فهرس المحتويات

الدين والحضارة

(1)

بسم الله الرحمن الرحيم 

(2)

العتبة العباسية المقدسة 

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

 

دراسات دينية معاصرة 14

الدين والحضارة 

 

تأليف: 

مجموعة باحثين

 

إعداد :

د. محمد حسين كياني

(3)

العتبة العباسية المقدسة 

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتجية

 

الدين والحضارة / تأليف مجموعة باحثين ؛ إعداد محمد حسين كياني - الطبعة الأولى. - النجف

العراق : العتبة العباسية المقدسة، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، ٢٠٢٤.

۳۹۹ صفحة : ايضاحيات ؛ ٢٤ سم - دراسات دينية معاصرة ؛ (١٤)

يتضمن إرجاعات ببليوجرافية : صفحة ۳۹۷-۳۹۹

ردمك : ٩٧٨٩٩٢٢٦٨٠٥٨٣

1. الاسلام والحضارة. أ. كياني، محمد حسين، معد.ب. العنوان.

LCC: BP190.5.C54D56 2024

مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة

الفهرسة اثناء النشر

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (٤١٣٣ ) لسنة ٢٠٢٤ م

 

الدين والحضارة (دراسات دينية معاصرة - ١٤)

تأليف: مجموعة باحثين

إعداد: د. محمد حسين كياني

إشراف السيد محسن الموسوي

الناشر : العتبة العباسية المقدسة / المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

الطبعة: الأولى، ٢٠٢٤ م

www.iicss.iq

islamic.css@gmail.com

(4)

المحتويات

کلمة المركز          7

 المقدمة   9

الإلهيّات الحضاريّة / حبیب الله بابائي     21

الخصائص الإسلامية والقرآنية لـ «الحضارة»/ حبيب الله بابائي           51

الأداء الحضاري للقرآن الكريم، دراسةٌ تمهيديةٌ في حقل الحضارة الإسلامية المتقدّمة / محسن ألويري    85

مفهوم المهدوية والحضارة الإسلامية الحديثة / محسن ألويري  113

قابليّات علم الكلام في الدراسات الحضاريّة / محمد تقي سبحاني           137

قابليّات العرفان الإسلامي في الإنتاج الحضاري / السيد يد‌الله يزدان پناه   159

دور الفلسفة الإسلامية وموقعها في الحضارة الإسلامية / حسن عبدي     191

الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء، دورٌ رياديٌّ في الإحياء الحضاري الإسلامي / هاشم الميلاني      217

مالك بن نبي، من نقد الذات والآخر إلى بناء نظريةٍ جديدةٍ في البناء الحضاري/ مصطفى النشار           251

الحضارة الوحيدة التي ألهمت الغرب، هي الحضارة الإسلامية / سيد حسين نصر    279

الحضارة الغربيّة والحضارة الإسلاميّة / حبيب الله بابائي       309

المباني النظرية لحضارة الغرب الحديثة / علي بيگدلي          349

(5)
(6)

 

 

کلمة المركز

الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ

وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ

(الحج:14)‏

إن مصطلح «الحضارة» هو من المفاهيم والتعابير التي كانت تُستخدم منذ قديم الزمان في الأدبيات والنصوص التاريخية أو التحليلات الثقافية وكذلك في الخطاب العام بشكل متكرر نسبيًا، وعلى الرغم من ذلك، لم يكن لهذا المصطلح تعريفات واضحة ومحددة من الناحية المعنوية. كذلك، فإن مصطلح «الثقافة» يُعتبر أحد أهم المفاهيم التي تشترك مع الحضارة من حيث تاريخ الاستخدام، حيث لهما تاريخ متشابه جدًا، ومن المثير للاهتمام أنهما يرتبطان بشكل كبير من حيث النطاق والشبكة المعنوية، وغالبًا ما يتم استخدامهما معًا كتعبير مكمل أو مرادف.

في عصرنا الحالي، لا يزال استخدام مصطلح «الحضارة» شائعاً في الخطاب العام، كما أنه حاضر في الدراسات المتخصصة في مختلف فروع العلوم الإنسانية من زوايا مختلفة وفي سياقات متنوعة. وفي الأوساط العلمية، يُتناول أحيانًا من منظور متعدد التخصصات والشامل تحت مسمى «دراسات الحضارة». وعلى الرغم من أن مصطلح «الحضارة» قد يكون قد تقلص وأصبح محدودًا في استخداماته المتأخرة - مثل العديد من المفاهيم الهامة والعامة في النقاشات الإنسانية - مقارنةً بالفترات السابقة، وفي بعض المجالات حلَّت محله مفاهيم حديثة مثل التنمية، المواطنة، الدولة وما شابه، إلا أنه لا يزال يستخدم لتحليل أو مقارنة الوضع العام للحياة الاجتماعية والثقافية للبشر في التقسيمات القومية والسياسية والجغرافية والتاريخية المختلفة.

(7)

عندما يُوصَف مجتمع بشري بأنه «متحضر»، فعادةً ما يُفهم من هذا الوصف حالة مرغوبة ومتقدمة تتميز بمستوى أعلى من القوة والقدرة والنمو الاجتماعي. وربما يتم استخدام تعبير «الحضارة الغربية» أو «الحضارة الإسلامية» في سياق هذا المعنى بشكل أكبر. من ناحية أخرى، نعلم أن الدين والمعارف الدينية ليست محايدة تجاه مسألة التقدم أو التخلف الثقافي والاجتماعي للمجتمعات البشرية، ولديها أحكام وقضايا على الرغم من اختلاف المفاهيم والتعابير.

إلى حد أن العديد من المفكرين والكتاب قد استخدموا منذ سنوات تعبير «الحضارة الإسلامية» - بالرغم من الجدل والنقاشات حول أصل هذا التعبير بينهم - ويُشار الآن هنا وهناك إلى إحياء أو تجديد التجربة الحضارية الإسلامية أو الحضارة الإسلامية الحديثة.

من هذا المنطلق، من الجدير بنا أن نتأمل في مفهوم «الحضارة» ومعانيها من منظور الأسس والمعارف الدينية، ونسعى إلى توضيح وتنقية المفاهيم الدينية التي قد تشترك مع الحضارة في المعاني أو تكون قريبة منها، ونبحث في علاقتها مع بعضها البعض. كما ينبغي دراسة النظريات العامة حول العلاقة بين الدين والحضارة في مختلف مجالات العلوم الإنسانية والدراسات الدينية. وقد حاولت مجموعة المقالات الحاضرة أن تكون خطوة أولى في هذا الاتجاه.

 

            السيّد محسن الموسوي

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية - فرع قم

 

(8)

 

 

المقدمة

 

إن الحضارة أو المدنية والنزوع إلى الاستيطان في المدن التي تطلق على المجتمعات ذات البنية المعقّدة والطبقات الاجتماعية المتعددة، والأطر والعلاقات الجماعية المتنوّعة ومجموعة من القوانين والرموز الخاصة. وبعبارة أخرى: إن للحضارة نسبة مفهومة مع الحياة الاجتماعية للناس، حيث تُعرف من خلال أوصاف من قبيل: تنمية الدولة، والطبقات الاجتماعية، والحوار الحضري الفذ، والتقدّم في مختلف الحقول من قبيل: العلوم والفنون والصناعة والاقتصاد وما إلى ذلك. ومن هنا تُعرف الحضارة بمركزية السلطة والقوّة بالمعنى العام وضمن جغرافية محدّدة.

إن الحضارة ترتبط بمختلف الأبعاد المتنوّعة للحياة الفردية والاجتماعية. وفي هذا الشأن تعدّ نسبة الدين إلى الحضارة من بين المسائل المهمّة التي تضع بين أيدينا الكثير من الموضوعات الجديرة بالدراسة والتحقيق. بعيدًا  عن البحث حول المفاهيم والنظريات والاتجاهات والتيارات المرتبطة بمجمل الحضارة والتمدّن، يمكن التحقيق بالتفصيل حول بعض المسائل المرتبطة بالإسلام والحضارة؛ وهي مسائل وموضوعات من قبيل: الخصائص والأبعاد التاريخية للحضارة الإسلامية، وإعادة تعريف التراث الحضاري للإسلام بما هو أساس لرسم الحضارة الإسلامية، وخصائص ولوازم الحضارة الإسلامية الحديثة، ونسبة العلوم الإسلامية إلى تحقق الحضارة الإسلامية، ودور البلدان الإسلامية في التحرّك نحو بناء الحضارة الجديدة، وتأثير التعاليم الإسلامية في رسم وتوجيه الحضارة، ودور الحوزات العلمية،

(9)

والتجمّعات الجامعية في رسم مقدمات وأهداف الحضارة الإسلامية، وعناصر الحضارة الإسلامية على أساس مذهب أهل البيت عليهم‌السلام أو تأثير تعاليم أهل البيت عليهم‌السلام في مسار بناء الحضارة أو إصلاحها، ونقاط اشتراك وافتراق الحضارة الإسلامية مع سائر الحضارات الأخرى ولا سيّما الغربية منها، وتأثير تحديات العصر الجديد في تحقق الحضارة الإسلامية الجديدة، أو الإجابة عن التحديات الجديدة على أساس تراث الحضارة الإسلامية، ودور التربية والتعليم والصناعة والتكنولوجيا وما إلى ذلك في دراسات الحضارة الإسلامية والكثير من المسائل الأخرى.

إن التأمّل حول الدين والحضارة أمر لازم وضروري من عدّة جهات. فمن جهة يُعدّ هذا النوع من التأمّلات بمنزلة المقدمات النظرية للعمل على الارتقاء الكيفي وتحسين مستوى حياة المسلمين. وعلى كل حال فإنه بغض النظر عن أن المعرفة التاريخية للحضارة الإسلامية القديمة يساعد على فهم وإدراك خصائص المجتمعات الإسلامية بشكل أفضل، ولكن هذا الوعي والإدراك يُعدّ ـ في الوقت نفسه ـ بمنزلة المبنى لاتخاذ القرارات الاجتماعية والدولية أيضًا . ومن ناحية أخرى يمكن لمجموعة من الإرادات والخطوات الاجتماعية الهادفة أن تشكّل مقدّمة لإعادة بناء حضارة إسلامية جديدة أيضًا . وعلى كل حال فإن التفكير من أجل إعادة بناء المجتمعات الإسلامية وارتقائها وتصفيتها وتحسينها على المستوى الكمي والكيفي، يُعدّ واحدًا  من المسائل التي قلما نجد مسلمًا  لا يُبدي اهتمامًا  بها، أو يعدّها مسألة قليلة الأهمية.

إن هذا الكتاب يمثّل مدخلًا نظريًا بشأن التفكير حول النسبة بين الدين والحضارة؛ والجواب عن أسئلة من قبيل: ما هي الخصائص التي تحتوي عليها الحضارة في ضوء التعاليم الإسلامية؟ ما هي الآليات والأدوات التي يمكن رسمها للحضارة الناظرة إلى التعاليم الإسلامية؟ ما هو التأثير الذي تتركه الرؤية المهدوية

(10)

في الحضارة الإسلامية الجديدة؟ وما هو التأثير والنفوذ الذي تركته أو ستتركه العلوم الإسلامية ـ ولا سيّما منها علم الكلام والفلسفة والعرفان ـ في الحضارة الإسلامية؟ وما هي الرؤية الحضارية التي كان يحملها المفكّر المسلم؟ وما هي نسبة الحضارة الإسلامية إلى الحضارة الغربية؟ وما هي التحديات التي ترى أنها تواجهها في المرحلة المعاصرة؟ وما إلى ذلك من الأسئلة الأخرى.

إن هذا الكتاب يشتمل على مجموعة من المقالات على النحو الآتي:

1. الإلهيات الحضارية: في هذه المقالة يتمّ استعمال مفهومين للإلهيات الحضارية، وهما أولًا : الرؤية الإلهية للمقولات الحضارية، وثانيًا : الرؤية الحضارية للموضوعات الإلهية. وفي الحقيقة فإن اهتمام الكاتب ناظر إلى بسط هذين المفهومين عن الإلهيات الحضارية، ليقوم في الخطوة الأولى بدراسة مفهوم الرؤية الإلهية إلى المقولات الحضارية، وإيضاح معنى هذا التعبير في ضوء المصلح القديم والحديث للإلهيات. ثم يعمل في خطوة أخرى على التأمّل والتدبّر في إمكان الرؤية الحضارية إلى الأمور الإلهية والنماذج الممكنة لها، من قبيل: الغيب، والأمل، والتضحية، وما إلى ذلك في الإلهيات الإسلامية، ليقدّم من خلال ذلك طريقًا  مختلفًا للتفكير حول أسس وظرفيات الدين الإسلامي في بناء الحضارة الإسلامية.

2. الخصائص الإسلامية والقرآنية لـ«لحضارة»: تسعى هذه المقالة إلى بيان خصائص الحضارة في ضوء تعاليم القرآن. يذهب الكاتب إلى الاعتقاد بإمكان بحث التعاليم المباشرة أو غير المباشرة للقرآن الكريم حول الحضارة من خلال ثلاث خصائص، وهي: «التوحيد»، و«الأخلاق»، و«المجتمع». إن مجموع هذه الدلائل لا تكون مفهومة بالنسبة إلى خصوص المسلمين أو الذين يعيشون تحت كنف الحضارة الإسلامية فقط، بل ويمكن تعريفها ـ بوصفها مقولة حضارية ـ لسائر الحضارات الأخرى بما في ذلك النماذج غير الإسلامية أو غير الدينية أيضًا . وفي الحقيقة فإن

(11)

الغاية من هذه الدراسة هي عرض وبيان الخصائص المنبثقة عن القرآن الكريم في بناء الحضارة الإسلامية / الإنسانية. وبعبارة أخرى: إن الغرض هو أن نثبت أن هناك خصائص أخرى يمكن بيانها بالإضافة إلى الخصائص الحضارية الحديثة أيضًا؛ ويمكن العبور على الخصائص الحديثة ونقدها. كما يمكن العمل على قراءة النص القرآني حضاريًا  واستخراج بعض الخصائص المختلفة منه، وتوظيف ذلك وتطبيقه في تقييم إنسانية الحضارة.

3. الأداء الحضاري للقرآن الكريم، دراسةٌ تمهيديةٌ في حقل الحضارة الإسلامية المتقدّمة: دراسة تمهيدية في دائرة الحضارة الإسلامية السابقة: إن القرآن الكريم هو الأصل المعرفي ومنطق تركيب وتعيين كيفية العلاقة بين الأجزاء والمبين للجهة الأصلية لحضارة المسلمين. يمكن توثيق هذا المعطى من خلال رؤية داخلية إلى القرآن الكريم ودراسة مفاهيمه الحضارية من جهة، ومن خلال النظرة الخارجية إلى واقعية الحضارة الإسلامية، والوظائف والأدوار القرآنية فيها من جهة أخرى. لقد اختصت هذه المقالة ببحث الموضوع الثاني، وهي الوظيفة الحضارية للقرآن الكريم، وقد عمدت إلى دراسة هذا الموضوع ضمن محورين رئيسين، وهما أولًا : تأثير القرآن الكريم على الروح العامّة وتوجهات الحضارة الإسلامية وتأثير القرآن في أجزاء ومظاهر الحضارة الإسلامية. وفي المحور الثاني تمّ بحث المعارف والفنون والفضاءات التشريحية لمناطق عيش المسلمين وحياتهم الاجتماعية أيضًا . وعلى هذا الأساس فإن انحسار التعاليم القرآنية عن مسرح المجتمع الإسلامي، وحصرها في حدود المسائل الفكرية المنفصلة عن الاحتياجات الاجتماعية، سوف يشكل بداية لركود الحضارة الإسلامية، بيد أن الوضع الراهن للحضارة البشرية والمنعطف التاريخي لتحوّل الحضارات، يشكّل أرضية خصبة لعودة القرآن ثانية إلى مشهد المجتمع وجعله هو المحور في الحضارة الإسلامية الجديدة.

(12)

4.مفهوم المهدوية والحضارة الإسلامية الحديثة: يمكن تصوّر تأثير الدين في الحضارة ضمن مساحتين، وهما: المساحة الجزئية المرتبطة بظواهر الحضارة التي هي من قبيل: الأبنية والآثار العلمية والآداب والتقاليد. والمساحة الكلية المرتبطة بالأساس الفكري والروح الحاكمة على الحضارة. يمكن إثبات المساحة الأولى بسهولة من خلال المرور بالمصادر ذات الصلة، وأما المساحة الثانية فقد تمّ الاهتمام بها ـ بشكل وآخر ـ في أعمال المنظرين في حقل الحضارة. وفي دائرة الإسلام حيث يكون إثبات المساحة الأولى أمرًا  بديهيًا ، فإنها لا تكون بحاجة إلى دليل. وفيما يتعلق بالمساحة الثانية ـ بالإضافة إلى التجربة التاريخية ـ يمكن إثباتها من خلال الاستدلال العقلي أيضًا . يقوم الإسلام ـ على المقياس الفردي والاجتماعي ولرفع مستوى تأثير التعاليم وبوصفه خطوة لتكميلها ـ بالعمل على ربط المفاهيم والتعاليم بالنماذج المثالية. وعلى هذا الأساس يمكن للمفاهيم المهدوية أن تلعب دورًا  من خلال رسم مستقبل منظور وفي بلورة الروح الحاكمة على الحضارة الإسلامية الجديدة. يمكن عدّ هذا البيان بوصفه «أفقًا  توصيفيًا» يمثل حلقة الوصل بين المهدوية والحضارة الإسلامية الجديدة. إن هذه المقالة قد تعرّضت لبحث هذه النقطة، وعملت في الختام على تقديم بعض المقترحات في إطار توظيف هذه الإمكانية.

5. قابليّات علم الكلام في الدراسات الحضاريّة: تتألف هذه المقالة من قسمين رئيسين: في القسم الأول تمّ استعراض التعريفات والمفاهيم الأصلية، من قبيل: الحضارة والتبويب العلمي المطلوب، وموقع علم الكلام في هذا التبويب، وإمكانات علم الكلام في الدراسات الحضارية. وقد تمّ اختزال إمكانية الكلام ضمن مساحتين، وهما: «بيان الاتجاه الحضاري للدين»، و«العرض المنظم والجامع للتعاليم الدينية». وفي هذا المورد يمكن الإشارة على نحو الاستقراء إلى الأبحاث الأنطولوجية والأبستمولوجية والأنثروبولوجية ونظرية الإمامة بوصفها من أهمّ

(13)

المحتويات الكلامية بالنسبة إلى دراسة الحضارة. وفي القسم الثاني يتم العمل ـ من خلال بيان الأنثروبولوجيا الكلامية على أساس محور العقل والإرادة ـ على إثبات قدرة علم الكلام في تأسيس القواعد الضرورية واللازمة للعلوم الحضارية الإسلامية.

6. قابليّات العرفان الإسلامي في الإنتاج الحضاري: يمكن لإعادة قراءة إمكانات العرفان الإسلامي في إنتاج الحضارة ـ بالإضافة إلى تقوية أدبيات توصيف الحضارة ـ أن تعمل على بيان أهمية العرفان الإسلامي في النظام الحضاري المنسجم. تعدّ مفاهيم علمي العرفان النظري والعرفان العملي والأداء التاريخي للعرفان الإسلامي من الأسس النظرية لهذه الدراسة الحضارية. وفي هذا الشأن يكون المعطى الأساسي عبارة عن العرفان النظري، أي: «الأسماء الإلهية والتلاقح الأسمائي»، والمعطى الأصلي للعرفان العملي، أي: «البُعد والقرب من الله تعالى»، ومن خلال الاستفادة منهما يتم تقديم توصيف للحضارة الإسلامية المنشودة. وفي حقل إمكانيات بناء الحضارة من خلال تجاوز شبهة الإعراض عن الدنيا في العرفان والاستناد إلى المصادر الإسلامية للعرفان وكذلك المفهوم النهائي لها وهو البقاء بعد الفناء ـ وليس الفناء ـ وعناصر من قبيل: النصرة، والخلافة بالسيف، والجمع المتلائم بين الروح والجسد، يتمّ بيان الموقع الأصلي للعرفان في صلب هندسة الحضارة الإسلامية، وفي رؤية أخرى يتمّ بيان أن العرفان يحتوي ـ من خلال توفيره لأربعة عناصر، وهي: المعنوية والعقلانية المعنوية الخاصّة في المنظومة المنسجمة، وتقديم نموذج أسمى عن الالتزام بالشريعة، والحصول على أسلوب خاص في فهم النصوص الدينية (التأويل) ـ على نتائج وفيرة في بناء الحضارة الإسلامية.

7. دور الفلسفة الإسلامية وموقعها في الحضارة الإسلامية: تعمل هذه المقالة على دراسة دور الفلسفة في الحضارة الإسلامية. والسؤال الأصلي في هذه المقالة

(14)

يقول: ما هو الدور الذي لعبته الفلسفة الإسلامية والمكانة التي احتلتها في تطوير الحضارة الإسلامية؟ ونتيجة هذه الدراسة عبارة عن أولًا: إن للفلسفة تعريفات متعددة، وإن أساس هذا التحقيق يقوم على مفهوم الفلسفة بوصفها أسلوبًا  عقليًا  في إطار دراسة الأحكام العامّة للوجود. وثانيًا: إن دور الفلسفة في تطوير الحضارة يُعدّ حيويًا  لعدّة أسباب، وهي أولًا: المساعدة على بناء هوية ثقافية للمجتمع، وثانيًا: إعداد الأرضية لبناء منظومة فكرية، وثالثًا: إعداد الأرضية لأجل إصلاح الحياة الاجتماعية من طريق مواجهة الانحرافات الفكرية، من قبيل: العدمية، والنسبية، والنزعة التشكيكية، ورابعًا: تلبية حاجة الإنسان الفطرية إلى معرفة الحقائق، وخامسًا: المساعدة على إقامة الحوار بين مختلف الحضارات من جهة، وبين مختلف التيارات الفكرية في إطار الحضارة الإسلامية من جهة أخرى. وعلى هذا الأساس لو كانت الفلسفة الإسلامية بصدد البحث عن التأثير الأكبر في الحضارة الإسلامية، فيجب أن تكون بصدد البحث عن التأثير في مختلف الحقول الاجتماعية والتعليمية والسياسية وما إلى ذلك، على أمل تلبية الاحتياجات الراهنة للمجتمع الإسلامي.

8. الشيخ محمد الحسين آل‌كاشف الغطا، دور ريادي في الإحیاء الحضاري الإسلامي: تتعدد وجوه المشروع الإصلاحي للشيخ كاشف الغطاء (١٢٩٤-١٣٧٣ هـ. ق) وتتنوع؛ إذ كان رحمه الله فقيها وأديبا ومتكلما وحكيما وسياسيا محنكا، وبنى وفق هذه الخلفية حركته العلمية والفكرية في معالجة ومواجهة التحديات التي تواجه المجتمع والعالم الإسلامي، ولهذا، فقد اتبع المنهج العملي الوظيفي، إذ يشير إلى فوائد الالتزام بالدين ليثبت أهميته وضرورته، ويؤكد على ضرورة إحياء العوامل التي توجب نهوض الأمة والوصول إلى رشدها. وفي هذا السياق يرى الشيخ كاشف الغطاء أن جهود المصلحين نحو اتحاد العالم الإسلامي قد أثمرت وقد بدت بشائر الخير، وظهرت طلائع النجاح، وتربت في نفوس المسلمين تلك الروح

(15)

الطاهرة. ومن الواضح أنه (قده) كان مستشرفًا ومواكبًا لما يجري في العالم، لهذا صوّب باتجاه مفاسد الغرب والفكر والثقافة الغربيين. لذا، فهو يعتقد بأن الغرب هو السبب في إفساد الأمة، وأن الغرب لا يريد نفع الأمة الإسلامية،.... وكانت له مواقف سياسية متعددة تنبيء عن عمق نظره، ومعرفته بالواقع العالمي والإقليمي.

9. مالك بن نبي، من نقد الذات والآخر إلى بناء نظريةٍ جديدةٍ في البناء الحضاري: يتناول هذا المقال فكر مالك بن نبي، الذي يركز على أن الحضارة تبدأ بفكرة دينية، حيث يعتبر الدين أساسًا في بناء الحضارات. يحدد بن نبي ثلاثة عناصر أساسية لأي حضارة: الإنسان، التراب (الموارد)، والوقت، والتي لا تتحول إلى حضارة إلا بوجود فكرة دينية محركة. يرى أن تخلف المجتمعات الإسلامية نابع من ضعف داخلي، ويعبّر عن ذلك بمفهوم «القابلية للاستعمار». يركز المقال أيضًا على أهمية الثقافة في بناء الحضارات، حيث يرى بن نبي أن الثقافة هي الإطار الذي يشكل الإنسان والمجتمع، وأن الحضارة تزدهر عندما تتكامل الأفكار مع القيم الروحية والعمل الجاد. كما ينتقد تركيز المجتمعات الحديثة على «الأشياء» و«الأشخاص» بدلًا من «الأفكار». في الختام، يشير المقال إلى أن النهضة الإسلامية تتطلب تغيير الفكر، تخطيطًا فعالًا، واستخدامًا صحيحًا للموارد والوقت، مع إعادة إحياء الروح الدينية وتجديد الفكر الإسلامي لمواجهة التحديات المعاصرة.

10. الحضارة الوحيدة التي ألهمت الغرب، هي الحضارة الإسلامية: أهمّيّة محاورة الدكتور السيّد حسين نصر حول قضايا الغرب وتحوّلاته الفكريّة والقيميّة، تكمن في معايشته العضويّة للمجتمعات الغربيّة نفسها، فقد صرف الرجل ولمّا يزل قسطًا  وازنًا  من حياته في معاهد الغرب وجامعاته طالبًا  وأستاذًا  وعارفًا  بمشكلاته المعرفيّة والمجتمعيّة، حتّى أنّك حين تقرأ كتاباته ومحاضراته والمؤتمرات التي يشارك فيها، سوف تشعر أنّك تلقاه فيلسوفًا  لا يصدر عن حكمٍ قيمية بقدر ما يعاين عقل

(16)

الغرب معاينة عقلانيّة، ثمّ ليحدّد مواقفه تبعًا  لتلك المعاينة. في ما يلي حوار أجراه معه الباحث حامد زارع، ويتمحور بصورة أساسيّة حول نظريّة (حوار الحضارات) التي طرحت على نطاق عالميّ إبان العقود الثلاثة، وهي النظريّة التي جاءت كردٍّ على أطروحة (صدام الحضارات)، التي أطلقها المفكّر الأميركي صموئيل هانتغتون في تسعينيّات القرن المنقضي.

11. الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية: في الرؤية التاريخية / المقارنة بين «حضارة الغرب» و«الحضارة الإسلامية» يمكن العثور على عناصر الاتحاد الحضاري في الكثير من النقاط المتنوّعة والعناصر المتعدّدة. ومن بين هذه العناصر عنصر الدين بوصفه عنصر الارتباط والاتصال في الحضارات ومن بينها حضارة الغرب والحضارة الإسلامية في التاريخ المنصرم. وفي هذا الشأن يمكن بحث موقع الدين المسيحي في حضارة الغرب والدين الإسلامي في الحضارة الإسلامية، ضمن ثلاث مراحل، وهي: مرحلة التأسيس، ومرحلة النموّ والازدهار، ومرحلة الأفول، والعمل على دراسة وتحليل آليات الاتحاد، والعمل في بعض الموارد على بحث أسباب التشتت في كل واحدة من هذه المراحل الثلاثة. وفي هذا الشأن يبدو أن مصير الحضارة الإسلامية يختلف جدًا  عن التاريخ الحضاري للغرب، وإن تاريخ هاتين الديانتين على طرفي الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية يعدّ واحدًا  من محطات الفرق والاختلاف بين هاتين الحضارتين وفي انسجامهما أو عدم انسجامهما الحضاري. وبذلك فقد تعرّض كاتب هذه المقالة إلى ثلاث مراحل، وهي: مرحلة التأسيس، ومرحلة الازدهار، ومرحلة نهاية الحضارتين، وعمد إلى بيان الاختلافات المحتملة والممكنة بينهما.

12. المباني النظرية لحضارة الغرب الحديثة: تقوم المباني النظرية للحضارة الجديدة في الغرب على ثلاثة أصول أساسية، وهي أولًا: النزعة المعرفية بمعنى

(17)

الفهم الجديد للوجود، والحكم في القضايا على أساس العقل الفلسفي، والتغيير في تصوّر الإنسان لشكل العالم والسعي من أجل الحصول على الحقيقة العلمية. وثانيًا: الفردانية بمعنى تحوّل الإنسان التابع إلى إنسان مستقل، حيث يكون هذا الاستقلال في المرحلة الأولى استقلالًا  فكريًا ، ثم يتحوّل بعد ذلك إلى استقلال سياسي في حقل التفكير، وتحرّر الفرد من التقيّد والتعبّد للحصول على التعقّل في العلاقات الاجتماعية. وثالثًا: النزعة التكنولوجية؛ بمعنى العبور والانتقال من الحياة الآلية إلى الحياة الصناعية. أو بعبارة أخرى: تغيير نظام الإنتاج من أسلوب الإنتاج الفيزيقي إلى أسلوب الإنتاج الميكانيكي. يرى دانييل روب أن مباني الحضارة الغربية الجديدة تقوم على أساس التغيير في قسمين؛ القسم الأول: قسم البرامج المرنة المرتبطة بتغيير نظرة الإنسان الغربي إلى ظاهرة الوجود والتي تبدأ من مرحلة عصر النهضة بوصفها نقطة انطلاق هذه الحضارة. وهذه رؤية تقوم على أساس الأحكام العقلية المستقلة عن أيّ مرجعية للسلطة. والقسم الثاني: قسم البرامج الصلبة المرتبطة بتغيير شكل الحياة الاجتماعية، وتحوّل الإنتاج إلى صناعي، وتراكم الثروة، وزيادة البضائع تحت إشراف وتوجيه من الطبقة البرجوازية الحديثة الظهور. إن قسم البرامج الصلبة إنما هو وليد اختراع الطابعة وماكنة البخار والأسلحة النارية والفحم الحجري. وقد أدّى العامل الأول إلى تعميم العلم، والعوامل الثلاثة الأخرى أدّت إلى تبلور ظواهر مشؤومة من قبيل: الهيمنة والاستعمار من قبل الغرب.

نقدّم هذا الكتاب للقارئ الكريم بوصفه مقدمة للمزيد من التأمّل والتفكير حول الدين والحضارة، ونأمل في الوقت نفسه أن تكون قراءته مفيدة ومغتنمة بالنسبة إلى الأساتذة والباحثين والطلاب والجامعيين الراغبين بالبحث والتحقيق في هذا الشأن. وفي الختام نتقدّم بالشكر الجزيل من جميع الإخوة الذين ساهموا في بلورة هذا العمل، ونخصّ منهم بالذكر جميع كتّاب المقالات. كما نتقدّم بوافر الشكر

(18)

لسماحة حجّة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد هاشم الميلاني الرئيس المحترم للمركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية على ما قدّمه من دعم كبير وما أبداه من آراء قيّمة في إطار إثراء هذا المشروع. كما نتقدّم بالشكر الجزيل لسماحة حجة الإسلام الدكتور السيد محسن الموسوي على قبوله عناء الإشراف النافع والتوجيه العلمي لهذا العمل. كما نشكر الأساتذة الأفاضل سماحة الدكتور أحمد قطبي، والسيد محمد رضا الطباطبائي على ما قدّماه من بعض المقترحات وما قاما به في إنجاز المراحل التنفيذية في هذا المشروع.

محمد حسين كياني

 

 

 

 

 

 

 

(19)
(20)

 

 

الإلهيّات الحضاريّة[1]

حبیب الله بابائي[2]

يأتي استخدام مصطلح الإلهيات الحضارية بمفهومين: أ. النظرة الثیولوجیة إلى المقولات الحضارية والقراءة الإلهياتية لها.  ب. النظرة الحضارية إلى المقولات الثیولوجیة، ودراسة التطبيقات الحضارية لموضوعات مثل الغيب، والرجاء، والمعاناة السامية، والضحية وغير ذلك. في العلوم الاجتماعية، لا سيّما علم الاجتماع أُنجزت دراساتٌ عدّة في الموضوعات الدينية، وتم تناول الدين بوصفه مؤسسةً اجتماعية، ولكن قلّما اهتمت البحوث الدينية والإسلامية بـ«المجتمع» كظاهرةٍ إلهياتية، وقلّما كان المتألّهون يحلّلون الموضوعات الاجتماعية وفق مقاربة إلهياتيّة، ويسلّطون الضوء على أبعادها الإلهياتية. فضلًا عن أنّه نادرًا ما تمت دراسة الوظائف الحضارية للمفاهيم الإلهياتية، وأندر منها الدراسات حول الإمكانيات الحضارية للموضوعات الإلهياتية.

 ما سنبحثه في هذا الفصل هو دراسة إمكان النظرة الإلهياتية إزاء الحضارة، والنظرة الحضارية إزاء الإلهيات، في البدء نبحث مفهوم النظرة الإلهياتية للمفاهيم الدنيوية مثل الحضارة؛ لنقف على معنى الإلهيات الحضارية»، أو «الإلهيات التي

(21)

تعنى بالحضارة» وفقًا للمصطلحين القديم والجديد لـ«الإلهيات». ثم نناقش إمكان النظرة الحضارية للمفاهيم الإلهياتية وطرح أمثلة لها في الفكر الإسلامي، ليتسنى من خلال ذلك تفعيل بعض إمكانيات الإلهيات الإسلامية على صعيد شرح التحولات الحضارية وتفسيرها، وكذلك على صعيد خلق الحضارة الإسلامية وتأسيسها، وسد الفراغ الإلهياتي في الحضارة الإسلامية.

أ. نظرة إلهياتيّة إلى المفاهيم الحضاريّة

المقصود بالإلهيات الحضارية، الإلهياتية البعدية بعد فهم النص المقدّس التي تتناول تبلور الحضارة بوصفها حقيقةً دنيوية، ودراستها بالارتباط مع الله ـ طبقًا للوعي الإلهي والوحياني لكلّ دين ـ والسنن الإلهية التي تحتويها النصوص الدينية أو بعبارةٍ أكثر وضوحًا: الإلهيات الحضارية هي إلهيات تُعنى بالحضارة، وتسعى من جهة، وعبر مقاربةٍ ونهج إلهيّاتيّ (عقلاني وحياني) إلى تبيين الحضارات والقوانين التي تحكمها (قوانين ظهور الحضارات واضمحلالها)، ومن جهة ثانية، الإسهام في حلّ المشكلات الحضارية، ومن جهة ثالثة، رسم تصاميم الحضارة وهندستها؛ أي بمعنى تحدّي الإلهيات الحضارية للنظريات العلمانية التي تعارض الحياة الدينية في المنتظم الاجتماعي. كما إنّ هذه الإلهيات في تضادٍّ مع النظريات الدينية التي ترفض التدبير الديني للدنيا؛ بل تتصدّى للمقاربات الاجتماعية التي تختزل الدين في منطقةٍ أو ميدانٍ محدّدٍ من الميادين الاجتماعية، وتسعى في المقابل من خلال نظرةٍ إلهياتيةٍ للمفاهيم الحضارية إلى دفع الحياة والهوية الدينية إلى داخل المنظومة الاجتماعية البشرية.

ربما وجد القارئ مصطلح الإلهيات الحضارية غريبًا بعض الشيء؛ إذ يتألّف من الإلهيات التي ترتبط بعالم ما وراء الطبيعة، والحضارة وهي أمرٌ ماديٌّ دنيوي؛ من هنا نجد لزامًا علينا تحليل مصطلح الإلهيات الذي يُعنى بالحضارة (أي الإلهيات الحضارية)، وتوضيح معناه وفقًا للمعنى القديم والجديد للإلهيات.

(22)
مفهوم الإلهيّات الحضاريّة وفق اصطلاح القدماء

قسّم القدماء الحكمة، التي تعني الحقائق والعلوم التي يمكن اكتسابها بالعقل، إلى حكمةٍ نظريةٍ وحكمةٍ عملية، وتتفرّع الحكمة النظرية إلى «حكمة إلهية»، أو «حكمة عليا»، و«حكمة رياضية»، أو «حكمة وسطى»، و«حكمة طبيعية»، أو «حكمة سفلى». يطلق على الحكمة الإلهية «العلم الأعلى»، و«فلسفة ما بعد الطبيعة»، وكذلك «الإلهيات بالمعنى الأعم». وهذه الأخيرة تنقسم إلى مجالين: مجال المسائل العامة[1]، وتشمل بحوث الوجود والعدم، والوحدة والكثرة، والعلة والمعلول وغيرها من المسائل. والمجال الثاني «الإلهيات بالمعنى الأخص»، وتُعنى بمسائل من قبيل إثبات وجود الله، وصفات الله ، وشمولية القدرة والمشيئة الإلهية، والجبر والتفويض، والخير والشر، والعوالم الكلية للوجود.

يعتقد الحكماء المسلمون أنّه لا ينبغي النظر إلى المسائل العامة، والإلهيات بالمعنى الأخصّ كعلمين مستقلين؛ لأنّهما يشكلان علمًا واحدًا، وموضوعهما أيضًا واحد، وهو «الموجود بما هو موجود». والإلهيات بهذا المعنى هي العلم الأعم الذي تحتاجه سائر العلوم الأخرى. والإلهيات وفقًا لهذا الاصطلاح مجردةٌ من المادة، بمعنى أنّ المفاهيم المستعملة فيه غير مادية، وأمثلتها كذلك غير مقتصرةٍ على المادّيات، ولا تؤخذ مباشرةً من المادّيات، وبعبارةٍ أخرى: هذه المفاهيم لا تمثّل صورًا مباشرةً للأشياء المادية، فهي معقولاتٌ ثانوية، كما يصطلح عليها، وليست معقولاتٍ أولية.

النقطة المهمّة لفهم المعضلة المفهومية في «الإلهيات الحضارية» هي علاقة

(23)

الإلهيات بعالم المادة وكلّ ما يتعلّق بها. باعتقاد الحكماء تبحث الحكمة النظرية في قضايا تكون بلحاظ المفهوم والمصداق ـ وكذلك بلحاظ الوجود والماهية ـ مشروطةً بالمادة ومحتاجةً إليها، ويطلق عليها مصطلح «الطبيعيات»، أو أنّها بلحاظ المصداق والوجود بحاجةٍ إلى المادة، لكنّها بحسب المفهوم والماهية في غنىً عنها، فيُطلق عليها مصطلح «الرياضيات»، أو أنّها مستغنيةٌ وغير محتاجةٍ وغير مشروطةٍ بالمادة في المصداق والمفهوم، فيقال لها «الإلهيات». ولكن ثمّة تباينًا بين الإلهيات بالمعنى الأعم والإلهيات المعنى الأخص في ارتباطهما بالمسائل المادّية، وهو أنّ الأولى غير مشروطةٍ (لا بشرط) بالمادّة في المفهوم والمصداق. فمثلًا، المفاهيم من قبيل الوجود والعدم والعلة والمعلول وغيرها، غير مشروطةٍ بالمادّة، أي أنّها لا بشرط بالنسبة إلى عالم المادة. في حين أنّ الإلهيات بالمعنى الأخص التي تبحث في موضوع الله عبارة عن حقائق بشرط لا من المادة[1].

إذًا، وفقًا للمفهوم أعلاه عن الإلهيات بمعناها العام والخاص (بتعبير القدماء)، فإنّ السؤال المطروح هنا هو: أيّ مفهومٍ يمكن أنْ تنطوي عليه «الإلهيات الحضارية»، وتحت أيّ قسمٍ من الإلهيات تنضوي؟ إذا كانت الحضارة والثقافة أمرين دنيويين، فكيف يمكن للإلهيات سواء أكانت لا بشرط المادة (بالمعنى الأعم للإلهيات)، أم بشرط لا (بالمعنى الأخصّ للإلهيات) أنْ تُعنى بأمرٍ مادّي مثل الحضارة والثقافة في هذه الدنيا؟

في جوابنا عن هذا السؤال نقول ربما يبدو مستهجنًا وغير مفهومٍ إطلاق تسمية الإلهيات ـ باصطلاح الحكماء المسلمين ـ على الدراسات الحضارية بداعي أنّ موضوعها أمرٌ مادّيٌّ ودنيوي، ولكن، لما كان الأمر المادي (الحضارة مثلًا)، تتم دراسة علاقته بالله، وتُطرح خلاله أسئلةٌ حول فعل الله، والقوانين والسنن

(24)

الاجتماعية والتاريخية التي خلق الله المجتمعات والحضارات على أساسها، وكذلك وصايا الله من أجل فلاح المجتمعات والحضارات الإنسانية ورفعتها، فإنّها جميعًا تنضوي، بنحوٍ ما تحت عنوان الإلهيات بالمعنى الأخصّ، وعندما يتعلّق البحث بالقوانين الحاكمة في التاريخ والحضارات (على نحو لا بشرط)، فإنّه يمكن درجها تحت مسمى الإلهيات بالمعنى الأعم.

من ناحية ثانية، يمكن القول إنّ الإلهيات الحضارية، طبقًا لاصطلاح القدماء، إلهياتٌ متداخلةُ الاختصاصات، بين قسمين من الإلهيات بالمعنى الأعم والمعنى الأخص، تتم الاستفادة فيها من قوانين العلة والمعلول والماهية والوجود وغيرها في موضوع «الحضارة»، وكذلك دراسة علاقتها بخالق الوجود. والنقطة المهمة هي أنّ إطلاق تسمية الإلهيات ، حين تكون بالمعنى الأعمّ للكلمة أو تكون بالمعنى الأخصّ، على الدراسات الإلهية الخاصّة بالحضارة تكون صحيحةً في حال جعلنا تعريف علم الإلهيات وماهيتها مرتبطةً بموضوعها. إمّا إذا فسّرنا الإلهيات بـ«الأسلوب» أيضًا، ونظرنا إليها بوصفها دراسةً عقلانيةً للموضوعات الدينية، حينئذٍ تكون موضوعات المجتمع والثقافة والحضارة خارجةً عن الإلهيات بمفهومها القديم، لتتبع مفهومًا جديدًا.

مفهوم الإلهيات الحضارية وفق المصطلح الحديث

بإزاء مصطلح القدماء تنطوي الإلهيات على معنى أعمّ وأشمل، شهد رواجًا في الغرب على وجه الخصوص، كما اهتم به بعض الباحثين في العالم الإسلامي. وفقًا لهذا المصطلح الجديد، فإنّ الإلهيات [أو اللاهوت] تعني الدراسة العقلانية ـ ليس بالضرورة برهانية ـ والمنظومية حول الدين أو الموضوعات الدينية. وبإمكان الإلهيات بهذا المعنى أنْ تكون لها مرحلةٌ قبليةٌ وأخرى بعدية. فالإلهيات قبل نزول الوحي أو قبل التعرّف على الوحي لها شكلٌ بسيط (الإلهيات القبلية)، وبعد التعرّف

(25)

على الوحي تتخذ شكلًا متطوّرًا؛ تتناول الإلهيات قبل النصّ موضوعات الوجود والإنسان، وعلاقة الاثنين بالله، ومن ثم، وعلى أساس المكتشفات العقلانية تسهل مسألة فهم الوحي والنصّ المقدس. وبعد نزول الوحي والتعرّف عليه واستلهام تعاليمه، لا تكتفي بتوسيع نطاق الموضوعات الإلهية، بل تعمل على تعميق التحليلات العقلانية للمفاهيم الإلهية لمرحلة ما قبل نزول الوحي[1].

طبقًا لمفهوم الإلهيات هذا، فإنّ أيّ نمطٍ تحليليّ للموضوعات الدينية العقلانية مستندٍ إلى التعاليم الوحيانية، يندرج تحت عنوان الإلهيات. ويطلق على الإلهيات التي تطرح تحليلاتٍ عقلانيةً في الموضوعات الاجتماعية مطابقة للتعاليم الدينية إلهيات اجتماعية أو إلهيات حضارية (عندما تعنى التحليلات العقلانية بالحضارات). ولا بدّ من أنْ نذكر هنا وجود فارقٍ دقيقٍ بين «الكلام الاجتماعي»، و«الإلهيات الاجتماعية»، و«الإلهيات الحضارية»، ينبغي ألّا نغض الطرف عنه. يتحدّث بعض الباحثين اليوم عن «الإلهيات الاجتماعية»، وهي تختلف عن الإلهيات بحسب اصطلاح القدماء، ويبدو أنّ جوهر مثل هذا التعريف أقرب إلى الكلام الاجتماعيّ ويفارق المفهوم الذي يرنو إليه هذا الفصل عن «الإلهيات الحضارية». على سبيل المثال، فإنّ مجلة «الإلهيات الاجتماعية» نصف السنوية تسعى ـ كما تعلن في صفحتها الأولى ـ إلى كشف الغموض عن مصطلح الإلهيات الاجتماعية عبر تقديم التعريف الآتي:

يُطلق مصطلح «الإلهيات الاجتماعية» على فرعٍ من علم الإلهيات، یُعنى بالحياة الاجتماعية للإنسان وأعراضها ومستلزماتها وتبعاتها، من قبيل: الدولة والحكومة، والاقتصاد والمبادلات، والتربية والتعليم، والقضاء، والفصل في الدعاوى، والحرب والسلام، والزواج والطلاق، والفن والرياضة، والشرائع والطقوس الدينية.

(26)

هذا الفرع العلمي المتداخل الاختصاصات يتألّف من خمسة فروع، هي الحديث الاجتماعي، والتفسير الاجتماعي والفقه الاجتماعي والكلام الاجتماعي والأخلاق الاجتماعية. ويُطلق على هذه الفروع اسم الإلهيات بسبب ارتباطها جميعًا بالنصوص الدينية (القرآن الكريم والحديث) وتشرح كلّ منها وضمن أساليبها الخاصّة وتفسّر وتفرّع وتعلل الدعاوى والتعاليم والأحكام الدينية.

كما يحاول الدكتور تقي زاده داوري في المقال الأوّل من العدد الأوّل من المجلة المذكورة نصف السنوية تقديم تعريفٍ واضحٍ عن ماهية الإلهيات الاجتماعية ودائرتها. ففي توضيحه لهذا الفرع العلمي الإلهياتي يقول:

الإلهيات الاجتماعية خليطٌ معرفيّ مؤلّفٌ من مختلف الفروع مثل الحديث الاجتماعي، والتفسير الاجتماعي، والكلام الاجتماعي، والفقه الاجتماعي، والأخلاق الاجتماعي، وتعنى بموضوع النصوص الدينية ذات الصلة بأصل الحياة الاجتماعية الإنسانية، وكذلك بالمستلزمات والأعراض، والتبعات والآثار الناجمة عن هذه الحياة مثل الأسرة، واختيار شريك الحياة، والعمل والتجارة، والحكومة والدولة التربية والتعليم، والتمييز والعدالة، كما تندرج ضمن هذا الفرع العلمي النصوص الدينية من الدرجة الأولى، أعني الآيات والروايات والنصوص الدينية من الدرجة الثانية، وهي مجموع الشروح والتفاسير، واستنباطات المحدثين والمفسّرين والمتكلّمين والفقهاء وعلماء الأخلاق على هذا، فإنّ الحياة الجمعية لأفراد البشر والقضايا المتعلقة بهم - على النحو الوارد في نصوصنا الدينية والإسلامية والشيعية هي موضوع هذا الفرع العلمي. وبطبيعة الحال، إنّ هذا الموضوع ذو وحدةٍ اعتباريةٍ تجريديةٍ، وليست ذاتيةً حقيقية[1].

ما تقدّم ذكره أعلاه في شرح مصطلح الإلهيات الاجتماعية مغاير، بلا شكّ،

(27)

ما اصطلح عليه القدماء حول الإلهيات بالمعنى الأعم والأخص، وبدرجةٍ أقل مع مقصودنا الذي أوردناه في هذا الفصل. وبحسب اعتقاد تقي زاده داوري فإنّ الهدف من الإلهيات الاجتماعية، في نهاية المطاف هو «الدفاع عن التعاليم والمقولات والتشريعات الدينية؛ بمعنى إقناع وإفهام المؤمنين، والتوضيح والتعليم والدعوة للمتلقين، والانتصار على المناوئين وإفحامهم»[1]، بينما النقطة التي تؤكّد عليها الإلهيات الحضارية مضافًا إلى ضرورة الدفاع عن التعاليم الدينية، والقيام بالإقناع والتوضيح والتعليم والإفحام، هي ضرورة التفكير في تقديم «تفسير إلهياتي» عن الوقائع الاجتماعية و«التحكّم» بها، وعدّ ذلك من ضمن رسالة المتألّه. في الحقيقة، وفي إطار هذا المعنى، لن تختزل رسالة الإلهيات والمتألّه في مجرد تقديم التفسيرات الاجتماعية للدين، وإنّما طرح تفسيرات دينية عن الدنيا والتاريخ والإنسان، ومن ثم خلق الحركة والدوافع التي تسوق التاريخ الإنساني صوب الكمال. وفي هذه المرحلة من العمل، فإنّ المتألّه على وفق هذا المنظور ليس منظّرًا، وإنّما ناشطٌ اجتماعيٌّ فعّال يسعى إلى توفير مستلزمات الغاية النهائية والسعادة القصوى للبشر في قلب الحضارات الدنيوية.

في الحقيقة، إنّ طرح السيد تقي زاده داوري عبارةٌ عن كلامٍ اجتماعيّ، فهو يرى أنّ رسالته تتلخّص في الدفاع عن التعاليم الاجتماعية. يسعى الكلام الاجتماعي، كما الكلام السياسي إلى الخوض في التعاليم السياسية والدينية، وشرحها والدفاع عنها، وهو يُعدّ فرعًا من علم الكلام، ما يفسّر تبعيته لخصائص علم الكلام[2]. هذا في حين أنّ الإلهيات في هذا المقال يُنظر إليها من زاويةٍ أوسع من علم الكلام، ولا يمكن العثور على بعض مجالاتها وموضوعاتها في العلم المذكور، كما أنّ بعض مناهجها

(28)

بعيدٌ عن المناهج السائدة في علم الكلام. إنّ الإلهيات الحضارية بحسب ما اصطلح عليها هنا ليست محض تفسير التعاليم الدينية التي تُعنى بالحضارة بل إنّها تسعى إلى لفت الانتباه أيضًا إلى سائر التعاليم الدينية الأخرى التي لا تؤدّي دورًا مباشرًا في الحضارة، لكنّها جديرةٌ بالاهتمام لإسهامها في هندسة الحضارة، فضلًا عن أنّ هذه الإلهيات تطرح تفسيراتٍ إلهياتيةً ودينيةً عن الوقائع الحضارية والاجتماعية، وكذا بالتناسب مع هذه التفسيرات الإلهياتية، تطرح آلياتٍ إلهياتية لحلّ المشاكل والأزمات الحضارية.

وخلاصة القول، إنّ رسالة الإلهيات الحضارية لا تنحصر في رسالة علم الكلام المتمثّلة في الدفاع عن التعاليم الدينية، وإقناع المؤمنين وإفحام المناوئين. فالإلهيات الحضارية بالمعنى المذكور إلهيات أبعد من الإلهيات الاجتماعية. لكن دون أنْ نغفل وجود أوجه للشبه بين الكلام والإلهيات الحضارية على سبيل المثال، إنّ وظيفة هذه الإلهيات، كما علم الكلام، طرحُ تفسيرٍ عقلانيّ عن القضايا الاجتماعية في الإسلام، أو إنّ علم الكلام وعلم الإلهيات الحضارية كليهما يستندان إلى المصادر الدينية كدليلٍ ومعيارٍ في بحوثهما، مع فارق أنّ رسالة الإلهيات الحضارية لا تقف عند حدود تفسير تعاليم الوحي أو تبريرها، وإنّما إعطاء تفسيرٍ إلهياتيّ للحوادث الاجتماعية أولًا، وإحداث التغييرات في المجال الاجتماعي ثانيًا؛ أي بعبارةٍ أوضح : إنّ الإلهيات الحضارية هي:

أ. إلهياتٌ تعنى بالحضارة، وتسعى من خلال مقاربة وأسلوب إلهياتيّ (عقلاني – وحياني) إلى تفسير وتوضيح الأبعاد الميتافيزيائية للحضارات والكشف عن القوانين التي تحكم الحضارات (سنن ظهور الحضارات وسقوطها).

ب. المقاربة الإلهياتيّة هي نهجها في تفسير وتوضيح المعضلات الاجتماعية والظواهر الإنسانية الكبرى.

 

(29)

ج. تشارك في حلّ المعضلات الحضارية انطلاقًا من قاعدة إلهياتيّة.

د. تؤدّي دورًا إلهياتيًّا في التصميم الحضاري.

الإلهيّات الحضارية وعلاقتها بـ «الإلهيّات العمليّة في الفكر الديني المعاصر»

تتوزّع مباحث الإلهيات الحضارية اليوم على حقول «الإلهيات والثقافة»، و«الإلهيات السياسية»، و«الإلهيات العملية»، غير أنّ الحقل الأهم الذي يمكن مقارنة الإلهيات الحضارية به في عصرنا الراهن، والاستعانة بطروحاته وأساليبه في ترسيخ الإلهيات الحضارية هو «الإلهيات العملية». يحاول هذا النوع من الإلهيات الكشف عن القضايا العينية، وتقديم تفسيرٍ إلهياتيّ لها، ثم طرح حلٍّ إلهياتيّ للمشكلة، ثم تحمل المسؤولية إزاء الأجوبة والحلول التي يطرحها للاحتياجات الواقعية. بعبارةٍ أكثر تفصيلًا : إنّ الإلهيات العملية عبارةٌ عن التفكير في الثقافة والمجتمع بأسلوب إلهياتيّ. فكما يسعى عالم الاجتماع الديني إلى تطبيق الأساليب السوسيولوجية لإيجاد تفسيراتٍ وتحليلاتٍ للدين والإيمان الديني، يتعاطى المتألّه الاجتماعي مع تحليل القضايا الاجتماعية والوقائع الخارجية من منظار إلهياتي[1]. هذا النمط من الإلهيات الذي ينتقي القضايا الإلهياتية من شارع الحياة (قلب المجتمع) يُقدِّم كخطوةٍ أولى تحليلًا وتفسيرًا إلهياتيًّا للحقائق الاجتماعية والثقافية، ثم يتناول بعيونٍ نقديةٍ المشاكل الإيمانية والدينية للثقافة الظاهرية، وختامًا، و من خلال طرح حلولٍ ومقترحاتٍ نابعةٍ من المصادر الإلهياتية، لا يسعى فقط إلى فتح طريقٍ أمام الحياة الإيمانية للمؤمنين (حلّ معضلة الفكر الديني والحياة الدينية)؛ بل يسعى إلى مناقشة معضلات حياة الإنسان غير المؤمن ومساعدته في التدبير الصحيح للحياة الدنيوية[2].

(30)

إذًا، بوجيز العبارة، إنّ الإلهيات العملية هي إلهيات التغيير، وهي بفضل ما لديها من تجارب إنسانيةٍ قد خبرت الحقائق الدنيوية جيدًا، ولكن اهتمامها بهذه الحقائق لم يفقدها إيمانها؛ بل على العكس، تسعى إلى تغيير العالم المحيط بها بالاستناد إلى الدين والعلوم الدينية[1].

 لقد ذكروا للإلهيات العملية وظائف أربعًا هي كالآتي: أ- وظيفة الوصف، التجريبي الحسّي، ب- وظيفة التفسير، ج- الوظيفة المعيارية، د- الوظيفة العملانية. كمرحلة أولى تجمع الإلهيات العملية البيانات والمعلومات لتحدّد بهذه الوسيلة موقع الحوادث الخاصة، من أجل تفهّم الإطار ومسار تشكّل كلٍّ منها بصورةٍ صحيحة. وفي المرحلة الثانية توضّح الإلهيات العملية أسباب تلك الحوادث ومسار وقوعها عبر توظيف النظريات العلمية. ثم تأتي المرحلة الثالثة لتفسّر الإلهيات العملية الحوادث والحالات الخاصّة بالاستعانة هذه المرة بالمفاهيم الإلهياتية لتقدّم طبقًا للأسس والقواعد الإلهياتية أجوبةً لتلك الحوادث. أمّا الوظيفة الرابعة فتكشف الإلهيات العملية عن الاستراتيجيات السلوكية المؤثّرة على الأوضاع السائدة، ومن خلال التواصل الفعّال مع الانعكاسات والنتائج التي تفرزها تلك الاستراتيجيات في المجال العملاني، تنبري إلى نقد الاستراتيجيات المطبقة وتقييمها، لتستطيع في الخطوة اللاحقة العمل بدقة أكبر[2].

(31)
مطابقة وظائف الإلهيّات العمليّة على الإلهيّات الحضاريّة

يبدو بالإمكان أنْ نتدارك للإلهيات الحضارية الخطوات والوظائف السابقة نفسها فنقول: إنّ المرحلة الأولى من الإلهيات الحضارية هي الوصف التجريبي والحسي، ثم دراسة هذا الوصف وتحليله في ضوء العلوم الاجتماعية والإنسانية، بعد ذلك مراجعة المفاهيم والمعارف المتحصّلة من التجربة والتفسير من خلال الجهاز الإلهياتي بغية تقديم حلولٍ إلهياتيّة للمشاكل الحضارية من جهة، وخلق ظروفٍ مناسبةٍ تتيح رسم معالم حضارة جديدةٍ من جهة أخرى.

في البدء، يناقش المتألّه الحضاري التفاسير المطروحة عن الموقف السائد (الظرف الحالة الحوادث)[1] مركزًا على جميع تفاسير العلماء في هذا الحقل، من أجل تعميق فهمه عن الواقع، أخذًا بالاعتبار مختلف المقاربات والآراء المتباينة حول هذه المسألة. ومن دون الالتفات إلى ما يقوله علماء ومحللو علم الاجتماع (وإنْ كان هذا التحليل خاطئًا) فإنّ عمل الإلهياتيّ سيبدو مبتسرًا وعرضةً للضرر، وعاجزًا عن الإجابة عن الأسئلة المحتملة. كما يلفت الانتباه إلى التفسيرات العلمية عن الحقائق الموجودة، ويطرح أسئلةً إلهياتيةً جديدةً على الفرد المتألّه، ويعينه على الاستنطاق الحضاري للنصوص والتفسيرات الدينية العميقة عن التطورات الحضارية ليفتح أمامه آفاقًا مفهوميةً ومعرفيةً جديدة.

في المرحلة الثانیة، يجمع المتألّه الحضاري جميع المقاربات والأسئلة وأجوبتها المحتملة، ويعرضها على النصوص الدينية. وفي هذه المرحلة بالذات يبدأ في الحقيقة العمل الديني والإلهياتي للمتألّه الديني وبوصفه عالمًا بالنصوص

(32)

وأساليب استخدامها يحاول ضمن عملية مزدوجة:

أ. الأخذ بنظر الاعتبار النصوص الدينية الناطقة بما هو ظاهر، ليعيد قراءتها وفهمها.

ب. تحليل النصوص الظاهرة والناطقة بصورةٍ عضويةٍ ومنظوميةٍ.

ج. عرض الأسئلة المتولّدة من الخارج ـ في مرحلة وصف الحالة وتفسيرها ـ ومن الداخل ـ مرحلة فهم الظواهر الدينية ـ على الدين والتعاليم التي هي مظانّ هذه الأسئلة، واستنطاق هذه المجموعة من الآيات والتعاليم.

د. الربط بين الأجوبة المتحصّلة ـ التي لا بدّ من أنّها أُخذت بصورةٍ جماعيةٍ وعلى شكل حواراتٍ جرت بين المنتمين إلى مختلف الفروع الدينية ـ في قالبٍ شبكي، وتقديم النموذج المعرفي اللازم عن التحليل الديني للحقيقة.

ه. رصد نقاط الاشتراك والافتراق عبر مقاربة مقارنةٍ بين النموذج الديني وبين النماذج الشائعة في مجال العلوم الحضارية؛ بغية تعيين الحدود والخطوط الأصلية والفرعية لنموذج الفكر الديني في حقل الحضارة.

أمّا في المرحلة الثالثة، فيسعى المتألّه الحضاري بالاستعانة بالنماذج المعرفية المستلهمة من الدين، إلى استخراج حلولٍ عملانيةٍ في مرحلةٍ ما، ثم تطبيقها في مرحلةٍ لاحقة، وما من شكّ في أنّ المتألّه الحضاري في هذه المرحلة سوف لن يكتفي بإسداء النصح والإرشادات والنأي بنفسه عن ميدان العمل الحضاري؛ فنأي المتألّه الحضاري بنفسه عن دائرة العمل مرفوضٌ على الأغلب؛ لجهة أنّ هذا الفصل بين العمل والرأي سيؤدّي إلى هُوّةٍ معرفيةٍ في النظام الإلهياتي، ويحرم الفرد المتألّه من اللغة العملية للإثراء المعرفي، فيغرق في نوعٍ من التجريد في الإلهيات، فيفقد تدريجيًا حتى زمام قيادة الحياة الدينية. في حين أنّ الحضور

(33)

العملي للمتألّه في ميدان الحياة الحضارية، يقرب الحقائق من تجاربه وأحاسيسه، وفي المقابل، تكشف لناظريه عن الثغرات والأضرار، وأحيانًا حجم الإمكانيات التي تتوفّر عليها التعاليم الإلهية.

بناءً على هذا الكلام، فإنّ ضرورة الإلهيات الحضارية لا تقتصر على خلق «الإيمان» بالحضارة والتدبير الحضاري في المجتمع الديني فحسب، بل المشاركة الموضوعية والواقعية في تشكيل تلك الحضارة. أساسًا، إنّ الإلهيات الحضارية تسعى إلى تجسيد إلهياتها في الحقائق الحضارية، وتوظيف الجهاز الحضاري لتحقيق أهدافها الإلهية، فضلًا عن أنّ هذه الإلهيات تعدّ نفسها مسؤولةً إزاء ما يجري في المجتمع والحضارة الإنسانية. على سبيل المثال، يسعى اللاهوتي المسيحي إلى التعريف بهوية الإنسان المعاصر «على صعيد العقيدة أو الاجتماع» على أساس لاهوت التثليث، ويؤمن بأنّ هذا اللاهوت منقذٌ على صعيد العقيدة وعلى صعيد التنمية والحضارة معًا، ويسعى إلى استلهام النظم الاجتماعية من هذا اللاهوت، وتفسيره من خلال ارتباطه بالحقائق الدنيوية الجديدة[1]. وعلى المنوال نفسه، يحاول المتألّه المسلم بالاستناد إلى الإلهيات التوحيدية أنْ يسلك الطريق نفسه، ليفسّر ويغير ويشكّل عالم اليوم في قالبٍ جديدٍ يتناسب مع نظرته التوحيدية.

إذًا، نتبين ممّا ذكر أنّ الإلهيات الحضارية مضطرةٌ إلى الربط بين الأنظمة الصغيرة لعلم الإلهيات، وليس هذا فقط بل تطرح علاقةً محدّدةً وواضحةً بين ميدان العلوم الدينية والعلوم الإنسانية من جهة، والعلم الديني والمؤسسة الدينية من جهةٍ ثانية، ومؤسّسة الدين وميدان العمل الاجتماعي من جهةٍ

(34)

ثالثة. ومن هذا المنطلق ينبغي للإلهيات أنْ تخلق رابطةً علميةً مع بقية الفروع العلمية والإنسانية لتعمل بذكاء على إحداث التغييرات من أجل فهم الحقائق وتفسيرها، وأنْ تخطو خطواتٍ صحيحةً إلى الإمام في مرحلة التطبيق. وبذلك تنخرط الإلهيات الحضارية، كما الإلهيات العملية في حوار، على صعيد التفسير والإرشاد والتدخل في التحوّلات والتغيرات الحضارية، مع سائر الفروع والميادين العلمية بما فيها فروع سائر الإلهيات والعلوم التجريبية والإنسانية[1]. ويمكن أن ْيتحقق هذا الحوار بصورٍ مختلفةٍ مثل حوار داخل الاختصاص ويعنى بإقامة حوارٍ بين الآفاق والرؤى المستقبلية المختلفة داخل اختصاصٍ واحدٍ معينٍ، وحوار بين الاختصاصات ويكون بين اختصاصين اثنين، وحوارٍ متعدّد الاختصاصات وهو حوارٌ متزامنٌ بين اختصاصاتٍ عدّةٍ مختلفة، ويوصى بهذا الحوار عندما تقتضي الضرورة الالتفات إلى اختصاصاتٍ أخرى لفهم منتظماتٍ تعشعش داخل منتظماتٍ أخرى، أو للوقوف على مشكلاتٍ ذات أبعادٍ متعدّدة، ويكتسب هذا النوع من الحوار ضرورةً في مراحل مختلفةٍ من إلهيات العمل الحضاري، وخاصّة في الحالات التي يتم فيها تناول مباحث أساسيةٍ وبنيوية .[2]

(35)

ب. نظرة حضارية إلى المفاهيم الإلهياتية: صعوبات فهم الغيبيات الإلهياتية في النظرة الحضارية وتطبيقها

أحد أهم التحدّيات التي تواجه مسألة تطبيق المفاهيم الإلهياتية في الميادين الحضارية هي السمة الميتافيزيائية والغيبية التي تتّسم بها بعض تلك المفاهيم؛ إذ تبدو علاقتها غامضةً ومبهمةً بالمسائل الدنيوية، مثل الحضارة، والسؤال الرئيس المطروح حول «الغيب»، و«الحضارة» هو إمكان فهم الغيب وموقعه في تحليلات الحضارة الدينية والإسلامية من ناحية، وفي تأسيس الحضارة الإسلامية من ناحيةٍ ثانية. وربما نسائل أنفسنا: هل إنّ مجال الحضارة وشبكة النظم الاجتماعية مجالٌ للمسائل المفهومة والواضحة، أم أنّه يمكن أنْ نتخيّل حضارةً قوامها المسائل الإيمانية البحتة، وفي الوقت نفسه قادرة على إيجاد نظمٍ وانسجامٍ بين النظم الحضارية الصغيرة؟ كيف يكون للمدد الغيبي دورٌ في الخطط الحضارية؟ ثم حين تنعدم احتمالات تأثير العوامل البشرية القابلة للمحاسبة في حلّ المشاكل الاجتماعية نتوقع من ذلك المدد أنْ يسهم في حلّ المشاكل الحضارية؟ هل يمكن تفسير التعاليم الغيبية في القرآن الكريم بالمقاربات الحضارية؟ ومن ثم توظيفها في الحلول الحضارية، وتأسيس المؤسسات الاجتماعية الكبرى وأنْ نعقد الأمل على تلقّي المدد الغيبي في المجتمع؟ على سبيل المثال، هل يمكن للمتألّه الاجتماعي والحضاري أنْ يضع في حسبانه ظاهرة «الملائكة المدبّرين»[1]،

(36)

بوصفها إحدى أمثلة الغيب في القرآن الكريم، في دراساته الحضارية، أو في توصياته وتصاميمه الحضارية ؟ هل الكلام عن «تدخّل ملائكة الأرض في تدبيرات هذا العالم» هو فقط للإيمان بدور العوامل الطولية والميتافيزيائية في حوادث هذا العالم، وأنّ الإشارة للعوامل الحسية التي تقع تحت طائلة الحساب كافية لتحليل الظواهر الاجتماعية؟ أم إنّ تأثير هذه العوامل الغيبية هو مستقل، وبالتالي يتعين حسابها في التحليلات الاجتماعية على حدة أيضًا وتبريز دورها بصورة مستقلة؟ إذا كان لا بدّ من طرح موضوع الملائكة المدبّرين ومناقشته على صعيد المجتمع والحضارة، فكيف ينبغي فهم هذا الموضوع والإفادة منه؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تستدعي أنْ نجمل هنا بعض النقاط :

أ. ورد لفظ «الغيب» في القرآن من أجل الفهم الإنساني في هذه الدنيا، وبلسان هذا الإنسان الدنيوي؛ لذا لا ينبغي أنْ ننظر إلى «الغيبيات» الواردة في القرآن الكريم ـ سواء الغيبيات المجملة أم المفصلة ـ بأنّها ما فوق فهم الإنسان وتختصّ بعالم الآخرة فقط، وأنّ الإنسان ممنوعٌ من السعي لفهمها وتوظيفها في حياته المعاصرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

(37)

ب. كما إنّه يمكن الاستفادة من أسلوب التأويل العرفاني ـ الذي ليس بمعنى الكلام المخالف للظاهرـ في التفسير الآفاقي والأنفسي للقرآن، بالإمكان أيضًا الاستعانة بهذا الأسلوب وتقديم تفسيرٍ اجتماعيّ للمفاهيم الباطنية للقرآن بمعنى أدق، كما إنّ شهودنا ومعرفتنا عن الوجود يتركان أثرًا في تفسيرنا، وعلى أساسه يمكن تكوين خلفيةٍ جديدةٍ (عميقة) عن القرآن الكريم (تفسير آفاقي)، وكما إنّ معرفتنا الشهودية عن ذواتنا (النفس الإنسانية) وأبعادها، تعمّق تفسيرنا لنص القرآن (تفسيرًا أنفسيًّا)، بالطريقة نفسها تؤثر شهوداتنا وتجاربنا عن المجتمع والحقائق المحيطة به على تفسیراتنا النصّية، وتتيح لنا اكتشاف طبقاتٍ مفهوميةٍ جديدةٍ، وكذلك تضع أمامنا أمثلةً جديدةً للآيات القرآنية (تفسيرًا اجتماعيًا). من هذا المنظار، فإنّ النص الوحياني يتوفّر على طبقاتٍ مفهوميةٍ (عرضية وطويلة). والوصول إلى هذه الطبقات المفهومية يحتاج إلى التركيز على طول حقائق عالم الوجود وعرضها. إنّ تجربة الحقائق الخارجية لا تشكل معيارًا لمعاني القرآن الحقيقية؛ بل وسيلةً لفهم وإدراك الحقيقة المنبثقة عن الوحي، أو بعبارةٍ أوضح: إنّ القرآن الكريم بوصفه وحيًا إلهيًّا لا يمثّل مرآةً آفاقيةً وأنفسيةً فحسب؛ بل مرآة للمجتمعات الإنسانية والسُنن الحاكمة فيها. كما إنّ القرآن لا يشير إلى الماضي فقط؛ بل إلى الراهن والمستقبل أيضًا. والأهم من ذلك كله، القرآن ليس وصفًا فقط؛ بل مشروع إرشادٍ وتغييرٍ كذلك. وعليه، حينما يكون الحديث عن التفسير والتأويل الاجتماعي، فالأمر لا يقف عند حدود الوصف القرآني للمجتمع والحضارة الإنسانية في الماضي والحاضر والمستقبل؛ بل إنّه يعنى بالتغيير والتطوّر في هذه المجتمعات الإنسانية أيضًا.

ج. ليس بالضرورة أنْ تكون جميع الغيبيات قابلةً للفهم بالنسبة إلى الجميع (بمن فيهم المؤمنون)، كما أنّها ليست جميعًا تمتلك القابلية على التطبيق الاجتماعي. وبناءً على هذا، فإنّ الغيب في المنظور الحضاري هو زمنٌ ملحوظ ٌيكون أوّلًا قابلًا للفهم،

(38)

ليتسنّى لنا تعريفه بالارتباط مع باقي الميادين الحضارية، وثانيًا أن يمتلك بلحاظ عملي، تأثيراتٍ عينيةً قابلةً للحساب ليمكن توظيفها في التخطيط الحضاري وحلّ المشاكل الاجتماعية.

وخلاصة القول، إنّ استناد المسائل العادية إلى مسائل غير عادية ـ ما دامت لم تبيّن وتوضّح بالأساليب العادية ـ قد تكون في مجال الإيمان الشخصي وفي إطار «الخوف والرجاء» ممكنةً وأحيانا ممدوحة، لكنّها في الميادين الاجتماعية غير ممكنةٍ وغير ممدوحة، وإنّ واجبات الفرد والمجتمع لا تقوم على أساس المسائل غير العادية، بل على أساس المعلومات العادية للبشر. إنّ مضمون الآية الأخيرة في سورة الكهف ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى يرتبط بهذا الجانب البشري[1]؛ إذ على الرغم من إتصال الأنبياء والأئمّة بعلم الغيب، فإنّهم لا يُكلفون بالمسؤولية على أساس علمهم بالغيب بل علمهم البشري العادي[2]. لكن لا شك في إمكان التعبير عن المدد الغيبي بلغة الآيات والروايات، ولكن تطبيقها في مجال وصف وتحليل الحوادث الاجتماعية سوف يؤدّي إلى نوعٍ من الفوضى في تفسير الأمور الاجتماعية التي لا يُعرف أيّ منها غيب، وأيّ منها منجز اعتيادي بشري، وفي مجال القيام بالفعاليات البشرية في حقل الاجتماع لا يُعلم أيّ عملٍ علينا أنْ نتوقعه من الغيب، وأيّ عملٍ ينبغي أنْ نسعى لتحقيقه بجهودنا عبر وضع البرامج والخطط اللازمة من الآن.

ولكن مع ذلك، فإنّ هذا الكلام لا يعني أبدًا عدم إمكان الإيمان بتأثير الغيب في الحياة الاجتماعية. إنّ عامل «الغيب» وبخلاف ما قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، كان قابلًا للفهم والأخذ به في المنظومة الدينية والحضارية، وإنّ تحقيقه بأسلوب التأويل الاجتماعي أمرٌ ممكن، ولكنّه صعب ويحتاج إلى اجتهادٍ في أعماق

(39)

الدين والمجتمع ليتسنّى تفسير آيات الغيب بلغةٍ مشتركةٍ، وأسلوبٍ مشتركٍ في أوساط المؤمنين ـ بمختلف درجاتهم الإيمانية ـ وغير المؤمنين، وحينذاك تنزيله إلى ميدان الحياة والتطبيق دون المساس برسالة الدين وتعريضها للضرر.

أمثلة للمفاهيم الإلهياتيّة في النظرة الحضارية

صحيح أنّ ثمّة غموضًا في توظيف مفاهيم الإلهيات في عملية تشكيل الحضارة، لكن، مع هذا، تتوفّر الإلهيات على استعداداتٍ بنحوٍ لا يمكن التشكيك في الوظائف الحضارية لكلٍّ منها، وهذه قد تشكّل إحدى نقاط التحوّل في التمايز بين الحضارة الدينية والحضارة العلمانية.

ويمكن تصنيف استعدادات الإلهيات الإسلامية في علاقتها بالمجتمع إلى صورٍ عدّة، هي:

أ. الاستعدادات على صعيد الموضوعات الإلهياتية، وإحياء كلّ موضوعٍ منها يمكن أنْ يفضي إلى شبكةٍ من الموضوعات المهمة، وتهيئة الظروف لخلق نظامٍ دينيّ واسعٍ يشمل جميع الجوانب الإنسانية والاجتماعية.

ب. الاستعدادات التي يمكن اكتسابها من الإلهيات الإسلامية على صعيد الأساليب العملانية، وتوظيفها ليس فقط في طريق فهم النصوص الدينية وتفسيرها، بل الاستفادة منها كذلك باتجاه التطبيق الموضوعي للأهداف المتعالية المنبثقة عن الدين.

ج. الاستعدادات التي يمكن كشفها والإفصاح عنها على صعيد وظائف المتألّه أو المؤمن في إطار تعاطيه مع القضايا الاجتماعية. ما سنذكره في السطور الآتية هو نموذجٌ للموضوعات الإلهياتية ـ مثل المدد الغيبي، والرجاء، وذكر الآلام المتعالية ـ التي يمكن بحسب راقم السطور أنْ تكون لها تطبيقاتٌ حضاريةٌ متباينةٌ عن الحضارات العلمانية.

(40)

المدد الغيبي وتطبيقاته الحضارية: من جملة الاستعدادات الإلهياتية المهمّة في التحوّلات الحضارية، وجود مددٍ غيبيّ يستحق الاهتمام بلحاظٍ عملاني، وينطوي على أهميةٍ كبيرةٍ في العلاقات الاجتماعية، وذلك على الرغم من الغموض الذي يحفّ به (وقد أشرنا إليه سابقًا). طبقًا للرؤية الإسلامية، فإنّ الإنسان، عدا عن استمداده من الغيب في أصل خلقته ووجوده، ثمّة سلسلة من الإمدادات الخاصّة التي يستلهمها من لدن الغيب مختلفة عن المدد التكويني في مرحلة الخلق. كما إنّ رسالة الأنبياء تتضمن تشجيع الإنسان على الإيمان بهذه الإمدادات الغيبية، وإرشاده وتهيئته لاكتسابها. وتكون هذه الإمدادات النابعة من صفة الرحمة الإلهية تارةً على شكل إلهامٍ، أو هدايةٍ، أو تنوّرٍ وتبصر[1]، وأخرى في صورة تُهيؤ الظروف الموضوعية والاجتماعية[2] للنجاح[3]. ويتناول الشيخ مرتضى مطهري تأثير العوامل الغيبية والمعنوية على المصير، والفرق بين الرؤية الكونية الإلهية والرؤية الكونية المادية فيقول:

(41)

بحسب الرؤية المادية إلى الكون، فإنّ العوامل المؤثّرة على الأجل والرزق والسلامة والسعادة هي عوامل مادية حصرًا. فوحدها العوامل المادية التي تبعد الأجل أو تقرّبه، وتوسّع الرزق أو تضيّقه، تمنح الجسم السلامة أو تسلبه، تؤمن السعادة أو تضيعها، غير أنّه من وجهة نظر الرؤية الكونية الإلهية توجد عوامل وأسباب أخرى نطلق عليها العوامل الروحية أو المعنوية، تؤدّي دورًا إلى جانب العوامل المادية في التأثير على الأجل والرزق والسلامة والسعادة وغيرها. إنّ العالم بحسب هذه الرؤية الكونية عالمٌ موحّد وذو شعور، وإنّ لأفعال البشر حسابًا وردود أفعال، فالخير والشر في ميزان العالم ليسا سيّان، فالإنسان يتلقّى جواب أعماله، خيرًا كانت أم شرًّا من هذا العالم، ويكون الجواب، أحيانًا، خلال سِنّي حياته في هذه الدنيا. فإيذاء الكائن الحي، حيوانًا كان أم إنسانًا، ولا سيّما أصحاب الحقوق مثل الوالدين والمعلم، تترتب عليه آثارٌ سيئةٌ في هذه الحياة الدنيا، ثمّة في الطبيعة عقاب[1].

من الناحية المادية، ليس للسنن التشريعية ـ أي الضوابط التي ينبغي للبشر العمل بها ـ مكانٌ من الإعراب بين السنن التكوينية، فمفاهيم الحقّ والباطل، والخطأ والصواب، والعدل والظلم يُنظر إليها بمنظارٍ واحد، وموقف العالم إزاء أتباع هذه المفاهيم هو اللاموقف. في حين أنّه من وجهة نظر المدرسة الإلهية فإنّ للعالم موقفًا إزاء هذه الأمور وأصحابها، فهو مناصرٌ لأهل الحقّ والعدل والصواب، وأصحاب الأهداف المقدسة. فمهما كان الإنسان المادي مؤمنًا بنهجه وسلوكه ومذهبه، ومهما كان هدفه مقدّسًا وعامًا وبعيدًا عن الأنانية والمصالح الذاتية، فإنّه لا يتوقع أنْ يحصل على ثوابٍ أكبر من ميزان سعيه واجتهاده في سبيل تحقيق ذلك الهدف، غير أنّ الإنسان المسلم المؤمن يؤمن بأنّ الكون خُلق على نحو إذا ضحى على طريق الحقّ والحقيقة، فإنّ منظومة الكون كلّها ستقف إلى جانبه وتؤازره. ففي هذا الكون طاقةٌ

(42)

مخزونةٌ تزيد مئات آلاف الأضعاف على الطاقة والجهد الذي بذله في سبيل تحقيق هدفه المقدّس سوف تنبري لنجدته ومساعدته في هذه الظروف. في رأي المدرسة المادية، فإنّ على الفرد المناصر للحقّ والعدل أنْ يطمئن لنتيجة عمله بالمقدار نفسه الذي على الفرد المناصر للظلم والباطل أنْ يطمئن لعمله والنتائج المترتبة عليه؛ إذ بحسب المدرسة المادية لا فرق في نظرة الكون والمنظومة الكونية إلى هذين الاثنين، بينما يوجد من وجهة نظر المدرسة الإلهية فرقٌ أساسيّ بين الاثنين[1].

إذا، في ضوء النظرة الإلهية فإنّ المدد الموجود في هذه الدنيا هو، أساسًا، ليس مددًا مادّيًا بحتًا؛ بل إنّ الدنيا دارٌ تزخر بالغيبيّات التي بمقدور الإنسان عبر تمسّكه بالشريعة والنهج الإسلامي، أنْ يخطو خطواتٍ مؤثرةً على طريق الاستعانة بها لحلّ المشكلات الاجتماعية[2] .

وما يجدر تأكيده هنا هو المدد الغيبي الاجتماعي، فظهور الأنبياء هو نوعٌ من المدد الغيبي؛ إذ ظهروا في وقتٍ كان فيه المجتمع البشري في أمسّ الحاجة إليهم. كما إنّ ظهور المنجي في آخر الزمان، الذي يأتي في وقتٍ تمتلئ فيه أرجاء الأرض بالظلم والشر، ويصبح الإنسان عاجزًا عن إدارة حياته، سوف يكون مظهرًا من مظاهر المدد الغيبي في عصر التحوّلات الحضارية بل الكونية.

ومن أجل نيل هذا المدد الغيبي، وردت في هذا الشأن بعض الوصايا والإرشادات في الدين الإسلامي، وربّما كان العمل بها منظورًا له في إطار حضاري أيضًا، كيما نتوقع الحظوة بالتأييد الغيبي والمدد الرحماني. فمثلًا الدعاء هو أحد الأسباب الدنيوية ومن مظاهر القضاء والقدر، والذي بمقدوره أنْ يؤثّر على مسار حادثةٍ ما أو منع

(43)

وقوع القضاء والقدر[1]. وكذا الحال بالنسبة إلى الصدقة والإحسان فهي عوامل لها أثرٌ في استنزال المدد الغيبي عبر القنوات المعنوية والروحية أو فقدانه.

 وبالعود إلى كلام الشيخ مطهري الذي يشرح العوامل الموجبة لقبض أو بسط المدد الغيبي والمؤثرة على مصير الإنسان في نواحي السلامة والعمر والمعيشة، وبنحوٍ عام الحياة في هذه الدنيا؛ نجده يقول: «بصورةٍ عامة، فإنّ المعصية والطاعة، والتوبة، وإفشاء السر، والعدل والظلم، والإحسان والإساءة، والدعاء واللعن، وأمثال ذلك هي أمورٌ مؤثّرةٌ على مصير البشر من جهة العمر، والسلامة، والرزق، إذ يُروى عن الصادق عليه‌السلام أنّ من يموت بالذنوب أكثر ممّن يموت بالآجال، ومن يعيش بالإحسان أكثر ممّن يعيش بالأعمار. والمراد من هذه الرواية هو أنّ المعاصي تغيّر الآجال، وأنّ الإحسان والأعمال الصالحة تطيل في عمر الإنسان، أي بمعنى على الرغم من أن الأجل والعمر محدّد بحكم القضاء والقدر الإلهي، إلا أنّ هذه الأمور لها تأثيرها في تبديل القضاء والقدر»[2].

إذًا، يتحصّل ممّا تقدم، أوّلًا: أنّ المدد الغيبي الخاص (المدد الرحماني) له حضورٌ في مسار تدبير الكون، ثانيًا: أنّ البشر أحرارٌ في اكتساب المدد الرحماني، وأنّهم من خلال أعمالهم وسلوكهم الإرادي بإمكانهم أنْ يستعينوا بهذا المدد لخدمة الحياة الشخصية والاجتماعية، ثالثًا: اكتساب هذا المدد الرحماني مرتبطٌ بالإنسان المؤمن الذي بتمسّكه بالإيمان والسلوك المؤمن، والثبات على الشريعة والنهج الإسلامي يمكنه الاستفادة بسهولةٍ من هذا المدد.

(44)

«الانتظار» وتطبيقاته الحضارية: من الموضوعات الإلهياتية المؤثرة في الحضارة الإسلامية موضوع الانتظار وتطبيقاته المفهومية في الحضارة الإسلامية وبالمواجهة مع الحضارة العلمانية الغربية، والذي أفرز نهضاتٍ وحركاتٍ اجتماعيةً كثيرةً في التاريخ الإسلامي، من جملتها نشير إلى الحركات الموعودية والمهدوية والممهدية في عَقْدَي العشرينات والثلاثينات من القرن التاسع عشر، أو أواخر القرن الثالث عشر الهجري[1].

إنّ النقطة المهمة في مقولة الانتظار بوصفها مسألةً إلهياتيةً هي وجود هدفٍ ينتظره المنتظرون ويدعون لمجيئه. مجرد وجود هدفٍ في مستقبل الحياة الجمعية، وتكون للمجتمع في مسيرته التكوينية نقطةٌ معلومةٌ، وممدوحةٌ في المستقبل، هذه بحد ذاتها تخلق هويةً مفهوميةً ومعنويةً شاملةً بالمقياس الحضاري. إنّ الوشيجة بين الهوية والهدف نابعةٌ من منطلق أنّ الهوية، أساسًا، شيء يتولّد دائمًا من هدفه (أي ما إليه الحركة أو ما لأجله الحركة)، وأنّ اللا هدفية تؤول إلى اللا هوية والانفصام في الشخصية الفردية والاجتماعية والحضارية. إنّ انتظار هذا الهدف المعلوم يضع ذلك الأمر المنتظر بمنزلة هدفٍ محدّدٍ ومشتركٍ أمام المجتمع الإنساني، ويسوق اهتمام الجميع نحوه، ويضفي على الأخلاقيات والمعتقدات النظم، وعلى البرامج الحضارية والاجتماعية الوجهة لتحقيق ذلك الهدف[2].

ذكرى المعاناة السامية وتطبيقاته الحضارية: من الموضوعات الإلهياتية الأخرى التي يمكن أنْ تكون لها وظائف حضارية، ذكرى المعاناة السامية التي حظيت باهتمامٍ وتركيزٍ في تاريخ الأديان، لا سيّما الدين الإسلامي، وأحدثت تحوّلاتٍ كثيرةً في تاريخه، ونشرت وفاقًا اجتماعيًا خاصًّا في ربوع المسلمين. تكتسب الوظائف الوفاقية

(45)

لذكرى المعاناة السامية في الأديان أهميّتها لجهة أنّ القوّة الكامنة في الألم أكبر من القوّة الكامنة في اللذة والمتعة، وأنّ الجوانب البنّاءة في الألم من جهة، والجوانب المدمّرة فيه من جهةٍ أخرى في الميدان الاجتماعي أكبر من الجوانب البنّاءة والمدمّرة للملذّات والمتع. هذه الإثارة (البنّاءة أو المدمّرة) الناتجة عن الألم، لا تقتصر فقط على «الألم» ـ وهو ظاهرة إلهياتية ـ بل إنّها تصدق أيضًا على «ذكرى الألم» (بوصفها أمرًا إلهياتيا آخر) . إنّ ذكرى الألم عندما تكون عميقةً فإنّها تتولّد بنحوٍ ما عن معايشة تلك الإثارة الحزينة، وتترتب على ذلك آثارٌ حضارية بنّاءة أو مدمّرة.

وخلاصة القول، إنّ الذكرى المهدّئة والمهيّجة «للمعاناة الوجودية من أجل» والتي تبرز أمثلتها على الأغلب في الأديان الإلهية، واتجاهاتها البنّاءة في تغيير «الإثارات النفسانية» إلى «إثاراتٍ عقلانية»، وبلورة منظومة العواطف والمشاعر في الحضارة، وخلق الدافع والحركة باتّجاه المسير الحضاري، أقول إنّ هذه الذكرى تؤدّي دورًا كبيرًا، لا يمكن أنْ نجد له مثيلًا في الأنظمة الحضارية العلمانية. إنّ التألّم لمعاناة الآخرين، ومن أجل خلاصهم من معاناتهم «المعاناة المادية والمعنوية) هو ألمٌ بنّاء، وتذكر هذا الألم يمكن أنْ يكون بنّاءً أيضًا للمجتمع الإنساني، وجوهريًّا للأخلاق والوفاق الاجتماعي[1].

النتيجة

صحيح أنّ معرفة الحضارات وبناء الحضارة الإسلامية رهنٌ بالعلوم الإنسانية في مختلف الميادين الاجتماعية، بيد أنّ المعرفة الدينية عن الحضارات، وكذا بناء حضارة دينية مرتبط بالاستعانة بالعلوم الدينية ومصادر الوحي. بعبارةٍ أخرى من أجل المعرفة الدينية عن الحضارات وكذلك بناء الحضارات الدينية، فإنّه مضافًا إلى الموارد البشرية وغير الوحيانية، لا مناصَّ من الإفادة من المصادر الدينية والوحيانية، لكي نتمكّن على أساسها من فهم الظواهر الحضارية بشكل مختلف، ونتقدم خطوةً

(46)

واسعةً على طريق بناء الحضارة ورسم ملامح الحضارة الدينية.

في حال تعذّر علينا دراسة وتحليل الحضارات السابقة من زاويةٍ دينية، وتعسّر فهم دور سُنن الوحي في التحوّلات الحضارية وتطبيقها، وما لم نتمكّن من البحث في الأوضاع الراهنة للمجتمع الإنساني على أساس النظرة الإسلامية، وكذلك عندما نعجز عن الاستفادة من العناصر الدينية والإلهياتية في تشكيل الحضارة، لن نتمكّن من تأسيس حضارةٍ مختلفةٍ عن الحضارة العلمانية المستقلة، أو أنّ نزعم امتلاك حضارةٍ دينيةٍ على هذا الأساس، يبدو أنّه بمجرد التركيز على العلوم الإنسانية، وإنْ كانت إسلامية، دون الالتفات إلى إمكانات واستعدادات الإلهيات الإسلامية والفلسفة الإسلامية والعرفان الإسلامي والأخلاق الإسلامية والفقه الإسلامي، سوف لن نتمكّن من ضمان الهوية الدينية والإسلامية للحضارة، ولن نتيقن من التأكّد من إسلامية تلك الحضارة.

إنّ الأمر المهم اليوم بالنسبة إلى بناء الحضارة الإسلامية المتفاوتة التي تمتلك منافسين علمانيين كُثر، تفعيل جميع الإمكانات العلمية والعملية للفكر والسُنّة الإسلامية في بناء الحضارة، للإفادة من العلوم الإسلامية، وكذلك العلوم غير الإسلامية (غير الوحيانية)، ومن الاستعدادات السابقة والراهنة للعالم الإسلامي ومن الإمكانات الحاصلة في الظروف المعاصرة في بناء الحضارة الإسلامية وقوامها، وإبراز فاعليتها مقارنة بالنماذج العلمانية غير الإسلامية.

 

 

 

 

(47)

 

 

المصادر

  1. القرآن الکریم.
  2. نهج البلاغة.
  3. الصحیفة السجادیة.
  4. إلياده، ميرچا، اسطوره بازگشت جاودانه، ترجمه بهمن سرکاراتي، منشورات الطهوري، 2005م.
  5. بابائی، حبيب الله، «درآمدی بر الهیات عملی در اندیشه دینی مدرن»، مجلة نقد و نظر ، العدد 61 ، السنة 16 ، ربيع 2011م.
  6. ــــــــــــــــ، «کارکردهای رهایی‌بخش یاد رنج متعالی در رویارویی با رنج‌های انسان معاصر»، مجلة نقد و نظر، العدد 54، 2009م.
  7. بهروزلك، غلام رضا، «چیستی کلام سیاسی»، مجلة قبسات، العدد28، 2003م.
  8. تقي زاده داوري، محمود، «الهیات اجتماعی شیعه»، عددان من مجلة إلهيات اجتماعي، السنة الأولى، العدد الأول، ربيع-صيف 2009م.
  9. الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي، ط1، 1417هـ.
  10. الفيض الكاشاني، محمد محسن بن مرتضى، علم اليقين، ط1، قم، منشورات بیدار، 1998م.
  11. مطهری، مرتضي، انسان و سرنوشت ،طهران منشورات صدرا،.1998م
  12. ــــــــــــــــ، شرح المنظومة، ط 1 ، قم ، منشورات صدرا، 1993م.
  13. ــــــــــــــــ، امدادهای غیبی در زندگی بشر، طهران، منشورات صدرا، 1993م.
  14. نصر، سیدحسین، جوان مسلمان و دنیای متجدد، ترجمة: مرتضى أسعدي، طهران، منشورات طرح نو، ط5، 2005م.
  15.  Bultmann, Rudolf, What is Theology?, Fortress Press, 1997.
(48)
  1. Gunton, Colin E., The One, The Three and The Many, God, Creation and the Cultural of Modernity, Cambridge: Cambridge university press, 2004.
  2.  Osmer, Richard R., Practical Theology, An Introduction, Grand Rapids, Michigan-Cambridge, UK, William B. Eerdmans Publishing Company, 2008.
  3.  Woodward, James & Stephen Pattison, The Blackwell Reader in Pastoral and Practical Theology, USA, Mal- den, Massachusetts: Blackwell Publishers, 2000.

 

(49)
(50)

الخصائص الإسلامية والقرآنية لـ «الحضارة»[1]

حبيب الله بابائي

إنّ الحضارة ظاهرةٌ دنيوية، إذ تتبلور في هذه الدنيا. كما أنّ الدراسات الحضارية بدورها تبحث على الدوام عن فهم اكتشاف الأبعاد الدنيوية لهذه الظاهرة الاجتماعية العامّة. إنّ القول بدنيويّة الحضارة لا يعني إلغاء الآثار المعنوية والروحانية والنتائج الأخروية للحضارة أبدًا. فإنّ كلّ أمرٍ دنيوي ينطوي من الناحية الدينية والإسلامية على آثارٍ أخروية حتمًا، بيد أنّ الآثار الأخروية للحضارة لا تعني أنْ تتجاهل الحضارة ماهيتها الدنيوية. وفي الأساس فإنّ الحضارة ظاهرةٌ دنيويةٌ وليست غير دنيوية، وإنْ كان التحقّق والتمظهر الحضاري (في إطار «الإمام»[2] و«الأمة»[3]) أمرًا ممكنًا ومحتملًا في الآخرة. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الذي يعمل المختصّون في الحضارة على دراسته، ويقوم صنّاع الحضارة على هندسته إنّما هي حضارة في هذه الدنيا، وبآثارٍ ضروريةٍ في ظلّ هذه الشرائط الزمانية والمكانية، ولكن في تشكيل الحضارة الإسلامية يتمّ على الدوام لحاظ الأبعاد المعنوية والروحية للحضارة في هذه الدنيا، وتعمل على بناء حضارةٍ في الدنيا بحيث تمهّد أرضيات التعالي والتكامل المعنوي والروحي في عموم المجتمع الإنساني.

(51)

ومن هنا عندما يرد الكلام عن الخصائص الحضارية في القرآن الكريم، يكون ذلك بمعنى الاهتمام بالأبعاد الدنيوية للحضارة من وجهة نظر القرآن الكريم؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ عندما نتحدّث عن الخصائص التوحيدية للحضارة، لا يكون مرادنا الاهتمام بالأبعاد الإلهية والغيبية في مقولة «التوحيد»، وإنّما مرادنا هو الالتفات إلى الأبعاد الدنيوية من التوحيد. من الواضح أنّ هذين الاتجاهين مختلفان عن بعضهما إلى حدٍّ كبير. إنّنا في البيان الحضاري للتوحيد لا نكون بصدد البحث عن الأبعاد المعنوية أو الغيبية من الحضارة، وإنّما نحن بصدد البحث عن الآثار العامّة للتوحيد في هذه الدنيا وفي الأنظمة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية في هذا العالم. توضيح ذلك أنّ للاعتقاد بالتوحيد أبعادًا مقدّسة، وأنّ حقيقة هذا الاعتقاد وآثاره الأبدية بالنسبة إلى الموحّد سوف تظهر في العالم الآخر، بيد أنّ الاعتقاد بالتوحيد تترتب عليه نتائج وتداعيات في هذه الدنيا أيضًا؛ حيث يكون سنخ وجنس تلك التداعيات مختلفًا عن نتائج وتداعيات العالم الآخر. في الرؤية الدنيوية إلى التوحيد تكون أسئلتنا مختلفةً تمامًا. إنّ تساؤلاتنا في الاتجاه الدنيوي حول التوحيد، إنّما هي من قبيل: «أخلاقيّة وإنسانيّة التوحيد في العلاقات الإنسانية»، و«آثار انسجام التوحيد في هذه الدنيا»، و«آليات النظم وتنظيم التوحيد في الحضارة الإسلامية». ويمكن تكرار ذات هذا الاتجاه في المقولات الدينية والإلهية الأخرى في القرآن الكريم، وتقديم الخصائص الحضارية بقراءةٍ مختلفةٍ وتفسيرٍ جديد.

ومن الجدير ذكره ـ بطبيعة الحال ـ أنّ ما تمّ الحديث عنه في موردٍ دنيويّة الحضارة، يمثّل الحدّ الأدنى من النظرة إلى مقولة الحضارة من وجهة نظر القرآن. وبعبارةٍ أخرى: يمكن عدّ الحضارة أمرًا دنيويًا، والبحث عن الأبدية في الدين ضمن توفير النظم والنظام الدنيوي. يمكن لهذه النظرة أنْ تكون هي الأدنى إلى الحضارة

(52)

وامتدادها في الزمان والأرض الدنيوية المحدودة، ولكن يمكن النظر إلى الحضارة في امتدادها الحضاري في الحدّ الأعلى، وعدّها تمهيدًا لا لهذه الدنيا فقط، بل تمهيدًا للأبدية أيضًا. وفي هذه الحالة لن تتوقف الحضارة والرؤية الحضارية عند حدود الدنيا والأمور الدنيوية فقط، بل إنّ تبلورها سوف يتحقّق في هذه الدنيا وفي إطار تحقيق الخلود، والعثور على السعادة الأبدية أيضًا.

إنّ ما يتمّ ذكره في هذا القسم بوصفه من الخصائص، لا يؤكّد على خصائص إسلامية الحضارة، وإنّما يؤكّد على الخصائص الحضارية للحضارات. من الواضح أنّ خصائص الإسلامية تختلف عن الخصائص الحضارية بشكل كامل. والذي يقع موردًا للاهتمام حاليًا هو الخصائص الحضارية. إنّ الخصائص الحضارية لا تكون بالضرورة للمخاطب المسلم أو المجتمع الإسلامي فقط، بل هي من الخصائص التي يمكن أنْ تُعرض على ذهنية غير المسلمين وعلى المجتمع غير الإسلامي أيضًا. إنّ الحديث عن الحضارة وخصائصها حديثٌ مشتركٌ بين جميع الحضارات. كما أنّ بيان الخصائص القرآنية لـ «الحضارة» يُعدّ بيانًا للخصائص الحضارية المختلفة حيث إنّها أولًا: تستخرج من القرآن، وثانيًا: يتمّ بيانها لغير المسلمين أيضًا لكي يتمكّنوا من إدراك علمية وإنسانية أو أخلاقية تلك الخصائص، وأنْ يتعقّل براهينها، ويتقبّل هذه الخصائص أحيانًا، وأنْ يستفيد في بلورة حضارته (وإنْ لم تكن حضارة إسلامية) من هذه الخصائص الإنسانية والأخلاقية المنبثقة من صلب القرآن الكريم.

إنّ التأكيد على القرآن الكريم في استخراج الخصائص القرآنية إنّما يقوم على افتراض أنّ القرآن معجزةٌ لا على مستوى الألفاظ فقط، بل هو معجزةٌ حتى في مضامينه أيضًا، وأنّ هناك في القرآن مسائل في مورد الأنظمة الاجتماعية العامة بنحو يبدو أنّ أصل طرحها معجزٌ، وكذلك لها آثارٌ إعجازيةٌ أيضًا، ويمكن لها أنْ تؤدّي إلى إصلاحاتٍ كبرى في أسوأ الأوضاع المعاصرة في العالم وأشدّها حرجًا.

(53)

وعلى الرغم من أنّ مقولات من قبيل: السيطرة على العنف، وضمان الرفاه والرخاء ونشر العلم والتقنية، يمكن لكلّ واحدٍ منها أنْ يعُدّ ـ في التفسير الثاني والمختلف في إطار الثقافة الإسلامية ـ بوصفه شاخصًا حضاريًا مهمًا في العالم الإسلامي، بيد أنّ هذه الخصائص لا تمثّل جميع الخصائص المطلوبة، ولا أهمّ الخصائص الإنسانية في مقياس الحضارة، ولا تفسيرها المذكور في العالم الحديث يُعدّ عالميًّا وإنسانيًّا. وعليه من الضروري أوّلًا أنْ يتمّ استخراج الخصائص الأخرى من النصوص الوحيانية وبيانها، وثانيًا أنْ يتمّ العمل على نقد الخصائص المنبثقة عن العالم المعاصر ودراستها، وتكميلها، وتعميقها أيضًا.

مستوى التحليل العام (والحضاري) في القرآن

هل كان بيان القرآن الكريم في القصص، وفي الموارد التاريخية، وفي القوانين الوجودية والاجتماعية على مستوى العام أم لم يكن، وهل أنّ القرآن قد عمل على الدوام في المستويات الجزئية على بيان التعاليم الإنسانية والكونية والقيَمية؟ ومن ناحيةٍ أخرى هل كانت العوامل الاجتماعية والأبحاث العامة في القرآن موردًا للتأكيد أيضًا؟ أم أنّ ما جاء في القرآن من العناصر الإنسانية كلّه من الأمور الجزئية والخاصّة؟ ومن ناحيةٍ أخرى هل ورد ذكر ألفاظ ٍعامّةٍ وكليّةٍ في القرآن أيضًا؟ أم أنّ الألفاظ القرآنية بأجمعها ألفاظٌ ذات مفاهيم جزئية وخاصّة فقط؟ وهل العمل بالقرآن الكريم أو التفكّر والتدبّر فيه يقتضي المستوى العام والكلي أيضًا، ومن دون الاتجاه الحضاري العام لا يمكن فهم القرآن بجامعيته، والعمل بجامعيته أيضًا أم أنّ القرآن لا يمكن تطبيقه إلّا على المستوى الفردي فقط؟ يمكن العمل على تكثير هذه الأسئلة والنظر إلى الأبعاد المتنوّعة للقرآن من زاويةٍ عامّةٍ والسؤال عنها؛ ولكن يمكن القول باختصار: يمكن تتبّع الاتجاه العام للقرآن الكريم ضمن

(54)

النقاط الخمسة الآتية، وهي: 1 ـ في المفردات العامّة، و2 ـ في المفاهيم العامّة[1]، و3 ـ في المقولات العامّة، و4 ـ في القوانين العامّة، و5 ـ في الشخصيات الكبيرة والمؤثّرة على المستويات الاجتماعية العامّة.

من هذه الزاوية يجب البحث والكشف من جهة ـ من خلال المرور بالآيات القرآنية المتنوّعة ـ عن المقولات الاجتماعية، من قبيل: القوم، والقرية، والمدينة، والبلد، والملك، والأمة التي تمّ التعرّض لها في القرآن مرارًا وتكرارًا، وأنْ نعمل من جهة أخرى على الاهتمام ببعض المفاهيم الناظرة إلى مستوى التحليل الاجتماعي العام. ومن بين هذه الألفاظ والمفاهيم التي تعرّضت إلى المستوى الاجتماعي العام عبارة عن «الكبر»، و«البر»، و«كافة»، و«كثر»، و«البسط»، و«الشدّ». وقد ورد استعمال كلّ واحدٍ من هذه المفاهيم والمعاني في القرآن سواء في مورد المجتمعات الصالحة أم في مورد المجتمعات غير الصالحة أيضًا. كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا[2]. الأمر الذي يشير إلى مدى خطورة كبار المجرمين في أيّ مدينة أو مجتمع، حيث يمكن لهم أن يشكّلوا أرضيةً مناسبةً لفساد المجتمع وانحطاطه بأسره. وقد ورد هذا المضمون ذاته في آيةٍ أخرى، وهي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا[3]، حيث ورد التأكيد فيها على أنّ كبراء القوم يتسببون بأمواجٍ كبرى من أنواع الضلال

(55)

والانحراف. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا[1]، إذ يحكي عن أهمية ترك المعاصي والذنوب الكبيرة في رفع الشرور والآفات الاجتماعية من جهة، ويعمل على إيجاد الظروف والأرضيات لتنمية الكرامة الإنسانية من جهة أخرى. وفي الحقيقة فإنّ هذه الآية ـ بالإضافة إلى الذنوب الكبيرة التي يعود السبب في كونها كبيرةً إلى القبح الفعلي للذنب ـ تشير إلى الذنوب الكبيرة التي ينشأ كبرها من الجهة الفاعلية ـ وأنْ يكون فاعلها ليس شخصًا واحدًا، وإنّما هو مجتمع، وليس عامّة الناس، وإنّما خاصّة المجتمع وكبار القوم فيه ـ وينطبق ذلك على الذنوب في مستوى الأمّة، والسيئات على مستوى الحضارة.

ومن بين العناصر الأخرى المستعملة في القرآن الكريم كلمة «كافة»؛ التي تشير إلى المستوى العام والشامل في المجتمع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ[2]. لقد تمّ التأكيد في هذه الآية على المطالبة بالصلح والسلم والدخول فيه على نحوٍ شاملٍ وعام، حتى لكأن الدخول في السلم والصلح إذا لم يكن عامًا وشاملًا في المقياس الاجتماعي، بل وحتى الحضاري، وسعى بعض الأشخاص أو الشعوب أو البلدان في العالم الإسلامي إلى الإخلال في شكل هذا الصلح من خلال اتباع الخطوات الشيطانية، فإنّ أساس السلم والصلح سوف يتعرّض إلى الضرر.

وفي قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً[3]. تم التأكيد أيضًا على القتال الشامل في الحرب أيضًا. إنّ الاستفادة التي يمكن الحصول عليها من

(56)

هذه الآية أنّه حينما يكون الهجوم العسكري ـ بل حتى الثقافي ـ عليك شاملًا وعلى المستوى الحضاري، يجب أنْ تكون ردّة فعلك عليه متعددة الأبعاد، وأنْ تكون شاملةً وحضاريةً أيضًا. إنّما بهذه المواجهة الحضارية والشاملة يمكن الصمود والوقوف في وجه الهجوم الشامل (الناتج عن الصراع الحضاري)، والدفاع عن النفس بهذه الطريقة. أمّا الدفاع الناقص وردّة الفعل ذات البُعد الواحد على الهجمات المتعددة والمعقدة، فهو دفاعٌ غير ناجعٍ ومحكومٌ عليه بالفشل.

وعلى هذا الأساس يجب في مواجهة الغرب الحضاري أنْ نظهر عليه حضاريًا، وإلا فإنّ الحضارة الغربية سوف تقطع أوصال الهوية الإسلامية وتعمل على إنقاص الإسلام والحضارة الإسلامية وتجعلها لا شيء.

وفي آيةٍ أخرى عُرّف أساس الرسالة وتطبيقها بوصفها رسالةً عامّةً وشاملة؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[1]. إنّ هذه الآية تؤكّد وتشير إلى أنّ ما نزل من السماء على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما هو لجميع الناس كافة، وأنّ جميع الناس يمكنهم أخذ هذه الرسالة عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفهمها والعمل بها، لكي يصلوا إلى السعادة العامة لهم جميعًا. فإنّ عمومية الإسلام وشموليته لجميع المخاطبين بالقرآن هو الأمر المطلوب، وربما أمكن القول: يمكن تطبيق شمولية القرآن الكريم لجميع الناس في إطار الحضارة والعمل على تحقيق هذا التعميم وهذه الشمولية على نحوٍ جامعٍ نسبيًا.

(57)

وبالإضافة إلى العناصر الشاملة أعلاه في القرآن الكريم، ورد ذكر عناصر أخرى في القرآن أيضًا حيث يمكن لكلّ واحدٍ منها أنْ يشير إلى بُعدٍ من الأبعاد الاجتماعية العامة؛ من قبيل: «السعة»، و«الضِعف»، و«البركة»، و«الكثرة»، و«الشدّة»؛ إذ يتضمّن كلّ واحدٍ منها الخروج من المستوى الجزئي إلى المستوى العام. وإنّ الآيات أدناه تشير إلى هذه العناصر:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً[1]. في ضوء هذه الآية، على الرغم من أنّ مضاعفة الثواب للشخص المقرض، إلا أنّ المضاعفة للفرد، تؤدّي إلى التضاعف الاجتماعي، وتنتج أمواجًا من الزيادات الاقتصادية وربما الثقافية في المجتمع أيضًا. فمن جهة يتمّ تنشيط الظروف والأرضيات الاقتصادية للمجتمع (بالنسبة إلى الفرد والمجتمع)، ويتحقّق المزيد من الازدهار في الاقتصاد، ومن ناحيةٍ أخرى تنتظم وتقوم المعنوية الاجتماعية من طرق التوجّه إلى الله في الإقراض والآداب الأخلاقية للقرض، والاهتمام بحقوق المقترض، وتؤدّي بدورها إلى خلق الفرص الإنسانية في المجتمع. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الثروات الفردية والجزئية والثقافية والاقتصادية تتضاعف بسبب الإقراض الحسن، ومن خلال تضاعف الثروات الاقتصادية والثقافية يتم الحصول على ثرواتٍ كبيرةٍ جدًا[2].

إنّ الكلمة المفتاحية الأخرى في القرآن التي تشتمل على مفهوم على المستوى الاجتماعي العام، لفظ البركة في مختلف الآيات، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ[3]. إنّ هذه الآية تدلّ على أنّ الإيمان والتقوى يستوجبان زيادة البركات الأرضية والسماوية. قد يشمل هذا الإيمان

(58)

والتقوى، حالة الإيمان والتقوى الفردية بالنسبة إلى الأفراد، ولكن من الواضح جدًا أنّ الإيمان والتقوى اللذين يؤدّيان إلى البركات الأرضية والسماوية، إنّما ينبثقان في الغالب من الإيمان والتقوى الاجتماعية، بل الإيمان والتقوى على مستوى الحضارة أو على مستوى الأمة. إنّ التقوى والإيمان اللذين يتّصف بهما المجتمع أو الحضارة، أولًا يعدّان في حدّ ذاتهما مقولةً اجتماعيةً (جزئية أو عامّة)، وثانيًا تكون آثارهما من الناحية الاجتماعية والحضارية أشدّ عمقًا وتأثيرًا، الأمر الذي يؤدّي إلى الازدهار والتنمية بالنسبة إلى الأمور الأرضية والسماوية أيضًا.

ومن الجدير ذكره أنّ هذا المضمون من الكثيرة والشدّة والبركة قد وردت الإشارة إليه في كثيرٍ من الآيات على شكل أمثلة متنوّعة، ومن بين أهمّ هذه الأمثلة مثال السنبلة في الآية الآتية، الذي يُشير إلى المستوى الاجتماعي العام كما يشير إلى حالة النظم فيه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[1]. إنّ إشاعة أعمال الخير والبر في المجتمع وزيادته على نحو المتواليات العددية في المجتمع يُعد من النقاط المهمّة في هذه الآية ونظائرها.

ومن هذه الناحية تعدّ بعض التوصيات والنصائح الاجتماعية والأخلاقية في القرآن في نقل أفعال الخير من المستوى الفردي إلى المستوى الاجتماعي، ومن المستوى الجزئي إلى المستوى العام، تُعدّ عنصرًا مؤثرًا وحاسمًا ومصيريًا للغاية. ومن بين هذه الموارد تجب الإشارة إلى عنصر «السباق والمسارعة في فعل الخير»، والنتائج المترتبة على ذلك في إيجاد التراكم وزيادة الخيرات في المجتمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا

(59)

الْخَيْرَاتِ[1]، وقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ[2]، وتبلور الإحسان في المقياس الحضاري. وفي الأساس فإن الإسراع في فعل الخير، وكذلك التسابق في أعمال البر، يُعدّان من العناصر والآليات المهمّة والمؤثّرة في تبديل الحسنات الجزئية إلى حسناتٍ عامّةٍ وكلية. إنّ العمل على إيجاد ثقافة «السرعة والتسابق» في المجتمع، يجعل عملية الإصلاح الاجتماعي عمليةً ذاتيةً وتلقائيةً وداخلية، كما يمنحها السرعة أيضًا، كما أنّه ينقل المسارات الإصلاحية من المستوى الفردي إلى المستوى الاجتماعي والحضاري العام أيضًا.

بالنظر إلى المفردات والمفاهيم العامّة في القرآن، يتّضح أنّ المستوى العام للتحليل في العديد من الآيات القرآنية، قد تمّ تأكيده بمختلف العبارات والألفاظ المتعدّدة والمتنوّعة، إذ يحتوي كلّ واحدٍ منها على قابلية الجري والتطبيق على المقولات الحضارية. وفي هذا المستوى الحضاري من الزاوية القرآنية يمكن لنا أنْ نذكر كثيرًا من الخصائص للحضارة (بوصفها الوحدة الاجتماعية الأكبر)، وعدّ كلّ واحدةٍ منها في تبلور وتشكيل الحضارة الإسلامية في العالم المعاصر أمرًا مهمًا في خلق الهوية المتميّزة. يمكن تبويب دراسة كلّ واحدٍ من الخصائص الحضارية في القرآن الكريم ضمن مجموعاتٍ متنوّعة، وعدّ كلّ واحدٍ منها من الزاوية الاجتماعية والحضارية شاخصًا في بناء الحضارة الإسلامية. ويمكن تبويب الآيات ضمن الموارد أدناه، على النحو الآتي:

أ. الخصائص التوحيدية للحضارة في القرآن.

ب. الخصائص الأخلاقية للحضارة في القرآن.

ج. الخصائص الاجتماعية للحضارة في القرآن.

(60)

وقبل الإشارة إلى كلّ واحدةٍ من هذه الخصائص، لا بدّ من التأكيد مرّةً أخرى على أنّ الكلام عن الخصائص التوحيدية والخصائص الأخلاقية والخصائص الاجتماعية في القرآن إنّما هو من أجل الإشارة إلى الخصائص الحضارية، لا إلى خصائص إسلامية الحضارة. إنّ هذه الخصائص القرآنية لا يمكن طرحها وتفسيرها للمسلمين وسكان الحضارة الإسلامية فقط، بل ويمكن عرضها بوصفها خطابًا حضاريًا على سائر الحضارات الأخرى بما فيها الحضارات غير الإسلامية، بل وحتى غير الدينية أيضًا. إنّ النقطة التي يجب تأكيدها هي أنّ بيان الخصائص القرآنية، لا لكي تكون بديلًا لخصائص الحضارة الحديثة؛ بل يجب أنْ تكون الغاية بيان نماذج للخصائص المنبثقة عن القرآن الكريم في بناء الحضارة الإسلامية والإنسانية. إنّ الغاية من هذا المجهود العلمي هي أنْ نثبت أنّه بالإضافة إلى الخصائص الحضارية الحديثة، يمكن بيان خصائص أخرى أيضًا، كما يمكن المرور بالخصائص الحديثة ونقدها، كما يمكن جعل نصّ القرآن قراءةً حضارية، وأنْ نستخرج منه بعض الخصائص والعمل على توظيفها في تقييم إنسانية الحضارة.

1. الخصائص التوحيدية للحضارة في القرآن

إنّ بعض الأفعال الإنسانية لا تقع بين الإنسان والإنسان، وإنّما بين الإنسان (الإنسان الفردي أو الاجتماعي) وبين الله؛ بيد أنّ آثارها تظهر في علاقات الإنسان مع الإنسان أيضًا؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ «التوبة» فعلٌ يحدث بين الإنسان وبين الله، و«الإيمان» سلوكٌ قلبيّ يقوم بين الفرد الإنساني وبين الله سبحانه وتعالى، وكذلك «الذكر والدعاء»، هما في القرآن الكريم سلوكياتٌ ظاهريةٌ أو قلبيةٌ تقع بين الإنسان الفرد وبين الله (عزّ وجل)؛ ولكن هذه الأمور ـ في الوقت نفسه ـ تترك تأثيرها على العلاقات بين الإنسان والإنسان أيضًا، وتعمل في بعض الأحيان على تنظيمها.

(61)

في النظرة الأولى، لا شيء من هذه المقولات التي تقع بين الإنسان وبين الله تحتوي على مفهومٍ أو ماهيةٍ اجتماعيةٍ وحضارية؛ ولكن في نظرةٍ أدقّ وأعمق نجد أنّ لكلّ واحدٍ منها بعض الآثار الاجتماعية ما بين الناس في علاقاتهم العامّة أيضًا. وبالمناسبة فإنّ هذه الأمور التي تبدو فرديةً بحسب الظاهر ترد في بعض الآيات القرآنية بوصفها ظاهرةً اجتماعية، ويُذكر لكلّ واحدٍ منها أحكامٌ اجتماعيةٌ وثقافية، بل وحتى حضارية أيضًا. وهذا الأمر يدلّ على أنّ بعض الأفعال والسلوكيات الفردية في الارتباط مع الله تنطوي ـ في الحدّ الأدنى ـ على آثارٍ حضاريةٍ وثقافية. ومن خلال تموضع كلّ واحدٍ منها في التشكّل والتبلور الحضاري، يمكن التأكيد والتصريح بأنّ هذا النوع من الأفعال الإنسانية يمكن له ـ فيما يتعلّق بالتعامل مع الله سبحانه وتعالى ـ أنْ يكون شاخصًا من الشواخص الحضارية أو الثقافية.

بالنظر إلى هذه النقطة، فإنّ مرادنا من الخصائص التوحيدية في الحضارة، هي الخصائص التوحيدية التي تحدث في إطار النسبة بين الإنسان وبين الله سبحانه وتعالى، وفي الوقت نفسه تحتوي على موقعيةٍ وآليةٍ اجتماعية؛ ومن هنا فإنّنا في فهرسة الخصائص التوحيدية لا نلاحظ العناصر التوحيدية التي لا تنطوي على ثمرةٍ اجتماعيةٍ (قابلة للإثبات أو التبيين). وفي هذه الأسطر القليلة نسعى في الأساس إلى البحث عن خصائص من التوحيد تكون مؤثرةً في المجالات الاجتماعية العامة، ويمكن أنْ تشتمل على مفهومٍ حضاري. ولكي نصل إلى هذه الخصائص، يجب أنْ نعمل أوّلًا على فصل العناصر التوحيدية المستعملة في الآيات القرآنية، ثم نعمل بعد ذلك ـ من خلال دراسة كلّ واحدٍ منها ـ على تنقيح وبيان العناصر التوحيدية المرتبطة بالأمر الاجتماعي.

إنّ الذي يمكن استفادته من الآيات القرآنية المتنوّعة في الخصائص التوحيدية للحضارة ـ وليس الحضارة الإسلامية بالضرورة ـ عبارة عن ثلاثة عناصر، وهي:

(62)

التوحيد في الغاية (اجتناب الأرباب المتفرقين)، والتكثّر في النماذج التوحيدية (كثرة الآيات المرتبطة بالغاية)، والحسّ الإيماني المعنوي في الشخصيات الحضارية ذات الكاريزما فيما يتعلّق بالغاية الواحدة والمشتركة.

التوحيد في الغاية (اجتناب الأرباب المتفرقين)

إنّ من بين أهم خصائص الحضارة في القرآن الكريم، هو التأكيد على الإله الواحد، واجتناب الأرباب المتعددين والمتفرّقين. وقد جاء هذا المعنى في المقياس الديني (الشامل للأديان الإبراهيمية) في سورة آل عمران، إذ يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ[1]. لقد تمّ التأكيد في هذه الآية على عبادة الله الواحد، واجتناب الشرك وعبادة الأوثان، بوصف ذلك كلمةً واحدةً وعنصرًا توحيديًا مشتركًا لا بالنسبة إلى مجتمع المسلمين فقط، بل بالنسبة إلى مجتمعٍ تتعدّد فيه الأديان الإبراهيمية أيضًا. وقد جاء هذا المعنى بذاته في مقياسٍ أوسع وبنحوٍ مطلقٍ في سؤال النبي يوسف عليه‌السلام من صاحبيه في السجن على ما ورد على لسانه في القرآن الكريم، في قوله: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[2]. ففي هذه الآية يتوجه النبي يوسف عليه‌السلام بالخطاب إلى صاحبيه في السجن ـ وهما على ما يبدو لم يكونا من أهل الإيمان والتوحيد ـ ويحتج عليهما بلسان الفطرة وبلسان إنساني ـ وليس إيمانيًا بالضرورة ـ في مورد التوحيد، ويبطل التعدّدية والتكثّر في مفهوم الإله، وينهى عن التفرّق والتشتت في التعلقات القلبية في الحياة الفردية والاجتماعية. إنّ التوحيد واجتناب الأرباب المتفرقين، يؤدّي في الحدّ الأدنى إلى الاشتراك في اللغة، وفي الهواجس والدوافع وكذلك في بعض المصادر المعرفية

(63)

والإيمانية، والاشتراك أحيانًا في المطالب والتوجّهات والعواطف[1] في المجتمع، وإنّ كلّ واحدٍ من هذه الأمور يُعدّ مؤثرًا، وفي غاية الأهمية في التمهيد للحضارة والهوية الحضارية المشتركة.

إنّ النقطة المهمة التي تعمل على إيضاح حضارية التوحيد تكمن في المضمون والمحتوى الإنساني والأخلاقي للتوحيد حيث تضعه في دائرةٍ أعم من الدائرة الدينية والاعتقادية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ التوحيد ـ ولا سيّما في الحقل الاجتماعي ـ ليس أمرًا عَقَديًّا بالضرورة، بل هو أمرٌ أخلاقيّ وإنساني. لو أمكن بيان مثل هذا المفهوم عن التوحيد، عندها لن يكون التوحيد بمنزلة نظريةٍ في القرآن تخصّ المجتمع المسلم فقط، بل سوف يكون التوحيد جديرًا بتقديمه إلى المجتمعات الإنسانية الأخرى والحضارات الأخرى أيضًا. يرى محمد لغنهاوزن في الجواب عن السؤال المتعلّق بهذه الآية (الآية التاسعة والثلاثون من سورة يوسف عليه‌السلام )، أنّ مضمون سؤال النبيّ يوسف عليه‌السلام يمكن تقريره على عدّة صوَر؛ وهي أنْ تكون كلمة «خير» بمعنى الخير الأخلاقي أو الخير العملي والتطبيقي. وهو يرى أنّ استدلال النبيّ يوسف عليه‌السلام في أحد المستويات استدلالٌ عملي[2]؛ بتوضيح أنّ العبد إذا دخل في خدمة ربّينِ (أرباب متفرّقون)، فعندما يختلف هذان الربّان فيما بينهما، لن يتمكن ذلك العبد من النجاح في إرضائهما معًا؛ ومن هنا فإنّه من الأفضل للفرد أنْ يضع نفسه في خدمة ربٍّ واحد، أو نظامٍ فكريّ واحد، أو منظومةٍ قياديةٍ واحدة؛ ليتمكن من تحقيق النجاح على المستوى العملي.

إنّ هذا الاستدلال (الاستدلال لتحقيق المزيد من النجاح) يعدّ في النظرة

(64)

الأولى استدلالًا عمليًّا[1]، وليس استدلالًا أخلاقيًا[2]؛ ولكن في نظرةٍ أعمق، يكون الاستدلال على المزيد من النجاح استدلالًا أخلاقيًا؛ إنّ معنى أخلاقية «النجاح» يكمن في أنّ النجاح في الواقع يعني الحصول على السعادة، وأنّ الغاية من الحياة الأخلاقية ليس شيئًا آخر غير السعادة[3].

إنّ هذه الآية ترشدنا إلى فقرة في الإنجيل تحمل هذا المضمون ذاته، فقد ورد في إنجيل متى: «لا يقدر أحدٌ أنْ يخدم سيدين؛ لأنّه إما أنْ يبغض واحدًا ويحبّ الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أنْ تخدموا الله والمال»[4]، وفي إنجيل لوقا: «لا يقدر خادم أنْ يخدم سيدينِ؛ لأنّه إما أنْ يبغض واحدًا ويحبّ الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أنْ تخدموا الله والمال»[5]. إنّ المحتوى الأخلاقي لهذه الفقرة واضح جدًا، وهي إنّك إمّا أنْ تكون في خدمة الله أو تكون في خدمة المال، ولا يمكنك أنْ تكون في خدمتهما معًا وفي وقتٍ واحد.

كما يمكن العثور على فضيلة «أنْ تكون في خدمة شخصٍ واحدٍ» لدى هوميروس أيضًا. إنّ فكرة «أنْ تكون في خدمة واحدٍ، وأنْ تخدم شخصًّا واحدًا» تعود إلى مسألةٍ أخلاقية، وهي مسألة «الوفاء»[6]. وعلى هذا الأساس فمن الأفضل أنْ يكون للشخص ربٌّ واحد؛ وذلك لأنّ هذا الأمر من شأنه أنْ يؤدّي إلى طريق الوفاء، والوفاء بدوره يُعدّ فضيلةً أخلاقية، وأمّا إذا كان للشخص أرباب عدّة، فإنّه لن

(65)

يكون بمقدوره أنْ يتمسّك بفضيلة «الوفاء»[1]. «أيّها الغريب! إنّه على الرغم من عدم حضوره هنا، بيد أنّي متردد في ذكر اسمه؛ فهو حاضرٌ في فكرتي بقلبه، وكان يحبّني أكثر من غيري، وإنّي لأعدّه صديقي المبجّل وصاحب المنزلة الرفيعة، مهما بعد عني!»[2].

وعلى هذا الأساس فأنْ يكون المرء في خدمة ربٍّ واحد، وأنْ تكون له غايةٌ واحدة، وأنْ يتبع نظامًا واحدًا، يحتوي على مضمونٍ إنساني وأخلاقي، ويمكن عدّه شاخصًا ومعيارًا في الجماعة وفي المجتمع الإنساني؛ حتى وإنْ لم يكن ذلك المجتمع معتقدًا ومؤمنًا بالدين أو الإسلام.

والسؤال المهم الذي يطرح نفسه في هذا الشأن هو: كيف يمكن للتوحيد في الحالة الحضارية المتكثّرة والمتنوّعة على الدوام وتشمل مختلف الأديان والمذاهب والأمزجة الفكرية والعقائدية ـ وذلك في ظلّ التعدّدية والتنوّع الفكري والاعتقادي ـ أنْ يكون شاخصًا ومعيارًا، وأنْ يشمل جميع الأديان والمذاهب الموجودة في تلك الحضارة؟ وفي مورد الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية والتوحيدة لا بدّ من السؤال بالقول: هل توحيدية الحضارة تعني الاعتقاد بالتوحيد من قبل جميع السّكان في هذه الحضارة، أم أنّ المجتمع التوحيدي لا يعني مجتمع الموحّدين، بل يعني المجتمع القائم على مفهوم التوحيد الذي تراعى فيه جميع حقوق الموحّدين وغيرهم، ويتم لحاظ الإنصاف والعدالة في حقّ جميع الأشخاص بمن فيهم الذين لا يعتقدون بالتوحيد أيضًا[3].

(66)

لا بدّ من التذكير في هذا الشأن أولًا وقبل كلّ شيء بأنّ التوحيد في حدّ ذاته له مراتب، وليس من الممكن والمعقول أنْ يكون يكون جميع الموحِّدين في مرتبةٍ واحدةٍ وفي مستوى واحدٍ من الناحية الإيمانية. يمكن العمل على تعميم الحدود الدنيا من التوحيد والمشتركات الفطرية والتوحيدية في المجتمعات الإنسانية الكبرى وتحويلها إلى اعتقادٍ عامّ، والتخطيط من أجل توسيعه وترسيخه وتعميقه في البنية الفردية والاجتماعية. وثانيًا: إنّ توحيدية الحضارة لا تعني بالضرورة أنْ يكون جميع أفراد وأعضاء تلك الحضارة من الموحِّدين، بل الأهم من الأفراد الموحِّدين هو المجتمع الموحّد، إنّ المنظومة التوحيدية والشبكة الموحّدة في المقياس الاجتماعي العام هو الذي يؤدّي حتى بالأشخاص الذين يفتقرون إلى الروابط التوحيدية إلى العمل بشكل توحيدي، وأنْ يعمل الأشخاص الرازحون في المراتب السفلى من التوحيد على الارتقاء نحو الدرجات العليا من توحيدهم.

وباختصار فإنّ التوحيد ليس مجرّد خطابٍ دينيّ وإيماني فقط، بل هو خطابٌ إنسانيّ، يمكن له أنْ يكون مفهومًا ومعقولًا بل ومقبولًا ونافعًا حتى بالنسبة إلى الأشخاص من غير المتدينين أيضًا، وليس للمتدينين فقط. إنّ تحاور النبي يوسف عليه‌السلام مع صاحبيه في السجن على أساس المفاهيم التوحيدية: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[1]، يمكن أنْ يتضمّن على هذا المعنى وهو أنّ التوحيد يمكن أنْ يكون مفهومًا ومفيدًا بالنسبة إلى الجميع. وفي هذه الروية ومن زاوية هذا التفسير والتقرير الإنساني للتوحيد (والقول بأنّ التوحيد بغض النظر عن عقيدة الإنسان وإيمانه، أمرٌ إنسانيّ مطلوب للإنسان بما هو إنسان)،

(67)

يمكن عدّ التوحيد مسألةً إنسانيةً عامة، يمكن لها أنْ تغطي جميع الأنظمة الاجتماعية المتنوّعة، وأنْ يشمل جميع التنوّعات الثقافية والدينية والمذهبية، وتؤدّي إلى الاتحاد والانسجام الاجتماعي.

وبطبيعة الحال لا بدّ من التأكيد على هذه النقطة وهي أنّ التوحيد في مراتبه يشمل التوحيد قبل الإسلام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[1]، كما يشمل التوحيد بعد الإسلام، والتوحيد قبل الإيمان، والتوحيد بعد الإيمان. وإنّ الذي يُعدّ في الحضارة توحيدًا عامًّا وشاملًا هو التوحيد المشترك في حدّه الأدنى قبل الإسلام؛ وفي الوقت نفسه فإنّ لكلّ واحدٍ من توحيد المسلمين وتوحيد المؤمنين آلياته الحضارية الخاصة[2].

إنّ ما تمّ بيانه بشأن «التوحيد»، هو التوحيد بوصفه أمرًا أخلاقيًا وشاملًا لجميع الناس؛ إذ يمكن عدّه شاخصًا ومعيارًا في المسار الحضاري وفي تبلور الحضارة الإنسانية؛ بيد أنّ التفسير الإنساني والأخلاقي للتوحيد لا يعني تجاهل الأبعاد الإلهية له، ولا يعني معياريته بالنسبة إلى «إسلامية الحضارة». وكما يمكن لقاعدة التوحيد أنْ تكون ـ بوصفها أصلًا إنسانيًا وأخلاقيًا ـ شاخصًا ومعيارًا لتبلور حضارةٍ ما، يمكن للتوحيد في مستواه المتقدّم ـ بوصفه أصلًا إلهيًا وإسلاميًا ـ أنْ يكون شاخصًا ومعيارًا بالنسبة إلى «إسلامية الحضارة» أيضًا. إنّ التوحيد بوصفه شاخصًا ومعيارًا لإسلامية الحضارة، يستدعي شواخص ومعايير أخرى تستحق

(68)

التأمل بالنسبة إلى الأبعاد الإسلامية لحضارةٍ ما. ومن بين هذه المعايير والشواخص الإسلامية للحضارة يمكن الإشارة إلى التعدّدية في النماذج التوحيدية.

ومن الجدير ذكره بطبيعة الحال أنّ هذا المقدار من بيان حضارية التوحيد، لن يحلّ جميع النزاعات الحضارية في أمر الشاخص والمعيارية. إنّ من بين نقاط الاختلاف المهمّة في بعض المقولات الخاصة بالتوحيد والحضارة (العدالة والحرية والمساواة)، عبارة عن مرجعية محتوى هذه المفاهيم. وفي الأساس ما هو المرجع في تعيين محتوى هذه المفاهيم العامة ومصاديقها؟ إنّ النظرة العلمانية إلى هذا السؤال تختلف عن الرؤية التوحيدية إلى حدٍّ كبير. تذهب العقلانية العلمانية البشرية إلى عدّ نفسها المرجع الوحيد في تشخيص محتوى هذا النوع من المفاهيم ومصاديقه. في حين أنّ العقلانية التوحيدية على الرغم من اعترافها بالعقل الإنساني، إنّما تعترف بالوحي والتعاليم الإلهية في الدائرة المضمونية لهذه المفاهيم البشرية. إنّ هذه المسألة والرؤية التوحيدية إلى مسألة العدالة والمساواة والحرية، والمفاهيم الأخرى من هذا القبيل، سوف يكون لها انعكاسٌ حضاري، وسوف تجعل العلاقات في ساحة الحياة على أساس ما ورد في الوحي والنبوّة أمرًا مختلفًا.

التعددية في النماذج التوحيدية

لا بدّ من الإشارة أولًا إلى أنّ التكثّر والتعدّدية في النماذج الخاصّة بالغاية الواحدة في كلّ حضارةٍ تعُدّ أمرًا ضروريًا ولازمًا، وكلّما كان مقدار النماذج الخاصة بتلك الغاية أكثر، كان الانسجام الداخلي والهوية الذاتية للحضارة أكبر. وفي الحقيقة والواقع فإنّ توحيدية الحضارة لا تعني البساطة في الحضارة ووحدة صرفة في تلك الحضارة. إنّ كلّ حضارةٍ بمقتضى حضاريّتها تحظى بأبعادٍ من الوحدة والكثرة، وإنّها في وحدتها تعود إلى وحدة غايتها، وإنّ كثرتها تكمن في عناصرها وأجزائها المتنوّعة جدًا والمتكثّرة والمتشعّبة والمعقّدة إلى حدٍّ كبير.

(69)

إنّ أهم مسألةٍ في حضارةٍ ما تكمن بشكلٍ دقيقٍ في هذه النقطة، وهي: كيف تكون النسبة بين ذلك الأمر الواحد، وهذه الأمور المتكثّرة والمعقّدة، وكيف سيكون إمكان التركيب والتزاوج بين الوحدة والكثرة؟ إنّ الذي يحظى بالأهمية في هذا القسم من الجمع بين الكثرة والوحدة في حضارةٍ ما، إنّما هو تكثّر نماذج تلك الغاية الواحدة. وبعبارةٍ أخرى: إنّ التكثّر في المجتمع لا يعني ـ على الدوام وعلى نحو الضرورة ـ عدم وجود الغاية الواحدة وغياب الاتحاد في ذلك المجتمع. إنّ التعددية والكثرة إذا كانت مشتملةً على دلالاتٍ ونماذج خاصّة بغايةٍ واحدة، فإنّ وجود تلك التعددية بل وتكثّر هذه التعدّدية لن يكون غير متنافٍ مع التوحيد في الغاية فحسب، بل وسوف يؤدّي إلى تراكم التوحيد في المجتمع؛ وعلى هذا الأساس فإنّ كلّ حضارةٍ تشتمل في حدّ ذاتها على التعدّدية الثقافية والاجتماعية، يجب عليها الاعتراف بالتعددية، ولكنّها من حيث هويتها الوحدانية، عليها أنْ تحقن في كلّ تعدّديةٍ نماذج توحيدية، وتعمل بذلك على إيجاد وحدةٍ بين التعدديات؛ ومن هنا فإنّ الحضارة إنّما تتحقّق أو تزدهر في حضاريتها، فيما لو أظهرت في تعدّديتها نماذج توحيدية، وأنْ تتمكّن من نشر مظلّتها في مسارها التوحيدي على نطاقٍ أوسع؛ لتشمل جميع المساحات والمؤسسات المتنوعة، وتظلل جميع الأفراد على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم.

إنّ التعدّدية في النماذج التوحيدية تكتسب أهميّتها الكبرى في الرؤية الإسلامية وفي إسلامية الحضارة. ليست تعددية النماذج التوحيدية وحدها هي التي تؤدّي دورًا في تبلور الحضارة الإسلامية، والتراكم التوحيدي للحضارات فقط، بل إنّ ذات هذه التعددية والتكاثر في النماذج يعدّ شاخصًا ومعيارًا في تعيين مقدار إسلامية الحضارة وحجمها أيضًا. وكلّما كان مقدار إسلامية الحضارة أكبر، كانت النماذج التوحيدية فيه أكثر، وكلّما كان مقدار إسلامية الحضارة أقل، كانت النماذج التوحيدية فيه أندر وتكون محدودةً وهامشية أيضًا.

(70)

يضاف إلى ذلك أنّ التعددية في النماذج الإلهية والتوحيدية، لها في الرؤية القرآنية نتائج دنيوية. وفي الأساس فإنّ من بين العناصر والخصائص الحضارية من وجهة نظر القرآن الكريم، ذكر الله واستذكار النعم الإلهية: ﴿فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ[1]. إنّ من أهم النتائج الحضارية المترتبة على الذكر الإلهي، سعة الحياة ورخاؤها، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى[2].

وأمّا تعدّدية الذكر والإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى، فقد ورد التأكيد عليه في عدّة نقاط ومستويات حضارية، ومن بينها مقام الجهاد والمواجهة مع الأعداء والمناوئين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[3]. والنقطة الحضارية الأخرى التي يؤثّر فيها ذكر الله هي بسط الإيمان ونشر المعنويات في نطاق المجتمع؛ إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[4]. وحلّ النفاق أو في الحدّ الأدنى التعرّف على المنافقين في المجتمع التوحيدي، في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا[5]. إنّ الذكر القليل (أو النماذج التوحيدية القليلة) تعدّ في آيات من القرآن ـ وذلك بطبيعة الحال حيث يمكن حسابه أو تقييمه من الناحية الاجتماعية ـ علامةً من علامات النفاق، بل من علامات حزب الشيطان في المجتمع [أو الحضارة]، قال تعالى: ﴿إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ

(71)

قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا[1]. وقال أيضًا: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ[2].

وبذلك فإنّ الإكثار من ذكر الله والآثار الإلهية في المجتمع، يؤدّي إلى حدوث فسحةٍ في الحياة والمعيشة، كما يؤدّي إلى التمييز والفصل بين حزب الله وحزب الشيطان، وفصل تيار النفاق عن تيار الصدق والحق والصواب. ومن الجدير ذكره أنّ جميع هذه الموارد لها قابلية الجري والتطبيق في الأبعاد الحضارية العامّة، وإنّ الآيات بلحاظ إطلاقها تشمل جميع المستويات الفردية والاجتماعية.

2. الخصائص الأخلاقية للحضارة في القرآن

إنّ المراد من المعايير والخصائص الأخلاقية هي الخصائص والمعايير المرتبطة بالسلوكيات الإنسانية في التعامل مع بعضها، إذ يكون لكلّ واحدٍ منها قابلية التحقّق والتعريف على المستوى الحضاري العام. وبطبيعة الحال لا تقع جميع المعايير الأخلاقية موردًا للاهتمام والتأكيد. وإنّ الذي ترد الإشارة إليه من الخصائص والمعايير الأخلاقية في هذا القسم هو من الخصائص والمعايير المختلفة عن الخصائص والمعايير الأخلاقية الحديثة أوّلًا، ويمتلك قابلية البحث والبيان في المستوى الحضاري العام ثانيًا.

الفعل الحسن وردّة الفعل الأحسن («الأحسن» في قبال «الحَسَن»)

إنّ من بين الخصائص والمعايير الأخلاقية المهمّة في بناء الحضارة، الإحسان في العلاقات الإنسانية، بيد أنّ النقطة الأهم هي أنّ الأفعال والأقوال الحسنة، على ما

(72)

ورد في قوله تعالى[1]: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا[2]، و﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا[3]، إنّما تتحوّل إلى أمرٍ ذهبي، وتحدث أمواجًا من الإحسان في المجتمع على المستوى الاجتماعي العام، فيما لو أدّى كلّ فعلٍ حسنٍ إلى فعلٍ حسنٍ آخر، بل ـ وفوق ذلك ـ أنْ يؤدّي كلّ أمرٍ حسنٍ إلى إحسانٍ أكبر وأفضل، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا[4]. لو تمّ التأسيس لهذه القاعدة في المجتمع من الناحية الثقافية، فإنّ أدنى وأقلّ أمرٍ حسنٍ سوف يؤدّي إلى أكبر أعمال الخير في المجتمع وأفضلها وأحسنها، وإنّ هذه السلسلة سوف تستمرّ إلى ما لا نهاية، وإنّ كلّ ردة فعلٍ أحسن سوف تكون جديرةً بسلوكٍ أفضل وأحسن وأكثر في اتجاه الخير، وإنّ هذا المسار لن ينتهي أبدًا[5]. من الواضح بطبيعة الحال أنّ الحضارة الإنسانية إنّما تتجلّى في مراتب اللانهايات. إنّ المسار الحضاري ليس شيئًا آخر سوى أنّ

(73)

المستوى الاجتماعي العام هو على الدوام في حالة إنتاج الحسنات ونشرها وتنميتها في المؤسّسات والأنظمة الاجتماعية والإنسانية. إنّ هذه القاعدة الأخلاقية في القرآن الكريم فيما يتعلّق بقيام ردّة الفعل الحسنة على الفعل الحسن، لا تقتصر على المجتمع الإسلامي وعلى جماعة المسلمين فقط؛ بل يمكن لها أن تُحدث في مجتمعٍ وفي حضارةٍ غير إسلامية أمواجًا من الحسنات، وأنْ تجعل الحضارة في مسارها الحضاري أكثر تحضرًا.

إنّ الأشخاص في المجتمع والحضارة الإسلامية بالإضافة إلى أنّهم يردون على أفعال الخير الصادرة عن الآخرين بأحسن منها، وبذلك تزداد أعمال الخير في المجتمع يومًا بعد يوم، فإنّ الله سبحانه وتعالى يردّ بدوره على كلّ إحسانٍ بأحسن منه، ويجعل فيه النماء والبركة أيضًا. وإنّ هذه النقطة تجعل من الموجات الحضارية للأفعال الحسنة في الحضارة الإسلامية أكثر رسوخًا وثباتًا بكثير. إنّ الفعل الحسن والقول الحسن يتضاعف ويزداد تصاعديًا ـ من خلال الزيادة والبركة التي يجعلها الله سبحانه وتعالى فيهما ـ ويعمل ذلك بطبيعة الحال على تكامل الحقل الحضاري أيضًا. قال الله تعالى:

ـ ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا[1].

ـ ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا[2].

ـ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ[3].

من الجدير ذكره أنّ هذه القاعدة والقانون القرآني المعجز في بناء الحضارة، لا يمكن العثور عليهما في تاريخ الحضارة العلمانية، بل لا يمكن العثور على أثرٍ لهما حتى في الأدبيات والتفكير الحديث أيضًا. إنّ القانون في المجتمع الحديث هو

(74)

الأساس والركيزة في إنجاز أفعال الخير وتنميتها وتكثيرها. وإذا ما تجاوزنا القانون، فإنّ الثقافة العامة لا تستوجب مثل هذه الضرورة في الأخلاقيات بنحو يستشعر كلّ فردٍ من نفسه بالمسؤولية تجاه كلّ أمرٍ حسن، ويرى أنّ عليه أنْ يردّ على إحسان الآخرين إليه بإحسانٍ مماثل، فضلًا عن أنْ يردّه بما هو أحسن وأفضل منه. وأمّا في المجتمع الإسلامي وفي الحضارة الإسلامية، فإنّ كلّ شخصٍ بموجب من دافعه المعرفي والإيماني لا يتخذ موقف الصمت والجمود تجاه ما يحصل عليه من أفعال الخير والإحسان من قبل الآخرين، وإنّما يسعى جاهدًا من أجل العمل على تنميته وتكثيره، ويقوم بتحويل فعل الخير إلى خيراتٍ أكثر بل وأفضل ويقوم بتعميمها على المجتمع أيضًا.

دفع السيئة بالحسنة

إنّ الإعجاز الأخلاقي في القرآن الكريم إنّما يتجلّى في الأبعاد الحضارية، عندما نضيف إلى القاعدة أعلاه، قاعدة «دفع السيئة بالحسنة». ففي المعايير الأخلاقية للحضارة في القرآن الكريم لا يتمّ الاكتفاء بمقابلة الفعل الحسَن بالأحسن والأفضل فحسب، بل ويجب العمل بالإضافة إلى ذلك على دفع السيئة بالحسنة أيضًا. إنّ هذه القاعدة من القواعد الاجتماعية والحضارية الساطعة في القرآن الكريم، تقتضي دفع الفعل القبيح بالفعل الحسن.

ومن الواضح أنّ هذه القاعدة تختلف بالكامل عن العبارة المسيحية المعروفة والتي تقول: «من ضربك على خدّك الأيمن، فدرْ له الأيسر». ففي هذه القاعدة المسيحية يتمّ العمل على إصلاح الفعل القبيح بوساطة مجرّد الصبر والسكوت، (وذلك بطبيعة الحال لو أدّى إلى حمل الفرد الخاطئ على عدم تكرار خطئه)، في حين أنّه في الأدبيات القرآنية يجب القيام في مواجهة الفعل الخاطئ بعملٍ حسنٍ من شأنه أنْ يؤدّي إلى إصلاح الفرد الخاطئ، ولا يعود إلى تكرار فعله القبيح، بل يجب

(75)

أنْ تكون مواجهة الفرد الخاطئ مقرونةً بالإحسان، بحيث لا يندم على اقتراف ما ارتكبه من الفعل القبيح فحسب، بل إنّ الفعل القبيح والسيئ بدلًا من أنْ يوجد تيارًا من السيئات والقبائح، يؤدّي إلى تحقيق سلسلةٍ من الحسنات، وتبلور ردود أفعالٍ حسنةٍ وأحسن. وبعبارةٍ أخرى: من خلال العمل الصالح في قبال الشخص الخاطئ، والإحسان إلى الفرد الذي ارتكب القبيح، يتم تمهيد الطريق إلى إصلاح الفرد والمجتمع، والحيلولة دون تسلل المعاصي إلى المجتمع. ويمكن أخذ هذا المضمون من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ[1]، والتي لا تعمل فيها حسنات الفرد على رفع سيئاته فقط، بل إنّ حسنات الفرد حيث تكون في إطار ردّة الفعل تجاه سيئات الآخرين، فإنّها تستوجب التوبة وترك تلك السيئة من قبل الآخرين أيضًا. لا شكّ في أنّ هذا التفاعل بين السيئة والحسنة يخلق في العلاقات الاجتماعية على المستوى الخاصّ والعامّ حالةً ذات تداعياتٍ بالغة التأثير. وقد ورد هذا المعنى بشكل صريح في الآية الرابعة والثلاثين من سورة فصّلت، إذ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ[2]. وكذلك فقد وردت الإشارة إلى هذا المضمون في الخلاص من شرور المعاصي والسيئات من طريق فعل الحسنات، في كثيرٍ من الآيات، كما في قوله تعالى:

ـ ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ[3].

ـ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ[4].

(76)

وعلى هذا الأساس ففي الرؤية الإسلامية ليس مجرّد التسامح والمداراة وحده هو الذي يسيطر على التضاد والتزاحم بين الأشخاص فقط، بل الأهمّ من ذلك هو العفو والصفح، بل والإحسان إلى الشخص الخاطئ أيضًا. وكذلك فإنّ التسامع في المجتمع الحديث إنّما هو تسامح من أجل السيطرة على العنف والحيلولة دون الأفعال الغاضبة والمتشنجة في المجتمع حيث ينظر الأفراد فيه إلى بعضهم بوصفهم ذئابًا مفترسةً (الاتجاه السلبي)؛ بيد أنّ التسامح في الثقافة الإسلامية، ليس من أجل اتقاء شرور الآخرين، وإنّما في اتجاه العمل على تكريم الآخرين الذين يرزحون في حالةٍ من الخطأ والمعصية، كما لا ينبغي للشخص أنْ يكون بصدد الإسراع والتعجيل في الانتقام وتسهيل العقوبة.

وبالإضافة إلى هذه الخصائص والمعايير الأخلاقية المذكورة آنفًا، يمكن استلهام واستنباط معايير وخصائص أخرى للإنسان النموذجي والإنسان الصانع للحضارة من القرآن الكريم أيضًا. إنّ معيار الإنسان الحديث في الرؤية الحداثيّة عبارةٌ عن «الكرامة الإنسانية»[1]، في حين أنّ الرؤية الإسلامية بالإضافة إلى الكرامة الإنسانية ـ الواردة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ[2]، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ

(78)

أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[1] ـ تعدّ العزّة الإنسانية[2] في غاية الأهمية، وتجعل الإنسان أقرب إلى عتبات الحضارة. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الكرامة قيمةٌ فرديةٌ وفي الحدود الدنيا للإنسان، ولا توصله بالضرورة إلى مستوى «تحقيق الأمّة»؛ في حين أنّ العزّة الإنسانية إنّما تنظر إلى القيمة الاجتماعية في الحدود الإنسانية القصوى، حيث توصله إلى أعتاب التحوّل إلى بناء الأمّة في المجتمع وتجعل منه فاعلًا حضاريًا، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[3]. إنّ مسألة «العزّة» تبعًا لأدبيات وأفكار الغرب ـ للأسف الشديد ـ قلما تمّ الاهتمام بها في موضوعاتنا الأنثروبولوجية وفي أفكارنا الاجتماعية أيضًا. إنّ «العزّة» في المفهوم الغربي الحديث، تعدّ مخالفةً للديمقراطية، كما أنّ العزّة في التفكير المسيحي تأتي على خلاف التواضع[4]؛ ومن هنا فقد تمّت الاستفادة في الأدبيات الأنثروبولوجية الغربية من لفظ «الكرامة» بشكل أكثر بكثير من مصطلح «العزّة». هذا في حين أنّ العزّة في المفهوم الإسلامي لا تعدّ مخالفةً للتواضع ولا مخالفةً للديمقراطية، بل هي من أهمّ المقولات والمفاهيم الإنسانية والاجتماعية، إذ لا ينبغي أخذها بنظر الاعتبار في مقياس المجتمعات الصغيرة فقط، بل هناك كثيرٌ من الأرضيات في مقولة العزّة في الحقل الحضاري، حيث يمكن العمل ـ من خلال تفعيل وتثوير أرضياتها وظرفيتها ـ على جعل العزّة الإنسانية واحدةً من الخصائص المهمة في الحضارة الإسلامية، والعمل بذلك على تحدّي سائر الحضارات[5].

وبالإضافة إلى الإنسان والعزّة الإنسانية، يمكن عدّ موضوع الكوثر والخير

(79)

الكثير بدوره واحدًا من عناصر وخصائص الإنسان الصانع للحضارة، أو المرأة الصانعة للحضارة في الحدّ الأدنى. إنّ المرأة إنّما يمكن لها أنْ تؤدّي دورًا حضاريًا وتعمل على إيصال نفسها إلى الأعتاب الحضارية، فيما لو كان دورًا كبيرًا وعظيمًا (المرأة بوصفها أمّة). ومن الواضح أنّه لا يمكن مشاهدة صيرورة المرأة المسلمة أمّة، إلّا من خلال تحوّل النساء إلى كوثر. ومن ناحية أخرى قد يمكن القول بأنّ المرأة الكوثر لا تؤدّي دورًا في بلورة الحضارة فحسب، بل كلّما كان حجم الازدهار والرقي في حضارةٍ ما أكبر، فإنّ النساء فيه سوف يزدهرن ويرتقين بدورهن على المستوى العملي أيضًا، وإنّ ذات هذا الرقي وكثرة الحسنات وتراكمها هو الذي يعمل على تنمية الإنسانية الوجودية للنساء، ويصنع منهنّ نساءً صانعات للحضارة.

3. الخصائص الاجتماعية للحضارة في القرآن الكريم

إنّ من بين الخصائص والمعايير القرآنية المهمّة في المشروع الديني للحضارة، هو النصح والنصيحة الاجتماعية[1] في مرحلةٍ ما، والأمر بالمعروف[2]، والأمر بالقسط والعدل[3]، والنهي عن «الفحشاء»[4]، و«الفساد»[5]، و«السوء»[6]، و«المنكر»[7] من جهةٍ أخرى. من الواضح جدًا أنّ مثل هذا العنصر في الوحدة الاجتماعية العامّة، مقولةٌ حضاريةٌ تمامًا، وتعدّ شاخصًا ومعيارًا في تقييم مسار الصيرورة الحضارية والدينية لتلك الحضارة. والنقطة المهمة الموجودة في هذا الشأن هي أنّ النصح والنصيحة في الأساس، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة القسط والعدل،

(80)

كلّها مقولاتٌ تحدث بين الناس وفي المهد الثقافي للمجتمع. وفي الحقيقة فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقع بين الناس وأفراد المجتمع؛ كما أنّ عنصر القسط والعدل ليس شيئًا آخر غير الناس أنفسهم. وبعبارةٍ أخرى: إنّ العدالة من هذه الزاوية قبل أنْ تكون منحةً يمنّ بها الساسة والحكّام على المواطنين، إنّما هي هبةٌ يقدّمها الناس إلى بعضهم، إذ يراعون جانب الإنصاف في حقّ بعضهم[1].

إنّ العنصر الآخر الذي يمكن الحديث عنه بوصفه شاخصًا اجتماعيًا في القرآن الكريم، هو الإصلاح بين الناس[2]، أو إرادة الإصلاح في المجتمع، قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا[3]. أو أصل مطلق الإصلاح والعمل على تدارك السيئات والآفات الاجتماعية، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ[4]. لا شكّ في أنّ الإصلاح بين الناس، وبين الشعوب والمجتمعات الإنسانية والإسلامية مقولةٌ دينيةٌ وإسلاميةٌ وقرآنيةٌ تعمل على إزالة الموانع المخلّة بمنظومة العلاقات الإنسانية، كما أنّها تعمل على تسهيل العلاقات الإنسانية في الحضارة. إنّ الإصلاح ـ وذلك في المستويات الاجتماعية العامة بين مختلف المؤسسات والأحزاب والتيارات الكبرى والأديان الإبراهيمية والمذاهب الإسلامية ـ يؤدّي إلى بلورة وتنظيم العلاقات الإنسانية، ويستوجب تحقّق أحداثٍ إنسانيةٍ كبرى في مستوى الحضارة؛ إذ يمكن مشاهدة نموذج ذلك عند الانتقال من المجتمع الجاهلي إلى العصر الإسلامي في تاريخ الإسلام. إنّ بسط هذا المعنى والمفهوم وبيان أبعاده الاجتماعية ونتائجه الثقافية والحضارية، ولا سيّما بالمقارنة مع الحضارة العلمانية في الغرب، يعمل على توضيح الخصائص الدينية الخالصة في حضارةٍ ما ومستقبل

(81)

الحضارة الإسلامية، ويجعل إسلامية الحضارة أمرًا مفهومًا بشكل أكبر.

ويمكن عدّ الشاخص الاجتماعي الآخر في الحضارة ـ من وجهة نظر القرآن الكريم ـ هو الأخوّة الإنسانية، إذ لا يقوم نظام العلاقات الإنسانية والاجتماعية فيه على أساس القانون فقط، بل وعلى أساس التقارب الإنساني (في الأخوّة الإنسانية) والأخوّة الدينية (في الأخوّة الدينية والإسلامية) أيضًا. إنّ الذي من شأنه أنْ يجعل مقولة الأخوّة مفيدةً ومفهومةً، بل ويعمل على تحويلها إلى شاخصٍ ومعيارٍ مهمٍّ في المشروع الحضاري، عبارةٌ عن شمولية الأخوّة الإنسانية وتنمية وتطوير هذه الأخوّة الإنسانية ذاتها ضمن الأخوّة الإسلامية. وبعبارةٍ أوضح: إنّ الأخوّة الإنسانية ـ التي هي أخوّةٌ منبثقةٌ عن المشتركات الإنسانية ـ تعمل من تلقائها على خلق أرضية التناغم والانسجام الاجتماعي العام، وذلك على أساس الفطرة الإنسانية المشتركة. والأهم من ذلك هو أنّ الأخوّة الدينية والإسلامية ليست أخوّةً خارجةً عن أطر الأخوّة الإنسانية؛ بل هي امتدادٌ وتكاملٌ للأخوّة الإنسانية. وفي الحقيقة فإنّه من خلال الاستعانة بالوحي والتعاليم الدينية في الإسلام ومن خلال العمل على تطوير الفطرة تشتدّ الأخوّة بين الناس أولًا، وثانيًا يحصل المسلمون ـ في ضوء التربية الإسلامية ـ على مزيدٍ من الأنس بالأشخاص الآخرين، ويبدأون بإدراك الكرامة والقيمة الإنسانية للأشخاص الآخرين أكثر من ذي قبل.

والمقولة القرآنية الأخرى التي تعدّ من جملة العناصر والخصائص الحصرية للحضارة في الرؤية الإسلامية، هي مقولة التقوى. فعلى الرغم من أنّ التقوى تبدو في النظرة الأولى مسألة فرديةً وباطنية، ولكن بعد التدقيق في الآيات الخاصة بالتقوى ندرك أنّها تنطوي على أبعادٍ اجتماعيةٍ أيضًا، وأنّها تستوجب الحصانة الاجتماعية في مواجهة الأعداء؛ إذ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ

(82)

شَيْئًا[1]، كما تستوجب تحقيق النصر الإلهي المؤزّر، إذ يقول تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ[2]، وتستوجب الرخاء ونزول البركات السماوية والأرضية، إذ يقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ[3] أيضًا. واللافت هو أنّ التقوى في بعض الآيات لا تنحصر بالمسلمين فقط؛ بل يمكن لأهل الكتاب أنْ يكونوا من أهل التقوى أيضًا؛ كما أنّ التقوى في ضوء الآيات الأولى من سورة البقرة ترد بوصفها ظاهرةً تأتي قبل الإيمان وليس بعده. فإنّ التقوى هي التي تعمل على تمهيد أرضيات الإيمان بالكتاب والعمل به. والنقطة المهمة في البين هي إمكان تأسيس التقوى في العقلانية العامة في المجتمع، حيث يمكن لها في ضوء قول مارشال هاجسن أنْ تستوجب الانسجام والهوية والاتحاد في المستويات الحضارية العامة، وتقضي على العناصر المخلّة في النظم الاجتماعي وأنظمة العلاقات الإنسانية. ومن هذه الزاوية لو تبلورت المؤسسات والأنظمة الاجتماعية والدينية على أساس التقوى، سوف يكون لها ماهيةٌ مختلفةٌ عن الآليات الاجتماعية الخاصّة منها إلى الأنظمة التي لا تقوم على أساس التقوى، بل على أساس المعاصي والفساد[4].

(83)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2.  نهج البلاغة. 
  3. إنجيل لوقا، ترجمة فان دايك (SVD: Smith Van Dyck Arabic Bible)

Blue Letter Bible. Accessed Aug, 2024. https://www.blueletterbible.org/verse/svd/luk/16/13/

  1.  إنجيل متی، ترجمة فان دايك (SVD: Smith Van Dyck Arabic Bible)

 Blue Letter Bible. Accessed 17 Aug, 2024. https://www.blueletterbible.org/svd/mat/6/1/ss0/rl0/t_conc_935024

  1. بابائي، حبيب الله، رنج عرفاني و شور اجتماعي، طهران، انتشارات علمي فرهنگي، 1393 هـ.ش.
  2. هومر، اديسة، ترجمه سعید نفیسي، طهران، انتشارات علمي فرهنگي، 1378 هـ.ش.
  3. Lawrence C. Becker, Charlotte B. Becker (editors); Encyclopedia of Ethics; Routledge, 2001.

 

 

 

 

 

(84)

 

 

الأداء الحضاري للقرآن الكريم
 دراسةٌ تمهيديةٌ في حقل الحضارة الإسلامية المتقدّمة[1]

محسن ألويري[2]

إنّ الحديث عن الحضارة يضعنا أمام موضوعين مختلفين، وهما: 1. التراث الحضاري للبشر، 2. الأفق الحضاري للبشر.

إنّ الموضوع الأول يرنو إلى الماضي ويكون ناظرًا إلى ميراث ومكتسبات الأزمنة السابقة، وأمّا الموضوع الثاني فهو ينظر إلى المستقبل وإلى الإبداعات والمعطيات الحضارية الجديدة للبشر. إنّ لكلّ واحدةٍ من هاتين المساحتين مسائلها الخاصة، كما أنّهما تشتركان في بعض المسائل أيضًا. إنّ كيفية تأثير الدين والتعاليم الدينية على بلورة الحضارة، يمكن أنْ يندرج ضمن المسائل المشتركة، ولكن حيث نتحدّث عن الدين الإسلامي ـ على سبيل المثال ـ وننظر إلى الماضي يجب أنْ نتحدّث في إطار التقريرات الخبرية عن دور الإسلام والقرآن في الحضارة الإسلامية المتقدّمة، وعندما ننظر إلى المستقبل، يجب أنْ نبحث في إطار القضايا الإنشائية والمعيارية عن الدور الذي يمكن للإسلام والقرآن أنْ يضطلع به في الحضارة الإسلامية الجديدة.

(85)

لقد سعينا في هذه المقالة ـ من خلال الاستفادة من أسلوب التحقيق السندي، في معرض الإجابة عن السؤال عن الدور الحضاري الذي يؤدّيه النصّ الديني الأهم عند المسلمين ـ إلى إلقاء نظرةٍ عامةٍ على دور القرآن الكريم وموقعه في الحضارة المتقدّمة للمسلمين، والحصول في ضوء نتائجها على عددٍ من القضايا المعيارية بشأن الحضارة الإسلامية الجديدة. وعلى هذا الأساس فإنّ المساحة التحقيقية لهذه المقالة هي الحضارة الإسلامية السابقة للمسلمين التي انعكست على نحو الإجمال في ذلك الإدراك الذهني عن مجموعةٍ من المعطيات الصلبة والمرنة لمجتمع المسلمين الكبير، وتبلورت بشكلٍ متناغمٍ مع المفاهيم الإسلامية، وقامت على أساسها، وتأثّرت بالإسلام إلى حدٍّ كبير، وكانت هي الحضارة الأكبر في العالم على مدى سبعة قرون. وإذا كان هناك من اختلافٍ في أوجه النظر بين العلماء حول جزئيات مثل هذا الفهم عن الحضارة الإسلامية، فإنّ هذا المقدار من الاختلاف بين الآراء لا يؤثّر في بنية هذه المقالة ومحتواها، ومن هنا فإنّنا لن نتوقف عند هذا الموضوع كثيرًا.

دور القرآن الكريم في تكوين الحضارة الإسلامية

من خلال نظرةٍ داخليةٍ، نجد أنّ القرآن الكريم يشتمل على مفاهيم حضارية، يمكن بيانها في إطار ألفاظٍ تشتمل على مفهومٍ حضاري عام، من قبيل: الآثار، والبلد، والتمكّن، والحياة الطبية، والعمران، والتشجيع على الرؤية الحضارية، والقوانين الحاكمة على الحضارات، وتقديم معلومات حول البلدان والأمم ذات التراث الحضاري، وأجزاء حضارةٍ ما، والمظاهر الحضارية، والشخصيات المؤسسة للحضارة أو المدمّرة لها. وكذلك من خلال النظرة الخارجية، نجد أنّ القرآن الكريم بالإضافة إلى التأثير على الروح العامّة للحضارة الإسلامية وتوجهاتها، فإنّه كان مؤثّرًا في المعطيات والمظاهر الحضارية للمسلمين أيضًا. إنّ هذا التصوير الذي تقدّمه

(86)

هذه المقالة يقوم على هذه الفرضية القائلة بأنّ الحضارة ـ كما هو الحال بالنسبة إلى كلّ مجموعةٍ بشريةٍ حيّة ـ بالإضافة إلى ما تشتمل عليه من الأجزاء والأبعاد والأضلاع، فإنّها تشتمل على روحٍ عامّةٍ، إذ تعدّ من الأمور التي تضفي الهوية من خلال إعطاء الأجزاء منطق تركيبها.

لا بدّ من التذكير بأنّ الرؤية الشمولية لهذا المقالة لا تتنافى مع مسألتها المحورية؛ وذلك لأنّ الخطوة الأولى في الموضوعات المستحدثة وذات المساحة الواسعة عبارة عن الحصول على صورةٍ عامّةٍ وشاملةٍ من شأنها العمل على تجسيد شكل الأجزاء الخاصّة والجزئية لمسألةٍ ما، وهذه المقالة لا تدّعي أكثر من ذلك.

أ. تأثير القرآن على الروح العامّة وتوجّهات الحضارة الإسلاميّة

إنّ كلّ حضارةٍ تقوم على سلسلةٍ من المعتقدات والقِيَم، ولا شكّ في أنّ الأديان لمّا كانت تشتمل على هذه المعتقدات والقيَم، فإنّ بإمكانها أنْ تؤدّي دورًا في بلورة الحضارات[1]. وبالإضافة إلى علماء الدين فقد ذهب الباحثون في تاريخ الحضارات من أمثال: ول ديورانت وتوين بي، وحتى المنظرين المعاصرين من أمثال صاموئيل هانتنغتون إلى التصريح بأنّ الأديان تعدّ من الخصائص البارزة والركن الرئيس في الحضارات[2]. وبطبيعة الحال هناك من الباحثين في الشأن الحضاري ـ من أمثال حسين مؤنس ـ من لم يرَ موقعًا للدين في ظهور الحضارة وبقائها[3]. وفي حقل

(87)

الدراسات الميدانية أثبت ماكس فيبر في كتابه المعروف بعنوان (أخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية)، بوضوحٍ تامٍ كيف تأثّرت الحضارة الغربية الحديثة في ضوء محورية النظام الرأسمالي بالأخلاق الدينية للفرق والمذاهب المسيحية البروتستانتية[1]. يمكن لنا أنْ نتوقّع فيما لو تمّ القيام بتحقيقاتٍ في هذا المستوى بشأن سائر الأديان والحضارات الأخرى، فسوف تنتج عنها معطياتٌ ونتائج قيّمةٌ للغاية.

وفيما يتعلّق بتأثير المفاهيم الإسلامية على نسيج الحضارة الإسلامية وروحها، تمّ تقديم دراساتٍ نافعةٍ تُعدّ قيّمةً في نوعها[2]، ولكن لو نظرنا إلى السهم الحضاري للقرآن الكريم بشكلٍ مستقلٍ وعلى نحوٍ خاص، أمكن لنا في تقييمٍ متماهٍ عدّ الأبحاث والتحقيقات المنجزة في هذا الشأن نشاطًا في حدود الخطوات التمهيدية. إنّ كيفية وحجم تأثير القرآن الكريم في الحضارة الإسلامية قد تمّ بحثه من قبل المفكّرين المسلمين بأنحاء مختلفة، وكانت هذه الأبحاث على الدوام تتم بنحوٍ عابرٍ وعامٍّ تقريبًا. لقد تحدّث العلّامة الطباطبائي في الفصل الأول من كتابه القرآن في الإسلام تحت عنوان «قيمة القرآن لدى المسلمين» ـ بعد بيان ثلاث مقدّمات ـ عن كيفية

(88)

تخطيط القرآن لحياة الإنسان منذ انطلاق عزيمة المعتقدات إلى النقطة الغائية من السلوكيات[1]. وبطبيعة الحال فإنّ العلامة الطباطبائي لا يأتي في هذا الكتاب على ذكر عنوان الحضارة، بيد أنّ رؤيته إنّما هي ناظرةٌ إلى كيفية تأثير القرآن الكريم على الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان في الوصول إلى ذروة الكمال. كما أنّه في هامش تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون[2]. قد أشار بنحوٍ خاصّ إلى التربية الإنسانية في القرآن الكريم، التي تقوم على مفاهيم ومعارف خاصة، وبهذه المناسبة يُشير إلى أحد المستشرقين ـ دون ذكر اسمه ـ ويقول إنّه يرى أنّ المعارف الدينية للإسلام لا تعدو أنْ تكون مجرّد مجموعةٍ من الأمور الأخلاقية التي تمثّل الجوهر المشترك لدعوة جميع الأنبياء، ولا يرى صلةً بين هذه المعارف والحضارة التي ظهرت بين أتباع هذا الدين كنتيجة للإسلام. إنّ العلّامة بعد ردّه على هذه النظرية، قد استدلّ على أنّ النتيجة تنبثق عن المقدّمات وأنّ العلامات الخارجية للحضارة الإسلامية، إنّما هي نتيجةٌ طبيعيةٌ للمعارف والمفاهيم التي حصل عليها بُناة هذه الحضارة من الإسلام، وأنّ الدين الذي لم يدعُ الإنسان إلى كماله الحقيقي، لا يمكن أنْ ينطوي على مثل هذه النتائج والمعطيات.

يذهب العلامة الطباطبائي ـ في ضوء هذه القراءة ـ إلى الاعتقاد بأنّ الدين الإسلامي قد دعا عباده الصالحين وجموع العلماء الربانيين وأولياءه المقرّبين، إلى بناء المجتمع الإنساني المتكامل، وأنّ هذا الأمر ذاته المتجذّر في المفاهيم القرآنية الناظرة إلى عبادة الله وحبّ الخير وتفضيل البُعد الربوبي على البُعد البشري، قد عمل على تأسيس نوعٍ خاصٍّ من الحضارة[3].

(89)

وبطبيعة الحال فإنّ السؤال القائل: ما هي الطائفة من المعتقدات والقيَم القرآنية التي كانت بشكل خاصٍ هي الأساس والمبنى للحضارة الإسلامية المتقدّمة؟ هو ـ مثل سائر الأبحاث الأخرى ـ لم يخضع بَعدُ للبحث والتحقيق بشكلٍ واضحٍ وعلى نطاقٍ واسع، بيد أنّ جميع الباحثين والمحقّقين تقريبًا، يستندون في هذا الحقل إلى الموقع المحوري لمفهوم التوحيد والقرآن الكريم. وقد تمّت الإشارة في بعض الأحيان إلى مفاهيم، من قبيل: المعاد، والعدل، وحرية الإنسان، وموقع العلم وأهميته أيضًا[1]. وعلى كلّ حال فإن المسلمين ـ كسائر أتباع الأديان الأخرى ـ قد نظروا بتأثيرٍ من كتابهم الديني المقدّس إلى الحياة بنظرٍ خاص، وعاشوا حياتهم الخاصة، وأقبلوا على نمطٍ خاصٍّ من السلوكيات، وأعرضوا عن الأنماط الأخرى، وأبدوا رغبةً في بناء نوعٍ خاصٍّ من الأسس، وغضّوا الطرف عن الأنواع الأخرى؛ إذ استتبع هذه المجموعة نوعٌ خاصٌّ من الحضارة؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ كيف يمكن تجاهل تأثير المفاهيم القرآنية حول الواجبات والمحرّمات والمستحبات والمكروهات فيما

(90)

يتعلّق بالأطعمة والأشربة، والثياب وأدوات الزينة، والطهارة وما إلى ذلك في الحياة الاجتماعية للمسلمين، وما يستتبع ذلك من إقامة المراكز الحضارية؟

إنّ كلّ حضارةٍ تعمل بالتدريج على بناء قواعدها وأسسها وأبنيتها وأنظمتها ومؤسساتها بتأثيرٍ من عقائدها وقيَمها الجوهرية، وكذلك فيما يتعلّق بالحضارة الإسلامية المتقدّمة كان هذا المسار ذاته متأثرًا بالمفاهيم والتعاليم القرآنية أيضًا. كما يمكن تعميم هذه النقطة حتى على المفاهيم الحضارية للقرآن الكريم والتي سبق لنا أنْ أشرنا إليها أيضًا؛ بمعنى أنّ جهود المسلمين المبذولة من أجل فهم القرآن، تدفع بهم وإنْ على نحوٍ تلقائي وغير مقصودٍ نحو المفاهيم والأبحاث الحضارية في القرآن الكريم؛ من ذلك لو أنّ القرآن ـ على سبيل المثال ـ قد أشار إلى الحضارات السابقة أو الشخصيات التي أسهمت في بناء الحضارات، أو إلى عناصر حضارةٍ ما من قبيل المعادن والصناعات والعلوم، فإنّ هذا الأمر يلفت أنظار المسلمين بشكل طبيعي إلى هذه الظواهر، وإنّ توجّه المسلمين إلى بيئة حياتهم الطبيعية قد شكل في حدّ ذاته بدايةً لسلسلةٍ متواصلة الحلقات من النشاطات العلمية؛ حيث يمكن لنا أن نطلق عليها مصطلح النشاطات الحضارية.

ب. تأثير القرآن الكريم على أجزاء ومظاهر الحضارة الإسلامية

بالإضافة إلى تأثير القرآن الكريم على الروح العامّة للحضارة الإسلامية وتوجهاتها الأساسية، فقد ترك تأثيره على أجزاء ومظاهر الحضارة الإسلامية أيضًا. وفيما يلي سوف نواصل بحث هذا الموضوع ضمن أربعة محاور رئيسة. وبطبيعة الحال فإنّ من بين فرضيات هذه المقالة هو الارتباط الوثيق بين التنمية والتقدّم وبين الحضارة؛ بمعنى أنّ هذين الأمرين ليسا موضوعين مختلفين عن بعضهما تمامًا، وإنّما يكمن الاختلاف بينهما في المؤدّى والنتيجة فقط. فإنّ التقدّم والتنمية مسارٌ يؤدّي إلى الحضارة، وإنّ الحضارة بدورها إنّما هي نتيجةٌ ومؤدّى لهذا المسار. إنّ

(91)

الحضارة تتحقّق من خلال تراكم التنمية، وإنّ التطوّر والتنمية خطواتٌ ومراحل تبلور الحضارة. ونتيجة لذلك لو أنّ آيةً أمكن لها أنْ تعكس رؤية القرآن الكريم في حقل التنمية والتطوّر، فإنّ هذه الآية سوف تصلح في مختلف الموارد؛ لتكون مستندًا لرؤية القرآن الحضارية أيضًا. إنّ المحاور المنشودة في هذا القسم ـ في ضوء نتائج الدراسات الحضارية المتعارفة ـ عبارة عن:

1. تأثير القرآن على العلوم السائدة في رقعة الحضارة الإسلامية.

2. تأثير القرآن على الفنون السائدة في رقعة الحضارة الإسلامية.

3. تأثير القرآن على الفضاءات البيئية لحياة المسلمين في رقعة الحضارة الإسلامية.

4. تأثير القرآن على الحياة الاجتماعية للمسلمين في رقعة الحضارة الإسلامية.

إنّ منطق اختيار هذه المحاور وتجاهل المحاور الأخرى يقوم على أساس التركيز على المساحات الأصلية لمظاهر حضارةٍ ما، ومن بينها الحضارة الإسلامية.

1. تأثير القرآن على العلوم السائدة في رقعة الحضارة الإسلامية

مهما كان تعريفنا للحضارة، فإنّ دور العلم في ظهورها وتواصلها بارزٌ بشكلٍ ملحوظٍ لا يخطؤه النظر. إنّ أحد الاتجاهات في دراسة الحضارة هو الاتجاه الذي يرى السهم الأكبر للعلم، وربما أمكن التعبير عن هذا الاتجاه بالتوأمة بين العلم والحضارة[1]. كما أنّ للعلم منزلةً رفيعةً في منظومة المعارف القرآنية وأنّ كثيرًا من آيات القرآن الكريم قد أثنت على العلم وقامت بتبجيل العلماء[2]. يُضاف إلى ذلك أنّ

(92)

كثيرًا من آيات القرآن الكريم ترتبط بمختلف حقول العلوم، وهناك من يرتقي بعدد الآيات العلمية في القرآن الكريم من (675) آية إلى (1322). وعلى كلّ حال فإنّ بعض الكتّاب والمؤلّفين يذهبون إلى الاعتقاد بأنّ الحركة العلمية الكبرى للمسلمين إنّما كانت بدايتها بتأثيرٍ من هذه المفاهيم القرآنية. فقد عمد العلّامة الطباطبائي إلى تخصيص الفصل الرابع من الفصول الخمسة من كتابه (القرآن في الإسلام) بـ «علاقة القرآن الكريم بالعلوم»[1]. وقال سماحته بعد إطلالةٍ على مفاد بعض آيات القرآن الكريم: «بهذا الشكل الخاص [فإنّ القرآن الكريم] يدعو إلى تعلم العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية والفنون الأدبية، وسائر العلوم التي يمكن أنْ يصل إليها الفكر الإنساني، يحثّ على تعلمها لنفع الإنسانية وإسعاد القوافل البشرية»[2].

يمكن تقسيم دور القرآن الكريم في ظهور العلوم على أساس نوع تأثير القرآن، إلى ثلاثة أقسام:

أ. العلوم التي تأسّست لغرض خدمة القرآن وفهمه: لقد شكل القرآن الكريم نقطة انطلاقٍ لتأسيس علوم من قبيل: قراءة القرآن الكريم، والتجويد، والتفسير، وعلوم اللغة والصرف والنحو، والعلوم الخاصة بالمحسّنات اللفظية والبلاغية. إنّ هذه العلوم قد تمّ التأسيس لها في الأصل من أجل التعرّف على طريقة النطق والتلفظ الصحيح والجميل لألفاظ القرآن، ومعرفة بنية الكلمات القرآنية وتركيبها، ومعرفة تركيبة العبارات القرآنية وصياغتها، والتعرّف الصحيح على معاني القرآن، وعلى الرغم من أنّ بعضها ـ من قبيل: النحو والصرف ـ قد تمّ العمل على تطويرها لاحقًا لتنفصل عن منشئها الأصلي، ويتمّ توظيفها في خدمة فهم اللغة العربية بشكلٍ عام، ولكنّها في الوقت نفسه ظلّت ـ ولا تزال ـ تستند إلى آيات القرآن الكريم،

(93)

وتستشهد بها على نطاقٍ واسع.

وقد صرّح الراغب الإصفهاني في مقدمة كتابه (مفردات ألفاظ القرآن في غريب القرآن)، قائلًا: «ذكرت أن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية، ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيل معنى مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل العلوم المعاونة لمن يريد أنْ يدرك معانيه، كتحصيل اللبن في كونه من أول معاون في بناء ما يريد أن يبنيه»[1]. وإنّ العلوم التي تعدّ اليوم من بين العلوم القرآنية، من قبيل: علم المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، التي كانت في بداية أمرها علوم مستقلة، قد ظهرت بشكلٍ واضحٍ ومباشرٍ بتأثيرٍ من القرآن الكريم[2].

ب. العلوم التي تمّ وضعها خدمة لفهم الدين وكانت على صلةٍ مباشرةٍ وعميقةٍ بالقرآن الكريم: إنّ نقطة بداية هذه الطائفة من العلوم لم تكن من القرآن على نحوٍ مباشرٍ بالضرورة، بيد أنّ هذه العلوم كانت في بدايتها على صلةٍ وثيقةٍ وعميقةٍ بالقرآن في مختلف أقسامها، وكانت مدينةً للقرآن الكريم في مبانيها ومسائلها. ويمكن أنْ نذكر من بين هذه العلوم: علم الكلام، وعلم الأخلاق، وعلم الفقه، وعلم التاريخ، وعلم العرفان، بل وحتى علم الفلسفة أيضًا.

ج. العلوم التي تمّ تأسيسها تلبيةً لاحتياجات المجتمع الإسلامي: إنّ هذه العلوم لم يكن تأسيسها لخدمة فهم القرآن، ولا لفهم الدين، بل كان لها في الغالب

(94)

منشأٌ من خارج الدين، وكانت موجودةً حتى قبل ظهور الإسلام أيضًا، فكانت في الحقيقة من أجل خدمة الناس وناظرة إلى تلبية احتياجاتهم. وهي علوم من قبيل: علم الفلك والهيئة ومواقع النجوم، وعلم الجغرافيا، وعلم الطب، بل ويمكن عدّ حتى الفلسفة والعلوم الأدبية بوصفها من أهم نماذج هذه العلوم أيضًا. وقد كان للقرآن الكريم تأثيرٌ في الحثّ والتشجيع على تعلّم هذه العلوم ونشرها، وقد عمل القرآن على إعادة تعريف مبانيها، بل وقد أوجد لها مسائل مستحدثة أيضًا. قال العلّامة الطباطبائي في كتابه (القرآن في الإسلام) صراحة: «يمكن القول بصراحة إنّ القرآن هو الدافع الأول لاشتغال المسلمين بالعلوم العقلية من طبيعية ورياضية بشكل النقل والترجمة من اللغات الأخرى في البداية، ثم استقلّوا في الاشتغال بها، والابتكار في موضوعاتها، والتفريع في مسائلها، والتحقيق في مباحثها الهامة»[1].

إنّ إحالات واستنادات هذه العلوم إلى القرآن الكريم، والاستفادة من العبارات والمصطلحات القرآنية، من قبيل ما نشاهده في حقل الشعر والأدب العربي والفارسي في توظيف الأيمان والتمثيلات والكنايات والاستعارات والمجازات القرآنية، يمكن أن يكون شاهدًا على تأثير القرآن الكريم في هذه الطائفة من العلوم.

2. تأثير القرآن الكريم على الفنون السائدة في رقعة الحضارة الإسلامية

لو جعلنا تأثير القرآن الكريم في ظهور بعض العلوم، وتأثيره في كيفية استمرار بعضها

(95)

الآخر، من أهم تأثيرات القرآن في المظاهر الحضارية، فلا شكّ في ضرورة الحديث بعد ذلك عن تأثير القرآن الكريم في الفنون الشائعة بين المسلمين أيضًا. وفي هذا الشأن يمكن تقسيم الفنون إلى طائفتين أيضًا، وهما:

أ. الفنون التي ظهرت مباشرة من أجل خدمة القرآن الكريم: إنّ هذه الفنون لم يكن لها في بداية أمرها وفي المرحلة الأولى من ظهورها ـ في الحدّ الأدنى ـ من غايةٍ سوى تقديم القرآن الكريم على نحو أجمل، وإنْ كان بعضها قد اهتم في مراحل تطوّره بموضوعاتٍ أخرى أيضًا. ومن بين أهم وأبرز هذه الفنون هو فن الكتابة، والخطّ، ورسم الحرف القرآني[1]. يذهب الباحثون في الشأن الفني إلى الاعتقاد بأنّه بعد التحوّل الذي شهده الخطّ العربي، ظهرت كتابة القرآن الكريم «على شكل وسيلة إعلامية فنية جميلة ومذهلة»، وإنّ الخطّ العربي ـ الذي كان في خدمة القرآن ـ قد تحوّل من مجرّد كونه وسيلةً للكتابة فقط، ليصبح بعد تلبسه بحُسن الخط من قبل الكاتبين الفنانين إلى أداةٍ فنيةٍ مهمّة[2]. ومن هنا فقد كانت أثمن هديةٍ يمكن لبعض الحكّام والسلاطين أنْ يقدمونها هديةً لوجه الله سبحانه وتعالى، عبارةً عن نسخةٍ من القرآن كُتبت بخطٍّ جميل؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ السلطان الشهير ظهير الدين بابر الغوركاني في الهند، قد كتب القرآن الكريم بخطٍّ جميلٍ وأهداه إلى الكعبة المشرّفة[3].

كما يعدّ فن الزخرفة فرعًا من الفنون التشكيلية ـ حيث يجب التفريق بينه وبين فن التذهيب ـ فهو على الرغم من امتداد جذوره إلى ما قبل الإسلام، فإنّه في المرحلة الإسلامية قد ظهر في الأصل من أجل خدمة القرآن الكريم[4]. حتى قيل إنّ صلاح

(96)

الدين الأيوبي عند استيلائه على مصر، وجد في مكتبة العزيز بالله ـ ثاني خلفاء الدولة الفاطمية ـ ثلاثة آلاف وأربعمائة نسخةٍ من القرآن الكريم، كلّها مكتوبة بخطٍّ جميلٍ بماء الذهب. وما تزال هناك اليوم بعض المتاحف التي تفتخر باحتوائها على كنوزٍ قيّمةٍ من نُسَخ القرآن الخالدة المكتوبة بخطوطٍ جميلةٍ ومذهّبة. كما أنّ كتابة القرآن الكريم على صفائح الذهب والفضة والعاج والأقمشة الحريرية، تُعدّ من الأعمال الفنية الأخرى التي تمّ توظيفها لخدمة القرآن الكريم. يعدّ فن الخطّ من بين التراث القيّم لهذا النوع من الفنون. كما يجب عدّ قراءة القرآن فنًا ـ وليس بوصفه علمًا ـ بمعنى الاستفادة من النغم واللحن والصوت الرخيم في قراءة القرآن ضمن هذه الفنون الخاصّة بالقرآن الكريم أيضًا[1].

ب. الفنون التي كانت في خدمة المجتمع الإسلامي وكانت تستفيد من القرآن الكريم وتستلهم منه: إنّ من أهم هذه الفنون هو فن العمارة وفنون من قبيل الكتابة على جدران المساجد والمآذن، والزخرفة، والنحت، والتصوير، وحياكة السجاد، والصناعات الزجاجية، والموزائيك والخزف، إذ تأتي هذه الفنون في الدرجات التالية. إنّ الاستفادة من الفن التصويري الذي يخلو من الوجوه لتأطير سوَر القرآن الكريم، وفصل السور عن بعضها[2]، والاستفادة الواسعة من الآيات والألفاظ القرآنية في تزيين الأواني الخزفية والصحاف والحفر على الخشب[3]، ونقش عبارة «بسم

(97)

الله الرحمن الرحيم» على المقابض الفولاذية في الأبواب[1]، وكتابة آيات القرآن على الزجاج[2]، وكتابة الآيات القرآنية على نطاقٍ واسعٍ في الأضرحة الخشبية، والكتابات على الأبواب والأروقة وجدران المساجد والمحاريب والمزارات والمكتبات والمراصد وحتى القصور، وكذلك الكتابة على الخشب وعلى الأواني النحاسية والفضية، وما إلى ذلك من الفنون المرتبطة بنحوٍ وآخر بالكتابة والتصوير، تجسّد بأجمعها تأثير القرآن على الحضارة الإسلامية[3].

وكذلك في الفنون المذهبية من قبيل التعزية والمأتم كانت تقرأ في السابق بعض القصص القرآنية ـ من قبيل: قصة هابيل وقابيل، وإلقاء النبي إبراهيم عليه‌السلام في النار (محاضرتان مختلفتان)، وذبح النبي إسماعيل عليه‌السلام ، وقصة النبي أيوب عليه‌السلام ، وقصّة النبي يحيى بن زكرياعليه‌السلام ، وقصة النبي زكرياعليه‌السلام ، وقصة النبي سليمان عليه‌السلام وبلقيس، وسرقة خاتم النبي سليمان، وأربع محاضراتٍ مختلفاتٍ حول مختلف مراحل حياة النبي يوسف عليه‌السلام ـ على شكل تعزية[4]. ويرى ألك غرابار أنّ الآية الثالثة والثلاثين من سورة

(98)

فاطر[1]، والآيات الخامسة عشرة إلى السابعة عشرة[2]، والآية الحادية والعشرين من سورة النساء[3]، كانت ملهمةً للفنانين الإيرانيين في رسم الكواعب من الحور العين في الجنة وهن يرفلن بأثوابهن الزاهية ويحملن الأواني والأطباق على أيديهن؛ إذ أمكن لهؤلاء الفنانين تصوير الجنة من خلال الاستعانة بالنماذج الدنيوية[4]. وقد ذهب بعض الكُتّاب إلى عدّ الآيات الحادية والثلاثين والثانية والثلاثين من سورة الأعراف[5]، والآيات من الآية الخامسة إلى الثامنة من سورة النحل[6]، بوصفها بداية للفن الإسلامي بدعوة من القرآن الكريم إلى الاهتمام بعنصر الجمال والزينة[7]. وعلى الرغم من صعوبة إثبات هذه النقطة من الناحية التاريخية، ولكن يمكن القول ـ في الحدّ الأدنى ـ إنّ هذه الآيات كان لها دورٌ في إقبال المسلمين على هذه الفنون والعمل على تطويرها.

3. تأثير القرآن على الفضاءات البيئية لحياة المسلمين في رقعة الحضارة الإسلاميّة

أمّا التأثير الثالث للقرآن الكريم على مظاهر الحضارة الإسلامية، فيجب العثور

(99)

عليه في تأثير القرآن على البيئة التشريحيّة للمدن والقرى والمناطق التي يقطنها المسلمون. إنّ العمارة فنٌّ يتمّ استعماله وتوظيفه في البيئة التشريحية، ومرادنا من البيئة التشريحية هنا هي الأبنية التي تقوم على مساحة الحضارة الإسلامية وتركيبة الفضاء المدني، ومن هنا فإنّها تختلف عن العمران. ويمكن تقسيم هذه الأبنية إلى قسمين رئيسين، وهما:

1. الأبنية التي تُتّخذ لخدمة القرآن مباشرة، من قبيل دور القرآن التي يتمّ بناؤها وتأسيسها في الأصل لغرض تعليم القرآن الكريم ولا سيّما قراءته وتلاوته. كما يمكن لنا تسمية بوابات القرآن كنماذج ومصاديق لهذا العنوان أيضًا.

2. الطائفة الأخرى من الأبنية هي التي يتمّ تأسيها لغرض خدمة المسلمين وتلبية احتياجاتهم العامة، ويكون جانبٌ منها متأثّرًا بالقرآن الكريم ومفاهيمه أيضًا. والمثال الأهم في هذا الشأن هو المدن نفسها التي تتأثر في الغالب بالتعاليم القرآنية؛ إذ يتمّ بناء المساجد في وسطها، أو بتأثيرٍ من التعاليم والمفاهيم الدينية يتمّ بناء المدارس في النقطة المركزية من المدن أو إلى جوار أو داخل الأسواق[1]. كما يأتي بناء الأوقاف من قبيل: المدارس، والمستشفيات، وغسل أثاث المنازل، ومياه الإسالة داخل المدن، والمغتسلات لغسل الموتى وتجهيزهم، حيث يأتي ذلك بتأثير من المفاهيم القرآنية، ولا سيما في مجال الوقف. كما يتمّ بحث بناء المقابر وجهتها في هذا الإطار أيضًا.

4. تأثير القرآن على الحياة الاجتماعية للمسلمين في رقعة الحضارة الإسلامية

أمّا التأثير الرابع والأخير للقرآن الكريم على المظاهر الحضارية من الحضارة الإسلامية، فيجب البحث عنه في الحياة الاجتماعية للمسلمين وأساليب حياتهم.

(100)

إنّ هذا التأثير ـ الذي قلّما تمّ الالتفات له بالقياس إلى المحاور الأخرى، يحتوي على مساحةٍ واسعةٍ للأبحاث التاريخية الحديثة ـ ينقسم إلى أقسام مختلفة، ومن بينها:

أ. ظهور طبقات اجتماعية جديدة: إنّ من بين النتائج الاجتماعية للقرآن الكريم ظهور طبقاتٍ وشرائح اجتماعيٍة جديدةٍ في المجتمع الإسلامي؛ حيث يكون لهذه الشرائح والطبقات تبعيةٌ تامّةٌ للقرآن الكريم. من أمثال طبقات: القرّاء والحفّاظ، والمدرّسين والمفسّرين للقرآن؛ إذ كان لكلّ واحدةٍ من هذه الطبقات مكانةٌ اجتماعيةٌ خاصّةٌ في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي، فيمكن للتحقيق والبحث في هذا الشأن أنْ يفتح أمام الباحثين والمحقّقين آفاقًا جديدةً لإثبات الدور الخلّاق للقرآن الكريم في الحضارة الإسلامية.

ب. ظهور فرص عملٍ ومراكز ربحيةٍ جديدة: لقد كان القرآن الكريم منشأ لظهور أو اتّساع بعض الأعمال والمراكز الربحية في الحضارة الإسلامية. وإنّ من أبرز المصاديق في هذا الشأن شراء المصحف الشريف وبيعه ـ أو إهدائه ـ إذ كان على الدوام يحتلّ مرتبة أكثر الكتب الدينية مبيعًا على الإطلاق. بالإضافة إلى ازدهار صناعة التجليد والتغليف واستنساخ القرآن الكريم حتى ما قبل ظهور صناعة الطباعة، إذ كان الجزء الأكبر من نشاط الصحفيين والوراقين والنسّاخ يختصّ بالانصراف إلى هذا الشأن. وعلى الرغم من تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم استنادًا إلى بعض الروايات الواردة في حرمة التكسّب بالقرآن، لا يمكن عدّ تعليم القرآن شغلًا ومهنة، ولكن مع ذلك ليس هناك من شكٍّ في أنّ تعليم القرآن الكريم قد تجلّى على شكل مؤسّسةٍ ربحية؛ إذ كان أساتذة القرآن يحظون على الدوام وبمختلف الأشكال بدعمٍ ماليّ لا بأس به من قبل حتى الطبقات الفقيرة والمحرومة في المجتمع. كما يمكن الاستشهاد في هذا الشأن بتخصيص جانبٍ من الموقوفات لقراءة القرآن الكريم وتلاوته في المزارات أو إلى جوار أضرحة الشخصيات الكبيرة،

(101)

بوصفه من المصاديق والموارد الأخرى في هذا الشأن بالإضافة إلى عشرات الأمثلة الأخرى من النصوص التاريخية. وقد كانت قراءة القرآن في المزارات وفي مجالس الفواتح وفي بعض المناسبات والمحافل الهامّة بإزاء مبلغٍ من المال، أمرًا شائعًا إلى الآن منذ أزمنة ضاربة في القِدم.

ج. ظهور قوانين وقرارات خاصة: إنّ بعض القوانين الشائعة بين المسلمين، ولا سيّما فيما يتعلق بالحقوق المدنية والحقوق الجزائية، مقتبسةٌ من القرآن الكريم مباشرة. فإنّ أسلوب المسلمين وطريقتهم في تقسيم الإرث، والعقوبات على بعض الجرائم والجُنَح من قبيل السرقة، وإقامة القصاص على المجرمين، وكيفية النكاح، وحدود الحرمة وعدم الحرمة في الارتباط بين النساء والرجال، وبعض قوانين البيع والشراء، وما إلى ذلك إنّما تُستلهم من القرآن الكريم.

د. تبلور بعض التقاليد والعادات الخاصة: إنّ بعض التقاليد والأعراف الشائعة بين المسلمين، إنّما كانت بتأثيرٍ من المنزلة العظيمة والمقدّسة التي يحظى بها القرآن الكريم عند المسلمين؛ إذ كان المسلمون ولا يزالون يرون ربط جميع سلوكياتهم أو جزءٍ كبيرٍ منها في التبرك بهذا الكتاب السماوي، ويمكن ـ على سبيل المثال ـ ذكر الأمثلة أدناه بوصفها نماذج لهذا النوع من الأعراف والتقاليد التي كانت سائرةً في الماضي وما تزال قائمةً حتى الآن، وهي من قبيل: عدم مسّ القرآن من دون وضوء أو طهارة، وعدّ القرآن جزءًا من صداق المرأة، ووضع القرآن مع المرآة وإدخالهما إلى البيت الجديد معًا، وإهداء القرآن الكريم في المناسبات المهمّة والخاصة، وتوديع المسافر إلى المفازات والأماكن الخطيرة بوضع القرآن فوق رأسه والمرور من تحته عند الخروج من الباب، وتلاوة القرآن عند المحتضر أو عند جنازة المتوفى، ورفع المصاحف فوق الرؤوس في أعمال ليلة القدر بالنسبة إلى المجالس الخاصّة بأتباع أهل البيت عليهم‌السلام، وختم القرآن بوصفه شعيرة عبادية، ووضع القرآن الكريم كله

(102)

أو بعضه ضمن تعويذة؛ اعتقادًا بخصائص بعض آيات القرآن، ومن بينها قراءة الآية الثانية والستين من سورة النمل المباركة[1] خمس مرّات أو عشر مرّات لقضاء الحوائج، وقراءة الآية التاسعة من سورة الكهف[2] لطرد العين، وقراءة سورة الحمد لشفاء المرضى، وقراءة الآيات الحادية والخمسين والثانية والخمسين من سورة القلم إبعادًا للتأثير السلبي لأعين الحاسدين[3]. كما يمكن وضع القسَم بالقرآن الكريم على الأمور الجليلة والمهمة ضمن هذه الفئة من الآداب والتقاليد أيضًا.

وإنّ بعض هذه الآداب والأعراف تعود بجذورها إلى منشأ ديني، بمعنى أنّ المعصومين عليهم‌السلام هم الذين أمروا بها، من قبيل: وجوب الطهارة عند وضع اليد على ألفاظ القرآن الكريم[4]، وتلاوة القرآن الكريم عند جنازة المتوفى[5]، ووضع القرآن فوق الرؤوس في ليالي القدر استنادًا إلى المأثور عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام[6]. وأمّا بعضها الآخر فهي من صنع المسلمين. ومن هنا فإنّها تعرف في الغالب بوصفها تقاليد محلية، وليست شائعةً في عموم البلدان الإسلامية في العالم بالضرورة.

هـ. التأثير في حياة المسلمين اليومية: بالإضافة إلى ما تقدّم فإنّ القرآن له حضورٌ ثابتٌ في الحياة اليومية للمسلمين. ومن بين أهم الأمثلة والنماذج في هذا الشأن: تلاوة القرآن يوميًا، وقد كان هذا الأمر هو السبب في تقسيم القرآن الكريم إلى أجزاء وإلى أحزاب، والاستفادة من بعض ألفاظ القرآن الكريم وتعبيراته في الحوارات الشائعة،

(103)

من قبيل قول بعضهم: «لنقرأ عليه الفاتحة»، كنايةً عن انتهاء أمره، وقراءة سورة الفاتحة لغفران ذنوب الموتى، والأيمان والأقسام الصحيحة والاعتباطية بالقرآن وأجزائه الثلاثين في الحوارات اليومية، وإظهار الاحترام الخاص بالنسبة إلى الذين يهتمون في الشأن القرآني، وذكر قول «بسم الله الرحمن الرحيم» عند البدء بكلّ أمر، ولا سيّما عند الخروج من البيت، أو عند الشروع في تناول الطعام وشرب الماء.

إنّ مصادر التاريخ الاجتماعي للمسلمين على شتى مذاهبهم وطوائفهم المتنوّعة، زاخرةٌ بالأمثال والشواهد الدالة على تأثير القرآن الكريم في حياة المسلمين الاجتماعية. وإنّ أهم هذه المصادر التواريخ المحلية، ورحلات المسلمين، ورحلات السائحين الأجانب، والسيَر الذاتية المكتوبة بأقلامٍ داخليةٍ وخارجية، والنصوص الأدبية الأعمّ من المواعظ والمستطرفات والدواوين الشعرية والنصوص الفقهية. كما يمكن الحصول على نماذج وأمثلةٍ مهمّةٍ في هذا الشأن من الآثار التي يتم تأليفها في المرحلة المعاصرة تحت عنوان التاريخ الاجتماعي والتاريخ الثقافي، وثقافة العامة والأنثروبولجيا الثقافية أيضًا. وبسبب الزيادة النسبية لهذا النوع من المصادر، وضرورة رعاية الاختصار في هذه المقالة، نكتفي بما تقدّم من النماذج.

النتيجة

إنّ ما تقدّم قد أثبت أنّ القرآن الكريم بالإضافة إلى توجيه وتعيين الروح العامّة للحضارة الإسلامية، كان مؤثّرًا على المظاهر الحضارية ـ ولا سيّما منها المساحات الأربعة المتمثلة بالعلم، والفن، والعمارة، والحياة الاجتماعية للمسلمين ـ أيضًا. لقد كشفت هذه الدراسة التمهيدية كيف أمكن للقرآن الكريم ابتداءً من صورته الظاهرية وألفاظه وصولًا إلى مفاهيمه ومعاني آياته أنْ يؤثّر في جميع تلك الأبعاد والطبقات الواضحة والكامنة من الحضارة الإسلامية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ القرآن

(104)

الكريم من خلال ألفاظه الواضحة والعذبة واللامتناهية في العمق، بالإضافة إلى النشاطات الفردية وتربية الأشخاص الصالحين والطالبين للكمال، قد تمكّن في البعد الاجتماعي من بناء المجتمع المتكامل والحيوي، فاستطاع تحقيق الحضارة لنفسه في مدّةٍ قياسيةٍ قصيرة. وعلى حدّ تعبير العلّامة الطباطبائي رحمه‌الله: «من الواضح أنّ مدنية الإسلام التي شملت مساحةً كبيرةً من الكرة الأرضية بعد رحيل النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث كان لها الحكم المطلق عليها ... هي مجرّد أثرٍ واحدٍ من آثار القرآن الكريم، وإنْ كنّا ـ بوصفنا من الشيعة ـ نعارض سياسة الخلفاء وسائر الملوك بسبب تهاونهم وتقصيرهم في بيان الحقائق وتطبيق القوانين الإسلامية، ولكنّنا مع ذلك نعتقد أنّ هذا المقدار من الإنجاز الذي تمّ تحقيقه إنّما كان في ضوء الإسلام، وإنّ ما شعّ على العالم من نور في هذه المعمورة إنّما كان من شمس القرآن حقًا»[1].

إذا كان القرآن الكريم هو الذي أدّى إلى إيجاد الحضارة الإسلامية المتقدّمة؛ إذًا يمكن القول إنّ نقطة بداية توقّف وجمود الحضارة الإسلامية بدورها كانت بفعل تهميش وإبعاد التعاليم القرآنية عن مسرح الحياة الاجتماعية، وحصرها بدائرة المسائل الفكرية غير المرتبطة بواقع الاحتياجات الاجتماعية في المجتمع. وعلى هذا الأساس إذا كانت التعاليم الحضارية للقرآن خالدةً مثل القرآن نفسه، يمكن لهذه التعاليم حاليًا أنْ تعاد قراءتها وفهمها بما يتناسب والاحتياجات الجديدة، وإذا كانت هناك من تجربةٍ ناجحةٍ للقرآن الكريم في الاضطلاع بدورٍ في الساحة الاجتماعية والبناء الحضاري، كذلك يمكن لهذا القرآن حاليًا بما يشتمل عليه من المفاهيم المحفوظة أنْ يكون منشأ للتحوّل العميق والشامل أيضًا. إنّ المسلمين الذين يقفون الآن على منعطفٍ تاريخيّ كبير من التحوّل الحضاري، يمكنهم من خلال العودة إلى القرآن الكريم مجددًا، وجعله هو المحور، ولا سيّما بالنسبة إلى العلوم والفنون

(105)

والبيئة والحياة الاجتماعية، أنْ يمهّدوا الأرضيّة بأنفسهم ليعود القرآن الكريم هو المحور في الحضارة الإسلامية الجديدة. ولا شكّ في أنّ إعادة البحث في التجربة الماضية للمسلمين، من شأنها أنْ تعمل على صيانتنا من الوقوع في الآفات الماثلة أمامنا في هذا الطريق.

 

(106)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
  3. ابن هشام الأنصاري، جمال الدين، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، حقّقه وعلّق عليه: مازن المبارك، محمد علي حمد الله، سعيد الأفغاني، بيروت، 1979 م.
  4. اتينگهاوزن، ريچارد، گرابر ألگ، هنر و معماري اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: يعقوب آژند، طهران، انتشارات سمت، 1378 هـ.ش.
  5. بازرگان، مهدي، دين و تمدّن، طهران، انتشارات مؤسسة بعثت، بلاتاريخ.
  6. بجنوردي، كاظم موسوي (إشراف)، دائرة المعارف بزرگ اسلامي، طهران، مركز دائرة المعارف بزرگ اسلامي، 1377 هـ.ش.
  7. بلخاري قهي، حسن، سرگذشت هنر در تمدّن اسلامي، طهران، انتشارات حسن أفرا، 1382 هـ.ش.
  8. بوركهارت، تيتوس، هنر اسلامي: زبان و ادبيات، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مسعود رجب نيا، طهران، انتشارات سروش، 1365 هـ.ش.
  9. بورلو، ژوزف، تمدن اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أسد الله علوي، مشهد، بنياد پژوهش‌هاي اسلامي، 1386 هـ.ش.
  10. بوكاي، موريس، مقايسه‌اي ميان تورات انجيل قرآن و علم، ترجمه إلى اللغة الفارسية: ذبيح الله دبير، طهران، دفتر نشر فرهنگ اسلامي، ط 4، 1368 هـ.ش.
  11. بهجت پور، عبد الكريم، درآمدي بر اصول تحول فرهنگي با الهام از نزول تدريجي قرآن، قم، انتشارات بوستان كتاب، 1388 هـ.ش.
  12. بيضون، لبيب وجيه، الإعجاز العلمي في القرآن، بیروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1424 هـ / 2003 م.
(107)
  1. پرايس، كريستين، تاريخ هنر اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مسعود رجب نيا، طهران، بنگاه ترجمه و نشر كتاب، 1347 هـ.ش.
  2. ترنر، برايان، وبر و اسلام (با پانوشت‌هاي انتقادي و مقدمه‌اي بر جامعه‌شناسي ماكس وبر)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسين بستان، وعلي سليمي، وعبد الرضا علي‌زاده، قم، پژوهشكده حوزه و دانشگاه، 1380 هـ.ش.
  3. جعفري، محمد تقي، قرآن نماد حيات معقول، إعداد: علي جعفري وكريم فيضي، طهران، مؤسسة تدوين و نشر آثار علامه جعفري، 1384 هـ.ش.
  4. جفري، آرتور، واژه‌هاي دخيل در قرآن مجيد، ترجمه إلى اللغة الفارسية: فريدون بدره‌اي، طهران، انتشارات توس، ط 2، 1386 هـ.ش.
  5. الحبال، محمد جميل، الجواري، مقداد مرعي، العلوم في القرآن: منهاج تربوي للدراسة والتطبيق، تقديم: عماد الدين خليل، بیروت، دار النفائس، 1418 هـ / 1998 م.
  6. حتي، فيليب ك.، تاريخ عرب، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أبو القاسم پاينده، تبریز، كتاب فروشي محمد باقر كتابجي حقيقت بالتعاون مع مؤسسة فرانكلين، 1344 هـ.ش.
  7. حداد عادل، غلام علي (إشراف)، دانشنامه جهان اسلام، طهران، بنياد دائرة المعارف اسلامي، 1380 هـ.ش.
  8. الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم، مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام، 1409 هـ.
  9. حكمت، علي أصغر، سرزمين هند، طهران، دانشگاه طهران، 1377 هـ.ش.
  10. حكيمي، محمد رضا،پيام جاودانه: سخني چند پيرامون قرآن كريم و آفاق آن، قم، انتشارات دليل ما، ط 2، 1388 هـ.ش.
  11. الحلي (المحقق)، نجم الدين جعفر بن الحسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، انتشارات إسماعيليان، ط 2، قم، 1408 هـ.
  12. حکيم، سید منذر، «تاريخ‌نگري و تاريخ‌نگاري در قرآن كريم»، كتاب روش، العدد: 2 ـ 3، 1383 هـ.ش.
(108)
  1. خاكرند، شكرالله؛ أصغر منتظر القائم، ومحمد علي چلونگر، «پيامبر اسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و جهان‌بيني تمدن‌ساز ديني»، مجلة انديشه ديني، العدد: 22، 1386 هـ.ش.
  2. خرمشاهي، بهاء الدين، قرآن‌شناخت: مباحثي در فرهنگ‌آفريني قرآن، طهران، انتشارات طرح نو، ط 5، 1379 هـ.ش.
  3. خزائي، محمد، مجموعه مقالات اولين همايش هنر اسلامي، طهران، مؤسسه مطالعات هنر اسلامي، 1381 هـ.ش.
  4. الخطيب، سليمان، أسس مفهوم الحضارة في الإسلام، القاهرة، دار الزهراء للإعلام العربي، 1406 هـ / 1986 م.
  5. دورانت، ويليام جيمس، تاريخ تمدن (عصر الإيمان، القسم الأول)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أبو طالب صارمي، أو القاسم پاينده، أبو القاسم طاهري، طهران، شركت انتشارات علمي و فرهنگي، ط 4، 1373 هـ.ش.
  6. الراغب الإصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن في غريب القرآن، تحقيق: محمد سيد كيلاني، طهران، المكتبة المرتضوية، ط 2، 1362 هـ.ش.
  7. رايس، ديويد تالبوت، هنر اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: ماه ملك بهار، طهران، شركت انتشارات علمي و فرهنگي، ط 1، 1375 هـ.ش.
  8. رضائي إصفهاني، محمد علي، دانشنامه ميان‌رشته‌اي قرآن و علوم، پژوهش‌هاي تفسير و علوم قرآن، 1392 هـ.ش.
  9. الرفاعي، أنور، تاريخ هنر در سرزمين‌هاي اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد الرحيم قنوات، مشهد، جهاد دانشگاهي مشهد، 1377 هـ.ش.
  10. رفيعي محمدي، ناصر، تفسير علمي قرآن، قم، مركز مديريت حوزه علميه قم، 1381 هـ.ش.
  11. رئيس السادات، حسين، «دين و تمدن»، مجلة مشكاة، العد: 22، 1368 هـ.ش.
  12. زرّين كوب، عبد الحسين، كارنامه اسلام، طهران، انتشارات أمير كبير، 1382 هـ.ش.
  13. سرمدي، محمد تقي، پژوهشي در تاريخ پزشكي و درمان جهان از آغاز تا عصر حاضر، طهران، انتشارات سرمدي، 1377 هـ.ش.
(109)
  1. صافي، محمود بن عبد الرحيم، الجدول في إعراب القرآن، دمشق / بيروت، دار الرشيد / مؤسسة الإيمان، ط 4، 1418 هـ.
  2. الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، انتشارات جامعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، 1417 هـ.
  3. ــــــــــــــــ، قرآن در اسلام (القرآن في الإسلام)، مشهد، انتشارات طلوع.
  4. الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، الأمالي، قم، دار الثقافة، 1414 هـ.
  5. عبد الباقي، محمد فؤاد، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، القاهرة، دار الكتب المصرية، 1364 هـ.
  6. عرب، محمد حسن، دانشنامه اماكن جغرافيائي قرآن مجيد، طهران، فرهنگ مكتوب، 1387 هـ.ش.
  7. قراگوزلو، محمد، «هنوز نپرسيده‌ايم كه چرا قرآن از ظهور و سقوط تمدن‌ها سخن مي‌گويد»، (حوار)، مجلة گلستان قرآن، الدورة الجديدة، العدد: 37، 1379 هـ.ش.
  8. گرابار، الگ، «هنر، معماري و قرآن»، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن رضائي هفتادر، مجلة اسلام پژوهي، العدد: 1، 1384 هـ.ش.
  9. لوبون، گوستاو، تمدن اسلام و عرب، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيد محمد تقي فخر داعي گيلاني، بنگاه مطبوعاتي علي أكبر علمي، ط 4، 1334 هـ.ش.
  10. المدرسي، السيد محمد تقي، من هدى القرآن، طهران، دار محبي الحسين، ط 1، 1419 هـ.
  11. ــــــــــــــــ، اصول و پايه‌هاي تمدن اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد صادق پارسا، طهران، انتشارات محبان الحسين، 1379 هـ.ش.
  12. المرزوقي، أبو يعرب، وحسن حنفي، النظر والعمل والمأزق الحضاري العربي والإسلامي الراهن، بيروت / دمشق، دار الفكر المعاصر / دار الفكر، 2003 م.
  13. مروة، يوسف، العلوم الطبيعية في القرآن، بیروت، انتشارات مروة العلمية، 1387 هـ.
  14. المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، بنگاه ترجمه و نشر كتاب، طهران، 1360 هـ.ش.
(110)
  1. ملازاده، كاظم، ومريم محمدي، بناهاي عام المنفعة، طهران، سازمان تبليغات حوزه هنري، 1379 هـ.ش.
  2. ملا صالحي، حكمت الله، «قرآن و بازآفريني تاريخ»، مجلة كيهان فرهنگي، العدد: 244 ـ 245، 1385 هـ.ش.
  3. مهاجر، روح الله، «هنر قراءت قرآن»، مجلة گلستان قرآن، العدد: 116، 1381 هـ.ش.
  4. مهدي، ناصر، الإعجاز العلمي في القرآن، تقديم: السيد محمد حسين فضل الله، بیروت، دار الروضة، 1414 هـ.
  5. مهنا، إيناس صباح، منطق الحضارة عند عبد العزيز الدوري، بیروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2008 م.
  6. مؤنس، حسين، الحضارة؛ دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطوّرها، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1419 هـ / 1998 م.
  7. ميرجليلي، علي محمد، تأثير قرآن در پيدايش علوم ادبي، قم، انتشارات بوستان كتاب، 1389 هـ.ش.
  8. ميكل، آندره (بالتعاون مع هنري لوران)، اسلام و تمدن اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن فروغي، طهران، انتشارات سمت، 1381 هـ.ش.
  9. نصر، حسين، علم و تمدن در اسلام، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد آرام، طهران، شركت انتشارات علمي و فرهنگي، 1384 هـ.ش.
  10. نلسون، كريستينا، هنر قراءت قرآن، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد رضا ستوده نيا وزهرا جان نثاري لاداني، طهران، انتشارات زمان نو، 1389 هـ.ش.
  11. نور محمدي، غلام رضا، وغلام رضا واشيان، منبع شناسي قرآن و طب، قرآن و علم، العدد: 11، 1391 هـ.ش.
  12. وبر، ماكس، اخلاق بروتستان و روح سرمايه‌داري، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد المعبود انصاري، طهران، انتشارات سمت، 1374 هـ.ش.
  13. ويلسون، إيوا، طرح‌هاي اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد رضا رياضي، طهران، انتشارات سمت، ط 1، 1377 هـ.ش.
(111)
  1. هانتينگتون، ساموئل ب.، تمدن‌ها و بازسازي نظام جهاني، ترجمته إلى اللغة الفارسية: مينو سرتيپ أحمدي، طهران، انتشارات كتاب سرا، 1380 هـ.ش.
  2. هميمي، زكريا، الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، القاهرة، مكتبة مدبولي، 2002 م.
  3. ياريان، مجيد، «دين و تمدّن»، پژوهش‌نامه انقلاب اسلامي، العدد: 14، 1387 هـ.ش.
  4. Nelson, Kristina, The Art of Reciting The Quran, Cairo: The American University in Cairo Press, 2001.

 

 

(112)

 

 

مفهوم المهدوية والحضارة الإسلامية الحديثة[1]

محسن ألويري

إنّ فرضية الحديث عن مفهوم المهدوية وموقعها وتأثيرها في الحضارة الإسلامية، هي الاعتقاد بتأثير التعاليم الدينية في الحضارة. ويمكن تصوّر هذا التأثير في بُعدين، وهما: البُعد الخاص والجزئي، والبُعد العام والكلي. ليس هناك من شكٍّ في التأثير الجزئي والخاص للتعاليم الدينية في الحضارة. إنّ التأثر المباشر وغير المباشر للمظاهر والظواهر الحضارية ـ من قبيل: العمران والآثار العلمية والسلوكيات الاجتماعية، والآداب والتقاليد والمناسك ـ على التعاليم الدينية في كلّ حضارة، يمكن مشاهدته بوضوح، وإنّ الذي يرتبط بالحضارة الإسلامية، قد تمّ تخصيص حجمٍ ملحوظٍ من المطالب المكتوبة حول هذه الحضارة بهذه الظواهر والمظاهر المتأثّرة بالإسلام. إنّ البُعد الآخر من أبعاد تأثير الدين على الحضارة هو البُعد المرتبط بالأسس الفكرية من الحضارة والتي يعمل الدين في ضوئها على وضع الأسس والروح الحاكمة على الحضارة المنشودة وتوجهاتها الأصلية، وبذلك فإنّها تكون من قبيل الدماء التي يتمّ ضخها في عروق الكائن الحي، وتنفخ فيه الروح التي تمنح الكائن الحي هويته وكينونته في جميع أبعاد الحضارة وطبقاتها وأجزائها، وتلقي بظلالها عليها.

وربما كانت الأسبقية والريادة في توجيه الاهتمام بالهوية التي يضفيها الدين على

(113)

الحضارة من بين المفكّرين المعاصرين تعود إلى ماكس فيبر (1920 م)[1]. فقد عمد هذا المفكّر في كتابه الشهير تحت عنوان (الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية)[2] ـ من خلال رؤيته الثاقبة والدقيقة ـ إلى إثبات كيف كان النظام الرأسمالي ـ الذي يمثّل جبلّة الحضارة الغربية ـ متأثّرًا بالأخلاقيات الدينية لمختلف الفرق المسيحية البروتستانتية، من قبيل: الكالفينية[3]، والتقويّة[4]، والميثودية (المنهجية)[5]، والحركة المعمدانية[6]. [7] وإنْ كان هناك من المفكّرين من أمثال حسين مؤنس من رأى في أبحاثه ودراساته النظرية مكانةً بارزةً للدين في تبلور واستمرار الحضارة[8]؛ هناك في المقابل آراء لمنظرين وباحثين في تاريخ الحضارة من أمثال ويل ديورانت وتوين بي، وحتى المنظرين المعاصرين، من أمثال صاموئيل ب. هانتينغتون ـ الذي يذهب صراحة إلى القول بأنّ الأديان تمثّل الخصوصية الأصلية والواضحة والركيزة الأصلية للحضارات[9] ـ قد خلقت أرضية لبحث هذا الموضوع.

فيما يتعلّق بتأثير المفاهيم الإسلامية على نسيج الحضارة الإسلامية وروحها، فقد قام عددٌ من المفكّرين بدراساتٍ نافعةٍ حول ذلك، ولكن ليس هناك متّسعٌ

(114)

مناسبٌ للإطلالة عليها في هذه المقالة[1]؛ ولكن يبدو لو أننا أردنا الحديث حول أسباب التأثيرات الحضارية للتعاليم الإسلامية وكيفيتها، لا بدّ من بيان مقدّمةٍ في هذا الشأن.

يُعدّ بحث إعادة قراءة الأفكار الدينية في الفضاء الراهن، وقدرة الدين ودوره في الحياة الدنيوية للناس، وحدود تدخّل الدين في إدارة حياتهم، واحدًا من الأبحاث التي يتم تناولها في دراسات فلسفة الدين وعلم الاجتماع الديني وكذلك الكلام الجديد أيضًا. لقد شغل أذهان المفكّرين منذ مدّةٍ هذا السؤال الجوهري القائل: إلى أيّ مدى يمكن للدين أنْ يتدخل في حياة الناس، وما هي المنطقة التي اختارها لكي تكون مسرحًا لتأثيره ونفوذه؟

 وقد اختلفت آراء المنظّرين في هذا الشأن أيضًا. ففي ضوء رؤية الذين يقولون بـ «بالأداء والدور الأدنى» للدين، لا يمكن الحديث في الأساس عن دور الدين في بناء الحضارة؛ إذ إنّ الدين (من وجهة نظرهم) ـ بما في ذلك دين الإسلام ـ ليس له من دورٍ ومهمّةٍ دنيوية، وإنّما يقتصر دوره على تشريع الأعمال العبادية للإنسان وضمان الفوز والنجاة له في الآخرة. إنّ الحضارة من وجهة نظر هؤلاء الأشخاص عبارةٌ عن

(115)

ظاهرةٍ ونتاجٍ بشري، ولا تندرج ضمن دائرة الأبحاث والدراسات الدينية. ومن ناحيةٍ أخرى هناك من يقول من العلماء بـ «الدور الأكثر والمهمّة القصوى» للدين، وفيما يتعلّق بسعة دائرة حضور الدين وتدخله في الحياة يذهبون إلى حدّ القول بأنّ الدين يتولّى بيان وتعيين حتى القواعد والقوانين الرياضية والطبيعية أيضًا. فإنّهم من خلال الاستدلال بقوله تعالى: ﴿مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[1] يعدّون بناء الحضارة ـ مثل جميع الظواهر الأخرى ـ داخلًا ضمن وظائف الدين ومهماته؛ ولذلك فإنّهم يقصدون التعاليم الدينية لمعرفة القواعد التي تساعد على بناء الحضارة أيضًا. لا تعدّ هذه المقالة محطّةً مناسبةً لبيان هاتين الرؤيتين ونقدهما وتقييم مصادرهما ومبانيهما ونتائجهما، ولكن لو لم نلزم أنفسنا باختيار واحدةٍ من هاتين النظريتين، وسمحنا لأنفسنا بالذهاب إلى رأيٍ آخر، وبعبارةٍ أدق: لو اخترنا استدلالًا آخر، لوجب علينا القول: في رؤيةٍ عامّةٍ يمكن تقسيم التعاليم الدينية إلى ثلاثة أقسام، وذلك على النحو أدناه:

التعاليم الناظرة إلى الإنسان بوصفه فردًا ـ إنّ هذه المجموعة من التعاليم الإسلامية (مجموعة من القضايا التوصيفية الشاملة للأوامر والنواهي)، والأحكام (مجموعة القضايا المعيارية الشاملة للواجبات والمحرّمات)، تَعدّ الإنسان فردًا مستقلًّا، وتنظر إلى أبعادٍ من قبيل: ارتباط الإنسان بنفسه، وارتباطه بالإنسان الآخر، وارتباطه بالله. وأنّ الإنسان بالإضافة إلى الجسم يمتلك روحًا، أو أنّ الإنسان مسؤولٌ تجاه مصيره، أو ينبغي عليه أنْ يأتي ببعض العبادات مثل الصوم أو الصلاة المندوبة، وأنْ يجتنب الأفعال القبيحة، من قبيل الإضرار بجسمه. إنّ هذه القضايا بأجمعها تنظر إلى الإنسان بوصفه فردًا، ولا صلة لها بالعلاقات الاجتماعية للإنسان.

التعاليم الناظرة إلى الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع ـ هناك مجموعةٌ أخرى

(116)

من التعاليم الإسلامية، تنظر إلى الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع، وتقدّم مجموعةً من القضايا التوصيفية والمعيارية من هذه الزاوية، من قبيل أن للإنسان مسؤوليةً اجتماعية، أو يتمّ توجيه بعض الوظائف الدينية ـ الأعم من الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية ـ من قبيل: عدم الكذب، وإعطاء الزكاة، ورعاية قوانين الإرث والقضاء والشهادات. إنّ هذه القضايا بأجمعها تنظر إلى الإنسان بوصفه عضوًا في المجتمع، ولو افترضنا شخصًا مستقلًا عن الآخرين يعيش في عزّلةٍ عن الناس، فلن يكون بالإمكان تطبيق أيّ واحدٍ من هذه الأحكام، وسوف تفقد مفهومها.

الأحكام والتعاليم الناظرة إلى المجتمع ـ هناك مجموعةٌ ثالثةٌ من المفاهيم تنظر إلى الهوية الجماعية للإنسان، وتنظر إلى عموم المجتمع الإنساني بغض النظر عن الوجود الفردي للإنسان. ويمكن عدّ التعاليم المرتبطة بالبنى والمؤسسات الاجتماعية ضمن هذه المجموعة. من الواضح أنّ هذه الآليات لا يكتب لها التحقّق في الخارج إلّا من خلال وجود الأفراد، ولكن من ناحيةٍ أخرى لا يخفى أنّ مفهوم الحكومة والمؤسّسة يختلف عن مفهوم الأفراد الذين يعملون على تشكيلها. كما أنّ التركيب العام في جهاز يُعدّ شيئًا مختلفًا عن القطع التي يتألف منها، وإذا لم يتمّ وضع هذه القطع بشكلٍ خاصّ، لن نتمكن من صنع ذلك الجهاز. وكذلك في المجتمع إذا لم يتجاور الأشخاص الذين يتمتعون بالطاقات المناسبة، ولم تكن البنية العامّة لذلك المجتمع مناسبة، فإنّه لن يكتب التحقّق للمجتمع الصالح، وحتى لو اجتمع الأشخاص المفكّرون فيما بينهم، لن يؤدّي ذلك إلى بناء المجتمع الصالح تلقائيًا، وإنّ القوانين ذات الصلة بالبنية الاجتماعية تؤدّي دورًا في بلورة وتشكيل المجتمع المثالي بغض النظر عن الموطنين[1].

(117)

من خلال التأكيد على أنّ هذه الأقسام الثلاثة من التعاليم لا تنفصل عن بعضها، وأنّ هناك العديد من الروابط والأواصر الطولية والعرضية التي تربط فيما بينها؛ يمكن لنا الآن أنْ نقول: إنّ الرسالة الأصلية لدين الإسلام التي يقتفى أثرها من طريق هذه المفاهيم، عبارةٌ عن بناء الإنسان والمجتمع؛ بمعنى أنّ التعاليم الدينية لا تنحصر بالمسائل الفردية أو المسائل الاجتماعية للإنسان فقط، وأنّ الدين ينظر إلى كلا الأمرين معًا. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الدين يسعى إلى بناء الإنسان في بعده الفردي، كما يسعى إلى بناء المجتمع أيضًا.

 

مراجعة الكتاب

النموذج رقم: 1 ـ التعاليم الإسلامية وعلاقاتها ببعضها

 

مراجعة الكتاب

 

 

الجدول رقم: 1 ـ علاقة المفاهيم الإسلامية بتكامل الإنسان والمجتمع

 

(118)

وبذلك يمكن القول إنّ الرؤية الاجتماعية للإسلام، والتعاليم الناظرة إلى النظام الاجتماعي والتي تعمل على بناء المجتمع في الإسلام، تحتوي على جوهر صانع للحضارة. بمعنى أنّه لو تمّ أخذ هذه المفاهيم بنظر الاعتبار، ولا سيّما لو تمّ العمل بالتعاليم المعيارية وجميع الواجبات والمحرّمات الدينية، وتمّت إقامة البناء والنظام الاجتماعي على أساسها، فإنّ المجتمع الإسلامي سوف يسلك مسار التقدّم المتمحور حول الدين، وإنّ مواصلة السير على هذا الطريق سوف تؤدّي لا محالة إلى تبلور الحضارة. كما أنّ التجربة التاريخية للمسلمين بدورها تؤيّد حقيقة أنّ الحياة الدينية للمسلمين والعمل بالأحكام والتعاليم الإسلامية، قد ساق المجتمع الإسلامي نحو مجتمعٍ حضاري. وفي القرون الإسلامية الأولى تأسّست الحضارة الإسلامية على أساس هذا الإدراك العام من قبل المسلمين للقواعد والقوانين الصانعة للمجتمع الإسلامي. وفي الحقيقة والواقع فإنّ المسلمين عندما عملوا بنحوٍ نسبيّ بتوجيهات الدين في كيفية الحياة وكيفية إدارة المجتمع، فقد سلك المجتمع الإسلامي طريق التقدّم على نحوٍ طبيعي، وقد تمخّض تراكم التقدّم والتطور عن حضارة كبرى واستثنائية.

وعلى هذا الأساس لو نظرنا إلى هذا الموضوع من الزاوية العقلية ومن الناحية النظرية، فإنّ نظرة قسمٍ ملحوظٍ من التعاليم الإسلامية إلى الأبحاث المرتبطة ببناء المجتمع سوف تشهد على دلالات وتوجّهات الحضارة الإسلامية؛ إذ يمكن تسمية ذروة المجتمع المتكامل والمتطوّر بـ «المجتمع المتحضّر»، ولو نظرنا إلى الموضوع من الزاوية التاريخية، وأنّ الدين الإسلامي قد أثبت قدرته على بناء الحضارة من الناحية العملية، وأنّ المسلمين كانوا في برهةٍ من الزمن حملة لواء أكبر حضارةٍ بشرية، فإنّ ذلك سوف يثبت الدلالة والاتجاه الحضاري للدين الإسلامي بوضوحٍ تامٍ لا يبقى معه مجالٌ للشك.

(119)

الإنسان الكامل والمجتمع الموعود بمنزلة الإنسان المثالي والمجتمع المثالي

إنّ الرؤية من زاوية أخرى إلى هذا البحث والجولة على المفاهيم الدينية، تثبت أنّ الإسلام ـ الذي يهدف إلى تربية الإنسان وبناء المجتمع المنشود ـ قد عمد من أجل رفع مستوى تأثير تعاليمه، وفي خطوةٍ من أجل تكميل هذه التعاليم، إلى التعريف بمثالٍ ونموذجٍ كاملٍ ومثاليّ لكلّ واحدٍ منها. وإنّ النموذج المثالي للإنسان المتكامل، هو النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، كما يتمثل هذا الإنسان الكامل بالنسبة إلى الشيعة في الأئمة المعصومين عليهم‌السلام بالإضافة إلى النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. ويمكن للمسلمين أنْ يقتدوا بهؤلاء الأشخاص العظام بوصفهم أُسوةً، وكذلك في عصر الغيبة يُعدّ الاعتقاد بإنسانٍ كاملٍ على قيد الحياة ـ يكون شاهدًا على الأمة، وربط الناس بهذا النموذج الإلهي وهذا الإنسان الكامل ـ هاديًا لسائر الأشخاص، ويكون مقدار القرب والبُعد منه معيارًا لتكامل سائر الناس[1]. وإنّ النموذج المثالي للمجتمع المطلوب هو شجرةٌ مباركةٌ تتمثّل في الحكم القصير للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المدينة المنوّرة منذ بداية الهجرة إلى أوائل السنة الحادية عشرة من الهجرة، والحكومتين القصيرتين لأمير المؤمنين والإمام الحسن عليها‌السلام، كما سيتمّ غرس شجرةٍ مباركةٍ أخرى في آخر الزمان على يد مصلح من أهل بيت النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

لقد تمّ التعرّض في كثيرٍ من الآيات القرآنية إلى بيان خصائص المجتمع الموعود في نهاية التاريخ. وبالنظر إلى هذه الخصائص، ومهما كان تعريف الحضارة، يمكن تسمية مجتمعنا بـ«المجتمع المتحضر». إنّ توضيحات بعض المفسّرين على هامش

(120)

جانبٍ من آيات القرآن، بحيث يمكن استنباط صلة وارتباط مفاد هذه الآيات بالمجتمع الموعود. ومن بينها قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ[1]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ[2].

كما ورد تصوير بعض الخصائص للمجتمع الموعود، في الروايات أيضًا. ويمكن بيان بعض هذه الخصائص على النحو الآتي:

1. الإحاطة الكاملة والشاملة بالأرض: «القائم منّا ... تُطوى له الأرض»[3].

2. انتشار سلطته وبسطها على شرق العالم وغربه: «القائم منّا ... يبلغ سلطانه المشرق والمغرب»[4].

3. سقوط جميع المعبودات غير الله سبحانه وتعالى: «فإذا اجتمع له العقد عشرة آلاف رجل، فلا يبقى في الأرض معبود دون الله من صنمٍ ولا وثنٍ إلّا وقعت»[5].

4. اعتناق الإسلام من قبل الناس جميعًا: «إذا قام القائم ... لم يبق أهل دين حتى يُظهروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان، أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ[6]»[7].

5. بلوغ الأمّة ذروة العظمة: «يخرج في آخر أمّتي المهدي ... تعظم الأمة»[8].

(121)

6. امتلاء الأرض بالقسط والعدل: «يخرج رجل من أهل بيتي ... تُملأ به الأرض عدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا»[1]، وأيضًا: «إذا قام القائم عليه‌السلام حكم بالعدل وارتفع في أيامه الجور»[2].

7. رعاية العدل بحق جميع العباد سواء في ذلك الأبرار والأشرار: «إذا قام القائم منا ... يعدل في خلق الرحمن، البرّ منهم والفاجر»[3].

8. إعادة جميع الحقوق إلى أصحابها: «إذا قام القائم ... ردّ كلّ حقٍّ إلى أهله»[4].

9. توزيع الثروات بشكل عادل: «يخرج في آخر أُمّتي المهدي ... يُعطي المال صحاحًا»[5].

10. ظهور جميع كنوز الأرض ومواردها وبركاتها: «القائم منّا ... تظهر له الكنوز»[6]. وأيضًا: «يخرج رجل من أهل بيتي ... تُخرج له الأرض بركتها»[7]، وأيضًا: «إذا قام القائم ... وأخرجت الأرض بركاتها ... تُظهر الأرض كنوزها وتُبدي بركتها»[8]، وأيضًا: «يخرج في آخر أُمتي المهدي ... تُخرج الأرض نباتها»[9]، وأيضًا: «... لا تدع الأرض من نباتها شيئًا إلّا أخرجته»[10].

(122)

11. نزول البركات من السماء: «يخرج رجل من أهل بيتي ... يُنزل الله له البركة من السماء»[1]، وأيضًا: «يخرج في آخر أُمّتي المهدي، يُسقيه الله الغيث»[2]، وأيضًا: «لا تدع السماء من قطرها شيئًا إلا صبّته مدرارًا»[3].

12. زيادة الماشية والأنعام: «يخرج في آخر أُمّتي المهدي ... تكثر الماشية»[4].

13. تجمّع جميع الأموال الظاهرة والباطنة في الأرض عنده: «إذا قام قائمنا ... تجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها»[5].

14. تقسيم الثروات والأموال العامة بين الناس بالتساوي: «إذا قام قائمنا فإنّه يقسم بالسوية»[6].

15. إثراء الناس بعطائه على الرغم من سوابقهم السيئة: «إذا قام قائمنا ... فيقول للناس تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام وسفكتم فيه الدماء وركبتم فيه ما حرّم الله عزّ وجل؛ فيعطي شيئًا لم يُعطه أحد كان قبله»[7].

16. عدم العثور على شخصٍ محتاجٍ يستحقّ الصدقة: «إذا قام القائم ... فلا يجد الرجل منكم يومئذٍ موضعًا لصدقته ولا لبرّه؛ لشمول الغنى جميع المؤمنين»[8].

17. إقامة جميع السُنن: «إذا قام القائم ... فلا يترك ... ولا سُنّة إلا أقامها»[9].

(123)

وأيضًا: «يخرج رجلٌ من أهل بيتي يعمل بسُنّتي»[1].

إزالة جميع البِدَع: «إذا قام القائم ... فلا يترك بدعةً إلا أزالها»[2].

استخراج وإظهار جميع الكتب السماوية: «إذا قام قائمنا ... يهدي لأمرٍ خفيّ يستخرج التوراة وسائر كتب الله من غار بأنطاكية»[3].

الحكم بين جميع الناس على أساس الكتب السماوية التي يؤمنون بها: «إذا قام قائمنا ... فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان»[4]. وأيضًا مع اختلاف في نوع الدلالة: «وحكم بين الناس بحكم داود وحكم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »[5].

توفّر إمكانية رؤية الناس لبعضهم رغم المسافات الطويلة التي تفصل بينهم: «إنّ المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق»[6].

توفير الأمن في الطرق: «إذا قام القائم ... أمنت به السُبُل»[7].

القضاء على الكذّابين من الشيعة: «لو قام قائمنا بدأ بكذّابي الشيعة فقتلهم»[8].

إنّ الأمثلة والنماذج المذكورة أعلاه، تحكي عن الخصوصيّة والدلالة الحضارية للمفاهيم والتعاليم المهدوية. وخلاصة الكلام هي أنّ الرؤية المهدوية التي تمثّل

(124)

جانبًا مهمًّا من الفكر الإسلامي، تحتوي على قابلية من شأنها أنْ تؤدّي دورًا كبيرًا في بلورة الحضارة وإضفاء الهوية عليها.

الحضارة الإسلامية الجديدة وفائدة التعاليم المهدوية بالنسبة لها

بالنظر إلى ما تقدّم لو قبلنا بأنّ هناك حضارةً جديدةً في طريقها إلى التبلور بين المسلمين[1]، سوف يكون من السهل الحديث عن دور مفهوم المهدوية في الحضارة الجديدة. إنّ ظهور حضارةٍ جديدةٍ يعني أنّ المجتمعات الإسلامية تتجه نحو غايةٍ سوف تعيش فيها تجربة حضارةٍ بديلةٍ عن حضارة الغرب بتأثيرٍ من التعاليم الإسلامية[2]. إنّ هذه الحضارة إذا كان لها نموذجٌ محدّد، أمكن لها العمل ـ من خلال جعلها إيّاه معيارًا ـ على توجيه مسار خطواتها نحوه، والعمل على الدوام على تقييم موقعيتها بوساطته. إنّ التعاليم المهدوية بسبب اشتمالها على المداليل الحضارية التي سبق شرحها على نحو الإجمال، تتمتع بهذه القابلية والخصوصيّة التي تجعلها موضعًا للاهتمام بوصفها تشكل أفقًا للحضارة الإسلامية الحديثة؛ بمعنى أنّه يمكنها الإجابة عن هذا السؤال القائل: كيف يجب أنْ يكون مستقبل هذه الحضارة؟

وبنحوٍ عام يمكن القول إنّ موقع التعاليم المهدوية في الحضارة الإسلامية الجديدة عبارةٌ عن موقع تصوير المستقبل، ولكن يمكن النظر إلى هذا الموضوع من زاويتين مختلفتين، وهما أوّلًا: من زاوية فلسفة التاريخ. وثانيًا: من زاوية الخصائص الحضارية. إنّ من بين أكثر الأنظار شيوعًا إلى فلسفة التاريخ هي تلك النظرة التي

(125)

تقول إنّ التاريخ يسير نحو غايةٍ محدّدة[1]، ولا شكّ في أنّ مفهوم المهدوية يُعبّر عن واحدٍ من الآراء بشأن نهاية التاريخ[2]. وعلى هذا الأساس فإنّ الاعتقاد بالمهدوية وتحقّق المجتمع الموعود، يضع أمامنا من زاوية فلسفة التاريخ «مستقبلًا اكتشافيًا»[3]؛ بمعنى أنّ يكتشف أنْ في انتظارنا مثل هذا المستقبل[4]. ولكن علينا ألّا تغفل عن هذه النقطة، وهي أنّه بالنظر إلى بعض الارشادات الدينية، لا يمكن ربط هذا المستقبل الاكتشافي ضرورة بالحضارة الجديدة الآخذ بالتبلور في الوقت الراهن.

 إنّ المستقبل الماثل أمامنا من زاوية البحث الاستقبالي الاكتشافي، مستقبلٌ ينتظر جميع الناس، وعليه لا يمكن الحكم بالضرورة بأنّ نهاية الحضارة الإسلامية الجديدة هي الوصول إلى المجتمع المهدوي الموعود؛ وذلك لأنّنا لو نظرنا إلى المجتمع الموعود بمعيار الحضارة الإسلامية الجديدة، وعددنا المجتمع الموعود بمنزلة المستقبل المحتوم لهذه الحضارة، فإنّ الحكم باكتشافية هذا البحث الاستقبالي سوف يؤدّي بنا إلى نوعٍ من «التوقيت»، وتعيين الزمان النسبي لإقامة المجتمع الموعود. ومن الواضح أنّ هذا الأمر يُعدّ مرفوضًا في ضوء التعاليم الدينية، بل ويُعدّ من الكذب[5].

وأما إذا نظرنا إلى مفهوم المهدوية من زاوية الخصائص الحضارية، وعددنا

(126)

المجتمع الموعود من أسمى وأعلى مستويات التطور والتكامل والتنمية للبشر، وفسّرنا الانتظار بأنّه عملية تمهيدٍ للظهور، عندها يمكن لهذه التعاليم ـ بوصفها منشأ لـ«بحث المستقبل المعياري»[1] ـ أنْ تكون بمنزلة الأفق[2] المنشود الذي يجب على جميع الخطوات الحضارية أنْ تكون متطابقةً معه. وعلى هذا الأساس فإنّ مفهوم المهدوية بكلّ مداليله الحضارية، يمكن له ـ بوصفه أفقًا للحضارة الإسلامية الجديدة ـ أنْ يجيب عن هذا السؤال القائل: كيف يجب أنْ يكون مستقبل هذه الحضارة؟ وبالنظر إلى أنّ المجتمع المثالي غير قابلٍ للتحقّق ببساطة، وفي الأفق الزمني المحدّد، ولا سيّما أنّ تحقيق المجتمع المهدوي الموعود يحتاج إلى ظهور إنسانٍ كامل، واختيار ذلك خارجٌ عن إرادة الناس؛ فإنّ المجتمع الحضاري مضطرٌ من الناحية العملية إلى اتّخاذ نسخةٍ أدنى منه لتكون أساسًا لعمله، وإنّ هذه النسخة الأدنى تسمّى بـ«الأفق المعياري». إنّ مفهوم المهدوية ناظر إلى هذا النوع من المستقبل. يمكن في هذا الأسلوب تعيين صورةٍ مطلوبةٍ ومثاليةٍ وملموسةٍ عن المفاهيم الحضارية في أفقٍ زماني طويل الأمد حيث تكون متناسبةً مع القِيَم الأساسية والأهداف الجوهرية المنبثقة عن المجتمع الموعود في دائرة الأمّة الإسلامية، ثم العمل ـ بعد ذلك في ضوء هذا الأفق الحضاري ـ على تدوين آفاقٍ وطنيةٍ تتناسب مع مختلف المجتمعات الإسلامية، والتخطيط في نهاية المطاف لبرنامج عن المستقبل في الوقت الراهن[3].

(127)

إنّ هذا الأفق الحضاري، يُعدّ «أفقًا قيَميًا» في قبال «الوصفي»، و«إيجابيًا» في قبال «السلبي»، و«ملهمًا» في قبال «المخيف»، و«هجوميًا» في قبال «الدفاعي»[1]، وعالميًا في قبال «الوطني»[2]، ومؤثرًا في قبال «قليل التأثير»[3]. ويمكن أنْ يشكّل حلقة الوصل بين مفهوم المهدوية والآفاق الوطنية، وحتى برامج التنمية أيضًا[4].

 

 

 

 

(128)

لنتيجة

اتّضح ممّا تقدّم أنّ وجه الربط بين مفهوم المهدوية والحضارة الإسلامية الحديثة الآخذة بالتشكّل، يمثّل أفقًا معياريًا مقتبسًا من القيَم والأهداف الكامنة في الرؤية المهدوية، حيث يمكن لها ـ مع افتراض قابلية الحضارة للإدارة ـ أنْ تشكّل منطلقًا للتخطيط بالنسبة إلى الذين يحملون هاجس هذه الحضارة، وتعمل على توجيه مختلف سطوح البرامج الإجرائية أيضًا. وإنّ تحقيق هذه المهمّة ينطوي على ضروراتٍ ربما أمكن بيان أهمها على النحو الآتي:

توظيف إمكانات النُخَب في العالم الإسلامي ـ إنّ تدوين الأفق الحضاري القائم على المفاهيم المهدوية إذا أريد له أنْ يتحقّق بنحوٍ عامٍّ وشامل، لا يمكن تدوينه من قبل عددٍ قليلٍ من المفكّرين فقط، بل لا بدّ من اتّخاذ إجراءاتٍ وآلاتٍ مناسبةٍ ليُشارك فيه أكثر النُخَب في العالم الإسلامي بالمعنى الحقيقي للكلمة. إنّ سلوك هذا الطريق لا يخلو من الإخفاقات والصعوبات والتعقيدات بالإضافة إلى وعورة الطرق السياسية والتنفيذية، بيد أنّ هذه العقبات يجب ألّا تُثني النُخَب والطاقات الفكرية عن الحركة والمضيّ في هذا الإطار.

الاهتمام الخاص بالتوافق الديني العام ـ إنّ مفهوم المهدوية لا يقتصر على فرقةٍ أو مذهبٍ من المذاهب الإسلامية بعينها، بل يشترك فيه الجميع. وعلى الرغم ممّا يبدو من أنّ المعطيات الموجودة في هذا الشأن أكثر تنوّعًا في مصادر أتباع مدرسة أهل البيت الأطهارعليهم‌السلام ؛ إلا أنّ المشتركات بين المذاهب في هذه الرؤية تبلغ حدًّا من الكثرة بنحوٍ يمكن عدّ هذه الرؤية واحدةً من أرضيات التوافق والاشتراك المذهبي. وعلى هذا الأساس يجب تدوين الأفق بنظرةٍ متماهيةٍ عامّة، وتجنّب الآراء المذهبية الضيّقة في إطار تحقيق هذا الأمر.

(129)

 

 

 

 

مراجعة الكتاب

 

 

 

 

 

 

(130)

التعليم الشامل للعاملين في هذا الحقل ـ إنّ تدوين الأفق الحضاري والآفاق الجزئية والخاصّة على أساس مفهوم المهدوية يحتاج إلى أنواعٍ من الوعي والإدراك حول المهدوية، ومهاراتٍ ضروريةٍ في حقل تدوين الأفق، وإنّ هذين الأمرين المهمّين لا يكتب لهما التحقّق إلّا من خلال البرامج التعليمية العميقة، والعمل على تطبيقها على أرض الواقع أيضًا.

البناء الثقافي لجميع المنتفعين ـ إنّ تدوين أفقٍ منبثقٍ عن الرؤية المهدوية، ولا سيّما التخطيط التنفيذي ووضع الخطوات المتناسبة معه، يحتاج إلى توجيهٍ وإقناعٍ وبناء الثقة لدى جميع الأشخاص الذين لهم نوعٌ من التدخّل في مختلف مراحل هذا المسار.

توسيع دائرة تدوين الأفق لتشمل المستوى الفردي ـ إنّ الحصول على الأهداف والغايات المتجلية للمفاهيم المهدوية في الأفق الحضاري رهن التماهي بين الآفاق الوطنية والأفق الحضاري، وفي مرحلةٍ لاحقةٍ تماهي الآفاق الجزئية الآلية والمجموعية والأسرية مع الأفق الوطني، وإنّ هذا الأمر المهم بدوره (كما هو مبيّن في النموذج رقم: 2) رهنٌ بعمل حتى آحاد أفراد المجتمع على تحديد مواقعهم في مختلف المستويات والسطوح في هذه الآفاق. وبعبارةٍ أخرى: أنْ يتمّ تدوين حتى الأفق الفردي المتأثّر بالأفق الحضاري القائم على الرؤية المهدوية أيضًا.

الاستفادة من الأبعاد الإيجابيّة في الأساليب الأخرى لتدوين الأفق ـ إنّ تدوين الأفق المعياري القائم على الرؤية المهدوية، لا يعني التخلّي عن سائر الأساليب الأخرى في تدوين الأفق، من قبيل: تأليف السيناريوهات وتحليل المسارات، وغض الطرف عن المعطيات والنتائج الإيجابية لها؛ بل لا بدّ من الاستفادة من جميع هذه الأساليب في تدوين أفقٍ يحتوي على جميع خصائص الأفق الناجح.

 

(131)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. ابن بابويه، محمد بن علي (المعروف بالشيخ الصدوق)، كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح: علي أكبر غفاري، مجلدان، طهران، انتشارات اسلامية.
  3. ابن طاووس، علي بن موسى، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، مجلدان، قم، انتشارات خيام، 1400 هـ.
  4. اسلاتر، ريچارد وآخرون، نوانديشي براي هزاره نوين: مفاهيم، روش‌ها و ايده‌هاي آينده‌پژوهي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عقيل ملكي‌فر، وحيد وحيدي مطلق، وسيد أحمد إبراهيمي، طهران، مركز مطالعات و برنامه‌ريزي استراتژيك، مؤسسه آموزشي و تحقيقاتي صنايع دفاعي، 1378 هـ.ش.
  5. البحراني، السيد هاشم، البرهان في تفسير القرآن (خمسة مجلدات)، طهران، انتشارات بنياد بعثت، 1416 هـ.
  6. برايسون، جان. ام.، برنامه‌ريزي استراتژيك براي سازمان‌هاي دولتي و غير‌انتفاعي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عباس منوريان، طهران، مركز آموزش مديريت دولتي، 1381 هـ.ش.
  7. بهروز لك، غلام رضا؛ علي پور گرجي، محمود، «كاربرد روش چشم‌انداز در مطالعات سياسي»، مجلة علوم سياسي، السنة الرابعة، العدد: 53: 63 ـ 89، 1390 هـ.ش.
  8. ترنر، برايان، وبر و اسلام با پانوشت‌هاي انتقادي و مقدمه‌اي بر جامعه‌شناسي ماكس وبر، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسين بستان، وعلي سليمي، وعبد الرضا علي‌زاده، قم، پژوهشكده حوزه و دانشگاه، 1380 هـ.ش.
  9. جوادي الآملي، عبد الله، تفسير انسان به انسان، تحقيق وتنظيم: محمد حسين إلهي زاده، قم، انتشارات إسراء، 1384 هـ.ش.
  10. الحر العاملي، محمد بن الحسن، إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، بیروت، منشورات الأعلمي، 1425 هـ.
(132)
  1. الخطيب، سليمان، أسس مفهوم الحضارة في الإسلام، القاهرة، دار الزهراء للإعلام العربي، 1406 هـ / 1986 م.
  2. رشاد، علي أكبر، «فرجام قدسي تاريخ»، مجلة قبسات، العدد: 33: 13 ـ 36، خريف عام: 1383 هـ.ش.
  3. زرّين كوب، عبد الحسن، كارنامه اسلام، طهران، انتشارات أمير كبير، 1382 هـ.ش.
  4. سجاد پور، مهدي، «جايگاه ارزش‌ها و اصول أخلاقي در آينده‌نگاري فنآوري»، فصلنامه انديشه صادق، مركز تحقيقات دانشگاه امام صادق (عليه السلام)، العدد: 24: 61 ـ 84، عام 1385 هـ.ش.
  5. شريعتمداري، نادر، وملكي‌فر، عقيل (ترجمة وتأليف)، چشم‌انداز: چگونه رهبران آن را مي‌سازند، انتقال مي‌دهند وبرقرار مي‌دارند، طهران، انديشكده صنعت و فناوري (آصف)، 1388 هـ.ش.
  6. الشكعة، مصطفى، معالم الحضارة الإسلامية، بیروت، دار العلم للملايين، 1987 م.
  7. الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، انتشارات إسلامي جامعة المدرسين في الحوزة العلمة بقم، 1417هـ.ش.
  8. الطبرسي، الفضل بن الحسن، إعلام الورى بأعلام الهدى، قم، مؤسسة آل البيت ؟عهم؟، 1417 هـ.
  9. ــــــــــــــــ، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران، انتشارات ناصر خسرو، 1372 هـ.ش.
  10. الطوسي، محمد بن الحسن، الغيبة، تصحيح: عباد الله طهراني، وعلي محمد ناصح، قم، دار المعارف الإسلامية، 1411 هـ.
  11. فضل الله، السيد محمد حسين، تفسير من وحي القرآن، ج 24، بیروت، دار الملاك، 1419 هـ.
  12. الفيروزآبادي، مرتضى الحسيني، فضائل الخمسة في الصحاح الستة، بیروت، منشورات الأعلمي، 1402 هـ.
(133)
  1. كاتر، جان بي.، رهبري تحوّل، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مهدي ايران نجاد باريزي، مينو سلسله، الفصل الخامس والسادس، كرج / طهران، مؤسسه تحقيقات و آموزش مديريت، 1386 هـ.ش.
  2. الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، تصحيح: السيد حسن المصطفوي، جامعة مشهد، مشهد، 1409 هـ.
  3. كورنيش، إدوارد، آينده‌پژوهي پيشرفته: نگاهي ژرف به اصول، مباني و روش‌هاي آينده‌پژوهي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: سياوش ملكي‌فر بالتعاون مع فرخنده ملكي‌فر، طهران، انديشكده صنعت و فنآوري (آصف)، گروه آينده‌پژوهي و ديده باني، 1388 هـ.ش.
  4. گودرزي، غلام رضا، تصميم‌گيري استراتژيك: مطالعه موردي رويكرد موعود‌گرائي شيعه، طهران، دانشگاه امام صادق (عليه السلام)، 1386 هـ.ش.
  5. گوده، ميشل، «از پيش‌بيني تا چشم‌انداز راهبردي»، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد‌رضا صالح‌پور، مجلة برنامه و بودجه، ملحق العدد رقم: 11، 9 ـ 42، سنة 1375 هـ.ش.
  6. مصباح اليزدي، محمد تقي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن، طهران، سازمان تبليغات اسلامي، 1368 هـ.ش.
  7. المطهري، مرتضى، فلسفه تاريخ، قم، انتشارات صدرا، 1389 هـ.ش.
  8. المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، تصحيح: مؤسسة آل البيت، قم، مؤتمر الشيخ المفيد، 1413 هـ.
  9. ملكي‌فر، عقيل، پيش‌بيني و آينده‌نگاري تكنولوژي، طهران، دانشگاه صنعتي شريف، مركز مطالعات تكنولوژي، 1383 هـ.ش.
  10. مهدوي زادگان، داوود، اسلام و نقد سنت وبري، قم، مؤسسة فرهنگي طه، 1377 هـ.ش.
  11. مهنا، إيناس صباح، منطق الحضارة عند عبد العزيز الدوري، بیروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2008 م.
(134)
  1. مؤنس، حسين، الحضارة؛ دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطوّرها، الکویت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1419 هـ / 1998 م.
  2. ميكل، آندره (بالتعاون مع هنري لوران)، اسلام و تمدن اسلامي، ج 2، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن فروغي، طهران، انتشارات سمت، 1381 هـ.ش.
  3. نصر، سيد حسين، علم و تمدن در اسلام، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد آرام، طهران، شركت انتشارات علمي و فرهنگي، 1384 هـ.ش.
  4. وبر، ماكس، اخلاق بروتستان و روح سرمايه‌داري، ترجمه إلى اللغة الفارسية (من اللغة الإنجليزية): عبد المعبود انصاري، طهران، انتشارات سمت، 1374 هـ.ش.
  5. هانتينگتون، ساموئل ب.، تمدن‌ها و بازسازي نظام جهاني، ترجمته إلى اللغة الفارسية: مينو سرتيب أحمدي، فصل دوم، طهران، انتشارات كتاب سرا، 1380 هـ.ش.
  6. واسعي، «فرجام تاريخ: جستاري درباره غايت تاريخ در نگره شماري از متفكران»، فصلنامه تاريخ اسلام، السنة الثانية عشرة، العدد: 3، العدد المتسلسبل: 47: 79 ـ 110، خريف عام: 1390 هـ.ش.
(135)
(136)

 

 

قابليّات علم الكلام في الدراسات الحضاريّة[1]

محمد تقي سبحاني[2]

توجد اليوم مختلف الاتجاهات والتحليلات بشأن ما سيكون عليه مستقبل الحضارة الإسلامية بوصفها مسارًا مطلوبًا في حياة المسلمين. وفي بعض هذه التوجّهات تُدرَس قابليات البحث الحضاري أو بناء الحضارة على أساس واحد من العلوم الإسلامية، من جهة بعض الفلاسفة أو الفقهاء الذين يستنبطون عناصر الحضارة من الفلسفة أو الفقه، وملاحظة ذلك في بناء النظام الفكري والعيني[3]. وفي هذه الاتجاهات يبدو أنّ علم الكلام الذي كان يومًا ما في صُلب العلوم الإسلامية قد تنزل ـ بسبب بعض الشرائط والظروف التاريخية للمسلمين ـ إلى موقف الدفاع ومجرّد الإقناع، وانخفضت فيه قابليات الدراسات الحضارية بشدّة. بيد أنّ التأمل بطبيعة الحال في الموقع والمنزلة الرئيسة لهذا العلم، ومضمونه ونسبته إلى سائر المصادر الدينية من جهة، والمشاكل الواضحة الموجودة في الأسس المعرفية والمكانة الراهنة لسائر العلوم الإسلامية من جهة أخرى، جعلت من هذا العلم على المستوى العملي خيارًا لا بديل عنه في تبويب الدراسات الحضارية. وفي هذه المقالة سوف

(137)

نتناول قابليات علم الكلام في الدراسات الحضارية ضمن قسمين. في القسم الأول سنبحث في مسار تأسيس الحضارات من الزاوية المعرفية وعلى محور أصالة الإرادة الذي ينظر فيه إلى الأنثروبولوجيا الكلامية في مسار تبلور الحضارة. وفي القسم الثاني سوف نشير إلى قابليات التراث الكلامي في إثراء الدراسات الحضارية. وأمّا الأقسام الأخرى من المقالة فتدور حول بيان هذين المحورين وتفصيلهما. وكما تقدّم، ليس هناك اعتقادٌ بوجود القابليات الكلامية في دائرة الأبحاث الحضارية بمعنى خلوّ علم الكلام من العيوب والشوائب، ويجب إصلاح نواقص هذا العلم في إطار التوجّه الحضاري، والإفادة من قابلياته في تبويب التفكير الحضاري.

النظام المطلوب في تبويب العلم وموقع علم الكلام

يرى الكاتب أنّ الحضارة عبارةٌ عن تعيّن القِيَم والأمور المنشودة للإنسان في مسرح الحياة الفردية والاجتماعية. والمراد من التعيّن هنا ـ بطبيعة الحال ـ ليس مجرّد البعد التشريحي من الواقعية فقط، وإنّما التعيّن هنا يشمل التصوّرات والقِيَم والتوجهات والأساليب أيضًا. إنّ هذا التعريف لا يقتصر على مجموعة من العناصر الثقافية المؤلفة لأجزاء الحضارة العضوية فقط، بل تشمل حتى المسارات الذهنية الناتجة عن الحضارة (ثقافة ما بعد التمدّن) أيضًا.

وعلى هذا الأساس تسعى الدراسات الحضارية في الاتجاه المتمحور حول العلم، بوساطة التعريف بالوضع القائم في الحقل الحضاري إلى تحقيق أكثر القِيَم الإنسانية في أوسع مساحة للحياة والنشاط بشكل منهجي ومتواصل. وبعبارةٍ أخرى: إنّ هذه الدراسات تمثّل أرضية لتعيّن المعتقدات والقِيَم في الحياة. وفي رؤيةٍ واحدةٍ يمكن بيان الطبقات الأربعة للعلم على النحو الآتي:

الطبقة الأولى: العقلانية العامّة التي يتم بيانها من طريق القواعد الكلية في الفلسفة العامة.

(138)

الطبقة الثانية: المنظومة المعرفية التي يتم بيانها وإنتاجها على أساس مدرسةٍ وثقافةٍ خاصّة.

الطبقة الثالثة: الدراسات الحضارية المبيّنة لكيفية الارتباط بين النظرية والتطبيق، التي الشارحة كيفية تسلل العناصر الفلسفية والمؤلفات المعرفية إلى ساحة العمل والحياة.

الطبقة الرابعة: تتعلّق هذه الطبقة بالعلوم التطبيقية، التي تتغذّى بشكلٍ متزامنٍ من الطبقات الثلاثة المتقدّمة، وتسعى إلى طرح النماذج العملية وتنفيذها في مقام التطبيق الخارجي[1].

إنّ لهذا التبويب قابلية التعميم، ويمكن تطبيقه في مورد كلّ حضارةٍ ومجتمعٍ إنساني، ولكن بالنظر إلى فضاء التفكير الإسلامي، يمكن الحديث عن الدور الأوضح للعلوم الإسلامية في بناء الحضارة.

في تاريخ التفكير الإسلامي كان من المفترض ضمان الطبقة الأولى بعلم الفلسفة، ولكن جنوح الفلسفة الإسلامية عن هذه الرسالة أدّى إلى ظهور كثيرٍ من المشاكل[2]. والطبقة الثانية، أي الثقافة والمدرسة الإسلامية الخاصّة تم استخراجها من علم الفقه، وتم بيان المباني النظرية لها بوساطة علم الكلام. كان الفقه والكلام ـ ولا سيّما في المراحل الإسلامية الأولى ـ يعملان على تغطية كامل فضاءات العلوم الإسلامية، وكان الفقه من خلال استنباطاته يبين كلتا المجموعتين من القضايا النظرية والعملية (الأحكام والأخلاق)[3].كما كان علم الكلام يتكفّل بمهمة الدفاع عن هذه القضايا

(139)

وبيانها وشرحها في كلا الناحيتين النظرية والعملية أيضًا[1]. وبالتدريج حدث شرخٌ في نظام العلوم وأدّى ذلك من جهة إلى اختصاص علم الفقه بحقل استنباط القضايا العملية، وذلك في حدود الأحكام الفردية غالبًا، ومن جهةٍ أخرى اقتصر أداء علم الكلام على البيان والدفاع الإقناعي عن القضايا النظرية من الدين فقط.

 إنّ فهم هذا الوضع التاريخي إنّما يحظى بالأهمية من حيث إنّ أيّ إصلاحٍ لعلم الكلام من الناحية الحضارية يجب أنْ يكون ناظرًا إلى التاريخ الماضي والشرائط الراهنة لهذا العلم. وفيما يتعلّق بالطبقة الثالثة، أي حقل الدراسات الحضارية، يجب القول: إنّ الشرخ بين النظر والعمل يُعدّ في الأساس من الشروخ الجديدة في أرومة أفكارنا، وخللًا كبيرًا في تاريخ التفكير الإسلامي. وعلى أساس هذه الإشكالات يمكن تشخيص النقص والخلل في العلوم التطبيقية في عالم الإسلام.

إنّ من بين الأمور المهمة الأخرى بشأن الوضع المطلوب والمنشود للعلوم العقلية في عالم الإسلام، هو الفهم الدقيق للنسبة بين الكلام والفلسفة. هناك من المدافعين عن علم الكلام من لا يرى أيّ مكانةٍ أو منزلةٍ للفلسفة، وهناك من أنصار الفلسفة من يعيد جميع أدوار علم الكلام إلى الفلسفة قولًا واحدًا. ولكن يجب القول: إنّ الكلام والفلسفة رغم التعاطي القائم بينهما، يجب عدم عدّهما علمين متماهيين، بل الصحيح هو أنّ نعدّ الفلسفة متكفلةً بأعم التفسيرات والتحليلات، وتقديم المفاهيم الناظرة إلى مجموع النظر والعمل، وإحلال الكلام ضمن المنظومة المعرفية والنظرية للإسلام. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الفلسفة تمثّل حاجةً أوليةً لتقديم إطارٍ عامٍّ لجميع الأفكار المتناغمة[2]، كي يمكن عدّها علمًا إنسانيًا ولغةً مشتركةً بين جميع المدارس،

(140)

وأمّا علم الكلام ـ بمعنى الإلهيات النظرية التابعة لمدرسةٍ خاصّةٍ ومصادر معرفية بعينها ـ فلا ينطوي على مثل هذه الرسالة العامة، وتنحصر وظيفته بتطبيق المباني والقواعد الفلسفية العامة في دائرة المدرسة والمصدر المعرفي الخاص. ومن هنا فإنّ دخول الفلسفة الإسلامية الراهنة إلى حقل الإلهيات يجب عدّه من الناحية العملية عدولًا عن مهام هذا العلم ودخولًا في دائرة الكلام. كما أنّ تركيز علم الكلام بشكلٍ بحت على الدفاع عن التعاليم النظرية من الدين، يُعدّ تنزلًا للكلام عن مستواه وتدنيه إلى مستوى العلم الدفاعي الصرف.

إنّ الكلام المطلوب بلحاظ مكانته الراهنة وأصوله التاريخية يمكنه قبل كلّ شيء أنْ يؤدي دورين اثنين يكمنان في عرض وبيان العقائد الدينية في دائرة الوجود (في أمورٍ من قبيل: الله، والإنسان، والمجتمع، وطبقات الكائنات والخلق)، وكذلك البيان العقلائي للتعاليم الأخلاقية والعملية. إنّ المراد من البيان هنا هو الاستعراض المنهجي للتعاليم الدينية والدفاع العقلاني عنها من خلال الإحالة إلى الإطار العقلي والسماوي العام، وتحديد النسبة بينهما. وعلى هذا الأساس فإنّ علم الكلام في تعريفه الجديد، بالإضافة إلى العمل على توجيه القضايا العقائدية في الإسلام ، يؤدّي عملًا فقهيًّا في حقل العقائد والمتبنيات. وبذلك فإنّ علم الكلام يقوم ببيان معقدٍ وهادفٍ وتطبيقي في جميع التعاليم الدينية النظرية والعملية.

وعلى هذا الأساس فإنّ الأداء الخاص لعلم الكلام الإسلامي في المقياس الحضاري ـ الذي يمثّل التنسيق والتناغم بين أجزاء تعاليم مدرسة فكريةٍ ما ضرورةً ملحّةً لتعيّن تلك المدرسة ـ يتمثّل في بيان الانسجام والارتباط الوثيق بين التعاليم العملية والنظرية بوصفها مقدمةً للدراسات الحضارية.

 

(141)

القابليات الكلامية في إثراء الدراسات الحضارية

يمكن لنا ـ من خلال رؤية تفصيلية، وإعادة قراءة قابليات علم الكلام الإسلامي الراهن في بناء الحضارة وضمان حاجة الدراسات الحضارية ـ أنْ نعمل على تقسيم القابليات المضمونية لها، إلى مجموعتين من القابليات العامّة والقابليات الخاصّة. وإنّ القابلية العامة في علم الكلام يمكن دراستها في الحدّ الأدنى من زاويتين، الأولى: بيان الاتجاه الحضاري من الدين، والأخرى: البيان المنهجي والمنظم للتعاليم الدينية من خلال التوثيق والعقلانية. وبطبيعة الحال فإنّ القابليات الخاصّة في علم الكلام استقرائية، ويمكن الإشارة إلى بعض الموارد في هذا الشأن، من قبيل: المباني الإبستيمولوجية في الكلام القديم، وبحوث المعرفة الدينية في علم الكلام، ونظام الفاعلية في الوجود من زاوية علم الكلام، وبحث التكليف، وفلسفة بعث الأنبياء، والإنثروبولوجيا الكلامية، والرؤية إلى الدنيا والآخرة والنسبة القائمة بينهما، وأخيرًا الرؤية الكلامية إلى بحث الإمامة والولاية، إذ يعمل كلّ واحدٍ من هذه الأبحاث على مدّ يد العون إلى الباحثين في الشأن الحضاري بما يتناسب ومختلف حقول بناء الحضارة.

فيما يتعلّق بأهمية بيان الاتجاه الحضاري إلى الدين في البحث الحضاري، يجب القول: إنّما يمكن عدّ حضارةً ما دينية، إذا كان هناك في إطار الدين مكانةٌ مؤثّرةٌ للحضارة، ولكن هذا الأمر لا يغدو ممكنًا إلّا إذا تمّ تقديم تفسيرٍ للدين يتقبّل الفكر الحضاري بشكلٍ كامل، ويحتضن الحضارة بوصفها عنصرًا مهمًّا في الحياة الدينية. والآن بالالتفات إلى هذا التبويب الذي تمّ تقديمه عن الطبقات المعرفية الأربعة للتفكير الفلسفي العام إلى العلوم التطبيقية، نرى أنّ العلم الوحيد الذي يستطيع أنْ يتكفل بأعباء هذه المهمة في حقل المعرفة الدينية، هو علم الكلام. إنّ علم الكلام يعمل ـ من خلال تفسيره لماهية الدين الإسلامي ـ على بيان موقع العقل والوحي

(142)

ومساحتهما في التقدّم بالحياة الإنسانية الطيبة، وضمان السعادة الدنيوية والأخروية، ويعمل كذلك ـ من خلال تقديم مساحةٍ واسعةٍ لحضور الدين في مختلف طبقات الحياة الفردية والاجتماعية ـ على المساعدة في التظهير الواقعي والحقيقي لرسالة الأنبياء في بناء الحضارة.

والأمر الجوهري العام الآخر، أي: البيان المنهجي والمنظم لتعاليم الدين، إنّما يندرج بدوره ضمن دائرة إمكانات علم الكلام. أمّا العلوم الأخرى فهي إمّا لم تدخل بعد في حقل المعارف الإسلامية الخاصة (من قبيل: الفلسفة)، وإمّا إنّها من العلوم الجزئية والعاجزة عن بيان منظومةٍ منهجيةٍ للدين (من قبيل: الفقه والأخلاق). وفيما يتعلّق بالفلسفة يجب القول بطبيعة الحال: إنّ هذا العلم مضافًا إلى عدوله عن الدائرة العلمية[1]، لا يحتوي كذلك من الناحية الأسلوبية على نظرةٍ توثيقيةٍ وتفصيليةٍ إلى مصادر الدين، على حين أنّ علم الكلام فضلًا عن اشتماله على رؤيةٍ توثيقيةٍ واستنباطية، يحتوي على أسلوبٍ عقليّ عامٍّ أيضًا.

وفيما يتعلّق بالقابلية الخاصّة للكلام في دائرة المباني الإبستيمولوجية يجب القول: إنّ علم الكلام ـ خلافًا للذين يرون الفلسفة أكثر منها سعةً من هذه الناحية ـ ولا سيّما في المرحلة الأولى منذ القرن الهجري الثاني إلى بلوغه الذروة في المدرسة البغدادية عند الإمامية، والمدرسة البصرية عند المعتزلة، أكثر ثراءً وتعيّنا [من الفلسفة] في مختلف الأبعاد. إنّ الكلام في المساحة الإبستيمولوجية يشتمل أولًا: على مسائل معرفيةٍ وإبستيمولوجيةٍ متنوّعة، وثانيًا: إنّ علم الكلام ـ خلافًا للفلسفة الراهنة التي تنزلت بالعقلانية إلى المنظومة القياسية[2] فقط ـ يعمل على توظيف مختلف المصادر

(143)

المتنوّعة الأعم من المشهودات والتجربيات وحتى الخواطر[1]، بمعنى أنّ علم الكلام علمٌ متعدّد الأساليب[2] وليس متّحد الأسلوب[3] نرى أنّ الفلسفة الإسلامية الراهنة التي تسعى إلى مجرّد الحصول على اليقين بالمعنى الضروري (في المعنى الأخص)، قد اقتصرت من الناحية العملية على القضايا التحليلية أو شبه التحليلية، في حين أنّ المتكلّمين من خلال تأكيدهم مراتب المعرفة والتفكيك والفصل بين اليقين السايكولوجي واليقين الإبستيمولوجي، يضعون الثاني في مدار الأبحاث. وهذا بطبيعة الحال ناشئ من الرؤية الواقعية في علم الكلام؛ إذ يَعدُّ العقل حجةً بوصفه كاشفًا عن الواقعية الخارجية، وليس الأنظمة المفهومية والأصل الموضوعي. وثالثًا: إنّ مبحثًا مهمًا للغاية من قبيل العقل العملي الذي يؤدّي دورًا مباشرًا في بناء الحضارة ـ على الرغم من قيامه على أبحاث العقل النظري ـ قد تمّ بحثه في علم الكلام بنحوٍ أكثر بكثير من الفلسفة، ثم إنّ العقل العملي في الفلسفة الإسلامية قد تعرّض للإخفاق والفشل بسبب سقوطه في عاصفة العقلانية اليونانية (العلمانية). إنّ العقل العملي في الفلسفة قد تنزّل في نهاية المطاف إلى المشهورات والمقبولات العامة، وانحصرت مهمته في الجدل والإقناع دون صناعة المعرفة، وأمّا في علم الكلام فمن خلال القول بواقعية القيم الأخلاقية وإضفاء الاعتبار للعقل العملي، تم تمهيد الطريق للحكمة العملية في الإسلام على أساس أصل العدل والحُسن والقبح العقلي.

يجب القول بوضوح: إنّ عدم اعتبار واقعية المقولات العملية في الفلسفة الإسلامية الراهنة، يُعدّ واحدًا من الموانع الجادّة في طريق بناء الحضارة الإسلامية؛

(144)

إذ بناءً على اعتبارية القِيَم الأخلاقية وإرجاعها إلى الأمور الاجتماعية المشهورة والمقبولة، لن يكون هناك بعد ذلك موضعٌ لأخذ الحكمة العملية الإسلامية بجديةٍ في المنظومة الفكرية لدى المسلمين، وهذا الأمر سيفتح الطريق أمام حضارةٍ علمانية.

ومن بين القابليات الخاصة الأخرى لعلم الكلام في بناء الحضارة التي تمسّ الضرورة إلى طرحها في الأبحاث الحضارية، هي مباني المعرفة الدينية، وهي أمورٌ من قبيل: مساحة الدين، وحاجة الإنسان إلى الدين، ومنزلة الدين في الحياة الفردية والاجتماعية، والعلاقة بين الدين والحياة وما إلى ذلك من المقولات التي كانت مطروحةً في أبحاث المعرفة الدينية من علم الكلام، وقد تمّ إحياؤها اليوم ثانية في علم الكلام الجديد. ولا يخفى ما سيكون لهذه الأبحاث من التأثير على معرفتنا الدينية في حقل بناء الحضارة.

القابلية الأخرى لعلم الكلام هي بحوث نظام الفاعلية في الوجود. ففي علم الكلام تمّ التفريق أولًا ومنذ البداية بين الفعل والعلة. وثانيًا: إنّ نظام العالم من الخالق تعالى إلى جميع الكائنات والبشر قائمٌ على أساس الفاعلية. ومن هنا يمكن على أساس المباني الكلامية عدّ الإنسان كائنًا حيًّا مريدًا، وعدّه ضمن مسار بناء الحضارة الفاعلة الرئيسة، في حين أنّه طبقًا للنظرة العلّية، إذ تكوّن كلّ شيءٍ بنحوٍ سابق، وعلى نحوٍ جبري، حيث لا يوجد أيّ اختلافٍ بين الإنسان والشجر والحجر، لا يكون هناك موضعٌ ولا وظيفةٌ من الناحية العملية لمثل هذا الاعتبار والخطاب.

وفي هذا الإطار لا بدّ من الإشارة إلى القابلية الخاصّة لبعض الأبحاث المذكورة في علم الكلام تحت عنوان (التكليف)، والتذكير بأنّ الكتب الكلامية للمتكلمين المتقدّمين تبدأ من موضوع التكليف، ويرون للعالم نظامًا مسؤولًا، بمعنى أنّ العلاقة بين الإنسان والحق تعالى تقوم على أساس مسؤولية الإنسان في الوجود، بما في ذلك تغيير الأوضاع في الاتجاه المطلوب.

(145)

إنّ مبحث (الإمامة والخلافة) في الكلام الإسلامي واحدٌ من الحلقات المباشرة والمتصلة بين هذا العلم والمساحات الحضارية. إنّ نظريات الإمامة في تاريخ الكلام الإسلامي لا تكشف عن الأسلوب التحقيقي في حقل المجتمع من زاوية المذاهب فقط، بل تعبّر أيضًا عن تجربةٍ عينيةٍ للإدارة الدينية في الدائرة السياسية والاجتماعية أيضًا. إنّ دراسة التراث العريق فيما يتعلّق بالإمامة يكشف عن جهودٍ متواصلةٍ للمواءمة بين القيم الدينية والواقعيات العينية. وفي هذا الشأن تشتمل الإمامة الشيعية على خصائص تضعها في أفقٍ رفيعٍ من الرؤية الحضارية، ومن ذلك أولًا: أنّ الإمامة الشيعية من خلال اتصالها بمصادر فهم الدين ومرجعية المعارف الدينية، تسد الطريق على تسلل القراءات العلمانية للحضارة. وثانيًا: أنّ الإمام هو خليفة الله ويتصرّف بالنيابة عن الحق تعالى، بمعنى أنّه في نظرية الإمامة الشيعية، تمّ تخويل الإمام إمكانيّة التغيير والتحول الإنساني، ومن هنا فإنّ دائرة ولايته لا تقتصر على المجتمع المؤمن فقط، بل تتسع لجميع البشرية وكامل التاريخ الإنساني.

وعلى هذا الأساس فإنّ مدار الإمامة في رؤية القرآن وأهل البيت يذهب إلى أبعد من مجرد الولاية السياسية، ليشمل الولاية الاجتماعية وما هو أبعد منها حيث هداية النفوس والأرواح وقيادة جميع الأوضاع الإنسانية في الاتجاه التوحيدي. وثالثًا: يمكن للإمام أنْ يكون مصدرًا للتشريع، وهذا يعني القدرة على خلق الأوضاع الجديدة والتكامل في مسار الحركات الاجتماعية والتاريخية. ورابعًا: أنّ أفق المهدوية في الإمامة الإسلامية يضع أمامنا في الواقع مدينةً فاضلةً حقيقية، لا مجرّد مدينةٍ افتراضية، ويعمل هذا الأفق على بلورة مسؤولية الحركة نحو الأهداف الإنسانية السامية. يضاف إلى ذلك أنّ الاعتقاد بإمامٍ حيّ ـ دون إمام سوف يولد في المستقبل ـ يساعد على إضفاء الحيوية على الحركات المؤسسة للحضارة، إذ يرى الناشط المسلم نفسه في بقعة ضوء الحضور المعنوي والمؤثّر لشخصية عالمية وتاريخية، ويرى سعيه

(146)

منسجمًا مع مسار قائدٍ إلهي عظيم. كما أنّه من خلال الاعتقاد بنظرية ولاية الفقيه في عصر غيبة الإمام المعصوم  عليه‌السلام يؤمن في الواقع بتطبيق أهداف الإمامة في ظروفه الزمانية والمكانية المحدودة. وخامسًا: أنّ ضرورة حضور الإنسان الرباني في بلورة الحضارة العالمية على أساس مفهوم الإمامة الشيعية، تعني أنّ إمكان الوصول إلى الغاية لا يمكن بوساطة التمسك بالشريعة والتعاليم الدينية فقط، بل إنّ تغيير الظروف في الاتجاه المطلوب إنّما يمكن مع وجود إنسانٍ ربّاني، وهو الإمام الذي ولد في ظلّ هذه الظروف الدنيوية، وعاش في كنف هذه الظروف.

ومن بين الموارد الأخرى لقابليات الكلام في البحث الحضاري هو البحث المتعلّق بالإنثروبولوجيا الكلامية المعتدلة، إذ يُقدم بخصوص العلاقة القائمة بين الروح والجسد نظريةً معتدلة، لا تضيّق الخناق على الحياة المادية وتكبت الجسد من جهة، ولا تسمح للروح بالخروج والتنصل عن مدار الحياة البشرية من جهة أخرى. وفيما يلي نشير ـ من بين أبحاث الإنثروبولوجيا في علم الكلام ـ إلى أحد الأبحاث المؤثّرة في دائرة الدراسات الحضارية بالتفصيل، عسى أنْ تشكل نموذجًا لتوسيع المعارف الكلامية في دائرة الدراسات الحضارية.

محورية العقل والإرادة في الإنثروبولوجيا الكلامية

يمكن من خلال تحليل عناصر الهوية الإنسانية إيضاح كيفية الوصول إلى الحياة الحضارية إلى حدٍّ ما؛ لأنّ الحضارة نتاجٌ إنسانيّ منبثقٌ عن حاجة الإنسان والعناصر المكوّنة لهويته الذاتية، بيد أنّ شرط النجاح في هذا المسار أنْ يتمّ وصف هذه العناصر بنحوٍ واقعي وجامع، مع عدم إبعاد أيّ واحدٍ من العناصر الوجودية في الإنسان لصالح الأبعاد الأخرى. إنّ هذا الاتجاه الواقعي الجامع في معرفة الإنسان يمكن أنْ يتبلور ضمن الإنثروبولوجيا الكلامية بنحوٍ حَسَنٍ.

(147)

طبقًا للرؤية الكلامية تعدّ الهوية الأساسية والرئيسة للإنسان هويةً مفتقِرة، يتمّ تزويدها بجميع الكمالات ومن بينها العقل والإرادة، ويمكن سلبها عنه واسترجاعها منه. إنّ الإنسان هو الـ (أنا) التي تتزيّن بنور العقل، ومن خلال منح الإرادة لها، تغدو مريدة[1]. وفي هذا البين بوساطة حضور الـ «أنا» الإنسانية بين عنصري الإرادة والعقل نحصل على وحدةٍ تركيبية. وهذا ـ بطبيعة الحال ـ لا يعني إلغاء ونفي الوجوه الأخرى في الحياة الإنسانية، من قبيل: العواطف والرغبات، بيد أنّ الذي يجعل الإنسان من وجهة النظر الكلامية مسؤولًا ويميّزه من الحيوانات الأخرى هو العقل والإرادة؛ لأنّ العقل والإرادة هما اللذان يعملان على تحرير الإنسان من الرضوخ لقيود القوانين والسنن. وعلى هذا الأساس يعدّ هذان العنصران أساسيين، وسائر العناصر الأخرى عناصر تبعيةً.

وفيما يتعلّق بمكانة العقل والإرادة ومنزلتهما في الهوية الإنسانية، يجب القول أيضًا: إنّ هذين العنصرين يتمّ تقديمهما إلى الإنسان في عرضٍ واحد، مع فارق أنّ العقل يقوم بمهمّة التشخيص، بينما تقوم الإرادة بمهمّة الاختيار. وبعبارة أخرى: إنّ تطبيق المعطيات العقلية وكيفية توظيفها ومساحتها يعدّ نشاطًا إراديًا. ثم إنّ الإرادة ـ خلافًا للقول المشهور في الفلسفة الإسلامية ـ ليست عاطفةً شديدة، بل هي سلطةٌ واقعيةٌ للإنسان على فعله وتركه. وبطبيعة الحال فإنّ العقل في المعنى الخاص هو الكمال الممنوح والحجّة القصوى التي تنتهي إليها حجية جميع الحجج الأخرى؛ لأنّ العقل هو المصدر الوحيد لتشخيص ما في الضمير، وإنّ العلم المنبثق عن كلّ دليلٍ خارجي إنّما يتم تقييمه بهذه الحجة الداخلية. وطبقًا للقرائن الكثيرة

(148)

يمكن القول: إنّ (الجهل) في الاستعمال القرآني في قبال «العقل» إنّما يكون بهذا المعنى، وليس بمعنى عدم العلم. إنّ القرآن الكريم يعبّر عن «عدم العلم» بقوله (لا يعلمون)، في حين أنّنا نجد في المفهوم القرآني للجهل استعمال ادّعاء العلم والتمييز، والكثير من القابليات العلمية الأخرى، من قبيل: المحاسبة والحفظ والتدبير وتوفير الظروف أيضًا.

ولا ينبغي ـ بطبيعة الحال ـ الغفلة عن معطيات العقل؛ لأنّ هذه المسألة تحظى بأهميةٍ بالغةٍ في بيان النسبة بين علم الكلام وحقل الدراسات الحضارية. وعلى أساس التفاوت بين معقولات ومتعقلات العقل، يمكن أنّ نعدّ أربعة أنواعٍ للعقل، أو أربعة أنواعٍ للنشاط العقلي، وذلك على النحو الآتي:

1. العقل النظري، الخاصّ بحقل الوجود والعدم.

2. العقل العملي، الذي يرتبط بمعرفة ما يجب وما لا يجب.

3. العقل المكتشف، الذي يدرك معاني الرموز والدلالات.

4. العقل الآلي، الذي يتابع الأوضاع القائمة بين الأهداف أو القِيَم من جهة، والواقعيات من جهةٍ أخرى.

إنّ العقل التدبيري أو عقل المعاش الذي ورد التعبير عنه في المعارف الدينية الذي هو من شؤون العقل الآلي، يعمل على تدبير شؤون حياة الإنسان على أساس القابليات والأمور المطلوبة والمنشودة. وبطبيعة الحال يمكن الاستمرار في هذه التقسيمات، وإثبات أنّ العقل النظري ـ على سبيل المثال ـ يدرك أحيانًا الأمور الكلية، ويدرك الأمور الجزئية والطبيعية أحيانًا أخرى، ومن هنا يمكن لنا الكلام حول النسبة بين العقل والحس أيضًا.

 

(149)

النسبة بين العقل والإرادة

بعد اتضاح مفهومي العقل والإرادة ومكانتهما، ننتقل الآن إلى الحديث عن النسبة بين هذين المفهومين [العقل والإرادة]. ويمكن لنا في هذا الشأن أنْ ندافع عن التعقّل بمعنى توظيف العقل من قبل الإرادة في مختلف التطبيقات. إنّ التعقّل مسارٌ إراديٌّ للحصول على المعطيات العقلية، وإنّ العامل في هذا المسار هو الإرادة وأداتها التطبيقية هو العقل. وإنّ الذي ينتج عن هذا المسار هو الذي يُسمّى بالعقلانية، وفي الحقيقة فإنّ العقلانية نوعٌ من رؤية الإنسان ونظرته إلى نفسه وإلى العالم المحيط به، حيث يتأثر بتوظيف العقل ـ أو التعقّل ـ فيما يتعلّق بمختلف وجوه الحياة البشرية وأبعادها. إنّ العقل كاشفٌ عن أنّ العقل لا يقبل الخطأ، ولكن عندما تتولّى الإرادة الإنسانية توظيف هذا العقل، ربما عملت على تنظيم مسارٍ يؤدّي إلى خليطٍ من العقل والجهل، فيتمخض بالتالي عن وعي خاطئ أو غير دقيق.

إنّ الإرادة الإنسانية في التعلّق لا تكتفي بمجرّد المدركات البسيطة الحاصلة من الداخل والخارج، بل تعمل على البناء التنظيمي في امتداد المعرفة العلمية. إنّ البناء التنظيمي والتنظيري يتم من خلال توظيف القابليات الإنسانية في موطن النفس. إنّ الالتفات إلى موقع الإرادة بوصفها عنصرًا بناءً، وإلى موقع العقل بوصفه كاشفًا عن الحقيقة، يحظى بأهميةٍ كبيرة؛ ففي هذا المسار تقوم الإرادة بنشاطٍ معرفي، لا أنّها تحصل على المعرفة بنفسها. فالمعرفة على كلّ حالٍ من وظائف العقل، وأمّا الإرادة فتباشر الفعل والصنع. قد يتحقّق نوعٌ من الصنع في مسار التعقّل والمعرفة، إلا أنّ صنع الفعل يتمخض عن الإرادة بشكلٍ متواصل، إذ تكون معرفيةً حينًا، وعينيةً وخارجيةً في أحيانٍ أُخر.

(150)

إنّ هذا البناء التنظيمي الصادر عن الإرادة، يتمكّن من العمل على توسيع المعرفة أو تضييقها. إنّ هذه الرؤية التي تمتد بجذورها في الكلام الإسلامي ومذهب أهل البيت عليهم‌السلام، تضع حدًّا وفاصلًا دقيقًا بين الإفراط والتفريط في المعرفة، إذ يذهب أحد الجانبين إلى عدّ جميع المعارف الإنسانية من شؤون العقل، ويذهب الجانب الآخر إلى عدّ كلّ معرفةٍ أمرًا مختلقًا وخاليًا من التعبير عن الحقيقة والواقع. إنّ هذه القابلية الإنسانية في التعاطي بين العقل والإرادة هي التي يصطلح عليها بـ (الإنتاج الفكري).

وعلى هذا الأساس فإنّ الاختلاف بين التعقّل والعقلانية الحاصلة منها، يكمن في أنّ الإنسان يصل إلى المعرفة تارةً من خلال توظيف العقل مباشرة، وتارةً أُخرى يعمل على تنظيم معرفته في إطار صنع الإرادة. إنّ الفصل بين التعقّل والعقلانية يحظى بالأهمية من جهاتٍ عدّة، أوّلًا: إنّ الشخص يصادف وجود هذين الأمرين في موطن النفس مقترنين، ويمكن لذلك أنْ يتسبّب في الخلط بينهما. وثانيًا: يمكن لهذا التفريق أنْ يوضّح قدرة الفرد في مسار بناء المنظومة المعرفية، ويكشف عن تفاوت الأنظمة المعرفية ونسبتها إلى التعقّل الأصيل. وثالثًا: إنّه يحافظ على إمكان ارتباط المنظومة المعرفية بالعينية الخارجية. وتكمن أهمية النقطة الثالثة من حيث إنّه عند انقطاع الارتباط مع الخارج، لن يكون هناك إمكانٌ للإخبار عن الخارج وتحصيل العلم أبدًا. ومن خلال الفصل بين التعقّل بوصفه طريقًا إلى تحصيل المعرفة، والعقلانية بوصفها نتيجةً للجهود العقلانية، يمكن للعقل تزويد الفرد بالمعرفة عن تطابق المعارف والمنظومات المعرفية مع الواقع وعدمه. وعلى هذا الأساس فإنّ الفرد يواجه على الدوام توظيفين للعقل، وهما: التعقّل الأولي الذي يصون ارتباط الفرد بموضوع

(151)

المعرفة، ويمكن الرجوع إليه بوصفه معيارًا للمعرفة. والتعقّل الثانوي الذي يتم في إطار الأنظمة المنتَجة.

والخلاصة أنّ التعقّل هو حصيلة العلاقة الجدلية والديالكتيكية بين العقل وإرادة الفرد، وهو منوطٌ ومقيّدٌ بمقدار الاستفادة من العقل والإرادة. ومع ذلك فإنّ العقل على كلّ حالٍ هو الحاكم والسيّد في التشخيص الأول والأخير، ويمكن له أنْ يرصد حتى تدخّل الشهوة في تشخيصاته؛ لأنّ العقل من أجل إتمام الحجية على الإنسان يجب ألّا يكون محكومًا للعلاقات الجبرية الخارجية والداخلية، الأعم من العلاقات النفسية والاجتماعية والتاريخية. وبالاستناد إلى سيادة وحاكمية المعرفة العقلية هذه، يمكن للفرد في كلّ لحظةٍ أنْ يُغيّر من الظروف والشروط المحيطة بل والتاريخية أيضًا، ويأسس على أنقاض ذلك حياةً أخرى أو حضارةً جديدة. وإنّ الدعوة القرآنية إلى الهجرة والقيام، والدعوة إلى أصل التوبة في التحول الداخلي والوجداني، تمثّل شاهدًا آخر على هذا الإمكان الماثل من الظروف البيئية المحيطة بالفرد، وعدم خضوع عقله وإرادته للظروف والشروط المحيطة به.

إنّ مثلث العقل والتعقّل والعقلانية، والفصل بين هذه الأضلاع الثلاثة، من شأنه أنْ يعمل على إيضاح الخلط الشائع في هذا الشأن. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن القول: إنّ هيجل قد أخذ التعقّل خطأً في قبال العقل، وتحدّث عن حركة وتكامل العقل في التاريخ[1]. كما خلط أصحاب النزعة التاريخية في الواقع بين العقل والعقلانية، ومن هنا عندما تحدّث بعض المفكّرين، من أمثال: محمد أركون أو محمد عابد الجابري عن العقل الإسلامي أو العقل العربي، إنّما

(152)

كان مرادهم من ذلك خصوص العقلانية[1]. بل يبدو حتى من ابن خلدون أنّه قد خلط في نصوصه بين العقل والعقلانية أيضًا[2].

وهنا رغم تأكيدنا السابق السيادة والحاكمية الحاسمة للعقل، نُصرّ كذلك على أنّ العقلانية ـ بسبب تأثيرها المباشر في اتخاذ القرارات، وحتى في منظومة الأفكار والميول ـ تحظى بمكانةٍ خاصّة. إنّ النظام الأخلاقي العام، وأولويات الإنسان في مقام العمل رهن بالعقلانية المنظمة بنحوٍ مباشر. وبعبارةٍ أخرى: إنّ قيادة الحياة الإنسانية تتم عبر العقلانية المنتجة من قبل الإنسان نفسه، أو العقلانية التي يرثها من الثقافة والحضارة الإنسانية، على الرغم من أنّ هناك ـ كما ذكرنا ـ إمكانًا لتشخيص الآفات وتغيير هذه العقلانية على الدوام، وأنّ الفرد يتمتّع في هذا المسار بالإرادة والاختيار على نحوٍ طبيعي. إنّ السرّ في الحضور الفعّال للعقلانية في حياة الإنسان يكمن في أنّه لا يقوم بشكلٍ متواصلٍ بالمحاسبة العقلانية الواعية، بل على أساس منظومته الفكرية والاتجاه السابق عنده والمتمثل بالعقلانية، إذ يقوم بكثيرٍ من قراراته على نحوٍ لا شعوري، وهذا هو الذي يكون جزءًا من هويته الثانوية.

إنّ من بين الأدلة الأخرى التي تؤدي بالإنسان إلى الانتقال بنحوٍ طبيعي من مرحلة التعقّل الأولي، والعمل بنحوٍ إرادي على صنع منظومةٍ من النظريات والمفاهيم، هي الموارد الآتية: إنّ الإنسان بحاجةٍ إلى تنظيم معلوماته وتبيينها وتوضيحها، والعمل على الإجابة عن مجهولاته من طريق إيجاد الارتباط بين معلوماته السابقة. كما أنّه يسعى إلى تطبيق معلوماته وخاصّة إثر التفاهم مع

(153)

الآخرين. إنّ الحاجات الآنفة تستوجب التنظيم الفكري والتنظير بشكل طبيعي، وأمّا في المرحلة اللاحقة ـ وهي المرحلة الحضارية ـ فإنّه سوف يتأثّر بمقدار ما يسعى فيه إلى التفاهم مع الآخرين بقابلياتهم المفهومية والمعرفية. إنّ هذا التفسير للتفكير والمعرفة الإنسانية على خلاف التصورات الفلسفية والعرفانية التي لا تقول في الأساس بوجود دور للإرادة، وإنّ مبنى هذه الرؤية الفلسفية أنّها ترى أساس النشاط الجوارحي والعملي للإنسان يكمن في السعي الجوانحي والنفسي للإنسان، أي فعل المعرفة الإنسانية، وإنّ مسار المعرفة من وجهة نظر الفلاسفة المسلمين أمرٌ جبري وغير إرادي.

بعد تبلور المصنوعات الذهنية، يمكن للفرد أنْ يُطلّ من نافذة هذا النظام المعرفي الصناعي ويلقي نظرةً ثانيةً على الكون والإنسان، وتكون لديه أفهامٌ جديدة. ونطلق على هذه الأفهام الجديدة مصطلح (التعقّل الثانوي). كما يمكن تسمية هذا التعقّل الثانوي بـ (التعقّل الجمعي) أيضًا؛ لأنّ الفرد في أثناء التفكير وبناء النظام، غالبًا ما يستعين بالأدبيات والثقافات والعلوم المعاصرة وحتى النظام الأخلاقي المحيط به، على الرغم من أنّ هناك في التعقّل الأولي تأثيرًا للغة والزمان والمكان أيضًا، بيد أنّ دور هذه الأمور في مسار الفهم شأنٌ تبعي.

أما الخطوة الثالثة في التعقّل ـ التي تحدث في ظلّ ظروف وشرائط خاصّة فقط ـ فهي تكمن في تبلور «العقلانية الحضارية»، وذلك عندما تتحوّل المحورية الفردية، أي الاعتقاد والثقافة والأخلاق والحاجات الفردية، إلى الاعتقاد والأخلاق والحاجات الجماعية.

في هذه المرحلة تشتبك الروابط والعلاقات الجماعية، وتتسق فيما بينها بنحوٍ تتبلور الأهداف والثقافة والحاجة المشتركة، وخلافًا لمرحلة التعايش والتعقّل

(154)

الجمعي، إذ كان الأفراد ينسقون هوياتهم في إطار النسبة مع الآخرين فقط، تغدو الهويات في المرحلة الحضارية هوياتٍ مشتركةً ومستقلةً عن الأفراد، وتغدو بوصفها نموذجًا للتفكير والسلوك موردًا لتبعية الأفراد. وفي المرحلة الحضارية تصل العلاقات الجماعية في مرحلة التحول إلى إنتاج الثقافة الجماعية المستقلة، بنحوٍ لا يجد حتى المخالفون لتلك الثقافة مندوحةً من التماهي مع ما هو عليه حال الجماعة. وفي هذه الحالة لا تكون مشاركة الفرد بالضرورة مشاركة «أنا» المعتقد في العلاقات الاجتماعية، بل تغدو القيم الأخلاقية والثقافة الجماعية هي مبنى التفكير والإرادة لدى الأفراد. وفي هذه المرحلة لا تكون إرادة الفرد أو إرادة آحاد الأفراد فردًا فردًا هي من يعمل على الدفع بالجمع قُدْمًا، بل الذي يعمل هو إرادات الأفراد في إطار الإرادة الجماعية التي حصلت على هويةٍ مستقلة نسبيًا. وعلى هذا الأساس يمكن في الحالة الحضارية أنْ يعمل العلماء والمفكّرون ـ دون أنْ يكون لديهم اعتقادٌ شخصي ـ على خدمة وتطوير العلم السائد والثقافة الحاكمة.

إنّ تحديد هذه المراحل في الحياة الإنسانية والمجتمعات البشرية، يمهد الأرضية لإمكان التوصيف النفسي لذات الإنسان وحالته، كما يجعل من التحليل التاريخي ـ الاجتماعي لمراحل تطوّر المجتمعات البشرية أمرًا ممكنًا. والنقطة المهمة أنّه قد تجتمع في آنٍ واحدٍ وبشكلٍ متزامن لدى الإنسان ثلاثة أنواعٍ من التعقّل: الأولي، والثانوي (الجمعي)، والحضاري. وفي الوضع الحضاري لا يمكن تحويل حتى علوم من قبيل الفلسفة إلى اعتقادٍ لدى الأفراد، بل تعمل بوصفها فصلًا مشتركًا حاكمًا على العلاقات والإرادات الجمعية. وعلى هذا الأساس فإنّ العلم والثقافة في الوضعية الحضارية وإنْ كانت من نتاج الإرادات، إلا أنّ هذا النتاج قد حصل

(155)

بنفسه على هويةٍ مستقلةٍ، وإنّ العمل على تغييرها يحتاج إلى آلياتٍ خاصّة، ولا يمكن تغيير هذه الهوية بوساطة الإرادات الفردية.

والخلاصة هي أنّ جوهر الحضارة إنّما يتبلور عندما يصل البشر إلى إنتاجٍ مشتركٍ للقيم والمفاهيم والمعتقدات على أساس الأهداف والمقاصد الخاصة. وما ذكرناه في هذه المقالة إنّما هو مجرد إشارة إلى قدرة مباني علم الكلام الإسلامي على إعادة إنتاج النظريات الحضارية. ويمكن تطبيق ما يشبه هذا النموذج تقريبًا على جميع القابليات المذكورة آنفًا في علم الكلام أيضًا.

 

 

 

 

 

 

(156)

 

 

المصادر

  1. أركون، محمد، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، بیروت، المركز الثقافي العربي، 1998 م.
  2. سبحاني، محمد تقي، الگوي جامع شخصيّت زن مسلمان، قم، مركز مديريت حوزه‌هاي علميه خواهران، دفتر مطالعات وتحقيقات زنان، 1382 هـ.ش.
  3. ـــــــــــــــــــ، «درآمدي بر جريان‌شناسي انديشه اجتماعي ديني در ايران معاصر»، مجلة: نقد ونظر، العددان: 43 و44، سنة 1385 هـ.ش.
  4. ــــــــــــــــــ، «درآمدي بر جريان‌شناسي انديشه اجتماعي ديني در ايران معاصر»، مجلة: نقد ونظر، العددان: 45 و46، سنة 1386 هـ.ش.
  5. طرابيشي، جورج، نظرية العقل، بیروت، دار الساقي، 1999 م.
  6. العروي، عبد الله، مفهوم العقل، بیروت، المركز الثقافي العربي، ط 2، 1997 م.
  7. هگل، گ. و. عقل در تاريخ، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد عنايت، طهران، دانشگاه صنعتی شریف، موسسه انتشارات علمی، طهران، 1356 هـ.ش.

 

 

 

 

 

(157)
(158)

 

 

قابليّات العرفان الإسلامي في الإنتاج الحضاري[1]

السيد يد‌الله يزدان پناه[2]

لغرض تقرير ظرفيات العرفان الإسلامي في إطار بناء الحضارة، يجب أنْ نعمل أولًا على بيان تصويرٍ واضحٍ عن مقولتَي العرفان والحضارة، وهو ما سوف نتعرّض له على نحو الإجمال. ثم سوف نطرح سؤالين أساسيين حول تقييم قابلية العرفان في بناء الحضارة، الأول: السؤال عن قدرة توصيف العرفان لظاهرة باسم الحضارة. والسؤال الآخر هو: السؤال عن القابليات الذاتية للعرفان في تحقّق الحضارة. وبعبارةٍ أخرى: تارةً يكون السؤال عن القدرة وقابلية التوصيف والتحقيق العلمي، وتارةً أخرى يكون السؤال عن القدرة وقابلية التحقّق العيني؛ ففي واحدٍ يكون الشأن التوصيفي والتفسير هو المنظور، وفي الآخر يكون المنظور هو الشأن العليّ. ومن هنا سوف نعمل في القسم الأول من هذه المقالة على إظهار قدرة توصيف العرفان للحضارة وآلياته في هذا الشأن، وسوف نعمل في القسم الثاني على بحث كيفية أداء دور العرفان في هندسة الحضارة الإسلامية.

 

(159)

التعريف الإجمالي للحضارة

في بعض الأنظار يتمّ فهم الحضارة وتعريفها بوصفها أمرًا ذهنيًا، ونوعًا من رؤية الفاعل المعرفي على المستوى الجمعي العام، وأمّا في هذه المقالة فلن يكون هذا النوع من الفهم هو المبنى، وإنّما ينظر إلى الحضارة بوصفها أمرًا أسمى من الثقافة التي لها حضورٌ عينيّ في المجتمع. إنّ الحضارة هي «نتيجة وتبلور الثقافة الناظرة إلى الحياة الواقعية». وبعبارةٍ أخرى: إنّ الحضارة تُبنى على أساس الثقافة، ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الثقافات غير الناضجة وغير المنتشرة والتي تسجّل حضورها في مستوياتٍ صغيرةٍ من الحياة الاجتماعية، لا تمتلك قابلية بناء الحضارة. إنّ فرضية هذا التعريف هي أنّ كلّ فكرةٍ ـ وإنْ كانت من قبيل العدمية ـ تمتلك قابلية الانتشار، ولكن ما أكثر الأفكار التي لم تنتشر أبدًا، ومن هنا يجب أنْ يتمّ العمل على تنمية الثقافة القائمة على فكرٍ خاصٍّ على نحوٍ جيّد، بل ويجب أنْ تكون هذه الثقافة ناظرةً إلى واقع الحياة، لتكون قادرةً على بناء الحضارة والحصول على الموقف الحضاري، ولكن حتى الثقافة قد لا تمتلك لمجرّد انتشارها هويةً حضاريةً بالضرورة، بل إنّ هذه الثقافة لو تحقّقت في جميع نقاط المجتمع واكتسبت صفة الواقعية الشاملة، فسوف تتحوّل إلى حضارة. وبطبيعة الحال فإنّ الحلّ والفصل الحاسم والنهائي لهذا النوع من التعريفات رهنٌ بطرح مباحث فلسفيةٍ ولا سيّما البحث عن كيفية وجود المجتمع والثقافة والحضارة بل وحتى التاريخ؛ حيث سيتم من خلال هذا الطرح العبور من الأفهام الاعتبارية.

إنّ تعدّد أنواع الحضارات ـ في ضوء هذا التعريف ـ يعود إلى إمكان تصوّر تعدّد أنواع الثقافات، وإنّ وجود الثقافات المتعددة إنّما يمكن الدفاع عنه من جهة أنّ الثقافة والحضارة كلتيهما ظاهرةٌ إنسانيةٌ بالكامل؛ بمعنى أنّ لدى الإنسان وجودًا شعوريًا وإراديًا، ولا جرَم أنّ المفهوم والحيث الشعوري/الإرادي يمور

(160)

في آحاد أفعاله ويموج في نشاطاته الفردية والاجتماعية. ومن هنا فإنّه بالنظر إلى اختلاف المعاني القائم على اختلاف الإدراكات والإرادات، يكون القول بإمكان ظهور أنواع الثقافات وأنواع الحضارات قابلًا للاعتراف[1]. وفي الواقع فإنّه في هذا الفهم كما يمكن الحديث في الحقل الفردي عن المعنى ثم الفعل الذي يعدّ تجسيدًا للمعنى الداخلي الكامن في الإنسان، كذلك في الحقل الاجتماعي يمكن الحديث عن الثقافة بإزاء المعنى في الحقل الفردي وتجسّد هذه الثقافة على نحوٍ شاملٍ وفي جميع شؤون الحياة، بوصفها حضارةً في إزاء العمل الفردي في جميع جوانبه، مع عدم الغفلة عن هذا التذكير المهم وهو أنّ الحضارة يمكن تصوّرها في أكبر الشرائح الاجتماعية للحياة البشرية، وأنّ كلّ مجتمعٍ صغيرٍ يقتصر على امتلاك مجرّد علاقات ومعطيات محدودة، لا يمكن عدّه حضارةً بالغة مرحلة التحقق والتعيّن؛ وإنْ كانت هذه التجمعات الصغيرة قد تمتلك في ذاتها قابلية نشر حضارة كبرى وبسطها؛ كما كانت المدينة النبوية تحتوي على قابلياتٍ ثقافيةٍ مترعةٍ وغنيّةٍ جدًا، حتى على شكل معطيات ومخرجات عينية ـ وإنْ على نحوٍ محدود ـ وإنّ هذه القابليات الحضارية للمدينة النبوية هي ذاتها التي وصلت في مسارٍ بالغ السرعة إلى أقصى نقاط العالم.

التعريف الإجمالي للعرفان

لقد اقترن ظهور العرفان في تاريخ الإسلام بمنعطفاتٍ ومعطياتٍ متنوّعة؛ وبنحوٍ عامّ فإن نقطة انطلاق العرفان تبدأ من الجهود المخلصة للوصول إلى الحق تعالى والقرب منه، وهو السعي الذي يتبلور داخل الإنسان ويمخر الأبعاد الوجودية منه، ليصل ـ من خلال تجاوز الأبعاد الضحلة والمتدنية من الحياة ـ إلى الأبعاد الباطنية

(161)

المتعالية. إنّ هذا السعي الذي يُسمّى بالسلوك، يحدث على نحوٍ حضوريّ وليس على نحوٍ مفهومي. إنّ نتيجة هذا السعي المواجهة مع الحقائق والوقائع الباطنية، الأعم من المراحل الإنسانية الداخلية وصولًا إلى الحقائق الباطنية لكلّ عالم الوجود. إنّ نتيجة تراكم هذه المعطيات في التجربة الجماعية للعرفان، قد أدّت إلى معطيين أساسيين، وهما:

1. علمٌ باسم العرفان العملي، وهو يعمل على توصيف مراحل وضوابط السلوك الداخلي، ويفتح موانع وترتّب المراحل.

2. العرفان النظري الذي يعمل على توصيف نتائج العارفين عن سلسلة مراتب الوجود ابتداءً من أعلى المراتب إلى أدناها، بيد أنّ للعرفان ـ بلحاظ حيثيته الاجتماعية ـ مخرجاتٍ أُخر من قبيل التأثير على الفن والأدب أيضًا، كما يتمّ الحديث كذلك عن «العرفان الأدبي» أيضًا.

القابليات التحقيقية للعرفان حول الحضارة بشكل علمي

قبل البحث حول القابليات التحقيقية للعرفان في حقل الحضارة، يجب الجواب عن هذا السؤال القائل: لماذا ينطوي البحث عن القابليات التوصيفية للعرفان على أهمية؟ وبعبارةٍ أخرى: قد يُشكل بأنّ العرفان إذا كان يساعد في تأسيس الحضارة وهدايتها، فإنّه سوف يكتسب موقعًا قابلًا للدفاع في نسبته إلى الحضارة، وإلّا فإنّ القدرة على توصيف ظاهرةٍ ما لا ينطوي على أهميةٍ كبيرة. وفي مقام الجواب لا بدّ من الالتفات أولًا: إلى أنّ الأدبيات واللغة التوصيفية والتحليلية عن أمرٍ عامٍّ باسم الحضارة من القلة بنحوٍ لو أمكن لعلومٍ متعدّدةٍ ـ من قبيل علم العرفان ـ أنْ توفّر جزءًا من اللغة العلمية التي تمسّ الحاجة إليها في هذا الشأن، أمكن التفاؤل بمواجهة الحضارة مواجهةً علمية، وإلّا سوف يكون توهّمًا مثاليًا بعيد المنال. وثانيًا:

(162)

إنّ العرفان بوصفه علمًا يمتلك القدرة على الحلّ والفصل الحاسم والنهائي للعُقد المعرفية في حاق الواقع، إذا أثبت قدرةً مناسبةً في وصف الحضارة، فإنّه سيعمل في الواقع على تقديم إضافة قيّمة إلى سلة العلوم التوصيفية للحضارة. فإن كون التوصيف متطابقًا مع صلب الواقع، يضفي قوّةً قاهرةً إلى الفكر والمواجهة البشرية مع الظواهر مورد التوصيف.

وعلى الرغم من ذلك كله فإنّه في إطار تقييم قابلية القدرة التوصيفية للعرفان عن الحضارة، يجب توجيه الاهتمام الأصلي إلى العلوم المنبثقة عن العرفان، أي: علم العرفان العملي، وعلم العرفان النظري. إنّ العرفان النظري والعرفان العملي، يعمل كلّ واحدٍ منهما على تحليل ظاهرة الثقافة والحضارة باتجاهين مختلفين؛ إنّ العرفان النظري يعمل على تفسير كلّ ظاهرةٍ متحقّقةٍ بوساطة الأسماء الإلهية، وكذلك التلاقح والدولة الأسمائية. وحتى الظواهر التي تحتوي على نوعٍ غير مطلوبٍ من الكينونة الشرعية، يمكن العمل على إيضاحها بوساطة هذا المسار أيضًا؛ وذلك لأنّ العرفان النظري يعدّ الحقّ تعالى صلب الوجود وأنّ ما سواه ليس سوى ظهورٍ وتجلٍّ عنه، ومن هنا فإنّه في توصيف مراحل تجلّي الحقّ تعالى في مرآة الكثرات الخلقية، يتحدّث عن تجلّي الذات في أسمائه وصفاته، ثم وفي مراحل أخرى يعدّ المخلوقاتٍ تجليًا عن هذه الأسماء والصفات الإلهية.

وأمّا في ساحة العرفان العملي فإنّ العمل على إيضاح الظواهر الثقافية والحضارية وتفسيرها، بل وكلّ أمرٍ آخر، سوف يكون في ضوء مقدار قربه وبُعده عن الحقّ تعالى. وسبب هذا التوجّه هو أنّ العرفان العملي يُعدّ من سنخ الطريق، وأنّ تحديد هوية الطريق رهنٌ بالمقصد والغاية أيضًا. وعلى هذا الأساس فإنّه بلحاظ أنّ المقصد والغاية من زاوية العرفان العملي ليست سوى الحق تعالى، وأنّ كلّ سعي إنساني يمثّل بدوره نوعًا من سلوك مسار، وأنّ تقييم الطرق بل وتوصيف هوية الطرق

(163)

رهنٌ بنسبة القرب والبُعد الذي سيكون لها من هذا المقصد، فإنّ القرب والبُعد من الله تعالى سوف يكون هو المعيار الأساسي لتوصيفات العرفان العملي حتى بشأن الحضارة؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّه يمكن عدّ الحضارات الماضية في مسار الحق تعالى مظهرًا لاسم الهادي وبيانها بوساطة دولة هذا الاسم، وعدّ الحضارات السائرة في طريق الباطل مظهرًا لاسم المضلّ الذي هو من أسماء الحقّ تعالى أيضًا.

وفي ضوء هذا النموذج يمكن عدّ أفق الحضارة العليا المنشودة للإسلام هي الحضارة التي يكون فيها اسم الله بوصفه جامعًا ومصدرًا للأسماء الأخرى لصاحب دولة الحق، وتكون من صدرها إلى ذيلها تمهيدًا للتقرب إلى ساحة الله سبحانه وتعالى، أي أنّها حضارةٌ توحيديةٌ بالكامل؛ بنحو تكون توحيديةً في مقام التحقّق والظهور، كما أنّها تدعو إلى التوحيد بنفسها أيضًا.

ومع غض النظر عن الأبحاث المعرفية، فإنّ العارف السالك بدوره يستطيع على أساس شهوده أنْ يدعي توصيف الحضارات والثقافات أيضًا؛ وذلك لأنّ كلّ ظاهرة تحتوي على تحقق ويمكن أنْ نعدّ لها تحقّقًا ذاتيًا، تمتلك باطنًا وملكوتًا، ويمكن للعارف أنْ يشهد كلّ ظاهرةٍ من هذا النوع بشرط امتلاكه للقوّة اللازمة، وأنّ شهوده هو رؤية تلك الناحية الملكوتية ذاتها؛ بمعنى الأسماء والصفات المكوّنة لتلك الظاهرة.

والنقطة المهمّة هي أنّ التوصيفات الحِكَمية والعرفانية الأخرى التي يمكن إطلاقها على الظواهر المتحقّقة والذاتية، مع الخروج من فرض اعتبارية الحضارة والثقافة، تقبل التطبيق عليهما. وبنحوٍ خاصّ يمكن الحديث عن مقولة الحركة الجوهرية ونظرية اتّحاد العمل والعامل الصدرائية في توصيف تحوّلات الحضارة. مع التذكير بأنّ الحركة الجوهرية ونظرية اتّحاد العمل والعامل لا تنطوي على أيّ دلالةٍ على اشتداد الحضارة بلحاظ السعادة وازدهارها، بل ويمكن توقّع توصيف

(164)

السقوط الحضاري لمثل هذا النموذج؛ وذلك لأنّ الإنسان والمجتمع الإنساني وتبعًا لذلك الحضارة بفعلها، يوجد التغيير في نفسه لحظةً بلحظة، ويعمل على بناء نفسه بنفسه، سواء تحرّك نحو التعالي أم سار نحو الضلال. وبشكل طبيعي فإنّ الأحكام والقوانين والسُنن الإلهية حاكمةٌ في جميع هذه الأمور، وإنّ الضلال في جميع السطوح والمستويات يتآكل من تلقائه، وسوف يؤدّي إلى الانحطاط الفردي والاجتماعي[1].

قابليّات العرفان في تحقيق الحضارة

يقال أحيانًا إنّ طبيعة العرفان في الأساس هي بنحو لا يمكن أنْ يكون لها قابلية مدنية. ومن هنا فإنّنا في دراسة القابليات الحضارية للعرفان، علينا أنْ نعمل أولًا على شرح ما إذا كان العرفان الإسلامي في الأساس يحتوي بطبيعته على قدرةٍ حضاريةٍ أم لا؟ ثم الانتقال بعد ذلك إلى بحث إمكاناتها الحضارية. وعليه فإنّنا نتناول هذا البحث في مقامين، وهما:

1. كيف يمكن للعرفان المُعْرِض عن الدنيا أنْ يبني حضارة؟

2. ما هي الأدوار المقترحة من قبل العرفان الإسلامي لبناء الحضارة الإسلامية الحديثة؟

1. العرفان المُعْرِض عن الدنيا والقدرة على بناء الحضارة

لقد تمّت إثارة بعض الأسئلة والتشكيكات فيما يتعلّق بقدرة وقابلية العرفان في بناء الحضارة؛ من قبيل قولهم: لمّا كان العرفان يحتوي على طبيعةٍ داخليةٍ وباطنية، ولمّا كان يستند إلى تعاليم من قبيل: الدعوة إلى الآخرة، والزهد، والقناعة، والعزلة وما إلى ذلك، فلا يمكن أنْ نتوقع منه بناء حضارةٍ ما؛ وذلك لأنّ كلّ حضارةٍ تحتوي على طبيعةٍ دنيوية، وعليه فإنّه من خلال الإعراض عن الدنيا وعدم التركيز عليها، يكون إمكان بناء الدنيا والحضارة من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.

(165)

إنّ السبب الرئيس في بيان هذا الإشكال يعود إلى الأنس الذهني والنظر إلى أنواع العرفان ذات الطبيعة الانعزالية بالكامل. وبعبارةٍ أخرى: في ظروف تحقّق بعض أنواع العرفان والتي نجد بعضها ينطوي على طبيعةٍ معرضةٍ عن الدنيا وتدبير شؤونها، يكون مثل هذا الحكم صادقًا بشأن هذا النوع من العرفان تمامًا، ولكن لا يمكن تعميم هذه الحكم على أنواعٍ أخرى من العرفان. من ذلك ـ في الحدّ الأدنى ـ أنّ العرفان الإسلامي الذي ليس له في كثيرٍ من التحليلات المتأخرة[1] من منشأ سوى الإسلام، فإنّه بسبب استناده إلى الإسلام، وعدم إعراض الإسلام عن الدنيا وتدبير الشؤون الدنيوية، لا يمكن وصفه بهذا الوصف. بل ويمكن القول على نحوٍ تعميمي: إنّ أنواع العرفان الديني في الأساس ـ بمعنى العرفان المنبثق عن جميع الأديان الإبراهيمية ـ مهما كانت معرضةً عن الدنيا، إلا أنّها بسبب الماهية الأساسية للدين الإلهي، مضطرةٌ إلا أنْ يكون لها توجّهٌ دنيوي، ولا يمكن إلغاء الجانب الظاهري وتدبير الدنيا في بعض جوانبها بالكامل.

كما كان لهذه النقطة في العرفان الإسلامي ـ الذي يمثّل النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طبقًا لجميع التقارير مركز الذروة فيها، بل ويتمّ التعبير عنه حتى في الأدبيات العرفانية بوصفه «خاتم المراتب» ـ نتيجةٌ وثمرةٌ في ماهية العرفان التاريخي أيضًا، وهي ذات الطبيعة القوية جدًا في الاهتمام بالدنيا عبر التأسي بسيرة النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وبعبارة أخرى: عندما يعمد فيلسوفٌ بمستوى صدر المتألهين إلى وصف النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه العقل الكل، ونتيجة لذلك يعدّ كلّ كلامٍ يصدر عن هذه المرتبة العليا بمنزلة الكلمة الأخيرة التي لا تقبل الخطأ، وإنّ نتيجته التلقائية والقهرية هي الإطاعة التامّة والكاملة من قبل العارف للشريعة؛ وهي الشريعة التي لا تتنكر

(166)

للدنيا أبدًا. ويمكن إقامة كثيرٍ من الشواهد على وجود مثل هذه الرؤية، ومن بينها:

إنّه بعد ظهور نظرية «الفناء» في العرفان الإسلامي، ظهرت مباشرةً نظرية «البقاء بعد الفناء» بوصفها مرحلة أكمل من «الفناء». إنّ شمس التبريزي في مقام إرشاد جلال الدين المولوي، يعمل على مقارنة مقولة «سبحاني ما أعظم شاني» لبعض العارفين، واهتمام النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالعبودية، ويُشير بذلك إلى أنّ مقام البقاء بعد الفناء هو المقام الأكمل من مقام الفناء. وإنّ المعنى الواضح لـ«البقاء بعد الفناء» ليس شيئًا سوى العيش بين الخلق بوصف الحق. وقد ورد حتى في السفر الرابع للعارف الكلام عن «الاهتمام» ورعاية شؤون العباد، وقد عُدّ حتى الذهاب إلى الخلق بالحقّ امتدادًا لتلك الأسفار المعنوية المتعددة. وفي توضيح هذه الرؤية قال بعض العارفين والشارحين للعرفان: لو أنّ الأنبياء كانوا في بُعد منشغلون بمحاربة أنفسهم، فإنّه في مجال آخر تحول جميع المجتمع إلى ساحة لمواجهة النفس. مع الالتفات إلى أنّ النظر إلى الأنبياء ومواقفهم وحركاته المتأسية بالقرآن الكريم في غاية الأهمية بالنسبة إلى العارفين. ومن الضروري التذكير بهذه النقطة في التحليل أعلاه، وهي أنّه عندما يكون العرفان داعيًا إلى الكمال، فإنّه يعمل على تنظيم رؤيته الكمالية في الاهتمام بالدنيا وأهل الدنيا والبقاء بعد الفناء ومدّ يد العون إلى الخلق تحت عنوان السفر الرابع، لا يعود هناك مجالٌ للادعاء بأنّ هذا العرفان مُعرضٌ عن الدنيا.

وبطبيعة الحال فإنّ هذا التحليل لا يعني تجاهل بعض الأفكار المتوسّطة والأولية وغير الناضجة في العرفان التاريخي أو وجود بعض السالكين المعرضين عن الدنيا، وقد قام كثيرٌ من العارفين المحققين بتوضيح هذه الظاهرة بشكل جيّد؛ ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ إعادة وجود السالكين المعرضين عن الدنيا والذين اكتسبوا مجرّد بُعدٍ فنائي، إلى قابليتهم القليلة والنقص فيهم. ومن هنا لا يمكن اتهام صلب العرفان الإسلامي بالإعراض عن الدنيا؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ محيي الدين ابن

(167)

عربي والقونوي ـ بوصفهما من قمم أفكار العرفان النظري ـ قد تحدّثا صراحةً عن الخلافة بالسيف (إقامة حكم الله)[1] في الرؤية العرفانية، وقد ذهب جلّ العرفاء إلى وضع ذلك في ذروة المقامات، وقالوا بأنّ الكمال النهائي للأولياء والأنبياء بعد الولاية والنبوّة والرسالة، الحكومة والزعامة الاجتماعية بالتنصيب الإلهي.

إنّ ابن عربي على الرغم من كلامه الكثير حول خلافة النبي آدم عليه‌السلام ومعنى هذه الخلافة، يذهب فيما يتعلّق بالخطاب الإلهي إلى النبيّ داودعليه‌السلام بقوله سبحانه تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ[2] إلى عدّها خلافةً أخرى، بمعنى أولًا: إنّه يرى أنّ شؤونًا من قبيل النبوة والرسالة والخلافة بالسيف ناشئة من المرتبة الباطنية للولاية. وثانيًا: يرى أنّ الرسالة شأنٌ اجتماعيّ إبلاغي للولي الإلهي وبوساطة قوّة ولايته. وثالثًا: يرى أنّ المرتبة الأقوى من ذلك والتي تنشأ من قوّة التوحيد والولاية، هي الحكومة والخلافة بالسيف للولي الإلهي. وعلى هذا الأساس فإنّه لا يعدّ آياتٍ من قبيل قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ[3] ناشئةً عن شأن النبوّة والرسالة للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، بل يراها ناشئةً عن شأن خلافته بالسيف[4]؛ إذ لا مشورة في تلك الشؤون التي يكون فيها كلّ شيءٍ من الحق تعالى.

إنّ قوّة هذه الرؤية بحيث أنّ السيرة العملية للكثير من العارفين حتى قبل محيي الدين ابن عربي، بل إنّ الأسلوب السلوكي للكثير من النحَل العرفانية، كان يقوم على مساعدة الخلق. إنّ خدمة السالك لعباد الله، لم تكن رؤيةً شاذة، بل كانت سيرةً عمليةً للسالكين. واللافت أنّه حتى في التوصيات السلوكية في مرحلة العزلة قد تمّ

(168)

تنظيمها بنحو لا تصدر الإذن بقطع ارتباط السالك بالكتلة الاجتماعية، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ الحضور في حلقات الذكر والولاية بالإضافة إلى الالتحاق بصلاة الجمعة والجماعات، تعدّ من التعاليم المؤكّدة في هذه المراحل.

يُضاف إلى ذلك أنّه يمكن الحديث عن طريقة فهم العارفين للظاهر ونسبته إلى الباطل. إذا كانت النسبة بين الظاهر والباطن هي البينونة التامّة، وعددنا العارف شخصًا باطنيًا، فإنّ اهتمامه بالظاهر يحتاج إلى أدلّةٍ مستقلّة، ولكن من خلال التأمّل في الأفكار العرفانية يتبيّن بوضوح أنّ الظاهر قد عُدّ مرتبةً من الباطن، ولا نرى أيّ أثرٍ لهذا الشرخ المزعوم أبدًا؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يذهب صدر المتألهين ـ خلافًا للأفكار المشائية التي تعدّ حقيقة النفس روحًا مجرّدة، وتبيّن تعلّقها بالبدن بوصفه أمرًا عارضًا ـ من خلال الاستلهام من الأفكار العرفانية إلى عدّ النفس حقيقةً ذات شؤونٍ تبدأ من أعلى المراتب إلى أدنى المراتب التي هي المرتبة الجسدية. وعلى هذا الأساس سوف يكون تدبير الجسد تدبيرًا للنفس، وليس تدبيرًا لأداة النفس. واللافت أنّ صدر المتألهين نفسه وعلى هذا الأساس يستنتج ضرورة الاهتمام بالأمور السياسية وتدبير الدنيا[1]. إنّ فهم العارفين للقلب الوارد في كثيرٍ من آثارهم، ينسجم بوضوح مع هذا الفهم له بوصفه هويةً واحدةً ممتزجةً بأعلى المراتب؛ أي الروح وصولًا إلى النفس الحيوانية المنطبعة في المادة.

والخلاصة أنّه عند فُهِم أنّ الجسم والروح أمران يقعان في عرض بعضهما، طُرِحت مشكلة تقدّم أحدهما على الآخر، وأمّا في الرؤية الطولية فلا وجود لمثل هذا الإشكال. والمؤيّد الآخر لهذه الرؤية هو أنّ عدّ الجسم مصداقًا للرحم، وضرورة صلة النسب لهذا الرحم والاهتمام به، وعدم الإعراض عنه، أمرٌ تمّ بيانه بوضوحٍ في

(169)

كتاب (مصباح الأنس) للفناري[1]. ثم إنّ اجتياز الطريق السلوكي نحو الباطن يبدأ في الأساس من الظاهر؛ بمعنى أنّ الظاهر يتدخل في أمر السلوك بنحوٍ جدي؛ كما تمّ عدّ الوصول إلى الباطن توقفًا ومحوًا بوصفه مرتبةً أدنى من الصحو بعد المحو، وتمّ مرّةً أخرى بيان الرجوع الباطني إلى الظاهر وتدبير الظاهر.

ومن الناحية التاريخية لا نرى أيّ تضادٍّ بين العرفان والتوجّه الاجتماعي، بل نشاهد توافقًا وتماهيًا تامًا فيما بينهما. كما أنّ هناك كثيرًا من الشواهد التاريخية التي تؤيّد بكلّ وضوحٍ تحقّق هذا النوع من الأفكار في صلب تاريخ العرفان؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ الزاهد المعروف بشر الحافي طبقًا للروايات التاريخية كان له تأثيرٌ كبيرٌ على قرارات الحاكم الجائر آنذاك في بغداد؛ بمعنى أنّ الزهد الذي انتهجه بشر الحافي لم يكن يشكل حائلًا دون تأثيره الاجتماعي. كما أنّ التأسّي بأمير المؤمنين عليه‌السلام واتّخاذه قدوةً من قبل أغلب الفرق الصوفية[2]، يشهد على أنّ الصوفي والعارف في الماضي التاريخي لم يكن يرى أيّ تهافتٍ بين الزهد والحضور الصارخ في المجتمع. وكذلك فإنّ قادة حركة السربداران من أمثال الشيخ حسن الجوري[3] من ذوي الاتجاهات العرفانية الجادة، لم يكونوا يرون أيّ تضادٍّ بين الرؤية التوحيدية وبين الجهاد الاجتماعي أبدًا، وبطبيعة الحال وبشكلٍ عامٍّ لم نجد عارفًا حضر في الساحة الاجتماعية ثم أعرب عن ندمه على هذا الحضور في المجتمع وكسر حاجز خلوته وسلوكه أو أنّه قد تمنّى لو لم يحدث ذلك.

إنّ هذه الموارد تقف إلى الضدّ من تلك التصوّرات التي يسعى العلمانيون إلى نشرها عن العرفان من خلال التعريف به بوصفه تعدّديًا ومتسامحًا إلى حدّ الافتقار

(170)

إلى أيّ موقفٍ تجاه أعداء الدين[1]. إنّ المواقف الواضحة لكبار العارفين في المراحل الاجتماعية والتاريخية تثبت الاختلاف العملي والنظري لهم عن الاتجاهات الحيادية، وإنْ كانت تحت ذريعة إثبات الحقّ للجميع، ومن ذلك أنّ محيي الدين ابن عربي ـ على سبيل المثال ـ كان يدافع بكلّ قوّةٍ عن الحرب ضد المسيحيين الصليبيين خلال ما يُسمّى بـ «الحروب الصليبية»[2]. وبطبيعة الحال هناك من خلط بين الحقل المفهومي لـ«السعادة الوجودية» و«السعادة السلوكية»، وذهب من الناحية العملية إلى عدّهما شيئًا واحدًا، وحملوا حكم العارف في حقل «السعادة الوجودية» على «السعادة السلوكية»، ليستنتج من ذلك أنّ العرفاء يقولون بأحقية الجميع، ولكن عند أدنى تأمّلٍ وتدقيقٍ في الاختلافات بين هذين المفهومين، يتّضح بطلان هذه النتيجة[3].

إنّ العارف متشدّدٌ في معرفة الحق جدًا ومن الصعب إقناعه، ومعياره في ذلك هو النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي يصفه بخاتم المراتب، بيد أنّ حجم تسامحه العملية بدوره يأتي بالتناسب مع سيرة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وهذا يختلف بطبيعة الحال عن الاتجاهات الكلامية التي كانت تؤدّي طوال التاريخ إلى الطرد والإنكار والتكفير. وإنْ كنا نشاهد ـ بغض النظر عن أصل الرؤية ـ اختلافاتٍ عمليةً واضحةً بين العارفين، وهذا أمرٌ طبيعي في حدود هذه المستويات، وله ما يماثله من الاختلافات بين الفقهاء المسلمين، بل وحتى الاختلاف بين الشيعة أنفسهم أيضًا؛ بمعنى أنّه بغض النظر عن أصل الرؤية العرفانية، يعدّ الاختلاف في سيرة العرفاء ـ العائد إلى اختلاف الأمزجة

(171)

الشخصية واختلاف نقاط التركيز ـ أمرًا مقبولًا؛ كما أنّ حجم الاختلاف في سيرة الفقهاء لم يؤدِّ إلى إنكار أساس وحدة تفكيرهم. وعليه فبالنظر إلى ما تقدّم يتضح أنّ الإشكال المطروح على العرفاء بشأن الإعراض عن تنظيم الدنيا، وتبعًا لذلك عدم توفّر القابلية المناسبة لدى العرفان من أجل بناء الحضارة، لا مورد له.

2. الأدوار المقترحة من قبل العرفان الإسلامي لبناء الحضارة الإسلامية الحديثة

وفيما يلي ننتقل إلى بحث أمرين، وهما: أولاًـ الدور المركزي للعرفان في بناء الحضارة الإسلامية. ثانياًـ دور العرفان من بين العناصر الإسلامية المؤسّسة للحضارة.

أ. الدور المركزي للعرفان في بناء الحضارة الإسلاميّة

إنّ الإسلام دين توحيديّ، وحتى الكثير من المفكّرين من غير المسلمين[1]، يرون أنّ نقطة امتياز الإسلام من سائر الأديان الأخرى تكمن في تفكيره التوحيدي، بل ويمكن القول ـ في ضوء رؤية العلّامة الطباطبائي وأضرابه ـ إنّ جميع الأحكام والمفاهيم الإسلامية في مختلف الأبعاد متفرّعةٌ عن التوحيد وبشأنه[2]، وعليه يمكن الإقرار بوضوح بأنّ ظهور هذا الدين في الأفق الحضاري ليس شيئًا سوى محاكاةٍ ودعوةٍ متواصلةٍ إلى التوحيد. ومع ذلك فإنّ الموقع المركزي للعرفان في إقامة مثل هذه الحضارة بالقياس إلى سائر العلوم الإسلامية الأخرى مهمّ للغاية؛ وذلك لأنّ العرفان ـ سواء على المستوى النظري أم العملي ـ يسعى من أجل بسط مفهوم التوحيد. كما يتمّ تعريف السلوك بوصفه تقرّبًا إلى الله سبحانه وتعالى، وحصيلة هذا

(172)

المسار بدوره ينعكس في العرفان النظري بوصفه ظهورًا للحقّ تعالى في جميع تجلّيات الخلق والوجود مع المفهوم المتعالي «لوحدة الوجود الشخصية».

والخلاصة هي لمّا كان الإسلام على مدار التوحيد وانعكاسه، وكان العرفان قد بسط ذاته وظهر على مدار التوحيد، فإنّ الحضارة الإسلامية سوف تتقبل الدور المحوري للعرفان بشكلٍ جيد؛ وذلك لأنّ كثيرًا من الأفكار التوحيدية قد تمّ تفصيلها وبيانها في منظومة العلوم والتراث العرفاني. وبشكلٍ أوضح ربما أمكن إعادة قراءة التوحيد الإسلامي ضمن المعيار الحضاري من زاوية التفكير الكلامي، بيد أنّ هذه الرؤية لا تحتوي أبدًا على العمق والثراء المطلوب والكبير الذي نشاهده في تعاليم الإسلام والقرآن الكريم. مع بيان أنّ الاتجاه الرئيس للكلام الموجود والتاريخي، هو اتجاهٌ جدليّ ويقوم في بعض الأحيان على العقل العُرفي، وهو بعيدٌ جدًا عن العقل الديني المزدهر والمتعمّق؛ فحتى لو تمّ توظيف العقل التبييني ـ الذي هو بصدد بيان كلّ موضوعٍ ومسألة بشكلٍ مستقل ـ يبقى غير خارج عن دائرة العقل الجدلي؛ وذلك لأنّ التفسير غير المنسجم مع الأفكار الدينية سوف يؤدّي إلى نوعٍ من التهافت المختبئ خلف الستار، وسوف ينطوي في الحدّ الأعلى على انسجامٍ بلحاظ الفاعل المعرفي على نحو الإجمال. ومن هنا فإنّ التأكيد على العقل الذاتي الذي يروم توصيف الواقع يُعدّ أساسيًا جدًا. وفي القرآن الكريم تتمّ إعادة حتى المشهد المتكثّر للحرب ـ الذي يبدو أنّه يُدار بحسب الظاهر بوساطة الأفعال وردود الأفعال البشرية ـ برؤيةٍ توحيدية، ولا يمكن توقّع مثل هذا الأمر إلّا من قبل العلوم العرفانية.

ب. دور العرفان من بين العناصر الإسلامية المؤسسة للحضارة

بالنظر إلى ما تقدّم من المطالب يجب العمل هنا على إيضاح ما هي العناصر التي تتلاءم فيما بينها لتعمل على تشكيل الحضارة الإسلامية، وهل كان لعلم

(173)

حضاريّ أم لا؟ وكذلك ما هي النسبة التي يمكن أنْ تقوم بين الحضارة المنشودة والماضي الإسلامي؟ وما هو الدور الذي يضطلع به علم العرفان في هذا الشأن؟ فيما يتعلّق بالسؤال الأول يجب الالتفات إلى أنّ الحضارة الإسلامية إذا أرادت أنْ تتكفّل بتوصيف نفسها حقيقة، فيجب أنْ تكون قد أخذت عناصرها الأصلية من الإسلام، وهي العناصر التي يمكن لها أنْ تضمن روح الإسلامية، ومع عدمها لا يعود هذا الإطلاق عليها صحيحًا.

ويبدو أنّ هناك في الدين الإسلامي ـ بمعناه العام، وليس بمعنى الأحكام والمناسك فقط‌ـ وجودًا لعددٍ من الأمور الأساسية؛ وهي أمورٌ لم تأتلف فيما بينها على نحو عرَضي أو تركيب اعتباري، وإنّما تآلفت بشكلٍ خاصّ على نحو الحقيقة. وإنّ هذه الأمور عبارةٌ عن: المعنوية، والعقلانية، والشريعة بالمعنى الخاص (الدين في دائرة أحكامه). وبعبارةٍ أخرى: إنّ الدين بمعناه العام يحتوي على هذه الأبعاد الثلاثة، وإنّ أيّ انفصالٍ بين أيّ واحدٍ من هذه العناصر سوف يؤدّي من الناحية العملية إلى نوعٍ من الانحطاط أو إلى تمظهرٍ حضاريّ ناقص. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن مشاهدة هذا الانحراف بوضوح بالإضافة إلى مواطن النقص الأخرى في جهود السلفيين المعاصرين بل وعند الوهابيين أيضًا بسبب تأكيدهم المفرط على بعض الجوانب الظاهرية من الدين.

إنّ نموذجًا من حساسية العرفاء المسلمين تجاه هذا النوع من الانحراف، يمكن مشاهدته في نقد الزهد الجاف والخشن في جزء من تيارنا الاجتماعي والتاريخي. وحتى ابن سينا قد عمد في النمط التاسع من كتاب الإشارات إلى نقد هذا النوع من الزهد بوضوح وعلى نحو جاد[1]. إنّ ما ذكر في كلمات الأساتذة وكبار العلماء

(174)

المعاصرين تحت عنوان القرآن والعرفان والبرهان لا تنفك عن بعضها[1]، أو ما ورد بيانه على لسان المتقدمين من أهل المعنى من حقول «الشريعة والطريقة والحقيقة» على تقرير، يعدّ بيانًا لهذا المطلب؛ كما نشاهد هذه الرؤية في فكر صدر المتألّهين ـ الذي يقع في المرحلة الثالثة من المراحل المتعددة للعرفان النظري ـ بل وقد تمكّن صدر المتألّهين من إيضاح وبيان كيفية هذا التوفيق والتماهي بشكل جيد[2].

إن أهميّة الالتفات إلى هذه العناصر الثلاثة من ناحيةٍ أخرى، تتمثّل في أنّ هذه العناصر الثلاثة على صلةٍ وارتباطٍ بالحقيقة والواقعية، وأنّ أخذ هذه العناصر الثلاثة بنظر الاعتبار، سوف ينطوي على نوعٍ من المراكمة الأسلوبية في الوصول إلى الواقع. وبطبيعة الحال فإنّ مجرّد انضمام هذه العناصر الثلاثة إلى بعضها لا يؤسس لتلائمٍ مطلوب، بل ويمكن بالإضافة إلى الأنظار التي تؤدّي إلى حذف أحد هذه العناصر المذكورة أو إلى حذف اثنين منها، أنْ نشير إلى أنظار وإلى تقارير في عين حفظها لجميع هذه العناصر الثلاثة، تقيم نسبةً مختلفةً بينها؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ التأكيد على العقلانية بنحوٍ يؤدّي إلى تضعيف المعنوية، يُعدّ من الآفات التي يمكن أنْ تهدد مجتمعنا الراهن، هذا في حين يبدو أنّ النموذج المنشود هو أنْ تقع العقلانية في صُلب المعنوية، ثم يعمد هذان الأمران إلى الحصول على ارتقائهما سنام الذروة من ينبوع الشريعة.

وكذلك في التيار الفكري التقليدي وإنْ تحقّق نوعٌ من المعنوية الجادة، بيد أنّ العقلانية والشريعة ـ على الرغم من تأكيدهما على ضرورة التمسّك بالدين ـ قد تم خفضهما من الموقف المطلوب إلى حدٍّ كبير؛ بحيث يمكن القول إنّ عقلانية هذه النحلة قد ابتعدت بوضوح عن عقلانية صدر المتألّهين. والوجه الآخر من عملة

(175)

هذه النسبة المنسجمة والمتناغمة، عبارةٌ عن عودة العقلانية برفقة المعنوية المحلّقة نحو الذروة إلى التراب والدنيا والجسد والتجربة.

لا شكّ في أنّ سيادة التلاؤم المطلوب لهذه العناصر الأربعة (العناصر الثلاثة المتقدّمة بالإضافة إلى عنصر التجلي والمعطى الدنيوي لها) على الفضاء الفكري والفهم العلمي، هو الذي يمكنه العمل على بناء الحضارة، وأنْ يظهر مخرجًا متناسبًا مع المقاصد الدينية؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ في الفقه الذي لا ينطوي على اهتمامٍ بالمعنوية، أو في علم الأصول الذي تضمحل فيه العقلانية، لا يكون هناك وجهٌ للحديث عن الحركة نحو آفاق الحضارة الإسلامية المنشودة. وحتى في الشقّ الفردي لو أنّ فقيهًا لم يهتم ـ مثلًا ـ بالواقعية الخارجية الدنيوية، لن يكون من المتوقع منه أنْ يأتي بعملٍ مناسبٍ من بعض الجهات، بل وحتى تشخيصه الموضوعي سوف يكون على نحوٍ خاص. ويمكن بيان كثير من المخرجات والمعطيات عن هذا النوع من المكوّنات في الحضارة الإسلامية القديمة؛ والتي تمثل محاكاةً لذات روح الدين الإسلامي بمعناها العامة؛ وإنّ بناء المسجد في وسط المدينة، وارتداء الثياب المحتشمة التي لا تجسّد تفاصيل الجسم أو التي لا تنطوي على تكبّر وخيلاء، من بين الأمثلة الواضحة على هذه التركيبة. وبطبيعة الحال يمكن إضافة عناصر أخرى إلى هذه العناصر الثلاثة المذكورة، ولكن يبدو أنّ هذه الموارد الأخرى يمكن استخراجها بالتحليل من صلب العناصر أعلاه بنحوٍ من الأنحاء؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن الحصول على وجهات النظر الفنية والمشاعر والعواطف الإنسانية المتناسبة مع هذا الفضاء من ذات هذه العناصر الثلاثة أيضًا.

إنّ سبب التأكيد على هذه العناصر الثلاثة يعود إلى اشتمالها على موقعٍ واقعي ونفس أمري، والتي تجلّت في نهاية المطاف في الدين بمعناه العام. وبطبيعة الحال فإنّ روح هذه العناصر الثلاثة قد انعكست في العلوم الإسلامية المتعدّدة بنحوٍ من

(176)

الأنحاء؛ من ذلك أنّنا نرى في الفلسفة الإسلامية نوعًا من النظرة العليا إلى النبيّ والدين الشامل، وإنّ عدّ النبيّ هو العقل الكل يمثل انعكاسًا لهذه الروح في الفضاء العقلاني. من الطبيعي أنّ سرّ ثبات كلّ أمرٍ يتبلور من خلال الاستناد إلى مثل هذه الروح، يكمن في صلب هذه النقطة، وهي أنّ هذه العناصر الثلاثة في الواقع هي التي تعمل على تشكيل الحقيقة، وفيما عدا ذلك فإنّ كلّ أمرٍ أو تأليفٍ آخر سوف يكون باطلًا بنسبة انفصاله وبُعده عن هذه الحقيقة. وفي مقام تحليل الحضارات، كذلك يمكن الحديث عن حضارات على الرغم من اشتمالها على بعض الامتدادات، تعاني من شكلٍ من أشكال «التآكل التلقائي»، وتشكو من التعارضات الداخلية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الباطل على الرغم من اشتماله على قدرةٍ في الظهور بالمقياس الحضاري، وإنّ هذه القدرة بدورها تنشأ من النسبة والاستعانة التي تحصل عليها من الحقّ، ولكن بسبب بطلانها تعاني أزمةً داخليةً من حيث البقاء والدوام، وسوف تكون حضارة الباطل زاهقةً بحسب المنطوق القرآني[1].

وأمّا المعطى العرفاني لتحقيق هذه العناصر الثلاثة (أو العناصر الأربعة، بعبارةٍ أخرى)، فيمكن تلخيصه ضمن الموارد أدناه:

أولًا: إنّ العرفان ظاهرةٌ ناظرةٌ إلى البُعد المعنوي، وقد عمدت على الدوام إلى تجسيد نوعٍ من تحقّق التعاليم الدينية وظهورها في الساحة المعنوية من خلال تجربتها التاريخية على الرغم من توجهها الجاد نحو الباطن عند الخوض في الظاهر. إنّ هذا الأمر من الأهمية بنحو لايجد حتى الناقدون المسلمون للعرفان، مندوحةً لهم سوى الاعتراف بهذه الحقيقة وهي أنّ الجزء الأكبر من العلاقات الأخلاقية في المجتمع الإسلامي قديمًا وحديثًا يعتاش على أخلاقٍ يتمّ توفيرها بوساطة الاتجاهات العرفانية. يُضاف إلى ذلك أنّ ضمان المعنوية من الأهمية بنحو أنّ الحضارة الغربية

(177)

الراهنة تسعى إلى ترميم تهافتها الداخلي من خلال تزريق نوعٍ من الأخلاق والمعنوية بعد التحقّق في الجسد الميّت لحضارتها أو عدم السماح بانهيارها في الحدّ الأدنى. والشاهد على هذا الأمر يتمثّل بالطرح الشامل لأبحاث، من قبيل: الأخلاق المهنية، والأخلاق الرياضية، والأخلاق الطبية، وما إلى ذلك ممّا تمّ لحاظه مؤخرًا بعد تحقق الأبعاد الحضارية بوصفها خطوةً منفصلة؛ رغم أنّ نتيجة مباني التفكير الغربي في حقل الحضارة سوف تكون عبارةً عن الأخلاق والمعنوية العلمانية، حيث يمكن الإقرار برؤيةٍ واقعية أنّها لا تشتمل على حقيقة الأخلاق والمعنوية، وإنّما تحتوي على شبحٍ منها. وبذلك فإنّ تبلور حضارةٍ ما على قاعدةٍ معنويةٍ عميقةٍ يمثّل شرطًا لبقائها وحاجةً أساسيةً لها، ويمكن للعرفان من هذه الناحية أنْ يكون سندًا أساسيًا في بناء الحضارة الإسلامية المعنوية.

وثانيًا: على الرغم من عدم اهتمام العرفاء في المراحل الأولى بالحيثيّة العقلانية لآرائهم وتصوّراتهم، ولكن تبلور بمرور الزمن تعاملٌ ثنائيّ ومتبادلٌ بين العرفان والفلسفة الإسلامية، وكانت حصيلة هذا الأمر إنتاج نوعٍ من العقلانية المعنوية الخاصة التي بلغت ذروتها في النموذج الفكري لصدر المتألّهين؛ كما أنّ معطيات العارفين تتخذ لغةً فلسفيةً وتكتسب تقريرًا عقلانيًا[1].

وثالثًا: إنّ العرفان يعمل على إظهار نموذجٍ من الالتزام بالشريعة، والاعتناء الجاد، والتبعية الدقيقة للتعالم والأحكام الدينية.

ورابعًا: إنّ أسلوب الفهم الديني المتأثّر بالاتجاهات العرفانية، ونعني بذلك أسلوب «التأويل»، يقدّم قابليةً عاليةً لبحث الطبقات المفهومية المتعدّدة في النصوص الدينية، بل حقائق العالم ومن بينها حقائق العالم الإنساني، من قبيل: الثقافة والحضارة. توضيح ذلك أنّه خلافًا للفهم المتداول للتأويل والذي يقول بأنّ معناه هو أخذ المعنى

(178)

المخالف للظاهر من النصوص، يذهب التأويل العرفاني إلى التأكيد على الحفاظ على ظاهر النصوص الدينية، والعمل في الوقت نفسه ـ ومن خلال الاستناد إلى الإمكان ـ على تحصيل المعاني الطولية والعرضية من الألفاظ والعبارات الواجدة لمثل هذا المعاني من النصوص. وفي فضاء الظواهر العينية كذلك يقوم العارف بأخذ الدلالات الخاصة من الأحداث الخارجية في نسبتها إلى الأحداث الداخلية. وعلى هذا الأساس يمكن أنْ ندّعي إمكانية الوصول ـ من خلال الاستعانة بالأسلوب التأويلي، بوصفه واحدًا من المعطيات العرفانية وليس بوصفه أسلوبًا لا يمتلكه غير العارف، بل بوصفه أسلوبًا يمكن تطبيقة في التفكير من قبل المطلعين على هذا الأسلوب بسبب ما يشتمل عليه من إمكانية الإثبات العقلاني ـ إلى نوعٍ من التأويل الحضاري الذي هو من نوع «الجَرْي»[1] من أجل فهم روح الحضارات وجوهرها، ولا سيّما من بينها الحضارة الإسلامية المتقدّمة، والتأسّي المحتمل في البناء الحضاري.

وبذلك يمكن الحصول بوساطة «الجَرْي الحضاري» على روح هذه المسائل والمعاني السارية في خلفيتها من خلال المسائل الجزئية المتحقّقة في الحضارة السابقة ولا سيّما منها الحضارة الإسلامية المتقدّمة، وحمل ذلك على المورد الجزئي الراهن الذي تحتاج إليه الظروف والشرائط. وإنّ بعض أعمال الفقهاء في مسارهم الاستنباطي قد جاء على أساس هذا الجَرْي من جزءٍ إلى جزء؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنْ يحكم فقيهٌ بحلّيّة أمرٍ من خلال تسرية مصداقٍ خاصٍّ في السابق إلى مصداقه الراهن، دون أنْ يكون العنوان من موارد منصوص العلة، يكون في الواقع

(179)

قد قام بنوعٍ من الجَرْي. إنّه بالنظر إلى روح القانون يقوم بإلغاء الخصائص العصرية لمصداق القانون، ثم يعمل على تطبيقه على المصداق الراهن. وبهذه الرؤية يمكن القول إنّ التصويت في الانتخابات هو شكلٌ معاصرٌ من أشكال البيعة التي یمکن من خلال الدقة العقلية استنباطها واستخراجها من داخل مصطلح «البيعة» المذكور في لسان الشارع المقدّس والنصوص. وبطبيعة الحال فإنّ الجَرْي لا ينحصر بالجَرْي من الجزئي إلى الجزئي، بل يكون هناك في بعض الأحيان تطبيقٌ لقاعدةٍ على مصداقٍ خاص؛ إذ يمكن عدّ ذلك من قبيل الجري من الكلي إلى الجزئي.

إنّ ما تقدّم ذكره حول خصوصية صدر المتألّهين في التأليف المنسجم والدقيق للعناصر الثلاثة المتمثلة بالعقلانية والمعنوية والشريعة، يمكن عدّه في الواقع نجاحًا له في نوعٍ من ترسيخ روح الدين بالمعنى العام. ومن هنا يجب عدّ إعادة قراءة هذا التلاءم في العصر الراهن وفي الظواهر الجزئية والكلية الثقافية والحضاية، يجب عدّه من قبيل الجَرْي أيضًا.

ومن خلال النظرة الجزئية حتى إلى ظواهر من قبيل: بناء المدن، و تصميم الأزياء والثياب والملبس، والرياضة، وإقامة العلاقات وما إلى ذلك من الظواهر في الماضي الحضاري للإسلام، يمكن أنْ يتوصّل الباحث إلى روح المظاهر الحضارية وأصولها، ومن خلال الاستعانة بالمعاني الزاخرة يمكن الحصول على حدسٍ قويّ بشأن البديل الراهن لتلك الظاهرة في إعادة طرحٍ منسجمٍ ومتناغمٍ مع التعاليم الدينية؛ من ذلك أنّ الرياضة في الماضي الإسلامي ـ على سبيل المثال ـ كانت زاخرةً باحترام الكبار والسادة الأشراف والأبطال من الرياضيين السابقين. ومن هنا فإنّ الرياضة في مقياس الحضارة الإسلامية المنشودة لا يمكن أنْ تخلو من مثل هذه العناصر.

وبطبيعة الحال فإنّ فرضية هذه الرؤية هي أنّ إمكان إعادة بناء الحضارة السابقة وإحيائها بمعنى إعادة خلقها، يُعدّ أمرًا منتفيًا، وإذا كان من المقرر للحضارة

(180)

الإسلامية أنْ تظهر حاليًا، فسوف تكون حضارةً جديدة، وهي وإنْ كانت في دعامتها الروحية تحتوي على كثيرٍ من المشتركات مع الحضارة الإسلامية، لا يعني إعادة خلقها أبدًا. ثم إنّ الحديث عن الحضارة الإسلامية المتقدّمة لا يعني تأييد جميع أبعادها ومظاهرها، بل يمكن القول في هذا الشأن إنّها كانت تحظى بمقدارٍ مناسبٍ من الروح الإسلامية الأصيلة؛ وإنْ كانت بسبب الانحرافات التاريخية قد ابتعدت عن النموذج الإسلامي المطلوب.

أسباب عدم تحقق الحضارة الإسلامية الحديثة

إنّ الأبحاث المتقدّمة، تدعو إلى طرح هذا السؤال القائل: إذا كان التراث العلمي، بما في ذلك التراث العرفاني الإسلامي متوفرًا، ومن خلال الاستناد إليه يمكن الحصول على روح المفاهيم الإسلامية وجوهرها، وإنّه من خلال فهم الروح والجوهر يكون الطريق إلى البناء الحضاري ـ ولا سيّما بوساطة «الجري الحضاري» ـ معبّدًا، فلماذا لم يتحقّق نجاحٌ في هذا الشأن على الصعيد العملي؟ وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال المهم، لا بدّ من الالتفات إلى النقاط الآتية:

1. إنّ السيطرة والسيادة السياسية تمتلك قوّةً استثنائيةً في بسط الحضارة، وفي ظلّ عدم توفّر هذه السيطرة ـ بغض النظر عن الموانع القائمة ـ سوف تتراجع سرعة البسط الحضاري؛ وذلك لأنّ الحاكمية المنسجمة مع المفاهيم الدينية، توفّر إمكانية المواجهة الجادّة من قبل العلماء مع العينية الاجتماعية ومسائلها العامّة، وإنّ فقدان هذه الأرضية يعني عدم التواصل العام مع المجتمع. وإنّ التطوّر الذي شهده الفقه الشيعي في جانبٍ رئيسٍ من تاريخ التشيع من الزاوية الناظرة إلى الأبعاد الفردية بسبب غياب الموقف الاجتماعي، يعمل على بيان هذا الأمر بوضوح.

(181)

2. كما سبق أنْ ذكرنا فإنّ البسط الثقافي يُعدّ شرطًا لازمًا للتحقّق الحضاري، وإنّ البسط الثقافي بدوره يعني القبول المهم بالأفكار والمعتقدات الأساسية المنتجة للثقافة والحضارة. وفي الحدّ الأدنى يجب على طبقة النُخبة في المجتمع أنْ يكون لها تعاملٌ مباشرٌ مع هذه الآراء، في حين أننا حتى في الشرائط والظروف الراهنة نشاهد عدم تفاعل مع جزءٍ كبيرٍ من تراثنا الفكري والعلمي، بل ولا يُرى هناك حتى اهتمام جادّ بالنقد وإعادة البناء اللازم في كثيرٍ من المحافل. والشاهد على ذلك ما نراه من التصريحات التي تصدر أحيانًا من قبل المسؤولين الثانويين في البلاد، ومن بين نماذج ذلك، السؤال القائل: هل يجب على الدولة الإسلامية أنْ تفرض الحجاب بشكلٍ رسمي أو تترك الحرية للأفراد في اختيار الحجاب من عدمه؟ إنّ هذا النوع من الأسئلة والتشكيكات الأولية يُشير بوضوحٍ إلى مستوى التعميم وتحوّل المفاهيم الدينية إلى ثقافة. وبطبيعة الحال فإنّ أصل هذا المطلب القائل بأنّنا نريد أنْ نعمل على تنظيم حياتنا الفردية والاجتماعية على أساس الإسلام، لا يخضع للنقاش كثيرًا[1]، بل ولا يرى في دائرة التخطيط والعمل الكثير من الإجماعات الثقافية أيضًا.

3 . كذلك في الجانب الفكري بسبب الانفتاح ذاته الذي تحقّق من الموضع والتصدّي الحضاري، لم يتمّ بسط مساحات بناء الحضارة الجادّة بشكلٍ ملحوظ؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّه على الرغم من الانتشار المناسب الذي نشاهده في الأفكار الحضارية للفارابي بالنسبة إلى الحكمة العملية، فقد بقي هذا النوع من الرؤية في تاريخ التطوّرات الفكرية عقيمًا إلى حدّ ما. وبطبيعة الحال فإنّ هذا لا يعني أنّ الثروة العلمية بوساطة تحوّل نقاط تركيز المفكّرين على دائرة الأمور

(182)

الميتافيزيقية، تعدّ مانعًا يحول دون الأنظار الحضارية، بل على العكس من ذلك فإنّ توسيع هذه الدائرة يخلق ثروةً عميقةً جدًا لإعادة تنمية الأجزاء المتبقّية من الأفكار الإسلامية الحضارية.

وبعبارةٍ أخرى: حيث نرث الآن دعامةً عظيمةً من العقلانية المعنوية، يمكن لهذا التراث أنْ يرفع قوّة تقييم حضارة حديثة وبنائها إلى حدٍّ كبير؛ إذ يمكن للقوى التحليلية العقلية والفكرية أنْ تؤسس لقواعد فكريةٍ وحضاريةٍ ثابتةٍ وراسخة. ففي الحضارة الغربية، لو تمّ تقييم رينيه ديكارت بوصفه مؤسسًا لجانب من أسسها المبنائية[1]، يتبيّن بوضوح ما الذي خلفته نقاط الضعف الفلسفي والفكري لهذا المبنى من زلزال في أسس الحضارة الغربية لاحقًا؛ إذ إنّ بعض المفكّرين في حقل الشكّ الديكارتي غير المستقر ـ بناء على تحليل ـ لم يجدوا بُدًّا من إعادة الإنتاج في إطار الشك الكانطي المستقر[2]. وهو الشكّ الذي لا يزال التفكير الغربي يعاني منه، وأوقع جميع المدارس الفكرية الغربية تقريبًا في مطبّات لا يعرفون كيفية الخروج منها. ومن هنا فإنّ عمق الآراء العقلية الإسلامية لن يُشكل عقبةً تحول دون الاتجاهات الحضارية، بل وسوف يُمثّل نوعًا من الضمانة لتأسيس قواعد متينةً للحضارة الإسلامية الحديثة.

 والإشكال الآخر ـ وهو الإشكال الناظر إلى العقلانية الإسلامية ولا سيّما الفلسفة والعرفان الإسلامي ـ هو أنّ هذه المساحات التي لم تنزل من أبراجها العاجية أو الماورائية، لا تمتلك القدرة على الاهتمام بتنظيم الحضارة الدنيوية أبدًا.

وفي معرض الجواب، لا بدّ من التذكير أولًا بأنّ كلّ فكرةٍ ـ مهما كانت صادرةً

(183)

عن أعلى الأبراج العاجية ـ تمتلك القدرة على الامتداد حتى في الساحة الحضارية أيضًا؛ إذ كما سبق في بحث مفهومية السلوك الإنساني، فإنّ كلّ فعلٍ فرديّ أو جماعي يقوم على الأفكار الخاصة، ومن خلال الاختلاف بين عالم المعاني والعالم الفكري، يصبح اختلاف الفعل قطعيًا.

وثانيًا: إنّ بعض الأبعاد الفكرية العقلانية للمفكّرين المسلمين وإنْ كانت تمتلك من الناحية الذاتية أرضية البسط الحضاري، تبقى بحاجةٍ إلى الحلقات الوسيطة والرابطة، وذلك لكي تعمل على تقريبها من مساحة العينية الخارجية. إنّ هذه الظاهرة هي التي يمكن التعبير عنها بعنوان السطوح المختلفة للعلم الأعم من التأسيسي إلى الوظیفي منه. وبعبارةٍ أخرى: إنّ المشكلة في فضاء المجتمع الإسلامي الراهن، تكمن في عدم تبلور بعض الحلقات الوسيطة لإنتاج العلوم الرابطة. ومن هنا فلو أمكن الحديث عن ظاهرةٍ باسم العمران الحضاري، سوف يساعد ذلك على بلورة مثل هذه الحلقات الوسيطة في إطار وضع سياسات المعرفة الجزئية عن هذا النوع من العمارة الحضارية.

وثالثًا: إنّ الأفكار الفردية تصبح لدى بعض المفكرين الشيعة صارخةً في بعض الأحيان؛ حتى كأنّ الدين لا يمتلك أيّ خطابٍ جماعيّ أبدًا؛ بحيث يتمّ تجاهل حتى خطابات من قبيل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ[1]، أو ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[2]، أو يتمّ تفسيرها ضمن الأفق الفردي. إنّ النتيجة الطبيعية لمثل هذه التوجّهات عبارةٌ عن تجاهل الأسس الفكرية/الاجتماعية من أجل الوصول إلى الموقف الحضاري. وعلى الرغم من أنّ الأفكار الفردانية بدورها تستطيع أنْ يكون لها بسطٌ اجتماعيّ وحضاري، بيد أنّ البحث بشأن مقارنة قدرة الأفكار

(184)

الفردية في قبال الأفكار الجماعية من حيث سرعة البسط، والاهتمام بقابلية الامتداد أكثر جدية.

ورابعًا: إنّ الحضور والسيطرة النسبية لحضارة الغرب الجديدة قد مكّناها من التغطية على كثيرٍ من الثقافات ومعطياتها الحضارية إلى حدّ كبير. إنّ نوع العقبة الخارجية الذي ترك تأثيره في الداخل أيضًا، قد أغلق الطريق من الناحية العملية على التجارب الحضارية؛ وذلك لأنّ الإجابات الغربية الجاهزة في المقياس الحضاري والمنتجات المنتشرة لها، قد عملت على التقليل من الشعور بالحاجة وحدّت من المناورات الفكرية لدى الآخرين إلى حدّ كبير. وإنّ اجتياز هذه الحالة لن يكون مقدورًا إلّا من خلال الالتفات إلى ضرورة تحقّق كامل الحضارة الإسلامية، وليس الاعتقاد بالمخرجات الثقافية للإسلام، وذلك ضمن نطاقاتٍ محدودةٍ من قبيل الأخلاق وما إلى ذلك. وهو الاعتقاد الذي يبدو أنّ شريحةً من النخبة في المجتمع قد شارفت على اعتناقه حديثًا إلى حدّ ما. إنّ هذا العامل إنّما يتجلّى على نحوٍ خاصّ حيث يتمّ الالتفات إلى فهم بعض المفكرين الغربيين حول المواجهة الجادة بين الغرب والإسلام في مستقبل الحضارة الغربية. إنّ ذهاب الغربيين إلى عدّ الإسلام المنافس الحضاري لهم دون الحضارات الأخرى ـ في الوقت الذي يُشير إلى حيوية الإسلام في المعيار الحضاري ـ يحكي عن مواجهة المنافس في هذا الأفق مع العالم الإسلامي.

 

 

 

 

(185)

النتيجة

يمكن تلخيص المسائل المذكورة آنفًا بشأن قابليات العرفان الإسلامي ضمن الموارد الآتية:

1. إنّ علم العرفان في كلا قسميه النظري والعملي يمتلك لغةً بليغةً في التوصيف العلمي للحضارة. فإنّ العرفان في قسمه النظري يعمل على بيان الحضارة بوساطة الأسماء الإلهية ومختلف العلاقات بين هذه الأسماء، وفي القسم العملي يتحدّث عن نسبة الحضارة إلى الحقّ تعالى ومقدار القرب والبعد منه؛ وهو المعيار الذي ينطوي عند توصيف الحضارة على مضمونٍ قيَمي.

2. إنّ العرفان الإسلامي المنبثق عن الإسلام، وبالنظر إلى النموذج الأعلى للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ بوصفه ذروة المقامات العرفانية، لم يكن بمقدوره ـ استنادًا إلى تعاليم الإسلام وسيرة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ أنْ يكون معرضًا عن الدنيا. وعلى هذا الأساس فإنّ العرفان في إطار بلوغه التاريخي لم يتوقف عند رؤية الفناء أبدًا، ومن خلال بيان البقاء بعد الفناء، والسفر الرابع، والهداية في هذا السفر، والخلافة بالسيف بوصفها شأنًا أسمى وأكثر توحيديةً من مراتب الولاية السابقة، قد بلور كذلك الاهتمام الخاص بالدنيا في داخله وتنظيمه بوصفه هو المحور والأساس. كما أنّ الشواهد التاريخية تظهر بوضوح أنّ كثيرًا من العرفاء كانت لهم مشاركةٌ فاعلةٌ في عصرهم، بل ليس هناك عارفٌ يرى تعارضًا بين العرفان والتوجّهات الجادة في الدنيا، وحتى في الحرب مع الكافرين والمعادين للبلاد الإسلامية. ويعود سبب ذلك كلّه إلى أنّ العارف على أساس الأفكار العرفانية لا يفرق بين الظاهر والباطن، فقد أوجد جمعًا طوليًا ناجحًا، كما أنّه يعدّ الظاهر مرتبةً من الباطن.

3. لو عُدَّ الإسلام ـ سواء في منشئه أم في ظهوراته الدينية ـ دينًا توحيديًا، فإنّ العرفان هو الذي يمتلك قابلية التقرير والتثبيت النهائي لمثل هذه الرؤية بالاستعانة

(186)

من بعض الأفكار من قبيل: الوحدة الشخصية. ومن هنا يجب عدّ الحضارة التوحيدية المنشودة للإسلام حضارةً عرفانية. وبلغة العرفان النظري يجب القول: إنّ الحضارة الإسلامية المنشودة هي الحضارة التي تمثّل الظهور التام لاسم «الله» الجامع.

4. لو عُدّ مثلث الشريعة والعقلانية والمعنوية ظهورًا لروح الإسلام، فإنّ العرفان هو الذي سوف يكون ضامنًا للنواة المركزية للمعنوية الإسلامية؛ كما أنّ التجربة العينية للعالم الإسلامي منذ البداية إلى الآن تثبت أنّه حتى الأخلاق العامة في المجتمع الإسلامي تتغذى على المفاهيم العرفانية. وسبب هذا الأمر هو أنّ العرفان في ذاته ظاهرةٌ ناظرةٌ إلى المعنوية.

5. إنّ العرفان بوصفه ضلعًا ينسجم مع الضلعين الآخرين، وهما: العقلانية والشريعة بشكلٍ متناغمٍ بالكامل؛ وقد أثبت العرفان في تجربته العلمية والعينية أنّه يتقبّل الشريعة بشكلٍ كامل. إنّ العقلانية في صلب التجربة العرفانية ومن خلال التعاطي الفعّال معها، قد أحدثت نموذجًا خاصًا باسم عقلانية صدر المتألّهين؛ حيث أنّه لا يُعرف لها بديلًا في الموقف الراهن.

6. إنّ أسلوب العرفان في فهم النصوص والوجود؛ ونعني به أسلوب التأويل، يحتوي بدوره على قابلية الاستفادة في الحصول على النموذج والبناء الحضاري؛ كما يمكن ـ بمساعدة الجَرْي الذي هو نوعٌ من التأويل ـ الوصول إلى إعادة بناء روح الحضارة الإسلامية السابقة في الشرائط الراهنة للمجتمع.

7. على الرغم من جميع الإمكانات التي يمكن أنْ تمتلكها علومٌ من قبيل: العرفان الإسلامي في توصيف الحضارة الإسلامية المنشودة، يُعدّ الاهتمام برفع العقبات الماثلة أمام الحركة نحو الحضارة الإسلامية أمرًا آخر. إنّ انتشار الاتجاه الحضاري بين النُخَب ولا سيّما في مختلف حقول المعارف الإسلامية، والالتفات إلى الحلقات الوسيطة من العلوم في الفاصلة بين العلوم الجوهرية إلى العلوم التطبيقية،

(187)

والاهتمام بالحيثية الجماعية للتعاليم الإسلامية، وضرورة الاهتمام بالعمارة الحضارية، بالإضافة إلى الدراسات الحضارية، تعدّ من جملة لوازم هذه الحركة؛ وهي من الأمور التي لا تحظى حاليًا بشموليةٍ كبيرة، ولم تتحوّل إلى ظاهرةٍ عامّةٍ وثقافية، ولم يتمّ بيانها إلّا في بعض المحافل فقط.

8. إنّ تحقّق الحضارة الإسلامية، يحتاج إلى الالتفات إلى الحيلولة الجادة للحضارة الغربية من حيث الإجابات الجاهزة والمتراكمة التي يتمّ توفيرها تلبيةً لمختلف الحاجات، إلا أنّ هذا الالتفات يجب ألّا يُشكّل سببًا لتجاهل القابليات المتحققة في الثقافة الإسلامية في قبال الحضارة الغربية، بل إنّ التجربة العينية لهذه الثورة يمكن أنْ يُنظر إليها بوصفها نموذجًا بارزًا في الأفق الحضاري للإسلام على الرغم من التحدّيات المنبثقة عن الحضارة الغربية.

 

 

 

 

 

 

 

 

(188)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. ابن سينا، حسين بن عبد الله، الإشارات والتنبيهات، قم، نشر البلاغة، 1375 هـ.ش.
  3. ابن عربي، محيي الدين، فصوص الحكم، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، 1946 م.
  4. ــــــــــــــ، الفتوحات المكية، ج 14، تحقيق وتصحيح، عثمان يحيى، بیروت، دار إحياء التراث العربي، 1994م.
  5. أميني نژاد، علي، حكمت عرفاني، قم المقدسة، مؤسسة آموزشي و پژوهشي امام خميني (قدس سره)، 1390 هـ.ش.
  6. پارسانيا، حميد، حديث پيمانه: پژوهشي در انقلاب اسلامي، قم، انتشارات معارف، ط 4، 1379 هـ.ش.
  7. ــــــــــــــــ، «عرفان عليه تساهل و اباحه‌گري»، مجلة كتاب نقد، العدد: 14 ـ 15، 1379 هـ.ش.
  8. ــــــــــــــــ، جهان‌هاي اجتماعي، قم، انتشارات كتاب فردا، 1391 هـ.ش.
  9. جوادي الآملي، عبد الله، آواي توحيد: نامه امام خميني (ره) به گورباچف و شرح نامه، طهران، مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني، 1376 هـ.ش.
  10. حافظ أبرو، عبد الله بن لطف الله، زبدة التواريخ، طهران، انتشارات كمال حاج سيد جوادي، 1380 هـ.ش.
  11. الحلي، حسن بن يوسف بن المطهر، كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد رضا آژير، طهران، انتشارات وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامي، 1379 هـ.ش.
  12. حسن زاده آملي، حسن، قرآن و عرفان و برهان از هم جدائي ندارند، طهران، مؤسسه مطالعات و تحقيقات فرهنگي، 1379 هـ.ش.
  13. الشیرازي، محمد بن إبراهيم (صدرالمتألّهين)، الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية، طهران، مركز نشر دانشگاهي، ط 2، 1360 هـ.ش.
(189)
  1. الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، انتشارات إسماعيليان، ط 2، 1371 هـ.ش.
  2. ــــــــــــــــ، رسالت تشيع در دنياي امروز، قم، انتشارات بوستان كتاب، ط 2، قم، 1387 هـ.ش.
  3. الفناري، شمس الدين محمد حمزة، مصباح الأنس بين المعقول والمشهود، تحقيق وتصحيح: عاصم إبراهيم الكيالي، بیروت، دار الكتب العلمية، ط 1، 2010 م.
  4. القونوي، صدر الدين، إعجاز البيان في تفسير أمّ القرآن، تحقيق وتصحيح: السيد جلال الدين الآشتياني، قم، انتشارات دفتر تبليغات اسلامي، ط 1، 1381 هـ.ش.
  5. كابلستون، فردريك، تاريخ فلسفه: از دكارت تا لايب نيتس، ج 4، ترجمه إلى اللغة الفارسية: غلام رضا أعواني، طهران، سروش و انتشارات علمي و فرهنگي، 1380 هـ.ش.
  6. كوربان، هنري، تاريخ فلسفه اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيد جواد الطباطبائي، طهران، انتشارات كوير، ط 2، 1377 هـ.ش.
  7. ماسينيون، لويس، سخن أنا الحق و عرفان حلاج، ترجمه إلى اللغة الفارسية: ضياء الدين دهشيري، طهران، انتشارات جامي، 1374 هـ.ش.
  8. محمود الغراب، الغراب، الفقه عند الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، دمشق، دار الكتاب العربي، ط 2، 1414 هـ.
  9. نويا، پل، تفسير قرآني و زبان عرفاني، ترجمه إلى اللغة الفارسية: إسماعيل سعادت، طهران، مركز نشر دانشگاهي، 1373 هـ.ش.
  10. نيكلسون، رنلد ألين، عرفان عارفان مسلمان، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أسد الله آزاد، مشهد، انتشارات دانشگاه فردوسي، ط 2، 1372 هـ.ش.
  11. واعظي، أحمد، تحول فهم دين: نقدي فشرده بر نظريه قبض و بسط تئوريك شريعت، طهران، مؤسسه فرهنكي انديشه معاصر، 1376 هـ.ش.
  12. يزدان پناه، سيد يد الله، مباني و اصول عرفان نظري، قم، موسسه آموزشي و پژوهشي امام خميني (ره)، 1388 هـ.ش.
(190)

 

 

دور الفلسفة الإسلامية
 وموقعها في الحضارة الإسلامية[1]

حسن عبدي[2]

إنّ الحضارة أو التمدّن الذي يتمّ التعبير عنه في اللغة الإنجليزية بـ«Civilization»، كلمةٌ عربيةٌ مأخوذة ٌمن «المدينة». إنّ مفردة المدينة ـ بمعنى الموقع الجغرافي الذي يقطنه جماعةٌ من الناس ـ تعبّر عن العلاقات بين الأفراد على أساس الحِرَف والمشاغل، وعلى هذا الأساس فإنّ مصطلح الحضارة و«التمدّن» يستعمل بمعنى الحياة والسكن في المدينة[3]. وبالنظر إلى اشتمال مفهوم التمدّن على معنى العلاقات الخاصّة بين سكان المدينة، فإنّ هذه الكلمة تنطوي على نوعٍ من مفهوم التطوّر في أسلوب الحياة وطريقتها، بالقياس إلى الحياة في القرية[4]. وعلى هذا الأساس فإنّ مصطلح «التمدّن»، يعني التطوّر العلمي والثقافي والسياسي والمادي. وفي قبال هذه

(191)

المفردة يتمّ استعمال مصطلح البربرية للدلالة على تخلّف أسلوب الحياة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها[1]. ويمكن القول باختصار: إنّ الغاية من الحضارة هي اجتماع الناس القائم على أساس الأمور السياسية، وفي هذا المجتمع يمتلك أفراد المجتمع أمورًا خاصة لإدارة شؤونهم. وعليه من الواضح هنا أنّ الهدف ليس هو التأكيد على بُعدٍ واحدٍ من الحضارة فقط؛ كما يذهب بعض المؤلّفين المعاصرين إلى التأكيد عليه من خلال قولهم: «إنّ الحضارة عبارةٌ عن تبلور اجتماع الناس على أساس الشؤون السياسية، ويعملون بأنفسهم على إدارة شؤونهم»[2].

وهنا ننتقل إلى المفهوم المحوري الثاني في هذه المقالة، وهو «الفلسفة الإسلامية». ونرى في هذا المصطلح أنّه قد تمّ ضمّ وصف الإسلامية إلى كلمة الفلسفة، وعليه يجب توضيح كلّ واحدةٍ من هاتين المفردتين. إنّ كلمة «الفلسفة» في اللغة العربية تعدّ تعريبًا للكلمة الإنجليزية «Philosophy». وإنّ هذه الكلمة في الأصل مركّبة من جزئين، وهما: «فيلو» بمعنى الحبّ، و«سوفيا» بمعنى العلم والمعرفة، فيكون المعنى في المجموع هو «حبّ المعرفة» أو «حبّ الحكمة»[3]. وقد استعملت كلمة الفلسفة اصطلاحًا في الحدّ الأدنى في معنيين؛ المعنى الأول: «جميع العلوم العقلية»، والثاني: «العلم بأحوال الموجود بما هو موجود»[4]. وهناك اختلافاتٌ أساسية بين المعنى الأول والمعنى الثاني، وعلى هذا الأساس يجب التدقيق للحيلولة دون الخلط عند الاستعمال المختلف لهذين المصطلحين. إنّ المعنى الأول معنى جامع يشمل جميع العلوم الذهنية، من قبيل: الإلهيات، والرياضيات، والفيزياء، والأخلاق،

(192)

وسياسة المنازل، وسياسة المدن. وأمّا المعنى الثاني فهو يرتبط بما يتمّ التعبير عنه بـ «ما وراء الطبيعة». وإنّ المراد من مصلح الفلسفة في هذه المقالة هو المعنى الثاني. لا بدّ من لفت انتباه القارئ إلى هذه النقطة وهي أنّ الفلسفة ـ على ما ورد استعمالها في هذه المقالة، وبالنظر إلى أنّ الكائنات موجودة ـ عبارةٌ عن «المعرفة العقلية» بأحوال الموجودات[1]. والغاية الرئيسة التأكيد على الاتجاه العقلاني إلى دراسات الوجود.

قلنا: إنّ عبارة «الفلسفة الإسلامية» مركّبة من كلمتين، وهما: الفلسفة والإسلامية. وقد شرحنا المراد من كلمة الفلسفة. وفيما يلي سوف نعمل على بيان المصطلح الثاني، أي «الإسلام». إنّ المراد من «الإسلام» هو: «مجموعة من التعاليم والأصول الكلية المرتبطة بالعقائد والأخلاقيات والقوانين الدينية التي نزلت من عند الله لهداية الإنسان إلى السعادة في الدنيا والآخرة»[2]. وبالنظر إلى البيان السابق، يمكن القول باختصار: إنّ الفلسفة الإسلامية نظامٌ معرفيّ يهدف إلى معرفة أحكام الموجودات أو الأمور الموجودة، بالاستفادة من الأساليب العقلية، وأهمها أسلوب المشاهدة العقلية ـ التي يتمّ بيانها بوصفها «شهودًا» ـ والتجريد العقلي.

والآن بعد بيان مرادنا من مصطلح الفلسفة الإسلامية، من المناسب أنْ نشير إلى بعض الأفهام الخاطئة لمصطلح «الفلسفة الإسلامية». إنّ إطلالةً على كتب المفكّرين المعاصرين تثبت أنّ أعمالهم تشتمل على أفهامٍ خاطئةٍ حول الفلسفة الإسلامية. ولمّا كانت هذه الأفهام الخاطئة تؤدّي إلى عدم معرفة الموقع الحقيقي للفلسفة في الحضارة الإسلامية، يتعيّن علينا أنْ نعمل على تقييمها. بالنظر إلى ما ذكرناه حول المراد من الفلسفة الإسلامية، لا يمكن تجاهل رأي عبد الرحمن بدوي، الذي يصرّح في كثيرٍ من كتبه ـ ولا سيّما منها كتاب (التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية) ـ قائلًا:

(193)

«إنّ ما يُعرف حاليًا بالفلسفة الإسلامية إنّما هو مقتبسٌ من علمٍ كان متداولًا عند اليونان قديمًا، وقد تسلّل بالتدريج إلى الثقافة الإسلامية من خلال ترجمة التراث اليوناني»[1]. وكذلك فإنّ طه حسين ـ وهو المُلّقب بعميد الأدب العربي ـ يرى أنّ الفلسفة الإسلامية ما هي إلّا بضاعة يونانية مستوردة، وإنّ ما تمّ بيانه في الفلسفة الإسلامية له جذورٌ يونانية[2]. وفي سياق هذا الفهم الخاطئ للفلسفة الإسلامية، فقد ذهب بعض الكتاب إلى المبالغة في الردّ على الفلسفة الإسلامية، وقد ادّعوا أنّ هناك ارتباطًا وثيقًا بين الفلسفة ونوعٍ خاصّ من الأعراق، وعلى هذا الأساس عمدوا إلى تجزئة وتحليل الفلسفة فيما يتعلّق بالأعراق[3]. يمكن مشاهدة هذا النوع من الكلمات في أعمال المؤلّفين المعاصرين ـ ولا سيّما في العالم العربي ـ حيث لا معرفة كاملة لهم بالفلسفة الإسلامية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن رؤية هذا الكلام في مؤلّفات فرح أنطونيو، وجوزيف إرنست رينان[4]، وبعض المستشرقين من أمثال كرومر[5].

والذي يمكن بيانه في الردّ على هذا الادعاء، هو القول أولًا: على الرغم من أنّ الفلسفة قد دخلت إلى الحضارة الإسلامية في بداية أمرها من طريق ترجمة الكتب اليونانية، بيد أنّ المنهج العقلي كان موجودًا في الثقافة الإسلامية حتى قبل تسلّل الفكر اليوناني أيضًا، وعلى هذا الأساس لا يمكن القول بأنّ ما نراه من المنهج العقلي

(194)

في الثقافة الإسلامية هو بأجمعه بضاعةٌ مستوردةٌ من الفكر اليوناني. إذ ليس هناك أيّ كتابٍ ومصدرٍ في الفلسفة الإسلامية ينطوي على دلالة على هذا التوجه القائل بأنّ الفلاسفة المسلمين قد قبلوا بذلك في مواجهة فكرةٍ أو نظريةٍ لمجرّد الاستناد إلى أنّ تلك الفكرة والنظرية منبثقةٌ عن الفكر اليوناني. لو كان الذين يدافعون عن يونانية الفلسفة الإسلامية جادّين في مدّعاهم، لوجب عليهم أنْ يذكروا موارد متعدّدةً عن الفلاسفة المسلمين ـ بوصفهم شواهد وقرائن ـ كانوا يتّخذون من «اليونانية» بمنزلة المعيار للقبول بفكرة أو نظرية. يُضاف إلى ذلك أن الفلاسفة المسلمين من خلال إبداعهم وابتكارهم قد أضافوا مسائل جديدة إلى المسائل الفلسفية، لم يكن لها أيّ أثرٍ في نصوص ومصادر الفلسفة اليونانية[1]. إنّ المسلمين في بعض المستويات ومن خلال بيان أسئلةٍ لم يسبق أنْ تمّ تحقيقها في مورد آخر، قد أكدوا على صحّة المسائل الفلسفية. وبذلك يثبت ضعف كلام أولئك الذين يصورون الفلسفة وكأنّها بضاعةٌ قد تمّ استيرادها من اليونانيين أولًا، ثمّ عملوا على إعادتها إليهم[2]. وباختصار فإنّ هذه الآراء إنّما تنشأ من عدم الإدراك الصحيح للفلسفة الإسلامية، حيث نشاهد ذلك ـ للأسف الشديد ـ بين الذين تعرّضوا للمسائل المرتبطة بالحضارة الإسلامية، وعلى الرغم من معرفة هؤلاء الأشخاص لماهية الحضارة، إلا أنّ جذور كثيرٍ من آرائهم الخاطئة حول الفلسفة الإسلامية، يعود إلى عدم الإدراك الصحيح لماهية وأبعاد الفلسفة الإسلامية.

إنّ مشكلة الإدراك الصحيح لموقع الفلسفة ودورها في الحضارة الإسلامية إنّما تتفاقم عندما نجد أنّ بعض الكتّاب قد عدّ تصوّره عن الأسلوب التجريبي أسلوبًا عقليًا، وقدم صورةً عن الفلسفة الإسلامية وكأنّها فرعٌ من العلوم التجريبية. ويمكن

(195)

الإشارة من بين هؤلاء المفكّرين إلى عبد الله العروي؛ إذ تصوّر أنّ «العقل الفلسفي» هو الذي مهّد لظهور الصناعة والتقنية[1]، هذا في حين أنّ جولةً عابرة على نصوص ومصادر الفلسفة الإسلامية يشهد على أنّه لم يتمّ النظر في أيّ واحدٍ من هذه المصادر إلى «الأسلوب التجريبي» بوصفه منهجًا لـ «إثبات» المدعيات والمفاهيم الفلسفية. نعم من الممكن العثور ـ بطبيعة الحال ـ في بعض الموارد القليلة ـ وذلك في إطار بيان بعض مقدّمات الاستدلال العقلي ـ على نماذج من الإشارة إلى الأسلوب التجريبي؛ ولكن من الواضح أنّ هذا لا يشكل مبررًا لخفض الأسلوب الفلسفي بأجمعه إلى الأسلوب التجريبي.

إنّ ما تمّ بيانه حتى الآن كان إيضاحًا مفهوميًا يبدو أمرًا لازمًا لبيان أيّ دراسةٍ نظريةٍ. ومن الآن سوف نعمل ـ من خلال التركيز على بحث السؤال الأصلي لهذه المقالة ـ على دراسة موقع الفلسفة الإسلامية ودورها في الحضارة الإسلامية.

دور الفلسفة الإسلامية وموقعها في الحضارة الإسلامية

بعد بيان معنى الحضارة والفلسفة الإسلامية، ننتقل الآن إلى بحث دور الفلسفة الإسلامية وموقعها في الحضارة الإسلامية. يذهب أندريه لالاند[2] إلى الاعتقاد بأنّ العقل حاليًا يمثل أساس الحضارة البشرية المعاصرة[3]. لا شكّ في أنّ الحضارة الإسلامية قد انتشرت في مرحلةٍ من تاريخها وكان لها نفوذٌ كبيرٌ على

(196)

مختلف المجتمعات البشرية، ومنها إيران والهند ومصر وحتى الأندلس أيضًا. وإنّ بقاء بعض آثار الفن الإسلامي والثقافة الإسلامية في هذه المجتمعات يمثّل شاهدًا على عمق نفوذ الحضارة الإسلامية وتأثيرها في هذه المجتمعات. من خلال دراسة أسباب وعلل هذا الانتشار نواجه كثيرًا من الأبحاث والمسائل التي هي ليست موردًا للبحث.

إنّ الذي يحظى بالأهمية في هذا الشأن، هو أنّ هذا الانتشار السريع والعميق لم يكن بنحوٍ رئيسٍ ناشئًا عن يُسر الأحكام والقوانين الشرعية، كما لم يكن سببه استعمال السيف[1]، بل إنّ السرّ في ذلك الانتشار السريع أو أحد الأسباب الأصلية لتطوّر وانتشار الحضارة الإسلامية في مختلف بقاع العالم يعود إلى دعوة الإسلام نفسها[2]. إنّ الدين الإسلامي طوال مرحلة انتشاره وفي التعاطي مع الأمم والمجتمعات والثقافات المختلفة، وفي الخطوة الأولى، كان يدعو إلى الإسلام، وإنّ أساس وركيزة هذه الدعوة تقوم على الحوار العقلاني. وإنّ سبب هذا الأمر واضحٌ أيضًا؛ وذلك لأنّ الأسلوب العقلي ليس هو اللغة المشتركة بين جميع الشعوب والمجتمعات فقط، بل ويُعدّ دعامةً لجميع أنواع الثقافات والحضارات، ومن هنا نجد بعض المؤلّفين المعاصرين، يقول: «إنّ القوى الديمقراطية التي ترفع شعار (المجتمع المدني) سوف يظلّ تصوّرها لمضمون هذا الشعار ناقصًا ما لم تحضر فيه الفلسفة»[3].

والآن بعد بيان هذه المقدّمة الإيضاحية، ننتقل إلى بحث دور الفلسفة الإسلامية وموقعها في الحضارة الإسلامية:

(197)

أولًا: توفير الأرضية لبناء الهوية في المجتمعات

إنّ من بين معطيات الفلسفة الإسلامية تكوين الهوية الإسلامية وتعريف الحضارة الإسلامية. ولكي يتمّ فهم هذا الأمر يجب أنْ نأخذ بنظر الاعتبار أنّ المسائل الفلسفية ليست غريبة عن العقل البشري، بل إنّ المسائل المرتبطة بالعقل البشري يتمّ بحثها بوساطة الأسلوب الفلسفي. «إنّ التراث الفلسفي، جزءٌ من وجودنا»[1]. وعلى هذا الأساس وبالنظر إلى اشتمال كلّ حضارةٍ على تراث فلسفي، يمكن الادعاء دون أدنى مبالغة أنْ أحد خصائص كلّ حضارةٍ عبارةٌ عن ارتباطها الوثيق بالهوية والحياة الحقيقية للأفراد. وبعبارةٍ أخرى: إنّ التعقّل والفلسفة ليست بالأمر الذي يتبلور في الخلأ والفراغ، بل ويمكن الادّعاء بأنّ هوية الإنسان تبقى ناقصةً دون النظر إلى العقل والفلسفة. وبطبيعة الحال فإنّ تبلور العقلانية في المجتمع وتجسيدها لا يحدث بسهولة، بل إنّ هذا الأمر يحتاج إلى تخطيطٍ وتوجيهٍ من الأشخاص. وفي الحضارة الإسلامية تبلور العقل ضمن تناغمٍ تامٍّ مع المفاهيم والتعاليم الدينية المتبلورة، ومن هنا فإنّ الوحي الإسلامي يستند إلى المعرفة العقلية والفطرية للإنسان، التي هي الأسلوب العقلي لبحث المسائل الكلية ودراستها.

وفي بعض الموارد نشاهد اختلافًا بين الحضارات من حيث الاهتمام بالمعرفة العقلية، وإنّ هذا الاختلاف قد شكّل أرضيةً للكثير من الاختلافات بين الحضارات، ومن هنا لا يمكن الادّعاء ـ ببساطة ـ أنّ الحضارات بمجملها واحدةٌ ولا يوجد اختلافٌ فيما بينها. والمهم هو أنْ نعمل ـ من خلال التركيز على خصائص مختلف الحضارات ـ على بحث الاختلافات فيما بينها. وفي جوابٍ إجماليّ يمكن القول إنّ السبب الرئيس بين الحضارات يعود ـ على ما يبدو ـ إلى اختلافها في المباني النظرية، وإنّ كثيرًا من تلك المباني النظرية يعمل على بلورة فلسفة تلك الحضارة.

(198)

وإنّ الحضارة لا تتبلور ـ على حدّ قول محمد عابد الجابري ـ إلّا إذا كان هناك نزاعٌ بين «نا» وبين «الآخرين»[1]. وإنّ الأداة التي تساعد على فهم خصائص «نا» وخصائص «الآخرين» إنّما هي الفلسفة والتفكير العقلاني. إنّ هذه الفلسفة وهذا التفكير العقلي هو الذي يساعدنا على فهم وإدراك هويتنا وماهيتنا، وبذلك يمكن رسم الحدود بيننا وبين الآخرين. وبسبب هذا الضعف أو الافتقار إلى هذه الرؤية العقلية والفلسفية، ذهب بعض الكُتّاب من أمثال السيد حسن تقي زاده في إيران، وطه حسين في مصر، إلى عدم التعرّف بشكلٍ دقيقٍ على الحدود بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، ويرون أنّ الطريق الوحيد للخلاص من التخلّف، واللحاق بركب التقدّم والتطوّر الدنيوي، عبارةٌ عن طريق التبعية المطلقة والكاملة للحداثة الغربية[2]. في حين أنّنا لو نظرنا من زاويةٍ حضاريةٍ ورؤيةٍ عقليةٍ وفلسفية، فإنّ العقلانية التي تسود الحضارة الغربية تختلف من الأساس وبشكلٍ جذري عن العقلانية المتّخذة من التراث الإسلامي، وإنّ كلّ نوعٍ من أنواع التبعية لها يستوجب توسيع حدود الحضارة الغربية وانحلال المجتمعات الإسلامية في الحضارة الغربية.

قد يدّعي بعضهم أنّ التمايز بين «نا» وبين «الآخرين» من الفرضيات الذهنية التي لا تستند إلى أيّ ركيزةٍ أو دعامة، ومن هنا يجب من الأساس وضع البحث حول التمايز بين الحضارات جانبًا، والتوجّه نحو هذا الرأي القائل بأنّ ما يعرف بوصف الحضارات المختلفة، مسارٌ واحدٌ أدّت ذهنية الأشخاص إلى وضع الحدود والتمايز بينها، وعلى هذا الأساس لا يجب التأكيد على دور الفلسفة والتفكير العقلي الذي أدّى إلى مثل هذه الاختلافات، بل يجب التخلي في تجزئة ظاهرة «الحضارة» وتحليلها عن الأسلوب العقلي والبحث الفلسفي بشكل كامل.

(199)

في مواجهة هذا السؤال والإشكال، يجب القول: إنّ التمايز والاختلاف بين الحضارات ليس بالأمر الذي يمكن ردّه ورفضه بمجرّد بيان عددٍ من الاحتمالات. فقد أشار كثيرٌ من المحقّقين إلى هذه الاختلافات، وقد صدرت في هذا الشأن كثيرٌ من الكتب من قبل المحقّقين في مختلف الثقافات[1]. بالإضافة إلى هذا، فإنّ التضادّ بين العناصر الفكرية والنظرية للحضارات المختلفة من الوضوح بحيث لا يمكن لأيّ شخصٍ أنْ يتجاهل وجوده ودوره في توجيه مسار حركة الحضارات، وإنْ كان هناك من ذهب ـ بسبب وجود هذه التمايزات والاختلافات الأساسية ـ إلى الحديث عن «صراع الحضارات». إنّ وجود الاختلافات النظرية والجوهرية بين الحضارات حقيقة، لا يعني إنكارها غير إنكار الحقيقة والتنكر للاتجاه الواقعي.

ثانيًا: التمهيد لبناء النظام الفكري

إنّ من بين الموضوعات العقلانية في الحضارة الإسلامية، تدوين مباني النظام الفكري الإسلامي. فلكي نفهم ماهية النظام الفكري يجب علينا أولًا أنْ ندرك أيّ نوعٍ من أنواع التفكير ـ بما في ذلك التفكير في الصناعة والتقنية ـ إنّما يقوم على أسسٍ وقواعد. لا ينبغي أنْ نتصوّر أنّ تبلور الصناعة والتقنية يأتي في فضاءٍ خالٍ من أيّ رؤيةٍ فلسفية. فإنّ التوصّل إلى الأمور التي تعدّ «حاجةً» للمجتمع، وكيفية تلبية الحاجة المذكورة، لا يمكن أنْ يتحقّق من دون الوصول إلى بعض الأصول والمباني الفكرية. فلأجل أنْ تتمّ تلبية هذا الأمر يجب أولًا أنْ نعمل على تقديم تعريفٍ عن الإنسان واحتياجاته في إطار الحضارة، ثم العمل بعد ذلك على بحث الطرق المشروعة لتلبية تلك الاحتياجات في إطار الحضارة المذكورة، لكي يتمّ التمكن من إيجاد الصناعة والتقنية المتناسبة مع الحضارة، ومن هنا فإنّه عندما يتمّ طرح رؤيةٍ ما

(200)

لرفع حاجة المجتمع، سوف تتجلّى أبعادها العملية أيضًا[1]. ومن هنا يتمّ بيان مسألة التناغم بين النظر والعمل أو عدم التناغم بينهما، إذ تعدّ الأولى بمنزلة نقطة قوّةٍ للصناعة والتقنية، وتمكّن للمسألة الثانية أنْ تؤدّي دورًا التحدّي والأزمة، ومن هنا لا يمكن للمحقّق في دائرة البحث حول الحضارة أنْ يمرّ بهذا السؤال على نحوٍ عابرٍ ولا يجيب عن السؤال القائل: «ما هو معيار الانسجام والتناغم بين النظر والعمل ضمن إطار الحضارة؟»؛ وهنا نواجه دورًا آخر بين الأدوار الحضارية للفلسفة.

إنّ للتعقّل والفلسفة ـ بوصفها أداةً مفهوميةً من أجل إيجاد التناغم والانسجام بين النظر والعمل وترتيب النظام الفكري ـ دورًا أساسيًا في تطوير الحضارة والمضيّ بها نحو أهدافها المنشودة. إنّ مثل هذا النظام الفكري المتناغم والمنسجم، يعمل على توفير أداةٍ دقيقةٍ لأيّ نوعٍ من أنواع الإنتاج الفكري والصناعي ضمن إطار حضارةٍ ما، ويعدّ الأرضية المناسبة للمواجهة الفاعلة من قبل حضارةٍ ما مع الحضارات الأخرى.

لا شك في أنّ الحضارة الغربية قد عملت ـ طبقًا للتقارير التاريخية ـ بوصفها حضارةً منافسةً للحضارة الإسلامية. بالنظر إلى الاختلاف الواضح بين القِيَم التي تسود الحضارة الغربية وبين قيَم الحضارة الإسلامية، فإنّ كلّ مواجهةٍ مع الحضارة الغربية تستوجب توجّهًا انتقاديًا قائمًا على أساس الحفاظ على المباني الفكرية للحضارة الإسلامية. وهنا يتضح دور المباني النظرية للحضارة الإسلامية بوصفها معيارًا للتقييم أكثر من ذي قبل. عندما تكون المباني النظرية للحضارة الإسلامية معارضةً لأيّ نوعٍ من أنواع خفض الإنسان إلى مستوى الاحتياجات المادية والدنيوية، وترى في المقابل أنّ أصل وأساس وجود هوية الإنسان في بُعده المعنوي والروحي، فإنّ أيّ نظامٍ قِيَميّ يقوم على أساس تأصيل الاحتياجات المادية، سوف يكون في مثل

(201)

هذه الحالة أمرًا مرفوضًا. وإنّ اقتباس معايير هذا النظام وقيَمه سوف تشكّل أرضيةً لأفول الحضارة الإسلامية.

وعلى كلّ حالٍ ما لم تكن هناك معايير وملاكاتٌ واضحةٌ يتمّ العمل على توفيرها من قبل العقلانية والفلسفة؛ فسوف يؤدّي ذلك إلى ذهول وحيرة الخواص والنُخبة التي تتكفّل بأمر توجيه عموم الناس وهدايتهم[1]، ناهيك عن عامة الناس الذين يعيشون في غفلةٍ عن هذا النوع من المسائل.

وقد أدّت هذه المسألة إلى ظهور تياراتٍ مختلفةٍ بين المفكّرين المسلمين. وفي الوقت الذي تذهب فيه بعض التيارات إلى نفي أيّ نوعٍ من المواجهة الانتقادية والفعّالة، وتعتقد بوجوب المخالفة التامّة لنظام قيَم الحضارة الغربية، ذهبت تياراتٌ أخرى إلى القول بأنّ الحل الوحيد يكمن في التسليم والانقياد المحض لهذه الحضارة[2]. وقد صرّح الفيلسوف الإسلامي الكبير أبو نصر الفارابي ـ من خلال الإشارة إلى موقع الفلسفة الإسلامية في هذا الشأن ـ بأنّ الفلسفة تقدّم البرهان على أمورٍ تعدّ فضائل للأمّة الفاضلة، ومن هنا فإنّ مجموع الفضائل التي تشكل أساسًا للمدينة الفاضلة، تقوم بدورها على أساس الفلسفة والبرهان[3]. يذهب الفارابي إلى تأكيد هذه النقطة المهمّة، وهي أنّ كلّ أمّةٍ تفتقر إلى الفلسفة سوف تشهد زوالها عاجلًا أم آجلًا، إذ يقول: «فإذن الفلسفة هي التي تعطي البراهين ما تحتوي عليه الملّة الفاضلة، فإذن المهنة الملكيّة التي عنها تلتئم الملّة الفاضلة هي تحت الفلسفة». ثم يستطرد قائلًا: «فإنْ لم يتفق أنْ يوجد حكيمٌ تُضاف الحكمة إليه، لم تلبث المدينة بعد مدّة أنْ تهلك»[4]. باعتقاد الفارابي أنّه في ضوء هذه الحقيقة يقال: «إنّ الفلسفة أساسٌ

(202)

وأصلٌ لكلّ شيء؛ إذ لا يمكن من دونها العمل على إقامة أيّ بناء»[1].

لا شك في أنّ حياة الإنسان تواجه بعض المشاكل، إلى الحدّ الذي ذهب معه بعض المفكّرين ـ بدلًا من القول بأنّ اليسر والسعة في الأمور هي العلة في قيام الحضارات ـ إلى القول بأنّ وجود المشاكل والصعاب يمثل واحدًا من الأسباب الرئيسة لتبلور الحضارة، ولكن هناك على كلّ حالٍ أصولٌ يمكنها أنْ تساعد على حلّ هذه المشاكل، وإنّ من بين هذه الأصول هو أصل العدالة. إنّ الحضارة «تعني التركيز على الحقيقة والعدالة الاجتماعية التي تمثّل شرطًا أساسيًا في استحكام المجتمع، ويمكن مشاهدة مقتضيات الفطرة الإنسانية فيها، في حين أنّ العدالة لا ترتبط ببُعد الماهية المادية للإنسان، بل هي مقتضى فطرته، حيث يمكن الوقوف على جزئيات الفطرة من طريق الشريعة، والاستفادة من الشريعة لتلبية الاحتياجات. إذن فالإنسان ليس «مدنيًا» من زاوية الماهية المادية، وإنّما هو مدنيٌ بعقله وفطرته وبالوحي والشرع، كما أنّ العقل والفطرة يساعدان الإنسان من الداخل، والوحي والشرع من الخارج ليتجنّب الظلم ويعمل بالقانون»[2]. وعلى أساس التوفيق بين العقل والفطرة والتعاليم الدينية يمكن الادعاء بأنّ الفارابي ـ خلافًا لبعض الكُتّاب الذين يرون أنّ الطريق الوحيد للتقدّم والتطوّر يكمن في فصل الدين عن جميع شؤون الحياة البشرية[3] ـ كان يبحث عن إصلاح المجتمع وإقامة المدينة الفاضلة لجميع الناس[4].

(203)

ثالثًا: توفير الأرضيّة لإصلاح الحياة الاجتماعيّة

إنّ من بين وظائف الفلسفة هي المساعدة على إجراء الإصلاحات الاجتماعية. يذهب الشيخ جمال الدين الأسد آبادي إلى الاعتقاد بأنّ «الدين يسعى من خلال تحرير العقل إلى القضاء على الخرافات وإعداد الأرضية للثورة الاجتماعية»[1]. ومن الواضح أنّ مراده من الثورة الاجتماعية هو السعي إلى إصلاح الفساد الذي تمّ فرضه على المجتمعات المسلمة. ويذهب بعض المفكّرين إلى أنّ الطريق الوحيد لتقدّم الحضارة هو «العقل» و«العقلانية»[2]؛ ولكن عندما يعملون على تصوير مفهوم العقل والعقلانية، إنّما يريدون بذلك العقلانية الغربية التي ليس لها أيّ صلةٍ بالشريعة الإسلامية، بل تقف إلى الضدّ منها. في حين أنّ هذه الرؤية خاطئة؛ إذ يجب أنْ تكون العقلانية الإسلامية هي الأصل والأساس.

 وربما أمكن لبعض الأشخاص ـ بطبيعة الحال ـ أنْ يطرح هذا الادّعاء العام ويقول بأنّ العلوم ـ ولا سيما منها العلوم الإنسانية ـ هي الأساس والدعامة لكلّ حضارة. وعلى الرغم من أنّ هذا الادّعاء لا يجانب الصواب، ولكن عندما ننظر إلى هذه المسألة بدقةٍ أكبر، يمكن لنا التفكيك بين مختلف حقول العلوم الإنسانية، ومن خلال تبويب العلوم الإنسانية نصل إلى هذه النقطة وهي أنّ هناك اختلافًا بين العلوم الإنسانية من زاوية الدور والموقع الذي تحتله في الحضارة. ومن بين العلوم الإنسانية يحتل التعقّل والفلسفة موقعًا ويؤدّيان الدور الأهم في الحضارة، والعلوم الإنسانية أيضًا؛ إنّ الفلسفة من خلال تقديم المباني الأنطولوجية والأبستمولوجية تعمل على توجيه العلوم الإنسانية، من قبيل: علم النفس، والعلوم التربوية، والإدارة والاقتصاد والحقوق وما إلى ذلك. ولا بأس هنا من الإشارة إلى الخطأ الذي

(204)

انطبع في ذهن بعض الكُتّاب المؤثّرين، فهناك من يذهب إلى الاعتقاد بأنّ «العقلانية والفلسفة لا تمتلك القدرة الكافية على مواجهة الهجوم الحضاري والثقافي»[1]، وكأنّ هذه الطائفة من الكتّاب قد نسيت أنّ المباني النظرية ـ ولا سيما الأصول الفلسفية المرتبطة بثقافة وحضارة ما ـ كلّما كانت أقوى وأمتن، كانت تلك الحضارة أكثر تطوّرًا وتقدّمًا[2]. والدليل على هذا الأمر واضح أيضًا؛ وذلك لأنّ الفلسفة والتعّقل هما اللذان يرسمان الخطوط العامة التي تهيمن على نمط السلوك والتعامل بين الأفراد في الحضارة.

رابعًا: المواجهة مع الجمود الفكري

لكي ندرك دور العقل في القضاء على الجمود الفكري، يجب الالتفات إلى الأرضية التي تؤدّي إلى هذا الجمود الفكري. وإنّ العنصر الأساسي في الجمود الفكري إنّما هو إلغاء العقل والتعقّل والعقلانية. وعلى هذا الأساس كلّما عمل المجتمع بشكل أكبر على تنمية العقل، فسوف يكون هو الأقرب إلى الازدهار الفكري والعلمي. وعلى هذا الأساس يكون للعقل والتعقل دورٌ حيويٌّ في التطوّر العلمي والتقدّم الثقافي. وبطبيعة الحال، لا يمكن إنكار دور الدين في هذا الشأن؛ ولكن لا بدّ من الالتفات إلى هذه النقطة أيضًا، وهي أنّ استخراج واستنباط هذه الإجابات منوطٌ بالاستفادة من العقل في فهم النصوص الدينية.

بالإضافة إلى أنّ المسلمين ـ على حدّ تعبير بعض المفكّرين ـ كانت لهم في الأساس فلسفتهم النظرية الخاصة[3]، وهذا الأمر في حدّ ذاته ينطوي على أهميةٍ بالغةٍ جدًا في فتح الآفاق الجديدة بالنسبة إلى الحضارة الإسلامية؛ وذلك لأنّ مجرد إدراج نقدٍ

(205)

وتقييم المباني الفكري لسائر الحضارات في جوهر حضارةٍ ما، والنظر إلى الفلسفة الإسلامية بمنزلة الاتجاه النقدي لفلسفات الشرق والغرب[1]، لا يمثّل حلًا في حدّ ذاته. إنّ المسار الحضاري إنّما يتعبّد حيث يزدهر العقل، وتسمو الفلسفة في الحضارة، وتؤدّي إلى تقديم نظرياتٍ عقليةٍ راسخة. وفي هذا الإطار ذهب بعضهم إلى اتهام الفلسفة الإسلامية بالتشدّد أو التعسفية (الدوغماتية)، وأكّد على أنّ الفلسفة الإسلامية ـ من خلال دفاعها عن بعض النظريات الثابتة، واجتناب النظرية الانتقادية لها ـ تعاني نوعًا من التشدد والتزمّت[2]. وفي معرض الجواب يجب القول إنّ هذا الكلام لا يُعدّ حكمًا منصفًا بشأن الفلسفة الإسلامية. لو نظرنا إلى مسارالتحولات التاريخية للفلسفة الإسلامية من موقع المراقب الحيادي، سوف نرى أنّ أسلوب الفلاسفة الإسلاميين عبارةٌ عن المواجهة الناقدة والبنّاءة بالنسبة إلى النظريات الفلسفية، وأنّ كثيرًا من الفلاسفة الإسلاميين لم يخرجوا في عقلانيتهم وفلسفتهم عن مسار الأسلوب العقلي، وأنّ تبلور مختلف المدارس الفلسفية في أحضان العقلانية الإسلامية، دليلٌ واضحٌ على هذا الادعاء، وعلى هذا الأساس لا يمكن غضّ الطرف عن أبعاد الإبداع والخلاقية في الفلسفة الإسلامية واتهامها بالتشدّد والتزمّت. أجل، عندما نقارن بين الفلسفة الإسلامية وفلسفة الغرب، سوف ندرك أنّ الفلاسفة الإسلاميين من خلال جعل الأسلوب البرهاني هو المبنى، لم يسقطوا أبدًا في شراك الأفكار المنحرفة من قبيل: العدمية والتشكيك والنسبية؛ وبطبيعة الحال فإنّ هذه الخصوصية هي التي وفّرت للفلسفة الإسلامية إمكانية المواجهة مع الانحراف والتشدّد والتزمّت.

(206)

خامسًا: المواجهة مع التساهل والتسامح الاعتباطي

إنّ الإسلام ـ كما قال بعض المفكّرين ـ هو دين السلام والتعايش السلمي، ويتعامل مع سائر المعتقدات على أساس المداراة والاحتواء[1]؛ ولكن هناك في البين نقطةً دقيقةً لا بدّ من الالتفات إليها. إذا كان يقال إنّ الإسلام يولي أهميةً كبيرةً للمداراة والتسامح، فإنّ هذا لا يعني أنّ الإسلام يسمح بالتخلي عن مبانيه وأصوله الاعتقادية. كيف يمكن لنظام التفكير الإسلامي أنْ يتخلّى عن مبانيه الفكرية، والحال أنّ «العقل» والعقلانية هي الأصل والأساس في هذا النظام، ونعلم أنّ كلّ تعقّلٍ وعقلانيةٍ إنّما تقوم على أساس أصولٍ ومبانٍ خاصّة، ولا يمكن التخلّي عن هذه الأصول العقلية.

وبطبيعة الحال ربما ذهب بعض المفكّرين ـ بحجّة التعاطي الأكبر مع الحضارة الغربية ـ إلى اقتراح التخلّي عن الأصول وعن مباني التعقّل والعقلانية[2]؛ ولكن يجب عدّ هذا الكلام خطأً من هذا الصنف من الكُتّاب؛ إذ إنّ أيّ نوعٍ من الأخذ والاقتباس عن النظام القيَمي للحضارة الغربية، سوف يعني زوال وانهيار الحضارة الإسلامية من الداخل، وفي هذه الحالة سوف لا تكون هناك حضارةٌ باسم الحضارة الإسلامية، حتى يدعو أداؤها إلى الفخر والاعتزاز. وفي إطار هذه الرؤية الخاطئة يتمّ بيان رؤيةٍ خاطئةٍ أخرى أيضًا؛ تقول: بالنظر إلى الانتشار المتسارع لنظام القِيَم الغربية في العالم الإسلامي، فمن الأفضل أنْ نعمل على استبدال هذا النظام بنظام القِيَم الإسلامية. يطرح هذا الصنف من الكتّاب هذا السؤال القائل: كيف يمكن في العالم المعاصر طرح المفاهيم الاعتقادية من قبيل أصل التوحيد في مواجهة القِيَم

(207)

الحديثة من قبيل الديمقراطية؟[1] وفي الجواب عن هذه الطائفة من المفكّرين، يجب الإقرار بأنّه إذا كان هذا هو حال النُخبة والمفكّرين المسلمين؛ حيث يتعرّضون إلى هذا النوع من اليأس والإحباط، ويتّخذون موقف الانفعال والاقتباس عن الحضارة الغربية؛ فكيف يكون الشأن بالنسبة إلى عامّة الناس الذين يقتفون آثار الخاصة من هؤلاء النُخَب؟ إنّ على هذه الطائفة من المفكّرين والكُتّاب أنْ تأخذ بنظر الاعتبار أنّ الحضارة الإسلامية لها نظامها القِيَمي الخاصّ القائم على العقل الفطري والمصادر الدينية والإسلامية. إنّ هذه الطائفة من المفكّرين لا تلتفت إلى أنّ القِيَم التي هي من قبيل الديمقراطية والليبرالية وفصل الدين عن السياسة، إنّما هي في الأساس ذرائع لسيادة وسيطرة الحضارة الغربية على الحضارة الإسلامية، ويجب على النُخَب والمفكرين أنْ يتّخذو موقفًا ناقدًا لهذا النوع من القيَم الغربية[2].

سادسًا: مواجهة مذهب العدمية

إنّ من بين مهام الفلسفة الحضارية، مواجهة ومكافحة مذهب العدمية. إنّ مذهب العدمية بسبب مخالفته لجميع أنواع المعرفة الصحيحة، يقضي على الازدهار العلمي، ومن الواضح أنّه من دون التنمية العلمية، لا يُكتب التحقّق لأيّ حضارةٍ بما في ذلك الحضارة الإسلامية، وعلى هذا الأساس ليس هناك من شكٍّ في أنّ العدمية تمثّل عنصرًا أصليًا للمنع من قيام أيّ حضارة. وهذا أمرٌ واضحٌ من دون أدنى شك، بيد أنّ الشيء الذي يمكن النظر إليه بشيءٍ من الشكّ هو أنّ الأشخاص بعد دراسة الكتب والمقالات الفلسفية قد لا يرون شيئًا غير اختلاف الآراء، وعليه فإنّ السؤال الذي يُطرح هنا هو: هل تمتلك الفلسفة هذه القدرة على موجهة مذهب العدمية؟ إنّ الفارابي ـ الفيلسوف الإسلامي الكبير ـ قد أجاب عن هذا السؤال في

(208)

مقدمة كتابه من خلال التلفيق بين رؤية ذينك الحكيمين[1]، وقد صرّح بأنّ الغاية الأصلية من تأليف هذا الكتاب هي الإجابة عن الشبهات التي يقع فيها الناس بعد قراءة آثار الحكماء والمواجهة مع الاختلافات الواضحة لآرائهم.

ومن هنا فإنّ الفلسفة الإسلامية مادامت متمسّكةً بطريقتها العقلية واليقينية، فإنّها تعدّ واحدةً من أفضل طرق المواجهة مع آفة الشكّ والعدمية؛ ولذلك فإنّ ما ذهب إليه بعض المفكّرين والمؤلّفين من الاعتقاد بأنّ الفلسفة قد أدّت إلى التشكيك والعرفان ليس صحيحًا؛ وذلك إذ نرى أولًا أنّ العرفان لا يعني الشك، بل هو منهجٌ عمليّ لإصلاح النفس. وعلى أساس مبانيه وعرفانه بمعنى شهادة العلم، على الرغم من أنّ العرفان رهنٌ بالوحي والشهادة الحقيقية. إلا أنّ الذي يدعو إلى تسهيل الكلام هو أنّ الفلسفة الإسلامية قد ازدهرت وانتشرت بعد ابن سينا والتماهي مع الآيات والشهادة، وإنّ الحكمة المتعالية هي من ثمار ونتائج هذا النجاح وما يزال هذا الازدهار متواصلًا، ويمكن مشاهدة ثماره في مختلف المجالات البشرية، من قبيل: الحقول الاجتماعية، والتعليمية، والسياسية وما إلى ذلك. وعلى كلّ حالٍ ليس هناك من شكٍّ في أنّ مذهب العدمية المطلقة الذي لا يزال يواصل التوسّع والانتشار في الحضارة الغربية، إنّما هو دليلٌ ومؤشّرٌ على التداعيات والنتائج الخطيرة للشروخ الذهنية التي تعاني منها الحضارة في الغرب، ومن هنا يمكن التوصّل إلى حقيقةٍ قيّمة، وهي أنّ الحضارة الإسلامية بحاجةٍ ماسّةٍ إلى الفلسفة الإسلامية؛ إذ إنّ الفلسفة الإسلامية تمتلك القدرة على إيضاح إصلها وغايتها بالنسبة إلى الإنسان، وما يساعده في التخطيط الصحيح لحياته الدنيوية. ويمكن القول في هذا الشأن: لا يمكن الوصول إلى أيّ هدفٍ أو غايةٍ من دون الاستعانة بالفلسفة.

(209)

سابعًا: تلبية الحاجة الفطرية للإنسان رهن بمعرفة الحقائق

إنّ الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان ـ كما نعلم ـ بمجموعةٍ من الإمكانات والقابليات الكامنة فيه. وإنّ من بين هذه القابليات والإمكانات ميله إلى الحقيقة، وسعيه إلى معرفتها. ويمكن مشاهدة هذا الميل والاتجاه لدى كثيرٍ من أفراد النوع الإنساني. فكلّ إنسانٍ يكره الكذب وقلب الحقائق بشكل فطري. والنقطة المهمّة في البين هي أنّ هذا الميل الفطري لدى الإنسان يجب أنْ يقع موردًا للاهتمام مثل كل التوجّهات والميول الفطرية الأخرى.

يذهب آية الله جوادي آملي ـ وهو من الفلاسفة الإسلاميين المعاصرين ـ إلى الاعتقاد بأنّ الفلسفة تقع على رأس العلوم التي تقدّم للإنسان معرفة الحقائق العينية والرؤية الكونية[1]. كما قد ذهب بعض المفكّرين المعاصرين إلى التأكيد على أنّ الفلسفة تعمل على تطوير الاستعدادات الكامنة في وجود الإنسان، والتي تدعوه إلى البحث عن الحقيقة[2]. وعلى هذا الأساس فإنّ من بين المهام المحورية التي تضطلع بها الفلسفة الإسلامية في الحضارة الإسلامية، تنمية الاستعدادات التي قلّما تعمل معرفةٌ أخرى على تطويرها وتفعيلها. إنّ الشخص الذي يصل ميله ونزوعه إلى معرفة الحقيقة مرحلة الفعلية، سوف يسلك في حياته مسار «الواقعية»، وسوف يجتنب السقوط في أحضان المذاهب والمدارس غير الواقعية. وإنّ هذا الأمر سوف يؤدّي إلى تبلور وازدهار الحضارة في المسار الواقعي، وسوف يُعدّ هذا الأمر نقطة قوّةٍ للحضارة الإسلامية بالقياس إلى سائر الحضارات الأخرى.

(210)

ثامنًا: بناء الأرضية المشتركة للحوار العلمي بين الحضارة الإسلامية وسائر الحضارات الأخرى

نشير هنا إلى دور آخر تضطلع به الفلسفة الإسلامية في حقل ازدهار الحضارة الإسلامية. إنّ الفلسفة الإسلامية من خلال امتلاكها للغة المشتركة بين جميع البشر، ألا وهي لغة العقل والفطرة العقلانية للناس، وكذلك من خلال توظيف العقلانية التي نراها عند عموم الأشخاص، توفر أرضيةً مناسبةً للحضارة الإسلامية في إطار إقامة الحوار مع سائر الحضارات. ومن الواضح أنّ تبلور مثل هذا الحوار يمكن أنْ يؤدّي دورًا حيويًا في ازدهار الحضارة الإسلامية؛ إذ من خلال الحوار يمكن اجتذاب نقاط القوّة الموجودة في سائر الحضارات، والعمل ـ في إطار التعرّف على نقاط ضعف كلّ حضارةٍ ـ على رسم مسار الحضارة؛ بنحو لا تواجه مثل هذه العقبات، وأنْ تعمل الحضارة الإسلامية ـ في الوقت نفسه ـ على تجنّب هذه الموانع والعقبات.

النتيجة

إلى هنا ننتهي من مسألة البحث والتحقيق، حيث يمكن أنْ نصل من خلال هذه الدراسة إلى نتيجةٍ مفادها إمكان العثور ـ من زاوية الرؤية «الحضارية» ـ على أدوارٍ جديدةٍ للفلسفة والتعقل، لم تحظَ بالاهتمام الكافي من قبل النصوص والمصادر التحقيقية. وإنّ هذا التجاهل من قبل الرؤية الحضارية، قد خلق الأرضية ليقوم بعض المفكّرين والمؤلّفين بمخالفة الفلسفة الإسلامية استنادًا إلى حججٍ واهيةٍ من قبيل: نسبتها إلى الجذور اليونانية، أو التشدّد والتزمّت، وعدم الجدوائية وما إلى ذلك. في حين أنّ للفلسفة الإسلامية في البُعد الحضاري أعمالًا مهمّةً أشرنا إلى بعضها في هذه المقالة. وإنّ بعض هذه الأمور هي كالآتي:

1. إنّ من بين الأدوار الحيوية للفلسفة في تطوير الحضارة، المساعدة على بناء الهوية الثقافية للمجتمع.

(211)

2. إنّ الدور الحيوي الآخر للفلسفة في حقل الحضارة، إعداد الأرضية المناسبة لبناء النظام الفكري.

3. الدور الثالث للفلسفة هو إعداد الأرضية لإصلاح الحياة الاجتماعية من طريق المواجهة مع الانحرافات الفكرية، من قبيل: العدمية والنسبية والتشكيك.

4. الدور الرابع الأساسي للفلسفة في الحضارة، تلبية الحاجة الفطرية للإنسان فيما يتعلق بمعرفة الحقائق.

5. إنّ الدور الخامس الآخر والمهم للفلسفة في الحضارة، هو المساعدة من أجل إقامة الحوارات بين مختلف الحضارات من جهة، والتيارات الفكرية المختلفة في إطار الحضارة الإسلامية من جهة أخرى.

والمسألة المهمّة الأخرى هي أنّ الفلسفة الإسلامية إذا كانت تسعى إلى التأثير الأكبر على الحضارة الإسلامية، فيجب أنْ تبحث عن التأثير في مختلف المجالات الاجتماعية والتعليمية والسياسية وما إلى ذلك، لكي تلبي احتياجات المجتمع الإسلامي الراهن.

 

 

 

 

 

 

 

(212)

 

 

المصادر

  1. القرآن الكريم.
  2. ابن منظور الأفريقي، محمد بن مكرم، لسان العرب، بیروت، دار إحياء التراث العربي، 1996 م.
  3. أركون، محمد، الفكر العربي، ترجمه إلى اللغة العربية: عادل العوّا، بيروت، منشورات عويدات، 1985 م.
  4. ــــــــــــــــ، قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم؟، ترجمه إلى اللغة العربية وعلّق عليه: هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، 1998 م.
  5. إقبال اللاهوري، محمد، سير فلسفه در إيران، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أمير حسين آريان بور، طهران، مؤسسة انتشارات نگاه، 1380 هـ.ش.
  6. بدوي، عبد الرحمن، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، بيروت، دار القلم، 1980 م.
  7. الجابري، محمد عابد، جدال كلام عرفان و فلسفه در تمدن اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: رضا شيرازي، طهران، انتشارات يادآوران، 1380 هـ.ش.
  8. ــــــــــــــــ، ما و ميراث فلسفي مان، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيد مهدي آل مهدي، طهران، نشر ثالث، 1387 هـ.ش.
  9. ــــــــــــــــ، قضايا في الفكر المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، 1997 م.
  10. جوادي آملي، عبد الله، تفسير تسنيم، قم، انتشارات إسراء، 1387 هـ.ش.
  11. ــــــــــــــــ، رحيق مختوم، ج1، قم، انتشارات إسراء، 1393 هـ.ش.
  12. حنفي، حسن، قضايا معاصرة في الفكر المعاصر، القاهرة، دار الفكر العربي، 1981 م.
  13. الخشت، محمد عثمان، الإسلام والعلم بين الأفغاني ورينان، القاهرة، دار قباء، 1998 م.
(213)
  1. داوري اردكاني، رضا، فلسفه معاصر ايران، طهران، نشر ساقي، 1384 هـ.ش.
  2. دورانت، ويليام جيمس، تاريخ تمدن (قصة الحضارة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد آرام، طهران، نشر إقبال، 1377 هـ.ش.
  3. زرين كوب، عبد الحسين، كارنامه اسلام، طهران، مؤسسة انتشارات أمير كبير، 1369 هـ.ش.
  4. شريعتي، علي، مجموعه آثار (الأعمال الكتملة) (أحد عشر مجلدًا)، تاريخ تمدّن، طهران، انتشارات قلم، 1375 هـ.ش.
  5. ضاهر، عادل، الأسس الفلسفية للعلمانية، بیروت، دار الساقي، 1993 م.
  6. عبد الرحمن، طه، فقه الفلسفة، الفلسفة والترجمة، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1995 م.
  7. العروي، عبد الله، مفهوم العقل، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1996 م.
  8. العظمة، عزيز، العلمانية من منظور مختلف، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1992 م.
  9. عنايت، حميد، سيري در انديشه سياسي عرب، طهران، انتشارات أمير كبير، 1356 هـ.ش.
  10. الفارابي، أبو نصر، سياست مدينه، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيد محمد سجادي، انتشارات انجمن فلسفه ايران، 1358 هـ.ش.
  11. ــــــــــــــــ، كتاب الجمع بين رأيي الحكيمين، تحقيق: ألبير نصري نادر، طهران، انتشارات الزهراء، ط 2، 1405 هـ.
  12. ــــــــــــــــ، آراء أهل المدينة الفاضلة، تحقيق: ألبير نصري نادر، بيروت، دار المطبعة الكاثوليكية، 1969 م.
  13. ــــــــــــــــ، كتاب الملة ونصوص أخرى، تحقيق: محسن مهدي، بيروت، دار الشرق، 1991 م.
  14. لوبون، گوستاو، تمدّن اسلام و عرب، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيد هاشم الحسيني، طهران، كتاب فروشي اسلاميه، 1347 هـ.ش.
(214)
  1. المسيري، عبد الوهاب، والعظمة، عزيز، العلمانية تحت المجهر، القاهرة، دار الفكر المعاصر، 2017 م.
  2. مصباح اليزدي، مجتبى؛ ومحمدي، عبد الله، معرفت‌شناسي، قم، انتشارات مؤسسه آموزشي و پژوهشي امام خميني؟ره؟، 1398 هـ.ش.
  3. مصباح اليزدي، محمدتقي، آموزش فلسفه، طهران، انتشارات سازمان تبليغات اسلامي، 1364 هـ.ش.
  4. المطهري، مرتضى، وحي و نبوّت، طهران، انتشارات صدرا، 1371 هـ.ش.
  5. ــــــــــــــــ، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، طهران، انتشارات صدرا، 1376 هـ.ش.
  6. ملكيان، مصطفى، تاريخ فلسفه غرب (أربعة مجلدات)، قم، پژوهشگاه حوزه و دانشگاه، 1379 هـ.ش.
(215)
(216)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف