عن الوقائع الحضارية والاجتماعية، وكذا بالتناسب مع هذه التفسيرات الإلهياتية، تطرح آلياتٍ إلهياتية لحلّ المشاكل والأزمات الحضارية.

وخلاصة القول، إنّ رسالة الإلهيات الحضارية لا تنحصر في رسالة علم الكلام المتمثّلة في الدفاع عن التعاليم الدينية، وإقناع المؤمنين وإفحام المناوئين. فالإلهيات الحضارية بالمعنى المذكور إلهيات أبعد من الإلهيات الاجتماعية. لكن دون أنْ نغفل وجود أوجه للشبه بين الكلام والإلهيات الحضارية على سبيل المثال، إنّ وظيفة هذه الإلهيات، كما علم الكلام، طرحُ تفسيرٍ عقلانيّ عن القضايا الاجتماعية في الإسلام، أو إنّ علم الكلام وعلم الإلهيات الحضارية كليهما يستندان إلى المصادر الدينية كدليلٍ ومعيارٍ في بحوثهما، مع فارق أنّ رسالة الإلهيات الحضارية لا تقف عند حدود تفسير تعاليم الوحي أو تبريرها، وإنّما إعطاء تفسيرٍ إلهياتيّ للحوادث الاجتماعية أولًا، وإحداث التغييرات في المجال الاجتماعي ثانيًا؛ أي بعبارةٍ أوضح : إنّ الإلهيات الحضارية هي:

أ. إلهياتٌ تعنى بالحضارة، وتسعى من خلال مقاربة وأسلوب إلهياتيّ (عقلاني – وحياني) إلى تفسير وتوضيح الأبعاد الميتافيزيائية للحضارات والكشف عن القوانين التي تحكم الحضارات (سنن ظهور الحضارات وسقوطها).

ب. المقاربة الإلهياتيّة هي نهجها في تفسير وتوضيح المعضلات الاجتماعية والظواهر الإنسانية الكبرى.

 

(29)

ج. تشارك في حلّ المعضلات الحضارية انطلاقًا من قاعدة إلهياتيّة.

د. تؤدّي دورًا إلهياتيًّا في التصميم الحضاري.

الإلهيّات الحضارية وعلاقتها بـ «الإلهيّات العمليّة في الفكر الديني المعاصر»

تتوزّع مباحث الإلهيات الحضارية اليوم على حقول «الإلهيات والثقافة»، و«الإلهيات السياسية»، و«الإلهيات العملية»، غير أنّ الحقل الأهم الذي يمكن مقارنة الإلهيات الحضارية به في عصرنا الراهن، والاستعانة بطروحاته وأساليبه في ترسيخ الإلهيات الحضارية هو «الإلهيات العملية». يحاول هذا النوع من الإلهيات الكشف عن القضايا العينية، وتقديم تفسيرٍ إلهياتيّ لها، ثم طرح حلٍّ إلهياتيّ للمشكلة، ثم تحمل المسؤولية إزاء الأجوبة والحلول التي يطرحها للاحتياجات الواقعية. بعبارةٍ أكثر تفصيلًا : إنّ الإلهيات العملية عبارةٌ عن التفكير في الثقافة والمجتمع بأسلوب إلهياتيّ. فكما يسعى عالم الاجتماع الديني إلى تطبيق الأساليب السوسيولوجية لإيجاد تفسيراتٍ وتحليلاتٍ للدين والإيمان الديني، يتعاطى المتألّه الاجتماعي مع تحليل القضايا الاجتماعية والوقائع الخارجية من منظار إلهياتي[1]. هذا النمط من الإلهيات الذي ينتقي القضايا الإلهياتية من شارع الحياة (قلب المجتمع) يُقدِّم كخطوةٍ أولى تحليلًا وتفسيرًا إلهياتيًّا للحقائق الاجتماعية والثقافية، ثم يتناول بعيونٍ نقديةٍ المشاكل الإيمانية والدينية للثقافة الظاهرية، وختامًا، و من خلال طرح حلولٍ ومقترحاتٍ نابعةٍ من المصادر الإلهياتية، لا يسعى فقط إلى فتح طريقٍ أمام الحياة الإيمانية للمؤمنين (حلّ معضلة الفكر الديني والحياة الدينية)؛ بل يسعى إلى مناقشة معضلات حياة الإنسان غير المؤمن ومساعدته في التدبير الصحيح للحياة الدنيوية[2].

(30)

إذًا، بوجيز العبارة، إنّ الإلهيات العملية هي إلهيات التغيير، وهي بفضل ما لديها من تجارب إنسانيةٍ قد خبرت الحقائق الدنيوية جيدًا، ولكن اهتمامها بهذه الحقائق لم يفقدها إيمانها؛ بل على العكس، تسعى إلى تغيير العالم المحيط بها بالاستناد إلى الدين والعلوم الدينية[1].

 لقد ذكروا للإلهيات العملية وظائف أربعًا هي كالآتي: أ- وظيفة الوصف، التجريبي الحسّي، ب- وظيفة التفسير، ج- الوظيفة المعيارية، د- الوظيفة العملانية. كمرحلة أولى تجمع الإلهيات العملية البيانات والمعلومات لتحدّد بهذه الوسيلة موقع الحوادث الخاصة، من أجل تفهّم الإطار ومسار تشكّل كلٍّ منها بصورةٍ صحيحة. وفي المرحلة الثانية توضّح الإلهيات العملية أسباب تلك الحوادث ومسار وقوعها عبر توظيف النظريات العلمية. ثم تأتي المرحلة الثالثة لتفسّر الإلهيات العملية الحوادث والحالات الخاصّة بالاستعانة هذه المرة بالمفاهيم الإلهياتية لتقدّم طبقًا للأسس والقواعد الإلهياتية أجوبةً لتلك الحوادث. أمّا الوظيفة الرابعة فتكشف الإلهيات العملية عن الاستراتيجيات السلوكية المؤثّرة على الأوضاع السائدة، ومن خلال التواصل الفعّال مع الانعكاسات والنتائج التي تفرزها تلك الاستراتيجيات في المجال العملاني، تنبري إلى نقد الاستراتيجيات المطبقة وتقييمها، لتستطيع في الخطوة اللاحقة العمل بدقة أكبر[2].

(31)
مطابقة وظائف الإلهيّات العمليّة على الإلهيّات الحضاريّة

يبدو بالإمكان أنْ نتدارك للإلهيات الحضارية الخطوات والوظائف السابقة نفسها فنقول: إنّ المرحلة الأولى من الإلهيات الحضارية هي الوصف التجريبي والحسي، ثم دراسة هذا الوصف وتحليله في ضوء العلوم الاجتماعية والإنسانية، بعد ذلك مراجعة المفاهيم والمعارف المتحصّلة من التجربة والتفسير من خلال الجهاز الإلهياتي بغية تقديم حلولٍ إلهياتيّة للمشاكل الحضارية من جهة، وخلق ظروفٍ مناسبةٍ تتيح رسم معالم حضارة جديدةٍ من جهة أخرى.

في البدء، يناقش المتألّه الحضاري التفاسير المطروحة عن الموقف السائد (الظرف الحالة الحوادث)[1] مركزًا على جميع تفاسير العلماء في هذا الحقل، من أجل تعميق فهمه عن الواقع، أخذًا بالاعتبار مختلف المقاربات والآراء المتباينة حول هذه المسألة. ومن دون الالتفات إلى ما يقوله علماء ومحللو علم الاجتماع (وإنْ كان هذا التحليل خاطئًا) فإنّ عمل الإلهياتيّ سيبدو مبتسرًا وعرضةً للضرر، وعاجزًا عن الإجابة عن الأسئلة المحتملة. كما يلفت الانتباه إلى التفسيرات العلمية عن الحقائق الموجودة، ويطرح أسئلةً إلهياتيةً جديدةً على الفرد المتألّه، ويعينه على الاستنطاق الحضاري للنصوص والتفسيرات الدينية العميقة عن التطورات الحضارية ليفتح أمامه آفاقًا مفهوميةً ومعرفيةً جديدة.

في المرحلة الثانیة، يجمع المتألّه الحضاري جميع المقاربات والأسئلة وأجوبتها المحتملة، ويعرضها على النصوص الدينية. وفي هذه المرحلة بالذات يبدأ في الحقيقة العمل الديني والإلهياتي للمتألّه الديني وبوصفه عالمًا بالنصوص

(32)

وأساليب استخدامها يحاول ضمن عملية مزدوجة:

أ. الأخذ بنظر الاعتبار النصوص الدينية الناطقة بما هو ظاهر، ليعيد قراءتها وفهمها.

ب. تحليل النصوص الظاهرة والناطقة بصورةٍ عضويةٍ ومنظوميةٍ.

ج. عرض الأسئلة المتولّدة من الخارج ـ في مرحلة وصف الحالة وتفسيرها ـ ومن الداخل ـ مرحلة فهم الظواهر الدينية ـ على الدين والتعاليم التي هي مظانّ هذه الأسئلة، واستنطاق هذه المجموعة من الآيات والتعاليم.

د. الربط بين الأجوبة المتحصّلة ـ التي لا بدّ من أنّها أُخذت بصورةٍ جماعيةٍ وعلى شكل حواراتٍ جرت بين المنتمين إلى مختلف الفروع الدينية ـ في قالبٍ شبكي، وتقديم النموذج المعرفي اللازم عن التحليل الديني للحقيقة.

ه. رصد نقاط الاشتراك والافتراق عبر مقاربة مقارنةٍ بين النموذج الديني وبين النماذج الشائعة في مجال العلوم الحضارية؛ بغية تعيين الحدود والخطوط الأصلية والفرعية لنموذج الفكر الديني في حقل الحضارة.

أمّا في المرحلة الثالثة، فيسعى المتألّه الحضاري بالاستعانة بالنماذج المعرفية المستلهمة من الدين، إلى استخراج حلولٍ عملانيةٍ في مرحلةٍ ما، ثم تطبيقها في مرحلةٍ لاحقة، وما من شكّ في أنّ المتألّه الحضاري في هذه المرحلة سوف لن يكتفي بإسداء النصح والإرشادات والنأي بنفسه عن ميدان العمل الحضاري؛ فنأي المتألّه الحضاري بنفسه عن دائرة العمل مرفوضٌ على الأغلب؛ لجهة أنّ هذا الفصل بين العمل والرأي سيؤدّي إلى هُوّةٍ معرفيةٍ في النظام الإلهياتي، ويحرم الفرد المتألّه من اللغة العملية للإثراء المعرفي، فيغرق في نوعٍ من التجريد في الإلهيات، فيفقد تدريجيًا حتى زمام قيادة الحياة الدينية. في حين أنّ الحضور

(33)

العملي للمتألّه في ميدان الحياة الحضارية، يقرب الحقائق من تجاربه وأحاسيسه، وفي المقابل، تكشف لناظريه عن الثغرات والأضرار، وأحيانًا حجم الإمكانيات التي تتوفّر عليها التعاليم الإلهية.

بناءً على هذا الكلام، فإنّ ضرورة الإلهيات الحضارية لا تقتصر على خلق «الإيمان» بالحضارة والتدبير الحضاري في المجتمع الديني فحسب، بل المشاركة الموضوعية والواقعية في تشكيل تلك الحضارة. أساسًا، إنّ الإلهيات الحضارية تسعى إلى تجسيد إلهياتها في الحقائق الحضارية، وتوظيف الجهاز الحضاري لتحقيق أهدافها الإلهية، فضلًا عن أنّ هذه الإلهيات تعدّ نفسها مسؤولةً إزاء ما يجري في المجتمع والحضارة الإنسانية. على سبيل المثال، يسعى اللاهوتي المسيحي إلى التعريف بهوية الإنسان المعاصر «على صعيد العقيدة أو الاجتماع» على أساس لاهوت التثليث، ويؤمن بأنّ هذا اللاهوت منقذٌ على صعيد العقيدة وعلى صعيد التنمية والحضارة معًا، ويسعى إلى استلهام النظم الاجتماعية من هذا اللاهوت، وتفسيره من خلال ارتباطه بالحقائق الدنيوية الجديدة[1]. وعلى المنوال نفسه، يحاول المتألّه المسلم بالاستناد إلى الإلهيات التوحيدية أنْ يسلك الطريق نفسه، ليفسّر ويغير ويشكّل عالم اليوم في قالبٍ جديدٍ يتناسب مع نظرته التوحيدية.

إذًا، نتبين ممّا ذكر أنّ الإلهيات الحضارية مضطرةٌ إلى الربط بين الأنظمة الصغيرة لعلم الإلهيات، وليس هذا فقط بل تطرح علاقةً محدّدةً وواضحةً بين ميدان العلوم الدينية والعلوم الإنسانية من جهة، والعلم الديني والمؤسسة الدينية من جهةٍ ثانية، ومؤسّسة الدين وميدان العمل الاجتماعي من جهةٍ

(34)

ثالثة. ومن هذا المنطلق ينبغي للإلهيات أنْ تخلق رابطةً علميةً مع بقية الفروع العلمية والإنسانية لتعمل بذكاء على إحداث التغييرات من أجل فهم الحقائق وتفسيرها، وأنْ تخطو خطواتٍ صحيحةً إلى الإمام في مرحلة التطبيق. وبذلك تنخرط الإلهيات الحضارية، كما الإلهيات العملية في حوار، على صعيد التفسير والإرشاد والتدخل في التحوّلات والتغيرات الحضارية، مع سائر الفروع والميادين العلمية بما فيها فروع سائر الإلهيات والعلوم التجريبية والإنسانية[1]. ويمكن أن ْيتحقق هذا الحوار بصورٍ مختلفةٍ مثل حوار داخل الاختصاص ويعنى بإقامة حوارٍ بين الآفاق والرؤى المستقبلية المختلفة داخل اختصاصٍ واحدٍ معينٍ، وحوار بين الاختصاصات ويكون بين اختصاصين اثنين، وحوارٍ متعدّد الاختصاصات وهو حوارٌ متزامنٌ بين اختصاصاتٍ عدّةٍ مختلفة، ويوصى بهذا الحوار عندما تقتضي الضرورة الالتفات إلى اختصاصاتٍ أخرى لفهم منتظماتٍ تعشعش داخل منتظماتٍ أخرى، أو للوقوف على مشكلاتٍ ذات أبعادٍ متعدّدة، ويكتسب هذا النوع من الحوار ضرورةً في مراحل مختلفةٍ من إلهيات العمل الحضاري، وخاصّة في الحالات التي يتم فيها تناول مباحث أساسيةٍ وبنيوية .[2]

(35)

ب. نظرة حضارية إلى المفاهيم الإلهياتية: صعوبات فهم الغيبيات الإلهياتية في النظرة الحضارية وتطبيقها

أحد أهم التحدّيات التي تواجه مسألة تطبيق المفاهيم الإلهياتية في الميادين الحضارية هي السمة الميتافيزيائية والغيبية التي تتّسم بها بعض تلك المفاهيم؛ إذ تبدو علاقتها غامضةً ومبهمةً بالمسائل الدنيوية، مثل الحضارة، والسؤال الرئيس المطروح حول «الغيب»، و«الحضارة» هو إمكان فهم الغيب وموقعه في تحليلات الحضارة الدينية والإسلامية من ناحية، وفي تأسيس الحضارة الإسلامية من ناحيةٍ ثانية. وربما نسائل أنفسنا: هل إنّ مجال الحضارة وشبكة النظم الاجتماعية مجالٌ للمسائل المفهومة والواضحة، أم أنّه يمكن أنْ نتخيّل حضارةً قوامها المسائل الإيمانية البحتة، وفي الوقت نفسه قادرة على إيجاد نظمٍ وانسجامٍ بين النظم الحضارية الصغيرة؟ كيف يكون للمدد الغيبي دورٌ في الخطط الحضارية؟ ثم حين تنعدم احتمالات تأثير العوامل البشرية القابلة للمحاسبة في حلّ المشاكل الاجتماعية نتوقع من ذلك المدد أنْ يسهم في حلّ المشاكل الحضارية؟ هل يمكن تفسير التعاليم الغيبية في القرآن الكريم بالمقاربات الحضارية؟ ومن ثم توظيفها في الحلول الحضارية، وتأسيس المؤسسات الاجتماعية الكبرى وأنْ نعقد الأمل على تلقّي المدد الغيبي في المجتمع؟ على سبيل المثال، هل يمكن للمتألّه الاجتماعي والحضاري أنْ يضع في حسبانه ظاهرة «الملائكة المدبّرين»[1]،

(36)

بوصفها إحدى أمثلة الغيب في القرآن الكريم، في دراساته الحضارية، أو في توصياته وتصاميمه الحضارية ؟ هل الكلام عن «تدخّل ملائكة الأرض في تدبيرات هذا العالم» هو فقط للإيمان بدور العوامل الطولية والميتافيزيائية في حوادث هذا العالم، وأنّ الإشارة للعوامل الحسية التي تقع تحت طائلة الحساب كافية لتحليل الظواهر الاجتماعية؟ أم إنّ تأثير هذه العوامل الغيبية هو مستقل، وبالتالي يتعين حسابها في التحليلات الاجتماعية على حدة أيضًا وتبريز دورها بصورة مستقلة؟ إذا كان لا بدّ من طرح موضوع الملائكة المدبّرين ومناقشته على صعيد المجتمع والحضارة، فكيف ينبغي فهم هذا الموضوع والإفادة منه؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تستدعي أنْ نجمل هنا بعض النقاط :

أ. ورد لفظ «الغيب» في القرآن من أجل الفهم الإنساني في هذه الدنيا، وبلسان هذا الإنسان الدنيوي؛ لذا لا ينبغي أنْ ننظر إلى «الغيبيات» الواردة في القرآن الكريم ـ سواء الغيبيات المجملة أم المفصلة ـ بأنّها ما فوق فهم الإنسان وتختصّ بعالم الآخرة فقط، وأنّ الإنسان ممنوعٌ من السعي لفهمها وتوظيفها في حياته المعاصرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

(37)

ب. كما إنّه يمكن الاستفادة من أسلوب التأويل العرفاني ـ الذي ليس بمعنى الكلام المخالف للظاهرـ في التفسير الآفاقي والأنفسي للقرآن، بالإمكان أيضًا الاستعانة بهذا الأسلوب وتقديم تفسيرٍ اجتماعيّ للمفاهيم الباطنية للقرآن بمعنى أدق، كما إنّ شهودنا ومعرفتنا عن الوجود يتركان أثرًا في تفسيرنا، وعلى أساسه يمكن تكوين خلفيةٍ جديدةٍ (عميقة) عن القرآن الكريم (تفسير آفاقي)، وكما إنّ معرفتنا الشهودية عن ذواتنا (النفس الإنسانية) وأبعادها، تعمّق تفسيرنا لنص القرآن (تفسيرًا أنفسيًّا)، بالطريقة نفسها تؤثر شهوداتنا وتجاربنا عن المجتمع والحقائق المحيطة به على تفسیراتنا النصّية، وتتيح لنا اكتشاف طبقاتٍ مفهوميةٍ جديدةٍ، وكذلك تضع أمامنا أمثلةً جديدةً للآيات القرآنية (تفسيرًا اجتماعيًا). من هذا المنظار، فإنّ النص الوحياني يتوفّر على طبقاتٍ مفهوميةٍ (عرضية وطويلة). والوصول إلى هذه الطبقات المفهومية يحتاج إلى التركيز على طول حقائق عالم الوجود وعرضها. إنّ تجربة الحقائق الخارجية لا تشكل معيارًا لمعاني القرآن الحقيقية؛ بل وسيلةً لفهم وإدراك الحقيقة المنبثقة عن الوحي، أو بعبارةٍ أوضح: إنّ القرآن الكريم بوصفه وحيًا إلهيًّا لا يمثّل مرآةً آفاقيةً وأنفسيةً فحسب؛ بل مرآة للمجتمعات الإنسانية والسُنن الحاكمة فيها. كما إنّ القرآن لا يشير إلى الماضي فقط؛ بل إلى الراهن والمستقبل أيضًا. والأهم من ذلك كله، القرآن ليس وصفًا فقط؛ بل مشروع إرشادٍ وتغييرٍ كذلك. وعليه، حينما يكون الحديث عن التفسير والتأويل الاجتماعي، فالأمر لا يقف عند حدود الوصف القرآني للمجتمع والحضارة الإنسانية في الماضي والحاضر والمستقبل؛ بل إنّه يعنى بالتغيير والتطوّر في هذه المجتمعات الإنسانية أيضًا.

ج. ليس بالضرورة أنْ تكون جميع الغيبيات قابلةً للفهم بالنسبة إلى الجميع (بمن فيهم المؤمنون)، كما أنّها ليست جميعًا تمتلك القابلية على التطبيق الاجتماعي. وبناءً على هذا، فإنّ الغيب في المنظور الحضاري هو زمنٌ ملحوظ ٌيكون أوّلًا قابلًا للفهم،

(38)

ليتسنّى لنا تعريفه بالارتباط مع باقي الميادين الحضارية، وثانيًا أن يمتلك بلحاظ عملي، تأثيراتٍ عينيةً قابلةً للحساب ليمكن توظيفها في التخطيط الحضاري وحلّ المشاكل الاجتماعية.

وخلاصة القول، إنّ استناد المسائل العادية إلى مسائل غير عادية ـ ما دامت لم تبيّن وتوضّح بالأساليب العادية ـ قد تكون في مجال الإيمان الشخصي وفي إطار «الخوف والرجاء» ممكنةً وأحيانا ممدوحة، لكنّها في الميادين الاجتماعية غير ممكنةٍ وغير ممدوحة، وإنّ واجبات الفرد والمجتمع لا تقوم على أساس المسائل غير العادية، بل على أساس المعلومات العادية للبشر. إنّ مضمون الآية الأخيرة في سورة الكهف ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى يرتبط بهذا الجانب البشري[1]؛ إذ على الرغم من إتصال الأنبياء والأئمّة بعلم الغيب، فإنّهم لا يُكلفون بالمسؤولية على أساس علمهم بالغيب بل علمهم البشري العادي[2]. لكن لا شك في إمكان التعبير عن المدد الغيبي بلغة الآيات والروايات، ولكن تطبيقها في مجال وصف وتحليل الحوادث الاجتماعية سوف يؤدّي إلى نوعٍ من الفوضى في تفسير الأمور الاجتماعية التي لا يُعرف أيّ منها غيب، وأيّ منها منجز اعتيادي بشري، وفي مجال القيام بالفعاليات البشرية في حقل الاجتماع لا يُعلم أيّ عملٍ علينا أنْ نتوقعه من الغيب، وأيّ عملٍ ينبغي أنْ نسعى لتحقيقه بجهودنا عبر وضع البرامج والخطط اللازمة من الآن.

ولكن مع ذلك، فإنّ هذا الكلام لا يعني أبدًا عدم إمكان الإيمان بتأثير الغيب في الحياة الاجتماعية. إنّ عامل «الغيب» وبخلاف ما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، كان قابلًا للفهم والأخذ به في المنظومة الدينية والحضارية، وإنّ تحقيقه بأسلوب التأويل الاجتماعي أمرٌ ممكن، ولكنّه صعب ويحتاج إلى اجتهادٍ في أعماق

(39)

الدين والمجتمع ليتسنّى تفسير آيات الغيب بلغةٍ مشتركةٍ، وأسلوبٍ مشتركٍ في أوساط المؤمنين ـ بمختلف درجاتهم الإيمانية ـ وغير المؤمنين، وحينذاك تنزيله إلى ميدان الحياة والتطبيق دون المساس برسالة الدين وتعريضها للضرر.

أمثلة للمفاهيم الإلهياتيّة في النظرة الحضارية

صحيح أنّ ثمّة غموضًا في توظيف مفاهيم الإلهيات في عملية تشكيل الحضارة، لكن، مع هذا، تتوفّر الإلهيات على استعداداتٍ بنحوٍ لا يمكن التشكيك في الوظائف الحضارية لكلٍّ منها، وهذه قد تشكّل إحدى نقاط التحوّل في التمايز بين الحضارة الدينية والحضارة العلمانية.

ويمكن تصنيف استعدادات الإلهيات الإسلامية في علاقتها بالمجتمع إلى صورٍ عدّة، هي:

أ. الاستعدادات على صعيد الموضوعات الإلهياتية، وإحياء كلّ موضوعٍ منها يمكن أنْ يفضي إلى شبكةٍ من الموضوعات المهمة، وتهيئة الظروف لخلق نظامٍ دينيّ واسعٍ يشمل جميع الجوانب الإنسانية والاجتماعية.

ب. الاستعدادات التي يمكن اكتسابها من الإلهيات الإسلامية على صعيد الأساليب العملانية، وتوظيفها ليس فقط في طريق فهم النصوص الدينية وتفسيرها، بل الاستفادة منها كذلك باتجاه التطبيق الموضوعي للأهداف المتعالية المنبثقة عن الدين.

ج. الاستعدادات التي يمكن كشفها والإفصاح عنها على صعيد وظائف المتألّه أو المؤمن في إطار تعاطيه مع القضايا الاجتماعية. ما سنذكره في السطور الآتية هو نموذجٌ للموضوعات الإلهياتية ـ مثل المدد الغيبي، والرجاء، وذكر الآلام المتعالية ـ التي يمكن بحسب راقم السطور أنْ تكون لها تطبيقاتٌ حضاريةٌ متباينةٌ عن الحضارات العلمانية.

(40)

المدد الغيبي وتطبيقاته الحضارية: من جملة الاستعدادات الإلهياتية المهمّة في التحوّلات الحضارية، وجود مددٍ غيبيّ يستحق الاهتمام بلحاظٍ عملاني، وينطوي على أهميةٍ كبيرةٍ في العلاقات الاجتماعية، وذلك على الرغم من الغموض الذي يحفّ به (وقد أشرنا إليه سابقًا). طبقًا للرؤية الإسلامية، فإنّ الإنسان، عدا عن استمداده من الغيب في أصل خلقته ووجوده، ثمّة سلسلة من الإمدادات الخاصّة التي يستلهمها من لدن الغيب مختلفة عن المدد التكويني في مرحلة الخلق. كما إنّ رسالة الأنبياء تتضمن تشجيع الإنسان على الإيمان بهذه الإمدادات الغيبية، وإرشاده وتهيئته لاكتسابها. وتكون هذه الإمدادات النابعة من صفة الرحمة الإلهية تارةً على شكل إلهامٍ، أو هدايةٍ، أو تنوّرٍ وتبصر[1]، وأخرى في صورة تُهيؤ الظروف الموضوعية والاجتماعية[2] للنجاح[3]. ويتناول الشيخ مرتضى مطهري تأثير العوامل الغيبية والمعنوية على المصير، والفرق بين الرؤية الكونية الإلهية والرؤية الكونية المادية فيقول:

(41)

بحسب الرؤية المادية إلى الكون، فإنّ العوامل المؤثّرة على الأجل والرزق والسلامة والسعادة هي عوامل مادية حصرًا. فوحدها العوامل المادية التي تبعد الأجل أو تقرّبه، وتوسّع الرزق أو تضيّقه، تمنح الجسم السلامة أو تسلبه، تؤمن السعادة أو تضيعها، غير أنّه من وجهة نظر الرؤية الكونية الإلهية توجد عوامل وأسباب أخرى نطلق عليها العوامل الروحية أو المعنوية، تؤدّي دورًا إلى جانب العوامل المادية في التأثير على الأجل والرزق والسلامة والسعادة وغيرها. إنّ العالم بحسب هذه الرؤية الكونية عالمٌ موحّد وذو شعور، وإنّ لأفعال البشر حسابًا وردود أفعال، فالخير والشر في ميزان العالم ليسا سيّان، فالإنسان يتلقّى جواب أعماله، خيرًا كانت أم شرًّا من هذا العالم، ويكون الجواب، أحيانًا، خلال سِنّي حياته في هذه الدنيا. فإيذاء الكائن الحي، حيوانًا كان أم إنسانًا، ولا سيّما أصحاب الحقوق مثل الوالدين والمعلم، تترتب عليه آثارٌ سيئةٌ في هذه الحياة الدنيا، ثمّة في الطبيعة عقاب[1].

من الناحية المادية، ليس للسنن التشريعية ـ أي الضوابط التي ينبغي للبشر العمل بها ـ مكانٌ من الإعراب بين السنن التكوينية، فمفاهيم الحقّ والباطل، والخطأ والصواب، والعدل والظلم يُنظر إليها بمنظارٍ واحد، وموقف العالم إزاء أتباع هذه المفاهيم هو اللاموقف. في حين أنّه من وجهة نظر المدرسة الإلهية فإنّ للعالم موقفًا إزاء هذه الأمور وأصحابها، فهو مناصرٌ لأهل الحقّ والعدل والصواب، وأصحاب الأهداف المقدسة. فمهما كان الإنسان المادي مؤمنًا بنهجه وسلوكه ومذهبه، ومهما كان هدفه مقدّسًا وعامًا وبعيدًا عن الأنانية والمصالح الذاتية، فإنّه لا يتوقع أنْ يحصل على ثوابٍ أكبر من ميزان سعيه واجتهاده في سبيل تحقيق ذلك الهدف، غير أنّ الإنسان المسلم المؤمن يؤمن بأنّ الكون خُلق على نحو إذا ضحى على طريق الحقّ والحقيقة، فإنّ منظومة الكون كلّها ستقف إلى جانبه وتؤازره. ففي هذا الكون طاقةٌ

(42)

مخزونةٌ تزيد مئات آلاف الأضعاف على الطاقة والجهد الذي بذله في سبيل تحقيق هدفه المقدّس سوف تنبري لنجدته ومساعدته في هذه الظروف. في رأي المدرسة المادية، فإنّ على الفرد المناصر للحقّ والعدل أنْ يطمئن لنتيجة عمله بالمقدار نفسه الذي على الفرد المناصر للظلم والباطل أنْ يطمئن لعمله والنتائج المترتبة عليه؛ إذ بحسب المدرسة المادية لا فرق في نظرة الكون والمنظومة الكونية إلى هذين الاثنين، بينما يوجد من وجهة نظر المدرسة الإلهية فرقٌ أساسيّ بين الاثنين[1].

إذا، في ضوء النظرة الإلهية فإنّ المدد الموجود في هذه الدنيا هو، أساسًا، ليس مددًا مادّيًا بحتًا؛ بل إنّ الدنيا دارٌ تزخر بالغيبيّات التي بمقدور الإنسان عبر تمسّكه بالشريعة والنهج الإسلامي، أنْ يخطو خطواتٍ مؤثرةً على طريق الاستعانة بها لحلّ المشكلات الاجتماعية[2] .

وما يجدر تأكيده هنا هو المدد الغيبي الاجتماعي، فظهور الأنبياء هو نوعٌ من المدد الغيبي؛ إذ ظهروا في وقتٍ كان فيه المجتمع البشري في أمسّ الحاجة إليهم. كما إنّ ظهور المنجي في آخر الزمان، الذي يأتي في وقتٍ تمتلئ فيه أرجاء الأرض بالظلم والشر، ويصبح الإنسان عاجزًا عن إدارة حياته، سوف يكون مظهرًا من مظاهر المدد الغيبي في عصر التحوّلات الحضارية بل الكونية.

ومن أجل نيل هذا المدد الغيبي، وردت في هذا الشأن بعض الوصايا والإرشادات في الدين الإسلامي، وربّما كان العمل بها منظورًا له في إطار حضاري أيضًا، كيما نتوقع الحظوة بالتأييد الغيبي والمدد الرحماني. فمثلًا الدعاء هو أحد الأسباب الدنيوية ومن مظاهر القضاء والقدر، والذي بمقدوره أنْ يؤثّر على مسار حادثةٍ ما أو منع

(43)

وقوع القضاء والقدر[1]. وكذا الحال بالنسبة إلى الصدقة والإحسان فهي عوامل لها أثرٌ في استنزال المدد الغيبي عبر القنوات المعنوية والروحية أو فقدانه.

 وبالعود إلى كلام الشيخ مطهري الذي يشرح العوامل الموجبة لقبض أو بسط المدد الغيبي والمؤثرة على مصير الإنسان في نواحي السلامة والعمر والمعيشة، وبنحوٍ عام الحياة في هذه الدنيا؛ نجده يقول: «بصورةٍ عامة، فإنّ المعصية والطاعة، والتوبة، وإفشاء السر، والعدل والظلم، والإحسان والإساءة، والدعاء واللعن، وأمثال ذلك هي أمورٌ مؤثّرةٌ على مصير البشر من جهة العمر، والسلامة، والرزق، إذ يُروى عن الصادق عليه‌السلام أنّ من يموت بالذنوب أكثر ممّن يموت بالآجال، ومن يعيش بالإحسان أكثر ممّن يعيش بالأعمار. والمراد من هذه الرواية هو أنّ المعاصي تغيّر الآجال، وأنّ الإحسان والأعمال الصالحة تطيل في عمر الإنسان، أي بمعنى على الرغم من أن الأجل والعمر محدّد بحكم القضاء والقدر الإلهي، إلا أنّ هذه الأمور لها تأثيرها في تبديل القضاء والقدر»[2].

إذًا، يتحصّل ممّا تقدم، أوّلًا: أنّ المدد الغيبي الخاص (المدد الرحماني) له حضورٌ في مسار تدبير الكون، ثانيًا: أنّ البشر أحرارٌ في اكتساب المدد الرحماني، وأنّهم من خلال أعمالهم وسلوكهم الإرادي بإمكانهم أنْ يستعينوا بهذا المدد لخدمة الحياة الشخصية والاجتماعية، ثالثًا: اكتساب هذا المدد الرحماني مرتبطٌ بالإنسان المؤمن الذي بتمسّكه بالإيمان والسلوك المؤمن، والثبات على الشريعة والنهج الإسلامي يمكنه الاستفادة بسهولةٍ من هذا المدد.

(44)

«الانتظار» وتطبيقاته الحضارية: من الموضوعات الإلهياتية المؤثرة في الحضارة الإسلامية موضوع الانتظار وتطبيقاته المفهومية في الحضارة الإسلامية وبالمواجهة مع الحضارة العلمانية الغربية، والذي أفرز نهضاتٍ وحركاتٍ اجتماعيةً كثيرةً في التاريخ الإسلامي، من جملتها نشير إلى الحركات الموعودية والمهدوية والممهدية في عَقْدَي العشرينات والثلاثينات من القرن التاسع عشر، أو أواخر القرن الثالث عشر الهجري[1].

إنّ النقطة المهمة في مقولة الانتظار بوصفها مسألةً إلهياتيةً هي وجود هدفٍ ينتظره المنتظرون ويدعون لمجيئه. مجرد وجود هدفٍ في مستقبل الحياة الجمعية، وتكون للمجتمع في مسيرته التكوينية نقطةٌ معلومةٌ، وممدوحةٌ في المستقبل، هذه بحد ذاتها تخلق هويةً مفهوميةً ومعنويةً شاملةً بالمقياس الحضاري. إنّ الوشيجة بين الهوية والهدف نابعةٌ من منطلق أنّ الهوية، أساسًا، شيء يتولّد دائمًا من هدفه (أي ما إليه الحركة أو ما لأجله الحركة)، وأنّ اللا هدفية تؤول إلى اللا هوية والانفصام في الشخصية الفردية والاجتماعية والحضارية. إنّ انتظار هذا الهدف المعلوم يضع ذلك الأمر المنتظر بمنزلة هدفٍ محدّدٍ ومشتركٍ أمام المجتمع الإنساني، ويسوق اهتمام الجميع نحوه، ويضفي على الأخلاقيات والمعتقدات النظم، وعلى البرامج الحضارية والاجتماعية الوجهة لتحقيق ذلك الهدف[2].

ذكرى المعاناة السامية وتطبيقاته الحضارية: من الموضوعات الإلهياتية الأخرى التي يمكن أنْ تكون لها وظائف حضارية، ذكرى المعاناة السامية التي حظيت باهتمامٍ وتركيزٍ في تاريخ الأديان، لا سيّما الدين الإسلامي، وأحدثت تحوّلاتٍ كثيرةً في تاريخه، ونشرت وفاقًا اجتماعيًا خاصًّا في ربوع المسلمين. تكتسب الوظائف الوفاقية

(45)

لذكرى المعاناة السامية في الأديان أهميّتها لجهة أنّ القوّة الكامنة في الألم أكبر من القوّة الكامنة في اللذة والمتعة، وأنّ الجوانب البنّاءة في الألم من جهة، والجوانب المدمّرة فيه من جهةٍ أخرى في الميدان الاجتماعي أكبر من الجوانب البنّاءة والمدمّرة للملذّات والمتع. هذه الإثارة (البنّاءة أو المدمّرة) الناتجة عن الألم، لا تقتصر فقط على «الألم» ـ وهو ظاهرة إلهياتية ـ بل إنّها تصدق أيضًا على «ذكرى الألم» (بوصفها أمرًا إلهياتيا آخر) . إنّ ذكرى الألم عندما تكون عميقةً فإنّها تتولّد بنحوٍ ما عن معايشة تلك الإثارة الحزينة، وتترتب على ذلك آثارٌ حضارية بنّاءة أو مدمّرة.

وخلاصة القول، إنّ الذكرى المهدّئة والمهيّجة «للمعاناة الوجودية من أجل» والتي تبرز أمثلتها على الأغلب في الأديان الإلهية، واتجاهاتها البنّاءة في تغيير «الإثارات النفسانية» إلى «إثاراتٍ عقلانية»، وبلورة منظومة العواطف والمشاعر في الحضارة، وخلق الدافع والحركة باتّجاه المسير الحضاري، أقول إنّ هذه الذكرى تؤدّي دورًا كبيرًا، لا يمكن أنْ نجد له مثيلًا في الأنظمة الحضارية العلمانية. إنّ التألّم لمعاناة الآخرين، ومن أجل خلاصهم من معاناتهم «المعاناة المادية والمعنوية) هو ألمٌ بنّاء، وتذكر هذا الألم يمكن أنْ يكون بنّاءً أيضًا للمجتمع الإنساني، وجوهريًّا للأخلاق والوفاق الاجتماعي[1].

النتيجة

صحيح أنّ معرفة الحضارات وبناء الحضارة الإسلامية رهنٌ بالعلوم الإنسانية في مختلف الميادين الاجتماعية، بيد أنّ المعرفة الدينية عن الحضارات، وكذا بناء حضارة دينية مرتبط بالاستعانة بالعلوم الدينية ومصادر الوحي. بعبارةٍ أخرى من أجل المعرفة الدينية عن الحضارات وكذلك بناء الحضارات الدينية، فإنّه مضافًا إلى الموارد البشرية وغير الوحيانية، لا مناصَّ من الإفادة من المصادر الدينية والوحيانية، لكي نتمكّن على أساسها من فهم الظواهر الحضارية بشكل مختلف، ونتقدم خطوةً

(46)

واسعةً على طريق بناء الحضارة ورسم ملامح الحضارة الدينية.

في حال تعذّر علينا دراسة وتحليل الحضارات السابقة من زاويةٍ دينية، وتعسّر فهم دور سُنن الوحي في التحوّلات الحضارية وتطبيقها، وما لم نتمكّن من البحث في الأوضاع الراهنة للمجتمع الإنساني على أساس النظرة الإسلامية، وكذلك عندما نعجز عن الاستفادة من العناصر الدينية والإلهياتية في تشكيل الحضارة، لن نتمكّن من تأسيس حضارةٍ مختلفةٍ عن الحضارة العلمانية المستقلة، أو أنّ نزعم امتلاك حضارةٍ دينيةٍ على هذا الأساس، يبدو أنّه بمجرد التركيز على العلوم الإنسانية، وإنْ كانت إسلامية، دون الالتفات إلى إمكانات واستعدادات الإلهيات الإسلامية والفلسفة الإسلامية والعرفان الإسلامي والأخلاق الإسلامية والفقه الإسلامي، سوف لن نتمكّن من ضمان الهوية الدينية والإسلامية للحضارة، ولن نتيقن من التأكّد من إسلامية تلك الحضارة.

إنّ الأمر المهم اليوم بالنسبة إلى بناء الحضارة الإسلامية المتفاوتة التي تمتلك منافسين علمانيين كُثر، تفعيل جميع الإمكانات العلمية والعملية للفكر والسُنّة الإسلامية في بناء الحضارة، للإفادة من العلوم الإسلامية، وكذلك العلوم غير الإسلامية (غير الوحيانية)، ومن الاستعدادات السابقة والراهنة للعالم الإسلامي ومن الإمكانات الحاصلة في الظروف المعاصرة في بناء الحضارة الإسلامية وقوامها، وإبراز فاعليتها مقارنة بالنماذج العلمانية غير الإسلامية.

 

 

 

 

(47)

 

 

المصادر

  1. القرآن الکریم.
  2. نهج البلاغة.
  3. الصحیفة السجادیة.
  4. إلياده، ميرچا، اسطوره بازگشت جاودانه، ترجمه بهمن سرکاراتي، منشورات الطهوري، 2005م.
  5. بابائی، حبيب الله، «درآمدی بر الهیات عملی در اندیشه دینی مدرن»، مجلة نقد و نظر ، العدد 61 ، السنة 16 ، ربيع 2011م.
  6. ــــــــــــــــ، «کارکردهای رهایی‌بخش یاد رنج متعالی در رویارویی با رنج‌های انسان معاصر»، مجلة نقد و نظر، العدد 54، 2009م.
  7. بهروزلك، غلام رضا، «چیستی کلام سیاسی»، مجلة قبسات، العدد28، 2003م.
  8. تقي زاده داوري، محمود، «الهیات اجتماعی شیعه»، عددان من مجلة إلهيات اجتماعي، السنة الأولى، العدد الأول، ربيع-صيف 2009م.
  9. الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي، ط1، 1417هـ.
  10. الفيض الكاشاني، محمد محسن بن مرتضى، علم اليقين، ط1، قم، منشورات بیدار، 1998م.
  11. مطهری، مرتضي، انسان و سرنوشت ،طهران منشورات صدرا،.1998م
  12. ــــــــــــــــ، شرح المنظومة، ط 1 ، قم ، منشورات صدرا، 1993م.
  13. ــــــــــــــــ، امدادهای غیبی در زندگی بشر، طهران، منشورات صدرا، 1993م.
  14. نصر، سیدحسین، جوان مسلمان و دنیای متجدد، ترجمة: مرتضى أسعدي، طهران، منشورات طرح نو، ط5، 2005م.
  15.  Bultmann, Rudolf, What is Theology?, Fortress Press, 1997.
(48)
  1. Gunton, Colin E., The One, The Three and The Many, God, Creation and the Cultural of Modernity, Cambridge: Cambridge university press, 2004.
  2.  Osmer, Richard R., Practical Theology, An Introduction, Grand Rapids, Michigan-Cambridge, UK, William B. Eerdmans Publishing Company, 2008.
  3.  Woodward, James & Stephen Pattison, The Blackwell Reader in Pastoral and Practical Theology, USA, Mal- den, Massachusetts: Blackwell Publishers, 2000.

 

(49)
(50)

الخصائص الإسلامية والقرآنية لـ «الحضارة»[1]

حبيب الله بابائي

إنّ الحضارة ظاهرةٌ دنيوية، إذ تتبلور في هذه الدنيا. كما أنّ الدراسات الحضارية بدورها تبحث على الدوام عن فهم اكتشاف الأبعاد الدنيوية لهذه الظاهرة الاجتماعية العامّة. إنّ القول بدنيويّة الحضارة لا يعني إلغاء الآثار المعنوية والروحانية والنتائج الأخروية للحضارة أبدًا. فإنّ كلّ أمرٍ دنيوي ينطوي من الناحية الدينية والإسلامية على آثارٍ أخروية حتمًا، بيد أنّ الآثار الأخروية للحضارة لا تعني أنْ تتجاهل الحضارة ماهيتها الدنيوية. وفي الأساس فإنّ الحضارة ظاهرةٌ دنيويةٌ وليست غير دنيوية، وإنْ كان التحقّق والتمظهر الحضاري (في إطار «الإمام»[2] و«الأمة»[3]) أمرًا ممكنًا ومحتملًا في الآخرة. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الذي يعمل المختصّون في الحضارة على دراسته، ويقوم صنّاع الحضارة على هندسته إنّما هي حضارة في هذه الدنيا، وبآثارٍ ضروريةٍ في ظلّ هذه الشرائط الزمانية والمكانية، ولكن في تشكيل الحضارة الإسلامية يتمّ على الدوام لحاظ الأبعاد المعنوية والروحية للحضارة في هذه الدنيا، وتعمل على بناء حضارةٍ في الدنيا بحيث تمهّد أرضيات التعالي والتكامل المعنوي والروحي في عموم المجتمع الإنساني.

(51)

ومن هنا عندما يرد الكلام عن الخصائص الحضارية في القرآن الكريم، يكون ذلك بمعنى الاهتمام بالأبعاد الدنيوية للحضارة من وجهة نظر القرآن الكريم؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ عندما نتحدّث عن الخصائص التوحيدية للحضارة، لا يكون مرادنا الاهتمام بالأبعاد الإلهية والغيبية في مقولة «التوحيد»، وإنّما مرادنا هو الالتفات إلى الأبعاد الدنيوية من التوحيد. من الواضح أنّ هذين الاتجاهين مختلفان عن بعضهما إلى حدٍّ كبير. إنّنا في البيان الحضاري للتوحيد لا نكون بصدد البحث عن الأبعاد المعنوية أو الغيبية من الحضارة، وإنّما نحن بصدد البحث عن الآثار العامّة للتوحيد في هذه الدنيا وفي الأنظمة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية في هذا العالم. توضيح ذلك أنّ للاعتقاد بالتوحيد أبعادًا مقدّسة، وأنّ حقيقة هذا الاعتقاد وآثاره الأبدية بالنسبة إلى الموحّد سوف تظهر في العالم الآخر، بيد أنّ الاعتقاد بالتوحيد تترتب عليه نتائج وتداعيات في هذه الدنيا أيضًا؛ حيث يكون سنخ وجنس تلك التداعيات مختلفًا عن نتائج وتداعيات العالم الآخر. في الرؤية الدنيوية إلى التوحيد تكون أسئلتنا مختلفةً تمامًا. إنّ تساؤلاتنا في الاتجاه الدنيوي حول التوحيد، إنّما هي من قبيل: «أخلاقيّة وإنسانيّة التوحيد في العلاقات الإنسانية»، و«آثار انسجام التوحيد في هذه الدنيا»، و«آليات النظم وتنظيم التوحيد في الحضارة الإسلامية». ويمكن تكرار ذات هذا الاتجاه في المقولات الدينية والإلهية الأخرى في القرآن الكريم، وتقديم الخصائص الحضارية بقراءةٍ مختلفةٍ وتفسيرٍ جديد.

ومن الجدير ذكره ـ بطبيعة الحال ـ أنّ ما تمّ الحديث عنه في موردٍ دنيويّة الحضارة، يمثّل الحدّ الأدنى من النظرة إلى مقولة الحضارة من وجهة نظر القرآن. وبعبارةٍ أخرى: يمكن عدّ الحضارة أمرًا دنيويًا، والبحث عن الأبدية في الدين ضمن توفير النظم والنظام الدنيوي. يمكن لهذه النظرة أنْ تكون هي الأدنى إلى الحضارة

(52)

وامتدادها في الزمان والأرض الدنيوية المحدودة، ولكن يمكن النظر إلى الحضارة في امتدادها الحضاري في الحدّ الأعلى، وعدّها تمهيدًا لا لهذه الدنيا فقط، بل تمهيدًا للأبدية أيضًا. وفي هذه الحالة لن تتوقف الحضارة والرؤية الحضارية عند حدود الدنيا والأمور الدنيوية فقط، بل إنّ تبلورها سوف يتحقّق في هذه الدنيا وفي إطار تحقيق الخلود، والعثور على السعادة الأبدية أيضًا.

إنّ ما يتمّ ذكره في هذا القسم بوصفه من الخصائص، لا يؤكّد على خصائص إسلامية الحضارة، وإنّما يؤكّد على الخصائص الحضارية للحضارات. من الواضح أنّ خصائص الإسلامية تختلف عن الخصائص الحضارية بشكل كامل. والذي يقع موردًا للاهتمام حاليًا هو الخصائص الحضارية. إنّ الخصائص الحضارية لا تكون بالضرورة للمخاطب المسلم أو المجتمع الإسلامي فقط، بل هي من الخصائص التي يمكن أنْ تُعرض على ذهنية غير المسلمين وعلى المجتمع غير الإسلامي أيضًا. إنّ الحديث عن الحضارة وخصائصها حديثٌ مشتركٌ بين جميع الحضارات. كما أنّ بيان الخصائص القرآنية لـ «الحضارة» يُعدّ بيانًا للخصائص الحضارية المختلفة حيث إنّها أولًا: تستخرج من القرآن، وثانيًا: يتمّ بيانها لغير المسلمين أيضًا لكي يتمكّنوا من إدراك علمية وإنسانية أو أخلاقية تلك الخصائص، وأنْ يتعقّل براهينها، ويتقبّل هذه الخصائص أحيانًا، وأنْ يستفيد في بلورة حضارته (وإنْ لم تكن حضارة إسلامية) من هذه الخصائص الإنسانية والأخلاقية المنبثقة من صلب القرآن الكريم.

إنّ التأكيد على القرآن الكريم في استخراج الخصائص القرآنية إنّما يقوم على افتراض أنّ القرآن معجزةٌ لا على مستوى الألفاظ فقط، بل هو معجزةٌ حتى في مضامينه أيضًا، وأنّ هناك في القرآن مسائل في مورد الأنظمة الاجتماعية العامة بنحو يبدو أنّ أصل طرحها معجزٌ، وكذلك لها آثارٌ إعجازيةٌ أيضًا، ويمكن لها أنْ تؤدّي إلى إصلاحاتٍ كبرى في أسوأ الأوضاع المعاصرة في العالم وأشدّها حرجًا.

(53)

وعلى الرغم من أنّ مقولات من قبيل: السيطرة على العنف، وضمان الرفاه والرخاء ونشر العلم والتقنية، يمكن لكلّ واحدٍ منها أنْ يعُدّ ـ في التفسير الثاني والمختلف في إطار الثقافة الإسلامية ـ بوصفه شاخصًا حضاريًا مهمًا في العالم الإسلامي، بيد أنّ هذه الخصائص لا تمثّل جميع الخصائص المطلوبة، ولا أهمّ الخصائص الإنسانية في مقياس الحضارة، ولا تفسيرها المذكور في العالم الحديث يُعدّ عالميًّا وإنسانيًّا. وعليه من الضروري أوّلًا أنْ يتمّ استخراج الخصائص الأخرى من النصوص الوحيانية وبيانها، وثانيًا أنْ يتمّ العمل على نقد الخصائص المنبثقة عن العالم المعاصر ودراستها، وتكميلها، وتعميقها أيضًا.

مستوى التحليل العام (والحضاري) في القرآن

هل كان بيان القرآن الكريم في القصص، وفي الموارد التاريخية، وفي القوانين الوجودية والاجتماعية على مستوى العام أم لم يكن، وهل أنّ القرآن قد عمل على الدوام في المستويات الجزئية على بيان التعاليم الإنسانية والكونية والقيَمية؟ ومن ناحيةٍ أخرى هل كانت العوامل الاجتماعية والأبحاث العامة في القرآن موردًا للتأكيد أيضًا؟ أم أنّ ما جاء في القرآن من العناصر الإنسانية كلّه من الأمور الجزئية والخاصّة؟ ومن ناحيةٍ أخرى هل ورد ذكر ألفاظ ٍعامّةٍ وكليّةٍ في القرآن أيضًا؟ أم أنّ الألفاظ القرآنية بأجمعها ألفاظٌ ذات مفاهيم جزئية وخاصّة فقط؟ وهل العمل بالقرآن الكريم أو التفكّر والتدبّر فيه يقتضي المستوى العام والكلي أيضًا، ومن دون الاتجاه الحضاري العام لا يمكن فهم القرآن بجامعيته، والعمل بجامعيته أيضًا أم أنّ القرآن لا يمكن تطبيقه إلّا على المستوى الفردي فقط؟ يمكن العمل على تكثير هذه الأسئلة والنظر إلى الأبعاد المتنوّعة للقرآن من زاويةٍ عامّةٍ والسؤال عنها؛ ولكن يمكن القول باختصار: يمكن تتبّع الاتجاه العام للقرآن الكريم ضمن

(54)

النقاط الخمسة الآتية، وهي: 1 ـ في المفردات العامّة، و2 ـ في المفاهيم العامّة[1]، و3 ـ في المقولات العامّة، و4 ـ في القوانين العامّة، و5 ـ في الشخصيات الكبيرة والمؤثّرة على المستويات الاجتماعية العامّة.

من هذه الزاوية يجب البحث والكشف من جهة ـ من خلال المرور بالآيات القرآنية المتنوّعة ـ عن المقولات الاجتماعية، من قبيل: القوم، والقرية، والمدينة، والبلد، والملك، والأمة التي تمّ التعرّض لها في القرآن مرارًا وتكرارًا، وأنْ نعمل من جهة أخرى على الاهتمام ببعض المفاهيم الناظرة إلى مستوى التحليل الاجتماعي العام. ومن بين هذه الألفاظ والمفاهيم التي تعرّضت إلى المستوى الاجتماعي العام عبارة عن «الكبر»، و«البر»، و«كافة»، و«كثر»، و«البسط»، و«الشدّ». وقد ورد استعمال كلّ واحدٍ من هذه المفاهيم والمعاني في القرآن سواء في مورد المجتمعات الصالحة أم في مورد المجتمعات غير الصالحة أيضًا. كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا[2]. الأمر الذي يشير إلى مدى خطورة كبار المجرمين في أيّ مدينة أو مجتمع، حيث يمكن لهم أن يشكّلوا أرضيةً مناسبةً لفساد المجتمع وانحطاطه بأسره. وقد ورد هذا المضمون ذاته في آيةٍ أخرى، وهي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا[3]، حيث ورد التأكيد فيها على أنّ كبراء القوم يتسببون بأمواجٍ كبرى من أنواع الضلال

(55)

والانحراف. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا[1]، إذ يحكي عن أهمية ترك المعاصي والذنوب الكبيرة في رفع الشرور والآفات الاجتماعية من جهة، ويعمل على إيجاد الظروف والأرضيات لتنمية الكرامة الإنسانية من جهة أخرى. وفي الحقيقة فإنّ هذه الآية ـ بالإضافة إلى الذنوب الكبيرة التي يعود السبب في كونها كبيرةً إلى القبح الفعلي للذنب ـ تشير إلى الذنوب الكبيرة التي ينشأ كبرها من الجهة الفاعلية ـ وأنْ يكون فاعلها ليس شخصًا واحدًا، وإنّما هو مجتمع، وليس عامّة الناس، وإنّما خاصّة المجتمع وكبار القوم فيه ـ وينطبق ذلك على الذنوب في مستوى الأمّة، والسيئات على مستوى الحضارة.

ومن بين العناصر الأخرى المستعملة في القرآن الكريم كلمة «كافة»؛ التي تشير إلى المستوى العام والشامل في المجتمع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[2]. لقد تمّ التأكيد في هذه الآية على المطالبة بالصلح والسلم والدخول فيه على نحوٍ شاملٍ وعام، حتى لكأن الدخول في السلم والصلح إذا لم يكن عامًا وشاملًا في المقياس الاجتماعي، بل وحتى الحضاري، وسعى بعض الأشخاص أو الشعوب أو البلدان في العالم الإسلامي إلى الإخلال في شكل هذا الصلح من خلال اتباع الخطوات الشيطانية، فإنّ أساس السلم والصلح سوف يتعرّض إلى الضرر.

وفي قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً[3]. تم التأكيد أيضًا على القتال الشامل في الحرب أيضًا. إنّ الاستفادة التي يمكن الحصول عليها من

(56)

هذه الآية أنّه حينما يكون الهجوم العسكري ـ بل حتى الثقافي ـ عليك شاملًا وعلى المستوى الحضاري، يجب أنْ تكون ردّة فعلك عليه متعددة الأبعاد، وأنْ تكون شاملةً وحضاريةً أيضًا. إنّما بهذه المواجهة الحضارية والشاملة يمكن الصمود والوقوف في وجه الهجوم الشامل (الناتج عن الصراع الحضاري)، والدفاع عن النفس بهذه الطريقة. أمّا الدفاع الناقص وردّة الفعل ذات البُعد الواحد على الهجمات المتعددة والمعقدة، فهو دفاعٌ غير ناجعٍ ومحكومٌ عليه بالفشل.

وعلى هذا الأساس يجب في مواجهة الغرب الحضاري أنْ نظهر عليه حضاريًا، وإلا فإنّ الحضارة الغربية سوف تقطع أوصال الهوية الإسلامية وتعمل على إنقاص الإسلام والحضارة الإسلامية وتجعلها لا شيء.

وفي آيةٍ أخرى عُرّف أساس الرسالة وتطبيقها بوصفها رسالةً عامّةً وشاملة؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[1]. إنّ هذه الآية تؤكّد وتشير إلى أنّ ما نزل من السماء على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما هو لجميع الناس كافة، وأنّ جميع الناس يمكنهم أخذ هذه الرسالة عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفهمها والعمل بها، لكي يصلوا إلى السعادة العامة لهم جميعًا. فإنّ عمومية الإسلام وشموليته لجميع المخاطبين بالقرآن هو الأمر المطلوب، وربما أمكن القول: يمكن تطبيق شمولية القرآن الكريم لجميع الناس في إطار الحضارة والعمل على تحقيق هذا التعميم وهذه الشمولية على نحوٍ جامعٍ نسبيًا.

(57)

وبالإضافة إلى العناصر الشاملة أعلاه في القرآن الكريم، ورد ذكر عناصر أخرى في القرآن أيضًا حيث يمكن لكلّ واحدٍ منها أنْ يشير إلى بُعدٍ من الأبعاد الاجتماعية العامة؛ من قبيل: «السعة»، و«الضِعف»، و«البركة»، و«الكثرة»، و«الشدّة»؛ إذ يتضمّن كلّ واحدٍ منها الخروج من المستوى الجزئي إلى المستوى العام. وإنّ الآيات أدناه تشير إلى هذه العناصر:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً[1]. في ضوء هذه الآية، على الرغم من أنّ مضاعفة الثواب للشخص المقرض، إلا أنّ المضاعفة للفرد، تؤدّي إلى التضاعف الاجتماعي، وتنتج أمواجًا من الزيادات الاقتصادية وربما الثقافية في المجتمع أيضًا. فمن جهة يتمّ تنشيط الظروف والأرضيات الاقتصادية للمجتمع (بالنسبة إلى الفرد والمجتمع)، ويتحقّق المزيد من الازدهار في الاقتصاد، ومن ناحيةٍ أخرى تنتظم وتقوم المعنوية الاجتماعية من طرق التوجّه إلى الله في الإقراض والآداب الأخلاقية للقرض، والاهتمام بحقوق المقترض، وتؤدّي بدورها إلى خلق الفرص الإنسانية في المجتمع. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الثروات الفردية والجزئية والثقافية والاقتصادية تتضاعف بسبب الإقراض الحسن، ومن خلال تضاعف الثروات الاقتصادية والثقافية يتم الحصول على ثرواتٍ كبيرةٍ جدًا[2].

إنّ الكلمة المفتاحية الأخرى في القرآن التي تشتمل على مفهوم على المستوى الاجتماعي العام، لفظ البركة في مختلف الآيات، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ[3]. إنّ هذه الآية تدلّ على أنّ الإيمان والتقوى يستوجبان زيادة البركات الأرضية والسماوية. قد يشمل هذا الإيمان

(58)

والتقوى، حالة الإيمان والتقوى الفردية بالنسبة إلى الأفراد، ولكن من الواضح جدًا أنّ الإيمان والتقوى اللذين يؤدّيان إلى البركات الأرضية والسماوية، إنّما ينبثقان في الغالب من الإيمان والتقوى الاجتماعية، بل الإيمان والتقوى على مستوى الحضارة أو على مستوى الأمة. إنّ التقوى والإيمان اللذين يتّصف بهما المجتمع أو الحضارة، أولًا يعدّان في حدّ ذاتهما مقولةً اجتماعيةً (جزئية أو عامّة)، وثانيًا تكون آثارهما من الناحية الاجتماعية والحضارية أشدّ عمقًا وتأثيرًا، الأمر الذي يؤدّي إلى الازدهار والتنمية بالنسبة إلى الأمور الأرضية والسماوية أيضًا.

ومن الجدير ذكره أنّ هذا المضمون من الكثيرة والشدّة والبركة قد وردت الإشارة إليه في كثيرٍ من الآيات على شكل أمثلة متنوّعة، ومن بين أهمّ هذه الأمثلة مثال السنبلة في الآية الآتية، الذي يُشير إلى المستوى الاجتماعي العام كما يشير إلى حالة النظم فيه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[1]. إنّ إشاعة أعمال الخير والبر في المجتمع وزيادته على نحو المتواليات العددية في المجتمع يُعد من النقاط المهمّة في هذه الآية ونظائرها.

ومن هذه الناحية تعدّ بعض التوصيات والنصائح الاجتماعية والأخلاقية في القرآن في نقل أفعال الخير من المستوى الفردي إلى المستوى الاجتماعي، ومن المستوى الجزئي إلى المستوى العام، تُعدّ عنصرًا مؤثرًا وحاسمًا ومصيريًا للغاية. ومن بين هذه الموارد تجب الإشارة إلى عنصر «السباق والمسارعة في فعل الخير»، والنتائج المترتبة على ذلك في إيجاد التراكم وزيادة الخيرات في المجتمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا

(59)

الْخَيْرَاتِ[1]، وقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ[2]، وتبلور الإحسان في المقياس الحضاري. وفي الأساس فإن الإسراع في فعل الخير، وكذلك التسابق في أعمال البر، يُعدّان من العناصر والآليات المهمّة والمؤثّرة في تبديل الحسنات الجزئية إلى حسناتٍ عامّةٍ وكلية. إنّ العمل على إيجاد ثقافة «السرعة والتسابق» في المجتمع، يجعل عملية الإصلاح الاجتماعي عمليةً ذاتيةً وتلقائيةً وداخلية، كما يمنحها السرعة أيضًا، كما أنّه ينقل المسارات الإصلاحية من المستوى الفردي إلى المستوى الاجتماعي والحضاري العام أيضًا.

بالنظر إلى المفردات والمفاهيم العامّة في القرآن، يتّضح أنّ المستوى العام للتحليل في العديد من الآيات القرآنية، قد تمّ تأكيده بمختلف العبارات والألفاظ المتعدّدة والمتنوّعة، إذ يحتوي كلّ واحدٍ منها على قابلية الجري والتطبيق على المقولات الحضارية. وفي هذا المستوى الحضاري من الزاوية القرآنية يمكن لنا أنْ نذكر كثيرًا من الخصائص للحضارة (بوصفها الوحدة الاجتماعية الأكبر)، وعدّ كلّ واحدةٍ منها في تبلور وتشكيل الحضارة الإسلامية في العالم المعاصر أمرًا مهمًا في خلق الهوية المتميّزة. يمكن تبويب دراسة كلّ واحدٍ من الخصائص الحضارية في القرآن الكريم ضمن مجموعاتٍ متنوّعة، وعدّ كلّ واحدٍ منها من الزاوية الاجتماعية والحضارية شاخصًا في بناء الحضارة الإسلامية. ويمكن تبويب الآيات ضمن الموارد أدناه، على النحو الآتي:

أ. الخصائص التوحيدية للحضارة في القرآن.

ب. الخصائص الأخلاقية للحضارة في القرآن.

ج. الخصائص الاجتماعية للحضارة في القرآن.

(60)

وقبل الإشارة إلى كلّ واحدةٍ من هذه الخصائص، لا بدّ من التأكيد مرّةً أخرى على أنّ الكلام عن الخصائص التوحيدية والخصائص الأخلاقية والخصائص الاجتماعية في القرآن إنّما هو من أجل الإشارة إلى الخصائص الحضارية، لا إلى خصائص إسلامية الحضارة. إنّ هذه الخصائص القرآنية لا يمكن طرحها وتفسيرها للمسلمين وسكان الحضارة الإسلامية فقط، بل ويمكن عرضها بوصفها خطابًا حضاريًا على سائر الحضارات الأخرى بما فيها الحضارات غير الإسلامية، بل وحتى غير الدينية أيضًا. إنّ النقطة التي يجب تأكيدها هي أنّ بيان الخصائص القرآنية، لا لكي تكون بديلًا لخصائص الحضارة الحديثة؛ بل يجب أنْ تكون الغاية بيان نماذج للخصائص المنبثقة عن القرآن الكريم في بناء الحضارة الإسلامية والإنسانية. إنّ الغاية من هذا المجهود العلمي هي أنْ نثبت أنّه بالإضافة إلى الخصائص الحضارية الحديثة، يمكن بيان خصائص أخرى أيضًا، كما يمكن المرور بالخصائص الحديثة ونقدها، كما يمكن جعل نصّ القرآن قراءةً حضارية، وأنْ نستخرج منه بعض الخصائص والعمل على توظيفها في تقييم إنسانية الحضارة.

1. الخصائص التوحيدية للحضارة في القرآن

إنّ بعض الأفعال الإنسانية لا تقع بين الإنسان والإنسان، وإنّما بين الإنسان (الإنسان الفردي أو الاجتماعي) وبين الله؛ بيد أنّ آثارها تظهر في علاقات الإنسان مع الإنسان أيضًا؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ «التوبة» فعلٌ يحدث بين الإنسان وبين الله، و«الإيمان» سلوكٌ قلبيّ يقوم بين الفرد الإنساني وبين الله سبحانه وتعالى، وكذلك «الذكر والدعاء»، هما في القرآن الكريم سلوكياتٌ ظاهريةٌ أو قلبيةٌ تقع بين الإنسان الفرد وبين الله (عزّ وجل)؛ ولكن هذه الأمور ـ في الوقت نفسه ـ تترك تأثيرها على العلاقات بين الإنسان والإنسان أيضًا، وتعمل في بعض الأحيان على تنظيمها.

(61)

في النظرة الأولى، لا شيء من هذه المقولات التي تقع بين الإنسان وبين الله تحتوي على مفهومٍ أو ماهيةٍ اجتماعيةٍ وحضارية؛ ولكن في نظرةٍ أدقّ وأعمق نجد أنّ لكلّ واحدٍ منها بعض الآثار الاجتماعية ما بين الناس في علاقاتهم العامّة أيضًا. وبالمناسبة فإنّ هذه الأمور التي تبدو فرديةً بحسب الظاهر ترد في بعض الآيات القرآنية بوصفها ظاهرةً اجتماعية، ويُذكر لكلّ واحدٍ منها أحكامٌ اجتماعيةٌ وثقافية، بل وحتى حضارية أيضًا. وهذا الأمر يدلّ على أنّ بعض الأفعال والسلوكيات الفردية في الارتباط مع الله تنطوي ـ في الحدّ الأدنى ـ على آثارٍ حضاريةٍ وثقافية. ومن خلال تموضع كلّ واحدٍ منها في التشكّل والتبلور الحضاري، يمكن التأكيد والتصريح بأنّ هذا النوع من الأفعال الإنسانية يمكن له ـ فيما يتعلّق بالتعامل مع الله سبحانه وتعالى ـ أنْ يكون شاخصًا من الشواخص الحضارية أو الثقافية.

بالنظر إلى هذه النقطة، فإنّ مرادنا من الخصائص التوحيدية في الحضارة، هي الخصائص التوحيدية التي تحدث في إطار النسبة بين الإنسان وبين الله سبحانه وتعالى، وفي الوقت نفسه تحتوي على موقعيةٍ وآليةٍ اجتماعية؛ ومن هنا فإنّنا في فهرسة الخصائص التوحيدية لا نلاحظ العناصر التوحيدية التي لا تنطوي على ثمرةٍ اجتماعيةٍ (قابلة للإثبات أو التبيين). وفي هذه الأسطر القليلة نسعى في الأساس إلى البحث عن خصائص من التوحيد تكون مؤثرةً في المجالات الاجتماعية العامة، ويمكن أنْ تشتمل على مفهومٍ حضاري. ولكي نصل إلى هذه الخصائص، يجب أنْ نعمل أوّلًا على فصل العناصر التوحيدية المستعملة في الآيات القرآنية، ثم نعمل بعد ذلك ـ من خلال دراسة كلّ واحدٍ منها ـ على تنقيح وبيان العناصر التوحيدية المرتبطة بالأمر الاجتماعي.

إنّ الذي يمكن استفادته من الآيات القرآنية المتنوّعة في الخصائص التوحيدية للحضارة ـ وليس الحضارة الإسلامية بالضرورة ـ عبارة عن ثلاثة عناصر، وهي:

(62)

التوحيد في الغاية (اجتناب الأرباب المتفرقين)، والتكثّر في النماذج التوحيدية (كثرة الآيات المرتبطة بالغاية)، والحسّ الإيماني المعنوي في الشخصيات الحضارية ذات الكاريزما فيما يتعلّق بالغاية الواحدة والمشتركة.

التوحيد في الغاية (اجتناب الأرباب المتفرقين)

إنّ من بين أهم خصائص الحضارة في القرآن الكريم، هو التأكيد على الإله الواحد، واجتناب الأرباب المتعددين والمتفرّقين. وقد جاء هذا المعنى في المقياس الديني (الشامل للأديان الإبراهيمية) في سورة آل عمران، إذ يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ[1]. لقد تمّ التأكيد في هذه الآية على عبادة الله الواحد، واجتناب الشرك وعبادة الأوثان، بوصف ذلك كلمةً واحدةً وعنصرًا توحيديًا مشتركًا لا بالنسبة إلى مجتمع المسلمين فقط، بل بالنسبة إلى مجتمعٍ تتعدّد فيه الأديان الإبراهيمية أيضًا. وقد جاء هذا المعنى بذاته في مقياسٍ أوسع وبنحوٍ مطلقٍ في سؤال النبي يوسف عليه‌السلام من صاحبيه في السجن على ما ورد على لسانه في القرآن الكريم، في قوله: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[2]. ففي هذه الآية يتوجه النبي يوسف عليه‌السلام بالخطاب إلى صاحبيه في السجن ـ وهما على ما يبدو لم يكونا من أهل الإيمان والتوحيد ـ ويحتج عليهما بلسان الفطرة وبلسان إنساني ـ وليس إيمانيًا بالضرورة ـ في مورد التوحيد، ويبطل التعدّدية والتكثّر في مفهوم الإله، وينهى عن التفرّق والتشتت في التعلقات القلبية في الحياة الفردية والاجتماعية. إنّ التوحيد واجتناب الأرباب المتفرقين، يؤدّي في الحدّ الأدنى إلى الاشتراك في اللغة، وفي الهواجس والدوافع وكذلك في بعض المصادر المعرفية

(63)

والإيمانية، والاشتراك أحيانًا في المطالب والتوجّهات والعواطف[1] في المجتمع، وإنّ كلّ واحدٍ من هذه الأمور يُعدّ مؤثرًا، وفي غاية الأهمية في التمهيد للحضارة والهوية الحضارية المشتركة.

إنّ النقطة المهمة التي تعمل على إيضاح حضارية التوحيد تكمن في المضمون والمحتوى الإنساني والأخلاقي للتوحيد حيث تضعه في دائرةٍ أعم من الدائرة الدينية والاعتقادية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ التوحيد ـ ولا سيّما في الحقل الاجتماعي ـ ليس أمرًا عَقَديًّا بالضرورة، بل هو أمرٌ أخلاقيّ وإنساني. لو أمكن بيان مثل هذا المفهوم عن التوحيد، عندها لن يكون التوحيد بمنزلة نظريةٍ في القرآن تخصّ المجتمع المسلم فقط، بل سوف يكون التوحيد جديرًا بتقديمه إلى المجتمعات الإنسانية الأخرى والحضارات الأخرى أيضًا. يرى محمد لغنهاوزن في الجواب عن السؤال المتعلّق بهذه الآية (الآية التاسعة والثلاثون من سورة يوسف عليه‌السلام )، أنّ مضمون سؤال النبيّ يوسف عليه‌السلام يمكن تقريره على عدّة صوَر؛ وهي أنْ تكون كلمة «خير» بمعنى الخير الأخلاقي أو الخير العملي والتطبيقي. وهو يرى أنّ استدلال النبيّ يوسف عليه‌السلام في أحد المستويات استدلالٌ عملي[2]؛ بتوضيح أنّ العبد إذا دخل في خدمة ربّينِ (أرباب متفرّقون)، فعندما يختلف هذان الربّان فيما بينهما، لن يتمكن ذلك العبد من النجاح في إرضائهما معًا؛ ومن هنا فإنّه من الأفضل للفرد أنْ يضع نفسه في خدمة ربٍّ واحد، أو نظامٍ فكريّ واحد، أو منظومةٍ قياديةٍ واحدة؛ ليتمكن من تحقيق النجاح على المستوى العملي.

إنّ هذا الاستدلال (الاستدلال لتحقيق المزيد من النجاح) يعدّ في النظرة

(64)

الأولى استدلالًا عمليًّا[1]، وليس استدلالًا أخلاقيًا[2]؛ ولكن في نظرةٍ أعمق، يكون الاستدلال على المزيد من النجاح استدلالًا أخلاقيًا؛ إنّ معنى أخلاقية «النجاح» يكمن في أنّ النجاح في الواقع يعني الحصول على السعادة، وأنّ الغاية من الحياة الأخلاقية ليس شيئًا آخر غير السعادة[3].

إنّ هذه الآية ترشدنا إلى فقرة في الإنجيل تحمل هذا المضمون ذاته، فقد ورد في إنجيل متى: «لا يقدر أحدٌ أنْ يخدم سيدين؛ لأنّه إما أنْ يبغض واحدًا ويحبّ الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أنْ تخدموا الله والمال»[4]، وفي إنجيل لوقا: «لا يقدر خادم أنْ يخدم سيدينِ؛ لأنّه إما أنْ يبغض واحدًا ويحبّ الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أنْ تخدموا الله والمال»[5]. إنّ المحتوى الأخلاقي لهذه الفقرة واضح جدًا، وهي إنّك إمّا أنْ تكون في خدمة الله أو تكون في خدمة المال، ولا يمكنك أنْ تكون في خدمتهما معًا وفي وقتٍ واحد.

كما يمكن العثور على فضيلة «أنْ تكون في خدمة شخصٍ واحدٍ» لدى هوميروس أيضًا. إنّ فكرة «أنْ تكون في خدمة واحدٍ، وأنْ تخدم شخصًّا واحدًا» تعود إلى مسألةٍ أخلاقية، وهي مسألة «الوفاء»[6]. وعلى هذا الأساس فمن الأفضل أنْ يكون للشخص ربٌّ واحد؛ وذلك لأنّ هذا الأمر من شأنه أنْ يؤدّي إلى طريق الوفاء، والوفاء بدوره يُعدّ فضيلةً أخلاقية، وأمّا إذا كان للشخص أرباب عدّة، فإنّه لن

(65)

يكون بمقدوره أنْ يتمسّك بفضيلة «الوفاء»[1]. «أيّها الغريب! إنّه على الرغم من عدم حضوره هنا، بيد أنّي متردد في ذكر اسمه؛ فهو حاضرٌ في فكرتي بقلبه، وكان يحبّني أكثر من غيري، وإنّي لأعدّه صديقي المبجّل وصاحب المنزلة الرفيعة، مهما بعد عني!»[2].

وعلى هذا الأساس فأنْ يكون المرء في خدمة ربٍّ واحد، وأنْ تكون له غايةٌ واحدة، وأنْ يتبع نظامًا واحدًا، يحتوي على مضمونٍ إنساني وأخلاقي، ويمكن عدّه شاخصًا ومعيارًا في الجماعة وفي المجتمع الإنساني؛ حتى وإنْ لم يكن ذلك المجتمع معتقدًا ومؤمنًا بالدين أو الإسلام.

والسؤال المهم الذي يطرح نفسه في هذا الشأن هو: كيف يمكن للتوحيد في الحالة الحضارية المتكثّرة والمتنوّعة على الدوام وتشمل مختلف الأديان والمذاهب والأمزجة الفكرية والعقائدية ـ وذلك في ظلّ التعدّدية والتنوّع الفكري والاعتقادي ـ أنْ يكون شاخصًا ومعيارًا، وأنْ يشمل جميع الأديان والمذاهب الموجودة في تلك الحضارة؟ وفي مورد الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية والتوحيدة لا بدّ من السؤال بالقول: هل توحيدية الحضارة تعني الاعتقاد بالتوحيد من قبل جميع السّكان في هذه الحضارة، أم أنّ المجتمع التوحيدي لا يعني مجتمع الموحّدين، بل يعني المجتمع القائم على مفهوم التوحيد الذي تراعى فيه جميع حقوق الموحّدين وغيرهم، ويتم لحاظ الإنصاف والعدالة في حقّ جميع الأشخاص بمن فيهم الذين لا يعتقدون بالتوحيد أيضًا[3].

(66)

لا بدّ من التذكير في هذا الشأن أولًا وقبل كلّ شيء بأنّ التوحيد في حدّ ذاته له مراتب، وليس من الممكن والمعقول أنْ يكون يكون جميع الموحِّدين في مرتبةٍ واحدةٍ وفي مستوى واحدٍ من الناحية الإيمانية. يمكن العمل على تعميم الحدود الدنيا من التوحيد والمشتركات الفطرية والتوحيدية في المجتمعات الإنسانية الكبرى وتحويلها إلى اعتقادٍ عامّ، والتخطيط من أجل توسيعه وترسيخه وتعميقه في البنية الفردية والاجتماعية. وثانيًا: إنّ توحيدية الحضارة لا تعني بالضرورة أنْ يكون جميع أفراد وأعضاء تلك الحضارة من الموحِّدين، بل الأهم من الأفراد الموحِّدين هو المجتمع الموحّد، إنّ المنظومة التوحيدية والشبكة الموحّدة في المقياس الاجتماعي العام هو الذي يؤدّي حتى بالأشخاص الذين يفتقرون إلى الروابط التوحيدية إلى العمل بشكل توحيدي، وأنْ يعمل الأشخاص الرازحون في المراتب السفلى من التوحيد على الارتقاء نحو الدرجات العليا من توحيدهم.

وباختصار فإنّ التوحيد ليس مجرّد خطابٍ دينيّ وإيماني فقط، بل هو خطابٌ إنسانيّ، يمكن له أنْ يكون مفهومًا ومعقولًا بل ومقبولًا ونافعًا حتى بالنسبة إلى الأشخاص من غير المتدينين أيضًا، وليس للمتدينين فقط. إنّ تحاور النبي يوسف عليه‌السلام مع صاحبيه في السجن على أساس المفاهيم التوحيدية: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[1]، يمكن أنْ يتضمّن على هذا المعنى وهو أنّ التوحيد يمكن أنْ يكون مفهومًا ومفيدًا بالنسبة إلى الجميع. وفي هذه الروية ومن زاوية هذا التفسير والتقرير الإنساني للتوحيد (والقول بأنّ التوحيد بغض النظر عن عقيدة الإنسان وإيمانه، أمرٌ إنسانيّ مطلوب للإنسان بما هو إنسان)،

(67)

يمكن عدّ التوحيد مسألةً إنسانيةً عامة، يمكن لها أنْ تغطي جميع الأنظمة الاجتماعية المتنوّعة، وأنْ يشمل جميع التنوّعات الثقافية والدينية والمذهبية، وتؤدّي إلى الاتحاد والانسجام الاجتماعي.

وبطبيعة الحال لا بدّ من التأكيد على هذه النقطة وهي أنّ التوحيد في مراتبه يشمل التوحيد قبل الإسلام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[1]، كما يشمل التوحيد بعد الإسلام، والتوحيد قبل الإيمان، والتوحيد بعد الإيمان. وإنّ الذي يُعدّ في الحضارة توحيدًا عامًّا وشاملًا هو التوحيد المشترك في حدّه الأدنى قبل الإسلام؛ وفي الوقت نفسه فإنّ لكلّ واحدٍ من توحيد المسلمين وتوحيد المؤمنين آلياته الحضارية الخاصة[2].

إنّ ما تمّ بيانه بشأن «التوحيد»، هو التوحيد بوصفه أمرًا أخلاقيًا وشاملًا لجميع الناس؛ إذ يمكن عدّه شاخصًا ومعيارًا في المسار الحضاري وفي تبلور الحضارة الإنسانية؛ بيد أنّ التفسير الإنساني والأخلاقي للتوحيد لا يعني تجاهل الأبعاد الإلهية له، ولا يعني معياريته بالنسبة إلى «إسلامية الحضارة». وكما يمكن لقاعدة التوحيد أنْ تكون ـ بوصفها أصلًا إنسانيًا وأخلاقيًا ـ شاخصًا ومعيارًا لتبلور حضارةٍ ما، يمكن للتوحيد في مستواه المتقدّم ـ بوصفه أصلًا إلهيًا وإسلاميًا ـ أنْ يكون شاخصًا ومعيارًا بالنسبة إلى «إسلامية الحضارة» أيضًا. إنّ التوحيد بوصفه شاخصًا ومعيارًا لإسلامية الحضارة، يستدعي شواخص ومعايير أخرى تستحق

(68)

التأمل بالنسبة إلى الأبعاد الإسلامية لحضارةٍ ما. ومن بين هذه المعايير والشواخص الإسلامية للحضارة يمكن الإشارة إلى التعدّدية في النماذج التوحيدية.

ومن الجدير ذكره بطبيعة الحال أنّ هذا المقدار من بيان حضارية التوحيد، لن يحلّ جميع النزاعات الحضارية في أمر الشاخص والمعيارية. إنّ من بين نقاط الاختلاف المهمّة في بعض المقولات الخاصة بالتوحيد والحضارة (العدالة والحرية والمساواة)، عبارة عن مرجعية محتوى هذه المفاهيم. وفي الأساس ما هو المرجع في تعيين محتوى هذه المفاهيم العامة ومصاديقها؟ إنّ النظرة العلمانية إلى هذا السؤال تختلف عن الرؤية التوحيدية إلى حدٍّ كبير. تذهب العقلانية العلمانية البشرية إلى عدّ نفسها المرجع الوحيد في تشخيص محتوى هذا النوع من المفاهيم ومصاديقه. في حين أنّ العقلانية التوحيدية على الرغم من اعترافها بالعقل الإنساني، إنّما تعترف بالوحي والتعاليم الإلهية في الدائرة المضمونية لهذه المفاهيم البشرية. إنّ هذه المسألة والرؤية التوحيدية إلى مسألة العدالة والمساواة والحرية، والمفاهيم الأخرى من هذا القبيل، سوف يكون لها انعكاسٌ حضاري، وسوف تجعل العلاقات في ساحة الحياة على أساس ما ورد في الوحي والنبوّة أمرًا مختلفًا.

التعددية في النماذج التوحيدية

لا بدّ من الإشارة أولًا إلى أنّ التكثّر والتعدّدية في النماذج الخاصّة بالغاية الواحدة في كلّ حضارةٍ تعُدّ أمرًا ضروريًا ولازمًا، وكلّما كان مقدار النماذج الخاصة بتلك الغاية أكثر، كان الانسجام الداخلي والهوية الذاتية للحضارة أكبر. وفي الحقيقة والواقع فإنّ توحيدية الحضارة لا تعني البساطة في الحضارة ووحدة صرفة في تلك الحضارة. إنّ كلّ حضارةٍ بمقتضى حضاريّتها تحظى بأبعادٍ من الوحدة والكثرة، وإنّها في وحدتها تعود إلى وحدة غايتها، وإنّ كثرتها تكمن في عناصرها وأجزائها المتنوّعة جدًا والمتكثّرة والمتشعّبة والمعقّدة إلى حدٍّ كبير.

(69)

إنّ أهم مسألةٍ في حضارةٍ ما تكمن بشكلٍ دقيقٍ في هذه النقطة، وهي: كيف تكون النسبة بين ذلك الأمر الواحد، وهذه الأمور المتكثّرة والمعقّدة، وكيف سيكون إمكان التركيب والتزاوج بين الوحدة والكثرة؟ إنّ الذي يحظى بالأهمية في هذا القسم من الجمع بين الكثرة والوحدة في حضارةٍ ما، إنّما هو تكثّر نماذج تلك الغاية الواحدة. وبعبارةٍ أخرى: إنّ التكثّر في المجتمع لا يعني ـ على الدوام وعلى نحو الضرورة ـ عدم وجود الغاية الواحدة وغياب الاتحاد في ذلك المجتمع. إنّ التعددية والكثرة إذا كانت مشتملةً على دلالاتٍ ونماذج خاصّة بغايةٍ واحدة، فإنّ وجود تلك التعددية بل وتكثّر هذه التعدّدية لن يكون غير متنافٍ مع التوحيد في الغاية فحسب، بل وسوف يؤدّي إلى تراكم التوحيد في المجتمع؛ وعلى هذا الأساس فإنّ كلّ حضارةٍ تشتمل في حدّ ذاتها على التعدّدية الثقافية والاجتماعية، يجب عليها الاعتراف بالتعددية، ولكنّها من حيث هويتها الوحدانية، عليها أنْ تحقن في كلّ تعدّديةٍ نماذج توحيدية، وتعمل بذلك على إيجاد وحدةٍ بين التعدديات؛ ومن هنا فإنّ الحضارة إنّما تتحقّق أو تزدهر في حضاريتها، فيما لو أظهرت في تعدّديتها نماذج توحيدية، وأنْ تتمكّن من نشر مظلّتها في مسارها التوحيدي على نطاقٍ أوسع؛ لتشمل جميع المساحات والمؤسسات المتنوعة، وتظلل جميع الأفراد على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم.

إنّ التعدّدية في النماذج التوحيدية تكتسب أهميّتها الكبرى في الرؤية الإسلامية وفي إسلامية الحضارة. ليست تعددية النماذج التوحيدية وحدها هي التي تؤدّي دورًا في تبلور الحضارة الإسلامية، والتراكم التوحيدي للحضارات فقط، بل إنّ ذات هذه التعددية والتكاثر في النماذج يعدّ شاخصًا ومعيارًا في تعيين مقدار إسلامية الحضارة وحجمها أيضًا. وكلّما كان مقدار إسلامية الحضارة أكبر، كانت النماذج التوحيدية فيه أكثر، وكلّما كان مقدار إسلامية الحضارة أقل، كانت النماذج التوحيدية فيه أندر وتكون محدودةً وهامشية أيضًا.

(70)

يضاف إلى ذلك أنّ التعددية في النماذج الإلهية والتوحيدية، لها في الرؤية القرآنية نتائج دنيوية. وفي الأساس فإنّ من بين العناصر والخصائص الحضارية من وجهة نظر القرآن الكريم، ذكر الله واستذكار النعم الإلهية: ﴿فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ[1]. إنّ من أهم النتائج الحضارية المترتبة على الذكر الإلهي، سعة الحياة ورخاؤها، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى[2].

وأمّا تعدّدية الذكر والإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى، فقد ورد التأكيد عليه في عدّة نقاط ومستويات حضارية، ومن بينها مقام الجهاد والمواجهة مع الأعداء والمناوئين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[3]. والنقطة الحضارية الأخرى التي يؤثّر فيها ذكر الله هي بسط الإيمان ونشر المعنويات في نطاق المجتمع؛ إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[4]. وحلّ النفاق أو في الحدّ الأدنى التعرّف على المنافقين في المجتمع التوحيدي، في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا[5]. إنّ الذكر القليل (أو النماذج التوحيدية القليلة) تعدّ في آيات من القرآن ـ وذلك بطبيعة الحال حيث يمكن حسابه أو تقييمه من الناحية الاجتماعية ـ علامةً من علامات النفاق، بل من علامات حزب الشيطان في المجتمع [أو الحضارة]، قال تعالى: ﴿إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ

(71)

قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا[1]. وقال أيضًا: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ[2].

وبذلك فإنّ الإكثار من ذكر الله والآثار الإلهية في المجتمع، يؤدّي إلى حدوث فسحةٍ في الحياة والمعيشة، كما يؤدّي إلى التمييز والفصل بين حزب الله وحزب الشيطان، وفصل تيار النفاق عن تيار الصدق والحق والصواب. ومن الجدير ذكره أنّ جميع هذه الموارد لها قابلية الجري والتطبيق في الأبعاد الحضارية العامّة، وإنّ الآيات بلحاظ إطلاقها تشمل جميع المستويات الفردية والاجتماعية.

2. الخصائص الأخلاقية للحضارة في القرآن

إنّ المراد من المعايير والخصائص الأخلاقية هي الخصائص والمعايير المرتبطة بالسلوكيات الإنسانية في التعامل مع بعضها، إذ يكون لكلّ واحدٍ منها قابلية التحقّق والتعريف على المستوى الحضاري العام. وبطبيعة الحال لا تقع جميع المعايير الأخلاقية موردًا للاهتمام والتأكيد. وإنّ الذي ترد الإشارة إليه من الخصائص والمعايير الأخلاقية في هذا القسم هو من الخصائص والمعايير المختلفة عن الخصائص والمعايير الأخلاقية الحديثة أوّلًا، ويمتلك قابلية البحث والبيان في المستوى الحضاري العام ثانيًا.

الفعل الحسن وردّة الفعل الأحسن («الأحسن» في قبال «الحَسَن»)

إنّ من بين الخصائص والمعايير الأخلاقية المهمّة في بناء الحضارة، الإحسان في العلاقات الإنسانية، بيد أنّ النقطة الأهم هي أنّ الأفعال والأقوال الحسنة، على ما

(72)

ورد في قوله تعالى[1]: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا[2]، و﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا[3]، إنّما تتحوّل إلى أمرٍ ذهبي، وتحدث أمواجًا من الإحسان في المجتمع على المستوى الاجتماعي العام، فيما لو أدّى كلّ فعلٍ حسنٍ إلى فعلٍ حسنٍ آخر، بل ـ وفوق ذلك ـ أنْ يؤدّي كلّ أمرٍ حسنٍ إلى إحسانٍ أكبر وأفضل، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا[4]. لو تمّ التأسيس لهذه القاعدة في المجتمع من الناحية الثقافية، فإنّ أدنى وأقلّ أمرٍ حسنٍ سوف يؤدّي إلى أكبر أعمال الخير في المجتمع وأفضلها وأحسنها، وإنّ هذه السلسلة سوف تستمرّ إلى ما لا نهاية، وإنّ كلّ ردة فعلٍ أحسن سوف تكون جديرةً بسلوكٍ أفضل وأحسن وأكثر في اتجاه الخير، وإنّ هذا المسار لن ينتهي أبدًا[5]. من الواضح بطبيعة الحال أنّ الحضارة الإنسانية إنّما تتجلّى في مراتب اللانهايات. إنّ المسار الحضاري ليس شيئًا آخر سوى أنّ

(73)

المستوى الاجتماعي العام هو على الدوام في حالة إنتاج الحسنات ونشرها وتنميتها في المؤسّسات والأنظمة الاجتماعية والإنسانية. إنّ هذه القاعدة الأخلاقية في القرآن الكريم فيما يتعلّق بقيام ردّة الفعل الحسنة على الفعل الحسن، لا تقتصر على المجتمع الإسلامي وعلى جماعة المسلمين فقط؛ بل يمكن لها أن تُحدث في مجتمعٍ وفي حضارةٍ غير إسلامية أمواجًا من الحسنات، وأنْ تجعل الحضارة في مسارها الحضاري أكثر تحضرًا.

إنّ الأشخاص في المجتمع والحضارة الإسلامية بالإضافة إلى أنّهم يردون على أفعال الخير الصادرة عن الآخرين بأحسن منها، وبذلك تزداد أعمال الخير في المجتمع يومًا بعد يوم، فإنّ الله سبحانه وتعالى يردّ بدوره على كلّ إحسانٍ بأحسن منه، ويجعل فيه النماء والبركة أيضًا. وإنّ هذه النقطة تجعل من الموجات الحضارية للأفعال الحسنة في الحضارة الإسلامية أكثر رسوخًا وثباتًا بكثير. إنّ الفعل الحسن والقول الحسن يتضاعف ويزداد تصاعديًا ـ من خلال الزيادة والبركة التي يجعلها الله سبحانه وتعالى فيهما ـ ويعمل ذلك بطبيعة الحال على تكامل الحقل الحضاري أيضًا. قال الله تعالى:

ـ ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا[1].

ـ ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا[2].

ـ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ[3].

من الجدير ذكره أنّ هذه القاعدة والقانون القرآني المعجز في بناء الحضارة، لا يمكن العثور عليهما في تاريخ الحضارة العلمانية، بل لا يمكن العثور على أثرٍ لهما حتى في الأدبيات والتفكير الحديث أيضًا. إنّ القانون في المجتمع الحديث هو

(74)

الأساس والركيزة في إنجاز أفعال الخير وتنميتها وتكثيرها. وإذا ما تجاوزنا القانون، فإنّ الثقافة العامة لا تستوجب مثل هذه الضرورة في الأخلاقيات بنحو يستشعر كلّ فردٍ من نفسه بالمسؤولية تجاه كلّ أمرٍ حسن، ويرى أنّ عليه أنْ يردّ على إحسان الآخرين إليه بإحسانٍ مماثل، فضلًا عن أنْ يردّه بما هو أحسن وأفضل منه. وأمّا في المجتمع الإسلامي وفي الحضارة الإسلامية، فإنّ كلّ شخصٍ بموجب من دافعه المعرفي والإيماني لا يتخذ موقف الصمت والجمود تجاه ما يحصل عليه من أفعال الخير والإحسان من قبل الآخرين، وإنّما يسعى جاهدًا من أجل العمل على تنميته وتكثيره، ويقوم بتحويل فعل الخير إلى خيراتٍ أكثر بل وأفضل ويقوم بتعميمها على المجتمع أيضًا.

دفع السيئة بالحسنة

إنّ الإعجاز الأخلاقي في القرآن الكريم إنّما يتجلّى في الأبعاد الحضارية، عندما نضيف إلى القاعدة أعلاه، قاعدة «دفع السيئة بالحسنة». ففي المعايير الأخلاقية للحضارة في القرآن الكريم لا يتمّ الاكتفاء بمقابلة الفعل الحسَن بالأحسن والأفضل فحسب، بل ويجب العمل بالإضافة إلى ذلك على دفع السيئة بالحسنة أيضًا. إنّ هذه القاعدة من القواعد الاجتماعية والحضارية الساطعة في القرآن الكريم، تقتضي دفع الفعل القبيح بالفعل الحسن.

ومن الواضح أنّ هذه القاعدة تختلف بالكامل عن العبارة المسيحية المعروفة والتي تقول: «من ضربك على خدّك الأيمن، فدرْ له الأيسر». ففي هذه القاعدة المسيحية يتمّ العمل على إصلاح الفعل القبيح بوساطة مجرّد الصبر والسكوت، (وذلك بطبيعة الحال لو أدّى إلى حمل الفرد الخاطئ على عدم تكرار خطئه)، في حين أنّه في الأدبيات القرآنية يجب القيام في مواجهة الفعل الخاطئ بعملٍ حسنٍ من شأنه أنْ يؤدّي إلى إصلاح الفرد الخاطئ، ولا يعود إلى تكرار فعله القبيح، بل يجب

(75)

أنْ تكون مواجهة الفرد الخاطئ مقرونةً بالإحسان، بحيث لا يندم على اقتراف ما ارتكبه من الفعل القبيح فحسب، بل إنّ الفعل القبيح والسيئ بدلًا من أنْ يوجد تيارًا من السيئات والقبائح، يؤدّي إلى تحقيق سلسلةٍ من الحسنات، وتبلور ردود أفعالٍ حسنةٍ وأحسن. وبعبارةٍ أخرى: من خلال العمل الصالح في قبال الشخص الخاطئ، والإحسان إلى الفرد الذي ارتكب القبيح، يتم تمهيد الطريق إلى إصلاح الفرد والمجتمع، والحيلولة دون تسلل المعاصي إلى المجتمع. ويمكن أخذ هذا المضمون من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ[1]، والتي لا تعمل فيها حسنات الفرد على رفع سيئاته فقط، بل إنّ حسنات الفرد حيث تكون في إطار ردّة الفعل تجاه سيئات الآخرين، فإنّها تستوجب التوبة وترك تلك السيئة من قبل الآخرين أيضًا. لا شكّ في أنّ هذا التفاعل بين السيئة والحسنة يخلق في العلاقات الاجتماعية على المستوى الخاصّ والعامّ حالةً ذات تداعياتٍ بالغة التأثير. وقد ورد هذا المعنى بشكل صريح في الآية الرابعة والثلاثين من سورة فصّلت، إذ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ[2]. وكذلك فقد وردت الإشارة إلى هذا المضمون في الخلاص من شرور المعاصي والسيئات من طريق فعل الحسنات، في كثيرٍ من الآيات، كما في قوله تعالى:

ـ ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ[3].

ـ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ[4].

(76)

وعلى هذا الأساس ففي الرؤية الإسلامية ليس مجرّد التسامح والمداراة وحده هو الذي يسيطر على التضاد والتزاحم بين الأشخاص فقط، بل الأهمّ من ذلك هو العفو والصفح، بل والإحسان إلى الشخص الخاطئ أيضًا. وكذلك فإنّ التسامع في المجتمع الحديث إنّما هو تسامح من أجل السيطرة على العنف والحيلولة دون الأفعال الغاضبة والمتشنجة في المجتمع حيث ينظر الأفراد فيه إلى بعضهم بوصفهم ذئابًا مفترسةً (الاتجاه السلبي)؛ بيد أنّ التسامح في الثقافة الإسلامية، ليس من أجل اتقاء شرور الآخرين، وإنّما في اتجاه العمل على تكريم الآخرين الذين يرزحون في حالةٍ من الخطأ والمعصية، كما لا ينبغي للشخص أنْ يكون بصدد الإسراع والتعجيل في الانتقام وتسهيل العقوبة.

وبالإضافة إلى هذه الخصائص والمعايير الأخلاقية المذكورة آنفًا، يمكن استلهام واستنباط معايير وخصائص أخرى للإنسان النموذجي والإنسان الصانع للحضارة من القرآن الكريم أيضًا. إنّ معيار الإنسان الحديث في الرؤية الحداثيّة عبارةٌ عن «الكرامة الإنسانية»[1]، في حين أنّ الرؤية الإسلامية بالإضافة إلى الكرامة الإنسانية ـ الواردة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ[2]، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ

(78)

أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[1] ـ تعدّ العزّة الإنسانية[2] في غاية الأهمية، وتجعل الإنسان أقرب إلى عتبات الحضارة. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الكرامة قيمةٌ فرديةٌ وفي الحدود الدنيا للإنسان، ولا توصله بالضرورة إلى مستوى «تحقيق الأمّة»؛ في حين أنّ العزّة الإنسانية إنّما تنظر إلى القيمة الاجتماعية في الحدود الإنسانية القصوى، حيث توصله إلى أعتاب التحوّل إلى بناء الأمّة في المجتمع وتجعل منه فاعلًا حضاريًا، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[3]. إنّ مسألة «العزّة» تبعًا لأدبيات وأفكار الغرب ـ للأسف الشديد ـ قلما تمّ الاهتمام بها في موضوعاتنا الأنثروبولوجية وفي أفكارنا الاجتماعية أيضًا. إنّ «العزّة» في المفهوم الغربي الحديث، تعدّ مخالفةً للديمقراطية، كما أنّ العزّة في التفكير المسيحي تأتي على خلاف التواضع[4]؛ ومن هنا فقد تمّت الاستفادة في الأدبيات الأنثروبولوجية الغربية من لفظ «الكرامة» بشكل أكثر بكثير من مصطلح «العزّة». هذا في حين أنّ العزّة في المفهوم الإسلامي لا تعدّ مخالفةً للتواضع ولا مخالفةً للديمقراطية، بل هي من أهمّ المقولات والمفاهيم الإنسانية والاجتماعية، إذ لا ينبغي أخذها بنظر الاعتبار في مقياس المجتمعات الصغيرة فقط، بل هناك كثيرٌ من الأرضيات في مقولة العزّة في الحقل الحضاري، حيث يمكن العمل ـ من خلال تفعيل وتثوير أرضياتها وظرفيتها ـ على جعل العزّة الإنسانية واحدةً من الخصائص المهمة في الحضارة الإسلامية، والعمل بذلك على تحدّي سائر الحضارات[5].

وبالإضافة إلى الإنسان والعزّة الإنسانية، يمكن عدّ موضوع الكوثر والخير

(79)

الكثير بدوره واحدًا من عناصر وخصائص الإنسان الصانع للحضارة، أو المرأة الصانعة للحضارة في الحدّ الأدنى. إنّ المرأة إنّما يمكن لها أنْ تؤدّي دورًا حضاريًا وتعمل على إيصال نفسها إلى الأعتاب الحضارية، فيما لو كان دورًا كبيرًا وعظيمًا (المرأة بوصفها أمّة). ومن الواضح أنّه لا يمكن مشاهدة صيرورة المرأة المسلمة أمّة، إلّا من خلال تحوّل النساء إلى كوثر. ومن ناحية أخرى قد يمكن القول بأنّ المرأة الكوثر لا تؤدّي دورًا في بلورة الحضارة فحسب، بل كلّما كان حجم الازدهار والرقي في حضارةٍ ما أكبر، فإنّ النساء فيه سوف يزدهرن ويرتقين بدورهن على المستوى العملي أيضًا، وإنّ ذات هذا الرقي وكثرة الحسنات وتراكمها هو الذي يعمل على تنمية الإنسانية الوجودية للنساء، ويصنع منهنّ نساءً صانعات للحضارة.

3. الخصائص الاجتماعية للحضارة في القرآن الكريم

إنّ من بين الخصائص والمعايير القرآنية المهمّة في المشروع الديني للحضارة، هو النصح والنصيحة الاجتماعية[1] في مرحلةٍ ما، والأمر بالمعروف[2]، والأمر بالقسط والعدل[3]، والنهي عن «الفحشاء»[4]، و«الفساد»[5]، و«السوء»[6]، و«المنكر»[7] من جهةٍ أخرى. من الواضح جدًا أنّ مثل هذا العنصر في الوحدة الاجتماعية العامّة، مقولةٌ حضاريةٌ تمامًا، وتعدّ شاخصًا ومعيارًا في تقييم مسار الصيرورة الحضارية والدينية لتلك الحضارة. والنقطة المهمة الموجودة في هذا الشأن هي أنّ النصح والنصيحة في الأساس، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة القسط والعدل،

(80)

كلّها مقولاتٌ تحدث بين الناس وفي المهد الثقافي للمجتمع. وفي الحقيقة فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقع بين الناس وأفراد المجتمع؛ كما أنّ عنصر القسط والعدل ليس شيئًا آخر غير الناس أنفسهم. وبعبارةٍ أخرى: إنّ العدالة من هذه الزاوية قبل أنْ تكون منحةً يمنّ بها الساسة والحكّام على المواطنين، إنّما هي هبةٌ يقدّمها الناس إلى بعضهم، إذ يراعون جانب الإنصاف في حقّ بعضهم[1].

إنّ العنصر الآخر الذي يمكن الحديث عنه بوصفه شاخصًا اجتماعيًا في القرآن الكريم، هو الإصلاح بين الناس[2]، أو إرادة الإصلاح في المجتمع، قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا[3]. أو أصل مطلق الإصلاح والعمل على تدارك السيئات والآفات الاجتماعية، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ[4]. لا شكّ في أنّ الإصلاح بين الناس، وبين الشعوب والمجتمعات الإنسانية والإسلامية مقولةٌ دينيةٌ وإسلاميةٌ وقرآنيةٌ تعمل على إزالة الموانع المخلّة بمنظومة العلاقات الإنسانية، كما أنّها تعمل على تسهيل العلاقات الإنسانية في الحضارة. إنّ الإصلاح ـ وذلك في المستويات الاجتماعية العامة بين مختلف المؤسسات والأحزاب والتيارات الكبرى والأديان الإبراهيمية والمذاهب الإسلامية ـ يؤدّي إلى بلورة وتنظيم العلاقات الإنسانية، ويستوجب تحقّق أحداثٍ إنسانيةٍ كبرى في مستوى الحضارة؛ إذ يمكن مشاهدة نموذج ذلك عند الانتقال من المجتمع الجاهلي إلى العصر الإسلامي في تاريخ الإسلام. إنّ بسط هذا المعنى والمفهوم وبيان أبعاده الاجتماعية ونتائجه الثقافية والحضارية، ولا سيّما بالمقارنة مع الحضارة العلمانية في الغرب، يعمل على توضيح الخصائص الدينية الخالصة في حضارةٍ ما ومستقبل

(81)

الحضارة الإسلامية، ويجعل إسلامية الحضارة أمرًا مفهومًا بشكل أكبر.

ويمكن عدّ الشاخص الاجتماعي الآخر في الحضارة ـ من وجهة نظر القرآن الكريم ـ هو الأخوّة الإنسانية، إذ لا يقوم نظام العلاقات الإنسانية والاجتماعية فيه على أساس القانون فقط، بل وعلى أساس التقارب الإنساني (في الأخوّة الإنسانية) والأخوّة الدينية (في الأخوّة الدينية والإسلامية) أيضًا. إنّ الذي من شأنه أنْ يجعل مقولة الأخوّة مفيدةً ومفهومةً، بل ويعمل على تحويلها إلى شاخصٍ ومعيارٍ مهمٍّ في المشروع الحضاري، عبارةٌ عن شمولية الأخوّة الإنسانية وتنمية وتطوير هذه الأخوّة الإنسانية ذاتها ضمن الأخوّة الإسلامية. وبعبارةٍ أوضح: إنّ الأخوّة الإنسانية ـ التي هي أخوّةٌ منبثقةٌ عن المشتركات الإنسانية ـ تعمل من تلقائها على خلق أرضية التناغم والانسجام الاجتماعي العام، وذلك على أساس الفطرة الإنسانية المشتركة. والأهم من ذلك هو أنّ الأخوّة الدينية والإسلامية ليست أخوّةً خارجةً عن أطر الأخوّة الإنسانية؛ بل هي امتدادٌ وتكاملٌ للأخوّة الإنسانية. وفي الحقيقة فإنّه من خلال الاستعانة بالوحي والتعاليم الدينية في الإسلام ومن خلال العمل على تطوير الفطرة تشتدّ الأخوّة بين الناس أولًا، وثانيًا يحصل المسلمون ـ في ضوء التربية الإسلامية ـ على مزيدٍ من الأنس بالأشخاص الآخرين، ويبدأون بإدراك الكرامة والقيمة الإنسانية للأشخاص الآخرين أكثر من ذي قبل.

والمقولة القرآنية الأخرى التي تعدّ من جملة العناصر والخصائص الحصرية للحضارة في الرؤية الإسلامية، هي مقولة التقوى. فعلى الرغم من أنّ التقوى تبدو في النظرة الأولى مسألة فرديةً وباطنية، ولكن بعد التدقيق في الآيات الخاصة بالتقوى ندرك أنّها تنطوي على أبعادٍ اجتماعيةٍ أيضًا، وأنّها تستوجب الحصانة الاجتماعية في مواجهة الأعداء؛ إذ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ

(82)

شَيْئًا[1]، كما تستوجب تحقيق النصر الإلهي المؤزّر، إذ يقول تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ[2]، وتستوجب الرخاء ونزول البركات السماوية والأرضية، إذ يقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ[3] أيضًا. واللافت هو أنّ التقوى في بعض الآيات لا تنحصر بالمسلمين فقط؛ بل يمكن لأهل الكتاب أنْ يكونوا من أهل التقوى أيضًا؛ كما أنّ التقوى في ضوء الآيات الأولى من سورة البقرة ترد بوصفها ظاهرةً تأتي قبل الإيمان وليس بعده. فإنّ التقوى هي التي تعمل على تمهيد أرضيات الإيمان بالكتاب والعمل به. والنقطة المهمة في البين هي إمكان تأسيس التقوى في العقلانية العامة في المجتمع، حيث يمكن لها في ضوء قول مارشال هاجسن أنْ تستوجب الانسجام والهوية والاتحاد في المستويات الحضارية العامة، وتقضي على العناصر المخلّة في النظم الاجتماعي وأنظمة العلاقات الإنسانية. ومن هذه الزاوية لو تبلورت المؤسسات والأنظمة الاجتماعية والدينية على أساس التقوى، سوف يكون لها ماهيةٌ مختلفةٌ عن الآليات الاجتماعية الخاصّة منها إلى الأنظمة التي لا تقوم على أساس التقوى، بل على أساس المعاصي والفساد[4].

(83)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2.  نهج البلاغة. 
  3. إنجيل لوقا، ترجمة فان دايك (SVD: Smith Van Dyck Arabic Bible)

Blue Letter Bible. Accessed Aug, 2024. https://www.blueletterbible.org/verse/svd/luk/16/13/

  1.  إنجيل متی، ترجمة فان دايك (SVD: Smith Van Dyck Arabic Bible)

 Blue Letter Bible. Accessed 17 Aug, 2024. https://www.blueletterbible.org/svd/mat/6/1/ss0/rl0/t_conc_935024

  1. بابائي، حبيب الله، رنج عرفاني و شور اجتماعي، طهران، انتشارات علمي فرهنگي، 1393 هـ.ش.
  2. هومر، اديسة، ترجمه سعید نفیسي، طهران، انتشارات علمي فرهنگي، 1378 هـ.ش.
  3. Lawrence C. Becker, Charlotte B. Becker (editors); Encyclopedia of Ethics; Routledge, 2001.

 

 

 

 

 

(84)

 

 

الأداء الحضاري للقرآن الكريم
 دراسةٌ تمهيديةٌ في حقل الحضارة الإسلامية المتقدّمة[1]

محسن ألويري[2]

إنّ الحديث عن الحضارة يضعنا أمام موضوعين مختلفين، وهما: 1. التراث الحضاري للبشر، 2. الأفق الحضاري للبشر.

إنّ الموضوع الأول يرنو إلى الماضي ويكون ناظرًا إلى ميراث ومكتسبات الأزمنة السابقة، وأمّا الموضوع الثاني فهو ينظر إلى المستقبل وإلى الإبداعات والمعطيات الحضارية الجديدة للبشر. إنّ لكلّ واحدةٍ من هاتين المساحتين مسائلها الخاصة، كما أنّهما تشتركان في بعض المسائل أيضًا. إنّ كيفية تأثير الدين والتعاليم الدينية على بلورة الحضارة، يمكن أنْ يندرج ضمن المسائل المشتركة، ولكن حيث نتحدّث عن الدين الإسلامي ـ على سبيل المثال ـ وننظر إلى الماضي يجب أنْ نتحدّث في إطار التقريرات الخبرية عن دور الإسلام والقرآن في الحضارة الإسلامية المتقدّمة، وعندما ننظر إلى المستقبل، يجب أنْ نبحث في إطار القضايا الإنشائية والمعيارية عن الدور الذي يمكن للإسلام والقرآن أنْ يضطلع به في الحضارة الإسلامية الجديدة.

(85)

لقد سعينا في هذه المقالة ـ من خلال الاستفادة من أسلوب التحقيق السندي، في معرض الإجابة عن السؤال عن الدور الحضاري الذي يؤدّيه النصّ الديني الأهم عند المسلمين ـ إلى إلقاء نظرةٍ عامةٍ على دور القرآن الكريم وموقعه في الحضارة المتقدّمة للمسلمين، والحصول في ضوء نتائجها على عددٍ من القضايا المعيارية بشأن الحضارة الإسلامية الجديدة. وعلى هذا الأساس فإنّ المساحة التحقيقية لهذه المقالة هي الحضارة الإسلامية السابقة للمسلمين التي انعكست على نحو الإجمال في ذلك الإدراك الذهني عن مجموعةٍ من المعطيات الصلبة والمرنة لمجتمع المسلمين الكبير، وتبلورت بشكلٍ متناغمٍ مع المفاهيم الإسلامية، وقامت على أساسها، وتأثّرت بالإسلام إلى حدٍّ كبير، وكانت هي الحضارة الأكبر في العالم على مدى سبعة قرون. وإذا كان هناك من اختلافٍ في أوجه النظر بين العلماء حول جزئيات مثل هذا الفهم عن الحضارة الإسلامية، فإنّ هذا المقدار من الاختلاف بين الآراء لا يؤثّر في بنية هذه المقالة ومحتواها، ومن هنا فإنّنا لن نتوقف عند هذا الموضوع كثيرًا.

دور القرآن الكريم في تكوين الحضارة الإسلامية

من خلال نظرةٍ داخليةٍ، نجد أنّ القرآن الكريم يشتمل على مفاهيم حضارية، يمكن بيانها في إطار ألفاظٍ تشتمل على مفهومٍ حضاري عام، من قبيل: الآثار، والبلد، والتمكّن، والحياة الطبية، والعمران، والتشجيع على الرؤية الحضارية، والقوانين الحاكمة على الحضارات، وتقديم معلومات حول البلدان والأمم ذات التراث الحضاري، وأجزاء حضارةٍ ما، والمظاهر الحضارية، والشخصيات المؤسسة للحضارة أو المدمّرة لها. وكذلك من خلال النظرة الخارجية، نجد أنّ القرآن الكريم بالإضافة إلى التأثير على الروح العامّة للحضارة الإسلامية وتوجهاتها، فإنّه كان مؤثّرًا في المعطيات والمظاهر الحضارية للمسلمين أيضًا. إنّ هذا التصوير الذي تقدّمه

(86)

هذه المقالة يقوم على هذه الفرضية القائلة بأنّ الحضارة ـ كما هو الحال بالنسبة إلى كلّ مجموعةٍ بشريةٍ حيّة ـ بالإضافة إلى ما تشتمل عليه من الأجزاء والأبعاد والأضلاع، فإنّها تشتمل على روحٍ عامّةٍ، إذ تعدّ من الأمور التي تضفي الهوية من خلال إعطاء الأجزاء منطق تركيبها.

لا بدّ من التذكير بأنّ الرؤية الشمولية لهذا المقالة لا تتنافى مع مسألتها المحورية؛ وذلك لأنّ الخطوة الأولى في الموضوعات المستحدثة وذات المساحة الواسعة عبارة عن الحصول على صورةٍ عامّةٍ وشاملةٍ من شأنها العمل على تجسيد شكل الأجزاء الخاصّة والجزئية لمسألةٍ ما، وهذه المقالة لا تدّعي أكثر من ذلك.

أ. تأثير القرآن على الروح العامّة وتوجّهات الحضارة الإسلاميّة

إنّ كلّ حضارةٍ تقوم على سلسلةٍ من المعتقدات والقِيَم، ولا شكّ في أنّ الأديان لمّا كانت تشتمل على هذه المعتقدات والقيَم، فإنّ بإمكانها أنْ تؤدّي دورًا في بلورة الحضارات[1]. وبالإضافة إلى علماء الدين فقد ذهب الباحثون في تاريخ الحضارات من أمثال: ول ديورانت وتوين بي، وحتى المنظرين المعاصرين من أمثال صاموئيل هانتنغتون إلى التصريح بأنّ الأديان تعدّ من الخصائص البارزة والركن الرئيس في الحضارات[2]. وبطبيعة الحال هناك من الباحثين في الشأن الحضاري ـ من أمثال حسين مؤنس ـ من لم يرَ موقعًا للدين في ظهور الحضارة وبقائها[3]. وفي حقل

(87)

الدراسات الميدانية أثبت ماكس فيبر في كتابه المعروف بعنوان (أخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية)، بوضوحٍ تامٍ كيف تأثّرت الحضارة الغربية الحديثة في ضوء محورية النظام الرأسمالي بالأخلاق الدينية للفرق والمذاهب المسيحية البروتستانتية[1]. يمكن لنا أنْ نتوقّع فيما لو تمّ القيام بتحقيقاتٍ في هذا المستوى بشأن سائر الأديان والحضارات الأخرى، فسوف تنتج عنها معطياتٌ ونتائج قيّمةٌ للغاية.

وفيما يتعلّق بتأثير المفاهيم الإسلامية على نسيج الحضارة الإسلامية وروحها، تمّ تقديم دراساتٍ نافعةٍ تُعدّ قيّمةً في نوعها[2]، ولكن لو نظرنا إلى السهم الحضاري للقرآن الكريم بشكلٍ مستقلٍ وعلى نحوٍ خاص، أمكن لنا في تقييمٍ متماهٍ عدّ الأبحاث والتحقيقات المنجزة في هذا الشأن نشاطًا في حدود الخطوات التمهيدية. إنّ كيفية وحجم تأثير القرآن الكريم في الحضارة الإسلامية قد تمّ بحثه من قبل المفكّرين المسلمين بأنحاء مختلفة، وكانت هذه الأبحاث على الدوام تتم بنحوٍ عابرٍ وعامٍّ تقريبًا. لقد تحدّث العلّامة الطباطبائي في الفصل الأول من كتابه القرآن في الإسلام تحت عنوان «قيمة القرآن لدى المسلمين» ـ بعد بيان ثلاث مقدّمات ـ عن كيفية

(88)

تخطيط القرآن لحياة الإنسان منذ انطلاق عزيمة المعتقدات إلى النقطة الغائية من السلوكيات[1]. وبطبيعة الحال فإنّ العلامة الطباطبائي لا يأتي في هذا الكتاب على ذكر عنوان الحضارة، بيد أنّ رؤيته إنّما هي ناظرةٌ إلى كيفية تأثير القرآن الكريم على الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان في الوصول إلى ذروة الكمال. كما أنّه في هامش تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون[2]. قد أشار بنحوٍ خاصّ إلى التربية الإنسانية في القرآن الكريم، التي تقوم على مفاهيم ومعارف خاصة، وبهذه المناسبة يُشير إلى أحد المستشرقين ـ دون ذكر اسمه ـ ويقول إنّه يرى أنّ المعارف الدينية للإسلام لا تعدو أنْ تكون مجرّد مجموعةٍ من الأمور الأخلاقية التي تمثّل الجوهر المشترك لدعوة جميع الأنبياء، ولا يرى صلةً بين هذه المعارف والحضارة التي ظهرت بين أتباع هذا الدين كنتيجة للإسلام. إنّ العلّامة بعد ردّه على هذه النظرية، قد استدلّ على أنّ النتيجة تنبثق عن المقدّمات وأنّ العلامات الخارجية للحضارة الإسلامية، إنّما هي نتيجةٌ طبيعيةٌ للمعارف والمفاهيم التي حصل عليها بُناة هذه الحضارة من الإسلام، وأنّ الدين الذي لم يدعُ الإنسان إلى كماله الحقيقي، لا يمكن أنْ ينطوي على مثل هذه النتائج والمعطيات.

يذهب العلامة الطباطبائي ـ في ضوء هذه القراءة ـ إلى الاعتقاد بأنّ الدين الإسلامي قد دعا عباده الصالحين وجموع العلماء الربانيين وأولياءه المقرّبين، إلى بناء المجتمع الإنساني المتكامل، وأنّ هذا الأمر ذاته المتجذّر في المفاهيم القرآنية الناظرة إلى عبادة الله وحبّ الخير وتفضيل البُعد الربوبي على البُعد البشري، قد عمل على تأسيس نوعٍ خاصٍّ من الحضارة[3].

(89)

وبطبيعة الحال فإنّ السؤال القائل: ما هي الطائفة من المعتقدات والقيَم القرآنية التي كانت بشكل خاصٍ هي الأساس والمبنى للحضارة الإسلامية المتقدّمة؟ هو ـ مثل سائر الأبحاث الأخرى ـ لم يخضع بَعدُ للبحث والتحقيق بشكلٍ واضحٍ وعلى نطاقٍ واسع، بيد أنّ جميع الباحثين والمحقّقين تقريبًا، يستندون في هذا الحقل إلى الموقع المحوري لمفهوم التوحيد والقرآن الكريم. وقد تمّت الإشارة في بعض الأحيان إلى مفاهيم، من قبيل: المعاد، والعدل، وحرية الإنسان، وموقع العلم وأهميته أيضًا[1]. وعلى كلّ حال فإن المسلمين ـ كسائر أتباع الأديان الأخرى ـ قد نظروا بتأثيرٍ من كتابهم الديني المقدّس إلى الحياة بنظرٍ خاص، وعاشوا حياتهم الخاصة، وأقبلوا على نمطٍ خاصٍّ من السلوكيات، وأعرضوا عن الأنماط الأخرى، وأبدوا رغبةً في بناء نوعٍ خاصٍّ من الأسس، وغضّوا الطرف عن الأنواع الأخرى؛ إذ استتبع هذه المجموعة نوعٌ خاصٌّ من الحضارة؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ كيف يمكن تجاهل تأثير المفاهيم القرآنية حول الواجبات والمحرّمات والمستحبات والمكروهات فيما

(90)

يتعلّق بالأطعمة والأشربة، والثياب وأدوات الزينة، والطهارة وما إلى ذلك في الحياة الاجتماعية للمسلمين، وما يستتبع ذلك من إقامة المراكز الحضارية؟

إنّ كلّ حضارةٍ تعمل بالتدريج على بناء قواعدها وأسسها وأبنيتها وأنظمتها ومؤسساتها بتأثيرٍ من عقائدها وقيَمها الجوهرية، وكذلك فيما يتعلّق بالحضارة الإسلامية المتقدّمة كان هذا المسار ذاته متأثرًا بالمفاهيم والتعاليم القرآنية أيضًا. كما يمكن تعميم هذه النقطة حتى على المفاهيم الحضارية للقرآن الكريم والتي سبق لنا أنْ أشرنا إليها أيضًا؛ بمعنى أنّ جهود المسلمين المبذولة من أجل فهم القرآن، تدفع بهم وإنْ على نحوٍ تلقائي وغير مقصودٍ نحو المفاهيم والأبحاث الحضارية في القرآن الكريم؛ من ذلك لو أنّ القرآن ـ على سبيل المثال ـ قد أشار إلى الحضارات السابقة أو الشخصيات التي أسهمت في بناء الحضارات، أو إلى عناصر حضارةٍ ما من قبيل المعادن والصناعات والعلوم، فإنّ هذا الأمر يلفت أنظار المسلمين بشكل طبيعي إلى هذه الظواهر، وإنّ توجّه المسلمين إلى بيئة حياتهم الطبيعية قد شكل في حدّ ذاته بدايةً لسلسلةٍ متواصلة الحلقات من النشاطات العلمية؛ حيث يمكن لنا أن نطلق عليها مصطلح النشاطات الحضارية.

ب. تأثير القرآن الكريم على أجزاء ومظاهر الحضارة الإسلامية

بالإضافة إلى تأثير القرآن الكريم على الروح العامّة للحضارة الإسلامية وتوجهاتها الأساسية، فقد ترك تأثيره على أجزاء ومظاهر الحضارة الإسلامية أيضًا. وفيما يلي سوف نواصل بحث هذا الموضوع ضمن أربعة محاور رئيسة. وبطبيعة الحال فإنّ من بين فرضيات هذه المقالة هو الارتباط الوثيق بين التنمية والتقدّم وبين الحضارة؛ بمعنى أنّ هذين الأمرين ليسا موضوعين مختلفين عن بعضهما تمامًا، وإنّما يكمن الاختلاف بينهما في المؤدّى والنتيجة فقط. فإنّ التقدّم والتنمية مسارٌ يؤدّي إلى الحضارة، وإنّ الحضارة بدورها إنّما هي نتيجةٌ ومؤدّى لهذا المسار. إنّ

(91)

الحضارة تتحقّق من خلال تراكم التنمية، وإنّ التطوّر والتنمية خطواتٌ ومراحل تبلور الحضارة. ونتيجة لذلك لو أنّ آيةً أمكن لها أنْ تعكس رؤية القرآن الكريم في حقل التنمية والتطوّر، فإنّ هذه الآية سوف تصلح في مختلف الموارد؛ لتكون مستندًا لرؤية القرآن الحضارية أيضًا. إنّ المحاور المنشودة في هذا القسم ـ في ضوء نتائج الدراسات الحضارية المتعارفة ـ عبارة عن:

1. تأثير القرآن على العلوم السائدة في رقعة الحضارة الإسلامية.

2. تأثير القرآن على الفنون السائدة في رقعة الحضارة الإسلامية.

3. تأثير القرآن على الفضاءات البيئية لحياة المسلمين في رقعة الحضارة الإسلامية.

4. تأثير القرآن على الحياة الاجتماعية للمسلمين في رقعة الحضارة الإسلامية.

إنّ منطق اختيار هذه المحاور وتجاهل المحاور الأخرى يقوم على أساس التركيز على المساحات الأصلية لمظاهر حضارةٍ ما، ومن بينها الحضارة الإسلامية.

1. تأثير القرآن على العلوم السائدة في رقعة الحضارة الإسلامية

مهما كان تعريفنا للحضارة، فإنّ دور العلم في ظهورها وتواصلها بارزٌ بشكلٍ ملحوظٍ لا يخطؤه النظر. إنّ أحد الاتجاهات في دراسة الحضارة هو الاتجاه الذي يرى السهم الأكبر للعلم، وربما أمكن التعبير عن هذا الاتجاه بالتوأمة بين العلم والحضارة[1]. كما أنّ للعلم منزلةً رفيعةً في منظومة المعارف القرآنية وأنّ كثيرًا من آيات القرآن الكريم قد أثنت على العلم وقامت بتبجيل العلماء[2]. يُضاف إلى ذلك أنّ

(92)

كثيرًا من آيات القرآن الكريم ترتبط بمختلف حقول العلوم، وهناك من يرتقي بعدد الآيات العلمية في القرآن الكريم من (675) آية إلى (1322). وعلى كلّ حال فإنّ بعض الكتّاب والمؤلّفين يذهبون إلى الاعتقاد بأنّ الحركة العلمية الكبرى للمسلمين إنّما كانت بدايتها بتأثيرٍ من هذه المفاهيم القرآنية. فقد عمد العلّامة الطباطبائي إلى تخصيص الفصل الرابع من الفصول الخمسة من كتابه (القرآن في الإسلام) بـ «علاقة القرآن الكريم بالعلوم»[1]. وقال سماحته بعد إطلالةٍ على مفاد بعض آيات القرآن الكريم: «بهذا الشكل الخاص [فإنّ القرآن الكريم] يدعو إلى تعلم العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية والفنون الأدبية، وسائر العلوم التي يمكن أنْ يصل إليها الفكر الإنساني، يحثّ على تعلمها لنفع الإنسانية وإسعاد القوافل البشرية»[2].

يمكن تقسيم دور القرآن الكريم في ظهور العلوم على أساس نوع تأثير القرآن، إلى ثلاثة أقسام:

أ. العلوم التي تأسّست لغرض خدمة القرآن وفهمه: لقد شكل القرآن الكريم نقطة انطلاقٍ لتأسيس علوم من قبيل: قراءة القرآن الكريم، والتجويد، والتفسير، وعلوم اللغة والصرف والنحو، والعلوم الخاصة بالمحسّنات اللفظية والبلاغية. إنّ هذه العلوم قد تمّ التأسيس لها في الأصل من أجل التعرّف على طريقة النطق والتلفظ الصحيح والجميل لألفاظ القرآن، ومعرفة بنية الكلمات القرآنية وتركيبها، ومعرفة تركيبة العبارات القرآنية وصياغتها، والتعرّف الصحيح على معاني القرآن، وعلى الرغم من أنّ بعضها ـ من قبيل: النحو والصرف ـ قد تمّ العمل على تطويرها لاحقًا لتنفصل عن منشئها الأصلي، ويتمّ توظيفها في خدمة فهم اللغة العربية بشكلٍ عام، ولكنّها في الوقت نفسه ظلّت ـ ولا تزال ـ تستند إلى آيات القرآن الكريم،

(93)

وتستشهد بها على نطاقٍ واسع.

وقد صرّح الراغب الإصفهاني في مقدمة كتابه (مفردات ألفاظ القرآن في غريب القرآن)، قائلًا: «ذكرت أن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية، ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيل معنى مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل العلوم المعاونة لمن يريد أنْ يدرك معانيه، كتحصيل اللبن في كونه من أول معاون في بناء ما يريد أن يبنيه»[1]. وإنّ العلوم التي تعدّ اليوم من بين العلوم القرآنية، من قبيل: علم المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، التي كانت في بداية أمرها علوم مستقلة، قد ظهرت بشكلٍ واضحٍ ومباشرٍ بتأثيرٍ من القرآن الكريم[2].

ب. العلوم التي تمّ وضعها خدمة لفهم الدين وكانت على صلةٍ مباشرةٍ وعميقةٍ بالقرآن الكريم: إنّ نقطة بداية هذه الطائفة من العلوم لم تكن من القرآن على نحوٍ مباشرٍ بالضرورة، بيد أنّ هذه العلوم كانت في بدايتها على صلةٍ وثيقةٍ وعميقةٍ بالقرآن في مختلف أقسامها، وكانت مدينةً للقرآن الكريم في مبانيها ومسائلها. ويمكن أنْ نذكر من بين هذه العلوم: علم الكلام، وعلم الأخلاق، وعلم الفقه، وعلم التاريخ، وعلم العرفان، بل وحتى علم الفلسفة أيضًا.

ج. العلوم التي تمّ تأسيسها تلبيةً لاحتياجات المجتمع الإسلامي: إنّ هذه العلوم لم يكن تأسيسها لخدمة فهم القرآن، ولا لفهم الدين، بل كان لها في الغالب

(94)

منشأٌ من خارج الدين، وكانت موجودةً حتى قبل ظهور الإسلام أيضًا، فكانت في الحقيقة من أجل خدمة الناس وناظرة إلى تلبية احتياجاتهم. وهي علوم من قبيل: علم الفلك والهيئة ومواقع النجوم، وعلم الجغرافيا، وعلم الطب، بل ويمكن عدّ حتى الفلسفة والعلوم الأدبية بوصفها من أهم نماذج هذه العلوم أيضًا. وقد كان للقرآن الكريم تأثيرٌ في الحثّ والتشجيع على تعلّم هذه العلوم ونشرها، وقد عمل القرآن على إعادة تعريف مبانيها، بل وقد أوجد لها مسائل مستحدثة أيضًا. قال العلّامة الطباطبائي في كتابه (القرآن في الإسلام) صراحة: «يمكن القول بصراحة إنّ القرآن هو الدافع الأول لاشتغال المسلمين بالعلوم العقلية من طبيعية ورياضية بشكل النقل والترجمة من اللغات الأخرى في البداية، ثم استقلّوا في الاشتغال بها، والابتكار في موضوعاتها، والتفريع في مسائلها، والتحقيق في مباحثها الهامة»[1].

إنّ إحالات واستنادات هذه العلوم إلى القرآن الكريم، والاستفادة من العبارات والمصطلحات القرآنية، من قبيل ما نشاهده في حقل الشعر والأدب العربي والفارسي في توظيف الأيمان والتمثيلات والكنايات والاستعارات والمجازات القرآنية، يمكن أن يكون شاهدًا على تأثير القرآن الكريم في هذه الطائفة من العلوم.

2. تأثير القرآن الكريم على الفنون السائدة في رقعة الحضارة الإسلامية

لو جعلنا تأثير القرآن الكريم في ظهور بعض العلوم، وتأثيره في كيفية استمرار بعضها

(95)

الآخر، من أهم تأثيرات القرآن في المظاهر الحضارية، فلا شكّ في ضرورة الحديث بعد ذلك عن تأثير القرآن الكريم في الفنون الشائعة بين المسلمين أيضًا. وفي هذا الشأن يمكن تقسيم الفنون إلى طائفتين أيضًا، وهما:

أ. الفنون التي ظهرت مباشرة من أجل خدمة القرآن الكريم: إنّ هذه الفنون لم يكن لها في بداية أمرها وفي المرحلة الأولى من ظهورها ـ في الحدّ الأدنى ـ من غايةٍ سوى تقديم القرآن الكريم على نحو أجمل، وإنْ كان بعضها قد اهتم في مراحل تطوّره بموضوعاتٍ أخرى أيضًا. ومن بين أهم وأبرز هذه الفنون هو فن الكتابة، والخطّ، ورسم الحرف القرآني[1]. يذهب الباحثون في الشأن الفني إلى الاعتقاد بأنّه بعد التحوّل الذي شهده الخطّ العربي، ظهرت كتابة القرآن الكريم «على شكل وسيلة إعلامية فنية جميلة ومذهلة»، وإنّ الخطّ العربي ـ الذي كان في خدمة القرآن ـ قد تحوّل من مجرّد كونه وسيلةً للكتابة فقط، ليصبح بعد تلبسه بحُسن الخط من قبل الكاتبين الفنانين إلى أداةٍ فنيةٍ مهمّة[2]. ومن هنا فقد كانت أثمن هديةٍ يمكن لبعض الحكّام والسلاطين أنْ يقدمونها هديةً لوجه الله سبحانه وتعالى، عبارةً عن نسخةٍ من القرآن كُتبت بخطٍّ جميل؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ السلطان الشهير ظهير الدين بابر الغوركاني في الهند، قد كتب القرآن الكريم بخطٍّ جميلٍ وأهداه إلى الكعبة المشرّفة[3].

كما يعدّ فن الزخرفة فرعًا من الفنون التشكيلية ـ حيث يجب التفريق بينه وبين فن التذهيب ـ فهو على الرغم من امتداد جذوره إلى ما قبل الإسلام، فإنّه في المرحلة الإسلامية قد ظهر في الأصل من أجل خدمة القرآن الكريم[4]. حتى قيل إنّ صلاح

(96)

الدين الأيوبي عند استيلائه على مصر، وجد في مكتبة العزيز بالله ـ ثاني خلفاء الدولة الفاطمية ـ ثلاثة آلاف وأربعمائة نسخةٍ من القرآن الكريم، كلّها مكتوبة بخطٍّ جميلٍ بماء الذهب. وما تزال هناك اليوم بعض المتاحف التي تفتخر باحتوائها على كنوزٍ قيّمةٍ من نُسَخ القرآن الخالدة المكتوبة بخطوطٍ جميلةٍ ومذهّبة. كما أنّ كتابة القرآن الكريم على صفائح الذهب والفضة والعاج والأقمشة الحريرية، تُعدّ من الأعمال الفنية الأخرى التي تمّ توظيفها لخدمة القرآن الكريم. يعدّ فن الخطّ من بين التراث القيّم لهذا النوع من الفنون. كما يجب عدّ قراءة القرآن فنًا ـ وليس بوصفه علمًا ـ بمعنى الاستفادة من النغم واللحن والصوت الرخيم في قراءة القرآن ضمن هذه الفنون الخاصّة بالقرآن الكريم أيضًا[1].

ب. الفنون التي كانت في خدمة المجتمع الإسلامي وكانت تستفيد من القرآن الكريم وتستلهم منه: إنّ من أهم هذه الفنون هو فن العمارة وفنون من قبيل الكتابة على جدران المساجد والمآذن، والزخرفة، والنحت، والتصوير، وحياكة السجاد، والصناعات الزجاجية، والموزائيك والخزف، إذ تأتي هذه الفنون في الدرجات التالية. إنّ الاستفادة من الفن التصويري الذي يخلو من الوجوه لتأطير سوَر القرآن الكريم، وفصل السور عن بعضها[2]، والاستفادة الواسعة من الآيات والألفاظ القرآنية في تزيين الأواني الخزفية والصحاف والحفر على الخشب[3]، ونقش عبارة «بسم

(97)

الله الرحمن الرحيم» على المقابض الفولاذية في الأبواب[1]، وكتابة آيات القرآن على الزجاج[2]، وكتابة الآيات القرآنية على نطاقٍ واسعٍ في الأضرحة الخشبية، والكتابات على الأبواب والأروقة وجدران المساجد والمحاريب والمزارات والمكتبات والمراصد وحتى القصور، وكذلك الكتابة على الخشب وعلى الأواني النحاسية والفضية، وما إلى ذلك من الفنون المرتبطة بنحوٍ وآخر بالكتابة والتصوير، تجسّد بأجمعها تأثير القرآن على الحضارة الإسلامية[3].

وكذلك في الفنون المذهبية من قبيل التعزية والمأتم كانت تقرأ في السابق بعض القصص القرآنية ـ من قبيل: قصة هابيل وقابيل، وإلقاء النبي إبراهيم عليه‌السلام في النار (محاضرتان مختلفتان)، وذبح النبي إسماعيل عليه‌السلام ، وقصة النبي أيوب عليه‌السلام ، وقصّة النبي يحيى بن زكرياعليه‌السلام ، وقصة النبي زكرياعليه‌السلام ، وقصة النبي سليمان عليه‌السلام وبلقيس، وسرقة خاتم النبي سليمان، وأربع محاضراتٍ مختلفاتٍ حول مختلف مراحل حياة النبي يوسف عليه‌السلام ـ على شكل تعزية[4]. ويرى ألك غرابار أنّ الآية الثالثة والثلاثين من سورة

(98)

فاطر[1]، والآيات الخامسة عشرة إلى السابعة عشرة[2]، والآية الحادية والعشرين من سورة النساء[3]، كانت ملهمةً للفنانين الإيرانيين في رسم الكواعب من الحور العين في الجنة وهن يرفلن بأثوابهن الزاهية ويحملن الأواني والأطباق على أيديهن؛ إذ أمكن لهؤلاء الفنانين تصوير الجنة من خلال الاستعانة بالنماذج الدنيوية[4]. وقد ذهب بعض الكُتّاب إلى عدّ الآيات الحادية والثلاثين والثانية والثلاثين من سورة الأعراف[5]، والآيات من الآية الخامسة إلى الثامنة من سورة النحل[6]، بوصفها بداية للفن الإسلامي بدعوة من القرآن الكريم إلى الاهتمام بعنصر الجمال والزينة[7]. وعلى الرغم من صعوبة إثبات هذه النقطة من الناحية التاريخية، ولكن يمكن القول ـ في الحدّ الأدنى ـ إنّ هذه الآيات كان لها دورٌ في إقبال المسلمين على هذه الفنون والعمل على تطويرها.

3. تأثير القرآن على الفضاءات البيئية لحياة المسلمين في رقعة الحضارة الإسلاميّة

أمّا التأثير الثالث للقرآن الكريم على مظاهر الحضارة الإسلامية، فيجب العثور

(99)

عليه في تأثير القرآن على البيئة التشريحيّة للمدن والقرى والمناطق التي يقطنها المسلمون. إنّ العمارة فنٌّ يتمّ استعماله وتوظيفه في البيئة التشريحية، ومرادنا من البيئة التشريحية هنا هي الأبنية التي تقوم على مساحة الحضارة الإسلامية وتركيبة الفضاء المدني، ومن هنا فإنّها تختلف عن العمران. ويمكن تقسيم هذه الأبنية إلى قسمين رئيسين، وهما:

1. الأبنية التي تُتّخذ لخدمة القرآن مباشرة، من قبيل دور القرآن التي يتمّ بناؤها وتأسيسها في الأصل لغرض تعليم القرآن الكريم ولا سيّما قراءته وتلاوته. كما يمكن لنا تسمية بوابات القرآن كنماذج ومصاديق لهذا العنوان أيضًا.

2. الطائفة الأخرى من الأبنية هي التي يتمّ تأسيها لغرض خدمة المسلمين وتلبية احتياجاتهم العامة، ويكون جانبٌ منها متأثّرًا بالقرآن الكريم ومفاهيمه أيضًا. والمثال الأهم في هذا الشأن هو المدن نفسها التي تتأثر في الغالب بالتعاليم القرآنية؛ إذ يتمّ بناء المساجد في وسطها، أو بتأثيرٍ من التعاليم والمفاهيم الدينية يتمّ بناء المدارس في النقطة المركزية من المدن أو إلى جوار أو داخل الأسواق[1]. كما يأتي بناء الأوقاف من قبيل: المدارس، والمستشفيات، وغسل أثاث المنازل، ومياه الإسالة داخل المدن، والمغتسلات لغسل الموتى وتجهيزهم، حيث يأتي ذلك بتأثير من المفاهيم القرآنية، ولا سيما في مجال الوقف. كما يتمّ بحث بناء المقابر وجهتها في هذا الإطار أيضًا.

4. تأثير القرآن على الحياة الاجتماعية للمسلمين في رقعة الحضارة الإسلامية

أمّا التأثير الرابع والأخير للقرآن الكريم على المظاهر الحضارية من الحضارة الإسلامية، فيجب البحث عنه في الحياة الاجتماعية للمسلمين وأساليب حياتهم.

(100)

إنّ هذا التأثير ـ الذي قلّما تمّ الالتفات له بالقياس إلى المحاور الأخرى، يحتوي على مساحةٍ واسعةٍ للأبحاث التاريخية الحديثة ـ ينقسم إلى أقسام مختلفة، ومن بينها:

أ. ظهور طبقات اجتماعية جديدة: إنّ من بين النتائج الاجتماعية للقرآن الكريم ظهور طبقاتٍ وشرائح اجتماعيٍة جديدةٍ في المجتمع الإسلامي؛ حيث يكون لهذه الشرائح والطبقات تبعيةٌ تامّةٌ للقرآن الكريم. من أمثال طبقات: القرّاء والحفّاظ، والمدرّسين والمفسّرين للقرآن؛ إذ كان لكلّ واحدةٍ من هذه الطبقات مكانةٌ اجتماعيةٌ خاصّةٌ في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي، فيمكن للتحقيق والبحث في هذا الشأن أنْ يفتح أمام الباحثين والمحقّقين آفاقًا جديدةً لإثبات الدور الخلّاق للقرآن الكريم في الحضارة الإسلامية.

ب. ظهور فرص عملٍ ومراكز ربحيةٍ جديدة: لقد كان القرآن الكريم منشأ لظهور أو اتّساع بعض الأعمال والمراكز الربحية في الحضارة الإسلامية. وإنّ من أبرز المصاديق في هذا الشأن شراء المصحف الشريف وبيعه ـ أو إهدائه ـ إذ كان على الدوام يحتلّ مرتبة أكثر الكتب الدينية مبيعًا على الإطلاق. بالإضافة إلى ازدهار صناعة التجليد والتغليف واستنساخ القرآن الكريم حتى ما قبل ظهور صناعة الطباعة، إذ كان الجزء الأكبر من نشاط الصحفيين والوراقين والنسّاخ يختصّ بالانصراف إلى هذا الشأن. وعلى الرغم من تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم استنادًا إلى بعض الروايات الواردة في حرمة التكسّب بالقرآن، لا يمكن عدّ تعليم القرآن شغلًا ومهنة، ولكن مع ذلك ليس هناك من شكٍّ في أنّ تعليم القرآن الكريم قد تجلّى على شكل مؤسّسةٍ ربحية؛ إذ كان أساتذة القرآن يحظون على الدوام وبمختلف الأشكال بدعمٍ ماليّ لا بأس به من قبل حتى الطبقات الفقيرة والمحرومة في المجتمع. كما يمكن الاستشهاد في هذا الشأن بتخصيص جانبٍ من الموقوفات لقراءة القرآن الكريم وتلاوته في المزارات أو إلى جوار أضرحة الشخصيات الكبيرة،

(101)

بوصفه من المصاديق والموارد الأخرى في هذا الشأن بالإضافة إلى عشرات الأمثلة الأخرى من النصوص التاريخية. وقد كانت قراءة القرآن في المزارات وفي مجالس الفواتح وفي بعض المناسبات والمحافل الهامّة بإزاء مبلغٍ من المال، أمرًا شائعًا إلى الآن منذ أزمنة ضاربة في القِدم.

ج. ظهور قوانين وقرارات خاصة: إنّ بعض القوانين الشائعة بين المسلمين، ولا سيّما فيما يتعلق بالحقوق المدنية والحقوق الجزائية، مقتبسةٌ من القرآن الكريم مباشرة. فإنّ أسلوب المسلمين وطريقتهم في تقسيم الإرث، والعقوبات على بعض الجرائم والجُنَح من قبيل السرقة، وإقامة القصاص على المجرمين، وكيفية النكاح، وحدود الحرمة وعدم الحرمة في الارتباط بين النساء والرجال، وبعض قوانين البيع والشراء، وما إلى ذلك إنّما تُستلهم من القرآن الكريم.

د. تبلور بعض التقاليد والعادات الخاصة: إنّ بعض التقاليد والأعراف الشائعة بين المسلمين، إنّما كانت بتأثيرٍ من المنزلة العظيمة والمقدّسة التي يحظى بها القرآن الكريم عند المسلمين؛ إذ كان المسلمون ولا يزالون يرون ربط جميع سلوكياتهم أو جزءٍ كبيرٍ منها في التبرك بهذا الكتاب السماوي، ويمكن ـ على سبيل المثال ـ ذكر الأمثلة أدناه بوصفها نماذج لهذا النوع من الأعراف والتقاليد التي كانت سائرةً في الماضي وما تزال قائمةً حتى الآن، وهي من قبيل: عدم مسّ القرآن من دون وضوء أو طهارة، وعدّ القرآن جزءًا من صداق المرأة، ووضع القرآن مع المرآة وإدخالهما إلى البيت الجديد معًا، وإهداء القرآن الكريم في المناسبات المهمّة والخاصة، وتوديع المسافر إلى المفازات والأماكن الخطيرة بوضع القرآن فوق رأسه والمرور من تحته عند الخروج من الباب، وتلاوة القرآن عند المحتضر أو عند جنازة المتوفى، ورفع المصاحف فوق الرؤوس في أعمال ليلة القدر بالنسبة إلى المجالس الخاصّة بأتباع أهل البيت عليهم‌السلام، وختم القرآن بوصفه شعيرة عبادية، ووضع القرآن الكريم كله

(102)

أو بعضه ضمن تعويذة؛ اعتقادًا بخصائص بعض آيات القرآن، ومن بينها قراءة الآية الثانية والستين من سورة النمل المباركة[1] خمس مرّات أو عشر مرّات لقضاء الحوائج، وقراءة الآية التاسعة من سورة الكهف[2] لطرد العين، وقراءة سورة الحمد لشفاء المرضى، وقراءة الآيات الحادية والخمسين والثانية والخمسين من سورة القلم إبعادًا للتأثير السلبي لأعين الحاسدين[3]. كما يمكن وضع القسَم بالقرآن الكريم على الأمور الجليلة والمهمة ضمن هذه الفئة من الآداب والتقاليد أيضًا.

وإنّ بعض هذه الآداب والأعراف تعود بجذورها إلى منشأ ديني، بمعنى أنّ المعصومين عليهم‌السلام هم الذين أمروا بها، من قبيل: وجوب الطهارة عند وضع اليد على ألفاظ القرآن الكريم[4]، وتلاوة القرآن الكريم عند جنازة المتوفى[5]، ووضع القرآن فوق الرؤوس في ليالي القدر استنادًا إلى المأثور عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام[6]. وأمّا بعضها الآخر فهي من صنع المسلمين. ومن هنا فإنّها تعرف في الغالب بوصفها تقاليد محلية، وليست شائعةً في عموم البلدان الإسلامية في العالم بالضرورة.

هـ. التأثير في حياة المسلمين اليومية: بالإضافة إلى ما تقدّم فإنّ القرآن له حضورٌ ثابتٌ في الحياة اليومية للمسلمين. ومن بين أهم الأمثلة والنماذج في هذا الشأن: تلاوة القرآن يوميًا، وقد كان هذا الأمر هو السبب في تقسيم القرآن الكريم إلى أجزاء وإلى أحزاب، والاستفادة من بعض ألفاظ القرآن الكريم وتعبيراته في الحوارات الشائعة،

(103)

من قبيل قول بعضهم: «لنقرأ عليه الفاتحة»، كنايةً عن انتهاء أمره، وقراءة سورة الفاتحة لغفران ذنوب الموتى، والأيمان والأقسام الصحيحة والاعتباطية بالقرآن وأجزائه الثلاثين في الحوارات اليومية، وإظهار الاحترام الخاص بالنسبة إلى الذين يهتمون في الشأن القرآني، وذكر قول «بسم الله الرحمن الرحيم» عند البدء بكلّ أمر، ولا سيّما عند الخروج من البيت، أو عند الشروع في تناول الطعام وشرب الماء.

إنّ مصادر التاريخ الاجتماعي للمسلمين على شتى مذاهبهم وطوائفهم المتنوّعة، زاخرةٌ بالأمثال والشواهد الدالة على تأثير القرآن الكريم في حياة المسلمين الاجتماعية. وإنّ أهم هذه المصادر التواريخ المحلية، ورحلات المسلمين، ورحلات السائحين الأجانب، والسيَر الذاتية المكتوبة بأقلامٍ داخليةٍ وخارجية، والنصوص الأدبية الأعمّ من المواعظ والمستطرفات والدواوين الشعرية والنصوص الفقهية. كما يمكن الحصول على نماذج وأمثلةٍ مهمّةٍ في هذا الشأن من الآثار التي يتم تأليفها في المرحلة المعاصرة تحت عنوان التاريخ الاجتماعي والتاريخ الثقافي، وثقافة العامة والأنثروبولجيا الثقافية أيضًا. وبسبب الزيادة النسبية لهذا النوع من المصادر، وضرورة رعاية الاختصار في هذه المقالة، نكتفي بما تقدّم من النماذج.

النتيجة

إنّ ما تقدّم قد أثبت أنّ القرآن الكريم بالإضافة إلى توجيه وتعيين الروح العامّة للحضارة الإسلامية، كان مؤثّرًا على المظاهر الحضارية ـ ولا سيّما منها المساحات الأربعة المتمثلة بالعلم، والفن، والعمارة، والحياة الاجتماعية للمسلمين ـ أيضًا. لقد كشفت هذه الدراسة التمهيدية كيف أمكن للقرآن الكريم ابتداءً من صورته الظاهرية وألفاظه وصولًا إلى مفاهيمه ومعاني آياته أنْ يؤثّر في جميع تلك الأبعاد والطبقات الواضحة والكامنة من الحضارة الإسلامية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ القرآن

(104)

الكريم من خلال ألفاظه الواضحة والعذبة واللامتناهية في العمق، بالإضافة إلى النشاطات الفردية وتربية الأشخاص الصالحين والطالبين للكمال، قد تمكّن في البعد الاجتماعي من بناء المجتمع المتكامل والحيوي، فاستطاع تحقيق الحضارة لنفسه في مدّةٍ قياسيةٍ قصيرة. وعلى حدّ تعبير العلّامة الطباطبائي رحمه‌الله: «من الواضح أنّ مدنية الإسلام التي شملت مساحةً كبيرةً من الكرة الأرضية بعد رحيل النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث كان لها الحكم المطلق عليها ... هي مجرّد أثرٍ واحدٍ من آثار القرآن الكريم، وإنْ كنّا ـ بوصفنا من الشيعة ـ نعارض سياسة الخلفاء وسائر الملوك بسبب تهاونهم وتقصيرهم في بيان الحقائق وتطبيق القوانين الإسلامية، ولكنّنا مع ذلك نعتقد أنّ هذا المقدار من الإنجاز الذي تمّ تحقيقه إنّما كان في ضوء الإسلام، وإنّ ما شعّ على العالم من نور في هذه المعمورة إنّما كان من شمس القرآن حقًا»[1].

إذا كان القرآن الكريم هو الذي أدّى إلى إيجاد الحضارة الإسلامية المتقدّمة؛ إذًا يمكن القول إنّ نقطة بداية توقّف وجمود الحضارة الإسلامية بدورها كانت بفعل تهميش وإبعاد التعاليم القرآنية عن مسرح الحياة الاجتماعية، وحصرها بدائرة المسائل الفكرية غير المرتبطة بواقع الاحتياجات الاجتماعية في المجتمع. وعلى هذا الأساس إذا كانت التعاليم الحضارية للقرآن خالدةً مثل القرآن نفسه، يمكن لهذه التعاليم حاليًا أنْ تعاد قراءتها وفهمها بما يتناسب والاحتياجات الجديدة، وإذا كانت هناك من تجربةٍ ناجحةٍ للقرآن الكريم في الاضطلاع بدورٍ في الساحة الاجتماعية والبناء الحضاري، كذلك يمكن لهذا القرآن حاليًا بما يشتمل عليه من المفاهيم المحفوظة أنْ يكون منشأ للتحوّل العميق والشامل أيضًا. إنّ المسلمين الذين يقفون الآن على منعطفٍ تاريخيّ كبير من التحوّل الحضاري، يمكنهم من خلال العودة إلى القرآن الكريم مجددًا، وجعله هو المحور، ولا سيّما بالنسبة إلى العلوم والفنون

(105)

والبيئة والحياة الاجتماعية، أنْ يمهّدوا الأرضيّة بأنفسهم ليعود القرآن الكريم هو المحور في الحضارة الإسلامية الجديدة. ولا شكّ في أنّ إعادة البحث في التجربة الماضية للمسلمين، من شأنها أنْ تعمل على صيانتنا من الوقوع في الآفات الماثلة أمامنا في هذا الطريق.

 

(106)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
  3. ابن هشام الأنصاري، جمال الدين، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، حقّقه وعلّق عليه: مازن المبارك، محمد علي حمد الله، سعيد الأفغاني، بيروت، 1979 م.
  4. اتينگهاوزن، ريچارد، گرابر ألگ، هنر و معماري اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: يعقوب آژند، طهران، انتشارات سمت، 1378 هـ.ش.
  5. بازرگان، مهدي، دين و تمدّن، طهران، انتشارات مؤسسة بعثت، بلاتاريخ.
  6. بجنوردي، كاظم موسوي (إشراف)، دائرة المعارف بزرگ اسلامي، طهران، مركز دائرة المعارف بزرگ اسلامي، 1377 هـ.ش.
  7. بلخاري قهي، حسن، سرگذشت هنر در تمدّن اسلامي، طهران، انتشارات حسن أفرا، 1382 هـ.ش.
  8. بوركهارت، تيتوس، هنر اسلامي: زبان و ادبيات، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مسعود رجب نيا، طهران، انتشارات سروش، 1365 هـ.ش.
  9. بورلو، ژوزف، تمدن اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أسد الله علوي، مشهد، بنياد پژوهش‌هاي اسلامي، 1386 هـ.ش.
  10. بوكاي، موريس، مقايسه‌اي ميان تورات انجيل قرآن و علم، ترجمه إلى اللغة الفارسية: ذبيح الله دبير، طهران، دفتر نشر فرهنگ اسلامي، ط 4، 1368 هـ.ش.
  11. بهجت پور، عبد الكريم، درآمدي بر اصول تحول فرهنگي با الهام از نزول تدريجي قرآن، قم، انتشارات بوستان كتاب، 1388 هـ.ش.
  12. بيضون، لبيب وجيه، الإعجاز العلمي في القرآن، بیروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1424 هـ / 2003 م.
(107)
  1. پرايس، كريستين، تاريخ هنر اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مسعود رجب نيا، طهران، بنگاه ترجمه و نشر كتاب، 1347 هـ.ش.
  2. ترنر، برايان، وبر و اسلام (با پانوشت‌هاي انتقادي و مقدمه‌اي بر جامعه‌شناسي ماكس وبر)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسين بستان، وعلي سليمي، وعبد الرضا علي‌زاده، قم، پژوهشكده حوزه و دانشگاه، 1380 هـ.ش.
  3. جعفري، محمد تقي، قرآن نماد حيات معقول، إعداد: علي جعفري وكريم فيضي، طهران، مؤسسة تدوين و نشر آثار علامه جعفري، 1384 هـ.ش.
  4. جفري، آرتور، واژه‌هاي دخيل در قرآن مجيد، ترجمه إلى اللغة الفارسية: فريدون بدره‌اي، طهران، انتشارات توس، ط 2، 1386 هـ.ش.
  5. الحبال، محمد جميل، الجواري، مقداد مرعي، العلوم في القرآن: منهاج تربوي للدراسة والتطبيق، تقديم: عماد الدين خليل، بیروت، دار النفائس، 1418 هـ / 1998 م.
  6. حتي، فيليب ك.، تاريخ عرب، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أبو القاسم پاينده، تبریز، كتاب فروشي محمد باقر كتابجي حقيقت بالتعاون مع مؤسسة فرانكلين، 1344 هـ.ش.
  7. حداد عادل، غلام علي (إشراف)، دانشنامه جهان اسلام، طهران، بنياد دائرة المعارف اسلامي، 1380 هـ.ش.
  8. الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم، مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام، 1409 هـ.
  9. حكمت، علي أصغر، سرزمين هند، طهران، دانشگاه طهران، 1377 هـ.ش.
  10. حكيمي، محمد رضا،پيام جاودانه: سخني چند پيرامون قرآن كريم و آفاق آن، قم، انتشارات دليل ما، ط 2، 1388 هـ.ش.
  11. الحلي (المحقق)، نجم الدين جعفر بن الحسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، انتشارات إسماعيليان، ط 2، قم، 1408 هـ.
  12. حکيم، سید منذر، «تاريخ‌نگري و تاريخ‌نگاري در قرآن كريم»، كتاب روش، العدد: 2 ـ 3، 1383 هـ.ش.
(108)
  1. خاكرند، شكرالله؛ أصغر منتظر القائم، ومحمد علي چلونگر، «پيامبر اسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و جهان‌بيني تمدن‌ساز ديني»، مجلة انديشه ديني، العدد: 22، 1386 هـ.ش.
  2. خرمشاهي، بهاء الدين، قرآن‌شناخت: مباحثي در فرهنگ‌آفريني قرآن، طهران، انتشارات طرح نو، ط 5، 1379 هـ.ش.
  3. خزائي، محمد، مجموعه مقالات اولين همايش هنر اسلامي، طهران، مؤسسه مطالعات هنر اسلامي، 1381 هـ.ش.
  4. الخطيب، سليمان، أسس مفهوم الحضارة في الإسلام، القاهرة، دار الزهراء للإعلام العربي، 1406 هـ / 1986 م.
  5. دورانت، ويليام جيمس، تاريخ تمدن (عصر الإيمان، القسم الأول)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أبو طالب صارمي، أو القاسم پاينده، أبو القاسم طاهري، طهران، شركت انتشارات علمي و فرهنگي، ط 4، 1373 هـ.ش.
  6. الراغب الإصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن في غريب القرآن، تحقيق: محمد سيد كيلاني، طهران، المكتبة المرتضوية، ط 2، 1362 هـ.ش.
  7. رايس، ديويد تالبوت، هنر اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: ماه ملك بهار، طهران، شركت انتشارات علمي و فرهنگي، ط 1، 1375 هـ.ش.
  8. رضائي إصفهاني، محمد علي، دانشنامه ميان‌رشته‌اي قرآن و علوم، پژوهش‌هاي تفسير و علوم قرآن، 1392 هـ.ش.
  9. الرفاعي، أنور، تاريخ هنر در سرزمين‌هاي اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد الرحيم قنوات، مشهد، جهاد دانشگاهي مشهد، 1377 هـ.ش.
  10. رفيعي محمدي، ناصر، تفسير علمي قرآن، قم، مركز مديريت حوزه علميه قم، 1381 هـ.ش.
  11. رئيس السادات، حسين، «دين و تمدن»، مجلة مشكاة، العد: 22، 1368 هـ.ش.
  12. زرّين كوب، عبد الحسين، كارنامه اسلام، طهران، انتشارات أمير كبير، 1382 هـ.ش.
  13. سرمدي، محمد تقي، پژوهشي در تاريخ پزشكي و درمان جهان از آغاز تا عصر حاضر، طهران، انتشارات سرمدي، 1377 هـ.ش.
(109)
  1. صافي، محمود بن عبد الرحيم، الجدول في إعراب القرآن، دمشق / بيروت، دار الرشيد / مؤسسة الإيمان، ط 4، 1418 هـ.
  2. الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، انتشارات جامعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، 1417 هـ.
  3. ــــــــــــــــ، قرآن در اسلام (القرآن في الإسلام)، مشهد، انتشارات طلوع.
  4. الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، الأمالي، قم، دار الثقافة، 1414 هـ.
  5. عبد الباقي، محمد فؤاد، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، القاهرة، دار الكتب المصرية، 1364 هـ.
  6. عرب، محمد حسن، دانشنامه اماكن جغرافيائي قرآن مجيد، طهران، فرهنگ مكتوب، 1387 هـ.ش.
  7. قراگوزلو، محمد، «هنوز نپرسيده‌ايم كه چرا قرآن از ظهور و سقوط تمدن‌ها سخن مي‌گويد»، (حوار)، مجلة گلستان قرآن، الدورة الجديدة، العدد: 37، 1379 هـ.ش.
  8. گرابار، الگ، «هنر، معماري و قرآن»، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن رضائي هفتادر، مجلة اسلام پژوهي، العدد: 1، 1384 هـ.ش.
  9. لوبون، گوستاو، تمدن اسلام و عرب، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيد محمد تقي فخر داعي گيلاني، بنگاه مطبوعاتي علي أكبر علمي، ط 4، 1334 هـ.ش.
  10. المدرسي، السيد محمد تقي، من هدى القرآن، طهران، دار محبي الحسين، ط 1، 1419 هـ.
  11. ــــــــــــــــ، اصول و پايه‌هاي تمدن اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد صادق پارسا، طهران، انتشارات محبان الحسين، 1379 هـ.ش.
  12. المرزوقي، أبو يعرب، وحسن حنفي، النظر والعمل والمأزق الحضاري العربي والإسلامي الراهن، بيروت / دمشق، دار الفكر المعاصر / دار الفكر، 2003 م.
  13. مروة، يوسف، العلوم الطبيعية في القرآن، بیروت، انتشارات مروة العلمية، 1387 هـ.
  14. المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، بنگاه ترجمه و نشر كتاب، طهران، 1360 هـ.ش.
(110)
  1. ملازاده، كاظم، ومريم محمدي، بناهاي عام المنفعة، طهران، سازمان تبليغات حوزه هنري، 1379 هـ.ش.
  2. ملا صالحي، حكمت الله، «قرآن و بازآفريني تاريخ»، مجلة كيهان فرهنگي، العدد: 244 ـ 245، 1385 هـ.ش.
  3. مهاجر، روح الله، «هنر قراءت قرآن»، مجلة گلستان قرآن، العدد: 116، 1381 هـ.ش.
  4. مهدي، ناصر، الإعجاز العلمي في القرآن، تقديم: السيد محمد حسين فضل الله، بیروت، دار الروضة، 1414 هـ.
  5. مهنا، إيناس صباح، منطق الحضارة عند عبد العزيز الدوري، بیروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2008 م.
  6. مؤنس، حسين، الحضارة؛ دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطوّرها، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1419 هـ / 1998 م.
  7. ميرجليلي، علي محمد، تأثير قرآن در پيدايش علوم ادبي، قم، انتشارات بوستان كتاب، 1389 هـ.ش.
  8. ميكل، آندره (بالتعاون مع هنري لوران)، اسلام و تمدن اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن فروغي، طهران، انتشارات سمت، 1381 هـ.ش.
  9. نصر، حسين، علم و تمدن در اسلام، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد آرام، طهران، شركت انتشارات علمي و فرهنگي، 1384 هـ.ش.
  10. نلسون، كريستينا، هنر قراءت قرآن، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد رضا ستوده نيا وزهرا جان نثاري لاداني، طهران، انتشارات زمان نو، 1389 هـ.ش.
  11. نور محمدي، غلام رضا، وغلام رضا واشيان، منبع شناسي قرآن و طب، قرآن و علم، العدد: 11، 1391 هـ.ش.
  12. وبر، ماكس، اخلاق بروتستان و روح سرمايه‌داري، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد المعبود انصاري، طهران، انتشارات سمت، 1374 هـ.ش.
  13. ويلسون، إيوا، طرح‌هاي اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد رضا رياضي، طهران، انتشارات سمت، ط 1، 1377 هـ.ش.
(111)
  1. هانتينگتون، ساموئل ب.، تمدن‌ها و بازسازي نظام جهاني، ترجمته إلى اللغة الفارسية: مينو سرتيپ أحمدي، طهران، انتشارات كتاب سرا، 1380 هـ.ش.
  2. هميمي، زكريا، الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، القاهرة، مكتبة مدبولي، 2002 م.
  3. ياريان، مجيد، «دين و تمدّن»، پژوهش‌نامه انقلاب اسلامي، العدد: 14، 1387 هـ.ش.
  4. Nelson, Kristina, The Art of Reciting The Quran, Cairo: The American University in Cairo Press, 2001.

 

 

(112)

 

 

مفهوم المهدوية والحضارة الإسلامية الحديثة[1]

محسن ألويري

إنّ فرضية الحديث عن مفهوم المهدوية وموقعها وتأثيرها في الحضارة الإسلامية، هي الاعتقاد بتأثير التعاليم الدينية في الحضارة. ويمكن تصوّر هذا التأثير في بُعدين، وهما: البُعد الخاص والجزئي، والبُعد العام والكلي. ليس هناك من شكٍّ في التأثير الجزئي والخاص للتعاليم الدينية في الحضارة. إنّ التأثر المباشر وغير المباشر للمظاهر والظواهر الحضارية ـ من قبيل: العمران والآثار العلمية والسلوكيات الاجتماعية، والآداب والتقاليد والمناسك ـ على التعاليم الدينية في كلّ حضارة، يمكن مشاهدته بوضوح، وإنّ الذي يرتبط بالحضارة الإسلامية، قد تمّ تخصيص حجمٍ ملحوظٍ من المطالب المكتوبة حول هذه الحضارة بهذه الظواهر والمظاهر المتأثّرة بالإسلام. إنّ البُعد الآخر من أبعاد تأثير الدين على الحضارة هو البُعد المرتبط بالأسس الفكرية من الحضارة والتي يعمل الدين في ضوئها على وضع الأسس والروح الحاكمة على الحضارة المنشودة وتوجهاتها الأصلية، وبذلك فإنّها تكون من قبيل الدماء التي يتمّ ضخها في عروق الكائن الحي، وتنفخ فيه الروح التي تمنح الكائن الحي هويته وكينونته في جميع أبعاد الحضارة وطبقاتها وأجزائها، وتلقي بظلالها عليها.

وربما كانت الأسبقية والريادة في توجيه الاهتمام بالهوية التي يضفيها الدين على

(113)

الحضارة من بين المفكّرين المعاصرين تعود إلى ماكس فيبر (1920 م)[1]. فقد عمد هذا المفكّر في كتابه الشهير تحت عنوان (الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية)[2] ـ من خلال رؤيته الثاقبة والدقيقة ـ إلى إثبات كيف كان النظام الرأسمالي ـ الذي يمثّل جبلّة الحضارة الغربية ـ متأثّرًا بالأخلاقيات الدينية لمختلف الفرق المسيحية البروتستانتية، من قبيل: الكالفينية[3]، والتقويّة[4]، والميثودية (المنهجية)[5]، والحركة المعمدانية[6]. [7] وإنْ كان هناك من المفكّرين من أمثال حسين مؤنس من رأى في أبحاثه ودراساته النظرية مكانةً بارزةً للدين في تبلور واستمرار الحضارة[8]؛ هناك في المقابل آراء لمنظرين وباحثين في تاريخ الحضارة من أمثال ويل ديورانت وتوين بي، وحتى المنظرين المعاصرين، من أمثال صاموئيل ب. هانتينغتون ـ الذي يذهب صراحة إلى القول بأنّ الأديان تمثّل الخصوصية الأصلية والواضحة والركيزة الأصلية للحضارات[9] ـ قد خلقت أرضية لبحث هذا الموضوع.

فيما يتعلّق بتأثير المفاهيم الإسلامية على نسيج الحضارة الإسلامية وروحها، فقد قام عددٌ من المفكّرين بدراساتٍ نافعةٍ حول ذلك، ولكن ليس هناك متّسعٌ

(114)

مناسبٌ للإطلالة عليها في هذه المقالة[1]؛ ولكن يبدو لو أننا أردنا الحديث حول أسباب التأثيرات الحضارية للتعاليم الإسلامية وكيفيتها، لا بدّ من بيان مقدّمةٍ في هذا الشأن.

يُعدّ بحث إعادة قراءة الأفكار الدينية في الفضاء الراهن، وقدرة الدين ودوره في الحياة الدنيوية للناس، وحدود تدخّل الدين في إدارة حياتهم، واحدًا من الأبحاث التي يتم تناولها في دراسات فلسفة الدين وعلم الاجتماع الديني وكذلك الكلام الجديد أيضًا. لقد شغل أذهان المفكّرين منذ مدّةٍ هذا السؤال الجوهري القائل: إلى أيّ مدى يمكن للدين أنْ يتدخل في حياة الناس، وما هي المنطقة التي اختارها لكي تكون مسرحًا لتأثيره ونفوذه؟

 وقد اختلفت آراء المنظّرين في هذا الشأن أيضًا. ففي ضوء رؤية الذين يقولون بـ «بالأداء والدور الأدنى» للدين، لا يمكن الحديث في الأساس عن دور الدين في بناء الحضارة؛ إذ إنّ الدين (من وجهة نظرهم) ـ بما في ذلك دين الإسلام ـ ليس له من دورٍ ومهمّةٍ دنيوية، وإنّما يقتصر دوره على تشريع الأعمال العبادية للإنسان وضمان الفوز والنجاة له في الآخرة. إنّ الحضارة من وجهة نظر هؤلاء الأشخاص عبارةٌ عن

(115)

ظاهرةٍ ونتاجٍ بشري، ولا تندرج ضمن دائرة الأبحاث والدراسات الدينية. ومن ناحيةٍ أخرى هناك من يقول من العلماء بـ «الدور الأكثر والمهمّة القصوى» للدين، وفيما يتعلّق بسعة دائرة حضور الدين وتدخله في الحياة يذهبون إلى حدّ القول بأنّ الدين يتولّى بيان وتعيين حتى القواعد والقوانين الرياضية والطبيعية أيضًا. فإنّهم من خلال الاستدلال بقوله تعالى: ﴿مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[1] يعدّون بناء الحضارة ـ مثل جميع الظواهر الأخرى ـ داخلًا ضمن وظائف الدين ومهماته؛ ولذلك فإنّهم يقصدون التعاليم الدينية لمعرفة القواعد التي تساعد على بناء الحضارة أيضًا. لا تعدّ هذه المقالة محطّةً مناسبةً لبيان هاتين الرؤيتين ونقدهما وتقييم مصادرهما ومبانيهما ونتائجهما، ولكن لو لم نلزم أنفسنا باختيار واحدةٍ من هاتين النظريتين، وسمحنا لأنفسنا بالذهاب إلى رأيٍ آخر، وبعبارةٍ أدق: لو اخترنا استدلالًا آخر، لوجب علينا القول: في رؤيةٍ عامّةٍ يمكن تقسيم التعاليم الدينية إلى ثلاثة أقسام، وذلك على النحو أدناه:

التعاليم الناظرة إلى الإنسان بوصفه فردًا ـ إنّ هذه المجموعة من التعاليم الإسلامية (مجموعة من القضايا التوصيفية الشاملة للأوامر والنواهي)، والأحكام (مجموعة القضايا المعيارية الشاملة للواجبات والمحرّمات)، تَعدّ الإنسان فردًا مستقلًّا، وتنظر إلى أبعادٍ من قبيل: ارتباط الإنسان بنفسه، وارتباطه بالإنسان الآخر، وارتباطه بالله. وأنّ الإنسان بالإضافة إلى الجسم يمتلك روحًا، أو أنّ الإنسان مسؤولٌ تجاه مصيره، أو ينبغي عليه أنْ يأتي ببعض العبادات مثل الصوم أو الصلاة المندوبة، وأنْ يجتنب الأفعال القبيحة، من قبيل الإضرار بجسمه. إنّ هذه القضايا بأجمعها تنظر إلى الإنسان بوصفه فردًا، ولا صلة لها بالعلاقات الاجتماعية للإنسان.

التعاليم الناظرة إلى الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع ـ هناك مجموعةٌ أخرى

(116)

من التعاليم الإسلامية، تنظر إلى الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع، وتقدّم مجموعةً من القضايا التوصيفية والمعيارية من هذه الزاوية، من قبيل أن للإنسان مسؤوليةً اجتماعية، أو يتمّ توجيه بعض الوظائف الدينية ـ الأعم من الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية ـ من قبيل: عدم الكذب، وإعطاء الزكاة، ورعاية قوانين الإرث والقضاء والشهادات. إنّ هذه القضايا بأجمعها تنظر إلى الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع، ولو افترضنا شخصًا مستقلًا عن الآخرين يعيش في عزّلةٍ عن الناس، فلن يكون بالإمكان تطبيق أيّ واحدٍ من هذه الأحكام، وسوف تفقد مفهومها.

الأحكام والتعاليم الناظرة إلى المجتمع ـ هناك مجموعةٌ ثالثةٌ من المفاهيم تنظر إلى الهوية الجماعية للإنسان، وتنظر إلى عموم المجتمع الإنساني بغض النظر عن الوجود الفردي للإنسان. ويمكن عدّ التعاليم المرتبطة بالبنى والمؤسسات الاجتماعية ضمن هذه المجموعة. من الواضح أنّ هذه الآليات لا يكتب لها التحقّق في الخارج إلّا من خلال وجود الأفراد، ولكن من ناحيةٍ أخرى لا يخفى أنّ مفهوم الحكومة والمؤسّسة يختلف عن مفهوم الأفراد الذين يعملون على تشكيلها. كما أنّ التركيب العام في جهاز يُعدّ شيئًا مختلفًا عن القطع التي يتألف منها، وإذا لم يتمّ وضع هذه القطع بشكلٍ خاصّ، لن نتمكن من صنع ذلك الجهاز. وكذلك في المجتمع إذا لم يتجاور الأشخاص الذين يتمتعون بالطاقات المناسبة، ولم تكن البنية العامّة لذلك المجتمع مناسبة، فإنّه لن يكتب التحقّق للمجتمع الصالح، وحتى لو اجتمع الأشخاص المفكّرون فيما بينهم، لن يؤدّي ذلك إلى بناء المجتمع الصالح تلقائيًا، وإنّ القوانين ذات الصلة بالبنية الاجتماعية تؤدّي دورًا في بلورة وتشكيل المجتمع المثالي بغض النظر عن الموطنين[1].

(117)

من خلال التأكيد على أنّ هذه الأقسام الثلاثة من التعاليم لا تنفصل عن بعضها، وأنّ هناك العديد من الروابط والأواصر الطولية والعرضية التي تربط فيما بينها؛ يمكن لنا الآن أنْ نقول: إنّ الرسالة الأصلية لدين الإسلام التي يقتفى أثرها من طريق هذه المفاهيم، عبارةٌ عن بناء الإنسان والمجتمع؛ بمعنى أنّ التعاليم الدينية لا تنحصر بالمسائل الفردية أو المسائل الاجتماعية للإنسان فقط، وأنّ الدين ينظر إلى كلا الأمرين معًا. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الدين يسعى إلى بناء الإنسان في بعده الفردي، كما يسعى إلى بناء المجتمع أيضًا.

 

مراجعة الكتاب

النموذج رقم: 1 ـ التعاليم الإسلامية وعلاقاتها ببعضها

 

مراجعة الكتاب

 

 

الجدول رقم: 1 ـ علاقة المفاهيم الإسلامية بتكامل الإنسان والمجتمع

 

(118)

وبذلك يمكن القول إنّ الرؤية الاجتماعية للإسلام، والتعاليم الناظرة إلى النظام الاجتماعي والتي تعمل على بناء المجتمع في الإسلام، تحتوي على جوهر صانع للحضارة. بمعنى أنّه لو تمّ أخذ هذه المفاهيم بنظر الاعتبار، ولا سيّما لو تمّ العمل بالتعاليم المعيارية وجميع الواجبات والمحرّمات الدينية، وتمّت إقامة البناء والنظام الاجتماعي على أساسها، فإنّ المجتمع الإسلامي سوف يسلك مسار التقدّم المتمحور حول الدين، وإنّ مواصلة السير على هذا الطريق سوف تؤدّي لا محالة إلى تبلور الحضارة. كما أنّ التجربة التاريخية للمسلمين بدورها تؤيّد حقيقة أنّ الحياة الدينية للمسلمين والعمل بالأحكام والتعاليم الإسلامية، قد ساق المجتمع الإسلامي نحو مجتمعٍ حضاري. وفي القرون الإسلامية الأولى تأسّست الحضارة الإسلامية على أساس هذا الإدراك العام من قبل المسلمين للقواعد والقوانين الصانعة للمجتمع الإسلامي. وفي الحقيقة والواقع فإنّ المسلمين عندما عملوا بنحوٍ نسبيّ بتوجيهات الدين في كيفية الحياة وكيفية إدارة المجتمع، فقد سلك المجتمع الإسلامي طريق التقدّم على نحوٍ طبيعي، وقد تمخّض تراكم التقدّم والتطور عن حضارة كبرى واستثنائية.

وعلى هذا الأساس لو نظرنا إلى هذا الموضوع من الزاوية العقلية ومن الناحية النظرية، فإنّ نظرة قسمٍ ملحوظٍ من التعاليم الإسلامية إلى الأبحاث المرتبطة ببناء المجتمع سوف تشهد على دلالات وتوجّهات الحضارة الإسلامية؛ إذ يمكن تسمية ذروة المجتمع المتكامل والمتطوّر بـ «المجتمع المتحضّر»، ولو نظرنا إلى الموضوع من الزاوية التاريخية، وأنّ الدين الإسلامي قد أثبت قدرته على بناء الحضارة من الناحية العملية، وأنّ المسلمين كانوا في برهةٍ من الزمن حملة لواء أكبر حضارةٍ بشرية، فإنّ ذلك سوف يثبت الدلالة والاتجاه الحضاري للدين الإسلامي بوضوحٍ تامٍ لا يبقى معه مجالٌ للشك.

(119)

الإنسان الكامل والمجتمع الموعود بمنزلة الإنسان المثالي والمجتمع المثالي

إنّ الرؤية من زاوية أخرى إلى هذا البحث والجولة على المفاهيم الدينية، تثبت أنّ الإسلام ـ الذي يهدف إلى تربية الإنسان وبناء المجتمع المنشود ـ قد عمد من أجل رفع مستوى تأثير تعاليمه، وفي خطوةٍ من أجل تكميل هذه التعاليم، إلى التعريف بمثالٍ ونموذجٍ كاملٍ ومثاليّ لكلّ واحدٍ منها. وإنّ النموذج المثالي للإنسان المتكامل، هو النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، كما يتمثل هذا الإنسان الكامل بالنسبة إلى الشيعة في الأئمة المعصومين عليهم‌السلام بالإضافة إلى النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. ويمكن للمسلمين أنْ يقتدوا بهؤلاء الأشخاص العظام بوصفهم أُسوةً، وكذلك في عصر الغيبة يُعدّ الاعتقاد بإنسانٍ كاملٍ على قيد الحياة ـ يكون شاهدًا على الأمة، وربط الناس بهذا النموذج الإلهي وهذا الإنسان الكامل ـ هاديًا لسائر الأشخاص، ويكون مقدار القرب والبُعد منه معيارًا لتكامل سائر الناس[1]. وإنّ النموذج المثالي للمجتمع المطلوب هو شجرةٌ مباركةٌ تتمثّل في الحكم القصير للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المدينة المنوّرة منذ بداية الهجرة إلى أوائل السنة الحادية عشرة من الهجرة، والحكومتين القصيرتين لأمير المؤمنين والإمام الحسن عليها‌السلام، كما سيتمّ غرس شجرةٍ مباركةٍ أخرى في آخر الزمان على يد مصلح من أهل بيت النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

لقد تمّ التعرّض في كثيرٍ من الآيات القرآنية إلى بيان خصائص المجتمع الموعود في نهاية التاريخ. وبالنظر إلى هذه الخصائص، ومهما كان تعريف الحضارة، يمكن تسمية مجتمعنا بـ«المجتمع المتحضر». إنّ توضيحات بعض المفسّرين على هامش

(120)

جانبٍ من آيات القرآن، بحيث يمكن استنباط صلة وارتباط مفاد هذه الآيات بالمجتمع الموعود. ومن بينها قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ[1]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ[2].

كما ورد تصوير بعض الخصائص للمجتمع الموعود، في الروايات أيضًا. ويمكن بيان بعض هذه الخصائص على النحو الآتي:

1. الإحاطة الكاملة والشاملة بالأرض: «القائم منّا ... تُطوى له الأرض»[3].

2. انتشار سلطته وبسطها على شرق العالم وغربه: «القائم منّا ... يبلغ سلطانه المشرق والمغرب»[4].

3. سقوط جميع المعبودات غير الله سبحانه وتعالى: «فإذا اجتمع له العقد عشرة آلاف رجل، فلا يبقى في الأرض معبود دون الله من صنمٍ ولا وثنٍ إلّا وقعت»[5].

4. اعتناق الإسلام من قبل الناس جميعًا: «إذا قام القائم ... لم يبق أهل دين حتى يُظهروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان، أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ[6]»[7].

5. بلوغ الأمّة ذروة العظمة: «يخرج في آخر أمّتي المهدي ... تعظم الأمة»[8].

(121)

6. امتلاء الأرض بالقسط والعدل: «يخرج رجل من أهل بيتي ... تُملأ به الأرض عدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا»[1]، وأيضًا: «إذا قام القائم عليه‌السلام حكم بالعدل وارتفع في أيامه الجور»[2].

7. رعاية العدل بحق جميع العباد سواء في ذلك الأبرار والأشرار: «إذا قام القائم منا ... يعدل في خلق الرحمن، البرّ منهم والفاجر»[3].

8. إعادة جميع الحقوق إلى أصحابها: «إذا قام القائم ... ردّ كلّ حقٍّ إلى أهله»[4].

9. توزيع الثروات بشكل عادل: «يخرج في آخر أُمّتي المهدي ... يُعطي المال صحاحًا»[5].

10. ظهور جميع كنوز الأرض ومواردها وبركاتها: «القائم منّا ... تظهر له الكنوز»[6]. وأيضًا: «يخرج رجل من أهل بيتي ... تُخرج له الأرض بركتها»[7]، وأيضًا: «إذا قام القائم ... وأخرجت الأرض بركاتها ... تُظهر الأرض كنوزها وتُبدي بركتها»[8]، وأيضًا: «يخرج في آخر أُمتي المهدي ... تُخرج الأرض نباتها»[9]، وأيضًا: «... لا تدع الأرض من نباتها شيئًا إلّا أخرجته»[10].

(122)

11. نزول البركات من السماء: «يخرج رجل من أهل بيتي ... يُنزل الله له البركة من السماء»[1]، وأيضًا: «يخرج في آخر أُمّتي المهدي، يُسقيه الله الغيث»[2]، وأيضًا: «لا تدع السماء من قطرها شيئًا إلا صبّته مدرارًا»[3].

12. زيادة الماشية والأنعام: «يخرج في آخر أُمّتي المهدي ... تكثر الماشية»[4].

13. تجمّع جميع الأموال الظاهرة والباطنة في الأرض عنده: «إذا قام قائمنا ... تجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها»[5].

14. تقسيم الثروات والأموال العامة بين الناس بالتساوي: «إذا قام قائمنا فإنّه يقسم بالسوية»[6].

15. إثراء الناس بعطائه على الرغم من سوابقهم السيئة: «إذا قام قائمنا ... فيقول للناس تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام وسفكتم فيه الدماء وركبتم فيه ما حرّم الله عزّ وجل؛ فيعطي شيئًا لم يُعطه أحد كان قبله»[7].

16. عدم العثور على شخصٍ محتاجٍ يستحقّ الصدقة: «إذا قام القائم ... فلا يجد الرجل منكم يومئذٍ موضعًا لصدقته ولا لبرّه؛ لشمول الغنى جميع المؤمنين»[8].

17. إقامة جميع السُنن: «إذا قام القائم ... فلا يترك ... ولا سُنّة إلا أقامها»[9].

(123)

وأيضًا: «يخرج رجلٌ من أهل بيتي يعمل بسُنّتي»[1].

إزالة جميع البِدَع: «إذا قام القائم ... فلا يترك بدعةً إلا أزالها»[2].

استخراج وإظهار جميع الكتب السماوية: «إذا قام قائمنا ... يهدي لأمرٍ خفيّ يستخرج التوراة وسائر كتب الله من غار بأنطاكية»[3].

الحكم بين جميع الناس على أساس الكتب السماوية التي يؤمنون بها: «إذا قام قائمنا ... فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان»[4]. وأيضًا مع اختلاف في نوع الدلالة: «وحكم بين الناس بحكم داود وحكم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »[5].

توفّر إمكانية رؤية الناس لبعضهم رغم المسافات الطويلة التي تفصل بينهم: «إنّ المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق»[6].

توفير الأمن في الطرق: «إذا قام القائم ... أمنت به السُبُل»[7].

القضاء على الكذّابين من الشيعة: «لو قام قائمنا بدأ بكذّابي الشيعة فقتلهم»[8].

إنّ الأمثلة والنماذج المذكورة أعلاه، تحكي عن الخصوصيّة والدلالة الحضارية للمفاهيم والتعاليم المهدوية. وخلاصة الكلام هي أنّ الرؤية المهدوية التي تمثّل

(124)

جانبًا مهمًّا من الفكر الإسلامي، تحتوي على قابلية من شأنها أنْ تؤدّي دورًا كبيرًا في بلورة الحضارة وإضفاء الهوية عليها.

الحضارة الإسلامية الجديدة وفائدة التعاليم المهدوية بالنسبة لها

بالنظر إلى ما تقدّم لو قبلنا بأنّ هناك حضارةً جديدةً في طريقها إلى التبلور بين المسلمين[1]، سوف يكون من السهل الحديث عن دور مفهوم المهدوية في الحضارة الجديدة. إنّ ظهور حضارةٍ جديدةٍ يعني أنّ المجتمعات الإسلامية تتجه نحو غايةٍ سوف تعيش فيها تجربة حضارةٍ بديلةٍ عن حضارة الغرب بتأثيرٍ من التعاليم الإسلامية[2]. إنّ هذه الحضارة إذا كان لها نموذجٌ محدّد، أمكن لها العمل ـ من خلال جعلها إيّاه معيارًا ـ على توجيه مسار خطواتها نحوه، والعمل على الدوام على تقييم موقعيتها بوساطته. إنّ التعاليم المهدوية بسبب اشتمالها على المداليل الحضارية التي سبق شرحها على نحو الإجمال، تتمتع بهذه القابلية والخصوصيّة التي تجعلها موضعًا للاهتمام بوصفها تشكل أفقًا للحضارة الإسلامية الحديثة؛ بمعنى أنّه يمكنها الإجابة عن هذا السؤال القائل: كيف يجب أنْ يكون مستقبل هذه الحضارة؟

وبنحوٍ عام يمكن القول إنّ موقع التعاليم المهدوية في الحضارة الإسلامية الجديدة عبارةٌ عن موقع تصوير المستقبل، ولكن يمكن النظر إلى هذا الموضوع من زاويتين مختلفتين، وهما أوّلًا: من زاوية فلسفة التاريخ. وثانيًا: من زاوية الخصائص الحضارية. إنّ من بين أكثر الأنظار شيوعًا إلى فلسفة التاريخ هي تلك النظرة التي

(125)

تقول إنّ التاريخ يسير نحو غايةٍ محدّدة[1]، ولا شكّ في أنّ مفهوم المهدوية يُعبّر عن واحدٍ من الآراء بشأن نهاية التاريخ[2]. وعلى هذا الأساس فإنّ الاعتقاد بالمهدوية وتحقّق المجتمع الموعود، يضع أمامنا من زاوية فلسفة التاريخ «مستقبلًا اكتشافيًا»[3]؛ بمعنى أنّ يكتشف أنْ في انتظارنا مثل هذا المستقبل[4]. ولكن علينا ألّا تغفل عن هذه النقطة، وهي أنّه بالنظر إلى بعض الارشادات الدينية، لا يمكن ربط هذا المستقبل الاكتشافي ضرورة بالحضارة الجديدة الآخذ بالتبلور في الوقت الراهن.

 إنّ المستقبل الماثل أمامنا من زاوية البحث الاستقبالي الاكتشافي، مستقبلٌ ينتظر جميع الناس، وعليه لا يمكن الحكم بالضرورة بأنّ نهاية الحضارة الإسلامية الجديدة هي الوصول إلى المجتمع المهدوي الموعود؛ وذلك لأنّنا لو نظرنا إلى المجتمع الموعود بمعيار الحضارة الإسلامية الجديدة، وعددنا المجتمع الموعود بمنزلة المستقبل المحتوم لهذه الحضارة، فإنّ الحكم باكتشافية هذا البحث الاستقبالي سوف يؤدّي بنا إلى نوعٍ من «التوقيت»، وتعيين الزمان النسبي لإقامة المجتمع الموعود. ومن الواضح أنّ هذا الأمر يُعدّ مرفوضًا في ضوء التعاليم الدينية، بل ويُعدّ من الكذب[5].

وأما إذا نظرنا إلى مفهوم المهدوية من زاوية الخصائص الحضارية، وعددنا

(126)

المجتمع الموعود من أسمى وأعلى مستويات التطور والتكامل والتنمية للبشر، وفسّرنا الانتظار بأنّه عملية تمهيدٍ للظهور، عندها يمكن لهذه التعاليم ـ بوصفها منشأ لـ«بحث المستقبل المعياري»[1] ـ أنْ تكون بمنزلة الأفق[2] المنشود الذي يجب على جميع الخطوات الحضارية أنْ تكون متطابقةً معه. وعلى هذا الأساس فإنّ مفهوم المهدوية بكلّ مداليله الحضارية، يمكن له ـ بوصفه أفقًا للحضارة الإسلامية الجديدة ـ أنْ يجيب عن هذا السؤال القائل: كيف يجب أنْ يكون مستقبل هذه الحضارة؟ وبالنظر إلى أنّ المجتمع المثالي غير قابلٍ للتحقّق ببساطة، وفي الأفق الزمني المحدّد، ولا سيّما أنّ تحقيق المجتمع المهدوي الموعود يحتاج إلى ظهور إنسانٍ كامل، واختيار ذلك خارجٌ عن إرادة الناس؛ فإنّ المجتمع الحضاري مضطرٌ من الناحية العملية إلى اتّخاذ نسخةٍ أدنى منه لتكون أساسًا لعمله، وإنّ هذه النسخة الأدنى تسمّى بـ«الأفق المعياري». إنّ مفهوم المهدوية ناظر إلى هذا النوع من المستقبل. يمكن في هذا الأسلوب تعيين صورةٍ مطلوبةٍ ومثاليةٍ وملموسةٍ عن المفاهيم الحضارية في أفقٍ زماني طويل الأمد حيث تكون متناسبةً مع القِيَم الأساسية والأهداف الجوهرية المنبثقة عن المجتمع الموعود في دائرة الأمّة الإسلامية، ثم العمل ـ بعد ذلك في ضوء هذا الأفق الحضاري ـ على تدوين آفاقٍ وطنيةٍ تتناسب مع مختلف المجتمعات الإسلامية، والتخطيط في نهاية المطاف لبرنامج عن المستقبل في الوقت الراهن[3].

(127)

إنّ هذا الأفق الحضاري، يُعدّ «أفقًا قيَميًا» في قبال «الوصفي»، و«إيجابيًا» في قبال «السلبي»، و«ملهمًا» في قبال «المخيف»، و«هجوميًا» في قبال «الدفاعي»[1]، وعالميًا في قبال «الوطني»[2]، ومؤثرًا في قبال «قليل التأثير»[3]. ويمكن أنْ يشكّل حلقة الوصل بين مفهوم المهدوية والآفاق الوطنية، وحتى برامج التنمية أيضًا[4].

 

 

 

 

(128)

لنتيجة

اتّضح ممّا تقدّم أنّ وجه الربط بين مفهوم المهدوية والحضارة الإسلامية الحديثة الآخذة بالتشكّل، يمثّل أفقًا معياريًا مقتبسًا من القيَم والأهداف الكامنة في الرؤية المهدوية، حيث يمكن لها ـ مع افتراض قابلية الحضارة للإدارة ـ أنْ تشكّل منطلقًا للتخطيط بالنسبة إلى الذين يحملون هاجس هذه الحضارة، وتعمل على توجيه مختلف سطوح البرامج الإجرائية أيضًا. وإنّ تحقيق هذه المهمّة ينطوي على ضروراتٍ ربما أمكن بيان أهمها على النحو الآتي:

توظيف إمكانات النُخَب في العالم الإسلامي ـ إنّ تدوين الأفق الحضاري القائم على المفاهيم المهدوية إذا أريد له أنْ يتحقّق بنحوٍ عامٍّ وشامل، لا يمكن تدوينه من قبل عددٍ قليلٍ من المفكّرين فقط، بل لا بدّ من اتّخاذ إجراءاتٍ وآلاتٍ مناسبةٍ ليُشارك فيه أكثر النُخَب في العالم الإسلامي بالمعنى الحقيقي للكلمة. إنّ سلوك هذا الطريق لا يخلو من الإخفاقات والصعوبات والتعقيدات بالإضافة إلى وعورة الطرق السياسية والتنفيذية، بيد أنّ هذه العقبات يجب ألّا تُثني النُخَب والطاقات الفكرية عن الحركة والمضيّ في هذا الإطار.

الاهتمام الخاص بالتوافق الديني العام ـ إنّ مفهوم المهدوية لا يقتصر على فرقةٍ أو مذهبٍ من المذاهب الإسلامية بعينها، بل يشترك فيه الجميع. وعلى الرغم ممّا يبدو من أنّ المعطيات الموجودة في هذا الشأن أكثر تنوّعًا في مصادر أتباع مدرسة أهل البيت الأطهارعليهم‌السلام ؛ إلا أنّ المشتركات بين المذاهب في هذه الرؤية تبلغ حدًّا من الكثرة بنحوٍ يمكن عدّ هذه الرؤية واحدةً من أرضيات التوافق والاشتراك المذهبي. وعلى هذا الأساس يجب تدوين الأفق بنظرةٍ متماهيةٍ عامّة، وتجنّب الآراء المذهبية الضيّقة في إطار تحقيق هذا الأمر.

(129)

 

 

 

 

مراجعة الكتاب

 

 

 

 

 

 

(130)

التعليم الشامل للعاملين في هذا الحقل ـ إنّ تدوين الأفق الحضاري والآفاق الجزئية والخاصّة على أساس مفهوم المهدوية يحتاج إلى أنواعٍ من الوعي والإدراك حول المهدوية، ومهاراتٍ ضروريةٍ في حقل تدوين الأفق، وإنّ هذين الأمرين المهمّين لا يكتب لهما التحقّق إلّا من خلال البرامج التعليمية العميقة، والعمل على تطبيقها على أرض الواقع أيضًا.

البناء الثقافي لجميع المنتفعين ـ إنّ تدوين أفقٍ منبثقٍ عن الرؤية المهدوية، ولا سيّما التخطيط التنفيذي ووضع الخطوات المتناسبة معه، يحتاج إلى توجيهٍ وإقناعٍ وبناء الثقة لدى جميع الأشخاص الذين لهم نوعٌ من التدخّل في مختلف مراحل هذا المسار.

توسيع دائرة تدوين الأفق لتشمل المستوى الفردي ـ إنّ الحصول على الأهداف والغايات المتجلية للمفاهيم المهدوية في الأفق الحضاري رهن التماهي بين الآفاق الوطنية والأفق الحضاري، وفي مرحلةٍ لاحقةٍ تماهي الآفاق الجزئية الآلية والمجموعية والأسرية مع الأفق الوطني، وإنّ هذا الأمر المهم بدوره (كما هو مبيّن في النموذج رقم: 2) رهنٌ بعمل حتى آحاد أفراد المجتمع على تحديد مواقعهم في مختلف المستويات والسطوح في هذه الآفاق. وبعبارةٍ أخرى: أنْ يتمّ تدوين حتى الأفق الفردي المتأثّر بالأفق الحضاري القائم على الرؤية المهدوية أيضًا.

الاستفادة من الأبعاد الإيجابيّة في الأساليب الأخرى لتدوين الأفق ـ إنّ تدوين الأفق المعياري القائم على الرؤية المهدوية، لا يعني التخلّي عن سائر الأساليب الأخرى في تدوين الأفق، من قبيل: تأليف السيناريوهات وتحليل المسارات، وغض الطرف عن المعطيات والنتائج الإيجابية لها؛ بل لا بدّ من الاستفادة من جميع هذه الأساليب في تدوين أفقٍ يحتوي على جميع خصائص الأفق الناجح.

 

(131)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. ابن بابويه، محمد بن علي (المعروف بالشيخ الصدوق)، كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح: علي أكبر غفاري، مجلدان، طهران، انتشارات اسلامية.
  3. ابن طاووس، علي بن موسى، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، مجلدان، قم، انتشارات خيام، 1400 هـ.
  4. اسلاتر، ريچارد وآخرون، نوانديشي براي هزاره نوين: مفاهيم، روش‌ها و ايده‌هاي آينده‌پژوهي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عقيل ملكي‌فر، وحيد وحيدي مطلق، وسيد أحمد إبراهيمي، طهران، مركز مطالعات و برنامه‌ريزي استراتژيك، مؤسسه آموزشي و تحقيقاتي صنايع دفاعي، 1378 هـ.ش.
  5. البحراني، السيد هاشم، البرهان في تفسير القرآن (خمسة مجلدات)، طهران، انتشارات بنياد بعثت، 1416 هـ.
  6. برايسون، جان. ام.، برنامه‌ريزي استراتژيك براي سازمان‌هاي دولتي و غير‌انتفاعي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عباس منوريان، طهران، مركز آموزش مديريت دولتي، 1381 هـ.ش.
  7. بهروز لك، غلام رضا؛ علي پور گرجي، محمود، «كاربرد روش چشم‌انداز در مطالعات سياسي»، مجلة علوم سياسي، السنة الرابعة، العدد: 53: 63 ـ 89، 1390 هـ.ش.
  8. ترنر، برايان، وبر و اسلام با پانوشت‌هاي انتقادي و مقدمه‌اي بر جامعه‌شناسي ماكس وبر، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسين بستان، وعلي سليمي، وعبد الرضا علي‌زاده، قم، پژوهشكده حوزه و دانشگاه، 1380 هـ.ش.
  9. جوادي الآملي، عبد الله، تفسير انسان به انسان، تحقيق وتنظيم: محمد حسين إلهي زاده، قم، انتشارات إسراء، 1384 هـ.ش.
  10. الحر العاملي، محمد بن الحسن، إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، بیروت، منشورات الأعلمي، 1425 هـ.
(132)
  1. الخطيب، سليمان، أسس مفهوم الحضارة في الإسلام، القاهرة، دار الزهراء للإعلام العربي، 1406 هـ / 1986 م.
  2. رشاد، علي أكبر، «فرجام قدسي تاريخ»، مجلة قبسات، العدد: 33: 13 ـ 36، خريف عام: 1383 هـ.ش.
  3. زرّين كوب، عبد الحسن، كارنامه اسلام، طهران، انتشارات أمير كبير، 1382 هـ.ش.
  4. سجاد پور، مهدي، «جايگاه ارزش‌ها و اصول أخلاقي در آينده‌نگاري فنآوري»، فصلنامه انديشه صادق، مركز تحقيقات دانشگاه امام صادق (عليه السلام)، العدد: 24: 61 ـ 84، عام 1385 هـ.ش.
  5. شريعتمداري، نادر، وملكي‌فر، عقيل (ترجمة وتأليف)، چشم‌انداز: چگونه رهبران آن را مي‌سازند، انتقال مي‌دهند وبرقرار مي‌دارند، طهران، انديشكده صنعت و فناوري (آصف)، 1388 هـ.ش.
  6. الشكعة، مصطفى، معالم الحضارة الإسلامية، بیروت، دار العلم للملايين، 1987 م.
  7. الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، انتشارات إسلامي جامعة المدرسين في الحوزة العلمة بقم، 1417هـ.ش.
  8. الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، قم، مؤسسة آل البيت ؟عهم؟، 1417 هـ.
  9. ــــــــــــــــ، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران، انتشارات ناصر خسرو، 1372 هـ.ش.
  10. الطوسي، محمد بن الحسن، الغيبة، تصحيح: عباد الله طهراني، وعلي محمد ناصح، قم، دار المعارف الإسلامية، 1411 هـ.
  11. فضل الله، السيد محمد حسين، تفسير من وحي القرآن، ج 24، بیروت، دار الملاك، 1419 هـ.
  12. الفيروزآبادي، مرتضى الحسيني، فضائل الخمسة في الصحاح الستة، بیروت، منشورات الأعلمي، 1402 هـ.
(133)
  1. كاتر، جان بي.، رهبري تحوّل، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مهدي ايران نجاد باريزي، مينو سلسله، الفصل الخامس والسادس، كرج / طهران، مؤسسه تحقيقات و آموزش مديريت، 1386 هـ.ش.
  2. الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، تصحيح: السيد حسن المصطفوي، جامعة مشهد، مشهد، 1409 هـ.
  3. كورنيش، إدوارد، آينده‌پژوهي پيشرفته: نگاهي ژرف به اصول، مباني و روش‌هاي آينده‌پژوهي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: سياوش ملكي‌فر بالتعاون مع فرخنده ملكي‌فر، طهران، انديشكده صنعت و فنآوري (آصف)، گروه آينده‌پژوهي و ديده باني، 1388 هـ.ش.
  4. گودرزي، غلام رضا، تصميم‌گيري استراتژيك: مطالعه موردي رويكرد موعود‌گرائي شيعه، طهران، دانشگاه امام صادق (عليه السلام)، 1386 هـ.ش.
  5. گوده، ميشل، «از پيش‌بيني تا چشم‌انداز راهبردي»، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد‌رضا صالح‌پور، مجلة برنامه و بودجه، ملحق العدد رقم: 11، 9 ـ 42، سنة 1375 هـ.ش.
  6. مصباح اليزدي، محمد تقي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، طهران، سازمان تبليغات اسلامي، 1368 هـ.ش.
  7. المطهري، مرتضى، فلسفه تاريخ، قم، انتشارات صدرا، 1389 هـ.ش.
  8. المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، تصحيح: مؤسسة آل البيت، قم، مؤتمر الشيخ المفيد، 1413 هـ.
  9. ملكي‌فر، عقيل، پيش‌بيني و آينده‌نگاري تكنولوژي، طهران، دانشگاه صنعتي شريف، مركز مطالعات تكنولوژي، 1383 هـ.ش.
  10. مهدوي زادگان، داوود، اسلام و نقد سنت وبري، قم، مؤسسة فرهنگي طه، 1377 هـ.ش.
  11. مهنا، إيناس صباح، منطق الحضارة عند عبد العزيز الدوري، بیروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2008 م.
(134)
  1. مؤنس، حسين، الحضارة؛ دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطوّرها، الکویت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1419 هـ / 1998 م.
  2. ميكل، آندره (بالتعاون مع هنري لوران)، اسلام و تمدن اسلامي، ج 2، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن فروغي، طهران، انتشارات سمت، 1381 هـ.ش.
  3. نصر، سيد حسين، علم و تمدن در اسلام، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد آرام، طهران، شركت انتشارات علمي و فرهنگي، 1384 هـ.ش.
  4. وبر، ماكس، اخلاق بروتستان و روح سرمايه‌داري، ترجمه إلى اللغة الفارسية (من اللغة الإنجليزية): عبد المعبود انصاري، طهران، انتشارات سمت، 1374 هـ.ش.
  5. هانتينگتون، ساموئل ب.، تمدن‌ها و بازسازي نظام جهاني، ترجمته إلى اللغة الفارسية: مينو سرتيب أحمدي، فصل دوم، طهران، انتشارات كتاب سرا، 1380 هـ.ش.
  6. واسعي، «فرجام تاريخ: جستاري درباره غايت تاريخ در نگره شماري از متفكران»، فصلنامه تاريخ اسلام، السنة الثانية عشرة، العدد: 3، العدد المتسلسبل: 47: 79 ـ 110، خريف عام: 1390 هـ.ش.
(135)
(136)

 

 

قابليّات علم الكلام في الدراسات الحضاريّة[1]

محمد تقي سبحاني[2]

توجد اليوم مختلف الاتجاهات والتحليلات بشأن ما سيكون عليه مستقبل الحضارة الإسلامية بوصفها مسارًا مطلوبًا في حياة المسلمين. وفي بعض هذه التوجّهات تُدرَس قابليات البحث الحضاري أو بناء الحضارة على أساس واحد من العلوم الإسلامية، من جهة بعض الفلاسفة أو الفقهاء الذين يستنبطون عناصر الحضارة من الفلسفة أو الفقه، وملاحظة ذلك في بناء النظام الفكري والعيني[3]. وفي هذه الاتجاهات يبدو أنّ علم الكلام الذي كان يومًا ما في صُلب العلوم الإسلامية قد تنزل ـ بسبب بعض الشرائط والظروف التاريخية للمسلمين ـ إلى موقف الدفاع ومجرّد الإقناع، وانخفضت فيه قابليات الدراسات الحضارية بشدّة. بيد أنّ التأمل بطبيعة الحال في الموقع والمنزلة الرئيسة لهذا العلم، ومضمونه ونسبته إلى سائر المصادر الدينية من جهة، والمشاكل الواضحة الموجودة في الأسس المعرفية والمكانة الراهنة لسائر العلوم الإسلامية من جهة أخرى، جعلت من هذا العلم على المستوى العملي خيارًا لا بديل عنه في تبويب الدراسات الحضارية. وفي هذه المقالة سوف

(137)

نتناول قابليات علم الكلام في الدراسات الحضارية ضمن قسمين. في القسم الأول سنبحث في مسار تأسيس الحضارات من الزاوية المعرفية وعلى محور أصالة الإرادة الذي ينظر فيه إلى الأنثروبولوجيا الكلامية في مسار تبلور الحضارة. وفي القسم الثاني سوف نشير إلى قابليات التراث الكلامي في إثراء الدراسات الحضارية. وأمّا الأقسام الأخرى من المقالة فتدور حول بيان هذين المحورين وتفصيلهما. وكما تقدّم، ليس هناك اعتقادٌ بوجود القابليات الكلامية في دائرة الأبحاث الحضارية بمعنى خلوّ علم الكلام من العيوب والشوائب، ويجب إصلاح نواقص هذا العلم في إطار التوجّه الحضاري، والإفادة من قابلياته في تبويب التفكير الحضاري.

النظام المطلوب في تبويب العلم وموقع علم الكلام

يرى الكاتب أنّ الحضارة عبارةٌ عن تعيّن القِيَم والأمور المنشودة للإنسان في مسرح الحياة الفردية والاجتماعية. والمراد من التعيّن هنا ـ بطبيعة الحال ـ ليس مجرّد البعد التشريحي من الواقعية فقط، وإنّما التعيّن هنا يشمل التصوّرات والقِيَم والتوجهات والأساليب أيضًا. إنّ هذا التعريف لا يقتصر على مجموعة من العناصر الثقافية المؤلفة لأجزاء الحضارة العضوية فقط، بل تشمل حتى المسارات الذهنية الناتجة عن الحضارة (ثقافة ما بعد التمدّن) أيضًا.

وعلى هذا الأساس تسعى الدراسات الحضارية في الاتجاه المتمحور حول العلم، بوساطة التعريف بالوضع القائم في الحقل الحضاري إلى تحقيق أكثر القِيَم الإنسانية في أوسع مساحة للحياة والنشاط بشكل منهجي ومتواصل. وبعبارةٍ أخرى: إنّ هذه الدراسات تمثّل أرضية لتعيّن المعتقدات والقِيَم في الحياة. وفي رؤيةٍ واحدةٍ يمكن بيان الطبقات الأربعة للعلم على النحو الآتي:

الطبقة الأولى: العقلانية العامّة التي يتم بيانها من طريق القواعد الكلية في الفلسفة العامة.

(138)

الطبقة الثانية: المنظومة المعرفية التي يتم بيانها وإنتاجها على أساس مدرسةٍ وثقافةٍ خاصّة.

الطبقة الثالثة: الدراسات الحضارية المبيّنة لكيفية الارتباط بين النظرية والتطبيق، التي الشارحة كيفية تسلل العناصر الفلسفية والمؤلفات المعرفية إلى ساحة العمل والحياة.

الطبقة الرابعة: تتعلّق هذه الطبقة بالعلوم التطبيقية، التي تتغذّى بشكلٍ متزامنٍ من الطبقات الثلاثة المتقدّمة، وتسعى إلى طرح النماذج العملية وتنفيذها في مقام التطبيق الخارجي[1].

إنّ لهذا التبويب قابلية التعميم، ويمكن تطبيقه في مورد كلّ حضارةٍ ومجتمعٍ إنساني، ولكن بالنظر إلى فضاء التفكير الإسلامي، يمكن الحديث عن الدور الأوضح للعلوم الإسلامية في بناء الحضارة.

في تاريخ التفكير الإسلامي كان من المفترض ضمان الطبقة الأولى بعلم الفلسفة، ولكن جنوح الفلسفة الإسلامية عن هذه الرسالة أدّى إلى ظهور كثيرٍ من المشاكل[2]. والطبقة الثانية، أي الثقافة والمدرسة الإسلامية الخاصّة تم استخراجها من علم الفقه، وتم بيان المباني النظرية لها بوساطة علم الكلام. كان الفقه والكلام ـ ولا سيّما في المراحل الإسلامية الأولى ـ يعملان على تغطية كامل فضاءات العلوم الإسلامية، وكان الفقه من خلال استنباطاته يبين كلتا المجموعتين من القضايا النظرية والعملية (الأحكام والأخلاق)[3].كما كان علم الكلام يتكفّل بمهمة الدفاع عن هذه القضايا

(139)

وبيانها وشرحها في كلا الناحيتين النظرية والعملية أيضًا[1]. وبالتدريج حدث شرخٌ في نظام العلوم وأدّى ذلك من جهة إلى اختصاص علم الفقه بحقل استنباط القضايا العملية، وذلك في حدود الأحكام الفردية غالبًا، ومن جهةٍ أخرى اقتصر أداء علم الكلام على البيان والدفاع الإقناعي عن القضايا النظرية من الدين فقط.

 إنّ فهم هذا الوضع التاريخي إنّما يحظى بالأهمية من حيث إنّ أيّ إصلاحٍ لعلم الكلام من الناحية الحضارية يجب أنْ يكون ناظرًا إلى التاريخ الماضي والشرائط الراهنة لهذا العلم. وفيما يتعلّق بالطبقة الثالثة، أي حقل الدراسات الحضارية، يجب القول: إنّ الشرخ بين النظر والعمل يُعدّ في الأساس من الشروخ الجديدة في أرومة أفكارنا، وخللًا كبيرًا في تاريخ التفكير الإسلامي. وعلى أساس هذه الإشكالات يمكن تشخيص النقص والخلل في العلوم التطبيقية في عالم الإسلام.

إنّ من بين الأمور المهمة الأخرى بشأن الوضع المطلوب والمنشود للعلوم العقلية في عالم الإسلام، هو الفهم الدقيق للنسبة بين الكلام والفلسفة. هناك من المدافعين عن علم الكلام من لا يرى أيّ مكانةٍ أو منزلةٍ للفلسفة، وهناك من أنصار الفلسفة من يعيد جميع أدوار علم الكلام إلى الفلسفة قولًا واحدًا. ولكن يجب القول: إنّ الكلام والفلسفة رغم التعاطي القائم بينهما، يجب عدم عدّهما علمين متماهيين، بل الصحيح هو أنّ نعدّ الفلسفة متكفلةً بأعم التفسيرات والتحليلات، وتقديم المفاهيم الناظرة إلى مجموع النظر والعمل، وإحلال الكلام ضمن المنظومة المعرفية والنظرية للإسلام. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الفلسفة تمثّل حاجةً أوليةً لتقديم إطارٍ عامٍّ لجميع الأفكار المتناغمة[2]، كي يمكن عدّها علمًا إنسانيًا ولغةً مشتركةً بين جميع المدارس،

(140)

وأمّا علم الكلام ـ بمعنى الإلهيات النظرية التابعة لمدرسةٍ خاصّةٍ ومصادر معرفية بعينها ـ فلا ينطوي على مثل هذه الرسالة العامة، وتنحصر وظيفته بتطبيق المباني والقواعد الفلسفية العامة في دائرة المدرسة والمصدر المعرفي الخاص. ومن هنا فإنّ دخول الفلسفة الإسلامية الراهنة إلى حقل الإلهيات يجب عدّه من الناحية العملية عدولًا عن مهام هذا العلم ودخولًا في دائرة الكلام. كما أنّ تركيز علم الكلام بشكلٍ بحت على الدفاع عن التعاليم النظرية من الدين، يُعدّ تنزلًا للكلام عن مستواه وتدنيه إلى مستوى العلم الدفاعي الصرف.

إنّ الكلام المطلوب بلحاظ مكانته الراهنة وأصوله التاريخية يمكنه قبل كلّ شيء أنْ يؤدي دورين اثنين يكمنان في عرض وبيان العقائد الدينية في دائرة الوجود (في أمورٍ من قبيل: الله، والإنسان، والمجتمع، وطبقات الكائنات والخلق)، وكذلك البيان العقلائي للتعاليم الأخلاقية والعملية. إنّ المراد من البيان هنا هو الاستعراض المنهجي للتعاليم الدينية والدفاع العقلاني عنها من خلال الإحالة إلى الإطار العقلي والسماوي العام، وتحديد النسبة بينهما. وعلى هذا الأساس فإنّ علم الكلام في تعريفه الجديد، بالإضافة إلى العمل على توجيه القضايا العقائدية في الإسلام ، يؤدّي عملًا فقهيًّا في حقل العقائد والمتبنيات. وبذلك فإنّ علم الكلام يقوم ببيان معقدٍ وهادفٍ وتطبيقي في جميع التعاليم الدينية النظرية والعملية.

وعلى هذا الأساس فإنّ الأداء الخاص لعلم الكلام الإسلامي في المقياس الحضاري ـ الذي يمثّل التنسيق والتناغم بين أجزاء تعاليم مدرسة فكريةٍ ما ضرورةً ملحّةً لتعيّن تلك المدرسة ـ يتمثّل في بيان الانسجام والارتباط الوثيق بين التعاليم العملية والنظرية بوصفها مقدمةً للدراسات الحضارية.

 

(141)

القابليات الكلامية في إثراء الدراسات الحضارية

يمكن لنا ـ من خلال رؤية تفصيلية، وإعادة قراءة قابليات علم الكلام الإسلامي الراهن في بناء الحضارة وضمان حاجة الدراسات الحضارية ـ أنْ نعمل على تقسيم القابليات المضمونية لها، إلى مجموعتين من القابليات العامّة والقابليات الخاصّة. وإنّ القابلية العامة في علم الكلام يمكن دراستها في الحدّ الأدنى من زاويتين، الأولى: بيان الاتجاه الحضاري من الدين، والأخرى: البيان المنهجي والمنظم للتعاليم الدينية من خلال التوثيق والعقلانية. وبطبيعة الحال فإنّ القابليات الخاصّة في علم الكلام استقرائية، ويمكن الإشارة إلى بعض الموارد في هذا الشأن، من قبيل: المباني الإبستيمولوجية في الكلام القديم، وبحوث المعرفة الدينية في علم الكلام، ونظام الفاعلية في الوجود من زاوية علم الكلام، وبحث التكليف، وفلسفة بعث الأنبياء، والإنثروبولوجيا الكلامية، والرؤية إلى الدنيا والآخرة والنسبة القائمة بينهما، وأخيرًا الرؤية الكلامية إلى بحث الإمامة والولاية، إذ يعمل كلّ واحدٍ من هذه الأبحاث على مدّ يد العون إلى الباحثين في الشأن الحضاري بما يتناسب ومختلف حقول بناء الحضارة.

فيما يتعلّق بأهمية بيان الاتجاه الحضاري إلى الدين في البحث الحضاري، يجب القول: إنّما يمكن عدّ حضارةً ما دينية، إذا كان هناك في إطار الدين مكانةٌ مؤثّرةٌ للحضارة، ولكن هذا الأمر لا يغدو ممكنًا إلّا إذا تمّ تقديم تفسيرٍ للدين يتقبّل الفكر الحضاري بشكلٍ كامل، ويحتضن الحضارة بوصفها عنصرًا مهمًّا في الحياة الدينية. والآن بالالتفات إلى هذا التبويب الذي تمّ تقديمه عن الطبقات المعرفية الأربعة للتفكير الفلسفي العام إلى العلوم التطبيقية، نرى أنّ العلم الوحيد الذي يستطيع أنْ يتكفل بأعباء هذه المهمة في حقل المعرفة الدينية، هو علم الكلام. إنّ علم الكلام يعمل ـ من خلال تفسيره لماهية الدين الإسلامي ـ على بيان موقع العقل والوحي

(142)

ومساحتهما في التقدّم بالحياة الإنسانية الطيبة، وضمان السعادة الدنيوية والأخروية، ويعمل كذلك ـ من خلال تقديم مساحةٍ واسعةٍ لحضور الدين في مختلف طبقات الحياة الفردية والاجتماعية ـ على المساعدة في التظهير الواقعي والحقيقي لرسالة الأنبياء في بناء الحضارة.

والأمر الجوهري العام الآخر، أي: البيان المنهجي والمنظم لتعاليم الدين، إنّما يندرج بدوره ضمن دائرة إمكانات علم الكلام. أمّا العلوم الأخرى فهي إمّا لم تدخل بعد في حقل المعارف الإسلامية الخاصة (من قبيل: الفلسفة)، وإمّا إنّها من العلوم الجزئية والعاجزة عن بيان منظومةٍ منهجيةٍ للدين (من قبيل: الفقه والأخلاق). وفيما يتعلّق بالفلسفة يجب القول بطبيعة الحال: إنّ هذا العلم مضافًا إلى عدوله عن الدائرة العلمية[1]، لا يحتوي كذلك من الناحية الأسلوبية على نظرةٍ توثيقيةٍ وتفصيليةٍ إلى مصادر الدين، على حين أنّ علم الكلام فضلًا عن اشتماله على رؤيةٍ توثيقيةٍ واستنباطية، يحتوي على أسلوبٍ عقليّ عامٍّ أيضًا.

وفيما يتعلّق بالقابلية الخاصّة للكلام في دائرة المباني الإبستيمولوجية يجب القول: إنّ علم الكلام ـ خلافًا للذين يرون الفلسفة أكثر منها سعةً من هذه الناحية ـ ولا سيّما في المرحلة الأولى منذ القرن الهجري الثاني إلى بلوغه الذروة في المدرسة البغدادية عند الإمامية، والمدرسة البصرية عند المعتزلة، أكثر ثراءً وتعيّنا [من الفلسفة] في مختلف الأبعاد. إنّ الكلام في المساحة الإبستيمولوجية يشتمل أولًا: على مسائل معرفيةٍ وإبستيمولوجيةٍ متنوّعة، وثانيًا: إنّ علم الكلام ـ خلافًا للفلسفة الراهنة التي تنزلت بالعقلانية إلى المنظومة القياسية[2] فقط ـ يعمل على توظيف مختلف المصادر

(143)

المتنوّعة الأعم من المشهودات والتجربيات وحتى الخواطر[1]، بمعنى أنّ علم الكلام علمٌ متعدّد الأساليب[2] وليس متّحد الأسلوب[3] نرى أنّ الفلسفة الإسلامية الراهنة التي تسعى إلى مجرّد الحصول على اليقين بالمعنى الضروري (في المعنى الأخص)، قد اقتصرت من الناحية العملية على القضايا التحليلية أو شبه التحليلية، في حين أنّ المتكلّمين من خلال تأكيدهم مراتب المعرفة والتفكيك والفصل بين اليقين السايكولوجي واليقين الإبستيمولوجي، يضعون الثاني في مدار الأبحاث. وهذا بطبيعة الحال ناشئ من الرؤية الواقعية في علم الكلام؛ إذ يَعدُّ العقل حجةً بوصفه كاشفًا عن الواقعية الخارجية، وليس الأنظمة المفهومية والأصل الموضوعي. وثالثًا: إنّ مبحثًا مهمًا للغاية من قبيل العقل العملي الذي يؤدّي دورًا مباشرًا في بناء الحضارة ـ على الرغم من قيامه على أبحاث العقل النظري ـ قد تمّ بحثه في علم الكلام بنحوٍ أكثر بكثير من الفلسفة، ثم إنّ العقل العملي في الفلسفة الإسلامية قد تعرّض للإخفاق والفشل بسبب سقوطه في عاصفة العقلانية اليونانية (العلمانية). إنّ العقل العملي في الفلسفة قد تنزّل في نهاية المطاف إلى المشهورات والمقبولات العامة، وانحصرت مهمته في الجدل والإقناع دون صناعة المعرفة، وأمّا في علم الكلام فمن خلال القول بواقعية القيم الأخلاقية وإضفاء الاعتبار للعقل العملي، تم تمهيد الطريق للحكمة العملية في الإسلام على أساس أصل العدل والحُسن والقبح العقلي.

يجب القول بوضوح: إنّ عدم اعتبار واقعية المقولات العملية في الفلسفة الإسلامية الراهنة، يُعدّ واحدًا من الموانع الجادّة في طريق بناء الحضارة الإسلامية؛

(144)

إذ بناءً على اعتبارية القِيَم الأخلاقية وإرجاعها إلى الأمور الاجتماعية المشهورة والمقبولة، لن يكون هناك بعد ذلك موضعٌ لأخذ الحكمة العملية الإسلامية بجديةٍ في المنظومة الفكرية لدى المسلمين، وهذا الأمر سيفتح الطريق أمام حضارةٍ علمانية.

ومن بين القابليات الخاصة الأخرى لعلم الكلام في بناء الحضارة التي تمسّ الضرورة إلى طرحها في الأبحاث الحضارية، هي مباني المعرفة الدينية، وهي أمورٌ من قبيل: مساحة الدين، وحاجة الإنسان إلى الدين، ومنزلة الدين في الحياة الفردية والاجتماعية، والعلاقة بين الدين والحياة وما إلى ذلك من المقولات التي كانت مطروحةً في أبحاث المعرفة الدينية من علم الكلام، وقد تمّ إحياؤها اليوم ثانية في علم الكلام الجديد. ولا يخفى ما سيكون لهذه الأبحاث من التأثير على معرفتنا الدينية في حقل بناء الحضارة.

القابلية الأخرى لعلم الكلام هي بحوث نظام الفاعلية في الوجود. ففي علم الكلام تمّ التفريق أولًا ومنذ البداية بين الفعل والعلة. وثانيًا: إنّ نظام العالم من الخالق تعالى إلى جميع الكائنات والبشر قائمٌ على أساس الفاعلية. ومن هنا يمكن على أساس المباني الكلامية عدّ الإنسان كائنًا حيًّا مريدًا، وعدّه ضمن مسار بناء الحضارة الفاعلة الرئيسة، في حين أنّه طبقًا للنظرة العلّية، إذ تكوّن كلّ شيءٍ بنحوٍ سابق، وعلى نحوٍ جبري، حيث لا يوجد أيّ اختلافٍ بين الإنسان والشجر والحجر، لا يكون هناك موضعٌ ولا وظيفةٌ من الناحية العملية لمثل هذا الاعتبار والخطاب.

وفي هذا الإطار لا بدّ من الإشارة إلى القابلية الخاصّة لبعض الأبحاث المذكورة في علم الكلام تحت عنوان (التكليف)، والتذكير بأنّ الكتب الكلامية للمتكلمين المتقدّمين تبدأ من موضوع التكليف، ويرون للعالم نظامًا مسؤولًا، بمعنى أنّ العلاقة بين الإنسان والحق تعالى تقوم على أساس مسؤولية الإنسان في الوجود، بما في ذلك تغيير الأوضاع في الاتجاه المطلوب.

(145)

إنّ مبحث (الإمامة والخلافة) في الكلام الإسلامي واحدٌ من الحلقات المباشرة والمتصلة بين هذا العلم والمساحات الحضارية. إنّ نظريات الإمامة في تاريخ الكلام الإسلامي لا تكشف عن الأسلوب التحقيقي في حقل المجتمع من زاوية المذاهب فقط، بل تعبّر أيضًا عن تجربةٍ عينيةٍ للإدارة الدينية في الدائرة السياسية والاجتماعية أيضًا. إنّ دراسة التراث العريق فيما يتعلّق بالإمامة يكشف عن جهودٍ متواصلةٍ للمواءمة بين القيم الدينية والواقعيات العينية. وفي هذا الشأن تشتمل الإمامة الشيعية على خصائص تضعها في أفقٍ رفيعٍ من الرؤية الحضارية، ومن ذلك أولًا: أنّ الإمامة الشيعية من خلال اتصالها بمصادر فهم الدين ومرجعية المعارف الدينية، تسد الطريق على تسلل القراءات العلمانية للحضارة. وثانيًا: أنّ الإمام هو خليفة الله ويتصرّف بالنيابة عن الحق تعالى، بمعنى أنّه في نظرية الإمامة الشيعية، تمّ تخويل الإمام إمكانيّة التغيير والتحول الإنساني، ومن هنا فإنّ دائرة ولايته لا تقتصر على المجتمع المؤمن فقط، بل تتسع لجميع البشرية وكامل التاريخ الإنساني.

وعلى هذا الأساس فإنّ مدار الإمامة في رؤية القرآن وأهل البيت يذهب إلى أبعد من مجرد الولاية السياسية، ليشمل الولاية الاجتماعية وما هو أبعد منها حيث هداية النفوس والأرواح وقيادة جميع الأوضاع الإنسانية في الاتجاه التوحيدي. وثالثًا: يمكن للإمام أنْ يكون مصدرًا للتشريع، وهذا يعني القدرة على خلق الأوضاع الجديدة والتكامل في مسار الحركات الاجتماعية والتاريخية. ورابعًا: أنّ أفق المهدوية في الإمامة الإسلامية يضع أمامنا في الواقع مدينةً فاضلةً حقيقية، لا مجرّد مدينةٍ افتراضية، ويعمل هذا الأفق على بلورة مسؤولية الحركة نحو الأهداف الإنسانية السامية. يضاف إلى ذلك أنّ الاعتقاد بإمامٍ حيّ ـ دون إمام سوف يولد في المستقبل ـ يساعد على إضفاء الحيوية على الحركات المؤسسة للحضارة، إذ يرى الناشط المسلم نفسه في بقعة ضوء الحضور المعنوي والمؤثّر لشخصية عالمية وتاريخية، ويرى سعيه

(146)

منسجمًا مع مسار قائدٍ إلهي عظيم. كما أنّه من خلال الاعتقاد بنظرية ولاية الفقيه في عصر غيبة الإمام المعصوم  عليه‌السلام يؤمن في الواقع بتطبيق أهداف الإمامة في ظروفه الزمانية والمكانية المحدودة. وخامسًا: أنّ ضرورة حضور الإنسان الرباني في بلورة الحضارة العالمية على أساس مفهوم الإمامة الشيعية، تعني أنّ إمكان الوصول إلى الغاية لا يمكن بوساطة التمسك بالشريعة والتعاليم الدينية فقط، بل إنّ تغيير الظروف في الاتجاه المطلوب إنّما يمكن مع وجود إنسانٍ ربّاني، وهو الإمام الذي ولد في ظلّ هذه الظروف الدنيوية، وعاش في كنف هذه الظروف.

ومن بين الموارد الأخرى لقابليات الكلام في البحث الحضاري هو البحث المتعلّق بالإنثروبولوجيا الكلامية المعتدلة، إذ يُقدم بخصوص العلاقة القائمة بين الروح والجسد نظريةً معتدلة، لا تضيّق الخناق على الحياة المادية وتكبت الجسد من جهة، ولا تسمح للروح بالخروج والتنصل عن مدار الحياة البشرية من جهة أخرى. وفيما يلي نشير ـ من بين أبحاث الإنثروبولوجيا في علم الكلام ـ إلى أحد الأبحاث المؤثّرة في دائرة الدراسات الحضارية بالتفصيل، عسى أنْ تشكل نموذجًا لتوسيع المعارف الكلامية في دائرة الدراسات الحضارية.

محورية العقل والإرادة في الإنثروبولوجيا الكلامية

يمكن من خلال تحليل عناصر الهوية الإنسانية إيضاح كيفية الوصول إلى الحياة الحضارية إلى حدٍّ ما؛ لأنّ الحضارة نتاجٌ إنسانيّ منبثقٌ عن حاجة الإنسان والعناصر المكوّنة لهويته الذاتية، بيد أنّ شرط النجاح في هذا المسار أنْ يتمّ وصف هذه العناصر بنحوٍ واقعي وجامع، مع عدم إبعاد أيّ واحدٍ من العناصر الوجودية في الإنسان لصالح الأبعاد الأخرى. إنّ هذا الاتجاه الواقعي الجامع في معرفة الإنسان يمكن أنْ يتبلور ضمن الإنثروبولوجيا الكلامية بنحوٍ حَسَنٍ.

(147)

طبقًا للرؤية الكلامية تعدّ الهوية الأساسية والرئيسة للإنسان هويةً مفتقِرة، يتمّ تزويدها بجميع الكمالات ومن بينها العقل والإرادة، ويمكن سلبها عنه واسترجاعها منه. إنّ الإنسان هو الـ (أنا) التي تتزيّن بنور العقل، ومن خلال منح الإرادة لها، تغدو مريدة[1]. وفي هذا البين بوساطة حضور الـ «أنا» الإنسانية بين عنصري الإرادة والعقل نحصل على وحدةٍ تركيبية. وهذا ـ بطبيعة الحال ـ لا يعني إلغاء ونفي الوجوه الأخرى في الحياة الإنسانية، من قبيل: العواطف والرغبات، بيد أنّ الذي يجعل الإنسان من وجهة النظر الكلامية مسؤولًا ويميّزه من الحيوانات الأخرى هو العقل والإرادة؛ لأنّ العقل والإرادة هما اللذان يعملان على تحرير الإنسان من الرضوخ لقيود القوانين والسنن. وعلى هذا الأساس يعدّ هذان العنصران أساسيين، وسائر العناصر الأخرى عناصر تبعيةً.

وفيما يتعلّق بمكانة العقل والإرادة ومنزلتهما في الهوية الإنسانية، يجب القول أيضًا: إنّ هذين العنصرين يتمّ تقديمهما إلى الإنسان في عرضٍ واحد، مع فارق أنّ العقل يقوم بمهمّة التشخيص، بينما تقوم الإرادة بمهمّة الاختيار. وبعبارة أخرى: إنّ تطبيق المعطيات العقلية وكيفية توظيفها ومساحتها يعدّ نشاطًا إراديًا. ثم إنّ الإرادة ـ خلافًا للقول المشهور في الفلسفة الإسلامية ـ ليست عاطفةً شديدة، بل هي سلطةٌ واقعيةٌ للإنسان على فعله وتركه. وبطبيعة الحال فإنّ العقل في المعنى الخاص هو الكمال الممنوح والحجّة القصوى التي تنتهي إليها حجية جميع الحجج الأخرى؛ لأنّ العقل هو المصدر الوحيد لتشخيص ما في الضمير، وإنّ العلم المنبثق عن كلّ دليلٍ خارجي إنّما يتم تقييمه بهذه الحجة الداخلية. وطبقًا للقرائن الكثيرة

(148)

يمكن القول: إنّ (الجهل) في الاستعمال القرآني في قبال «العقل» إنّما يكون بهذا المعنى، وليس بمعنى عدم العلم. إنّ القرآن الكريم يعبّر عن «عدم العلم» بقوله (لا يعلمون)، في حين أنّنا نجد في المفهوم القرآني للجهل استعمال ادّعاء العلم والتمييز، والكثير من القابليات العلمية الأخرى، من قبيل: المحاسبة والحفظ والتدبير وتوفير الظروف أيضًا.

ولا ينبغي ـ بطبيعة الحال ـ الغفلة عن معطيات العقل؛ لأنّ هذه المسألة تحظى بأهميةٍ بالغةٍ في بيان النسبة بين علم الكلام وحقل الدراسات الحضارية. وعلى أساس التفاوت بين معقولات ومتعقلات العقل، يمكن أنّ نعدّ أربعة أنواعٍ للعقل، أو أربعة أنواعٍ للنشاط العقلي، وذلك على النحو الآتي:

1. العقل النظري، الخاصّ بحقل الوجود والعدم.

2. العقل العملي، الذي يرتبط بمعرفة ما يجب وما لا يجب.

3. العقل المكتشف، الذي يدرك معاني الرموز والدلالات.

4. العقل الآلي، الذي يتابع الأوضاع القائمة بين الأهداف أو القِيَم من جهة، والواقعيات من جهةٍ أخرى.

إنّ العقل التدبيري أو عقل المعاش الذي ورد التعبير عنه في المعارف الدينية الذي هو من شؤون العقل الآلي، يعمل على تدبير شؤون حياة الإنسان على أساس القابليات والأمور المطلوبة والمنشودة. وبطبيعة الحال يمكن الاستمرار في هذه التقسيمات، وإثبات أنّ العقل النظري ـ على سبيل المثال ـ يدرك أحيانًا الأمور الكلية، ويدرك الأمور الجزئية والطبيعية أحيانًا أخرى، ومن هنا يمكن لنا الكلام حول النسبة بين العقل والحس أيضًا.

 

(149)

النسبة بين العقل والإرادة

بعد اتضاح مفهومي العقل والإرادة ومكانتهما، ننتقل الآن إلى الحديث عن النسبة بين هذين المفهومين [العقل والإرادة]. ويمكن لنا في هذا الشأن أنْ ندافع عن التعقّل بمعنى توظيف العقل من قبل الإرادة في مختلف التطبيقات. إنّ التعقّل مسارٌ إراديٌّ للحصول على المعطيات العقلية، وإنّ العامل في هذا المسار هو الإرادة وأداتها التطبيقية هو العقل. وإنّ الذي ينتج عن هذا المسار هو الذي يُسمّى بالعقلانية، وفي الحقيقة فإنّ العقلانية نوعٌ من رؤية الإنسان ونظرته إلى نفسه وإلى العالم المحيط به، حيث يتأثر بتوظيف العقل ـ أو التعقّل ـ فيما يتعلّق بمختلف وجوه الحياة البشرية وأبعادها. إنّ العقل كاشفٌ عن أنّ العقل لا يقبل الخطأ، ولكن عندما تتولّى الإرادة الإنسانية توظيف هذا العقل، ربما عملت على تنظيم مسارٍ يؤدّي إلى خليطٍ من العقل والجهل، فيتمخض بالتالي عن وعي خاطئ أو غير دقيق.

إنّ الإرادة الإنسانية في التعلّق لا تكتفي بمجرّد المدركات البسيطة الحاصلة من الداخل والخارج، بل تعمل على البناء التنظيمي في امتداد المعرفة العلمية. إنّ البناء التنظيمي والتنظيري يتم من خلال توظيف القابليات الإنسانية في موطن النفس. إنّ الالتفات إلى موقع الإرادة بوصفها عنصرًا بناءً، وإلى موقع العقل بوصفه كاشفًا عن الحقيقة، يحظى بأهميةٍ كبيرة؛ ففي هذا المسار تقوم الإرادة بنشاطٍ معرفي، لا أنّها تحصل على المعرفة بنفسها. فالمعرفة على كلّ حالٍ من وظائف العقل، وأمّا الإرادة فتباشر الفعل والصنع. قد يتحقّق نوعٌ من الصنع في مسار التعقّل والمعرفة، إلا أنّ صنع الفعل يتمخض عن الإرادة بشكلٍ متواصل، إذ تكون معرفيةً حينًا، وعينيةً وخارجيةً في أحيانٍ أُخر.

(150)

إنّ هذا البناء التنظيمي الصادر عن الإرادة، يتمكّن من العمل على توسيع المعرفة أو تضييقها. إنّ هذه الرؤية التي تمتد بجذورها في الكلام الإسلامي ومذهب أهل البيت عليهم‌السلام، تضع حدًّا وفاصلًا دقيقًا بين الإفراط والتفريط في المعرفة، إذ يذهب أحد الجانبين إلى عدّ جميع المعارف الإنسانية من شؤون العقل، ويذهب الجانب الآخر إلى عدّ كلّ معرفةٍ أمرًا مختلقًا وخاليًا من التعبير عن الحقيقة والواقع. إنّ هذه القابلية الإنسانية في التعاطي بين العقل والإرادة هي التي يصطلح عليها بـ (الإنتاج الفكري).

وعلى هذا الأساس فإنّ الاختلاف بين التعقّل والعقلانية الحاصلة منها، يكمن في أنّ الإنسان يصل إلى المعرفة تارةً من خلال توظيف العقل مباشرة، وتارةً أُخرى يعمل على تنظيم معرفته في إطار صنع الإرادة. إنّ الفصل بين التعقّل والعقلانية يحظى بالأهمية من جهاتٍ عدّة، أوّلًا: إنّ الشخص يصادف وجود هذين الأمرين في موطن النفس مقترنين، ويمكن لذلك أنْ يتسبّب في الخلط بينهما. وثانيًا: يمكن لهذا التفريق أنْ يوضّح قدرة الفرد في مسار بناء المنظومة المعرفية، ويكشف عن تفاوت الأنظمة المعرفية ونسبتها إلى التعقّل الأصيل. وثالثًا: إنّه يحافظ على إمكان ارتباط المنظومة المعرفية بالعينية الخارجية. وتكمن أهمية النقطة الثالثة من حيث إنّه عند انقطاع الارتباط مع الخارج، لن يكون هناك إمكانٌ للإخبار عن الخارج وتحصيل العلم أبدًا. ومن خلال الفصل بين التعقّل بوصفه طريقًا إلى تحصيل المعرفة، والعقلانية بوصفها نتيجةً للجهود العقلانية، يمكن للعقل تزويد الفرد بالمعرفة عن تطابق المعارف والمنظومات المعرفية مع الواقع وعدمه. وعلى هذا الأساس فإنّ الفرد يواجه على الدوام توظيفين للعقل، وهما: التعقّل الأولي الذي يصون ارتباط الفرد بموضوع

(151)

المعرفة، ويمكن الرجوع إليه بوصفه معيارًا للمعرفة. والتعقّل الثانوي الذي يتم في إطار الأنظمة المنتَجة.

والخلاصة أنّ التعقّل هو حصيلة العلاقة الجدلية والديالكتيكية بين العقل وإرادة الفرد، وهو منوطٌ ومقيّدٌ بمقدار الاستفادة من العقل والإرادة. ومع ذلك فإنّ العقل على كلّ حالٍ هو الحاكم والسيّد في التشخيص الأول والأخير، ويمكن له أنْ يرصد حتى تدخّل الشهوة في تشخيصاته؛ لأنّ العقل من أجل إتمام الحجية على الإنسان يجب ألّا يكون محكومًا للعلاقات الجبرية الخارجية والداخلية، الأعم من العلاقات النفسية والاجتماعية والتاريخية. وبالاستناد إلى سيادة وحاكمية المعرفة العقلية هذه، يمكن للفرد في كلّ لحظةٍ أنْ يُغيّر من الظروف والشروط المحيطة بل والتاريخية أيضًا، ويأسس على أنقاض ذلك حياةً أخرى أو حضارةً جديدة. وإنّ الدعوة القرآنية إلى الهجرة والقيام، والدعوة إلى أصل التوبة في التحول الداخلي والوجداني، تمثّل شاهدًا آخر على هذا الإمكان الماثل من الظروف البيئية المحيطة بالفرد، وعدم خضوع عقله وإرادته للظروف والشروط المحيطة به.

إنّ مثلث العقل والتعقّل والعقلانية، والفصل بين هذه الأضلاع الثلاثة، من شأنه أنْ يعمل على إيضاح الخلط الشائع في هذا الشأن. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن القول: إنّ هيجل قد أخذ التعقّل خطأً في قبال العقل، وتحدّث عن حركة وتكامل العقل في التاريخ[1]. كما خلط أصحاب النزعة التاريخية في الواقع بين العقل والعقلانية، ومن هنا عندما تحدّث بعض المفكّرين، من أمثال: محمد أركون أو محمد عابد الجابري عن العقل الإسلامي أو العقل العربي، إنّما

(152)

كان مرادهم من ذلك خصوص العقلانية[1]. بل يبدو حتى من ابن خلدون أنّه قد خلط في نصوصه بين العقل والعقلانية أيضًا[2].

وهنا رغم تأكيدنا السابق السيادة والحاكمية الحاسمة للعقل، نُصرّ كذلك على أنّ العقلانية ـ بسبب تأثيرها المباشر في اتخاذ القرارات، وحتى في منظومة الأفكار والميول ـ تحظى بمكانةٍ خاصّة. إنّ النظام الأخلاقي العام، وأولويات الإنسان في مقام العمل رهن بالعقلانية المنظمة بنحوٍ مباشر. وبعبارةٍ أخرى: إنّ قيادة الحياة الإنسانية تتم عبر العقلانية المنتجة من قبل الإنسان نفسه، أو العقلانية التي يرثها من الثقافة والحضارة الإنسانية، على الرغم من أنّ هناك ـ كما ذكرنا ـ إمكانًا لتشخيص الآفات وتغيير هذه العقلانية على الدوام، وأنّ الفرد يتمتّع في هذا المسار بالإرادة والاختيار على نحوٍ طبيعي. إنّ السرّ في الحضور الفعّال للعقلانية في حياة الإنسان يكمن في أنّه لا يقوم بشكلٍ متواصلٍ بالمحاسبة العقلانية الواعية، بل على أساس منظومته الفكرية والاتجاه السابق عنده والمتمثل بالعقلانية، إذ يقوم بكثيرٍ من قراراته على نحوٍ لا شعوري، وهذا هو الذي يكون جزءًا من هويته الثانوية.

إنّ من بين الأدلة الأخرى التي تؤدي بالإنسان إلى الانتقال بنحوٍ طبيعي من مرحلة التعقّل الأولي، والعمل بنحوٍ إرادي على صنع منظومةٍ من النظريات والمفاهيم، هي الموارد الآتية: إنّ الإنسان بحاجةٍ إلى تنظيم معلوماته وتبيينها وتوضيحها، والعمل على الإجابة عن مجهولاته من طريق إيجاد الارتباط بين معلوماته السابقة. كما أنّه يسعى إلى تطبيق معلوماته وخاصّة إثر التفاهم مع

(153)

الآخرين. إنّ الحاجات الآنفة تستوجب التنظيم الفكري والتنظير بشكل طبيعي، وأمّا في المرحلة اللاحقة ـ وهي المرحلة الحضارية ـ فإنّه سوف يتأثّر بمقدار ما يسعى فيه إلى التفاهم مع الآخرين بقابلياتهم المفهومية والمعرفية. إنّ هذا التفسير للتفكير والمعرفة الإنسانية على خلاف التصورات الفلسفية والعرفانية التي لا تقول في الأساس بوجود دور للإرادة، وإنّ مبنى هذه الرؤية الفلسفية أنّها ترى أساس النشاط الجوارحي والعملي للإنسان يكمن في السعي الجوانحي والنفسي للإنسان، أي فعل المعرفة الإنسانية، وإنّ مسار المعرفة من وجهة نظر الفلاسفة المسلمين أمرٌ جبري وغير إرادي.

بعد تبلور المصنوعات الذهنية، يمكن للفرد أنْ يُطلّ من نافذة هذا النظام المعرفي الصناعي ويلقي نظرةً ثانيةً على الكون والإنسان، وتكون لديه أفهامٌ جديدة. ونطلق على هذه الأفهام الجديدة مصطلح (التعقّل الثانوي). كما يمكن تسمية هذا التعقّل الثانوي بـ (التعقّل الجمعي) أيضًا؛ لأنّ الفرد في أثناء التفكير وبناء النظام، غالبًا ما يستعين بالأدبيات والثقافات والعلوم المعاصرة وحتى النظام الأخلاقي المحيط به، على الرغم من أنّ هناك في التعقّل الأولي تأثيرًا للغة والزمان والمكان أيضًا، بيد أنّ دور هذه الأمور في مسار الفهم شأنٌ تبعي.

أما الخطوة الثالثة في التعقّل ـ التي تحدث في ظلّ ظروف وشرائط خاصّة فقط ـ فهي تكمن في تبلور «العقلانية الحضارية»، وذلك عندما تتحوّل المحورية الفردية، أي الاعتقاد والثقافة والأخلاق والحاجات الفردية، إلى الاعتقاد والأخلاق والحاجات الجماعية.

في هذه المرحلة تشتبك الروابط والعلاقات الجماعية، وتتسق فيما بينها بنحوٍ تتبلور الأهداف والثقافة والحاجة المشتركة، وخلافًا لمرحلة التعايش والتعقّل

(154)

الجمعي، إذ كان الأفراد ينسقون هوياتهم في إطار النسبة مع الآخرين فقط، تغدو الهويات في المرحلة الحضارية هوياتٍ مشتركةً ومستقلةً عن الأفراد، وتغدو بوصفها نموذجًا للتفكير والسلوك موردًا لتبعية الأفراد. وفي المرحلة الحضارية تصل العلاقات الجماعية في مرحلة التحول إلى إنتاج الثقافة الجماعية المستقلة، بنحوٍ لا يجد حتى المخالفون لتلك الثقافة مندوحةً من التماهي مع ما هو عليه حال الجماعة. وفي هذه الحالة لا تكون مشاركة الفرد بالضرورة مشاركة «أنا» المعتقد في العلاقات الاجتماعية، بل تغدو القيم الأخلاقية والثقافة الجماعية هي مبنى التفكير والإرادة لدى الأفراد. وفي هذه المرحلة لا تكون إرادة الفرد أو إرادة آحاد الأفراد فردًا فردًا هي من يعمل على الدفع بالجمع قُدْمًا، بل الذي يعمل هو إرادات الأفراد في إطار الإرادة الجماعية التي حصلت على هويةٍ مستقلة نسبيًا. وعلى هذا الأساس يمكن في الحالة الحضارية أنْ يعمل العلماء والمفكّرون ـ دون أنْ يكون لديهم اعتقادٌ شخصي ـ على خدمة وتطوير العلم السائد والثقافة الحاكمة.

إنّ تحديد هذه المراحل في الحياة الإنسانية والمجتمعات البشرية، يمهد الأرضية لإمكان التوصيف النفسي لذات الإنسان وحالته، كما يجعل من التحليل التاريخي ـ الاجتماعي لمراحل تطوّر المجتمعات البشرية أمرًا ممكنًا. والنقطة المهمة أنّه قد تجتمع في آنٍ واحدٍ وبشكلٍ متزامن لدى الإنسان ثلاثة أنواعٍ من التعقّل: الأولي، والثانوي (الجمعي)، والحضاري. وفي الوضع الحضاري لا يمكن تحويل حتى علوم من قبيل الفلسفة إلى اعتقادٍ لدى الأفراد، بل تعمل بوصفها فصلًا مشتركًا حاكمًا على العلاقات والإرادات الجمعية. وعلى هذا الأساس فإنّ العلم والثقافة في الوضعية الحضارية وإنْ كانت من نتاج الإرادات، إلا أنّ هذا النتاج قد حصل

(155)

بنفسه على هويةٍ مستقلةٍ، وإنّ العمل على تغييرها يحتاج إلى آلياتٍ خاصّة، ولا يمكن تغيير هذه الهوية بوساطة الإرادات الفردية.

والخلاصة هي أنّ جوهر الحضارة إنّما يتبلور عندما يصل البشر إلى إنتاجٍ مشتركٍ للقيم والمفاهيم والمعتقدات على أساس الأهداف والمقاصد الخاصة. وما ذكرناه في هذه المقالة إنّما هو مجرد إشارة إلى قدرة مباني علم الكلام الإسلامي على إعادة إنتاج النظريات الحضارية. ويمكن تطبيق ما يشبه هذا النموذج تقريبًا على جميع القابليات المذكورة آنفًا في علم الكلام أيضًا.

 

 

 

 

 

 

(156)

 

 

المصادر

  1. أركون، محمد، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، بیروت، المركز الثقافي العربي، 1998 م.
  2. سبحاني، محمد تقي، الگوي جامع شخصيّت زن مسلمان، قم، مركز مديريت حوزه‌هاي علميه خواهران، دفتر مطالعات وتحقيقات زنان، 1382 هـ.ش.
  3. ـــــــــــــــــــ، «درآمدي بر جريان‌شناسي انديشه اجتماعي ديني در ايران معاصر»، مجلة: نقد ونظر، العددان: 43 و44، سنة 1385 هـ.ش.
  4. ــــــــــــــــــ، «درآمدي بر جريان‌شناسي انديشه اجتماعي ديني در ايران معاصر»، مجلة: نقد ونظر، العددان: 45 و46، سنة 1386 هـ.ش.
  5. طرابيشي، جورج، نظرية العقل، بیروت، دار الساقي، 1999 م.
  6. العروي، عبد الله، مفهوم العقل، بیروت، المركز الثقافي العربي، ط 2، 1997 م.
  7. هگل، گ. و. عقل در تاريخ، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد عنايت، طهران، دانشگاه صنعتی شریف، موسسه انتشارات علمی، طهران، 1356 هـ.ش.

 

 

 

 

 

(157)
(158)

 

 

قابليّات العرفان الإسلامي في الإنتاج الحضاري[1]

السيد يد‌الله يزدان پناه[2]

لغرض تقرير ظرفيات العرفان الإسلامي في إطار بناء الحضارة، يجب أنْ نعمل أولًا على بيان تصويرٍ واضحٍ عن مقولتَي العرفان والحضارة، وهو ما سوف نتعرّض له على نحو الإجمال. ثم سوف نطرح سؤالين أساسيين حول تقييم قابلية العرفان في بناء الحضارة، الأول: السؤال عن قدرة توصيف العرفان لظاهرة باسم الحضارة. والسؤال الآخر هو: السؤال عن القابليات الذاتية للعرفان في تحقّق الحضارة. وبعبارةٍ أخرى: تارةً يكون السؤال عن القدرة وقابلية التوصيف والتحقيق العلمي، وتارةً أخرى يكون السؤال عن القدرة وقابلية التحقّق العيني؛ ففي واحدٍ يكون الشأن التوصيفي والتفسير هو المنظور، وفي الآخر يكون المنظور هو الشأن العليّ. ومن هنا سوف نعمل في القسم الأول من هذه المقالة على إظهار قدرة توصيف العرفان للحضارة وآلياته في هذا الشأن، وسوف نعمل في القسم الثاني على بحث كيفية أداء دور العرفان في هندسة الحضارة الإسلامية.

 

(159)

التعريف الإجمالي للحضارة

في بعض الأنظار يتمّ فهم الحضارة وتعريفها بوصفها أمرًا ذهنيًا، ونوعًا من رؤية الفاعل المعرفي على المستوى الجمعي العام، وأمّا في هذه المقالة فلن يكون هذا النوع من الفهم هو المبنى، وإنّما ينظر إلى الحضارة بوصفها أمرًا أسمى من الثقافة التي لها حضورٌ عينيّ في المجتمع. إنّ الحضارة هي «نتيجة وتبلور الثقافة الناظرة إلى الحياة الواقعية». وبعبارةٍ أخرى: إنّ الحضارة تُبنى على أساس الثقافة، ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الثقافات غير الناضجة وغير المنتشرة والتي تسجّل حضورها في مستوياتٍ صغيرةٍ من الحياة الاجتماعية، لا تمتلك قابلية بناء الحضارة. إنّ فرضية هذا التعريف هي أنّ كلّ فكرةٍ ـ وإنْ كانت من قبيل العدمية ـ تمتلك قابلية الانتشار، ولكن ما أكثر الأفكار التي لم تنتشر أبدًا، ومن هنا يجب أنْ يتمّ العمل على تنمية الثقافة القائمة على فكرٍ خاصٍّ على نحوٍ جيّد، بل ويجب أنْ تكون هذه الثقافة ناظرةً إلى واقع الحياة، لتكون قادرةً على بناء الحضارة والحصول على الموقف الحضاري، ولكن حتى الثقافة قد لا تمتلك لمجرّد انتشارها هويةً حضاريةً بالضرورة، بل إنّ هذه الثقافة لو تحقّقت في جميع نقاط المجتمع واكتسبت صفة الواقعية الشاملة، فسوف تتحوّل إلى حضارة. وبطبيعة الحال فإنّ الحلّ والفصل الحاسم والنهائي لهذا النوع من التعريفات رهنٌ بطرح مباحث فلسفيةٍ ولا سيّما البحث عن كيفية وجود المجتمع والثقافة والحضارة بل وحتى التاريخ؛ حيث سيتم من خلال هذا الطرح العبور من الأفهام الاعتبارية.

إنّ تعدّد أنواع الحضارات ـ في ضوء هذا التعريف ـ يعود إلى إمكان تصوّر تعدّد أنواع الثقافات، وإنّ وجود الثقافات المتعددة إنّما يمكن الدفاع عنه من جهة أنّ الثقافة والحضارة كلتيهما ظاهرةٌ إنسانيةٌ بالكامل؛ بمعنى أنّ لدى الإنسان وجودًا شعوريًا وإراديًا، ولا جرَم أنّ المفهوم والحيث الشعوري/الإرادي يمور

(160)

في آحاد أفعاله ويموج في نشاطاته الفردية والاجتماعية. ومن هنا فإنّه بالنظر إلى اختلاف المعاني القائم على اختلاف الإدراكات والإرادات، يكون القول بإمكان ظهور أنواع الثقافات وأنواع الحضارات قابلًا للاعتراف[1]. وفي الواقع فإنّه في هذا الفهم كما يمكن الحديث في الحقل الفردي عن المعنى ثم الفعل الذي يعدّ تجسيدًا للمعنى الداخلي الكامن في الإنسان، كذلك في الحقل الاجتماعي يمكن الحديث عن الثقافة بإزاء المعنى في الحقل الفردي وتجسّد هذه الثقافة على نحوٍ شاملٍ وفي جميع شؤون الحياة، بوصفها حضارةً في إزاء العمل الفردي في جميع جوانبه، مع عدم الغفلة عن هذا التذكير المهم وهو أنّ الحضارة يمكن تصوّرها في أكبر الشرائح الاجتماعية للحياة البشرية، وأنّ كلّ مجتمعٍ صغيرٍ يقتصر على امتلاك مجرّد علاقات ومعطيات محدودة، لا يمكن عدّه حضارةً بالغة مرحلة التحقق والتعيّن؛ وإنْ كانت هذه التجمعات الصغيرة قد تمتلك في ذاتها قابلية نشر حضارة كبرى وبسطها؛ كما كانت المدينة النبوية تحتوي على قابلياتٍ ثقافيةٍ مترعةٍ وغنيّةٍ جدًا، حتى على شكل معطيات ومخرجات عينية ـ وإنْ على نحوٍ محدود ـ وإنّ هذه القابليات الحضارية للمدينة النبوية هي ذاتها التي وصلت في مسارٍ بالغ السرعة إلى أقصى نقاط العالم.

التعريف الإجمالي للعرفان

لقد اقترن ظهور العرفان في تاريخ الإسلام بمنعطفاتٍ ومعطياتٍ متنوّعة؛ وبنحوٍ عامّ فإن نقطة انطلاق العرفان تبدأ من الجهود المخلصة للوصول إلى الحق تعالى والقرب منه، وهو السعي الذي يتبلور داخل الإنسان ويمخر الأبعاد الوجودية منه، ليصل ـ من خلال تجاوز الأبعاد الضحلة والمتدنية من الحياة ـ إلى الأبعاد الباطنية

(161)

المتعالية. إنّ هذا السعي الذي يُسمّى بالسلوك، يحدث على نحوٍ حضوريّ وليس على نحوٍ مفهومي. إنّ نتيجة هذا السعي المواجهة مع الحقائق والوقائع الباطنية، الأعم من المراحل الإنسانية الداخلية وصولًا إلى الحقائق الباطنية لكلّ عالم الوجود. إنّ نتيجة تراكم هذه المعطيات في التجربة الجماعية للعرفان، قد أدّت إلى معطيين أساسيين، وهما:

1. علمٌ باسم العرفان العملي، وهو يعمل على توصيف مراحل وضوابط السلوك الداخلي، ويفتح موانع وترتّب المراحل.

2. العرفان النظري الذي يعمل على توصيف نتائج العارفين عن سلسلة مراتب الوجود ابتداءً من أعلى المراتب إلى أدناها، بيد أنّ للعرفان ـ بلحاظ حيثيته الاجتماعية ـ مخرجاتٍ أُخر من قبيل التأثير على الفن والأدب أيضًا، كما يتمّ الحديث كذلك عن «العرفان الأدبي» أيضًا.

القابليات التحقيقية للعرفان حول الحضارة بشكل علمي

قبل البحث حول القابليات التحقيقية للعرفان في حقل الحضارة، يجب الجواب عن هذا السؤال القائل: لماذا ينطوي البحث عن القابليات التوصيفية للعرفان على أهمية؟ وبعبارةٍ أخرى: قد يُشكل بأنّ العرفان إذا كان يساعد في تأسيس الحضارة وهدايتها، فإنّه سوف يكتسب موقعًا قابلًا للدفاع في نسبته إلى الحضارة، وإلّا فإنّ القدرة على توصيف ظاهرةٍ ما لا ينطوي على أهميةٍ كبيرة. وفي مقام الجواب لا بدّ من الالتفات أولًا: إلى أنّ الأدبيات واللغة التوصيفية والتحليلية عن أمرٍ عامٍّ باسم الحضارة من القلة بنحوٍ لو أمكن لعلومٍ متعدّدةٍ ـ من قبيل علم العرفان ـ أنْ توفّر جزءًا من اللغة العلمية التي تمسّ الحاجة إليها في هذا الشأن، أمكن التفاؤل بمواجهة الحضارة مواجهةً علمية، وإلّا سوف يكون توهّمًا مثاليًا بعيد المنال. وثانيًا:

(162)

إنّ العرفان بوصفه علمًا يمتلك القدرة على الحلّ والفصل الحاسم والنهائي للعُقد المعرفية في حاق الواقع، إذا أثبت قدرةً مناسبةً في وصف الحضارة، فإنّه سيعمل في الواقع على تقديم إضافة قيّمة إلى سلة العلوم التوصيفية للحضارة. فإن كون التوصيف متطابقًا مع صلب الواقع، يضفي قوّةً قاهرةً إلى الفكر والمواجهة البشرية مع الظواهر مورد التوصيف.

وعلى الرغم من ذلك كله فإنّه في إطار تقييم قابلية القدرة التوصيفية للعرفان عن الحضارة، يجب توجيه الاهتمام الأصلي إلى العلوم المنبثقة عن العرفان، أي: علم العرفان العملي، وعلم العرفان النظري. إنّ العرفان النظري والعرفان العملي، يعمل كلّ واحدٍ منهما على تحليل ظاهرة الثقافة والحضارة باتجاهين مختلفين؛ إنّ العرفان النظري يعمل على تفسير كلّ ظاهرةٍ متحقّقةٍ بوساطة الأسماء الإلهية، وكذلك التلاقح والدولة الأسمائية. وحتى الظواهر التي تحتوي على نوعٍ غير مطلوبٍ من الكينونة الشرعية، يمكن العمل على إيضاحها بوساطة هذا المسار أيضًا؛ وذلك لأنّ العرفان النظري يعدّ الحقّ تعالى صلب الوجود وأنّ ما سواه ليس سوى ظهورٍ وتجلٍّ عنه، ومن هنا فإنّه في توصيف مراحل تجلّي الحقّ تعالى في مرآة الكثرات الخلقية، يتحدّث عن تجلّي الذات في أسمائه وصفاته، ثم وفي مراحل أخرى يعدّ المخلوقاتٍ تجليًا عن هذه الأسماء والصفات الإلهية.

وأمّا في ساحة العرفان العملي فإنّ العمل على إيضاح الظواهر الثقافية والحضارية وتفسيرها، بل وكلّ أمرٍ آخر، سوف يكون في ضوء مقدار قربه وبُعده عن الحقّ تعالى. وسبب هذا التوجّه هو أنّ العرفان العملي يُعدّ من سنخ الطريق، وأنّ تحديد هوية الطريق رهنٌ بالمقصد والغاية أيضًا. وعلى هذا الأساس فإنّه بلحاظ أنّ المقصد والغاية من زاوية العرفان العملي ليست سوى الحق تعالى، وأنّ كلّ سعي إنساني يمثّل بدوره نوعًا من سلوك مسار، وأنّ تقييم الطرق بل وتوصيف هوية الطرق

(163)

رهنٌ بنسبة القرب والبُعد الذي سيكون لها من هذا المقصد، فإنّ القرب والبُعد من الله تعالى سوف يكون هو المعيار الأساسي لتوصيفات العرفان العملي حتى بشأن الحضارة؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّه يمكن عدّ الحضارات الماضية في مسار الحق تعالى مظهرًا لاسم الهادي وبيانها بوساطة دولة هذا الاسم، وعدّ الحضارات السائرة في طريق الباطل مظهرًا لاسم المضلّ الذي هو من أسماء الحقّ تعالى أيضًا.

وفي ضوء هذا النموذج يمكن عدّ أفق الحضارة العليا المنشودة للإسلام هي الحضارة التي يكون فيها اسم الله بوصفه جامعًا ومصدرًا للأسماء الأخرى لصاحب دولة الحق، وتكون من صدرها إلى ذيلها تمهيدًا للتقرب إلى ساحة الله سبحانه وتعالى، أي أنّها حضارةٌ توحيديةٌ بالكامل؛ بنحو تكون توحيديةً في مقام التحقّق والظهور، كما أنّها تدعو إلى التوحيد بنفسها أيضًا.

ومع غض النظر عن الأبحاث المعرفية، فإنّ العارف السالك بدوره يستطيع على أساس شهوده أنْ يدعي توصيف الحضارات والثقافات أيضًا؛ وذلك لأنّ كلّ ظاهرة تحتوي على تحقق ويمكن أنْ نعدّ لها تحقّقًا ذاتيًا، تمتلك باطنًا وملكوتًا، ويمكن للعارف أنْ يشهد كلّ ظاهرةٍ من هذا النوع بشرط امتلاكه للقوّة اللازمة، وأنّ شهوده هو رؤية تلك الناحية الملكوتية ذاتها؛ بمعنى الأسماء والصفات المكوّنة لتلك الظاهرة.

والنقطة المهمّة هي أنّ التوصيفات الحِكَمية والعرفانية الأخرى التي يمكن إطلاقها على الظواهر المتحقّقة والذاتية، مع الخروج من فرض اعتبارية الحضارة والثقافة، تقبل التطبيق عليهما. وبنحوٍ خاصّ يمكن الحديث عن مقولة الحركة الجوهرية ونظرية اتّحاد العمل والعامل الصدرائية في توصيف تحوّلات الحضارة. مع التذكير بأنّ الحركة الجوهرية ونظرية اتّحاد العمل والعامل لا تنطوي على أيّ دلالةٍ على اشتداد الحضارة بلحاظ السعادة وازدهارها، بل ويمكن توقّع توصيف

(164)

السقوط الحضاري لمثل هذا النموذج؛ وذلك لأنّ الإنسان والمجتمع الإنساني وتبعًا لذلك الحضارة بفعلها، يوجد التغيير في نفسه لحظةً بلحظة، ويعمل على بناء نفسه بنفسه، سواء تحرّك نحو التعالي أم سار نحو الضلال. وبشكل طبيعي فإنّ الأحكام والقوانين والسُنن الإلهية حاكمةٌ في جميع هذه الأمور، وإنّ الضلال في جميع السطوح والمستويات يتآكل من تلقائه، وسوف يؤدّي إلى الانحطاط الفردي والاجتماعي[1].

قابليّات العرفان في تحقيق الحضارة

يقال أحيانًا إنّ طبيعة العرفان في الأساس هي بنحو لا يمكن أنْ يكون لها قابلية مدنية. ومن هنا فإنّنا في دراسة القابليات الحضارية للعرفان، علينا أنْ نعمل أولًا على شرح ما إذا كان العرفان الإسلامي في الأساس يحتوي بطبيعته على قدرةٍ حضاريةٍ أم لا؟ ثم الانتقال بعد ذلك إلى بحث إمكاناتها الحضارية. وعليه فإنّنا نتناول هذا البحث في مقامين، وهما:

1. كيف يمكن للعرفان المُعْرِض عن الدنيا أنْ يبني حضارة؟

2. ما هي الأدوار المقترحة من قبل العرفان الإسلامي لبناء الحضارة الإسلامية الحديثة؟

1. العرفان المُعْرِض عن الدنيا والقدرة على بناء الحضارة

لقد تمّت إثارة بعض الأسئلة والتشكيكات فيما يتعلّق بقدرة وقابلية العرفان في بناء الحضارة؛ من قبيل قولهم: لمّا كان العرفان يحتوي على طبيعةٍ داخليةٍ وباطنية، ولمّا كان يستند إلى تعاليم من قبيل: الدعوة إلى الآخرة، والزهد، والقناعة، والعزلة وما إلى ذلك، فلا يمكن أنْ نتوقع منه بناء حضارةٍ ما؛ وذلك لأنّ كلّ حضارةٍ تحتوي على طبيعةٍ دنيوية، وعليه فإنّه من خلال الإعراض عن الدنيا وعدم التركيز عليها، يكون إمكان بناء الدنيا والحضارة من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.

(165)

إنّ السبب الرئيس في بيان هذا الإشكال يعود إلى الأنس الذهني والنظر إلى أنواع العرفان ذات الطبيعة الانعزالية بالكامل. وبعبارةٍ أخرى: في ظروف تحقّق بعض أنواع العرفان والتي نجد بعضها ينطوي على طبيعةٍ معرضةٍ عن الدنيا وتدبير شؤونها، يكون مثل هذا الحكم صادقًا بشأن هذا النوع من العرفان تمامًا، ولكن لا يمكن تعميم هذه الحكم على أنواعٍ أخرى من العرفان. من ذلك ـ في الحدّ الأدنى ـ أنّ العرفان الإسلامي الذي ليس له في كثيرٍ من التحليلات المتأخرة[1] من منشأ سوى الإسلام، فإنّه بسبب استناده إلى الإسلام، وعدم إعراض الإسلام عن الدنيا وتدبير الشؤون الدنيوية، لا يمكن وصفه بهذا الوصف. بل ويمكن القول على نحوٍ تعميمي: إنّ أنواع العرفان الديني في الأساس ـ بمعنى العرفان المنبثق عن جميع الأديان الإبراهيمية ـ مهما كانت معرضةً عن الدنيا، إلا أنّها بسبب الماهية الأساسية للدين الإلهي، مضطرةٌ إلا أنْ يكون لها توجّهٌ دنيوي، ولا يمكن إلغاء الجانب الظاهري وتدبير الدنيا في بعض جوانبها بالكامل.

كما كان لهذه النقطة في العرفان الإسلامي ـ الذي يمثّل النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طبقًا لجميع التقارير مركز الذروة فيها، بل ويتمّ التعبير عنه حتى في الأدبيات العرفانية بوصفه «خاتم المراتب» ـ نتيجةٌ وثمرةٌ في ماهية العرفان التاريخي أيضًا، وهي ذات الطبيعة القوية جدًا في الاهتمام بالدنيا عبر التأسي بسيرة النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وبعبارة أخرى: عندما يعمد فيلسوفٌ بمستوى صدر المتألهين إلى وصف النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه العقل الكل، ونتيجة لذلك يعدّ كلّ كلامٍ يصدر عن هذه المرتبة العليا بمنزلة الكلمة الأخيرة التي لا تقبل الخطأ، وإنّ نتيجته التلقائية والقهرية هي الإطاعة التامّة والكاملة من قبل العارف للشريعة؛ وهي الشريعة التي لا تتنكر

(166)

للدنيا أبدًا. ويمكن إقامة كثيرٍ من الشواهد على وجود مثل هذه الرؤية، ومن بينها:

إنّه بعد ظهور نظرية «الفناء» في العرفان الإسلامي، ظهرت مباشرةً نظرية «البقاء بعد الفناء» بوصفها مرحلة أكمل من «الفناء». إنّ شمس التبريزي في مقام إرشاد جلال الدين المولوي، يعمل على مقارنة مقولة «سبحاني ما أعظم شاني» لبعض العارفين، واهتمام النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالعبودية، ويُشير بذلك إلى أنّ مقام البقاء بعد الفناء هو المقام الأكمل من مقام الفناء. وإنّ المعنى الواضح لـ«البقاء بعد الفناء» ليس شيئًا سوى العيش بين الخلق بوصف الحق. وقد ورد حتى في السفر الرابع للعارف الكلام عن «الاهتمام» ورعاية شؤون العباد، وقد عُدّ حتى الذهاب إلى الخلق بالحقّ امتدادًا لتلك الأسفار المعنوية المتعددة. وفي توضيح هذه الرؤية قال بعض العارفين والشارحين للعرفان: لو أنّ الأنبياء كانوا في بُعد منشغلون بمحاربة أنفسهم، فإنّه في مجال آخر تحول جميع المجتمع إلى ساحة لمواجهة النفس. مع الالتفات إلى أنّ النظر إلى الأنبياء ومواقفهم وحركاته المتأسية بالقرآن الكريم في غاية الأهمية بالنسبة إلى العارفين. ومن الضروري التذكير بهذه النقطة في التحليل أعلاه، وهي أنّه عندما يكون العرفان داعيًا إلى الكمال، فإنّه يعمل على تنظيم رؤيته الكمالية في الاهتمام بالدنيا وأهل الدنيا والبقاء بعد الفناء ومدّ يد العون إلى الخلق تحت عنوان السفر الرابع، لا يعود هناك مجالٌ للادعاء بأنّ هذا العرفان مُعرضٌ عن الدنيا.

وبطبيعة الحال فإنّ هذا التحليل لا يعني تجاهل بعض الأفكار المتوسّطة والأولية وغير الناضجة في العرفان التاريخي أو وجود بعض السالكين المعرضين عن الدنيا، وقد قام كثيرٌ من العارفين المحققين بتوضيح هذه الظاهرة بشكل جيّد؛ ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ إعادة وجود السالكين المعرضين عن الدنيا والذين اكتسبوا مجرّد بُعدٍ فنائي، إلى قابليتهم القليلة والنقص فيهم. ومن هنا لا يمكن اتهام صلب العرفان الإسلامي بالإعراض عن الدنيا؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ محيي الدين ابن

(167)

عربي والقونوي ـ بوصفهما من قمم أفكار العرفان النظري ـ قد تحدّثا صراحةً عن الخلافة بالسيف (إقامة حكم الله)[1] في الرؤية العرفانية، وقد ذهب جلّ العرفاء إلى وضع ذلك في ذروة المقامات، وقالوا بأنّ الكمال النهائي للأولياء والأنبياء بعد الولاية والنبوّة والرسالة، الحكومة والزعامة الاجتماعية بالتنصيب الإلهي.

إنّ ابن عربي على الرغم من كلامه الكثير حول خلافة النبي آدم عليه‌السلام ومعنى هذه الخلافة، يذهب فيما يتعلّق بالخطاب الإلهي إلى النبيّ داودعليه‌السلام بقوله سبحانه تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ[2] إلى عدّها خلافةً أخرى، بمعنى أولًا: إنّه يرى أنّ شؤونًا من قبيل النبوة والرسالة والخلافة بالسيف ناشئة من المرتبة الباطنية للولاية. وثانيًا: يرى أنّ الرسالة شأنٌ اجتماعيّ إبلاغي للولي الإلهي وبوساطة قوّة ولايته. وثالثًا: يرى أنّ المرتبة الأقوى من ذلك والتي تنشأ من قوّة التوحيد والولاية، هي الحكومة والخلافة بالسيف للولي الإلهي. وعلى هذا الأساس فإنّه لا يعدّ آياتٍ من قبيل قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ[3] ناشئةً عن شأن النبوّة والرسالة للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، بل يراها ناشئةً عن شأن خلافته بالسيف[4]؛ إذ لا مشورة في تلك الشؤون التي يكون فيها كلّ شيءٍ من الحق تعالى.

إنّ قوّة هذه الرؤية بحيث أنّ السيرة العملية للكثير من العارفين حتى قبل محيي الدين ابن عربي، بل إنّ الأسلوب السلوكي للكثير من النحَل العرفانية، كان يقوم على مساعدة الخلق. إنّ خدمة السالك لعباد الله، لم تكن رؤيةً شاذة، بل كانت سيرةً عمليةً للسالكين. واللافت أنّه حتى في التوصيات السلوكية في مرحلة العزلة قد تمّ

(168)

تنظيمها بنحو لا تصدر الإذن بقطع ارتباط السالك بالكتلة الاجتماعية، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ الحضور في حلقات الذكر والولاية بالإضافة إلى الالتحاق بصلاة الجمعة والجماعات، تعدّ من التعاليم المؤكّدة في هذه المراحل.

يُضاف إلى ذلك أنّه يمكن الحديث عن طريقة فهم العارفين للظاهر ونسبته إلى الباطل. إذا كانت النسبة بين الظاهر والباطن هي البينونة التامّة، وعددنا العارف شخصًا باطنيًا، فإنّ اهتمامه بالظاهر يحتاج إلى أدلّةٍ مستقلّة، ولكن من خلال التأمّل في الأفكار العرفانية يتبيّن بوضوح أنّ الظاهر قد عُدّ مرتبةً من الباطن، ولا نرى أيّ أثرٍ لهذا الشرخ المزعوم أبدًا؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يذهب صدر المتألهين ـ خلافًا للأفكار المشائية التي تعدّ حقيقة النفس روحًا مجرّدة، وتبيّن تعلّقها بالبدن بوصفه أمرًا عارضًا ـ من خلال الاستلهام من الأفكار العرفانية إلى عدّ النفس حقيقةً ذات شؤونٍ تبدأ من أعلى المراتب إلى أدنى المراتب التي هي المرتبة الجسدية. وعلى هذا الأساس سوف يكون تدبير الجسد تدبيرًا للنفس، وليس تدبيرًا لأداة النفس. واللافت أنّ صدر المتألهين نفسه وعلى هذا الأساس يستنتج ضرورة الاهتمام بالأمور السياسية وتدبير الدنيا[1]. إنّ فهم العارفين للقلب الوارد في كثيرٍ من آثارهم، ينسجم بوضوح مع هذا الفهم له بوصفه هويةً واحدةً ممتزجةً بأعلى المراتب؛ أي الروح وصولًا إلى النفس الحيوانية المنطبعة في المادة.

والخلاصة أنّه عند فُهِم أنّ الجسم والروح أمران يقعان في عرض بعضهما، طُرِحت مشكلة تقدّم أحدهما على الآخر، وأمّا في الرؤية الطولية فلا وجود لمثل هذا الإشكال. والمؤيّد الآخر لهذه الرؤية هو أنّ عدّ الجسم مصداقًا للرحم، وضرورة صلة النسب لهذا الرحم والاهتمام به، وعدم الإعراض عنه، أمرٌ تمّ بيانه بوضوحٍ في

(169)

كتاب (مصباح الأنس) للفناري[1]. ثم إنّ اجتياز الطريق السلوكي نحو الباطن يبدأ في الأساس من الظاهر؛ بمعنى أنّ الظاهر يتدخل في أمر السلوك بنحوٍ جدي؛ كما تمّ عدّ الوصول إلى الباطن توقفًا ومحوًا بوصفه مرتبةً أدنى من الصحو بعد المحو، وتمّ مرّةً أخرى بيان الرجوع الباطني إلى الظاهر وتدبير الظاهر.

ومن الناحية التاريخية لا نرى أيّ تضادٍّ بين العرفان والتوجّه الاجتماعي، بل نشاهد توافقًا وتماهيًا تامًا فيما بينهما. كما أنّ هناك كثيرًا من الشواهد التاريخية التي تؤيّد بكلّ وضوحٍ تحقّق هذا النوع من الأفكار في صلب تاريخ العرفان؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ الزاهد المعروف بشر الحافي طبقًا للروايات التاريخية كان له تأثيرٌ كبيرٌ على قرارات الحاكم الجائر آنذاك في بغداد؛ بمعنى أنّ الزهد الذي انتهجه بشر الحافي لم يكن يشكل حائلًا دون تأثيره الاجتماعي. كما أنّ التأسّي بأمير المؤمنين عليه‌السلام واتّخاذه قدوةً من قبل أغلب الفرق الصوفية[2]، يشهد على أنّ الصوفي والعارف في الماضي التاريخي لم يكن يرى أيّ تهافتٍ بين الزهد والحضور الصارخ في المجتمع. وكذلك فإنّ قادة حركة السربداران من أمثال الشيخ حسن الجوري[3] من ذوي الاتجاهات العرفانية الجادة، لم يكونوا يرون أيّ تضادٍّ بين الرؤية التوحيدية وبين الجهاد الاجتماعي أبدًا، وبطبيعة الحال وبشكلٍ عامٍّ لم نجد عارفًا حضر في الساحة الاجتماعية ثم أعرب عن ندمه على هذا الحضور في المجتمع وكسر حاجز خلوته وسلوكه أو أنّه قد تمنّى لو لم يحدث ذلك.

إنّ هذه الموارد تقف إلى الضدّ من تلك التصوّرات التي يسعى العلمانيون إلى نشرها عن العرفان من خلال التعريف به بوصفه تعدّديًا ومتسامحًا إلى حدّ الافتقار

(170)

إلى أيّ موقفٍ تجاه أعداء الدين[1]. إنّ المواقف الواضحة لكبار العارفين في المراحل الاجتماعية والتاريخية تثبت الاختلاف العملي والنظري لهم عن الاتجاهات الحيادية، وإنْ كانت تحت ذريعة إثبات الحقّ للجميع، ومن ذلك أنّ محيي الدين ابن عربي ـ على سبيل المثال ـ كان يدافع بكلّ قوّةٍ عن الحرب ضد المسيحيين الصليبيين خلال ما يُسمّى بـ «الحروب الصليبية»[2]. وبطبيعة الحال هناك من خلط بين الحقل المفهومي لـ«السعادة الوجودية» و«السعادة السلوكية»، وذهب من الناحية العملية إلى عدّهما شيئًا واحدًا، وحملوا حكم العارف في حقل «السعادة الوجودية» على «السعادة السلوكية»، ليستنتج من ذلك أنّ العرفاء يقولون بأحقية الجميع، ولكن عند أدنى تأمّلٍ وتدقيقٍ في الاختلافات بين هذين المفهومين، يتّضح بطلان هذه النتيجة[3].

إنّ العارف متشدّدٌ في معرفة الحق جدًا ومن الصعب إقناعه، ومعياره في ذلك هو النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي يصفه بخاتم المراتب، بيد أنّ حجم تسامحه العملية بدوره يأتي بالتناسب مع سيرة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وهذا يختلف بطبيعة الحال عن الاتجاهات الكلامية التي كانت تؤدّي طوال التاريخ إلى الطرد والإنكار والتكفير. وإنْ كنا نشاهد ـ بغض النظر عن أصل الرؤية ـ اختلافاتٍ عمليةً واضحةً بين العارفين، وهذا أمرٌ طبيعي في حدود هذه المستويات، وله ما يماثله من الاختلافات بين الفقهاء المسلمين، بل وحتى الاختلاف بين الشيعة أنفسهم أيضًا؛ بمعنى أنّه بغض النظر عن أصل الرؤية العرفانية، يعدّ الاختلاف في سيرة العرفاء ـ العائد إلى اختلاف الأمزجة

(171)

الشخصية واختلاف نقاط التركيز ـ أمرًا مقبولًا؛ كما أنّ حجم الاختلاف في سيرة الفقهاء لم يؤدِّ إلى إنكار أساس وحدة تفكيرهم. وعليه فبالنظر إلى ما تقدّم يتضح أنّ الإشكال المطروح على العرفاء بشأن الإعراض عن تنظيم الدنيا، وتبعًا لذلك عدم توفّر القابلية المناسبة لدى العرفان من أجل بناء الحضارة، لا مورد له.

2. الأدوار المقترحة من قبل العرفان الإسلامي لبناء الحضارة الإسلامية الحديثة

وفيما يلي ننتقل إلى بحث أمرين، وهما: أولاًـ الدور المركزي للعرفان في بناء الحضارة الإسلامية. ثانياًـ دور العرفان من بين العناصر الإسلامية المؤسّسة للحضارة.

أ. الدور المركزي للعرفان في بناء الحضارة الإسلاميّة

إنّ الإسلام دين توحيديّ، وحتى الكثير من المفكّرين من غير المسلمين[1]، يرون أنّ نقطة امتياز الإسلام من سائر الأديان الأخرى تكمن في تفكيره التوحيدي، بل ويمكن القول ـ في ضوء رؤية العلّامة الطباطبائي وأضرابه ـ إنّ جميع الأحكام والمفاهيم الإسلامية في مختلف الأبعاد متفرّعةٌ عن التوحيد وبشأنه[2]، وعليه يمكن الإقرار بوضوح بأنّ ظهور هذا الدين في الأفق الحضاري ليس شيئًا سوى محاكاةٍ ودعوةٍ متواصلةٍ إلى التوحيد. ومع ذلك فإنّ الموقع المركزي للعرفان في إقامة مثل هذه الحضارة بالقياس إلى سائر العلوم الإسلامية الأخرى مهمّ للغاية؛ وذلك لأنّ العرفان ـ سواء على المستوى النظري أم العملي ـ يسعى من أجل بسط مفهوم التوحيد. كما يتمّ تعريف السلوك بوصفه تقرّبًا إلى الله سبحانه وتعالى، وحصيلة هذا

(172)

المسار بدوره ينعكس في العرفان النظري بوصفه ظهورًا للحقّ تعالى في جميع تجلّيات الخلق والوجود مع المفهوم المتعالي «لوحدة الوجود الشخصية».

والخلاصة هي لمّا كان الإسلام على مدار التوحيد وانعكاسه، وكان العرفان قد بسط ذاته وظهر على مدار التوحيد، فإنّ الحضارة الإسلامية سوف تتقبل الدور المحوري للعرفان بشكلٍ جيد؛ وذلك لأنّ كثيرًا من الأفكار التوحيدية قد تمّ تفصيلها وبيانها في منظومة العلوم والتراث العرفاني. وبشكلٍ أوضح ربما أمكن إعادة قراءة التوحيد الإسلامي ضمن المعيار الحضاري من زاوية التفكير الكلامي، بيد أنّ هذه الرؤية لا تحتوي أبدًا على العمق والثراء المطلوب والكبير الذي نشاهده في تعاليم الإسلام والقرآن الكريم. مع بيان أنّ الاتجاه الرئيس للكلام الموجود والتاريخي، هو اتجاهٌ جدليّ ويقوم في بعض الأحيان على العقل العُرفي، وهو بعيدٌ جدًا عن العقل الديني المزدهر والمتعمّق؛ فحتى لو تمّ توظيف العقل التبييني ـ الذي هو بصدد بيان كلّ موضوعٍ ومسألة بشكلٍ مستقل ـ يبقى غير خارج عن دائرة العقل الجدلي؛ وذلك لأنّ التفسير غير المنسجم مع الأفكار الدينية سوف يؤدّي إلى نوعٍ من التهافت المختبئ خلف الستار، وسوف ينطوي في الحدّ الأعلى على انسجامٍ بلحاظ الفاعل المعرفي على نحو الإجمال. ومن هنا فإنّ التأكيد على العقل الذاتي الذي يروم توصيف الواقع يُعدّ أساسيًا جدًا. وفي القرآن الكريم تتمّ إعادة حتى المشهد المتكثّر للحرب ـ الذي يبدو أنّه يُدار بحسب الظاهر بوساطة الأفعال وردود الأفعال البشرية ـ برؤيةٍ توحيدية، ولا يمكن توقّع مثل هذا الأمر إلّا من قبل العلوم العرفانية.

ب. دور العرفان من بين العناصر الإسلامية المؤسسة للحضارة

بالنظر إلى ما تقدّم من المطالب يجب العمل هنا على إيضاح ما هي العناصر التي تتلاءم فيما بينها لتعمل على تشكيل الحضارة الإسلامية، وهل كان لعلم

(173)

حضاريّ أم لا؟ وكذلك ما هي النسبة التي يمكن أنْ تقوم بين الحضارة المنشودة والماضي الإسلامي؟ وما هو الدور الذي يضطلع به علم العرفان في هذا الشأن؟ فيما يتعلّق بالسؤال الأول يجب الالتفات إلى أنّ الحضارة الإسلامية إذا أرادت أنْ تتكفّل بتوصيف نفسها حقيقة، فيجب أنْ تكون قد أخذت عناصرها الأصلية من الإسلام، وهي العناصر التي يمكن لها أنْ تضمن روح الإسلامية، ومع عدمها لا يعود هذا الإطلاق عليها صحيحًا.

ويبدو أنّ هناك في الدين الإسلامي ـ بمعناه العام، وليس بمعنى الأحكام والمناسك فقط‌ـ وجودًا لعددٍ من الأمور الأساسية؛ وهي أمورٌ لم تأتلف فيما بينها على نحو عرَضي أو تركيب اعتباري، وإنّما تآلفت بشكلٍ خاصّ على نحو الحقيقة. وإنّ هذه الأمور عبارةٌ عن: المعنوية، والعقلانية، والشريعة بالمعنى الخاص (الدين في دائرة أحكامه). وبعبارةٍ أخرى: إنّ الدين بمعناه العام يحتوي على هذه الأبعاد الثلاثة، وإنّ أيّ انفصالٍ بين أيّ واحدٍ من هذه العناصر سوف يؤدّي من الناحية العملية إلى نوعٍ من الانحطاط أو إلى تمظهرٍ حضاريّ ناقص. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن مشاهدة هذا الانحراف بوضوح بالإضافة إلى مواطن النقص الأخرى في جهود السلفيين المعاصرين بل وعند الوهابيين أيضًا بسبب تأكيدهم المفرط على بعض الجوانب الظاهرية من الدين.

إنّ نموذجًا من حساسية العرفاء المسلمين تجاه هذا النوع من الانحراف، يمكن مشاهدته في نقد الزهد الجاف والخشن في جزء من تيارنا الاجتماعي والتاريخي. وحتى ابن سينا قد عمد في النمط التاسع من كتاب الإشارات إلى نقد هذا النوع من الزهد بوضوح وعلى نحو جاد[1]. إنّ ما ذكر في كلمات الأساتذة وكبار العلماء

(174)

المعاصرين تحت عنوان القرآن والعرفان والبرهان لا تنفك عن بعضها[1]، أو ما ورد بيانه على لسان المتقدمين من أهل المعنى من حقول «الشريعة والطريقة والحقيقة» على تقرير، يعدّ بيانًا لهذا المطلب؛ كما نشاهد هذه الرؤية في فكر صدر المتألّهين ـ الذي يقع في المرحلة الثالثة من المراحل المتعددة للعرفان النظري ـ بل وقد تمكّن صدر المتألّهين من إيضاح وبيان كيفية هذا التوفيق والتماهي بشكل جيد[2].

إن أهميّة الالتفات إلى هذه العناصر الثلاثة من ناحيةٍ أخرى، تتمثّل في أنّ هذه العناصر الثلاثة على صلةٍ وارتباطٍ بالحقيقة والواقعية، وأنّ أخذ هذه العناصر الثلاثة بنظر الاعتبار، سوف ينطوي على نوعٍ من المراكمة الأسلوبية في الوصول إلى الواقع. وبطبيعة الحال فإنّ مجرّد انضمام هذه العناصر الثلاثة إلى بعضها لا يؤسس لتلائمٍ مطلوب، بل ويمكن بالإضافة إلى الأنظار التي تؤدّي إلى حذف أحد هذه العناصر المذكورة أو إلى حذف اثنين منها، أنْ نشير إلى أنظار وإلى تقارير في عين حفظها لجميع هذه العناصر الثلاثة، تقيم نسبةً مختلفةً بينها؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ التأكيد على العقلانية بنحوٍ يؤدّي إلى تضعيف المعنوية، يُعدّ من الآفات التي يمكن أنْ تهدد مجتمعنا الراهن، هذا في حين يبدو أنّ النموذج المنشود هو أنْ تقع العقلانية في صُلب المعنوية، ثم يعمد هذان الأمران إلى الحصول على ارتقائهما سنام الذروة من ينبوع الشريعة.

وكذلك في التيار الفكري التقليدي وإنْ تحقّق نوعٌ من المعنوية الجادة، بيد أنّ العقلانية والشريعة ـ على الرغم من تأكيدهما على ضرورة التمسّك بالدين ـ قد تم خفضهما من الموقف المطلوب إلى حدٍّ كبير؛ بحيث يمكن القول إنّ عقلانية هذه النحلة قد ابتعدت بوضوح عن عقلانية صدر المتألّهين. والوجه الآخر من عملة

(175)

هذه النسبة المنسجمة والمتناغمة، عبارةٌ عن عودة العقلانية برفقة المعنوية المحلّقة نحو الذروة إلى التراب والدنيا والجسد والتجربة.

لا شكّ في أنّ سيادة التلاؤم المطلوب لهذه العناصر الأربعة (العناصر الثلاثة المتقدّمة بالإضافة إلى عنصر التجلي والمعطى الدنيوي لها) على الفضاء الفكري والفهم العلمي، هو الذي يمكنه العمل على بناء الحضارة، وأنْ يظهر مخرجًا متناسبًا مع المقاصد الدينية؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ في الفقه الذي لا ينطوي على اهتمامٍ بالمعنوية، أو في علم الأصول الذي تضمحل فيه العقلانية، لا يكون هناك وجهٌ للحديث عن الحركة نحو آفاق الحضارة الإسلامية المنشودة. وحتى في الشقّ الفردي لو أنّ فقيهًا لم يهتم ـ مثلًا ـ بالواقعية الخارجية الدنيوية، لن يكون من المتوقع منه أنْ يأتي بعملٍ مناسبٍ من بعض الجهات، بل وحتى تشخيصه الموضوعي سوف يكون على نحوٍ خاص. ويمكن بيان كثير من المخرجات والمعطيات عن هذا النوع من المكوّنات في الحضارة الإسلامية القديمة؛ والتي تمثل محاكاةً لذات روح الدين الإسلامي بمعناها العامة؛ وإنّ بناء المسجد في وسط المدينة، وارتداء الثياب المحتشمة التي لا تجسّد تفاصيل الجسم أو التي لا تنطوي على تكبّر وخيلاء، من بين الأمثلة الواضحة على هذه التركيبة. وبطبيعة الحال يمكن إضافة عناصر أخرى إلى هذه العناصر الثلاثة المذكورة، ولكن يبدو أنّ هذه الموارد الأخرى يمكن استخراجها بالتحليل من صلب العناصر أعلاه بنحوٍ من الأنحاء؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن الحصول على وجهات النظر الفنية والمشاعر والعواطف الإنسانية المتناسبة مع هذا الفضاء من ذات هذه العناصر الثلاثة أيضًا.

إنّ سبب التأكيد على هذه العناصر الثلاثة يعود إلى اشتمالها على موقعٍ واقعي ونفس أمري، والتي تجلّت في نهاية المطاف في الدين بمعناه العام. وبطبيعة الحال فإنّ روح هذه العناصر الثلاثة قد انعكست في العلوم الإسلامية المتعدّدة بنحوٍ من

(176)

الأنحاء؛ من ذلك أنّنا نرى في الفلسفة الإسلامية نوعًا من النظرة العليا إلى النبيّ والدين الشامل، وإنّ عدّ النبيّ هو العقل الكل يمثل انعكاسًا لهذه الروح في الفضاء العقلاني. من الطبيعي أنّ سرّ ثبات كلّ أمرٍ يتبلور من خلال الاستناد إلى مثل هذه الروح، يكمن في صلب هذه النقطة، وهي أنّ هذه العناصر الثلاثة في الواقع هي التي تعمل على تشكيل الحقيقة، وفيما عدا ذلك فإنّ كلّ أمرٍ أو تأليفٍ آخر سوف يكون باطلًا بنسبة انفصاله وبُعده عن هذه الحقيقة. وفي مقام تحليل الحضارات، كذلك يمكن الحديث عن حضارات على الرغم من اشتمالها على بعض الامتدادات، تعاني من شكلٍ من أشكال «التآكل التلقائي»، وتشكو من التعارضات الداخلية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الباطل على الرغم من اشتماله على قدرةٍ في الظهور بالمقياس الحضاري، وإنّ هذه القدرة بدورها تنشأ من النسبة والاستعانة التي تحصل عليها من الحقّ، ولكن بسبب بطلانها تعاني أزمةً داخليةً من حيث البقاء والدوام، وسوف تكون حضارة الباطل زاهقةً بحسب المنطوق القرآني[1].

وأمّا المعطى العرفاني لتحقيق هذه العناصر الثلاثة (أو العناصر الأربعة، بعبارةٍ أخرى)، فيمكن تلخيصه ضمن الموارد أدناه:

أولًا: إنّ العرفان ظاهرةٌ ناظرةٌ إلى البُعد المعنوي، وقد عمدت على الدوام إلى تجسيد نوعٍ من تحقّق التعاليم الدينية وظهورها في الساحة المعنوية من خلال تجربتها التاريخية على الرغم من توجهها الجاد نحو الباطن عند الخوض في الظاهر. إنّ هذا الأمر من الأهمية بنحو لايجد حتى الناقدون المسلمون للعرفان، مندوحةً لهم سوى الاعتراف بهذه الحقيقة وهي أنّ الجزء الأكبر من العلاقات الأخلاقية في المجتمع الإسلامي قديمًا وحديثًا يعتاش على أخلاقٍ يتمّ توفيرها بوساطة الاتجاهات العرفانية. يُضاف إلى ذلك أنّ ضمان المعنوية من الأهمية بنحو أنّ الحضارة الغربية

(177)

الراهنة تسعى إلى ترميم تهافتها الداخلي من خلال تزريق نوعٍ من الأخلاق والمعنوية بعد التحقّق في الجسد الميّت لحضارتها أو عدم السماح بانهيارها في الحدّ الأدنى. والشاهد على هذا الأمر يتمثّل بالطرح الشامل لأبحاث، من قبيل: الأخلاق المهنية، والأخلاق الرياضية، والأخلاق الطبية، وما إلى ذلك ممّا تمّ لحاظه مؤخرًا بعد تحقق الأبعاد الحضارية بوصفها خطوةً منفصلة؛ رغم أنّ نتيجة مباني التفكير الغربي في حقل الحضارة سوف تكون عبارةً عن الأخلاق والمعنوية العلمانية، حيث يمكن الإقرار برؤيةٍ واقعية أنّها لا تشتمل على حقيقة الأخلاق والمعنوية، وإنّما تحتوي على شبحٍ منها. وبذلك فإنّ تبلور حضارةٍ ما على قاعدةٍ معنويةٍ عميقةٍ يمثّل شرطًا لبقائها وحاجةً أساسيةً لها، ويمكن للعرفان من هذه الناحية أنْ يكون سندًا أساسيًا في بناء الحضارة الإسلامية المعنوية.

وثانيًا: على الرغم من عدم اهتمام العرفاء في المراحل الأولى بالحيثيّة العقلانية لآرائهم وتصوّراتهم، ولكن تبلور بمرور الزمن تعاملٌ ثنائيّ ومتبادلٌ بين العرفان والفلسفة الإسلامية، وكانت حصيلة هذا الأمر إنتاج نوعٍ من العقلانية المعنوية الخاصة التي بلغت ذروتها في النموذج الفكري لصدر المتألّهين؛ كما أنّ معطيات العارفين تتخذ لغةً فلسفيةً وتكتسب تقريرًا عقلانيًا[1].

وثالثًا: إنّ العرفان يعمل على إظهار نموذجٍ من الالتزام بالشريعة، والاعتناء الجاد، والتبعية الدقيقة للتعالم والأحكام الدينية.

ورابعًا: إنّ أسلوب الفهم الديني المتأثّر بالاتجاهات العرفانية، ونعني بذلك أسلوب «التأويل»، يقدّم قابليةً عاليةً لبحث الطبقات المفهومية المتعدّدة في النصوص الدينية، بل حقائق العالم ومن بينها حقائق العالم الإنساني، من قبيل: الثقافة والحضارة. توضيح ذلك أنّه خلافًا للفهم المتداول للتأويل والذي يقول بأنّ معناه هو أخذ المعنى

(178)

المخالف للظاهر من النصوص، يذهب التأويل العرفاني إلى التأكيد على الحفاظ على ظاهر النصوص الدينية، والعمل في الوقت نفسه ـ ومن خلال الاستناد إلى الإمكان ـ على تحصيل المعاني الطولية والعرضية من الألفاظ والعبارات الواجدة لمثل هذا المعاني من النصوص. وفي فضاء الظواهر العينية كذلك يقوم العارف بأخذ الدلالات الخاصة من الأحداث الخارجية في نسبتها إلى الأحداث الداخلية. وعلى هذا الأساس يمكن أنْ ندّعي إمكانية الوصول ـ من خلال الاستعانة بالأسلوب التأويلي، بوصفه واحدًا من المعطيات العرفانية وليس بوصفه أسلوبًا لا يمتلكه غير العارف، بل بوصفه أسلوبًا يمكن تطبيقة في التفكير من قبل المطلعين على هذا الأسلوب بسبب ما يشتمل عليه من إمكانية الإثبات العقلاني ـ إلى نوعٍ من التأويل الحضاري الذي هو من نوع «الجَرْي»[1] من أجل فهم روح الحضارات وجوهرها، ولا سيّما من بينها الحضارة الإسلامية المتقدّمة، والتأسّي المحتمل في البناء الحضاري.

وبذلك يمكن الحصول بوساطة «الجَرْي الحضاري» على روح هذه المسائل والمعاني السارية في خلفيتها من خلال المسائل الجزئية المتحقّقة في الحضارة السابقة ولا سيّما منها الحضارة الإسلامية المتقدّمة، وحمل ذلك على المورد الجزئي الراهن الذي تحتاج إليه الظروف والشرائط. وإنّ بعض أعمال الفقهاء في مسارهم الاستنباطي قد جاء على أساس هذا الجَرْي من جزءٍ إلى جزء؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنْ يحكم فقيهٌ بحلّيّة أمرٍ من خلال تسرية مصداقٍ خاصٍّ في السابق إلى مصداقه الراهن، دون أنْ يكون العنوان من موارد منصوص العلة، يكون في الواقع

(179)

قد قام بنوعٍ من الجَرْي. إنّه بالنظر إلى روح القانون يقوم بإلغاء الخصائص العصرية لمصداق القانون، ثم يعمل على تطبيقه على المصداق الراهن. وبهذه الرؤية يمكن القول إنّ التصويت في الانتخابات هو شكلٌ معاصرٌ من أشكال البيعة التي یمکن من خلال الدقة العقلية استنباطها واستخراجها من داخل مصطلح «البيعة» المذكور في لسان الشارع المقدّس والنصوص. وبطبيعة الحال فإنّ الجَرْي لا ينحصر بالجَرْي من الجزئي إلى الجزئي، بل يكون هناك في بعض الأحيان تطبيقٌ لقاعدةٍ على مصداقٍ خاص؛ إذ يمكن عدّ ذلك من قبيل الجري من الكلي إلى الجزئي.

إنّ ما تقدّم ذكره حول خصوصية صدر المتألّهين في التأليف المنسجم والدقيق للعناصر الثلاثة المتمثلة بالعقلانية والمعنوية والشريعة، يمكن عدّه في الواقع نجاحًا له في نوعٍ من ترسيخ روح الدين بالمعنى العام. ومن هنا يجب عدّ إعادة قراءة هذا التلاءم في العصر الراهن وفي الظواهر الجزئية والكلية الثقافية والحضاية، يجب عدّه من قبيل الجَرْي أيضًا.

ومن خلال النظرة الجزئية حتى إلى ظواهر من قبيل: بناء المدن، و تصميم الأزياء والثياب والملبس، والرياضة، وإقامة العلاقات وما إلى ذلك من الظواهر في الماضي الحضاري للإسلام، يمكن أنْ يتوصّل الباحث إلى روح المظاهر الحضارية وأصولها، ومن خلال الاستعانة بالمعاني الزاخرة يمكن الحصول على حدسٍ قويّ بشأن البديل الراهن لتلك الظاهرة في إعادة طرحٍ منسجمٍ ومتناغمٍ مع التعاليم الدينية؛ من ذلك أنّ الرياضة في الماضي الإسلامي ـ على سبيل المثال ـ كانت زاخرةً باحترام الكبار والسادة الأشراف والأبطال من الرياضيين السابقين. ومن هنا فإنّ الرياضة في مقياس الحضارة الإسلامية المنشودة لا يمكن أنْ تخلو من مثل هذه العناصر.

وبطبيعة الحال فإنّ فرضية هذه الرؤية هي أنّ إمكان إعادة بناء الحضارة السابقة وإحيائها بمعنى إعادة خلقها، يُعدّ أمرًا منتفيًا، وإذا كان من المقرر للحضارة

(180)

الإسلامية أنْ تظهر حاليًا، فسوف تكون حضارةً جديدة، وهي وإنْ كانت في دعامتها الروحية تحتوي على كثيرٍ من المشتركات مع الحضارة الإسلامية، لا يعني إعادة خلقها أبدًا. ثم إنّ الحديث عن الحضارة الإسلامية المتقدّمة لا يعني تأييد جميع أبعادها ومظاهرها، بل يمكن القول في هذا الشأن إنّها كانت تحظى بمقدارٍ مناسبٍ من الروح الإسلامية الأصيلة؛ وإنْ كانت بسبب الانحرافات التاريخية قد ابتعدت عن النموذج الإسلامي المطلوب.

أسباب عدم تحقق الحضارة الإسلامية الحديثة

إنّ الأبحاث المتقدّمة، تدعو إلى طرح هذا السؤال القائل: إذا كان التراث العلمي، بما في ذلك التراث العرفاني الإسلامي متوفرًا، ومن خلال الاستناد إليه يمكن الحصول على روح المفاهيم الإسلامية وجوهرها، وإنّه من خلال فهم الروح والجوهر يكون الطريق إلى البناء الحضاري ـ ولا سيّما بوساطة «الجري الحضاري» ـ معبّدًا، فلماذا لم يتحقّق نجاحٌ في هذا الشأن على الصعيد العملي؟ وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال المهم، لا بدّ من الالتفات إلى النقاط الآتية:

1. إنّ السيطرة والسيادة السياسية تمتلك قوّةً استثنائيةً في بسط الحضارة، وفي ظلّ عدم توفّر هذه السيطرة ـ بغض النظر عن الموانع القائمة ـ سوف تتراجع سرعة البسط الحضاري؛ وذلك لأنّ الحاكمية المنسجمة مع المفاهيم الدينية، توفّر إمكانية المواجهة الجادّة من قبل العلماء مع العينية الاجتماعية ومسائلها العامّة، وإنّ فقدان هذه الأرضية يعني عدم التواصل العام مع المجتمع. وإنّ التطوّر الذي شهده الفقه الشيعي في جانبٍ رئيسٍ من تاريخ التشيع من الزاوية الناظرة إلى الأبعاد الفردية بسبب غياب الموقف الاجتماعي، يعمل على بيان هذا الأمر بوضوح.

(181)

2. كما سبق أنْ ذكرنا فإنّ البسط الثقافي يُعدّ شرطًا لازمًا للتحقّق الحضاري، وإنّ البسط الثقافي بدوره يعني القبول المهم بالأفكار والمعتقدات الأساسية المنتجة للثقافة والحضارة. وفي الحدّ الأدنى يجب على طبقة النُخبة في المجتمع أنْ يكون لها تعاملٌ مباشرٌ مع هذه الآراء، في حين أننا حتى في الشرائط والظروف الراهنة نشاهد عدم تفاعل مع جزءٍ كبيرٍ من تراثنا الفكري والعلمي، بل ولا يُرى هناك حتى اهتمام جادّ بالنقد وإعادة البناء اللازم في كثيرٍ من المحافل. والشاهد على ذلك ما نراه من التصريحات التي تصدر أحيانًا من قبل المسؤولين الثانويين في البلاد، ومن بين نماذج ذلك، السؤال القائل: هل يجب على الدولة الإسلامية أنْ تفرض الحجاب بشكلٍ رسمي أو تترك الحرية للأفراد في اختيار الحجاب من عدمه؟ إنّ هذا النوع من الأسئلة والتشكيكات الأولية يُشير بوضوحٍ إلى مستوى التعميم وتحوّل المفاهيم الدينية إلى ثقافة. وبطبيعة الحال فإنّ أصل هذا المطلب القائل بأنّنا نريد أنْ نعمل على تنظيم حياتنا الفردية والاجتماعية على أساس الإسلام، لا يخضع للنقاش كثيرًا[1]، بل ولا يرى في دائرة التخطيط والعمل الكثير من الإجماعات الثقافية أيضًا.

3 . كذلك في الجانب الفكري بسبب الانفتاح ذاته الذي تحقّق من الموضع والتصدّي الحضاري، لم يتمّ بسط مساحات بناء الحضارة الجادّة بشكلٍ ملحوظ؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّه على الرغم من الانتشار المناسب الذي نشاهده في الأفكار الحضارية للفارابي بالنسبة إلى الحكمة العملية، فقد بقي هذا النوع من الرؤية في تاريخ التطوّرات الفكرية عقيمًا إلى حدّ ما. وبطبيعة الحال فإنّ هذا لا يعني أنّ الثروة العلمية بوساطة تحوّل نقاط تركيز المفكّرين على دائرة الأمور

(182)

الميتافيزيقية، تعدّ مانعًا يحول دون الأنظار الحضارية، بل على العكس من ذلك فإنّ توسيع هذه الدائرة يخلق ثروةً عميقةً جدًا لإعادة تنمية الأجزاء المتبقّية من الأفكار الإسلامية الحضارية.

وبعبارةٍ أخرى: حيث نرث الآن دعامةً عظيمةً من العقلانية المعنوية، يمكن لهذا التراث أنْ يرفع قوّة تقييم حضارة حديثة وبنائها إلى حدٍّ كبير؛ إذ يمكن للقوى التحليلية العقلية والفكرية أنْ تؤسس لقواعد فكريةٍ وحضاريةٍ ثابتةٍ وراسخة. ففي الحضارة الغربية، لو تمّ تقييم رينيه ديكارت بوصفه مؤسسًا لجانب من أسسها المبنائية[1]، يتبيّن بوضوح ما الذي خلفته نقاط الضعف الفلسفي والفكري لهذا المبنى من زلزال في أسس الحضارة الغربية لاحقًا؛ إذ إنّ بعض المفكّرين في حقل الشكّ الديكارتي غير المستقر ـ بناء على تحليل ـ لم يجدوا بُدًّا من إعادة الإنتاج في إطار الشك الكانطي المستقر[2]. وهو الشكّ الذي لا يزال التفكير الغربي يعاني منه، وأوقع جميع المدارس الفكرية الغربية تقريبًا في مطبّات لا يعرفون كيفية الخروج منها. ومن هنا فإنّ عمق الآراء العقلية الإسلامية لن يُشكل عقبةً تحول دون الاتجاهات الحضارية، بل وسوف يُمثّل نوعًا من الضمانة لتأسيس قواعد متينةً للحضارة الإسلامية الحديثة.

 والإشكال الآخر ـ وهو الإشكال الناظر إلى العقلانية الإسلامية ولا سيّما الفلسفة والعرفان الإسلامي ـ هو أنّ هذه المساحات التي لم تنزل من أبراجها العاجية أو الماورائية، لا تمتلك القدرة على الاهتمام بتنظيم الحضارة الدنيوية أبدًا.

وفي معرض الجواب، لا بدّ من التذكير أولًا بأنّ كلّ فكرةٍ ـ مهما كانت صادرةً

(183)

عن أعلى الأبراج العاجية ـ تمتلك القدرة على الامتداد حتى في الساحة الحضارية أيضًا؛ إذ كما سبق في بحث مفهومية السلوك الإنساني، فإنّ كلّ فعلٍ فرديّ أو جماعي يقوم على الأفكار الخاصة، ومن خلال الاختلاف بين عالم المعاني والعالم الفكري، يصبح اختلاف الفعل قطعيًا.

وثانيًا: إنّ بعض الأبعاد الفكرية العقلانية للمفكّرين المسلمين وإنْ كانت تمتلك من الناحية الذاتية أرضية البسط الحضاري، تبقى بحاجةٍ إلى الحلقات الوسيطة والرابطة، وذلك لكي تعمل على تقريبها من مساحة العينية الخارجية. إنّ هذه الظاهرة هي التي يمكن التعبير عنها بعنوان السطوح المختلفة للعلم الأعم من التأسيسي إلى الوظیفي منه. وبعبارةٍ أخرى: إنّ المشكلة في فضاء المجتمع الإسلامي الراهن، تكمن في عدم تبلور بعض الحلقات الوسيطة لإنتاج العلوم الرابطة. ومن هنا فلو أمكن الحديث عن ظاهرةٍ باسم العمران الحضاري، سوف يساعد ذلك على بلورة مثل هذه الحلقات الوسيطة في إطار وضع سياسات المعرفة الجزئية عن هذا النوع من العمارة الحضارية.

وثالثًا: إنّ الأفكار الفردية تصبح لدى بعض المفكرين الشيعة صارخةً في بعض الأحيان؛ حتى كأنّ الدين لا يمتلك أيّ خطابٍ جماعيّ أبدًا؛ بحيث يتمّ تجاهل حتى خطابات من قبيل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ[1]، أو ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[2]، أو يتمّ تفسيرها ضمن الأفق الفردي. إنّ النتيجة الطبيعية لمثل هذه التوجّهات عبارةٌ عن تجاهل الأسس الفكرية/الاجتماعية من أجل الوصول إلى الموقف الحضاري. وعلى الرغم من أنّ الأفكار الفردانية بدورها تستطيع أنْ يكون لها بسطٌ اجتماعيّ وحضاري، بيد أنّ البحث بشأن مقارنة قدرة الأفكار

(184)

الفردية في قبال الأفكار الجماعية من حيث سرعة البسط، والاهتمام بقابلية الامتداد أكثر جدية.

ورابعًا: إنّ الحضور والسيطرة النسبية لحضارة الغرب الجديدة قد مكّناها من التغطية على كثيرٍ من الثقافات ومعطياتها الحضارية إلى حدّ كبير. إنّ نوع العقبة الخارجية الذي ترك تأثيره في الداخل أيضًا، قد أغلق الطريق من الناحية العملية على التجارب الحضارية؛ وذلك لأنّ الإجابات الغربية الجاهزة في المقياس الحضاري والمنتجات المنتشرة لها، قد عملت على التقليل من الشعور بالحاجة وحدّت من المناورات الفكرية لدى الآخرين إلى حدّ كبير. وإنّ اجتياز هذه الحالة لن يكون مقدورًا إلّا من خلال الالتفات إلى ضرورة تحقّق كامل الحضارة الإسلامية، وليس الاعتقاد بالمخرجات الثقافية للإسلام، وذلك ضمن نطاقاتٍ محدودةٍ من قبيل الأخلاق وما إلى ذلك. وهو الاعتقاد الذي يبدو أنّ شريحةً من النخبة في المجتمع قد شارفت على اعتناقه حديثًا إلى حدّ ما. إنّ هذا العامل إنّما يتجلّى على نحوٍ خاصّ حيث يتمّ الالتفات إلى فهم بعض المفكرين الغربيين حول المواجهة الجادة بين الغرب والإسلام في مستقبل الحضارة الغربية. إنّ ذهاب الغربيين إلى عدّ الإسلام المنافس الحضاري لهم دون الحضارات الأخرى ـ في الوقت الذي يُشير إلى حيوية الإسلام في المعيار الحضاري ـ يحكي عن مواجهة المنافس في هذا الأفق مع العالم الإسلامي.

 

 

 

 

(185)

النتيجة

يمكن تلخيص المسائل المذكورة آنفًا بشأن قابليات العرفان الإسلامي ضمن الموارد الآتية:

1. إنّ علم العرفان في كلا قسميه النظري والعملي يمتلك لغةً بليغةً في التوصيف العلمي للحضارة. فإنّ العرفان في قسمه النظري يعمل على بيان الحضارة بوساطة الأسماء الإلهية ومختلف العلاقات بين هذه الأسماء، وفي القسم العملي يتحدّث عن نسبة الحضارة إلى الحقّ تعالى ومقدار القرب والبعد منه؛ وهو المعيار الذي ينطوي عند توصيف الحضارة على مضمونٍ قيَمي.

2. إنّ العرفان الإسلامي المنبثق عن الإسلام، وبالنظر إلى النموذج الأعلى للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ بوصفه ذروة المقامات العرفانية، لم يكن بمقدوره ـ استنادًا إلى تعاليم الإسلام وسيرة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ أنْ يكون معرضًا عن الدنيا. وعلى هذا الأساس فإنّ العرفان في إطار بلوغه التاريخي لم يتوقف عند رؤية الفناء أبدًا، ومن خلال بيان البقاء بعد الفناء، والسفر الرابع، والهداية في هذا السفر، والخلافة بالسيف بوصفها شأنًا أسمى وأكثر توحيديةً من مراتب الولاية السابقة، قد بلور كذلك الاهتمام الخاص بالدنيا في داخله وتنظيمه بوصفه هو المحور والأساس. كما أنّ الشواهد التاريخية تظهر بوضوح أنّ كثيرًا من العرفاء كانت لهم مشاركةٌ فاعلةٌ في عصرهم، بل ليس هناك عارفٌ يرى تعارضًا بين العرفان والتوجّهات الجادة في الدنيا، وحتى في الحرب مع الكافرين والمعادين للبلاد الإسلامية. ويعود سبب ذلك كلّه إلى أنّ العارف على أساس الأفكار العرفانية لا يفرق بين الظاهر والباطن، فقد أوجد جمعًا طوليًا ناجحًا، كما أنّه يعدّ الظاهر مرتبةً من الباطن.

3. لو عُدَّ الإسلام ـ سواء في منشئه أم في ظهوراته الدينية ـ دينًا توحيديًا، فإنّ العرفان هو الذي يمتلك قابلية التقرير والتثبيت النهائي لمثل هذه الرؤية بالاستعانة

(186)

من بعض الأفكار من قبيل: الوحدة الشخصية. ومن هنا يجب عدّ الحضارة التوحيدية المنشودة للإسلام حضارةً عرفانية. وبلغة العرفان النظري يجب القول: إنّ الحضارة الإسلامية المنشودة هي الحضارة التي تمثّل الظهور التام لاسم «الله» الجامع.

4. لو عُدّ مثلث الشريعة والعقلانية والمعنوية ظهورًا لروح الإسلام، فإنّ العرفان هو الذي سوف يكون ضامنًا للنواة المركزية للمعنوية الإسلامية؛ كما أنّ التجربة العينية للعالم الإسلامي منذ البداية إلى الآن تثبت أنّه حتى الأخلاق العامة في المجتمع الإسلامي تتغذى على المفاهيم العرفانية. وسبب هذا الأمر هو أنّ العرفان في ذاته ظاهرةٌ ناظرةٌ إلى المعنوية.

5. إنّ العرفان بوصفه ضلعًا ينسجم مع الضلعين الآخرين، وهما: العقلانية والشريعة بشكلٍ متناغمٍ بالكامل؛ وقد أثبت العرفان في تجربته العلمية والعينية أنّه يتقبّل الشريعة بشكلٍ كامل. إنّ العقلانية في صلب التجربة العرفانية ومن خلال التعاطي الفعّال معها، قد أحدثت نموذجًا خاصًا باسم عقلانية صدر المتألّهين؛ حيث أنّه لا يُعرف لها بديلًا في الموقف الراهن.

6. إنّ أسلوب العرفان في فهم النصوص والوجود؛ ونعني به أسلوب التأويل، يحتوي بدوره على قابلية الاستفادة في الحصول على النموذج والبناء الحضاري؛ كما يمكن ـ بمساعدة الجَرْي الذي هو نوعٌ من التأويل ـ الوصول إلى إعادة بناء روح الحضارة الإسلامية السابقة في الشرائط الراهنة للمجتمع.

7. على الرغم من جميع الإمكانات التي يمكن أنْ تمتلكها علومٌ من قبيل: العرفان الإسلامي في توصيف الحضارة الإسلامية المنشودة، يُعدّ الاهتمام برفع العقبات الماثلة أمام الحركة نحو الحضارة الإسلامية أمرًا آخر. إنّ انتشار الاتجاه الحضاري بين النُخَب ولا سيّما في مختلف حقول المعارف الإسلامية، والالتفات إلى الحلقات الوسيطة من العلوم في الفاصلة بين العلوم الجوهرية إلى العلوم التطبيقية،

(187)

والاهتمام بالحيثية الجماعية للتعاليم الإسلامية، وضرورة الاهتمام بالعمارة الحضارية، بالإضافة إلى الدراسات الحضارية، تعدّ من جملة لوازم هذه الحركة؛ وهي من الأمور التي لا تحظى حاليًا بشموليةٍ كبيرة، ولم تتحوّل إلى ظاهرةٍ عامّةٍ وثقافية، ولم يتمّ بيانها إلّا في بعض المحافل فقط.

8. إنّ تحقّق الحضارة الإسلامية، يحتاج إلى الالتفات إلى الحيلولة الجادة للحضارة الغربية من حيث الإجابات الجاهزة والمتراكمة التي يتمّ توفيرها تلبيةً لمختلف الحاجات، إلا أنّ هذا الالتفات يجب ألّا يُشكّل سببًا لتجاهل القابليات المتحققة في الثقافة الإسلامية في قبال الحضارة الغربية، بل إنّ التجربة العينية لهذه الثورة يمكن أنْ يُنظر إليها بوصفها نموذجًا بارزًا في الأفق الحضاري للإسلام على الرغم من التحدّيات المنبثقة عن الحضارة الغربية.

 

 

 

 

 

 

 

 

(188)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. ابن سينا، حسين بن عبد الله، الإشارات والتنبيهات، قم، نشر البلاغة، 1375 هـ.ش.
  3. ابن عربي، محيي الدين، فصوص الحكم، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، 1946 م.
  4. ــــــــــــــ، الفتوحات المكية، ج 14، تحقيق وتصحيح، عثمان يحيى، بیروت، دار إحياء التراث العربي، 1994م.
  5. أميني نژاد، علي، حكمت عرفاني، قم المقدسة، مؤسسة آموزشي و پژوهشي امام خميني (قدس سره)، 1390 هـ.ش.
  6. پارسانيا، حميد، حديث پيمانه: پژوهشي در انقلاب اسلامي، قم، انتشارات معارف، ط 4، 1379 هـ.ش.
  7. ــــــــــــــــ، «عرفان عليه تساهل و اباحه‌گري»، مجلة كتاب نقد، العدد: 14 ـ 15، 1379 هـ.ش.
  8. ــــــــــــــــ، جهان‌هاي اجتماعي، قم، انتشارات كتاب فردا، 1391 هـ.ش.
  9. جوادي الآملي، عبد الله، آواي توحيد: نامه امام خميني (ره) به گورباچف و شرح نامه، طهران، مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني، 1376 هـ.ش.
  10. حافظ أبرو، عبد الله بن لطف الله، زبدة التواريخ، طهران، انتشارات كمال حاج سيد جوادي، 1380 هـ.ش.
  11. الحلي، حسن بن يوسف بن المطهر، كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد رضا آژير، طهران، انتشارات وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامي، 1379 هـ.ش.
  12. حسن زاده آملي، حسن، قرآن و عرفان و برهان از هم جدائي ندارند، طهران، مؤسسه مطالعات و تحقيقات فرهنگي، 1379 هـ.ش.
  13. الشیرازي، محمد بن إبراهيم (صدرالمتألّهين)، الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية، طهران، مركز نشر دانشگاهي، ط 2، 1360 هـ.ش.
(189)
  1. الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، انتشارات إسماعيليان، ط 2، 1371 هـ.ش.
  2. ــــــــــــــــ، رسالت تشيع در دنياي امروز، قم، انتشارات بوستان كتاب، ط 2، قم، 1387 هـ.ش.
  3. الفناري، شمس الدين محمد حمزة، مصباح الأنس بين المعقول والمشهود، تحقيق وتصحيح: عاصم إبراهيم الكيالي، بیروت، دار الكتب العلمية، ط 1، 2010 م.
  4. القونوي، صدر الدين، إعجاز البيان في تفسير أمّ القرآن، تحقيق وتصحيح: السيد جلال الدين الآشتياني، قم، انتشارات دفتر تبليغات اسلامي، ط 1، 1381 هـ.ش.
  5. كابلستون، فردريك، تاريخ فلسفه: از دكارت تا لايب نيتس، ج 4، ترجمه إلى اللغة الفارسية: غلام رضا أعواني، طهران، سروش و انتشارات علمي و فرهنگي، 1380 هـ.ش.
  6. كوربان، هنري، تاريخ فلسفه اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيد جواد الطباطبائي، طهران، انتشارات كوير، ط 2، 1377 هـ.ش.
  7. ماسينيون، لويس، سخن أنا الحق و عرفان حلاج، ترجمه إلى اللغة الفارسية: ضياء الدين دهشيري، طهران، انتشارات جامي، 1374 هـ.ش.
  8. محمود الغراب، الغراب، الفقه عند الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، دمشق، دار الكتاب العربي، ط 2، 1414 هـ.
  9. نويا، پل، تفسير قرآني و زبان عرفاني، ترجمه إلى اللغة الفارسية: إسماعيل سعادت، طهران، مركز نشر دانشگاهي، 1373 هـ.ش.
  10. نيكلسون، رنلد ألين، عرفان عارفان مسلمان، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أسد الله آزاد، مشهد، انتشارات دانشگاه فردوسي، ط 2، 1372 هـ.ش.
  11. واعظي، أحمد، تحول فهم دين: نقدي فشرده بر نظريه قبض و بسط تئوريك شريعت، طهران، مؤسسه فرهنكي انديشه معاصر، 1376 هـ.ش.
  12. يزدان پناه، سيد يد الله، مباني و اصول عرفان نظري، قم، موسسه آموزشي و پژوهشي امام خميني (ره)، 1388 هـ.ش.
(190)

 

 

دور الفلسفة الإسلامية
 وموقعها في الحضارة الإسلامية[1]

حسن عبدي[2]

إنّ الحضارة أو التمدّن الذي يتمّ التعبير عنه في اللغة الإنجليزية بـ«Civilization»، كلمةٌ عربيةٌ مأخوذة ٌمن «المدينة». إنّ مفردة المدينة ـ بمعنى الموقع الجغرافي الذي يقطنه جماعةٌ من الناس ـ تعبّر عن العلاقات بين الأفراد على أساس الحِرَف والمشاغل، وعلى هذا الأساس فإنّ مصطلح الحضارة و«التمدّن» يستعمل بمعنى الحياة والسكن في المدينة[3]. وبالنظر إلى اشتمال مفهوم التمدّن على معنى العلاقات الخاصّة بين سكان المدينة، فإنّ هذه الكلمة تنطوي على نوعٍ من مفهوم التطوّر في أسلوب الحياة وطريقتها، بالقياس إلى الحياة في القرية[4]. وعلى هذا الأساس فإنّ مصطلح «التمدّن»، يعني التطوّر العلمي والثقافي والسياسي والمادي. وفي قبال هذه

(191)

المفردة يتمّ استعمال مصطلح البربرية للدلالة على تخلّف أسلوب الحياة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها[1]. ويمكن القول باختصار: إنّ الغاية من الحضارة هي اجتماع الناس القائم على أساس الأمور السياسية، وفي هذا المجتمع يمتلك أفراد المجتمع أمورًا خاصة لإدارة شؤونهم. وعليه من الواضح هنا أنّ الهدف ليس هو التأكيد على بُعدٍ واحدٍ من الحضارة فقط؛ كما يذهب بعض المؤلّفين المعاصرين إلى التأكيد عليه من خلال قولهم: «إنّ الحضارة عبارةٌ عن تبلور اجتماع الناس على أساس الشؤون السياسية، ويعملون بأنفسهم على إدارة شؤونهم»[2].

وهنا ننتقل إلى المفهوم المحوري الثاني في هذه المقالة، وهو «الفلسفة الإسلامية». ونرى في هذا المصطلح أنّه قد تمّ ضمّ وصف الإسلامية إلى كلمة الفلسفة، وعليه يجب توضيح كلّ واحدةٍ من هاتين المفردتين. إنّ كلمة «الفلسفة» في اللغة العربية تعدّ تعريبًا للكلمة الإنجليزية «Philosophy». وإنّ هذه الكلمة في الأصل مركّبة من جزئين، وهما: «فيلو» بمعنى الحبّ، و«سوفيا» بمعنى العلم والمعرفة، فيكون المعنى في المجموع هو «حبّ المعرفة» أو «حبّ الحكمة»[3]. وقد استعملت كلمة الفلسفة اصطلاحًا في الحدّ الأدنى في معنيين؛ المعنى الأول: «جميع العلوم العقلية»، والثاني: «العلم بأحوال الموجود بما هو موجود»[4]. وهناك اختلافاتٌ أساسية بين المعنى الأول والمعنى الثاني، وعلى هذا الأساس يجب التدقيق للحيلولة دون الخلط عند الاستعمال المختلف لهذين المصطلحين. إنّ المعنى الأول معنى جامع يشمل جميع العلوم الذهنية، من قبيل: الإلهيات، والرياضيات، والفيزياء، والأخلاق،

(192)

وسياسة المنازل، وسياسة المدن. وأمّا المعنى الثاني فهو يرتبط بما يتمّ التعبير عنه بـ «ما وراء الطبيعة». وإنّ المراد من مصلح الفلسفة في هذه المقالة هو المعنى الثاني. لا بدّ من لفت انتباه القارئ إلى هذه النقطة وهي أنّ الفلسفة ـ على ما ورد استعمالها في هذه المقالة، وبالنظر إلى أنّ الكائنات موجودة ـ عبارةٌ عن «المعرفة العقلية» بأحوال الموجودات[1]. والغاية الرئيسة التأكيد على الاتجاه العقلاني إلى دراسات الوجود.

قلنا: إنّ عبارة «الفلسفة الإسلامية» مركّبة من كلمتين، وهما: الفلسفة والإسلامية. وقد شرحنا المراد من كلمة الفلسفة. وفيما يلي سوف نعمل على بيان المصطلح الثاني، أي «الإسلام». إنّ المراد من «الإسلام» هو: «مجموعة من التعاليم والأصول الكلية المرتبطة بالعقائد والأخلاقيات والقوانين الدينية التي نزلت من عند الله لهداية الإنسان إلى السعادة في الدنيا والآخرة»[2]. وبالنظر إلى البيان السابق، يمكن القول باختصار: إنّ الفلسفة الإسلامية نظامٌ معرفيّ يهدف إلى معرفة أحكام الموجودات أو الأمور الموجودة، بالاستفادة من الأساليب العقلية، وأهمها أسلوب المشاهدة العقلية ـ التي يتمّ بيانها بوصفها «شهودًا» ـ والتجريد العقلي.

والآن بعد بيان مرادنا من مصطلح الفلسفة الإسلامية، من المناسب أنْ نشير إلى بعض الأفهام الخاطئة لمصطلح «الفلسفة الإسلامية». إنّ إطلالةً على كتب المفكّرين المعاصرين تثبت أنّ أعمالهم تشتمل على أفهامٍ خاطئةٍ حول الفلسفة الإسلامية. ولمّا كانت هذه الأفهام الخاطئة تؤدّي إلى عدم معرفة الموقع الحقيقي للفلسفة في الحضارة الإسلامية، يتعيّن علينا أنْ نعمل على تقييمها. بالنظر إلى ما ذكرناه حول المراد من الفلسفة الإسلامية، لا يمكن تجاهل رأي عبد الرحمن بدوي، الذي يصرّح في كثيرٍ من كتبه ـ ولا سيّما منها كتاب (التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية) ـ قائلًا:

(193)

«إنّ ما يُعرف حاليًا بالفلسفة الإسلامية إنّما هو مقتبسٌ من علمٍ كان متداولًا عند اليونان قديمًا، وقد تسلّل بالتدريج إلى الثقافة الإسلامية من خلال ترجمة التراث اليوناني»[1]. وكذلك فإنّ طه حسين ـ وهو المُلّقب بعميد الأدب العربي ـ يرى أنّ الفلسفة الإسلامية ما هي إلّا بضاعة يونانية مستوردة، وإنّ ما تمّ بيانه في الفلسفة الإسلامية له جذورٌ يونانية[2]. وفي سياق هذا الفهم الخاطئ للفلسفة الإسلامية، فقد ذهب بعض الكتاب إلى المبالغة في الردّ على الفلسفة الإسلامية، وقد ادّعوا أنّ هناك ارتباطًا وثيقًا بين الفلسفة ونوعٍ خاصّ من الأعراق، وعلى هذا الأساس عمدوا إلى تجزئة وتحليل الفلسفة فيما يتعلّق بالأعراق[3]. يمكن مشاهدة هذا النوع من الكلمات في أعمال المؤلّفين المعاصرين ـ ولا سيّما في العالم العربي ـ حيث لا معرفة كاملة لهم بالفلسفة الإسلامية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن رؤية هذا الكلام في مؤلّفات فرح أنطونيو، وجوزيف إرنست رينان[4]، وبعض المستشرقين من أمثال كرومر[5].

والذي يمكن بيانه في الردّ على هذا الادعاء، هو القول أولًا: على الرغم من أنّ الفلسفة قد دخلت إلى الحضارة الإسلامية في بداية أمرها من طريق ترجمة الكتب اليونانية، بيد أنّ المنهج العقلي كان موجودًا في الثقافة الإسلامية حتى قبل تسلّل الفكر اليوناني أيضًا، وعلى هذا الأساس لا يمكن القول بأنّ ما نراه من المنهج العقلي

(194)

في الثقافة الإسلامية هو بأجمعه بضاعةٌ مستوردةٌ من الفكر اليوناني. إذ ليس هناك أيّ كتابٍ ومصدرٍ في الفلسفة الإسلامية ينطوي على دلالة على هذا التوجه القائل بأنّ الفلاسفة المسلمين قد قبلوا بذلك في مواجهة فكرةٍ أو نظريةٍ لمجرّد الاستناد إلى أنّ تلك الفكرة والنظرية منبثقةٌ عن الفكر اليوناني. لو كان الذين يدافعون عن يونانية الفلسفة الإسلامية جادّين في مدّعاهم، لوجب عليهم أنْ يذكروا موارد متعدّدةً عن الفلاسفة المسلمين ـ بوصفهم شواهد وقرائن ـ كانوا يتّخذون من «اليونانية» بمنزلة المعيار للقبول بفكرة أو نظرية. يُضاف إلى ذلك أن الفلاسفة المسلمين من خلال إبداعهم وابتكارهم قد أضافوا مسائل جديدة إلى المسائل الفلسفية، لم يكن لها أيّ أثرٍ في نصوص ومصادر الفلسفة اليونانية[1]. إنّ المسلمين في بعض المستويات ومن خلال بيان أسئلةٍ لم يسبق أنْ تمّ تحقيقها في مورد آخر، قد أكدوا على صحّة المسائل الفلسفية. وبذلك يثبت ضعف كلام أولئك الذين يصورون الفلسفة وكأنّها بضاعةٌ قد تمّ استيرادها من اليونانيين أولًا، ثمّ عملوا على إعادتها إليهم[2]. وباختصار فإنّ هذه الآراء إنّما تنشأ من عدم الإدراك الصحيح للفلسفة الإسلامية، حيث نشاهد ذلك ـ للأسف الشديد ـ بين الذين تعرّضوا للمسائل المرتبطة بالحضارة الإسلامية، وعلى الرغم من معرفة هؤلاء الأشخاص لماهية الحضارة، إلا أنّ جذور كثيرٍ من آرائهم الخاطئة حول الفلسفة الإسلامية، يعود إلى عدم الإدراك الصحيح لماهية وأبعاد الفلسفة الإسلامية.

إنّ مشكلة الإدراك الصحيح لموقع الفلسفة ودورها في الحضارة الإسلامية إنّما تتفاقم عندما نجد أنّ بعض الكتّاب قد عدّ تصوّره عن الأسلوب التجريبي أسلوبًا عقليًا، وقدم صورةً عن الفلسفة الإسلامية وكأنّها فرعٌ من العلوم التجريبية. ويمكن

(195)

الإشارة من بين هؤلاء المفكّرين إلى عبد الله العروي؛ إذ تصوّر أنّ «العقل الفلسفي» هو الذي مهّد لظهور الصناعة والتقنية[1]، هذا في حين أنّ جولةً عابرة على نصوص ومصادر الفلسفة الإسلامية يشهد على أنّه لم يتمّ النظر في أيّ واحدٍ من هذه المصادر إلى «الأسلوب التجريبي» بوصفه منهجًا لـ «إثبات» المدعيات والمفاهيم الفلسفية. نعم من الممكن العثور ـ بطبيعة الحال ـ في بعض الموارد القليلة ـ وذلك في إطار بيان بعض مقدّمات الاستدلال العقلي ـ على نماذج من الإشارة إلى الأسلوب التجريبي؛ ولكن من الواضح أنّ هذا لا يشكل مبررًا لخفض الأسلوب الفلسفي بأجمعه إلى الأسلوب التجريبي.

إنّ ما تمّ بيانه حتى الآن كان إيضاحًا مفهوميًا يبدو أمرًا لازمًا لبيان أيّ دراسةٍ نظريةٍ. ومن الآن سوف نعمل ـ من خلال التركيز على بحث السؤال الأصلي لهذه المقالة ـ على دراسة موقع الفلسفة الإسلامية ودورها في الحضارة الإسلامية.

دور الفلسفة الإسلامية وموقعها في الحضارة الإسلامية

بعد بيان معنى الحضارة والفلسفة الإسلامية، ننتقل الآن إلى بحث دور الفلسفة الإسلامية وموقعها في الحضارة الإسلامية. يذهب أندريه لالاند[2] إلى الاعتقاد بأنّ العقل حاليًا يمثل أساس الحضارة البشرية المعاصرة[3]. لا شكّ في أنّ الحضارة الإسلامية قد انتشرت في مرحلةٍ من تاريخها وكان لها نفوذٌ كبيرٌ على

(196)

مختلف المجتمعات البشرية، ومنها إيران والهند ومصر وحتى الأندلس أيضًا. وإنّ بقاء بعض آثار الفن الإسلامي والثقافة الإسلامية في هذه المجتمعات يمثّل شاهدًا على عمق نفوذ الحضارة الإسلامية وتأثيرها في هذه المجتمعات. من خلال دراسة أسباب وعلل هذا الانتشار نواجه كثيرًا من الأبحاث والمسائل التي هي ليست موردًا للبحث.

إنّ الذي يحظى بالأهمية في هذا الشأن، هو أنّ هذا الانتشار السريع والعميق لم يكن بنحوٍ رئيسٍ ناشئًا عن يُسر الأحكام والقوانين الشرعية، كما لم يكن سببه استعمال السيف[1]، بل إنّ السرّ في ذلك الانتشار السريع أو أحد الأسباب الأصلية لتطوّر وانتشار الحضارة الإسلامية في مختلف بقاع العالم يعود إلى دعوة الإسلام نفسها[2]. إنّ الدين الإسلامي طوال مرحلة انتشاره وفي التعاطي مع الأمم والمجتمعات والثقافات المختلفة، وفي الخطوة الأولى، كان يدعو إلى الإسلام، وإنّ أساس وركيزة هذه الدعوة تقوم على الحوار العقلاني. وإنّ سبب هذا الأمر واضحٌ أيضًا؛ وذلك لأنّ الأسلوب العقلي ليس هو اللغة المشتركة بين جميع الشعوب والمجتمعات فقط، بل ويُعدّ دعامةً لجميع أنواع الثقافات والحضارات، ومن هنا نجد بعض المؤلّفين المعاصرين، يقول: «إنّ القوى الديمقراطية التي ترفع شعار (المجتمع المدني) سوف يظلّ تصوّرها لمضمون هذا الشعار ناقصًا ما لم تحضر فيه الفلسفة»[3].

والآن بعد بيان هذه المقدّمة الإيضاحية، ننتقل إلى بحث دور الفلسفة الإسلامية وموقعها في الحضارة الإسلامية:

(197)

أولًا: توفير الأرضية لبناء الهوية في المجتمعات

إنّ من بين معطيات الفلسفة الإسلامية تكوين الهوية الإسلامية وتعريف الحضارة الإسلامية. ولكي يتمّ فهم هذا الأمر يجب أنْ نأخذ بنظر الاعتبار أنّ المسائل الفلسفية ليست غريبة عن العقل البشري، بل إنّ المسائل المرتبطة بالعقل البشري يتمّ بحثها بوساطة الأسلوب الفلسفي. «إنّ التراث الفلسفي، جزءٌ من وجودنا»[1]. وعلى هذا الأساس وبالنظر إلى اشتمال كلّ حضارةٍ على تراث فلسفي، يمكن الادعاء دون أدنى مبالغة أنْ أحد خصائص كلّ حضارةٍ عبارةٌ عن ارتباطها الوثيق بالهوية والحياة الحقيقية للأفراد. وبعبارةٍ أخرى: إنّ التعقّل والفلسفة ليست بالأمر الذي يتبلور في الخلأ والفراغ، بل ويمكن الادّعاء بأنّ هوية الإنسان تبقى ناقصةً دون النظر إلى العقل والفلسفة. وبطبيعة الحال فإنّ تبلور العقلانية في المجتمع وتجسيدها لا يحدث بسهولة، بل إنّ هذا الأمر يحتاج إلى تخطيطٍ وتوجيهٍ من الأشخاص. وفي الحضارة الإسلامية تبلور العقل ضمن تناغمٍ تامٍّ مع المفاهيم والتعاليم الدينية المتبلورة، ومن هنا فإنّ الوحي الإسلامي يستند إلى المعرفة العقلية والفطرية للإنسان، التي هي الأسلوب العقلي لبحث المسائل الكلية ودراستها.

وفي بعض الموارد نشاهد اختلافًا بين الحضارات من حيث الاهتمام بالمعرفة العقلية، وإنّ هذا الاختلاف قد شكّل أرضيةً للكثير من الاختلافات بين الحضارات، ومن هنا لا يمكن الادّعاء ـ ببساطة ـ أنّ الحضارات بمجملها واحدةٌ ولا يوجد اختلافٌ فيما بينها. والمهم هو أنْ نعمل ـ من خلال التركيز على خصائص مختلف الحضارات ـ على بحث الاختلافات فيما بينها. وفي جوابٍ إجماليّ يمكن القول إنّ السبب الرئيس بين الحضارات يعود ـ على ما يبدو ـ إلى اختلافها في المباني النظرية، وإنّ كثيرًا من تلك المباني النظرية يعمل على بلورة فلسفة تلك الحضارة.

(198)

وإنّ الحضارة لا تتبلور ـ على حدّ قول محمد عابد الجابري ـ إلّا إذا كان هناك نزاعٌ بين «نا» وبين «الآخرين»[1]. وإنّ الأداة التي تساعد على فهم خصائص «نا» وخصائص «الآخرين» إنّما هي الفلسفة والتفكير العقلاني. إنّ هذه الفلسفة وهذا التفكير العقلي هو الذي يساعدنا على فهم وإدراك هويتنا وماهيتنا، وبذلك يمكن رسم الحدود بيننا وبين الآخرين. وبسبب هذا الضعف أو الافتقار إلى هذه الرؤية العقلية والفلسفية، ذهب بعض الكُتّاب من أمثال السيد حسن تقي زاده في إيران، وطه حسين في مصر، إلى عدم التعرّف بشكلٍ دقيقٍ على الحدود بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، ويرون أنّ الطريق الوحيد للخلاص من التخلّف، واللحاق بركب التقدّم والتطوّر الدنيوي، عبارةٌ عن طريق التبعية المطلقة والكاملة للحداثة الغربية[2]. في حين أنّنا لو نظرنا من زاويةٍ حضاريةٍ ورؤيةٍ عقليةٍ وفلسفية، فإنّ العقلانية التي تسود الحضارة الغربية تختلف من الأساس وبشكلٍ جذري عن العقلانية المتّخذة من التراث الإسلامي، وإنّ كلّ نوعٍ من أنواع التبعية لها يستوجب توسيع حدود الحضارة الغربية وانحلال المجتمعات الإسلامية في الحضارة الغربية.

قد يدّعي بعضهم أنّ التمايز بين «نا» وبين «الآخرين» من الفرضيات الذهنية التي لا تستند إلى أيّ ركيزةٍ أو دعامة، ومن هنا يجب من الأساس وضع البحث حول التمايز بين الحضارات جانبًا، والتوجّه نحو هذا الرأي القائل بأنّ ما يعرف بوصف الحضارات المختلفة، مسارٌ واحدٌ أدّت ذهنية الأشخاص إلى وضع الحدود والتمايز بينها، وعلى هذا الأساس لا يجب التأكيد على دور الفلسفة والتفكير العقلي الذي أدّى إلى مثل هذه الاختلافات، بل يجب التخلي في تجزئة ظاهرة «الحضارة» وتحليلها عن الأسلوب العقلي والبحث الفلسفي بشكل كامل.

(199)

في مواجهة هذا السؤال والإشكال، يجب القول: إنّ التمايز والاختلاف بين الحضارات ليس بالأمر الذي يمكن ردّه ورفضه بمجرّد بيان عددٍ من الاحتمالات. فقد أشار كثيرٌ من المحقّقين إلى هذه الاختلافات، وقد صدرت في هذا الشأن كثيرٌ من الكتب من قبل المحقّقين في مختلف الثقافات[1]. بالإضافة إلى هذا، فإنّ التضادّ بين العناصر الفكرية والنظرية للحضارات المختلفة من الوضوح بحيث لا يمكن لأيّ شخصٍ أنْ يتجاهل وجوده ودوره في توجيه مسار حركة الحضارات، وإنْ كان هناك من ذهب ـ بسبب وجود هذه التمايزات والاختلافات الأساسية ـ إلى الحديث عن «صراع الحضارات». إنّ وجود الاختلافات النظرية والجوهرية بين الحضارات حقيقة، لا يعني إنكارها غير إنكار الحقيقة والتنكر للاتجاه الواقعي.

ثانيًا: التمهيد لبناء النظام الفكري

إنّ من بين الموضوعات العقلانية في الحضارة الإسلامية، تدوين مباني النظام الفكري الإسلامي. فلكي نفهم ماهية النظام الفكري يجب علينا أولًا أنْ ندرك أيّ نوعٍ من أنواع التفكير ـ بما في ذلك التفكير في الصناعة والتقنية ـ إنّما يقوم على أسسٍ وقواعد. لا ينبغي أنْ نتصوّر أنّ تبلور الصناعة والتقنية يأتي في فضاءٍ خالٍ من أيّ رؤيةٍ فلسفية. فإنّ التوصّل إلى الأمور التي تعدّ «حاجةً» للمجتمع، وكيفية تلبية الحاجة المذكورة، لا يمكن أنْ يتحقّق من دون الوصول إلى بعض الأصول والمباني الفكرية. فلأجل أنْ تتمّ تلبية هذا الأمر يجب أولًا أنْ نعمل على تقديم تعريفٍ عن الإنسان واحتياجاته في إطار الحضارة، ثم العمل بعد ذلك على بحث الطرق المشروعة لتلبية تلك الاحتياجات في إطار الحضارة المذكورة، لكي يتمّ التمكن من إيجاد الصناعة والتقنية المتناسبة مع الحضارة، ومن هنا فإنّه عندما يتمّ طرح رؤيةٍ ما

(200)

لرفع حاجة المجتمع، سوف تتجلّى أبعادها العملية أيضًا[1]. ومن هنا يتمّ بيان مسألة التناغم بين النظر والعمل أو عدم التناغم بينهما، إذ تعدّ الأولى بمنزلة نقطة قوّةٍ للصناعة والتقنية، وتمكّن للمسألة الثانية أنْ تؤدّي دورًا التحدّي والأزمة، ومن هنا لا يمكن للمحقّق في دائرة البحث حول الحضارة أنْ يمرّ بهذا السؤال على نحوٍ عابرٍ ولا يجيب عن السؤال القائل: «ما هو معيار الانسجام والتناغم بين النظر والعمل ضمن إطار الحضارة؟»؛ وهنا نواجه دورًا آخر بين الأدوار الحضارية للفلسفة.

إنّ للتعقّل والفلسفة ـ بوصفها أداةً مفهوميةً من أجل إيجاد التناغم والانسجام بين النظر والعمل وترتيب النظام الفكري ـ دورًا أساسيًا في تطوير الحضارة والمضيّ بها نحو أهدافها المنشودة. إنّ مثل هذا النظام الفكري المتناغم والمنسجم، يعمل على توفير أداةٍ دقيقةٍ لأيّ نوعٍ من أنواع الإنتاج الفكري والصناعي ضمن إطار حضارةٍ ما، ويعدّ الأرضية المناسبة للمواجهة الفاعلة من قبل حضارةٍ ما مع الحضارات الأخرى.

لا شك في أنّ الحضارة الغربية قد عملت ـ طبقًا للتقارير التاريخية ـ بوصفها حضارةً منافسةً للحضارة الإسلامية. بالنظر إلى الاختلاف الواضح بين القِيَم التي تسود الحضارة الغربية وبين قيَم الحضارة الإسلامية، فإنّ كلّ مواجهةٍ مع الحضارة الغربية تستوجب توجّهًا انتقاديًا قائمًا على أساس الحفاظ على المباني الفكرية للحضارة الإسلامية. وهنا يتضح دور المباني النظرية للحضارة الإسلامية بوصفها معيارًا للتقييم أكثر من ذي قبل. عندما تكون المباني النظرية للحضارة الإسلامية معارضةً لأيّ نوعٍ من أنواع خفض الإنسان إلى مستوى الاحتياجات المادية والدنيوية، وترى في المقابل أنّ أصل وأساس وجود هوية الإنسان في بُعده المعنوي والروحي، فإنّ أيّ نظامٍ قِيَميّ يقوم على أساس تأصيل الاحتياجات المادية، سوف يكون في مثل

(201)

هذه الحالة أمرًا مرفوضًا. وإنّ اقتباس معايير هذا النظام وقيَمه سوف تشكّل أرضيةً لأفول الحضارة الإسلامية.

وعلى كلّ حالٍ ما لم تكن هناك معايير وملاكاتٌ واضحةٌ يتمّ العمل على توفيرها من قبل العقلانية والفلسفة؛ فسوف يؤدّي ذلك إلى ذهول وحيرة الخواص والنُخبة التي تتكفّل بأمر توجيه عموم الناس وهدايتهم[1]، ناهيك عن عامة الناس الذين يعيشون في غفلةٍ عن هذا النوع من المسائل.

وقد أدّت هذه المسألة إلى ظهور تياراتٍ مختلفةٍ بين المفكّرين المسلمين. وفي الوقت الذي تذهب فيه بعض التيارات إلى نفي أيّ نوعٍ من المواجهة الانتقادية والفعّالة، وتعتقد بوجوب المخالفة التامّة لنظام قيَم الحضارة الغربية، ذهبت تياراتٌ أخرى إلى القول بأنّ الحل الوحيد يكمن في التسليم والانقياد المحض لهذه الحضارة[2]. وقد صرّح الفيلسوف الإسلامي الكبير أبو نصر الفارابي ـ من خلال الإشارة إلى موقع الفلسفة الإسلامية في هذا الشأن ـ بأنّ الفلسفة تقدّم البرهان على أمورٍ تعدّ فضائل للأمّة الفاضلة، ومن هنا فإنّ مجموع الفضائل التي تشكل أساسًا للمدينة الفاضلة، تقوم بدورها على أساس الفلسفة والبرهان[3]. يذهب الفارابي إلى تأكيد هذه النقطة المهمّة، وهي أنّ كلّ أمّةٍ تفتقر إلى الفلسفة سوف تشهد زوالها عاجلًا أم آجلًا، إذ يقول: «فإذن الفلسفة هي التي تعطي البراهين ما تحتوي عليه الملّة الفاضلة، فإذن المهنة الملكيّة التي عنها تلتئم الملّة الفاضلة هي تحت الفلسفة». ثم يستطرد قائلًا: «فإنْ لم يتفق أنْ يوجد حكيمٌ تُضاف الحكمة إليه، لم تلبث المدينة بعد مدّة أنْ تهلك»[4]. باعتقاد الفارابي أنّه في ضوء هذه الحقيقة يقال: «إنّ الفلسفة أساسٌ

(202)

وأصلٌ لكلّ شيء؛ إذ لا يمكن من دونها العمل على إقامة أيّ بناء»[1].

لا شك في أنّ حياة الإنسان تواجه بعض المشاكل، إلى الحدّ الذي ذهب معه بعض المفكّرين ـ بدلًا من القول بأنّ اليسر والسعة في الأمور هي العلة في قيام الحضارات ـ إلى القول بأنّ وجود المشاكل والصعاب يمثل واحدًا من الأسباب الرئيسة لتبلور الحضارة، ولكن هناك على كلّ حالٍ أصولٌ يمكنها أنْ تساعد على حلّ هذه المشاكل، وإنّ من بين هذه الأصول هو أصل العدالة. إنّ الحضارة «تعني التركيز على الحقيقة والعدالة الاجتماعية التي تمثّل شرطًا أساسيًا في استحكام المجتمع، ويمكن مشاهدة مقتضيات الفطرة الإنسانية فيها، في حين أنّ العدالة لا ترتبط ببُعد الماهية المادية للإنسان، بل هي مقتضى فطرته، حيث يمكن الوقوف على جزئيات الفطرة من طريق الشريعة، والاستفادة من الشريعة لتلبية الاحتياجات. إذن فالإنسان ليس «مدنيًا» من زاوية الماهية المادية، وإنّما هو مدنيٌ بعقله وفطرته وبالوحي والشرع، كما أنّ العقل والفطرة يساعدان الإنسان من الداخل، والوحي والشرع من الخارج ليتجنّب الظلم ويعمل بالقانون»[2]. وعلى أساس التوفيق بين العقل والفطرة والتعاليم الدينية يمكن الادعاء بأنّ الفارابي ـ خلافًا لبعض الكُتّاب الذين يرون أنّ الطريق الوحيد للتقدّم والتطوّر يكمن في فصل الدين عن جميع شؤون الحياة البشرية[3] ـ كان يبحث عن إصلاح المجتمع وإقامة المدينة الفاضلة لجميع الناس[4].

(203)

ثالثًا: توفير الأرضيّة لإصلاح الحياة الاجتماعيّة

إنّ من بين وظائف الفلسفة هي المساعدة على إجراء الإصلاحات الاجتماعية. يذهب الشيخ جمال الدين الأسد آبادي إلى الاعتقاد بأنّ «الدين يسعى من خلال تحرير العقل إلى القضاء على الخرافات وإعداد الأرضية للثورة الاجتماعية»[1]. ومن الواضح أنّ مراده من الثورة الاجتماعية هو السعي إلى إصلاح الفساد الذي تمّ فرضه على المجتمعات المسلمة. ويذهب بعض المفكّرين إلى أنّ الطريق الوحيد لتقدّم الحضارة هو «العقل» و«العقلانية»[2]؛ ولكن عندما يعملون على تصوير مفهوم العقل والعقلانية، إنّما يريدون بذلك العقلانية الغربية التي ليس لها أيّ صلةٍ بالشريعة الإسلامية، بل تقف إلى الضدّ منها. في حين أنّ هذه الرؤية خاطئة؛ إذ يجب أنْ تكون العقلانية الإسلامية هي الأصل والأساس.

 وربما أمكن لبعض الأشخاص ـ بطبيعة الحال ـ أنْ يطرح هذا الادّعاء العام ويقول بأنّ العلوم ـ ولا سيما منها العلوم الإنسانية ـ هي الأساس والدعامة لكلّ حضارة. وعلى الرغم من أنّ هذا الادّعاء لا يجانب الصواب، ولكن عندما ننظر إلى هذه المسألة بدقةٍ أكبر، يمكن لنا التفكيك بين مختلف حقول العلوم الإنسانية، ومن خلال تبويب العلوم الإنسانية نصل إلى هذه النقطة وهي أنّ هناك اختلافًا بين العلوم الإنسانية من زاوية الدور والموقع الذي تحتله في الحضارة. ومن بين العلوم الإنسانية يحتل التعقّل والفلسفة موقعًا ويؤدّيان الدور الأهم في الحضارة، والعلوم الإنسانية أيضًا؛ إنّ الفلسفة من خلال تقديم المباني الأنطولوجية والأبستمولوجية تعمل على توجيه العلوم الإنسانية، من قبيل: علم النفس، والعلوم التربوية، والإدارة والاقتصاد والحقوق وما إلى ذلك. ولا بأس هنا من الإشارة إلى الخطأ الذي

(204)

انطبع في ذهن بعض الكُتّاب المؤثّرين، فهناك من يذهب إلى الاعتقاد بأنّ «العقلانية والفلسفة لا تمتلك القدرة الكافية على مواجهة الهجوم الحضاري والثقافي»[1]، وكأنّ هذه الطائفة من الكتّاب قد نسيت أنّ المباني النظرية ـ ولا سيما الأصول الفلسفية المرتبطة بثقافة وحضارة ما ـ كلّما كانت أقوى وأمتن، كانت تلك الحضارة أكثر تطوّرًا وتقدّمًا[2]. والدليل على هذا الأمر واضح أيضًا؛ وذلك لأنّ الفلسفة والتعّقل هما اللذان يرسمان الخطوط العامة التي تهيمن على نمط السلوك والتعامل بين الأفراد في الحضارة.

رابعًا: المواجهة مع الجمود الفكري

لكي ندرك دور العقل في القضاء على الجمود الفكري، يجب الالتفات إلى الأرضية التي تؤدّي إلى هذا الجمود الفكري. وإنّ العنصر الأساسي في الجمود الفكري إنّما هو إلغاء العقل والتعقّل والعقلانية. وعلى هذا الأساس كلّما عمل المجتمع بشكل أكبر على تنمية العقل، فسوف يكون هو الأقرب إلى الازدهار الفكري والعلمي. وعلى هذا الأساس يكون للعقل والتعقل دورٌ حيويٌّ في التطوّر العلمي والتقدّم الثقافي. وبطبيعة الحال، لا يمكن إنكار دور الدين في هذا الشأن؛ ولكن لا بدّ من الالتفات إلى هذه النقطة أيضًا، وهي أنّ استخراج واستنباط هذه الإجابات منوطٌ بالاستفادة من العقل في فهم النصوص الدينية.

بالإضافة إلى أنّ المسلمين ـ على حدّ تعبير بعض المفكّرين ـ كانت لهم في الأساس فلسفتهم النظرية الخاصة[3]، وهذا الأمر في حدّ ذاته ينطوي على أهميةٍ بالغةٍ جدًا في فتح الآفاق الجديدة بالنسبة إلى الحضارة الإسلامية؛ وذلك لأنّ مجرد إدراج نقدٍ

(205)

وتقييم المباني الفكري لسائر الحضارات في جوهر حضارةٍ ما، والنظر إلى الفلسفة الإسلامية بمنزلة الاتجاه النقدي لفلسفات الشرق والغرب[1]، لا يمثّل حلًا في حدّ ذاته. إنّ المسار الحضاري إنّما يتعبّد حيث يزدهر العقل، وتسمو الفلسفة في الحضارة، وتؤدّي إلى تقديم نظرياتٍ عقليةٍ راسخة. وفي هذا الإطار ذهب بعضهم إلى اتهام الفلسفة الإسلامية بالتشدّد أو التعسفية (الدوغماتية)، وأكّد على أنّ الفلسفة الإسلامية ـ من خلال دفاعها عن بعض النظريات الثابتة، واجتناب النظرية الانتقادية لها ـ تعاني نوعًا من التشدد والتزمّت[2]. وفي معرض الجواب يجب القول إنّ هذا الكلام لا يُعدّ حكمًا منصفًا بشأن الفلسفة الإسلامية. لو نظرنا إلى مسارالتحولات التاريخية للفلسفة الإسلامية من موقع المراقب الحيادي، سوف نرى أنّ أسلوب الفلاسفة الإسلاميين عبارةٌ عن المواجهة الناقدة والبنّاءة بالنسبة إلى النظريات الفلسفية، وأنّ كثيرًا من الفلاسفة الإسلاميين لم يخرجوا في عقلانيتهم وفلسفتهم عن مسار الأسلوب العقلي، وأنّ تبلور مختلف المدارس الفلسفية في أحضان العقلانية الإسلامية، دليلٌ واضحٌ على هذا الادعاء، وعلى هذا الأساس لا يمكن غضّ الطرف عن أبعاد الإبداع والخلاقية في الفلسفة الإسلامية واتهامها بالتشدّد والتزمّت. أجل، عندما نقارن بين الفلسفة الإسلامية وفلسفة الغرب، سوف ندرك أنّ الفلاسفة الإسلاميين من خلال جعل الأسلوب البرهاني هو المبنى، لم يسقطوا أبدًا في شراك الأفكار المنحرفة من قبيل: العدمية والتشكيك والنسبية؛ وبطبيعة الحال فإنّ هذه الخصوصية هي التي وفّرت للفلسفة الإسلامية إمكانية المواجهة مع الانحراف والتشدّد والتزمّت.

(206)

خامسًا: المواجهة مع التساهل والتسامح الاعتباطي

إنّ الإسلام ـ كما قال بعض المفكّرين ـ هو دين السلام والتعايش السلمي، ويتعامل مع سائر المعتقدات على أساس المداراة والاحتواء[1]؛ ولكن هناك في البين نقطةً دقيقةً لا بدّ من الالتفات إليها. إذا كان يقال إنّ الإسلام يولي أهميةً كبيرةً للمداراة والتسامح، فإنّ هذا لا يعني أنّ الإسلام يسمح بالتخلي عن مبانيه وأصوله الاعتقادية. كيف يمكن لنظام التفكير الإسلامي أنْ يتخلّى عن مبانيه الفكرية، والحال أنّ «العقل» والعقلانية هي الأصل والأساس في هذا النظام، ونعلم أنّ كلّ تعقّلٍ وعقلانيةٍ إنّما تقوم على أساس أصولٍ ومبانٍ خاصّة، ولا يمكن التخلّي عن هذه الأصول العقلية.

وبطبيعة الحال ربما ذهب بعض المفكّرين ـ بحجّة التعاطي الأكبر مع الحضارة الغربية ـ إلى اقتراح التخلّي عن الأصول وعن مباني التعقّل والعقلانية[2]؛ ولكن يجب عدّ هذا الكلام خطأً من هذا الصنف من الكُتّاب؛ إذ إنّ أيّ نوعٍ من الأخذ والاقتباس عن النظام القيَمي للحضارة الغربية، سوف يعني زوال وانهيار الحضارة الإسلامية من الداخل، وفي هذه الحالة سوف لا تكون هناك حضارةٌ باسم الحضارة الإسلامية، حتى يدعو أداؤها إلى الفخر والاعتزاز. وفي إطار هذه الرؤية الخاطئة يتمّ بيان رؤيةٍ خاطئةٍ أخرى أيضًا؛ تقول: بالنظر إلى الانتشار المتسارع لنظام القِيَم الغربية في العالم الإسلامي، فمن الأفضل أنْ نعمل على استبدال هذا النظام بنظام القِيَم الإسلامية. يطرح هذا الصنف من الكتّاب هذا السؤال القائل: كيف يمكن في العالم المعاصر طرح المفاهيم الاعتقادية من قبيل أصل التوحيد في مواجهة القِيَم

(207)

الحديثة من قبيل الديمقراطية؟[1] وفي الجواب عن هذه الطائفة من المفكّرين، يجب الإقرار بأنّه إذا كان هذا هو حال النُخبة والمفكّرين المسلمين؛ حيث يتعرّضون إلى هذا النوع من اليأس والإحباط، ويتّخذون موقف الانفعال والاقتباس عن الحضارة الغربية؛ فكيف يكون الشأن بالنسبة إلى عامّة الناس الذين يقتفون آثار الخاصة من هؤلاء النُخَب؟ إنّ على هذه الطائفة من المفكّرين والكُتّاب أنْ تأخذ بنظر الاعتبار أنّ الحضارة الإسلامية لها نظامها القِيَمي الخاصّ القائم على العقل الفطري والمصادر الدينية والإسلامية. إنّ هذه الطائفة من المفكّرين لا تلتفت إلى أنّ القِيَم التي هي من قبيل الديمقراطية والليبرالية وفصل الدين عن السياسة، إنّما هي في الأساس ذرائع لسيادة وسيطرة الحضارة الغربية على الحضارة الإسلامية، ويجب على النُخَب والمفكرين أنْ يتّخذو موقفًا ناقدًا لهذا النوع من القيَم الغربية[2].

سادسًا: مواجهة مذهب العدمية

إنّ من بين مهام الفلسفة الحضارية، مواجهة ومكافحة مذهب العدمية. إنّ مذهب العدمية بسبب مخالفته لجميع أنواع المعرفة الصحيحة، يقضي على الازدهار العلمي، ومن الواضح أنّه من دون التنمية العلمية، لا يُكتب التحقّق لأيّ حضارةٍ بما في ذلك الحضارة الإسلامية، وعلى هذا الأساس ليس هناك من شكٍّ في أنّ العدمية تمثّل عنصرًا أصليًا للمنع من قيام أيّ حضارة. وهذا أمرٌ واضحٌ من دون أدنى شك، بيد أنّ الشيء الذي يمكن النظر إليه بشيءٍ من الشكّ هو أنّ الأشخاص بعد دراسة الكتب والمقالات الفلسفية قد لا يرون شيئًا غير اختلاف الآراء، وعليه فإنّ السؤال الذي يُطرح هنا هو: هل تمتلك الفلسفة هذه القدرة على موجهة مذهب العدمية؟ إنّ الفارابي ـ الفيلسوف الإسلامي الكبير ـ قد أجاب عن هذا السؤال في

(208)

مقدمة كتابه من خلال التلفيق بين رؤية ذينك الحكيمين[1]، وقد صرّح بأنّ الغاية الأصلية من تأليف هذا الكتاب هي الإجابة عن الشبهات التي يقع فيها الناس بعد قراءة آثار الحكماء والمواجهة مع الاختلافات الواضحة لآرائهم.

ومن هنا فإنّ الفلسفة الإسلامية مادامت متمسّكةً بطريقتها العقلية واليقينية، فإنّها تعدّ واحدةً من أفضل طرق المواجهة مع آفة الشكّ والعدمية؛ ولذلك فإنّ ما ذهب إليه بعض المفكّرين والمؤلّفين من الاعتقاد بأنّ الفلسفة قد أدّت إلى التشكيك والعرفان ليس صحيحًا؛ وذلك إذ نرى أولًا أنّ العرفان لا يعني الشك، بل هو منهجٌ عمليّ لإصلاح النفس. وعلى أساس مبانيه وعرفانه بمعنى شهادة العلم، على الرغم من أنّ العرفان رهنٌ بالوحي والشهادة الحقيقية. إلا أنّ الذي يدعو إلى تسهيل الكلام هو أنّ الفلسفة الإسلامية قد ازدهرت وانتشرت بعد ابن سينا والتماهي مع الآيات والشهادة، وإنّ الحكمة المتعالية هي من ثمار ونتائج هذا النجاح وما يزال هذا الازدهار متواصلًا، ويمكن مشاهدة ثماره في مختلف المجالات البشرية، من قبيل: الحقول الاجتماعية، والتعليمية، والسياسية وما إلى ذلك. وعلى كلّ حالٍ ليس هناك من شكٍّ في أنّ مذهب العدمية المطلقة الذي لا يزال يواصل التوسّع والانتشار في الحضارة الغربية، إنّما هو دليلٌ ومؤشّرٌ على التداعيات والنتائج الخطيرة للشروخ الذهنية التي تعاني منها الحضارة في الغرب، ومن هنا يمكن التوصّل إلى حقيقةٍ قيّمة، وهي أنّ الحضارة الإسلامية بحاجةٍ ماسّةٍ إلى الفلسفة الإسلامية؛ إذ إنّ الفلسفة الإسلامية تمتلك القدرة على إيضاح إصلها وغايتها بالنسبة إلى الإنسان، وما يساعده في التخطيط الصحيح لحياته الدنيوية. ويمكن القول في هذا الشأن: لا يمكن الوصول إلى أيّ هدفٍ أو غايةٍ من دون الاستعانة بالفلسفة.

(209)

سابعًا: تلبية الحاجة الفطرية للإنسان رهن بمعرفة الحقائق

إنّ الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان ـ كما نعلم ـ بمجموعةٍ من الإمكانات والقابليات الكامنة فيه. وإنّ من بين هذه القابليات والإمكانات ميله إلى الحقيقة، وسعيه إلى معرفتها. ويمكن مشاهدة هذا الميل والاتجاه لدى كثيرٍ من أفراد النوع الإنساني. فكلّ إنسانٍ يكره الكذب وقلب الحقائق بشكل فطري. والنقطة المهمّة في البين هي أنّ هذا الميل الفطري لدى الإنسان يجب أنْ يقع موردًا للاهتمام مثل كل التوجّهات والميول الفطرية الأخرى.

يذهب آية الله جوادي آملي ـ وهو من الفلاسفة الإسلاميين المعاصرين ـ إلى الاعتقاد بأنّ الفلسفة تقع على رأس العلوم التي تقدّم للإنسان معرفة الحقائق العينية والرؤية الكونية[1]. كما قد ذهب بعض المفكّرين المعاصرين إلى التأكيد على أنّ الفلسفة تعمل على تطوير الاستعدادات الكامنة في وجود الإنسان، والتي تدعوه إلى البحث عن الحقيقة[2]. وعلى هذا الأساس فإنّ من بين المهام المحورية التي تضطلع بها الفلسفة الإسلامية في الحضارة الإسلامية، تنمية الاستعدادات التي قلّما تعمل معرفةٌ أخرى على تطويرها وتفعيلها. إنّ الشخص الذي يصل ميله ونزوعه إلى معرفة الحقيقة مرحلة الفعلية، سوف يسلك في حياته مسار «الواقعية»، وسوف يجتنب السقوط في أحضان المذاهب والمدارس غير الواقعية. وإنّ هذا الأمر سوف يؤدّي إلى تبلور وازدهار الحضارة في المسار الواقعي، وسوف يُعدّ هذا الأمر نقطة قوّةٍ للحضارة الإسلامية بالقياس إلى سائر الحضارات الأخرى.

(210)

ثامنًا: بناء الأرضية المشتركة للحوار العلمي بين الحضارة الإسلامية وسائر الحضارات الأخرى

نشير هنا إلى دور آخر تضطلع به الفلسفة الإسلامية في حقل ازدهار الحضارة الإسلامية. إنّ الفلسفة الإسلامية من خلال امتلاكها للغة المشتركة بين جميع البشر، ألا وهي لغة العقل والفطرة العقلانية للناس، وكذلك من خلال توظيف العقلانية التي نراها عند عموم الأشخاص، توفر أرضيةً مناسبةً للحضارة الإسلامية في إطار إقامة الحوار مع سائر الحضارات. ومن الواضح أنّ تبلور مثل هذا الحوار يمكن أنْ يؤدّي دورًا حيويًا في ازدهار الحضارة الإسلامية؛ إذ من خلال الحوار يمكن اجتذاب نقاط القوّة الموجودة في سائر الحضارات، والعمل ـ في إطار التعرّف على نقاط ضعف كلّ حضارةٍ ـ على رسم مسار الحضارة؛ بنحو لا تواجه مثل هذه العقبات، وأنْ تعمل الحضارة الإسلامية ـ في الوقت نفسه ـ على تجنّب هذه الموانع والعقبات.

النتيجة

إلى هنا ننتهي من مسألة البحث والتحقيق، حيث يمكن أنْ نصل من خلال هذه الدراسة إلى نتيجةٍ مفادها إمكان العثور ـ من زاوية الرؤية «الحضارية» ـ على أدوارٍ جديدةٍ للفلسفة والتعقل، لم تحظَ بالاهتمام الكافي من قبل النصوص والمصادر التحقيقية. وإنّ هذا التجاهل من قبل الرؤية الحضارية، قد خلق الأرضية ليقوم بعض المفكّرين والمؤلّفين بمخالفة الفلسفة الإسلامية استنادًا إلى حججٍ واهيةٍ من قبيل: نسبتها إلى الجذور اليونانية، أو التشدّد والتزمّت، وعدم الجدوائية وما إلى ذلك. في حين أنّ للفلسفة الإسلامية في البُعد الحضاري أعمالًا مهمّةً أشرنا إلى بعضها في هذه المقالة. وإنّ بعض هذه الأمور هي كالآتي:

1. إنّ من بين الأدوار الحيوية للفلسفة في تطوير الحضارة، المساعدة على بناء الهوية الثقافية للمجتمع.

(211)

2. إنّ الدور الحيوي الآخر للفلسفة في حقل الحضارة، إعداد الأرضية المناسبة لبناء النظام الفكري.

3. الدور الثالث للفلسفة هو إعداد الأرضية لإصلاح الحياة الاجتماعية من طريق المواجهة مع الانحرافات الفكرية، من قبيل: العدمية والنسبية والتشكيك.

4. الدور الرابع الأساسي للفلسفة في الحضارة، تلبية الحاجة الفطرية للإنسان فيما يتعلق بمعرفة الحقائق.

5. إنّ الدور الخامس الآخر والمهم للفلسفة في الحضارة، هو المساعدة من أجل إقامة الحوارات بين مختلف الحضارات من جهة، والتيارات الفكرية المختلفة في إطار الحضارة الإسلامية من جهة أخرى.

والمسألة المهمّة الأخرى هي أنّ الفلسفة الإسلامية إذا كانت تسعى إلى التأثير الأكبر على الحضارة الإسلامية، فيجب أنْ تبحث عن التأثير في مختلف المجالات الاجتماعية والتعليمية والسياسية وما إلى ذلك، لكي تلبي احتياجات المجتمع الإسلامي الراهن.

 

 

 

 

 

 

 

(212)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. ابن منظور الأفريقي، محمد بن مكرم، لسان العرب، بیروت، دار إحياء التراث العربي، 1996 م.
  3. أركون، محمد، الفكر العربي، ترجمه إلى اللغة العربية: عادل العوّا، بيروت، منشورات عويدات، 1985 م.
  4. ــــــــــــــــ، قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم؟، ترجمه إلى اللغة العربية وعلّق عليه: هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، 1998 م.
  5. إقبال اللاهوري، محمد، سير فلسفه در إيران، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أمير حسين آريان بور، طهران، مؤسسة انتشارات نگاه، 1380 هـ.ش.
  6. بدوي، عبد الرحمن، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، بيروت، دار القلم، 1980 م.
  7. الجابري، محمد عابد، جدال كلام عرفان و فلسفه در تمدن اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: رضا شيرازي، طهران، انتشارات يادآوران، 1380 هـ.ش.
  8. ــــــــــــــــ، ما و ميراث فلسفي مان، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيد مهدي آل مهدي، طهران، نشر ثالث، 1387 هـ.ش.
  9. ــــــــــــــــ، قضايا في الفكر المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997 م.
  10. جوادي آملي، عبد الله، تفسير تسنيم، قم، انتشارات إسراء، 1387 هـ.ش.
  11. ــــــــــــــــ، رحيق مختوم، ج1، قم، انتشارات إسراء، 1393 هـ.ش.
  12. حنفي، حسن، قضايا معاصرة في الفكر المعاصر، القاهرة، دار الفكر العربي، 1981 م.
  13. الخشت، محمد عثمان، الإسلام والعلم بين الأفغاني ورينان، القاهرة، دار قباء، 1998 م.
(213)
  1. داوري اردكاني، رضا، فلسفه معاصر ايران، طهران، نشر ساقي، 1384 هـ.ش.
  2. دورانت، ويليام جيمس، تاريخ تمدن (قصة الحضارة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد آرام، طهران، نشر إقبال، 1377 هـ.ش.
  3. زرين كوب، عبد الحسين، كارنامه اسلام، طهران، مؤسسة انتشارات أمير كبير، 1369 هـ.ش.
  4. شريعتي، علي، مجموعه آثار (الأعمال الكتملة) (أحد عشر مجلدًا)، تاريخ تمدّن، طهران، انتشارات قلم، 1375 هـ.ش.
  5. ضاهر، عادل، الأسس الفلسفية للعلمانية، بیروت، دار الساقي، 1993 م.
  6. عبد الرحمن، طه، فقه الفلسفة، الفلسفة والترجمة، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1995 م.
  7. العروي، عبد الله، مفهوم العقل، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1996 م.
  8. العظمة، عزيز، العلمانية من منظور مختلف، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1992 م.
  9. عنايت، حميد، سيري در انديشه سياسي عرب، طهران، انتشارات أمير كبير، 1356 هـ.ش.
  10. الفارابي، أبو نصر، سياست مدينه، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيد محمد سجادي، انتشارات انجمن فلسفه ايران، 1358 هـ.ش.
  11. ــــــــــــــــ، كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين، تحقيق: ألبير نصري نادر، طهران، انتشارات الزهراء، ط 2، 1405 هـ.
  12. ــــــــــــــــ، آراء أهل المدينة الفاضلة، تحقيق: ألبير نصري نادر، بيروت، دار المطبعة الكاثوليكية، 1969 م.
  13. ــــــــــــــــ، كتاب الملة ونصوص أخرى، تحقيق: محسن مهدي، بيروت، دار الشرق، 1991 م.
  14. لوبون، گوستاو، تمدّن اسلام و عرب، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيد هاشم الحسيني، طهران، كتاب فروشي اسلاميه، 1347 هـ.ش.
(214)
  1. المسيري، عبد الوهاب، والعظمة، عزيز، العلمانية تحت المجهر، القاهرة، دار الفكر المعاصر، 2017 م.
  2. مصباح اليزدي، مجتبى؛ ومحمدي، عبد الله، معرفت‌شناسي، قم، انتشارات مؤسسه آموزشي و پژوهشي امام خميني؟ره؟، 1398 هـ.ش.
  3. مصباح اليزدي، محمدتقي، آموزش فلسفه، طهران، انتشارات سازمان تبليغات اسلامي، 1364 هـ.ش.
  4. المطهري، مرتضى، وحي و نبوّت، طهران، انتشارات صدرا، 1371 هـ.ش.
  5. ــــــــــــــــ، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، طهران، انتشارات صدرا، 1376 هـ.ش.
  6. ملكيان، مصطفى، تاريخ فلسفه غرب (أربعة مجلدات)، قم، پژوهشگاه حوزه و دانشگاه، 1379 هـ.ش.
(215)
(216)

 

 

الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء
 دورٌ رياديٌّ في الإحياء الحضاري الإسلامي[1]

هاشم الميلاني[2]

تتعدّد وجوه المشروع الإصلاحي للشيخ كاشف الغطاء (1294-1373هـ.ق) وتتنوّع؛ إذ كان رحمه الله فقيهًا وأديبًا ومتكلّمًا وحكيمًا وسياسيًّا محنّكًا، وبنى وفق هذه الخلفيّة حركته العلميّة والفكريّة في معالجة ومواجهة التحدّيات التي تواجه المجتمع والعالم الإسلامي؛ ولهذا، فقد اتّبع المنهج العملي الوظيفي، إذ يشير إلى فوائد الالتزام بالدين ليثبت أهميّته وضرورته، ويؤكّد على ضرورة إحياء العوامل التي توجب نهوض الأمّة والوصول إلى رشدها. وفي هذا السياق، يرى الشيخ كاشف الغطاء أنّ جهود المصلحين نحو اتّحاد العالم الإسلامي قد أثمرت و«قد بدت بشائر الخير، وظهرت طلائع النجاح، ودبّت وتسرّبت في نفوس المسلمين تلك الروح الطاهرة».ومِن الواضح أنّ (قده) كان مستشرفًا ومواكبًا لما يجري في العالم؛ لهذا صوّب باتجاه مفاسد الغرب والفكر والثقافة الغربيين. لذا، فهو يعتقد بأنّ الغرب هو السبب في إفساد الأمّة، وأنَّ الغرب لا يريد نفع الأمّة الإسلاميّة، بل «إنّما جاؤوا بها ليفسدوا أخلاقكم، ويسلبوا أموالكم، ويوقعوا العداوة والبغضاء بين الناس».

(217)

ولهذا، فإنّ ما حلّ بالعالم الإسلامي مِن حركةٍ تغريبيّةٍ تقتفي الغرب جملةً وتفصيلًا، يُعدّ مِن أهمّ أسباب التخلّف، وهذا ما يسمّيه بنفوذ روح الغرب، إذ يقول: «نفذت الروح الغربيّة في جسد الشرق وجسم العالم الإسلامي، فانتزعت منه كلّ عاطفةٍ شريفة، وإحساسٍ روحيّ وشرفٍ معنوي...».

وكانت له مواقف سياسيّةٌ متعدّدةٌ تنبئ عن عمق نظره، ومعرفته بالواقع العالمي والإقليمي، إذ كان يعدّ أنّه غارق في السياسة بمعنى الوعظ والإرشاد والنهي عن الفساد، والنصيحة للحاكمين بل لعامّة العباد، والتحذير مِن الوقوع في حبائل الاستعمار والاستعباد، ووضع القيود والأغلال على البلاد وأبناء البلاد، وأراني مسؤولًا عنها أمام الله والوجدان...

وللشيخ كاشف الغطاء مواقف صريحة تجاه الغرب، تنبئ عن عمق بصيرته ووقوفه على خدع الغرب ومكره، وكان يرى أنّ المدنيّة الغربيّة أكبر ضربةٍ للدين، مِن دون فرق بين الإسلام والنصرانيّة.

قبس مِن سيرته قدس‌سره

ولد الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاءقدس‌سره في مدينة النجف الأشرف عام 1294هـ.ق، وينتمي إلى أُسرةٍ علميّةٍ عريقة، إذ إنّ جدّه الأعلى هو الشيخ جعفر كاشف الغطاءقدس‌سره ، كما أنّ والده الشيخ علي كاشف الغطاء، كان مِن علماء النجف الأشرف المبرّزين.

التحق الشيخ كاشف الغطاء بالحوزة العلميّة، وكان عمره عشر سنين، وتتلمذ على يد كبار أساتذة الحوزة آنذاك، وتبحّر في مختلف العلوم الإسلاميّة، وكان له باعٌ في الشعر والأدب أيضًا، وبعد أنْ أخذ قسطًا وافيًا مِن تلك العلوم، أصبح مِن أساتذتها المبرّزين، وبدأ بحركته الإصلاحيّة الإحيائيّة، وصار رمزًا مِن رموز الطائفة الشيعيّة، ولم يقتصر صيته على النجف أو العراق، بل ذاع صيته في العالم الإسلامي،

(218)

وسافر إلى أهمّ العواصم الإسلاميّة.

رغم أنّ شخصيّة الشيخ كاشف الغطاء متعدّدة الوجوه، إذ كان رحمه الله فقيهًا وأديبًا ومتكلّمًا وحكيمًا وسياسيًّا محنّكًا، غير أنّ ما يهمّنا هنا، الإشارة الإجماليّة إلى دوره الإصلاحي والإحيائي في المجتمع الإسلامي، وقراءة مواقفه وبيان أبرز معالمها في هذا المضمار. وعليه، سنتطرّق فيما يلي إلى هذه المواقف ضمن النقاط الآتية:

1. الموقف الديني

لم يكن الشيخ كاشف الغطاء كسائر المصلحين المنتمين إلى التيّار الإسلامي، كيف وهو ابن الحوزة العلميّة ومِن كبار فقهائها ومِن أبرز علمائها؟ فمِن الطبيعي أنْ يكون الدين منطلقه في العمل الإصلاحي، حاله حال سائر المصلحين مِن أسلافه.

كان رحمه الله يشير إلى مجد الإسلام إبّان ازدهار حضارته في القرون الأولى، ويشبّهه بالطائر القدسي الذي «أنشبَ مخالبَه في أعماق البسيطة، وأثبت رجليَه على تخوم الأرض، واحتكّ بظهره أعنّة السماء مِن هذا المحيط، واستقبل بوجهه الكعبة المقدّسة مِن ناحية الجنوب، حتّى أطلع رأسه مِن وراء خطّ الاستواء، ومدّ ذنبه على أقصى المعمورة مِن الشمال، ونشر أحد جناحيه على المشرق، حتّى وضع قوادمه على جدار الصين، وظلّل بالثاني طرف المغرب إلى منتهى المحيط، فقال للشمس: أينما أشرقت ففي ظلالي، وللسحاب أينما وَدَقْتِ ففي بيت مالي. بلغ هذا الطائر المبارك الميمون مِن الفخامة والعظمة في أقلّ مِن قرن ونصف ما لم تبلغه أكبر دول العالم في عدّة قرون...» [1].

ثمّ يتأسّف الشيخ كاشف الغطاء على ما حلّ بالإسلام والمسلمين اليوم، ويقول: «نعم لا أُحاول أنْ أمثّل لك وأنعى إليك رزيّة الإسلام في أهله، وبليّته مِن قومه، ونعيه على أسلافه، ومصيبته مِن أبنائه... لا أحاول أنْ أُجسّم لك كيف تركه أهلوه فتركهم، ونبذوه فانتبذهم، وأهلكوه فأهلكهم.لا أُمثّل لك كيف حاربوه في القول والعمل، وجانبوه في الظاهر والباطن، فتزيّوا بغير أزيائه، وتخلّقوا بغير أخلاقه،

(219)

وعملوا على هدم أساسه وإخماد نبراسه‌»[1].

إنّ الصورة التي يرسمها الشيخ كاشف الغطاء عن الوضع العام آنذاك تجاه الدين صورة مزريّة ومبكية تمامًا، إنّها لوحة تصوّر الإسلام بأنّه: مُسحت أطرافه، وبُترت ذنائبه، وحُصّت أجنحته، وكُنعت‌ يداه ورجلاه، ودُمغت هامته حتّى تداخلت في عنقه، فاختنق صوته، وأخفتت دعوته، وأصبح كجؤجؤ في وسط العراء، تكتنفه الذئاب والوحوش والقشاعم والنسور. كلّ يوم تنهش قطعة مِن لحمه وتكسر عظمًا مِن عظمه[2].

ثمّ تسيل دموع الشيخ كاشف الغطاء على ما حلّ بالإسلام والمسلمين، ويقول: «أنّي لأُحرّر فيما هنا والحسرات تتكسّر في صدري، والدمع قبل القلم يجري، والعبرات أمام العبارات تنهلّ، ويا حبّذا لو سمحت لي العناية بموقف تراق قطرة دم حياتي في سبيل حياته»[3].

وبعد هذه الزفرة والشقشقة التي هدرت ثمّ قرّت، يعرّج الشيخ كاشف الغطاء على أهميّة الدين في حفظ نظام العالم، وأنّه متوافقٌ مع الفطريّات والوجدانيّات والبديهيّات، ويقول: «إنّ الدين... أعظم وأكبر ناموسٍ في حفظ نظام العالم، وأنفذ وازعٍ ورادعٍ للنفوس عن حرصها وجشعها إلى حبّ التغلّب والتفوّق واستيفاء الحظوظ مِن الشهوات الحيوانيّة والقوى الغضبيّة والطمّ والرمّ والاستكثار مِن الحطام الجمّ،ويستحيل بدون الدين قمع هذه الشرور وقلع هذه البذور مِن نفوس البشر عامّة وخاصّة، إلّا برهبة الدين وتسليط سيطرته عليها...» [4].

إنّ المنهج الذي يتّبعه الشيخ كاشف الغطاء هنا، إنّما هو المنهج العملي الوظيفي،

(220)

حيث يشير إلى فوائد الالتزام بالدين ليثبت أهميّته وضرورته. ومِن هذا المنطلق - أي الدور الوظيفي والعملي للدين في حياة الإنسان - يشرح الشيخ المصائب والبلايا التي تحلّ بالإنسان في حياته الدنيويّة، بنحوٍ تدعه أسير الكربات والأزمات النفسيّة والاجتماعيّة وغيرها، ثمّ يتساءل ويقول: «قل لي فإلى أيّ عمادٍ يستند، وعلى أيّ سندٍ يعتمد؟ بأيّ ركنٍ يعتصم هذا المسكين البائس، وإلى أيّ ملاذ يلوذ، ومِن أيّ مساعدٍ يؤمّل النجاة أو إراحته مِن سوء هذه الحياة؟»[1].

نعم إنّه الدين، فالدين هو القوّة الأزليّة التي يرجع إليها الإنسان لتستقيم حياته وتعتدل، إذ «لولا سلوة الدين وحسن عزائه وطيب النفس بحسن الثقة به، وأنّ عاقبة الصبر الجميل جميلة، وأنّ الاستسلام له داعية كلّ فضيلة، لكان جديرًا بالإنسان وحريًّا به، بل وحتمًا عليه، أنْ ينتحر مِن ساعته، ويقضي حياته مِن أوائل عمره»[2].

فالدين هو الذي يوجب الاطمئنان والسكينة لهذا الإنسان الحائر، وهو الراحة الكبرى، والنعمة العظمى، وأعظم لوازم الإنسانيّة، وأهمّ ما يجب للطباع البشريّة. إنّ الأديان سياج العمران، وحصن الحياة، ومعقل الأمم، ولا تطيب الحياة إلّا بها، ومَن قبض على الدين، فقد قبض على راحة الأبد، وسعادة النشأتين، ولو قبض الإنسان السماوات بيمينه والأرض بشماله لما أغناه ذلك عن الدين شيئًا: «فإلى الدين إلى الدين أيّها الملوك والسلاطين والبؤساء والمساكين»[3]. والتمسّك بالدين يوجب السعادة والفوز، فنحن «إذا اتّفقنا وأصلحنا أنفسنا وأخذنا بأحكام ديننا، عادت السعادة إلينا، وزال كابوس الاستعباد عنّا»[4].

(221)

ثمّ إنّ الشيخ كاشف الغطاء لم يكتفِ بذكر الدور الوظيفي للدين، بل يقوم بالتنظير العقلي المبسّط لإثبات الأسس والأصول الدينيّة، فهو يرى مِن جانب تدفّق الشبهات على الدين شرقًا وغربًا، ويرى مِن جانبٍ آخر صعوبة ما كتبه علماؤنا الأبرار مِن متكلّمين وحكماء على فاهمة عامّة الناس؛ لأنّ ما كتبوه رغم قوّته واستحكامه غير أنّه «لا ينتفع به إلّا الأوحدي مِن الناس بعد التعب والكدّ وطول المراس[1]» وعليه يدعو «أطبّاء المعارف وزعماء الفلسفة لحفظ مبادئ الدين في نفوس الأمّة والتفاني في سبيل الدعوة مِن أقرب طرقها وأسهل سبلها. حبّذا لو عمدوا إلى ما سجّلته كبار الحكماء مِن الأدلّة والبراهين على أصول الشريعة الإسلاميّة، فيكسونها حُلّةً مِن البيان تقرّبها إلى الأذهان، وتخرج بها عن التعقيدات الصناعيّة والاصطلاحات الفلسفيّة، وتنعزل بها عن المجادلات الكلاميّة، وتترسّل في الإقناع لها ترسّلًا يكشف عنها القناع، وتلذّ به الأسماع، وتهشّ له الطباع، بأُسلوب بيانٍ يخرق الحجب الكثيفة، ويهزّ العواطف الشريفة، تتكهرب بسيّال سلاسته أسلاك الأذهان، وتتقبّله القلوب قبل الآذان، كي تنفسح هناك شبهات المشكّكين، وترسخ في النفوس أسس العقائد وأصول الدين»[2].

ثمّ إنّ الشيخ كاشف الغطاء يقوم هو بعبء هذه المهمّة، ويشمّر عن ساعديه ليثبت أصول الدين الخمسة ببيانٍ سلسٍ سهلٍ قابل للفهم، وبعيدٍ عن التعقيد الفلسفي والكلامي، وذلك في ثلاثيّته: (الدين والإسلام) [3].

وبعد الإثبات النظري المبسّط للدين الإسلامي، يعرّج الشيخ كاشف الغطاء على الشريعة الإسلاميّة ليجعلها الوسط بين الشريعة اليهوديّة والمسيحيّة والمهيمنة

(222)

عليهما لما طرأ عليهما مِن الدسّ والتحريف، ويقول: «إنّ مِن العناية اللازمة والحكمة الواجبة بعد ذينك الشريعتين، أنْ يضع الحكيم شريعة وسطًا، وطريقًا جَدَدًا جامعًا لطرفي العدل والفضل، آخذًا بأعنّة السعادتين، وإصلاح النشأتين، وتقويم أود الحياتين... وهذه الشريعة التي لها هذه الخاصّة والميزة عن غيرها، هي التي تصلح أنْ تكون القانون الأبدي لصالح عامّة البشر في عامّة الأزمان جيلًا بعد جيل وقبيلًا بعد قبيل»[1].

ويقول أيضًا: «إنّ أحكامه التشريعيّة مِن عبادات ومعاملات وجزائيّات وأحكام -أعني سياسة المدن وتدبير النفس والمنزل- هي شرائعٌ مطابقةٌ لروح العدل وجوهر العقل ونواميس الفضيلة، فلا يمكن أنْ يؤتى بأحسن منها بل ولا بمثلها، وأنّه لو سارت الممالك الإسلاميّة عليها، بل وسائر الممالك لساروا في صراط مستقيم لا يرون فيه عوجًا ولا أمْتَا، وهي موافقة لروح كلّ عصر، ولسعادة كلّ أمّة مِن الأمم»[2].

وعليه، فإنّ الشريعة الإسلاميّة جمعت السعادتين: سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، وأخذت بالعدل وزادت عليه بالعفو والإحسان[3].

كما أنّ أهداف الشريعة الإسلاميّة انتشال الإنسانيّة مِن أوضار الطبيعة، وأقذار المادّة وخسّة الحيوانيّة، والعروج بها إلى مصاف الروحانيّين والمثل العليا، ولم يدع وسيلةً للهناء والسعادة والعزّ والكرامة إلّا عيّنها وبيّنها في هذه الحياة أو في الحياة الأخرى، وجعل لمَنْ آمن به وبرسله وباليوم الآخر مقامًا رفيعًا وكريمًا في الدارين[4].

وبعد هذا يختم كلامه قائلًا: «فحقًّا أقول إمّا أنْ تكون الشريعة الإسلاميّة هي

(223)

الشريعة الإلهيّة والدين الأبدي، وإمّا ألّا يكون للعالم صانعٌ ولا يكون مدبّر»[1]. كما يعتقد أنّ الغرب قد أخذ واقتبس مِن الإسلام محاسن الأعمال، ويقول: «إنّ مِن أمامكم مِن الأمم الراقية أوج الحضارة والعمران، تقتدي بل ترتقي بحسنات مذهبكم السامي ودينكم الإسلامي»[2].

ومِن الجدير بالذكر أنّ الشيخ كاشف الغطاء قد دخل مساجلاتٍ كثيرةً مع المسيحيّين بغية إثبات أحقيّة الدين الإسلامي والدفاع عن مبادئه ومبانيه أمام الشبهات، التي كانت تثار آنذاك ضدّ الإسلام، وقد أشار إليها بقوله: «تألّبت زعانفة مِن الأمّة المسيحيّة، وتغالت وتطرّقت في الطعن على شرف الإسلام حتّى تجاوزت الحدّ وخرجت عن الآداب، وخدشت العواطف ومسّت شرف صاحب الرسالة»[3].

ومع هذا، لم ينطلق الشيخ كاشف الغطاء مِن منطلق الجدل والخصومة، بل اتّخذ منهج الجدال الأحسن، وحلف بأنّه ما قصد الشقاق والغلبة والعصبيّة والحمية الجاهليّة، فقال: «الله يعلم أنّي ما كتبتها للردّ والإيراد، ولا لإلقاح الفتنة والفساد، جمعتها للجمع لا للتفريق، وألّفتها لتأليف الفرق لا لاختلاف الفريق»[4]. وقد التزم رحمه الله بهذا المنهج المعتدل في جميع مساجلاته مع المسيحيّة، سواء في إثبات تفوّق الإسلام أو في مقام إثبات ما ورد مِن الدسّ والتحريف في العهدين، أو في مقام ردّ الشبهات المثارة والدفاع عن الإسلام والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشريعته الغرّاء.

2. الموقف الاجتماعي

يتبلور موقف الشيخ كاشف الغطاء الاجتماعي في تركيزه على ثلاث نقاطٍ

(224)

أساسيّة: الأولى أسباب نهوض الأمّة، والثانية أسباب التخلّف، والثالثة الدفاع عن الإسلام والمذهب.

أ. أسباب النهوض

لقد أشار الشيخ كاشف الغطاء في مناسباتٍ مختلفةٍ إلى عدّة عوامل توجب نهوض الأمّة والوصول إلى رشدها السابق، ويمكن حصر هذه العوامل ضمن النقاط الآتية:

أوّلًا. الأخذ بالميثاق العربي الوطني  

إنّ الشيخ كاشف الغطاء رسم ميثاقًا وطنيًّا في سبعة بنود، استوحاها مِن الدين، وقال إنّها المواثيق التي أخذ الله على الأنبياء أنْ يبلّغوها عباده، وأخذ على عباده العمل بها، وهذه المواثيق هي:

أوّل ميثاقٍ أخذه الله على العباد أنّهم مخلوقون، ولهم خالقٌ مدبّرٌ حكيم.

يلزم على العباد أنْ يعرفوا بأنّ الله هو المبدأ والمعاد، والغرض مِن الخلقة الوصول إلى مقام الخلافة الإلهيّة.إنّ بلوغ الغاية والوصول إلى الهدف لا يحصل إلّا بالسير على مناهج مخصوصةٍ وتعاليم معيّنة. لا بدّ مِن وجود سفراء بين الله وبين عباده لإيصال التعاليم إليهم. أخذ الله على عباده ميثاق التعاون والتضامن لينال الفرد سعادته في ظلّ سعادة سائر الأفراد والمجتمع، ولذا قالوا: (الإنساني مدني بالطبع).هذا التعاون لا ينتج ولا يفلح إلّا بالتوازن مع خدمة الوطن والدين واللغة وسائر بني لغته وبني جنسه.هذا التعاون لا بدّ أنْ يعتمد على دعائم الفضيلة، وأمهاتها أربع: 1- الإخلاص 2- الصدق 3- الاستقامة والاعتدال 4- الثبات والاستدامة[1].

(225)
ثانیًا. العلم والسلطة

يرى الشيخ كاشف الغطاء أنّ أيّ دينٍ أو مجتمعٍ لا يمكنه أنْ ينهض ويطير في سماء العزّ والشرف إلّا بمساعدة جناحين: أ. الجناح الأوّل: تواصل العلم والعمل. ب. الجناح الثاني: السيف والقلم.

ثمّ يقول: «ما سادت أمّة، ولا سعدت دعوة، ولا حلّقت في سماء العلوّ والرفعة ملّة، ولا اتّسعت في البسطة على البسيطة سلطة، ولا طار صوت ملك وانتشر في العالم صيت مملكة، إلّا بإسعاد هذين الجناحين، وعلى قدر الحظّ ووفور النصيب منهما، يكون الحظّ مِن القوّة والنفوذ في السطوة والسعة في الملك والسلطان»[1].

ثمّ يشرح هذه الأسس والمباني، ويشير إلى لزوم دمج العلم والعمل معًا، إذ العمل مِن دون علم كالبناء مِن غير أساسٍ، فسرعان ما ينهدم على صاحبه، أمّا العلم مِن دون عمل، فهو كالأساس مِن دون بناء، ليس له أيّ ثمرةٍ ونتيجة.

أمّا السيف والقلم، فهما آلة الملك وأدوات القوّة، وهذان الركنان إذا اجتمعا في شخصٍ واحدٍ فبها ونعمت، وإلّا يلزم أنْ يقوم كلّ واحدٍ منهما بوظيفته[2].

ثالثًا. الشرف

يتساءل الشيخ كاشف الغطاء عن الشرف الذي يكدح اللبيب في السعي إليه، ويرى أنّه ليس المال، ولا الجاه والجمال، ولا الآباء والعشائر، ولا سعة العلوم والمعارف والمهن والصنائع، بل الشرف عند الشيخ هو: «حفظ الاستقلال، وتنشيط الأفكار، وتنمية غرس المعارف، والذبّ والمحاماة عن نواميس الدين وأصول السعادة. الشريف مَنْ يخدم أمّته خدمة تخلّد ذكره، وتوجب عليهم في شريعة التكافي

(226)

شكره...»[1].

ثمّ إنّ الذي يدعو إلى تحصيل هذا الشرف، والعوامل التي تسهّل اقتناءه، إنّما هي: تحكيم العقائد الحقّة المشذّبة مِن كلّ خرافة، وتمكين الدين الصحيح مِن النفوس، ورسوخ الإيمان بمبدئها ومعادها، وأنّ لها صانعًا حكيمًا، وأنّ وراء هذا اليوم يومًا عظيمًا، إمّا سعادة لازمة، وإمّا شقوة دائمة. فهذه الأمور أكبر سائقٍ للنفوس نحو الشرف. ثمّ يقول الشيخ رحمه الله: «وما جرّ الويل على الإسلام سوى انمحاء تلك الصبغة مِن نفوس أهليه، وانطماسها مِن عقول ذويه»[2].

رابعًا. اتّحاد المسلمين

يعتقد الشيخ كاشف الغطاءقدس‌سره بأنّ ضرورة الوحدة ونبذ الخلاف بين المسلمين، باتا شعار الجميع، وليس ذلك إلّا بفضل المصلحين الذين نهضوا لإصلاح حال الأمّة الإسلاميّة: «صرخ المصلحون؛ فسمع المسلمون كلّهم عظيم صرخاتهم بأنّ داء المسلمين تفرّقهم وتضارب بعضهم ببعض، ودواءهم الذي لا يصلح آخرهم إلّا به كما لا يصلح إلّا عليه أوّلهم، ألا وهو الاتّفاق والوحدة، ومؤازرة بعضهم لبعض ونبذ التشاحن، وطرح بواعث البغضاء والإحَن والأحقاد تحت أقدامهم»[3]. وقد اشتهرت عنه كلمته الشهيرة: «إنّ الإسلام بني على دعامتين: كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة»[4].

وعليه، فإنّ «علاج أدواء البشريّة وأمراضها، أنْ ينضوي الجميع تحت رايةٍ واحدةٍ وجامعةٍ فذّة، ألا وهي جامعة الانتساب إلى الله، وراية أنّ لا إله إلّا الله،

(227)

التي تجمع الهندي والتركي والعربي والرومي والفارسي، وتجعلهم إخوانًا، وعلى الخير أعوانًا»[1].

كما أنّ الشيخ كاشف الغطاء يرى أنّ جهود المصلحين نحو اتّحاد العالم الإسلامي قد أثمرت و«قد بدت بشائر الخير، وظهرت طلائع النجاح، ودبّت وتسرّبت في نفوس المسلمين تلك الروح الطاهرة، وصار يتقارب بعضهم مِن بعض، ويتعرّف فريق لفريق»[2]، ثمّ يستشهد لذلك بالمؤتمر الإسلامي الذي عقد في القدس الشريف، وضمّ ثلّة مِن علماء المسلمين، حيث تداولوا مختلف شؤون العالم الإسلامي، وتبادلوا الإخاء والثقة.

ولكنْ رغم هذا، فإنّه يشتكي مِن أنّ الأكثريّة قد اكتفوا بالقول دون العمل، وداروا حول الظواهر دون الجواهر، وحول القشور دون اللبّ، يزعمون أنّ الاتّحاد يحصل بمجرّد الكلام ولقلقة اللسان، وعليه يهيب الشيخ كاشف الغطاء بهم، ويقول: «ولو أنّ هذه الشعوب والممالك أخلصت لله نيّتها، وأحكمت وحدتها ووحّدت كلمتها، وسحقت الأطماع تحت بروق المطامع، وأنّ الاتّحاد قوّة، والاجتماع ثروة. لو أنّها صنعت ذلك عن جدٍّ وحقيقةٍ، لجعل الله منها قوّةً هائلةً تخضع لها جميع دول الدنيا كما خضعت للإسلام مِن قبل»[3].

وقال أيضًا: «وتلك الوحدة المنشودة التي تتكوّن بها الأمم، وتستدرّ بها السعادة والنعم، ليست هي لفظًا وقولًا وخداعًا ومكرًا، ولا تثمر تلك الثمرات، ولا تترتّب تلك الغايات إلّا على الأعمال الجدّيّة..» [4]. وعليه، فإنّ «الإسلام في أشدّ حاجةٍ اليوم إلى ما كان محتاجًا إليه بالأمس مِن اتّحاد الكلمة وجمع شتات عناصر الأمّة، والتحزّب

(228)

والتآلف بجامعة كلمة التوحيد المقدّسة، والتعاون والتعاضد بقوّة العلم وسطوة العمل، ومدافع الهمم ومناور العزائم»[1].

كما أنّه «يستحيل لو بقي المسلمون على هذه الحال، أنْ تقوم لهم قائمة، أو تجتمع لهم كلمة، أو تثبت لهم في المجتمع البشري دعامة، ولو ملأوا الصحف والطوامير، وشحنوا أرجاء الأرض وآفاق السماء بألفاظ الاتّحاد والوحدة وكلّ ما يُشتق منها ويرادفها... كلّ ذلك لا يجدي إذا لم يندفعوا إلى العمل الجدّي»[2].

ومعالم العمل الجدّي هذا عند الشيخ تتبلور في عدّة نقاط رئيسة:

ـ التمسّك بالعقل والحكمة والرويّة.

ـ أنْ يجد كلّ مسلمٍ مصلحة أخيه مصلحةَ نفسه، فيسعى لها.

ـ نزع الغل والحقد مِن القلوب والنظر إلى الآخر نظرة حبٍّ وإخاء.

ـ أنْ يجد المسلم بأنّ عزّ أخيه المسلم عزُّ نفسه، وقوّتَه قوّتُه.

ـ التناصف والتعادل ونبذ الأحقاد وجحد الحقوق.

ـ اقتلاع رذيلة الحرص والجشع والغلبة والحسد.

التأسّي بالسلف الصالح مِن الآباء والأجداد، حيث نالوا العظمة والرفعة بالاتّحاد[3].

ب. أسباب التخلّف

أوّلًا: ضعف الدين: إذ يقول الشيخ كاشف الغطاء: «فلو سألتني ما السبب الوحيد في ضعف المسلمين؟ لقلت: الغاية هي ضعف الدين»[4]. وسبب ضعف

(229)

الدين عند الشيخ، إنّما هو حبّ الدنيا والانغماس في زخارفها، زائدًا الشبهات والضلالات المعاصرة الوافدة مِن الغرب[1].

ثانيًا: عدم قيام رجال الدين لأداء وظائفهم، وفي ذلك يقول الشيخ رحمه‌الله: «وجدت مِن أقوى الأسباب والعوامل في سريان الداء وانتشار عدوى هذا الهواء الأصفر على عقائد المسلمين، ومروقهم مِن مشرق هذا الدين إلى منازع الغربيين، عدم قيام الزعماء في الدعوة على تلك الطريقة الوثيقة -أعني طريقة الإقناع والإيضاح والتسهيل والإفصاح- ... امتهن الإسلام ... بإهمال زعمائه سبيل الدعوة والإرشاد، وصيحة النصيحة في العباد، وإشراب النفوس البشريّة ما في هذا الدين مِن صوالح السعادتين...» [2].

ثالثًا: التفرّق والاختلاف: يرى الشيخ أنّ مِن أهمّ أسباب تخلّف العالم الإسلامي وتسلّط الأعداء عليه، إنّما هو «تفرّق كلمة المسلمين وتباغضهم وتعاديهم، وسعي كلّ طائفة منهم لتكفير الآخرين، فإذا اعتقدوا كفرهم لا محالة، يسعون في هلاكهم وإبادتهم»[3]. كما أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد شخّص الداء العضال والمرض القتّال الذي حلّ بالأمّة، ألا وهو التفرقة، لذا حاول بثّ روح الاخاء والاتّحاد بين المسلمين[4]. ثمّ إنّه يسبر أغوار التاريخ ويذكر ما حلّ بالمسلمين جرّاء اختلافهم، ويقول: «إنّ اختلاف كلمة المسلمين في القرن السادس والسابع للهجرة، سبب حدوث الحروب الصليبيّة وغلبة المغول والتتار على الممالك الإسلاميّة. وفي القرن الثالث عشر والرابع عشر للهجرة أدّى إلى اختلاف كلمة المسلمين أيضًا وابتلائهم بالاستعمار الأوروبي، فاستولى الإنكليز على مصر والمحميّات التسع وإمارات الخليج والعراق والحجاز،

(230)

واستولت فرنسا على الجزائر وتونس ومراكش ولبنان وسوريا. واختلاف كلمة الدول العربيّة بعد الحرب العالميّة الثانية هو الذي أدّى إلى فاجعة فلسطين وإنشاء دولة إسرائيل»[1].

رابعًا: الفسق والفجور، حيث يشتكي الشيخ كاشف الغطاء ما حلّ بالبلاد الإسلاميّة مِن مظاهر الفسق والفجور تقليدًا للغرب، إذ إنّ الناس يتهافتون على مجالس اللعب والرقص وشرب الخمور كتهافت الفراش على النار[2]، والأنكى مِن هذا أنّهم يحسبون الوصول إلى الرقيّ والتقدّم والحضارة بمساجلة الغرب ومتابعته في هذه الموبقات، والحال أنّها مِن «أقوى أسباب التقهقر والانحطاط، بل ولا شيء أشدّ منها تأثيرًا في زهوق روح النواميس الحيويّة، وتلاشي العناصر الأدبيّة والماديّة»[3].

ثمّ يهيب بالمسلمين قائلًا: «فالله الله يا عباد الله ....نافسوا أنفسكم عن تلك الدنايا والخلاعات، وانتبهوا مِن هذه الرقدة والسبات، وانتشلوا أنفسكم مِن حضيض هذه الوهدة، يا أرباب العزائم والنجدة[4]». ويقول أيضًا: «الله الله أيّها الناس، احذروا زبارج هذه المدنيّة الخلّابة اللمّاعة البرّاقة، فإنّها تذهب بكلّ نخوةٍ وشرف، وما اخترعها القوم إلّا لهلاك هذه الأمّة، القوم أخذوا تعاليم الإسلام ففازوا وتقدّموا، وتركناها فتأخّرنا»[5].

كما أنّه يعتقد بأنّ الغرب هو السبب في إفساد الأمّة مِن خلال السينما والخمر والميسر وسائر أدوات المنكر؛ لأنّ الغرب لا يريد نفع الأمّة الإسلاميّة، بل «إنّما جاؤوا

(231)

بها ليفسدوا أخلاقكم، ويستلبوا أموالكم، ويوقعوا بينكم العداوة والبغضاء»[1].

خامسًا: الكسل والجمود، حيث يشير رحمه الله إلى أنّ الكسل والجمود والبطالة والخمول مِن أعظم ما أصاب الأمّة الإسلاميّة[2].

سادسًا: التغريب، حيث يرى الشيخ كاشف الغطاء أنّ ما حلّ بالعالم الإسلامي مِن حركة تغريبيّة تقتفي الغرب جملة وتفصيلًا، يُعدّ مِن أهم أسباب التخلّف، وهذا ما يسمّيه بنفوذ روح الغرب، إذ يقول: «نفذت الروح الغربيّة في جسد الشرق وجسم العالم الإسلامي، فانتزعت منه كلّ عاطفةٍ شريفة، وإحساسٍ روحيّ وشرفٍ معنوي، ومجدٍ باذخ، واستقلالٍ ذاتي... تسمع بالمسلم الشرقي... فإذا وقع بصرك عليه، وجدته غربيًّا مِن قرنه إلى قدمه، غربي الأهواء، غربي الأزياء، غربي الأميال، غربي الشكل، غربي اللباس، غربي الظاهر كلّه، غربيًّا في كلّ شيء»[3]. ثمّ يلقي اللائمة على رجال الدين الذين لم يتصدّوا لهذا الغزو العارم، وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[4].

كما أنّ الشيخ يتعجّب بل يتأسّف حينما يرى أنّ الغرب في نهوضه الحضاري تمسّك بتعاليم الإسلام واقتبس منه، في حيت أنّ المسلمين اليوم تركوا دينهم وتمسّكوا بسيئات الغرب: «أليس مِن الأسف والحيف، أسفًا والله يُميت الغيور ويشقّ الصدور قبل القبور، أنّ مِن أمامكم مِن الأمم الراقية أوج الحضارة والعمران تقتدي بل ترتقي بحسنات مذهبكم السامي ودينكم الإسلامي، وتقتدون أنتم بسيئات مذهبهم الأسوأ مذهب الكفر والضلالة والشرك والجهالة»[5].

(232)

وبهذا الصدد يشير عدّة مراتٍ إلى أحد دعاة التغريب والإلحاد في العالم الإسلامي آنذاك، ألا وهو شبلي شميل، إذ سخر بالإسلام والشريعة والصانع، وهو بذلك «جرح القلوب، وخدش العواطف، وأهاج لوعة ملايين مِن البشر»[1].

ج. الدفاع عن الإسلام والمذهب

إنّ العالم المصلح لم يكتف بالتنظير وتزويق الكلام، بل ينزل بنفسه إلى المجتمع ليعالج أزماته بمواقفه وكلامه وأعماله، وإذا رأى ثلمةً يقوم بردمها، وبهذا الصدد قد انبرى الشيخ كاشف الغطاء للدفاع عن الإسلام والمذهب أمام خصومهما، فشمّر عن ساعديه تارةً، وأجاب عن شبهات المبشّرين والمسيحيّين الذين راموا الحطّ مِن قدسيّة الإسلام وتعاليمه والنيل مِن مقام نبيّ الإسلام؟ص؟[2] تارةً ثانية، وتارةً أُخرى قام بردّ شبهات التيّارات المنحرفة الإسلاميّة التي نالت المذهب بالسبّ والشتائم، واتّهمت الشيعة بأنواع التهم الفارغة، فكتب في الردّ عليهم، لاسيّما الفرقة الوهابيّة السلفيّة[3]، هذا مضافًا إلى ردوده الكثيرة على التيّار الإلحادي الذي ساد عصره تحت غطاء الداروينيّة ومذهب النشوء والارتقاء[4].

(233)

3. الموقف السياسي

لم يقدّم لنا الشيخ كاشف الغطاء منظومةً سياسيّةً متكاملةً، كما لم يكن له مشروعٌ سياسيّ يتبنّاه وينظّر له، كما أنّه لم ينظر إلى الشأن السياسي بنظر الأصالة، بل الشأن السياسي عنده بمنزلة آلةٍ ووسيلةٍ للوصول إلى نتائج محدّدة؛ ولذا، كانت له مواقف سياسيّة متعدّدة تنبئ عن عمق نظره ومعرفته بالواقع العالمي والإقليمي وما تحتاج إليه الأمّة الإسلاميّة. وما نداؤه بلزوم الاتّحاد ونبذ الخلاف - وقد مرّ- إلّا موقفٌ سياسيّ بامتياز.

ويمكننا تلخيص مواقف الشيخ كاشف الغطاء السياسيّة ضمن النقاط الآتية:

أوّلًا. الموقف مِن السياسة بنحوٍ عام

إنّ السياسة عند الشيخ كاشف الغطاء لم تكن هدفًا أساسيًّا وموضوعًا مستقلًّا، بل إنّها وسيلةٌ للوصول إلى غاية، إنّها آلة؛ لذا نراه يقول: «أنا لا أويّد السياسة ولا أُعارضها، لا أؤيّد ولا أفنّد، ولا أمدح ولا أذمّ، ولا زلت أقول: إنّ السياسة جمرة نار أحسّها ولا ألمسها، أراها بعيني ولا أمدّ لها يدي، ...إنّ الانشغال بالسياسة لا ينفع الأمّة إلّا إذا كان منبعثًا ومتشبعًا بروح الإخلاص ... السياسة مع المطامع داء، ومع الإخلاص نعم الدواء»[1].

وعندما سُئل الشيخ كاشف الغطاء عن تدخّله في السياسة، أجاب: «أمّا التدخّل في السياسة، فإنْ كان المعنى بها هو الوعظ والإرشاد والنهي عن الفساد، والنصيحة للحاكمين بل لعامّة العباد، والتحذير مِن الوقوع في حبائل الاستعمار والاستعباد، ووضع القيود والأغلال على البلاد وأبناء البلاد، إنْ كانت السياسة هذه الأمور فأنا... غارقٌ فيها إلى هامتي، وهي مِن واجباتي، وأراني مسؤولًا عنها أمام الله

(234)

والوجدان... فسياستنا هي سياسة النبيّ والأئمّة (سلام الله عليه وعليهم) الخالية عن كلّ هوىً وهوسٍ وطمعٍ ودنس... وإذا كان المعنى بالسياسة هو إحداث الفتن والثورات والاضطرابات للتوصّل إلى الحكم، والجلوس على الكراسي الناعمة لمعاملة الناس بالخشونة والغطرسة والكبرياء، واستغلال النفوذ للمنافع الذاتيّة والأطماع الدنيّة، والسمسرة للأجانب على البلاد وتسلّطهم على الأمّة ولو بإراقة الدماء، إنْ كانت السياسة هذه وما إليه، فإنّي أعوذ بالله السميع العليم مِن الشيطان الغويّ الرجيم»[1]. ومِن هذا المنطلق الثاني الذي يستغلّ العمل السياسي لمصالحه الخاصّة ومنافعه الماديّة، قال الشيخ كاشف الغطاء: «قاتل الله السياسة، ما دخلت في شيءٍ إلّا أفسدته»[2].

وعليه، فإنّ كاشف الغطاء قد تصدّى للعمل السياسي مِن هذا المنطلق؛ أي منطلق الإصلاح والنصح وتبصير الناس بما يحدق بهم مِن مخاطر، لذا ذهب إلى لزوم ابتناء العمل الإصلاحي الاجتماعي على ثلاث دعائم:

1. وسائل الدعوة والإرشاد بالخطب والمقالات والمؤلّفات والنشرات، وهي طريقةٌ إسلاميّةٌ استعملها الإسلام في بداية انتشار الإسلام.

2. وسائل المقاومة السلميّة والسلبيّة، المظاهرات والإضرابات والمقاطعة الاقتصاديّة، وعدم التعاون مع الظالمين.

3. الحرب والثورة والقتال، والإسلام يتدرّج في هذه الأساليب أوّلًا مِن خلال الموعظة الحسنة، ثانيًا المقاطعة السلميّة، وثالثًا الثورة المسلّحة؛ لأنّ الله لا يرضى بالظلم أبدًا، فالإسلام يستعمل القوّة أمام مَنْ وقف حجرَ عثرةٍ في سبيل الدعوة إلى الحقّ[3].

(235)
ثانيًا. محاسبة الحاكمين ونصيحة الملوك

لم يألُ الشيخ كاشف الغطاء جهدًا في نصيحة ساسة العراق وباقي الدول الإسلاميّة، فقد عنّف الحكومة العراقيّة على تفشّي الفساد والارتشاء، وسوء أعمال المسؤولين بجميع طبقاتهم مِن رأس الوزارة إلى أدنى إدارة، ممّا يؤدّي لا محالة إلى تذمّر الشعب الشديد وحدوث انقلاباتٍ وانتفاضات[1].

كما أنّه يدعو الشعب للقيام بمحاسبة الحاكمين، ويجعله مِن حقوقهم الأساسيّة والسياسيّة، ويقول: «نعم ومِن الحقوق السياسيّة للرجال والنساء، وعليهم جميعًا أنْ يقفوا موقف المحاسب والمراقب مِن الحاكمين، وموقف الناقم الثائر والمحارب الواتر مِن المستعمرين[2]».

كما أنّه عنّف رئيس وزراء باكستان محمّد علي لعقده معاهداتٍ عسكريّةً مع أمريكا، حيث ذكر له أنّ باكستان تشكّلت باسم الإسلام، ولا بدّ أنْ تراعي شؤون الإسلام مِن قبيل عدم التوادد مع مَنْ يحاد الله ورسوله، وقال فيما كتب له: «ولا إشكال في أنّ دولة أميركا قد حادّت الله ورسوله، وحادت عن جادة العدل والإنصاف بالظلم والاعتساف على خصوص العرب وعموم المسلمين، وغصبت منهم فلسطين وأعطتها لليهود... ولا يناسب مِن مثل دولتكم المسلمة أنْ ترتبط بدولة أميركا بمعاهدات، وخصوصًا معاهدات عسكريّة، فإنّ هؤلاء القوم رؤوس الاستعمار الواجب للبوار والدمار»[3].

كما أنّه لا يفوته أنْ يشير إلى صفات الزعيم الجيّد والمحبوب، التي تتمثّل بخدمة أمّته، والإخلاص لوطنه وقومه، والدفاع عن كلمة الحقّ، والثبات على المبادئ، والسهر لمصلحة البلاد[4].

(236)

ثمّ إنّه يدعو الساسة لمراجعة عهد الإمام عليّ (عليه السلام) لمالك الأشتر حينما ولّاه مصر ويقول: «فليرجع إليه مَنْ أراد معرفة سياسة المدن، ودقائق الرقيّ والتمدّن، وأسباب العمران والشرف، والأخذ بموازين العدل والنصف بين طبقات جميع الناس... ومعاملة الأشراف والسفل والمعاهدين مِن أهل الكتاب وسائر الملل، إلى غير ذلك مِن النفوذ الإداري والروح التجاري والعمل الزراعي والعمل الصناعي... وتدبير الأهل والمنزل... فراجع ذلك العهد تجد جميع معاهد المحاسن في عهده، وسائر تفاصيل العدل والحقوق في جملته»[1].

ثالثًا. الأحزاب والنقابات

إنّ الشيخ كاشف الغطاء كان يرى لزوم تشكيل نقابات والعمل المنتظم في طريق إصلاح البلاد؛ لذا نراه يقول: «الإصلاح لا يتسنّى إلّا بتشكيل نقابات، وهي تحتاج إلى هيئةٍ عاملة ٍمشرفةٍ تتصدّى للتنظيم، وتجعل لكلّ صنفٍ هيئةً تنتخبها لتدبير شؤون ذلك الصنف، وتسعى لإصلاحه وجلب مصالحه ودفع الأخطار عنه، وإصلاح ذات بينهم، وحسم ما يقع مِن الخصومات بين أفرادهم، والسير بهم إلى المساعي النافعة والأعمال المثمرة»[2].

أمّا الأحزاب، فهو لم يؤيّدها ولم ينفها، بل يدعو لها بالتوفيق والنجاح لتقوم بدورها الإصلاحي بشكل جاد؛ وذلك لأنّ الأحزاب عند الشيخ كاشف الغطاء «لم يظهر منها الفائدة المتوخّاة، ولم تصل إلى درجةٍ مِن القوّة تجلب الشعوب إليها حتّى تقوم بأعمالٍ جذريّةٍ في الإصلاح... لم تجد منها الأعمال المجدية»[3].

(237)
رابعًا. لزوم العدل

 قال الشيخ رحمه الله في ذلك: العدل روح المدنيّة وحياة الإنسانيّة، ونفوذ قوى المملكة وترياق سمومها المهلكة، العدل مطلع شموس الرحمة، ومنبع عيون الحكمة، والسلطنة والسلطة، والمنفعة والغبطة، والعلوّ والرفعة، والحصون والمَنعة، والمساجد والقلعة، والبيت والحَرَم، والكعبة والأُمم، والجيش والسريّة، والقسمة بالسويّة، والرعاية للرعيّة، والعسكر والجنود، والرايات والبنود، والطبل والعَلم، والحُكم والحِكم، والمال والجباية، والخراج والجراية، والقائد والزعيم، والحاكم والحكيم.

العدل ظلّ الله في أرضه، والحاكم في بسطه وقبضه، إليه يأوي الضعفاء، وبه يلوذ الفقراء، وفيه ينتصف المظلوم، وبه يرزق المحروم، ومنه تشرق شمس المعارف والعلوم. العدل خِصب البلاد، وأمن العباد، ومعطي الواحد مِن الرعيّة قوى الآحاد وقوّة الأجناد. العدل هو الشوكة والقوّة، والبهاء والسطوة، والرأفة والمروّة، والصدق والفتوّة، والمفازة والحظوة.

 العدل مدافع وسيوف، ومدارع وحتوف، وجيش وصفوف، والثابت كلّ واحدٍ به ثبات الأُلوف. العدل هو الزرع والنماء، والريّ والرواء، وسيح الأرض وسحّ السماء.

العدل نظام شتات الأُمّة، ومنبع الفضائل الجمّة، وسحاب سماء الرحمة، وجماع تفارُقِ الكلمة، وطِلاع تسامق العَظَمة. العدل نواميس الحياة، ومقاييس البركات.

العدل هو الحِرز في المهالك، والحَرَس للقوافل في الفيافي والمسالك، والعسعس إذا عسعس الليل بالظلام الحالك. العدل سُلّم السلامة، ومعراج كل ّكرامة، والظُّلم ظُلُمات يوم القيامة. العدل منبع البركة، والظلم موضع الهَلَكة. العدل هو الرقيّ للسعادة والرقى، والظلم هو الشقي، وبه العاهة والشقاء.

(238)

العدل به قَوَتْ الدول الضعيفة، واستفحلت الأُمم المخنّثة السخيفة، وعُرفت الممالك الخاملة غير المعروفة، وتألّفت الشعوب المتفرّقة، وأمِنَت وأخافت وكانت هي الخائفة الفَرِقة، ونَبَهَت بعد الخمول، وطَلَعَت بعد الأُفول، وترقّت بعد الضعَة، وأخذت غبّ الضيّق بالسعة، وعادت بالثروة والرفاهية منفرجة، بعد أنْ كانت حرجة، وعزّت بعد الذلّة، ولبست مِن العلوم والصنائع أبهى حُلّة، وأنست بالتمدّن وكانت وحشيّة، ورَسَت قواعدها على العلم والتعلّم، وكانت أُممًا حشويّة.

والظلم - أبعَدَ الله داره وأحمد ناره - به ذلّ الإسلام بعد العزّة، وخفت صوته بعد الصيت وعظيم الهزّة[1].

 كما أنّه قدّس سرّه قد جعل عدل الحكومة أحد دعائم سعادة الأمم، فواجب الحكومة أنْ تقيم في المجتمع موازين العدل والقسط، وأنْ تخلص في خدمة رعاياها، لتنقاد الرعايا وتخضع لقوانين الدولة العادلة، وتنعقد بينهما عرى الصفاء والمجد حتّى يكونوا يدًا واحدة وقلبًا واحدًا، وبهذه الحالة ترقى البلاد وتسعد العباد[2].

خامسًا. العلاقات الدوليّة والتحالفات السياسيّة

يضع الشيخ كاشف الغطاء قانونًا مستنبطًا مِن القرآن الكريم، يكشف المنهجيّة السليمة في ربط العلاقات الدوليّة والتحالفات السياسيّة، وهذا القانون يستنبطه مِن قوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُون[3].

فهذا هو «الميزان العدل الذي وضعه لنا في معاملتنا مع الدول الخارجيّة والأمم

(239)

الأجنبيّة... وعلى هذا الميزان العدل والمعيار القويم، فكلّ مَنْ قاتلنا في الدين ولكوننا مسلمين أو أخرجنا مِن ديارنا أو ظاهر المخرجين، فهو عدوّنا ولا يجوز أنْ نتولّاه أو نتولّى مَنْ يتولّاه، سواء كان مسلمًا أو كافرًا»[1].

ومِن هذه القاعدة ينتقد الشيخ كاشف الغطاء مَنْ يذهب إلى لزوم عقد تحالفٍ إسلاميّ بمشاركة تركيا، إذ إنّ تركيا صديقة إسرائيل، وهي أوّل دولةٍ اعترفت بها وما زالت تؤيّدها. وعليه، فإنّ «حكومة تركيا الآن عدوّة العرب والإسلام وصديقة اليهود... وقد باعت تركيا شرف استقلالها بالدولار، وصارت آلة لأمريكا تصرفها كيف تشاء، وبإشارة منها أصبحت أكثر مساعدٍ لإسرائيل لقيطة أميركا وبنتها المدلّلة»[2].

سادسًا. قضيّة فلسطين

اتّخذ الشيخ كاشف الغطاء مواقف صارمة ومشرّفة تجاه قضيّة فلسطين، وقد أفتى بوجوب الجهاد لأجل فلسطين، وقال: «فيا أيّها العرب، ويا أيّها المسلمون، بل يا أيّها البشريّة، ويا أيّها الناس، أصبح الجهاد في سبيل فلسطين واجبًا على كلّ إنسان لا على العرب والمسلمين فقط، نعم هو واجب على كلّ إنسان لا بحكم الشرائع والأديان فقط، بل بحكم الحسّ والجدان ووحي الضمير وصحّة التفكير»[3]. ثمّ إنّه لم يكتفِ بهذا، بل جعل مَنْ يلتحق بالجهاد لأجل فلسطين، سيكون كالمجاهدين مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بدر[4].

وكان يرى ببصيرته أنّ القضيّة ليست قضيّة فلسطين كموقعٍ جغرافي فحسب،

(240)

بل إنّ أطماع إسرائيل تتعدّى الحدود الجغرافيّة لتشمل أكثر البلاد الإسلاميّة؛ لذا نراه يقول: «أتحسبون أنّ اليهود إذا غلبوا على فلسطين لا سمح الله، يتركون العراق والحجاز وغيرها مِن الأقطار العربيّة؟»[1]، وقال أيضًا: «إنّ اليهود الصهاينة سوف يغزوكم مرّةً أخرى ويستلبوا أراضيكم، فاغزوهم واسترجعوا أراضيكم قبل أنْ يغزوكم»[2]، كما أنّ إسرائيل كالنار الملتهبة تستمرّ في حرق ما يجاورها أو تخمد ويُقضى عليها، وكالوباء والميكروب الذي يظلّ منتشرًا أو يُقتل ويفنى[3].

ثمّ يضع رحمه الله مخطّطًا لإنقاذ فلسطين يتلخّص في النقاط الآتية:

1. الابتعاد عن الكلام الفارغ والتصعيد الإعلامي، وعدم الوقوع في فخّ دعايات دول الاستعمار ودسائسهم التي تصوّر العرب بمظهر المعتدي والمنتقم، والحال أنّ العرب يطالبون بحقّهم.

2. إنّ تشكيل دولة إسرائيل كان بمساعدة دول الاستعمار، وللتخلّص منها لا بدّ أنْ نتخلّص مِن الاستعمار ونصل إلى الاستقلال، وتشكيل حكوماتٍ نزيهة.

3. لزوم اتّحاد دول العرب بعضها مع بعض لمساندة فلسطين[4].

ومِن الطريف الحوار الذي جرى بين الشيخ كاشف الغطاء والسفير الأمريكي، حيث جرى بينهما حديث حول فلسطين وتشريد الفلسطينيّين مِن أراضيهم، فقال السفير الأميركي نصرةً لليهود: «هذه أمّة ضعيفة ظلمها هتلر وشرّدها مِن أوطانها، فأصبحت بلا وطن ولا مأوى، ونحن عادتنا الشفقة والرحمة، ننصر المظلوم ونعطف على الضعيف»، فقاطعه الشيخ، وقال له بتأثّرٍ وغضب: «تعسًا وبؤسًا لهذه الرحمة، تنصرون المظلوم بما هو أفظع ظلمًا وأشدّ هضمًا، ترحمونهم بأنْ تظلمونا، وتسكنونهم

(241)

في بيوتنا وتشرّدونا، هلّا أسكنتموهم في بلاد أميركا وأراضيها الواسعة[1]».

ثمّ يندّد بالغرب ودوله العظمى، ويحمّلهم مسؤوليّة تشكيل دولة إسرائيل والدفاع عنها ضدّ المسلمين، ويقول لهم: «ألستم أنتم الذين لا تزالون تمدّونهم بالمال والسلاح وتدفعونهم إلى هذه الجرائم دفعًا، وإلّا فاليهود أقصر باعًا وأضعف قلبًا مِن أنْ يجرأوا على العرب هذه الجرأة»[2].

4. الموقف مِن الغرب

للشيخ كاشف الغطاء قدّس سرّه مواقف مشرّفة تجاه الغرب، تنبئ عن عمق بصيرته ووقوفه على خدع الغرب ومكره، وكان يرى أنّ المدنيّة الغربيّة أكبر ضربةٍ على الدين[3] مِن دون فرق بين الإسلام والنصرانيّة، إذ «الغرب لو امتلك الشرق... ما كان ليخصّ الديانة الإسلاميّة بعسفه، ويبسط للنصرانيّة جناح لطفه وبساط عطفه، بل ينظر إلى مطلق الدين بعين سخطٍ واحدة، ويستقبلهما معًا بسطوةٍ جامدةٍ وأخذةٍ قاسية»[4].

كان رحمه الله يقول بملء فيه وبحرقة قلب: لا أُحاول أنْ أُلفتك وأدلّك على ما تتهدّده به مكائد الأغيار مِن نصب حبائل الغوائل له، والدأب في السعي على محقه ومحوه، وتكدير صفوه وتعكير غيره، وكدّهم وكدحهم سرًّا وجهرًا، ليلًا ونهارًا، في كلّ الدقائق والثواني والآنات والأزمنة حتّى أصبح الشرق والإسلام على الأخصّ، هو الشغل الشاغل، والهمّ الطائل الذي لا تتصرّف أفكار أغياره إلّا إليه، ولا تتجوّل إلّا فيه، ولا تعتني وتهمّ إلّا به، ولا تمهّد السبل وتُلَبِّد الأمل وتوطّد المساعي إلّا إلى الظفر به والإتيان عليه وقلع جراثيمه مِن رقعة الأرض.

(242)

تجهد بكلّ الأسباب والعوامل، وتنصب كلّ الأشراك والحبائل؛ لصـيـد هـذا الطائر القدسي، وإزهاق روحه، وإطفاء جمرات الغيظ بقطرة دم حياته. لم تدع سبيل حيلةٍ لذلك إلّا سلكته، ولا ملاك خدعةٍ إلّا امتلكته، ولا قـوى مكرٍ إلّا استعملتها، ولا ربوة غدرٍ إلّا افترعتها، ولا مظنّة باب عدوان إلّا قرعتها، ولا سيطرة سلطة إلّا ضربتها؛ فأقلام تجري، ودعاة تسري، ورسل تبشّر، وكتب تُكتب، ورسائل تُنشر، وأموال تستميل، وأحوال تحيل ولا تستحيل، إلى كثيرٍ مِن أمثال ذلك مِن إعمال القوى الروحيّة والكتائب الدينيّة والجيوش الملّيّة.

نعم، وتعضدها مدافع في البرّ، وأساطيل في البحر، وطيّارات فـي الجـوّ، ومدمّرات في كلّ دوٍّ، إلى وفير مِن أمثالها في إعمال القوى القهريّة والسلطة الملكيّة. وسياسات ومؤتمرات، واتّفاقات واجتماعات، وحلّ وعقود، ونقض وعهود، وبرقشة وخداع، ولين وزماع، وتساهل وامتناع، وأثواب تحبّب وابتشاش على أجسام حقد واغتشاش، وظاهر نصح ووفاق عـلـى بـاطـن خـدع ونفاق، وإجهار ودٍّ وولاء يُسِرُّ حَسْوًا في ارتغاء، إلى ما لا أُحصيه مِن استعمال القوى السياسيّة، وتلوّنات حرباء المصانعة، وتوليد الغـلبـة مِن أُمّ بـراقش الغـدر والمداهنة، وهل روح السياسة إلّا ذلك؟!

كلّ هذه الجلبة والوجبة، والسباق والحلبة، والعجيج والضجيج، والتـفادح والتكادح، دوائر تستدير على نقطة، ومدارات تسير في الحركة على مركزٍ واحد وخطّة، ألا وهو -لا سمح الله- مَحْق الإسلام، وإزهـاق هـذا الدين، وامتلاك الشرق، واستعباد الشرقيّين[1].

ويخاطبهم تارةً أخرى، ويقول: «واهًا منكم يا بني سكسون، أقسم حقًّا لو جمع كلّ ظلمٍ مِن طواغيت البشر وجبابرتهم مِن ملايين السنين، لما ساوى ظلمكم

(243)

للعرب والإسلام سنةً واحدة، ومنذ سبعمائة سنة أي مِن عهد الحروب الصليبيّة إلى اليوم أنتم دائبون في الكيد للإسلام، تبغون له الغوائل، وتنصبون له الحبائل، تقذفونه بالقنا والقنابل[1]».

ويضيف قائلًا في وصفهم بأنّ الرحمة لا توجد عند الغرب[2]، ولهم أحابيل وأشراك لاصطياد الطيور الضعيفة[3] أنّهم يريدون لنا الجهل والتأخّر في شتّى النواحي، في التسلّح والعمران والزراعة والصناعة، لنبقى خاضعين لهم وراضين بنهب الثروات[4]. إنّ لهم مواعيد خلّابة وأقاويل كاذبة[5]. إنّهم يسيئون إلى كلّ مَنْ يساعدهم ويحسن إليهم، ولا يكتفون بمقابلة الإحسان بالإساءة، بل يقضون على حياته[6]. وإنّ الدول الغربيّة شرّ على العالم كلّه[7].

وأخيرًا، فإنّ «هذا الثالوث المشؤوم: أميركا، إنكلترا، فرنسا قد سفكوا مِن دماء البشر ما لم تسفكه السباع الضواري في الغابات والصحارى، وقد تمرّ السنة ولا نسمع أنّ السباع والذئاب افترست إنسانًا، وهؤلاء كلّ يوم يفترسون ألوفًا مِن البشر»[8].

كما أنّه عند مساجلاته مع الريحاني حول الغرب، وأنّ للغرب حسناتٍ لا بدّ أنْ يُشكر عليها، فيردّ عليه الشيخ كاشف الغطاء بأنّ السيئات التي ارتكبها الغرب مِن الحروب والفساد ونهب الثروات وإشاعة الشهوات، تفوق تلك الحسنات المزعومة[9].

(244)
لاستعمار

«قد عرف اليوم حتّى الأبكم والأصمّ مِن المسلمين أنّ لكلّ قطر مِن الأقطار الإسلاميّة حوتًا مِن حيتان الغرب، وأفعى مِن أفاعي الاستعمار، فاغرًا فاه لالتهام ذلك القطر وما فيه[1]».

نعم هذه البليّة التي يشير إليها الشيخ كاشف الغطاء، قد عمّت معظم البلاد الإسلاميّة، وسبّبت الدمار والخراب، وذلك أنّ «أصل بليّتنا - معاشر المسلمين - هو الاستعمار، وكلّ رزية وبليّة، فالاستعمار أصلها وفرعها، ومنبعها ومطلعها[2]».

ثمّ إنّ الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله يشبّه الاستعمار باللصّ يدخل الدار ويسرق ما فيها، وصاحب الدار إذا أراد أنْ يصيح أو يدافع عن ماله وعرضه، خشي على حياته، ثمّ يقول اللصّ له: إنّي آخذ هذه الأموال منك لأُعمّر بها دارك وأصونها مِن الخراب، وإذا ثار أهل الدار وأرادوا إخراج اللصوص، قابلوهم بالحديد والنار، فهذا هو الحال في تونس ومراكش والجزائر وغيرها مِن الدول الإسلاميّة المستعمرة[3].

ويشير الشيخ كاشف الغطاء إلى نقطة أساسيّة، وهي أنّ الاستعمار لم يترك الدول الإسلاميّة حتّى بعد استقلالها الظاهري، بل إنّه عاد بلونٍ آخر، وفي ذلك يقول: «نعم أعطيتمونا الاستقلال، ولكنْ الاستقلال الكاذب المزيّف»[4].

وذلك أنّ جميع الوزارات والبرلمانات تخضع لتوصيات المستعمر؛ لأنّهم جميعًا مِن صنايعهم «إنّ المستعمر حديثه وقديمه... هو الملك المطلق والفاعل المختار، وبالأخصّ في النواحي الاقتصاديّة، والشؤون الماديّة والماليّة، كلّها تعود إليه وتدخل

(245)

في خزانته مباشرة أو غاية. الذهب الأحمر والأبيض والأسود وكلّ ما هنا، يرجع إلى ما هنالك، وكلّ المؤسسّات ذات الشأن هي له ولمصالحه»[1].

فالاستعمار هو الاستعمار، وما وصل إليه العالم الإسلامي مِن الاستقلال إنّما هو «الاستقلال المزيّف في استعمار مغلّف، ويبذلون الصيغ والعناوين، استعمار فانتداب فحماية، الحقيقة واحدةٌ لا تتغيّر والعبارات شتّى. حتّى نزلت إلى ميدان الاستعمار الدنيا الجديدة، فجاءت بلونٍ مِن استعمارٍ جديد: الدفاع المشترك، المساعدات العسكريّة، النقطة الرابعة، المساعدات الفنيّة، الحلف العسكري، وكلّها خداع وصراع، واختلاسات وأطماع، خداع مغلّف وطمع مزيّف»[2].

وأخيرًا، فإنّ الاستعمار هو السبب الرئيس في تخلّف العالم الإسلامي، وقد حاول إفساد إيمان الناس وأخلاقهم وعقيدتهم ليحكم سيطرته عليهم، إذ إنّه يعلم أنّ الدين ما دام حاكمًا والنفوس ما دامت ملتزمة بتعاليمه لما تمكّن مِن إحكام سيطرته[3] «فكان مِن أحد مكايد المستعمرين إذاعة الملاهي وإباحة الخمور ومعدّات الفسق الفجور في بلادنا»[4]، وللأسف فقد «سرت هذه الروح الخبيثة: روح الفساد، فساد الأخلاق، والاستهتار والخلاعة، وموت الشعور والوجدان، وضياع المقاييس وهتك النواميس، إلى جميع الطبقات: الحاكمين والمحكومين، والرعاة والرعيّة»[5].

والمستعمر هذا «ما فتح بلاد المسلمين بمدافعه وطياراته وعدته وعتاده، وإنّما فتحها بسموم التفرقة، وبذور البغضاء والشحناء التي بثّها بينهم»[6].

(246)
الماديّة

وعلى غرار تصدّي الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله للاستعمار الاستيطاني، لقد تطرّق إلى الاستعمار الثقافي وما تبثّه أندية الفكر والمعرفة الغربيّة في العالم الإسلامي مِن نزعات ماديّة وداروينيّة، لذا خصّص قسطًا مِن همّه المعرفي للقيام بالإجابة على شبهات الماديّين منكري الخالق.

فقد ردّ على أصحاب المذهب الحسّي الذين يحصرون المعرفة بالحواس الظاهريّة، بأنّهم مهما بلغوا مِن الجدّ والجهد، فإنّهم لا يتمكّنون مِن الوصول إلى معرفة النفس والعقل مِن خلال الحواس الظاهريّة. وبناءً على منطقهم، لا بدّ مِن إنكار النفس والعقل «فلو قصرنا الأشياء الراهنة على مدركات تلك الحواس، لكنّا قذفنا بالعلوم والحقائق في هوّة حالق، وخسرت صفقة العلم وأهله، وخاب كلّ إنسانٍ مِن جدوى عقله»[1].

كما أنّه يردّ على السفسطائيّين الذين ينكرون كلّ شيء ويجعلون الموجود والمعدوم سواسية، بلزوم ضربهم وإيلامهم إذ «هي الضربة القاضية على سفسطته التي لا تفرّق بين الموجود والمعدوم»[2].

وفي مقام ردّه على المذهب المادّي الذي يجعل المادّة مبدأ العالم ومصدره، يقول كيف يتسنّى للمادّة المظلمة العمياء الصماء التي لا إدراك لها، أنْ توجد هذا الكون مع ما فيه مِن كمالٍ وإتقان، وبعد أنْ وقفوا على هشاشة المدّعى، ذهب بعضهم إلى صدور العالم بالصدفة والاتّفاق، وعندما ظهر ضعف هذه النظريّة، ذهب قومٌ آخرون إلى نظريّة الانتخاب الطبيعي أو بقاء الأصلح، فيتساءل الشيخ كاشف الغطاء مَنْ هو الذي ينتخب؟ هل المادّة العمياء هي التي تنتخب أم أنّه القوّة الروحيّة المجرّدة التي نذهب إليها أي خالق الكون[3].

(247)

وفي مقام ردّه على نظريّة دارون، فإنّه يتمسّك تارةً بأقوال دارون نفسه في الاعتراف بقوّة مجرّدة لا ماديّة[1]، وتارةً أخرى يتمسّك بأقوال بعض علماء التشريح والجيولوجيا والطبيعة لردّ نظريّة دارون[2]، ويتمسّك تارةً ثالثة بأقوال فلاسفة الغرب وعلمائه في إثبات الصانع[3].

النتيجة

لقد قدّم الشيخ كاشف الغطاء قدّس سرّه منظومةً معرفيّةً متكاملةً لإصلاح الشأن الاجتماعي والثقافي والسياسي مِن خلال مواقفه المميّزة التي تنبئ عن بعد نظرٍ وبصيرةٍ بالواقع المعاصر والحوادث الجارية الإقليميّة والدوليّة.

إنّه في عمله الإصلاحي ينطلق مِن الدين ليجعله الأساس في سعادة الدارين وإصلاح المعاش والمعاد، ومِن الدين ينظر إلى باقي الأمور وينطلق لمعالجة المشاكل والأزمات، كما يقوم بشرح وبيان أسباب النهوض والتخلّف، ليكون النهوض في التمسّك السليم بالدين، والتخلّف في الابتعاد عنه، ولا يفوته أنْ يقف أمام هجمات أعداء الداخل مِن القشريين كالوهابيّة، والمتغرّبين اللاهثين خلف الغرب، وكذلك أعداء الخارج مِن التبشيريّين الذين يطعنون في الإسلام ونبيّه وشريعته، وكذلك الغرب وحركته الاستعماريّة القديمة والجديدة بجميع تلوّناتها. فقد سار الإمام محمّد الحسين كاشف الغطاء في عمله الإصلاحي مِن الدين وفي الدين وإلى الدين. فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيًّا.

(248)

 

 

المصادر

  1. كاشف الغطاء، محمّد الحسين، قضيّة فلسطين الكبرى، النجف، مطبعة النعمان، عام 1969.
  2. ــــــــــــــــ، الشيخ محمّد الحسين مع السفيرين البريطاني والأميركي في بغداد، النجف، المطبعة الحيدريّة، 1954.
  3. ــــــــــــــــ، المُثل العليا في الإسلام لا في بحمدون، بيروت، دار الوعي الإسلامي، ط5،  1980م.
  4. ــــــــــــــــ، الميثاق العربي الوطني، النجف، المطبعة الحيدريّة، 1358هـ.
  5. ــــــــــــــــ، في السياسة والحكم، دار التوجيه الإسلامي.
  6. ــــــــــــــــ، المراجعات الريحانيّة، موسوعة الإمام كاشف الغطاء، المعهد العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة، ط1، عام 2018.
  7. ــــــــــــــــ، أصل الشيعة وأصولها، المعهد العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة، ط1، 2018م.
  8. ــــــــــــــــ، الدين والإسلام، المعهد العالي للعلوم والثقافة الإسلاميّة، ط1، 2018م.
  9. ــــــــــــــــ، نصيحة لعموم المسلمين مِن إمام المسلمين، النجف، المطبعة الحيدريّة، 1952م.

 

 

 

 

(249)
(250)

 

 

مالك بن نبي، من نقد الذات والآخر إلى بناء نظريةٍ جديدةٍ في البناء الحضاري[1]

 مصطفى النشار[2]

يحتلّ مالك بن نبي من فلاسفة العالمين العربي والإسلامي المحدثين والمعاصرين مكانةً متميزةً؛ لأنه كان أبرزهم اهتمامًا بفلسفة الحضارة والتاريخ المعاصرين، ولا ينافسه في ذلك إلّا محمد إقبال ، وتعدّى اهتمامه بهذا المجال الحيوي التركيز على الدرس النظري إلى التركيز على كيفية استخدام مقولاته ونظرياته في وضع نظريةٍ جديدةٍ تكون جديرةً بصورة النهضة إلى العالم الإسلامي من جديد.

وقد نجح إلى حدٍّ كبيرٍ في وضع هذه النظرية العامّة في تفسير الحضارات وجعل نقطة البداية فيها هي الروح الدينية إذ عدّ الفكرة الدينية هي الأساس في أيّ تغيرٍ حضاري ليس في الحضارة العربية الإسلامية وحدها، بل في كلّ الحضارات السابقة عليها واللاحقة لها. ومن ثم فقد بنى تحليليه لواقع العالم الإسلامي ودراسة طريق نهوضه من خلال هذه النظرية التي تستند على ثلاثة عناصر هي : الإنسان، التراب، الزمن.

وقبل الخوض في التعرف على هذه النظرية وتحليلات صاحبها يجدر بنا أنْ نتساءل : من هو مالك بن نبي؟!

(251)

أولًا : حياته وتطوره الفكري[1]

إنّه مالك بن عمر بن الخضر بن مصطفى بن نبي الذي ولد بمدينة تبسة التابعة لولاية قسنطينة شرق الجزائر، وكان ذلك في الأول من يناير عام ١٩٠٥م الموافق ه من ذي القعدة عام ١٣٢٣هـ. وقد ولد لأبٍ يعمل موظّفًا بالقضاء الإسلامي. ومن ثَمّ فقد ترعرع في أسرةٍ محافظةٍ متوسطة الحال حيث قيل إنّ والدته اضطرت للعمل بالحياكة، وباعت أثاث منزلها؛ لتستطيع الانفاق على تعليمه هو وأخوته. أما بلدة تبسة التي ولد فيها وقضى معظم طفولته بين أرجائها فكانت أقرب إلى البداوة منها إلى المدينة، ومن ثم كان الحضور الفرنسي فيها قليلًا رغم أنّ الاحتلال الفرنسي كان جاثمًا على الجزائر جميعها. وقد تلقى تعليمه الأولي في هذا الوسط الريفي الهادئ بعيدًا عن المدن الكبيرة. وبالطبع فقد تلقى دروسه في المساجد ودرس القرآن الكريم وفي ذات الوقت التحق بمدرسةٍ فرنسيةٍ حصل منها على الشهادة الابتدائية. ثم انتقل بعد ذلك إلى قسنطينة ليكمل تعليمه هناك.

والملاحظ على هذه النشأة أنّها نشأةٌ مزدوجة التأثير على فيلسوفنا؛ إذ إنّ التعاليم العربية الإسلامية كانت قرينة التعاليم الغربية الفرنسية؟ ففي الوقت الذي تأثّر فيه آنذاك بصديقٍ له كان دائم الاستشهاد بآيات القرآن الكريم، وكذلك بأنباء بلدته الذين اعتصموا بالإسلام دينًا، وباللغة العربية لغةً حتى لا تذوب هويتهم في هوية المستعمر، نجده قد تأثّر كذلك بمعلمه الفرنسي «مارثان» الذي علّمه تذوق اللغة والآداب الفرنسية.

وقيل إنّ بن نبي قد طالع في هذه الفترة كتابين هامين كان لهما أكبر الأثر في حياته الفكرية بعد ذلك هما «الإفلاس المعنوي : هل هو للسياسة الغربية في الشرق ؟»

(252)

للشاعر الإسلامي أحمد محرم، و«رسالة التوحيد» للإمام محمد عبده، وقد اكتشف من خلالهما كثيرًا من أوضاع العالم الإسلامي. وإلى هذه الفترة أيضًا يرجع اهتمامه بكتابات عبد الرحمن الكواكبي وخاصة كتابه أم القرى وكذلك بكتابات عبد الحميد بن باديس، والمجلة التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين برئاسته مجلة الشهاب.

ولم يمنعه هذا الاهتمام بهؤلاء المفكّرين الإسلاميين الكبار وكتاباتهم من الاهتمام في الوقت ذاته بقراءة عددٍ من الكتابات الفرنسية للمفكّرين الفرنسيين، وكذلك لم يمنعه ذلك من التردّد على البعثات التبشيرية الانجليزية حيث تعرف على الإنجيل وناقش هؤلاء المبشِّرين في أدقّ أفكارهم.

إنّ هذه النشأة مزدوجة الثقافات أثّرت أبلغ الأثر في تكوين بن نبي الفكري وجعلته يفكّر لأوّل مرّةٍ في زيارة باريس وهو في العشرين من عمره ليبدأ مرحلةً فكريةً جديدةً في حياته يمكن أنْ نطلق عليها مرحلة التنقّل والسفر، ولما كان أبرز ما فيها هو استقراره مدّةً في باريس فيمكن أنْ نطلق عليها أيضًا المرحلة الباريسية حيث كان قد خاض تجربة سفرٍ فاشلة إلى باريس قبل ذلك وكانت قصيرة الأمد، عاد بعدها إلى مسقط رأسه حيث حاول الاهتداء إلى عملٍ يناسبه، فعمل في محكمة فلو التي وصل إليها في مارس عام ١٩٢٧م، ووفّر له هذا العمل الاحتكاك المباشر بقضايا الشعب وفئاته البسيطة، ممّا كان له كبير الأثر على تفتّح عقله على حالة بلاده وحال البسطاء من شعبها في ظلّ الاحتلال. وقد استقال من هذا المنصب بعد حوالي عامٍ من توليه أثر نزاعٍ مع كاتبٍ فرنسيّ لدى المحكمة المدنية، ولم يدم تردّده طويلًا حال تفكيره في العودة إلى باريس، إذ أعاد الكرة وسافر إليها عام ١٩٣٠م لتطول سفرته هذه المرة؛ حيث كان الهدف علميًا في الأساس؛ وقد حاول في البداية أنْ يدرس الحقوق بمعهد الدراسات الشرقية إلّا أنّه لم يُسمح له بذلك؛ إذ كان هذا

(253)

النوع من الدراسات الإنسانية الحقوقية غير مسموحٍ به للجزائريين، ورغم تأثّره الشديد بذلك إلّا أنّه تحوّل إلى الدراسات العلمية العملية حيث التحق بمدرسة اللاسلكي ليتخرّج مساعدَ مهندسٍ؛ ممّا جعله متخصصًا في التكنولوجيا ومهتمًا بها بعد ذلك، وكان تخرجه في هذه المدرسة عام 1925م.

وقد انغمس بن نبي في هذه السنوات الدراسية العلمية في الحياة الفرنسية تمامًا، واختار الإقامة في باريس بدليل أنّه تزوّج من امرأةٍ فرنسيةٍ أسلمت على يديه. وبدأ يوسّع من علاقاته الفكرية والثقافية في باريس حيث التقى فيها بشكيب أرسلان - داعية العروبة والإسلام المعروف - كما التقى هناك أيضًا بغاندي الزعيم الهندي الشهير وصار له ذلك الحضور المميّز في أوساط المغاربة والجزائريين؛ حتى لُقّب آنذاك بزعيم الوحدة المغربية. كما استطاع أنْ يقيم جسور التواصل مع أبناء جالياتٍ أخرى كانت تعاني هي الأخرى من الاحتلال.

والطريف أنّه بعد هذه الرحلة الباريسية والإقامة الطويلة فيها حاول العودة إلى الجزائر والاستقرار فيها، لكنّه لم يوفّق إلى ذلك، إذ لفت انتباهه أنّ بلاده تحوّلت تحت يد الاحتلال من زراعة القمح إلى زراعة العنب التي تصنع منه الخمور للفرنسيين المحتلين، ولم يعجبه ذلك وبدلًا من أنْ يكافح لمواجهته داخل البلاد، عاد إلى فرنسا مرةً أخرى وكان ذلك في عام ١٩٣٩م حيث تفرّغ للعمل الفكري فعمل صحفيًا في جريدة اللوموند، وزاد اهتمامه بقضايا بلاده ومشكلات العالم الإسلامي وبدا ذلك بوضوحٍ حينما بدأ يكتب سلسلةً من المؤلّفات المهمّة، مثل كتابه عن الظاهرة القرآنية عام ١٩٤٦م، ثم كتابه شروط النهضة عام ١٩٤8 م، الذي طرح فيه لأول مرة مفهوم القابلية للاستعمار، وكذلك كتابه وجهة العالم الإسلامي عام ١٩٥٤م.

 ولمّا قامت الثورة الجزائرية المسلمة في ذلك العام تفاعل معها كثيرًا. وفكّر في الرحيل إلى القاهرة التي كانت في تلك المدّة تحتضن كلّ حركات التحرّر الوطني،

(254)

وتتبنى كلّ قضايا التحرّر، وتدافع عن قيم العروبة والإسلام بكلّ ما أُوتيت من قوّة. ومن ثم كان قراره بالسفر إلى القاهرة ليستقر فيها أعوامًا عدة من عام ١٩٥٦م، حتى عام ١٩٦٣م، وهذه المدّة من حياته يمكن أنْ نطلق عليها المرحلة القاهرية التي اختلفت وتمايزت عن مراحل حياته السابقة؛ إذ إنّه أتقن العربية، وبدأ يحاضر بها في عددٍ من المعاهد والجامعات، وكم رحّبت به المنتديات الفكرية للمفكّرين والمثقّفين المصريين والعرب بالقاهرة، وتوالت أعماله الفكرية الجادّة في القاهرة حيث أصدر أول كتاب باللغة العربية وبخطّ يده كتاب الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، ثم كتاب تأملات في المجتمع العربي، وكتاب ميلاد مجتمع، وكذلك كتاب حديث البناء الجديد. كما كتب في تلك الأثناء عام ١٩٥٧م كتاب النجدة الشعب الجزائري يباد، وكتاب مشكلة الثقافة عام ١٩٥٨م. ولكلّ هذا النشاط الفكري المميز تم اختياره مستشارًا للمؤتمر الإسلامي بالقاهرة. وتأثّرًا بحركة التحرّر الأفريقي التي كانت تقودها مصر في عهد جمال عبد الناصر، كتب كتابه فكرة الأفريقية الأسيوية عام ١٩٥٦م.

أمّا المرحلة الأخيرة من حياته، وهي ما يمكن أنْ نُطلق عليها مرحلة الاستقرار بالجزائر، والمزاوجة بين العمل الفكري والعمل الدعوي العملي، فقد كان يطمح فيها إلى أنْ يرى أفكاره ذات تأثيرٍ على بني وطنه، إذ إنه عاد إلى الجزائر بعد الاستقلال عام ١٩٦٣م، ليتولّى عددًا من المناصب العامة التي تركّزت في حقل التعليم الذي كان يعدّه الأساس المتين لتكوين جيلٍ جديدٍ يحمل عبء النهضة والتقدّم للوطن. فقد عُيّن عام ١٩٦٤م مديرًا للتعليم العالي، وقام بمهمته خير قيامٍ ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. ولم يتوقّف عن الأعمال الفكرية النظرية، إذ واصل سلسلة مؤلّفاته المتميزة فكتب عام ١٩٦٤م آفاق جزائرية، و انتاج المستشرقين عام ١٩٦٨م، وكذلك الإسلام والديمقراطية في العام نفسه. وبدأ كتابة مذكّراته التي ظهر منها عام ١٩٦٥م، مذكراته شاهد للقرن - الطفل.

(255)

ولما أتى العام ١٩٦٧م، استقال من مناصبه التنفيذية، وفضّل التفرّغ للعمل الإسلامي والتوجيهي، إذ أسهم بنشر المقالات المتتابعة في الصحف الجزائرية، وخاصة في مجلة الثورة الافريقية[1] التي خصّها بمقالاتٍ عن تصوراته الفكرية لإشكاليات الثقافة والحضارة والمجتمع ، وقد نُشرت هذه المقالات في كتبه بعد ذلك. وقد كتب في المدّة نفسها كتبًا مهمةً منها مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي عام ۱۹۷۰م، الذي عدّه بعضهم من أهمّ ما كتب باللغة العربية في القرن العشرين، والجزء الثاني من مذكراته مذكرات شاهد للقرن - الطالب عام ١٩٧٠م أيضًا. وفي على ۱۹۷۲م نشر المسلم في عالم الاقتصاد، و بين الرشاد والنية. ومن أبرز ملامح هذه المرحلة الأخيرة من حياته الفكرية، تلك الندوة الأسبوعية التي كان يعقدها في بيته، والتي كان يحضرها الشباب المثقّف، وكثير من العاملين في وزارة الأوقاف والشئون الدينية. وقد حثّ هؤلاء على مواصلة هذه الملتقيات النوعية لتوعية الأجيال الصاعدة بقضايا الأمة، وبناءً عليه قامت الدولة بافتتاح مسجدٍ بالجامعة المركزية. ويبدو أنّه لشدّة نجاح هذه الندوات واستمراريتها قرّرت الدولة تكريمًا لشخصه أنْ تحوّلها إلى ملتقى دائمٍ للفكر الإسلامي يقام كلّ عامٍ في الجزائر.

ولم يتوقّف نشاط مالك بن نبي في هذه المرحلة عند حدود بلاده الجزائر، فقد قبل دعوة سورية لإلقاء محاضرةٍ فيها عام ١٩٧٢م. وقد اختار لها عنوانًا موحيًا هو دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين. وقد عُدت هذه المحاضرة من قبل مؤرخيه أشبه بالوصية التي أوصى بها مالك بن نبي المسلمين قبل وفاته. وقد توفي مالك بن نبي بعد ذلك بحوالي عام، فقد كانت وفاته يوم ٣١ أكتوبر 1973م في الجزائر العاصمة، بعد هذه الحياة الطويلة الحافلة بالعطاء الفكري، والعمل الذي أسهم بشكلٍ كبيرٍ في تدعيم حركة التنوير والتحرّر العربيين على مدى أكثر

(256)

من خمسين عامًا في القرن العشرين، عانى فيها ما عانى مثل كلّ العرب من تبعات الاستعمار، وعاصر حركات مقاومته، كما شهد انكسارات العرب وانتصاراتهم، فقد غادر مصر في عام ١٩٦٧م، وهو عام النكسة ومات في الجزائر بعد أنْ استمتع كغيره من العرب بسماع أخبار النصر الذي تحقّق على يد الجيش المصري والجيوش العربية في السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣.

ثانيًا : نظريته في البناء الحضاري

إنّ قضية القضايا عند مالك بن نبي هي نهضة المسلمين، والبحث عن كيفية هذه النهضة، وقبل ذلك عن معوقاتها، منذ غروب شمسها بعد انتهاء عصر دولة الموحدين في الأندلس. لكن معالجة بن نبي لهذه القضية إنّما تأخذ منهجًا فكريًا أصيلًا كل الأصالة؛ لأنّه يربطها ويصل إليها عبر نظريةٍ في البناء الحضاري هي من الأصالة والعمق بنحو ينبغي أنْ نتوقف عندها أولًا، ولعل السؤال الجوهري المبدئي فيها هو: ما هي الحضارة ؟

إنّ تعريفه للحضارة ينبثق من رؤيةٍ ثابتةٍ مؤدّاها أنّ الحضارة فكرةٌ أو هي نتاج فكرةٍ، لكن هذه الفكرة ليست بعيدةً عن المجال الحيوي الذي تنشأ فيه ؟ فقد عرّفَ بن نبي الحضارة في كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، قائلًا : «إنّ حضارة ما هي نتاج فكرةٍ جوهريةٍ تطبع على مجتمعٍ في مرحلةٍ ما قبل التحضّر الدفعة التي تدخل به التاريخ»[1]، كما عرّفها في كتابه شروط النهضة، قائلًا : «إنّ الحضارة مجموعةٌ من العلائق بين المجال الحيوي ( البيولوجي ) حيث ينشأ ويتقوّى هيكلها، وبين المجال الفكري حيث تولد وتنمو روحه روحها ..»[2]. ومن هاتين الزاويتين يعيد تعريف الحضارة بشكلٍ أكثر شمولًا فيقول «إنّها جملة العوامل المعنوية والمادية التي

(257)

تتيح لمجتمع ما أنْ يوفّر لكلّ عضوٍ فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره»[1]. وينحل البناء الحضاري في رأيه إلى عناصر ثلاثةٍ هي الإنسان، والتراب ،والوقت، وهو يصوغها في معادلةٍ أشبه بالمعادلات الرياضية، هي :

حضارة = انسان + تراب + وقت[2].

وقبل أنْ يسارع أحدنا إلى نقد هذه المعادلة بقوله إنّ هذه العناصر الثلاثة متوفّرة لدينا كما لدى الأمم الأخرى، ومع ذلك فلا توجد الحضارة بمعناها الوثيق إلّا لدى أحدها فقط، فلماذا غابت عن الأمم الأخرى ؟!

يجيبنا بن نبي على هذا الاعتراض قائلًا: إنّ الماء نتاج للهيدروجين والأُكسجين وبرغم هذا فهما لا يكونانه تلقائيًا! ولذا قيل إنّ تركيب الماء يخضع لقانونٍ معيّنٍ يقتضي تدخّلًا (ترتيبًا) ما، بدونه لا تتم عملية تكون الماء. وبالمثل فإنّ هناك ما يُطلق عليه (مركّب الحضارة) أي العامل الذي يؤثّر في مزج العناصر الثلاثة بعضها ببعض. ويرى مالك بن نبي أنّ هذا المركّب حسب رؤيته وما يدل عليه التحليل التاريخي في رأيه - هو الدين، هو الفكرة الدينية التي رافقت دائمًا تركيب الحضارة خلال التاريخ[3].

إنّ الحضارة في رأيه «لا تنبعث إلّا بالعقيدة الدينية، وينبغي أنْ نبحث في حضارةٍ من الحضارات عن أصلها الديني الذي بعثها»، فهكذا كان الأمر في الحضارة الإسلامية، وكذلك في الحضارة المسيحية، ولعله «ليس من الغلو في شيء أنْ يجد التاريخ في البوذية بذور الحضارة البوذية»، وفي البراهمية نواة الحضارة البرهمية»[4].

وعلى ذلك فهو يعتقد أنّ المدنيات الإنسانية حلقاتٌ متصلةٌ تتشابه في أطوارها مع أطوار المدينة الإسلامية والمسيحية؛ إذ تبدأ الحلقة الأولى بظهور فكرةٍ دينية، ثم

(258)

يبدأ أفولها بتغلب جاذبية الأرض عليها بعد أنْ تفقد الروح ثم العقل[1].

إنّه يؤمن إذن بدورانية التاريخ، وبأنّ كلّ حضارةٍ من الحضارات تمرّ بأطوارٍ معينة من البناء إلى السقوط والانهيار، وهو يعتقد أنّ منحى السقوط الذي تخلقه عوامل نفسية أحطّ من مستوى الروح والعقل، وطالما أنّ الإنسان في حالةٍ يتقبّل فيها توجيهات الروح والعقل الفردية، فهو في الطريق إلى الحضارة ونموها، إذ إنّ هذه العوامل النفسية تُختزن بطريقةٍ ما فيما وراء الشعور، وفي الحالة التي تنكمش فيها تأثيرات الروح والعقل، تنطلق الغرائز الدنيا من عقالها لكي تعود بالإنسان إلى مستوى الحياه البدائية. وهو يضرب المثل هنا بالحضارة العربية الإسلامية، إذ كان أساسها أنّ الدين قد بعث في المسلم روحًا محركةً للحضارة، فلم يلبث بعد مرحلةٍ قضاها في الخلافات والحروب أنْ عاد إلى حيث هو الآن، إنسانًا بدائيًا[2].

وعلى ذلك فإنّ أيّ حضارةٍ «تقع بين حدّين اثنين هما: الميلاد والأفول، والمنحنى البياني لا يبدأ بالضرورة من النقطة الأولى في خطٍّ صاعدٍ ليصل إلى النقطة الثانية في خطٍّ نازلٍ، وبينهما طور وسيط هو: الأوج، وبين الطورين الأولين يوجد بالضرورة توازن معين، يشير إلى تعاكس في الظاهرة، فطور الأفول النازل هو عكس طور النهضة الصاعدة، وبين الطورين يوجد بالضرورة اكتمال معين، هو طور انتشار الحضارة وتوسّعها»[3].

إنّ الدورة الحضارية تتم إذن على هذا المنوال «إذ تبدأ حينما يدخل التاريخ فكرة دينية معينة، وتنتهي حينما تفتقد الروح نهائيًا الهيمنة التي كانت لها على الغرائز المكبوتة أو المكبوحة الجماح. وقبل بدء دورةٍ من الدورات الحضارية، أو في بدايتها

(259)

يكون الإنسان في حالةٍ سابقةٍ للحضارة، أمّا في نهاية الدورة فإنّ الإنسان يكون قد تفسخ حضاريًا، وسلبت منه الحضارة تمامًا فيدخل هنا في عهدٍ ما بعد الحضارة»[1].

وإذا كان هذا الإنسان هو في الأساس باني الحضارة وعلى يديه أيضًا تنتهي، فإنّه بلا شكّ يُعد العنصر الأهم في البناء الحضاري، فلكي توجد الحضارة لابدّ من الإنسان القادر على استخدام العنصرين الآخرين التراب والوقت للوصول إلى الهدف: بناء الحضارة والتفوّق الحضاري. ولكي يؤثّر الإنسان الفرد في تركيب التاريخ وصنع الحضارة فإنّه يؤثّر في مجتمعه ككل بثلاثة مؤثرات : أولًا : بفكره وثقافته، وثانيًا: بالعمل، وثالثًا: برأس المال[2].

أمّا الثقافة فهي التي يكتسبها الفرد بصورةٍ عمليةٍ من بيئته ومجتمعه، إذ إنّ «الثقافة هي مجموعة من الصفات الخلقية والقِيَم الاجتماعية التي يتلقّاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولى في الوسط الذي ولد فيه، والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته». إنّ الثقافة إذن هي «المحيط الذي يعكس حضارةً معينةً، والذي يتحرّك في نطاقه الإنسان المتحضّر»[3]. إنّ هذا التعريف للثقافة يضمّ بين دفتيه فلسفة الإنسان الفرد وفلسفة الجماعة، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة انسجام هذه المعطيات في كيانٍ واحدٍ تُحدثه عملية التركيب التي تجريها الشرارة الروحية، عندما يؤذن فجر إحدى الحضارات[4].

إنّ ثمّة مركّبًا اجتماعيًا للثقافة يتألّف من أربعة عناصر يتّخذ منها أيُّ شعبٍ دستورًا لحياته المثقّفة، أولًا: عنصر الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية. وثانيًا: عنصر الجمال لتكوين الذوق العام وثالثها: منطق عملي لتحديد أشكال النشاط

(260)

العام ثم رابعًا : الفن التطبيقي الموائم لكلّ نوعٍ من أنواع المجتمع أو الصناعة على حدّ تعبير ابن خلدون[1].

إنّ الثقافة بعناصرها الأربعة السابقة هي ما تشكّل صورة الحياة في حضارةٍ ما، وينبغي أنْ ندرك جيدًا أنّ الحياة في أيّ مجتمعٍ معيّنٍ قبل أنْ تتأثر بالفنون والصناعات (العنصر الرابع فيما سبق) ـ أي بالجانب المادي أو الاقتصادي من الحضارة ـ تتخذ اتجاهًا عامًّا ولونًا شاملًا يجعلان جميع تفاصيلها مرتبطةً بالمبدأ الأخلاقي وبذوق الجمال الشائعين في هذا المجتمع، ويمكن صياغة هذه العلاقة في صورةٍ جبريةٍ هكذا: مبدأ أخلاقي + ذوق جمالي = اتجاه حضارة[2].

إذن تختلف الحضارات باختلاف التوجيه الثقافي للإنسان الصانع لهذه الحضارة أو تلك، إذ من الممكن أنْ تبدأ الحضارة بتوجيهٍ أخلاقي معينٍ أو بذوقٍ جماليّ معينٍ، وكلاهما سيتبع بالتأكيد حسب رؤية بن نبي بفكرةٍ دينيةٍ أو روحيةٍ معينة.

وبالطبع فإنّ التوجيه الثقافي لابدّ من أنْ يبدو في عمل الإنسان وهو العنصر الثاني من عناصر نظام الإنسان، إذ إنّ «العمل وحده هو الذي يخطّ مصير الأشياء في الإطار الاجتماعي ورغم أنّه ليس عنصرًا أساسيًا كالإنسان، والأرض، والتراب، إلا أنّه يتولّد من هذه العناصر الثلاثة»[3]. ومن ثَمّ فلابدّ من توجيه العمل حيث تسير جهود الأفراد كلهم في اتجاهٍ واحدٍ بما في ذلك جهد الراعي، والفلاح، وصاحب الحرفة، والتاجر، والطالب، والعالم، والمرأة، والمثقّف حتى يضع كلّ واحدٍ منهم في كلّ يوم ٍلبنةً جديدةً في البناء الحضاري «إنّنا نعمل مادمنا نعطي ونأخذ بصورةٍ تؤثّر في التاريخ، فتوجيه العمل هو

(261)

تأليف كلّ هذه الجهود لتغيير وضع الإنسان وخلق بيئته الجديدة»[1].

ولا شكّ في أنّ المال والثروة يشكّلان عاملًا مهمًّا في البناء الاقتصادي والاجتماعي لأيّ حضارةٍ بأوزانٍ مختلفةٍ حسب درجة التطوّر الحضاري . وإذا كان اصطلاح الثروة سواء كانت متعلقةً بالمواد الخام أم ناتج حركة التجارة كان معروفًا من قبل، فإنّ اصطلاح رأس المال الحديث عادةً ما يكون منفصلًا عن صاحبه، إنّ الثروة مرتبطةٌ بصاحبها أو بما يملك من موادّ خامٍ أو كائناتٍ حيّة، أما رأس المال فهو في جوهره المال المتحرّك الذي يتسع مجاله الاجتماعي والاقتصادي، والقضية بالنسبة لنا هنا هي قضية منهجٍ يحدّد بمقتضاه التخطيط الاقتصادي المناسب للبناء الحضاري، وأساس هذا التخطيط الاقتصادي الأمثل هو أنّه «لا يكون فيه مكان لتركيز رؤوس الأموال في أيدي فئةٍ قليلة، تستغل السواد الأكبر من الشعب، بل يجب أنْ يتوفر فيه إسهام الشعب مهما كان فقيرًا، وبذلك يتم التعادل بين طبقات المجتمع، وتنسجم مصلحة الجماعة مع مصلحة الفرد»[2]، وإذا تم توجيه الثروة ورأس المال على هذا النحو سيسير متضامنًا مع توجيه الثقافة وتوجيه العمل، ومن ثَمّ يكون الفرد قد استكمل الشروط اللازمة لتشييد التيار الحضاري.

وإذا كان ذلك كلّه يخصّ الإنسان ومشكلاته في البناء الحضاري، فماذا عن التراب؟!

إنّ التراب في اصطلاح مالك بن نبي يعني الأرض المليئة بالثروات التي يتوقف البناء الحضاري على قدرة الإنسان صانع الحضارة الجديدة على استخدامها، وحسن توظيفها، والاستفادة منها، والتراب هو إذن أحد العناصر الثلاثة التي تكوّن الحضارة، إذا ما توفّر «المركّب الديني» لتركيب هذه العناصر[3]. والمشكلة

(262)

عند بن نبي هي كيف يحوّل الناس في أيّ حضارةٍ الرمال إلى عامل بناء حضاري بتحويلها إلى أرضٍ خصبةٍ، أو على الأقل الانتصار على الرمال بتحويلها إلى بيئةٍ خضراء زراعيةٍ، أو بالانتصار عليها بالاستفادة من الموارد الطبيعية الكائنة تحتها. إنّ انتصار الإنسان على نوائب الطبيعة وأهوالها التي أخذ بن نبي الرمال مثلًا لها - إنّما هو رسالة الإنسان الحضارية بعلمه وعمله عبر الجهود الفردية والجماعية.

إنّ هذه الجهود هي ما تجعلنا ننتصر على كلّ ما يخيفنا في الطبيعة، ومن ثم نمهد لصنع حضارةٍ جديدة.

ولا شكّ في أنّ عنصر الزمن بالنسبة للعنصرين السابقين في البناء الحضاري في غاية الأهمية، إنّ استغلال الوقت الاستغلال الأمثل في العمل ومواجهة التحديات الحضارية مسألةٌ في غاية الأهمية؛ إذ «إنّه في ساعات الخطر في التاريخ، تمتزج قيمة الزمن بغريزة المحافظة على البقاء، إذا استيقظت هذه الغريزة في هذه الساعات التي تحدث فيها انتفاضات الشعوب، لا يُقوّم الوقت بالمال، كما ينتفي عنه معنى العدم؛ إنّه يصبح جوهر الحياة الذي لا يُقدَّر، وحينما لا يكون الوقت من أجل الإثراء أو تحصيل النعم الفانية، أي حينما يكون لازمًا للمحافظة على البقاء أو لتحقيق الخلود والانتصار على الأخطار، يسمع الناس فجأةً صوت الساعات الهاربة، ويدركون قيمتها التي لا تُعوَّض؛ ففي هذه الساعات لا تهم ّالناس الثروة أو السعادة أو الألم. وإنّما الساعات نفسها، فيتحدثون حينئذٍ عن ساعات العمل، إنّها العملة الوحيدة المطلقة التي لا تبطل ولا تسترد إذا ضاعت، إنّ العملة الذهبية يمكن أنْ تضيع وأنْ يجدها المرء بعد ضياعها، ولكن لا تستطيع أيّ قوةٍ في العالم أنْ تحطم دقيقةً ولا أنْ تستعيدها إذا مضت»[1].

هكذا عبّر بن نبيّ عن أهمية الزمن والوقت بالنسبة لمن يصنعون الحضارة، إنّ

(263)

الحياة والتاريخ خاضعان للتوقيت والزمن، وكلّما كان الإنسان قادرًا على استغلال الوقت في العمل الجادّ وقادرًا على اكتشاف التوقيت المناسب لبدء العمل أو إنهائه باتقان، كان انجازه الحضاري عظيمًا وجديرًا بالانتباه، إنّ الاستخدام الأمثل للزمن له أمثلةٌ عدّة رائعة، مثل التجربة الألمانية التي انتصرت على ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي خلّفت ألمانيا محطمةً مدمرةً لم يبقَ لها أيّ شيءٍ تقيم عليه بناء نهضتها، ومع ذلك لما بدأ النشاط يسرى في نفس الشعب الألماني في مستهل عام ١٩٤٨م، وكان آنذاك في نقطة الصفر من حيث المقوّمات الاقتصادية الموجودة لديه، نجح خلال عشر سنواتٍ في تحقيق المعجزة، والعودة إلى الواجهة الاقتصادية للعالم، إنّ الشعب الألماني لم يكن يملك آنذاك إلّا العناصر الثلاثة: الإنسان والتراب، والأرض، وبهم صنع المعجزة الألمانية.

وكم كان بن نبي بليغًا حينما أراد أنْ يحُفّزنا للصنيع نفسه، بقوله : «إنّ وقتنا الزاحف صوب التاريخ لا يجب أنْ يضيع هباء، كما يهرب الماء من ساقيةٍ خربة. ولا شكّ في أنّ التربية هي الوسيلة الضرورية التي تُعلّم الشعب العربي الإسلامي قيمة هذا الأمر»[1].

ولكن لم يقل بن نبي أيّ نظامٍ تربوي يمكن أنْ يُولّد في الشعب العربي الإسلامي هذا الامر، هذا في الوقت الذي يقرأون في الصباح والمساء القرآن الكريم الذي كثيرًا ما أقسم فيه الله بالزمن وقيمة الوقت، وفي الوقت الذي نبّههم فيه بأنّ العمل المتقن الخالص لوجه الله هو فقط ما سيكون محل تقديره سبحانه وتعالى لهؤلاء المؤمنين به.

 

(264)

ثالثًا: مشكلات النهضة الحضارية للعالم الإسلامي

إنّ السؤال الأهم هنا هو : إلى أيّ حدٍ يمكن أنْ توظّف هذه النظرية لمالك بن نبي في تفسير البناء الحضاري في تحليل واقع الحال عند العرب المسلمين؟ ما هي عوائق النهضة لدينا؟ وكيف يمكننا التغلب عليها؟

في الحقيقة أنّ جوهر المشروع الفكري لمالك بن نبي يتمحور حول تلك التساؤلات ومحاولة الإجابة عليها؛ فقد انطلق مشروعه الفكري من فكرةٍ محوريةٍ هي أنّ نهضة أيّ مجتمعٍ إنّما تتم في الظروف نفسها التي شهدت ميلاده. وعلى ذلك فإن إعادة بناء المجتمع الإسلامي الحديث لابد من أن ينطلق من الفكرة الدينية الأصيلة كأساسٍ لأيّ تغييرٍ اجتماعي. وقد عبّرت الآية الكريمة ﴿إِنَّ اللّٰهَ لاٰ يُغَيِّرُ مٰا بِقَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ[1] عن ذلك، وقد أخذ مالك بن نبي هذه الآية نقطة الارتكاز الأساسية في منظومته الفكرية[2]، لقد عدّها شرعة السماء: غيّر نفسَك تُغيّر التاريخ[3].

إنّ مشكلة العالم الإسلامي في نظره ليست «فيما يستحق من رغائب، بل فيما يسودنا من عادات، وما يراودنا من أفكار، وفي تصوراتنا الاجتماعية بما فيها قيم الجمال والأخلاق، وما فيها أيضًا من خصائص تعتري كلّ شعبٍ نائم»[4].

وإذا قال بعضنا كما يتردد دومًا إنّ أسباب تخلّفنا وجمودنا تكمن في ذلك الاستعمار الذي لم يترك أرضًا عربيةً إلّا احتلها ونهب ثرواتها، وربطها باقتصاده حتى بعد الاستقلال، فإنّ مالك بن نبي له وجهة نظرٍ أصيلة ومختلفة في هذا الأمر؛ إذ إنّه

(265)

يرى أنّنا لم نستعمر إلّا لأنّنا لدينا تلك «القابلية للاستعمار». إنّه يرى أنّ من الجرأة أنْ نقرر «أنّ الاستعمار ليس من عبث السياسيين ولا من أفعالهم، بل هو من النفس ذاتها التي تقبل ذلّ الاستعمار، والتي تمكّن له في أرضها»[1].

إنّ كابوس الاستعمار لا يذهب عن أيّ شعبٍ بكلماتٍ خطابيةٍ أو أدبيةٍ «إنّما بتحوّل نفسٍ يصبح معه الفرد شيئًا فشيئًا قادرًا على القيام بوظيفته الاجتماعية، جديرًا بأنْ تُحترم كرامته، وحينئذٍ يرتفع عنه القابلية للاستعمار، ولن يقبل حكومةً استعماريةً تنهب ماله، وتمتصّ دمه، فكأنّه بتغيير نفسه قد غيّر وضع حاكميه تلقايئًا إلى الوضع الذي يرتضيه»[2].

إنّ التخلّف الذي يعيشه المسلمون ينبع في الأساس من داخلهم، ويعود إلى طبيعة تشكيل عقليتهم وشخصيتهم التي ترسّبت فيها مفردات الثقافة السلبية، ولا حلَّ لهذه المعضلة إلّا بالتحوّل من مجتمعٍ غير فعّالٍ إلى مجتمعٍ فعّال، وفاعلية أيّ مجتمعٍ إنّما تنطلق من فاعلية الإنسان، وقد كان مالك بن نبي يقول في ذلك أنّه: «إذا تحرّك الإنسان تحرّك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن سكن المجتمع والتاريخ»[3].

والحقيقة أنّ ما يقف أمام حركة الإنسان في المجتمعات العربية والإسلامية إنّما هو فكره المُكبّل بكثيرٍ من القيود، منها «أنّه فكرٌ خاضعٌ لطغيان الشيء والشخص»[4] إذ يتمحور فكرنا حول أشخاصٍ أو زعماء بعينهم، أو حول وثنٍ من الأوثان، أو شيءٍ من الأشياء، ولا يمكن أنْ يتحوّل الإنسان إلى كائنٍ فعّالٍ بشكلٍ إيجابي في التاريخ إلّا إذا تمحور فكره حول الفكرة، وليس حول هذا الشخص أو حول هذا الشيء. إنّ الأفكار

(266)

في رأي بن نبي هي المحرّكة للأشخاص، ومن ثَمَّ للمجتمعات والتاريخ.

ولعل من تلك القيود أيضًا تلك الازدواجية اللغوية التي يعاني منها المسلمون، فقد غرس العصر الاستعماري فيما غرس من الظواهر المتصلة بالهياكل الاقتصادية والاجتماعية والإدارية في البلاد المستعمرة ظاهرةً خاصّةً هي ازدواجية اللغة التي تتعلّق ببناه الثقافية والعقلية وبأفكاره[1]. ولقد أحدثت هذه الازدواجية اللغوية انشقاقًا في العالم الثقافي للبلاد الإسلامية ليس فقط ذا طابعٍ جماليّ، بل أيضًا ذو طابعٍ أخلاقيّ وفلسفي[2]، فلقد ترتّب عليها ظهور طائفتين من النخبة؛ النخبة التي تتكلّم العربية وتحاول استرداد أصولها الإسلامية، والنخبة التي تتكلّم اللغة الأجنبية سواء كانت الفرنسية في الجزائر أم الانجليزية في مصر. وكلٌّ منهما كان مصيره الفشل؛ إذ لم تنجح الطائفة الأولى في إرساء اتصالٍ بين الروح العربية المعاصرة والتقاليد الأصلية للسلف الصالح، لعدم وجود اتصالٍ حقيقيّ بنماذجها المثالية. والطائفة الثانية لم تستطع إرساء اتصالٍ مع حضارة العصر لعدم فهمها لروحها العملية؛ فافتقاد الأفكار الأصلية من ناحية، وافتقاد الأفكار الفعّالة من ناحيةٍ أخرى جعل هذه الشعوب تراوح مكانها ولا تتقدّم[3].

وبالطبع فإنّ مالك بن نبي هنا إنّما يلمح من خلال اشكالية ازدواجية اللغة إلى الإشكالية التي شغلت النخبة المثقّفة العربية منذ بداية الحقبة الاستعمارية وحتى اليوم، أي إشكالية الأصالة والمعاصرة، وهي في اعتقادي إشكالية مزيّفة؛ فقد كان يمكن الاستفادة من ازدواجية اللغة إذ إنّ اللغة الأجنبية التي أتت مع المستعمر ليست شرًّا كلها، بل كان يمكن الاستفادة منها ببساطة في الاطلاع على منجزات العصر، وكأداةٍ

(267)

لفهم الآخر، ومن ثم كان من الممكن تلاشي ما ترتّب على ثنائية اللغة من إشكالياتٍ عوّقت التقدم والنهضة التي كانت مأمولةً في ظلّ التحدّي الذي فرضه الاستعمار بتقدّمه التقني والمادي، لكن للأسف تغلّبت النظرة الدونية، واستسلم أهل البلاد المستعمرة ؛لأنّه كان لديها بحسب اصطلاح بن نبي «القابلية للاستعمار»!

وعمومًا فإنّ هذه الثنائية اللغوية والازدواجية الثقافية ليست هي فقط المشكلة، وإنّما المشكلة الأكبر التي عوّقت ولا تزال تعوّق التقدّم والنهوض هي ازدواجية أو ثنائية أخرى أهم أشار إليها مالك بن نبي وهي ثنائية «الأفكار الميتة والأفكار المميتة»، أما الفكرة الميتة فهي «الفكرة التي بها خذلت الأصول، وانحرفت عن مثلها الأعلى، وليس لها جذورٌ في العصارة الثقافية الأصلية». أما الفكرة المميتة فهي «الفكرة التي فقدت هويتها وقيمتها الثقافيتين، بعدما فقدت جذورها التي بقيت في مكانها في عالمها الثقافي الأصلي»[1]. ويقصد مالك بن نبي بالفكرة الميتة تلك الأفكار التي ننقلها عن التراث من دون وعي بأنّها ليست هي بنت الجوهر الأصيل للحضارة العربية الإسلامية، كما أنّها بخلعها من جذورها ومحاولة زراعتها في بيئةٍ لم تعد هي بيئتها، كما لم تكن هي كذلك بيئتها الأصلية إنّما يعني أنّها فكرةٌ ماتت بانتزاعها من أصلها ومن منبتها الأصلي. وهي تتلاقى لديه في حاضرنا المعاصر بالأفكار المميتة التي هي الأفكار الغربية المستوردة التي لا تتفق مع هويتنا ولا تتوافق مع جوهرنا الأصيل. وفي رأي بن نبي أنّ تلاقي الأفكار الميتة مع الأفكار المميتة إنّما يمثّل أحد العوائق الكبيرة أمام نهضة الأمة؛ لأنّه «ما أنْ نبدأ بمعالجة الأفكار الميتة التي لم يعد لها جذور في بوتقة الثقافة الأصلية للعالم الإسلامي، حتى نصطدم بالأفكار المميتة التي خلّفت في عالمها الثقافي الأصلي جذورها، ووفدت إلى عالمنا»[2].

(268)

إنّ الحقيقة التي يلفت انتباهنا إليها بن نبي هي أنّ المشكلة في العالم الإسلامي هي مشكلة أفكار؛ إذ إنّه منذ انحطاطه ما بعد عصر الموحّدين يواجه مشكلة أفكار لا مشكلة وسائل؛ فتراثه الذي ورثه من عصور الحضارة الإسلامية غدا أفكارًا ميّتة، أمّا نماذجه الروحية التي تعود إلى العهد الأول فقد خانتها أفكاره الموضوعة التي خالفت النموذج المطبوع، الذي أرساه العصر الأول، وحينما افتقد الإحاطة بمشاكله وولّى وجهه شطر العالم الغربي، فإنّ أفكاره المقتولة بفعل الانحطاط قد استخدمت من الحضارة الغربية أفكارًا انبتت عن جذورها، وامتصتها مع سمومها القاتلة، فلا هي ادركت نمط الحضارة الغربية في اندفاعه التطوري الفعّال المستمد من أصالته المقيمة في حدودها الجغرافية، ولا هي أحيت نماذجها الأصلية في انبثاقها الروحي. وهكذا تضافرت أفكارها الموروثة الميتة والأفكار القاتلة المجتثة من جذورها الغربية لتنتقم من هذا العالم كما ينتقم جسرٌ سيّئ البناء بالانهيار على من بناه[1].

وخلاصة القول إنّ العقول العربية وقعت أسرى هذين النوعين من الأفكار، وهما معًا يمثّلان العاتق الأكبر أمام اليقظة والنهوض؛ إذ إنّ الأفكار الميتة تسكن العقول، ولا تدفع حاملها إلى أيّ مجهودٍ، أو نشاطٍ، فهي معلومات عقيمة متوارثة تجمدت لدى حامليها، ومن ثَمّ كانت أحد أسباب انحطاط الخطّ البياني الحضاري للأمة الإسلامية. أمّا الأفكار المميتة فهي التي قتلت الإبداع في النفوس بما لها من قدرةٍ خبيثةٍ على الإخماد، وكبح جماح العقول، وكسر الهمم، وهي التي خلقت في أبناء الأمة الاستسهال، وساعدت في تغييب القدرة التحليلية، في فهم المشكلات المعقدة رغم أنّها في أصلها وعند أهلها تفعل عكس ذلك تمامًا، كما أنّ الواقع في العالم الثقافي الغربي ليس مميتًا كلّه، فنحن لم نأخذ منه على حد تعبير مالك بن نبي إلّا النفايات، الجزء المميت من تلك الحضارة[2].

(269)

والسؤال هو : لماذا تذهب النخبة المثقّفة المسلمة بالضبط للبحث هناك عن هذه العناصر المميتة، وليس عن العناصر الصانعة للنهضة والتقدّم كما فعل اليابانيون والصينيون على سبيل المثال؟!

والحقيقة أنّ بن نبي لم يجد الاستثناء من هذه القاعدة العامة التي وقع في فخها معظم النخبة المسلمة، لم يجده إلّا لدى محمد إقبال، إذ وجد أنّ «فكر إقبال جعل من ثقافته شغفًا، واستحقّ الاحترام لتجرده.. إنّه بجهدٍ شخصيّ أو لصدفةٍ استثنائيةٍ استطاع أنْ يقضي على مخزون الأفكار الميتة التي وجدها في بيئته عند ولادته. ونجد في عمله الاهتمام بتجديد أفكار بيئته عبر كتابه الذي ترك ثمرته للأجيال (إعادة بناء الفكر الإسلامي) »[1].

إنّ المشكلة في رأي بن نبي إذن ليست في التتلمذ على الحضارة الغربية؛ «لأنّه ومنذ عام ١٨٦٠م تتلمذ المجتمعان الإسلامي والياباني في مدرسة الحضارة الغربية، وبينما أصبحت اليابان قوةً اقتصاديةً كبرى في العالم لأنّ الأفكار المميتة في الغرب لم تعد تصرفها عن طريقها، فقد بقيت وفيّةً لثقافتها، لتقاليدها ولماضيها بينما وجدنا ذلك في اليابان، وجدنا أنّه بعد ما يقرب من قرنين من الزمان ورغم الجهود الحميدة التي بذلت في سبيل النهضة في العالم الإسلامي، نجده لا يزال مجتمعًا ذا نموذج متخلف»[2].

إذن المشكلة التي نواجهها وتطرح نفسها علينا بقوةٍ لا تتعلّق بطبيعة الثقافة الغربية، بل بالطبيعة الخاصّة بعلاقتنا بها !إنّ صنع الحضارة إنّما هو مرهونٌ ببشرٍ أصحاب فاعليةٍ يتفاعلون مع الأفكار بإيجابية، إنّ أهم شروط الفاعلية في نظر بن نبي أنْ ينظر الإنسان إلى نفسه على أنّه صانع التاريخ ومحرّكه؛ فالتاريخ نتاج

(270)

عملٍ وليس نتاج مقولاتٍ نظرية، ومشكلة المسلم اليوم أنّه لا يفكر ليعمل، بل يفكر ليقول ويتكلم، وقد أدّى ذلك ولا يزال إلى ضياع الاستفادة من العلم والمال والوقت في صنع حضارتنا الحديثة المنشودة.

رابعًا : الطريق إلى النهضة

إنّ ادراك المشكلات السابقة وهي جميعًا مشكلات فكرية والوعى بها ربما يكون عند مالك بن نبي نقطة البداية في طريق الفعالية والحضارية، لكن أولى خطوات هذا الطريق عنده في اعتقادي هي مرة أخرى تغليب الفكرة على الشيء.

1. تغليب الأفكار على الأشياء

إنّ المرحلة الحالية في العالم الإسلامي في نظر بن نبي تتسم بطغيان الأشياء على الأفكار، وذلك على أصعدة مختلفة؛ فعلى الصعيد النفسي والاخلاقي نجد أنّ «الأشياء تمثّل القمة في سلم القيم، وتتحوّل خلسة الأحكام النوعية إلى أحكامٍ كميةٍ من دون أنْ يشعر أصحاب تلك الأحكام بإنزلاقهم نحو الشيئية، أي نحو تقويم الأمور بسلم الأشياء. فالموظّف على سبيل المثال يعتمد في تحديد رتبته في الترتيب الإداري بعدد الأجهزة التي يستعملها أو لا يستعملها، وليس بقدر العمل الجاد الذي يؤديه»[1].

إنّ الشيئية تجرُّ إلى هفواتٍ كثيرةٍ ذات مغزى وخاصّة في مجال الأدب السياسي! ففي كلمة تأييد لإحدى البلاد الإسلامية تقرأ عبارة «الحكومة وشعبها» فعكست هنا علاقة الملكية فبدلًا من أنْ يكون للشعب حكومة أصبح للحكومة شعب، وأضحى المالك مملوكًا![2].

أما على الصعيد الاجتماعي فإنّ هذه النزعة الشيئية الكمية تولّد مظاهر اجتماعيةً غير

(271)

متوقعة، فمثلًا على باب إدارةٍ من إدارات الحكومة نجد موظّفًا يراقب الداخلين ويسجّل أسماءهم. وإذا ما عدت إلى الإدارة نفسها في اليوم التالي ترى أنّ التسجيل والموظّف الذي يتولاه غير موجودين. وهكذا فالوظيفة قد ذهبت مع الموظف! والشيء نفسه على الصعيد الفكري، إذ نجد مؤلّف أيّ كتابٍ لا يُسأل عن أيّ بحثٍ عالج، وكيف تم معالجته دائمًا، بل عن عدد الصفحات التي كتبها فيه[1].

أمّا على الصعيد السياسي فقد تسللت الشيئية وطغيان الأشياء وخاصة في ميدان التخطيط؛ فعندما يواجه بلدٌ إسلاميّ ما مشكلة التخلّف فهو يواجهها إمّا بالاستثمار الأجنبي وتلقّي المعونات المالية، وإمّا بزيادة معدل الضرائب. كما يقع أفراد المجتمعات الإسلامية في حاضر العالم الإسلامي في خطر تجسيد المثل الأعلى في شخص، وليس في فكره قد يحقّقها أيّ شخصٍ يختار، وقد تسبب ذلك في كثيرٍ من الضرر بالأفكار الإسلامية المتجسّدة في أشخاصٍ ليسوا في حقيقة الأمر أهلًا لحملها، فمن ذا الذي يستطيع تجسيد الأفكار من دون أنْ يعرض المجتمع كلّه للخطر؟! إنّ خطر التجسيد قد وضعه القرآن صراحةً في الوعي الإسلامي حتى على شخص الرسول ذاته بقوله ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ[2]. [3] 

إنّ الأمة لن تتقدّم إلا بتقديم الفكرة على الشيء، وعلى الشخص، أو على الأقل علينا أنْ ندرك «أنّ للعالم الثقافي والحضاري بنيةً ديناميكيةً تتوافق مظاهرها المتتالية مع علاقاتٍ متغيرةٍ بين العناصر الثلاثة الحركية: الأشياء، والأشخاص، والأفكار»[4] وأنّ اختلال التوازن في هذه العلاقة لصالح الشيء يُولّد الاضطراب ليس فقط في الدول المتخلفة، وإنّما أيضًا في الدول المتقدّمة .

(272)

إذن علينا إعادة التوازن بين الأفكار والأشياء والأشخاص بهذا الترتيب الذي يعطي الأولوية دائمًا للفكرة على الشيء والشخص معًا .

2. التوافق مع روح العصر مع الحفاظ على أصالة الأفكار

إنّ الإشكالية هنا كما صاغها بن نبي تكمن في أنّ «فكرة أصلية» لا يعني ذلك فعاليتها الدائمة، وفكرة فعالة ليست بالضرورة صحيحة. والخلط بين هذين الوجهين يؤدّي إلى أحكامٍ خاطئة، وتُلحق أشدّ الضرر في تاريخ الأمم حينما يصبح هذا الخلط في أيدي المتخصصين في الصراع الفكري وسيلةً لاغتصاب الضمائر. إنّ الفكرة إمّا صحيحة وإمّا باطلة، وحينما تكون صحيحةً فإنّها تحتفظ بأصالتها حتى آخر الزمان، لكنّها في المقابل يمكن أنْ تفقد فعاليتها وهي في طريقها حتى ولو كانت صحيحة، فلفاعلية الفكرة تاريخها الذي يبدأ مع لحظة دفعتها الأصلية لتهزّ العالم أو يعتقد فيها كنقطة ارتكازٍ ضروريةٍ لقلب ذلك العالم. وبصفةٍ عامةٍ فإنّ الفكرة تظلّ فعالةً طالما أنّها أثارت العواصف وشيّدت شيئًا أو هدمته[1].

والسؤال هو: أين نحن الآن في العالم الإسلامي من هذه الإشكالية؟! إنّنا الآن في عصر الإنتاجية؛ ذلك العصر الذي لا يكفي فيه أنْ نقول الصدق لنكون على حقّ! فمنطق هذا العصر لا يكون إثبات صحة الأفكار بالمستوى الفلسفي أو الأخلاقي، بل بالمستوى العملي، فالأفكار صحيحة إذا ضمنت النجاح[2]، إنّ هذه إشارةٌ واضحةٌ إلى سيادة المنطق البراجماتي الأمريكي على[3] هذا العصر حتى على الجانب الآخر من

(273)

العالم الشرقي الشيوعي، فهذا هو ما وتسي تونج يقول هو الآخر: «إنّ أفضل دليلٍ على سلامة أفكارنا هو نجاحها في الإطار الاقتصادي»[1].

إذن فليست المسألة في أنْ يقبل المجتمع الإسلامي أو يرفض الأسلوب العملي هذا أو ذلك، كما لا يكفي أنْ يعلن عن قدسية القيم الإسلامية، بل علينا أنْ نزود هذه القيم الأصلية بما يجعلها قادرةً على مواجهة روح العصر والتكيّف معه دون تقديم تنازلاتٍ إلى الدنيوي على حساب المقدّس، فقط علينا – على حد تعبير بن نبي – أنْ نحرّر المقدّس من بعض الغرور الاكتفائي الذي قد يقضي عليه. أي علينا العودة ببساطة إلى روح الإسلام الأصلية نفسها، تلك الروح التي عبّر عنها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حال عودته من إحدى الغزوات وسط شهر رمضان وكانت مشقة الصوم كبيرةً على الصائمين، حينما عزا الفضل في الانتصار في تلك الغزوة إلى الذين أفطروا في ذلك اليوم. ونحن اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى بحاجة للتذكير بهذا الهدى النبوي الذي يعطي في حالةٍ معينةٍ الأولوية لفضيلة الفعّالية على فضيلة الأصالة. فالمجتمع الإسلامي مدعو اليوم لأنْ يستعيد تقاليده العليا وقيمه الأصلية ومعها حسن الفعالية. ومن أجل أنْ أثبت العالم الاسلامي بمنطق العصر أنّ أفكاره صحيحة، لا توجد أمامه إلّا طريقة واحدة هي اثبات قدرته على تأمين الخبز اليومي لكلّ فرد.[2]

3. التخطيط الدافع للفعالية الاجتماعية

كما كانت الأفكار أساس الديناميكية الاجتماعية، وهي المحرّكة للأشخاص والأشياء معًا، فإنّ الفكر الذي يخطط للمستقبل ينبغي أنْ يركّز على «خلق الشروط الدينامنيكية الاجتماعية ثم يحدّد الوسائل التي ستتولى تسيير تلك الديناميكية الاجتماعية؛ وذلك لأنّنا

(274)

على حد تعبير بن نبي لا نستثمر ما نريد، بل ما نستطيع، ولا نستثمر بوسائل الغير إنّما بالوسائل التي تقع بالفعل تحت أيدينا»[1].

وهنا يكون السؤال: ما هي الوسائل المتوفرة حقيقة في بلدٍ عند نقطة الصفر من انطلاقه؟! لقد أجاب بن نبي على هذا السؤال مسترشدًا بالتجربتين الألمانية والصينية؛ فلقد بدأت ألمانيا في التحرك عام ١٩٤٨م بخمسة وأربعين ماركًا، وهذا مبلغٌ تافهٌ في الاستثمار؛ ولذا فقد كان استثمارهم الحقيقي في رأسمال الأفكار التي هي في رأس كل ألماني، في تصميم الشعب الألماني، وفي الأرض الألمانية التي كانت فقيرةً ومحتلةً من الآخرين لكنها كانت السند اللازم لكلّ نشاط. وفي المدّة نفسها أقلعت الصين الشعبية في شروطٍ أشدّ قساوةً وبدمارٍ أكبر خلّفته الحرب، وبغض النظر عن خيار الصين الأيديولوجي فقد أنشأت رأسمالها من الأفكار الأولية، وإنّ تجربتها في بيئةٍ اجتماعيةٍ اقتصاديةٍ كبيرة الشبه بغالبية البلاد الإسلامية تلقي كثيرًا من الضوء على الرسائل البدائية للإقلاع[2].

إنّ هذه الإمكانيات التي انطلقت منها الصين، وهذه الإمكانيات تتوافر لأيّ أمةٍ أو بلدٍ في هذا المستوى الصفري هي:

أ. الزراعة وهي في حالةٌ بدائيةٌ إلى حدٍّ ما .

ب. ما يتوفر لديه من موادٍّ أوليةٍ في السوق وفي باطن الأرض.

 ج. طاقة العمل، أي الأيدي العاملة وما يمكن تحويله إلى ساعات عملٍ فعليّةٍ.

ومن خلال هذه الإمكانيات البسيطة يمكن الانطلاق اقتصاديًا على مرحلتين:

أ. مرحلة اقتصاد الكفاف .

ب. مرحلة اقتصاد التطور - أي الإقلاع بمعنى الكلمة[3].

(275)

وبناءً على هذا وذاك، فإنّ المجتمع الإسلامي يستطيع في نظر مالك بن نبي أنْ يستعيد فعاليته بأنْ يضع دفعةً واحدةً في أساس تخطيطه مُسلَّمةً مزدوجة:

أ. كلّ الأفواه يجب أنْ تجد قوتها.

ب. جميع الأيدي يجب أنْ تعمل.

وعندئذٍ سوف لا تكون أفكاره مثقلةً بعدم الفعالية؛ لأنّ كلّ الأيادي سائرة في تحريك عجلة ديناميتها الاجتماعية، والمدافعون عنه سيأخذون في اعتبارهم، أنّه ليس المطلوب الدفاع عن أصالة الإسلام، بل مجرد إعادة فعاليته إليه بتحريكهم قواه الانتاجية[1].

وفي اعتقادي أنّه ينبغي أنْ نسعى إلى زيادة مساحة الوعي بأهمية أنْ يوجد بيننا من يفهم هذا المخطط البسيط وشديد الفعالية لمستقبل العالم الإسلامي إذا ما أراد المسلمون في بلد إسلامي إعادة الروح الإسلامية الأصيلة إلى الوجود. إنّها تلك الروح الوثّابة العاملة المُحبّة للعمل والاتقان فيه تلك الروح التي لا تقبل وجود عاطلٍ أو جوعان، إنّها روح المشاركة في العمل والدفاع عن حقّ العامل في الحياة الكريمة. إنّ إعادة هذه الروح ليست عبر الكلمات والشعارات الرنانة التي صرنا نسمعها صباحًا ومساءً في كلّ أرجاء العالم الإسلامي، وإنّما إعادتها عبر العمل الجاد والمتقن. إنّنا حقيقة لا نفتقد الأفكار بقدر ما نفتقد إدراك وامتلاك الكيفية التي تحوّلها إلى عملٍ خلّاقٍ يسد جوع الجياع، ويحافظ على كرامة الإنسان المسلم من الامتهان والتسول.

إنّ مالك بن نبي قدّم لنا بتلك الكلمات البسيطة - بعد طول تنظير - خطةً عمليةً للخروج من نفق الجمود الفكري والكسل العملي، على كلٍّ منّا حكّامًا ومحكومين أنْ نؤمن بأنّ الإنسان الفرد هو صانع الحضارة والتقدّم وسط بيئةٍ اجتماعيةٍ داعمةٍ وخلّاقة، وأنّ الإنسان المسلم يمتلك من الطاقة الروحية ما يكفي لبدء العمل بشرط

(276)

أنْ يكون ناتج هذا العمل توفير الطعام لكلّ الأفواه، وتوفير الحياة الكريمة لكلّ عاملٍ يعمل. هذا هو التحدّي وعلى قدر استجابتنا يمكن أنْ نكون بعد أنْ أصبحنا اليوم وبعد أكثر من أربعين عامًا على وفاة مالك بن نبي، أمةً في مهب الريح مهددةً بالتقسيم بل مهددة بالفناء.

فهل نعي أنّه لم يعد أمامنا اليوم إلّا الاستجابة لهذا التحدّي الوجودي لأمةٍ كانت في سابق عهدها رائدة الأمم، وقائدة الدفع الحضاري للإنسانية، أتمنى أنْ نكون على وعي بأننا الآن في هذه اللحظة التي بلغ فيها التحدّي ذروته، ولم نعد نملك رفاهية التردد، بل علينا فورًا ومن دون إبطاء مواجهة التحدّي بالأفعال وليس بمجرد الأقوال والتغني بأمجاد ماضٍ لم نكن نحن صانعيه، وكلّ ما علينا الآن أنْ نبرهن على أننا حقًّا ورثته، ولا نزال نحمل أمانته، ولا نزال قادرين على حمل هذه الأمانة بتحويل الأقوال إلى أفعال، والأفكار إلى خططٍ عمليةٍ لتحقيق التقدّم لأمةٍ هي «خير أمة أخرجت للناس».

 

 

 

 

 

 

(277)

 

 

المصادر

  1. بن نبي، مالك، اقتصاد القوة والتنمية، دمشق، دار الفكر، ط2، ۲۰۰۲م.
  2. ــــــــــــــــ، شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دمشق، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ١٩٨٦ م.
  3. ــــــــــــــــ، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ترجمة د. بسام بركة، و د. أحمد شعبو، لبنان، دار الفكر المعاصر، ودمشق، دار الفكر، ٢٠٠٢م.
  4.  السرجاني، راغب، «مالك بن نبي فيلسوف الحضارة والنهضة».
  5. عاشور، مصطفی، «مالك بن نبي .. فيلسوف مشكلات الحضارة»، إسلام اون لاین(islamonline.net)، 2023/12/19.
  6. النشار، مصطفی، المدخل الجدید إلى الفلسفة، نیوبوك للنشر والتوزيع.

 

 

 

 

 

 

 

(278)

 

 

الحضارة الوحيدة التي ألهمت الغرب
 هي الحضارة الإسلامية[1]

حوار مع: سيد حسين نصر

أهمّيّة محاورة الدكتور السيّد حسين نصر حول قضايا الغرب وتحوّلاته الفكريّة والقيميّة، تكمن في معايشته العضويّة للمجتمعات الغربيّة نفسها، فقد صرف الرجل ولمّا يزل قسطًا وازنًا من حياته في معاهد الغرب وجامعاته طالبًا وأستاذًا وعارفًا بمشكلاته المعرفيّة والمجتمعيّة، حتّى أنّك حين تقرأ كتاباته ومحاضراته والمؤتمرات التي يشارك فيها، سوف تشعر أنّك تلقاه فيلسوفًا لا يصدر عن حكم قيمة بقدر ما يعاين عقل الغرب معاينةً عقلانيّة، ثمّ ليحدّد مواقفه تبعًا لتلك المعاينة.

في ما يلي حوارٌ أجراه معه الباحث حامد زارع، ويتمحور بصورةٍ أساسيّةٍ حول نظريّة (حوار الحضارات) التي طُرحت على نطاقٍ عالميّ إبّان العقود الثلاثة، وهي النظريّة التي جاءت ردًّا على أطروحة (صدام الحضارات)، التي أطلقها المفكّر الأميركي صموئيل هانتغتون في تسعينيّات القرن المنقضي.

* إلى أيّ مدى سيكون الحوار بين الحضارتين الغربيّة والإسلاميّة أمرًا ممكنًا في خضمّ المواقف العدائيّة التي يتّخذها الغربيّون تجاه الإسلام؟... ألا يمكن إدراج أحداثٍ كهذه ضمن الموجة التي أطلقتها نظريّة صراع الحضارات؟

(279)

في مستهلّ كلامي أودّ أن أنبّه على أنّ البلدان الغربيّة كثيرًا ما تشهد الأحداث التي أشرتم إليها، والطريف أنّ الدراسات والنتائج التي تعتمد عليها لا يمكن أنْ يُعتدّ بها؛ لكونها تفتقد إلى أصول البحث العلميّ المعتبرة، وهي بطبيعتها ترتكز على برامجَ مخطّطٍ لها مسبقًا بحيث تكون نتائجها مطابقةً لمرام من خطّط لها؛ وبالتالي يتمّ تصويرها وكأنّها نتائج صحيحةٌ متقوّمةٌ على الأُسس والقواعد المعتبرة في البحث العلميّ، ويمكن عدّ الكتاب الشهير الذي ألّفه المفكّر صاموئيل هانتغتون واحدًا من المواضيع التي ترتبط بهذه الحملة الواسعة. فهذا المؤلِّف منذ أن كتب مقالته الأولى في مجلّة الشؤون الخارجيّة[1] كان واضحًا أنّ دراساته لا تستند إلى البحث العلميّ الدقيق، بل إنّه كان يروم إضفاء صبغةٍ علميّةٍ بحثيّةٍ على ما يريده بعضهم بغضّ النظر عن مدى مصداقيّة ما يتمّ طرحه.

لا شكّ في أنّ التصادم بين الحضارات يعدّ واحدًا من الأمور التي يرغب كثيرٌ من الغربيّين بوقوعه، وهو ليس من القضايا التي تترتّب على نشاطاتٍ علميّةٍ أو تطرح في نطاق فكريّ؛ لكونه يتنافى مع المنطق والأصول العقلائيّة، وعلى هذا الأساس فإنّني عارضته منذ بداية طرحه، وأزيدكم علمًا بأنّ كتاب صاموئيل هانتغتون قد أُرسل إليّ قبل أنْ يصل إلى مرحلة الطباعة، وكذلك قبل أنْ تقوم مجلّة الشؤون الخارجيّة بطباعة مقالته الأولى؛ إذ أرسله لي الأستاذ توري مينج أحد أساتذة جامعة هارفارد ومن المتخصّصين بالفكر الصينيّ والكنفوشيوسيّ. بعد طباعة مقالة السيّد هانتغتون انتابنا الذهول وبدأنا نفكّر بحلٍّ لما طرح فيها، وأوّل مؤتمرٍ شاركتُ فيه بعد قراءة هذه المقالة كان في ماليزيا، حيث اقترحت على المسؤولين هناك بأنْ يُعقد مؤتمرٌ لإثبات التقارب الموجود بين الحضارتين الصينيّة والإسلاميّة، وهذا الأمر يتعارض تمامًا مع ما طرحه السيّد هانتغتون في مقالته. لحسن الحظّ، تمّ تقديم اقتراحي إلى

(280)

مساعد رئيس الوزراء الماليزيّ السيّد أنور إبراهيم ـ وهو من أصدقائي المقرّبين ـ فتمّت الموافقة عليه، وبالفعل عُقِدَ مؤتمرٌ كبيرٌ فيما بعد حول العلاقة بين الإسلام والفكر الكنفوشيوسيّ.

أذكر أنّني كنت في ماليزيا قبل انعقاد هذا المؤتمر، وألقيت آنذاك أوّل كلمةٍ لي تناولت نقض نظريّة صدام الحضارات أمام مرأى أكثر من ألفي أستاذٍ ومسؤولٍ ماليزيّ، وكان هذا العمل يعدّ الأوّل من نوعه في العالم الإسلاميّ.

الآن، نعود إلى سؤالكم الذي استفسرتم فيه عمّا إذا كانت بعض الأحداث تمثّل مصداقًا لتحقّق نظريّة صدام الحضارات، من قبيل إحراق القرآن الكريم وإهانة نبيّنا الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. أودّ أن ألفت انتباهكم إلى وجود بعض الأشخاص الذين يتربّصون بالبشريّة المكائد، ويسخّرون جلّ نشاطاتهم ومساعيهم للاصطياد في الماء العكر، وهم الذين يحقّقون أرباحًا طائلةً من بيع الأسلحة، وأولئك الذين يطمحون إلى تحقيق مآرب سياسيّة؛ فهكذا أشخاص يبذولون قصارى جهودهم لإثارة الخلافات بين الإسلام والغرب وتأجيجها إلى أقصى حدٍّ بغية تأزيم العلاقات، وترسيخ العداء للحيلولة دون تحقيق تقارب بين الطرفين.

طبعًا، أرغب في الحديث معكم حول الحضارتين الغربيّة والإسلاميّة، ولا أريد التطرّق إلى الحضارات الصينيّة والهنديّة واليابانيّة، رغم أنّ السيّد صاموئيل هانتغتون كان قد تطرّق إلى الحديث عنها؛ إذ إنّ بحثنا الحالي يتمحور حول الغرب والإسلام فحسب.

من الجدير بالذكر هنا هو وجود تيّارٍ آخر في البلدان الغربيّة مقابل التيّار السائد اليوم الذي يسعى إلى توسيع رقعة العداء والكراهية بين الحضارتين الغربيّة والإسلاميّة، وهو على العكس تمامًا ويتنافى مع الثاني؛ لكونه يروّج إلى مدّ جسور التسامح والتفاهم بين هاتين الحضارتين، لكنّه بقي طيّ الخفاء تقريبًا؛ لأنّه لا يدعو إلى إحراق المصحف

(281)

الشريف أو إزهاق النفوس؛ لذلك لم ينعكس نشاطه على نطاقٍ واسع ٍفي وسائل الإعلام. ومع ذلك فإنّ حال هذا التيّار حال التيّار الآخر، فهو قويّ في البلدان الغربيّة وله نفوذٌ هناك، ومن هذا المنطلق لا يمكن القول إنّ جميع التيّارات الموجودة في الغرب تروم تأجيج العداء والأحقاد بين الحضارتين، لكنّ التيّار الداعي إلى الصدام والتباعد يتصدّر وسائل الإعلام ويطغى عليها إلى حدٍّ كبيرٍ.

لو تابعتم قنوات الأخبار الغربيّة، بل وحتّى سائر وسائل الإعلام العالميّة، لوجدتم أنّ طبيعة الأخبار التي تتناقلها غالبًا ما تكون من صنف الأخبار السيّئة والمؤسفة. بحيث لا تجدون فيها أخبارًا سارّةً. على سبيل المثال، لو قام ألف مواطنٍ أميركيّ بختم القرآن الكريم من أوّل آيةٍ إلى آخر آية فإنّ وسائل الإعلام لا تشير إلى ذلك، لكن لو قرّر أحد القساوسة المتشدّدين إحراق المصحف الشريف كما فعل القس تيري جونز، لتصدّر هذا الخبر جميع الصحف والنشرات الإخباريّة.

ومهما يكن الأمر فإنّ هذين التيّارين المتضادّين حاضران في العالم الغربيّ، ولا يمكن التغاضي عن أيٍّ منهما مطلقًا؛ لذلك من الحريّ بنا ملاحظتهما فيما لو أردنا تقييم الأمور هناك على هذا الصعيد.

* كيف تنظرون إلى التصرّفات المسيئة للإسلام في البلدان الغربيّة والتي تظهر بين الفينة والأخرى، نظير إنتاج فيلم يمسّ بقدسيّة الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟

التيّار المناهض للإسلام موجود، وتبدر منه تصرّفاتٍ مذمومةً جملةً وتفصيلًا، ولا سيّما قيامه بإنتاج الفيلم الذي أساء للنبيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وتسبّب بإثارة جدلٍ كبير. وأؤكّد لكم أنّني رغم تأمّلي العميق حول هذا الموضوع، لم أستطع إقناع نفسي بالمبادرة والبحث في المواقع الإلكترونيّة بغية مشاهدة هذا الفيلم؛ لكنّني تعرّفت إلى مضمونه من بعض طلّابي الذين شاهدوه، فاستنتجت من ذلك أنّه قد صيغ

(282)

شكلٍ غير مهنيّ وسخيفٍ للغاية؛ لذلك فهو من الأفلام الساقطة والعقيمة. وأمّا بالنسبة إلى الذين تصدّوا لإنتاجه، فيُحتمل أنّهم من الأقباط المصريّين المقيمين في الولايات المتّحدة الأميركيّة، وبالتأكيد هناك من حرّضهم ودعمهم على ذلك ممّا جعلهم يتجرّؤون على تحدّي مشاعر المسلمين.

وهنا أحبّ أن أنوّه على أنّ الأقباط في مصر منذ القِدَم تعايشوا مع المسلمين بأمنٍ وسلام، لكن في العصر الحديث وإثر النشاطات الاستعماريّة والحملات التبشيريّة، إضافةً إلى تنامي النزعة التعصّبيّة الراديكاليّة لدى بعض المسلمين، فقد تعرّضت هذه العلاقات الحميمة إلى ضربةٍ أسفرت عن تغيير وجهتها فنشأت خصوماتٌ حادّة. وهذه الأحداث تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ ما حصل في الهند بين السيخ والهندوس الذين كانوا طوال قرونٍ متماديةٍ يعيشون بسلامٍ دونما أيّ خلافٍ يذكر، فالسيخ المقيمون في كندا فعلوا ما فعله الأقباط المصريّون في الولايات المتّحدة الأميركيّة تجاه المسلمين، حيث طغت عليهم النزعة المتطرّفة وروّجوا لخلافاتهم مع الهندوس.

أنا أقصد ممّا ذكرت بأنّ الممثّلَيْنِ الّلذَيْنِ شاركا في الفيلم المشار إليه ليس بإمكانهما وحدهما إنتاج فيلمٍ سينمائيّ؛ لذا لا بدّ من وجود تيّارٍ قويٍّ وفَّر لهما الدعم اللازم وحرّضهما على ذلك؛ كما أوّد أن أنبّه إلى أنّ هذا الفيلم الذي أجّج العالم الإسلاميّ وأثار حفيظته بهذا الشكل، يوصلنا إلى حقيقة أنّ خلفيّة هذا الاستياء العارم كانت ممهّدةً مسبقًا، ويمكنني تشبيه ذلك بالصاعقة المفاجئة التي تؤدّي إلى حدوث حريقٍ في غابةٍ، ففي الغابة تكمن قابليّات الاشتعال قبل نزول الصاعقة، وبالطبع فإنّ الجفاف الذي أصاب الأشجار مهّد بدوره الأرضيّة لهذا الحريق الذي التهم كلّ شيء؛ ولولاه لما حدث ذلك.

يجب علينا الالتفات إلى العلل والأسباب الأساسيّة التي تؤدّي إلى كلّ ما يحدث، ففي العالم الغربيّ لا يوجد شخصٌ يتساءل مع نفسه عن السبب الكامن وراء سخط

(283)

المسلمين على الولايات المتّحدة الأمريكيّة، فالغربيون لا يرغبون بطرح هذا الأمر مطلقًا.

يؤلمني ويؤسفني أنّني أشاهد كيف يتغافل الناس عن العلل والأسباب الأساسيّة التي أسفرت عن حدوث أحداث كهذه، ويكتفون بالتطرّق إلى بيان النتائج المترتّبة عليها وتحليلها لا غير! إنّ هذه الأحداث قد امتزجت مع المشاعر المخيّبة التي تثار بغية الترويج لكراهية الإسلام وبغض المسلمين، وهي بالطبع تثبت لنا أنّ القوى الغربيّة الرامية إلى تحقّق صدام الحضارات ولا سيّما الصراع بين الحضارتين الإسلاميّة والغربيّة قد ترسّخت وزاد نفوذها في العقود الثلاثة الماضية إلى أقصى الدرجات.

خرافة الإسلاموفوبيا

* إذن، بناءً على ما ذكرت يبدو أنّ الأفق بات مشرَّعًا لتنامي النزعة العدائيّة المتبادلة بين الغرب والإسلام، هل ما يبدو صحيحٌ؟

 يؤسفني أنْ أقول: نعم. كما ذكرت آنفًا، فإنّ التيّارات التي تثير العداء والكراهية قد تنامت بشكلٍ كبيرٍ إبّان العقود الثلاثة المنصرمة وأصبحت يومًا بعد يومٍ تطرح وفق ذرائع واستدلالات بغية تبريرها وترسيخها في المجتمعات الغربيّة وسائر المجتمعات غير الإسلاميّة، ولكن لو رجعنا خمسين عامًا إلى الوراء فإنّنا سوف لن نلحظ رواج هذا الأمر بتاتًا.

عندما كنت طالبًا جامعيًّا في الولايات المتّحدة الأميركيّة تصدّيت لمنصب رئاسة الاتّحاد الإسلاميّ لطلّاب جامعة هارفارد، وحينها لم يكن هذا الأمر مطروحًا من الأساس، حيث كان اليهود التقليديّون والمسيحيّون، وحتّى الملحدون، يتعاملون مع المسلمين بمنتهى الأدب والاحترام؛ لذلك فإنّ تأريخ هذه الأحداث المؤسفة التي نشهدها اليوم يضرب بجذوره في الأعوام الأربعين أو الثلاثين الماضية.

للأسف الشديد، فإنّني لا أستطيع أنْ أبسط لكم الموضوع بشكلٍ دقيقٍ ومفصّلٍ

(284)

لبيان جميع الأحداث وتحليلها التي أوصلت البشريّة إلى هذه المرحلة الحرجة، إلّا أنّ الأمر الذي يحظى بأهميّةٍ في هذا الصدد هو تسليط الضوء على ظاهرة مناهضة الإسلام التي سادت في الولايات المتّحدة الأميركيّة والبلدان الأوروبيّة. فإنّها ظاهرةٌ جديرةٌ بالتأمّل ومن الحريّ بنا تحليلها بشكلٍ عقلانيٍّ. والمثير للدهشة أنّ الغربيّين أنفسهم يطلقون عليها عنوان الإسلاموفوبيا[1]، ومصطلح (Phobia) أصله يونانيّ ومعناه الخوف. ولكن يا ترى، الخوف هنا من أيّ شيء؟! إنّ كلّ القنابل والصواريخ الفتّاكة وأحدث الطائرات المدمّرة هي تحت سيطرة القوى الغربيّة، في حين أنّ البلاد الإسلاميّة لا تمتلك معدّات متطوّرة من هذا النمط، فكيف يمكن تصوّر أنّها مرعبة للغرب؟!

ومهما يكن الأمر، فالموضوع الذي ينبغي توكيده هنا هو التفات المسلمين إلى وجود تيّارين متضادّين في العالم الغربيّ، وهما اللذان أشرت إليهما آنفًا، ولا يختلف اثنان في عدم نجاعة مقابلة العداء بالعداء والكراهية بالكراهية. إذ لا أحد يستفيد من هذا التوجّه الخاطئ؛ لذا لا مناصَ من التدبّر في الأمور، والتعامل مع الأحداث بالحكمة والفطنة والحنكة. فالتجربة تثبت أنّ المشاكل لا يمكن حلّها بالبهرجة والصياح.

الأوضاع الراهنة تفرض على المسلمين أكثر من أيّ وقتٍ مضى بأنْ يحتذوا بأسوتهم وقدوتهم الأولى النبيّ الأكرم محمّد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وأنْ يطبّقوا تعاليم الوحي ويجعلوها ملاذًا لهم أمام كلّ حدثٍ يعصف بهم، وأنْ يتعاملوا مع أعدائهم كما تعامل هوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من دون أيّ تطرّفٍ أو تعسّفٍ.

* قلتم: «إنّ التيّار الغربيّ الداعي إلى (صدام الحضارات) لا ينفرد بالسيطرة على فكر الغرب وثقافته، بل هناك تيّارٌ مقابلٌ يدعو إلى

(285)

(حوار الحضارات)». الطريف هنا هو أنّ المجتمع الإيرانيّ على سبيل المثال، عايَشَ نظريّة (صِدام الحضارات) بالتوازي مع الدعوات إلى حوار الحضارات حيث كان لرئيس الجمهوريّة السابق السيّد محمّد خاتمي مساهمةٌ جادّةٌ في هذا المجال. لكنّنا فهمنا ممّا ذكرتم أنّ هذه النظريّة قد طرحت قبل ذلك بكثيرٍ، وتجسّدت في الدعوة إلى السلام والحوار والتعايش السلميّ بين شعوب البشريّة. ما الذي تقولونه في هذا الصدد؟

 أودّ أن أقول بأنّ جذور فكرة حوار الحضارات ترجع إلى عهدٍ أبعد من ذلك. هذا الموضوع فيه تفاصيل طويلةٌ ومتشعّبة؛ لذا لا يمكن ادّعاء أنّه يقتصر على ما طرحه السيّد هانتغتون أو السيّد خاتمي، وسوف أختصر مراحل نشوئه لكم هنا قدر المستطاع راجيًا اتّضاح الصورة.

إبّان القرون الوسطى التي تبلورت فيها الحضارة الغربيّة وبدأت تتّخذ طابعها الحقيقيّ، فإنّ الحضارة الوحيدة التي كان يعرفها الغربيّون هي الحضارة الإسلاميّة. أي إنّ الغربيّين لا يعرفون ما هو غريب عنهم (الغير) على هذا الصعيد سوى الإسلام، ولكنّ العكس ليس صحيحًا، فالغير بالنسبة للمسلمين آنذاك لم يكن الغرب وحده. فنحن بصفتنا مسلمين قد تعرّفنا في تلك الحقبة الزمنيّة على سائر الحضارات، من قبيل الحضارتين الهنديّة والصينيّة، وكذلك الحضارة البوذيّة في آسيا الوسطى، وفيما بعد تعرّفنا على المجتمعات الملايويّة في شرق آسيا.

لو رجعت إلى الوراء نحو ألف سنةٍ وألقيت نظرةً على مدينة أصفهان الإيرانيّة، لوجدت على حدودك اليمنى حضارةً باسم الحضارة الهنديّة، ولا تفصلها عن حضارةٍ أخرى أيّ الحضارة الصينيّة إلّا مسافة يسيرة حسب المعايير الجغرافيّة. ولكنّك لو رجعت في هذه المدة نفسها إلى الوراء ونحن في العاصمة الفرنسيّة

(286)

باريس، لألفيت حضارةً تحيط بك من كلّ الجهات، ألا وهي الحضارة الإسلاميّة لدرجة أنّ أهل باريس حينذاك لم يكونوا يعرفون غير الإسلام حضارةً، فالغرب لم يتمكّن من معرفة هويّته الحقيقيّة إلّا من خلال تقابله مع (الغير) وهذا الغير بطبيعة الحال هو الإسلام والحضارة الإسلاميّة.

لو تدقّق بعض الشيء ستلاحظ أنّ الغرب في تلك الحقبة الزمنيّة قد تأثّر غاية التأثّر بعلوم المسلمين، وعلى رأسها الفلسفة والرياضيّات والفلك والطبّ، وما إلى ذلك من علوم وفنون أثارت دهشة الشعوب الغربيّة في العهود الماضية. هذا التأثّر إضافةً إلى قضايا عديدةٍ أخرى لا يسع المجال لذكرها، كلّها أمورٌ قد أسفرت عن انطلاق حركةٍ في العالم الغربيّ تمّ على إثرها تعرّف المجتمع الغربيّ على هويّته الحقيقيّة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذه الحركة قد طرحت التعريف وفق (الغيريّة)، أي أنّها عرّفت الحضارة الغربيّة بكونها تتغاير مع الحضارة الإسلاميّة. وبعبارةٍ أخرى، فإنّ الحضارة الغربيّة ترى أنّ هويّتها تتجسّد في كلّ ما يتعارض مع الإسلام وتجعل الرؤية السائدة بين الغربيّين تتمحور حول المواجهة بينه وبين المسيحيّة. والغريب أنّه على الرغم من تأثّر الحضارة الغربيّة بالعلوم الإسلاميّة وفنونها، فإنّ الغيريّة بين الإسلام والحضارة الغربيّة في القرون الوسطى لم تكن قادرةً على المساس بالحضارة الإسلاميّة، بل إنّ الغربيّين آنذاك كانوا يكنّون للحضارة الإسلاميّة وعلومها غاية الاحترام والتقدير.

وفي خضمّ هذه الظروف الفكريّة وتجاذباتها، عصفت بالساحة أحداث عرفها العالم تحت عنوان الحروب الصليبية، نجم عنها تنامي (الغيريّة) بين الحضارتين الإسلاميّة والغربيّة. ثمّ تفاقمت الخلافات واحتدمت الصراعات لترسيخ مفهوم هذه الغيريّة؛ وعلى هذا الأساس نجد أنّ الحضارة الغربيّة لم تطرح مبدأ الغيريّة مع الحضارة والفكر الكونفوشيوسييْن. فالفكر الصينيّ أو الهنديّ وكلّ ما يمتّ

(287)

له بصلةٍ من مسائل وقضايا، ليس له أدنى ارتباطٍ لا بضمير المواطن الغربيّ ولا بوعيه خلال مدّة نشوء حضارته. والحاصل أنّ الموضوع برمّته مرتبطٌ بالإسلام لكون المجتمعات الغربيّة كانت عاجزةً عن الارتباط بسائر الأديان التي سادت في الأصقاع غير المتاخمة لها. فالإسلام كان أقرب الأديان والحضارات للعالم الغربيّ، إلا أنّه في الحين ذاته (غير) له، وهو ما حدا بالغربيّين لأنْ يرسّخوا النزعة المعارضة والمناهضة له في ضمائرهم.

* كيف تداعت مثل هذه الغيريّة في ميدان العلاقة بين الغرب والجغرافيا الحضاريّة الإسلاميّة؟

نشأت هذه (الغيريّة) بين الحضارتين الإسلاميّة والغربيّة في مستهلّ القرون الوسطى واستمرّت حتّى عصر النهضة الذي طرأت على إثره تغييرات أساسيّة، ومن جملتها أنّ الإسلام مع كونه غيرًا للغرب لكنّه استمرّ في إطار تحوُّلٍ تجسّدَ في تضاؤل الاحترام الذي كان يكنّه الغربيّون للإسلام وعلومه وحضارته إبّان القرون الوسطى، بل يمكن القول إنّ هذا الاحترام والتقدير قد اندثر إلى حدٍّ ما. وعلى خلاف ما يقوله أصحاب النزعة التجديديّة، فإنّ القرون الوسطى لا يمكن عدّها عهدًا لطغيان الكراهية الغربيّة للإسلام وانتشارها على نطاقٍ واسع، بل إنّ عصر النهضة هو المرتكز في هذا المضمار.

يؤسفني أنْ أقول بأنّ بعض المسلمين القشريّين قد تنصّلوا من سننهم القيّمة بدعوى تصوّرهم أنّ أسلافهم هم الذين أحدثوا النهضة الغربيّة من خلال علومهم وحضارتهم. هذا التصوّر الواهي في الحقيقة لا يتمّ طرحه في إطارٍ صحيحٍ من الأساس، ولا بدّ من اللجوء إلى تبرير آخر، وتناول الموضوع من زاوية أخرى، أي علينا بيان تأثير المسلمين على الغرب من جوانبه الصحيحة التي ذكرها التاريخ، وأثبتتها التجربة وشهد لها المفكّرون.

(288)

بعد عصر النهضة انطلق عهدٌ جديدٌ تمثّل في الاستعمار والفتوحات الغربيّة التي اجتاحت العالم بأسره، فظهرت إثر ذلك النظرة الغربيّة الاستعلائيّة على سائر المجتمعات والحضارات، إذ عدّ المستعمرون أنّ مصطلح (حضارة) مقتصرٌ عليهم لا غير. كأنّ الحضارة كلمة ذات معنى أحاديّ لا نظير له في معاجم التاريخ والمستقبل؛ لكونهم أخضعوا العباد لسلطتهم واستعمروا بلادهم. فالحضارة بمعناها العامّ والخاصّ لا تعني حسب زعمهم إلا الحضارة الغربيّة التي طفت إلى السطح في هذه الفترة الزمنيّة. ومن المؤسف أنّنا اليوم نجد الشرقيّين في مختلف توجّهاتهم الدينيّة والمذهبيّة مسلمين وغير مسلمين قد انصاعوا للنزعة الغربيّة وتأثّروا بما لقّنهم به المستعمرون بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ في شتّى مراحل حياتهم؛ لذلك حينما يريدون الثناء على أخلاق شخصٍ وتقييم طباعه الشخصيّة المحمودة فإنّهم يصفونه بـ(المتحضّر)، وبطبيعة الحال فإنّ المتبادر من ذلك في الأذهان هو أمرٌ واحدٌ لا غير، ألا وهو اتّصافه بالمبادئ التي تطرحها الثقافة الغربيّة من داعي تصوّر أنّها الحضارة الوحيدة في الوجود.

لو راجعنا النصوص التاريخيّة التي دوّنت باللغتين العربيّة والفارسيّة قبل سبعة قرونٍ، سوف لا نجد مصطلحًا يدلّ على التحضّر بهذا المعنى الذي ساد اليوم في مجتمعاتنا؛ لذا ينبغي لنا إدراك أنّ هذا المعنى قد طفا إلى السطح جرّاء التغييرات الجذريّة التي عصفت بالفكر الأوروبيّ، وبالأخصّ في عهد الحداثة الفكريّة في المجتمع الفرنسيّ، حيث تنامى وصقل بشكلٍ كبيرٍ.

 

 

 

(289)

حضارة إلغاء الغير

* الحضارة هي الحضارة في واقع الحال، لكن ما الذي قصده الفرنسيّون من كلمة (Civilisation) بالتحدِّيد؟

كلمة حضارة باللغة الفرنسيّة هي (Civilisation) وباللغة العربيّة أضيفت إليها (ال) التعريف لكي تُخصّص في معنى معيّن. ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الفرنسيّين يقصدون بهذه الكلمة الحضارة الغربيّة فقط، ويقولون (La Civilisation)، وكذا هو الحال في سائر البلدان الأوروبيّة التي يتصوّر أهلها أنّ التحضّر في معناه الحقيقي لا يتحقّق إلا في إطار حضارتهم هذه.

 أمّا ما قصده الفرنسيّون في هذا الإطار فهو أنّ جميع الحضارات ـ وبما فيها الحضارتان الإيرانيّة والإسلاميّة، هي أنماطٌ أوّليّةٌ وتمهيديّةٌ للحضارة بمعناها الحقيقيّ، ومن ثَمَّ تصوّروا أنّ الحضارة الغربيّة بعد أنْ تجلّت في إطارها المتكامل الذي لا نقص فيه تمكّنت من صهر جميع الحضارات في بوتقتها، بل تفوّقت عليها لتصبح هي الأصيلة دون غيرها. إنّ هذا التصوّر الشامل المطلق حول الحضارة الغربيّة قد ظهر في القرن الثامن عشر وتجلّى بشكلٍ كبيرٍ في المجتمع الفرنسيّ، وللأسف الشديد عندما نصف إنسانًا بأنّه (متحضّر) فحسب الأعراف السائدة اليوم نقصد من ذلك التحضّر الغربيّ الذي يفوق ما سواه من ثقافات وحضارات كما ذكرت سابقًا.

طبعًا، كلّنا نعلم أنّ القرن الثامن عشر شهد حملاتٍ استعماريّةً واسعةً، وأصبح نصف العالم فيه تقريبًا تحت هيمنة الغربيّين ممّا رسّخ في أنفسهم نزعة الكبرياء والتعالي على سائر الشعوب إلى أقصى الدرجات، فاعتقدوا أنّ حضارتهم قد بلغت درجة الكمال المطلق، ولكن شيئًا فشيئًا وبحلول القرن التاسع عشر انعطفت الأنظار إلى سائر الحضارات. على سبيل المثال، تمّت ترجمة نصوصنا العرفانيّة إلى اللغة

(290)

الإنجليزيّة وأبدى الفيلسوف الألمانيّ (فولفجانج جوته) إعجابه بشاعرنا حافظ الشيرازيّ لدرجة أنّه اختار عناوين من مصطلحات الأدب الفارسيّ لفصول ديوانه الغربيّ الشرقيّ.

وبمرور الزمان طرأت تغييراتٌ على هذه النظرة المطلقة للحضارة الغربيّة وفي القرن العشرين قام الغربيّون أنفسهم بتعديلها، فبعد الحرب العالميّة الثانية بالتحدِّيد، تمّ تأسيس العديد من المعاهد والمؤسّسات التي تُعنَى بالعلوم الدينيّة ومعارفها، ومن ثمّ قام الباحثون بإجراء دراساتٍ مفصّلةٍ حول الأديان والمذاهب الآسيويّة والأفريقيّة؛ حيث بُذلت مساعٍ حثيثةٌ بهدف الحفاظ على أصالة حضارات مختلف الشعوب ودياناتهم وتحقيق التقارب فيما بينها. لكنّ الساحة شهدت أحداثًا مؤسفةً أوقفت هذه الجهود وبدّدتها، بما في ذلك احتلال فلسطين وحرب الجزائر، فضلًا عن سائر الأحداث التي عصفت بالعالم، ومن أبرزها: استقلال البلدان الإسلاميّة من سلطة الاستعمار الغربيّ وانتصار الثورة الإسلاميّة في إيران. ذلك أنّ العالم الغربيّ لم يكن يتوقّع أبدًا ظهور نظامٍ إسلاميّ في إيران عام 1979 بحيث يتمكّن من الوقوف في وجهه بكلّ صلابةٍ. هذه الثورة كانت منطلقًا لظهور حركاتٍ عديدةٍ في الغرب كان هدفها إحياء الكراهية للإسلام، تلك التي كانت سائدة في القرون الوسطى وفي عصر النهضة. ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الكراهية لم تقتصر على الجانب الدينيّ فقط، فالدين أصبح هشًّا في الغرب، والمؤسّسات الدينيّة لم تعد سوى رماد في جوّ عاصف؛ إذ إنّ الكنائس الكاثوليكيّة لم تتفاعل بشكلٍ ملحوظٍ مع هذه الحركات المناهضة للدين إلّا في موارد خاصّة، لكنّ معظم الكنائس البروتستانتيّة ما عدا الكنائس الراديكاليّة خاضت في غمار هذا الصراع المرير وانخرطت في أمواجه المتلاطمة؛ لذا فإنّ معظم المسيحيّين المتدينيّين كانوا بصدد التقرّب للإسلام وليس التصدّي له.

 

(291)

* كيف تشرحون لنا هذه النقطة بالذات. أي تقرُّب المسيحيّين المتديّنين من الإسلام؟

إنّ فكرة التقريب بين الأديان تُعدّ أمرًا منطقيًّا لدى كلّ من يريد الخير للبشريّة؛ لأنّ الدين متجذّر في صميم الحضارات. قبل أكثر من خمسين عامًا وحينما كنت طالبًا أدرس الدكتوراه في جامعة هارفرد الأميركية، ومنذ أنْ حاضرت في مؤتمر التقريب بين الأديان الذي عُقد في المغرب عام 1957م وإلى يومنا هذا، شاركت في كثيرٍ من المؤتمرات والندوات التي تناولت أطراف البحث والتحليل حول الفلسفة والأديان؛ إذ ألقيت فيها خطاباتٍ عديدةً وما زلت أزاول هذه النشاطات وسأواصل ذلك، طوال هذه المدّة كانت تنتابني الرغبة في التقريب بين الأديان؛ ذلك لأنّ هذا الأمر مهمٌ للغاية؛ لكون التقريب بين الحضارات مرهونٌ بالتقريب بين الأديان. خلال تجربتي الطويلة أدركت أنّ النزعة التي سادت بين الشعوب الغربيّة إبّان العقود الثلاثة الماضية بغية تأجيج الخلافات وترويج الضغينة بين الإسلام والغرب، لم تتمكّن من محو الرغبة التي تكتنف أذهان كثيرين في التقريب، وتحقيق فهمٍ مشتركٍ بين الأديان والحضارات. أذكر هنا مثالًا واحدًا لكي تتّضح الصورة بشكل أفضل، إنّ كلّ هذه الدعايات المعادية للإسلام والمساعي المشبوهة لترويج فكرة الإسلاموفوبيا لم تكن ناجعةً بوجه، بل تمخّضت عن نتائج معكوسة؛ لكوننا نشهد اليوم تنامي نزعة الباحثين والطلّاب في مختلف المعاهد والجامعات ومراكز البحث العلميّ نحو دراسة الأديان وتحليلها غير الديانتين اليهوديّة والمسيحيّة، حيث سلّطت الضوء على الدراسات الإسلاميّة بشكلٍ ملحوظٍ. كثيرٌ من المراكز الجامعيّة الوازنة في الولايات المتّحدة الأميركيّة تولي أهمّيّةً كبيرةً لدراسة الأديان، وأمّا الجامعات التي فيها كلّيّات خاصّة بالأديان، فالجميع يشهد بأنّ الأقسام المتخصّصة بالدراسات الإسلاميّة هي الأكثر نشاطًا ورونقًا من غيرها، لدرجة أنّ الميزانيّة الماليّة للعديد من الأقسام الأخرى في الجامعات الأمريكيّة يتمّ

(292)

توفيرها اعتمادًا على قسم الدراسات الإسلاميّة؛ لأنّ الطلاب يفضّلون هذه الدراسات إلى حدٍّ كبير،ٍ كما أنّهم يتمتّعون باستقلالٍ في كثيرٍ من المراكز العلميّة.

لذا تحظى الدراسات الإسلاميّة اليوم بأهمّيّةٍ كبيرةٍ في العالم الغربيّ وتتمّ متابعتها بغاية الجدّيّة، وحينما تطرأ أحداثٌ مناهضةٌ للإسلام من قبيل إنتاج فلمٍ سينمائيّ يسيء للنبيّ الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا ينبغي لها أنْ تجعلنا نتجاهل وجود آخرين في الغرب ممّن لديهم نيّةٌ حسنة؛ لكونهم سخّروا عشرات الأعوام من عمرهم لتعزيز أواصر الصلة والتلاحم بين الأديان وعلى رأسها الإسلام، حيث تمكّن بعضهم من تمهيد الأرضيّة المناسبة للحوار بين مختلف الحضارات. وبالطبع حتّى لو كانت هناك رؤيةٌ عدائيّةٌ للإسلام لدى كثيرٍ من المستشرقين، فهي ما زالت مترسّخةً لدى بعضهم إلى عصرنا الراهن، وتتجلّى في كلّ آونةٍ بمظهرٍ جديدٍ، وعلى هذا الأساس لا بدّ من دراسة آراء السيّد صاموئيل هانتغتون والسيّد محمّد خاتمي في هذا الإطار وتحليلها.

مخاطر الاستيلاء المعرفيّ

* لا شكّ في أنّ كثيرًا من مسلمي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعتقدون بأنّه ليس من الممكن إقحام دينهم ومذاهبهم وحضارتهم في الحوار مع الحضارة الغربيّة؛ لأنّ هذا الأمر يعدّ لدى كثيرٍ من النخب بمنزلة الخطوة الأولى لصهر الحضارة الإسلاميّة في هذه الحضارة، الأمر الذي يترتّب عليه استيلاء الغربيّين على العالم الإسلاميّ معرفيًّا. فما هو رأيكم؟

 إنّنا ندرك هذا الأمر إلى حدٍّ ما، وهو طبعًا بحاجةٍ إلى دقّةٍ وتأمّلٍ، ولكنّني لا أؤيّده بالكامل؛ إذ قال الله تعالى في كتابه المجيد: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[1]، وكما هو ظاهر الآية

 

[1]. آل عمران: 159.

(293)

المباركة، فالمراد هنا ـ طبعًا ـ معظم القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة للمسلمين، لكن على أيّ حالٍ فإنّ كلّ قضيّةٍ ومسألةٍ في الحقيقة تقتضي منّا إجراء مشاوراتٍ وحوارٍ مع الآخرين كي نصل إلى أفضل الحلول، وبكلّ تأكيد فإنّ الاستشارة لا تعني الحوار نفسه، فهما أمران متمايزان لكنّهما مرتبطان ببعضهما ارتباطًا وثيقًا.

هناك إشاراتٌ ودلالاتٌ كثيرةٌ في القرآن الكريم والأحاديث حول محادثة الآخرين ومحاورتهم، ناهيك عن أنّ حضارتنا تدعو دائمًا إلى الحوار مع سائر الملل والنحل والتعامل معهم مهما تعدَّدت مشاربها المذهبيّة واختلفت. ففي العهد الأمويّ ـ على سبيل المثال ـ كان نصارى الشام على احتكاكٍ مباشرٍ مع المسلمين، وكانت لهم نقاشاتٌ وحواراتٌ ومناظراتٌ متواصلةٌ قد يصل بعضها إلى حدّ الجدل المحتدم والتشكيك بالمعتقدات والتعاليم الإسلاميّة، لكنّ المسلمين كانوا ذوي سعة صدرٍ ونضوجٍ فكريّ، بنحوٍ لم ينتبهم الانفعال، ولم يكن من شأن هذه الأمور أنْ تثير حفيظتهم؛ لكونها مجرّد نزاعاتٍ لفظيّةٍ ولقلقة لسان؛ لذلك نجد أنّهم لم يتّبعوا سبيل العنف والخشونة بحيث يحكمون بقطع رؤوس النصارى رغم قدرتهم على ذلك؛ لأنّ هذه الأفعال الشنيعة لا تمتّ إلى الإسلام بأدنى صلةٍ لا من قريبٍ ولا من بعيد، بل كانوا يبحثون عن أجوبةٍ منطقيّةٍ تدحض ما يطرحه الطرف الآخر. ففي تلك الآونة دوّن (يوحنّا الدمشقيّ) كتابًا تعرّض فيه للإسلام وهو مقيم في مدينة دمشق، وقد كان المسلمون قادرين على قطع رأسه بكلّ يسر وسهولة دونَما خشية من أيّ عواقب سياسيّة أو اجتماعيّة، لكنّ ذلك لم يحدث؛ لأنّ الباب كان مشرّعًا على مصراعيه للحوار وتبادل الآراء، وهذا الأمر لم يتسبّب في إضعاف الإسلام بتاتًا، بل كان له تأثيرٌ إيجابيٌّ عليه لدرجة أنّه أدّى إلى ظهور بعض العلوم الإسلاميّة وانتعاش بعضها الآخر، كعلم الكلام.

القرون الأولى في العصر الإسلاميّ هي في الواقع مثال حيٌّ للعصر الذهبيّ في

(294)

الحضارة الإسلاميّة، حيث ظهر علماء ومفكّرون وفقهاء ومتخصّصون على مختلف الأصعدة، كابن سينا والبيرونيّ، كما انطلقت حملةٌ واسعةٌ للحوار بينهم وبين سائر علماء ومفكّري الأديان والأمم الأخرى؛ ممّا أثّر بشكلٍ ملحوظٍ على تنامي العلوم الإسلاميّة ولا سيّما العلوم الفلسفيّة. هذه النقاشات والحوارات كانت تجري في رحاب الخيمة الإسلاميّة بين مختلف المذاهب والفرق التي انشعبت عن الإسلام بمرور الزمان، فانتعشت البحوث الفلسفيّة واتّخذت طابعًا جديدًا وعمّت الفائدة، ومن ثمّ اتّسعت رقعة هذه البحوث العلميّة لتخرج عن نطاق خيمة المسلمين لتتحوّل إلى حوارٍ بين الإسلام والأديان الأخرى، فتمّت طباعة كتب ورسائل كثيرة في هذا الصدد لتصبح فيما بعد مصادر علميّةً لدى غير المسلمين أيضًا، فشاعت بين اليهود والنصارى. كما تمّ تأليف العديد من الكتب في هذه المدّة حول مختلف الملل والنحل، ككتابي البغداديّ والشهرستانيّ، وكذلك التحقيق الذي دوّنه أبو ريحان البيرونيّ حول الهند، تحت عنوان تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة.

في العصر الذهبيّ للحضارة الإسلاميّة، كان الحوار مع أتباع الأديان الأخرى متعارفًا بين علمائنا، ففي العهد الصفويّ كتب بعض القساوسة النصارى مواضيع تثير الشكوك والترديد حول مصداقيّة الشريعة الإسلاميّة، ومن ثمّ أرسلوها إلى مدينة أصفهان عن طريق الهند، فتصدّى السيّد أحمد العلويّ تلميذ العالم الشهير (ميرداماد) للردّ عليها ونقض ما ورد فيها ضمن كتاب خاصّ دوّنه في هذا الصدد. ونحن بصفتنا من أتباع مذهب أهل البيت عليهم‌السلام فمن الضروري لنا عدم الغفلة عن تاريخنا الزاهي بالحوار مع أتباع سائر الأديان والمذاهب والتعامل معهم، فالتاريخ ينقل لنا كيف أنّ أئمّتنا المعصومين عليهم‌السلام كانوا يجالسونهم ويتناولون معهم أطراف الحديث حول مختلف المواضيع العلميّة والدينيّة.

(295)

* كتاب السيّد أحمد العلويّ الذي أشرتم إليه، هو على الأرجح من كتب الردود على المعتقدات غير الإسلاميّة؛ لذا لا يمكن عدّه ضمن مصادر الحوار مع الآخرين. ألا تعتقدون ذلك؟

 نعم، إنّه من كتب الردود لكنّه يرتكز على أُسسٍ منطقيّة، ويطرح المؤلّف فيه الحوار كمبدأ معتبر، وبعبارةٍ أخرى فهو يستند على الحوار العلميّ، والتبادل الفكريّ دون أنْ نستشفّ فيه أيّ أثرٍ للمزاعم والمدّعيات الواهية، ناهيك عن خلوّه من التعرّض للآخرين بشكل يتنافى مع أصول البحث العلميّ. ما أريد أنْ أنوّه به هنا هو أنّ تاريخنا الحضاريّ بصفتنا مسلمين كان يرتكز على الحوار الذي هو الأساس والمرتكز لمفكّرينا وعلمائنا بنحو بات أمرًا متعارفًا ومستساغًا بينهم.

وكما أعلم، فإنّ الذين يعيشون خارج نطاق العالم الغربيّ يكتنفهم إحساسٌ مترسّخٌ في أنفسهم، بأنّ الحوار المطروح في الغرب اليوم، والذي يدعونا للانخراط فيه، يبدو وكأنّه حوارٌ مخادع يكيد للمسلمين كي يقعوا في حبائله، ويخسروا النقاش لصالح دعاة التغرّب والحداثة. لكنّ الواقع خلاف هذا التصوّر تمامًا؛ إذ لو تجرّد الإنسان من عقدة الشعور بالنقص وتمسّك بالأصول والقيم التي يؤمن بها، وشمّر عن ساعديه للدفاع عن حضارته وثقافته بثقة وطمأنينة، سوف لا ينتابه أيّ قلقٍ أو اضطراب، ومن ثَمّ فإنّه لا يمكن أنْ يشعر بالخشية من الحوار مع روّاد الحضارات الأخرى والدعاة إليها، وبكلّ تأكيد سوف لا يعارض ذلك مطلقًا. بطبيعة الحال، لو كان هذا الحوار منْبنيًا على قواعد عقليّة معتبرة عارية عن النزعات الشخصيّة والفئويّة، فلا ينبغي للمسلمين ـ أبدًا ـ الخشية منه؛ لثقتهم بتعاليمهم وأهدافهم السامية، وغاية ما في الأمر أنّهم لو وصلوا إلى طريق مسدود مع الطرف الآخر وعجزوا عن إقناعه بما لديهم من مفاهيم يعتقدون بصحّتها ورجحانها على غيرها،

(296)

عليهم حينئذٍ تلاوة قوله عزّ وجلّ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين،[1] ومن ثمّ ينسحبون من الحوار ليقينهم بعدم نجاعته حينئذٍ.

لقد سخّرت حياتي للحوار بين الأديان، وباعتقادي أنّ القرآن الكريم ينصحنا بالحوار؛ لذا من الحريّ بنا مدّ جسور هذا النمط من الانفتاح الفكريّ مع الحضارة الغربيّة، وأنا على ثقةٍ بأنّنا لا يمكن أن نُقهر أمامها، بل الأمر على العكس من ذلك تمامًا؛ فنحن من خلال ذلك سنكون قادرين على معرفتها خير معرفة، ومن ثمّ سنتمكّن من طرح نقدنا حولها وفق أُسسٍ واقعيّةٍ ومعتبرةٍ ممّا يزيد الثقة في أنفسنا بديننا وحضارتنا الإسلاميّة.

خمس رؤى غربيّة

* قبل اثني عشر عامًا كتبتم مقالةً تطرّقتم فيها إلى هواجس الخشية من استشراء ثقافة العولمة لدى كثيرٍ من الهندوس والبوذيّين والهنود الحمر، وأتباع سائر الأديان. يومها ذكرتم أنّهم يبرّرون عدم رغبتهم بالمشاركة في الحوار العالميّ الشامل بخشية انصهار هويّتهم في الهويّة العالميّة الموحّدة التي يقودها الغرب اليوم، وبعد مضيّ هذه المدّة هل ترون أنّ للحضارة الغربيّة التي تعدّ الأوسع نطاقًا في العالم، إرادة جادّة لترسيخ أواصر الحوار مع الحضارات الأخرى؟ أم أنّ الحقيقة غير ذلك؟

 قبل أنْ أجيب عن هذا السؤال، أودّ أنْ أكمل كلامي الذي ذكرته قبل اثني عشر عامًا، بالقول: إنّ الحضارة ليست شخصيّةً فرديّةً لها صفاتٌ محدودةٌ في إطار ضيّق، بل إنّها مؤلّفةٌ من مكوّنات فرديّةٍ كثيرةٍ ومعتقداتٍ متنوّعةٍ لا يمكن صياغتها في نطاقٍ معيّنٍ. غاية ما في الأمر هو وجود رؤيةٍ شموليّةٍ موحّدةٍ تسود

(297)

جميع هذه المكوّنات والمعتقدات، ويحكمها نظامٌ فلسفيٌّ ذو أُسسٍ شموليّةٍ عامّة. وبعبارةٍ أخرى، فإنّ جميع الأفراد الذين ينضوون تحت مظلّة حضارةٍ ما، لا بدّ أن تكون لديهم رؤيةٌ شموليّةٌ موحّدة؛ وما لم يمتلك جميعهم هذه النظرة فعلى أقلّ تقدير فإنّ غالبيّتهم العظمى يتّصفون بها، وهذه الرؤية في الواقع هي حلقة وصلٍ تربط بينهم جميعًا أو تربط بين معظمهم، لكن بطبيعة الحال وكما هو متعارفٌ في كلّ مجال، فلا بدّ وأن تُطرح نظريّاتٌ مختلفةٌ على هذا الصعيد وضمن إطار الحضارة الموحَّدة التي تجمع أبناءها تحت مظلّةٍ واحدة. ومن هذا المنطلق، فالأصول المنطقيّة والعقليّة تقتضي تقسيم الرؤى حول الحوار بين الحضارات من وجهة نظرٍ غربيّةٍ عدّةَ أصناف، كما يلي:

الصنف الأوّل: الغربيّون الذين يعتقدون باضمحلال مستقبلهم الحضاريّ ويبحثون عن هويّةٍ حضاريّةٍ جديدةٍ يجدون فيها معنى الحياة وأصول الحقيقة، وهذا الأمر ـ حسب اعتقادهم ـ يجدونه في الحضارات الأخرى؛ وعلى هذا الأساس نجد النزعة إلى الأديان الأخرى سائدةً اليوم بين المواطنين الغربيّين في مختلف البلدان، حيث يعتنقون الإسلام أو يسلكون مسلكًا بوذيًّا أو ينخرطون ضمن مختلف الفرق والمذاهب الشرقيّة الأخرى كالهندوسيّة. وما هو مشهود اليوم في الولايات المتّحدة الأميركيّة هو أنّ عددًا كبيرًا من النساء البيض اللواتي ينحدرن من أصولٍ أوروبيّةٍ يخترن الإسلام دينًا، وهذا الأمر ـ بكلّ تأكيد ـ جديرٌ بالاهتمام وليس من الصحيح الغفلة عنه بوجهٍ.

الصنف الثاني: الغربيّون الذين يحترمون الحضارات الأخرى لكنّهم لا يرغبون بالإعراض عن الحضارة الغربيّة، فهؤلاء يحاولون إيجاد أواصر صداقةٍ وتفاهمٍ بين حضارتهم وسائر الحضارات. إنّهم اليهود والمسيحيّون، ومعظمهم مثقّفون أو أعضاء في إدارة شؤون الكنائس بمختلف مشاربها الفكريّة والعقائديّة.

(298)

الصنف الثالث: الغربيّون الذين يدعون إلى تنزيل الحوار في حيّز التطبيق وإجرائه في إطارٍ عمليّ كي تلتقي الحضارات مع بعضها. إذ إنّهم يعتقدون بضرورة تبادل مختلف الرؤى الحضاريّة؛ لكونه أمرًا لا محيص منه. على الرغم من أنّ هؤلاء لا يبدون رغبتهم وميلهم إلى الحضارات الصينيّة واليابانيّة والهنديّة والإسلاميّة، لكنّهم على اعتقادٍ بعدم إمكانيّة العيش في منأى عنها؛ نظرًا لما تفرضه الظروف السياسيّة والاجتماعيّة التي تطغى على العالم المعاصر، وعلى هذا الأساس لا يجدون بدًّا من الحوار معها.

الصنف الرابع: الغربيّون الذين ليست لديهم أيّة رغبةٍ بمدّ جسور الترابط مع أيّة حضارةٍ أخرى، وهم متشدّدون للغاية بحيث إنّهم يكنّون العداء والضغينة لسائر الحضارات لدواعٍ وأسبابٍ شتّى. وللأسف فإنّ هؤلاء يتزايدون يومًا بعد يوم بشكلٍ متسارعٍ ويحاولون تسخير الحوار كذريعة للاستيلاء على العالم غير الغربيّ.

الصنف الخامس: الأصوليّون أصحاب النزعة الراديكاليّة المتطرّفة، وهم من الذين يعارضون الحضارات الأخرى، ويرفضونها جملةً وتفصيلًا لدرجة أنّهم لا يرتضون بالحوار أو التفاهم معها مهما كلّف الأمر، ومن ثَمّ يريدون الانفراد بالعالم لأنفسهم لا غير.

إذن، نستنتج ممّا ذكر في التقسيم أعلاه وجود رؤى مختلفةٍ ومتباينةٍ في العالم الغربيّ حول قضيّة الحوار بين الحضارات؛ لذلك لا يمكن البتّ ـ بضرسٍ قاطع ـ بما يكتنف الحضارة الغربيّة من هواجس للتعامل مع الحضارات الأخرى وكيف ستنزّل الحوار أو الصراع حيّز التنفيذ ولا يمكن التنبّؤ بالطريقة الحتمية التي تتّبعها في التعامل مع سائر الحضارات. إنّ هذه الحضارة بمنزلة عربةٍ تجرّها عدّة خيولٍ، ولكنّها لا تمتلك وجهةً واحدة، فكلّ حصانٍ يحاول السير نحو اتّجاه يختلف عن مسير رفيقه، والواقع هو وجود رؤيةٍ شموليّةٍ تطغى على الحضارة الغربيّة المعاصرة لكنّها على مشارف الاضمحلال والزوال.

(299)

* ورد في كلامكم أنّ أحد أنواع الحوار هو ما كان يتمحور حول ما تبقّى من الحضارات التقليديّة، وهذا الأمر ـ في الحقيقة ـ هو الذي سخّرتم حياتكم لأجله؛ ولكن ما شأن عبارة (ما تبقّى من الحضارات التقليديّة) التي ذكرتموها.. هل تعني عدم وجود حضارةٍ سلمت من التغيير وبقيت خالصةً كما كان عليه السلف من أبنائها؟

 بكلّ تأكيد هناك أمرٌ بديهيّ لا خلاف فيه، ألا وهو عدم وجود أيّ حضارةٍ تقليديّةٍ خالصةٍ من كلّ تغييرٍ أو تحويل، فحتّى الحضارة الغربيّة المعاصرة لا يمكن عدّها حضارةً موحّدةً بالكامل، وليس لأحد الحقّ بادّعاء أنّه لا شائبة عليها.

* إذا سلّمنا بعدم وجود حضارةٍ سليمةٍ من التحريف وخالصةٍ من الشوائب بالكامل، فمن أيّ نقطة انطلاقٍ يجدر بنا الشروع بالحوار مع الحضارة الغربيّة؟

 الحضارة الغربيّة المعاصرة، تُعدُّ ـ في واقع الحال ـ امتدادًا للحضارة المسيحيّة التقليديّة، لكنّها انحرفت عنها، وطرأت عليها تغييراتٌ بعد أن مرّت بعدّة حقبٍ زمنيّة، أهمّها: عصر النهضة، وحقبة الإصلاح الدينيّ، وعهد الانفتاح الفكري والثقافيّ، حتّى وصلت إلى عصرنا الراهن الذي طغت عليه النزعة إلى التساؤلات حول المجاهيل والتوجّهات المادّيّة والدنيويّة والعلمانيّة.

لقد تطرّقت دائمًا في كتاباتي وخطاباتي إلى الفترة المعاصرة من الحضارة الغربيّة، واستخدمت أساليب عديدة في بيان مرادي، وأحيانًا لجأت إلى الأسلوب الساخر الكنائيّ، لأثبت أنّ عالمنا المعاصر يشهد أكبر موجةٍ لتصدير الفكر الأوروبيّ الإلحاديّ إلى مختلف أصقاع العالم. الحضارة الغربيّة الحاليّة همّشت تراث الحضارة السالفة، ثمّ ذهبت أبعد من ذلك، لدرجة أنّها ألقت بظلالها على سائر الحضارات غير الغربيّة وبسطت نفوذها على مجتمعاتها، فالصين على سبيل المثال بلدٌ يمتلك حضارةً تقليديّةً

(300)

لكنّها فيما بعد انحرفت عن جذورها التاريخيّة واتّبعت نزعةً ماركسيّة. كذلك الحضارة الهنديّة، فعلى الرغم من كونها ذات تاريخٍ عريقٍ لكنّها تأثّرت إلى حدٍّ كبيرٍ بالتجديد الفكريّ الذي اكتنفها إبّان الاستعمار البريطانيّ وافتقدت جانبًا من تراثها الأصيل. إضافةً إلى ذلك فإنّ الحضارة اليابانيّة هي الأخرى لم تسلم من هذه التغييرات المعاصرة، وكذا هو الحال بالنسبة إلى المجتمعات الإسلاميّة بمختلف مشاربها، إذ لم تسلم من تيّارات التجدّد والحداثة.

نحن اليوم نعيش في القرن الحادي والعشرين، ونلاحظ بشكلٍ جليّ أنّ الحضارات التقليديّة العظمى قد أدركت أنّ أصولها المعنويّة أصبحت تحت مطرقة الحداثة وسندان التجديد؛ لذا بدأت المجتمعات بالتصدّي للحضارة الغربيّة حفاظًا على أصالتها وصيانةً لأصولها المعنويّة التي لا يمكنها التخلّي عنها بسهولة؛ لكنّها رغم ذلك فقدت صبغتها السابقة وكمالها الذي كانت تتمتّع به في حقبةٍ زمنيةٍ ما. مثلًا، لو زرتم مدينةً إسلاميّةً ـ كالقاهرة مثلًا ـ في المدّة التي انطلقت فيها النهضة الأوروبيّة الغربيّة، لألفيتم الطابع الإسلاميّ حاكمًا على المجتمع هناك في جميع نواحي الحياة الاجتماعيّة والفكريّة، وسوف تجدون الفكر إسلاميًّا والعلوم كذلك إسلاميّةً، ناهيك عن الفنون المعماريّة والفنّيّة والآداب والموسيقى وحتّى نمط الملبس والمأكل، فكلّ هذه المقولات الاجتماعيّة لم تفتقد صبغتها الدينيّة الإسلاميّة الأصيلة حتّى تلك الآونة؛ لكنّك لو ذهبت اليوم إلى هذه المدينة الإسلاميّة قد تشاهد مساجد جميلةً ذات فنٍّ معماريّ إسلاميّ، وبالطبع فإنّك تسمع الأذان يرفع فيها دون انقطاع، إلا أنّك لا تجد هذا الفنّ المعماريّ الأصيل في سائر نواحي المدينة ومبانيها وشوارعها، ناهيك عن تغيّر نمط الثياب والمأكل. والأدهى من ذلك تغيّر التوجّهات الفكريّة والنزعات الاجتماعيّة الأخرى وتأثّرها إلى حدٍّ كبيرٍ بالفكر الأوروبيّ ونمط الحياة الغربيّة المعاصرة.

(301)

هذا مثال، ولكن لو أردنا الحديث عن الصين، فالحديث ذو شجونٍ ويفوق ما هو عليه في البلاد الإسلاميّة كمدينة القاهرة وغيرها. فقد اختار الشعب الصينيّ أسوأ أشكال الحكومات العلمانيّة المناهضة للدين وللتقاليد الأصليّة والمرتكزة على النزعة الغربيّة المادّيّة البحتة وابتعد عن حضارته وثقافته الموروثة. إضافةً إلى ذلك، هناك بعض الحضارات التقليديّة الكبيرة بقيت راسخةً حتّى القرن التاسع عشر ولم تتنصّل عن مبادئها ومتبنّياتها الفكريّة الأصيلة، لكنّها بمرور الزمان شهدت تغييراتٍ جذريّةً وطغت عليها صبغة الحداثة لدرجة أنّها فقدت كلّ ما لديها ولم يبقَ لديها ما تحتفظ به من تراثٍ أصيل.

إنّ هذا الأمر لا يمكن تسريته ـ بكلّ تأكيد ـ على جميع الحضارات التقليديّة، فهناك حضارات تمكّنت من الحفاظ على كيانها إلى حدٍّ كبيرٍ ولم تنصهر في قلب الحضارة الغربيّة المعاصرة، كالحضارتين الإسلاميّة والهنديّة؛ لكونهما تمتلكان رؤيةً شموليّةً قويمةً ولم تتخلّيا عن مبادئهما الدينيّة، والدليل على ذلك أنّنا نلاحظ حضور أعدادٍ هائلةٍ من أتباعهما في بعض الطقوس التقليديّة وهم يجتمعون حول بعضهم في مكانٍ واحدٍ لتأدية أحد الواجبات الدينيّة، في حين أنّ التمسّك بالمعتقدات الدينيّة في الحضارتين الصينيّة واليابانيّة على الخلاف من ذلك تمامًا، إذ لم يعد له وجودٌ، وأصبح هشًّا غاية الهشاشة ومضمحلًا في بعض الأحوال؛ لكنّ الميزة التي اختصّت بها الحضارة اليابانيّة تفوّقت فيها على الحضارتين المشار إليهما، هي أنّها حافظت على فنونها التقليديّة وتراثها الشعبيّ.

* إذا كانت الحضارات التقليديّة قد فقدت كمالها وخلوصها، كيف لها إذن، أن تنظّم حوارًا غير متكافئ مع الحضارة الغربيّة المعاصرة؟

 في الجواب عن هذا السؤال أكثر من ملاحظة:

أوّلًا: الجانب المعنويّ والتقليديّ للحضارات يجب أنْ يكون أساسًا لتحقيق أيّ اتّفاقٍ في أثناء الحوار بين الحضارات.

(302)

ثانيًا: بعض القضايا والأزمات الإنسانيّة، كالمشاكل التي تعاني منها البيئة والأزمات النفسيّة والسعي وراء المناصب، هي في الحقيقة معضلاتٌ تعاني منها جميع الحضارات في عصرنا الراهن؛ لذا فهي في الحقيقة محاورٌ يمكن الاعتماد عليها كمنطلقٍ للحوار بين الحضارات. من المؤكّد أنّ هذه المشاكل والأزمات ناشئةٌ من تجاهل الأصول التقليديّة والمعنويّة التي يزخر بها التراث الحضاريّ.

ثالثًا: إنّ حوار حضارةٍ عقلانيّةٍ تعتمد المنطق والقواعد الإنسانيّة مع الحضارة التي تريد أنْ تفرض نفسها على العالم بالقسر والتهديد، لا فائدة منه مطلقًا؛ لأنّ الحوار لا بدّ أن يرتكز على أساس الاحترام المتبادل، وقبول الرأي الآخر، دونّما أيّ تعصّبٍ أو تطرّف.

* قدّمتم قبل سنواتٍ مقترحًا نظريًّا حول التعاون بين الحضارات. ماذا تقصدون بذلك؟ وما العلاقة بين نظريّتكم هذه ونظريّة حوار الحضارات؟

 لو أنّ الحضارات كانت في غنًى عن بعضها البعض، فالتعاون هو الآخر سوف لا يكون له معنى حينئذٍ. كلمة (تعاون) هي على وزن (تفاعل)، وهذه التفعيلة الصرفيّة تدلّ بذاتها على تحقّق المعنى بوساطة طرفين على هيئة تعاونٍ وتفاعلٍ مشترك. مثلًا، لو أنّك أردت العزف على آلة (الكمان) وحدها فلست بحاجةٍ إلى مساعدة الآخرين، وبإمكانك عزف اللحن الذي تريده وحدك، لكنّك حينما تريد العزف عليها ضمن الجوقة الموسيقيّة فلا بدّ لك من التمرّن ضمن المجموعة بأكملها والتعاون مع سائر العازفين، لكي يتحقّق اللحن المراد. بالرغم من وجود مسائل وقضايا تختصّ بها كلّ حضارةٍ في عصرنا الراهن، لكن نظرًا للتلاقح الثقافيّ والتداخل الوطيد الذي حصل فيما بين الحضارات العالميّة، فقد أصبح حلّ بعض المسائل والقضايا الخاصّة بكلّ حضارةٍ مرهونًا بالتعاون والحوار بينها وبين سائر الحضارات. وهذا الأمر نلمسه

(303)

جليًّا على مستوى الشعوب، لكنّ الحضارات بدأت بالتدريج تحلّ محلّ شعوبها إلى حدٍّ ما، والاشتراكية التي طفت إلى السطح في القرن الثامن عشر، وكذلك الثورة الفرنسيّة التي غيّرت مجريات الأحداث في فرنسا بشكلٍ جذريّ، أمست اليوم تواجه ضعفًا حادًّا في أوروبا نفسها ولا تطرح إلا بصفتها أمرًا شموليًّا وحضاريًّا لكن قارّيًّا فحسب بحيث لا يمكنه أن يتعدّى القارّات.

على سبيل المثال، من الواضح بمكان أنّ الأوضاع في بلد كألمانيا تختلف اختلافًا عميقًا عمّا هو عليه الحال في بلد كاليونان، ولكن بعد أنْ ضعفت الاشتراكيّة التي ظهرت في القرن الثامن عشر الميلاديّ، بدأ الأوروبيّون يبذلون جهودًا حثيثة لتوحيد القارّة الأوروبيّة تحت مظلّة الاتّحاد الأوروبيّ لتأسيس حضارةٍ أوروبيّةٍ موحّدة. وعلى أيّ حال، فإنّ كثيرًا من الأمور الخاصّة بحضارةٍ معيّنةٍ لا بدّ من التطرّق إليها وحلحلة أزماتها في إطار التعاون والحوار مع سائر الحضارات، والبشريّة في عصرنا الراهن بحاجةٍ إلى هذا الأمر أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فنحن بأمسّ الحاجة لتعاونٍ يتمّ على صعيد عالميّ بحيث يتجاوز الحدود الإقليميّة والفئويّة بعد هذا التطوّر الهائل الذي شهدته الكرة الأرضيّة ومَنْ عليها، فالتكنولوجيا الغربيّة التي أصبحت لها كلمة الفصل في تعيين مصير الشعوب والقرارات التي تتّخذها الحكومات هي التي تدير دفّة الحياة في عصرنا الراهن؛ لذا، لو لم نذعن للتعاون فيما بيننا والتشارك في اتّخاذ القرار سوف لا يبقى لنا ولا لأجيالنا اللاحقة مكان للعيش فيه بأمانٍ ورفاهية، فالكثير من الأزمات من قبيل أزمة البيئة لم تعد اليوم محدودةً في نطاقٍ ضيّق، بل أضحت مشكلةً حادّةً تعاني منها الشعوب أجمع، فالهواء الذي نستنشقه لا يختصّ بنا؛ لكونه يطوي جميع أرجاء العالم رغمًا عنّا جميعًا سواء شئنا ذلك أم أبينا. فعلى سبيل المثال، لو قام شخصٌ في صحراء (سيبيريا) بنفث غازاتٍ سامّةٍ أو مشعّة في الجوّ، فلا شكّ أنّ المواطن القابع في أفريقيا سوف يصاب بداء السرطان الذي تتسبّب به هذه الموادّ الفتّاكة.

(304)

إذن، نحن اليوم نواجه ظاهرةً تاريخيّةً وحضاريّةً مختلفةً تمامًا عمّا واجهه أسلافنا، وإثر ذلك فالحضارات مضطرّة لأن تتجرّد عن طابعها القبليّ ونزعاتها الوطنيّة والقوميّة المحدودة ولا مناصَ لها من الجلوس على طاولة الحوار مع سائر الحضارات وأنْ تتعاون معها لمناقشة الآلاف من القضايا المصيريّة التي لا يمكن الغفلة عنها مطلقًا. لا ريب في أنّ أهمّ هذه المسائل لا تقتصر على الأمور المادّيّة فحسب، بل تشمل الأمور المعنويّة أيضًا.

من الواجب على الحضارات أن تحترم الرؤى الشموليّة التي تطرحها نظائرها ولا بدّ لها من التفاهم على القضايا المعنويّة والتقليديّة لبعضها البعض، فهذه الخطوة تعدّ من المسائل الأساسيّة التي نبحث عنها نحن التقليديّون منذ القرن العشرين وإلى يومنا هذا. إضافةً إلى المسائل المعنويّة، هناك مسائل أخرى جديرةٌ بالاهتمام ومنها الحفاظ على البيئة واستثمار الثروات الطبيعيّة بشكلٍ أمثل والحيلولة دون إهدارها بغية الحيلولة دون تضييع حقوق الآخرين، فقد حان الوقت لإصلاح التوجّه البربريّ الأهوج الحاكم على الاقتصاد الغربيّ، وبالتالي لا حيلة للبشريّة من تغيير نمط ثقافة الاستهلاك، وبكلّ تأكيد فإنّ هذا الأمر منوطٌ بالحوار الصادق والعمل المخلص والتعاون الحثيث بين الشعوب والحضارات. ولنتطرّق إلى ذكر مثالٍ يثبت صحّة ما أشرتُ إليه، بعد سقوط الحاكم الليبيّ معمّر القذّافي سادت الفوضى في هذا البلد، ومن الأحداث البارزة التي شهدتها الساحة الليبيّة اقتحام السفارة الأميركيّة، حيث قُتل جرّاء ذلك أربعة أشخاص، وكلّنا لاحظنا كيف تناولتها وسائل الإعلام، وعملت على تغطيتها لعدّة أيّام وطوال أربع وعشرين ساعةً يوميًّا دون انقطاع، وكيف أنّها استضافت المحلّلين والخبراء السياسيّين الذين تناولوا أطراف الحديث عنها بشكلٍ تفصيليّ في مختلف القنوات والصحف وما ناظرها من وسائل إعلاميّة، وشاءت الصدفة أنّه في المدّة نفسها قُتل العشرات من المسلمين الذين تظاهروا

(305)

معترضين على إنتاج فيلم يسيء للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلا أنّ وسائل الإعلام نفسها لم تُعِرْ ذلك أيّ أهمّيّة تذكر، ولم تعكس هذه الأحداث، بل إنّها تغاضت عنها بالكامل!

إنّ الأصول الإنسانيّة والأخلاقيّة والحرفيّة تقتضي عدم التعامل بانتقائيّة مع الأحداث وتفرض على البشريّة عدم التمييز بين الضحايا الغربيّين والمسلمين؛ لذلك ليس من الصحيح التعامل مع من هو غربيّ كأنّه سيّد الملعب، والمسلم لا يتعدّى كونه نكرةً لا محلّ لها من الإعراب أو أنّه إنسانٌ من الدرجة الثانية أو الثالثة؛ لذا يجدر بالغربيّين أن يغيّروا وجهتهم الخاطئة هذه وأنْ يحترموا أبناء سائر الحضارات. ومن جانبٍ آخر، ينبغي للحضارات الأخرى أنْ تخوض غمار الحوار الحضاريّ مع الغرب بشكلٍ منطقيّ دون أيّ خشيةٍ أو تردّد مع الحفاظ على الأُسس والمتبنيات المعنويّة التي ورثتها. إنّ جميع التقليديّين بطبيعة الحال يرفضون التخلّي عن متبنّياتهم ومبادئهم الحضاريّة التقليديّة الأصيلة ولا سيّما السماويّة منها، وهم غير مستعدّين لأنْ يضحّوا بها لأجل أهدافٍ دنيويّةٍ هامشيّةٍ زائلة.

* السؤال الأخير الذي أرغب بأنْ أطرحه عليكم يتمحور حول دلالة ورمزيّة ما يجري من تغييراتٍ سياسيّةٍ ومجتمعيّةٍ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إبّان السنوات الخمس الأخيرة، وأشير هنا بصفةٍ خاصّةٍ إلى ما درجت وسائل التواصل على تسميته بـ (الربيع العربيّ).

 الحديث حول هذا الأمر متشعّبٌ وطويل، لكنّني سأحاول أنْ أسلّط الضوء على الانقلاب العسكريّ للجيش المصريّ ضدّ الرئيس المخلوع محمّد مرسي الذي يمتلك رؤيةً إسلاميّةً. القوى السياسيّة العالميّة تحاول أنْ تلقي بتأثيرها على هذه التطوّرات الإقليميّة كي تسوق نتائجها نحو الوجهة التي تريدها وتجرّدها عن هويّتها الوطنيّة، وبالتالي تتمكّن من بسط نفوذها على النظام الحاكم الجديد. وكما نعلم هناك بعض القوى والحكومات العربيّة التي تساير القوى الغربيّة وتنصاع إليها

(306)

وتتّبعها بشكلٍ أعمى؛ لذلك فهي تسعى إلى إقصاء تحرّكات كهذه فيما لو ظهرت في بلدانها حفاظًا على نفوذها هناك؛ لكنّ الحقيقة هي أنّها لا تمتلك قدرةً مطلقةً للقيام بذلك؛ إذ ليس لديها المصباح السحريّ كي تحقّق ما تتمنّى وتشاء متى ما تريد. فلربّما تخرج الأمور عن سيطرتها وتبقى في مقام المراقب للأحداث فحسب. لو تأمّلنا في الأوضاع التي عصفت بالمجتمعات العربيّة طوال العقود الماضية لوجدنا كيف أنّ كثيرًا منها بات يعاني من انهيار وانحطاط مثير للدهشة، وبدأت الشعوب العربيّة تسير سيرًا نزوليًّا من الناحية الفكريّة؛ بنحوٍ انعدمت فيها الاستقلاليّة باتّخاذ القرارات المصيريّة تقريبًا، لكنّ هذه المرحلة سرعان ما بدأت تتّجه نحو الأفول وفتحت آفاق عهدٍ جديد؛ لذا أرجو أنْ يتواكب هذا العهد مع ترسيخ دعائم الفكر الأصيل وتقويمها.

إنّ هذا الأمر في الواقع يثير قلقي؛ لأنّ الصحوة التي انطلقت في البلدان العربيّة، استتبعتها حركات تتعارض مع الصحوة الأصيلة للفكر الإسلاميّ، وبما فيها الحركات السلفيّة والوهّابيّة الجديدة التي يخالف أتباعها كلّ فكرٍ أصيلٍ، ويحاولون ترويج أفكارهم المقيتة في المناطق التي تمكّنوا من بسط نفوذهم الفكريّ الهشّ عليها، وبما في ذلك مصر وسوريا، لكن يحدوني أمل بأنْ يتحوّل هذا الربيع العربيّ ـ على مرّ الأيام ـ إلى صحوةٍ حقيقيّة.

أنا متفائلٌ ببعض هذه الأحداث، ولا سيّما ما حدث في تونس... أمّا في مصر، فالإخوان المسلمون كانوا يتّبعون منحًى متعجرفًا طوال سنواتٍ متمادية، لكنّ الأمل بالشعب المصريّ نفسه لكونه شعبًا واعيًا تمكّن من الحفاظ على متبنّياته الإسلاميّة، والأهمّ من ذلك أنّه يعير أهمّيّةً كبيرةً للمصالحة الوطنيّة. سوريا هي البلد العربيّ الأكثر اضطرابًا في هذه الآونة، حيث احتدم صراعٌ شديدٌ بين مختلف الحركات والتوجّهات السياسيّة المدعوم بعضها من قوى أجنبيّةٍ غريبةٍ على الهيكل السوريّ؛

(307)

لذلك فالأوضاع تسير في هذا البلد نحو مصيرٍ مجهول؛ وعلى هذا الأساس يجب على السوريّين أنْ يدركوا أنّ الأوضاع الحاليّة لو استمرت على ما هي عليه ولم يتحقّق الاستقرار في هذا البلد فسوف تسري أزمته لتطغى على البلدان المجاورة، فلا تسلم من ذلك في هذه الحال، لا تركيا ولا العراق ولا الأردن ولا لبنان ولا السعوديّة. أرجو أنْ تتعامل الأطراف المتنازعة في هذا البلد مع بعضها ومع الواقع بنحوٍ منطقيّ بعيد عن التحزّب والتعصّب الأعمى الذي أحرق الحرث والنسل، ويجب عليها ـ على أقلّ تقدير ـ الحيلولة دون تفاقم النزاع والعمل على تحديد نطاق الصراع؛ حفاظًا على الشعب والأرض.

 

(308)

 

 

الحضارة الغربيّة والحضارة الإسلاميّة[1]

حبيب الله بابائي

في الرؤية التاريخية والمقارنة بين حضارة الغرب والحضارة الإسلامية، يمكن العثور على عناصر وعوامل الوحدة الحضارية في النقاط المتنوّعة والعناصر المتعددة؛ ومن بين تلك العناصر عنصر الدين بوصفه عاملًا للتلاقي والارتباط بين الحضارات ومن بينها حضارة الغرب والحضارة الإسلامية في الماضي التاريخي. وفي هذا الشأن يمكن لنا دراسة موقع الدين المسيحي في حضارة الغرب والدين الإسلامي في الحضارة الإسلامية عبر ثلاث مراحل، وهي: مرحلة التأسيس، ومرحلة الازدهار، ومرحلة الأفول في كلّ واحدةٍ من هاتين الحضارتين، والعمل على دراسة وتحليل عوامل الاتحاد وعوامل الافتراق في كلّ واحدةٍ منهما. وفي هذا الشأن يبدو المصير الحضاري للإسلام مختلفًا جدًا عن التاريخ الحضاري للغرب، وإنّ تاريخ هذين الدينين في كلا طرفي الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية يمثّل واحدًا من نقاط الانطلاق في الفرق والاختلاف بين هاتين الحضارتين وفي الانسجام أو عدم الانسجام الحضاري بينهما. إنّ كانت الحضارة تعني «منظومة العلاقات الإنسانية الأوسع شمولًا»، عندها يرد هذا السؤال القائل: ما هو أداء كلّ واحدٍ من الإسلام والمسيحية في إيجاد التغييرات الحضارية الشاملة وفي بلورة الاتحاد الحضاري؟ وهل

(309)

كان لأدائهما الوحدوي أو التنويعي مسارًا منطقيًا وعقلانيًا أم كان هذا المسار طبيعيًا وغير منظّمٍ، وناظرًا إلى الاحتياجات العامّة واليومية للبشر في الغرب أو في العالم الإسلامي (شبكة الاحتياجات الاجتماعية)؟[1]

1. الغرب الإنساني بوصفه مركزًا لـ «الاختلاف الحضاري»

لو تمّ التركيز في هذه الدراسة على مجرّد نقاط الاختلاف بين الإسلام والمسيحية في بلورة الاتحاد الحضاري في الغرب وفي عالم الإسلام، لن يكون هذا البحث بالغ التعقيد، ويمكن في هذا الشأن بيان سلسلة من نقاط الافتراق بين الإسلام والمسيحية والعناصر الحضارية لذلك في التاريخ. بيد أنّ المشكلة إنّما تكمن في أنّه على الرغم من وجود الاختلافات في المسارين الحضاريين للغرب والإسلام، هناك أنواعٌ كثيرةٌ من أوجه الشبه بينهما بنحوٍ تجعل من عملية التحليل والمقارنة بين هذين الدينين في سياق المسار الحضاري والالتصاق بين تنوّعاتهما الثقافية أمرًا بالغ التعقيد. فعلى سبيل المثال صحيح إنّ من بين الخصائص المهمّة في حضارة الغرب هي العلمانية التي تركتّ تأثيرها في إيجاد الانشقاقات الحضارية في الغرب؛ ولكن ربما أمكن رؤية هذه الخصوصية ذاتها في التاريخ والحضارة الإسلامية، والعثور فيها على نقاطٍ مهمّةٍ

(310)

من الدنيوية والعلمانية التي كان لها سهمٌ في حدوث الشقاق في عالم الإسلام أيضًا. كما ربما أمكن لنا ملاحظة أحد الاختلافات بين هاتين الحضارتين في وجود نوعٍ من التعدّد والتكثّر المذهبي والثقافي (التعددية) في حضارة الغرب؛ ولكن في النظرة إلى ماضي التاريخ والحضارة الإسلامية يمكن مشاهدة مثل هذا التنوّع المذهبي والثقافي أيضًا، والعثور على مصداق ذلك في كتب الملل والنحل والاختلاف بين المذاهب الإسلامية في تاريخ الإسلام.

والآن يطرح هذا السؤال نفسه: ما هي نقاط الانعطاف الديني في تاريخ الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية في صلب هذه الأنواع من أوجه الشبه والاختلاف، وما هو اختلاف هذين الدينين في بنية الوحدة الحضارية وشكلها؟ من الواضح جدًا أنّ الإجابة التفصيلية عن هذه الأسئلة تقع خارج نطاق هذه الدراسة. ومن هنا سوف نكتفي في هذا القسم بمجرّد الإشارة إلى المراحل الثلاث، وهي مرحلة التأسيس، والنمو والازدهار، والنهاية في الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية[1]، مع بيان الاختلافات المحتملة والممكنة بين هاتين الحضارتين.

أ . مراحل «التأسيس» ومسألة «الدين والترابط الحضاري»

إنّ تاريخ اليونان والروم في العصر القديم قد ترك تأثيره سواء من ناحية التقدّم الزماني أم من ناحية التأثير الذي تركه بوساطة القديس بولس في تشكيل المسيحية، وكذلك بلحاظ المرجعية التي نالها في عصر النهضة وتحوّل بذلك إلى أسطورةٍ حضاريةٍ بالنسبة إلى الإنسان الغربي، فكان نقطة بداية في الحضارة الغربية. لقد كان الظهور البارز للغرب القديم والحضارة اليونانية والرومية القديمة قد تمثّل

(311)

في العلمانية المنبثقة عن بناء المدن. ففي المرحلة القديمة وصولًا إلى ظهور الدين على مسرح الحياة، لم يكن هناك من أثرٍ لحياة المدن، وحينما تتبلور المدن، يتمّ فيها تهميش الأديان (ذات الماهية الأسرية)، ولا يبقى هناك من أثرٍ للدين في تحوّلات حياة المدينة. وبعبارةٍ أخرى: في هذه النقطة التاريخية هناك نسبةٌ عكسيةٌ بين حياة المدينة وبين الدين. فإنّ الحياة في المدينة لا تطيق الدين، وكذلك الدين بدوره لا يستوعب تدبير الحياة في المدينة.

في المرحلة اليونانية (من القرن الثاني عشر إلى القرن الثامن قبل الميلاد) حيث تحوّلت فيه التركيبة الأسرية القديمة (جينوس) إلى التركيبة المدنية الحديثة، وتمّ فيها تأسيس الدولة / المدن، فقد أدى إيجاد المجتمعات الجديدة باسم «دولة المدينة»[1] إلى حدوث تحوّلاتٍ واسعة النطاق في مجالات متنوّعة[2]. ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ الارتباط بالحضارات الأخرى والتعرّف على العوالم الأخرى والأفكار الجديدة، زعزع ثقة اليونانيين بأصولهم القديمة، وشجّعهم على التأسيس لأصولٍ اجتماعيةٍ جديدة. وكلما كان الاطلاع والارتباط مع الأديان والحضارات الأخرى أكثر، أفل نجم الدين في الغرب أكثر. لقد كانت الأديان اليونانية والرومية في المرحلة المتقدّمة على الميلاد والمسيحية في مرحلةٍ ما بعد الميلاد تعاني من تحدياتٍ كبرى في المواجهة المستمرة والتلاقي مع الأديان الأخرى، ومن بينها دين أهورامزدا ثم الدين الإسلامي بعد ذلك. بل إنّ التعرّف والاطلاع على الأديان الأخرى وحتى الفرَق المسيحية الأخرى (من قبيل المواجهة بين المسيحيين الكاثوليك في روما الغربية وبين المسيحيين الأورثودوكس في روما الشرقية في الحروب الصليبية)، قد أدّى إلى ظهور العلمانية وحذف الدين من المسار الحضاري للغرب[3].

(312)

إنّ مرحلة عصر النهضة السابقة للميلاد في اليونان القديمة (750 ق. م) ـ التي يجب تسميتها بعصر تعدّد المدن ومرحلة نشاط السفسطائيين ـ هي مرحلة إلغاء الدين وحذفه من مسرح الحياة[1]. إن تنوّع المدن وظهور الطبقات الاجتماعية الجديدة، ورسم الحدود الطبقية، وفصل الفقراء والمعدمين (طبقة العوام) عن المدن، وحرمانهم من القوانين المدنية والأمور الحكومية[2]، وإيجاد النزاع والاختلاف الاجتماعي[3]، وتبلور الأصول الاجتماعية الجديدة، ومقاومة الفقراء في مواجهة البطارقة (طبقة الأشراف والنبلاء)، من أجل الحصول على الامتيازات العسكرية والاقتصادية[4]، والدخول إلى المدن، وبداية النزاع السياسي من أجل الحصول على السلطة والقوّة[5]، وتعقيدات الأنظمة السياسية، وظهور المناصب الإدارية والسياسية المتعددة والمتنوّعة[6]، وتقسيم الأراضي وإحداث الملكية الفردية، والقضاء التدريجي على الاقتصاد المستند إلى الأرض، والذي لم يكن هناك حقٌّ في امتلاكها لغير رجال الدين[7]، وظهور الصناعات والحرف، من قبيل: صناعة الفخار والخزف، والنجارة، والحدادة، والدباغة وبيع الجلود، وضرب النقود التي لم تكن خاضعة للسلطة الدينية والمذهبية، بنحو كان بمقدور حتى الطبقات العامة والفقيرة أن تمتلكها[8]،

(313)

ومن ثَمَّ سقوط الأباطرة وزوال احتكار الأمور من قبل الأشراف والنبلاء، وإلغاء الشروط الدينية والمذهبية في تولي المناصب الاجتماعية والسياسية في أثينا، من بين الأحداث المصيرية في هذه المرحلة، وخروج الدين عن مسرح التحولات الاجتماعية والثقافية[1]. ومنذ ذلك الحين تمّ التخلي عن الدين وأضحى الملاك والمعيار المعتبر في إدارة الأمور والسياسة هو «صلاح العامّة»، وصارت جميع القوانين تُسنّ ويتمّ وضعها وإقرارها والمصادقة عليها في ضوء هذا المعيار[2].

لقد كان دور السفسطائيين مهمًّا للغاية في هذا المسار التاريخي للغرب من المجتمع الديني إلى الحضارة العلمانية. ويرى بينجسون أنّ موقع السفسطائيين في اليونان يجب مقارنته بمفهوم التنوير في القرن الثامن عشر للميلاد. «فقد كان هذان التياران الفكريان متشابهين في تأثيرهما الذي تركاه في العالم»[3]. ويبدو أنّ اليونان في مرحلتها الحضارية، لم تكن يونانًا فلسفيةً أو أفلاطونية، وإنّما كانت عبارةً عن يونان تسيطر عليها الثقافة السفسطائية، وكان التفكير القائم على محورية الإنسان[4] والفردانية للسفسطائيين هو الغالب على الأفكار الجمعية لأفلاطون[5].

في المرحلة الهيلينية ـ التي يجب تسميتها بعصر مناهضة الكيانات الأخرى

(314)

الشرقية/الإيرانية، وتوسيع الإمبراطورية اليونانية[1]، قام فيليب المقدوني أولًا ثم الإسكندر المقدوني بعد ذلك بالاستفادة من الظروف المتأزّمة في اليونان، وانطلقا في توسيع الغرب نحو الشرق. لقد كان تأسيس عالم هيليني وقيام إمبراطورية تحت سيطرة الهيلينين، قد شكل واحدًا من أهم هواجس اليونانيين في تلك الحقبة من الزمن. إنّ النقطة المهمة في هذه المواجهة التي احتدمت بين اليونان وإيران، هي الآثار والنتائج التي حصل عليها الإغريق في مواجهة الدين والآلهة الإيرانية. وبسبب الخلأ الإيماني الذي كان يعاني منه الإغريق، فقد استسلموا لآلهة الشرق التي كانت تحظى باحترامٍ وتقديسٍ بالغين من قبل الإيرانيين، ومن خلال تركهم الدين القديم فقد نسوا آلهتهم السابقة في اليونان[2]. وإنّ ما ذكره ول ديورانت في هذا الشأن جديرٌ بالملاحظة؛ إذ يقول: «إنّ اليونان أعطت الفلسفة إلى الشرق، وقام الشرق بدوره بمنح الدين إلى اليونان. وأصبح الدين هو الفاتح في البين؛ لأنّ الفلسفة كانت مجرّد بضاعة كمالية بالنسبة إلى عددٍ محدودٍ من الأشخاص، في حين كان الدين بلسمًا لآلام الكثيرين»[3].

والذي كان يحظى بالأهمية في الحضارة والإمبراطورية الرومية هو حقوق الروم وليس دين الرومان. إنّ دين الرومان كان أمرًا ثقافيًا، ولم يكن له سهمٌ في البنية، وفي المقابل كان قد تمّ التأسيس للحقوق الرومية في بنية الإمبراطورية الرومانية. لقد كان عصر الجمهورية الرومية هو عصر التأسيس القانوني في روما، من قبيل البرلمان الذي كان يقوم بعملية سنّ القوانين والتشريعات[4]، والجمعية العامة التي كانت

(315)

تعمل على إقرار أو رفض تشريعات البرلمان[1]، والقنصل الذي كانت مهمّته تتلخص في تطبيق القوانين التي تمّت المصادقة عليها[2]، والمستبد الذي كان يتمّ انتخابه من قبل البرلمان في الأزمات[3].

إنّ النقطة المهمّة في مرحلة انهيار الحضارة الرومية، تكمن في تزامن ازدهار المسيحية وسقوط الإمبراطورية الرومية. يذهب بعض المؤرّخين إلى إرجاع سبب سقوط الإمبراطورية الرومية إلى ظهور المسيحية؛ إذ إنّ هذا الدين بما كان يشتمل عليه من الخصائص الجديدة قد قضى على الديانة الرومية القديمة، واستبدل الرواقية بنوعٍ من الرمزية الشرقية. كما قامت المسيحية بنقل الأفكار العامّة من هذا العالم إلى العالم الآخر، ودفعت بالناس ليجعلوا من السعادة الفردية غايةً أصليةً لهم. لقد كان من بين أهداف المسيحية، إحداث التغيير في ثقافة الإمبراطورية والكفّ عن الحرب وسفك الدماء؛ كي تتمكن ـ من خلال أصولها الأخلاقية القائمة على عدم المقاومة ـ من إيجاد النظم الإنساني والمعنوي في الغرب[4]. ومع وجود هذا النفوذ لعناصر من الفكر والثقافة اليونانية والتراث اليهودي في المسيحية (مسيحية ما بعد بولس)، فقد تمّ إخراج المسيحية من شكلها الديني المؤثّر، وتحويلها إلى ثقافةٍ متأثرةٍ ببيئتها وتاريخها.

بالإضافة إلى ما قيل عن العصر القديم ومرحلة تأسيس الحضارة الغربية (في

(316)

اليونان وروما)، لا بدّ من التذكير بأنّ بداية اليونان وروما بالنسبة إلى الغرب المعاصر، تأتي أولًا: من جهة أنّ اليونان وروما القديمة في مرحلتها الحديثة بعد عصر النهضة [الأولى] كانتا موضعًا للرجوع والعودة. وثانيًا: كان هناك حضور للفلسفة الإغريقية والحقوق الرومانية في الغرب المعاصر أيضًا. وثالثًا: إنّ الحضارة الغربية المعاصرة في رؤيتها إلى موقع الدين (في العلمانية)، هي كما كان عليه واقع الغرب القديم، ومتأثرة به أيضًا. إنّ التوسع المنطقي للغرب القديم في مساره التاريخي، كان سينتهي لا محالة إلى الغرب العلماني المعاصر، وربما أمكن القول إنّ العلمانية من الناحية التاريخية، كانت تعدّ من ذاتيات الحضارة الغربية.

وبذلك يجب التأكيد على أنّ مرحلة التأسيس في الغرب القديم لم تكن مرحلةً دينية، ولم يكن الدين في صلب تشكيل الحضارة الغربية ومركز الحضارة القديمة. وبعد ميلاد المسيح لم تتحوّل المسيحية إلى مركزيةٍ حضاريةٍ أيضًا. وبالتزامن مع ظهور السيد المسيح عيسى بن مريم عليه‌السلام ، لم يتمّ التأسيس لمدينةٍ مسيحيةٍ، ولم ينعم المسيحيون في حياتهم الدينية بالأمن والحرية. وعلى الرغم من أنّ ظهور السيد المسيح كان ظهورًا لشخصيةٍ اجتماعيةٍ وسياسية؛ ولذلك فقد تعرّض لحملةٍ شعواء من جانب الفريسيين والصُدّوقيين وهيرودوس الأول، ثم قام اليهود بمرافعته لدى الحاكم الرومي لمدينة (بونس بيلات) متهمين إيّاه بالكفر ودعوة الناس إلى الخروج على الحكام، والسعي إلى تنصيب نفسه ملكًا، ولهذا السبب فقد تمّ إصدار حكم الإعدام بحقه[1]، ولكن على الرغم من ذلك كله لم يكن شعار السيد المسيح سوى الزهد والابتعاد عن الدنيا، وربما لهذا السبب لم يبادر السيد المسيح عليه‌السلام إلى بناء مدينة، ولم يستلم مقاليد الحكم، بل وأعرض حتى عن الزواج أيضًا، ومن ثَمَّ فإنّه لم يتمكن من أداء دور على المستوى العام في الحضارة الغربية. فقد حدث دخول

(317)

المسيحية إلى مضمار السياسة في روما الشرقية (البيزنطية) في القرن الرابع للميلاد، وفي ظلّ الثقافة الشرقية بطبيعة الحال حيث لم يكن بالإمكان فصل الدين فيها عن الدنيا[1]. إنّ هذا المسار من الصيرورة الاجتماعية والسياسية في روما الغربية قد امتدّ به الزمن إلى ما يقرب من ألف عام، وقد تزامن ذلك مع بداية الحروب الصليبية، دون أن تتمكن المسيحية من الدخول في مضمار السياسة وحلبة الإدارة الاجتماعية، وممارسة نشاطها العسكري في إطار النظام الإقطاعي.

إنّ ما قيل حتى الآن في مورد الدين في الحضارة الغربية القديمة، ينطوي على اختلافاتٍ جوهريةٍ مع تاريخ ومسار الحضارة الإسلامية. لم تكن هناك في الحضارة

(318)

الإسلامية نسبةٌ عكسيةٌ بين الدين وحياة المدينة، ولم تكن هناك نسبةُ مخالفةٍ بين الدين والارتباط بسائر الحضارات الأخرى. فقد شهد الإسلام في الحضارة الإسلامية انتشاره الأكبر في مراكز المدن منه إلى مراكز القرى والأرياف. كما كان للإسلام انتشار أكبر فيما يتعلق بالارتباط مع الحضارات الأخرى، مثل الحضارة الإيرانية أو الحضارة اليونانية والغربية. فلم يمضِ على عمر الدعوة الإسلامية سوى عقدٍ من عمرها حتى قام النبيّ بتأسيس مجتمع المدينة، وأقام نظامًا مدنيًا ونظامًا اجتماعيًا سياسيًا جديدًا. وفي الحقية فإنّ الإسلام في شبه الجزيرة العربية لم يكن مجرّد تحوّلٍ في المعايير الأخلاقية فقط، بل قام في ذلك العصر بتأسيس نظامٍ سياسيّ جديدٍ في ظل الإسلام.

ومن هذه الناحية فإنّ الهجرة إلى المدينة لم تكن مجرّد هروب من مكّة، وإنّما كانت فرصةً لإقامة نظامٍ جديدٍ وحياةٍ اجتماعيةٍ حديثة. وفي الحقيقة فإنّه على الرغم من أنّ الدين الإلهي كان يقتضي التقوى الفردية في الوهلة الأولى؛ إلّا أنّ التقوى الشخصية كانت تقتضي سلوكًا اجتماعيًا أيضًا؛ ومن هنا فإنّ الإصلاح الإسلامي لم يقتصر على مجرّد إصلاح الأفراد فقط، بل كان إصلاح المجتمع هو المطلوب والمنشود على الدوام، وكان من الواجب العمل على تحقيق حياةٍ جديدةٍ على مقاس اجتماعيّ أكبر؛ ومن هنا فقد تمّ رفض حياة الرهبانية في الإسلام، وانتشر الإسلام في جميع أبعاد الحياة ومرافقها؛ ليشمل تأثيره حتى الأبعاد التجارية والاقتصادية أيضًا[1]. إنّ هذه الأمّة الجديدة التي كانت تحتوي على نمطٍ أخلاقيّ جديدٍ منبثقٍ عن الارتباط مع الله، قد عملت على إيجاد صنفٍ واحدٍ لم يكن فيه النظم الأخلاقي/المعنوي أمرًا فرديًا،

(319)

بل وكان ناظرًا إلى المسؤولية وإلى البيئة الاجتماعية أيضًا[1].

والنقطة المهمّة هي أنّ المدينة في الغرب، كانت هي في حدّ ذاتها مصدرًا للقيَم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، في حين أنّه في المدينة الإسلامية لم تكن المدينة في حدّ ذاتها هي المصدر للقيَم المدنية، وإنّما كانت القيَم الإنسانية والإلهية هي التي تعدّ مصدرًا للقيَم المدنية الأخرى. وفي الأساس فإنّ المدينة الإسلامية قد بدأت من حيث انتهت المدينة الغربية. في نموذج المدينة الغربية، كانت المدن الأخرى تقتفي أثر المدينة الكبرى والأصلية (المدينة الأم)، في حين أنّ المدينة الإسلامية منذ أيامها الأولى كانت تعدّ نموذجًا وقدوةً لمختلف المدن الأخرى من جهاتٍ متعددة. ولم يقتصر الأمر على المدينة المنوّرة فقط، بل كانت الكوفة ودمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة والأستانة جميعها من المدن المثالية التي كانت المدن الأخرى تقتدي بها وتسير على إثرها.

ومن ناحيةٍ أخرى كان تطوّر المدينة الأوربية في العصر الجديد، يُعدّ دليلًا على التقدّم الإنساني، في حين أنّ هذا النوع من التقدّم الدنيوي في النموذج الإسلامي قد يُعد نهاية لعمر دولةٍ ما وسقوط العمران والازدهار[2]. ومن ناحيةٍ أخرى فقد كانت المدينة في التاريخ الأوربي مرتبطةً بالصناعة والإصلاح الديني والإصلاح السياسي؛ بيد أنّ نقطة انطلاقة تاريخ الإسلام عبارةٌ عن عقائد كانت منبثقةً عن الرسالة السماوية للنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّ ظواهر الحياة والأمور الدنيوية بدورها تنبثق عنها أيضًا[3]. وكذلك فإنّ المدينة في تاريخ الغرب كانت على الدوام مقرونةً بنوعٍ من الانضباط[4]، وكان نظمها منبثقًا عن توافقٍ وعقدٍ اجتماعيّ وقانوني، في حين

(320)

أنّ نظام المدينة في تاريخ الإسلام، كان نظامًا منبثقًا عن التربية الروحية والتزكية الفردية للأشخاص.

ومن ناحيةٍ أخرى في مرحلة تأسيس الحضارة الإسلامية وفي مدّةٍ قصيرةٍ تمّ تداول القرآن الكريم بين الناس بوصفه كتابًا سماويًا ناظرًا إلى الحياة الدنيوية، وكان بمقدور الناس من خلال الرجوع إليه أنْ يقوموا على الدوام بحركة ذهابٍ وإيابٍ بين النصّ المقدّس وبين الحياة، وأنْ يسعوا على الدوام إلى تطبيق الحياة مع النصّ؛ ومن هنا فإنّ أهمّ نقطةٍ في مرحلة التأسيس (مرحلة الثلاث وعشرين سنة من عمر الرسالة) تتجلّى في دخول التعاليم السماوية إلى ثقافة العرب الجاهليين والتغييرات التي أحدثها الوحي في ثقافة الناس.

إنّ نزول الوحي في قالبي الكتاب والسُنّة، وتأسيس قواعد الحضارة الإسلامية على أساس الوحي الإسلامي بوصفهما خصيصتين أصليتين في هذه المرحلة، وكذلك فإنّ كتابة القرآن وانتقاله إلى أيدي الناس بوصفه نصًا واضحًا في حل النزاعات الثقافية والعقائد الاجتماعية، ووجود وتربية حفّاظ القرآن والحديث، وانتقالهما إلى مسرح الحياة الفردية والاجتماعية، قد عمل ذلك كلّه منذ البداية ومن الناحية العملية على تظهير الأداء الاجتماعي والثقافي والحضاري للإسلام في السنوات الأولى من نزول الوحي إلى حدٍّ كبيرٍ وملحوظ.

إنّ الدور المحوري للقرآن الكريم بوصفه نصًا كان منتشرًا في جهاتٍ متنوّعةٍ ونقاطٍ متعددةٍ من العالم الإسلامي، ليس بين المفسّرين فحسب، بل وبين الفقهاء والعرفاء والفلاسفة والمتكلّمين أيضًا، وليس بين العلماء فقط، بل وبين رجال السياسة والمصلحين الاجتماعيين والفنانين والأدباء والشعراء والمهندسين، وليس بين النُخَب فحسب، بل وكان كذلك حاضرًا ومؤثّرًا بين عموم الناس على الدوام بوصفه مصدرًا معرفيًا وثقافيًا وسياسيًا، فقد تحوّلت آياته ومسائله إلى أصولٍ وقواعد

(321)

حياةٍ متنوّعةٍ في السياسة وفي العلم وفي الثقافة[1]. إنّ القرآن ليس مجرّد كتابٍ علميّ بحت، بل هو تلبيةٌ واستجابةٌ لاحتياجات العصر[2].

إنّ هذا الحضور العام والواسع للقرآن الكريم في مختلف أبعاد الحياة هو الذي أدّى ليصبح القرآن الكريم ـ بالإضافة إلى بُعده المعرفي بالنسبة إلى مختلف الطبقات الاجتماعية ـ عنصر وعامل وحدةٍ للهوية المشتركة بين المسلمين في الحضارة الإسلامية. وقد ذكر مارشال هاجسن هذا السؤال في كتابه إعجاز الإسلام، قائلًا: كيف تحقق التماسك الإسلامي بين المسلمين المتفرقين؟ فعلى الرغم من تعدّد وتنوّع المجتمع من الناحية الثقافية، وعلى الرغم من أنّه لم تكن هناك مركزيةٌ ثقافيةٌ وحضاريةٌ لأيّ مدينةٍ من المدن الإسلامية، فإنّ الحضارة الإسلامية لم تتفكك، ولم تتعرّض الوحدة الإسلامية في دار الإسلام إلى الانهيار[3]. وفي الأساس كان هناك على المستوى الدينية في الحضارة الإسلامية كثيرٌ من عناصر الوحدة والاتحاد بين المسلمين؛ فإنّ جميع المسلمين يؤمنون بـ «القرآن الكريم» بوصفه نصًا ومصدرًا سماويًا مشتركًا بينهم. وهذا الأمر يؤدّي إلى حصولهم على لغةٍ مشتركةٍ وتفرض بطبيعة الحال تحدياتٍ مشتركةً أيضًا؛ ولكن لمّا كان كثيرٌ من المسلمين بالإضافة إلى القرآن يقرأون الكتب اللاحقة الأخرى، فقد تحوّلت السُنّة بدورها إلى عنصرٍ مشتركٍ

(322)

بين المسلمين أيضًا[1]. في النظم الاجتماعي الحديث للمسلمين، كان القرآن الكريم بوصفه مصدرًا للحياة يعمل على وضع القوانين والقواعد في الأمور العسكرية والأسرية والسياسية والاجتماعية، وعمد إلى حلّ بعض الأزمات الاجتماعية ـ من قبيل اتهام عائشة زوجة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالخيانة ـ بشكلٍ جزئي، ووضع لمصاديقها قانونًا عامًّا يتلخص في ضرورة توفر أربعة شهود لإثبات هذا النوع من الاتهام[2].

أمّا الذي حدث في المسيحية فهو الحفاظ على التقاليد الثقافية من قبل رجال الدين المسيحيين. وفي الحدّ الأدنى كانت الكنيسة والمسيحيين قد تجاوزوا المسيحية في مرحلة العصور الوسطى. إنّ الدين والمسيحية في الغرب في العصور الوسطى، لم يحافظ على سُنن المجتمع الرومي وتقاليده وأعرافه فحسب، بل وقد أجرى وعمل على تطبيق ذات تلكم التقاليد والأعراف في تشكيلاته ومؤسساته الداخلية أيضًا، وأقام نظامه الديني وصاغه على تلك الشاكلة أيضًا[3]. ومن الناحية القضائية والحقوقية تأثّر القانون الكنسي بدوره بالحقوق الإقطاعية أيضًا، ويعزى سبب ذلك إلى أنّ قائدًا باسم غراتيانوس كان متأثّرًا بدراساته حول الحقول الرومية، قد عمد في عام 1142 م إلى استنباط وجمع الأصول والقوانين من كلمات أرباب الكنيسة وقرارات المجامع الكنسية وضمّها في كتاب. وإنّ هذا الكتاب ـ الذي اكتسب عنوان فهرسة القوانين المناقضة والمعارضة للكنيسة ـ قد حظي بشهرةٍ واسعة. وكان الباباوات يضيفون إليه بعض المسائل من حين إلى آخر. ولمّا كانت معرفة القوانين الكنسية كانت تمثل طريقًا موثوقًا للوصول إلى الاتجاهات الإدارية، فقد اكتسبت دراسة هذه القوانين مزيدًا من الانتشار[4].

(323)

وخلافًا لما كان عليه حال المسيحية في روما الغربية، فإنّ الذي حدث في الإسلام وفي الحضارة الإسلامية لم يكن أبدًا هذا النوع من الاستسلام والرضوخ أمام الأوضاع الثقافية المعاصرة. وبطبيعة الحال فإنّ الإسلام كان يمتزج بالثقافات المحلية في المناطق التي يصل إليها، ولكن هذا لا يعني تحوّل الإسلام إلى حالةٍ ثقافية. فقد تمكن الإسلام من تغيير العديد من الثقافات وإعطائها صبغةً إسلامية. أمّا هذه الثقافات المحلية والمناطقية فلم يكن لها وجهٌ مشترك. ومع دخول الإسلام فقد ارتبطت فيما بينها. وإنّ الذي كان يربط بين هذه الثقافات، ثقافة سامية ومتعالية[1]، وليست ثقافة ًعامّة[2]. إنّ هذا المستوى ذاته من الثقافة (المستوى الأعلى) كان شاملًا للعناصر الدينية أيضًا؛ ومن هنا فإنّ تعيين حدود الحضارة الإسلامية وثغورها لم يتمّ رسمها على أساس الجغرافيا والثقافة الشرقية على سبيل المثال، وإنّما على أساس خطوط انتشار السُنن الثقافية العُليا[3]. وإنّ الذي جمع بين هذه السنن برمّتها في الحضارة الإسلامية إنّما هو الإسلام. لقد دخلت الدوافع والحوافز الإسلامية في الأمور الثقافية، ومزجتها بالروح الإسلامية، وبذلك فقد ارتبطت السُنن الثقافية والدينية فيما بينها[4]. وفي الحدّ الأدنى فإنّ التطلعات الثقافية في مرحلة ما قبل الحداثة كانت ناظرة ًإلى الدين ومنبثقةً عن التعاليم الدينية.

وبذلك فإنّ المسيحية التي انقسمت إلى شقّين: غربي وشرقي، لم تتمكن من الناحية العملية على إيجاد نوعٍ من الاتحاد والارتباط بين هذين الشقين، بيد أنّ المسلمين على الرغم من الرقعة الشاسعة التي انتشر فيها الإسلام لم يخسروا ارتباطهم الوثيق، واستمرت الحوارات الثقافية فيما بينهم على الدوام، وقد حافظ الدين على

(324)

تأثيره حتى في مواطن ضعفه أيضًا. إنّ هذه الخصوصية قد أدّت إلى بلورة سُننٍ أدبيةٍ واجتماعيةٍ لها قابلية الانطباق على جميع أبعاد الحياة. لقد صار الإسلام سببًا في ارتباط الناس على مختلف ثقافاتهم المتنوّعة فيما بينهم، وعلى الرغم من التنوّع الكبير والواسع بين المسلمين، فقد تمكّنوا بفضل الإسلام من إيجاد حالةٍ من الثبات والاستقرار والتلاحم المصيري في تاريخهم[1].

ب. مراحل الازدهار و«مسألة الدين والارتباط الحضاري»

إذا أردنا أنْ نأخذ ازدهار الحضارة الغربية منذ المرحلة الحديثة في الغرب ومن القرن السابع عشر أو القرن الثامن عشر للميلاد، وأنْ نأخذ مرحلة ازدهار الحضارة الإسلامية من القرن التاسع للميلاد بنظر الاعتبار، سوف نجد هناك شرخًا كبيرًا بين مرحلة الازدهار في الحضارة الإسلامية ومرحلة ازدهار الحضارة الغربية، هذا في حين أنّ نقطة بداية الحضارة الغربية قد سبقت نقاط انطلاق الحضارة الإسلامية بألف عام. بيد أنّ هذا الشرخ بين مرحلة التأسيس في القرن الأول ومرحلة الازدهار في القرن الثالث والرابع للميلاد، كان قصيرًا جدًا، وخلال هذه الفاصلة كان الإسلام بدوره يعمل على إعداد مقدمات تبلور الحضارة الإسلامية، إذ تشكّل جانبٌ منها في مرحلة الفتواحات الإسلامية والتعرّف على الحضارات الأخرى[2].

في تشكيل الحضارة الغربية ـ سواء في مرحلة التأسيس أم في مرحلة الازدهار ـ لا يمكن غضّ الطرف عن دور المسيحية في بلورة الحضارة الغربية وتشكّلها، سواء في العصور الوسطى المتأخرة أم في المرحلة الحديثة، بيد أنّ هذا لا يعني مركزية المسيحية في الحضارة الغربية. وفي مرحلةٍ ما قبل اندلاع الحروب الصليبية، توصّلت المسيحية بعد تجربةٍ طويلةٍ تمتدّ لما يقرب من ألف عامٍ إلى نتيجةٍ مفادها أنّها إذا أرادت أنْ تؤدّي دورها بوصفها مؤسسةً فاعلةً ومؤثرة، فليس أمامها من طريقٍ سوى العمل على

(325)

بناء نظامٍ اجتماعيّ وسياسيّ. وفي الأساس فإنّ «الضرورة الدينية تقتضي التأسيس لمنظومةٍ وأجهزةٍ دينيةٍ مستقلةٍ تعمل بوصفها مؤسسةً موازيةً للدولة، وجنبًا إلى جنبها، ولمّا كانت المدّة الزمنية لهذه المؤسسة الحديث ـ طبقًا للفلسفة القائمة ـ تعمل على التعريف بمصالح ومنافع أسمى من المصالح الدنيوية، يجب أنْ تكون هذه المؤسسة ـ بطبيعة الحال ـ فوق الدولة»[1]. وفي خضم ذلك أدّى غياب رسم الحدود الواضحة للتلفيق بين سلطة البابا وسلطة الملك لإدارة الحكومة الدينية من جهة، وسعي كلٌّ من البابا والملك إلى احتكار السلطة لنفسه من جهةٍ أخرى، إلى تجاوز كلّ واحدٍ منهما حدود سلطة الآخر[2]. وبذلك فقد أصبح الأساقفة أكثر سيطرةً على مصادر النظم ومركزية السلطة في المدن من حكّام روما، وحلَّ مجمع الأساقفة محلَّ مجمع المحافظة والمدينة في اتخاذ القرارات. إنّ المسيحية من خلال حلولها محل الدولة الرومية، بدأت بفتح الولايات، وجعلت العاصمة مسيحية، وسعت إلى إقامة الانضباط من الحدود إلى الحدود[3].

إنّ النقطة المهمة في هذه المرحلة هي غاية المسيحيين المتمثّلة في إقامة عالمٍ مسيحيّ موحّد. وفي هذه القرون قامت المسيحية بجهودٍ كبيرةٍ من أجل الوصول إلى هذا الهدف المنشود لها منذ القدم، وحملت المجتمع البشري على التماهي معها في هذه المسألة. وقد تمكّنت الحضارة الغربية في ظلّ الكنيسة من العمل على تنظيم تنسيقاتها ومؤسساتها الاقتصادية. وعندما انتعشت الحياة الاقتصادية وانتقلت الحياة لتشهد مزيدًا من التعقيد، أخذ هذا التنسيق والاتحاد يتّجه إلى الضعف والضمور[4]. وعلى

(326)

الرغم من ثقة الناس وإيمانهم بالمسيحية[1]، فقد عملت الإصلاحات الدينية ثمّ التحوّلات العلمية والفلسفية على زعزعة المكانة السابقة للديانة المسيحية[2]، وأدّت الحروب الدينية والمذهبية وظهور الفرق الدينية المتنوّعة إلى إيجاد نوعٍ من انعدام الثقة بالمسائل القطعية الدينية، وظهور نوعٍ من الشكّ بين عموم الناس[3].

وفي هذه المرحلة تمّ تهميش الزهد الكنسي، واتّسعت رقعت الاهتمام بالدنيا وعلمنة الحياة. وأدّى الإعراض العام عن الأفكار الكنسية المتعلّقة بالزهد، والنزوع إلى التحرّر من القيود الاجتماعية والحصول على المنافع الشخصية، وإيجاد التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية، إلى توجّه عامّة الناس نحو اكتناز الثروة، وتنظيم الحياة الدنيوية، والتشكيك الجاد في عقائد الكنيسة[4].

هذا الاتجاه الدنيوي ذاته كان موجودًا في العالم الإسلامي ولا سيما في العصر الأموي وأيام حكم معاوية بن أبي سفيان أيضًا. يقول الأستاذ حسين نصر بشأن بداية العلمانية في العالم الإسلامي في هذه المرحلة:

«على الرغم من انتصار الإسلام على أفكار الشرك، بيد أنّ نتيجة حرب صفين وما تلاها من قيام الخلافة الأموية على يد معاوية بن أبي سفيان، قد أشارت إلى بداية مرحلة لدخول العلمانية الطفيلية إلى الحياة السياسية في الإسلام؛ بمعنى أنّ السياسة أو جانبًا منها في الحدّ الأدنى قد ابتعد عن أصول الوحي وتعاليم السماء، وانجرفت نحو أودية السياسة المستندة إلى السلطة التي يلعب فيها طمع الإنسان

(327)

دورًا حاسمًا»[1].

وعلى الرغم من ذلك كله إلّا أنّ مقولة الدين لم تُحذف من تاريخ الإسلام بعد معاوية أبدًا؛ لا في عصر بني العباس ولا في مرحلة ما بعد سقوط الخلافة العباسية ومدة حكم التتر والاجتياح المغولي للأقطار الإسلامية. إنّ الاتجاه العلماني بمعناه الغربي الخاص، لم يكن أمرًا شائعًا لا في عالم التشيع ولا في عالم أهل السُنّة أيضًا. فقد كان الدين والدراسات الدينية وحضور الدين في مشاهد الحياة وفي مجالات السياسة مؤسّسًا على نحوٍ جاد.

والنقطة المهمّة في عصر النهضة وما بعد المرحلة الحديثة هي العودة إلى ماضي التاريخ والتأكيد على اليونان وروما القديمة. إنّ هذه العودة قد حدثت في التاريخ الإسلامي المتأخّر وفي البحث عن أسباب تخلّف المسلمين، وقد سعت تياراتٌ كثيرةٌ إلى العودة إلى السيرة النبويّة ومجتمع مدينة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت مختلف العناوين والمسميات، ولكن كانت هناك اختلافاتٌ كبيرةٌ بين العودة إلى العهود القديمة في الغرب وبين العودة إلى مدينة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الإسلام. فقد كانت العودة إلى المرحلة القديمة في الغرب عودةً إلى التراث الدنيوي وإلى تراث مجرّد من الدين؛ لإثبات المشروعية الراهنة والجذور التاريخية للغرب، في حين أنّ الكلام في تاريخ الإسلام يدور حول العودة إلى العصر النبوي والتراث الديني الأصيل، وقد يكون هناك ـ بطبيعة الحال ـ أوجه للشبه بين إحياء الحضارة الإسلامية وإحياء حضارة روما الغربية، بيد أنّ المراد من إحياء الحضارة الإسلامية في بعض الأحيان ليس هو مجرّد العمل على إحياء المجد والعظمة الدنيوية، بل التأكيد على عظمة الدين في مشهد الحياة وجدوائيته في تلبية جميع ما يحتاج إليه الإنسان.

والنقطة المهمّة الأخرى في تحليل المسار الحضاري للغرب، هو البرجوازية في الحضارة الحديثة. ففي هذه المرحلة كان الأهم من ظهور فلسفة التنوير والآفاق

(328)

الفكرية الجديدة في تاريخ التفكير الغربي، ظهور الثورة الاقتصادية التي تمكّنت من تحقيق عالمٍ جديدٍ ومختلفٍ عمّا كان في مرحلة العصور الوسطى وسيادة النظام الإقطاعي. وفي الأساس فإنّ النظام الإقطاعي في هذه المرحلة قد تهاوى بفعل ظهور التيار البرجوازي (لقد عمل النظام الإقطاعي على توظيف جميع إمكاناته وطاقاته من أجل إقامة النظام البرجوازي)، فظهر نوعٌ من الطبقية الاجتماعية الجديدة التي لم يكن لها موقع لرجال الكنيسة ولا لطبقة النبلاء القديمة فيها. وفي هذه المرحلة تمّ التأسيس للنظام المصرفي الحديث؛ إذ تمّ افتتاح البنوك وأسواق البورصة، وأخذ يتم تداول السفتجات وشراء وبيع الصكوك البنكية[1]. فشاعت روح النفعية، وبلغت ذروتها، وتراكمت الثروات وتمّ استخراج المعادن الثمينة. وقد عمل فرانكلين ـ الذي يمكن الحديث عنه بوصفه مثالًا للتفكير البرجوازي ـ على قلب نظرية أرسطو التي يقول فيها «إنّ النقود لا تلد النقود»، وقال: «عليكم أنْ تتذكروا بأنّ للنقود طبيعة وفطرة مسالمة ... إنّ بمقدور النقود أنْ تلد نقودًا، ومن خلال صغار النقود الذين ولدتهم، يمكن خلق صغار آخرين بكلّ يُسرٍ وسهولة، وقسْ على ذلك حتى النهاية ... إنّ الذي يعمل على إخفاء عملةٍ نقديةٍ صغيرةٍ بحجم الدانق في طميرة، إنّما يقضي بذلك على جميع ما كان يمكن لتلك العملة النقدية أنْ تنتجه والتي يمكن أنْ تبلغ حتى إلى مئات الدنانير»[2].

من الجدير بالذكر أنّ مسار الثورات الدينية والعلمية والسياسية والصناعية في الغرب، وكذلك مسار العلمانية في هذه الحضارة والأبعاد الأرضية التي اكتسبها الإنسان الحديث، إنّما كانت محدودةً ومحصورةً بحضارة الغرب، ولم يكن للحضارة

(329)

الإسلامية في ظهورها وازدهارها مثل هذا المسار في العلمانية، وفي الصيرورة السياسية والصناعية. ليس هناك من أثرٍ للنظام الإقطاعي في الحضارة الإسلامية (على ما كان شائعًا في العصور الوسطى)، كما لم يكن فيها من أثرٍ للبرجوازية أيضًا. إنّ الإقطاعية والبرجوازية من خصائص الحضارة الغربية، كما كان لها سهمٌ كبيرٌ للغاية في تشكيل وقيام الحضارة الغربية. وبعبارةٍ أخرى: لم يكن هناك في المجتمعات الإسلامية طبقةٌ رأسماليةٌ تقوم على أساس النقود ومستقلةٌ عن أصحاب السلطة ورجال الدين الذين أمسكوا بمقاليد التغييرات والتحوّلات الاقتصادية والاجتماعية، وتعمل في إطار إحداث التغييرات الثقافية بشكلٍ مستقلٍّ ومنفصلٍ عن معقل السلطة والدين. إنّ الفلسفة الإنسانية بمعنى أصالة الإنسان بوصفه ظاهرةً طبيعيةً يتمّ إنتاج كلّ شيءٍ فيها على نحو التأصيل الذاتي ومحورية الذات (على أساس الاحتياجات الطبيعية والعقل التجريبي للإنسان دون الالتفات إلى السماء)، لم يكتب لها الظهور في تاريخ الإسلام[1].

إنّ النقطة الأخرى التي تركت تأثيرها على أفول المسيحية والحضارة المسيحية، تكمن في النزاعات العلمية التي احتدمت بين غاليلو ورجال الكنيسة، الأمر الذي أدّى إلى ظهور دنيويةٍ متزايدةٍ في الحياة الفكرية للأوربيين والإعراض عن التوجّهات الدينية على نطاقٍ واسعٍ في حياة العالم الغربي. إنّ انتصار الآراء العلمية جعل من الأضرار والإصابات التي لحقت بالعقائد الدينية أمرًا غير قابلٍ للتضميد والعلاج تقريبًا، وانتهت بدورها إلى التنصل عن الدين، والإقبال على الدنيا بنحوٍ متزايدٍ في الحياة الفكرية لدى الأوربيين، وهذا كان على خلاف ذلك الشيء الذي تصبو إليه الكنيسة، وعقدت عليه آمالها من أجل الحيلولة دون وقوعه في الاعتراض

(330)

على كوبرنيق. إنّ كثيرًا من المفكّرين في القرن السابع عشر للميلاد على الرغم من تعلقهم بالعلم كانوا يسعون إلى الإبقاء على إيمانهم بالمعتقدات الدينية أيضًا، وكانوا يعتقدون أنّ نتائج هذا الشرخ سوف تؤدّي إلى مصائب كثيرة. وهناك من كان يذهب إلى الاعتقاد بأنّ هذا الشرخ لا ضرورة له البتّة، بيد أنّ بعضًا آخر كان يشعر بالحاجة الماسّة إلى التأليف بين الله والإنسان والكائنات التابعة للقوانين الميكانيكية في الفلسفة الجديدة[1].

إنّ الذي حدث في الحضارة الإسلامية لم يكن تضادًا أو تعارضًا بين العلم والدين، في أي مرحلة، فلم يحصل تعارض في المدّة التي شهدت ذروة النشاط في ترجمة الكتب اليونانية والإيرانية وغيرهما التي ظهرت في البقاع الإسلامية؛ إذ أدّت هذه الترجمات ومواجهة العلماء المسلمين مع الأفكار المتنوّعة في الحضارات الأخرى في حدّ ذاتها إلى ظهور بعض الأسئلة، والتي برزت في إثرها طبقات الإسلام الخافية والظاهرة في الحقول العلمية والفلسفية والطبيعية وفي الفيزياء والكيمياء والنجوم على نحوٍ أكبر، فلم يقتصر عمل العلماء والمفكّرين على الترجمة فقط، وإنّما تصدّوا للتأليف والنقد أيضًا، وقد أدّى هذا الأمر إلى ترسيخ دعائم وأسس الحضارة الإسلامية بنحوٍ أكبر. إنّ التجربة العلمية لم تقتصر على المراحل الحضارية في القرن الثالث والرابع للهجرة فقط، بل تكررت في عصر البويهين أيضًا، ولم يؤدِّ دخول العلم والمعرفة وازدهارهما إلى حدوث مشكلةٍ مع الدين، بل أدّى ذلك في الأساس إلى ازدهار ورسوخ الإسلام في هذه المرحلة أيضًا. وإنّ النقطة المهمّة تكمن في مراحل الاجتياح المغولي للمجتمع الإيراني؛ إذ إنّه على الرغم من الخراب الكبير الذي شهده العالم الإسلامي، فإنّه منذ عصر غازان خان ومن تلاه من الحكّام وما قاموا به من الإصلاحات، قد عملت

(331)

على تمهيد الأرضية لحدوث التحوّلات العلمية في ربع رشيدي[1]، ومرصد مراغة، والمدرسة السيّارة، والمرافق الأخرى التي أسسوها في مختلف المواقع؛ الأمر الذي أدّى إلى ازدهار العلوم الإسلامية من جهة، وترسيخ الإسلام في الثقافة العامة من جهةٍ أخرى.

إنّ الذي حدث في القرنين الأخيرين، لم يكن عبارةً عن ازدهار العلم، ولا دخول العلم إلى العالم الإسلامي، بل كان عبارةً عن دخول الاستعمار الجديد إلى عالم الإسلام حاملًا معه علومًا تابعةً ومنتقاة، تعمل على تسريع وتشديد العزف على تجريد الإنسان من هويته وتقويض مبانيه الإسلامية والشرقية. ومن ناحيةٍ أخرى كان هناك كثيرٌ من الأشخاص المستغربين في العالم الإسلامي الذين أخذوا يعملون ـ بدلًا من استيراد العلم الجديد ـ على تمهيد الأرضية لتسلل الثقافة العلمانية، ويا ليتها كانت ثقافةً تمّ تقليدها من الغرب بشكل رصينٍ ومتقنٍ، بل كانت للأسف الشديد ثقافةً كاريكاتيريةً منتقاةً من الغرب إلى العالم الإسلامي خصيصًا، الأمر الذي حمل علماء الإسلام على الوقوف أمامها والتصدي لها، وقد تمّ اتهامهم؛ لذلك من قبل بعض المنبهرين بالغرب والفاقدين لهويتهم بمناهضة العلم والتقدّم.

إثر الثورة الاقتصادية في الغرب، تمّ التأسيس للثورات الفكرية والفلسفية الكبرى، وبفعل الثورة الفكرية، ازدهرت ثقافة النُخب. وفي عام 1750م. تمّت طباعة ما يقرب من 300 كتاب، حتى وصل هذا العدد في عقد الثمانينات من القرن الثامن عشر للميلاد إلى 1600 كتاب لكل عام. «لقد كان الاقتصاد في الغالب وليد الحوارات التي تحدث في محافل أصحاب القصف والمكاشرة، وقلّما كان متمخضًا

(332)

عن الدراسات العلمية، وهو في أكثر الحالات متبنّى صالات الظرفاء، وقلّما ترعرع في المدارس. لقد كان الاقتصاد على علاقاتٍ وثيقةٍ وحميمةٍ مع جميع الثورات الفكرية المعاصرة»[1]. وفي المقابل لم تشهد الثقافة العامة تقدّمًا ملحوظًا، وكانت آثار من عدم الثقافة أو الثقافة الرديئة ملحوظةً فيها. ويمكن مشاهدة أمارات ذلك في المهرجانات السنوية التي كانت تقام في تلك المرحلة بوضوح[2]. إنّ التمرّد العقلي والمطالبة بالحريات الفردية (تمرّد الأفراد)، كان يُنادي بعدم الحاجة إلى الموازين الأخلاقية والقوانين والقواعد القيَميّة. ولم يقتصر هذا التمرّد على الفلسفة فقط، بل كان يسجّل حضوره حتى في السياسة والاقتصاد والثقافة على نحوٍ واضحٍ وصارخٍ أيضًا. وفي هذا المجال ـ بمقتضى التمرّد الذي كان يصدر عن الإنسان ـ كان يُعدّ الكلام والحديث عن القيَم والموانع الإنسانية والأخلاقية أمرًا عبثيًا ولغوًا. وهكذا فقد حل النظام المتحرّر «القيَم/الرغبات»، محلّ نظام «القيم/الكيفية»[3].

إنّ التكالب الجنوني المسعور من قبل الناس على اكتناز الثروات، أدّى إلى إعراض الناس عن الأخلاق والإيمان الديني بالمرّة. وقال لويس في هذا الشأن: «من ناحية أيقظت القدرة على اكتساب المنافع والمزيد من الأرباح في المعاملات التجارية، وتحسين ظروف الحياة بوساطتها، الرغبة الجامحة في الحصول على المنافع والمصالح الشخصية بين أفراد المجتمع، ومن ناحيةٍ أخرى أيقظت النزعة إلى الاكتشافات الجغرافية؛ الأمر الذي أثار لدى جماعةٍ من الناس الاندفاع نحو خوض المجازفات والميل إلى التحرّر من المحيط الاجتماعي المغلق، والرغبة إلى الاستقلال الفردي.

(333)

وزال أصل تكريم الخدمة ـ الذي كان يُعدّ غاية مطمح من قبل علماء الأخلاق في العصور الوسطى ـ بالتدريج، وحلّ محلّه حبّ المال، واكتناز الثروة بوصفه غاية للنشاطات والجهود الفردية والاجتماعية، وبالتالي فقد حلّ عالم مليء بالتشنجات والمغامرات محل العالم الهادئ والمتعادل الذي كان قائمًا في العصور الوسطى. ومثل جميع المراحل التي يتحرّر فيها أفراد المجتمع عن قيود السنن والتقاليد القديمة، كان كثيرٌ من الناس في هذه المرحلة على الرغم من اللوم المتواصل من قبل علماء الأخلاق، يواصلون السير والتقدّم المغرق والمفرط في حبّ المال والكماليات والجماليات»[1].

في مثل هذا الوضع، جاءت الثورة التقنية والصناعية لمساعدة الثورة الاجتماعية البرجوازية أكثر من ذي قبل. إنّ التقدّم الصناعي والثورة الصناعية في أوربا أدّت بدورها إلى المزيد من التحوّلات الاقتصادية. وإنّ الرأسمالية الناجمة عن النظام الصناعي عملت بنفسها على تحويل الاحتكارات الجزئية إلى احتكاراتٍ شاملةٍ لا يمكن التنافس معها أبدًا، وهذا الحجم من التقدّم الاقتصادي كان يؤدّي في بعض الأحيان إلى تشديد المواجهات ومفاقمة الصراعات والنزاعات الاجتماعية[2]. ومنذ ذلك الحين حلّت الماكنة محلّ اليد العاملة، ومن خلال تنوّع وتكثّر المكائن في حقل الأسواق التجارية في إنجلترا، تمّ الاعتراف بالثورة الفنية والتقنية بوصفها مفتاحًا للتنمية والازدهار.

ومن الجدير ذكره أنّه بالإضافة إلى الثورة الدينية، من قبيل: الثورة الإصلاحية لمارتن لوثر وكالون وغيرهما في الغرب، والثورة الصناعية في الغرب بما تشتمل عليه من المراحل الثلاثة، وكذلك مختلف الثورات السياسية في الأصقاع الغربية، من قبيل: الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية، فقد كان للجهود الاستعمارية الغربية

(334)

ـ سواء في مرحلة الاكتشافات (أو لنسمّها الاحتلالات والاجتياحات الأولى)، أم في مرحلة ما بعد نابليون بونابارت ـ تأثيرٌ كبيرٌ على مسار التنمية وسيادة الحضارة الغربية. ومع ما ظهر في المرحلة الجديدة على شكل الثورات، تراجعت أسهم الدين في التحولات الحديثة من الناحية العملية، وفقد دوره المحوري الذي كان يتمتع به في السابق[1].

في هذه المرحلة من الحضارة الغربية، جنحت العلمانية نحو الراديكالية والتطرّف، ووصلت محورية الدنيا إلى ذروتها، وأصبحت النزعة المادية والتنصّل عن المعنويات أقوى ممّا كانت عليه في المرحلة القديمة. وفي هذا الاتجاه تغيّر حتى مفهوم الإنسان أيضًا، وحصل فهمٌ جديدٌ عن الإنسان يتطابق بالكامل مع الفضاء الاجتماعي الجديد. لقد كان الإنسان في هذا الفهم يُعرف بوصفه كائنًا ماديًا ينتمي إلى هذا العالم، دون أنْ تتضح علاقته بالنسبة إلى العالم الآخر، أو يتم رسم أو تعريف الارتباط القائم بينه في هذا العالم وذلك العالم. وقد تمّ إبطال الكلام القائل بأنّ الرغبات الخاصة بالجسد تعدّ إثمًا، وظهر اعتقادٌ جديدٌ يقول بأنّ الدنيا وفلسفة الحياة يجب أنْ تشكّل حاضنةً لتلبية الغرائز الجسدية للإنسان، ولم يعد الاهتمام بالحياة يعدّ شرًّا، بل أخذ يُنظر إليه بوصفه خيرًا محضًا أيضًا[2].

على الرغم من وجود كثيرٍ من نقاط الضعف في مسار تاريخ الحضارة الإسلامية، ولكن لم يتمّ الاعتراف بالعلمانية في تفكيره، كما لم يتمّ الإقرار رسميًا بالتجربة العلمانية وفصل الدين عن متن الحياة في تاريخها الاجتماعي. وبطبيعة الحال كان هناك على الدوام نزاعٌ بين مختلف المذاهب الإسلامية، وكان هناك شرخٌ متواصل بين الحكام والعلماء، بيد أنّ الحكام والسلاطين بل وحتى سلاطين المغول (من أمثال غازان خان وأولجايتو) قد اعتنقوا الإسلام وإنْ كان ذلك بحسب الظاهر رعايةً لمصلحة

(335)

حكمهم وسيادتهم. لم يكن هناك في تاريخ الإسلام (تاريخ ما قبل تسلل الغرب إلى العالم الإسلامي) كلام عن العلمانية ومحورية الإنسان، كما لم يكن هناك حديثٌ عن العلمانية وفصل الدين عن مسرح الحياة، ولا بحث في مورد اللادينية وفصل الدين عن السياسة. ولو شوهد في موضعٍ مؤشرٌ على النزعة الدنيوية والعلمانية في تاريخ الإسلام، فإنّما هو على مستوى منخفضٍ وناتج عن عدم الالتفات إلى الشريعة في البرنامج السياسي والاجتماعي. وفي هذا البين لم يتمّ القبول بالعلمانية في حدّها الأعلى أبدًا (العلمانية الإلحادية) في العالم الإسلامي، ولم يكن مرحلة لتبلور وتشكيل الحضارة؛ وهذا لا يعني عدم حدوث إلحادٍ في تاريخ الإسلام، ولم يكن هناك ردّةٌ في التاريخ الإسلامي، بل المراد منه هو أنّ الإلحاد (العلمانية في حدّها الأعلى) لم يكن له دورٌ في تبلور الحضارة الإسلامية وانتقال ثقافة المسلمين من مرحلةٍ إلى المرحلة اللاحقة. لقد ظهرت العلمانية في حدّها الأدنى وحتى في حدّها الأعلى في عالم الإسلام بعد دخول الغرب الحديث في هذا العالم، حيث يمكن لنا مشاهدة نماذج ذلك في بعض كتابات الليبراليين في نهاية القرن التاسع عشر للميلاد في مجلة المقتطف، من أمثال: شبلي شميل، وفرح أنطوان، ويعقوب صروف، وإسماعيل مظهر، وكذلك إسماعيل أدهم[1].

إنّ النقطة المهمة التي يجب التأكيد عليها في تبلور الحضارة الإسلامية ـ وربما أمكن أخذها بنظر الاعتبار بوصفها نقطة اختلافٍ عن الحضارة العلمانية في الغرب ـ هي سهم النصّ المقدّس (القرآن والسُنّة) في المسار الحضاري من جهة، ودور الشخصيات الدينية المؤثّرة، من أمثال: النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمّة الأطهارعليهم‌السلام وعلماء الدين وبعض حكّام المسلمين في بعض الأحيان من جهةٍ أخرى. ربما أمكن من خلال إطلالةٍ على المراحل الأصلية للحضارة الإسلامية في تاريخ الإسلام

(336)

المنصرم، الإقرار بهذه النقطة وهي أنّ كلّ مرحلةٍ من هذه المراحل قد شهدت ظهور شخصيةٍ دينيةٍ لعبت دورًا كبيرًا في صلب التحولات الاجتماعية والعلمية والثقافية والسياسية، وتركت آثارًا مهمّةً في تلك المرحلة.

ج. مراحل الأفول والسقوط الحضاري (مسألة الدين والشرخ الحضاري)

إنّ النقطة المهمة التي يمكن ذكرها وبيانها في أفول الحضارة الإسلامية وتنزّل الحضارة الغربية، هي أنّ أفول الحضارة في الغرب كان ناجمًا عن أسبابٍ وعواملٍ داخلية، في حين أنّ تنزّل وركود الحضارة الإسلامية قد اقترن بتسلل الأسباب والعوامل الخارجية إلى العالم الإسلامي. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الذي أوصل الحضارة الغربية ـ على حدّ قول بومر ـ إلى مرحلة الاضطراب وعدم الاستقرار[1]، وساقها ـ على حدّ تعبير جورج زيمل ـ إلى عصر الافتقار إلى الشكل[2]، أو سجّل ـ على حدّ تعبير بيتر برغر ـ مرحلة التيه والتشرّد[3]، وجعل الإنسان المعاصر مغتربًا عن ذاته[4]، لم يكن شيئًا آخر غير الحضارة الغربية نفسها. وقد ربطوا نقطة أفول الحضارة الرومانية القديمة بظهور المسيحية أو النماذج الأخلاقية لروما، وربطوا سقوط وانحطاط المسيحية بظهور الحضارة الغربية الحديثة بعد عصر التنوير، كما عرّفوا وبيّنوا زوال وأفول الحضارة الحديثة بما بعد الحداثة ووصولها إلى عصر الاضطراب.

وإذا ظهر في البين العامل والعنصر الخارجي، من قبيل: الحروب الصليبية، فإنّ هذا العامل الخارجي إنّما كان منبثقًا من إرادة الغرب نفسه؛ إذ كان هو البادئ بالحرب فيها على المسلمين. وكذلك وإنْ صح أنّ ظهور العوامل والأسباب غير

(337)

الغربية في الغرب، من قبيل: التيارات الإسلامية كان أمرًا جادًا، بيد أنّ ظهور هذا النوع من الحركات والتيارات، لم يشكل خطرًا على الحضارة الغربية في العالم الغربي أبدًا. وإذا كان هناك من تهديد، فقد تمثّل في التحدي الذي واجه حضور الغرب في العالم الإسلامي. بيد أنّ الذي تمّ الحديث عنه في بيان مرحلة الحضارة الإسلامية هو اقتران دخول الغرب إلى العالم الإسلامي بانحطاط الحضارة الإسلامية أو تخلّف العالم الإسلامي[1]. وبطبيعة الحال لا بدّ من دراسة ما إذا كان دخول الغرب إلى العالم الإسلامي، هو الذي أدّى إلى تخلّف هذا العالم الإسلامي وزوال أو انطفاء جذوة الحضارة الإسلامية؟ أم أنّ أرضيات الضعف في الحضارة الإسلامية هي التي سهّلت دخول الحضارة الغربية إلى عالم الإسلام؟ في أبحاث وتحقيقات أخرى.

والنقطة الأخيرة تكمن في موقع الدين في المرحلة الأخيرة من حضارة الغرب؛ إذ عبّر بعضهم عن هذه المرحلة بمرحلة ما بعد الحداثة الفاقدة للشكل (عصر الاضطراب)، وعمد بعضٌ أيضًا من خلال الانتقادات المتنوّعة للحضارة الغربية إلى تصحيح هذه النظرية القائمة على افتقار الحضارة الغربية للشكل. في هذه المرحلة لا يتمّ حذف الدين أبدًا، ولكن يتمّ الاعتراف رسميًا بحضور الدين بالإضافة إلى آلاف الخيارات الدينية والمعنوية الأخرى. إنّ مثل هذه التعددية المنفلتة لا تبقي من الناحية العملية أيّ مجالٍ للدين والهوية الدينية أبدًا، ويجعل العلمانية شرسةً وأكثر تطرّفًا وراديكالية. واليوم لا نخوض في عالم الإسلام ـ على الرغم من تسلل الحداثة أو الثقافة الغربية إلى العالم الإسلامي ـ سوى تجربةٍ قليلةٍ عن الحالة العلمانية الراديكالية والعلمانية التعددية. لا تزال أرضيات وحدتنا باقية ولم تفنَ بشكلٍ كامل، ويمكن لذلك أنْ يشكّل كوّةً للعالم الإسلامي، كي يعيد بناء نفسه من جديد، ويعالج تعدديته الداخلية، ويعمل على تقوية وتعزيز اتّحاده بنحوٍ أكبر.

يمكن أنْ نصل ممّا قيل بشأن مسار تبلور الحضارة الغربية واختلافاتها عن

(338)

الحضارة الإسلامية أولًا: إلى أنّ الدين كان بالنسبة إلى الغرب أمرًا عرضيًا، في حين كان الدين بالنسبة إلى الحضارة الإسلامية من جملة ذاتياتها الحضارية. إنّ مسار تشكيل الحضارة الغربية وتكوينها ومراحل تبلورها لم يكن مسارًا معنويًا، بل كان مسارًا ماديًا ودنيويًا؛ إذ تبلور ردحًا من الزمن في إطار السفسطائيين، وحينًا في إطار الإقطاعيين، وردحًا آخر من الزمن في إطار البرجوازيين، في حين لم يكن في الحضارة الإسلامية سفسطائيًا ولم يتمكن الإقطاعيون من الاستيلاء على المراحل والقرون الحضارية وجعل علماء الإسلام إقطاعيين، ولم يكن في الأساس ظهور أو تشكل للبرجوازية في عالم الإسلام وفي مرحلة من المراحل الحضارية للإسلام. فعلى الرغم من وجود نوع من العلمانية في العالم الإسلامي، فإنّ العالم الإسلامي والحضارة الإسلامية لم تخض تجربة الحضارة والثقافة العلمانية أبدًا، ولم يتم الاعتراف رسميًا بالإلحاد المنبثق عن العلمانية إطلاقًا. إنّ الحضارة الإسلامية حتى في أحلك المراحل تأزمًا في عصر الغزو المغولي والتتري لم تستسلم لظروف الحياة القاسية؛ إذ لجأت إلى نوعٍ من الروحانية الصوفية والعرفانية، ولم تفصل مسارها عن الطرق السماوية حتى في أشدّ الظروف والأوقات حرجًا ومرارة.

إنّ الذي يمكن الحصول عليه من الغرب بوصفه نقطة اختلافٍ حضاري، هو أنّ الحضارة الإسلامية تختلف عن الحضارة الغربية من الناحية الثبوتية في نقاطٍ تاريخيةٍ جوهرية، وإنّ مقارنة شرائط الحضارة الإسلامية مع الحضارة الغربية، وتقليد المسار الحضاري الغربي والقول بوجود تشابهٍ بين هاتين الحضارتين، ثم العمل على رسم نموذج لـ «الاتحاد والتنوّع» في الحضارة الإسلامية على أساس تاريخ مسألة «الاتحاد والتنوّع» في الحضارة الغربية، أمرٌ مجانبٌ للصواب. إنّ الغفلة عن هذا الاختلاف، وتقليد المشروع الحضاري للغرب في تكوين الحضارة الإسلامية، لن تعجز عن مجرّد حل التحديات المرتبطة بـ «التنوّع» و«التشتت» أحيانًا فحسب، بل وسوف تعمل في

(339)

سياق هذه المقارانات الخاطئة على إيجاد اختلافاتٍ وتشتتاتٍ جديدة، وسوف تقضي على أرضيات الاتحاد الحضاري في العالم الإسلامي أيضًا.

2. الغرب الاستعماري بوصفه نقطة «خصم حضاري»

إنّ الحضارة الغربية في مواجهتها للوجودات الحضارية الأخرى[1]، لم تكن تعدّ نقطة اختلافٍ حضاريّ بالنسبة إلى الحضارة الإسلامية فقط، بل وحيث تتخذ دورًا استعماريًا، فإنّها تلعب دورًا بوصفها خصمًا حضاريًا، وتتحول من مجرّد مختلف إلى موضع الخصام والعداوة. إنّ الحضارة الغربية لم تنظر إلى الحضارة الشرقية بوصفها الآخر العدوّ والخصم لها في المرحلة الحديثة فحسب، بل وحتى في المراحل التاريخية السابقة كانت تنظر إلى الشرق على الدوام بوصفه خصمًا منافسًا لها، ومن هنا فقد بدأت الحضارة الغربية حروبًا تاريخيةً كبيرةً ضد بلاد فارس، ويمكن مشاهدة نموذج هذه الحروب في الزحف العسكري الذي قاده الإسكندر المقدوني على هذه البلاد. وقد استمرّ هذا النهج المعادي للغرب ضد أقاليم الشرق وبعد ذلك ضدّ الإسلام والحضارة الإسلامية، في مرحلة الحروب الصليبية باسم المسيحية، وبعد ذلك ظهر النموذج الشامل لهذه النزعة السلطوية المعادية في العصور اللاحقة في مرحلة الاستعمار، وأدّت باسم الحداثة والحداثوية إلى إيجاد كثيرٍ من الشروخ والتصدّعات بين الأمّة الإسلامية. «واليوم يمكن القول فيما يتعلق بالعالم الإسلامي أكثر من أيّ مرحلةٍ تاريخيةٍ أخرى: إنّ الأمّة الإسلامية قد أصبحت ـ بسبب تأثير الحداثة من الناحية السياسية والثقافية ـ أكثر تفكّكًا من ذي قبل»[2].

«إنّ الإمّة الإسلامية تعاني اليوم من تشرذم وتفكّك غير مسبوقٍ من الناحية السياسية، وقد واجهت حملاتٍ واسعةً وتحدياتٍ غير متوقّعةٍ فيما يتعلّق بالعلمانية الحديثة، وهي أعظم بكثيرٍ ممّا كان عليه الوضع إبّان الهجوم المغولي على البلاد

(340)

الإسلامية»[1].

ومن الضروري التأكيد على أنّ نقطة العدوان من قبل الحضارة الغربية على العالم الإسلامي لا تظهر على شكل الطبقات العسكرية الصلبة فقط، بل وقد تقع هذه الماهية العدائية في بعض الأحيان على شكل تصدير الحداثة غير المتجانسة والنقل الكاريكاتيري للعناصر غير المتناغمة والمدمّرة من قبل الغرب تجاه العالم الإسلامي. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ «الاختلاف والتكثّر» الحديث ذاته القادم إلى الشرق، والمنبثق من التحولات المدينية[2]، والصناعية[3]، والعالمية[4] في الغرب[5]، قد أوجد تحدياتٍ مدمّرةً لهوية المسلمين والمجتمع العالمي للإسلام. وفي هذه النقطة نجد أنّ معطيات التحدّي الغربي لعالم الإسلام كانت في الغالب من نوع الشرخ وليس الوفاق، وفي الأساس فإنّ الاختلافات الفكرية والثقافية والخلافات المذهبية والعقائدية في عالم الإسلام من قبيل العلمانية والتعددية[6]، إنّما زادت وتفاقمت في ظلّ دخول الغرب الحديث ثم الغرب الحداثوي إلى عالم الإسلام.

وعلى كلّ حال، فإنّ الموقف المعادي للغرب تجاه العالم الإسلامي وحضارة المسلمين، قد استدعى موقفًا معاديًا من قبل المسلمين تجاه الغرب. فقد كان المسلمون في المرحلة الجديدة غاضبين على الغرب ولا سيّما الولايات المتحدة الأمريكية، وكانوا يعبّرون عن هذا الغضب بالألفاظ أحيانًا وبالأفعال أحيانًا أخرى. إنّ هذه المواقف المعادية للغرب والولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص، ليست محدودةً ومقتصرةً

(341)

على إيران ومرحلة ما بعد الثورة الإسلامية فقط. وفي الأساس فإنّ الموقف المعادي للغرب بمعية الولايات المتحدة الأمريكية تجاه البلدان الإسلامية كان موجودًا قبل قيام الجمهورية الإسلامية، ويعود بجذوره إلى التضادّ الماهوي بين المجتمع الإسلام ونظام الهيمنة العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. إنّ هذا التقابل بين الغرب والإسلام إنّما أصبح أكثر جديةً وازداد سرعةً، وتحوّل إلى بغضٍ شاملٍ عندما تغلبت الأبعاد الاستعمارية للغرب على أبعاده الثقافية. وقد تم بيان هذا البغض بشكلٍ صريحٍ في الاستطلاع الذي شمل عشرة آلاف شخص في تسعة بلدان إسلامية ما بين شهر كانون الأول من عام 2001 م إلى شهر يناير/كانون الثاني من عام 2002 م. وقد كان اعتقاد الأشخاص المستطلعة آراؤهم يقول إنّ أمريكا «قاسية وعدوانية ومتكبرة ومتعجرفة، يسهل استفزازها، وأنّ سياستها الخارجية منحازة»[1]. وقد صرّحت مؤسسة أخرى للأبحاث والدراسات باسم مركز بيو للدراسات[2] في مشروعٍ تحقيقيّ لها تحت عنوان «أمريكا في النظام العالمي» بهذه النقطة وهي «أنّ مختلف بلدان العالم تنتقد السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، في حين أنّ المسلمين يحملون تجاهها مشاعر الكره والبغضاء»[3]. وقد أظهر الاستطلاع اللاحق الذي أُجري في عام 2003 م، أنّ «ما بين 56 إلى 85% من الشعب في مصر والأردن وأندونيسيا ولبنان والسنغال وتركيا وباكستان، يعارضون قيادة الولايات المتحدة لما تسميه الحرب ضد الإرهاب. وأكثر المتواجدين في لبنان وتركيا يحملون نظرةً سلبيةً إلى حدٍّ ما أو سيئة جدًا تجاه الولايات المتحدة الأمريكية»[4].

(342)

وفي التقرير الأخير الذي أرسله المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تحت عنوان المؤشر العربي 2017 ـ 2018 م، ظهر أنّ ما نسبته 90% من الناس في البلدان العربية يضعون سياسات إسرائيل في المرتبة الأولى بوصفها تشكل تهديدًا لعالم الإسلام. وأمّا المرتبة الثانية في هذا الاستطلاع والتي تبلغ نسبتها 84% فهي تخصّ الولايات المتحدة الأمريكية[1]. وفي هذا الاستطلاع ذاته ذهب ما نسبته 84% من المستطلعين من البلدان العربية فيما يتعلّق بسياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه فلسطين، و81% تجاه سوريا، و82% تجاه العراق، إلى الاعتقاد بأنّها سيئةٌ أو سيئةٌ للغاية. ومن الواضح جدًا أنّ هذا الاتجاه السلبي والمشترك بشأن موقف الولايات المتحدة الأمريكية من البلدان الإسلامية والبلدان العربية، يُعد من نقاط الاشتراك والارتباط بين البلدان الإسلامية، وقد كان وما يزال مؤثرًا في تلاحم الأمة الإسلامية على طول جغرافيتها وعرضها في عالم الإسلام.

كما سبق أنْ ذكرنا، فإنّ هذا التقابل لا يعود بجذوره إلى منهج التفاوت والاختلاف الفكري بين الغرب العلماني وبين الإسلام، وإنّما يعود بجذوره إلى النظام الصانع للثنائيات في الغرب. وبعبارةٍ أخرى: إنّ التضاد بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية قبل أنْ يمتدّ بجذوره في الرؤية الإسلامية وثقافة المسلمين، يعود بجذوره إلى محاربة الحضارة الليبرالية الغربية للآخر المختلف.

صحيح أنّ المسلمين لا يتماهون مع ثقافة الهيمنة الغربية، بيد أنّهم يعترفون بالغرب الإنساني كما يعترفون بالغرب المسيحي، ولا يوجد هناك تضادٌّ بينهم وبين الإنسان الغربي أو الأديان الإبراهيمية. ولا يوجد مثل هذا الاتجاه من ناحية الحضارة الغربية بالنسبة إلى مثيلاتها الأخريات نوعًا ما. ومن الطبيعي أنْ تؤدّي المواجهة مع هذه الحضارة ـ التي تتلخص ماهيتها وهويتها في سلب الآخرين هوياتهم ومحاربتهم

(343)

ـ إلى العنف والمواجهة على الدوام. وقد أشار مؤلّف كتاب (مواجهة الغرب المعاصر مع العالم الإسلامي) في هذا الشأن إلى تحليل جاك دريدا، وقال: «يذهب جاك دريدا إلى الاعتقاد بأنّ الميتافيزيقات الغربية عبارةٌ عن مجموعةٍ من سلاسل المراتب الحتمية والعنيفة من المواجهات الثنائية. إنّها تنظر إلى الشرق المسلم بوصفه نموذجًا من الواقع الأدنى في قبال الشرائط المنشودة للغرب. وعندما تتجلى أمورٌ من قبيل: الوضع المنشود، والأدنى، والأعلى، وكذلك قوالب المقارنة القيَميّة في البين، تظهر تجلياتٌ من سلسلة المراتب»[1].

 

 

 

 

 

 

 

 

(344)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. نهج البلاغة.
  3. آدميت، فريدون، تاريخ فكر، انتشارات روشنگران و مطالعات زنان، 1376 هـ.ش.
  4. بدن، لوئي، تاريخ عقايد اقتصادي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: هوشنگ نهاوندي، انتشارات مرواريد، 1343 هـ.ش.
  5. بهمنش، أحمد، تاريخ يونان قديم، طهران، دانشگاه طهران، 1338 هـ.ش.
  6. بومر، فرانكلين لوفان، جريانات بزرگ در تاريخ انديشه غربي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسين بشيريه، طهران، مركز بازشناسي اسلام و ايران، 1384 هـ.ش.
  7. بيات، علي، «بايسته‌هاي دوره‌بندي تمدن اسلامي»، مجلة نقد و نظر، العدد: 74، 1393 هـ.ش.
  8. پيتر، آندره، تاريخ اقتصادي: بررسي در روابط نهادي اقتصادي و تحولات تمدن بشري از ابتدا تا عصر حاضر، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: ضياء الدين دهشيري، طهران، دانشگاه طهران، 1355 هـ.ش.
  9. برگر، پيتر، وآخرون، «تجدد و ناخرسندي‌هاي آن»، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد رضا بور جعفري، مجلة أرغنون، العدد: 13، خريف عام 1394 هـ.ش.
  10. پازارگاد، بهاء الدين، تاريخ فلسفي سياسي، طهران، نشر زوار، 1348 هـ.ش.
  11. دو کولانژ، فوستل، تمدن قديم، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: نصر الله فلسفي، طهران، انتشارات كيهان، ط 3، 1343 هـ.ش.
  12. دولاندلن، ش. تاريخ جهاني، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد بهمنش، طهران، دانشگاه طهران، 1367 هـ.ش.
  13. دورانت، ويليام جيمز، تاريخ تمدّن (قصة الحضارة)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مجموعة من المترجمين، طهران، انتشارات علمي فرهنگي، ط 3، 1370 هـ.ش.
(345)
  1. ــــــــــــــــ، تاريخ تمدّن؛ مشرق زمين گاهواره تمدن (قصة الحضارة؛ الشرق مهد الحضارة)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد آرام، وع. باشائي، وأمير آريان پور، طهران، سازمان انتشارات و آموزش انقلاب اسلامي، ط 2، 367 هـ.ش.
  2. رابينسون، تشارلز الكساندر، تاريخ باستان، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: إسماعيل دولتشاهي، طهران، انتشارات علمي و فرهنگي، 1370 هـ.ش.
  3. رندال، هرمن، سير تكامل عقل نوين، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أبو القاسم پاينده، طهران، انتشارات علمي و فرهنگي، ط 2، 1376 هـ.ش.
  4. عارف، نصر محمد، الحضارة/الثقافة/المدنية، دراسة لسيرة المصطلح ودلالة المفهوم، أمريكا / فرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1415 هـ / 1994 م.
  5. اگريدي، جو آن.، مسيحيت و بدعت‌ها، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: عبد الرحيم سليماني، قم، مؤسسه فرهنگي طه، ط 1، 1377 هـ.ش.
  6. ف.قسان، عبدالله، «نئوسكولاريسم در جهان عرب»، في: مجموعة من الكتاب: سكولاريسم از ظهور تا سقوط، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: سيد رحيم راستي تبار، سيد محمد حسين صالحي ورحمت الله رضائي، قم، پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامي، 1393 هـ.ش.
  7. فوگل، اشپيگل، تاريخ تمدن مغرب زمين، انتشارات أمير كبير، طهران، 1387 هـ.ش.
  8. گمپل، ژان، انقلاب صنعتي در قرون وسطى، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مهدي سحابي، طهران، نشر مركز، ط 1، 1374 هـ.ش.
  9. كروزيه، موريس، تاريخ الحضارات العام، عويدات للطباعة والنشر، 2003 م.
  10. لاجوردي، هالة، «درباره تضاد فرهنگ مدرن»، مجلة أرغنون، العدد: 18، خريف عام 1380 هـ.ش.
  11. لوكاس، هنري، تاريخ تمدن، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: عبد الحسين آذرنگ، طهران، انتشارات كيهان، 1366 هـ.ش.
  12. متقي، إبراهيم، رويارويي غرب معاصر با جهان اسلام، قم، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی، 1391 هـ.ش.
(346)
  1. مورگان، لوييس هنري، جامعه باستان، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محسن ثلاثي، طهران، پژوهشگاه علوم انساني ومطالعات فرهنگي، 1371 هـ.ش.
  2. نصر، سيّدحسين، «دين و سكولاريسم، معنا و نحوه ظهور آنها در تاريخ اسلام»، سكولاريسم از ظهور تا سقوط، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: سيد حسين راستي تبار وآخرون، قم، انتشارات پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامي، 1393 هـ.ش.
  3. ــــــــــــــــ، قلب اسلام، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: سيد محمد صادق خرازي، طهران، نشر ني، 1385 هـ.ش.
  4. بنگسون، هرمان، يونانيان و پارسيان، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: تيمور قادري، طهران، انتشارات مهتاب، 1376 هـ.ش.
  5. يگر، ورنر، پايديا، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمد حسن لطفي، طهران، انتشارات خوارزمي، ط 1، 1376 هـ.ش.
  6. Hodgson, Marshall G. S; The Venture of Islam, Conscience and History in a World Civilization. The Classical Age of Islam; Chicago and London, The University of Chicago Press, Vol. 1, 2, 3, 1974.
  7. Hunter, James Davision; To Change the World, the Irony, Tragedy, & Possibility of Christianity in the Late Modern World; New York, Oxford University Press, 2010.
  8. Peter L. Berger; The Heretical Imperative, Contemporary Possibilities of Religious Affimation, Anchor Press/Doubleday, 2007.

 

 

 

 

 

(347)
(348)

المباني النظرية لحضارة الغرب الحديثة[1]

علي بيگدلي[2]

في معرض دراسة مباني الحضارة الغربية وبحثها، يجب عدّ أوروبا مركز هذه الحضارة؛ لأنّ الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأمريكا اللاتينية وإنْ كانت تُعدّ من البلدان الغربية من الناحية الجغرافية، ولكنّها لم تؤدّي دورًا في بناء الحضارة الغربية. ولو نظرنا إلى عصر النهضة بوصفه منطلقًا لحضارة الغرب الحديث، فإنّ هذا التحوّل سوف يكون نتيجةً للمسار التاريخي لأوروبا، والذي انتقل إلى القارة الأمريكية عبر موجات الهجرة الأوروبية إلى تلك الأصقاع. وعلى الرغم من دخول روسيا ضمن الجغرافيا الأوروبية منذ القرن الثامن عشر للميلاد، وفتحت بوّاباتها نحو الحضارة الغربية، إلا أنّها لم تؤدّي دورًا في حركة عصر النهضة وبناء الحضارة الغربية[3].

لقد كانت أوروبا الغربية وحدها هي التي اجتازت في مسارها التكاملي مقاطع تاريخيةً محدّدةً وحقائق في بناء الحضارة الغربية، وعبرت من اليونان وروما إلى

(349)

العصور الوسطى، ومن عصر النهضة إلى عصر التنوير، وبعد ذلك من الثورة الصناعية الإنجليزية والثورة السياسية الفرنسية، حتى وصلت إلى الديمقراطية التي تمثّل الوجه البارز للحضارة الغربية الحديثة.

إنّ الحضارة الغربية مزيجٌ من ثلاث دعائم وركائز حضارية، تبلورت عبر ثلاث مراحل تاريخية[1]، يمكن بيانها على النحو الآتي:

أ. الحضارة اليونانية، وقد كانت هذه الحضارة تحتوي في أحشائها على ثلاثة خطاباتٍ حضاريةٍ مهمّة، وهي: 
1. الفردانية في إطار سياسة الدولة / المدنية.

2. روح الفلسفة النقدية.

3. العقلانية.

ب. الحضارة الرومانية، وكانت بدورها تشتمل على ثلاث خطابات حضاريةٍ مهمّة:

1. بيان ظاهرة المواطنة.

2. إقامة النظام الحقوقي الحديث.

3. تأسيس الإمبراطورية على أساس المزاوجة بين الدين والدولة.

ج. الحضارة المسيحية، وتحتوي بدورها على ثلاثة عناصر حضارية، وهي: 
1. القيمة الذاتية للإنسان.

2. روح الإحسان والمروءة.

3. مساواة جميع الناس أمام الله، والذي يعني في الحقيقة المواجهة السماوية ضد النظام الطبقي.

بيد أنّ هذه الحضارة المسيحية، ما أنْ وصلت إلى السلطة في العصور الوسطى

(350)

حتى تجاهلت هذا الأصل الجوهري. ومن هنا نجد أنّ بولس الرسول ـ وهو المشرّع الحقيقي للمسيحية ـ عندما أخذ المسيحيين إلى الإمبراطورية الرومانية، حيث وجد نفسه محاطًا بالنظام الطبقي، أعلن عن أنّ المساواة بين الناس لا يمكن تطبيقها إلّا في حضرة الأب، وأمّا في العالم المادي، فهي غير قابلةٍ للتطبيق ويكون الإنسان تابعًا للسلطة الأرضية.

إنّ أوروبا في بناء حضارتها الحديثة لم تعتمد على مصادرها الذاتية فقط، بل استعانت في ذلك بالمصادر الخارجية أيضًا، ولا سيّما منها المصادر الإيرانية والإسلامية والهندية والصينية وغيرها من العواصم الحضارية الأخرى. وهذا ليس مجرّد ادعاء، وإنّما حقيقة يقرّ بها حتى كبار المؤرّخين المعاصرين، ومن بينهم جاك لوغوف[1]، إذ يذهب لوغوف إلى الاعتقاد بأنّ أوروبا في بناء حضارة عصر النهضة قد استفادت من جميع العواصم الحضارية، ولا سيّما منها حضارة ما بين النهرين (الشرق الأوسط الإسلامي).

وقد ذهب ديموقريطس ـ الفيلسوف الإغريقي في القرن الخامس قبل الميلاد، ومؤسس المذهب الذرّي ـ إلى الاعتقاد بأنّ كلّ شيءٍ في الطبيعة متحرّك، وإنّ هذه الحركة تعمل على هداية وتوجيه العناصر نحو الكمال؛ وعلى هذا الأساس فإنّ التاريخ ـ بوصفه حاملًا ومهدًا لتحوّلات المجتمع البشري، وأحد العناصر المعرفية ـ يُعدّ هو الآخر تابعًا لهذه الحركة المتعالية أيضًا. وعلى هذه الشاكلة فإنّ التاريخ لا يتكرر، وعلى حدّ تعبير هيجل: لا تعود عجلته إلى الوراء. كما كان لودفيغ فويرباخ يذهب بدوره إلى الاعتقاد بأنّ التاريخ يسير باتجاه هداية الإنسان نحو الكمال الإنساني أيضًا. كما كان هيجل يعتقد أنّ حركة التاريخ تسير في اتجاه الوصول إلى

(351)

الروح المتعالية (حكومة بروس)[1]. كما ذهب كارل ماركس إلى الادّعاء بأنّ التاريخ في مساره المتواصل والمتعارض وغير المتقاطع، يتحرّك نحو تكامل المادة[2]. كما يذهب الفلاسفة الإسلاميون بدورهم إلى الاعتقاد بأنّ التاريخ في حركته يعمل على توجيه الإنسان وهدايته إلى مرحلة التألّه الذي يُمثّل ذروة الكمال البشري؛ وعلى هذا الأساس لمّا كان التاريخ في ذاته مقهورًا للحركة المتجهة نحو الكمال، فإنّ الحضارة ـ التي تولد بدورها في مهد التاريخ، وتنمو في خضم الحركة التاريخية ـ يجب أنْ تتجه هي الأخرى نحو الكمال أيضًا.

بالنظر إلى أصالة وحتمية حركة التاريخ، فإنّ المتغيّرات الاجتماعية التي هي من جهة ثمرة هذه الحركة، وهي من جهةٍ أخرى تابعة لهذه الحركة، لا تستطيع التغلّب على حتمية حركة التاريخ؛ وذلك لأنّ ظهور المتغيّرات الاجتماعية ضرورةٌ تاريخيةٌ تأتي بوصفها تلبيةً لتوقعات التاريخ. وعلى هذا الأساس فإنّ التاريخ لا يكون مقهورًا لإرادة الأبطال، وإنّ الأبطال ليسوا هم من يرسم المتغيّرات الاجتماعية، وإنّما هم يركبون موجتها، وفي هذه اللحظة ربما قاموا بإجراء بعض التعديلات وإعمال إرادتهم بما تشتهيه حركة هذه الأمواج، نحو إبطاء حركة التاريخ أو تسريعها، أو توجيهها نحو اليمين أو الشمال، ولكن التاريخ يعود مرّةً أخرى باتجاه مساره المتعالي على كل حال.

والحضارة بوصفها ثمرةً من ثمار التاريخ، ملزمةً بالتبعية لهذا المصير. وكلما خرج المجتمع من حالة الركود، واتجه نحو الحركية، زاد ذلك في تسريع مسار التاريخ، وعندها سوف تخرج الحضارة من قشرتها التقليدية، وتغيّر وضعها وتتجه نحو التجدّد والحداثة، بيد أنّ سرعة حركة التاريخ وتغيير مباني الحضارة، رهنٌ بوجود

(352)

المحرّكات الاجتماعية. إنّ سوابق الحضارات الشرقية تشير إلى أنّها قلّما أبدت من نفسها ميلًا نحو الحركية والتغيير، ويعود السبب في ذلك إلى عدم توفّر أرضيات ظهور المحركات الاجتماعية وتبلورها في هذا الجزء من حضارة العالم. في حين أنّ ظهور عصر النهضة ـ بوصفه من أبرز المحرّكات الاجتماعية ـ في الغرب، كان يعبّر عن عبور الحضارة الغربية من قشورها التقليدية باتجاه الطبقات الحديثة.

لقد كانت الحضارة الغربية في قوسها الصعودي حصيلة المحركات والمتغيرات الاجتماعية الجوهرية، ومن بينها: حركة الإصلاح الديني، وعصر الاختراعات والاكتشافات، والثورات السياسية والثقافية، الأمر الذي أدّى إلى التغيير في المباني النظرية والمباني التكوينية لحضارة الغرب. في حين أنّ حضارة الشرق بسبب استيحاشها من كلّ ما هو أجنبيّ وغريب، وبسبب بطء حركتها، فإنّها غالبًا ما كانت عرضةً للانطوائية، وتأصيل الذات وحتى الثناء عليها أحيانًا. يجب البحث في الغالب عن هذا الاختلاف في بنية السلطة، والظروف الجغرافية، والتباعد السكاني، وانفصال الحكومة عن الشعب، والتعاليم الأخلاقية في الشرق، حيث تلقن أتباعها الإقامة في مكانٍ واحد، والرضا بالتقدير، وفضيلة القناعة، وتحثّهم على تجنب خوض المجازفات. في حين أنّ ازدهار الحضارة إنّما هو ثمرة الهجرة، وإنّ خميرة الهجرة تكمن في خوض المجازفات. وكان سرّ النجاح والبقاء والدوام بالنسبة إلى الأديان السماوية، ولا سيّما الدين الإسلامي، يكمن في هجرة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مكة المكرّمة إلى المدينة المنوّرة. وقد تمكن كريستوفر كولمبس من خلال خوضه لمجازفته البحرية ـ التي كانت في الحقيقة عبارةً عن هجرة من الواقع القائم من أجل الوصول إلى الوضع المطلوب والمنشود ـ من تغيير المباني النظرية للحضارة الأوروبية التي كانت تقوم على الإقامة في مكان واحد وعلى الحياة الإقطاعية والإيمان الكاثوليكي بالآخرة، والمضيّ بها نحو الحركية وعبادة الدنيا.

(353)

والآن بالنظر إلى هذه المقدمات، نطرح هذا السؤال القائل: ما هي العناصر والمحرّكات التي ساعدت على حدوث هذه السرعة المتزايدة في تاريخ الغرب المعاصر، وكيف حدث التحوّل في المباني النظرية للحضارة الغربية الحديثة؟

يبدو أنّ الحروب الصليبية- التي أدّت إلى تحرر المسيحيين من الأطر الضيّقة، والأفكار الكنسية الضيّقة، والنظام الإقطاعي، وكذلك تغيير مسار التجارة من البحر الأبيض نحو المحيط الأطلسي إثر سيطرة الإمبراطورية العثمانية على القسطنطينية سنة 1453 للميلاد، ورحلة كريستوفر كولمبس[1] (سنة 1492 م) بهدف الوصول إلى الهند عبر المحيط الأطلسي غربًا، ووصوله صدفةً إلى العالم الجديد (القارة الأمريكية الجنوبية والشمالية)- تعدّ من أهم العناصر المحرّكة لتاريخ الغرب الجديد؛ وذلك لأنّ هذه الرحلة فتحت أبواب الاقتصاد العالمي نحو أوروبا على مصاريعها، وأدّى ذلك بدوره إلى ظهور الطبقة البرجوازية، بوصفها العامل والعنصر الأكثر تأثيرًا في تبلور الحضارة الغربية الجديدة. إنّ انفتاح أبواب الأسواق الجديدة نحو أوروبا دفع الأوروبيين إلى تحويل أنظارهم من الداخل إلى الخارج. إنّ قوّة الرجال التي بدأت تتهاوى بفعل الحروب الدينية الدامية، والمعارك الإقطاعية والقتال بين الملوك، تحوّلت لاحقًا إلى قوّةٍ تبحث عن المجازفة تحت الحماية البرجوازية؛ فاتجهت نحو البحث عن مناجم الذهب والفضة، وتعمل من أجل ذلك على إبادة السكان الأصلين المسالمين في القارّة الأمريكية. إنّ روح المجازفة البرجوازية لم تكن تنسجم مع مزامير داود وتنبّؤات النبي حزقيال، وقد وجب على مارتن لوثر وجون كالفن أن يصفّقا بحماسة ليتمكنا من التوفيق والمواءمة بين الروح الرأسمالية والأخلاق البروتستانتية.

لقد عمد رينيه ديكارت ـ من خلال تقويضه للدعائم والأسس الفلسفية

(354)

لأرسطو وأفلاطون، وتشكيكه في الوضع القائم ـ إلى وضع الحجر الأساس لصرح عصر التنوير. كما ساعد كلٌّ من توماس هوبز من خلال تأسيس الدولة، وجان لوك من خلال بناء المجتمع المدني، ولا سيّما جان جاك روسو بوساطة التأسيس للعقد الاجتماعي واللجوء إلى الإرادة الجماعية، على تقويض وهدم الأنظمة الملَكيّة البالية والمتهرّئة، وأدخلوا أوروبا في عصر الحداثة السياسية.

وقد أدّى اختراع غوتنبرغ الآلة الطابعة إلى تعميم العلم ورواج روح التجديد الفكري، وأدّى اختراع ماكنة البخار من قبل جيمس واط، إلى تسريع عمليات النقل والإنتاج. ومن خلال هذين الحدثين المهمين، وضع الغرب أقدامه في عصر الحضارة الحديثة:

1. إنّ الثورة السياسية الفرنسية ـ بوصفها تراثًا لعصر التنوير ـ قد مهّدت لموجبات انفتاح الأفق العقلي والعقلانية الانتقادية، من خلال الهجوم على فلسفة التيار المحافظ. فقدّمت الديمقراطية في حقل السياسة، والليبرالية في حقل الاقتصاد، الفردانية في حقل الدين؛ وبذلك وفّرت الأرضية لسقوط السلطة المطلقة الحديثة التي كانت تستند إلى الحق الإلهي.

2. وأنتجت الثورة الصناعية الإنجليزية الأرضية العقلانية الآلية، من خلال التوصل إلى السرعة في وسائل الإنتاج، وظهور التغيير في الهندسة الاجتماعية. ووجدت الصناعة نفسها في خدمة إنتاج السلاح قبل أيّ شيءٍ آخر؛ لتعمل من جهة على تصدير فائض الإنتاج إلى ما وراء البحار بوساطة إطلاق الرصاص، وتعمل من جهة أخرى على جلب المواد الخام إلى الداخل. وهكذا ظهر الاستعمار وتحققت الهيمنة الغربية على البلدان الأخرى.

لقد أسّست الثورة الأولى للمباني الأيديولوجية، بينما أسّست الثورة الثانية للبنية التكنولوجية في الحضارة الحديثة، واللتان كان يمثّلهما على التوالي المستنيرون

(355)

والبرجوازيون. وقد أدّت الثورة الأولى إلى إحداث التغيير في المباني النظرية لأوروبا الحديثة، وأدّت الثورة الثانية إلى إحداث التحوّل في المباني البنيوية والمباني السلوكية.

إنّ الحضارة الغربية في العبور من الوضعية القديمة، والدخول في الشرائط الحديثة، استنادًا إلى المحركات الاجتماعية المؤثرة، قد رضخت لثلاثة متغيّرات:

التغيير في المباني النظرية: لقد تمثّل هذا التغيير في العبور من التقيّد إلى التعقّل، الذي أدّى إلى حدوث التغيير في المباني الإبستمولوجية والأنطولوجية للفرد المسيحي، كما غيّر نوع الحكم والرؤية من قبل الفرد وتصوّر الإنسان الحديث لعالم الوجود. لقد كان منح الحرية للفرد من أسمى المباني النظرية للحضارة الغربية الحديثة، في حين «كان الفرد في الحكومات اليونانية المدنية يفتقر إلى الاستقلال والحرية على المستوى الفردي، وكان تابعًا للقوة والاقتدار الجماعي»[1].

التغيير في المباني البنيوية: يقول فيليب وولفيرى «أنّ الحداثة في أوروبا قد بدأت بتأسيس مدرسة شارتر[2]في القرن الثاني عشر للميلاد على يد برنارد دو شارتر وتلميذه ساليبوري»[3]. لقد كانت مدرسة شارتر أوّل بنيةٍ حديثةٍ تبنى في قبال الصومعة. لقد أثبت هذا الأمر أنّ تغيير الأبنية تابعٌ لبروز التحوّل في النظرة الفكرية والثقافية. وقد بدأ سطوع شمس التنوير في أوروبا من خلال الآراء الجدلية لبيتر أبيلار الفرنسي. وأقام جيراردو كريمونا بتأسيس حركةٍ أو مجمع

(356)

الترجمة بدعم من أسقف طليطله، وقام بترجمة أعمال الكِندي والفارابي وابن الهيثم وإقليدس وجالينوس من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية. ومن ناحية أخرى كان تأسيس جامعة باريس على يد الملك الفرنسي فيليب أوغسطس سنة 1200 م، في حقل الحقوق والأدب الروماني والطب ـ في قبال مؤسسة الكنيسة ـ يمثل التغيير الأبرز في المباني البنيوية، بيد أنّ موريس باربيه يرى أنّ الثورة الفرنسية الكبرى كانت هي المنشأ في التغيير البنيوي في الغرب الحديث؛ وذلك لأنّ الثورة إنّما تحقق الحداثة السياسية من خلال فصل الدولة المتعاقد عليها عن المجتمع المدني[1].

5. التغيير في المباني السلوكية: خلال العصور الوسطى كانت العلاقات والروابط الاجتماعية تابعةً للضوابط والمقررات الكنسية. ففي ضوء سلطة الثقافة القروية، والافتقار إلى قواعد الحياة المدنية، والعصبية الكاثوليكية، وغلبة الثقافة الفروسية، كان الطابع غير المؤدّب واللامتحضر هو الذي يطبع سلوك الناس في أوروبا تجاه أنفسهم والآخرين. فإنّ الظلم الذي كان يمارسه الإقطاعيون تجاه خدمهم ـ طبقًا للوثائق والمستندات التاريخية ـ وظلم الملوك للرعية، كان يعدّ عنصرًا وعاملًا رئيسًا في انتشار العنف والقسوة فيما بينهم. وكانت قلة مساحة الأراضي الخصبة وضيق ذات اليد تساعد على زيادة هذا التعامل العنيف والسلوك السيئ. وبعد عصر النهضة واستيلاء أوروبا على الأراضي الإسلامية واتساع التجارة مع الشرق، وزيادة الإقبال على الحياة والعيش في المدن، ظهرت الطبقة البرجوازية، وانتقلت المصادر العلمية / الفلسفية من العالم الإسلامي إلى أوروبا، الأمر الذي أدّى بدوره إلى ظهور طبقة المستنيرين. كانت هذه التغيّرات الفكرية تحتم على المجتمع أن يتبع

(357)

القواعد والقوانين المُلزمة. ومنذ القرن السابع عشر شاع استعمال مصطلح «سيفيل»[1]بمعنى التربية، والحقوق المدنية، والمدني، والعرفي، ومصطلح «سيفيليته»[2] بمعنى المؤدّب، وآداب المعاشرة والتعارف، وقام الكتاب بتأليف الكتب لتعليم الناس آداب الحياة الحديثة وطريقة لبس الثياب وتناول الطعام واحترام المرأة، وعلموا الناس كيفية التعامل مع الآخرين من خلال إقامة المآدب الفاخرة[3].

حتى عام 1750 لم يكن المؤرّخون والفلاسفة الفرنسيون يفهمون من مفردة الحضارة[4] ما يُفهم منها حاليًا. فحتى ما قبل هذا التاريخ كان يتم استعمال مصطلحي «سيفيلزه»[5] و«بوليسييه»[6] في الأدبيات الفرنسية، للدلالة على سكان المدن والأشخاص المهذّبين الذين كانوا يجدون أنفسهم ملزمين برعاية قوانين الحياة في المدينة؛ وعلى هذا الأساس كان المراد من التحضّر عبارة عن التقيّد بالقوانين السائدة والمحافظة على آداب المعاشرة التنويرية. نشر الماركيز دي ميرابو ـ نجل عصر التنوير وأبو الثورة الفرنسية الكبرى ـ رسالةً قبل صدور «دائرة المعارف» سنة 1756 م، بعنوان «صديق الناس»[7]، وصرحّ فيها بأنّ الحضارة تعني تطوّر وتقدّم البشر، وأنّ التقدّم إنّما هو نتيجة لتعالي العقل الفلسفي[8]. يقول ميرابو: لقد كان تطوّر البشرية متواصلًا ضمن مسار تكاملي منذ عصور التوحّش إلى عصر المدنية الحديثة، وإنّ

(358)

المراد من عصر المدنية، هي المرحلة التي صار بمقدور الناس فيها أنْ يتعايشوا فيما بينهم من خلال مراعاة حقوق الآخرين، واحترام القوانين التي وضعوها بأنفسهم، ومن خلال الحفاظ على الحريم الخاص والعام. إنّ هذا الأسلوب في الحياة هو الذي أوصل الإنسان الغربي المتمدّن إلى كمال الإنسانية في النزعة الإنسوية.

يذهب ماكس فيبر إلى الاعتقاد بأنّ الحضارة تلازم مفهوم التطوّر، وأنّ توسيع الحضارة يعني التعقلن، في حين أنّ الثقافة تندرج ضمن مقولة الإبداع، ولا صلة لها بشمولية العقلنة. ومن ناحية أخرى يرى أنّ التعقلن ناظرٌ إلى النظام الاجتماعي أو الحياة الخارجية للفرد، وليس إلى الحياة الخاصة والعقلية للإنسان[1].

عواصم الحضارة[2]

إثر حدوث التغيّرات المناخية والجغرافية التي شهدتها الكرة الأرضية، أصبحت بعض المناطق ذات شرائط وظروفٍ مؤاتيةٍ لتجمّع المزيد من السكان وتمركز الأعراق المتنوّعة. إنّ هذه المناطق بسبب خصائصها الجغرافية والمناخية الخاصة، تحوّلت إلى بيئةٍ مناسبةٍ ليعيش الإنسان فيها. ويمكن الإشارة من بين هذه الخصائص إلى ما يلي: كون بعض المناطق والأراضي واقعة ضمن جُزر، أو أنّها من المناطق الواقعة في مفترق الطرق التجارية، وكذلك اشتمال الأراضي على مساحاتٍ خصبةٍ واسعة، وكونها تشتمل على أنهارٍ كبيرة، الأمر الذي يوفر وسيلةً طبيعيةً ومناسبةً لسقي الزراعة، والتنقل عبر الضفاف وإلى المناطق الواقعة في مسارها بالزوارق، كما تمثّل ملاذًا آمنًا من هجوم الأعداء، وما إلى ذلك من الخصائص التي تعدّ من الامتيازات الأولية للعيش المثالي والمناسب.

لقد شكّلت هذه المناطق البؤر الاستيطانية الأولى لحياة الإنسان الذي تخلّى منذ

(359)

وقتٍ قريبٍ عن حياة الرعي والاقتصاد المعتمد على الصيد والترحّل، وبدأ من خلال السكن والإقامة في المراتع وضفاف الأنهار حياةً مستقرةً تعتمد الاقتصاد الزراعي. وقد شكّل هذا الاستقرار بداية عصر المدنية.

إنّ الذين اضطروا إلى ترك مواطنهم بسبب الظروف المناخية، أخذوا الآن ـ على الرغم من الاختلافات العرقية والاختلاف في الآداب والتقاليد ـ يمتزجون بالمهاجرين الآخرين في موطنٍ جديد، وبذلك تشكّلت أولى بؤَر المجتمعات البشرية في أوروبا (وكان ذلك في الشرق والجنوب الشرقي غالبًا). وفي حدود الألفية الأولى قبل الميلاد أضحت المناطق الجنوبية من القارة الأوروبية ـ حيث كانت تتمتع بمناخٍ أفضل ـ مسرحًا لهجراتٍ واسعةٍ لمختلف القوميات[1]. وقد سار الهيلينيون ـ الذين هم فرع من المهاجرين الآريين ـ على ضفاف نهر الدانوب، وبعد نزولهم في اليونان عمدوا إلى بناء دولة الاستعباد الأولى في أوروبا في تلك الألفية الأولى.

يرى كثير من علماء التاريخ القديم والمؤرّخين، أنّ أهم وأقدم معاقل وعواصم الحضارات البشرية هي الحضارات الآتية:

1. حضارة أمريكا المركزية (كندا والولايات المتحدة والمكسيك)، حضارة المايا.

2. حضارة البحار الجنوبية (البحر الأسود، وبحر مرمرة، وبحر إيجة، والبحر الأدرياتيكي، والبحار الثلاثة الأخيرة تقع في البحر الأبيض المتوسط).

3. حضارة البحر الأصفر، الحضارة الصينية.

4. حضارة الغانج والسند الحضارة الهندية.

5. حضارات النيل وما بين النهرين، حضارات مصر وسومر[2].

(360)

أسس الحضارة الغربية

يذهب المؤرّخون الغربيون إلى الاعتقاد بأنّ أسس الحضارة الغربية تقوم على محورٍ مثلث، وذلك على النحو الآتي:

النزعة المعرفية[1]: لقد كان الفهم الحديث للوجود، والحكم في القضايا على أساس العقل الفلسفي، والعبور من الأساطير والوصول إلى الحقيقة العلمية، والأبستمولوجيا والأنطولوجيا الإنسوية، مستندة إلى التراث اليوناني والإغريقي.

الفردانية[2]: العبور من الإنسان التابع إلى الإنسان المستقل، وتحرّر الفرد من التقيّد والتعبّد من أجل الوصول إلى التعقّل. الفردانية الحاصلة من التراث اليوناني والديانة البروتستانتية.

النزعة الفنية[3]: العبور من الحياة الآلية إلى الحياة الصناعية، العبور من أسلوب الإنتاج الفيزيقي إلى أسلوب الإنتاج الميكانيكي.

وقد ذهب جورج غرون إلى الادّعاء بأنّ الحضارة الغربية تمتاز بثلاث خصائص علميةٍ وثقافيةٍ واجتماعية، بنحوٍ لا تحظى أيّ حضارةٍ أخرى بهذه الخصائص، وهي الخصائص الآتية:

هيمنة الروح العلمية والتكنيكية على العلاقات الاجتماعية.

(361)

2. الانفصال عن الماضي والنظر إلى المستقبل، إذ من خلال الانفصال عن الماضي يتحرّر الفرد من قيود الإخفاقات التاريخية والتقاليد المعقدة التي تقيّد العقلانية، ومن خلال الرؤية والنظرة المتفائلة إلى المستقبل، يضمن لنفسه التقدّم والتطوّر والارتقاء.

3. إنّ القليل من السكان الفاعلين يعملون على تلبية الاحتياجات الاجتماعية، ففي الولايات المتحدة الأمريكية يعمل ما نسبته 10% من مجموع الفلاحين، بتوفير الطعام لما يقرب من مئتين وسبعين مليون نسمة.

وفيما يلي نعمل على إيضاح ثلاثة أبعاد من أبعاد الحضارة الغربية:

1. الأبستمولوجيا

يذهب الغربيون إلى الاعتقاد بأنّ الركن الأساس في حضارتهم يكمن في اعتماد الفرد على العقلانية الفلسفية لتحرير ذهن الإنسان من أوهام التقاليد اللامعقولة[1]. وعلى هذا الأساس فإنّ الإنسان الغربي في الحضارة الحديثة، أصبح من خلال مكافحة الأساطير ونفيها من حياته صاحب عقلٍ حرٍّ ومنزّهٍ من الخرافات، وباللجوء إلى هذه العقلانية يحكم في مورد مسائل وشؤون الحياة، ويتخذ القرارات على أساس ذلك.

لو فسّرنا المعرفة بالعقلنة، كان هذا هو الموضوع الذي شغل اهتمام ماكس فيبر بشدّة؛ فإنّه يرى أنّ هذه الظاهرة إنّما هي متعلقةٌ بالحضارة الغربية. وعلاوةً على ذلك أنّه يرى أنّ العقلانية إنّما هي نتيجةٌ وثمرةٌ للتخصّص العلمي والنبوغ الفني والتقني للإنسان الغربي[2]. ويضيف ماكس فيبر قائلًا: من المستبعد أنْ تكون العقلانية

(362)

المضافة، معبّرةً عن الرقي في المعنى المتداول للكلمة، أو أنّه أمر عقلائي، مهما كان أساسها علميًا. كما أنّه في أثره وكتابه الجدلي الأول بعنوان «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية»، ضمن سعيه إلى إيجاد علاقةٍ مفهوميةٍ بين هذين الموضوعين، يرى بشكلٍ وآخر أنّ هذين العنصرين من الركائز والدعائم والأركان الأصلية للحضارة الغربية الحديثة[1].

وقد ذهب فيرنر سومبارت ـ عالم الاجتماع والمؤرّخ المعاصر لماكس فيبر ـ في كتابٍ له صدر عام 1913 م، بعنوان «جوهر الرأسمالية»[2]، إلى الاعتقاد بأنّ الحضارة الغربية الحديثة، هي ثمرة التماهي بين ثلاثة عناصر، هي: العقلانية، وروح البحث والتحقيق، والفردانية. وقال بأنّ هذه العناصر قد ازدهرت في أواخر القرن الخامس عشر للميلاد بين الطبقة البرجوازية الظاهرة حديثًا. وهي الخصائص التي لم تكن موجودةً بين طبقة الحرفيين والتجار في العصور الوسطى. واللافت أنّ فيرنر سومبارت كان يعتقد بأنّ البرجوازية هي التي كانت تدير هذه العناصر الثلاثة؛ لأنّه يرى أنّ البرجوازية هي العنصر الأساس في تبلور الحضارة الغربية، وهي الطبقة التي لم تتبلور في أيّ واحدةٍ من الحضارات الأخرى[3]. من خلال القول بأصل تأثير وفاعلية عنصر البرجوازية في بلورة الحضارة الغربية، وبالنظر إلى رؤية سومبارت، فإنّ العقلانية الناتجة عن حركة التنوير قد حلّت محل المنطق الكنسي القروسطي؛ بيد أنّ روح البحث ـ أو لنقل روح المجازفة ـ بوصفها جوهر الحضارة الغربية، إنّما هي

(363)

ثمرة الماهية الرأسمالية، التي تمثّل رحلة كريستوفر كولمبس سنة 1492 م، النموذج البارز لها. ومن ثَمَّ فإنّ الفردانية نتاج الحركة الإنسوية والإصلاح الديني.

لقد ذهب ألفرد فون مارتين ـ عالم الاجتماع والمؤرّخ الألماني المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية، وهو المتأثّر بعمق بأفكار وآراء ماكس فيبر ـ في كتابه (علم اجتماع عصر النهضة)[1]، إلى القول بأنّ التعايش بين الطبقتين التنويرية والبرجوازية كان من أهم الأركان التي عملت على بلورة النزعة المعرفية في العالم الغربي. وعلى الرغم من أنّ نوع هاتين الطبقتين مختلفٌ عن الآخر، بيد أنّ غايتهما، من خلال رفعهما لشعار القومية والليبرالية ـ حيث الشعار الأول يضمن حرية التفكير، والثاني يضمن الأمن لرأس المال ـ كانت واحدة. وبذلك فإنّ التعاون بين العقل والنقود قد مهّد الأرضية لعبور أوروبا الغربية من التقليد والتراث المحافظ في العصور الوسطى إلى المرحلة البراغماتية والعقلانية في العصر الحديث.

في العصور الوسطى كانت العلاقات الاجتماعية والروح المشرفة على المجتمع، تستند إلى ثلاثة أصول، وهي: الدم، والتراث، والقرابة (تبعية الفرد لطائفةٍ اجتماعيةٍ خاصة). إنّ هذه الأصول الثلاثة الحاكمة على المشترك (الجماعة)[2]، تعبّر عن أنّ الجمعية (المجتمع)[3]بمعنى حياة المدينة لم تتبلور بعد؛ وذلك لأنّ سكنى المدن يمثّل تجليًا للحضارة الغربية الحديثة ومضمارًا للبرجوازية. إنّ العالم البرجوازي كان عالمًا مدققًا وواقعيًا وعمليًا ومغامرًا، وقد تمكن ـ على الرغم من مقاومة الكنيسة والإقطاعية ـ من إقامة الدولة / المدنية التي طوت بساط السحر والتقاليد البالية من خلال الاستعانة بحرية الإنسان الفكرية المستقلة، وارتقاء مستواه المعرفي تجاه

(364)

العالم الخارجي[1]. وبذلك فقد عملت البرجوازية ـ بوصفها عاملًا لتغيير المباني النظرية والسلوكية في الغرب ـ من جهة على استبدال الشكل الأوليغاركي الحديث، والاهتمام بهذا العالم، والنزعة الاستهلاكية والتجملية، بالقيم الأخروية والقناعة والصبر الكنسي، وعملت من جهة أخرى ـ بمساعدة علم الاجتماع ـ على تحريك الاتجاهات الديمقراطية بوصفها محطمة للإقطاعية والاستبداد السلطوي[2]. لقد أدى هذا التحوّل إلى تغيير الإبستمولوجيا والمعرفة الحاكمة على أوروبا، وأدت من وجهة نظر ماكس فيبر إلى عقلنة الحضارة الغربية.

ومن بين الخصائص الأخرى للحضارة الجديدة، تراجع سلطة الكنيسة وارتفاع قدرة وسطوة العلم. وقد أدّى العلم الجديد إلى ازدهار النزعة المعرفية وتوسعة الإقبال على الدنيا. وتخلّت الأرض ـ بوصفها معيارًا لتشخص العصر الإقطاعي ـ عن مكانتها لمصلحة النقود بوصفها مظهرًا للقيَم الحاكمة على العلاقات البرجوازية. وقد تم تقسيم العلم الجديد ـ الذي يستند في ذاته إلى العقلانية والقائم على أصل الإثبات والإبطال ـ إلى قسمين، وهما: العلم النظري، والعلم العملي. وكان العلم النظري بصدد تغيير المباني النظرية للإنسان أو تغير تصوّر الإنسان عن تصوير عالم الوجود. وهذه هي الظاهرة التي يتم التعبير عنها بالمعرفة الحديثة. وأمّا العلم العملي فهو يسعى إلى التغيير الآلي، وهو العقل الذي أدّى في الداخل إلى إفراز الهندسة الاجتماعية على أساس الانضباط ـ التعاون والتنافس ونشر النظام الإداري ـ الصنفي والمؤسسات المدنية، وأدّى في الخارج إلى ظهور التسلط والاستعمار للغرب.

إنّ أغلب علماء الاجتماع والمؤرّخين من الباحثين في حقل عصر النهضة، يذهبون إلى الاعتقاد بأنّ عقلانية الغرب كانت نتيجة للانتقال من أسلوب إنتاج الاقتصاد

(365)

الحِرَفي إلى أسلوب إنتاج الاقتصاد الرأسمالي، وإنّ هذه الرأسمالية قد شاعت قبل اختراع آلة البخار على يد جيمس واط، وإنّ هذا الازدهار الرأسمالي كان في الغالب حصيلةً لسيطرة أوروبا على المياه الحرّة في العالم. ولهذا السبب فإنّ أغلب علماء الاجتماع يعدّون الحضارة الغربية عمومًا حضارةً بحرية، في قبال الحضارة البرية للشرق.

إنّ البرجوازية من خلال نفخها لروح المجازفة في جسد المجتمع المتحرّر لتوّه من الأفكار الكنسية التقشفية والزاهدة، قد أدخلت القارّة الأوروبية في عصرٍ جديد. وقد بلغت هذه المجازفة ذروتها في الرحلات الاكتشافية التي حقّقت أصل تراكم أو مراكمة رأس المال من خلال السيطرة الأوروبية على الأسواق والمصادر الجديدة في أمريكا اللاتينة وصولًا إلى شبه القارّة الهندية في المرحلة اللاحقة.

يذهب فيليب وولف إلى الاعتقاد بأنّ التقدّم الفكري والثقافي لأوروبا كان مدينًا للتحوّل في الأسس الاقتصادية لها، إذ تحوّلت البنى والأسس الاجتماعية تبعًا لها. وقد ترك هذا التحوّل الاقتصادي أثرًا إيجابيًا على تحسين كفاءة وجودة المحاصيل الزراعية وإصلاح الأساليب التقليدية والبدائية القروية أيضًا. إنّ اكتشاف الأراضي الجديدة لم ينطوِ على فوائد اقتصادية فقط، بل وأدّى بأوروبا ـ التي كانت تعاني من الحروب الدينية والنزاعات السياسية من جهة، وشحٍ في الأراضي، وندرةٍ في الطعام، وزيادةٍ في الأمراض الفتّاكة، حتى عمدت من جهةٍ أخرى إلى تصدير الفائض من سكانها المتمردين إلى تلك الأصقاع[1] ـ إلى توفير الأمن لأصحاب السلطة والثروة؛ وعليه فإنّ الاستيلاء على الأراضي المكتشفة قد مثّل الجنة المفقودة أو أرض الميعاد، بما في ذلك بالنسبة إلى المجتمعات اليهودية الصهيونية.

وكانت الأراضي الجديدة ملاذًا لانتقال الطبقات المعارضة والفتنوية السياسية

(366)

والدينية في القارة الأوروبية، وانتقالها إلى القارّة الأمريكية، وقد مثّل هذا الأمر في الوقت نفسه وسيلةً لانتقال الثقافة والحضارة الأوروبية إلى القارّة الأمريكية، وخلق أرضية لاستعمار هذه القارّة من قبل الأوروبيين. وبعد ذلك توصّلت أوروبا إلى التطوّر في ظل هذا الهدوء؛ إذ تحوّلت الأنظار من الخلافات الداخلية إلى التنافس الخارجي، وتخلّى الاقتصاد الوطني عن مكانته لمصلحة الاقتصاد الدولي. وقد انتهى هذا التغيير في أوضاع الغرب واكتشاف الأراضي الجديدة بضرر الشرق ولا سيّما الأراضي الإسلامي؛ إذ مع استقرار الأتراك العثمانيين وقطع العلاقات التجارية بين الشرق وأوروبا، وجد المسلمون أنفسهم في زاويةٍ اقتصاديةٍ مغلقة. إنّ اضمحلال التجارة أدّى بالشرق إلى الركود الاقتصادي والانطواء على الذات وعبادة الخرافة والعصبية القومية والدينية. إنّ هذه الرحلات الاستكشافية المجازفة والاستعمارية شكّلت منعطفًا لانفصال الغرب عن الشرق وبدايةً لاستعلاء الحضارة الغربية وبسط الغرب لسيطرته على جميع العالم، ولا سيّما العالم الإسلامي.

وقد ذهب ماكس فيبر إلى الاعتقاد بأنّ التاريخ تابعٌ للتطوّر المرحلي؛ وذلك لأنّ كلّ مرحلةٍ هي علةٌ ضروريةٌ لتقدّم المرحلة اللاحقة. خلافًا لميشيل فوكو القائل بالتقاطع والتداخل الكلي والعام للتاريخ[1]. إنّ هذه الأحداث تثبت أنّ التاريخ بنظرةٍ عامّةٍ عبارةٌ عن مسارٍ وتيارٍ متواصل ومترابط؛ وعلى هذا الأساس فإنّ النزعة المعرفية أو العقلانية ـ بوصفها واحدةً من أركان ومباني حضارة الغرب الحديث ـ ليست منبثقةً عن مجرد الصراع الغربي؛ إذ إنّ ماكس فيبر على الرغم من تعصّبه تجاه عقلانية الحضارة الغربية، ولعله لا يرتضي تدخّل أي عاملٍ أو سببٍ خارجي في هذه العقلانية، فإنّه يُقرّ ويعترف بأنّ العقلانية ناظرةٌ إلى المنظومة الاجتماعية الخارجية للحياة، وليس إلى الحياة الخاصة والعقلية للإنسان[2].

(367)

إنّ مراد ماكس فيبر من بيان العقلانية هو الفصل والتفكيك بين العقل الفردي والعقل الجمعي؛ وذلك لأنّ العقل الفردي في عين الحفاظ على استقلاله في الحقل الخاص، يمثل تابعًا للعقل الجمعي في الحقل العام.

كما يعلن ماكس فيبر بالقول: «إنّ العقلانية أو النزعة العقلية لا تعني أبدًا المعرفة العامة المتزايدة للشرائط التي نعيش فيها، وإنّما تعني في الغالب أنّنا نعلم أو اعتقدنا أنّنا في كلّ لحظةٍ وبشرط أنْ نريد يمكن لنا أنْ نثبت أنّه لا توجد أساسًا أي قدرةٍ ملغزةٍ أو غير قابلةٍ للتوقع تتدخل في مسار حياتنا»[1].

نعود مرّة أخرى إلى ذكر مصداق عن ماكس فيبر في تعريف العقلانية لإثبات هذا الادعاء القائل بأنّ النزعة المعرفية أو العقلانية الغربية هي حصيلة جهودٍ داخليةٍ بحتةٍ قام بها الغرب؛ إذ قال: «إنّ العقلانية عبارةٌ عن تنظيم الحياة بوساطة تقسيم وتوزيع الأنشطة المختلفة على أساس المعرفة الدقيقة للعلاقات بين الأشخاص والأدوات وبيئتهم، من أجل الحصول على المزيد من الجدوائية والمنفعة. كما يعمد إلى تعريف العقلانية بأنّها نوعٌ من المكافأة الذكية والحاذقة لممارسة الحياة، وبسط المزيد من السيطرة على العالم الخارجي»[2].

ولكن قلما تمّ البحث حتى الآن حول الاستعلام عن ماهية عقلانية الغرب والمباني النظرية لهذه الحضارة وتداعياتها وتبعاتها، وإنّ طرح هذا السؤال القائل: ما هي الظروف والشرائط التي تبلورت فيها هذه الحضارة وما هو المصير الذي واجهته؟ بالنظر إلى أنّ كلّ فكرةٍ إنّما تتعرّض للتحوّل والاستحالة القيَمية والمفهومية ضمن الإطار الزمني، وتخرج عن موقعها ومقرّها الأولي، فإنّ العقلانية الغربية قد عانت من هذه المشكلة أيضًا. إنّ النزعة المعرفية نتاج عصر التنوير، وإنّ هذا العصر

(368)

بدوره هو ثمرة وتلبية لضيق آفاق العصور الوسطى والقائمين على الكنيسة. يرى ماكس فيبر أنّ العقلانية نافذةٌ في جميع الوجوه الرئيسة للحياة الغربية، بما في ذلك الدينية والحقوقية والفنية والعلمية والسياسية والاقتصادية.

على الرغم من أنّ ماكس فيبر يرى أنّ العقلانية الغربية ناشئةٌ عن التغيير الديني والانتقال من الكاثوليكية إلى البروتستانتية، ولكن لا عصر النهضة ولا الحركة التنويرية ـ وهما من مظاهر الحضارة الجديدة للغرب ـ قد أحدثا أيّ هزةٍ أو خللٍ في ذات التدين والإيمان لدى الناس. ففي عصر التنوير والثورة الفرنسية انتقل الدين من الحقل العام ليستقر في الحقّ الخاص للأفراد. وكان هذا ناشئًا من الشرائط المأزومة للقرن الثامن عشر للميلاد واستمرارها في القرن التاسع عشر للميلاد، حيث كان المفكّرون يظنون أنّ المسيحية هي التي تقف سدًا منيعًا في طريق العقلانية، في حين أنّ القائمين على الكنيسة كانوا هم الذين اتخذوا من المسيحية وسيلةً للحفاظ على سلطتهم، أما اليوم حيث تجاوز الغرب ظروف الأزمة والضياع الفكري للقرنين الماضيين، فقد توصل إلى نتيجة مفادها أنّ نماذج الحداثة والشرخ الحاصل بين الأجيال وأنواع الطغيان التي تحكم جيل الشباب، لا يمكن السيطرة عليه من خلال فرض وتطبيق القوانين البشرية. ومن هنا فقد أخذت الحكومات الغربية منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية ولا سيما في العقود الأخيرة تسعى إلى إعادة التعاليم الدينية مرةً أخرى إلى الحقل العام، علها تتمكن من خلال التعاليم الدينية والمواعظ الأخلاقية أنْ تصل إلى جدلية التضاد الاجتماعي وتمرّد وضياع جيل الشباب، كما يسعى القائمون على حضارة ما بعد الحداثة إلى إزالة الشعور بالاغتراب لدى الفرد الغربي الذي هو حصيلة امتزاج الحياة بالشبكة الرقمية من خلال إلقاء الروح العاطفية وتلقين الإيمان الديني وإحياء المباني الأخلاقية من أجل دعم وتعزيز أواصر الأسرة.

(369)

وعلى هذا الأساس فإنّ الأسس المسيحية في الغرب آلت إلى الضعف والضمور منذ عصر التنوير، ولا سيّما منذ القرن التاسع عشر للميلاد؛ إذ تسللت المباني التنويرية إلى الطبقات الوسطى في المجتمع، فأخذ الانحلال الديني يحلُّ محلَّ التعبّد الديني، وسيطر العقل الفلسفي على العقل الديني. إنّ نزاع الإنسان الغربي مع مظاهر الرأسمالية وتبعية الفرد إلى الحياة التقنية بسبب اتساع رقعة الحياة المدنية، وضياع الهوية والاضطراب الثقافي والتزلزل في أواصر الأسرة بسبب البعد عن الوطن والضياع في المستعمرات، أدّى إلى طغيان روح المجازفة والمغامرة لديه. إنّ تخبط الإنسان الغربي في متاهات وتعقيدات الحياة الحديثة أدّى به إلى ضياع الهوية والسقوط الأخلاقي والانهيار العاطفي. إنّ ارتفاع نسبة الطلاق وازديادها يومًا بعد يوم، وترك الأطفال لمصيرهم في عالم الضياع وانعدام المسؤولية، أدّى بالمجتمع الغربي باعتراف علماء الاجتماع وعلم النفس إلى الاغتراب عن الذات، والإدمان على الأدوية النفسية والحياة الفردية[1].

في الولايات المتحدة يسعى ما يقرب من 12% من الشباب إلى الانفصال عن الأسرة، وتجربة الحياة الفردية. وإنّ الزواج بمفهومه التقليدي في طريقه إلى الانهيار. إذ يعمد الفتيان والفتيات إلى الاقتران ببعضهم بشكلٍ غير متعارف، ودون رعاية التشريفات الإدارية والكنسية، وإذا أنجبوا أولادًا تولت مؤسسات الرعاية الاجتماعية والحكومية تربيتهم وحضانتهم. إنّ الغرب يعاني اليوم من هذا التناسب اللامعقول؛ إذ كلما ازدهرت الحياة التقنية، آلت العلاقات الأخلاقية والعاطفية والتلاحم في الأسرة المركزية إلى الضعف والاهتزاز.

ولكن في العودة إلى الموضوع الأصلي، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المفكّرين الغربيين يذهبون إلى الاعتقاد بأنّ سبب تخلّف الشرق يكمن في الانفصال عن المعرفة

(370)

الإغريقية. وهي المعرفة التي تشكّل عماد حضارة عصر النهضة. وقد أضاف هؤلاء المفكّرون أنّ الحضارة الشرقية ولا سيّما منها الحضارة الإيرانية / الإسلامية منذ أنْ كانت مقترنةً ومرتبطةً بالحضارة اليونانية، تمكّنت من التوصل إلى المعرفة العلمية، وكانت هذه المعرفة عبارةً عن الفهم العقلي والحاذق للقضايا. يرى الغربيون أنّ سرّ نجاح الحضارة اليونانية يكمن في أنهّا كانت تبحث جميع القضايا في وقتٍ واحد، وتقبل منها ما كان يستند إلى العقل الفردي السليم؛ وبناء ًعلى ما يقوله المفكّرون المعاصرون في الغرب فإنّ المعرفة اليونانية تقوم على ثلاثة أصولٍ أساسية[1]، وهي:

1. العقلانية.

2. المشاهدة.

3. الاستدلال.

إنّ هذه الموارد الثلاثة غير ناظرةٍ إلى جميع الأمور، بل هي خاصةٌ بفهم موارد محدودة.

في حين أنّ المعرفة خارج حدود الغرب لم تقم على هذه المحاور. أو بعبارةٍ أخرى: عندما يخرج الإنسان من حدود الغرب، لن يكون هناك أثرٌ للمعرفة الحديثة[2].

(371)

وقد ذهب بعض المحقّقين في الثناء على الحضارة الغربية إلى الادّعاء في مقارنة مباني حضارتهم مع مباني سائر الحضارات الأخرى ومن بينها حضارة الهند، إلى الادّعاء بأنّ حضارة الغرب قد تبلورت وتطوّرت على أساس الإحصاء العلمي، في حين أنّ الحضارات الشرقية ولا سيّما منها حضارة «الهند تستند» إلى المكاشفة «والإدراك غير» الحسي. قال أندريه زيغفريد في مقالة له بعنوان «التقنية والثقافة في حضارة القرن العشرين»: إنّ الفرد الهندي لا يحتاج إلى العقلانية من أجل حلّ مشاكله.

وأضاف زيغفريد قائلًا: إنّ الحدود الأساسية بين الحضارة الغربية والحضارات الأخرى ليست حدودًا جمركية / سياسية وإدارية، بل هي حدودٌ بين العقلانية من جهة، والتعبّد والمكاشفة والتشبّت بالنزعة التقليدية من جهةٍ أخرى.

كما ذهب علماء الاجتماع الغربيين من زاويةٍ أخرى إلى عدّ عنصرين بوصفهما صانعين للحضارة الغربية، وهما تراثان قديمان نسبيًا:

4. التراث الهيليني[1].

 

 

 

(372)

5. التراث الإكلزياستيكي[1].

إنّ الادّعاء الدائر حول هذين العنصرين الصانعين للحضارة الغربية، لا واقعية له بالنسبة إلى جميع المراحل التاريخية للغرب؛ وذلك لأنّ الحضارة القروسطية كانت حصيلة التلاقح بين التراثين أدناه:

1. التراث الجرماني.

2. التراث الإكلزياستيكي.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا يقول: ما هي النسبة وما هي السنخية التي تربط بين هذين التراثين؟ في الجواب عن هذا السؤال يجب القول بضرسٍ قاطع: ليس هناك أيّ صلةٍ أو رابطٍ بين هذين التراثين؛ وذلك لأنّ كلا هذين التراثين كانا أجنبيين عن التراث الحاكم الذي تغلبا عليه، ونعني به التراث الروماني. وإنّ هذين التراثين لم يكون أجنبيين عن التراث الروماني فحسب، بل وليس هناك أيّ نوعٍ من القرابة فيما بينهما أيضًا؛ وإنّ نقطة الشبه الوحيدة بينهما تكمن في أنّه بسبب التضاد البيئي بين الجرمان والمنظومة الكنسية، عمد كلٌّ منهما إلى الهجرة من موطنه ليستقرّ بعد عناءٍ طويلٍ في هامش الحضارة الرومانية. وكان الإمبراطور الروماني كلّما غرق في مستنقع الرعب والفزع الناشئ من الحروب والمؤامرات والاغتيالات والدسائس، كان حظّ هذين التراثين لبسط سيطرتهما على الأمبراطورية يشتد ويصبح أقوى.

بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، أدّى اختلاط تقاليد المترحلين من الجرمان، والتقاليد الأخروية للكنيسة، إلى إدخال الحضارة الغربية في عزلة العصور الوسطى التي امتدت لألف سنة. وفي البداية توافق هذان التياران على تقسيم السلطة فيما بينهما؛ إذ تمّ إيكال الشؤون الدنيوية إلى الجرمان الذين وصلوا حاليًا إلى تأسيس الإمبراطورية، وتم التخلي عن الأمور الأخروية لصالح الكنيسة. تواصل هذا

(373)

التوافق مصحوبًا بالكثير من المنعطفات، بيد أنّه ومنذ عام 1095 م، ومع اندلاع الحروب الصليبية بوصفها مفرًا للخروج من الأزمات السياسية / الدينية / والاقتصادية التي كان يعاني منها المجتمع الأوروبي داخليًا، ومشيرًا إلى أطماع المسيحيين بتشجيع وحثّ من اليهود للحصول على النعم الموعود بها في التوراة في الأراضي المقدسة، عمدت إلى تصدير أزماتها وخلافاتها السياسية / الدينية / والاقتصادية إلى الأقطار الإسلامية. واللافت أنّ الصليبين قبل الهجوم على البلدان الإسلامية، قاموا في زحفهم الرابع بقتل ونهب أبناء جلدتهم ودينهم من المسيحيين في الإمبراطورية الرومانية في منطقة «زارا» بجريرة الانتماء إلى الأوثودوكسية، وأسقطوا الإمبراطورية وأقاموا على أنقاضها الحكومة اللاتينية تحت إشراف الفاتيكان؛ وكان ذنبهم أنّهم أضروا باتحاد المسيحيين واجتماع شملهم. وعلى الرغم من انتصار المسلمين في الحروب الصليبية عسكريًا، فإنّ هذه الحروب عادت بالفائدة إلى الأوروبيين أيضًا؛ إذ لولاها لما أمكن لهم الوصول إلى المصادر العلمية والفلسفية الإسلامية الأصلية. وهي المصادر التي قدمت دعمًا لا يمكن إنكاره في بناء أسس حضارة عصر النهضة.

لقد أدت الحروب الصليبية إلى زعزعة وحدة العالم الإسلامي واهتزازها، واتسعت رقعة النزاعات القبلية والمذهبية، الأمر الذي وفّر أرضيةً خصبةً للغزو المغولي للعالم الإسلامي. وفي عام 1453 للميلاد سقطت بيزنطة ـ التي تمّ إضعافها على يد أبنائها ـ بيد الأتراك العثمانيين، وسيطر الأتراك على نصف العالم المسيحي. وقد ترتبت على سيطرة الأتراك والتتار على المنطقة نتيجتان ملموستان في الحدّ الأدنى:

النتيجة الأولى: أنّها عرّضت الإسلام إلى تحوّل في الهوية، وأدّت بالمسلمين إلى الجمود الفكري والفلسفي والانطوائية والمصلحية.

(374)

النتيجة الثانية: إثر تغيير مسار التجارة من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلسي، تمّ إغلاق الطرق التجارية للعالم الإسلامي مع العالم الخارجي. وقد أدّت هذه الإنطوائية إلى ظهور الفِرَق الدينية المتخاصمة واندلاع الحروب العرقية / الدينية. في حين أنّ الحضارة الغربية ـ من خلال اعتمادها سياسة النظر إلى الخارج والتحلي بروح المغامرة والمجازفة ـ فتحت لنفسها آفاقًا وعوالمَ جديدة.

في العصر الحديث الذي يمثّل عصر النهضة منعطفًا فيه، استيقظت أوروبا من سباتها القروسطي، وعرض لها التحوّل العقلاني في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتم إخراج ما تبقى من تراث الحضارة اليونانية والرومانية من زوايا الصوامع، وأخضع لقراءةٍ ثانية. واستفادوا من بقايا حضارة الهند والصين ومصر، وكانت الحصّة الأكبر في ذلك للعلم والفلسفة الإسلامية على سائر المراكز الحضارية في الصحوة الأوروبية، كما كان لإيران السهم الأوفر بين الأقطار الإسلامية في تخريج المفكّرين والفلاسفة الإسلاميين[1].يقول أنريه روسو: «لقد تعرّف الغرب على الشرق من خلال نجل إيران، أي: زرادشت»[2].

لقد كانت إيران هي الحضارة الشرقية الأولى التي تقيم علاقات مع الهيلينيين. لقد كان للحضارة الإغريقية خصلتان؛ الأولى: عدم تمركز السلطة وتشتتها على أساس مبدأ حكومة الولايات، والأخرى: تعدد الآلهات على أساس عدم الخلط بين حقل الدين والسياسة. في حين أنّ الحضارة القديمة لإيران ـ ولا سيّما في العصر الساساني ـ كانت تقوم على أساس أصل الآلهات الملكية، وأصل الإله الواحد والإشراف المشترك للملك على حقل السياسة والدين. في حين أنّ الملوك والفراعنة في الحضارات الرومانية والمصرية يدعون الإلوهية في الحقل الديني بالإضافة إلى

(375)

السلطة السياسية، بيد أنّ الحضارة الفارسية قد تميّزت بأنّ ملوكها كانوا يعتقدون بالوحدانية ولم يدّعوا الربوبية لأنفسهم أبدًا.

لقد كانت الحضارة الرومانية ـ التي لعبت دورًا كبيرًا في تنظيم أطر الحضارة الغربية الحديثة ـ حضارة أرستقراطية، وفي بعض الأحيان ديمقراطية. وقد كانت الحضارة الرومانية تستند إلى البلورالية (الجماعية)، بينما كانت الحضارة اليونانية تستند إلى الفردانية. وكان هذا الفرد رغم استقلاليته وحريته تابعًا للجمعة في ظل حكم الولايات.

إنّ الإنسان في الحضارة الغربية الحديثة ـ على أساس الرؤية الإغريقية ـ كائنٌ مستقلٌّ، والموضوع إنّما يغدو خطيرًا يصبح الفرد وسيلةً لتحقيق غاية أكبر من حجم ماهيته، وفي مثل هذه الحالة سوف يدخل المجتمع في مرحلة إلغاء الإنسانية. وللحيلولة دون دخول الإنسان في مرحلة إلغاء الإنسان، والانتقال إلى عصر الإنسان المفكّر والإنسان الحديث أو الإنسان العقلاني، يجب أنْ تكون العقلانية النقدية معيارًا للتشخيص والحكم والعمل من قبل الإنسان. وفي هذه الحالة وحدها يحق للإنسان أنْ يكون حرًا، وأنْ ينعم بالحرية؛ وعلى هذا الأساس لا يحقّ لأيّ إنسان أنْ يُطالب بالحرية، إلّا إذا كان إنسانًا عقلانيًا. وفي مثل هذه الحالة يحصل المرء على الحريات الأولى، من قبيل: الحرية السياسية (الحرية في المشاركة السياسية)، الحرية في انتقاد الآخرين، وحرية التعبير والعقيدة، والاستفادة من الحقوق المدنية والسياسية، وفي نهاية المطاف احترام العقيدة العامّة[1].

في ظلّ هذه الظروف يصبح الفرد حرًّا، وفي الوقت نفسه يحترم حرية الآخرين. يذهب الغربيون إلى الاعتقاد بأنّ الفردانية واحترام حقوق الفرد قد تمّ بيانها أول الأمر في الحقوق الرومية، وفي العصور الوسطى قامت المسيحية بنقلها إليهم. لقد

(376)

عمدوا في عصر النهضة إلى إحياء جميع تراث العهد القديم، وكما قال ميشلهفإن القرن الثامن عشر للميلاد قد توسّع بوصفه قرن التنوير وأعظم القرون في التأسيس للحقوق السياسية للفرد بجهود المفكرين الأوروبيين. ويرى ميشله أنّ السيد المسيح عليه‌السلام كان يؤمن بالحقوق السياسية للفرد بنفس نسبة اعتقاد سقراط بالفردانية؛ وذلك لأنّ سقراط كان يبحث عن الإنسان المفكّر، في حين كانت المسيحية تعدّ الإنسان صاحب روح خالدة. كما أنّ الحقوق الرومانية كانت تعدّ الإنسان وارثًا لحق التشريع والتقنين، وإنّ هذا الإنسان هو الكائن العظيم الذي كان يُسمى في الثورة الفرنسية «مواطنًا».

2. النزعة التقنية (التكنولوجيا)[1]

بعد الفردانية والعقلانية بوصفهما متغيرين رئيسين في معرفة المباني والأسس المعرفية في الحضارة الغربية، يجب فيما يلي الإشارة إلى الأبعاد الصُلبة لهذه الحضارة. ونعني بذلك البُعد الذي يُشير إلى تفوّق الغرب وأفضليته على سائر الحضارات الأخرى وهو البُعد المتمثّل بالحضارة الصناعية. من الواضح أنّ الحضارة التكنولوجية إنّما هي ثمرة الثورة الصناعية الإنجليزية، والتي قد تمثلت باكورتها في اختراع ماكنة البخار سنة 1767 م بوساطة المخترع الإنجليزي جيمس واط (1736 ـ 1819 م). تكمن أهمية الثورة الصناعية في أنّها بدلًا من توظيف الطاقة

(377)

البشرية والحيوانية لمصلحة الإنسان، أخذت تعمل على الاستفادة من التكنولوجيات الأقوى الموجودة في الطبيعة أيضًا، من قبيل: البخار، والحديد، والفحم الحجري. ومن ناحيةٍ أخرى فقد أدّت الثورة الصناعية إلى أنْ تحلّ الحياة الآلية محلّ الحياة اليدوية. والنقطة الجديرة بالاهتمام هي أنّ إنسان ما قبل الحداثة وما قبل الصناعة كان يتمتع بالمحدودية على مستوى الأدوات وعلى مستوى الطاقة أيضًا، وأمّا في عصر الآلة والماكنة فقد حصل هناك تطوّرٌ وتقدّمٌ في هذين العنصرين بشكل غير محدود.

وبالتزامن مع تغيير شكل الإنتاج من النظام اليدوي إلى النظام الآلي، وإثر ارتقاء مستوى الإدراك المعرفي والإصلاح الجذري للأسس الأخلاقية والتربوية، حصل تغيّرٌ في المجتمع أيضًا. وعلى الرغم من أنّ الحضارة الغربية كانت تمتدّ بجذورها في الحضارة الإغريقية، فإنّ ماهية وغاية هاتين الحضارتين كانت تختلف عن بعضهما؛ لأنّ العلوم الإغريقية كانت تسعى إلى البحث عن القضايا بذكاء، في حين أنّ العلم الحديث يسعى إلى معرفة العالم وكشف أسراره وخفاياه. إنّ العلم الجديد ليس مجرد سعي من أجل الوصول إلى الإبستمولوجيا والأنطولوجيا، بل يسعى الإنسان فيه من خلاله إلى استخدام وتوظيف إمكانات الوجود لمصلحته أيضًا.

إنّ الحضارة الغربية الحديثة في حقل العلوم تشتمل على خصيصتين، وهما أولًا: الرؤية المادية، وثانيًا: النزعة البراغماتية. في الحياة الحديثة يختلف فهم وإدراك العلم عن الماضي بشكل كامل؛ وذلك لأنّ العلم الحديث غالبًا ما يفكر في الإنتاج والاستثمار بوصفهما هدفين رئيسين، لا سيّما عندما يتجلّى العلم على صيغته التكنولوجية. إنّ العلم في العصر الحديث لا يُمكن التعرّف عليه من خلال غاية واحدة، بل إنّ غايته إدخال التحسين في طبيعة الوجود، والعمل على رفع مستوى حياة الإنسان.

لقد ولدت الحضارة الحديثة في أوروبا الغربية، ثم امتدّت بالتدريج نحو الشمال،

(378)

حيث كان السكان يضطرّون إلى لبس المزيد من الثياب، ويستهلكون مختلف أنواع الطعام، ويسكنون في منازل أكثر رفاهية.

في عام 1789 م (قبل بضعة أشهر من الثورة الفرنسية الكبرى) عندما تمكن جيمس واط الإنجليزي / الإسكتلندي من تحريك ماكنته البخارية بمساعدة عمل إنفجاري، لم يكن يعلم أنّه قام بفتح فصلٍ جديدٍ في تاريخ البشرية. وبذلك تم التأسيس بهذا الاختراع لأساس الحضارة الصناعية على يد الإنجليز. وفي القرن الثامن عشر للميلاد عندما كان العلماء الفرنسيون على أعتاب عصر التنوير لغرض التغيير في المباني المعرفية للمجتمع وإصلاح وتنظيم المناسبات العقلية بين القوى الاجتماعية ومؤسسات السلطة، في سعي منهم إلى التفكير في مقام إعداد الأرضية للثورة السياسية، كان أقرانهم في إنجلترا يسعون إلى الثورة الصناعية والبحث عن اختراع وسيلة تساعد على تسهيل ورفع الإنتاج. وقد تمكن جيمس واط من تحقيق هذا الطموح. ولكن يبقى هناك سؤالٌ يطرح نفسه، وهو: ألم يكن هناك شيء باسم الصناعة قبل جيمس واط؟

لا شك أنّ الجواب هو النفي، ومع ذلك فقد كان هناك في اليونان وروما في العصور الوسطى، وحتى في فجر المرحلة الجديدة في مدينة فنلاندر ـ (مدينة النسيج الصوفي الواقعة في بلجيكا) ـ وفي فلورنسا ـ (مدينة الأسرة الميديتشية)ـ كان كثيرٌ من المصانع والثروات التي تعمل بكل طاقتها، وكانت تلبّي حاجة الأسواق في ذلك العصر[1].

ولكن تبقى هناك اختلافاتٌ جوهريةٌ في نوع الإنتاج بين ما قبل الثورة الصناعية والإنتاج الآلي على مستوى الأصول والأساليب والكيفيات والكميات. كان الإنتاج المصنعي المعتمد على القوّة العضلية، وبسبب المحدودية في الثروة والسوق،

(379)

كان الإنتاج يقوم على أساس الطلب المسبق. إنّ الإنتاج ما قبل الصناعي كان فاقدًا إلى التكنولوجيا ومفتقرًا إلى التقسيم الدقيق للأعمال والمهام وغير دقيق، ويستند في الغالب إلى الطلب الداخلي.

يرى آدم سميث أنّ تقسيم العمل الاجتماعي واحدٌ من ثمار ونتائج الثورة الصناعية. وكان يذهب إلى الاعتقاد بأنّ استقرار العصر الصناعي يستدعي قيام دولةٍ ديمقراطيةٍ لتضمن الأمن الجسدي والمالي لأصحاب الثروة؛ وعلى هذا الأساس لم تتوفر هذه الضمانات إلّا في إنجلترا في القرن الثامن عشر للميلاد، حيث تحققت بالتزامن مع قيام دولة القانون، والصناعة، والنظام المصرفي، وشبكة الضمان الاجتماعي، والمواصلات والحمل والنقل، وأدّت التجارة الحرّة إلى زيادة الثروات والازدهار الصناعي[1].

وعلى كلّ حال، يمكن القول: كان هناك نوعٌ من الصناعة في الأزمنة الماضية أيضًا، بيد أنّ الحضارة ما قبل الحديثة كانت تفتقر إلى خصوصيتين رئيستين في الحضارة الحديثة، ونعني بهما: العلم والتكنولوجيا. وبعبارةٍ أخرى: إنّ التكنولوجيا لم تكن تمثل النمط الغالب في الإنتاج، أو أنّ الإنتاج كان يفتقر إلى الكثرة والتنوّع؛ وذلك لأنّ الإنتاج في النظام ما قبل الصناعي كان يعتمد على الجهد الفردي. بمعنى أنّ الفرد كان هو ربّ العمل والثروة والإنتاج في وقتٍ واحد، في حين انفصل صاحب العمل عن صاحب الثروة والإنتاج في النظام الصناعي، ومن هنا تجلت ظاهرة الاستثمار المشؤومة. إنّ الخصائص الاستثنائية للحضارة الصناعية بالقياس إلى المرحلة ما قبل الصناعية كانت تتلخص في هذا الأمر المهم وهو أنّ الحضارة الصناعية عمدت إلى توسيع رقعة الإنتاج والتنوع والسوق ورغبات ومطالب المجتمع.

وعلى كلّ حالٍ فإنّ الثابت هو أنّ الصناعة أحد أهمّ عناصر وأركان الحضارة

(380)

الجديدة في الغرب. وبالنظر إلى أنّ الحضارة الحديثة قد بدأت بشعار «التغيير»، فإنّ هذا التغيير في الحقل الاجتماعي قد أدّى بمساعدة التكنولوجيا إلى حدوث التغيير في الأسس البنيوية وأدوات الحياة وتحسين العلاقات بين الإنتاج والروابط الاجتماعية، كما أدّى في حقل التفكير وبمساعدة العلم إلى حدوث التغيير في المباني النظرية وانبساط العقلانية والتفكير وثقة الفرد بنفسه.

وقد ذهب الفرنسي بنجامين كونستانت إلى عدّ مصطلح الحداثة السياسية أو الدولة الحديثة من تجليات الثورة الفرنسية، إذ عملت من جهةٍ على تحرير ذهنية الفرد الغربي من تعقيدات التعاليم التقليدية، وأفضت من جهةٍ أخرى إلى توفير الأرضية للذكاء الاجتماعي والفهم العقلي للقضايا. وقد أدّى هذا المسار إلى توفير الحرية الشاملة للفرد، وفصل الدولة عن المجتمع، وضع المجتمع السائل في قبال الدولة المسؤولة. ومن ناحية أخرى فإنّ رفع مستوى الوحدة والتلاحم الوطني، قد غطى الشرخ الحاصل بين الدولة والشعب، وأدّى نفخ روح العصبية القومية من أجل الرفعة والازدهار إلى بلورة الإبداعات والاختراعات[1].

إنّ السؤال الذي كان مطروحًا بالنسبة إلى أصحاب الحضارات غير الغربية بشكل عام، هو السؤال القائل: لماذا وكيف أصبحت الحضارة الغربية هي الحضارة المسيطرة على العالم؟ وقد أجاب دانييل روبس عن هذا السؤال بالقول: إنّ أخذ عنصرٍ واحدٍ من بين مجموع العناصر المكوّنة للحضارة الغربية الحديثة، لا يبدو صحيحًا. وقد وضع لذلك إطارًا من العناصر، وعمد إلى بحث هذه الحضارة ضمن قسمين جوهريين، وهما:

أ) القسم المرن من هذه الحضارة التي هي حصيلة عصر النهضة، وتحمل بصمات تحرّر أوروبا الغربية من سلطة الكنيسة الكاثوليكية، ومقدّمة صحوتها الفكرية. إنّ

(381)

هذا القسم إنّما هو في الواقع يمثل اعتراضًا على الإبستمولوجيا التعبدية والتقييدية في العصور الوسطى، حيث كان يروم استبدال إبستمولوجيا العصر الجديد المستندة إلى العقلانية بدلًا منها. وإنّ أهم أركان هذا القسم عبارة عن: الإنسوية، والعقلانية، والإتجارية[1]، والبروتستانتية.

حتى ما قبل عصر النهضة، كانت مباني الحضارة القروسطية التي غطّت القارّة الأوروبية لما يقرب من ألف عام، تقوم على: العلم والفلسفة الإغريقية، والنظام الحقوقي الروماني، والإيمان الكاثوليكي، وأمّا مع قيام عصر النهضة ـ بوصفه نقطة انطلاق الحضارة الحديثة ـ فقد تبلورت مدارس، تعرف عمومًا بالقسم المرن للحضارة الحديثة، وحطم جميع أبعاد الحضارة السابقة بشكلٍ منظّم، وأسّس لطرحٍ جديدٍ يحظى ببعض الخصائص المهمة، وهي:

1. تراجع نفوذ الدين وتأثيره، وازدياد سطوة العلم.

2 .استبدال المرجعية السياسية بالمرجعية الدينية.

3 .استبدال دنيوية الفرد الحديث بدلًا من أخروية الفرد المسيحي.

4. ارتقاء السلطة البرجوازية على أساس تشخّص «النقود»، وانخفاض سلطة الإقطاع على أساس التفاخر «الأرض».

وكما أنّ الموارد الأربعة أعلاه أدّت إلى هبوب الرياح العلمية في أوروبا، فإنّ القسم الصلب عمد إلى تحديث الحياة البدائية للأوروبيين وتحويلها إلى حياةٍ صناعية.

ب) إنّ القسم الصلب من الحضارة الحديثة، عبارة عن: الآلة الطابعة الألمانية، وماكنة البخار الإنجليزية، وماكنة الفحم الحجري الفرنسية[2]. لقد كانت هذه الأركان الثلاثة هي العناصر والأركان الأساسية في الحضارة الصناعية. إنّ الآلة

(382)

الطابعة أخرجت العلم والمعرفة من حصرية الكنيسة ووضعتها تحت تصرّف عامة الناس. وقامت الجامعات التي رفعت قامتها في أوروبا الغربية نهاية القرن الثاني عشر للميلاد في قبال الكنيسة، بإشاعة حمّى العلم. وقامت صناعة الطباعة بإخراج المصادر العلمية / الفلسفية الإغريقية والأعمال الأدبية / الفنية الرومانية ـ التي كانت مكدّسةً في الصوامع، ووضعها في متناول الجميع. ولم يتعرّف الأوروبيون على الفلسفة الإغريقية والفن الروماني فحسب، بل وتعرّفوا حتى على مؤلفات العلماء الإيرانيين الإسلاميين والهنود والصينيين أيضًا[1].

ولم تظهر ماكنة البخار أهميتها الحقيقية إلّا عندما تم توظيفها في خدمة النقل، ولا سيّما بواسطة القطار. إنّ اتساع شبكة سكك الحديد التي تمرّ بالمدن والقرى، أسهمت للمرّة الأولى في حمل الناس بشتى ثقافاتهم وهوياتهم المستقلة إلى الاجتماع مع بعضهم لساعاتٍ طويلة. وكان بسمارك يعتقد بأنّ القطار قد لعب دورًا مهمًا في توحيد الشعب الألماني. إنّ هذا التجاور والصحبة في السفر كانت تؤدّي بالشخص القروي والشخص المدني إلى أنْ يتخليا عن ثقافتيهما وتقاليدهما التي ربما كانت عنيفةً وجلفةً في بعض الأحيان، وأنْ يكتسبوا صبغة الجماعة من خلال تقبّلهم لآداب السلوك الجماعي التي كانت الدولة تعمل على الترويج لها. الأمر الذي أدّى إلى توفير الأرضية للاتحاد الثقافي الذي يعدّ الركن الأصلي في توحيد الشعوب.

وحلّ الفحم الحجري محل الخشب. وهو الخشب الذي كان يؤتى به من الغابات ويكون مصحوبًا بتدمير الطبيعة. وإنّ الفحم الحجري رغم تلويثه للبيئة، ولكن تم استثماره بسبب الحجم الكبير للطاقة التي يوفرها.

وفي البداية أدّت العناصر الصلبة إلى بسط الحضارة الغربية سيطرتها على العالم، وكان ذلك عندما تمكنت الطاقة الناتجة عن البخار من إخراج الإنتاج من

(383)

المرحلة الفيزيقية (اليدوية) إلى المرحلة الميكانيكية، وبالتالي فقد أدّت زيادة الإنتاج على الاستهلاك إلى إشباع السوق الداخلية. وبعد ذلك صارت أوروبا بصدد بيع البضائع الفائضة عن حاجتها وإعداد المواد الخام، وأخذت تفكر في البحث عن أسواق خارج أوروبا. وكانت إنجلترا هي الدولة الأولى التي طبقت استراتيجيتها في النظر إلى الشرق من أجل تحقيق هذه الغاية[1]. كانت بريطانيا في بداية الأمر تسعى إلى تحقيق هذه الغاية من خلال اتباع الأساليب الدبلوماسية وإقامة العلاقات مع البلاطات والنفوذ إلى مراكز القرار، وحتى توزيع الهدايا والهبات على السلاطين، بيد أنّ حدّة التنافس الاستعماري بين الأوروبيين وظهور الخلافات بينهم حول الأسواق الخارجية أدّى بالتدريج إلى تخليها عن سياسة الدبلوماسية التجارية، وانتهاج سياسة «السفن المزوّدة بالمدافع»، وهي السياسة التي سبق لهولندا أنْ انتهجتها أوّل الأمر في القرن السابع عشر للميلاد.

وعلى مدى الحروب التقليدية كان المسلمون هم المنتصرون في الغالب (في ما يُعرف بالحروب الصليبية)، ولكن منذ أنْ امتلكت أوروبا الأسلحة الفتاكة، تغيّرت

(384)

ماهية السلطة، وانتقل مركز القوّة من الشرق إلى الغرب. وكانت معركة تشالداران هي التجربة المريرة الأولى التي أثبتت أنّ الأسلحة الفتّاكة تتغلب على كثرة الأمواج البشرية المقاتلة. وكانت التجربة الثانية قد تمثّلت بالهجوم الوحشي والمسلح الذي شنه ألفونسو دي ألبوكيرك البرتغالي على سواحل إيران الجنوبية (الخليج الفارسي)، حيث أذاقنا طعم الاستعمار المرير للمرّة الأولى. ولم تقتصر هذه التهديدات اللاإنسانية على بلادنا فقط. ففي الصين قام الشباب الملاكم[1] في عام 1900 م بمقاتلة المستعمرين ـ من أجل التحرر وطرد الاستعمار الغربي من بلادهم ـ بقبضاتهم العزلاء، ولكن التحالف العسكري المؤلّف من سبع دول غربية، مارس بحقهم سياسة القتل والإبادة الجماعية.

وهكذا فقد عمد الغرب الحديث معتمدًا على السلام إلى فرض إرادته أولًا ثم ثقافته على بلدان العالم الأخرى.

3. النزعة الفردانية

إنّ الاهتمام بالفرد بوصفه العنصر الأكثر جوهريةً في الحضارة الغربية، ليس نتاج عصر الحداثة، بل إنّ هذا العنصر كان موضعًا للاهتمام منذ عصر دويلات المدن الإغريقية، غاية ما هنالك أنّه في اليونان وروما وخلال العصور الوسطى ولا سيما منذ المرحلة الجديدة وما بعد عصر النهضة، كانت طريقة النظرة والحكم وتوقع الدولة والدين من الفرد من جهة، وموقعه المناسب فيما يتعلّق بالمجتمع والاستقلال أو تبعية الفرد للسلطة، الأعم من الدينية والدنيوية، في حقل تفكير الفلاسفة من جهة أخرى، كان مختلفًا.

من ناحية علم الاجتماع التاريخي، لو وضعنا الدولة والمجتمع والفرد ضمن مثلث، على أنْ نضع الدولة في الرأس، والفرد والمجتمع في القاعدة، والسلطة في

(385)

مركز المثلث، عندها نستطيع أنْ نبيّن رؤية السلطة إلى هذه الأمور الثلاثة، والنزاع المحتدم بين هذه الأمور الثلاثة حول الاستيلاء على حصته من السلطة ـ التي كانت أساس التنظير السياسي في الغرب ـ من خلال المراحل التاريخية الثلاثة الآتية:

3. 1. عصر الدولة المدينة[1]

كان هذا العصر يمتاز بامتزاج مؤسسات الدولة والمجتمع، ولكن لمصلحة الدولة؛ وذلك لأنّ الفرد يُعدّ جزءًا من المجتمع، وليس وجودًا مستقلًا عن المجتمع، ولا يمتلك حريةً فردية. وقد شرح أرسطو في كتابه الأول (رسالة في السياسة) تبعية الفرد إلى المجتمع، وتبعية المجتمع إلى الدولة بوضوح؛ حيث قال: «على الرغم من تبلور النظام السياسي بالفرد، ولكن عند التأسيس سوف تكون الدولة متقدمةً على المجتمع والأسرة والفرد.[2]»

 ويرى جان جاك شوفاليه أنّ (المدينة / الدولة) وحدة من الحياة الاجتماعية تطبق قوانين الدولة في الحدود الدنيا من الدولة ومجموعة من الأفراد ضمن إطار المجتمع[3]. غاية ما هنالك أنّ هذا الإنسان ـ الخاضع لإرادة الجماعة ـ يتمتع بخصلتين، وهما:

5. أنّه يوناني وليس بربريًا[4].

6. أنّه حرٌّ وليس عبدًا.

يذهب جان جاك شوفالييه إلى الاعتقاد بأنّ المدينة / الدولة قد تحوّلت في المرحلة الجديدة إلى «الدولة / الشعب»، وتطوّرت في القرن الثامن عشر للميلاد إلى الدولة

(386)

الحديثة[1].

في المدينة / الدولة حيث كنا نواجه عدم الفصل بين الحقل العام والحقل الخاص، لم يكن الفرد من الناحية العملية قادرًا على أداء دوره في المجتمع بنحوٍ مستقل. وعلى هذا الأساس فإنّ الـ (Police) أو الـ (Cite) كان يعبّر عن سلطة الدولة دون المجتمع أو الفرد؛ لأنّ الدولة كانت تضع بعض القوانين التي يرتقي الفرد في ضوئها إلى مرتبة «المواطن»[2]. وبعد ذلك يتحوّل من خلال المشاركة في إدارة الـ (Police) والحضور في منظومة القرارات السياسية / الاجتماعية، إلى فردٍ مسؤول، وليس حرًّا.

إنّ حقل مسؤولية المواطنين كان يتعيّن في الحقل النظامي والديني، حيث لا يمكنهم اتخاذ القرار المستقل، بل هم تابعون لنظام المواطنة (القوانين المصادق عليها في الدولة / المدينة). لقد كان المواطن عضوًا دائمًا في المدينة، وليس عضوًا تابعًا، من قبيل: النساء والعبيد والتجار الأجانب المقيمين في المدينة.

3. 2. عصر المسيحية

إنّ المواطن في الدولة / المدينة بسبب افتقاره إلى الاستقلال والحرية الفردية تجاه الدين، كانت السياسة ممتزجةً بالعسكرة، وأمّا في المسيحية الأولى فقد كان المواطن التابع للمدينة / الدولة قد تحوّل إلى عضوٍ دينيّ مستقلٍ عن المجتمع والدولة؛ إذ كان يرى نفسه متحرّرًا من قيود السلطة الدنيوية، وكان يفكّر في الآخرة. وبذلك فإنّ الفرد المسيحي يتحوّل من عضو أداة في دولة / المدينة الهيلينية، إلى إنسانٍ روحاني ومجرّدٍ من التقيد بالأرض والقومية وتابعًا لجميع الناس والمجتمع الأممي.

إنّ الشخص في المسيحية كان يتمتع باستقلالية أكبر قياسًا إلى المواطن؛ إذ كان

(387)

بمقدوره أنْ يختار الدين الذي يريده في إطار المجتمع بمعزل عن الدولة. وفي الديانة المسيحية كان الشخص المسيحي يتخذ لنفسه حياةً منفردة. كان موريس باربيه يذهب إلى الاعتقاد قائلًا: «على الرغم من أنّ المسيحية قد أدّت إلى ظهور الفرد في الدائرة الروحانية، ولكن لم يكن يبدو عليه أنّه كان في قلق بشأن تبلور الفرد في الحقل المادي والدين العالمي؛ إذ لم يكن بصدد التحوّل وتغيير الدولة / المدينة، ولا أنْ يمنح الفرد وجودًا وكيانًا مستقلًا. وعلى الرغم من ذلك كله كانوا يرون أنّ المسيحية هي منشأ الفردانية (الإيمان بالفرد) الحديثة، وقبل أنْ يسعوا إلى إثبات هذا الرأي يكتفون بالتصديق به»[1].

يسعى موريس باربيه إلى الاستنتاج من هذه النظرية أنّ منشأ الحداثة السياسية ـ التي تفترض انبثاق الفرد في قبال الدولة ـ كامنةً في المسيحية الأولى. في حين أنّ الأديان الإلهية عمومًا وأصولًا يتجّهون في كلامهم إلى الأمّة مع جميع الناس[2].

هذا في حين أنّ هناك فارقًا كبيرًا بين الشخص المسيحي وبين الإنسان الحديث. إنّ حرية واستقلال الشخص المسيحي إنّما هو في الحد الذي يمكنه أنْ يواصل حياته حرًّا ومستقلًا عن المجتمع العُرفي وخارج قوانين الدولة. في حين أنّ الإنسان الحديث يمتلك حريةً واستقلالًا فرديًا في تعيين شكل الدولة التي يعيش في كنفها.

(388)

إنّ حرية واستقلال الفرد في المسيحية الأولى ـ حيث كانت الكنيسة مستقلةً عن الإمبراطور ـ كانت واسعةً إلى حدٍّ ما، ولكن بعد استيلاء الكنيسة على السلطة في العصور الوسطى، حينما غرقت المقامات الكنيسة في حمأة الثروة والسلطة؛ زالت حرية واستقلال الفرد المسيحي أيضًا. لقد أدت الحروب الصليبية بالفرد إلى تحرر الفرد من سلطة الكنيسة، وبعد الحروب انفصل الفرد من ربقة الكنيسة، وتحوّل إلى عنصرٍ في قبال الكنيسة، ودخل ضمن ثلاثة اتّجاهاتٍ مناهضةٍ للكنيسة، وهي:

الاتّجاه الاقتصادي الذي أدّى إلى الإتجارية أو مذهب التجاريين أو المركنتيلية.

الاتّجاه التنويري الذي انبثقت عنه الإنسوية.

اتّجاه التجديد الفكري الذي كان مصحوبًا بالإصلاح الديني.

إن هذه الاتجاهات الثلاثة بوصفها عناصر رئيسةً لظهور عصر النهضة، عملت على تحويل الفرد المسيحي من شخصٍ ينزع إلى العزلة وطلب الآخرة إلى شخصٍ مغامرٍ قد هرب من ظلم الكنيسة وجور النظام الإقطاعي، إلى شخصٍ حارب تشتت السلطة، وأسس الدولة الحديثة المطلقة[1].

3. 3. عصر الإنسان الحديث

يذهب أنطوني ليكا إلى الاعتقاد بأنّ العصر الحديث عبارةٌ عن جدالٍ في وجه الدولة اللاأخلاقية. ويرى أنّ العصر الحديث في الحقل السياسي يبدأ بمقترحٍ ضدّ الدولة الميكافيلية اللاأخلاقية. إنّ الميكافيلية غالبًا ما كانت تنظر إلى العالم الحديث من زاوية الواقعية السياسية والقومية المتطرّفة. إنّه يروم التضحية بجميع القيَم على مذبح وحدة البلاد، بيد أنّ تفكير دسيدريوس إيراسموس ـ المعاصر لنيقولاي ميكافيللي ـ ما يزال ضاربًا بجذوره في الدين، ويسعى إلى إقامة الدولة الدينية. وأمّا

(389)

سان توماس مور فهو بصدد الثورة من أجل القضاء على القيَم القروسطية البالية. ولمّا كان كاثوليكيًا جامح الخيال فقد دخل في صراعٍ مع الكنيسة الإنجليزية الوطنية ومع الملك العنيف هنري الثامن، ودفع روحه ثمنًا لإخفاقاته[1].

إنّ من بين خصائص تفوّق الغرب وجود نوع من التسلسل الفكري الحاكم على هذه الحضارة؛ بنحو لا يتعرّض الغرب ـ بتعبير آخر ـ إلى أيّ انقطاعٍ في عملية التفكير. فقد كان هذا التفكير الفلسفي متسلسلًا منذ أنْ فتح طاليس باب المادية في دراسة الطبيعة، إلى المرحلة التي انتقل فيها أفلاطون وأرسطو من معرفة الطبيعة إلى معرفة الدولة والمجتمع في سعي منهما للتأسيس إلى دولة الكمال المطلوب، وظلّت الفلسفة السياسية لأفلاطون ومنطق أرسطو مخيّمين على الفضاء الفكري / الديني لأوروبا، وظلّ هذا التسلسل الفكري متواصلًا حتى عصر ديكارت. ومع ديكارت تعرّض التراث الفلسفي الإغريقي للنقد، وتبلورت الدولة التأسيسة والحكومة المدنية من خلال أصحاب العقد الاجتماعي.

وفي هذا البين قدّم جان جاك روسو رأيًا متعارضًا تجاه الفرد. يذهب روسو في «الإرادة الجماعية» إلى الاعتقاد بأنّ الحقّ في الشرائط والنظم السياسي ينفصل عن الفرد وينتقل إلى الدولة أو السلطة الحاكمة. ومن حينها يُصبح الفرد عضوًا في المجتمع أو جزءًا من السلطة، وبطبيعة الحال فإنّ الفرد يحافظ على استقلاليته في الحقل الخاص. وهذا تمامًا هو الأسلوب ذاته الذي كان سائدًا في الدولة / المدينة في العصر الإغريقي؛ وهو تقدّم الجمع على الفرد. وعلى هذا الأساس فإنّ جان جاك روسو يعارض الحداثة السياسية أو الدولة الحديثة التي تستند إلى الليبرالية الفردية[2]. وقد أعلن بنجامين كونستانت ـ بوصفه منظّرًا للدولة الحديثة ـ سنة 1819 للميلاد

(390)

أنّ الاختلاف الجوهري بين الدولة / المدينة الإغريقية والدولة الحديثة يكمن في حرية الفرد. ففي الدولة / المدينة كان الفرد حرًّا، بيد أنّ حريته كان يتمّ تحديدها ضمن الإطار الذي تعيّنه الدولة، وأمّا في الدولة الحديثة فإنّ الفرد يحصل على حريته في الحقل الخاص والعام. لقد تجاوزت حضارة الغرب ـ من زاوية تكامل العقل الفلسفي ـ أربع مراحل أساسية، وهي:

أ. المرحلة الأولى هي المدّة التي كان فيها الأوروبيون ـ مثل سائر الأمم والشعوب ـ يرون أنّ جميع الحوادث والوقائع ناشئةٌ من إرادة قوى غيبية وما ورائية. وقد كان الإنسان في هذه المرحلة مفتقرًا إلى إدراك وفهم الوجود، ويرى نفسه تابعًا لطبيعة محدّدة مسبقًا.

ب. المرحلة الثانية ـ التي تبدأ بتأسيس الفلسفة المادية لطاليس ـ تنقل الأنظار ممّا وراء الطبيعة إلى معرفة الطبيعة. أعلن طاليس عن أنّ الطبيعة غير تابعةٍ إلى أيّ إرادةٍ خارجة ٍعنها، بل إنّ التغيير والتحوّل في عناصر الطبيعة يؤدّي إلى ظهور التغيير في خارجها. إنّ الطبيعة تابعةٌ لنظام ذاتي الحركة والنشاط أو ما يعرف بـ «Spontanee»[1].

ج. لقد اقترنت المرحلة الثالثة بظهور الأزمات الاجتماعية الإغريقية التي تبدأ من مرحلة السفسطائيين تقريبًا. وفي هذه المرحلة يتمّ الانتقال من الاهتمام بالطبيعة إلى الاهتمام بالدولة والمجتمع، وكما سبق أنْ أشرنا فإنّ هاجس أفلاطون وأرسطو يكمن في البحث عن حكومة الكمال المنشودة. إنّ هذا الأمر يثبت أنّ أثينا قد واجهت أزمةً أخلاقيةً واقتصاديةً وسياسية، وقد توفّرت مقدمات سقوط مدينة / الدويلات بوصفها مركزًا للديمقراطية، وقد تحقّق ذلك بظهور الإسكندر [المقدوني]. وفي هذه المرحلة يطغى نوعٌ من فلسفة البراءة

(391)

من التقيّدات الاجتماعية، ولا سيّما مع انتشار الرواقية، وهذه الفلسفة ذاتها سوف تنتقل لاحقًا إلى المسيحية.

د. المرحلة الرابعة تبدأ مع عصر النهضة، وفي هذه المرحلة يتجّه الفلاسفة من خلال الحركة الإنسوية وحركة الإصلاح البروتستانتي إلى الاهتمام بإصلاح الفرد وضمان حقوقه في قبال الدولة. وفي هذه المرحلة ـ حيث تتبلور ظاهرة الفردانية الحديثة من خلال تحرّر الفرد من الأساطير والأوهام وعبر الاعتماد على طاقاته الممنوحة له من قبل الله ـ يتحوّل الفرد إلى إنسانٍ مستقلٍّ وحرٍّ في قبال القوى الأرضية، بنحو يحصل على فلاحه وسعادته من خلال الاستعانة بالعقل الفردي المسؤول تجاه العقل السليم الجمعي.

وأمّا النقطة الجديرة بالالتفات ـ والتي ظهرت في الغرب منذ ذلك الحين في الغرب ـ فهي أنّ الإنسان الحديث كلما ابتعد عن التعلّق بالدين، وبحث عن سعادته في المجتمع الذي بناه بنفسه، أحسّ بالمزيد من العُزلة والضياع، أو المزيد من الاضطراب على حدّ تعبير جان بول سارتر«Angoisse».

وأمّا الفلاسفة المعاصرون ـ ومن بينهم برتراند راسل ـ فإنهم يذهبون إلى الاعتقاد بأنّ جون لوك ـ مؤسس الليبرالية السياسية والمخطط للمجتمع المدني ـ هو أوّل من ذكر بحث الفردانية الحديثة. وفي القرن الثامن عشر عمد جان جاك روسو في رسالته الجدلية المعروفة بـ «العقد الاجتماعي»، إلى الردّ على نظرية «الإرادة الجماعية» لجون لوك، من خلال بيان الفردانية الليبرالية. إنّ روسو وإنْ كان يرتضي الفرد في الحقل الخاص، ولكنّه في المناسبات السياسية / الاجتماعية يرى أنّ الفرد تابعٌ للمجتمع، وأنّه في الأصل لا يرى فرقًا بين الدولة / المجتمع والفرد. إنّ الذي يذكره جان جاك روسو في «الإرادة الجماعية»، إنّما هو نموذجٌ للدولة / المدينة في اليونان والتي يكتسب أفراد المجتمع فيها عنوان المواطن، مع فارق أنّهم يتمتعون بالحرية المدنية أو الحرية المتفق عليها.

(392)

النتيجة

لقد أثبتت الدراسات المعاصرة في ضوء علم الاجتماع التاريخي أنّ حضارة الغرب من زاوية المباني النظرية قد تجاوزت قسمين تاريخيين مختلفين تمامًا. القسم الأول يبدأ من اليونان وروما وصولًا إلى نهاية العصور الوسطى. والقسم الثاني يبدأ من المرحلة الجديدة إلى يومنا هذا.

والقسم الأول يشتمل على ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى ترتبط بتراث اليونان، وهذا التراث بدوره يشتمل على قسمين حضاريين، وهما:

أ. العلم والفلسفة والفن، حيث تجسّد هذه الأمور الجانب الثقافي لليونان.

ب. الفرد والمجتمع والدولة، إذ تعمل من زاوية علم الاجتماع السياسي على دراسة علاقات السلطة مع القوى الاجتماعية.

والمرحلة الثانية ترتبط بالتراث الروماني، وهذا التراث ينقسم بدوره إلى قسمين أيضًا:

أ. العسكري والديواني.

ب. النظام الحقوقي والنظام السياسي القائم من جهة على تمركز السلطة بيد الإمبراطور، ومن جهة أخرى على تمركز السياسة والدين في يد الإمبراطور (لقد تجاوز النظام السياسي في روما ثلاث مراحل، وهي: الملكية، والجمهورية، والإمبراطورية).

وأمّا المرحلة الثالثة فهي ترتبط بالحضارة المسيحية. وقد كانت هذه الحضارة أولًا وليدة الأزمات الداخلية لليهود، وثانيًا: كانت تنبثق عن توقعات المجتمع الشرقي الذي اضطر إلى الهجرة نحو الغرب. لم تكن المسيحية وحدها قادرةً على البقاء؛ ولذلك فقد اتّحدت مع العرق الجرماني، وقسّموا السلطة فيما بينهما على الأساس الدنيوي / الأخروي.

(393)

ولمّا اتسعت رقعة سلطة المسيحية، ولا سيّما امتدادها إلى حدود البلدان الإسلامية، فقد اضطرّت إلى تعلّم علم الكلام والفلسفة والاستدلال للدفاع عن نفسها. واستعانت في إدارة المجتمع بما يشبه نمط المدن / الدول الهيلينية بمساعدة من العسكرة والحقوق الرومانية. ولقد أدى تدنّس الكنيسة بجاذبيات السلطة والثروة إلى ابتعادها عن ماهيتها الأولى. لقد تعرّضت المسيحية الأولى ـ أي: الكاثوليكية ـ إلى الانشقاق؛ إذ انفصلت عنها المسيحية الشرقية ممثلةً بالأورثودوكسية. وأدّى الإصلاح الديني إلى ظهور البروتستانتية، وبذلك بلغت العصور الوسطى نهايتها، ودخلت أوروبا في العصر الجديد.

والقسم الثاني ينقسم إلى قسمين مفهوميين، وهما:

القسم الأول، يشتمل على المدركات والأفهام الحديثة التي تحوّل إنسان الأمس إلى شخص حديث. إنّ هذه الحداثة ليست بمعنى الحداثة ذات الصبغة الأداتية، بل بمعنى الحداثة التي تتمتع بمظهر العقل الفلسفي، وبذلك فقد تجلّت الحداثة السياسية على أساس الحرية الفردية، وظهرت الحداثة الفكرية والذهنية على أساس التحرّر من القيود، والتعهد بالتعقل. وبذلك فقد تبلورت المباني النظرية للفرد الحديث من خلال تغيير تصوّره لصورة عالم الوجود، على أساس العقل المستقل. إنّ هذا الأمر هو من أبرز الأمور في مباني حضارة الغرب؛ إذ لم يحدث مثل هذا التغيير في أيّ حضارةٍ من الحضارات الأخرى. وقد تحدّث هنتينجتون في محاضرة له ألقاها في جامعة طوكيو حول موازين حضارة الغرب، قائلًا: «ربما أمكن لكم أنْ تصبحوا حداثيين، ولكنكم لن تصبحوا غربيين».

إنّ هذا الكلام إنّما يصحّ من حيث أنّ هنتينجتون نفسه لا يستطيع بدوره أنْ يكون شرقيًا، ولكن مراده هو أنّ الطالب الجامعي الياباني قد يستطيع أنْ يكتسب الثقافة الحداثية، ولكنه لن يكون قادرًا على بلوغ الحداثة الفلسفية والسياسية؛ وذلك لأنّ

(394)

الحداثة مخاضٌ خاصٌّ بالمسار التاريخي للغرب، وإنّ الشرقيين لم يتمكنوا من تجسيد الأطر الكاملة لهذه الحضارة حتى على مستوى التقليد.

إنّ العقلانية الحديثة وإنْ كانت ثمرةً لإحياء الفلسفة الهيلينية، وأمّا الإنسويون ومفكّرو عصر التنوير، فقد عمدوا ـ من خلال تدوين وتأسيس المدارس الفلسفية الحديثة ونفخ الروح العلمية على المجتمع ـ إلى تمهيد الأرضية لمسار وصول الفرد الحديث لتغيير المباني النظرية التي هي الحداثة. إنّ من بين الموانع التي تحول دون عبور الغرب إلى الحداثة، كان هو النزاع بين العقل والإيمان أو العلم والدين (وهو الموضوع الذي يعود في الحضارة الإسلامية إلى القرن الهجري الثالث). وهو النزاع الذي تغلبت فيه قطعية العلم على جزمية الدين، وتمخّض ذلك عن البروتستانتية.

والقسم الثاني يشتمل على الأدوات الصلبة ذاتها التي أوجدت السلطة والهيمنة الغربية، من قبيل: الآلة الطابعة، وآلة البخار، والفحم الحجري؛ حيث الأسلحة والاستعمار هو ثمرة التماهي لهذا العقل الأداتي.

لقد كان القرن التاسع عشر للميلاد من أكثر القرون اضطرابًا في تاريخ القارّة الأوروبية؛ فقد شهد هذا القرن تغييرًا جذريًا تحت تأثير الثورة السياسية الفرنسية والثورة الصناعية الإنجليزية. وظهرت المدارس السياسية / الفلسفية والاقتصادية على نطاقٍ واسع. وقد ظهر الاستعمار في هذه المرحلة بوصفه تنافسًا محمومًا وعنيفًا بين الدول الأوروبية. لقد ساعد تكديس الثروة الناتجة عن سرقة ونهب المصادر الشرقية على تراكم البضائع وتنوّعها، وارتفاع مستوى العمل وزيادة الأجور، وأخذ الغربيون في كلّ يومٍ يبحثون عن مصادر جديدة للثروة. لقد كان الإثراء هو المهم للرأسمالية الصناعية وليس طريق الوصول إلى الثروة. وقد أدّت سيطرة الثقافة الدنيوية واكتناز الثروة إلى زعزعة الأطر الأخلاقية. وقد أدى العمل وحمّى التنافس الاقتصادي وتسليات الشوارع إلى فصم عُرى العلاقات الأسرية، والرغبة إلى الهروب من البيت

(395)

وتفضيل حياة العزوبة (Single). بنحو أدّت حالات الزواج خارج الأطر المتعارفة إلى تهديد أساس الأسر والأجيال القادمة وتعريضها إلى خطر الانحطاط والزوال. وقد توصلت الدول الغربية مؤخرًا إلى هذه النتيجة وهي أنّها لا تستطيع الوقوف بوجه الأعمال والممارسات اللاأخلاقية من قبيل المثلية بمجرّد الأدوات القانونية. ولذلك أخذت تحثّ الناس ولا سيّما الشباب منهم وتشجعهم على التديّن عبر القنوات التلفزيونية واسعة الانتشار. هذا في حين أنّ الدين بدوره تحوّل إلى أداةٍ سياسية، مثل المسيحية / الصهيونية التي شكّلت الإطار الفكري للمحافظين الجدُد.

خلاصة القول: إنّ حضارة الغرب الجديدة طوال القرون الخمسة المنصرمة، وإنْ جلبت لمجتمعها العلم والصناعة والديمقراطية والحرية والرفاهية والأمن، وتمكّنت بفضل الأسلحة الفتّاكة من فرض سيطرتها على بلدان العالم الأخرى. وأمّا اليوم فيبدو أنّ الغرب يواجه نوعًا من الاضطراب والاهتزاز والهرج والمرج الأخلاقي. وإنّ هذا الأمر يستدعي إلى الأذهان عبارة «انحطاط الغرب» لأوسفالد شبينغلر، أو عبارة «سقوط أوروبا» لبول فاليري. وعلى الرغم من أنّ مواقع الشبكات الإنترنيتية الواسعة للدول الغربية تسعى إلى إحياء الروح الدينية بين الأسر الغربية ولا سيما بين الشباب، ولكن لا يزال أمام الغرب طريق طويل للوصول إلى هذه الغاية.

 

 

 

 

 

(396)

 

 

المصادر

  1. أرسطو، الكتاب الأول (السياسة)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حميد عنايت، طهران، 1358 هـ.ش.
  2. آرون، ريمون، مراحل أساسي انديشه در جامعه‌شناسي (المراحل الأساسية للفكر في علم الاجتماع)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: باقر برهام، طهران، نشر انقلاب اسلامي، 1363 هـ.ش.
  3. باربيه، موريس، مدرنيته سياسي (الحداثوية السياسية)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: عبد الوهاب أحمدي، طهران، نشر آكه، 1383 هـ.ش.
  4. بزرگي، وحيد، ديدگاه‌هاي جديد در روابط بين الملل (الآراء الجديدة في العلاقات الدولية)، طهران، نشر ني، 1377 هـ.ش.
  5. بيگدلي، علي، تاريخ انديشه سياسي در غرب (تاريخ الفكر السياسي في الغرب)، ج 1 (من طاليس إلى ماركس)، طهران، عطا، 1367 (مصدر فارسي).
  6. راسل، برتراند، تاریخ فلسفه غرب(تاريخ فلسفة الغرب)، إلى اللغة الفارسيّة: نجف دریا بندری، ج 2، طهران، نشر پرواز، 1376 هـ.ش.
  7. استيس، و. ت.، فلسفه هگل (فلسفة هيجل)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد عنايت، طهران، نشر فرانكلين، 1347 هـ.ش.
  8. فروند، ژولين، جامعه‌شناسي ماكس وبر (علم اجتماع ماكس فيبر)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد الحسين آذرنك، طهران، نشر نيكان، 1362 هـ.ش.
  9. مارتين، آلفرد فون، جامعه‌شناسي رنسانس (علم اجتماع عصر النهضة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: علي بيگدلي، ومفيد علي زاده، وسيروس رسولي، 1380 هـ.ش.
  10. بدن، لوئي، تاريخ عقايد اقتصادي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: هوشنگ نهاوندي، طهران، نشر مرواريد، 1340 هـ.ش.
(397)
  1. وبر، ماكس، اخلاق بروتستاني وروح سرمايه‌داري (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد الكريم رشيديان وپريسا منوچهري كاشاني، طهران، نشر علمي / فرهنگي، 1373 هـ.ش.
  2. هلد، ديويد، مدل‌هاي دموكراسي (نماذج الديمقراطية)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عباس مخبر، طهران، نشر روشنگران، 1369 هـ.ش.
  3. Bastide, Georges, Mirage et Certitudes de la Civilization, Paris, Privat, 1953.
  4. Baud, M. A., Moussay, R., Civilisation Contemporaine, Ed. Hatier, Paris, 1965.
  5. Chatelet, Francois, les Conceptions Politique due XXe Siecle, Ed. PUF. Paris, 1981.
  6. Chevalier, Jean - Jacques; Histoire de la Pensee Politique; Ed. Payot, Paris. 1993.
  7. Constant, Benjamin; De la liberte des anciens compare; Paris: Livre de Poche, 1980.
  8. De Charden, Teilhard, le Phenomene Humain; Ed. Payot, Paris, 1959.
  9. De Charden, Teilhard, les Foyers de la Civilization; Seuil, Paris, 1959.
  10. Delort, Robert, Les Groisades, Seuil, Paris, 1959.
  11. Gramsci, A; Notes Sur la Politique; Ed P.U.F, Paris, 1993.
  12. Georian, Georges; Les Caracteres, des Societes, Sientiques; Seuil, Paris, 1959.
  13. Le Goff, Jacques; Des Intellectuels au Moyen Age.; Ed. Seuil, Paris, 1957.
  14. Leca, Antoine; Histoire des idees Politiques (des Origine au XXe Siecle); Ed. Ellipses, Paris, 1997.
(398)
  1. Malinowski, Bronislaw; une theorie Sientifique de la Culture; Ed. Froncois Masperso, Paris, 1968. 
  2. Millon -Delsol, Chantal; Les idees Politiques au xx Siecle ll; Vol. Ed. P.U.F, Paris, 1991.
  3. Ricoeor, paul; Caracteres De La Civilization Universalle, Ed. Seuil, Paris, 1961.
  4. Ros, Danial; «Les Chances de L’Homme dans une Civilisation Industrielle»; Conference Publie’ Par federation Nationale des Syndicats ingenieures et Cadres, Paris, 1956.
  5. Rousseaux, Andre; Le monde Classique; Troisieme, Volum, Paris, 1951.
  6. Siegfried, Andre; La Civilisation de L’Occident; Ed. Arthur, Paris, 1979. P. 124.
  7. Siegfried, Andre, «Technique et Culture dans la Civilisation», du XXe Siecle, Conference du 6 Janvier 1935. Publie par Le Centre National de documentation pedagogique.
  8. Touchard, Jean; Histoire des idees politique depuis la Revolution; Ed. Montchrestien, Paris, 1992. 
  9. Troeltsch, Ernest; Protestantisme et modernite; Ed. Gallimard, Paris, 1963.
  10. Wolff, Philippe; L’Eveil Intellectuels de L’Europe; Ed. Seuil, Paris, 1971.

 

 

 

 

(399)
(400)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف